الشيعة وإهانتهم أهل البيت
إن الشيعة لم يكونوا يومًا من الأيام محبين لأهل البيت ومطيعين لهم، بل ثبت ذلك بنصوص الكتب الشيعية أنهم لم ينشئوا ولم يوجدوا من أول يوم إلا لإفساد العقائد الإسلامية الصحيحة ومخالفتها، ولإضرار المسلمين وسبهم وشتمهم، وإهانة أعيانهم وأسلافهم، وعلى رأسهم حامل الشريعة الحنيفية البيضاء، إمام هذه الأمة المجيدة، وأصحابه، وتلامذته، ونوابه الراشدين، وأهل بيته الطيبين.
وإننا لما خصصنا هذا الكتاب لذكر الشيعة وعلاقتهم مع أهل البيت بسبب تقولهم أنهم غريسة أولئك الناس وشجرتهم، وهم - أي أهل البيت - أسسوا قواعد مذهبهم، وأرسخوا أصول معتقداتهم، وأكثر من ذلك هم الذين كونوهم وأنشئوهم وربوهم، ولهم بهم علاقة ليس لأحد غيرهم مثلها.
فصلنا القول في مزاعمهم وادعاءاتهم، وعرّفنا مدى صلتهم بهم في الأبواب السابقة، وإطاعتهم ومتابعتهم إياهم، وحبهم لهم.
وأما في هذا الباب والأخير من كتابنا نريد أن نتقدم بالقارئ والباحث إلى الأمام بخطوة أخرى، ونبين أن القوم لم يكتفوا بمخالفة أهل البيت وعصيانهم وبالكذب والافتراء عليهم، بل ازدادوا، وبلغوا إلى حد الإساءة والإهانة، الإساءة العلنية، والإهانة الصريحة الجلية، لا الخفية الغير الظاهرة مثلما عاملوا الآخرين من أصحاب محمد - ﷺ - طبقًا بطبق وحذوا بحذو بدون فرق
[ ٢٥٧ ]
وتمييز، لأنهم لم يتقنعوا بقناع حب آل البيت إلا للسب والشتم في خلفاء رسول الله ورفاقه، ولما فرغوا منهم أكبوا ما في جعبتهم على من تقنعوا بقناع حبهم واسمهم لأن الغرض ليس بغض أولئك وحب هؤلاء، وبناء هذا وهدم ذاك، بل الهدف الوحيد التشويه والتشكيك على المسلمين، وإثارة البغضاء والأحقاد فيما بينهم، وهدم الكيان الإسلامي والأمة الإسلامية، وإلا فهل من الممكن أن يهان أهل بيت النبي - ﷺ - وأهل بيت علي ﵁؟ بل ونبي الله نفسه صلوات الله وسلامه عليه وعلي ﵁؟.
تطاول الشيعة على خاتم النبيين
نعم! نبي الله الصادق المصدوق الذي فضله الله على كافة خلقه، ومن فيهم من رسل الله وأوليائه، والذي امتدت رسالته على الكونين، وفرضت إمامته على الثقلين، ونيطت قيادته إلى يوم التناد وأطيلت زعامته إلى ما بعد هذا اليوم، حيث يكون لواء الحمد بيده، وتحته يكون آدم ومن دونه من النجباء والأخيار.
نعم! يهينون هذا النبي الأعظم الذي فضل على الأنبياء والرسل بصفات لم يعطوها، وخصائل لم ينالوها، قالوا فيه:
إن عليًا وازن بينه وبين نفسه فقال:
أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد - ﷺ -، ولقد حملت على مثل حمولة الرب، وإن رسول الله - ﷺ - يدعى فيكسى، وادعى فأكسى، ويستنطق واستنطق - إلى هذا نحن سواء وأما أنا - ولقد أوتيت خصالًا ما سبقني إليها أحد قبلي. علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني" (١).
فالرسول العظيم ﵊ يساوي عليًا في خصائل، ولم يحصل
_________________
(١) "الأصول من الكافي" كتابالحجة ص١٩٦، ١٩٧
[ ٢٥٨ ]
له خصائل أخرى لأنه بشر، وليس للبشر مهما بلغ شأنه ومقامه أن يتحلى بها ﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾ (١).
و﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ (٢).
و﴿لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ (٣).
وأما علي فهو ما فوق النبي لأنه ما فوق البشر، ولعله ..؟ معاذًا لله! وفعلًا قالوه حيث ذكروا أنه قال:
أنا وجه الله، وأنا جنب الله، وأنا الأول، وأنا الآخر، وأنا الظاهر، وأنا الباطن، وأنا وارث الأرض، وأنا سبيل اله، وبه عزمت عليه" (٤).
وهذا ليس بمستعبد من القوم لأنهم تعودوا على ذلك، وتجرؤا على تصغير شأن نبي الله - ﷺ - مقابل علي ﵁، ولقد ذكرنا عدة روايات فيما مضى (٥) تبرهن ذلك نستغني عن ذرها ههنا، ونورد ههنا ما لم نوردها سابقًا، فلقد أورد العياشي والحويزي في تفسيريهما رواية تدل على علو مكانة علي فوق النبي - ﷺ -، فيكتبان تحت قول الله ﷿: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين: أن المراد من الصلوات:
"رسول الله أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين، والوسطى أمير المؤمنين" (٦).
_________________
(١) سورة الكهف الآية١١٠
(٢) سورة لقمان الآية ٣٤
(٣) سورة النمل الآية٦٥
(٤) رجال الكشي ص١٨٤
(٥) في الباب الثاني بعنوان "من الأفضل؟ علي، أم نبي"
(٦) "تفسير العياشي" ج١ ص١٢٨ ط طهران، أيضًا "نور الثقلين" ج١ ص٢٣٨ ط قم
[ ٢٥٩ ]
وهل هناك إساءة فوق هذا إلى سيد الخلائق ورسول الثقلين - ﷺ -؟
نعم! هناك أشنع من هذه وأقبح، ما ذكره الحويزي نقلًا من الصدوق أن الرسول لم يرسل إلا لتبليغ ولاية علي إلى الناس، ولو لم يبلغ ما أمر بتبليغه من ولاية علي لحبط عمله - عياذًا بالله -.
وإليك النص: روى الصدوق في "الأمالي" أن رسول الله قال لعلي:
لو لم أبلغ ما أمرت به من ولايتك لحبط عملي" (١).
ولم لا يكون كذلك؟ والحال أنه لم يرفع ذكره - لا يؤاخذنا الله بنقل كفريات القوم - إلا بعلي، ولم يوضع عنه وزره إلا به، كما ذكر البحراني عن ابن شهر آشوب تحت قوله: ووضعنا عنك وزرك:
"ثقل مقاتلة الكفار وأهل التأويل بعلي بن أبي طالب ﵇" (٢).
وعن البرسي "ورفعنا لك ذكرك بعلي صهرك، قرأها النبي - ﷺ -، وأثبتها ابن مسعود وانتقصها عثمان" (٣).
ولأجل ذلك كان رسول الله يدعو الله ويسأله بحرمة علي، كما ينقل البحراني عن السيد رضي من كتابه "المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة" عن ابن مسعود أنه قال:
خرجت إلى رسول الله - ﷺ -، فوجدته راكعًا وساجدًا وهو يقول: اللهم بحرمة عبدك علي اغفر للعاصين من أمتي - ولم يكتفوا بذلك، بل زادوا في غلوائهم حيث قالوا -: إن النبي خلق من نوره السماوات والأرض، وهو أفضل من السماوات والأرض، ولكن علي خلق من نوره العرش والكرسي، وعلي أجل من العرش والكرسي" (٤).
_________________
(١) تفسير "نور الثقلين" ج١ ص٦٥٤
(٢) "البرهان" في تفسير القرآن ج٤ ص٤٧٥
(٣) "البرهان" في تفسير القرآن ج٤ ص٤٧٥
(٤) "البرهان" ج٤ ص٢٢٦
[ ٢٦٠ ]
فهذا هو نبي في نظرهم، وذاك هو علي أفضل وأعلى من الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وبالغوا فيه عمدًا وقصدًا لتقليل مرتبة النبي - ﷺ -، وجاوزوا كل الحدود حتى قالوا عن النبي - ﷺ -: لما عرج به إلى السماء رأى عليًا وأولاده قد وصلوا إليها من قبل، فسلم عليهم وقد فارقهم في الأرض" (١).
وروى أيضًا عن الصدوق في أماليه أن رسول الله قال:
لما عرج بي إلى السماء دنوت من ربي، حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى، قال: يا محمد! من تحبه من الخلق؟
قلت: يا رب! عليًا، قال: التفت يا محمد! فالتفت عن يساري، فإذا علي بن أبي طالب ﵇" (٢).
وليس هذا، بل وأكثر من ذلك، لما سئل النبي:
"بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج؟ قال: خاطبني بلغة علي بن أبي طالب، حتى قلت: أنت خاطبتني أم علي؟ " (٣).
فعلي في كل مقام قبل نبي، فهو قبله في السماء، وقبله عند الرب، وبلغته يخاطبه الله، وبصوته يتكلم، وهو أعلى منه خلقة، وبه رفع ذكره ووضع عنه وزره، وبحرمته أجيبت دعوته، وبقوته وقيت نفسه، وحفظت روحه، وقويت عضده، وقام دينه. وبهذا قال شيعي متحضر معاصر:
بنى الدين فاستقام ولولا
ضرب ماضيه ما استقام البناء" (٤).
_________________
(١) "تفسير البرهان" ج٢ ص٤٠٤ نقلًا عن البرسي
(٢) "تفسير البرهان" ج٢ ص٤٠٤
(٣) "كشف الغمة" ج١ ص١٠٦
(٤) "أصل الشيعة وأصولها" لمحمد حسين آل كاشف الغطاء ص٦٨، الطبعة التاسعة
[ ٢٦١ ]
وقال الآخر: بالشيعة قام الإسلام، وبسيف إمامهم أسس الإسلام وثبتت دعائمه" (١).
وقبلهما القمي أهان رسول الله العظيم حيث اختلق هذه القصة الباطلة الموضوعة أن رسول الله:
"كان بمكة، ولم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب، وأغروا به الصبيان، وكان إذا خرج رسول الله - ﷺ - يرمونه بالحجارة والتراب، فشكى ذلك إلى علي ﵇ - فانظر إلى التعبير السيئ والإهانة الصريحة لذلك النبي الأشهم، بطل الأبطال، وفارس الفرسان وقائد الشجعان - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إذا خرجت فأخرجني معك، فخرج رسول الله - ﷺ - ومعه أمير المؤمنين ﵇، فتعرض الصبيان لرسول الله - ﷺ - كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين ﵇، فكان يقضمهم في وجوههم وآنافهم وآذانهم" (٢).
ويقولون: إنه هو الذي وقى رسول الله يوم الغار" (٣).
فعلي هو هو كل شيء ولم يرسل نبي الله محمد خاتم الأنبياء وسيد الرسل إلا ليدعوا الناس إليه ويحببه إلى الناس، وأما نفسه فليس بشيء مقابل علي - نستغفر الله ونتوب إليه من هذه الإهانات والهفوات - كما رووا عن ابن بابويه القمي وغيره عن جعفر أنه قال:
عرج بالنبي ﵇ إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوحى الله فيها إلى النبي - ﷺ - بالولاية لعلي أكثر ما أوصاه في سائر الفروض" (٤).
_________________
(١) "أعيان الشيعة" لمحسن الأمين ج١ الجزء الأول، القسم الأول ص١٢٣
(٢) "تفسير القمي" ج١ ص١١٤
(٣) "نور الثقلين" ج٢ ص٢١٩
(٤) "مقدمة تفسير البرهان" ص٢٢
[ ٢٦٢ ]
وأيضًا "إن جبرئيل أتى النبي - ﷺ - وقال: يا محمد! ربك يقرئك السلام ويقول: فرضت الصلاة ووضعتها عن المريض، وفرضت الصوم ووضعته عن المريض والمسافر، وفرضت الحج ووضعته عن المقل المدقع وفرضت الزكاة ووضعتها عمن لا يملك النصاب، وجعلت حب علي بن أبي طالب ﵇ ليس فيه رخصة" (١).
وكذبوا على الله ﷿ أنه قال:
علي بن أبي طالب حجتي على خلقي، ونوري في بلادي، وأميني على علمي لا أدخل النار من عرفه وإن عصاني، ولا أدخل الجنة من أنكره ولو أطاعني" (٢).
التطاول على الأنبياء
وإن القوم لم يتقولوا بمثل هذه الأقاويل، ولم يتفوهوا بمثل هذه الترهات ضد رسول الله - ﷺ - فحسب، بل قالوا بمثل هذه المقالات وأكثر بخصوص رسل الله السابقين وأنبيائه والمرسلين، فلقد تجرؤا على موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام حيث قالوا: إن جعفر كان أعلم منهما، فلقد أورد الكليني عن سيف التمار أنه قال:
كنا مع أبي عبد الله ﵇ جماعة من الشيعة في الحجر، فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة، فلم نر أحدًا، فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة! ورب البنية! ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما" (٣).
وأهانوا أولي العزم من الرسل، واختلقوا قصة غريبة، فقالوا: إن عليًا لما ولد، ذهب رسول الله - ﷺ - إليه، ولكنه رآه ماثلًا بين يديه، واضعًا يده اليمنى
_________________
(١) مقدمة البرهان، نقلًا عن البرقي في محاسنه ص٢٢
(٢) "البرهان" مقدمة ص٢٣
(٣) "الأصول من الكافي" كتاب الحجة ج١ ص٢٦١
[ ٢٦٣ ]
في أذنه اليمنى وهو يؤذن ويقيم بالحنفية، ويشهد بواحدانية الله وبرسالته وهو مولود ذلك اليوم، ثم قال لرسول الله: اقرأ؟ فقال له: اقرأ - وبعده النص حرفيًا -:
لقد ابتدأ بالصحف التي أنزلها الله ﷿ على آدم، فقام بها شيث فتلاها من أول حرف فيها إلى آخر حرف فيها، حتى لو حضر بها شيث لأقر له إنه أحفظ له منه، ثم قرأ توراة موسى، حتى لو حضره موسى لأقر بأنه أحفظ لها منه، ثم قرأ زبور داؤد، حتى لو حضره داؤد لأقر بأنه أحفظ لها منه، ثم قرأ إنجيل عيسى، حتى لو حضره عيسى لأقر بأنه أحفظ لها منه، ثم قرأ القرآن، فوجدته يحفظ كحفظي له الساعة من غير أن أسمع منه آية" (١).
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا.
هذا ولقد قالوا إنه ينادي مناد يوم القيامة:
"أين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم داؤد عليه الصلاة السلام، فيأتي النداء من عند الله ﷿: لسنا إياك أردنا، وإن كنت لله خليفة، ثم ينادي (مناد) أين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة السلام، فيأتي النداء من قبل الله ﷿: يا معشر الخلائق! هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه، وحجته على عباده" (٢).
وأهانوا رسل الله وأنبيائه حيث قالوا: إن نبي الله أيوب لم تتغير نعمة الله عليه إلا لإنكاره ولاية علي، كذلك صفي الله يونس ﵇ لم يحبس في بطن الحوت إلا لإنكاره أيضًا، وكذلك يوسف وقبله آدم ﵉.
فأورد الحويزي رواية في تفسيره أنه قال: دخل عبد الله بن عمر على زين العابدين، فقال:
_________________
(١) "روضة الواعظين" ص٨٤
(٢) "كشف الغمة" ج١ ص١٤١
[ ٢٦٤ ]
يا ابن الحسين! أنت الذي تقول: إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي، لأنه عرضت عليه ولاية جدي، فتوقف عندها؟ قال: بلى! ثكلتك أمك، قال: فأرني آية ذلك إن كنت من الصادقين؟ فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة، ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا، فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه، فقال ابن عمر:
يا سيدي! دمي في رقبتك، الله الله في نفسي، فقال: هنيئة واريه إن كنت من الصادقين؟ ثم قال: يا أيتها الحوت! قال: فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم وهو يقول" لبيك لبيك يا ولي الله! فقال: من أنت؟ قال: حوت يونس يا سيدي! قال: ايتنا بالخبر، قال: يا سيدي! إن الله تعالى لم يبعث نبيًا من آدم إلى أن صار جدك محمد إلا وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت، فمن قبلها من الأنبياء سلم وتخلص، ومن توقف عنها وتتعتع في حملها لقي ما لقي آدم من المصيبة، وما لقي نوح من الغرق، وما لقي إبراهيم من النار، وما لقي يوسف من الجب، وما لقي أيوب من البلاء. وما لقي داؤد من الخطيئة، إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه أن يا يونس! تول أمير المؤمنين" (١).
ومثلها أورد البحراني في مقدمة تفسيره "البرهان" عن سلمان أنه قال لعلي ﵁:
بأبي أنت وأمي يا قتيل كوفان! أنت حجة الله الذي به تاب على آدم، وبك أنجى يوسف من الجب، وأنت قصة أيوب وسبب تغيير نعمة الله عليه" (٢).
ونقل عن "معاني الأخبار" أن أبا عبد الله سئل عن قول علي ﵁: إن أمرنا
_________________
(١) "تفسير نور الثقلين" ج٣ ص٤٣٥
(٢) "البرهان" مقدمة ص٢٧
[ ٢٦٥ ]
صعب مستعصب، لا يقر به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فقال:
إن في الملائكة مقربين وغير مقربين، ومن الأنبياء مرسلين وغير مرسلين، ومن المؤمنين ممتحنين وغير ممتحنين، فعرض أمركم على الملائكة فلم يقر به إلا المقربون، وعرض على الأنبياء فلم يقر به إلا المرسلون، وعرض على المؤمنين فلم يقر به إلا الممتحنون" (١).
وكتبوا عن أبي الأنبياء آدم صلوات الله وسلامه عليه "أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فتاب عليه، هي سؤاله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين" (٢).
فهذه هي عقيدة القوم التي يكنونها في صدورهم، ويخفونها في كتبهم، وهذه هي الإهانات التي يوجهونها إلى نجباء الله وأصفيائه، رسل الله وأنبيائه مع من فيهم سيد الرسل والأنبياء وإمام المرسلين بدعوى حب أهل البيت وموالاتهم.
إهانة أهل البيت
والحال أن أهلي البيت سواء كانوا آل بيت النبي أو آل بيت علي لم يسلموا من سلاطة لسانهم، وبذاءة أقلامهم، وخبث باطنهم، ودناءة ضميرهم، فإنهم أهانوا أيضًا كما أهانوا أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، فلقد قالوا في عباس ﵁ وهو عم رسول الله وصنو أبيهز
إن الآية: ﴿لبئس المولى ولبئس العشير﴾: نزلت فيه" (٣).
_________________
(١) "مقدمة البرهان" ص٢٦
(٢) "كتاب الخصال" لابن بابويه القمي ج١ ص٢٧٠ تحت عنوان "الكلمات التي تلقاها آدم من ربه"
(٣) "رجال الكشي" ص٥٤
[ ٢٦٦ ]
وأيضًا إن قول الله ﷿: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾: وقول الله ﷿: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم﴾: نزلتا فيه" (١).
وأما أبناء عم رسول الله، وسيدا بني هاشم، وعامل علي وصفية عبد الله بن عباس، وأخوه عبيد الله بن عباس فقالوا فيهما:
إن أمير المؤمنين قال: اللهم العن ابني فلان - يعني عبد الله وعبيد الله كما في الهامش - وأعم أبصارهما كما أعميت قلوبهما الأجلين في رقبتي، واجعل عمى أبصارهما دليلًا على عمى قلوبهما" (٢).
وأما عقيل بن أبي طالب وشقيق علي فقد قالوا فيه نقلًا عن علي بن أبي طالب أنه قال - وهو يذكر قلة أعوانه وأنصاره -:
ولم يبق معي من أهل بيتي أحد أطول به وأقوى، أما حمزة فقتل يوم أحد، وجعفر قتل يوم مؤتة، وبقيت بين خلفين خائفين ذليلين حقيرين، العباس وعقيل" (٣).
ومثله ذكر الكليني عن محمد الباقر أنه قال:
وبقي معه رجلان ضعيفان، ذليلان، حديثا عهد بالإسلام. عباس وعقيل" (٤).
والمعروف أن العباس والعقيل وآلهما من أهل بيت النبوة كما أقر به الأربلي أن رسول الله - ﷺ - سئل:
من أهل بيتك؟ قال: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس" (٥).
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٥٢، ٥٣
(٢) "رجال الكشي" ص٥٢ تحت عنوان دعاء علي على عبد الله وعبيد الله ابني عباس
(٣) "الأنوار النعمانية" للجزائري، "مجالس المؤمنين" ص٧٨ ط إيران القديم
(٤) "الفروع من الكافي" كتاب الروضة
(٥) "كشف الغمة" ج١ ص٤٣
[ ٢٦٧ ]
وابن النبي
هذا ولقد رووا رواية باطلة أخرى فيها تصغير لشأن ابن النبي، وتحقيره إياه مقابل حفيده من فاطمة ﵃ أجمعين وخلاصة ما قالوا إن رسول الله - ﷺ - كان جالسًا وعلى فخذه الأيسر إبراهيم ولده، وعن يمينه حسين حفيده، وكان يقبل هذا تارة وذاك تارة أخرى، فنظر جبريل وقال: إن ربك أرسلني وسلم عليك، وقال: لا يجتمع هذان في وقت واحد، فاختر أحدهما على الآخر، وافد الثاني عليه، فنظر رسول الله - ﷺ - إلى إبراهيم وبكى، ونظر إلى سيد الشهداء - انظر إلى التعبير الرقيق، والموازنة بين ابن علي وابن نبي - وبكى، ثم قال: إن إبراهيم أمه مارية، فإن مات لا يحزن أحد عليه غيري، وأما الحسن فأمه فاطمة وأبوه علي فإنه ابن عمي وبمنزلة روحي، وإنه لحمي ودمي، فإن مات ابنه يحزن وتحزن فاطمة، فخاطب جبريل وقال: يا جبريل! أفديت إبراهيم الحسين، ورضيت بموته كي يبقى الحسين ويحيى" (١).
وبنات النبي
وأهانوا بنات النبي - ﷺ - الثلاثة حيث نفوا عنهن أبويته، وقالوا: إن النبي لم ينجبهن، بل كن ربيبات، فيذكر حسن الأمين الشيعي:
"ذكر المؤرخون أن للنبي أربع بنات، ولدى التحقيق في النصوص التاريخية لم نجد دليلًا على ثبوت بنوة غير الزهراء (ع) منهن، بل الظاهر أن البنات الأخريات كن بنات خديجة من زوجها الأول قبل محمد (- ﷺ -) " (٢).
وعلي أيضًا
هذا وعلي - الإمام المزعوم عند القوم، والمعصوم الأول عندهم - شأنه شأن الآخرين، فلقد أهانوه، وصغروه، واحتقروه، ونسبوه إلى الجبن والذل، واتهموه بالتذلل والمسكنة وقالوا: إن أبا بكر ﵁ لما بويع بالخلافة، وأنكر علي خلافته، وامتنع عن بيعته فقال أبو بكر لقنفذ:
_________________
(١) "حياة القلوب" للمجلسي ص٥٩٣ أيضًا "المناقب" لابن شهر آشوب
(٢) "دائرة المعارف الإسلامية الشيعية" ج١ ص٢٧ ط دار المعارف للمطبوعات بيروت
[ ٢٦٨ ]
ارجع، فإن خرج وإلا فاقتحمو عليه بيته، وإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار، فانطلق قنفذ الملعون، فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار علي ﵇ إلى سيفه، فسبقوه إليه وكاثروه، فتناول بعض سيوفهم فألقوا في عنقه حبلًا، وحالت بينه وبينهم فاطمة ﵍ عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله، ثم انطلق بعلي ﵇ يعتل عتلًا - أي يجرجر عنيفًا - حتى انتهى به إلى أبي بكر - إلى أن قال - فنادى علي ﵇ قبل أن يبايع والحبل في عنقه: يا ابن أم! إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني" (١).
فهذا هو علي بن أبي طالب في نظر الشيعة، وهكذا يصورونه جبانًا، خائفًا، مذعورًا، ملببًا، وهو الذي اختلقوا فيه القصص، واخترعوا فيه الأساطير، فيه، وفي قوته وشجاعته وطاقته وجرأته وبسالته، وقد مر بيان بعضها سابقًا.
وليس هذا فحسب، بل اتهموه بالجبن والهوان إلى حد قالوا فيه على لسان زوجته ابنة النبي - ﷺ -، فاطمة ﵂ أنها لامته، وغضبت عليه، وطعنته، وشنعت عليه بعد ما طالبت فدك وتشاجرت مع الصديق والفاروق ﵃ أجمعين، ولم يساعدها علي في تلك القضية حسب زعمهم قالت له:
يا ابن أبي طالب! اشتملت مشيمة الجنين، وقعدت حجرة الظنين - إلى آخر ما قالته -" (٢).
"وإن فاطمة ﵍ لامته على قعوده وهو ساكت" (٣).
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٤ و٨٩
(٢) "الأمالي" للطوسي ص٢٥٩، "حق اليقين" للمجلسي ص٢٠٣، ٢٠٤، "الاحتجاج" للطبرسي
(٣) "أعيان الشيعة" ص٢٦، القسم الأول
[ ٢٦٩ ]
وأكثر من ذلك أنهم قالوا إن عمر بن الخطاب غصب ابنته ولم يستطع أن يمنعه من ذلك، فلقد قال الكليني أن أبا عبد الله قال في تزويج أم كلثوم بنت علي:
إن ذلك فرج غصبناه" (١).
وأيضًا "إن عليًا لم يكن يريد أن يزوج ابنته أم كلثوم من عمر، ولكنه خاف منه، فوكل عمه عباس ليزوجها منه" (٢).
وهذا، والذي رفض قبول الخلافة والإمارة حينما قدمت إليه بقوله: دعوني والتمسوا غيري: يهينونه بالكذب عليه، ويحطون عن مكانته ومقامه، ويصورونه كالعامي الحريص الذي يجري خلف المناصب ويسعى لأجلها مستعملًا في سبيلها كل الوسائل، والوسائل التي تأبى نفوس أبيه شريفة اختيارها وإتيانها، نعم! يجعلونه كصاحب الهوس والهوى والأغراض ليستخدم للحصول عليها حسبه ونسبه وحتى زوجته وأولاده، فانظر إليهم وإهانتهم لسيد أهل البيت ماذا يقولون فيه في كتابهم المهم، المعتمد الموثوق لما بويع أبو بكر، ووصل الخبر إلى مسامع علي، قال: إن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، وسكت عنه يومه ذلك:
"فلما كان الليل حمل على فاطمة ﵍ وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين ﵉، فلم يدع أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا أتاه في منزله، فناشدهم الله حقه، ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب منهم رجل" (٣).
وهل هناك إهانة أكبر من هذه أن يقال عن مثل علي ﵁ أنه حمل زوجته ابنة النبي على حمار، وأخذ سبطيه، وذهب إلى أبواب الناس يستعطفهم ويستنصرهم ويستجديهم؟
_________________
(١) "الكافي في الفروع" ج٢ ص١٤١ ط الهند
(٢) "حديقة الشيعة" لمقدس الأردبيلي ص٢٧٧
(٣) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٢، ٨٣
[ ٢٧٠ ]
سبحان الله: ما أشنع الكذب وما أقبحه!
ثم زادوا على ذلك:
"إن عليًا ﵇ لما رأى خذلان الناس إياه، وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه لزم بيته" (١).
فليلاحظ الكلمات والحروف، ولتكرر النظرة على هذه العبارة القصيرة تنبئ وتخبر الوجوه الأصلية والآراء الحقيقية تجاه علي ﵁ كيف يحقر ويصغر، ويصور مطرودًا مستردًا من قبل الناس أجمعين.
ولقد ذكر محدث القوم ابن بابويه القمي مثل هذه الروايات في كتابه حيث ذكر قصة طويلة أن أنصار علي وأعوانه القليلين كيف ردوا على أبي بكر، وامتنعوا عن قبول خلافته وإمارته، وتكلموا ضده جهرًا وعلنًا على رؤوس الأشهاد، فلما سمع أصحاب أبي بكر بذلك حضروا إليه:
"شاهرين السيوف، وقال قائل منهم: والله! لئن عاد منكم أحد، فتكلم بمثل الذي تكلم به لنملأن أسيافنا منه، فجلسوا - أي أصحاب علي - في منازلهم، ولم يتكلم أحد بعد ذلك" (٢).
هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى أهانوا المرتضى علي بن أبي طالب ﵁ حيث وصفوه بكل قبح في صورته ومزاجه، وأنه كان مفلسًا فقيرًا لا مال له:
"من بيت مفلس أخذ جميع أبنائه الآخرون ليكفوا صاحبه مؤنتهم، ويخففوا عنه ثقلهم" (٣).
ولأجل ذلك رفضت فاطمة الزواج منه لما قدمه إليها أبوها، وهذا هو النص:
"فلما أراد - رسول الله - ﷺ - أن يزوجها عن علي أسر
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٣
(٢) "كتاب الخصال" للقمي ج٢ ص٤٦٥
(٣) "مقاتل الطالبين" لأبي الفرج ص٢٦
[ ٢٧١ ]
إليها، فقالت: يا رسول الله! أنت أولى بما ترى غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداح البطن، طويل الذراعين ضخم الكراديس، أنزع، عظيم العينين، لمنكبيه مشاشًا كمشاش البعير، ضاحك السن، لا مال له" (١).
ولقد ذكر الأصفهاني عن ابن أبي إسحاق أنه قال:
أدخلني أبي المسجد يوم الجمعة، فرفعني، فرأيت عليًا يخطب على المنبر شيخًا أصلع، ناتئ الجبهة، عريض ما بين المنكبين، له لحية ملأت صدره، في عينه اطرغشاش" (يعني لين في العين) (٢).
وقال في وصف جامع: كان ﵇ أسمر مربوعًا، وهو إلى القصر أقرب، عظيم البطن، دقيق الأصابع، غليظ الذراعين، حمش الساقين، في عينيه لين، عظيم اللحية، أصلع، ناتئ الجبهة" (٣).
وهناك رواية في الكافي أوردها الكليني تبين أن فاطمة ﵂ لم ترض بعلي حتى بعد الزواج، ولم تقبله عن طيب قلبها، والرواية هذه:
"لما زوج رسول الله - ﷺ - عليًا فاطمة ﵉ دخل عليهما وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فوالله! لو كان في أهلي خير منه ما زوجتكه، وما أنا زوجته، ولكن الله زوجك" (٤).
وذكر الأربلي عن بريدة قال: قال رسول الله - ﷺ -: قم يا بريدة نعود فاطمة، فلما أن دخلنا عليهما أبصرت أباها دمعت عيناها، قال: ما يبكيك يا بنتي؟ قالت: قلة الطعم، وكثرة الهم، وشدة الغم - وفى رواية أخرى قالت: والله! لقد اشتد حزني، واشتدت فاقتي، وطال سقمي" (٥).
_________________
(١) "تفسير القمي" ج٢ ص٣٣٦
(٢) "مقاتل الطالبين" ص٢٧
(٣) "مقاتل الطالبين" ص٢٧
(٤) "الفروع من الكافي"
(٥) "كشف الغمة" ج١ ص١٤٩، ١٥٠
[ ٢٧٢ ]
فهذا هو القوم، وهذا هو دأبهم، وماذا يرجى ويتوقع من الذين يتطاولون على صحبة رسول الله، الصديق والفاروق وذي النورين وغيرهم من الأخيار الأطهار، والذين يجترؤن على رسل الله وأنبيائه وسيد المرسلين، أيحترمون عليًا وأهل بيته؟ كلا! لا يمكن أن يكون كذلك.
وأهانوا عليًا، وسيده رسول الله، وزوجته ﵄ جميعًا في رواية باطلة خرافية، قبيحة وسخيفة، حيث ذكروا:
"كان لرسول الله - ﷺ - لحاف ليس له لحاف غيره، ومعه عائشة، فكان رسول الله (- ﷺ -) ينام بين عليّ وعائشة، ليس عليهم لحاف غيره، فإذا قام رسول الله (- ﷺ -) من الليل حطّ بيده اللحاف من وسطه بينه وبين عائشة" (١).
هل هناك إهانة أكبر من هذه الإهانة؟
نعم! هناك أكبر وأكثر، منها ما رواها القوم أن عليًا أتى رسول الله - ﷺ - وعنده أبو بكر وعمر، فيقول:
فجلست بينه وبين عائشة، فقالت له عائشة: ما وجدت إلا فخذي وفخذ رسول الله - ﷺ - فقال: مه يا عائشة! " (٢).
ومرة أخرى جاء "فلم يجد مكانًا، فأشار رسول الله (- ﷺ -) إليه: ههنا (يعني خلفه) وعائشة قائمة خلفه وعليها كساء، فجاء علي (ع) فقعد بين رسول الله وبين عائشة، فغضبت وقالت: ما وجدت لاستك موضعًا غير حجري، فغضب رسول الله وقال: يا حميراء! لا تؤذيني في أخي" (٣).
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٢٢١
(٢) "البرهان في تفسير القرآن" ج٤ ص٢٢٥
(٣) "كتاب سليم بن قيس العامري" ص١٧٩
[ ٢٧٣ ]
هذا وكانوا يهينونه ويخذلونه بعد ما تولى الحكم وصار خليفة للمسلمين وأميرًا للمؤمنين فلم يكن يذهب بهم إلى معركة ولا إلى حرب إلا وكانوا يتسللون منها ملتمسين الأعذار، وبدون العذر أيضًا خفية تارة وجهرًا تارة أخرى، وكتب التاريخ مليئة بخذلانهم إياه، وتركهم وحده في جميع المعارك التي خاضها، والحروب التى أججت نيرانها وابتلي بها وعلى ذلك كان يقول:
قاتلكم الله: لقد ملأتم قلبي قيحًا، وشحنتم صدرى غيظًا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسًا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب - إلى أن قال - ولكن لا رأي لمن لا يطاع" (١).
وقال: ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا، وسرًا وإعلانًا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات، وملكت عليكم الأوطان. وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسان بن حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها، وقلائدها ورعثها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام. ثم انصرفوا وافرين. ما نال رجلًا منهم كلهم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأ مسلمًا مات من بعد هذا أسفًا ما كان به ملومًا، بل كان به عندي جديرًا، فيا عجبًا! عجبًا - والله - يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم عن باطلهم، وتفرقكم عن حقكم! فقبحًا لكم وترحًا، حين صرتم غرضًا يرمى: يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٧٠، ٧١
[ ٢٧٤ ]
قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارًا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر" (١).
فاطمة بنت النبي
وأهانوا ابنة رسول الله - ﷺ - أم الحسن والحسين، زوجة علي، فاطمة الزهراء ﵃ أجمعين، ونسبوا إليها أشياء لم يتصور صدورها من أية امرأة مؤمنة مسلمة، دون أن تصدر من بضعة الرسول وسيدة نساء أهل الجنة، ومنها أنهم قالوا إنها كانت دائمة الغضب على ابن عم الرسول - ﷺ - ﵁، وكانت تعترض عليه وتشكوه إلى أبيه في أشياء كثيرة، صغيرة وتافهة، كما مر بيانها سابقًا، وحتى على أمور الخير كما يروي محدثهم ابن الفتال النيسابوري (٢) أن رسول الله - ﷺ - غرس لعليّ حديقة، فباعها علي، وقسم كل ما أخذ منها إلى فقراء المدينة ومساكينها حتى لم يبقى درهم واحد.
فلما أتى المنزل قالت له فاطمة ﵍: يا ابن عم! بعت الحائط الذى غرسه والدي؟
قال: نعم! بخير منه عاجلًا أو آجلًا، قالت: فأين الثمن؟
قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة، قالت فاطمة: أنا جائعة، وابناي جائعان، ولا شك أنك مثلنا في الجوع، لم يكن منه لنا درهم،
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٧٠، ٧١
(٢) هو محمد بن الحسن الفتال الفارسي النيسابوري "متكلم جليل القدر، فقيه، عالم، زاهد، ورع، قتله أبو المحاسن عبد الرزاق رئيس نيسابور" (رجال الحلي ص٢٥٩ ط إيران). "وكان من شيوخ الشيعة في المائة الخامسة"، وله كتاب" روضة الواعظين" (تأسيس الشيعة ص٣٩٥). و"إنه شيخ جليل من شيوخ الشيعة وأعلام الطائفة، وكان مدرسًا، متكلمًا، فقيهًا، عالمًا، مقرئًا، مفسرًا، متدينًا، زاهدًا من العلماء الأمناء المعتمدين" (نقلًا عن مقدمة الكتاب ص١١ لمحمد مهدي الخراساني ط قم إيران)
[ ٢٧٥ ]
وأخذت بطرف ثوب علي (ع) فقال علي: يا فاطمة! خلني، فقالت: لا والله! أو يحكم بيني وبينك أبي، فهبط جبريل على رسول الله (- ﷺ -) فقال: يا محمد! الله يقرؤك السلام ويقول: اقرأ عليًا مني السلام، وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي على عليّ يديه" (١).
وكذلك ما نسبوا إليها أنها تقدمت إلى أبي بكر وعمر بقضية فدك، "وتشاجرت معهم، وتكلمت في وسط الناس، وصاحت، وجمع لها الناس" (٢).
ومرة "أخذت بتلابيب عمر، فجذبته إليها" (٣).
وأيضًا هددت أبا بكر "لئن لم تكف عن عليّ لأنشرن شعري ولأشقن جيبي" (٤).
وأنها دخلت مع الخلفاء في المعارك حتى وأحرق بيتها وضربت ووجع به جنبها، وكسر ضلعها، وألقت جنينها من بطنها - عياذًا بالله من هذه الخرافات - وماتت في مثل هذه الظروف ونتيجة هذه الصدمات" (٥).
هذا ومثل هذا كثير.
الحسن بن علي
وأما الحسن ﵁ فلم يهن أحد مثل ما أهين هو من قبل الشيعة، فإنهم بعد زفاة أبيه علي ﵁ جعلوه خليفته وإمامًا لهم، ولكنهم لم يلبثوا إلا يسيرًا حتى خذلوه مثل ما خذلوا أباه، وخانوه أكثر مما خانوا عليًا ﵁.
يقول المؤرخ الشيعي اليعقوبي:
وأقام الحسن بعد أبيه شهرين، وقيل: أربعة أشهر، ووجه بعبيد الله بن عباس في اثنى عشر ألفًا لقتال معاوية فأرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس فجعل له ألف ألف درهم، فسار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه ووجه
_________________
(١) "روضة الواعظين" ج١ ص١٢٥
(٢) "كتاب سليم بن قيس" ص٢٥٣
(٣) "الكافي في الأصول
(٤) "تفسير العياشي" ج٢ ص٦٧، ومثله في "الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٣٨
(٥) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٤، ٨٥
[ ٢٧٦ ]
معاوية إلى الحسن، المغيرة بن شعبة وعبد الله بن شعبة وعبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن أم الحكم، وأتوه وهو بالمدائن نازل في مضاربه، ثم خرجوا من عنده وهو يقولون ويسمعون الناس: إن الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكن به الفتنة، وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر ولم يشك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن، فانتهبوا مضاربه وما فيها، فركب الحسين فرسًا له ومضى في مظلم ساباط، وقد كمن الجراح بن سنان الأسدي، فجرحه بمعول في فخذه، وقبض على لحية الجراح ثم لواها فدق عنقه.
وحمل الحسن إلى المدائن وقد نزف نزفًا شديدًا، واشتدت به العلة، فافترق عنه الناس، وقدم معاوية العراق، فغلب على الأمر، والحسن عليل شديد العلة، فلما رأى الحسن أن لا قوة به، وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح (١) معاوية (٢) ".
_________________
(١) صلح الحسن مع معاوية ولقد يخجل القوم حينما يسمعون هذه الكلمة أعني صلح الحسن مع معاوية ﵄ ومبايعته إياه، ويتقولون بأشياء، ويتأولون بتأويلات يمجها العقل ويزدريها الفكر، وحصيلة ما يقولون إنه صالحه ولكنه لم يبايعه، ولم يسلم إمرته وخلافته. فنحن احترازًا من الإطالة نورد ههنا رواية واحدة من كتب القوم، ونظن أنها تكون كافية لمن أراد التبصر، ولقد أورد هذه الرواية كبيرهم في الرجال عن أبي عبد الله جعفر أنه قال: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما أن اقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا حسن! قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال للحسين! قم فبايع، ثم قال: يا قيس! قم فبايع فالتف إلى الحسين ﵇ (بدل الحسن لما كان يعرف من شدته وإنكاره على أخيه في مسألة الصلح) ينظر ما بأمره، فقال: يا قيس! إنه إمامي يعني الحسين ﵇ - وفي رواية: فقام إليه الحسن، فقال له بايع يا قيس! فبايع -" ("رجال الكشي" ص١٠٢)
(٢) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢١٥
[ ٢٧٧ ]
وقد قال المسعودي الشيعي في كتابه أن الحسن ﵁ لما خطب بعد اتفاقه مع معاوية ﵁ قال:
يا أهل الكوفة! لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم لأبي، وسلبكم ثقلي، وطعنكم في بطني، وإنى قد بايعت معاوية فاسمعوا وأطيعوا.
وقد كان أهل الكوفة انتبهوا سرداق الحسن ورحله وطعنوا بالخنجر في جوفه، فلما تيقن ما نزل به انقاد إلى الصلح" (١).
وأهانوه إلى أن:
شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله الجعال الأزدي، فنزع مطرفة عن عاتقه، فبقى جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء" (٢).
"وطعنه رجل من بني أسد الجراح بن سنان في فخذه، فشقه حتى بلغ العظم . وحمل الحسن على سرير إلى المدائن اشتغل بمعالجة جرحه، وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة سرًا، واستحثوه على سرعة المسير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به، وبلغ الحسين ﵇ ذلك فازدادت بصيرة الحسن ﵇ بخذلانهم له، وفساد نيات المحكمة فيه وما أظهروه له من سبه وتكفيره، واستحلال دمه، ونهب أمواله" (٣).
هذا وكانوا يهينونه بلسانهم كما كانوا يؤذونه بأيديهم، ولقد ذكر الكشي
_________________
(١) "مروج الذهب" ج٢ ص٤٣١
(٢) "الإرشاد" للمفيد ص١٩٠
(٣) "كشف الغمة" ص٥٤٠، ٥٤١، واللفظ له، "الإرشاد" ص١٩٠، "الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة" ص١٦٢ ط طهران
[ ٢٧٨ ]
عن أبي جعفر أنه قال:
جاء رجل من أصحاب الحسن ﵇ يقال له سفيان بن أبي ليلى وهو على راحلة له، فدخل على الحسن ﵇ وهو مختب في فناء داره، فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين! قال وما علمك بذلك؟
قال: عمدت إلى أمر الأمة فخلعته من عنقك وقلدته هذه الطاغية يحكم بغير ما أنزل الله" (١).
ثم بين الحسن وأوضح ما فعلت به شيعته وشيعة أبيه وما قدمت إليه من الإساءات والإهانات، وأظهر القول وجهر به فقال:
أرى والله معاوية خير إلي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وأخذوا مالي. والله! لأن آخذ من معاوية عهدًا أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله: لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلمًا. والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، ويمن عليّ فيكون سنة على بني هاشم آخر الدهر ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحى منا والميت" (٢).
وأهانوه حيث قطعوا الإمامة من عقبه وأولاده، بل افتوا بكفر كل من يدعي الإمامة من ولده بعده.
الحسين بن علي
وأما الحسين فلم يكن أسعد من أخيه وأمه وأبيه حظًا مع إظهار مغالاة القوم ومبالغتهم في حبه وولائه، فأهانوه ﵁ وأرضاه قولًا وفعلًا، فقالوا:
إن أمه فاطمة ﵂ بنت رسول الله - ﷺ - كرهت حمله، وردت بشارة ولادته عدة مرات كما لم يكن رسول الله - ﷺ - يريد أن يقبل بشارة ولادته، ووضعته فاطمة كرها، ولكراهة أمه لم يرضع الحسين من فاطمة
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٠٣
(٢) "الاحتجاج" للطبرسي ص١٤٨
[ ٢٧٩ ]
﵄. وهذه الروايات من أهم كتب الحديث عند القوم وأصحها مثل البخاري عند السنة، فيروي الكليني عن جعفر أنه قال:
جاء جبريل إلى رسول الله - ﷺ -. فقال: إن فاطمة ﵍ ستلد غلامًا تقتله أمتك من بعدك، فلما حملت فاطمة بالحسين ﵇ كرهت حمله، وحين وضعته كرهت وضعه، ثم قال أبو عبد الله ﵇:
لم تر في الدنيا أم تلد غلامًا تكره، ولكنها كرهته لما علمت أنه سيقتل، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا﴾ " (١).
وإهانتة! وأية إهانة؟ وإساءة! وأية إساءة؟ وكذب! وما أكبره؟
"ولم يرضع الحسين من فاطمة ﵍، ولا من أنثى كان يؤتى بها النبي، فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاث" (٢).
هذا وعاملوه معاملتهم أخيه وأبيه من قبل، فلقد ذكر جميع مؤرخي الشيعة أن أهل الكوفة، التي كان مركزًا للشيعة، والتي قالوا فيها ما قالوا، وإن جعفرًا ذكرها بقوله:
إن ولايتنا عرضت على السموات والأرض والجبال والأمصار، ما قبلها قبول أهل الكوفة" (٣).
والتي قالوا فيها:
إن الله قد اختار من البلدان أربعة فقال: والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين، فالتين المدينة والزيتون بيت المقدس وطور سيناء الكوفة وهذا البلد الأمين مكة" (٤).
_________________
(١) "الأصول من الكافي" كتاب الحجة ج١ ص٤٦٤، باب مولد الحسين
(٢) "الأصول من الكافي" ص٤٦٥
(٣) "بصائر الدرجات للصفار" الجزء الثاني الباب العاشر
(٤) "مقدمة البرهان" ص٢٢٣
[ ٢٨٠ ]
كتبوا من هذه الكوفة كتبًا إلى الحسين نحوًا من مائة وخمسين كتابًا، كتبوا فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم! للحسين بن عليّ أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه عليّ أمير المؤمنين. سلام الله عليك، أما بعد! فإن الناس منتظروك، ولا رأي لهم غيرك فالعجل! العجل! يا ابن رسول الله! والسلام عليكم ورحمة الله" (١).
وكتابًا آخر: أما بعد! فقد اخضرت الجنات، وأينعت الثمار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة، والسلام" (٢).
ولما تتابعت إليه كتب الشيعة، وتوالى الرسل أرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل، فانثل عليه أهل الكوفة "واجتمعوا حوله، فبايعوه وهم يبكون، وتجاوز عددهم من ثمانية عشر ألف" (٣).
وبعد أيام كتب إليه مسلم بن عقيل: "إن لك مائة ألف سيف ولا تتأخر" (٤).
فكتب ردًا عليه وعليهم:
"قد شخصت من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا فإنى قادم إليكم" (٥).
ولكن انقلبت الأمور وتقلبت الشيعة كشأنهم ودأبهم سابقًا، وقتل مسلم بن عقيل بدون ناصر ومعين، ولما بلغ الحسين نعيه وواجهه عسكر بن زياد من الكوفة و"خرج إليهم في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إني لم آتكم حتى أتتنى كتبكم أن أقدم علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم، وإن لم تفعلوا، وكنتم لقدومي
_________________
(١) "كشف الغمة" ج٢ ص٣٢، واللفظ له، "الإرشاد" ص٢٠٣، "الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة" ص١٨٢
(٢) "الإرشاد" للمفيد ص٢٠٣، أيضًا "إعلام الورى" للطبرسي ص٢٢٣ واللفظ له
(٣) "الإرشاد" للمفيد ص٢٠٥
(٤) "الإرشاد" للمفيد ص٢٢٠
(٥) "الإرشاد" للمفيد ص٢٢٠
[ ٢٨١ ]
كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى جئت منه إليكم" (١).
ثم خذلوه، وأعرضوا عنه، وأسلموه للعدو حتى قتل في نفر من أهل بيته ورفاقه، كما يذكر محسن الأمين:
"ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفًا غدروا به وخرجوا عليه. وبيعته في أعناقهم، وقتلوه" (٢).
ويكتب اليعقوبي الشيعي أن أهل الكوفة لما قتلوه:
"انتهبوا مضاربه وابتزوا حرمه، وحملوهن إلى الكوفة، فلما دخلن إليها خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا، فمن قتلنا"؟ (٣).
فهؤلاء هم الشيعة وأولئك أهل البيت وهذه معاملاتهم وأحوالهم مع أهل البيت الذين يدعون أنهم محبون وموالون لهم.
بقية أهل البيت
وبقية أهل بيت علي وأهل بيت نبي لم ينجوا من إيذائهم وإضرارهم وإساءتهم وإهانتهم، فكفروا وفسقوا، وسبوا وشتموا جميع من خرجوا ثأرًا للحسين وطلبًا للحق، والحكم والحكومة، وأدعوا الأمامة والزعامة غير الثمانية من أولاد الحسين سواء كانوا من ولده أو ولد الحسن أو علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، من محمد بن الحنفية، وابنه أبي هاشم، وزيد بن زين العابدين، وابنه يحيى، وعبد الله بن المحض بن الحسن المثنى، وابنه محمد الملقب بنفس زكية، وأخيه إبراهيم، وابني جعفر بن الباقر عبد الله الأفطح ومحمد، وحفيدي الحسن المثنى حسين بن علي ويحيى بن عبد الله، وابنى موسى الكاظم زيد وإبراهيم، وابن علي النقي جعفر بن علي وغيرهم الكثيرين الكثيرين من العلويين
_________________
(١) "الإرشاد" ص٢٢٤
(٢) "أعيان الشيعة" القسم الأول ص٣٤
(٣) "تاريخ اليعقوبي" ج١ ص٢٣٥
[ ٢٨٢ ]
الفاطميون
والطالبيين الذين ذكرهم الأصفهاني في "مقاتل الطالبيين" وغيره في غيره من الطالبيين من أولاد جعفر بن أبي طالب وعقيل بن أبي طالب، كما اعتقدوا كفر جميع من ادعى الإمامة من العباسيين أهل بيت النبي باعتراف القوم بأنفسهم وأبناء عم رسول الله - ﷺ - وكذلك فاطميي مصر (١)، ولقد اخترعوا روايات
_________________
(١) الفاطميون ولا أدري كيف يتبناهم شيعة عصرنا ويقولون: إنها كانت دولة شيعية، وإنهم بناة مجدنا ودعاة مذهبنا، ومؤسسوا العلم والحضارة في مصر، ومنشؤوا المساجد ودور الكتب والجامعات" (الشيعة في الميزان للمغنية ص١٤٩ وما بعد، أعيان الشيعة ص٢٦٤ القسم الثاني). مع تكفيرهم إياهم واتفاقهم على خروجهم من الإسلام والملة الإسلامية الحنيفية. فلقد كتب محضر في عصر الخليفة القادر العباسي في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة. وعليه توقيعات من أشراف القوم ونقبائهم، وخصوصًا من يلقب بنقيب الأشراف وجامع نهج البلاغة، السيد رضى وأخيه السيد مرتضى، واحتفاظًا على التاريخ والوثيقة التاريخية ننقلها بتمامها ههنا:- "إن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزي والنكال - ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله - فإنه لما سار إلى المغرب تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدي، هو ومن تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليه وعليهم اللعنة - أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، وإن ذلك باطل وزور، وإنهم لا يعلمون أن أحدًا من الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج إنهم أدعياء، وقد كان هذا الإنكار شائعًا بالحرمين في أول أمرهم بالمغرب، منتشرًا انتشار يمنع مع أن يدلس على أحد كذبهم، أو يذهب وهم إلى تصديقهم، وإن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار وفساق فجار زنادقة ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. التوقيعات:- الشريف الرضي، السيد المرتضى أخوه، وابن الأزرق الموسوي، ومحمد بن محمد بن عمر بن أبي يعلى العلويون. والقاضي أبو محمد عبد الله بن الأكفاني، والقاضي أبو القاضي أبو القاسم الجزري، والإمام أبو حامد الإسفرائيني وغيرهم الكثيرون الكثيرون" ("النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" لجمال الدي تسفري بردى الأتابكي، المتوفى ٨٧٤هـج٤ ص٢٢٩، ٢٣٠، أيضًا. "شذرات الذهب" و"تاريخ الإسلام" للذهبي و"مرآة العقول" و"المنتظم" و"عقد الجمان")
[ ٢٨٣ ]
بخصوص ذلك، منها أن أبا جعفر الباقر سئل عن قول الله ﷿: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة؟
قال: من قال إني إمام وليس بإمام. قال: قلت وإن كان علويًا؟
قال: وإن كان علويًا. قلت: وإن كان من ولد علي بن أبي طالب ﵇؟
قال: وإن كان - وفي رواية عن ابنه جعفر أنه قال: وإن كان فاطميًا علويًا" (١).
وأيضًا "من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر" (٢).
هذا وأما الثمانية من أولاد الحسين الذين خلعوا عليهم لقب الإمام، والتاسع الموهوم لم يكونوا بأقل توهينًا وتحقيرًا وتصغيرًا من قبل القوم أنفسهم، فإنهم تكلموا فيهم، وشنعوا عليهم، وخذلوهم، وأذلوهم، وضحكوا عليهم، واتهموهم بتهم هم منها براء، كفعلتهم مع آباءهم، مع الحسنين، وعلي بن أبي طالب، وصنيعهم مع سيد الكونين ورسول الثقلين - ﷺ -، وأنبياء الله ورسله.
علي بن الحسين
فأهانوا علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، والذي يعدونه إمامًا مطاعًا، ومتبعًا مبايعًا بعد أبيه بقولهم إنه كان أجبن من عامى وعادى، ولقد أقر بعبودية يزيد قاتل الحسين - حسب زعمهم - والرواية من كتابهم الكافي عن ابن زين العابدين محمد الباقر أنه قال:
إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج، فبعث إلى رجل من
_________________
(١) "الأصول من الكافي" ج١ ص٣٧٢
(٢) "الأصول من الكافي" ج١ ص٣٧٢
[ ٢٨٤ ]
قريش فأتاه، فقال له يزيد: أتقر لي أنك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك. فقال له الرجل: والله يا يزيد! ما أنت بأكرم مني في قريش حسبًا ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام، وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخير مني، فكيف أقر لك بما سألت؟ فقال له يزيد: إن لم تقر لي والله لقتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إياى بأعظم من قتلك الحسين بن علي ﵉ ابن رسول الله - ﷺ - فأمر به فقتل.
ثم أرسل إلى علي بن الحسين ﵉ فقال له مثل مقالته للقرشي، فقال له علي بن الحسين ﵉: أرأيت إن لم أقر لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس؟ فقال له يزيد لعنه الله بلى فقال له علي بن الحسين ﵉ قد أقررت لك بما سألت، أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع" (١).
هذا وقد أهانوه وآذوه في ولده ووالدته، فلقد قالوا: إنه سئل أحد أئمتهم المعصومين من شيعته:
"إن لي جارين، أحدهما ناصب والآخر زيدي، ولا بد من معاشرتهما، فمن أعاشر؟
فقال: هما سيان، من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الإسلام وراء ظهره وهو المكذب بجميع القرآن والأنبياء والمرسلين، قال: ثم قال: إن هذا نصب لك وهذا الزيدي نصب لنا" (٢).
وأوذي في والدته وأهين حيث قالوا:
إن جميع الناس ارتدوا بعد قتل الحسين إلا الخمسة، أبو خالد الكابلي
_________________
(١) "الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٣٤، ٢٣٥
(٢) "الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٣٥
[ ٢٨٥ ]
ويحيى بن أم الطويل وجبير بن مطيع وجابر بن عبد الله والشبكة زوجة الحسين بن علي" (١).
ولا ندري أين ذهبت أمه شهربانو حيث عدت شبكة، ولم تذكر تلك.
محمد الباقر وابنه
وأما محمد الباقر وابنه جعفر فهما المظلومان الحقيقيان لأنه لا يوجد فضيحة ولا قبيحة إلا وقد نسبوها إليهما من الجبن والنفاق والغدر والخيانة والكذب، وباسمهما اخترعوا مذهبًا، واختلقوا مسلكًا وهما لا يدريان عنه وعنهم شيئًا، فلقد قالوا إن الباقر كان يحل ما حرمه الله خوفًا وجبنًا. فمثلًا كان يفتي "أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال - مع كونه حرامًا -" (٢).
ولقد أورد روايات عديدة في حرمة ما قتله البازي والصقر.
ويقول له زرارة بن أعين من كبار رواة الشيعة ومشائخهم الذين عليهم مدار المذهب. يقول في محمد الباقر:
شيخ لا علم له بالخصومة" (٣).
هذا ولقد نقلوا أن زرارة بن أعين قال: سألت محمد الباقر:
"عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها، فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله! رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟
فقال: يازرارة! إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.
قال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على
_________________
(١) "مجالس المؤمنين" للشوشتري، المجلسي الخامس ص١٤٤ ط طهران
(٢) "الفروع من الكافي" ج٦ ص٢٠٨، باب صيد البزاة والصقور وغير ذلك
(٣) "الأصول من الكافي"
[ ٢٨٦ ]
الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه" (١).
وقالوا عن جعفر أيضًا أنه مدح أبا حنيفة أمامه، وذمه بعد ما خرج من عنده كما رواه الكليني عن محمد بن مسلم أنه قال:
دخلت على أبي عبد الله ﵇ وعنده أبو حنيفة فقلت له: وجعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة فقال لي: يا ابن مسلم! هاتها فإن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، قال: فقلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوازًا كثيرًا ونثرته علي، فتعجبت من هذه الرؤيا فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتجادل لئامًا في مواريث أهلك، فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله، فقال: أبو عبد الله ﵇: أصبت والله يا أبا حنيفة، قال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده فقلت:
جعلت فداك إنى كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم! لا يسؤك الله، فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا. ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئى؟ قال: نعم! حلفت عليه أنه أصاب الخطأ" (٢).
هذا ولقد نسبوا إليه أنه قال:
إني لأتكلم على سبعين وجهًا، لي في كلها المخرج" (٣).
وقد ذكرنا سابقًا (٤) ما نسبوا إليهما من خرافات وقبائح ما يستحيي من ذكرها الإنسان. ونذكر ههنا رواية واحدة فقط ما رواها الكشي عن زرارة أنه قال:
_________________
(١) "الأصول من الكافي" كتاب فضل العلم ص٦٥ ط طهران
(٢) "كتاب الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٩٢، تعبير منامات
(٣) "بصائر الدرجات" الجزء السادس
(٤) انظر لذلك الباب الثالث "الشيعة وأكاذيبهم على أهل البيت" من هذا الكتاب
[ ٢٨٧ ]
والله! لو حدثت بكل ما سمعته من أبي عبد الله لانتفخت ذكور الرجال على الخشب" (١).
موسى بن جعفر
وأما موسى بن جعفر فأهانوه، وأهانوا أمه فقالوا:
إن ابن عكاشة دخل على أبي جعفر وكان أبو عبد الله ﵇ قائمًا عنده، فقدم إليه عنبًا، فقال: حبة حبة يأكله الشيخ الكبير والصبي الصغير وثلاثة وأربعة يأكله من يظن أنه لا يشبع، وكله حبتين حبتين فإنه يستحب. فقال لأبي جعفر ﵇: لأي شيء لا تزوج أبا عبد الله فقد أدرك التزويج؟ قال: وبين يديه صرة مختومة، فقال: أما إنه سيجيء نخاس من أهل بربر فينزل دار ميمون، فنشتري له بهذه الصرة جارية، قال: فأتى لذلك ما أتى، فدخلنا يومًا على أبي جعفر ﵇ فقال: ألا أخبركم عن النخاس الذى ذكرته لكم قد قدم، فاذهبوا فاشتروا بهذه الصرة منه جارية، قال: فأتينا النخاس فقال: قد بعت ما كان عندي إلا جاريتين مريضتين إحداهما أمثل من الأخرى، قلنا: فأخرجهما حتى ننظر إليهما فأخرجهما، فقلنا: بكم تبيعنا هذه المتماثلة قال:
بسبعين دينارًا، قلنا أحسن، قال: لا أنقص من سبعين دينارًا، قلنا له: نشتريها منك بهذه الصرة ما بلغت ولا ندري ما فيها وكان عنده رجل أبيض الرأس واللحية قال: فكوا وزنوا، فقال النخاس: لا تفكوا فإنها إن نقصت حبة من سبعين دينارًا لم أبايعكم، فقال الشيخ: ادنوا، فدنونا وفككنا الخاتم ووزنا الدنانير، فإذا هى سبعون دينارًا لا تزيد ولا تنقص، فأخذنا الجارية فأدخلناها على أبي جعفر ﵇ وجعفر قائم عنده فأخبرنا أبا جعفر جعفر بما كان، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لها: ما اسمك؟ قالت: حميدة، فقال حميدة في
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٢٣، ترجمة زرارة بن أعين
[ ٢٨٨ ]
الدنيا، محمودة في الآخرة، أخبريني عنك أبكر أنت أم ثيب؟ قالت: بكر قال:
وكيف ولا يقع في أيدي النخاسين شيء إلا أفسدوه، فقال: قد كان يجيئني مني مقعد الرجل من المرأة، فيسلط الله عليه رجلًا أبيض الرأس واللحية، فلا يزال يلطمه حتى يقوم عني، ففعل بي مرارًا وفعل الشيخ به مرارًا فقال: يا جعفر! خذها إليك، فولدت خير أهل الأرض موسى بن جعفر ﵉" (١).
وتكلموا في علمه وعقله حيث قالوا: إنه سئل عن امرأة تزوجت ولها زوج؟
قال: ترجم المرأة، ولا شيء على الرجل، فلقيت أبا بصير (٢) فقلت له: إني سألت أبا الحسن عن المرأة التي تزوجت ولها زوج، قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل، قال: فمسح صدره (أبو بصير) وقال: ما أظن صاحبنا تناهى حكمه بعد - وفى رواية أخرى: أظن صاحبنا ما تكامل علمه" (٣).
وكان أبو بصير المرادي هذا يتهم موسى بن جعفر أنه رجل الدنيا كما ذكر الكشي عن حماد بن عثمان أنه قال:
خرجت أنا وابن أبي يعفور وآخر إلى الحيرة أو إلى بعض المواضع، فتذاكرنا الدنيا فقال أبو بصير المرادي:
أما إن صاحبكم لو ظفر بها لاستأثر بها" (٤).
_________________
(١) "الأصول من الكافي" كتاب الحجة، باب مولد موسى بن جعفر ج١ ص٤٧٧
(٢) من كبار الشيعة ومشائخهم الذين قال فيهم جعفر: لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست" (رجال الكشي ص١٥٢)
(٣) "رجال الكشي" ١٥٣، ١٥٤
(٤) "رجال الكشي" ص١٥٤
[ ٢٨٩ ]
علي بن موسى
وأما علي بن موسى بن جعفر هو الذى قالوا عنه إنه كان يرى جواز إتيان الرجل المرأة في دبرها (١).
وحكوا عنه نفس القصة التى حكوا عن أبيه موسى بن جعفر:
عن هاشم بن أحمد قال: قال أبو الحسن الأول ﵇: هل علمت أحدًا من أهل المغرب قدم؟ قلت: لا، فقال ﵇: بلى قد قدم رجل أحمر فانطلق بنا، فركب وركبنا معه حتى انتهينا إلى الرجل، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق فقال له:
أعرض علينا، فعرض علينا تسع جوار كل ذلك يقول أبو الحسن ﵇ لا حاجة لي فيها، ثم قال له: أعرض علينا، قال: ما عندي شيء فقال له: بلى أعرض علينا قال: لا والله، ما عندي إلا جارية مريضة فقال له: ما عليك أن تعرضها؟ فأبى عليه، ثم انصرف ﵇ ثم إنه أرسلني من الغد إليه، فقال لي: قل له كم غايتك فيها؟ فإذا قال: كذا وكذا. فقل: قد أخذتها، فأتيته، فقال: ما أريد أن أنقصها من كذا فقلت: قد أخذتها وهو لك، فقال: هي لك، ولكن من الرجل الذي كان معك بالأمس؟ فقلت: رجل من بني هاشم، فقال:
من أي بني هاشم؟ فقلت: من نقبائهم، فقال: أريد أكثر منه، فقلت: ما عندي أكثر من هذا، فقال: أخبرك عن هذه الوصيفة إني اشتريتها من أقصى بلاد المغرب، فلقيتني امرأة من أهل الكتاب، فقلت: ما هذه الوصيفة معك؟
فقلت: اشتريتها لنفسي، فقالت: ما ينبغي أن تكون هذه الوصيفة عند مثلك! إن هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض، فلا تلبث عنده
_________________
(١) "الاستبصار" باب إتيان النساء ما دون الفرج، ج٣ ص٣٤٣
[ ٢٩٠ ]
إلا قليلًا حتى تلد منه غلامًا يدين له شرق الأرض وغربها، قال: فأتيته بها، فلم تلبث عنده إلا قليلًا. حتى ولدت له عليًا ﵇" (١).
وهل من المعقول أن مثل موسى بن جعفر وجعفر بن باقر لا يجدان امرأة من بني هاشم وغيرهم من الأشراف ليتزوجا بها ومن الحرائر حتى اضطر إلى اشتراء جوار وإماء ومن النخاسين الذين جردوهما من الملابس وجلسوا منهن مجلس الرجل من المرأة. فيا للعجائب المضحكات المبكيات معًا.
ثم وقد نسبوا إلى هذا الرضا بأنه كان يعشق ابنة عم المأمون وهى تعشقه كما يذكر ابن بابويه القمي في بيان علاقات ذي الرياستين وأبي الحسن الرضا:
"وأظهر ذو الرياستين عداوة شديدة على الرضا ﵇ وحسده على ما كان المأمون يفضل به، فأول ما ظهر لذي الرياستين من أبي الحسن ﵇ أن ابنة عم المأمون كانت تحبه وكان يحبها، وكان ينفتح باب حجرتها إلى مجلس المأمون، وكانت تميل إلى أبي الحسن الرضا ﵇ وتحبه، وتذكر ذا الرياستين وتقع فيه، فقال ذو الرياستين حين بلغه ذكرها له لا ينبغي أن يكون باب دار النساء مشرعًا إلى مجلسك، فأمر المأمون بسده، وكان المأمون يأتي الرضا ﵇ يومًا والرضا ﵇ يأتي المأمون يومًا، وكان منزل أبي الحسن ﵇ بجنب منزل المأمون، فلما دخل أبو الحسن ﵇ إلى المأمون ونظر إلى الباب مسدودًا قال: يا أمير المؤمنين ما هذا الباب الذى سددته؟
فقال: رأى الفضل ذلك وكرهه، فقال ﵇: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما للفضل والدخول بين أمير المؤمنين وحرمه؟
قال: فما ترى؟ قال: فتحه والدخول إلى ابنة عمك ولا تقبل قول الفضل فيما
_________________
(١) "عيون أخبار الرضا" لابن بابويه ج١ ص١٧، ١٨، "الأصول من الكافي" للكليني ج١ ص٤٨٦
[ ٢٩١ ]
لا يحل ولا يسع، فأمر المأمون بهدمه ودخل على ابنة عمه، فبلغ الفضل ذلك فغمه" (١).
وينسبونه إلى جبن ومذلة بقولهم لما أرسل إليه الجلودى - أحد أمراء الرشيد - لينهب بيته ويسلب أمواله، فبدل أن يدافع عنه وعن أهل بيته وعن شرفه وحرمه وحرماته بدأ يدفع إليه الأموال:
"فدخل الحسن أبو الرضا ﵇، فلم يدع عليهن شيئًا حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأزرارهن إلا أخذه منهن وجميع ما كان في الدار من قليل وكثير - ودفعها إليه -" (٢).
الإمام التاسع
وأما ابن الرضا محمد الملقب بالقانع والمكنى بأبي جعفر الثاني، فقد شكوا في بنوته للرضا وترددوا في قبول إمامته لاسوداد وجهه وتغير لونه، وقالوا إن الذين سبقوا إلى الشك فيه هم عمومته وإخوته كما نقلوا عن علي بن جعفر بن الباقر أنه قال له إخوته (أي الرضا):
ما كان فينا إمام قط حائل اللون (٣) فقال لهم الرضا ﵇: هو ابني، قالوا: فإن رسول الله - ﷺ - قد قضى بالقافة (٤) فبيننا وبينك القافة، قال: ابعثوا أنتم إليهم، فأما أنا فلا، ولا تعلموهم لما دعوتموهم ولتكونوا في بيوتكم.
فلما جاؤا أقعدونا في البستان واصطف عمومته وإخوته وأخواته، وأخذوا الرضا ﵇ وألبسوه جبة صوف وقلنسوة منها، ووضعوا على عنقه مسحاة وقالوا له: ادخل البستان كأنك تعمل فيه، ثم جاؤا بأبي جعفر ﵇ فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه، فقالوا:
_________________
(١) "عيون أخبار الرضا" ص١٥٣، ١٥٤
(٢) "عيون أخبار الرضا" ج٢ ص١٦١
(٣) "حال لونه أي تغير واسود، كما في هامش الأصل
(٤) جمع القائف وهو الذي يعرف الآثار والأشباه ويحكم بالنسب
[ ٢٩٢ ]
ليس له ههنا أب ولكن هذا عم أبيه، وهذا عمه، وهذه عمته، وإن يكن له ههنا أب فهو صاحب البستان، فإن قدميه وقدميه واحدة، فلما رجع أبو الحسن ﵇ قالوا: هذا أبوه" (١).
انظر إلى هذه المسرحية وكيف يحكون عنها؟ وكم فيها من الإساءات إلى أهل بيت علي ﵁؟
ويقولون عنه إنه كان جبانًا خوافًا إلى أنه لما طلبه المعتصم العباسي مرة ثانية إليه:
"بكى حتى اخضلت لحيته ثم التفت فقال: عنده هذه يخاف علي" (٢).
الإمام العاشر
وأما ابنه علي فيقولون إنه مات أبوه وكان في الثامنة من عمره، فاختلفوا في إمامته وتكلموا كثيرًا حولها حتى أثبتوها بشهادة رجل لم يكن منهم وبعد إجباره على تلك الشهادة (٣).
ويقولون إنه مع إمامته "لم يسلم إليه تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق، وجعل عبد الله بن المساور قائمًا عليها إلى أن يبلغ من قبل أبيه" (٤).
مع أنهم يحكون عن أبيه:
"إنه استأذن عليه قوم من أهل النواحي من الشيعة فأذن لهم، فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب ﵇ وله عشر سنين" (٥).
_________________
(١) "الأصول من الكافي" ج١ ص٣٢٢، ٣٢٣
(٢) "الأصول من الكافي" ج١ ص٣٢٢، ٣٢٣
(٣) انظر تفصيل تلك القصة في كتاب الحجة، باب الإشارة والنص على أبي الحسن الثالث ج١ ص٣٢٤
(٤) "الأصول من الكافي" ج١ ص٣٢٥
(٥) "الأصول من الكافي" كتاب الحجة، باب مولد محمد بن علي ج١ ص٤٩٦
[ ٢٩٣ ]
الإمام الحادي عشر
الإمام الثاني عشر
وما أدري لم يستصغرونه حتى يضطرون إلى القائم يقوم بأمره إلى أن يبلغ
ثم ويتهمونه بأنه لم يكن يعرف من سيكون الإمام بعده حتى إنه (أي علي بن محمد) جعل الإمامة إلى الأكبر من ولده - يعني إلى أبي جعفر محمد - ولم يدر أنه لا يبقى بعده بل سيموت في حياته، فلما مات قال: ما أنا الذي أخطأت ولكن الله لم يعلم من الذي سيكون الإمام بعدي وإليك النص:
بدا (١) لله في أبي محمد (يعني ابنه الثاني الحسن العسكري) بعد أبي جعفر (يعني ابنه الأكبر محمدًا) ما لم يكن يعرف له كما بدا في موسى بعد مضي إسماعيل (يعني ابني جعفر) ما كشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون" (٢).
وأما الحادي عشر حسن بن علي الملقب بالعسكري فيقولون عنه إنه شكر الله عزوجل على وفاة أخيه الأكبر محمد بن على لما سمع أن الإمامة تصل إليه بعد ما شق جيوبه ولطم خدوده كما ذكره المفيد في "الإرشاد" (٣) والأربلي في "كشف الغمة" (٤).
هذا وأما الثاني عشر الموهوم فكفى فيه القول أنهم يصرحون في كتبهم أنفسهم أنه لم يولد ولم يعثر عليه ولم ير له أثر مع كل التفتيش والتنقيب، ثم يحكون حكايات، وينسجون الأساطير، ويختلقون القصص والأباطيل في ولادته وأوصافه، إما موجود ولد، وإما معدوم لم يولد؟ غير مولود ومولود! ومعدوم وموجود! فأية إساءة أكبر منها؟ وأية إهانة أكثر منها. وإليكم النص من أهم كتبهم هم،
_________________
(١) معناه النسيان والجهل لله تعالى. انظر لتفصيل ذلك كتاب "الشيعة والسنة" الباب الأول، مسألة البدا
(٢) "الإرشاد" للمفيد ص٣٣٧
(٣) "الإرشاد" ص٣٢٦
(٤) "الإرشاد" ص٤٠٥
[ ٢٩٤ ]
فيروون عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان أنه قال في قصة طويلة أن الحسن العسكري:
"لما اعتل بعث السلطان إلى أبيه أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلًا ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته، فيهم نحرير فأمرهم بلزوم دار الحسن وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحًا ومساءً، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنه قد ضعف، فأمر المتطببين بلزوم داره وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشر ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلًا ونهارًا، فلم يزالوا هناك حتى توفي ﵇ فصارت سر من رأى ضجة واحدة وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاؤا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته وعطلت الأسواق وركبت بنو هاشم والقواد وأبي وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سر من رأى يومئذ شبيهًا بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمر بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والمعدلين وقال:
هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه حضره من حضره من الخدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان، ثم غطى وجهه وأمر بحمله فحمل من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه.
[ ٢٩٥ ]
لما دفن أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا عن قسمة ميراثه ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبين بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر وادعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي" (١).
وما أحسن ما كتب أحد كتاب السنة في هذا أن مهدي الشيعة وقائمهم مختلق معدوم موهوم، وإن قرآنهم كذلك معدوم غير موجود، وإن مذهبهم أيضًا مخترع موضوع، وسيكون معدومًا إن شاء الله.
وهذه الرواية التي ذكرها جميع مؤرخي الشيعة ومؤلفيها ومحدثيها تهدم ما أرادوا بنائه على الأساطير والقصص من ولادة الإمام الثاني عشر ونشأته وإمامته، وأن لا يكون كذلك فهم لا يريدون من ذكر هذه الروايات وثبتها إلا إهانته وإيذاءه حيث ينسبونه إلى عدم الوجود والولادة وهو مولود وموجود! فالعدل، العدل.
ولقد كتب المفيد وغيره "فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته وتولى جعفر بن علي أخو أبي محمد "ع" وأخذ تركته وسعى في حبس جواري أبي محمد واعتقال حلائله .. وحاز جعفر ظاهرًا تركته أبي محمد ﵇ واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه" (٢).
فهذا هو الثاني عشر إن كان لهم الثاني عشر، وفعلًا اعتقد القوم منهم إمامته وسموا بالجعفرية، ولكن الشيعة سبوه وشتموه كعادتهم مع الآخرين، فقالوا فيه أي جعفر بن محمد:
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" ص٥٠٥، "الإرشاد" للمفيد ص٣٣٩، ٣٤٠، "كشف الغمة" ص٤٠٨، ٤٠٩، "الفصول المهمة" ص٢٨٩، "جلاء العيون" ج٢ ص٧٦٢ "إعلام الورى" للطبرسي ص٣٧٧، ٣٧٨
(٢) "الإرشاد" ص٣٤٥ "إعلام الورى" ص٣٨٠
[ ٢٩٦ ]
هو معلن الفسق فاجر، ماجن، شريب للخمور، أقل من رأيته من الرجال، وأهتكهم لنفسه، خفيف، قليل في نفسه" ["الأصول من الكافي" ج١ ص٥٠٤.
ويسمونه جعفر الكذاب وغير ذلك من الأوصاف الكثيرة القبيحة.
أهل البيت والشيعة
وقبل أن ننتهي من هذا نريد أن نثبت ههنا أن أهل البيت كانوا على علم ومعرفة من صنيع هؤلاء القوم ومعاملاتهم معهم، وعلى ذلك لم يقصروا بدورهم أيضًا في بيان حقيقة هؤلاء القوم على الناس، وتتوير الرأي العام، وكيل اللعنات والحملات العشواء ضدهم، من أولهم إلى آخرهم.
فأول المبتلين بهم علي بن أبي طالب ﵁ لم يتأن ولم يتأخر في إيقافه إياهم موقف المجرمين المتخاذلين، والمتعنتين المعاندين الطاعنين.
فقال: أحمد الله على ما قضى من أمر، وقدر من فعل، وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، وإذا دعوت لم تجب إن أمهلتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن اجئتم إلى مشاقة نكصتم. لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم؟ الموت أو الذل لكم؟ فوالله لئن جاء يومي - وليأتيني - ليفرقن بيني وبينكم، وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير كثير، لله أنتم! أما دين يجمعكم! ولا حمية تشحذكم! أوليس عجبًا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء، وأنا أدعوكم - وأنتم تريكة الإسلام، وبقية الناس - إلى المعونة أو طائفة من العطاء، فتفرقون عني وتختلفون عليّ؟
إنه لا يخرج إليكم من أمري رضى فترضونه، ولا سخط فتجتمعون عليه، وإنّ أحبّ ما أنا لاق إليّ الموت! قد دارستكم الكتاب، وفاتحتكم الحجاج،
[ ٢٩٧ ]
وعرفتكم ما أنكرتم، وسوغتكم ما مججتم، لو كان الأعمى يلحظ، أو الناثم يستيقظ" (١).
وقال مرة أخرى مخاطبًا إياهم:
أف لكم! لقد سئمت عتابكم! أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضًا؟ وبالذل من العز خلفًا؟ إذا دعوتكم إلى الجهاد عدوكم دارت أعينكم، كأنكم من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة. يرتج عليكم حواري فتعمهون، وكأن قلوبكم مألوسة، فأنتم لا تعقلون. ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، وما أنتم بركن يمال بكم، ولا زوافر عز يفتقر إليكم ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها، كلما جمعت من جانب انتشرت من آخر، لبئس - لعمر الله - سعر نار الحرب أنتم.
تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون (٢)، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، غلب والله المتخاذلون! وأيم الله! إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى، واستحر الموت، قد انفرجتم عن أبي طالب انفراج الرأس" (٣).
ومرة أخرى يبين للناس ما هم في الجبن والمخاذلة والفساد والباطل فيقول:
كم أداريكم كما تداري البكار العمدة، والثياب المتداعية! كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر، كلما أطل عليكم منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه، وانحجر انحجار الضبة في جحرها، والضبع في وجارها. الذليل والله من نصرتموه! ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل (٤).
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٢٥٨، ٢٥٩
(٢) الامتعاض هو الغضب
(٣) "نهج البلاغة" ص٧٨
(٤) السهم مكسور الفوق، عار عن النصل
[ ٢٩٨ ]
- إنكم والله - لكثيرة في الباحات قليل تحت الرايات، وإني لعالم بما يصلحكم، ويقيم أودكم، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي أضرع الله خدودكم، وأتعس جدودكم! لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل، ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحق! " (١).
وأيضًا "وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون! وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون! وكانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، فمكنتم الظلمة من منزلتكم، وألقيتم إليهم أزمتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات، وأيم الله، لو فرقوكم تحت كل كوكب، لجمعكم الله لشر يوم لهم" (٢).
و"كأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب، لا تأخذون حقًا ولا تمنعون ضيمًا، قد خليت والطريق، فالنجاة للمقتحم، والهلكة للمتلوم" (٣).
وقال متأسفًا ويائسًا عنهم:
فإن استقمتم هديتكم، وإن اعوججتم قومتكم، وإن أبيتم تداركتكم، لكانت الوثقى، ولكن بمن وإلى من؟
أريد أن أداوى بكم وأنتم دائي كناقش الشوكة بالشركة، وهو يعلم أن ضلعها معها! اللهم قد ملت أطباء هذا الداء الدوي، وكلت النزعة بأشطان الركى! أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرؤا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى ولدها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفًا زحفا، وصفًا صفا. بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى. مرة العيون من البكاء، خمص البطون من
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٩٨، ٩٩
(٢) "نهج البلاغة" ص١٥٤
(٣) "نهج البلاغة" ص١٨٠
[ ٢٩٩ ]
الصيام: ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر. على وجوههم غبرة الخاشعين.
أولئك إخواني الذاهبون. فحق لنا أن نظمأ إليهم، ونعض الأيدي على فراقهم" (١).
وأخيرًا يكب عليهم جعبته، ويدعو عليهم ويقول:
ما هي إلا الكوفة، أقبضها وأبسطها، إن لم تكوني إلا أنت تهب أعاصيرك فقبحك الله! . اللهم إنى قدمللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيرًا منهم، وأبدلهم بي شرًا مني، اللهم مث (٢) قلوبهم كما يماث الملح في الماء" (٣).
هذا وقد قال الحسن ما ذكرنا سابقًا:
أرى والله معاوية خير لي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وأخذوا مالي" (٤).
وقد قال أيضًا:
عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي من كان منهم فاسدًا، إنهم لاوفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل، إنهم مختلفون ويقولون لنا إن قلوبهم معنا، وإن سيوفهم لمشهورة علينا" (٥).
وقال الحسين بن علي وهو واقف في كربلاء:
يا شيث بن ربعي! ويا حجار بن أبحر! ويا قيس بن الأشعث! ويا يزيد
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص١٧٧، ١٧٨
(٢) أي أذب، من الإذابة
(٣) "نهج البلاغة" ص٦٦، ٦٧
(٤) "الاحتجاج" للطبرسي ص١٤٨
(٥) "الاحتجاج" ص١٤٩
[ ٣٠٠ ]
بن الحارث! (أسماء شيعته) ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار وأخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة" (١).
وقال الحر بن يزيد التميمي نيابة عنه وهو واقف أمامه في كربلاء يوم مقتله:
يا أهل الكوفة! لامكم الهبل والعبر أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا جاءكم اسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه وأمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه في بلاد الله العريضة فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًا، وجلأتموه ونسائه وصبيته وأهله من ماء الفرات الجاري يشربه اليهود والنصاري والمجوس وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه. فهاهم قد صرعهم العطش بئس ما خلفتم محمدًا في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ" (٢).
وهؤلاء الذين أخبر عنهم الفرزدق الشاعر:
"يا ابن رسول الله! كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل" (٣).
ونقل المفيد أنه قال:
حججت بأمي سنة ستين فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيت الحسين بن علي ﵉ خارجًا من مكة مع أسيافه وأتراسه، فقلت: لمن هذا القطار؟
فقيل: للحسين بن علي ﵉ فأتيته فسلمت عليه وقلت له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحج؟ فقال: لو لم أعجل لأخذت، ثم قال لي: من أنت؟ قلت: امرؤ من
_________________
(١) "الإرشاد" للمفيد ص٢٣٤. أيضًا "إعلام الورى بأعلام الهدى" للطبرسي ص٢٤٢
(٢) "الإرشاد" ص٢٣٤، ٢٣٥، "إعلام الورى" للطبرسي ص٢٤٣
(٣) "كشف الغمة" ج٢ ص٣٨
[ ٣٠١ ]
العرب، فلا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك، ثم قال لي: أخبرني عن الناس خلفك، فقلت: الخبير سألت. قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء والله يغعل ما يشاء" (١).
وأما الحسين:
فلما رأى ﵇ وحدته ورزأ أسرته وفقد نصرته تقدم على فرسه إلى القوم حتى واجههم وقال لهم:
يا أهل الكوفة قبحًا لكم وتعسًا حين استصرختمونا والهين فأتينا موجفين، فشحذتم علينا سيفًا كان في أيماننا، وحششتم علينا نارًا نحن أضرمناها على أعدائكم وأعدائنا، فأصبحتم ألبًا على أولياءكم ويدًا لأعدائكم، من غير عدل أفشوه فيكم، ولا ذنب كان منا إليكم، فلكم الويلات هلا إذ كرهتمونا والسيف ماشيم والجأش ما طاش والرأي لم يستحصد ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا إسراع الدنيا، وتهافتّم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفهًا وضلة وطاعة لطواغيت الأمة وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلونا، ألا لعنة الله على الظالمين،
ثم حرك إليهم فرسه وسيفه مصلت في يده وهو آيس من نفسه" (٢).
وأخيرًا هؤلاء الذين دعوهم إلى كربلاء دعا عليهم كدعاء أبيه على شيعته، فيذكر المفيد:
"ثم رفع الحسين (ع) يده وقال: اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقًا واجعلهم طرائق قددًا، ولا ترضي الولاة عنهم أبدًا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا" (٣).
_________________
(١) "الإرشاد" ص٢١٨
(٢) "كشف الغمة" ج٢ ص١٨، ١٩
(٣) "الإرشاد" ص٢٤١، أيضًا "إعلام الورى" للطبرسي ص٩٤٩
[ ٣٠٢ ]
وأما علي بن الحسين الملقب بزين العابدين فأبان عوارهم وأظهر عارهم وكشف من حقيقتهم فقال:
إن اليهود أحبوا عزيرًا حتى قالوا فيه ماقالوا، فلا عزير منهم ولا هم من عزير، وإن النصارى أحبوا عيسى حتى قالوا فيه ماقالوا فلا عيسى منهم ولا هم من عيسى، وأنا على سنة من ذلك، إن قومًا من شيعتنا سيحبونا حتى يقولوا فينا ما قالت اليهود في عزير وما قالت النصارى في عيسى، فلا هم منا ولا نحن منهم.
هذا، وشيعته خذلوه وتركوه، ولم يبقى منهم إلا الخمسة كالرواية التي رويناها قبل، وأيضًا ما رواه فضل بن شاذان (١).
أو ثلاثة كما ذكر جعفر بن الباقر أنه قال:
ارتد الناس بعد قتل الحسين (ع) إلا ثلثه، أبو خالد الكابلي ويحيى بن أم الطويل وجبير بن مطعم - وروى يونس بن حمزة مثله وزاد فيه: وجابر بن عبد الله الأنصاري" (٢).
وأما محمد الباقر فكان يائسًا من الشيعة إلى حد حتى قال:
لو كان الناس كلهم لنا شيعة لكان ثلثه أرباعهم لنا شكاكًا والربع الآخر أحمق" (٣).
ويشير جعفر أنه لم يكن لأبيه الباقر مخلصون من الشيعة إلا الربعة أو خمسة كما روى:
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٠٧
(٢) "رجال الكشي" ص١١٣
(٣) "رجال الكشي" ص١٧٩
[ ٣٠٣ ]
إذا أراد الله بهم سوء صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم شيعتى أحياءًا وأمواتًا، يحيون ذكر أبي، بهم يكشف الله كل بدعة، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأول الغالين. ثم بكى فقلت: من هم؟ فقال: من عليهم صلوات الله عليهم ورحمته أحياء وأمواتًا بريد العجلي وزرارة وأبو بصير ومحمد بن مسلم" (١).
وأما الباقر فكان لا يعتمد حتى ولا على هؤلاء، فكما روي عن هشام بن سالم عن زرارة أنه قال: سألت أبا جعفر عن جوائز العمال؟ فقال:
لا بأس به، ثم قال: إنما أراد زرارة أن يبلغ هشامًا إني أحرم أعمال السلطان" (٢).
ثم وكيف كان هؤلاء؟ فأعرفهم عن جعفر أيضًا، ولقد روى مسمع أنه سمع أبا عبد الله يقول:
لعن الله بريدًا، لعن الله زرارة" (٣).
وأما أبو بصير فقالوا: إن الكلاب كان تشغر في وجه أبي بصير" (٤).
وأما جعفر بن الباقر فإنه أظهر شكواه عن شيعته بقوله حيث خاطب:
أما والله لو أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثًا" (٥).
ولأجل ذلك قال له أحد مريديه عبد الله بن يعفور كما رواه بنفسه:
"قلت لأبي عبد الله ﵇: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوال لا
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٢٤
(٢) "رجال الكشي" ص١٤٠
(٣) "رجال الكشي" ص١٣٤
(٤) "رجال الكشي ص١٥٥
(٥) "الأصول من الكافي" ج١ ص٤٩٦ ط الهند
[ ٣٠٤ ]
يتولونكم ويتولون فلانًا وفلانًا لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق" (١).
وفوق ذلك شكاكًا في القوم كله، ولأجل ذلك لم يك يفتيهم إلا بفتاوى مختلفة حتى لا يفضوها إلا الأعداء والمخالفين كما مر بيانه مفصلًا.
وإنه كان كثيرًا ما يقول:
ما وجدت أحدًا يقبل وصيتي ويطيع أمري إلا عبد الله بن يعفور" (٢).
ومر خاطب شيعته فقال:
ما لكم وللناس قد حملتم الناس عليّ؟ إني والله ما وجدت أحدًا يطيعني ويأخذ بقولي إلا رجلًا واحدًا عبد الله بن يعفور، فإني أمرته وأوصيته بوصية فأتبع أمري وأخذ بقولي" (٣).
وأما ابنه موسى فإنه وصفهم بوصف لا يعرف وصف جامع ومانع لبيان الحقيقة مثله، وبه نتم الكلام، فإنه قال:
لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الأف واحد، ولو غربلتهم غربلة لم يبقى منهم إلا ما كان لي، إنهم طالما اتكؤوا على الأرائك، فقالوا: نحن شيعة علي" (٤).
فهؤلاء هم أهل بيت علي ﵁ وهذه هي أقوالهم وآراءهم في الذين يدعون أنهم شيعتهم، أتباعهم ومحبوهم وهم يكبّون عليهم الويلات، ويكيلون عليهم اللعنات، ويظهرون للناس حقيقتهم وما يكنون في صدورهم تجاههم، وما أكثر
_________________
(١) "الأصول من الكافي" ج١ ص٣٧٥ ط طهران
(٢) "رجال الكشي" ص٢١٣
(٣) "الأصول من الكافي" ص٢١٥
(٤) "الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٢٨
[ ٣٠٥ ]
لعناتهم عليهم والبراءة منهم، ولكننا اكتفينا بهذا القدر لأنها كافية لمن أراد التبصر والهداية كما أننا بيّنّا الحقيقة ما يكنه الشيعة لأهل بيت علي ﵁ ولأهل بيت النبي - ﷺ - من كتب القوم أنفسهم، ووضعنا النقاط على الحروف، فهل من عاقل يتعقل؟ وهل من بصير يتبصر؟
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والله أسأل أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وهو الهادي إلى سواء السبيل وعليه نتوكل وإليه ننيب.
[ ٣٠٦ ]