[اجتماع أصحاب الجمل بمكة وخروجهم إلى البصرة]
قاصمة روى قوم أن البيعة لما تمت لعلي استأذن طلحة والزبير عليًّا في الخروج إلى مكة (٢) . فقال لهما علي: لعلكما تريدان البصرة والشام. فأقسما ألا يفعلا (٣) .
وكانت عائشة بمكة (٤) .
_________________
(١) وانظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) وممن استأذنه في الخروج إلى مكة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسبب ذلك أن عليًّا لما تمت له البيعة عزم على قتال أهل الشام. وندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد الله بن عمر وحرضه على الخروج معه فقال: إنما أنا رجل من أهل المدينة إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، لكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة (ابن كثير ٧: ٢٣٠) وكان الحسن بن علي مخالفًا لأبيه في أمر الخروج لمقاتلة أهل الشام ومفارقته المدينة كما ترى فيما بعد.
(٣) قول علي لهما وقسمهما له من زيادات مرتكبي (القاصمة) ورواتها.
(٤) ذهبت إليها وأمهات المؤمنين لما قطع البغاة الماء عن أمير المؤمنين عثمان وأخذ يستسقي الناس، فجاءته أم حبيبة بالماء فأهانوها، وضربوا وجه بغلتها، وقطعوا حبل البغلة بالسيف (الطبري ٥: ١٢٧)، فتجهز أمهات المؤمنين إلى الحج فرارًا من الفتنة (ابن كثير ٧: ٢٢٩) .
[ ١٤٧ ]
وهرب عبد الله بن عامر عامل عثمان على البصرة إلى مكة، ويعلى بن أمية عامل عثمان على اليمن.
فاجتمعوا بمكة كلهم، ومعهم مروان بن الحكم. واجتمعت بنو أمية، وحرضوا على دم عثمان، وأعطى يعلى لطلحة والزبير وعائشة أربعمائة ألف درهم، وأعطى لعائشة «عسكرًا» جملًا اشتراه باليمن بمائتي دينار. فأرادوا الشام، فصدهم ابن عامر وقال: لا ميعاد لكم بمعاوية، ولي بالبصرة صنائع، ولكن إليها.
[خرافة الحوأب وشهادة الزور]
فجاءوا إلى ماء الحوأب (١) ونبحت كلابه، فسألت عائشة فقيل لها: هذا ماء الحوأب. فردت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي ﷺ يقول: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب (٢) التي تنبحها كلاب الحوأب؟» فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب، وخمسون رجلًا إليهما (٣) وكانت أول شهادة زور دارت في الإسلام (٤) .
_________________
(١) الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة. قاله أبو الفتوح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري فيما نقله عنه ياقوت في معجم البلدان. وقال أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: ماء قريب من البصرة، على طريق مكة إليها. سمي بالحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية.
(٢) الأدبب: الأدب (أظهر الإدغام لأجل السجعة)، والأدب: كثير وبر الوجه. قاله ابن الأثير في النهاية.
(٣) لم يشهدوا، ولم تقل عائشة، ولم يقل النبي ﷺ. وسنبين ذلك في موضعه من (العاصمة) ص ١٦١ - ١٦٢.
(٤) شهادة الزور تصدر عن رعاع لا يخافون الله كأبي زينب وأبي المورع كما تقدم في ص ٩٦ - ٩٧، وتصدر عمن يزعم لنفسه أنه قادر على خلق شخصية لم يخلقها الله كالذي اخترع اسم ثابت مولى أم سلمة كما تقدم في ص ٩١، وأما طلحة والزبير - المشهور لهما بالجنة من نبي الرحمة ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى - فكانا أسمى أخلاقًا وأكرم على أنفسهما وعلى الله من أن يشهدا الزور. وهذه الفرية عليهما من مبغضي أصحاب رسول الله ﷺ ليست أول فرية لهم في الإسلام، ولا آخر ما يفترونه من الكذب عليه وعلى أهله.
[ ١٤٨ ]
[خروج علي إلى الكوفة وما وقع في العراق قبل وصوله]
وخرج علي إلى الكوفة (١) وتعسكر الفريقان والتقوا (٢) وقال عمار - وقد دنا من هودج عائشة -: ما تطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان.
_________________
(١) خرج من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ٣٦، ليكون على مقربة من الشام. وكان ابنه الحسن يود لو بقي والده بالمدينة فيتخذها دار خلافته كإخوانه الثلاثة قبله فلا يبرحها (الطبري ٥: ١٧١ وانظر ٥: ١٦٣) وقد سلك علي من المدينة إلى العراق طريق الربذة وفيد والثعلبية والأساود وذي قار. ومن الربذة أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فرجعا إليه وهو في ذي قار بأن أبا موسى وأهل الحجى من الكوفيين يرون القعود، فأرسل الأشتر وابن عباس، ثم أرسل ابنه الحسن وعمارًا لاستمالة القوم إليه. وبينما هو في الطريق أنشب عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة القتال مع أصحاب الجمل. وفي الأساود جاءه خبر مصرع حكيم بن جبلة وقتلة عثمان. ثم جاء عثمان بن حنيف إلى علي وهو في الثعلبية منتوف اللحية ومغلوبًا على أمره. وفي ذي قار أقام على معسكره، ثم سار بمن معه إلى البصرة وفيها أصحاب الجمل.
(٢) بعد وصول علي إلى ذي قار وقيام القعقاع بن عمرو بمساعي التفاهم تقدم علي بمن معه إلى البصرة فأسرع قتلة عثمان إلى إحباط مساعي الإصلاح بإنشاب القتال.
[ ١٤٩ ]
قال: قتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق (١) .
والتقى علي والزبير، فقال له علي: أتذكر قول النبي ﷺ: «إنك تقاتلني»؟ فتركه ورجع. وراجعه ولده، فلم يقبل. وأتبعه الأحنف من قتله (٢) .
ونادى علي طلحة من بعد: ما تطلب؟ قال: دم عثمان. قال: قاتل الله أولانا بدم عثمان. ألم تسمع النبي ﷺ يقول: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» وأنت أول من بايعني ونكث (٣) .