نكتة وعجبًا لاستكبار الناس ولاية بني أمية، وأول من عقد لهم الولاية رسول الله ﷺ، فإنه ولى يوم الفتح عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية مكة - حرم الله وخير بلاده - وهو فَتِيُّ السن قد أبقل أو لم يبقل. واستكتب معاوية بن أبي سفيان أمينًا على وحيه، ثم ولى أبو بكر يزيدَ بن أبي سفيان - أخاه - الشام. وما زالوا بعد ذلك يتوقلون في سبيل المجد، ويترقون في درج العز، حتى أنهتهم الأيام إلى منازل الكرام.
_________________
(١) في كتاب الإمارة من صحيح مسلم من حديث أبي ذر (ك ٣٣ ح ٣٦ - ج ٦ ص ١٤) .
[ ٢٣٤ ]
وقد روى الناس أحاديث فيهم لا أصل لها، منها حديث رؤية النبي ﷺ بني أمية ينزون على منبره كالقردة، فعز عليه، فأعطي ليلة القدر خيرًا من ألف شهر يملكها بنو أمية. ولو كان هذا صحيحًا ما استفتح الحال بولايتهم، ولا مكن لهم في الأرض بأفضل بقاعها وهي مكة. وهذا أصل يجب أن تشد عليه اليد.
[مسألة استلحاق معاوية لزياد]
فإن قيل: أحدث معاوية في الإسلام الحكم بالباطل، والقضاء بما لا يحل من استلحاق زياد. قلنا: قد بينا في غير موضع أن استلحاق زياد إنما كان لأشياء صحيحة، وعمل مستقيم نبينه بعد ذكر ما ادعى فيه المدعون من الانحراف عن الاستقامة، إذ لا سبيل إلى تحصيل باطلهم، لأن خرق الباطل لا يرقع، ولسانه أعظم منه فكيف به لا يقطع؟ ! .
قالوا: كان زياد ينتسب إلى عبيد الثقفي من سمية جارية الحارث بن كلدة (١) واشترى [زياد] عبيدا - أباه - بألف درهم فأعتقه (٢) .
_________________
(١) روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة زياد من تاريخ دمشق (٥: ٤٠٩) عن عوانة بن الحكم الكلبي (أكبر شيوخ المدائني) أن سمية أم زياد كانت لدهقان من دهاقين الفرس، فاشتكى وجع البطن وخاف أن يكون أصيب بداء الاستسقاء، فدعا الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب، - وقد كان قدم على كسرى - فعالج الدهقان فبرأ، فوهب له سمية، فولدت له أبا بكرة واسمه مسروح أو نفيع فلم يقر به. ثم ولدت نافعا فلم يقر به، فلما نزل أبو بكرة إلى النبي صلي الله عليه وسلم قال الحارث بن كلدة لنافع: إن أخاك مسروحا عبد وأنت ابني: فأقر به يومئذ، وزوجها الحارث غلاما له يقال له عبيد فولدت زيادا على فراشه، وكان أبو سفيان سار إلى الطائف فنزل على رجل يقال له أبو مريم السلولي (قال: فأتاه أبو مريم بسمية فوقع بها فولدت زيادا) .
(٢) في ترجمة زياد من تاريخ ابن عساكر (٥: ٤٠٦-٤٠٧) خبر يرويه زهرة بن معبد ومحمد بن عمرو عن وفادة زياد وهو فتى على أمير المؤمنين عمر من قبل أبي موسى الأشعري في يوم جلولاء قالا: فلما نظر إليه عمر رأى له هيئة حسنة وعليه ثياب بيض من كتان قال له: ما هذه الثياب؟ فأخبره. فقال: كم أثمانها؟ فأخبره بشيء يسير، وصدقه. فقال له: كم عطاؤك؟ فقال: ألفان. فقال: ما صنعت في أول عطاء خرج؟ فقال: اشتريت به والدتي فأعتقتها، واشتريت بالثاني ربيبي عبيدا فأعتقته. فقال عمر: وفقت. وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن فوجده عالما بالقرآن وأحكامه وفرائضه. فرده إلى أبي موسى، وأمر أمراء البصرة أن يتبعوا رأيه.
[ ٢٣٥ ]
قال أبو عثمان النهدي: فكنا نغبطه. واستعمله عمر على بعض صدقات البصرة، وقيل بل كتب لأبي موسى (١) فلما لم يقطع الشهادة مع الشهود على المغيرة جلدهم وعزله وقال له: ما عزلتك لخزية، ولكني كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك. ورووا أن عمر أرسله إلى اليمن في إصلاح فساد، فرجع وخطب خطبة لم يسمع مثلها، فقال عمرو بن العاص: " أما والله لو كان هذا الغلام قرشيًا لساق الناس بعصاه "، فقال أبو سفيان: والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه، فقال له علي: ومن؟ قال: أنا. قال مهلا يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان أبياتًا من الشعر:
أما والله لولا خوف شخص (٢) يراني يا علي من الأعادي
لأظهر أمره صخر بن حرب ولم تكن المقالة عن زياد
_________________
(١) نقل الحافظ ابن عساكر عن الحافظ أبي نعيم أن زيادا كتب لأبي موسى الأشعري، ثم لعبد الله بن عامر بن كريز، ثم للمغيرة بن شعبة، ثم لعبد الله بن عباس - كتب لهؤلاء كلهم على البصرة. وكان أمير المؤمنين علي أراده أن يوليه البصرة فأشار زياد عليه أن يوليها عبد الله بن عباس، ووعده بأن يشير عليه ويعينه.
(٢) يعني عمر.
[ ٢٣٦ ]
وقد طالت مخاتلتي ثقيفًا وتركي فيهم ثمر الفؤاد
فذلك الذي حمل معاوية.
واستعمله علي على فارس، وحمى، وجبى، وفتح، وأصلح.
وكاتبه معاوية يروم إفساده، فوجه [زياد] بكتابه إلى علي بشعر، فكتب إليه علي: " إني وليتك ما وليتك وأنت أهل لذلك عندي. ولن يدرك ما تريد بما أنت فيه إلا بالصبر واليقين. وإنما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر، لا تستحق بها نسبًا ولا ميراثًا. وإن معاوية يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه ". فلما قرأ زياد الكتاب قال: " شهد لي أبو حسن ورب الكعبة ". فذلك الذي جرأ زيادا ومعاوية بما صنعا. ثم ادعاه معاوية سنة أربع وأربعين، وزوج معاوية ابنته من ابنه محمد. وبلغ الخبر أبا بكرة - أخاه لأمه - فآلى يمينًا ألا يكلمه أبدًا، وقال " هذا زَنَّى أمه، وانتفى من أبيه. والله ما رأت سمية أبا سفيان قط، وكيف يفعل بأم حبيبة (١) أيراها فيهتك حرمة رسول الله، وإن حجبته فضحته ". فقال زياد: جزى الله أبا بكرة خيرًا، فإنه لم يدع النصيحة في حال. وتكلم فيه الشعراء، ورووا عن سعيد بن المسيب أنه قال: أول قضاء كان في الإسلام بالباطل استلحاق زياد.
قال القاضي أبو بكر (﵁): قد بينا في غير موضع هذا الخبر، وتكلمنا عليه بما يغني عن إعادته، ولكن لا بد في هذه الحالة من بيان المقصود منه فنقول:
_________________
(١) هي أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان وأخت معاوية.
[ ٢٣٧ ]
كل ما ذكرتم لا ننفيه ولا نثبته لأنه لا يحتاج إليه. والذي ندريه حقًا ونقطع عليه علما أن زيادًا من الصحابة بالمولد والرؤية (١) لا بالتفقه والمعرفة. وأما أبوه فما علمنا له أبا قبل دعوى معاوية على التحقيق (٢) وإنما هي أقوال غائرة من المؤرخين. وأما شراؤه له فمراعاة للحضانة، فإنه حضنه عنده إذ دخل عليه، فله نسب بالحضانة إليه إن كان ذلك.
وأما قولهم إن أبا عثمان [النهدي] غبطه بذلك، فهو بعيد على أبي عثمان، فإنه ليس في أن يبتاع أحد حاضنه أو أباه فيعتقه من المزية بحيث يغبطه عليه أبو عثمان وأمثاله، لأن هذه مرتبة يدركها الغني والفقير والشريف والوضيع، ولو بذل من المال ما يعظم قدره، فيدرأ به قدر مروءته في إهانة الكثير العظيم، في صلة الولي الحميم، وإنما ساقوا هذه الحكاية ليجعلوا له أبا، ويكون بمنزلة من انتفى من أبيه.
وأما استعمال عمر له فصحيح، وناهيك بذلك تزكية وشرفًا ودينا.
وأما قولهم إن عمر عزله لأنه لم يشهد بباطل، بل روي أنه لما شهد أصحابه الثلاثة (٣) وعمر يقول للمغيرة: ذهب ربعك، ذهب نصفك،
_________________
(١) ترجم له الحافظ ابن حجر في (الإصابة) والحافظ أبو عمر بن عبد البر في (الاستيعاب) ونقل في مولده أنه ولد عام الفتح، وقيل عام الهجرة، وقيل يوم بدر. قال ابن حجر: وجزم ابن عساكر بأنه أدرك النبي صلي الله عليه وسلم ولم يره.
(٢) من الثابت أن الحارث بن كلدة اعترف بأبوته لنافع أخي زياد لأمه فصار يقال له نافع بن الحارث بن كلدة. ولا يعرف التاريخ أن عبيدا الثقفي أو الحارث بن كلدة اعترفا بزياد.
(٣) أصحابه الثلاثة في الشهادة على المغيرة أخواه لأمه: نفيع، ونافع الذي ينسب إلي الحارث بن كلدة، والثالث شبل بن معبد.
[ ٢٣٨ ]
ذهب ثلاثة أرباعك، فلما جاء زياد قال له: إني أراك صبيح الوجه، وإني لأرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلًا من أصحاب محمد ﷺ.
وأما خطبته التى ذكروا أنه عجب منها عمرو، فما كان عنده فضل علم ولا فصاحة يفوق بها عمرًا فمن فوقه أو دونه. وقد أدخل له الشيخ المفتري (١) . خطبًا ليست في الحد المذكور.
وأما قولهم إن أبا سفيان اعترف به، وقال شعرا فيه، فلا يرتاب ذو تحصيل في أن أبا سفيان لو اعترف به في حياة عمر لم يخف شيئًا، لأن الحال لم يكن يخلو من أحد قسمين: إما أن يرى عمر إلاطته به (٢) كما روي عنه في غيره فيمضي ذلك، أو يرد ذلك فلا يلزم أبا سفيان شيء باقتراف ما كان في الجاهلية. فذكرهم هذه الحكاية المخترعة الباردة المتهافتة الخارجة عن حد الدين والتحصيل لا معنى له.
وأما تولية علي له فتزكية.
وأما بعث معاوية إليه ليكون معه فصحيح في الجملة. وأما تفصيل ما كتب معاوية، أو كتب زياد به إلى علي، أو جاوب به علي زيادًا، فهذا كله مصنوع.
وأما قول علي " إنما كانت من أبي سفيان فلتة [زمن عمر] لا تستحق بها نسبا " فلو صح لكان ذلك شهادة، كما روي عن زياد، ولم يكن ذلك بمبطل لما فعله معاوية، لأنها مسألة اجتهاد بين العلماء: فرأى علي شيئًا، ورأى معاوية وغيره غيره.
_________________
(١) لعله يريد الجاحظ، وأعظم خطب زياد التي أوردها له في (البيان والتبيين) خطبته التي تسمى (البتراء) وهي في أوائل الجزء الثاني.
(٢) أي إلحاقه وإلصاقه.
[ ٢٣٩ ]
[الفرق بين واقعتي استلحاق زياد وابن وليدة زمعة]
وأما (نكتة الكلام) وهو القول في استلحاق معاوية زيادًا وأخذ الناس عليه في ذلك، فأي إخذ عليه فيه إن كان سمع ذلك من أبيه؟ وأي عار على أبي سفيان في أن يليط بنفسه ولد زنا كان في الجاهلية. فمعلوم أن سمية لم تكن لأبي سفيان، كما لم تكن وليدة زمعة لعتبة، لكن كان لعتبة منازع تعين القضاء له، ولم يكن لمعاوية منازع في زياد.
اللهم إن هاهنا نكتة اختلف العلماء فيها، وهي أن الأخ إذا استلحق أخا يقول هو ابن أبي ولم يكن له منازع بل كان وحده، فقال مالك: يرث ولا يثبت النسب. وقال الشافعي - في أحد القولين - يثبت النسب ويأخذ المال، هذا إذا كان المقر به غير معروف النسب. واحتج الشافعي بقول النبي ﷺ: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» فقضى بكونه للفراش وبإثبات النسب. قلنا هذا جهل عظيم، وذلك أن قوله إن النبي ﷺ قضى بكونه للفراش صحيح، وأما قوله بثبوت النسب فباطل، لأن عبدًا ادعى سببين: أحدهما الأخوة والثاني ولادة الفراش. فلو قال النبي ﷺ: هو أخوك، الولد للفراش. لكان إثباتًا للحكم، وذكرًا للعلة. بيد أن النبي ﷺ عدل عن الأخوة ولم يتعرض لها، وأعرض عن النسب ولم يصرح به، وإنما في الصحيح في لفظ «هو أخوك»، وفي آخر «هو لك»، معناه فأنت أعلم به. وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف (١) .
فالحارث بن كلدة لم يدع زيادًا ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمته ولد على فراشه - أي في داره - فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل
_________________
(١) للمؤلف كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) ٢٠ مجلدا.
[ ٢٤٠ ]
فعل فيه الحق على مذهب مالك.
فإن قيل: فلم أنكر عليه الصحابة؟ .
قلنا: لأنها مسألة اجتهاد، فمن رأى أن النسب لا يلحق بالوارث الواحد أنكر ذلك وعظمه.
فإن قيل: ولم لعنوه، وكانوا يحتجون بقول النبي ﷺ: «ملعون من انتسب لغير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه»؟ .
قلنا: إنما لعنه من لعنه لوجهين: أحدهما لأنه أثبت نسبه من هذا الطريق، ومن لم ير لعنه لهذا لعنه لغيره. وكان زياد أهلا أن يلعن - عندهم - لما أحدث بعد استلحاق معاوية (١) .
فإن قيل: جعل النبي ﷺ للزنا حرمة، ورتب عليها حكمًا حين قال: «احتجبي منه يا سودة» (٢) وهذا يدل على أن الزنا
_________________
(١) وأهم ذلك - عندهم- تسببه في قتل حجر بن عدي، وقد مضى الكلام عليه في ص٢١١-٢١٣.
(٢) في كتاب الأقضية من (موطأ مالك) ب٢١ ص٧٤٠ عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني [وليدة زمعة: جاريته.]، فاقبضه إليك. قالت فلما كان عام الفتح أخذه سعد وقال: ابن أخي، قد كان عهد إلي فيه. فقام إليه عبد بن زمعة فقال: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فتساوقا إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي، قد كان عهد إلي فيه. وقال عبد بن زمعة: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " هو لك يا عبد بن زمعة ". ثم قال صلي الله عليه وسلم " الولد للفراش، وللعاهر الحجر ". ثم قال لسودة بنت زمعة " احتجبي منه " لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص. قالت: فما رآها حتى لقي الله ﷿. وأخرجه البخاري (ك٣٤ ب٣) ومسلم (ك١٧ ب١٠ ح٣٦) .
[ ٢٤١ ]
يتعلق به من حرمة الوطء ما يتعلق بالنكاح الصحيح. هكذا قال الكوفيون. ومالك في رواية ابن القاسم يساعدهم على المسألة ولا يساعدهم على دليلها من هذا الوجه، وقد بيناها في كتاب النكاح. وقال الشافعي: العذر في أمر النبي ﷺ لسودة بالاحتجاب مع ثبوت نسبه من زمعة وصحة أخوته لها بدعوى عبد أن ذلك تعظيم لحرمة أزواج النبي ﷺ لأنهن لم يكن كأحد من النساء في شرفهن وفضلهن.
قلنا: لو كان أخاها بنسب ثابت صحيح كما قلتم، ويكون قول النبي ﷺ: «الولد للفراش» تحقيقًا للنسب، لما منع النبي ﷺ سودة منه، كما لم يمنع عائشة من الرجل الذي قالت: هو أخي من الرضاعة، وإنما قال: «انظرن من إخوانكن» .
وأما ما روي عن سعيد بن المسيب، فأخبر عن مذهبه في أن هذا الاستلحاق ليس بصحيح، وكذلك رأى غيره من الصحابة والتابعين. وقد صارت المسألة إلى الخلاف بين الأمة وفقهاء الأمصار، فخرجت من حد الانتقاد إلى حد الاعتقاد. وقد صرح مالك في كتاب الإسلام وهو (الموطأ) بنسبه فقال في دولة بني العباس " زياد بن أبي سفيان "، ولم يقل كما يقول المجادل " زياد بن أبيه " هذا على أنه لا يرى النسب يثبت بقول واحد. ولكن في ذلك فقه بديع لم يفطن له أحد، وهو أنها لما كانت مسألة خلاف، ونفذ الحكم فيها بأحد الوجهين، لم يكن لها رجوع، فإن حكم القاضي في مسائل الخلاف بأحد القولين يمضيها ويرفع الخلاف فيها. والله أعلم.
وأما روايتهم أن عمر قال " كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس " فهذه زيادة ليس لها أصل، من ناقص عقل، وأي عقل كان لزياد يزيد على
[ ٢٤٢ ]
الناس في أيام عمر (١) وكل واحد من الصحابة كان أعقل من زياد وأعلم منه ولهذا كل من كمل عقله أكثر من الآخر فهو أولى أن يختلط مع الناس. ويقولون: كان داهية، وهي كلمة واهية. الدهاء والأرب هو المعرفة بالمعاني، والاستدلال علي العواقب بالمبادي وكل أحد من الصحابة والتابعين فوق زياد وتلك الروايات التي يروي المؤرخون - من كذبهم - في حيل الحرب والفتك بالناس، كل أحد اليوم يقدر على مثلها وأكثر منها، والحيلة إنما تكون بديعة وتنثى وتروى إذا وافقت الدين، وأما كل حكاية تخالف الدين فليس في روايتها خير ولا عقل. وكل الناس كما قدمنا - وخذ من ولاة بني أمية خاصة - أعقل من زياد وأفصح منه. فلا تلتفتوا إلي ما روي من الأباطيل.