[وفاة النبي ﷺ ووقعها في نفوس الصحابة]
قاصمة الظهر بعد أن استأثر الله بنبيه ﷺ وقد أكمل له ولنا دينه، وأتم عليه وعلينا نعمته، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وما من شيء في الدنيا يكمل إلا وجاءه النقصان، ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله خاصة، وذلك العمل الصالح والدار الآخرة، فهي دار الله الكاملة. قال أنس: " ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا " (١) .
واضطربت الحال، ثم تدارك الله الإسلام ببيعة أبي بكر، فكان موت النبي ﷺ (قاصمة الظهر) ومصيبة العمر:
[استخفاء علي وإهجار عمر]
فأما علي فاستخفى في بيته مع فاطمة (٢) .
_________________
(١) في مطبوعة الجزائر " نفوسنا " والمروي في الحديث " قلوبنا" من وجوه متعددة أشار إليها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٧٣ - ٢٧٤) أحدها للإمام أحمد عن أنس: (لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء: قال: وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا) وهكذا رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. قال ابن كثير: وإسناده صحيح على شرط الصحيحين.
(٢) لأن فاطمة وجدت على أبي بكر لما أصر على العمل بقول رسول الله ﷺ (لا نورث، ما تركناه صدقة) وسيأتي تفصيل ذلك في ص ٤٨ - ٥٠، فعاشت فاطمة بعد موت النبي ﷺ ستة أشهر معتزلة في بيتها ومعها علي كرم الله وجهه قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦: ٣٣٣): فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها فرضيت. رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ثم قال. وهذا مرسل حسن بإسناد صحيح. وقال البخاري (ك ٦٤ ب ٣٨ ج ٥ ص ٨٢ - ٨٣) من حديث عروة عن عائشة: " فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه في حياة فاطمة فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته. . . إلخ ". وبيعة علي هذه هي الثانية بعد بيعته الأولى في سقيفة بني ساعدة. وأضاف الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٤٩) أن عليا لم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلف الصديق، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة. ويحتمل أن يكون مراد المؤلف باستخفاء علي ما كان منه ومن الزبير قبيل الاجتماع في سقيفة بني ساعدة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى ذلك في خطبته الكبرى التي خطبها في المدينة في عقب ذي الحجة بعد آخر حجة حجها عمر، وهذه الخطبة في مسند الإمام أحمد (١: ٥٥ الطبعة الأولى - ج ١ رقم ٣٩١ الطبعة الثانية) من حديث ابن عباس.
[ ٣٧ ]
وأما عثمان فسكت.
وأما عمر فأهجر وقال: " ما مات رسول الله ﷺ، وإنما واعده الله كما واعد موسى (١) وليرجعن رسول الله ﷺ
_________________
(١) إشارة إلى قول الله ﷿ في سورة البقرة: ٥١ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقوله سبحانه في سورة الأعراف: ١٤٢ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
[ ٣٨ ]
فليقطعن أيدي أناس وأرجلهم " (١) .
[حوار العباس وعلي في مرضه ﷺ]
وتعلق بال العباس وعلي بأمر أنفسهما في مرض النبي ﷺ، فقال العباس لعلي: " إني أرى الموت في وجوه بني عبد المطلب،
_________________
(١) في مسند أحمد (٣: ١٩٦ الطبعة الأولى) حديث أنس بن مالك عن يوم وفاة النبي ﷺ وفيه: " ثم أرخى الستر، فقبض في يومه ذاك. فقام عمر فقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت، ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلة. وإني لأرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون (أو قال: يقولون) إن رسول الله ﷺ قد مات ". وفي كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥) عن عائشة: (. . . فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ. . . والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم) . ونقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥-٢٤٢) ما رواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: قام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال " مات " بالقتل والقطع، ويقول: إن رسول الله ﷺ في غشية لو قد قام قتل وقطع. وفي (٥: ٢٤١) من البداية والنهاية من حديث عائشة وهي تذكر الساعة التي توفي فيها رسول الله ﷺ: فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما. . ثم قاما، فلما دنوا من الباب قال المغيرة: يا عمر، مات رسول الله ﷺ. فقال عمر: كذبت، بل أنت رجل تحوسك (أي تخالطك) فتنة، إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر. . . وخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ويقول: إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. ومعنى أهجر: خلط في كلامه وهذى، وأكثر الكلام فيما لا ينبغي. وذلك من هول ما وقع في نفس عمر من هذا الحدث العظيم، فهو لا يكاد يصدقه.
[ ٣٩ ]
فتعال حتى نسأل رسول الله ﷺ، فإن كان هذا الأمر فينا علمناه (١) .
وتعلق بال العباس وعلي بميراثهما فيما تركه النبي ﷺ من فدك وبني النضير وخيبر (٢) .
[اضطراب أمر الأنصار واجتماع سقيفة بني ساعدة]
واضطرب أمر الأنصار يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين (٣) .
_________________
(١) فأجابه علي كرم الله وجهه: (إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ" رواه البخاري في كتاب المغازي من صحيحه (ك ٦٤ ب ٨٣ ج ٥ ص ١٤٠ - ١٤١) . ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٢٧ و٢٥١) من حديث الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن ابن عباس. ورواه الإمام أحمد في مسنده (١: ٢٦٣ و٣٢٥ الطبعة الأولى وج ٤ رقم ٢٣٧٤ وج٥ رقم ٢٩٩٩ الطبعة الثانية) .
(٢) سيأتي تفصيله في ص ٤٨ عند الكلام على حديث (لا نورث، ما تركناه صدقة) .
(٣) فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وبين ظهرانيهم سعد بن عبادة، وهم يرون أن الأمر لهم، لأن البلد بلدهم وهم أنصار الله وكتيبة الإسلام، أما قريش فإن دافة منهم دفت، فلا ينبغي أن تختزل الأمر من دون الأنصار. وقال خطيب منهم - وهو الحباب بن المنذر - (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير) . (وجذيلها المحكك: هو أصل شجرتها الذي تتحكك به الإبل. وعذيقها المرجب: نخلتها التي دعمت ببناء أو خشب لكثرة حملها) . ومع ذلك فقد كان رجل من الأنصار - وهو بشير بن سعد الخزرجي والد النعمان بن بشير - يسابق عمر إلى مبايعة أبي بكر. وقبيل ذلك كان في السقيفة الرجلان الصالحان عويم بن ساعدة الأوسي ومعن بن عدي حليف الأنصار ولم تعجبهما هذه النزعة من الأنصار فخرجا وهما يريان أن يقضي المهاجرون أمرهم غير ملتفتين إلى أحد، لكن حكمة أبي بكر ونور الإيمان الذي ملأ قلبه كانا أبعد مدى وأحكم تدبيرا لهذه الملة في أعظم نوازلها.
[ ٤٠ ]
وانقطعت قلوب الجيش الذي كان قد برز مع أسامة بن زيد بالجرف (١) .