إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون﴾
﴿ياأيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتّقوا الله الّذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبًا﴾
﴿ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾
أما بعد:
فلما كان موضوع الشّفاعة من المواضيع التي يزداد المؤمن بقراءتها حبًّا لرسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، رأيت أن أكتب ما عثرت عليه من الأحاديث مبيّنًا بعون الله صحيحها من سقيمها، ومعلولها من سليمها،
[ ٩ ]
بحسب الاستطاعة حتى يستفيد مما أكتبه طلبة العلم وغيرهم، فربّ حديث قد شاع وذاع واشتهر على ألسنة العامّة، وهو لا يثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، ولست أعني أني آت بما لا تستطيع الأوائل، ولكني أستفيد من كتبهم، وأحذو حذوهم، فهم ﵏ قد قاموا بجهود ليس لها نظير في خدمة السّنة المطهرة، فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
وإن مما دفعني على اختيار الكتابة في هذا الموضوع، أن هناك بعض مقامات الشّفاعة قد أنكرها بعض ذوي الأهواء، فمن ثمّ أدرج الشّفاعة أهل السّنة ﵏ في كتب العقيدة، فقلّ أن تجد مؤلفًا يؤلف في العقيدة إلا وقد عقد كتابًا أو فصلًا في كتابه للشّفاعة، بيانًا للحق، وقمعًا للباطل، ونصرةً للعقيدة الحقّة، فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
وهؤلاء المنكرون لبعض مقامات الشّفاعة وهي الشّفاعة لأهل الكبائر، والشّفاعة في خروج الموحدين من النار، قد أخبر عنهم عمر ﵁، وهو المحدّث (١)، فقد روى الإمام أحمد في "مسنده" (ج١ ص٢٣) من طريق علي بن زيد (٢) عن يوسف بن مهران عن ابن عبّاس قال: خطب عمر ﵁ -وفي الخطبة-: وإنّه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرّجم وبالدّجال وبالشّفاعة وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النّار بعد ما امتحشوا.
ولمّا كان من أعظم شبههم الباطلة أن أحاديث الشّفاعة أخبار آحاد،
_________________
(١) المُحَدَّث: الملهم.
(٢) علي بن زيد هو ابن جدعان، مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب.
[ ١٠ ]
وأنه لا يؤخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة جمعت ما استطعت الوقوف عليه حتى تبطل شبهتهم، ويعلموا أن أحاديث الشّفاعة متواترة عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، على أنّي أعلم أن شبهة كون أخبار الآحاد لا يؤخذ بها في العقيدة دسيسة من قبل أعداء السّنة حتى يبطلوا سنّة رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وقد أحسن الردّ عليهم الإمام الشافعي ﵀ في "الرّسالة"، والإمام البخاري في "صحيحه"، وعقد كتابًا في صحيحه أسماه: (كتاب أخبار الآحاد)، وممن تولى الردّ عليهم ابن حزم في "الأحكام"، وابن القيم في "الصواعق المرسلة"، ولو لم يكن إلا عموم ﴿وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) وعموم قوله تعالى: ﴿فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٢) والنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يرسل الرسول ويأمره أن يعلم الناس العقائد والعبادات وما يحتاجون إليه كما هو معلوم من سيرته، ومما أستحضره الآن الحديث المتفق عليه من حديث ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال لمعاذ بن جبل: «إنّك ستأتي قومًا من أهْل الكتاب فليكن أوّل ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدًا رسول الله » الحديث، وقال عمر ﵁: إنّي لم أرسل عمالي إليكم ليأخذوا أموالكم، ولا ليضربوا أبشاركم، ولكن ليعلموكم دينكم. رواه أحمد في "مسنده" (٣).
_________________
(١) الحشر الآية: ١٧.
(٢) النور الآية: ٦٣.
(٣) ثم ظهر لي أنه ضعيف، لأنّ الحافظ يقول في أبي فراس -وهو أحد رواته- إنه: مقبول.= =يعني إذا تُوبع وإلا فليّن.
[ ١١ ]
أولئك المنكرون لبعض مقامات الشفاعات في جانب، وبعض الجهلة من المسلمين في جانب آخر، وهم الذين يظنون أن لرسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم وللصالحين أن يدخلوا الجنة من شاءوا، ويخرجوا من النار من شاءوا، وهكذا يظنون أن لهم التصرف المطلق في الدنيا، وكلتا الطائفتين مجانبة للصواب، والحقّ وسط أنّ الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم والصالحين سيشفعون في الآخرة لكن بشروط ستأتي في الجمع بين الآيات المثبتة للشّفاعة والآيات النّافية، وهكذا لهم في حياتهم أن يشفعوا عند الله لكن فيما يقدرون عليه، وقد شفع النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم للمشركين عند الله أن يسقوا كما في "الصحيحين" من حديث ابن مسعود ﵁.
فمذهب أهل السّنة ﵏ وسط بين الغالي والجافي، لأنّهم ﵏ يجمعون بين الأدلة، وبقية الطوائف تأخذ بجانب من الأدلة وتترك الجانب الآخر، فمن ثمّ تخبّطوا وتعسّفوا في دحض الأدلّة التي لا توافق أهواءهم، فتارة يتجرأون ويطعنون في الصحابي الراوي للسّنة، وتارة يقولون: أخبار آحاد. وتارة يؤولون الأدلة بحيث يعطلونها عمّا تدلّ عليه، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره، ويظهر حجته، فلم يزل بحمد الله في كل بلد من بلاد المسلمين من يقيم عليهم الحجة، وصدق رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم إذ يقول: «لا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتّى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» متفق عليه بهذا المعنى.
[ ١٢ ]
وإنّ من أحسن الكتب فيما اطلعت عليه في تزييف أباطيلهم كتاب "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة ﵀، فقد أبطل ﵀ جلّ شبهاتهم حول سنة رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، فجزاه الله خيرًا.
الشّفاعة في اللغة:
قال ابن الأثير في "النهاية": قد تكرر ذكر الشّفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي: السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: شفع يشفع شفاعةً فهو شافع وشفيع، والمشفّع: الّذي يقبل الشّفاعة، والمشفّع: الّذي تقبل شفاعته. اهـ
وفي "القاموس" و"تاج العروس": والشّفيع: صاحب الشّفاعة، والجمع: شفعاء، وهو: الطالب لغيره يتشفّع به إلى المطلوب.
وفيهما أيضًا: وشفّعته فيه تشفيعًا حين شفع -كمنع- شفاعةً، أي قبلت شفاعته كما في "العباب"، قال حاتم يخاطب النعمان:
فككت عديًّا كلّها من إسارها فأفضلْ وشفّعني بقيس بن جحْدر
وفي حديث الحدود: «إذا بلغ الحدّ السلطان فلعن الله الشافع والمشفّع» (١).
وفي حديث ابن مسعود: «القرآن شافع مشفّع، وماحل (٢) مصدّق» (٣).
_________________
(١) سيأتي إن شاء الله: أنّ الصحيح أنه موقوف على الزبير بن العوام ﵁.
(٢) ماحل: يعني مدافع مجادل من المحال، وهو الكيد وقيل: المكر، وقيل: القوة والشدة. اهـ من "النهاية لابن الأثير.
(٣) موقوف عليه، وصح مرفوعًا من حديث جابر كما سيأتي إن شاء الله.
[ ١٣ ]
أي من اتبعه وعمل بما فيه فهو شافع مقبول الشّفاعة من العفو عن فرطاته، ومن ترك العمل به تمّ على إساءته، وصدّق عليه فيما يرفع من مساويه، فالمشفّع: الذي يقبل الشّفاعة، والمشفّع: الذي تقبل شفاعته، ومنه حديث: «اشْفع تشفّع»، واستشفعه إلى فلان: أي سأله أن يشفع له إليه، وأنشد الصغاني للأعشى:
تقول بنتي وقدْ قرّبت مرتحلًا يا ربّ جنّبْ أبي الأوصاب والوجعا
واستشفعتْ من سراة الحيّ ذا شرف (١) فقدْ عصاها أبوها والّذي شفعا
يريد: والذي أعان وطلب الشّفاعة فيها، وأنشد أبوليلى:
زعمتْ معاشر أنّني مستشفع لمّا خرجت أزوره أقلامها
قال: زعموا أني أستشفع أقلامهم في الممدوح أي بكتبهم. اهـ مختصرًا.
وذكر الزمخشري في "أساس البلاغة" بعض ما تقدم، ثم قال: وقال آخر:
مضى زمن والنّاس يستشفعون بي فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع
والمعاني الشرعية موافقة للمعاني اللغوية. فمن الشّفعاء من يشفع ابتداءً، ومنهم من يشفع بعد الطلب، كما سيأتي إن شاء الله بيانه في الأحاديث.
_________________
(١) في أساس البلاغة ولسان العرب: ذا ثقة.
[ ١٤ ]
فصل الآيات الواردة في الشّفاعة والجمع بينها
وبما أنّها قد وردت آيات تنفي الشّفاعة والشفيع، وآيات تثبتهما رأيت أن أذكر الآيات التي تنفي الشّفاعة والشّفيع، والآيات التي تثبتهما ثم أذكر الجمع بين هذه الآيات حسبما جمع بينها أهل العلم ﵏.
الآيات الواردة في نفي الشّفاعة والشفيع:
قال الله تعالى: ﴿واتّقوا يومًا لا تجْزي نفس عن نفس شيئًا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل (١) ولا هم ينصرون﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿ياأيها الّذين آمنوا أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلّة (٣) ولا شفاعة والكافرون هم الظّالمون﴾ (٤).
وقال تعالى حاكيًا عن بعض الصالحين: ﴿أأتّخذ من دونه آلهةً إن يردن الرّحمن بضرّ لا تغن عنّي شفاعتهم شيئًا ولا ينقذون﴾ (٥).
_________________
(١) العدل: الفداء.
(٢) البقرة الآية: ٤٨.
(٣) الخلة: الصداقة.
(٤) البقرة الآية: ٢٥٤.
(٥) يس الآية: ٢٣.
[ ١٥ ]
في هذه الآيات نفي الشّفاعة.
وقال تعالى: ﴿وأنذر به الّذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع لعلّهم يتّقون﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وذر الّذين اتّخذوا دينهم لعبًا ولهوًا وغرّتْهم الحياة الدّنيا وذكّر به أن تبسل (٢) نفس بما كسبت ليس لها من دون الله وليّ ولا شفيع وإن تعدل كلّ عدل لا يؤخذ منها أولئك الّذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبّئون الله بما لا يعلم (٤) في السّموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عمّا يشركون﴾ (٥).
وقال تعالى حاكيًا عن أهل النار: ﴿فما لنا من شافعين (٦)، ولا صديق
_________________
(١) الأنعام الآية: ٥١.
(٢) تُبسَل: تُسلَم، وقيل: تُحبس، والمعنى تُسلَم للهلكة. اهـ مختصرًا من تفسير ابن كثير.
(٣) الأنعام الآية:٧٠.
(٤) قال الإمام ابن جرير ﵀ (ج١١ ص٩٨): يقول أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض، وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السموات ولا في الأرض، وكان المشركون يزعمون أنَّها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه محمد صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السموات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟ وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما يقولون، وأنَّها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر. اهـ المراد من كلامه.
(٥) يونس الآية: ١٨.
(٦) يقولون ذلك بعد خروج الموحدين من النار، ويدل على ذلك قولهم: ﴿فَلَو أنَّ لَنَا كَرَّة فَنَكُونَ مِن المُؤمِنِين﴾ فإنه يدل على أنّهم لم يكونوا مؤمنين في الدنيا، وسيأتي بيان ذلك في الأحاديث إن شاء الله.
[ ١٦ ]
حميم، فلو أنّ لنا كرّةً فنكون من المؤمنين﴾ (١).
ومعنى حميم: قريب، وكرّة: رجعة إلى الدنيا.
وقال تعالى: ﴿الله الّذي خلق السّموات والأرض وما بينهما في ستّة أيّام ثمّ استوى على العرش (٢) ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع أفلا تتذكّرون﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿أم اتّخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلون، قل لله الشّفاعة جميعًا له ملك السّموات والأرض ثمّ إليه ترجعون﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الآزفة (٥) إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظّالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ (٦).
في هذه الآيات نفي الشفيع.
_________________
(١) الشعراء الآية:١٠٠ - ١٠٢.
(٢) استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، ومن أحسن الكتب المصنفة في ذلك كتاب العلو للعلي الغفار" للحافظ الذهبي ﵀.
(٣) السجدة الآية: ٤.
(٤) الزمر الآية: ٤٣ - ٤٤.
(٥) الآزفة: اسم من أسماء القيامة، سُمِّيت بذلك لاقترابِها كما قال تعالى: ﴿أزِفَت الآزِفَةُ، لَيسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَة﴾.
(٦) غافر الآية: ١٨.
[ ١٧ ]
الآيات في إثبات الشّفاعة والشفيع:
قال الله تعالى: ﴿من ذا الّذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وقالوا اتّخذ الرّحمن ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (٣)﴾ (٤).
فهي هذه الآيات إثبات الشفيع بشروط وستأتي إن شاء الله.
وقال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربّي نسفًا، فيذرها قاعًا صفصفًا (٥)، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، يومئذ يتّبعون الدّاعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرّحمن فلا تسمع إلا همسًا (٦)، يومئذ لا تنفع الشّفاعة إلا من أذن له الرّحمن ورضي له قولًا﴾ (٧).
وقال تعالى: ﴿ولا يملك الّذين يدعون من دونه الشّفاعة إلا من شهد بالحقّ وهم يعلمون﴾ (٨).
_________________
(١) البقرة الآية: ٢٥٥.
(٢) يونس الآية: ٣.
(٣) مشفقون: خائفون.
(٤) الأنبياء الآية: ٢٦ - ٢٨.
(٥) صفصفًا: مستويًا.
(٦) الهمس: الصوت الخفي.
(٧) طه الآية: ١٠٥ - ١٠٩.
(٨) الزخرف الآية: ٨٦.
[ ١٨ ]
قال الحافظ ابن كثير ﵀: ﴿ولا يملك الّذين يدعون من دونه﴾ أي: من الأصنام والأوثان ﴿الشّفاعة﴾ أي: لا يقدرون على الشّفاعة لهم ﴿إلا من شهد بالحقّ وهم يعلمون﴾ هذا استثناء منقطع، أي: لكن من شهد بالحقّ على بصيرة وعلم فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له. اهـ
وقال تعالى: ﴿وكم من ملك في السّموات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (١).
هذه الآيات تدل على الشّفاعة المثبتة بشروط ستأتي إن شاء الله.
الجمع بين الآيات المثبتة والآيات النافية:
يتحصل من هذا أن النفي مقصود به الشّفاعة التي تطلب من غير الله، كما قال تعالى: ﴿قل لله الشّفاعة جميعًا﴾ (٢) والشّفاعة المثبتة لا تقبل إلا بشروط:
١ - قدرة الشافع على الشّفاعة كما قال تعالى في حق الشافع الذي يطلب منه وهو غير قادر على الشّفاعة: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبّئون الله بما لا يعلم في السّموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عمّا يشركون﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿ولا يملك الّذين يدعون من دونه الشّفاعة إلا من شهد بالحقّ
_________________
(١) النجم الآية: ٣٦.
(٢) الزمر الآية: ٤٤.
(٣) يونس الآية: ١٨.
[ ١٩ ]
وهم يعلمون﴾ (١) فعلم من هذا أن طلب الشّفاعة من الأموات طلب ممن لا يملكها، قال تعالى: ﴿والّذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبّئك مثل خبير﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الّذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرّة في السّموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشّفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ (٣).
٢ - إسلام المشفوع له، قال الله تعالى: ﴿ما للظّالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ (٤)، والمراد بالظالمين هنا: الكافرون، بدليل الأحاديث المتواترة في الشّفاعة لأهل الكبائر، وستأتي إن شاء الله في موضعها. قال الحافظ البيهقي ﵀ في "الشعب" (ج١ ص٢٠٥): فالظالمون هاهنا هم الكافرون، ويشهد لذلك مفتتح الآية إذ هي في ذكر الكافرين. اهـ
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. اهـ
ويستثنى من المشركين أبوطالب، فإن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يشفع له حتى يصير في ضحضاح من نار كما سيأتي في
_________________
(١) الزخرف الآية: ٨٦.
(٢) الزمر الآية:١٣ - ١٤.
(٣) سبأ الآية: ٢٢.
(٤) غافر الآية: ١٨.
[ ٢٠ ]
الأحاديث في مواضعها إن شاء الله.
٣ - الإذن للشافع، كما قال تعالى: ﴿من ذا الّذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (١).
٤ - الرّضا عن المشفوع له كما قال تعالى: ﴿وكم من ملك في السّموات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (٣).
وبهذا تنتهي المقدمة، ونستعين بالله في الشروع في ذكر الأحاديث بأسانيدها مع العزو إلى بقيّة المخرجين بحسب الاستطاعة، فإن في ذكر الحديث بسنده طمأنينةً لطالب علم الحديث، وحذف الأسانيد خسارة كبيرة، إذ الإسناد من الدين، وما كان سلفنا ﵏ يقبلون من محدث حديثًا حتى يسنده، وينظروا في رجاله رجلًا رجلًا، كما هو معروف من سيرهم ﵏.
وأما التخريج فهو يعين طالب العلم على جمع طرق الحديث، والحديث كلما كثرت طرقه ازداد قوة، والتخريج أيضًا يعين طالب العلم على الوقوف على شروح الحديث، في الكتب التي قد شرحت، فربّ حديث يكون عامًا قد خصّص، أو يكون منسوخًا، أو يكون مطلقًا قد قيّد، من أجل هذا فإنه لا غنى لنا عن الرجوع إلى الشروح غير مقلدين لأصحابها،
_________________
(١) البقرة الآية: ٢٥٥.
(٢) النجم الآية:٣٦.
(٣) الأنبياء الآية: ٢٨.
[ ٢١ ]
ولكن مستفيدين من جهودهم التي بذلوها في خدمة السنة، فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
هذا ويستفاد من التخريج وجمع الطرق أنّ الحديث ربّما يكون ظاهره الصحة، وبجمع الطرق تظهر فيه علّة من اضطراب أو انقطاع أو إرسال أو وقف أو غيرها مما يعلّ بها الحديث. فمن ثمّ يقول علي بن المديني: إن الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيّن خطؤه. وإليك مثالًا على ذلك: حديث جابر في "صحيح البخاري" فيمن يقول مثل ما يقول المؤذن، ثم يقول: «اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامة، والصّلاة القائمة، آت محمّدًا [وفي "معاني الآثار" للطحاوي: آت سيّدنا محمدًا] الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته»، وفي "سنن البيهقي" زيادة: «إنّك لا تخلف الميعاد»، فبسبب جمع الطرق علم أنّ هاتين الزيادتين شاذتان كما سيأتي إن شاء الله، في (أسباب الشّفاعة).
هذا وقد أذكر بعض الأحاديث الشديدة الضعف والموضوعة لبيان حالها لا للاحتجاج بها، فإنّ بعض الأحاديث الموضوعة تستغلها بعض الطوائف المنحرفة لترويج باطلها، وإليك مثالًا على ذلك وهو ما قرأناه في "العقد الثمين في معرفة رب العالمين" (١) ونحن بصعدة (٢): «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» فهذا حديث ليس له أصل، إنّما هو من أباطيل المعتزلة، كما في "أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب".
_________________
(١) من رسائل الهادوية الشيعة، وليس هو كتاب الفاسي. ويدرس في صعدة عند الشيعة.
(٢) باليمن وهي بلدنا.
[ ٢٢ ]
مثال آخر: حديث «ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة: الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم عندما اضطروا إليه، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه» ولا يخفى على القارئ ما هو مقصد (١) واضع هذا الحديث، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث الباطل في (أعمال متفرقة من أسباب الشّفاعة).
تنبيه:
قاعدتي في الحكم على الحديث أنّني أبحث في كتب المحدثين، فإن وجدت حكمًا لمحدث نقلته، ثم نظرت في رجال السّند فإن ظهر لي خلاف ذلك الحكم من تصحيح أو تضعيف عقّبت به على حكمه، وإلا أقررته كما هو، وأعتقد أنّ هذه الطريقة أسلم، فقد يظن الباحث أنّ السند صحيح ويكون قد اطلع العلماء على علّة فيه، وقد يصححه متساهل، فيتناقله من بعده معتمدين على تصحيحه، من أجل هذا ألزمت نفسي بالجمع بين البحث عمّا قاله العلماء، والنظر في السند، وأيضًا النّاس يطمئنون إلى تصحيح المتقدمين لعلمهم أنّهم أوسع علمًا من المتأخرين. فإذا لم أجد لهم كلامًا حكمت على الحديث بظاهر السّند. والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اعتذار:
اطلعت على أحاديث في "كنْز العمّال" وفي "مجمع الزوائد" و"المطالب العالية" تعزى إلى مصادر ليست في متناولي فتركتها ولم تطمئن النفس إلى
_________________
(١) من هذا أن يكون الناس مسخرين لهم، وأن تكون مصالح غير العلوي للعلوي.
[ ٢٣ ]
نقلها بدون أسانيد، وقد أخرجت في الغالب ما يغني عنها، وهكذا في الرجال فقد أبحث عن بعضهم فلا أجد له ترجمة في المصادر لديّ، فأتوقف في الحكم على الحديث خشية أن يكون الراوي موثقًا في مصدر لم أطلع عليه، أو يكون تصحّف فما أكثر التصحيف في الكتب المطبوعة التي لم يشرف عليها من هو أهل للإشراف.
هذا، وقد أعرضت عن جدل أهل البدع وذكر أقوالهم والردّ عليها، وسقت الأحاديث كما هي، ففي الأدلة غنية عن فلسفة أهل علم الكلام، وفي الأدلة قمع لبدعهم (١) فعسى الله أن يوفق المسلمين إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله اللّذين هما أمان من الضلال والزّيغ، وهما عصمة من الاختلاف الذي مزّق الأمّة الإسلامية وجعلهم شيعًا وأحزابًا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
«اللهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السّموات والأرض، عالم الغيب والشّهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٢).
_________________
(١) شأن علمائنا المتقدمين كالآجري واللالكائي وقد ذكرت جملةً طيبةً من هذا في ترجمة أبي حنيفة. وانظر في ذم الجدل أيضًا الشريعة للآجري (ج١ ص١٨٥) بتحقيق الوليد بن محمد، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج١ ص١١٤).
(٢) رواه مسلم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يفتتح به صلاة الليل.
[ ٢٤ ]