[مقارنة موقفهم من الصحابة بموقف اليهود والنصارى من أصحاب موسى وعيسى]
عاصمة قال القاضي أبو بكر (﵁): يكفيك من شر سماعه، فكيف التململ به. خمسمائة عام عدا إلى يوم مقالي هذا - لا ننقص منها يومًا ولا نزيد يومًا - وهو مهل شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة وماذا يرجى بعد التمام إلا النقص؟ .
_________________
(١) ومن مذهبهم أن عليًّا وأحد عشر من آله معصومون عن الخطأ، وأنهم مصدر تشريع. ويقبلون التشريع الذي ينسبه إليهم رواة يشترط فيهم التشيع والموالاة، وإن عرفهم الناس بما ينافي الصدق أو يناقض ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
(٢) ومدلول الكبيرة عندهم غير مدلولها عند المسلمين.
(٣) أي الذين ينكرون القدر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ٢٤): «كان قدماء الشيعة متفقين في دولة بني بويه» . ثم فجروا وجعلوا (الغلو) من ضروريات مذهبهم من زمن الدولة الصفوية إلى الآن.
(٤) وهم أبو بكر وعمر وعثمان.
(٥) ومع ذلك يوجد فيمن ينتمي إلى الأزهر، وإلى السنة، من يوالي دار التقريب بين المذاهب التي تأسست في القاهرة بعد الحرب العالمية الثانية، ويتسلى بصرف بقية عمره في الاختلاف إليها وتبادل التقية مع القائمين عليها.
[ ١٨٤ ]
ما رضيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد ﷺ حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل (١) . فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] (النور: ٥٥) (٢) وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم ولا خليفة فيهم ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون، إلا في ظلم وتعد وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة.
وقد أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ ما نص على أحد يكون من بعده (٣) . وقد قال العباس لعلي - فيما روى عنه عبد الله
_________________
(١) أخرج الحافظ ابن عساكر (٤: ١٦٥) أن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب قال لرجل من الرافضة. «والله لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم، ثم لا نقبل منكم توبة» . فقال له رجل: لم لا تقبل منهم توبة؟ قال: نحن أعلم بهؤلاء منكم. إن هؤلاء إن شاءوا صدقوكم، وإن شاءوا كذبوكم وزعموا أن ذلك يستقيم لهم في (التقية) . ويلك! إن التقية هي باب رخصة للمسلم، إذا اضطر إليها وخاف من ذي سلطان أعطاه غير ما في نفسه يدرأ عن ذمة الله، وليست باب فضل، إنما الفضل في القيام بأمر الله وقول الحق. وايم الله ما بلغ من التقية أن يجعل بها لعبد من عباد الله أن يضل عباد الله» . . .
(٢) انظر ص ٥١ - ٥٣.
(٣) نقل الحافظ ابن عساكر (٤: ١٦٦) عن الحافظ البيهقي حديث فضيل بن مرزوق أن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب سئل فقيل له: ألم يقل رسول الله ﷺ «من كنت مولاه فعلي مولاه»؟ فقال: «بلى: ولكن والله لم يعن رسول الله ﷺ بذلك الإمارة والسلطان. ولو أراد ذلك لفصح لهم به، فإن رسول الله ﷺ كان أنصح للمسلمين. ولو كان الأمر كما قيل لقال: يا أيها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. والله لئن كان الله ورسوله اختار عليًّا لهذا الأمر وجعله القائم للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله، لكان علي أول من ترك أمر الله ورسوله» . ورواه البيهقي من طرق متعددة في بعضها زيادة وفي بعضها نقصان والمعنى واحد.
[ ١٨٥ ]
ابنه - قال عبد الله بن عباس: خرج علي بن أبي طالب ﵁ من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا. وإني لأرى رسول الله ﷺ يتوفى من وجعه هذا. إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله: فيمن يكون هذا الأمر بعده، فإن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمنا فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ (١) .
قال القاضي أبو بكر (﵁): رأي العباس عندي أصح،
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب المغازي من صحيحه (ك ٦٤ ب ٨٣ - ج ٥ ص ١٤٠ - ١٤١) . ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٢٧ و٢٥١) من حديث الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن ابن عباس. ورواه الإمام أحمد في مسنده (١: ٢٦٣ و٣٢٥ و٢٣٧٤ و٢٩٩٩) .
[ ١٨٦ ]
وأقرب إلى الآخرة، والتصريح بالتحقيق. وهذا يبطل قول مدعي الإشارة باستخلاف علي، فكيف أن يُدَّعَى فيه نص؟ ! .
[الأحاديث الصحيحة في أبي بكر وعمر ومكانتهما العليا]
فأما أبو بكر، فقد «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت له: فإن لم أجدك - كأنها تعني الموت - قال: تجدين أبا بكر» (١) .
«وقال النبي ﷺ لعمر وقد وقع بينه [أي بين عمر] وبين أبي بكر كلام، فتعمر وجه النبي ﷺ (٢) حتى أشفق من ذلك أبو بكر، وقال النبي ﷺ: " هل أنتم تاركو لي صاحبي (مرتين) . إني بعثت إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. إلا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته» (٣) ".
وقال النبي ﷺ: «لو كنت متخذًا في الإسلام خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن أخي، وصاحبي» (٤) ".
وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا. لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩١) من حديث جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: " إن لم تجديني فأتي أبا بكر ".
(٢) تمعر وجهه: تغير، وذهب ما كان فيه من النضارة، وإشراق اللون.
(٣) في كتاب مناقب الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٢) عن أبي الدرداء مطولا.
(٤) في الباب المذكور من كتاب مناقب الصحابة في صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩١) من حديث عكرمة عن ابن عباس.
[ ١٨٧ ]
أبي بكر (١) .
وقد قال النبي ﷺ: «بينما أنا نائم رأيتني على قليب (٢) عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين (٣) وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربًا (٤) فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن» (٥) .
وقد ثبت أن «النبي ﷺ صعد أُحُدا وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فرجف بهم: فقال: " اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» (٦) .
وقال ﷺ: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكَلَّمُون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي
_________________
(١) في هذه الجملة اضطراب ونقص. وانظر لهذا المعنى حديث أبي سعيد الخدري في ذلك الموضع من صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩٠ - ١٩١)، وحديث ابن عباس في مسند أحمد (١: ٢٧٠ رقم ٢٤٣٢)، والبداية والنهاية (٥: ٢٢٩ و٢٣٠) .
(٢) القليب: البئر غير المطوية.
(٣) الذنوب: الدلو العظيمة إذا ملئت ماء. وابن أبي قحافة هو أبو بكر.
(٤) أي ثم عظمت فصارت كالدلو الواسعة التي تتخذ من جلد الثور لكبرها.
(٥) أي حتى اتخذ الناس حولها مبركا لإبلهم لغزارة مائها، والحديث في ذلك الموضوع من صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩٣) من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
(٦) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٧) من حديث قتادة عن أنس بن مالك.
[ ١٨٨ ]
منهم أحد فعمر» (١) .
وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂ في مرضه: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢) .
وقال ابن عباس: «إن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، وإني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل. وأرى سببًا واصلًا من السماء إلى الأرض فأراك أخذت به فعلوت، [ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به]، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل له فعلا» (وذكر الحديث) . ثم عبرها أبو بكر فقال: وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، فأخذته فيعليك الله. ثم يأخذ به رجل آخر بعدك فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به ثم يوصل فيعلو به (٣) .
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٦ - ج ٤ ص ٢٠٠) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.
(٢) في مسند أحمد (٦: ١٤٤ الطبعة الأولى) من حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة، وانظر المسند أيضا (٦: ٤٧ و١٠٦) وطبقات ابن سعد ٣ (١: ١٢٧) ومسند أبي داود الطيالسي: الحديث ١٥٠٨.
(٣) في كتاب التعبير من صحيح البخاري (ك ٩١ ب ٤٧ - ج ٨ ص ٨٣ - ٨٤) من حديث عبد الله بن عباس، وفي كتاب الرؤيا من صحيح مسلم (ك ٤٧ ح ١٧ - ج ٧ ص ٥٥ - ٥٦) من حديث ابن عباس، وفي مسند أحمد (١: ٢٣٦ الطبعة الأولى رقم ٢١١٣) من حديث ابن عباس.
[ ١٨٩ ]
وصح أن النبي ﷺ قال ذات يوم: «من رأى منكم رؤيا فقال رجل: أنا رأيت، كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فَرَجَحْت. ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر. ووزن عمر وعثمان فرجح عمر. ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» (١) .
وهذه الأحاديث جبال في البيان، وجبال في السبب إلى الحق لمن وفقه الله. ولو لم يكن معكم - أيها السنية - إلا قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] (التوبة من الآية ٤٠) فجعلها (٢) في نصيف، وجعل أبا بكر في نصيف آخر وقام معه جميع الصحابة.
وإذا تبصرتم هذه الحقائق فليس يخفى منها حال الخلفاء في خلالهم وولايتهم وترتيبهم خصوصًا وعمومًا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] (سورة النور: من الآية ٥٥) . وإذا لم ينفذ هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم
_________________
(١) في كتاب السنة من سنن أبي داود (ك ٣٩ ب ٨ ح ٤٦٣٤) من حديث أبي بكرة. وفي كتاب الرؤيا من جامع الترمذي (الباب ١٠) من حديث أبي بكرة أيضا. وانظر في مسند أحمد (٥: ٢٥٩) الطبعة الأولى حديث أبي أمامة عن رجحان كفة أبي بكر بكفة فيها جميع الأمة. . . إلخ.
(٢) أي الأمة.
[ ١٩٠ ]
فبمن يكون؟ والدليل عليه انعقاد الإجماع أنه لم يتقدمهم في الفضيلة أحد إلى يومنا هذا، ومن بعد مختلف فيه، وأولئك مقطوع بهم، متيقن إمامتهم، ثابت نفوذ وعد الله لهم، فإنهم ذبوا عن حوزة المسلمين، وقاموا بسياسة الدين. قال علماؤنا: ومن بعدهم تبع لهم من الأئمة الذين هم أركان الملة، ودعائم الشريعة، الناصحون لعباد الله، الهادون من استرشد إلى الله. فأما من كان من الولاة الظلمة فضرره مقصور على الدنيا وأحكامها.
[مراتب الصحابة ومن بعدهم وأصناف أئمة الدين ومنازلهم]
وأما حفاظ الدين فهم الأئمة العلماء الناصحون لدين الله، وهم أربعة أصناف:
الصنف الأول: حفظوا أخبار رسول الله ﷺ، وهم بمنزلة الخزان لأقوات المعاش.
الصنف الثاني: علماء الأصول: ذبوا عن دين الله أهل العناد وأصحاب البدع، فهم شجعان الإسلام، وأبطاله المداعسون عنه في مآزق الضلال (١) .
الصنف الثالث: قوم ضبطوا أصول العبادات، وقانون المعاملات وميزوا المحللات من المحرمات، وأحكموا الخراج والديات، وبينوا معاني الأيمان والنذور، وفصلوا الأحكام في الدعاوى، فهم - في الدين - بمنزلة الوكلاء المتصرفين في الأموال.
الصنف الرابع: تجردوا للخدمة، ودأبوا على العبادة، واعتزلوا الخلق. وهم - في الآخرة - كخواص الملك في الدنيا.
وقد أوضحنا في كتاب (سراج المريدين) في القسم الرابع من علوم القرآن أي المنازل أفضل من هؤلاء الأصناف، وترتيب درجاتهم.
_________________
(١) المداعسة: المطاعنة، والمدافعة.
[ ١٩١ ]
قال القاضي أبو بكر (﵁): وهذه كلها إشارات أو تصريحات أو دلالات أو تنبيهات. ومجموع ذلك يدل على صحة ما جرى، وتحقيق ما كان من العقلاء.
ونقول - بعد هذا البيان - على مقام آخر: لو كان هنالك نص على أبي بكر أو على علي، لم يكن بد من احتجاج علي به، أو يحتج له به غيره من المهاجرين والأنصار. فأما حديث غدير خم (١) فلا حجة فيه، لأنه إنما استخلفه في حياته على المدينة كما استخلف موسى هارون في حياته - عند سفره للمناجاة - على بني إسرائيل. وقد اتفق الكل من إخوانهم اليهود على أن موسى مات بعد هارون فأين الخلافة؟ .
وأما قوله «اللهم وال من والاه» فكلام صحيح، ودعوة مجابة وما يعلم أحد عاداه إلا الرافضة، فإنهم أنزلوه في غير منزلته، ونسبوا إليه ما لا يليق بدرجته. والزيادة في الحد نقصان من المحدود. ولو تعدى عليها أبو بكر ما كان المتعدِّي وحده، بل جميع الصحابة - كما قلنا - لأنهم ساعدوه على الباطل.
ولا تستغربوا هذا من قولهم، فإنهم يقولون: إن النبي ﷺ كان مداريًا لهم، معنيا بهم على نفاق وتقية. وأين أنت من قول النبي ﷺ «حين سمع قول عائشة ﵂: مروا عمر فليصل بالناس " إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» (٢) ".
_________________
(١) الذي مضى في القاصمة ص ١٨١، وانظر في ص ١٨٥ - ١٨٦ تفسير الحسن المثنى لهذا الحديث.
(٢) صحيح البخاري (ك ١٠ ب ٣٩ و٤٦ و٦٧ و٧٠ - ج ١ ص ١٦١ - ١٦٢ و١٦٥، و١٧٤ - ١٧٦) من حديث عائشة وأبي موسى الأشعري.
[ ١٩٢ ]
وما قدمنا من تلك الأحاديث (١) .
[إصابة عمر في جعل الإمامة شورى ودقة ابن عوف في تخير عثمان]
لقد اقتحموا عظيمًا، ولقد افتروا كبيرًا. وما جعلها عمر شورى إلا اقتداء بالنبي ﷺ وبأبي بكر، إذ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن لم أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف (٢) " فما رد هذه الكلمات أحد. وقال: " أجعلها شورى في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض (٣) . وقد رضي الله عن أكثر منهم، ولكنهم كانوا خيار الرضا، وشهد لهم بالأهلية للخلافة.
وأما قولهم تحيل ابن عوف حتى ردها لعثمان، فلئن كانت حيلة ولم يكن سواها فلأن الحول ليس إليه (٤) . وإذا كان عمل العباد حيلة أو كان القضاء بالحول، فالحول والقوة لله. وقد علم كل أحد أنه
_________________
(١) في ص ١٨٧ - ١٩٠.
(٢) في كتاب الإمارة من صحيح مسلم (ك ٣٣ ح ١١ و١٢ - ج ٦ ص ٤ - ٥) من حديث عروة بن الزبير عن ابن عمر، ومن حديث سالم عن ابن عمر. وفي مسند أحمد (١: ٤٣ رقم ٢٩٩) عن عروة عن ابن عمر، و(١: ٤٦ رقم ٣٢٢) عن حميد بن عبد الرحمن عن ابن عباس، و(١: ٤٧ رقم ٣٣٢) عن الزهري عن سالم عن ابن عمر.
(٣) من حديث عمرو بن ميمون المطول في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٨ ج ٤ ص ٢٠٤ - ٢٠٧)، وانظر كتابنا هذا ص ٥٢ - ٥٣.
(٤) بل إلى الله. وإن الله هو الموفق لابن عوف وسائر إخوانه الصحابة حتى كانوا في ذلك الموقف على ما أراده الله لهم من صفاء النية وإخلاص القصد والعمل لله وحده. فكان من اختيار خليفة عمر في حادث الشورى مثلا أعلى للنفس الإنسانية عندما تكون في أعلى مراتب النبل، والتجرد عن جميع خواطر الهوى.
[ ١٩٣ ]
لا يليها إلا واحد، فاستبد عبد الرحمن بن عوف بالأمر - بعد أن أخرج نفسه - على أن يجتهد للمسلمين في الأسد والأشد، فكان كما فعل، وولاها من استحقها، ولم يكن غيره أولى منه بها، حسبما بينا في مراتب الخلافة من (أنوار الفجر) (١) وفي غيره من [كتب] الحديث.
[لم يكن بعد عثمان أولى بها من علي فجاءته على قدر]
وقتل عثمان، فلم يبق على الأرض أحق بها من علي، فجاءته على قدر، في وقتها ومحلها. وبين الله على يديه من الأحكام والعلوم ما شاء الله أن يبين. وقد قال عمر: " لولا علي لهلك عمر " (٢) وظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة - من استدعائهم ومناظرتهم، وترك مبادرتهم، والتقدم إليهم قبل نصب الحرب معهم وندائه: لا نبدأ بالحرب. ولا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا تهاج امرأة، ولا نغنم لهم مالا - وأمره بقبول شهادتهم، والصلاة خلفهم، حتى قال أهل العلم: لولا ما جرى ما عرفنا قتال أهل البغي.
وأما خروج طلحة والزبير فقد تقدم بيانه (٣) .
وأما تكفيرهم للخلق، فهم الكفار، وقد بينا أحوال أهل الذنوب التي ليس منها سب في غير ما كتاب، وشرحناها في كل باب.
_________________
(١) هو التفسير الكبير لابن العربي في ثمانين مجلدا. تكلمنا عليه في ص ٢٧.
(٢) هذا مع قول النبي ﷺ فيه " أول من يصافحه الحق عمر "، وقوله ﷺ " إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به " وقوله ﷺ " لو كان من بعدي نبي لكان عمر ".
(٣) وأنه كان خروجا للتفاهم والتعاون على إقامة الحدود الشرعية في مقتل أمير المؤمنين عثمان، انظر ص ١٥٠ - ١٥٢.
[ ١٩٤ ]
فإن قيل: فقد قال العباس في علي ما رواه الأئمة أن العباس وعليًّا اختصما عند عمر في شأن أوقاف رسول الله ﷺ، فقال العباس لعمر: يا أمير المؤمنين، أقض بيني وبين هذا الظالم الكاذب الآثم الجائر (١) . فقال الرهط لعمر: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما الله، هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: إن الله خص رسول الله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فعمل فيها رسول الله ﷺ حياته، ثم توفي، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ، فقبضها سنتين في إمارته فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ.
_________________
(١) تقدم في ص ٤٩ - ٥٠ ذكر هذه التقاضي بين العباس وعلي عند أمير المؤمنين عمر من حديث مالك بن أوس بن الحدثان النصري في صحيح البخاري. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ك ٥٧ ب ١ - ج ٦ ص ١٢٥): زاد شعيب ويونس: " فاستب علي وعباس " وفي رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض: " اقض بيني وبين هذا الظالم. استبا " وفي رواية جويرية " وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن " وقال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرق أنه صدر من علي في حق العباس شيء، بخلاف ما يفهم من قوله في رواية عقيل " استبا ". واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث وقال: لعل الرواة وهم فيها وإن كانت محفوظة، فأجود ما تحمل عليه أن العباس قالها دلالا على علي، لأنه كان عنده بمنزلة الولد، فأراد ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه.
[ ١٩٥ ]
وأنتما تزعمان أن أبا بكر كاذب غادر خائن (١) والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق. . . وذكر الحديث.
قلنا: أما قول العباس لعلي فقول الأب للابن، وذلك على الرأي محمول، وفي سبيل المغفرة مبذول، وبين الكبار والصغار - فكيف الآباء والأبناء - مغفور موصول، وأما قول عمر أنهما اعتقدا أن أبا بكر ظالم خائن غادر، فإنما ذلك خبر عن الاختلاف في نازلة وقعت من الأحكام، رأى فيها هذا رأيا ورأى فيها أولئك رأيا، فحكم أبو بكر وعمر بما رأيا، ولم ير العباس وعلي ذلك. ولكن لما حكما سلما لحكمهما كما يسلم لحكم القاضي في المختلف فيه. وأما المحكوم عليه فرأى أنه قد وهم، ولكن سكت وسلم.
فإن قيل: إنما يكون ذلك في أول الحال - والأمر لم يظهر - إذ كان الحكم باجتهاد، وأما [بعد أن] أدى هذا الحكم إلى منع فاطمة والعباس الميراث بقول النبي ﷺ: «لا نورث ما تركناه صدقة» وعلمه أزواج النبي ﷺ وأصحابه العشرة وشهدوا به، فبطل ما قلتموه (٢) .
قلنا: يحتمل أن يكون ذلك في أول الحال - والأمر لم يظهر بعد - فرأيا أن خبر الواحد في معارضة القرآن والأصول والحكم المشهور في الزمن لا يعمل به حتى يتقرر الأمر، فلما تقرر سلما وانقادا، بدليل ما قدمنا من
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر (٦: ١٢٥): وكان الزهري يحدث به تارة فيصرح، وتارة فيكني، وكذلك مالك، وقد حذف ذلك في رواية بشر بن عمر عنه عند الإسماعيلي وغيره، وهو نظير ما سبق من قول العباس لعلي. . . إلخ.
(٢) انظر ص ٤٨ - ٥١.
[ ١٩٦ ]
الحديث الصحيح إلى آخره، فلينظر فيه. وهذا أيضًا ليس بنص في المسالة، لأن قوله: «لا نورث، ما تركناه صدقة» يحتمل أن يكون: لا يصح ميراثنا، ولا أنا أهل له، لأنه ليس لي ملك، ولا تلبست بشيء من الدنيا فينتقل إلى غيري عني. ويحتمل " لا نورث " حكم، وقوله " ما تركناه صدقة " حكم آخر معين أخبر به أنه قد أنفذ ذلك مخصوصًا بما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكان له سهمه مع المسلمين فيما غنموا بما أخذوه عنوة. ويحتمل أن يكون " صدقة " منصوبًا على أن يكون حالًا من المتروك. إلى هذا أشار أصحاب أبي حنيفة، وهو ضعيف، وقد بيناه في موضعه. بيد أنه يأتيك في هذا أن المسألة مجرى الخلاف، ومحل الاجتهاد، أنها ليست بنص من النبي ﷺ فتحتمل التصويب والتخطئة من المجتهدين والله أعلم.