المبحث الأول: أقسام الصفات عند أهل السنة والجماعة
المطلب الأول: أقسام الصفات عموما
تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات مايلي:
المطلب الأول: أقسام الصفات عمومًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الصفات نوعان:
أحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل.
والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شييء"١.
وتنقسم الصفات باعتبار ورودها في النصوص إلى قسمين:
١- صفات ثبوتية ٢- صفات سلبية (أي منفية)
القسم الأول: الصفات الثبوتية
وتعريفها: هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
والصفات الثبوتية كثيرة جدًا منها: العلم - والحياة - والعزة - والقدرة - والحكمة - والكبرياء - والقوة - والاستواء - والنزول - والمجيء، وغيرها.
والصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية٢.
_________________
(١) ١ الصفدية ١/١٠٢. ٢ القواعد المثلى ص٢٤ (بتصرف) .
[ ٥٧ ]
إضافة إلى أن معرفة الله الأصل فيها صفات الإثبات والسلب تابع ومقصوده تكميل الإثبات، بل كل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات١.
القسم الثاني: الصفات السلبية
وتعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
والصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه.
ومن أمثلتها: النوم - الموت - الجهل - النسيان - العجز - التعب - الظلم.
فيجب نفيها عن الله ﷿ مع إثبات أن الله موصوف بكمال ضدها٢.
وتجدر الإشارة هنا إلى الأمور التالية:
الأمر الأول: أن معرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع ومقصوده تكميل الإثبات٣.
"فإن السلب لا يراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمنه من إثبات الكمال، فكل ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص فإنه متضمن للمدح والثناء على الله بضد ذلك النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة"٤.
الأمر الثاني: أن صفات التنزيه يجمعها معنيان:
الأول: نفي النقائص عنه، وذلك من لوازم إثبات صفات الكمال.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٧/١١٢ (بتصرف) . ٢ القواعد المثلى ص ٢٣-٢٤. ٣ مجموع الفتاوى ١٧/١١٢. ٤ شرح القصيدة النونية للهراس ٢/٥٥.
[ ٥٨ ]
الثاني: إثبات أنه ليس كمثله شييء في صفات الكمال الثابتة له.
الأمر الثالث: الصفات السلبية تذكر غالبًا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله:
كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢.
والثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون
كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ٣.
والثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٤"٥.
الأمر الرابع: أن الصفات السلبية إنما تكون كمالًا إذا تضمنت أمورًا وجودية٦.
فلا يوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورًا وجودية، وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه.
فينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال.
والعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء فهو كما قيل ليس بشييء فضلا
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة الشورى. ٢ الآية ٤ من سورة الإخلاص. ٣ الآيات ٨٨ إلى ٩٢ من سورة مريم. ٤ الآية ١٦ من سورة الأنبياء. ٥ القواعد المثلى ص ٢٤. ٦ مجموع الفتاوى ١٧/١٤٤.
[ ٥٩ ]
عن أن يكون مدحًا وكمالًا.
لأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.
ولهذا كان عامة ما يصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح.
كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ١ فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام.
وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ ٢ أي لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها؛ بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشييء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته.
وكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾ ٣ فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.
وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ٤ فإن نفي مس اللغوب -الذي هو التعب والإعياء- دل على كمال قدرته ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.
وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٥ إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء، ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يحاط به وإن رؤي، كما أنه لا يحاط به وإن علم، فكما أنه إذا علم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية،
_________________
(١) ١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٢ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٣ الآية ٣ من سورة سبأ. ٤ الآية ٣٨ من سورة ق. ٥ الآية ١٠٣ من سورة الأنعام.
[ ٦٠ ]
فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه"١.
ثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب مع الله سبحانه، فإنك لو قلت لسلطان: أنت لست بزبال ولا كسَّاح ولا حجام ولا حائك لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا.
وإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإن أجملت في النفي أجملت في الأدب٢.
فأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل فيقولون: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض إلى آخر تلك السلوب الكثيرة التي تمجها الأسماع وتأنف من ذكرها النفوس والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حق قدره٣.
الأمر الخامس: أن الرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل.
والمعطلة ناقضوهم فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل.
فإن الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله أنه بكل شييء عليم، وعلى كل شييء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق
_________________
(١) ١ الرسالة التدمرية ص ٢١-٢٣. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص ١٠٨-١١٠. ٣ الصفات الإلهية ص ٢٠٢.
[ ٦١ ]
السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًا، وأنه أنزل على عبده الكتاب، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.
وقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٣.
وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا، فلا يقرب من شييء ولا يقرب منه شييء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يشار إليه ولا يتعين، ولا هو مباين للعالم ولا حال فيه، ولا داخله، ولا خارجه، إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم.
ثم قالوا في الإثبات هو وجود مطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية٤.
وبذلك عكسوا منهج القرآن والسنة، فأكثروا من وصف الله تعالى بالأمور السلبية التي لم يرد بها النص، وأفرطوا في ذلك إفراطًا عجيبًا، بينما أنكر بعضهم جميع الصفات الثبوتية، والبعض الآخر لم يثبت سوى القليل منها.
الأمر السادس: للتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة نقول: إن الصفات السلبية التي ورد بها النص متضمنة لثبوت كمال الضد كما تقدم شرح ذلك.
وأما الصفات السلبية التي هي من نسج المعطلة واختراعهم فلا تتضمن ثبوت كمال الضد.
_________________
(١) ١ الآية ١١ من سورة الشورى. ٢ الآية ٤ من سورة الإخلاص. ٣ الآية ٦٥ من سورة مريم. ٤ الصفدية ١/١١٦.
[ ٦٢ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل تنزيه مدح فيه الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول «سبحان الله» متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيها تنزيهه من العيوب والنقائص، وفيها تعظيمه ﷾"١.
فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا.
وكذلك من شاركهم في بعض ذلك، كالذين قالوا لا يتكلم، ولا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا مجانب له.
إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليس هي صفة مستلزمة صفة ثبوت.
فقولهم إنه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات٢.
الأمر السابع: إن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان:
النوع الأول: سلب لمتصل
"وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ، كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة " الخ.
النوع الثاني: سلب لمنفصل
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٧/١١٢. ٢ الرسالة التدمرية ص٢٣.
[ ٦٣ ]
وضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد من خلقه في شييء من خصائصه التي لا تنبغي إلا له.
وذلك كنفي الشريك له في ربوبيته، فإنه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير.
وكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يؤلهه الخلق ويفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.
وكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا فليس لغيره من المخلوقين شركة معه سبحانه في شييء منها.
وكذلك نفي الظهير الذي يظاهره أو يعاونه في خلق شييء أو تدبيره، لكمال قدرته وسعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله، فالشريك والظهير منفيان عنه بإطلاق.
وكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نسبه إليه النصارى عابدو الصلبان، والصابئة الذين يقولون إن الملائكة بنات الله.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾ ١،٢.
_________________
(١) ١ الآية ١١١ من سورة الإسراء. ٢ انظر: شرح القصيدة النونية للهراس ٢/٥٦-٥٨.
[ ٦٤ ]
المطلب الثاني: أقسام الصفات الثبوتية
أـ تنقسم الصفات الثبوتية من جهة تعلقها بالله إلى قسمين١:
القسم الأول: الصفات الذاتية.
القسم الثاني: الصفات الفعلية.
وكلا النوعين يجتمعان في أنهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال رب العالمين٢.
أما القسم الأول: الصفات الذاتية
فضابطها: هي التي لا تنفك عن الذات٣.
أو: التي لم يزل ولا يزال الله متصفًا بها.
أو: الملازمة لذات الله تعالى.٤.
ومنها: الوجه - اليدين - العينين٥ - الأصابع - القَدَم - العلم - الحياة - القدرة - العزة - الحكمة.
القسم الثاني: الصفات الفعلية.
وضابطها: هي التي تنفك عن الذات.
_________________
(١) ١ انظر الكواشف الجلية ص ٤٢٩. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص ١٢٧. ٣ الكواشف الجلية ص ٤٢٩. ٤ التعريفات للجرجاني ص١٣٣. ٥ مجموع الفتاوى ٦/٦٨.
[ ٦٥ ]
أو: التي تتعلق بالمشيئة والقدرة١.
ومنها: الاستواء - المجيء - الإتيان - النزول - الخلق - الرزق - الإحسان - العدل.
فالفرق بين القسمين:
أن الصفات الذاتية لا تنفك عن الذات، أما الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى أن الله إذا شاء لم يفعلها.
ولكن مع ذلك فإن كلا النوعين يجتمعان في أنهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال الله عز وجل٢.
وتنقسم الصفات الفعلية من جهة تعلقها بمتعلقها إلى قسمين:
متعدية: وهي ما تعدت لمفعولها بلا حرف جرّ مثل: خلق، ورزق، وهدى، وأضل، ونحوها.
لازمة: وهي ما تتعدى لمفعولها بحرف جر كالإستواء والمجيء والإتيان والنزول ونحوها.
وإنما قسمت كذلك نظرًا للإستعمال القرآني من جهة ولكونها في اللغة كذلك٣، قال ابن القيم: "فأفعاله نوعان: لازمة، ومتعدية كما دلت النصوص التي هي أكثر من أن تحصر على النوعين"٤، وقال ﵀: "المجيء
_________________
(١) ١ التعريفات للجرجاني ص ١٣٣. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص ١٢٧. ٣ مجموع الفتاوى ٦/٢٣٣،٥/٥١٨. التنبيهات السنية ص٦٩. ٤ مختصر الصواعق ٢/٢٢٩.
[ ٦٦ ]
والإتيان والذهاب والهبوط هذه من أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع الفعل المتعدي وهو سبحانه موصوف بالنوعين وقد يجمعهما كقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ "١،٢.
مواقف الطوائف من الصفات الذاتية والفعلية:
١- موقف أهل السنة والجماعة
أثبت أهل السنة جميع الصفات الذاتية منها والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة٣.
٢- موقف المعتزلة ومن وافقهم
أثبتوا الذات مجردة عن الصفات، وزعموا أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: لا تحله الأعراض ولا الحوادث.
وبذلك نفوا قيام الصفات الذاتية والفعلية بالله تعالى، وجعلوا إضافة الصفات إلى الله تعالى إما من باب إضافة الملك والتشريف أو من إضافة وصف (أي القول) من غير قيام معنى به٤.
٣. موقف المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية:
نفوا جميع الصفات ما عدا الصفات السبع وهي: (العلم - الحياة - القدرة - الإرادة - السمع - البصر - الكلام) . وزاد الباقلاني وإمام الحرمين من الأشاعرة
_________________
(١) ١ الآية (٤) من سورة الحديد. ٢ مختصر الصواعق (٢/٢٥٤) بتصرف يسير. ٣ مجموع الفتاوى ٦/١٤٩، ٥٢٠، ٥٢٥. ٤ مجموع الفتاوى ٦/١٤٧، ١٤٨، ٥٢٠، ٥٢١. منهاج السنة ١/٤٢٣.
[ ٦٧ ]
صفة ثامنة هي: (الإدراك) ١. وزاد الماتريدية صفة (التكوين) ٢.
٣. موقف الكلابية ومن وافقهم من قدماء الأشاعرة وغيرهم:
يثبتون الصفات الذاتية وينفون الأفعال الاختيارية، ولم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته٣ كالمحبة.
٥. موقف الكرامية ومن وافقهم:
يثبتون الصفات بما فيها أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث. ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها٤.
ب - ويمكن تقسيم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين٥:
القسم الأول: الصفات اللازمة
وتعريفها: هي الصفات اللازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته. أو بعبارة أخرى: هي الصفات التي لا تنفك عن الذات وتنقسم إلى قسمين
_________________
(١) ١ تحفة المريد ص ٧٦. ٢ تحفة المريد ص ٧٥. وانظر: إشارات المرام ص ١٠٧، ١١٤، وجامع المتون ص ١٢٠٨، ونظم الفرائد ص ٢٤. ٣ مجموع الفتاوى ٦/٥٢٠. منهاج السنة ١/٤٢٣-٤٢٤. ٤ مجموع الفتاوى ٦/٥٢٤، ٥٢٥. ٥ درء تعارض العقل والنقل ٣/٣٢١-٣٢٤. الرد على المنطقيين ص ٨٠.
[ ٦٨ ]
الصفات الذاتية١: وهي التي لا يمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: الوجه - اليد - الأصبع - العين - القدم.
الصفات المعنوية: وهي ما يمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: الحياة - العلم - القدرة - العزة - العظمة - الكبرياء - الملك - الحكمة - السمع - البصر.
القسم الثاني: الصفات العارضة أو الصفات الاختيارية
وتعريفها: هي الصفات التي يمكن مفارقتها له مع بقاء الذات.
أو: الصفات التي تنفك عن الذات.
أو: الصفات التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.
وهي إما من باب الأفعال: كالاستواء، والاتيان، والمجيء، والنزول.
وإما من باب الأقوال والكلمات: التكليم والنداء، والمناجاة، والقول.
وإما من باب الأحوال: كالفرح، والغضب، والرضا، والضحك٢.
فكل ما كان بعد عدمه فإنما يكون بمشيئة الله وقدرته، وهذا ضابط ما يدخل في الصفات الاختيارية٣.
الصفات الاختيارية:
وضابطها: هي الأمور التي يتصف بها الرب ﷿، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته٤.
_________________
(١) ١ ليس المقصود بالذاتية ما يلزم الذات، إذ الجميع لازم الذات. ٢ درء تعارض العقل والنقل ٤/٢٣ "بتصرف". ٣مجموع الفتاوى ٦/٢٤٤ "بتصرف". ٤ مجموع الفتاوى ٦/٢١٧.
[ ٦٩ ]
والصفات الاختيارية أعم من الصفات الفعلية، لأنها تشمل بعض الصفات الذاتية التي لها تعلق بالمشيئة، مثل: الكلام، السمع، البصر، الإرادة، المحبة، الرضا، الرحمة، الغضب، السخط.
كما أنها -أي الصفات الاختيارية- تشمل الصفات الفعلية غير الذاتية.
مثل: الخلق، الإحسان، العدل، وهذه فعلية متعدية.
ومثل: الاستواء، المجيء، الإتيان، النزول، وهذه فعلية لازمة.
فالكلام (صفةُ ذاتٍ وفعلٍ) فهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته.
وكل ما كان بعد عدمه، فإنما يكون بمشيئة الله وقدرته١، وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو من الصفات الاختيارية٢، والصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها في القدم، ولم تتغير ذاته من أفعاله، ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال، فهو سبحانه لم يزل كريمًا خالقًا.
ومن معتقد أهل السنة والجماعة إثبات قيام جميع هذه الصفات بالذات، خلافًا لقول الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
فهذا نوع من تقسيمات الصفات يفصل بين عقيدة أهل السنة من جهة وعقيدة الصفاتية من أهل الكلام وهم (الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية) من جهة أخرى.
فالكلابية وقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات ما عدا صفات الأفعال الاختيارية فإنهم ينفون كونها صفات قائمة بالله.
والمتأخرون من الأشاعرة والماتريدية ينفون الصفات الذاتية والاختيارية ويثبتون
_________________
(١) ١مجموع الفتاوى ٦/٢١٩. ٢مجموع الفتاوى ٦/٢٤٤.
[ ٧٠ ]
سبعًا من الصفات المعنوية هي (العلم - الحياة - القدرة - الإرادة - السمع - البصر - الكلام) .
ثالثًا: تنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية
وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي والدليل العقلي، والفطرة السليمة.
وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثبوتية يشترك فيها الدليلان السمعي والعقلي١ وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.
ومنها: العلم، السمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة.
وسميت "شرعية عقلية"
شرعية: لأن الشرع دل عليها أو أرشد إليها.
وعقلية: لأنها تعلم صحتها بالعقل ولا يقال إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.
فإذا أخبر الله بالشييء، ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره، ومدلولا عليه بدليل العقل الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية٢.
القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية
وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم٣.
_________________
(١) ١ الصفات الإلهية في الكتاب والسنة في ضوء الإثبات والتنزيه ص٢٠٧. ٢ مجموع الفتاوى ٦/٧١، ٧٢. ٣ الصفات الإلهية ص ٢٠٧.
[ ٧١ ]
ومنها: الوجه - اليد - العين - الرضا - الفرح - الغضب - القَدَم - الاستواء - النزول - المجيء - الضحك.
وهي تنقسم إلى قسمين:
_________________
(١) صفات ذاتية مثل: الوجه - اليد - العين - القَدَم.
(٢) صفات فعلية مثل: النزول - الاستواء - الغضب - الفرح - الضحك.
[ ٧٢ ]
المبحث الثاني: أقسام الصفات عند المخالفين
المطلب الأول: أقسام الصفات عند من ينكر جميع الصفات الثبوتية
المطلب الأول: أقسام الصفات عند من ينكر جميع الصفات الثبوتية:
وهم الفلاسفة بشتى أصنافهم، والجهمية، والمعتزلة ومن وافقهم كالزيدية، والرافضة الإمامية، والنجارية، والضرارية، والإباضية، وابن حزم، وهؤلاء ليس عندهم تقسيم للصفات الثبوتية، لأنهم لا يثبتونها أصلًا فضلًا عن كونهم يقسمونها.
أما في جانب النفي - عند من يقول به منهم فإن ابن سينا١ وهو من الفلاسفة الإسماعيلية الباطنية يجعل الصفات إما سلبية محضة وإما إضافية محضة وإما مؤلفة من سلب وإضافة والسلوب والإضافات لا توجب كثرة في الذات٢.
١- صفات سلبية محضة:
وهذا النوع إذا وصف به واجب الوجود - على حد تعبيرهم ـ، أفاد أن المقصود به نفس وجوده مع سلب ما يؤدي إليه عنه، وهو ما يستلزمه مفهوم واجب الوجود٣.
فإذا قيل جوهر: لم يعن به إلا هذا الوجود الواجب مع سلب الكون في
_________________
(١) ١ انظر كتاب: علاقة صفات الله تعالى بالذات لراجح الكردي ص ١١٩-١٢٠ ط دار العدوي، عمان، الأردن. ٢ انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١٨٢. ٣ الجانب الإلهي لمحمد البهي ٢/٥٤٨
[ ٧٥ ]
موضع عنه.
وإذا قيل واحد: لم يعن به إلا الوجود الواجب وسلب الشريك عنه أو سلب الكثرة من كل وجه.
وإذا قيل قديم: لم يعن به إلا هذا الوجود الواجب مع سلب العدم عنه أولًا.
وإذا قيل باق: لم يعن به إلا هذا الوجود الواجب مع سلب العدم عنه آخرًا١.
٢- صفات إضافية محضة:
وضابطها: هي الأمور المتضايفة التي لا يعقل الواحد منها إلا بتعقل مقابله٢.
ومن أمثلتها: كونه أولًا مبدأ، خالقًا، قديرًا، مريدًا، صانعًا، مبدعًا، حكيمًا، جوادًا، كريمًا٣.
"مثلًا صفة كونه (أولًا): هي نفس وجود واجب الوجود لكن مع الوجود إضافة إذا نسب الله تعالى إلى الموجودات غيره، أي لم يعن إلا إضافة هذا الوجود الواجب إلى الكل.
وكونه تعالى (مبدأ): إضافة له إلى معلوماته بمعنى إشارة إلى وجوده وإلى أن وجود غيره إنما هو منه.
_________________
(١) ١ علاقة صفات الله تعالى بذاته ص ١٢١ ٢ التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية ١/٤٤. أي هي عبارة عن ماهيتين تَعَقُّل كل واحدة لا يتم إلا مع تعقل الأخرى، كالأبوة والبنوة ونحو ذلك، ومن خواص الإضافة أنه إذا عرف أحد المضافين عرف الآخر أيضاَ. انظر: المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص ١١٢، الفتاوى ١٧/١٤٨-١٥٠، المواقف في علم الكلام ص ١٧٩-١٨٠، المعجم الفلسفي ص ١٥. ٣ انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١٨١.
[ ٧٦ ]
وصفة كونه (خالقًا): هي نفس وجود الله تعالى مع إضافة لأن علة الإيجاد هي علم واجب الوجود أو تعقله للنظام الفائض منه على مقتضى علمه"١.
٣- صفات مركبة من سلب وإضافة:
وهذا النوع من الصفات إذا وصف به واجب الوجود أفاد أن ذلك له على وجه السلب وعلى وجه النسبة والإضافة أيضا، وهو ما يستتبعه الاعتقاد بأنه خالق ومدبر للكون.
فإذا قيل واجب الوجود: أي موجود لا علة له وهذا سلب، وهو علة لغيره وهذه إضافة فالسلب والإضافة مجتمعان معًا.
وإذا قيل خالق: فهم منه أن وجوده شريف يفيض عنه وجود الكل فيضًا لازمًا، وأن وجود غيره حاصل منه بالتبع.
وإذا قيل عالم: فهم أنه لا يعلم ذاته ما لم يعلم أنه مبدأ للكل.
وإذا قيل جواد: فهم أنه لا ينحو غرضا لذاته وهذا سلب، وأنه يفيض الجود على غيره لأنه مبدأ لكل جود٢.
قال الشهرستاني: "قالت الفلاسفة: واجب الوجود بذاته لن يتصور إلا واحدًا من كل وجه فلا صفة ولا حال ولا اعتبار ولا حيث ولا وجه لذات واجب الوجود بحيث يكون أحد الوجهين والاعتبارين غير الآخر بذاته، أو يدل لفظ على شييء هو غير الآخر بذاته ولا يجوز أن يكون نوع واجب
١ علاقة صفات الله تعالى بذاته ص١٢٠
٢ علاقة صفات الله تعالى بذاته ص ١٢١-١٢٢، وانظر: نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١٨٢.
[ ٧٧ ]
الوجود لغير ذاته لأن وجود نوعه له لعينه ولا يشاركه شييء ما صفة أو موصوفًا في واجب الوجود والأزلية ولا ينقسم هو ولا يتكثر لا بالكم ولا بالمباديء المقومة ولا بأجزاء الحقيقة والحد. ثم له صفات سلبية: مثل تقدسه عن الكثرة من كل وجه، فيسمى لذلك واحدًا حقًا أحدًا صمدًا١.
ومثل تنزهه عن المادة وتجرده عن طبيعة الإمكان والعدم، ويسمى ذلك عقلًا وواجبًا.
وله صفات إضافية: مثل كونه صانعًا مبدعًا حكيمًا قديرًا جوادًا كريمًا
وصفات مركبة من سلب وإضافة: مثل (كونه مريدًا): أي هو مع عقليته ووجوبه بذاته مبدأ لنظام الخير كله من غير كراهية لما يصدر عنه؛ (وجوادًا) أي هو بهذه الصفة وزيادة سلب أي لا ينحو غرضًا لذاته وأولًا: أي هو مسلوب عنه الحدوث مع إضافة وجود الكل إليه.
وصفاته عندهم إما سلبية محضة، وإما إضافية محضة، وإما مؤلفة من سلب وإضافة، والسلوب والإضافات لاتوجب كثرة في الذات"٢.
_________________
(١) ١ استدل الفلاسفة باسمه تعالى (الأحد)، واسمه (الصمد) على نفي الصفات عنه جل وعلا، واستدلالهم هذا باطل، وهو يدل على نقيض قولهم، فإن اسم (الصمد) يدل على استحقاق الله تعالى لجميع صفات الكمال، واسم (الأحد) يدل على نفي المشاركة والمماثلة، انظر مجموع الفتاوى ١٧/١٠٧، ١٠/٥٤، شرح حديث النزول ص ٧٤، منهاج السنة ٢/١٨٦-١٨٧، ٥٢٩-٥٣٠. ٢ نهاية الإقدام في علم الكلام ص ١٨١
[ ٧٨ ]
المطلب الثاني: أقسام الصفات عند من يثبت بعض الصفات وينكر بعضها.
وهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية، ويسمون الصفاتية
وهم في تقسيم الصفات على قسمين:
١ - الكلابية وقدماء الأشاعرة
وهؤلاء يتفقون مع أهل السنة في تقسيم الصفات عمومًا إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الذاتية.
القسم الثاني: الصفات الفعلية.
وكذا في تقسيمها من حيث أدلة إثباتها حيث يقسمونها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات العقلية.
القسم الثاني: الصفات السمعية.
لكنهم يختلفون مع أهل السنة فيما يثبتونه وطريقة إثباتهم.
٢ - الأشاعرة المتأخرون والماتريدية
المعروف عن متأخري الأشاعرة والماتريدية من أهل الكلام تقسيمهم الصفات إلى أربعة أقسام:
١- صفات المعاني. ٢- الصفات المعنوية.
٣- الصفات السلبية. ٤- الصفة النفسية.
القسم الأول: صفات المعاني.
وضابطها في اصطلاحهم هي: ما دل على معنى وجودي قائم بالذات ولم يقر هؤلاء إلا بسبع منها هي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر،
[ ٧٩ ]
والكلام. ونفوا ما عداها من صفات المعاني كالرأفة والرحمة والحلم١.
وهي القدر الذي عند هؤلاء من الإثبات، أما الأقسام الثلاثة الباقية ليس فيها إثبات على الحقيقة.
القسم الثاني: الصفات المعنوية
وضابطها: هي الأحكام الثابتة للموصوف بها معللة بعلل قائمة بالموصوف وهي كونه (حيًا، عليمًا، قديرًا، مريدًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا) وهذا العد لا وجه له لأنه في الحقيقة تكرار لصفات المعاني المتقدم ذكرها.
ثم إن من عدها من هؤلاء عدوها بناءً على ما يسمونه الحالة المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة٢.
والتحقيق أن هذا خرافة وخيال. وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشييء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعًا، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء٣.
القسم الثالث: الصفات السلبية:
وضابطها عندهم: ما دل على سلب ما لا يليق بالله عن الله من غير أن يدل على معنى وجودي قائم بالذات.
والذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمسًا لا سادس لها٤ وهي
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص٥) . ٢ تحفة المريد (ص٧٧) . ٣ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص١٠) . ٤ يرى بعضهم أنها ليست منحصرة في هذه الخمسة، إلا أن ما عداها راجع إليها ولو بالالتزام، أو أن هذه مهماتها. انظر تحفة المريد (ص٥٤) .
[ ٨٠ ]
عندهم: القِدَمُ، البقاء، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس الذي يعنون به الاستغناء عن المخصص والمحل١.
وعلى ضابطهم الذي ذكروه فإن هذه الخمس لا تتضمن معنى وجوديًا. وإنما تتضمن أمرًا سلبيًا فعلى سبيل المثال:
القدم: المقصود بها نفي الحدوث.
والبقاء: المقصود بها نفي الفناء.
والوحدانية: المقصود بها نفي النظير المساوي له.
والقيام بالنفس: عدم افتقاره للمحل وعدم افتقاره للمخصص: أي الموجد.
القسم الرابع: الصفة النفسية
وضابطها هي: كل صفة إثبات لنفس لازمة ما بقيت النفس غير معللة بعلل قائمة بالموصوف.
وهي عندهم صفة واحدة هي: الوجود. وهي عندهم لا تدل على شيء زائد على الذات.
يقول شارح جوهرة التوحيد: "واعلم أن الوجود صفة نفسية وإنما نسبت للنفس أي الذات، لأنها لا تتعقل إلا بها فلا تتعقل نفس إلا بوجودها، والمراد بالصفة النفسية: صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها.
فقولنا: "صفة" كالجنس.
وقولنا: "ثبوتية" يخرج السلبية كالقدم والبقاء.
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص٨) .
[ ٨١ ]
وقولنا: "يدل الوصف بها على نفس الذات" معناه أنها لا تدل على شييء زائد على الذات.
وقولنا: "دون معنى زائد عليها" تفسير مراد لقولنا (على نفس الذات) ويخرج بذلك المعاني لأنها لا تدل على معنى زائد على الذات، وكذلك (المعنوية) فإنها تستلزم المعاني فهي تدل على معنى زائد على الذات لاستلزامها المعاني"١.
وبهذا يعلم أنه ليس عند هؤلاء من الإثبات إلا الصفات السبع التي يسمونها صفات المعاني وهي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:
أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورم تنزيها٢
وكل نص أوهم التشبيها
فنصوص الصفات التي وردت في إثبات ما عدا الصفات السبع التي يثبتونها، يسمونها نصوصًا موهمة للتشبيه، فهم يصرفونها عن ظاهرها، ولكنهم تارة يعينون المراد كقولهم استوى: استولى، واليد: بمعنى النعمة والقدرة؛ وتارة يفوضون فلا يحددون المعنى المراد ويكلون علم ذلك إلى الله ﷿. ولكنهم يتفقون على نفي الصفة لأن ناظمهم يقول: "ورم تنزيهًا" وشارح الجوهرة يقول: "أو فوض" أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى٣.
_________________
(١) ١ تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص٥٤) . ٢ المصدر السابق (ص٩١) . ٣ تحفة المريد (ص٩١) .
[ ٨٢ ]
فهم بذلك متفقون على نفي تلك الصفات، ويخيرون في تحديد المعنى المراد أو السكوت عن ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية- موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.
ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي"١.
وقال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان: "اعلم أن المتكلمين قسموا صفاته جلا وعلا إلى ستة أقسام:
١ـ صفة نفسية.
٢ـ صفة سلبية.
٣ـ صفة معنى.
٤ـ صفة معنوية.
٥ـ صفة فعلية.
٦ـ صفة جامعة مثل العلو والعظمة مثلًا.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل (٥/٢٤٩) .
[ ٨٣ ]
والصفة الإضافية هي تتداخل مع الفعلية.
لأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية، فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة.
وتتفرد الفعلية في نحو الإستواء وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى موجود قبل كل شييء، وأنه فوق كل شييء، لأن القَبْلِيَّةَ والفوقيَّةَ من الصفات الإضافية وليستا من صفات الأفعال"١.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٠٦.
[ ٨٤ ]
الخاتمة
بعد هذا العرض لتعريف الصفات وبيان أقسامها والمسائل المتعلقة بذلك، أعرض أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، فأقول:
أولًا: إن ضابط الصفات الإلهية عند أهل السنة هو: ما قام بالذات الإلهية ووردت به نصوص القرآن والسنة.
فأهل السنة يثبتون قيام الصفات بالذات سواء الذاتية منها أو الفعلية.
ثانيًا: يشترط لثبوت الصفات ورود النص من القرآن أو السنة بذلك، فباب الصفات توقيفي.
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:
١ـ التصريح بالصفة.
٢ـ تضمن الاسم للصفة.
٣ـ التصريح بفعل أو وصف دال عليها.
ثالثًا: أن كل واحد من لفظ (الوصف) أو (الصفة) لا فرق بينهما عند أهل السنة، وأنهما قد يراد بهما الكلام الذي يوصف به الموصوف أو المعاني التي يدل عليها الكلام.
بخلاف قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين جعلوا الصفات مجرد القول الذي يعبر به عن الموصوف من غير قيام معنى.
وبخلاف الصفاتية الذين يجعلون الوصف: هو القول، والصفة: هو المعنى القائم بالموصوف، فيفرقون بين الوصف والصفة.
رابعًا: المضافات إلى الله على نوعين هما:
١ـ إضافة الملك.
٢ـ إضافة صفة.
[ ٨٧ ]
وصفات الله ﷿ من إضافة الصفة إلى الموصوف، فتكون قائمة به سبحانه. بخلاف قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين لا يعترفون بالقسم الثاني من أقسام الإضافة إلى الله، فردوا جميع ما يضاف إلى الله من الصفات إلى إضافة الخلق أو إضافة وصف من غير قيام معنى به.
وبخلاف قول الصفاتية من الكلابية ومن وافقهم الذين ينكرون قيام صفات الأفعال بالذات ويجعلون إضافتها إلى الله على أنها نسب إضافية عدمية.
خامسًا: يشتمل توحيد الأسماء والصفات على ثلاثة أبواب:
١ـ باب الأسماء.
٢ـ باب الصفات.
٣ـ باب الأخبار.
وباب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع منهما.
سادسًا: أن الألفاظ التي لم ترد بها النصوص لا تدخل في باب الصفات وإنما هي داخلة في باب الإخبار، ولأهل السنة ضوابط في ذلك تقدم تفصيلها.
سابعًا: تنقسم الصفات عمومًا إلى قسمين:
١ـ صفات نقص.
٢ـ صفات كمال.
والله ﷿ موصوف بالكمال ومنزه عن صفات النقص.
ثامنًا: تنقسم الصفات باعتبار ورودها في النصوص إلى قسمين:
١ـ الصفات الثبوتية.
٢ـ الصفات السلبية.
[ ٨٨ ]
والأصل في هذا الباب صفات الإثبات وأما الصفات المنفية فهي تابعة للصفات الثبوتية ومكملة لها.
تاسعًا: تنقسم الصفات السلبية إلى قسمين:
القسم الأول: سلب متصل.
القسم الثاني: سلب منفصل.
عاشرًا: تنقسم الصفات الثبوتية من جهة تعلقها بالله إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الذاتية.
القسم الثاني: الصفات الفعلية.
وكل من النوعين يجتمعان في أنهما صفات الله تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل ولا يزال متصفًا بها ماضيًا ومستقبلًا.
الحادي عشر: تنقسم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات اللازمة وهي على نوعين:
١ـ ذاتية.
٢ـ معنوية.
القسم الثاني: الصفات العارضة.
الثاني عشر: الصفات الاختيارية أعم من الفعلية، فكل صفة فعلية فهي اختيارية وليس العكس.
الثالث عشر: تنقسم الصفات الثبوتية باعتبار أدلتها إلى قسمين:
القسم الأول: صفات شرعية عقلية، وهي ما اشترك في إثباتها الدليل العقلي مع الدليل الشرعي.
القسم الثاني: الصفات الخبرية وهي ما اقتصر في إثباتها على الدليل الشرعي فقط.
[ ٨٩ ]
الرابع عشر: ينكر الغلاة من المعطلة الصفات الثبوتية ومن أقر منهم بالصفات السلبية قسمها إلى ثلاثة أقسام:
١ـ صفات سلبية محضة.
٢ـ صفات إضافية محضة.
٣ـ صفات مركبة من سلب وإضافة.
الخامس عشر: يتفق الكلابية وقدماء الأشاعرة مع أهل السنة في طريقة تقسيمهم للصفات، ولكن يخالفونهم في القدر المثبت.
السادس عشر: يقسم الأشاعرة المتأخرون والماتريدية الصفات إلى أربعة أقسام هي:
١ـ صفات المعاني.
٢ـ الصفات المعنوية.
٣ـ الصفات السلبية.
٤ـ الصفات النفسية.
وليس عندهم من الإثبات إلا صفات المعاني السبع وهي العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.
وفي الختام، فهذا جهدي أقدمه للقراء فما كان فيه من صواب فمن فضل الله ﷿، وما كان فيه من خطأ فمني واستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٩٠ ]