وفيه فصول:
الفصل الأول: تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك وبطلانه.
الفصل الثاني: تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه.
الفصل الثالث: تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك.
[ ٢ / ١٣٣٧ ]
الفصل الأول تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك
[ ٢ / ١٣٣٩ ]
الفصل الأول تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك
إن للقرآن الكريم منهجه الخاص به في تقرير قبح الشرك، وذلك لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
ومحاولتي هنا في إبراز بعض الجوانب للمنهج الذي سلكه الله في القرآن الكريم في بيان قبح الشرك تبقى محاولة ناقصة؛ لأنها محاولة بشرية، والكمال لله وحده، وهي محاولة لبيان الخطوط العريضة التي سلكها القرآن في بيان قبح الشرك ومحاربته.
لقد اعتمدت في مراجع هذا الباب كتب التفسير غالبًا، مع الخروج إلى بعض كتب العقائد لزيادة التوضيح والبيان.
وقد جاء هذا الفصل على عدة مباحث:
[ ٢ / ١٣٤١ ]
المبحث الأول في بيان تقرير الله ﷿ في القرآن الأدلة الكونية على قبح الشرك
إنني في هذا المبحث لن أتحدث عن الآيات القرآنية الكونية بمنطلق النظريات العلمية؛ لأن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز لا كتاب فيزياء، وكيمياء، وجيولوجيا، وغيرها من العلوم العصرية، وكلامي على الآيات القرآنية الكونية من حيث بساطتها ووضوحها وأن النظر فيها يؤدي إلى معرفة قبح الشرك وبطلانه، وقد تحدثت في هذا المبحث عن أربع نقاط، هي في المطالب التالية:
المطلب الأول: اشتمال الآيات القرآنية على دليلي الخلق والعناية الدالين على قبح الشرك في الربوبية، وبطلانه بالتعطيل.
المطلب الثاني: اشتمال الآيات القرآنية على آية السموات والأرض الدالة على قبح الشرك في الربوبية، وبطلانه أيضًا بالتعطيل.
المطلب الثالث: اشتمال الآيات القرآنية على آية الشمس والقمر والليل والنهار الدالة على قبح الشرك في الربوبية وبطلانه بالتعطيل.
المطلب الرابع: اشتمال الآيات القرآنية على آية الرياح، والسحاب، والقمر، والمطر، والنبات على قبح الشرك في الربوبية بالتعطيل.
ولم أذكر في هذا المبحث جميع ما ورد في القرآن من الآيات الكونية الدالة على قبح الشرك في الربوبية؛ لأن استقراءها يجعل الموضوع طويلًا جدًا، والغرض هو التنبيه على الاستدلال بهذا النوع من الآيات، فرأيت الاكتفاء بما يدل على المقصود.
[ ٢ / ١٣٤٢ ]
ومما ينبغي التنويه إليه في هذا المكان أن الآيات القرآنية الدالة على قبح الشرك في الربوبية وبطلانه هي الدالة أيضًا على قبح الشرك في الألوهية، والعبادة؛ وذلك لأن الألوهية مستلزمة لها.
وفيما يلي هذه المطالب مرتبًا.
المطلب الأول: في بيان اشتمال الآيات القرآنية على دليلي الخلق والعناية الدالين على قبح الشرك
إذا نظرنا إلى الآيات القرآنية الكونية نرى أنها تنبه على دليلي الخلق والعناية في الكون لكي يخرج الناس من ظلمات الشرك به سبحانه ويعترف العقل على قبحه، وهما دليلا الشرع، وقد يكون الدليلان معًا في الآية الواحدة، فآيات القرآن:
١ - إما أن تتضمن التنبيه على دليل الاختراع الدال على أن تعطيله عن مخترع قبيح.
٢ - وإما أن تتضمن التنبيه على دليل العناية الدالة على أن هناك خالقًا لابد من العبادة له.
٣ - وإما أن تتضمن التنبيه على الدليلين السابقين معًا.
وفيما يلي بيان هذين الدليلين:
دليل الخلق:
ويسمى دليل الإبداع أو الاختراع، وهو مبني على أصلين:
[ ٢ / ١٣٤٣ ]
أ- أن الموجودات كلها مخترعة ومخلوقة.
ب- كل مخترع لابد له من مخترع وخالق.
ويعتمد هذا الدليل على إثارة الفكر للتعرف على خالق الموجودات جميعها، والاستدلال بذلك على وحدانيته تعالى، وهو أول دليل تلفت الآيات النظر إليه، كقوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
وملخص هذا الدليل أن كل ما في الكون مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق؛ لأنه يستحيل أن يكون خلق من غير خالق، ولهذا كان كل رسول يقول لقوله: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
وقد كان المشركون يؤمنون بهذا الدليل من حيث دلالته على توحيد الربوبية، ولا يؤمنون بدلالته على توحيد الألوهية. قال تعالى عنهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ).
وقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).
وقد أقام القرآن الحجة عليهم بهذا التوحيد - توحيد الربوبية - ليكون
[ ٢ / ١٣٤٤ ]
موصلًا لهم لتوحيد الألوهية، حيث يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وقال تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا).
والمعنى كما أنه المتفرد بربوبية المشرق والمغرب وربوبية السموات والأرض وليس لذلك رب سواه، فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إلهًا سواه.
وكذلك لما أقسم ﷾ على الوحدانية في سورة الصافات، أتبع هذا القسم بذكر ربوبيته تعالى للسموات والأرض، ومشارقها، فقال تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ).
يقول ابن القيم: (فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته، وقرر توحيد ربوبيته فقال: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) من أعظم الأدلة على أنه واحد، ولو كان معه إله آخر لكان الإله مشاركًا له في ربوبيته كما شاركه في إلهيته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذه قاعدة القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، فيقرر كونه معبودًا واحدًا بكونه خالقًا ورازقًا وحده).
المقصود: بيان كون دليل الخلق يدل على قبح الشرك، إذ الخالق لابد أن
[ ٢ / ١٣٤٥ ]
يعبد، وعبادته لغير خالقه قُبح، وشر محض.
وقال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ).
قال ابن القيم: (فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق، وأفصح عبارة، يقول تعالى: هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع، ومخلوق من غير خالق، ولو مر رجل بأرض فقر لا بناء فيها ثم مر فيها فرأى فيها بنيانًا وقصورًا وعمارات محكمة لم يتخالجه شك، ولا ريب أن صانعًا صنعها، وبانيًا بناها، ثم قال: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موحدًا خالقًا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده، وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة، ولا أصبعًا وظفرًا، ولا شعرة كيف يكون خالقًا لنفسه في حال عدمه؟ وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقًا وفاطرًا فطرهم فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر، فكيف يشركون به إلهًا غيره وهو وحده الخالق لهم؟).
وقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ).
يقول ابن القيم: (فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين، فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقًا فاعلًا، يوصل إلى عابيه النفع ويدفع عنهم
[ ٢ / ١٣٤٦ ]
الضر. فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه ).
فهذا بعض ما يدل على دليل الخلق الذي يبين قبح الشرك بالله سبحانه صراحة، وهي في الربوبية، ولكنه بالاستلزام يدل على قبح الشرك في الألوهية.
دليل العناية:
ويسمى دليل النظام أو التناسق؛ لأنه ينطلق بنا ضمن الآيات الكونية ليوصلنا إلى أن الذي نظم الكون وربط أجزاءه بحيث يكمل بعضها بعضًا وقدر كل شيء فيه تقديرًا هو الله الواحد الأحد، ومن الآيات القرآنية التي ورد فيها دليل العناية قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
وقوله تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ).
وقوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)
[ ٢ / ١٣٤٧ ]
وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا).
هذه الآيات القرآنية التي ذكرناها، وآيات أخرى كثيرة تلفت نظر الإنسان لما في هذا الكون من التنظيم الدقيق والتناسق بين أجزاء الكون أقصى غايات الدقة والإتقان لتدل دلالة قاطعة على العناية التامة بهذا الكون وما فيه، وأن إلهًا واحدًا قادرًا هو الذي نظم كل ما فيه أحسن تنظيم.
فهذا الدليل الذي ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم يدل على أن الشرك في الربوبية بالتعطيل (المستلزم للشرك في العبادة) قبيح للغاية.
المطلب الثاني: في بيان آية السموات والأرض الدالة على قبح الشرك بالله
ذكرت آية الأرض مع آية السماء؛ لأنهما تذكران معًا في معظم آيات القرآن الكريم، وبيانه فيما يلي:
١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
[ ٢ / ١٣٤٨ ]
فهذه الآية يطلب الله تعالى من الناس جميعًا أن يوحدوه، ولا يشركوا به الأصنام، والأنداد وهم يعلمون أنه هو الذي بنى السماء وفرش الأرض.
قال ابن كثير: (وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له).
وقال الزمخشري: (أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا تتخذوا له شركاء).
٢ - قال تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).
هذه الآيات الكونية بدأت بالنص على الوحدانية، ثم نبه تعالى عباده على تفرده بالألوهية بخلق السموات والأرض وما بينهما؛ لأن من نظر إلى السماء في ارتفاعها وسعتها وإلى الأرض واستقرارها أداه ذلك إلى توحيد الله وعبادته؛ لأن في خلق السموات والأرض دلالات واضحة لقوم يعقلون عن الله حججه وأدلته على وحدانيته وقبح شركه.
قال الطبري: (وهذا تنبيه من الله - تعالى ذكره - أهل الشرك به على ضلالهم ودعاء منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم، ثم عرفهم - تعالى ذكره - بالآية التي تتلوها موضع استدلال ذوي الأباب منهم على حقيقة ما نبههم
[ ٢ / ١٣٤٩ ]
عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم، فقال تعالى ذكره: أيها المشركون، إن جهلتهم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون من ألوهيته من الأنداد والأوثان فتدبروا حججي وفكروا فيها فإن من حججي خلق السموات والأض).
٣ - قال تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)، وقال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) ففي هذه الآيات نبه سبحانه على وقوف السماء بغير عمد وأن الله ممسكها بقدرته وعظيم سلطانه، وجعلها من البعد بحيث لا تنال، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، كما أن بعد ما بين كل سماء والتي تليها خمسمائة عام، ومن كان هذا خلقه فهو متعال عن الشرك كما قال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). فأنى يكون له شريك، وقد خلقهما بالحق وهو التوحيد، منفردًا بخلقهما، وإبداعهما من غير حاجة لأحد؟ فليس له شريك، بل إثباته قبيح.
[ ٢ / ١٣٥٠ ]
المطلب الثالث: آية الشمس والقمر والليل والنهار الدالة على قبح الشرك
ذكرت آية الشمس والقمر مع آية الليل والنهار لورودها مجتمعة في بعض المواضع من آيات القرآن الكريم: من هذه الآيات:
١ - قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ).
في هاتين الآيتين تنبيه على أن الله وحده هو الذي خلق الشمس والقمر والليل والنهار بغير معين ولا شريك؛ فقوله: (هو) دلالة على الوحدانية أي هو الذي جعل الشعاع الصادر عن الشمس ضياء وجعل الشعاع الصادر عن القمر نورًا، وفاوت بينهما بأن جعل سلطان الشمس نهارًا وسلطان القمر ليلًا وقدر القمر منازل.
فالمتدبر لذلك يعلم حقيقة الوحدانية. قال الطبري: (لقوم يعلمون إذا تدبروها حقيقة وحدانية الله).
وانظر كيف وضعت الشمس في مكانها الخاص بها، والقمر في مكانه الخاص به، ووضعت الكواكب في أمكنتها الخاصة بها، ودوران ذلك كله كما
[ ٢ / ١٣٥١ ]
قال تعالى: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). قال ابن عباس: (أي يدورون كما يدور المغزل في الفلكة). قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم، والشمس، والقمر لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن.
وانظر لهذا التقدير الحكيم بأن جعل الله الليل والنهار مرتبطين بدورة الشمس فلا يستطيع أحد إيقاف الشمس عن دورتها، أو حبس الليل والنهار عن جزء من الأرض؛ لأن الله وحده هو الذي يتولى ذلك كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: (فعلت هذا الفعل من إيلاجي الليل في النهار وإيلاجي النهار في الليل لأني أنا الحق الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ند وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من دونه هو الباطل الذي لا يقدر صنعه شيء بل هو المصنوع).
٢ - قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
في هذه الآية يبين تعالى أن الليل، والنهار، والشمس، والقمر من دلائل
[ ٢ / ١٣٥٢ ]
وحدانيته ووجوب عبادته، ولا تستحق الشمس أو القمر العبادة، إنما يستحق ذلك خالقها دون كل شيء سواه.
يقول ابن كثير: (يقول تعالى منبهًا على قدرته العظيمة وأنه الذي لا نظير له وأنه على ما يشاء قدير: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)؛ أي أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياؤه وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات، ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره، فقال: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)؛ أي لا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره فإنه لا يغفر أن يشرك به).
إذا نظرنا إلى العلم وجدناه يقول بأن مجموعتنا الشمسية ليست إلا جزءًا من أجزاء المجموعة المجرية، ومجرتنا هذه واحدة من مجرات عديدة، ويقول العلم بأن هناك نجومًا كثيرة أكبر من الشمس وأشد حرارة منها، وأن الشمس التي يستفيد من حرارتها كل نبت وحيوان درجة حرارة سطحها ١٢٠٠٠ درجة فهرنهايت، وأن الأرض موضوعة بالمكان المناسب لاستمرار الحياة عليها، ولو زادت درجة الحرارة أو نقصت عن حد معين قدره الله تعالى لمات كل الأحياء على سطح الأرض حرقًا أو تجمدًا، وأن مسار القمر له علاقة
[ ٢ / ١٣٥٣ ]
بالمد والجزر الذي يحصل في البحار مرتين في العام، ولو كان القمر غيّر هذا المسار الذي رسمه له خالقه لعم الماء جميع اليابسة وفاض عليها بحيث تصبح الحياة مستحيلة على ظهرها.
إن هذا الخلق العظيم والتنظيم الدقيق يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله وأنه المستحق أن يفرد بالعبادة دون كل شيء سواه، بل عبادة غيره سبحانه والشرك به قبيح.
المطلب الرابع: آية الرياح والمطر والنبات الدالة على قبح الشرك
ذكرت الكلام عن هذه الآيات معًا لارتباطها ببعضها، ولأنه يرد في القرآن اقتران الرياح بإنزال المطر ثم إنبات المزروعات والثمار، وهي من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وفيما يلي بيان ذلك:
١ - يقول تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ).
في هذه الآية وصف الله تعالى الرياح بأنها لواقح؛ لأنها تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها فيبعث الله الرياح المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، أليس ذلك آية دالة على وحداينة الله المتصرف في هذا الكون،
[ ٢ / ١٣٥٤ ]
وعلى أن تعطيله عن مصنوعه قبيح؟
٢ - يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
في هذه الآية نبهنا الله تعالى على أنه هو وحده الذي يشق الحب والنوى في الثرى فتنبت منه الزرع، والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، ثم قال مشيرًا إلى وحدانيته تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ): أي فاعل ذلك هو الله وحده لا شريك فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل بعبادتكم غير الله تعالى؟
يقول الطبري: (وهذا تنبيه من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجته عليهم، وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياهم، يقول تعالى ذكره: إن الذي له العبادة أيها الناس دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان هو الله الذي فلق الحب؛ يعني شق الحب من كل ما ينبت من النبات فأخرج منه الزرع، والنوى من كل ما يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر ).
٣ - ويقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
الخضر: هو الزرع، والشجر الأخضر. والمتراكب: هو الحب والثمر، لأنه يركب بعضه بعضًا. والمشتبه وغير المتشابه: أي متشابه في الورق
[ ٢ / ١٣٥٥ ]
والشكل، وهو مختلف في الطعم واللون.
إن التفكير في النبات، والثمار، وكيفية تكونها من البذرة حتى صارت زرعًا أخضر وثمرًا طيبًا بعد جفافها، واختلاف ألوان الثمار وطعومها مع كونها متشابهة في الشكل والورق - لا شك يؤدي إلى معرفة الله ووحدانيته، ولذلك حثنا الله على النظر للثمار فقال: (انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)، فهي تدل دلالة واضحة على وحدانية الله وقبح الشرك به وبطلانه، لذلك ذم الله تعالى المشركين بعد هذه الآية مباشرة فقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) - إلى قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: (يا أيها الناس، إذا نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموه؛ علمتم أن له مدبرًا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد).
وقد استنكر الهدهد على قوم بلقيس سجودهم للشمس من دون الله، مستدلًا على وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة وعدم الشرك به بأنه خلق الماء والنبات وأخرجه بعد أن كان مخبوءًا في السماء والأرض، وجعل ذلك حجة على المخالفين. حيث قال تعالى عنه: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).
[ ٢ / ١٣٥٦ ]
المبحث الثاني تقرير القرآن قبح الشرك بضرب الأمثال
وفيه تمهيد ومطالب
تمهيد:
سبق أن تكلمنا في المبحث السابق عن الأدلة التي نبه عليها القرآن الكريم في تقريره لقبح الشرك بالله وبطلانه، ونتحدث في هذا المبحث عن تقرير القرآن لقبح الشرك بضرب الأمثال.
والأمثال مفردها مثل، وهو الشيء الذي يضرب لشيء مثلًا فيجعل مثله أو هو ما يضرب به من الأمثال، وقد يكون المثل هو الصفة كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ): أي صفتها.
ولقد ضرب الله ﷾ للناس في هذا القرآن من كل مثل؛ لأن ضرب الأمثال فيه فوائد كثيرة كالتذكير والوعظ والحث والزجر والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره بصوره المحسوس وتشبيه الخفي بالجلي، فلضرب الأمثال واستحضا العلماء النظائر شأن ليس بالخفي في إبراز الخفيات والحقائق حتى يرى المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد.
[ ٢ / ١٣٥٧ ]
يقول ابن القيم ﵀: (فإن النفس تأنس بالنظائر، والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير، ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال شواهد المعاني، ومزكية له، فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه وهي خاصة العقل ولبه وثمرته).
وقد امتن الله تعالى على عباده بأن ضرب لهم الأمثال فقال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ)، وقال تعالى: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ)، وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ).
وقد نهى الله ﷾: عباده أن يضربوا له الأمثال بقوله تعالى: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ)؛ يعني الأشباه فتشبهونه بخلقه، وتجعلون له
[ ٢ / ١٣٥٨ ]
شريكًا؛ لأن ضرب المثل تمثيل والله تعالى لا مثل ولا ند له في ذاته ولا في أسمائه، وصفاته، ولا في أفعاله، وما ابتدع من ابتدع، ولا ضل من ضل إلا من ضرب الأمثال له سبحانه، وأهل الكلام المحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة فضلوا؛ لأن ضرب المثل تشبيه حال بحال، والله تعالى لا يمثل بخلقه؛ لأن له المثل الأعلى أي الصفة العليا التي هي كلمة الإخلاص، وشهادة التوحيد: لا إله إلا الله.
وقد اقتصرت في هذا المبحث على أمثال القرآن التي سبقت لتقرير وحدانية الله تعالى وقبح الشرك، فقمت باستقصائها وجمعها من آيات القرآن ثم رتبتها حسب موضوعها، وهي كما يلي:
فإن هذه الأمثال:
١ - إما مضروبة لله من جهة وللأصنام من جهة أخرى.
٢ - وإما مضروبة لكلمة التوحيد، وكلمة الشرك.
٣ - وإما مضروبة للحق والباطل.
٤ - وإما مضروبة لبيان عجز آلهة المشركين.
٥ - وإما مضروبة لحالة المشرك وحالة الموحد.
٦ - وإما مضروبة لقلب الموحد وقلب المشرك.
٧ - وإما مضروبة لحواس الموحد، والمشرك، وحياة الأول واستقامته، وموت الثاني وانكبابه على وجهه.
٨ - وإما مضروبة لأعمال المشركين.
[ ٢ / ١٣٥٩ ]
وبيانها فيما يلي من المطالب:
المطلب الأول: الأمثال المضروبة لله وحده ولما يعبد من دونه
أ- ضرب الله مثلًا لنفسه ولما يعبد من دونه بعدم قبول المشركين إشراك عبيدهم في ما يخصهم، فكيف يقبلون ذلك لله تعالى؟
قال تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، وقال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).
بين ﷾ أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، فما الذي فضلهم الله بالرزق على غيرهم بمشركي غيرهم وهم المماليك فيما رزقوا من الأموال والأزواج حتى يستوواهم وعبيدهم في ذلك، فلا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقوا سواء، بينما هم قد جعلوا مخلوقات الله شركاء له في ملكه وعبادته.
وقد أجمع المفسرون على أن المثل في هذه الآية هو نفس المثل في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا )، ولذلك جعلت الكلام عنهما معًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
[ ٢ / ١٣٦٠ ]
قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ) بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله؟
ويقول ابن القيم ﵀: (وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم الحجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يؤخذ من نفسه ويحتج عليه في نفسه، مقرر عندها، معلوم لها، فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؟ أي شيء يشارككم عبيدكم في أموالكم، وأهليكم، فأنتم وهم في ذلك سواء تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم ؟ فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟).
ب- وضرب الله كذلك مثلين لنفسه ولما يعبد من دونه في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ
[ ٢ / ١٣٦١ ]
مُسْتَقِيمٍ).
هذان المثلان ضربهما لنفسه ولما يعبد من دونه، قال مجاهد: (ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه وللآلهة التي من دونه).
والمثل الأول هو قصة عبد في ملك غيره عاجز عن التصرف وحر غني متصرف فيما آتاه الله، فإذا كان هذان المثلان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد مشتركين في الإنسانية فكيف تشركون بالله وتسوون به من هو مخلوق له مقهور بقدرته من آدمي وغيره مع تباين الأوصاف وأن الله لا يمكن أن يشبهه شيء من خلقه ولا يمكن لعاقل أن يمثل به غيره ؟ .
والمثل الثاني كذلك مضروب لله لما يعبد من دونه، وهي أصنام لا تسمع ولا تنطق؛ لأنها إما من خشب أو نحاس أو حجر وغيره، ولا تجلب خيرًا ولا تدفع شرًا، ثم هي عيال على عابديها تحتاج لمن يحملها ويخدمها كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء فهو كلٌ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم وحيثما وجهوه لا يأت بخير، لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه، وهكذا الصنم لا يعقل ما يقال له، ولا ينطق فيأمر وينهى، فهل يستوي هذا الأبكم بصفاته السابقة ومن هو ناطق متكلم بأمر الحق، ويدعو إليه؟ .
فإذا كانا لا يستويان فكذلك لا يستوي الصنم مع الله الواحد القهار الداعي عباده إلى توحيده وطاعته، فهذا مثل إله الباطل وإله الحق. وبه قال قتادة ومجاهد، وكذلك قال به ابن القيم وبين أن هذين المثلين أوضح عند
[ ٢ / ١٣٦٢ ]
المخاطبين وأعظم في إقامة الحجة عليهم وأظهر في بطلان الشرك وقبحه.
المطلب الثاني: المثل المضروب لكلمة التوحيد وكلمة الشرك
ضرب الله ﷾ مثلًا لكلمة التوحيد بالشجرة الطيبة، ومثلًا لكلمة الشرك بالشجرة الخبيثة، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).
شبّه ﷾ كلمة التوحيد - لا إله إلا الله - بالشجرة الطيبة، وهي النخلة الضاربة جذورها في أعماق التربة وفروعها مرتفعة في السموات، والكلمة الخبيثة وهي الشرك كالشجرة الخبيثة؛ وهي الحنظلة إذا استؤصلت، فلم يبق لها أثر ولا أصل في الأرض، وقد ورد عن ابن عباس وبه قال جمهور المفسرين أن الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله في قلب المؤمن، وأن الكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر.
وفي هذا التشبيه حكم بليغة وأسرار كثيرة؛ لأن الشجرة لابد لها من عروق وساق وفروع، وورق، وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والتوحيد ليطابق المشبه المشبه به؛ فشجرة التوحيد عروقها الثابتة العلم والمعرفة واليقين وساقها
[ ٢ / ١٣٦٣ ]
الإخلاص لله وفروعها الأعمال الصالحة وثمرها الأخلاق الحميدة الزكية، فإذا كانت هذه الأمور مطابقة لأمر الله بأن يكون العلم موافقًا لمعلومه الذي أنزل الله به كتابه، وكان الاعتقاد مطابقًا لما أخبر الله به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله، وكان الإخلاص قائمًا في القلب، والأعمال موافقة للشرع علم أن شجرة التوحيد في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإن كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فكما أن هذه الشجرة الخبيثة ليس لها أصل ثابت ولا فرع ثابت ولا فائدة فيها، فكذلك الشرك ليس له أصل يأخذ به المشرك ولا برهان، ولا يقبل الله مع الشرك عملًا، ولا يصعد إلى الله، فليس له أصل في الأرض ولا فرع في السماء.
المطلب الثالث: مثل للحق والباطل
ضرب الله ﷾ مثلًا للحق والباطل، وهو مشتمل على المثلين المائي والناري، فيقول تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ).
[ ٢ / ١٣٦٤ ]
أما المثل المائي: فقد مثل الله - تعالى - الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله كمثل الماء النازل من السماء إلى الأرض فتحمله الأودية بقدرها الكبير بكبره والصغير بصغره، ولكن هذا السيل الحادث عن ذلك الماء يحمل فوقه زبدًا عاليًا، وبعد قليل يتطاير الزبد ويتلاشى، وأما الماء فيستفيد منه الناس في الشرب وسقي المزروعات، والباقي يمكث في الأرض، لينتفع به الناس في العاجل والآجل، فالحق في ثباته ونفعه يشبه الماء المستقر في الأرض والباطل في تلاشيه واختفائه يشبه الزبد العالي فوق السيل، فهذا أحد المثالين.
وأما المثل الآخر - وهو الناري ـ: فقد شبه الله - تعالى - الحق كمثل المعدن إذا أوقد عليه فيخرج منه الخبث والزبد، ويذهب هذا ويتلاشى ويبقى خالص المعدن ثابتًا مستقرًا نقيًا، فشبه سبحانه الحق ببقائه وثباته بالمعدن الباقي بعد الخبث، وشبه الباطل بالخبث الذي تخرجه النار من المعادن، كذلك يضرب الله الحق والباطل.
قال مجاهد: فذلك مثل الحق والهدى والعلم والتوحيد إذا دخل القلب طرد الخبث وهو الشكوك والشبهات والشهوات. فيطرح القلب هذه الشبه وتتلاشى كما يطرح السيل الزبد، وكما تطرح النار الخبث، وكاستقرار الماء والمعدن الصافي الخالص، يستقر التوحيد والإيمان في القلب وجذوره، بحيث ينفع صاحبه وينتفع به غيره.
[ ٢ / ١٣٦٥ ]
المطلب الرابع: أمثلة عجز آلهة المشركين
وفيه ثلاثة أمثله:
أ- عجزها عن سماع الدعاء وعن إجابته كذلك:
يقول تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)، وقال تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ).
هذان مثلان في عدم نفع دعاء الكفا لأصنامهم؛ لأنها لا تسمع دعاءهم.
وهذا هو المثل الأول: حيث شبه الله - تعالى - المشركين بدعائهم لآلهتهم وطلبهم منها قضاء حاجاتهم كالراعي الذي يصوت بالغنم والبهائم وهي لا تعي ما يقول غير أنها تسمع صوته. يقول ابن القيم في هذا: (فتضمن هذا المثل ناعقًا أي مصوتًا بالغنم وغيرها، ومنعوقًا به وهو الدواب، فقيل: الناعق: العباد وهو الداعي للصنم، والصنم هو المنعوق به المدعو، وأن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه، وهذا قول طائفة منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره).
وأما المثل الثاني: فقد شبه ﷾ المشركين في دعائهم لأصنامهم وأنها لا تستجيب لهم بالعطشان الذي جلس على شفير بئر وبسط
[ ٢ / ١٣٦٦ ]
كفيه إلى الماء وأخذ يدعوه إلى فيه من بعيد مشيرًا إليه بيده ليبل غلته، فلا هو نزل إلى البئر فشرب، ولا الماء ترتفع إليه لأنه جماد لا يحس بعطشه ولا يسمع دعاءه، وهكذا الأوثان لا تحس بدعاء عابديها لها، ولا تستجيب لهم؛ لأنها جمادات منحوتة على هيئة الأحياء، والعرب تضرب مثلًا لمن سعى فيها لا يدركه: القابض على الماء.
ب- عجزها على الخلق وعن استعادة ما يسلب منها:
وضرب الله ﷾ مثلًا لبيان عجز آلهة المشركين عن خلق أضعف وأصغر المخلوقات، بل لو سلب هذا المخلوق الضعيف من الأصنام شيئًا ما استطاعت استرداده، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).
والمعنى بأن المشركين جعلوا لله شبهًا من الأصنام والأنداد التي عبدوها فاستمعوا لحال ما مثلوه وجعلوه شبهًا لله بعبادتهم إياه: إن كل ما تعبدون من دون الله لو اجتمعوا وتعاونوا ما خلقوا ذبابًا في صغره وقلته وضعفه، بل لو سلبهم هذا الذباب شيئًا مما تجعلونه عليها من العسل والطيب، فإنهم لا يستخلصوه منه، ضعف الطالب وهو آلهة المشركين، والمطلوب وهو الذباب.
وفي هذا المثل غاية التحقير، والمهانة لآلهتهم، وفيه التقريع الشديد كذلك لعابديها مع علمهم بضعفها ومهانتها ومع ذلك يجعلونها مثلًا لله، وهذا
[ ٢ / ١٣٦٧ ]
المثل من أبلغ المثال في تجهيل عابدي الأصنام وتقبيحهم واستركاك عقولهم والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية - التي تتضمن القدرة على الخلق، والإحاطة بالكائنات كلها - صورًا وتماثيل لو سلبها الذباب مما دهنت به من العسل، والزعفران ما ردته عن نفسها ولا استنقذته منه.
والظاهر أن ضارب المثل هو الله - تعالى - ضرب مثلًا لما يعبد من دونه، فاستمعوا لحال هذا المثل.
وقد ذكر ابن القيم كلامًا موسعًا حول هذا المثل نقتطف منه قوله: (حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟).
جـ - مثل عجزها عن حماية غيرها:
وضرب الله ﷾ مثلًا لبيان عجز آلهة المشركين عن حماية
[ ٢ / ١٣٦٨ ]
عابديها وقلة غنائها، مشبهًا إياها ببيت العنكبوت، فيقول تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
يبين - تعالى ذكره - أن الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله، ويرجون نفعها عند حاجتهم إليها فهم في ضعف عقولهم وسوء اختيارهم لأنفسهم كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة احتيالها لنفسها تتخذ بيتًا لنفسها ليحميها فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه، وهؤلاء المشركون إذا حل بهم سخط الله لن يغني عنهم أولياؤهم شيئًا ولن يدفعوا عنهم بأس الله، فشبه الأصنام ببيت العنكبوت لبيتها الواهن الضعيف، فكما لا يغني العنكبوت بيتها هكذا لا تغني أصنامهم عنهم من الله شيئًا، وبه قال ابن عباس وقتادة، وابن زيد، والضحاك.
يقول ابن القيم في هذا المثل: (فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا وهو أوهن البيوت، وأضعفها، وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا كما قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا).
[ ٢ / ١٣٦٩ ]
المطلب الخامس: الأمثال المضروبة لوصف حال المشرك وحالة الموحد
وهي ثلاثة أمثال:
أ- مثل المشرك بالساقط من السماء.
ب- مثل المشرك بالحيران في الأرض.
جـ - مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين.
أ- مثل المشرك الساقط من السماء:
ضرب الله ﷾ مثل المشرك بالذي يهوي من السماء فتخطفه الطير أو هوت به الريح في مكان سحيق، قال تعالى: (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ).
يحث الله ﷾ عباده على إخلاص التوحيد وإفراده بالطاعة والعبادة دون الأوثان، ويذكر قبح الشرك وبطلان بأوضح الأمثلة؛ لأن من يشرك بالله شيئًا من دونه فمثله في بعده عن الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه مثل من خر من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به العواصف في مكان بعيد، فعن قتادة قال: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ) الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه.
فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره، ويجوز في هذا التشبيه أمران:
[ ٢ / ١٣٧٠ ]
أحدهما: أن نجعله من التشبيه المركب، فيكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل أهلك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فحال كحال من سقط من السماء فاختطفته الطير ومزقته في حواصلها، أو عصفت به الريح فسقط في مكان سحيق.
وعلى هذا التشبيه المركب لا ننظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابلة من المشبه به.
ثانيهما: أن نجعله من التشبيه المفرق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، فيكون قد شبه التوحيد في علوه وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد، وشبه المشرك الساقط من السماء إلى أسفل سافلين لما يجده من التضييق والشدة، وشبه الشياطين التي تؤزه وتتقاسم قلبه بالطير التي تتقاسم لحمه، وشبه هواه الذي ألقاه في التهلكة بالريح التي هوت به في مكان سحيق.
ب- مثل المشرك بالحيران في الأرض:
وضرب الله مثل المشرك في عبادته الأصنام كمثل رجل في الفلاة حائر وله أصحاب مسلمون موحدون يدعونه للهدى فلا يتبعهم، قال تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
يأمر ﷾ نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للكفار: أنخص بالعبادة الأصنام وندع عبادة الله فنرجع القهقري لم نظفر بحاجتنا؟ فيكون مثلنا في ذلك
[ ٢ / ١٣٧١ ]
مثل الرجل الذي سيرته الشياطين في الأرض حيران ضالًا عن المحجة، ولهذا الحيران أصحاب مسلمون يدعونه لما هم عليه من الهدى الذي هم عليه مقيمون والصواب الذي هم عليه متمسكون وهو يعاندهم ويتبع الشياطين الداعية له لعبادة الأوثان.
عن ابن عباس في قوله تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو) الآية، قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله كمثل رجل ضل الطريق إذ ناداه مناد: يا فلان ابن فلان، هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان، هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق.
وهذا المثل في غاية الحسن، وذلك؛ لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه كالحجر حال نزوله من أعلى فإنه لا ينزل إلا مع الاستدارة، وذلك يوجب كمال التردد والحيرة؛ لأنه عند نزوله من أعلى إلى أسفل لا يعرف على أي شيء يسقط عليه، قال أبو حيان: (ولا تجد للخائف الحائر أكمل ولا أحسن من هذا المثل)، وعن مجاهد قال: (حيران: هذا مثل ضربه الله للكافر يقول: الكافر حيران يدعوه
[ ٢ / ١٣٧٢ ]
المسلم إلى الهدى فلا يجيب).
جـ - مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين:
وضرب الله تعالى مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين. والموحد بالعبد المملوك لرجل واحد، ثم بين سبحانه أنهما لا يستويان، قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
هذا المثل يبين حالة المشرك بالله الذي يعبد آلهة شتى، ويطيع الشياطين وهم في أنفسهم متنازعين سيئة أخلاقهم، وحالة المؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، فالمشرك كالعبد المملوك لجماعة مختلفين متنازعين سيئة أخلاقهم، وكل واحد منهم يستخدم هذا العبد لمصلحته، وأما الموحد فهو كالعبد المملوك لشخص واحد، فهو مطمئن ومستريح من تشاحن الخلطاء والشركاء عليه؛ لأن الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون وأخلاقهم سيئة، كلهم يتلقونه آخذين بطرقه لملكهم له ولأن لكل منهم حقًا عليه، والموحد يملكه إله واحد، فلا يستوي هذا ومن جعل في عنقه حقوقًا لآلهة متعددة.
يقول ابن القيم: (ومنها قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ ) الآية، هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل المتشاكس الضيق الخلق، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا
[ ٢ / ١٣٧٣ ]
يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين.
والموحد لمّا كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفه مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل ييستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه وإلتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون).
المطلب السادس: مثل قلب الموحد وقلب المشرك
وهما مثلان:
أ- ضرب الله ﷾ مثلًا لقلب المؤمن الموحد بالبلد الطيب، ومثلًا لقلب المشرك الكافر بالبلد الخبيث، فقال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ).
بين ﷾ في هذا المثل أن البلد الطيب تربته العذبة مشاربه فيخرج نباته إذا أنزل الله الغيب طيبًا ثمره في حينه ووقته، والبلد الذي خبث فتربته رديئة، ومشاربه مالحة، يخرج نباته بعسر وشدة، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر؛ لأن قلبا لمؤمن لما دخله
[ ٢ / ١٣٧٤ ]
القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه وفاض بالخير، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه ولم يثبت فيه الإيمان، ففاض بالنكد والشر والفساد.
وقد سمى الله في كتابه المؤمن بالطيب والكافر بالخبيث، فقال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، فالخبيث في هذه الآية هم الكفار والطيب هم المؤمنون، كذا قاله السدي.
وقد ورد مثل هذا المثل عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».
وهذا الحديث يبين مثل قلب المؤمن ومثل قلب الكافر بما يوافق المثل القرآني الذي بيناه.
ب- وضرب الله ﷾ مثلًا آخر للقلب الذي يريد أن يهديه
[ ٢ / ١٣٧٥ ]
وللقلب الذي يريد أن يضله فقال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ).
يبين تعالى أن من اراد الله هدايته إلى الإيمان به وبرسوله ﷺ وبما جاء به من عند ربه ويوفقه لذلك، يفسح صدره للإيمان ويهونه ويسهله له بلطفه ومعونته حتى يستنير الإيمان في قلبه فيضيء له ويتلقاه صدره بالقبول.
ومن أراد إضلاله عن سبيل الهدى يجعل صدره حرجًا بخذلانه وغلبة الكفر عليه، والحرج: أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذ إليه شيء من شدة ضيقه، وهو هنا القلب الذي لا تصل إليه الموعظة ولا يدخله نور الإيمان لرين الشرك عليه، وضيق مشاربه فلا يدخل الإيمان، وهو في ذلك كالحرجة: وهي الشجرة الملتف بها الأشجار الكثيفة فلا يدخل إليها شيء لشدة التفاف الأشجار بها.
وقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء): الصعود هو الطلوع إلى أعلى، فشب الله تعالى الكفار في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه كما أن صعود السماء لا يطاق؛ لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع على بني آدم ويبعد عن الاسطاعة وتضيق عنه المقدرة.
قال ابن جريج: (حرجًا بلا إله إلا الله لا يجد لها في صدره مساغًا)، وقال الطبري: (وهذا مثل من الله - تعالى ذكره - ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأن ذلك ليس في
[ ٢ / ١٣٧٦ ]
وسعه).
المطلب السابع: أمثلة وصف حواس الموحد وحواس المشرك
ضرب الله ﷾ مثل المؤمن الموحد بالحي، والسميع، والبصير، وهو في النور، والظل وبمن يمشي سويًا، وضرب مثل الكافر بالميت، والأصم، والأبكم، والأعمى، وهو في الظلمات والحرور، وبمن يمشي مكبًا على وجهه وهو كالأنعام.
وهذه في الحقيقة عدة أمثال لكن لارتباط بعضها ببعض وصعوبة تمييزها عن بعضها ولورودها في القرآن متداخلة، أحببت أن أتكلم عنها مجتمعة، وسأذكر أولًا كل الآيات التي وردت في هذا حسب ترتيب السور:
يقول تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)، ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، ويقول تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)، ويقول تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)، ويقول تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ
[ ٢ / ١٣٧٧ ]
بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، ويقول تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ)، ويقول تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)، ويقول تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، ويقول تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، يقول تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)، ويقول تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)، ويقول تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى
أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، ويقول تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ).
لقد شبه الله ﷾ المؤمن بالحي، وشبه الكافر بالميت من حيث إن الميت جسده خال من الروح فيظهر منه النتن والصديد والقيح وسائر أنواع العفونات وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر كذلك يظهر منه الجهل
[ ٢ / ١٣٧٨ ]
بالله تعالى ومخالفاته لأمره وعدم قبوله لمعجزات الرسل لأنه ميت القلب، وهذا من باب التهكم والازدراء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه روح الإسلام ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات، قال الله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ )؛ فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله رسالته روحًا والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة).
وشبه الله ﷾ الكافر بالأنعام التي لا تفقه ما يقال لها وهمها الأكل والشرب، وهو في شدة نفوره من الإيمان وفراره عن سماع القرآن كالحمر التي رأت الأسد ففرت مسرعة في كل اتجاه، فبين سبحانه أن الكفار أضل من البهائم؛ لأنها تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها، قال عطاء: الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه. ولهذا جعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام؛ لأنها تتفع قائدها وتهتدي الطريق، وأما الكفار فدعاهم الرسل للطريق والهداية فلم يتبعوهم، بل لم يفرقوا بين ما يضرها من النبات أو الطريق وبين ما ينفعها منه، فتجتنب الأول وتؤثر الثاني، والله تعالى لم يعط البهائم قلوبًا تفقه بها، ولا ألسنة تنطق بها وأعطى ذلك للكفار ثم لم ينتفعوا به فصاروا أضل من البهائم لأنهم لم يهتدوا مع وجود الأدلة.
[ ٢ / ١٣٧٩ ]
يقول ابن القيم ﵀: (شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرمات ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل؛ فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرمي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه).
وكذلك شبه الله تعالى: المؤمن الموحد بالسميع والبصير، وشبه الكافر بالأصم والأبكم والأعمى وذلك لتعطيل حواسه وعدم الاستفادة منها.
فعن ابن عباس ومجاهدك أن الأعمى الأصم الأبكم هو الكافر وأن السميع البصير هو المؤمن؛ لعدم إيصار الكافر للحق والهدى واستماعه له، وإبصار المؤمن ذلك واستماعه له، قال قتادة: (هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه وعمي عنه فلا يبصره، وأما المؤمن فسمع الحق وانتفع به وأبصره).
وقال ابن القيم ﵀: (وجعل أحد الفريقين كالأعمى والبصير من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات. والفريق الآخر بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن، فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا).
[ ٢ / ١٣٨٠ ]
وشبه الله ﷾ المؤمن بمن يمشي سويًا معتدلًا على طريق مستقيم، وشبه الكافر بمن يمشي مكبًا على وجهه في ظلمات كثيفة، وقد ورد عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي أن هذا مثل المؤمن والكافر، وأجمع عليه المفسرون؛ وذلك لأن المؤمن معه نور الله، وأما الكافر فهو في الضلالة والظلام متحير لا يجد مخرجًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وضرب الله مثل المؤمن بالحي والبصير والسميع والنور والظل، وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور).
المطلب الثامن: مثلان لبيان فساد أعمال المشركين وهما يدلان على قبح الشرك وبطلانه
ضرب الله ﷾ مثلين لأعمال المشركين، ومثلًا لما ينفقونه من الأموال في وجوه البر:
أ- أما مثلا الأعمال: فقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا
[ ٢ / ١٣٨١ ]
لَهُ مِن نُّورٍ).
يبين الله ﷾ أن مثل أعمال الذين أشركوا بالله مثل سراب بأرض منبسطة يرى وسط النهار وحين اشتداد الحر، فيظنه العطشان ماءً، فإذا أتاه ملتمسًا الشرب لإزالة عطشه لم يجد السراب شيئًا، فكذلك الكافرون في غرور من أعمالهم التي عملوها وهم يحسبون أنها تنجيهم عند الله من الهلاك كما حسب العطشان السراب ماءً، فإذا صار الكافر إلى الله واحتاج لعمله لم ينفعه وجازاه الله به بالجزاء الذي يستحقه.
وقوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ) الآية هذا مثل آخر لأعمال الكفار، إلا أن المثل الأول في انخداع الكافر بعمله في الدنيا وغروره به، وهذا المثل لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلال وحيرة على غير هدى، فهي في ذلك كمثل ظلمات في بحر عميق جدًا كثير الماء، وفوق هذا البحر العميق موج عال مخيف، وفوق هذا الموج موج آخر، وفوقهما سحاب متراكم، فاجتمعت عدة ظلمات، وهكذا عمل الكافر ظلمات في ظلمات.
قال ابن عباس وابن زيد في مثل السراب: (هذا مثل ضربه الله لأعمال الذين كفروا)، وقال قتادة وأُبي بن كعب في مثل الظلمات: (هذا مثل آخر ضربه الله للكافر يعمل في ضلال وحيرة)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومثل أعمال الكافرين بالظلمة).
[ ٢ / ١٣٨٢ ]
ولكن ابن كثير عدّ المثلين للكفار الدعاة وغير الدعاة، حيث جعل مثل السراب لعمل الكافر الداعية لمذهبه وكفره فيحسب أنه على كل شيء من الأعمال والاعتقادات وهو في واقع الأمر ليس على شيء.
وقال القرطبي: (ضرب الله مثلًا آخر للكفار أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات، قال الزجاج: إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات).
وبهذا نرى القرطبي، والزجاج يجعلان المثلين مترادفين.
وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين كلامًا جيدًا حول هذين المثلين، حيث يقول: (ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلا بالسراب، ومثلا بالظلمات المتراكمة، وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان:
أحدهما: من يظن أنه على شيء، فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه، وهذه حالة أهل الجهل، وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة يرى في عين الناظر ماء ولا حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك ، وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة - وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والعالم - فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له، وذلك مطابقة لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى، وتأمل ما تحت قوله: (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ) والظمآن الذي قد اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجد شيئًا بل خانه أحوج ما كان إليه، فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول
[ ٢ / ١٣٨٣ ]
ولغير الله، جعلت كالسراب فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها فلم يجدوا شيئًا ووجدوا الله سبحانه ثَمَّ فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم
النوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع وظلمة النفوس وظلمة الجهل؛ حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موج، ومن فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان).
ب- وضرب الله ﷾ مثلًا لبطلان أعمال المشركين وحبوطها بالرماد الذي عصفت به الريح الشديدة فلم تبق منه شيئًا، فقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ).
هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي كانوا يعملونها في الدنيا من المكارم وصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل وإغاثة الملهوف والإجارة وغيرها من أعمال البر يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله، فمثلها كمثل رماد هبت عليه ريح عاصفة فنسفته وذهبت به، فلا يجد الكافرون من أعمالهم الخيرة شيئًا ينفعهم عند الله يوم القيامة؛ لأنهم كانوا يشركون فيها معه الآلهة والأوثان، فهي على غير هدى بل هي على جور وضلال.
[ ٢ / ١٣٨٤ ]
والمثل هنا إنما هو للأعمال، ولكن الله تعالى قال: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ) حيث قدم الاسم على الخبر؛ (لأن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، والمعنى مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد).
قال ابن كثير: (هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره وكذبوا رسله وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها).
وقال ابن القيم ﵀: (فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف، فشبه سبحانه أعمالهم - في حبوطها وذهابها باطلًا كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله الله ﷿ وعلى غير أمره - برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه، فلذلك قال: (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه موافقًا لشرعه وفي تشبيهه بالرماد سر بديع؛ وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على أصحابها، وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا،
[ ٢ / ١٣٨٥ ]
كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا وروحًا، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار).
جـ - وضرب الله مثلًا لنفقة الكفار وعدم قبولها بالزرع الذي أصابته ريح شديدة تحمل نارًا ملتهبة فلم تبق منه شيئًا، قال تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
شبه الله سبحانه ما ينفق الكافر ويتصدق به على وجه القربة إلى الله وهو مشرك بالله وجاحد به ومكذب لرسله وأن ذلك غير نافعه وأنه مضمحل عند حاجته إليه ذاهب بعد ما كان يرجو نفعه، كشبه ريح فيها برد شديد وتحمل النار فأصابت زرع قوم أملوا إدراكه ورجوا ريعه لكنهم كفرة، فأهلكت الريح التي فيها الصر الزرع ولم ينتفع بشيء منه، وكذلك يفعل الله بنفقة الكافر وصدقته ويبطل ثوابها، والمراد بالمثل صنيع الله بالنفقة.
قال الطبري: (فتأويل الكلام مثل إبطال أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر، وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلالة الكلام عليه وهو قوله تعالى: (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ)، ولمعرفة السامع ذلك معناه).
وقد رأى بعض العلماء أن هذا المثل مضروب لأعمال الكفار كلها ليس للنفقة فحسب، وإنما خص النفقة بالذكر لكونها أظهر وأكثر.
[ ٢ / ١٣٨٦ ]
قال ابن القيم: (وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكاره والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر ولا يبتغون به وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابته ريح شديدة البرد جدًا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذك الزرع وأيبسته).
[ ٢ / ١٣٨٧ ]
المبحث الثالث تقرير الله ﷿ قبح الشرك وبطلانه ببعض القصص القرآني
لقد ذكر الله ﷿ ما جرى لكل رسول مع قومه، وكيف كانت دعوة الرسل إلى الله ﷿ لأقوامهم وذلك بالدعوة إلى التوحيد وبيان قبح الشرك وبطلانه، وأخبرنا عن إهلاك الأمم السابقة لمّا ردوا أمر الله وتمردوا على الشرك به سبحانه، كل هذا يعتبر بيانًا من الله سبحانه لقبح الشرك وبطلانه.
وقد سبق ذكر بعض هذه القصص عند بيان شرك الأمم السابقة مفضلًا، وفيما يلي بعض أوجه دلالة هذه القصص على قبح الشرك وبطلانه.
فمثلًا في قصة نوح ﷺ نرى أن الله ﷿ أهلكهم بطوفان من عنده نتيجة شركهم بالله بعد ما دعاهم نبيهم بسبل شتى وطرق مختلفة ولكن دون جدوى، فلما جاءهم أمر الله لم ينفعهم أصنامهم شيئًا ولم ينقذوهم مما حل بهم من العذاب والنكال، وفيه دلالة واضحة على قبح الشرك بالله سبحانه وعلى كونه من أبطل الباطل.
يقول الطبري: (إن فيما فعلنا بقوم نوح من إهلاكنا لهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام لعبرًا لقومك من مشركي قريش وعظات، وحججًا لنا يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم فينزجروا عن كفرهم ويرتدوا عن تكذيبك حذرًا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب، وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم).
ومثل هذا في قصة قوم إبراهيم ﷺ؛ حيث بين ﵇ حجته أمام
[ ٢ / ١٣٨٨ ]
طاغوت زمانه الذي ادّعى الربوبية وعطل المصنوع عن صانعه، وادّعى خصائص الربوبية لنفسه بقوله: (فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). هكذا بهت الذي أشرك بالله وكفر به؛ لأن الإله الحق لابد أن يتصرف في ملكه كما يشاء، فإذا لم يستطع على ذلك دل على أن دعواه باطل، وأن الشرك بالله سبحانه باطل وقبيح.
وهكذا لما أراد إبراهيم ﵇ إظهار شناعة الشرك وقبحه به سبحانه أمام قومه جميعًا ذهب يحمل الفأس فكسر الأصنام وأبقى الصنم الكبير، وهذا فيه وجهان لقبح الشرك وبطلانه:
أولهما: أن هذه الأصنام إن كانت آلهة فلم لم تدافع عن نفسها عند تكسيرها؟ والإله الحق حي لا يموت، وهذه قد اندثرت وصارت حطامًا.
ثانيهما: أنها إذ لم تدافع عن نفسها فلما لا تجيبكم عمن كسرها؟ فإن أجابتكم عمن كسرها فهي بحاجة إلى الحماية ولذا هي ليست آلهة؛ لأن الإله الحق غني عن حماية غيره له، فالشرك مع الله سبحانه بهذه الآلهة المزعومة قبيح لا شك فيه.
فهذا مثلان من جملة مئات الأمثلة في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أوردتهما كالنموذج لدلالة القصص القرآني على قبح الشرك وبطلانه، وقد سبق بيان أخبارهم مفصلًا في الباب الأول. وكل من تفكر في هذا القصص القرآني يدرك حقيقة ما ذكرناه لا محالة، ولعلنا نكتفي بهذا
[ ٢ / ١٣٨٩ ]
القدر، مكتفيًا بما سبق معنا في الباب الأول، فإن المقصود هو الإشارة بإيجاز، وإلا لو بدأنا هذه القصص وما تدل عليه من العبر والعظات لخرجنا عن موضوعنا ولعملنا بعض التكرار في عملنا.
[ ٢ / ١٣٩٠ ]
الفصل الثاني
تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه
[ ٢ / ١٣٩٢ ]
الفصل الثاني تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه
تنوعت دلالات السنة النبوية على قبح الشرك، ويظهر ذلك جليًا في الأمور التالية:
الأول: بيانا لنبي ﷺ قبح الشرك في أقواله، ويتضمن نهيه عن أنواع من الشرك.
الثاني: بيان النبي ﷺ قبح الشرك في أعماله، ويتضمن كل ما فعله ﷺ في حياته من مواقفه في بعض الغزوات ومع بعض الكفار والمشركين وصناديدهم.
الثالث: ذكره ﷺ ما يقع في أمته من أنواع الشرك وتحذيره منه.
وسأذكر هنا نماذج من أحاديث النبي ﷺ القولية، والفعلية، والتقريرية، وأخبار عن جهاده وسيرته الدالة على قبح الشرك.
١ - عن عبد الله قال: لما نزلت: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قال أصحاب رسول الله ﷺ: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله ﷿: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
وجه الاستدلال: أن الشرك أظلم الظلم ومعلوم أن الظالم قبيح فالشرك يكون أقبح.
٢ - عن أنس يرفعه: «إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتك ما هو أهون
[ ٢ / ١٣٩٣ ]
من هذا وأنت في صلب آدم ألا تشرك بي فأبيت إلا الشرك».
وجه الاستدلال: أن المشرك ما نفعه كل ما فعله في حياته؛ لأنه أبى، فليس له إلا النار، وليس شيء أقبح من دخول النار.
٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».
وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ عده من الموبقات، وأي قبح فوق الوقوع في الموبقات؟
٤ - عن عبد الله بن أنيس الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمينًا صبرًا فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعله الله نكتة في قلبه إلى يوم القيامة».
٥ - في رواية عن عبد الله قال: «سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: «الشرك أن تجعل لله ندًا، وأن تزاني بحليلة جارك، وأن تقتل ولدك
[ ٢ / ١٣٩٤ ]
مخافة الفقر أن يأكل معك»، ثم قرا عبد الله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ).
٦ - وعن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يُطعم معك؟ قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك».
وجه الدلالة: عد النبي ﷺ الشرك أعظم الذنوب وأكبرها، وإذا كانت الذنوب كلها معلوم قبحها لدى العقلاء فكيف بأعظمها وأكبرها؟ .
٧ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبد الله بن حزن، وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذون لنا أو غير مأذون، قال: بل أخرج مما قلت: خطبنا رسول الله ذات يوم فقال: «أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم».
وجه الدلالة: لو ما كان قبيحًا لما أمرنا باتقائه، ولما حذرنا منه.
٨ - عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيجان مزرورة بالديباج فقال: ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس قال: يريد أن يضع كل فارس ابن فارس، ويرفع كل راع
[ ٢ / ١٣٩٥ ]
ابن راع، قال: فأخذ رسول الله ﷺ بمجامع جبته وقال: «ألا أرى عليك لباس من لا يعقل ثم قال: إن نبي الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية؛ آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع، والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده؛ فإنها صلاة كل شيء بها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر. قال: قلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟، قال: لا؟ قال: هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها؟ قال: لا، قال: الكبر: هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: لا، قال: أفهو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون ليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله، فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمض الناس».
٩ - عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ: «من عبد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة - أو دخل الجنة - فسأله ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة والفرار يوم الزحف».
١٠ - عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول
[ ٢ / ١٣٩٦ ]
الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».
وعن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم » فذكر معناه.
١١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
١٢ - وفي كتاب عمر ﵁: وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير فإن رسول الله ﷺ نهانا عن لبوس الحرير وقال: إلا هكذا؛ ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه.
وجه الدلالة: منعه عن زي المشركين؛ لأن الشرك أكبر الظلم وأكبر الكبائر، فإذا كان بمجرد لبس الكفار أصبح الزي غير مرغوب شرعًا، فما بالك باعتقاده الشرك؟
١٣ - ما جاء في حديث طويل رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: « أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ».
[ ٢ / ١٣٩٧ ]
وجه الاستدلال: ضرب الرسول ﷺ مثلًا قبيحًا للشرك في هذا الحديث، وهو ظاهر في بيان قبح الشرك وبطلانه.
١٤ - عن عبد الله: قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار»، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًا دخل الجنة».
١٥ - وقال رسول الله ﷺ: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى إنهم يجعلون له ندًا ويجعلون له ولدًا وهو مع ذلك يرزقهم، ويعافيهم، ويعطيهم».
١٦ - عن أبي هريرة في حديث طويل ذكر فيه قصة فتح مكة - إلى أن قال ـ: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدون، قال: وفي يد رسولا لله ﷺ قوس وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطنعه في عينيه ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل»، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.
١٧ - ولعل أدل دليل على قبح الشرك تشبيهه ﷺ الشرك بالمقطوعة الأطراف في بعض الأحاديث؛ فمن ذلك قول النبي ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة
[ ٢ / ١٣٩٨ ]
جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء». يقول أبو هريرة ﵁: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).
وفي رواية لمسلم: «ويشركانه»، وفي رواية: «إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه». ففي هذا الحديث شبه النبي ﷺ المشرك بمن قطع أطرافه، ومعلوم أن هذا قبح في الفطرة والعقل، فمن الذي يريد أن يكون مجدع الأطراف؟ .
١٨ - قوله ﵊ فيما يرويه عن ربه: « إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم » الحديث. وهو من الأحاديث القدسية. وفيه نسبة الشرك إلى الشياطين، ونسبة ذلك إلى الضلال، ولا أظن أحدًا عنده عقل يريد أن يكون فريسة إغواء الشيطان وإضلاله، وهو يعرف أن الشيطان على الباطل.
[ ٢ / ١٣٩٩ ]
الفصل الثالث تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك وبطلانه
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في بيان معنى الفطرة والعقل.
المبحث الثاني: في إثبات كون الشرك مخالفًا للفطرة والعقل.
المبحث الثالث: في الاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية على قبح الشرك وبطلانه.
[ ٢ / ١٤٠١ ]
المبحث الأول في بيان معنى الفطرة والعقل
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في بيان معنى الفطرة
الفطرة في اللغة فعلها ثلاثي وهو فطر، والحالة منه الفطرة كالجلسة، وهي بمعنى الخلقة. قال ابن فارس عن أصل هذه الكلمة: (أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومنه الفطرة: وهي الخلقة). وأتى بالفتح قبل الإبراز؛ لأنه سبب من أسبابه.
وقال ابن منظور: الفطرة تعني: (الابتداء والاختراع).
والأمر ظاهر في أنه لا خلاف بين هذه المعاني الثلاثة: الخلقة، والابتداء، والاختراع.
وقد عرف العلماء الراسخون الفطرة الواردة في القرآن والسنة بالإسلام،
[ ٢ / ١٤٠٣ ]
فلعله من لوازم المعنى، فإن الفطرة هي: (الخلقة التي خلق الله العباد عليها وجعلهم مفطورين على محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقرب إليه).
فمعنى الفطرة تؤول إلى الإسلام وعليه إجماع السلف، فلا شك إذا كان معنى الفطرة هو الإسلام أنه مخالف للشرك، فالشرك مخالف للفطرة كما ستأتي أدلته على ذلك، ولكن إذا كان الأصل في الإنسان أنهم فطروا على الإيمان هل يعني ذلك أن الإنسان إذا ترك بدون أي توجيه أنه يهتدي للإسلام؟ .
أجاب شيخ الإسلام عن هذا السؤال بقوله: (وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين موحدًا لله، فإن الله تعالى يقول: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، وإنما المراد: أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام، ولمعرفة الخالق، والإقرار به، ومحبته، ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئًا بعد شيء، وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع).
وسئل مرة أخرى عن هذه الآيات والأحاديث فأجاب: (الصواب: أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها يوم قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)؛ وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة، فإن حقيقة
[ ٢ / ١٤٠٤ ]
(الإسلام) أن يستسلم لله، لا لغيره وهي معنى (لا إله إلا الله)، ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ولكن سلامة القلب، وقبوله وإرادته للحق - الذي هو الإسلام - بحيث لو ترك بغير مغير لما كان إلا مسلمًا، وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع هي: فطرة الله التي فطر الناس عليها).
وذكر الإمام ابن القيم محاورة بين: الإمام محمد بن نصر، وبين الإمام ابن قتيبة في مقتضى آية الميثاق، قال: (قال محمد بن نصر: واحتج ابن قتيبة بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) فأجابوا - بكلام - شاهدين مقرين على أنفسهم بأن الله ربهم، ثم ولدوا على ذلك.
قال محمد بن نصر: فقوله: (ثم ولدوا على ذلك) زيادة منه ليست في الكتاب، ولا جاءت في شيء من الأخبار.
قلت - أي ابن القيم ـ: قوله: (ثم ولدوا على ذلك) إن أراد به أنهم ولدوا حال سقوطهم وخروجهم من بطون أمهاتهم عالمين: بالله وبتوحيده وأسمائه وصفاته فقد أصاب - أي محمد بن نصر - في الرد عليه. وإن أراد أنهم: على
[ ٢ / ١٤٠٥ ]
حكم ذلك الأخذ، وأنهم لو تركوا لما عدلوا عنه إذا عقلوا فهو الصواب الذي لا يرد).
فالمقصود بكون الفطرة دالة على الإيمان والتوحيد وعدم الشرك: هو سلامة القلب واستقامته على التوحيد وبراءته من الشرك بكافة صوره وألوانه، بحيث لو ترك صاحبه بلا مغير لصبغته - حتى تعقله - لما كان إلا موحدًا لربه بالألوهية، ومنخلعًا من تأله ما سواه.
المطلب الثاني: في معنى العقل
العقل: مفرد جمعه عقول، يطلق في اللغة العربية على عدة معان، منها:
١ - الحجر والنهى، ضد الحمق.
٢ - الدية، وعقل القتيل بعقله: وداه.
٣ - القيد الذي تقيد به البعير لئلا يند.
٤ - الحكمة.
٥ - حسن التصرف.
٦ - الملجأ، يقال: عقل القوم وأعقل: إذا لجأ وقلص عند انتصاف النهار.
٧ - الحصن.
[ ٢ / ١٤٠٦ ]
ومهما يكن من الإطلاقات لهذا اللفظ فإن أصلها واحد، وهو حبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة، أو الإمساك والاستمساك.
والعقل في الاصطلاح: له إطلاقان:
١ - القوة الفطرية: أو الاستعداد الغريزي، والملكة الناضجة التي أودعها الله تعالى في الإنسان وخلقه عليها متهيئًا بسببها لقبول العلم، وهذا هو محل التكليف ومناط الأمر والنهي، وبه يكون التمييز والتدبير.
٢ - يراد به العلوم الضرورية والمسلمات العقلية التي يستفيدها الإنسان بتلك القوة الفطرية، وهذا هو العقل المستفاد، وإليه الإشارة في القرآن الكريم في كل موضع ذم الله تعالى فيه الكفار بعدم العقل. كقوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).
[ ٢ / ١٤٠٧ ]
المبحث الثاني في إثبات كون الشرك مخالفًا للفطرة والعقل
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في إثبات كون الشرك مخالفًا للفطرة
لقد خلق الله - جل في علاه - عباده حنفاء مسلمين موحدين لرب العالمين بالألوهية، ومتبرئين من الشرك والتأله لما سواه، وجعل ذلك لوازم فطرهم، بحيث لو تركوا ودواعيها لما كانوا إلا عارفين بالله، وبتوحيده وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى القائم عليها والمنبثق منها: وحدانية تألهه، وبذلك شهدت فطرة الموحدين وعقولهم؛ بأن الله أهل أن يعبد، ولو لم يرسل بذلك رسولًا ولم ينزل به كتابًا، وعليه أصبحت الفطرة بينة التوحيد وشاهده في أنفس الموحدين. فلا جرم أن الفطر يقتضي: عبادة الفاطر، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا فحري به أن يتفرغ لعباده فاطره وخالقه لا سيما إذا كان أمره بيده ومنتهاه إليه، قال سبحانه: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
ومن هنا استحال جواز الشرك في الفطر السليمة والعقول المستقيمة ولو لم يرد بذلك خبر، كيف وقد أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في فطر خلقه من حسن التوحيد وحل الطيبات، ومن قبح الشرك وحرمة الخبائث.
[ ٢ / ١٤٠٨ ]
وبهذا تكون الفطرة حجة مستقلة في بطلان الشرك، فهي أسبق من كافة الحجج الواهية وسائر المعاذير الساقطة التي يتشبث بها المشركون.
قال ابن القيم: (قوله تعالى حاكيًا عن صاحب يس أنه قال لقومه محتجًا عليهم بما تقر به فطرهم وعقولهم: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فتأمل هذا الخطاب كيف تجد تحته أشرف معنى وأجله، وهو أن كونه سبحانه فاطرًا لعباده يقتضي عبادتهم له، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه، ولا سيما إذا كان مرده إليه، ومبدؤه منه، ومصيره إليه، وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته، ثم احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمل بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة).
وقال في موضع آخر: (وقال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره فإن إدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح ).
[ ٢ / ١٤٠٩ ]
فالشرك مخالف للفطرة لا محالة، والذي يزيد هذا البيان وضوحًا ما يلي:
١ - لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه، سواء كان هذا الإنسان موحدًا أو مشركًا عند الشدة والحاجة.
فإن بني آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان - حتى المشرك - مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فإنه لا يتصور أن يشعر الإنسان بحاجته وفقره إلى خالقه إلا إذا شعر بوجوده، وإذا كان شعوره بحاجته وفقره إلى ربه أمرًا ضروريًا لا يمكنه دفعه، فشعوره بالإقرار به أولى أن يكون ضروريًا.
قال الله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا).
وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ
[ ٢ / ١٤١٠ ]
قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).
فرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وأنه لا يرضى بالشرك، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها ويتقوى هذه المعرفة في نفسه حجة قوية لأن الحاجة استلزمتها، فتكون أوضح من الأدلة الكلية مثل افتقار كل حادث إلى محدث.
٢ - التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالخالق وتوحيده وحبه، ومخالفة الشرك وقبحه في الأدلة السمعية، وقد سبق معنا الأدلة الدالة على هذا القول.
٣ - ورود التكليف بتوحيد العبادة أولًا، كأن هذا تذكير لما فطروا عليه من ذبح الشرك. فإنه لم يكن الإقرار بالله جل وعلا وبربوبيته فطريًا، والشرك مخالفًا للفكرة لساغ لمعارضي الرسل عند دعوتهم لهم بقول الله تعالى: (فَاعْبُدُونِ) أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلًا فكيف يأمرنا؟ فلما لم يحدث ذلك دل على أن الفطرة مخالفة للشرك (في الربوبية)، وأن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم. فإن الأمر يتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته فيكون بعده.
[ ٢ / ١٤١١ ]
٤ - إلزام المشركين بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية.
وقد تقدم ذكر هذا الكلام بما أغنى عن إعادته هاهنا.
ووجه الدلالة: إنه لو لم يكن المشركون مقرين بربوبية الله وبقبح الشرك على مقتضى فطرتهم لما ألزمهم بالإقرار بألوهيته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فدل على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين به ).
فهذه كلها أدلة صحيحة على أن الخلق مفطورون بالإقرار بالله سبحانه والشرك مخالف لهذه الفطرة الصحيحة.
المطلب الثاني: في أن الشرك مخالف للعقل
إن الله - جل في علاه - قد منَّ على عباده بمنة جليلة ونعمة عظيمة، بها يسمون على كافة المخلوقات إن عملوا بواجبها، وبها يردون إلى أسفل سافلين إن خرجوا عن موجبها، ونقضوا مقتضاها، ألا وهي نعمة العقل. وأراد المنان بمنِّ نعمة العقل على الإنسان الضعيف تقويته على إدراك الآثار الربانية والمطالب الإلهية، ومن ثم جعل حجة مستقلة عليه في بطلان الشرك، وكذا جعل مستندًا من مستندات السمع، وبها قامت حجة الله على خلقه.
قال الإمام ابن القيم: (فإن الله سبحانه ركب العقول في عباده ليعرفوا بها:
[ ٢ / ١٤١٢ ]
صدق وصدق رسله، ويعرفوه بها، ويعرفوا كماله وصفاته، وعظمته وجلاله، وربوبيته وتوحيده، وأنه الإله الحق وما سواه باطل، فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول، وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي تكون عونًا لهم على ما خلقوا لأجله، وأعطوا العقول له، فأعظم ثمرة العقل: معرفته لخالقه وفاطره، ومعرفة صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله، وصدق رسله، والخضوع والذل والتعبد له).
وقال ﵀: (إن السمع حجة الله على خلقه، وكذلك العقل، فهو سبحانه أقام عليهم حجته بما ركب فيهم من العقل، وبما أنزل إليهم من السمع، والعقل الصريح لا يتناقض في نفسه، كما أن السمع الصحيح لا يتناقض في نفسه، وكذلك العقل مع السمع، فحجج الله وبيناته لا تتناقض ولا تتعارض، ولكن تتوافق وتتعاضد، وأنت لا تجد سمعًا صحيحًا عارضه معقول مقبول عند كافة العقلاء أو أكثرهم، ولا تجده ما دام الحق حقًا والباطل باطلًا، بل العقل الصريح يدفع المعقول المعارض للسمع الصحيح ويشهد ببطلانه).
ومن ثم كان العقل كافيًا في معرفة الله وتوحيده، وكذا بطلان الشرك وقبحه ولو لم يرد بذلك شرع، فالإيمان بالله وحده والابتعاد عن الشرك وكلما يعبد من دون الله مستقر في الفطر والعقول، بل هو أرسخ وأثبت مرتكزاتهما، وبهذا كان العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك ولو لم يأت بحرمته شرع.
فإن النقل والعقل خرجا من مشكاة واحدة، وجاء النقل ليخاطب العباد بمرتكزات العقل ويقيم موجبه، ويفصّل مجمله، ويبين ما عجز عن إدراكه،
[ ٢ / ١٤١٣ ]
ولم يأت قط بمحالاته، ولا بضد تصوراته وموازينه.
وإليك براهين ما سبق من الكتاب والسنة، بفهم فحول أهل العلم، ونظار أهل السنة:
قال القرطبي في قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا): (أجمع العلماء على أن: هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وكذلك هي في جميع الكتب؛ ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب).
وقال ابن القيم: (قال تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، ولم يقل: إلهكم، والرب: هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له).
والمراد بالوجوب هنا: استحالة قبول العقول المجبولة - من قبل فاطرها - الشرك به سبحانه ولو لم يرد بذلك شرع، ومن ثم كان العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك.
وقال ﵀ في قوله تعالى: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي): (أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفًا لهم، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول، مستهجن تركها، قبيح الإخلال
[ ٢ / ١٤١٤ ]
بها، فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، ونعمه كلها بَعْدُ تابعة لإيجاده وخلقه، وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم، ومحبة المحسن، ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع).
وقال ﵀ في ردة على نفاة التحسين والتقبيح الذاتي للأفعال: (قولكم: فكيف يعرفنا العقل وجوبًا: على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطاعة، وعلى الرب بالثواب والعقاب؟ .
فيقال: وأي استبعاد في ذلك؟ وما الذي يحيله؟ فقد عرفنا العقل من الواجبات عليه ما يقبح من العبد تركها، كما عرفنا، وعرف أهل العقول، وذوو الفطر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة: وجوب الإقرار بالله وربوبيته وشكر نعمته ومحبته، وعرفنا قبح الإشراك به، والإعراض عنه، ونسبته إلى ما لا يليق به.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكثير من هؤلاء - أي الذين يظنون أن العقل غير مستقل بإدراك التوحيد - يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل كالمعاد وحسن التوحيد والعدل وقبح الشرك والظلم والكذب، والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها؛ ويبين أنه بالعقل يعرف بالمعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع).
[ ٢ / ١٤١٥ ]
وقال ﵀ في قوله تعالى: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) - إلى قوله تعالى - أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تضعون بأيديكم وتدعون رب العالمين؟ فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه).
وقال ابن القيم في تفسير هذه الآية: (فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه - الشرك - تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح).
وقال ﵀ في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ): (أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا، ولم يقل (أرباب) بل قال: (آلهة) - والإله هو المعبود والمألوه - وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلًا أن يشرع الله عبادة غيره أبدًا، وأنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السموات والأرض، فقبح عبادة غير الله قد استقر في الفطر والعقول وإن لم يرد بالنهي عنه شرع، بل
[ ٢ / ١٤١٦ ]
العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق، ومن المحال أن يشرعه الله قط، ).
فحسن التوحيد وعدم جواز الشرك من أثبت الثوابت وأركز المرتكزات في الفطر والعقول، ومن ثم استحال جواز الشرك فيهما ما دامت السماء سماءً والأرض أرضًا، فحسن التوحيد وقبح الشرك حقيقة ثابتة راسخة، ولو لم ترسل الرسل وتنزل الكتب، فالعقل قاطع بوجوب عبادة الفاطر الخالق، المربي المنعم، المالك لجلب النفع، ولدفع الضر، وكذا يقطع بحرمة عبادة كل مخلوق مربوب محدث والشرك معه.
وقد هيأ الله العقول للقيام بالبراهين الباهرة والحجج الدامغة والأدلة الدالة على تلك الحقيقة التي كانت سببًا لانبثاق كافة الحقائق؛ وبهذا كانت الفطر والعقول من أقوى مستندات النبيين والمرسلين على الملحدين والمشركين، وبذلك أصبح العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم يرد بحرمته شرع، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم في هذا الصدد: (وهذا - أي فطر الذرية على التوحيد - يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا).
[ ٢ / ١٤١٧ ]
المبحث الثالث الاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية على قبح الشرك وبطلانه
والكلام على هذا المبحث سيكون في مطلبين:
المطلب الأول: الأدلة العقلية القرآنية المتعلقة بالله الدالة على قبح الشرك بالله ﷿ وبطلانه
لقد ذكر الله ﷿ أدلة متنوعة عقلية على قبح الشرك وبطلانه في كتابه العزيز، وفيما يلي بعض هذه الأدلة على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر.
أ- دليل الخلق والملك:
وفيه نقطتان:
الأول: خلق جميع المخلوقات وملكها.
الثاني: خلق الإنسان.
فهذان الدليلان ذكرهما الله ﷿ للاستدلال على أن من يخلق ومن لا يخلق لا يكون سواسية في نظرا لعقلاء، فإذا لم يكونوا سواسية فلابد ألا يسوى ولا يشرك بينهما.
أما الأول: فهو خلق جميع المخلوقات ومالكها.
قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، وقال تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ
[ ٢ / ١٤١٨ ]
وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).
وقال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ). وقال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، وقال تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).
وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)، وقال تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا).
وقال تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)، وقال
[ ٢ / ١٤١٩ ]
تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، وقال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ).
هذا الدليل الذي ذكر في هذه الآيات يسمى دليل الخلق والملك، وقد جمعت بين كلمتي الخلق والملك؛ لأن الملك لازم للخلق والإيجاد، وكثيرًا ما يرد في آيات القرآن الإشارة إلى أن الله هو الخالق المالك بنفس الآية.
وهذا الدليل مفاده أن كل شيء مخلوق مملوك له، وهذه الأصنام لم تخلق شيئًا ولا تملكه، فلا تصح إذن عبادتها من دون الله؛ لأن الخالق المالك هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، إن آلهتكم أيها المشركون لم تخلق شيئًا ولا تملك ذرة في السموات والأرض ولا قشرة نواة، وليس لكم حجة على عبادتها، فاعبدوا الخالق المالك لا المخلوق المملوك إن كانت لكم عقول تعقلون بها.
أما الثاني: فهو دليل خلق الإنسان:
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا
[ ٢ / ١٤٢٠ ]
الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)، وقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقال تعالى: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، وقال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)، وقال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، وقال تعالى: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وقال تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ)، وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ).
قال الطبري: (قد بينا الحجج وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عينوا من البشر، وخلقي
[ ٢ / ١٤٢١ ]
ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه).
والآيات المنبهة لخلق الإنسان نفسه كثيرة، كقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)، وقوله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وقوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ)؛ لأن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، ولو فكر الكافر بأحوال نفسه وعجائبها وتنقله في بطن أمه أطوارًا وخروجه من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، وأكله وشربه ونموه وحركات مفاصله لأوقعه ذلك على عظيم خطئه وشركه بعبادته غير الله تعالى.
وقد وردت مسألة خلق الإنسان بدليل آخر يأخذ بالألباب في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ)؛ لأن البشر لم يخرجوا عن أحد احتمالات ثلاثة:
أ- إما أن يكونوا مخلوقين من غير خالق؛ أي وجدوا بطريق الصدفة.
ب- وإما أن يكونوا خلقوا السموات والأرض وخلقوا أنفسهم.
جـ - وإما أن يكونوا مخلوقين لخالق واحد.
والاحتمال الأول: وهو كونهم غير مخلوقين لخالق احتمال باطل؛ لبطلان أن يكون الخلق جاء بطريق الصدفة، لارتباط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها واستحالة صدور أثر بلا مؤثر وفعل بلا فاعل وخلق بلا
[ ٢ / ١٤٢٢ ]
خالق وتنظيم بلا منظم.
والصدفة لا ينبثق عنها هذا التركيب العجيب في جسم الإنسان ولا هذا التأليف العجيب بين الذكر والأنثى لاستمرار النوع الإنسان كما سبق بيانه.
وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكونوا خلقوا أنفسهم، فهو أشد بطلانًا - كما مرمعنا في بطلان شبهة أن تكون الطبيعة هي الخالقة ـ؛ لأن معنى ذلك أن كل شيء خلق نفسه وهذا مستحيل لأنه يوجب اجتماع الضدين، بنفس الوقت: الوجود والعدم، فيكونوا موجودين معدومين خالقين مخلوقين، وهم لم يزعموا قط أنهم خلقوا أنفسهم، فعجزهم عن خلق السموات والأرض أظهر وأبين، لقوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ).
وقد نبّه ﷾ المشركين على حقيقة وهي: أنهم لم يخلقوا أنفسهم بقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ). فلم يجيبوا بنعم لعلمهم وعجزهم وقصورهم التام عن ذلك، ولتمنيهم أن تكون النطفة ذكرًا فلا يأتي، وكراهتهم الأنثى فتأتي بغير إرادتهم.
وعلى التقرير السابق فلم يبق إلا الاحتمال السابق وهو كونهم مخلوقين لخالق واحد هو الله رب العالمين، فيجب إذن إفراده بالألوهية وإخلاص العبادة له، ولذلك يقول في نهاية آيات سورة الطور: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام من دون الله وهو خالقهم، بعد أن بين لهم بطلان كل احتمال يرد على الخاطر،
[ ٢ / ١٤٢٣ ]
ولم يبق إلا أنهم مخلوقون لخالق واحد متفرد بالألوهية، لذلك نزّه سبحانه نفسه عما يفترون ويشركون معه في العبادة آلهتهم، فقال: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وقد روى ابن كثير قصة جبير بن مطعم عندما قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسرى، وكان إذ ذاك مشركًا، فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآيات كاد قلبه أن يطير كما يروي عن نفسه، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام ونبذ الشرك والأوثان.
وقد تكلم ابن القيم كلامًا موسعًا عن خلق الإنسان وعجائبه ودلالة ذلك على وحدانية الله، وقبح الشرك عقلًا، تركنا ذكره اختصارًا.
ب- دليل عدم فساد الكون:
ينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك بانتظام أمر الكون بما فيه؛ لأنه لو كان يحكم هذا الكون أكثر من إله لم ينتظم أمره ولدخله الفساد والخلل، يقول تعالى مبينًا هذه الحقيقة: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، ويقول تعالى: (وَمَا
[ ٢ / ١٤٢٤ ]
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
وقد تكلم ابن القيم ﵀ على الآيتين السابقتين مبينًا قطعيتهما على الدلالة على وحدانية الإله المعبود وقبح الشرك به سبحانه، ويقول في نهاية كلامه: (وإنه لوكان في السموات والأرض إله غير الله لفسد أمرهما واختل نظامها وتعطلت مصالحهما فهذان برهانان يعجز الأولون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدح صحيح أو يأتوا بأحسن منهما، ولا يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهم).
جـ - دليل الرزق:
ينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك أن أصنامهم لا يملكون الرزق حتى باعترافهم، ومن كان لا يملك الرزق لعابديه يقبح عبادته عقلًا. فقال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا
[ ٢ / ١٤٢٥ ]
مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
إن مسألة الرزق من خصائص الربوبية، والمشركون كلهم معترفون بأن الرازق هو الله، وأن أصنامهم لا تملك رزقًا، واعترافهم بتفرد الله بالرزق يوجب عليهم إفراده بالألوهية والعبادة وعدم الشرك به سبحانه.
د- دليل النوائب:
ينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك أنهم لا يدعون غير الله من الأصنام والأوثان في البلاء والكرب والمصائب بل يخلصون لله بالدعاء والاستغاثة، فلو كان عندهم عقل صريح لعرفوا أن من لا قدرة له على إنقاذه من الشر لا يكون إلهًا، بل الإله هو الذي يكون قادرًا على دفع الضر والشرور عن المألوه، ولا يملك هذا إلا الله سبحانه ﷿ حتى باعترافهم - فكان مقتضى العقل الصحيح ألا يشرك به شيئًا.
قال تعالى في بيان هذه الحقيقة: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ)، وقال تعالى: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ)، وقال: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ
[ ٢ / ١٤٢٦ ]
وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ )، وقال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ).
فانظر هذا البيان الإلهي لسفه عقول المشركين، حيث إنهم يلتجئون إلى الله الواحد عند كل كرب في البحر والبر لتيقنهم أن أصنامهم لا تملك دفع المكروه عنهم وأن الله وحده هو الكاشف للبلاء، ثم يصرون على عبادتها وإشراكها مع الله في الألوهية.
والعقل السليم لا يرضى بالتجاء صاحبه إلى إله في الشدة وإله آخر في الرخاء؛ لأن الإله المنجي من الكربات حقيق أن يكون إلهًا معبودًا وحده هو في الرخاء، كما في قصة إسلام حصين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا قال النبي ﷺ لأبي عمران بن حصين: «كم تعبد اليوم إلهًا» قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك، قال: الذي في السماء».
المطلب الثاني: الأدلة العقلية القرآنية المتعلقة بالأصنام الدالة على قبح الشرك بالله ﷿، وبطلانه
لقد نوّع الله ذكر الآيات العقلية المتعلقة بالأصنام الدالة على قبح الشرك
[ ٢ / ١٤٢٧ ]
وبطلانه، وفيما يلي بعض هذه الأدلة على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:
١ - دليل النقص:
وبيان هذا الدليل أن هذه الأصنام التي يعبدونها أنقص من عابديها، ويتضح ذلك بثلاث نقاط:
أ- أن هذه الأصنام ميتة لا حياة فيها، وأما عبادها فهم أحياء.
ب- أن هذه الأصنام لا تنطق، وأما عبادها فينطقون.
جـ - أن هذه الأصنام ليس لها أرجل، وأيد، وسمع، وبصر، وعبادها لها ذلك.
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أ- فقد الأصنام الحياة:
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ).
أخبر تعالى في هذه الآيات أن من صفات آلهة المشركين كونها مخلوقة لا تخلق شيئًا - وهذا ما أشار إليه إبراهيم ﵇ بقوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) - ثم هي ميتة لا أرواح فيها، بل هي جمادات لا تعقل، وما تدري متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عندها ثواب وجزاء؟ .
ب- فقد الأصنام النطق:
قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ
[ ٢ / ١٤٢٨ ]
يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ)، وقال تعالى: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا).
ذمّ الله تعالى بني إسرائيل في هاتين الآيتين على عبادتهم عجلًا من ذهب زاعمين أنه إلههم، فاحتج عليهم ﷾ بأنه لا يتكلم ولا يملك أن يهديهم طريق الخير لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، وهذه صفات نقص يستحيل أن يتصف الإله بها، فلو كانت لهم عقول لفكروا بها وعرفوا أن هذا العجل لا يستحق العبادة، وهم أنفسهم أكمل من هذا العجل؛ لأنهم يتكلمون ويعبرون عما يريدون، وأما عجلهم فليس له إلا الخوار، ولكن جهلهم وضلالهم عطى على بصائرهم.
يقول الطبري: (يخبر - جل ذكره - أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل؛ وذلك أن الرب ﷻ الذي له ملك السموات والأرض ومدبر ذلك لا يجوزأن يكون جسدًا له خوار لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير).
جـ - فقد الأصنام السمع والبصر والأطراف:
قال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ
[ ٢ / ١٤٢٩ ]
ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ).
ففي هذه الآيات يتضح إنكار الله على المشركين الذين عبدوا معه الأنداد والأوثان التي هل مخلوقة مربوبة لا تملك من الأمر شيئًا ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تنتصر لعابديها لأنها جماد، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: (سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ)، فهي لا تسمع الدعاء، وسواء لديها من دعاها وغيره من عبادها؛ لأنها مخلوقات مثلهم، بل هي لا تفعل ما يفعله عبادها من الحركة والبطش والسمع والبصر، فهي في غاية المهانة والحقارة. فلا يليق بالعاقل أبدًا أن يعبد إلهًا دونه، وأقل منه، والعابد هو أكمل من معبوده وأقوى بروحه التي بها حياته، وبحواسه التي بها يصرف أموره، وبنطقه الذي به يفهم عن الناس ويفهمون به عنه.
٢ - دليل العجز:
وفيه نقطتان:
أ- عجز الأصنام في الدنيا.
ب- عجز الأصنام في الآخرة.
أ- عجز الأصنام في الدنيا:
قال تعالى: (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ
[ ٢ / ١٤٣٠ ]
كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا)، وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)، وقال تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
في هذه الآيات يذم الله تعالى عبدة الأوثان؛ لأن هذه الأوثان لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا عن نفسها ولا عن عابديها، ويأمر نبيه ﷺ أن يجابههم سائلًا إياهم عن آلهتهم لتقريرهم بأنها لا تملك ضرًا ولا نفعًا، ولا تملك كذلك حماية عبادها من الله إن أرادهم بمكروه، فالحافظ الوحيد لخلقه ليلًا، ونهارًا هو الله، فكيف آثرتم الإشراك على التوحيد بإيثاركم الأصنام على الخالق الرازق المحيي المميت رب السموات والأرض؟ فما أبين ضلالكم وبعدكم عن الحق.
ب- عجز الأصنام في الآخرة:
يقول تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وقال تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ).
[ ٢ / ١٤٣١ ]
إن الأصنام عاجزة عن نفع عابديها في الآخرة، فلن يجدوا يوم القيامة ما كانوا يتمنون من شفاعتها لهم، ولكن يجدوا منها العداء والتبرؤ، ويأمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يتهكم بهم وبما ادعوه من شفاعتها لهم لأن ذلك محال غير واقع؛ إذ كيف يزعمون شفاعتها والله يخبر أنها لا تشفع؟ يقول تعالى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والمعنى: (أتنبؤون الله بشفعاء لا يعلمهم في السماء والأرض وهو العالم بما فيهما المحيط علمه بكل شيء؟ إن عليكم إخلاص العبادة لله وحده وإفراده بالألوهية؛ لأنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه تعالى، وهذا وارد في قوله تعالى: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، فبهذا الاستثناء نفى سبحانه الشفاعة عن الأصنام وأثبتها لمن عبد من دون الله من الموحدين كالمسيح وعزير والملائكة، إذا أراد الله ذلك، لأنهم ممن شهد بالحق ووحدانية الله تعالى).
وبما أن الأصنام لا تملك الشفاعة في الآخرة، فموقفها من عبادها سيكون موقف التبرؤ والعداء والتنكر لعبادتهم إياها، يقول تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا).
[ ٢ / ١٤٣٢ ]
ويقول تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ)، وقال تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)، وقال تعالى: (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).
هكذا يتبرأ المعبودون من عبدتهم يوم القيامة قائلين: يا ربنا، ما أمرناهم بعبادتنا ونتبرأ إليك من عبادتهم لنا، فكلنا عبيدك ولا نتخذ وليًا من دونك.
فإذا كانت هذه المعبودات الباطلةكلها تتبرأ من عابديهم ولا تجلب لهم نفعًا ولا تدفع عنهم ضرًا، فمن كان عنده مسكة من العقل هل يشرك بهم من يملك النفع والضر؟ .
هذا بالنسبة للأصنام والأوثان والملائكة والجان الذين ما أمروا عابديهم بعبادتهم، وأما الذي أمر الناس بعبادته بطاعته، فلننظر إلى حاله مع عابديه يوم القيامة؛ حيث ذكر الله هذه الصورة في سورة الرعد بقوله: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
[ ٢ / ١٤٣٣ ]
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (يخبر تعالى عما خطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده فأدخل المؤمنين الجنات؛ وأسكن الكافرين الدركات: فقام فيها إبليس - لعنه الله - يومئذ خطيبًا ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم وغبنًا إلى غبنهم وحسرة إلى حسرتهم فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) أي على ألسنة رسله ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًا وخبرًا صدقًا، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، ثم قال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه (فَلَا تَلُومُونِي) اليوم (وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) فإن الذنب لكم أنكم خالفتم الحجج وابتعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) أي بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) أي بنافعيّ بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ).
قال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من قبل؛ وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكًا لله ﷿، وهذا الذي قاله هو الراجح وقوله: (إِنَّ الظَّالِمِينَ) أي في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل لهم عذاب أليم.
والظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وهذا لفظه وابن جرير عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم ففرغ من القضاء قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم وذكر نوحًا، وإبراهيم،
[ ٢ / ١٤٣٤ ]
وموسى، وعيسى فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه ثم يقول الكافرون هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون قم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم - ثم ذكر هذه الآية - (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) الآية).
هذا ما ذكره ابن كثير ولم يعقبه بشيء، فإن صحت الرواية تكون خطبته في المحشر وإلا تكون خطبته بعد دخولهم النار، وعلى كل: ثبت كونه يتبرأ من عابديه ومطيعه يوم القيامة.
فهذا حال الشيطان مع عابديه ومطيعيه، وهو قد تبرأ من عابديه. فهل العاقل يعبده بعد أن يعرف حقيقة أمره ووبال طاعته؟
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
* * *
[ ٢ / ١٤٣٥ ]
الخاتمة
[ ٢ / ١٤٣٧ ]