[تدارك الله الإسلام والأنام بأبي بكر الصديق]
عاصمة فتدارك الله الإسلام والأنام - وانجابت [الغمة] انجياب الغمام، ونفذ وعد الله باستئثار رسول الله (٢) وإقامة دينه على التمام، وإن كان قد أصاب ما أصاب من الرزية الإسلام - بأبي بكر الصديق ﵁ (٣) .
_________________
(١) كان هذا الجيش سبعمائة، والأمير عليهم إسامة بن زيد، وكان قد ندبهم رسول الله ﷺ للمسير إلى تخوم البلقاء (شرق الأردن) حيث قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة. ولما انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى أشار كثير من الصحابة - ومنهم عمر - ألا ينفذ الصديق هذا الجيش لما وقع من الاضطراب في الناس ولا سيما في القبائل. نقل ابن كثير في البداية والنهاية (٦: ٣٠٤ - ٣٠٥) حديث القاسم بن محمد بن أبي بكر وعمرة بنت سعيد الأنصارية عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب قاطبة وأشربت النفاق، والله لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد ﷺ كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة. فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخطلها وعنانها وفصلها.
(٢) استأثر الله فلانا، وبفلان، إذا مات.
(٣) أي فتدارك الله الإسلام والأنام بأبي بكر.
[ ٤١ ]
[رباط جأش أبي بكر في اليوم الرهيب]
وكان - إذ مات النبي ﷺ غائبا في ماله بالسنح (١) فجاء إلى منزل ابنته عائشة ﵂ وفيه مات النبي ﷺ فكشف عن وجهه، وأكب عليه يقبله وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حيا وميتا - والله لا يجمع الله عليك الموتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها، ثم خرج إلى المسجد - والناس فيه، وعمر يأتي بهجر من القول كما قدمنا - فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات - ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ". ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (آل عمران: ١٤٤)
_________________
(١) في البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (٥: ٢٤٤): كان الصديق قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح، وكان إذا ذاك قد أفاق رسول الله ﷺ إفاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع، وكشف سترة الحجرة ونظر إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر، فأعجبه ذلك وتبسم ﷺ حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة لفرحهم به، وحتى أراد أبو بكر أن يتأخر ليصل الصف، فأشار إليهم ﷺ أن يمكثوا كما هم، وأرخى الستارة، وكان آخر العهد به ﷺ. فلما انصرف أبو بكر من الصلاة دخل عليه وقال لعائشة ما أرى رسول الله ﷺ إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا يوم بنت خارجة - يعني إحدى زوجتيه وكانت ساكنة بالسنح شرقي المدينة - فركب على فرس وذهب إلى منزله، وتوفي ﷺ حين اشتد الضحى. . . فذهب سالم بن عبيد وراء الصديق فأعلمه بموت النبي ﷺ، فجاء الصديق حين بلغه الخبر، وكان منه ما سيذكره المؤلف. والسنح منازل بني الحارس بن الخزرج في عوالي المدينة، بينها وبين مسجد رسول الله ﷺ ميل واحد.
[ ٤٢ ]
فخرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم (١) .
[موقفه في سقيفة بني ساعدة]
واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتشاورون، ولا يدرون ما يفعلون، [وبلغ ذلك المهاجرين] فقالوا: نرسل إليهم يأتوننا، فقال أبو بكر: بل نمشي إليهم، فسار إليهم المهاجرون، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فتراجعوا الكلام، فقال بعض الأنصار: منا أمير ومنكم أمير (٢) . فقال أبو بكر كلاما كثيرا مصيبا، يكثر ويصيب، منه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، إن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» (٣) وقال: «أوصيكم بالأنصار خيرا: أن تقبلوا من محسنهم، وتتجاوزوا عن
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٤) من حديث عائشة. وفي سنن الدارقطني (٣: ٤٠٦) والبداية والنهاية للحافظ ابن كثير (٥: ٢٤٢) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد أعلام المسلمين، عن عائشة أم المؤمنين التي وقعت هذه الحوادث في بيتها وفي المسجد النبوي الذي يطل بيتها عليه. وجميع دواوين السنة سجلت هذا الموقف العظيم للصديق الأكبر بأصح الأحاديث. وألفاظها قريب بعضها من بعض.
(٢) الذي قال ذلك من خطباء الأنصار الحباب بن المنذر، وقد تقدم في هامش ٣ ص ٤٠.
(٣) الحديث في مسند الطيالسي برقم ٩٢٦ عن أبي برزة، وبرقم ٢١٣٣ منه عن أنس. وفي كتاب الأحكام من صحيح البخاري ك ٩٣ ب ٢ - ج٨ ص١٠٤ - ١٠٥) عن معاوية أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبة الله على وجهه ما أقاموا الدين " وعن عبد الله بن عمر قال رسول الله ﷺ: " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " وفي مسند الإمام أحمد (٣: ١٢٩ الطبعة الأولى) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قام على باب البيت ونحن فيه فقال " الأئمة من قريش. إن لهم عليكم حقا. . . إلخ " ورواه الإمام أحمد أيضا في المسند (٣: ١٨٣ الطبعة الأولى) عن أنس قال: كنا في بيت رجل من الأنصار فجاء النبي ﷺ حتى وقف فأخذ بعضادة الباب فقال " الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك. . . إلخ " ورواه الإمام أحمد كذلك (٤: ٤٢١ الطبعة الأولى) عن أبي برزة يرفعه إلى النبي ﷺ قال " الأئمة من قريش: إذا استرحموا رحموا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا حكموا عدلوا. فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".
[ ٤٣ ]
مسيئهم» (١) إن الله سمانا (الصادقين) (٢) وسماكم (المفلحين) (٣) وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (التوبة: ١١٩) إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة
_________________
(١) في كتاب مناقب الأنصار من صحيح البخاري (ك ٦٣ ب ١١) من حديث هشام بن زيد بن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار يبكون (والظاهر أن ذلك كان في مرض النبي ﷺ الذي مات به) فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد. قال فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأسنى عليه ثم قال: " أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقى الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ". وبعده في صحيح البخاري حديث لعكرمة عن ابن عباس، وحديث لقتادة عن أنس بمعنى ذلك. وقريب من ذلك في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، وفي سنن الترمذي عن ابن عباس.
(٢) في سورة الحشر: ٨ - ٩ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
(٣) في سورة الحشر: ٨ - ٩ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
[ ٤٤ ]
والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه، وبايعوا أبا بكر الصديق ﵁ (١) .
وقال أبو بكر لأسامة: انفذ لأمر رسول الله ﷺ، فقال عمر: كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك!؟ فقال: لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيش أنفذه رسول الله ﷺ (٢) .
_________________
(١) نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٤٧) من حديث الأمام أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (ابن أخت أمير المؤمنين عثمان) خطبة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومنها قوله: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا سلكت وادي الأنصار " ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: " قريش ولاة هذا الأمر: فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم "، فقال له سعد: " صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء ".
(٢) نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦: ٣٠٥) عن الحافظ أبي بكر البيهقي حديث محمد بن يوسف الفريابي الحافظ (قال البخاري: كان أفضل أهل زمانه)، عن عياد بن كثير الرملي أحد شيوخه (قال ابن المديني: كان ثقة لا بأس به) عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (أحد التابعين، توفي بالإسكندرية) عن أبي هريرة قال: " والله الذي لا إله إلا هو، لولا أبو بكر استخلف ما عبد الله " ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة. فقيل له: مه يا أبا هريرة. فقال: إن رسول الله ﷺ وجه إسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله ﷺ، وارتدت العرب حول المدينة. فاجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر، رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ ! فقال: " والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله ". فوجه إسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام.
[ ٤٥ ]
[موقفه من مانعي الزكاة]
وقال له عمر وغيره: إذا منعك العرب الزكاة فاصبر عليهم. فقال: " والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة " (١) .
_________________
(١) لما مضى جيش إسامة في طريقه إلى شرق الأردن جعلت وفود القبائل تقدم المدينة، يقرون بالصلاة ويمتنعون عن أداء الزكاة. قال ابن كثير (٦: ٣١١): ومنهم من احتج بقوله تعالى (التوبة: ١٠٣): خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ. قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا. وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك وأباه. وقد روى الجماعة في كتبهم - سوى ابن ماجه - عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: علام تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " فقال أبو بكر: والله لو منعوني عناقا (وفي رواية: عقالا) كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعها. إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. وهذا الحديث في مسند أحمد (١: ١١، ١٩، ٣٥- ٣٦ الطبعة الأولى - ج ١ رقم ٦٧ و١١٧ و٢٣٩ الطبعة الثانية) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة. وفي البداية والنهاية (٦: ٣١٢) قال القاسم بن محمد (ابن أبي بكر الصديق، وهو أحد الفقهاء السبعة): اجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة الأسدي، وبعثوا وفودا إلى المدينة فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم إلا العباس، فحملوهم إلى أبي بكر على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال " لو منعوني عقالا لجاهدتهم ".
[ ٤٦ ]
قيل: ومع من تقاتلهم؟ قال: " وحدي، حتى تنفرد سالِفَتي " (١) .
[تنظيمه جيش الخلافة]
وقدَّم الأمراء على الأجناد والعمال في البلاد مختارا لهم، مرتئيا فيهم، فكان ذلك من أسد عمله، وأفضل ما قدمه للإسلام (٢) .
_________________
(١) السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، ولا تنفرد إحداهما عما يليها إلا بالموت.
(٢) وفي طليعة هؤلاء القواد: أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعمرو بن العاص السهمي، وخالد بن الوليد المخزومي وخالد بن سعيد بن العاص الأموي، ويزيد بن أبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، والمهاجر بن أبي أمية شقيق أم المؤمنين أم سلمة، وشرحبيل بن حسنة، ومعاوية بن أبي سفيان، وسهيل بن عمرو العامري خطيب قريش، والقعقاع بن عمرو التميمي، وعرفجة بن هرثمة البارقي، والعلاء بن الحضرمي حليف بني أمية، والمثنى بن حارثة الشيباني، وحذيفة بن محصن الغطفاني. وفي طليعة ولاته: عتاب بن أسيد الأموي، وعثمان بن العاص الثقفي، وزياد بن لبيد الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، ويعلى بن منية، وجرير بن عبد الله البجلي، وعياض بن غنم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعبد الله بن ثور أحد بني غوث، وسويد بن مقرن المزني.
[ ٤٧ ]
[حديث لا نورث ما تركناه صدقة]
وقال لفاطمة وعلي والعباس: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركناه صدقة» . فذكر الصحابة ذلك (١) .
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (٦٢ ب ١٢ - ج ٤ ص ٢٠٩ - ٢١٠) حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ فيما أفاء الله على رسوله ﷺ تطلب صدقة النبي ﷺ التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر إن رسول الله ﷺ قال " لا نورث، ما تركنا فهو صدقة. إنما يأكل آل محمد من هذا المال - يعني مال الله - ليس لهم أن يزيدوا على المأكل " وإني والله لا أغير شيئا من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ. فتشهد علي ثم قال: إنا عرفنا يا أبا بكر فضيلتك (وذكر قرابتهم من رسول الله ﷺ وحقهم) فتكلم أبو بكر فقال: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي. وأوسع منه في كتاب المغازي بباب غزوة خيبر من صحيح البخاري (ك ٦٤ ب ٢٨ - ج ٥ ص ٨٢) . وفي كتاب الوصايا من صحيح البخاري (ك ٥٥ ب ٣٢ - ج ٣ ص ١٩٧) وكتاب فرض الخمس (ك ٥٧ ب ٣ - ج ٤ ص ٤٥) حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة ". قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مناهج السنة (٢: ١٥٨): قول النبي ﷺ " لا نورث، ما تركنا صدقة " رواه عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وأزواج النبي ﷺ، وأبو هريرة، والرواية عن هؤلاء ثابتة في الصحاح والمسانيد. وقال قبل ذلك (٢: ١٦٧): إن الله تعالى صان الأنبياء أن يورثوا دنيا، لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وورثوها لورثتهم. ثم إن من ورثة النبي ﷺ أزواجه ومنهن عائشة بنت أبي بكر وقد حرمت نصيبها بهذا الحديث النبوي، ولو جرى أبو بكر مع ميله الفطري لأحب أن ترث ابنته. وفي كتاب فرض الخمس من صحيح البخاري (ك ٥٧ ب ١ـ ج ٤ ص ٤٢) حديث ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أخبرت أن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال " لا نورث، ما تركنا صدقة ". . . فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال: " لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به. فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ". وفي الباب نفسه من صحيح البخاري (ج ٤ ص ٤٢ - ٤٤) من حديث الإمام مالك بن أنس عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري أنه قال: بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب، فقال: أجب أمير المؤمنين فانطلقت معه. فبين أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم. . . ثم جلس يرفأ يسيرا ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم. فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا - وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله ﷺ من بني النضير - فقال الرهط، عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. قال عمر: تيدكم. أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال " لا نورث، ما تركنا صدقة " يريد رسول الله ﷺ نفسه؟ قال الرهط: قد قال ذلك. فأقبل عمر على علي وعباس فقال: أنشدكما الله، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك. (وبعد أن ذكر أنه ﷺ كان ينفق على أهله سنتهم من هذا المال ثم يجعل ما بقي مال الله، واستشهد على ذلك فشهدوا، قال): ثم توفى الله نبيه ﷺ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ، فقبضها، فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ، وما عمل فيها أبو بكر والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يريد عليا - يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال " لا نورث، ما تركنا صدقة ". فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ وبما عمل فيه أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها. فقلتما: ادفعها إلينا: فبذلك دفعتها إليكما فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم. ثم أقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني أكفيكماها. وأورد البخاري حديث مالك بن أوس هذا في كتاب المغازي من صحيحه (ك ٦٤ ب ١٤ - ج ٥ ص ٢٣ - ٢٤) من حديث شعيب عن الزهري عن مالك بن أوس وفي كتاب النفقات من صحيحه (ك ٦٩ ب ٣ - ج ٦ ص ١٩٠ - ١٩٢)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه (ك ٩٦ ب ٥ ج ٨ ص ١٤٦ - ١٤٧) . وانظر كتاب الفرائض من صحيح البخاري (ك ٨٥ ب ٣ - ج ٨ ص٣ - ٥) . ومسند الإمام أحمد (١: ١٣ الطبعة الأولى - ورقم ٧٧ و٧٨ الطبعة الثانية) . وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في مناهج السنة (٣: ٢٣٠) إلى أن أبا بكر وعمر أعطيا من مال الله أضعاف هذا الميراث للذين كانوا سيرثونه قال: وإنما أخذ منهم قرية ليست كبيرة، لم يأخذ منهم مدينة ولا قرية عظيمة. ثم قال (٣ - ٢٣١) وقد تولى علي بعد ذلك، وصارت فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعطي لأولاد فاطمة ولا زوجات النبي ﷺ ولا ولد العباس شيئا من ميراثه. . . إلخ.
[ ٤٨ ]
[حديث لا يدفن نبي إلا حيث يموت]
وقال سمعته ﷺ يقول: «لا يدفن نبي إلا حيث يموت» (١) . وهو في ذلك كله رابط الجأش، ثابت العلم والقدم في الدين.
ثم استخلف عمر، فظهرت بركة الإسلام، ونفذ الوعد الصادق في الخليفتين (٢) .
_________________
(١) في كتاب الجنائز من موطأ مالك (ك١٦ ج٢٧ - ص٢٣١) أن مالكا بلغه أن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء. وصلى الناس أفذاذا لا يؤمهم أحد. فقال ناس: يدفن عند المنبر. وقال آخرون: يدفن بالبقيع. فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه " قال الحافظ ابن عبد البر: صحيح من وجوه مختلفة وأحاديث شتى جمعها مالك وفي كتاب الجنائز من جامع الترمذي (ك٨ ب٣٣) حديث عائشة: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته: ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه. ادفنوه في موضع فراشه. وفي كتاب الجنائز من سنن ابن ماجه (ك ٦ ب ٦٥) عن ابن عباس: لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له فقال قائلون: يدفن في مسجده وقال قائلون: يدفن مع أصحابه فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض. ورواه ابن إسحاق (في السيرة لابن هاشم ٣: ١٠٣ بولاق) من حديث عكرمة عن ابن عباس. وانظر البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (٥: ٢٦٦ - ٢٦٨) .
(٢) وهو وعد الله ﷿ في سورة النور: ٥٥ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ولقد كان المجتمع الإسلامي - بتوجيه هذين الخليفتين - أسعد مجتمع إنساني عرفه التاريخ، لأن الناس - من ولاة ورعية، كانوا يتعاملون بالإيثار، وكان الواحد منهم يكتفي بما يفي بحاجته، ويبذل من ذات نفسه أقصى ما يستطيع أن يستخرج منها من جهد لإقامة الحق في الأرض وتعميم الخير بين الناس. ويلقى الرجل الخير منهم رجلا لا تزال تنزع به نزعات الشر، فلا يزال به حتى يخدر عناصر الشر المتوثبة في نفسه، ويوقظ ما كمن فيها من عناصر الخير إلى أن يكون من أهل الخير المنتسبين إلى الإسلام، ولا تزال حتى يومنا هذا طوائف امتلأت قلوبهم بالضغن حتى على أبي بكر وعمر، فضلا عمن استعان بهم أبو بكر وعمر من أهل الفضل والإحسان، فصنعوا لهم من الأخبار الكاذبة شخصيات أخرى غير شخصياتهم التي كانوا عليها في نفس الأمر، ليقنعوا أنفسهم بأنهم إنما أبغضوا أناسا يستحقون منهم هذه البغضاء. ولهذا امتلأ التاريخ الإسلامي بالأكاذيب، ولن تتجدد للمسلمين نهضة إلا إذا عرفوا سلفهم على حقيقته واتخذوا منه قدوة لهم ولن يعرفوا سلفهم على حقيقته إلا بتطهير التاريخ الإسلامي مما لصق به.
[ ٥١ ]
[جعل عمر شورى في اختيار الخليفة بعده]
ثم جعلها عمر شورى، فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الأمر حتى ينظر ويتحرى فيمن يقدم (١) فقدم عثمان، فكان عند الظن به: ما
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك٦٢ ب٨ - ج٤ ص٢٠٤ - ٢٠٧) حديث عمرو بن ميمون أحد تلاميذ معاذ وابن مسعود ومن شيوخ الشعبي وسعيد بن جبير وطبقتهما، وقد اشتمل هذا الحديث على خبر مقتل أمير المؤمنين عمر، وكيف جعل عمر الخلافة شورى بين الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وكيف أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه منها. ثم انتهى إلى تقديم عثمان. وهذا الحديث من أصح ما ثبت في هذا الموضوع وأجوده. واقرأ بعد ذلك ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية عن موقف عمر في جعله الأمر شورى في كتاب منهاج السنة (٣: ١٦٨ - ١٧٢)، وفيه إرشاد دقيق إلى ما كان عليه بنو هاشم وبنو أمية من الاتفاق والمحبة والتعاون في أيام النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وأن عثمان وعليا كان أحدهما أقرب إلى صاحبه من سائر الأربعة إليهما. ونقل ابن تيمية (في ٣: ٢٣٣ـ ٢٣٤) قول الإمام أحمد: لم يتفق الناس على بيعة كما اتفقوا على بيعة عثمان: ولاه المسلمون بعد تشاورهم ثلاثة أيام، وهم مؤتلفون متفقون متحابون متوادون معتصمون بحبل الله جميعا. وقد أظهرهم الله، وأظهر بهم ما بعث به نبيه من الهدى ودين الحق، ونصرهم على الكفار ففتح بهم بلاد الشام والعراق وبعض خراسان. . . إلخ.
[ ٥٢ ]
خالف له عهدا، ولا نكث عقدا، ولا اقتحم مكروها ولا خالف سنة (١) .
_________________
(١) وكيف لا يكون عثمان عند الظن به وقد شهد له بطهارة السيرة وحسن الخاتمة رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي. قال الحافظ ابن حجر في ترجمة عثمان من (الإصابة): جاء من أوجه متواترة أن رسول الله ﷺ بشر عثمان بالجنة، وعده من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة. والحديث الذي يتواتر بذلك عن رسول الله ﷺ لا يرتاب فيه ولا يجنح إلى غير مدلوله إلا الذي يرضى لنفسه بأن يقتحم أبواب الجحيم. وروى الترمذي من طريق الحارث بن عبد الرحمن، عن طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، أن رسول الله ﷺ قال: " لكل نبي رفيق، ورفيقي بالجنة عثمان ". وقال الحافظ ابن عبد البر في ترجمته عثمان من كتاب (الاستيعاب) ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " سألت ربي ﷿ أن لا يدخل النار أحدا صاهر إلي أو صاهرت إليه ". وشهادة أخرى من رسول الله ﷺ لهذا الإنسان الأفضل يتمنى مثلها أبو بكر وعمر وعلي. فقد روى الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (ك ٤٤ ب ٢٦ - ج ٧ ص ١١٦ - ١١٧) عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال في عثمان: " ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ " وفي صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٧ - ج ٤ ص ٢٠٣) عن نافع، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر، ثم عثمان. ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم. وقيل للمهلب بن أبي صفرة: لم قيل لعثمان ذا النورين؟ قال: لأنه لم يعلم أن أحدا أرسل سترا على ابنتي نبي غيره. وروى خيثمة في فضائل الصحابة عن النزال بن سبرة العامري (أحد الذين أخذوا عن أبي بكر وعثمان وعلي، وهو من شيوخ الشعبي والضحاك وطبقتهما) قال: قلنا لعلي حدثنا عن عثمان، فقال: "ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين". وقال ابن مسعود حين بويع عثمان بالخلافة: "بايعنا خيرنا ولم نأل". ووصفه علي بن أبي طالب بعد انقضاء أجله فقال: " كان عثمان أوصلنا للرحم، وكان من الذين آمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين ". وروى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أباه قال: " لقد عتبوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عتبوا عليه ". وعبد الله بن عمر كان شاهد عيان لخلافة عثمان من أولها إلى آخرها، وكان أشد الناس في التزام السنة المحمدية، ومع ذلك فإنه يشهد لعثمان بأن كل ما عتبوا به عليه كان يحتمل أن يكون من عمر - وهو أبوه - ولو كان ذلك من عمر لما عتب أحد به عليه. وقال مبارك بن فضالة مولى زيد بن الخطاب سمعت عثمان يخطب وهو يقول " يا أيها الناس ما تنقمون علي، وما من يوم إلا وأنتم تقسمون فيه خيرا ". وقال الحسن البصري: شهدت منادى عثمان ينادي: يا أيها الناس اغدوا على أعطياتكم، فيغدون ويأخذونها وافية. يا أيها الناس اغدوا على أرزاقكم فيغدون ويأخذونها وافية. حتى - والله - سمعته أذناي يقول: اغدوا على كسوتكم. فيأخذون الحلل. واغدوا على السمن والعسل. قال الحسن: أرزاق دارة، وخير كثير، وذات بين حسن. ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا إلا يوده وينصره ويألفه. فلو صبر الأنصار على الأثرة لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق ولكنهم لم يصبروا وسلوا السيف مع من سل، فصار عن الكفار مغمدا، وعلى المسلمين مسلولا (روى ذلك عنه الحافظ ابن عبد البر) وقال ابن سيرين - صنو الحسن البصري وزميله وهو أيضا كان معاصرا لعثمان ـ: " كثر المال في زمان عثمان حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف درهم، ونخلة بألف درهم ". وسئل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن علي وعثمان. فقال للسائل: (قبحك الله! تسألني عن رجلين - كلاهما خير مني - تريد أن أغض من أحدهما وأرفع من الآخر؟ !) .
[ ٥٣ ]
[سجايا عثمان وصفاته الممتازة]
وقد كان النبي ﷺ أخبر بأن عمر شهيد، وبأن عثمان شهيد، وبأن له الجنة على بلوى تصيبه (١) .
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٧ - ج ٤ ص ٢٠٢) حديث أبي موسى الأشعري قال: إن النبي ﷺ دخل حائطا (أي بستانا) وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن، فقال ﷺ: " ائذن له وبشره بالجنة " فإذا أبو بكر. ثم جاء آخر يستأذن، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة " فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: " ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه " فإذا عثمان بن عفان. (وانظر صحيح البخاري ك ٦٢ ب ٥ و٦ - ج ٤ ص ١٩٥ - ١٩٧ و٢٠١ - ٢٠٢) ومثله في كتاب فضل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٤٤ ح ٢٨ و٢٩ - ج ٧ ص ١١٧ - ١١٩) من حديث أبي موسى الأشعري أيضا. وروى ابن ماجه في الباب ١١ رقم ١١١ من مقدمة السنن (ج ١ ص ٤١ بتحقيق الأستاذ فؤاد عبد الباقي) عن محمد بن سيرين من أئمة التابعين، عن كعب بن عجرة البلوي حليف الأنصار وأحد الذين شهدوا عمرة الحديبية مع رسول الله ﷺ ونزلت فيه آية الفدية ١٩٥ من سورة البقرة، قال كعب بن عجرة: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها، فمر رجل مقنع رأسه، فقال رسول الله ﷺ: " هذا يومئذ على الهدى " فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: هذا. ومن مسند أحمد (١: ٥٨ الطبعة الأولى - رقم ٤٠٧ الطبعة الثانية) عن أبي سهلة مولى عثمان - وهو تابعي ثقة - أن عثمان قال يوم الدار حين حصر: " إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا، فأنا صابر عليه " والحديث عند الترمذي (٤: ٣٢٤) من طريق وكيع. وقال حديث حسن صحيح. وعند ابن ماجه (١: ٤١، ٤٢ رقم ١١٢، ١١٣) حديثان أحدهما لأبي سهلة مولى عثمان والآخر لعائشة. وأوردهما الحاكم في المستدرك على الصحيحين (١: ٩٩) عن عائشة.
[ ٥٥ ]
وهو وزوجه رقية ابنة رسول الله ﷺ أول مهاجر بعد إبراهيم الخليل ﷺ، دخل به في باب " أول من. . (١) " وهو علم كبير جمعه الناس.
ولما صحت إمامته قتل مظلوما (٢) وليقضي الله أمرا كان مفعولا.
_________________
(١) للجلال السيوطي وغيره من العلماء قبله وبعده كتب ألفوها في تسمية الأشخاص الذين سبقوا غيرهم إلى شيء من الأعمال المحمودة وغيرها، فيقولون (مثلا): كان عثمان أول من هاجر في سبيل الله الهجرة الأولى إلى الحبشة.
(٢) روى الإمام أحمد في مسنده (٢: ١١٥ الطبعة الأولى - ج ٨ رقم ٥٩٥٣ الطبعة الثانية) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل، فقال ﷺ: " يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما " قال (عبد الله بن عمر): فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان. قال الشيخ أحمد شاكر: والحديث رواه الترمذي (٤: ٣٢٣) ونقل شارحه عن الحافظ ابن حجر أنه قال إسناده صحيح. وروى الحاكم في المستدرك (٣: ١٠٢) نحوه من حديث مرة بن كعب وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[ ٥٦ ]
ما نصب حربا (١) ولا جيش عسكرا (٢) ولا سعى إلى فتنة (٣) ولا دعا إلى بيعة (٤) ولا حاربه ولا نازعه من هو من أضرابه ولا أشكاله (٥) ولا كان يرجوها لنفسه، ولا خلاف أنه ليس لأحد أن يفعل ذلك في غير
_________________
(١) أي لقتال أهل القبلة. أما حروبه لإعلاء كلمة الله ونشر دعوة الحق فكانت من أنشط ما عرفه التاريخ الإسلامي.
(٢) أي للدفاع عن نفسه، وكبح جماح البغاة عليه.
(٣) بل كان أشد خلق الله كرها لها وحرصا على تضييق دائرتها، حقنا لدماء المسلمين، ولو أدى ذلك به إلى أن يكون هو ضحية لغيره.
(٤) وإنما أتته منقادة على غير تشوف منه إليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ١٦٤): إن الصحابة اجتمعوا على عثمان ﵁ لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره. ثم قال في الصفحة التالية: ولا ريب أن الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض - أي الذين عينهم عمر - لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم، ولهذا لم يتول بعد عثمان خير منه ولا أحسن سيرة.
(٥) أضراب أمير المؤمنين عثمان وأشكاله هم إخوانه الذين أشركهم أمير المؤمنين عمر في الشورى، أما الذين استطاع عبد الله بن سبأ وتلاميذه أن يوقعوهم في حبائل الفتنة فبينهم وبين مستوى أهل الشورى أبعد مما بين الحضيض والقمة، بل أبعد مما بين الشر والخير. وإن الشر الذي أقحموه على تاريخ الإسلام بحماقاتهم وقصر أنظارهم لو لم يكن من نتائجه إلا وقوف حركة الجهاد الإسلامي فيما وراء حدود الإسلام سنين طويلة لكفى به إثما وجناية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ١٨٦): إن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان. لا قتل، ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن. وكان علي ﵁ يقول " اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل ".
[ ٥٧ ]
عثمان، فكيف بعثمان ﵁! .
[وصف إجمالي لدعاة الفتنة]
وقد سموا من قام عليه، فوجدناهم أهل أغراض سوء حيل بينهم وبينها (١) فوعظوا وزجروا (٢) وأقاموا عند عبد الرحمن بن خالد
_________________
(١) الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب: فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين، فأكبروا الهنات، وارتكبوا في إنكارها الموبقات. وفيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش، ولم تكن لهم في الإسلام سابقة. فحسدوا أهل السابقة من قريش على ما أصابوا من مغانم شرعية جزاء جهادهم وفتوحهم، فأرادوا أن يكون لهم مثلها بلا سابقة ولا جهاد. وفيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم، فاضطغنوا في قلوبهم الإحنة والغل لأجلها. وفيهم الحمقى الذين استغل السبئيون ضعف قلوبهم فدفعوهم إلى الفتنة والفساد والعقائد الضالة. وفيهم من أثقل كاهله خير عثمان ومعروفه نحوه، فكفر معروف عثمان عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة والتقدم بسبب نشأته في أحضانه. وفيهم من أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام، فأغضبهم التعزير الشرعي من عثمان، ولو أنهم قد نالهم من عمر أشد منه لرضوا به طائعين. وفيهم المتعجلون بالرياسة قبل أن يتأهلوا لها اغترارا بما لهم من ذكاء خلاب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة، فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبانه. وبالإجمال، فإن الرحمة التي جبل عليها عثمان وامتلأ بها قلبه أطمعت الكثير فيه، وأرادوا أن يتخذوا من رحمته مطية لأهوائهم. ولعلي إذا اتسع لي الوقت أتفرغ لدراسة نفسيات هؤلاء الخوارج على عثمان، وتنظيم المعلومات الصحيحة التي بقيت لنا عنهم، ليكون من ذلك درس عبرة لطلاب التاريخ الإسلامي.
(٢) وقد وعظهم وزجرهم أهل العافية والحكمة والرضا من أعيان أمصارهم وعلمائها في الكوفة والبصرة والفسطاط، ثم وعظهم وزجرهم معاوية في مجالس له معهم عندما سيرهم عثمان إلى الشام كما سيجيء عند كلام المؤلف على سطوهم على المدينة - بحجة الحج - فحولوا حجهم الكاذب إلى البغي على خليفتهم وسفك دمه الحرام في الشهر الحرام بجوار قبر المصطفى ﵊.
[ ٥٨ ]
ابن الوليد (١) وتوعدهم حتى تابوا (٢) فأرسل بهم إلى عثمان فتابوا (٣) . وخيرهم فاختاروا التفرق في البلاد، فأرسلهم: فلما سار كل إلى ما اختار أنشأوا الفتنة، وألبوا الجماعة، وجاءوا إليه (٤) بجملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره ووعظهم، وذكرهم، وورعهم عن دمه (٥) وخرج طلحة يبكي ويورع الناس، وأرسل علي ولديه (٦) وقال الناس لهم (٧) إنكم أرسلتم إلينا " أقبلوا إلى من غير سنة الله (٨) "، فلما جئنا قعد هذا في بيته - يعنون عليا -
_________________
(١) وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد واليا لمعاوية على حمص وما يليها من شمال الشام إلى أطراف جزيرة ابن عمر، وسيأتي الحديث عن أحوالهم عندما قبض عليهم هذا الشبل المخزومي بمثل مخالب أبيه.
(٢) بل تظاهروا بأنهم تابوا، " وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ".
(٣) خيرهم عبد الرحمن بن خالد في أن يذهبوا إلى عثمان، فذهب كبيرهم الأشتر النخعي، وله قصة نذكرها في موضعها من هذا الكتاب.
(٤) أي إلى أمير المؤمنين عثمان.
(٥) ورعهم عن الشيء: كفهم ومنعهم بالحجة والحق المنير.
(٦) ليكونا في حراسة أمير المؤمنين عثمان، ويدافعا عنه.
(٧) أي قال البغاة يخاطبون عليا وطلحة والزبير.
(٨) زعم البغاة أنهم تلقوا من علي وطلحة والزبير كتبا يدعونهم بها للثورة على عثمان بدعوى أنه غير سنة الله. وسيأتي إنكار علي وطلحة والزبير أنهم كتبوا بذلك، والظاهر أن الفريقين صادقان، أن منظمي الفتنة من السبئيين زوروا الرسائل التي ذكرها البغاة الثائرون.
[ ٥٩ ]
وخرجت أنت (١) تفيض عينيك. والله لا برحنا حتى نريق دمه. وهذا قهر عظيم، وافتئات على الصحابة، وكذب في وجوههم وبهت لهم، ولو أراد عثمان لكان مستنصرا بالصحابة، ولنصروه في لحظة (٢) وإنما جاء القوم مستجيرين متظلمين (٣) . فوعظهم، فاستشاطوا. فأراد الصحابة ألَّهُمْ (٤) فأوعز إليهم عثمان ألا يقاتل أحد بسببه أبدا، فاستسلم، وأسلموه برضاه.
وهي مسألة من الفقه كبيرة: هل يجوز للرجل أن يستسلم، أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟
وإذا استسلم وحرَّم على أحد أن يدافع عنه بالقتل، هل يجوز لغيره أن يدافع عنه ولا يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها.
فلم يأت عثمان منكرا لا في أول الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر. وكل ما سمعت من خبر باطل إياكَ أن تلتفت إليه (٥) .
_________________
(١) الخطاب لطلحة بن عبيد الله.
(٢) ولقد راودوه في ذلك مرارا، وعرض عليه معاوية أن ينقل دار الخلافة إلى الشام، أو يمده بجند من الشام لا يعرف له التاريخ إلا التقدم والظفر.
(٣) أي أن البغاة ظهروا بمظهر المتظلم وهو يدعي أمورا يشكوها، فكان عثمان يرى لهم حقا عليه أن يبين لهم وللناس حجته فيما ادعوا، ووجهة نظره في الأمور التي زعموا أنهم جاءوا يتظلمون منها.
(٤) ألَّهُ: طعنه بالألَّة، وهي الحربة العريضة النصل.
(٥) ومعيار الأخبار في تاريخ كل أمة الوثوق من مصادرها، والنظر في ملاءمتها لسجايا الأشخاص المنسوبة إليهم. وأخبار التاريخ الإسلامي نقلت عن شهود عيان ذكروها لمن جاءوا بعدهم. وهؤلاء رووها لمن بعدهم وقد اندس في هؤلاء الرواة أناس من أصحاب الأغراض زوروا أخبارا على لسان آخرين وروجوها في الكتب، إما تقربا لبعض أهل الدنيا، أو تعصبا لنزعة يحسبونها من الدين. ومن مزايا التاريخ الإسلامي - تبعا لما جرى عليه علماء الحديث - أنه قد تخصص فريق من العلماء في نقض الرواية والرواة، وتمييز الصادقين منهم عن الكذبة، حتى صار ذلك علما محترما له قواعد، وألفت فيه الكتب، ونظمت للرواة معاجم حافلة بالتراجم، فيها التنبيه على مبلغ كل راو من الصدق والتثبت والأمانة في النقل، وإذا كان لبعضهم نزعات حزبية أو مذهبية قد يجنح معها على الهوى ذكروا ذلك في ترجمته ليكون دارس أخبارهم ملما بنواحي القوة والضعف من هذه الأخبار. والذين يتهجمون على الكتابة في تاريخ الإسلام وتصنيف الكتب فيه قبل أن يستكملوا العدة لذلك - ولا سيما في نقد الرواة ومعرفة ما حققه العلماء في عدالتهم أو تجريحهم - يقعون في أخطاء كان في إمكانهم أن لا يقعوا فيها لو أنهم استكملوا وسائل العلم بهذه النواحي.
[ ٦٠ ]