مؤسسة الرسالة
[ ٩ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٩
[ ٩ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ٩ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٩ / ٤ ]
حديث: "إن الله تعالى يعطي كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فداؤك من النار"
الوجه الرابعُ: أنَّه ورد في " صحيح مسلم " من حديثِ أبي موسى عن رسولِ الله - ﷺ -: " أنَّ اللهَ تعالى يُعْطِي كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقولُ (١): هذا فداؤك مِنَ النَّار " (٢). وهذا ينظرُ في التأويل إلى قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] إلى أمثالٍ لذلك (٣) كثيرةٍ، فلنتكلَّمْ على إسناده، ثم على معناه.
أمَّا إسناده، فإنه على شرط الجماعة كلهم، وقد أخرجه أبو عبد الله أحدُ شيعة أهل البيت -﵈- الكبار في كتابه " المستدرك " كما يأتي.
خرَّجه مسلم (٤) من طرق عن قتادة، وهو من أئمة الاعتزال وفرسان الحديث: قال قتادة: إن عونًا -يعني ابن أبي جُحيفة- وسعيد بن أبي بُردة كلاهما حدَّثناه أنهما شَهِدا أبا بُرْدَةَ يُحَدِّثُ عمر بن عبد العزيز عن أبيه أبي موسى عن النبي - ﷺ -. وكل رجاله مجمعٌ عليهم في كتب الجماعة، وقتادة صرَّح بالسماع، فلا يُخَافُ من تدليسه على أن أحمد بن حنبل، رواه في " المسند " (٥) من غير هذه الطريق، فقال: أخبرنا أبو المغيرة النضرُ بنُ إسماعيل القاصُّ، حدثنا بُرَيْدُ بن عبد الله بن أبي بُردة، عن جده أبي بُردة، ورواه أيضًا من طريق مسلم في المقدمة لكن عن المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة.
وخرجه الحاكم (٦) في " المستدرك " في كتاب الإيمان بلفظٍ حسنٍ مفسر
_________________
(١) في (ش): ويقول.
(٢) تقدم تخريجه في الجزء السادس.
(٣) في (ش): " ذلك ".
(٤) رقم (٢٧٦٧) (٥٠).
(٥) ٤/ ٤٠٢.
(٦) ١/ ٥٨، وأخرجه أيضًا في ٤/ ٢٥٣ و٦٠٧. وانظر ٦/ ٣٤١ من هذا الكتاب.
[ ٩ / ٥ ]
بأحسنَ من لفظ مسلم في بعض، وبإسناد آخر يُقوي إسناد مسلم، فقال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن عثمان الآدمي، حدثنا أبو قِلابة، حدثنا حجاج بن نُصير (١)، حدثنا شدَّاد بن سعيد (ح)، وأخبرني أبو بكر الفقيه -هو ابن إسحاق- حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا عُبَيْدُ الله (٢) بن عمر القواريري، أخبرنا حَرَمِيُّ بن عُمارة، حدثنا شداد بن سعيدٍ أبو طلحة الراسبي، عن غيلان بنِ جرير، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " تُحْشَرُ هذه الأمة على ثلاثة أصنافٍ: صِنْفٌ يدخلون الجنة بغير حسابٍ، وصِنْفٌ يُحاسَبُونَ حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وصِنف يجيئون (٣) على ظهورهم أمثال (٤) الجبال الراسيات ذنوبًا، فيقول الله تعالى: اجعلوها على اليهود والنصارى، وأدخلوهم الجنة برحمتي ".
قال الحاكم: صحيح على شرطهما (٥)، وحرمي على شرطهما، فأمَّا (٦) حجاج، فإنِّي قرنُته إلى حَرَمي، لأني علوتُ فيه.
قلت: وشواهده في تقسيم أهل الجنة إلى ثلاثة أقسام، كثيرةٌ مشهورةٌ في كتاب الله تعالى، وفي التفسير، والحديث كما يأتي إن شاء الله تعالى في تفسير قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، مع قوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩]، وقد عدَّ ممن (٧) اصطفى من هذه الأمة الظالم لنفسه، فهذا هو الكلام على أسانيده.
وأما الكلام على معناه، فمن وجهين:
_________________
(١) في الأصول زيادة: " حدثنا حرمي بن عمارة " والتصويب من " المستدرك ".
(٢) تحرف في (ف) إلى: " عبد الله ".
(٣) في (ف) وفوقها في (ش): " يجثون ".
(٤) في (ف): " كأمثال ".
(٥) كذا قال مع أن شداد بن سعيد خرج له مسلم متابعة فقط، وهو صدوق حسنُ الحديث.
(٦) في (ف): " وأما ".
(٧) في (د) و(ف): " فيمن ".
[ ٩ / ٦ ]
الوجة الأول: أنه ليس في ذلك ظلم اليهود (١) والنصارى على جميع المذاهب، أما الأشعرية، فظاهر، وأما أهل السنة والمعتزلة فلأن اليهود والنصارى عادوا المسلمين في الدنيا، وظلموهم بالعداوة والسَّبِّ، وكثيرٌ منهم بالخوف والقتل والحرب، وما استطاعوا من أنواع المضار قتالًا وقتلًا وغِيلةً، وغشًّا، ونيةً وبُغضًا.
وقد ثبت وجوب القصاص بين المسلمين بعضهم من بعض، بل بين الشاة الجماء والقرناء، فكيف لا يُنْتَصَفُ (٢) للمسلمين من أكفر الكافرين؟ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد﴾ [غافر: ٥١]، وقد صح أن القِصاص إنما هو بالحسنات والسيئات إن كان للظالم حسناتٌ، أخذ منها (٣) المظلوم بقدر مَظْلِمَتِهِ، وإن لم تكن له حسنات، حَمَلَ الظالم من ذنوب المظلوم بقدر مظلمته، وسيأتي أن هذا من العدل الذي لا يُناقِضُ قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وِزْرَ أُخرى﴾ [الإسراء: ١٥]، لأن المقصد أنها لا تُظْلَمُ بتحميلها وزر الأخرى أما إذا كان على وجه الانتصاف من الظالم للمظلوم، فإنه يكون من العدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وأثقالًا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله تعالى حكايةً عن ابن آدم الصالح. ﴿إني أُرِيدُ أن تَبُوأَ بإثمي وإثمك﴾ [المائدة: ٢٩] وكذلك ورد في الأحاديث الصحاح (٤) أن من سنَّ سُنَّةً سيئةً كان عليه إثمُها وإثم من عَمِلَ بها من غير أن يَنْقُصُ من آثامهم (٥)، وأن على ابن آدم القاتل لأخيه إثم من قَتَلَ إلى يوم القيامة (٦)، وإلى ذلك أشار
_________________
(١) في (ف): " لليهود ".
(٢) في (ف): " ينصف ".
(٣) في (ف): " أخذها ".
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) أخرجه من حديث جرير بن عبد الله: أحمد ٤/ ٣٥٧ و٣٥٨ و٣٥٩ و٣٦٠ و٣٦١ - ٣٦٢، ومسلم (١٠١٧)، والطيالسي (٦٧٠)، والنسائي ٥/ ٧٥ - ٧٧، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " (٢٤٣) و(٢٤٤) و(٢٤٥) و(٢٤٨)، والبيهقي ٤/ ١٧٥ - ١٧٦، والبغوي (١٦٦١).
(٦) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) و(٦٨٦٧) و(٧٣٢١)، ومسلم (١٦٧٧)، والترمذي =
[ ٩ / ٧ ]
القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
فالخاصُّ هنا عاضِدٌ لمعنى العام، لا ناقِضٌ له، لأنهما كِلَيْهما وَرَدا لتقرير قواعد العدل والتناصف، وكذا قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ للإنسان إلاَّ ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] عمومٌ مخصوص بالأجر على الآلام المتفق عليه (١)، والمعنى: ليس له ما تمنَّى وتحكَّم وتأتَّى، وإنما له ما استحق بعمله، وأما ما يتفضَّل به (٢) عليه من مغفرة، أو موهبةٍ، فليس يقال: إنه له، ولا يدخل في هذا، لأن اللام تقتضي الملك، وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا مُعْطِيَ لما منع، ﷾.
الوجه الثاني: أن الغرض بالفداء صدقُ الوعيد مع العفو، وعدم الخُلْفِ كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وفديناه بذبحٍ عظيم﴾ [الصافات: ١٠٧]، فإنه لا معنى له إلاَّ أن ذبحه يقوم مقام ذبح الذبيح ﵇، ومنه فداء عبد الله بن عبد المطلب بمئةٍ من الإبل، كما هو معروف في السيرة النبوية، ولا يُوصَفُ بالخلف من وَعَدَ بدراهم، فأدّى ما يَعْدِلُهَا دنانير ونحو ذلك.
وقد فُسِّرَ العدل بذلك في قوله تعالى فيمن لا يستحق الشفاعة: ﴿ولا يُقْبَلُ
_________________
(١) = (٢٦٧٣)، والنسائي ٧/ ٨٢ من حديث ابن مسعود.
(٢) ورد أكثر من حديث بهذا المعنى، منها حديث عائشة: " ما من مسلمٍ يُشاكُ شوكة فما فوقها إلا رفَعَه الله بها درجة، وحطَّ بها عنه خطيئةً ". أخرجه البخاري (٥٦٤٩)، ومسلم (٢٥٧٢)، وانظر " صحيح ابن حبان " (٢٩٠٦) و(٢٩١٩) و(٢٩٢٥). وحديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري: " لا يصيب المرءَ المؤمن من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حُزْنٍ ولا غَمٍّ ولا أذىً حتى الشوكة يُشاكُها إلاَّ كفَّرَ الله عنه بها خطاياه ". أخرجه البخاري (٥٦٤١) و(٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣). وانظر " صحيح ابن حبان " (٢٠٩٥).
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٩ / ٨ ]
منها شفاعةٌ ولا يُؤْخَذُ منها عَدْلٌ﴾ [البقره: ٤٨].
قال الزمخشري (١): أي: لا يُؤخَذُ منها فِديةٌ، لأنها معادلة للمَفْدِي، ومنه الحديث: " لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ " (٢) أي: توبة ولا فدية. انتهى كلام الزمخشري.
والمقصود من إيراد (٣) الحجة على أن الفدية في لغة العرب تقوم مقام المَفْدِيِّ، والكتاب والسنة عربيان، وأهل الفِطَرِ السليمة على هذا قبلَ نبوغِ البراهمة والمبتدعة، وقد خصَّ الله المنافقين والكفار بعدم قبول الفدية، فقال في سورة الحديد في خطاب المنافقين: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ [الحديد: ١٥]، وفي تخصيصهم (٤) بنفي قَبُول الفدية منهم إشارةٌ إلى قَبُولِها من المسلمين من قبيل مفهوم الصفة، والمسلمون أيضًا باقون على الأصل في حسن ذلك، إذا لم يُنْفَ ذلك عنهم، وذكر ابن عبد السلام في " قواعده " (٥) في الرد على البراهمة أن العقول تستحسِنُ انتفاع الحيوان النفيس بالحيوان الخسيس ويشهد لما ذكره أن أهل الفِطَرِ السليمة حكموا بأن أنصف بيت قالته العرب قول حسان:
_________________
(١) ١/ ٢٧٩.
(٢) قطعة من حديث علي، ولفظه: " المدينة حرامٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثورٍ فمن أحدث حدثًا فيها، أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ، ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن والى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين ". أخرجه البخاري (١٨٧٠) و(٣١٧٢) و(٣١٧٩) و(٦٧٥٥) و(٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠)، وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٣٧١٦) و(٣٧١٧). وأخرجه مسلم (١٣٦٦) من حديث أنس، و(١٣٧١) من حديث أبي هريرة.
(٣) في (د) و(ف): " إيراده ".
(٤) في (ف): " وتخصيصهم ".
(٥) ١/ ٥.
[ ٩ / ٩ ]
أتَهْجُوهُ ولست له بِكُفءٍ فَشَرُّكما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ (١)
ويلزم البراهمة قبحُ التداوي لإخراج دود البطن لما فيه من دفع (٢) ضررٍ خفيفٍ بقتل ألوفٍ من الحيوانات التي لا ذنب لها، بل يلزَمُهم أن يقبُح سقيُ الزرع، ويقبح الحرث، وغَرْفُ ماء الموارد ونحو ذلك إذا أدىّ إلى موت دودةٍ، أو ذرَّة أو نحوهما بسبب الماء أو الحرث (٣)، كما مضى بيانُ ذلك في مرتبة الدواعي من الوهم الثامن والعشرين في المجلد الثالث.
خاتمة: وهذه الوجوه مما يتمشى على قول أهل السنة في غير من أدخلَ النار، وخرج بالشفاعة، أو فيمن أدخل النار وفُدِيَ من الخلود، أمَّا على قول المرجئة: إنه لا يُعذَّبُ أحدٌ من أهل لا إله إلاَّ الله بعد الموت بشيءٍ، فهذا باطلٌ إن قال به قائلٌ، بل قد صح حديث أبي هريرة مرفوعًا في تعذيب مانع الزكاة بماله في يوم القيامة حتى يُرى سبيله، إما إلى جنةٍ أو إلى نارٍ. رواه أحمد ومسلم (٤).
وصح أن الشمس تدنو يوم القيامة من الخَلْق، فَيَعْظُمُ الغَمُّ والتعبُ والعَرَقُ، حتى يُلْجَمَ بعضُهم على قدر أعمالهم، ويتطاول ذلك حتى يَشْفَعَ لهم رسول الله - ﷺ - الشفاعة العُظمى، المسماة بالمقام المحمود (٥).
_________________
(١) تقدم في الجزء السابع.
(٢) في (ف): " رفع ".
(٣) في (ش): " والحرث ".
(٤) ولفظه: ما من صاحب ذهبٍ ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلاَّ إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائحُ من نارٍ، فأُحميَ عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بَرَدَت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار ". أخرجه أحمد ٢/ ٢٦٢ و٢٧٦ و٢٨٣، ومسلم (٩٨٧). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٣٢٥٣).
(٥) روى البخاري في " صحيحه " (١٤٧٤) عن يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: سمعتُ حمزة بن عبد الله بن عمر، قال: سمعتُ عبد الله بن عمر =
[ ٩ / ١٠ ]
ذكر بعض من بشره النبي - ﷺ - بالجنة
وخرَّج البخاري (١) في الرقاق من حديث الأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعودٍ، قال النبي - ﷺ -: " الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراكِ نعله، والنَّارُ مِثلُ ذلك " وهذا يوجب الجمع بين الخوف والرجاء، وأن لا ينظر العبد إلاَّ إلى رحمة الله، ولذلك خرَّج بعده حديث أبي هريرة (٢) عنه - ﷺ -: " أصدقُ بيتٍ قاله الشاعر: ألا كُلُّ شيءٍ ما خَلا الله باطِلُ ".
والبشارات لا تقتضي وقوع الفساد، ولو كانت خاصة ببعض الأشخاص كيف مع العموم؟ وقد بشَّر النبي - ﷺ - جماعةً معينين بالجنة ممن لم يقل أحد بعصمتهم مثل أزواجه ﷺ (٣)
_________________
(١) = ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: " إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأُذُن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمدﷺ - ". وزاد عبد الله: (هو ابن صالح كاتب الليث) حدثني الليث، حدثني ابن أبي جعفر: " فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يَحْمَدُه أهلُ الجمعِ كلهم ". ورواه الطبري ١٥/ ١٤٦ وابن منده في " الايمان " من طريق محمد بن عبد الله بن الحكم، حدثنا شعيب بن الليث عن الليث به. وانظر " الفتح ".
(٢) رقم (٦٤٨٨).
(٣) رقم (٦٤٨٩). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٥٧٨٣) و(٥٧٨٤).
(٤) منها حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٨٢٠) و(٧٤٩٧)، ومسلم (٣٢٤٢)، ولفظه: " أتى جبريل النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربها ومني وبَشِّرْها ببيتٍ في الجنة من قصب لا صخبَ فيه ولا نصبَ ". ومنها حديث عائشة عند الترمذي (٣٨٧٦) قالت: " ما حسدتُ أحدًا ما حسدتُ خديجة، وما تزوجني رسول الله - ﷺ - إلاَّ بعدَ ما ماتت، وذلك أن رسول الله - ﷺ - بَشَّرها ببيت في الجنة من قصبٍ لا صخبَ فيه ولا نصبَ ". ومنها حديث عائشة عند الترمذي (٣٨٨٠)، وابن حبان (٧٠٩٤) و(٧٠٩٥) والحاكم ٤/ ١٠ وهو صحيح. ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - ذكر فاطمة، قالت -أي: عائشة-: فتكلمت =
[ ٩ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أنا، فقال: " أما تَرضَيْن أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة ". ورواه ابن حبان (٧٠٩٦) ولفظه أنها قالت: من أزواجُك في الجنة؟ قال: " أما إنك منهن ". وانظر تمام تخريجه فيه. وقال ابن كثير ٦/ ٤٠٧: وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وهذا نصٌّ في دخول أزواج النبي - (ﷺ) - في أهل البيت ها هنا، لأنهن سببُ نزول هذه الآية، وسبب النزول داخلٌ فيه قولًا واحدًا، إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وروى ابن جرير، عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ نزلت في نساء النبي - ﷺ - خاصة، وهكذا روى ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، قال: نزلت في نساء النبي - ﷺ - خاصة، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي - ﷺ -. فإن كان المراد أنهنَّ كن سببَ النزول دون غيرهن، فصحيح، وإن أُريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك. ثم قال: ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي - ﷺ - داخلات في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَة﴾، أي: اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة، قال قتادة وغير واحد: واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزِلُ في بيوتكن دون سائر الناس وعائشة بنت الصديق أولاهن بهذه النعمة وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصّهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله - ﷺ - في فراش امرأة سواها، ولم يَنَمْ معها رجل في فراشها سواه، فناسب أن تُخَصَّصَ بهذه المزية، وأن تفرد بهذه الرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجُه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث: " وأهل بيتي أحق ": وهدا يُشبه ما ثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله - ﷺ - لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: " هو مسجدي هذا ". فهذا من هذا القبيل؛ فإن الآية إنما =
[ ٩ / ١٢ ]
والعشرة رَضِي الله تعالى عنهم (١)، وثابت بن قيس (٢)، وعُكاشة (٣)،
_________________
(١) = نزلت في مسجد قباء، كما ورد في الأحاديث الأخر. ولكن إذا كان ذلك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله - ﷺ - أولى بتسميته بذلك، والله أعلم.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٤٩) و(٤٦٥٠)، والترمذي (٣٧٤٨) و(٣٧٥٧)، وابن ماجه (١٣٤)، وأحمد (١/ ١٨٧ و١٨٨ و١٨٩، وفي " فضائل الصحابة " (٨٧) و(٩٠) و(٢٢٥)، وابن أبي عاصم (١٤٢٨) و(١٤٣١) و(١٤٣٣) و(١٤٣٦)، والحاكم ٤/ ٤٤٠، والنسائي في " الفضائل " (٨٧) و(٩٠) و(٩٢) و(١٠٦)، وأبو نعيم ١/ ٩٥. ولفظه: عن سعيد بن يزيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: " عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص " قال: فَعَدَّ هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور: من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله، أبو الأعور -يعني نفسه- في الجنة. وأخرجه من حديث عبد الرحمن بن عوف: الترمذي (٣٧٤٨)، وأحمد ١/ ١٩٣، وفي " الفضائل " (٢٧٨)، والنسائي في " الفضائل " (٩١)، والبغوي (٣٩٢٥) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٣٦١٣) و(٤٨٤٦)، ومسلم (١١٩) من حديث أنس بن مالك أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى آخر الآية، جلس ثابتُ بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي - ﷺ -، فسأل النبي - ﷺ - سعدَ بن مُعاذ، فقال: " يا أبا عمرو، ما شأنُ ثابت؟ أشتكى؟ " قال سعد: إنه لجاري، وما علمتُ له بشكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله - ﷺ -، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله - ﷺ -، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: " بل هو من أهل الجنة ". وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٧١٦٨) و(٧١٦٩). وأخرجه ابن حبان عن ثابت بن قيس بنحوه (٧١٦٧) وفيه: " يا ثابت، ألا ترضى أن تعيش حَميدًا، وتُقتل شهيدًا، وتدخُلَ الجنة؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: فعاش حميدًا وقُتل شهيدًا يوم مُسيلمة الكذاب. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: "عُرِضت عليَّ الأممُ، فرأيتُ النبي ومعه الرُّهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذْ رُفِعَ لي سوادٌ عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى - ﷺ - وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد عظيم، =
[ ٩ / ١٣ ]
وحاطب (١)، وغيرهم، فازدادوا صلاحًا وتقوى، وكلُّ من تجرأ بعد سماع البشرى، فهو ممن عَلِمَ الله أنه جريء ولو لم يسمعها، وذلك مثل من تجرأ بعد سماع قبول التوبة، ومثل الشياطين الذين قال الله فيهم وفيمن أضلوه: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣]، فنص على أنه ليس في خلقه لهم مفسدة، وكذلك جميع ما جاءت به رسله إلاَّ على الأشقياء الذين وصفهم الله بأن القرآن عليهم عمىً وهو أعظم الشقاء، وتأويل أهل السنة بالوجهين الأولين أصحُّ وأبعد من كل ما يَرِدُ على تأويلات المرجئة.
والإرجاء عند أهل السنة: بدعةٌ مذمومة لما فيه من مخالفة السنن الصحيحة، وإن كانت الأحاديت الواردة في ذم المرجئة غير صحيحة عند أئمة الأثر، كما أوضحتُه في الكلام على مسألة القدر، وقد اشتد خوفُ الصحابة من الله مع صحة إيمانهم وسماعهم للمبشرات بغير واسطةٍ، وقرب عهدهم، وأخبارهم في ذلك معلومةٌ في تراجمهم، والله أعلم.
ولا بد من ذكر ما أوجب ترجيح أكثر علماء الإسلام لقبول آيات الرجاء، وأخباره المتواترة بذكر ما حضرني منها مع بُعدي من لقاء علماء هذه الطائفة،
_________________
(١) = فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذابٍ" فقام عُكاشة بن مِحْصَن فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت منهم "، ثم قام رجل آخر، فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: " سَبَقَكَ بها عُكّاشة ". أخرجه البخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٦٤٣٠). وأخرجه أيضًا (٦٤٣١) من حديث ابن مسعود.
(٢) أخرجه من حديث جابر مسلم (٢١٩٥) ولفظه: أن عبدًا لحاطب جاء إلى رسول الله - ﷺ - يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله، إنه ليدخُلُ حاطب النار، فقال رسول الله - ﷺ -: " كذبتَ، إنه لا يدخُلُها، إنه شهد بدرًا والحديبية ". وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٤٧٩٩) و(٧١٢٠).
[ ٩ / ١٤ ]
كلام في الوعد والوعيد
وقلةِ تواليفهم الحافلة عندي فبالوقوف على ما أذكره مع ذلك يعلم تواتر ذلك.
وقد مر منها إلى الآن واحد وثلاثون حديثًا عن تسعة عشر صحابيًا، وستأتي زيادة كثيرة على هذا مُفَرَّقةٌ في غضون الكلام، وأختم الكلام بالتنبيه على ما لم يتقدم، وعلى عِدَّةِ ما تقدم، ثم بالتخويف من الله تعالى، وبيان أن الرجاء هو حسن ظنٍ، وأن من جعل القطع موضع الظن خرج إلى التألِّي على الله تعالى، وكان اعتقاده من جنس قول اليهود ﴿سَيُغْفَرُ لنا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقد نَقَمَ اللهُ تعالى ذلك عليهم، ومن أين الأمانُ واللهُ تعالى يقول: ﴿إنَّ عذاب ربِّهِمْ غير مأمونٍ﴾ [المعارج: ٢٨]، وهو في الصالحة المُثْنَى عليهم في كتاب الله، وفي آية: ﴿إنَّ عذاب ربك كان محذورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقد أجمعت الأمةُ المرجئة والوعيدية أن الخواتم مجهولة، وإن قدرنا صلاح الحال مع بُعد ذلك، والله المستعان.
ولكني رأيتُ قبل ذلك أن أُورد شُبَه المخالفين وجوابها على الإنصاف بحسب علمي واجتهادي.
فأقول: إن قيل لا شكَّ في ورود القرآن والسنة بذلك ولكنه معارضٌ بثلاثة أمور:
أحدها: عمومات الوعيد.
وثانيها: الوعيد الخاص ببعض الكبائر كآية القتل وأحاديثه.
وثالثها: البيان الخاص في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، فإن الخصوم يزعمون أن هذه أبينُ آيةٍ وأخصُّها، ورجَّحوا تأويل الوعد بترجيح الخوف، أو مصلحة الزجر خوف المفسدة في الرجاء.
والجواب من وجهين: جملي وتفصيلي:
أما الجُملي: فهو أنه وقع تعارضٌ في الوعد والوعيد في بعض المواضع
[ ٩ / ١٥ ]
إلا أن يُجْمَعَ بينهما بنوعٍ من التأويل، وتأويل الوعيد أولى لوجوه:
الوجه الأول: أنها من المتشابه، والوعد بالخير من المحكم، والواجب تأويل المتشابه، وهذا جَلِيٌّ (١) إلاَّ كونها من المتشابه، والدليل عليه أن العفو أحب إلى الله في جميع شرائعه، والنصوص فيه أكثر من أن تُحصى، والخير هو المحكَمُ المقصود لذاته عقلًا وشرعًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦]، وقال: ﴿سيجعل الله بعد عسرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، ولم يرد ذلك وقال: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ [البقرة: ١٥]، وقال: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء: ٢٧]، وإرادته نافذةٌ على ما تقرَّر في موضعه من هذا الكتاب.
الثاني: أن الأحاديث صحَّت في أن الخير والعفو مكتوم منه خوف أن يَتَّكِلَ الناسُ كما يأتي في حَدِيثَيْ علي ومعاذ.
الثالث: أن الخُلف في الوعد أقبح منه في الوعيد، ومن قَصَدَ المحافظة على صدق الوعيد تنزيهًا لله تعالى من الخُلْفِ فيه، فقد غَفِلَ غفلةً عظيمةً، وسيأتي تنزيهُ الله من الجميع.
الرابع: أنه أكثر ثناءً على الله، وأنسبُ بأكثر أسمائه الحسنى.
الخامس: أنه أقوى دلالةً، لأنه مبنيٌّ على قبول النصوص الخاصة وتقديمها على العمومات، وسيأتي تحقيق ذلك وما فيه من القوة المعلومة.
السادس: أنه قول السلف في الأسانيد الصحاح.
السابع: أنه قول جماهير علماء الإسلام وقد مر أنه لا مفسدة فيه.
الثامن: أن الله تعالى أمر نبيه ﵊ أن يُبَشِّرَ المؤمنين والمتقين، وكرَّر ذلك، وهذا مُبَيِّنٌ لِما أجمله من تسميته بشيرًا ونذيرًا، أي: بشيرًا
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: " خفي ".
[ ٩ / ١٦ ]
للمؤمنين ونذيرًا للكافرين، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٧ - ٤٨] فجعل المؤمنين قسمًا واحدًا مُستَخَصِّين للبشارة، وجعل قسمهم المقابل لهم الكافرين والمنافقين، وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وستأتي الأدلة على تفسير المؤمنين والمتقين.
وكذلك وردت السنن الصحاح، كقوله - ﷺ - لمعاذٍ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: " يسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبشِّرا ولا تُنَفِّرا " رواه خ م د ت من حديث أبي موسى (١).
وروى خ م عن أنس عنه - ﷺ - مثله بلفظ الجمع: " يَسِّرُوا ولا تعسِّرُوا، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا " (٢).
وفعل ذلك النبي - ﷺ - مثل ما أمر به، بل مثل ما أمره الله تعالى به، كما تواتر في السنن الصحاح المأثورة، ومعلومٌ أن (٣) الله تعالى لا يأمُرُ رسوله بما فيه مفسدةٌ، ولا يأمر بذلك رسول الله - ﷺ -، ولا يفعله، كما أنه أخبر بمعنى الإنذار ولم يكن فيه مفسدة، ولما قالوا: أفلا نَتَّكِلُ (٤) على كتابنا قال: " كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له " (٥).
وأما قوله في حديث معاذ: " دعهم يعملوا " (٦) فإنه على الجواز لا على التحريم ولا الكراهة، بدليل أنه أعلمهم به في أكثر الأحاديث، ولأنه أخبر معاذًا بذلك، وهو منهم، ولأن معاذًا أخبر بذلك عند موته خوف الإثم في كتمه، وهو راوي الحديث والعارف بما صَحِبَه مِن القرائن، ولأن الإجماعَ استقر بعدُ على
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ٢٥٩.
(٢) تقدم تخريجه في ١/ ١٧٣.
(٣) في (ش): " بأن ".
(٤) في (ف): " أفنتكل ".
(٥) تقدم تخريجه في الجزء الخامس وغيره.
(٦) أخرجه البخاري (١٢٨) و(١٢٩)، ومسلم (٣٢) من حديث أنس.
[ ٩ / ١٧ ]
رواية ذلك، والقرآن نص على الأمر به، لا على الأمر بنقيضه، وقد بشَّر يوسفُ إخوته بالمغفرة، وبشرهم أبوهم ﵇، وهذا كله مع بقاء الخوف بجهل الخواتم إجماعًا، ولشرط المشيئة في القرآن عند أهل السنة مع ذلك يُبْطِلُ ما يُظَنُّ من المفسدة، وتكون الفائدة منع القنوط لا سوى، تتبين بذكر كل واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة على انفراده.
فأمَّا الأمر الأول: وهو المعارضة بعمومات الوعيد، فلا يَصِحُّ، لأن المعارضة تقتضي الوقف، والوقف يقتضي الرجاء، ولأنَّ الخاصَّ موجودٌ مشهور، والخاص مقدَّمٌ على العام، وأدلة الرجاء أخص وأبين كما يظهر لك الآن إن شاء الله تعالى.
والوعيدية على هذا في غير هذه المسألة، بل هم عليه فيها عند حاجتهم إليه، بل لا بد لهم من ذلك في هذه المسألة بعينها، فإنهم إنما قطعوا بغفران الصغائر وإخراجها من عموم: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾ [الجن: ٢٣] لأن آية الصغائر أخصُّ مع معارضة قوله تعالى: ﴿ومن يعمل مثقال ذرَّةٍ شرًّا يَرَهْ﴾ [الزلزلة: ٨]، لقوله (١): ﴿إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١] من بعض الوجوه، ولذلك احتاجوا إلى تأويلها، بل تراهم يُخَصِّصُون القرآن بالحديث الآحادي متى كان عموم القرآن في الوعد بالثواب، كما يَخُصُّون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] في نحو عشر آيات في هذا المعنى، كقوله تعالى في الصادقين والمصدقين في سورة " الزمر ": ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الزمر: ٣٥]، وقوله تعالى في " الأحقاف ": ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُون﴾ [الأحقاف: ١٦]، وقوله تعالى في المؤمنين في [العنكبوت: ٧]: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
_________________
(١) في (ش): " أي لقوله ".
[ ٩ / ١٨ ]
أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وغيرها مما يأتي بيانه، وأنه مُخَصَّصٌ للمجازاة على كل شيءٍ إن شاء الله تعالى بالكافرين (١)، وكذا نحو قوله تعالى: ﴿ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [التغابن: ١٦]، يخصونه بكون الزكاة شُرعت مُسقطةً لبقية الحقوق ومطيبةً للأموال، فلو ذهب جميع ما يَمْلِكُ من غير نيةِ الزكاة ولا مصرفها، ولم يُزَكِّ ماله، لم ينفعه ذلك، ولو شحَّ ببقية ماله بعد إخراج الواجب (٢) لم يَضُرَّه ذلك، وسمعتُ بعضهم يقول: إنما يُخَصُّ القرآن بهذه الأخبار الآحادية، لأنها عمليةٌ ظنية، والاعتقاد لا يدخله الظنُّ.
قلت له: فمحالٌ أن تُجوِّزوا صدقها عند العمل بها، واعتقادكم جازمٌ أن العموم لم يُخصَّ بها، أو أن تعملوا بها، واعتقادكم جازم على أنها مكذوبةٌ باطلةٌ، أو أن تعتقدوا أنها تُفيدُ العلم دون سائر أخبار الثقات، وهذا مُبْطِلٌ لقولهم: لا يصح التَّعبُّدُ بالظن فيما سبيله الاعتقاد، وهذا وقولهم: إن الاعتقاد لا يُخَصَّصُ يَبْطُلُ بمعارضتهم مثله في آيات الوعد، فما صنعوا فيها صنع أهل السنة في آيات الوعيد مثله (٣) مع أنه مخالفٌ للظاهر من إجماع العترة حيث خصَّصُوا آية النجوى بما رُوي من تفرُّد علي ﵇ بالعمل بها (٤)، مع أن ظاهر القرآن أنه لم يعمل بها أحدٌ، لقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]، فخص أهل البيت عليًا ﵇ بحديثٍ آحادي، ولم يكن ذلك تكذيبًا لكتاب الله تعالى عند أحدٍ ممن يعقلُ التخصيص، ويدري بالتفسير والحمد لله.
بل صرَّحوا بشفاعة قارىء: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لمن عرفه في النار كما مر من رواية محمد بن منصور عنهم، عن علي ﵇ في " علوم آل محمد - ﷺ - "، وأوضحُ من هذا تخصيصهم للآل بآية التطهير دون نساء النبي - ﷺ - مع ظهورها فيهن، والاتفاق على أن سياقها، وما قبلها (٥)، وما بعدها
_________________
(١) في (ف): " للكافرين ".
(٢) في (ف): " الزكاة ".
(٣) في (ف): " مثل "، وهو خطأ.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) في (ف): " سياق ما قبلها ".
[ ٩ / ١٩ ]
فيهن فاعتبِرْ هذا وزِنْ أقوالهم، فإنه لا فرق بين تأويلهم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] وبين تأويل الجميع لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، وذلك لأن الطاعة والمعصية تَصْدُقُ على المرة الواحدة، فمن أطاع مرة واحدة، وعصى مرة؛ فقد تناوله الوعد والوعيد ووَجَبَ الوقف في حاله، حتى يتبين مراد الله فيه من غير هاتين الآيتين. وكذلك قوله تعالى في الحِرْزِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُون﴾ مخصوصٌ بالإجماع على أن محمدًا - ﷺ - شفيعٌ مُشفَّعٌ، وأن ذلك تفسير المقام المحمود الذي وعده في كتابه، وإن اختلفوا لمن تكون شفاعته، وكذلك نفيُ الشفيع مخصوصٌ مع الإجماع، كقوله (١) تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٦ - ٨٧]، وبما تواتر في السنة النبوية، فما الفرق بين تخصيص وتخصيص؟ وكيف يكون التخصيص تكذيبًا مع مثل هذا؟ وعند أهل السنة أن ذلك التعارض المتوهَّم قد تَبَيَّنَ بقوله تعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِم﴾ [التوبة: ١٠٢]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦]، مع ما عَضَدَ هذه الآيات وأمثالها من البيان النبوي المعتاد مثله في كل عمومات القرآن، وأنواع الشرائع والتكاليف، وعندَ الوعيدية أن ذلك قد تبين بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وسيأتي الكلام عليها، وإيضاح أنها في بيان حكم المجتنبين للكبائر، وآيات أهلِ السنة وأحاديثهم في بيان حكم المرتكبين للكبائر، وتقسيمهم إلى مشركٍ وغيره، فهو أبين كما يَتَّضِحُ إن شاء الله تعالى.
وأمَّا الأمر الثاني: وهو المعارضة بالوعيد الخاصِّ ببعض الكبائرِ بخصوصه، فلا نُسَلِّمُ صحة شيء من ذلك بخصوصه وَرَدَ في المؤمنين
_________________
(١) في (ف): " بقوله ".
[ ٩ / ٢٠ ]
بخصوصهم على سبيل النصوصية القطعية بحيث يَتَعَذَّرُ تخصيص المؤمنين من عمومه أصلًا، وأشهر ما تمسكوا به أمور:
الأول -وهو أعظم ما يشتبه من ذلك- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وهي آيةٌ عظيمة اشتملت على وعيدٍ هائلٍ لمن اجترأ على هذه المعصيةِ الكبيرة التي صح تسميتها كفرًا في أحاديث كثيرة، ونص كتاب الله تعالى على أن فاعلها بغير حقٍّ كمن قَتَلَ الناس جميعًا.
ونص رسول الله - ﷺ - على أنها أعظم عند الله من زوال الدنيا (١) وحَمَلَتْ (٢) حَبْرَ الأمة وبحرَها عبد الله بن العباس ﵄ على القول بأن التوبة لا تُقْبَلُ منه (٣) حِرصًا على بقاء وعيدها وعدم الترخيص لأحدٍ بتخصيصه، ولكنها مع ذلك كُلِّه لا يمنع من النظر في سائر كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، ولأمرٍ ما حفَّها الله تعالى بآيتين كريمتين، تقدَّمتها إحداهما وتعقبتها الأُخرى في سورةٍ واحدةٍ، وهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦]، حتى روى أبو داود في " سُننه " عن أبي مجلز لاحقِ بنِ حميد التابعي الجليل أحد أصحاب ابن عباس أنه قال: هي جزاؤُه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فَعَلَ (٤). بل رَوَى العلاء بن المسيَّب، عن عاصم بن أبي
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الثامن.
(٢) في (ف): " وحمله ".
(٣) أخرج أحمد ١/ ٢٤٠ و٢٩٤، والترمذي (٣٠٢٩)، والنسائي ٧/ ٨٥ و٨٧، وابن ماجه (٢٦٢١)، والطبري (١٠١٨٨) و(١٠١٨٩) و(١٠١٩٠) و(١٠١٩١) من حديث ابن عباس أنه سُئل عمن قَتَلَ مؤمنًا متعمدًا، ثم تاب وآمن وعَمِلَ صالحًا، ثم اهتدى، فقال ابن عباس: وأنَّى له التوبةُ، سمعتُ نبيكم - ﷺ - يقول: " يجيء متعلقًا بالقاتل تشخُبُ أوداجُه دمًا، فيقول: أي رب، سَلْ هذا فيمَ قتلني؟ " ثم قال: واللهِ لقد أنزلها الله، ثم ما نسخها. وهذا حديث صحيح.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٢٧٦)، والطبري (١٠١٨٤) من طريقين عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز قوله. وهذا إسناد صحيح.
[ ٩ / ٢١ ]
بحث في توبة القاتل ومناقشة رأي ابن عباس فيها
النَّجود أحد القراء السبعة، عن ابن عباس أنه قال: هي جزاؤه إن شاء عذَّبه وإن شاء غَفَرَ له (١)، ورُوي نحو ذلك عن عون بن عبد الله (٢)، وعن أبي صالح (٣)، ومحمد بن سيرين (٤)، ذكرها الظاهري في " تفسيره "، وتلا محمد بن سيرين ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولا بد من ذكر الأقوال على التقصِّي في ذلك على حسب ما عرفت.
القول الأول: قول ابن عباس: إنها محكمةٌ، وإنها نزلَتْ بعد آية الفُرقان التي ذُكِرَتْ فيها التوبة، وأنه لا توبة للقاتل (٥) يعني بحيث يقطع على وجود الطريق إلى النجاة.
أمَّا على جهة الرجاء مع بقاء الخوف الذي هو الوازعُ الشرعي، فقد روى
_________________
(١) ذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ٦٢٧ ونسبه إلى ابن المنذر. ولا يعرف لعاصم بن أبي النجود رواية عن ابن عباس.
(٢) ذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ٦٢٨ ونسبه إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه الطبري (١٠١٨٥)، وابن المنذر فيما ذكره السيوطي ٢/ ٦٢٨. ورجال الطبري ثقات. وتحرف فيه " سيَّار " إلى " يسار ".
(٤) أخرجه البيهقي في " البعث " (٤٣) وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ٦٢٨ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. ولفظه: عن هشام بن حسان قال: كنا عند محمد بن سيرين، فقال له رجل: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ حتى ختم الآية. قال: فغضب محمد، وقال: أين أنت من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ قُم عني، اخرج عني، قال: فأُخرج.
(٥) أخرجه البخاري (٣٨٥٥) و(٤٥٩٠) و(٤٧٦٢) و(٤٧٦٣) و(٤٧٦٤) و(٤٧٦٥) و(٤٧٦٦)، ومسلم (٣٠٢٣)، وأبو داود (٤٢٧٣) و(٤٢٧٤) و(٤٢٧٥)، والنسائي ٧/ ٨٥ و٨٦، والطبراني (١٢٣١٤) و(١٢٥٠١)، والنحاس في " الناسخ والمنسوخ " ص ١٣٧ من طرق عن سعيد بن جبير. وأحدُ ألفاظه: قال: قلت لابن عباس: ألمن قَتَلَ مؤمنًا متعمدًا من توبةٍ؟ قال: لا. قال: فتلوتُ عليه هذه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه آية مكية، نسختها آية مدنية: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا﴾.
[ ٩ / ٢٢ ]
عنه عاصم القارىء ما يقتضي جوازه كما قدَّمنا.
قال إمامُ أهلِ السنة ابن قيم الجوزية في كتابه الجليل المُسَمَّى بـ " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي " (١): وقد جعل الله جزاء قتل النفس المؤمنة عمدًا الخلود في النار، وغَضَبَ الجبار، ولعنتَه (٢)، وإعداد العذاب العظيم له، هذا موجب قتل المؤمن عمدًا ما لم يمنَعْ منه مانعٌ، ولا خلاف أن الإسلام الواقع طوعًا بعد القتل مانعٌ من نفوذ ذلك الجزاء، وهل تَمْنَعُ توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن أحمد، والذين قالوا: لا تمنع التوبة منه رأوا أنه حقُّ الآدمي لم يَسْتوفِه في دار الدنيا وخَرَجَ منها بظُلامته، فلا بد أن يُستوفى له في دار العدل إلى آخر كلامه في ذلك وهو كلامٌ طويلٌ مفيدٌ.
والجواب على ابن عباس ﵄ ومن قال بقوله من وجوهٍ:
الأول: أن آية الفرقان، وإن تقدمتها، فإنها أخصُّ منها، والعام لا ينسخ الخاص على الصحيح، ألا ترى أن آية القتل هذه مخصوصة عند ابن عباس وعند الجميع بما ثبت قبلها من كون الإسلام يجب ما قبله، وقد نزل في المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لكم الطيبات﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب﴾ [المائدة: ٥] وهي بعد النساء، ولم تنسخ هذه العمومات شيئًا مما حرَّمه الله في سورة النساء من النساء المحرمات بالقرابةِ والمصاهرة، ولا من غيرهن، وإن كان العموم يقتضي ذلك، وأمثال ذلك ما لا يُحصى، وهذا مُستقصىً في أصول الفقه.
الوجه الثاني: أن التوبة قد وردت في " المائدة " وهي بعد النساء وذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا
_________________
(١) ص ١٧١.
(٢) في (ف): " ولعنه ".
[ ٩ / ٢٣ ]
عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]، وكان نزولها في الذين قَتَلُوا رَاعِيَ رسول الله - ﷺ - بالاتفاق كما في دواوين الإسلاها كلها (١) مثل ما أن آية الفرقان نزلت في مشركي قريش كما في الكتب الصحيحة من حديث سعيد بن جُبير، عن ابن عباس (٢) فإن قيل: إنها نزلت في الرعاء وكانوا مرتدين، وابن عباس لم يُخالِفْ في توبة الكافر والمرتد من القتل والكفر. قلنا: وآية القتل نزلت في مرتدٍّ عن الإسلام كما سيأتي، فإما أن يُعتبر العموم في جميع المواضيع، أو تُعتبرَ الأسباب، وأيضًا فإن جوابنا على تقدير اعتبار العموم المتأخر.
وكذلك قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين﴾ [يوسف: ٩] فيه ما يدل على صحة التوبة من القتل في شرع من قبلنا، وشرعنا أكثر ترخيصًا وتيسيرًا بالإجماع.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٦٦)، والنسائي ٧/ ٩٤ من طريق عمرو بن عثمان عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس. أن نفرًا من عُكْلٍ قدموا على النبي - ﷺ - فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فقتلوا راعيها، واستاقوها، فبعث النبي - ﷺ - في طلبهم، قال: فأُتِيَ بهم، فَقَطَّعَ أيديهم وأرجلهم، وسمَّرَ أعيُنَهم، ولم يحسمهم، وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله ﷿: ﴿إنما جزاءُ الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية. وذكره عبد الغني في " إيضاح الإشكال " من طريق أبي قلابة مختصرًا كما في " الدر المنثور " ٣/ ٦٦ - ٦٧. وأخرجه أحمد ٣/ ١٦٣ و٢٣٣، والطبري (١١٨٠٨) و(١١٨٠٩) و(١١٨١٥)، والواحدي في " أسباب النزول " ص ١٢٩ - ١٣٠ من طرق عن قتادة، عن أنس نحوه. وفي آخره: قال قتادة: فبَلَغَنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾. قلت: وأخرج القصة من حديث أنس البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه ولم يذكروا فيها سبب نزول الآية.
(٢) أخرجه البخاري (٣٨٥٥)، ومسلم (٣٠٢٣) (١٨) و(١٩)، وأبو داود (٤٢٧٣) و(٤٢٧٤)، والنسائي ٧/ ٨٦.
[ ٩ / ٢٤ ]
الوجه الثالث: أنه لا يَحْصُلُ الأمان المقتضي للمفسدة من القول بقبولِ التوبة، فإن الخوف مع التوبة باقٍ، والخواتم والسوابق مجهولةٌ ولذلك قيل:
يَخَافُ على نفسه من يَتُوبُ فَكَيْفَ يُرَى حَالُ من لا يتوبُ
وهذا إجماعٌ على قواعد المرجئة، بل القنوط أدعى إلى ارتكاب الكبائر، كما صح في حديث الذي قتل تسعة وتسعين (١) كما يأتي في بقية الحُجج على ابن عباس ﵁.
الوجه الرابع: أن الله تعالى وإن نصَّ على أن جهنم جزاء القاتل، فإنَّ رحمته سابقةٌ غالبةٌ لغضبه، واسعةٌ لجميع المذنبين من خلقه، كما نصَّ على ذلك القرآن والسنة، ومن رحمته قبولُ توبة التائبين، وقد قال تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقال تعالى حاكيًا عن الملائكة إنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَك﴾ [غافر: ٧] ففرّق سبحانه في الآيتين بين سعة رحمته وكتابتها، فجعل سعتها عامةً لِكُلِّ شيءٍ على حدِّ عمومه لكل شيء، وجعل كتابتها التي هي وجوبها خاصةً (٢) بالمؤمنين والتائبين الذين كلامنا فيهم، فلو خَرَجَ القاتل التائب من خصوص من كُتِبَتْ له الرحمة ما خرج من عموم من وَسِعَتْهُ، والدليل على أن سعتها غير كتابتها وجوه:
الأول: أنه الظاهر لغة.
الثاني: أنه جعل السَّعَة لكل شيء في الآيتين (٣) معًا، وجعلها مثل سعة العلم الذي لا أوسع منه، فلا يخرج منه شيءٌ قطعًا، وجعل الكتابة خاصَّةً بالمؤمنين، والدعاء خاصًّا بهم.
الثالث: أنه لو لم تَسَعْ ذنبَ الكفر والقتل، لم يَهْدِ كافرًا، ولا قاتلًا إلى
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٩ و٣١٤.
(٢) في (ف): " خاصًا ".
(٣) في (ف): " الاثنين ".
[ ٩ / ٢٥ ]
التوبة، ثم يقبلها منه، وقد قال في اليهود الذين هم المغضوب عليهم في التفسير المرفوع، وفي نصوص القرآن، على لعنهم والغضب عليهم، فقال في حقِّهم: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ [البقرة: ٥١ - ٥٢]، يعني سبحانه: وفَّقَهُمْ للتوبة ثم قَبِلَها منهم.
الرابع: أنه تعالى إذا أفردَ الخطاب مع المؤمنين، ذكر كتابة الرحمة التي تمنع الوجوب، وإذا خاطب الكافرين مفردين، ذكر سَعة الرحمة التي تمنعُ القنوط ويكون رجاؤها سببًا للرجوع إلى الله تعالى، فقال في خطاب المؤمنين: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال في الكفار: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين﴾ [الأنعام: ١٤٧].
الوجه الخامس: أنها قد قُبِلَتْ توبة القاتل إذا كان مُشركًا، فأسلم بموافقة ابن عباس، فأولى أن تُقبل توبةُ المسلم، لأن الإسلام يزيد أهله قُربًا إلى الله تعالى، وإلى قبولِ ما يتقربون إليه به من توبةٍ وغيرها، بل هو شرطٌ في قبول عباداتهم، فيقبلُ منهم ما لا يُقبل من الكافرين إجماعًا.
الوجه السادس: أن طاعات القاتل صحيحةٌ، ولذلك خُوطِبَ بالفرائض ووجبت عليه، وصحَّت منه، وكما صَحَّت صلاته وزكاته وحجه وصومه تصحُّ توبته ورجوعه إلى الله تعالى، وأي توبة أعظم من توبه القاتل الذي يَبْذُلُ نفسَه للقَوَدِ، بل قد جَعَلَها مختارٌ في كتابه " المُجتبى " حُجَّة على من قال من شيوخ المعتزلة: إن التائب لا يعلم قبول توبته، لأنه يجد الخوفَ مع التوبة، ولأنه لا يأمن أن يكون مُفرطًا في بعض شروطها، فأجاب الشيخ مختار: بأن أحوال التائبين تختلِفُ، وقد يمكن أن يعلَمَ ذلك بعضهم كمن تاب من القتل، وبذل جميع ما يعلم أنه يجب حتى بَذَلَ نفسه، وسلَّمها للقتل.
الوجه السابع: أنها قد وردت منصوصةً في الأحاديث المتفق على
[ ٩ / ٢٦ ]
صحتها كحديث الذي قتل تسعةً وتسعين، ثم سألَ عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عابدٍ، فقال له: " لا توبة لك فقتله، ثم دُلَّ على رجلٍ عالمٍ، فأمره بالتوبة، وبمفارقة أرضه، فسار مهاجرًا إلى أرضٍ غير أرضه، فمات في الطريق، فتخاصمت فيه ملائكةُ الرحمة وملائكة العذاب، فأمرَ اللهُ تعالى مَلَكًا أن يحكُمَ بينهم، أن يقيسوا ما بينه وبين الأرض التي عصى فيها، والأرض التي هاجر إليها، فقاسوا، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبرٍ، فقبضته ملائكة الرحمة ". رواه أهل الصحاح من وجوه كثيرة (١).
وروى البخاريُّ عن عبد الله بن يوسف، عن مالكٍ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: " يضحك الله ﷿ إلى رجلين يقتل أحدهما الآخرَ يدخلان الجنة، يُقاتِلُ هذا في سبيل الله فيُقتلُ، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد " رواه البخاري في " الجهاد "، وترجم له: باب الكافر يقتلُ المسلم [ثم يُسلم] فيسدِّدُ بعدُ ويُقتل.
ورواه النسائي في " الجهاد "، وفي " النعوت " عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن (٢) القاسم، عن مالكٍ بسنده، وقال في متنه: " يَعْجَبُ الله من رجلين " وساق الحديث (٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٩ و٣١٤. وانظر " صحيح ابن حبان " (٦١١) و(٦١٥).
(٢) تحرفت في الأصول إلى: " أبي "، والمثبت من " سنن النسائي " ٦/ ٣٨. وهو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري أحد رواة الموطأ عن مالك، وهو أول من دوَّن مذهب مالك في المدونة، وعليها اعتمد فقهاء المذهب، وهو ثقة من رجال البخاري وكانت وفاته في مصر سنة ١٩١ هـ.
(٣) أخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٤٦٠، والبخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠)، والنسائي ٦/ ٣٩، وفي " الكبرى " كما في " التحفة " ١٠/ ١٩٤، وابن ماجه (١٩١)، وعبد الرزاق (٢٠٢٨٠). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٢١٥).
[ ٩ / ٢٧ ]
الوجه الثامن: ما يذكره أهل علم الكلام أو بعضُهم من النظر العقلي، لأنه يلزَمُ من ذلك بُطلان التكليف، لأن التكليف مبنيٌّ على الابتلاء، لقوله تعالى في غير آية: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، و[الملك: ٢]، والابتلاء لا يصحُّ إلاَّ مع بقاء الدواعي، والصوارف، والخوف، والرجاء، والقنوط يبطل ذلك، وربما قالوا: إن ذلك يؤدي إلى تكليف ما لا يطاق، وهو ممنوعٌ كما ذلك مُقرَّرٌ في مواضعه، وإنما كان يُؤدي إلى ذلك، لأنه مخاطبٌ بطاعة الله ما دام في دار التكليف، فوجب أن يكون له إليها طريق، ولا طريق له إليها إلاَّ بالتوبة، وبذل ما يجبُ، وهذا واضحٌ والحمد لله وحده.
القول الثاني: إن القاتل المتعمد كافرٌ، لأنه عصى الله تعالى عمدًا، وكل من عصى الله متعمدًا (١) فهو كافر، وهذا هو قول الخوارج، وهو مخالفٌ لما عُلِمَ من ضرورة الدين وإجماع المسلمين قبلهم وبعدهم، وقد انقرضوا ولله الحمد.
القول الثالث: أن صاحب الكبيرة منافق، لأنه لو كان مؤمنًا لمنعه (٢) الإيمانُ بالله وجلاله ووعيده من ارتكابها، وهذا مرويٌّ عن الحسن البصري، وقد انقطع وانقرض خلافه أيضًا، وقد عُلِمَ من الدين خلافه، وقد أقام رسول الله - ﷺ - الحدود على المسلمين، ولا حدَّ على كافرٍ، ولا منافق، وقد صح أنها كفارات لأهلها (٣)، ولا كفارة لكافر ولا منافق، وسيأتي في الرد على من قال بكُفرِ القاتل
_________________
(١) في (ش): عمدًا.
(٢) في غير (ف): " منعه ".
(٣) أخرج أحمد ٥/ ٣١٣ و٣١٤ و٣٢٠، والبخاري (١٨) و(٣٨٩٢) و(٣٨٩٣) و(٣٩٩٩) و(٤٨٩٤) و(٦٧٨٤) و(٦٨٠١) و(٦٨٧٣) و(٧٠٥٥) و(٧١٩٩) و(٧٢١٣) و(٧٤٦٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي ٧/ ١٤١ - ١٤٢، وابن ماجه (٢٦٠٣)، والدارمي ٢/ ٢٢٠ من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وَفَى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقبَ في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب =
[ ٩ / ٢٨ ]
خصوصًا، ما يدل على بطلان قول الخوارج، وقول الحسن البصري:
القول الرابع: أن قاتل المؤمن عمدًا كافرٌ دون سائر الكبائر، لما ورد في ذلك من النصوص الصِّحاح المتفق على صحتها وشُهرتها وتلقِّيها بالقبول، مع ما يشهد لها من غيرها، فمن أصحِّها (١) وأصرحها:
الحديث الأول: عن المقداد بن الأسود أنه قال لرسولِ الله - ﷺ - أرأيت إن لقيتُ رجلًا من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها، ثم لاذَ مِنِّي بشجرةٍ، فقال: أسلمتُ لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها، فقال رسول الله - ﷺ -: " لا تقتله "، فأعاد السؤال، فأعاد رسول الله - ﷺ - الجواب، ثم قال: " فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تَقْتُلَهُ، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كَلِمَتَه التي قالها ".
وفي رواية: فلَمَّا أهويتُ لأقتُلَه قال: لا إله إلاَّ الله، وذكره. أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد (٢).
الحديث الثاني: حديث (٣) ابن مسعود عن رسول الله - ﷺ -: " سِبَابُ المؤمن فُسُوقٌ وقتاله كفرٌ " متفق على صحته (٤).
الحديث الثالث: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " متفق عليه من حديث أبي بكرة وغيره (٥).
_________________
(١) = من ذلك شيئًا، ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" فبايعناه على ذلك. لفظ البخاري.
(٢) في (ف): " أوضحها ".
(٣) أخرجه البخاري (٤٠١٩) و(٦٨٦٥)، ومسلم (٩٥)، وأبو داود (٢٦٤٤). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٦٤).
(٤) في (ف): " عن ".
(٥) تقدم تخريجه في ٨/ ٣٣.
(٦) أخرجه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٣٨٤٨)، وانظر الجزء الثامن من هذا الكتاب ص ١٤٠.
[ ٩ / ٢٩ ]
الحديث الرابعُ: حديث مروق الخوارج، وفيه أحاديث صحيحة شهيرة (١) والعلة في مروقهم هو ذلك.
وأما شواهد ذلك، فقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فيكون كمن قتل جميع الأنبياء والمرسلين، وذلك كافرٌ إجماعًا، فمن أشبهه (٢)، فهو كافر مثله.
ومنها حديث: " كلُّ ذنبٍ عسى أن يغفره الله (٣) إلاَّ من مات كافرًا أو مؤمنٌ قتل مؤمنًا متعمدًا " رواه أبو داود (٤) وحده من حديث خالد بن دهقان، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن أمِّ الدرداء، عن أبي الدرداء، وإسناده صالح ليس فيه من تُكلم فيه، إلاَّ مؤمَّل بن الفضل الراوي (٥) له أبو داود عنه، عن محمد بن شعيب بن شابُور، عن خالدٍ به.
قال العقيليُّ: في حديث مؤمَّلٍ وهم لا يُتابع عليه.
وقال أبو حاتم: ثقةٌ رضًا.
ومع هذا، فقد شَهِدَ له ما رواه النسائي (٦) من حديث معاوية عن النبي - ﷺ - بنحوه ولفظه: " كل ذنبٍ عسى الله أن يغفره إلاَّ الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا أو الرجل يموت كافرًا "، وهذا مثل الأول في النصوصية، لأن القاتل لو كان كافرًا لم يعطف عليه من مات كافرًا.
_________________
(١) تقدمت في أكثر من موضع منها ١/ ٢٣٢.
(٢) في (ف): " شبه به ".
(٣) في (ف): " عسى الله أن يغفره ".
(٤) رقم (٤٢٧٠). وأخرجه ابن حبان (٥٩٨٠)، والحاكم ٤/ ٣٥١، رالبيهقي ٨/ ٢١، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٥) لكنه توبع في رواية ابن حبان والحاكم والبيهقي.
(٦) ٧/ ٨١، وأخرجه أحمد ٤/ ٩٩، والحاكم ٤/ ٣٥١، والطبراني ١٩/ (٨٥٦) و(٨٥٧) و(٨٥٨).
[ ٩ / ٣٠ ]
وروى أحمد في " المسند " (١) قال: حدثنا زكريا بن عدي، أخبرنا بقية، عن بُحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المتوكل أو أبي المتوكل، عن أبي هريرة: " خمسٌ ليس لهُنَّ كفارةٌ: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبَهْتُ (٢) مؤمنٍ، والفِرار يوم الزَّحفِ، ويمينٌ صابرةٌ يقتطعُ بها مالًا بغيرِ حقٍّ " ذكره ابن الجوزي في الحديث الثاني والسبعين بعد السبعمئة من مسند أبي هريرة.
وروى ابن ماجه (٣) في الديات، عن عمرو بن رافع، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عنه - ﷺ -: " من أعان على قتل مؤمنٍ ولو بشطر كلمةٍ، لَقِيَ الله مكتوبٌ بين عينيه: آيِسٌ من رحمة الله ".
وروى النسائي والترمذي (٤) من حديث ابن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلمٍ ". قال الترمذي: وقد رُوي موقوفًا عليه، وهو أصح.
وروى الترمذي (٥) من حديث أبي الحكم البَجَليِّ قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيدٍ الخدري يذكران عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " لو أن أهل السماء وأهل (٦) الأرض اشتركوا في دمٍ، لأكَبَّهُمُ الله في النار ".
_________________
(١) ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢ وأبو الشيخ في " التوبيخ " (٢١٥)، وابن أبي حاتم في " العلل " ١/ ٣٣٩. وصرح فيه بقية بالتحديث ومن فوقه ثقات.
(٢) في (ف): " أو بهت " وفي غيرها: " ونهب "، وفي " التوبيخ ": " بُهتان ".
(٣) رقم (٢٦٢٠) ويزيد بن زياد متروك.
(٤) حديث صحيح أخرجه الترمذي (١٣٩٥)، والنسائي ٧/ ٨٢ ولم يرفعه، وقال الترمذي: وهذا أصح من الحديث المرفوع. وأخرجه النسائي ٧/ ٨٣ من حديث بريدة، وابن ماجه (٢٦١٩) من حديث البراء بن عازب. وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ٢/ ٣٣٤ تعليقًا على حديث البراء: وإسناده صحيح رجاله ثقات. وقد تقدم هذا الحديث في الجزء الثامن.
(٥) رقم (١٣٩٨).
(٦) ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٣١ ]
وخرَّج الحاكم في " المستدرك " (١) من حديث نصر بن عاصم، عن عقبة بن مالك في قصة من أسلم تعوّذًا وخوفًا (٢) من القتل في ظن القاتل، فَغَضِبَ رسول الله - ﷺ -، فسأله وهو يُعْرِضُ عنه، فقال له في الثالثة: " إن الله أبى على من قَتَلَ مؤمنًا. إن الله أبى على من قتل مؤمنًا. إن الله أبى على من قتل مؤمنًا " قالها ثلاثًا مؤكدًا لذلك. وقال الحاكم: هذا حديثٌ مخرَّجٌ مثله في " صحيح مسلم ". وهو نصٌّ في سببه.
ورواه أحمد في " المسند " (٣)، وقال: بشر بن عاصم مكان نصر بن عاصم.
وخرَّجه ابن ماجه (٤) عقبة، عنه - ﷺ -: " من لَقِيَ الله لا يُشرك به شيئًا لم يَتَنَدَّ (٥) بِدَمٍ حرامٍ دخل الجنة "، وسنده قوي ليس فيه إلاَّ عبد الرحمن بن عائذ، عن عقبة، قيل: إنه صحابي ووثقه النسائي، وإنما ضعَّفه الأزدي، وليس بمعتمدٍ، بل هو مضعف مختلف فيه.
وقال أحمد في " المسند " (٦): حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن
_________________
(١) ١/ ١٨ - ١٩ وهو حديث صحيح. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٥٩٧٢).
(٢) في (ش): " أو خوفًا ".
(٣) ٤/ ١١٠ و٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٤) رقم (٢٦١٨) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عقبة بن عامر الجهني. وأخرجه أحمد ٤/ ١٤٨ و١٥٢، والطبراني ١٧/ (٩٣٦) و(٩٦٩)، والحاكم ٤/ ٣٥١ - ٣٥٢ من طرق عن إسماعيل، به. قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ٢/ ٣٣٣: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن بن عائذ الأزدي سمع من عقبة بن عامر، فقد قيل: إن روايته عنه مرسلة.
(٥) أي: لم يُصب منه شيئًا، أو لم ينله منه شيء.
(٦) ٤/ ٢٧٨ وإسناده صحيح. وأخرجه الحميدي (٨٢٤)، وابن أبي شيبة ٨/ ٢، والطيالسي (١٢٣٢)، وأبو داود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٢٩١). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٦٠٦١).
[ ٩ / ٣٢ ]
أحاديث في أن قاتل نفسه من أهل النار
زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: أتيت النبي - ﷺ - وأصحابه عنده .. إلى قوله: وسألوه عن أشياء: [هل] علينا حرجٌ في كذا وكذا، قال: " عِبَادَ الله وَضَعَ الله الحَرَجَ إلاَّ امرءًا اقترض (١) امرءًا مسلمًا ظلمًا، فذلك حَرِجَ وهلك " قالوا: ما خير ما أُعطِيَ الناسُ قال: " خُلُقٌ حَسَنٌ ".
وخرَّجه الحاكم (٢) في الطب عن زياد، كلهم أئمة وبالغ في تصحيحه، لكن لفظه: " إلاَّ من اقترف من عرض امرىء مسلم "، وطرقُه في العِرْض كلها، لا في القتل.
وفي " الكشاف " نحو هذه الأحاديث السديدة بغير إسناد، وهذه تشهد لها، والله أعلم.
وفي " الصحيحين " أحاديث نصوص في أن قاتل نفسه من أهلِ النار.
أحدها: عن سهل بن سعد (٣)، وثانيها: عن جندب (٤)، وثالثها عن أبي هريرة (٣) وهي في الرجل الذي قاتل مع النبي - ﷺ - وهو مُدَّعٍ للإسلام. وأخبر النبي - ﷺ - أنه من أهل النار، فارتاب بعض الناس، وقالوا: " أيُّنا من أهل الجنة إن كان من أهل النار، فقال رجلٌ من القوم: أنا صاحبه أبدًا، فجاء فأخبر النبي - ﷺ - أن الرجل أصابه جِراحٌ شديدةٌ، فَجَزِعَ وقتل نفسه.
ورابعها: عن أبي هريرة أيضًا وتفرد فيه بذكر الخلود، ولم يرد على سبب له، وأوله: " من تَرَدَّى من جبلٍ فَقَتَلَ نفسه، فهو في النار يتردَّى خالدًا فيها مُخَلَّدًا " (٥) الحديث. ذكرها ابن الأثير كلها في كتاب القتل من حرف القاف من " جامع الأصول " (٦).
_________________
(١) أي: قطع، ومعناه: إلاَّ من اغتاب مسلمًا أو سبه أو آذاه في نفسه، عبر عنه بالاقتراض لأنه يُسترد منه في العقبى.
(٢) ٤/ ٣٩٩.
(٣) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٦٤) و(٣٤٦٣)، ومسلم (١١٣).
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) ١٠/ ٢١٦ - ٢٢١.
[ ٩ / ٣٣ ]
وفي حديث جندب: " بدرني عبدي بنفسه حَرَّمْتُ عليه الجنة " وفيه: " أنه ممن كان قبلكم " وحديث علي ﵇ وجابر، في هذه الأمة والله أعلم.
وفي الترمذي من حديث ابن عباس: " يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ورأسه وناصيته بيده، وأوداجه تشخُبُ دمًا، يقول: يا رب سَلْ هذا فِيمَ قتلني " وقال: حديثٌ حسن (١).
وفيه أيضًا عن نافع قال: نظر عبدُ الله يومًا إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حُرمتك، والمؤمن أعظم حرمةً عند الله منك " وقال: حديثٌ حسن (٢).
وفي " صحيح البخاري " (٣) عن جندبٍ: " ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة كفٌّ من دمٍ أهراقه، فليفعل ".
وفي " صحيحه " (٤) أيضًا عن ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يزال المؤمن (٥) في فُسحَةٍ من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا ".
وذكر البخاري (٦) أيضًا عن ابن عمر قال: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفكُ الدم الحرام بغير حِلِّهِ ".
وفي " صحيح البخاري " (٧): " من قَتَلَ معاهدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا " فهذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن الذي صح أن الله يُعادي من يؤذيه ويُؤْذِنُه
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢١.
(٢) تقدم في الجزء الثامن.
(٣) رقم (٧١٥٢).
(٤) رقم (٦٨٦٢). وأخرجه أحمد ٢/ ٩٤، والحاكم ٤/ ٣٥١.
(٥) في (ف): " المسلم ".
(٦) رقم (٦٨٦٣).
(٧) رقم (٣١٦٦) و(٦٩١٤) من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه أحمد ٢/ ١٨٦، والنسائي ٨/ ٢٥، وابن ماجه (٢٦٨٦)، والحاكم ٢/ ١٢٦ - ١٢٧. وفي الباب حديث أبي بكرة، انظر تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٤٨٨١) و(٤٨٨٢).
[ ٩ / ٣٤ ]
ذكر الحجج لمن لا يكفر القاتل المتعمد
بالحرب، وقد عُذِّبَتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ حبستها حتى ماتت جوعًا وعطشًا كما ثبث في " الصحيح " (١).
فهذه شواهد تحمل كفر القاتل المتعمد على ظاهره، فلا يَرِدُ وعيدُ القاتل نقضًا على أهل السنة في رجائهم لسائر أهل الكبائر التي لم يرد في شيء منها أنه كفر.
والجواب أن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك بالله بغير ريب، والمصير إلى السنن الصحاح الخاصة واجبٌ على مقتضى قواعد أهل العلم، ولكن قد صح ورود الكفر في الحديث، والمراد به كفرٌ دون كفرٍ، كما في حديث وصف النساء بالكفر، قالوا: يا رسول الله: يكفرن بالله؟ قال: " لا، يكفرن العشير " يعني الزوج. متفق على صحته (٢). وله نظائرُ كثيرةٌ، هذا (٣) منها لما نذكره من الأدلة الواضحة إلاَّ من استحل قتل المؤمن، فإنه كافر، وخصوصًا أفاضل المؤمنين المعلوم إيمانهم بل فضلهم وتفضيلهم من رسول الله - ﷺ - كما يأتي.
ولمن لا يكفره حُججٌ:
الحجة الأولى: حديث ابن مسعود المتفق على صحته عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " لا يَحِلُّ دمُ امرىءٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: الثَّيِّبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارق للجماعة " (٤).
وعن عائشة نحوه رواه أبو داود والنسائي (٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في (ش): " وهذا ".
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٤٤٠٨).
(٥) أخرجه مسلم (١٦٧٦) (٧٦)، وأبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي ٧/ ٩١، وأحمد ٦/ ١٨١، وابن حبان (٤٤٠٧).
[ ٩ / ٣٥ ]
وعن أبي أُمامة بن سهل، عن حنيف، عن عثمان أنه قال يوم الدار مثل ذلك. رواه الترمذي والنسائي (١).
قلت: وفيه تقرير الحاضرين مع كثرتهم لعثمان على ذلك، وفي جميع هذه الأحيان جعل القاتل مسلمًا، ويعضُدُهُ من النظر أنه أوجب القصاص عليه، وأجمع المسلمون على ذلك، مع الإجماع على (٢) أنه (٣) لا قِصاص بين المسلمين والكفار، فلو تاب الكافر بعد قتل المسلم لم يُقْتَصَّ منه إجماعًا، ولو تاب القاتل بعد القتل وجب القصاص بعد التوبة إجماعًا.
الحجة الثانية: إسقاط العفو من أولياء المقتول للقصاص ولو كان القتل كُفرًا، وَجَبَ قتل القاتل بالكفر وإن سقط القصاص.
الحجة الثالثة: الإجماع على وجوب الصلاة والزكاة عليه، وصحة فرائض الإسلام منه، وإقامة حدِّ الزنى عليه، وحد السرقة والخمر وغير ذلك مما يختصُّ بأهل الإسلام، ولا يشرع في حق أهل الكفر، ولا تصح الفرائض من كافر إجماعًا، بل لا تجب عليه عند الزيدية والحنفية.
الحجة الرابعة: أنه لا ينفسِخُ نكاح زوجته بالقتل ويجوز (٤) تزويجه ابنته المسلمة (٥)، بل لا تسقط ولايته لقريبته المسلمة في النكاح عند كثيرٍ من العلماء، إلاَّ عند الناصر والشافعي.
وبهذه الأشياء يلزم المعتزلة ومن وافقهم من الوعيدية تسميته مسلمًا، والمسلم عندهم مؤمنٌ لا فرق بينهما، والمؤمن المسلم محل لما وَرَدَ في آيات الوعيد بالمغفرة والتجاوز لمن شاء الله أن يغفر له ممن ذنبه دون الشرك، ولكن
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢١٥٨)، وأبو داود (٤٥٠٢)، والنسائي ٧/ ٩٢.
(٢) ساقطة من (ف).
(٣) في (ش): " على ذلك وأنه ".
(٤) في (ش): " وتجويز ".
(٥) تحرفت في (ش) إلى: ابتداء بالمسلمة.
[ ٩ / ٣٦ ]
قد صَحَّتِ الأحاديث بإخراجه من ترجِّي المغفرة المحضة عند الجمهور، إنما بقي الخلاف في أنه من أهل الخلود والكفارات أو لا كما سيأتي.
الحجة الخامسة: ما تقدم هو ما رواه أبو داود والنسائي من حديث واثلة بن الأسقع أن ناسًا من عبد القيس سألوا رسول الله - ﷺ - عن صاحبٍ لهم أوجب النار بالقتل، فقال: " أعتِقُوا عنه يعْتِقِ الله بكل عضوٍ منها عضوًا منه في النار ".
وإسناده قوي، خرَّجه الحاكم في العتق من " المستدرك " وقال: على شرطهما (١)، وتشهد له أحاديث فضل العتق كما يأتي، وهذا من قبيل، التكفير، لا من قبيل المغفرة المَحْضَة قوله تعالى: ﴿إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السيئات﴾ [هود: ١١٤]، في عشر آياتٍ أو أكثر في معناه كما يأتي خصوصًا على قول الخصوم: إن العموم في الأخبار يفيد الاعتقاد القاطع، ولا يجوز تخصيص الاعتقاد كعمومات الوعيد سواء.
الحجة السادسة: أنه لا يَجِبُ قتله بولده، ولو كان كُفرًا قُتِلَ بالكفر، وسواءٌ كفر بقتل ولده أو غيره، وكذلك لا يُقْتَلُ بعبده على الخلاف في ذلك، وكذلك (٢) اختلفوا في قتلِ الرجل بالمرأة وإن كان فيه شذوذ، بل اختلفوا في القتل إذا كان بالحجر ونحوه، ولم يكن بالسيفِ ونحوه، فلم يوجبْ أبو حنيفة فيه القصاص ولا القتل.
الحجة السابعة: ما تقدَّم من حديث عبادة أن رسول الله - ﷺ - بايعهم ليلة العقبة على أشياء أن لا يفعلوها، منها: قتل أولادهم، ثم قال: " فمن عُوقِبَ بشيءٍ من ذلك في الدنيا، فهو كَفَّارتُه، ومن لم يعاقب فأمره إلى الله إن شاء عذَّبَه وإن شاء عَفَا عنه " (٣) وسيأتي تمام البحث فيه، ويعضد عمومه ما رواه النسائي (٤)
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه أبو داود (٣٩٦٤)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٩/ ٧٩، والحاكم ٢/ ٢١٢. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٤٣٠٧).
(٢) من قوله: " أنه لا يجب " إلى هنا ساقط من (د) و(ف).
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٨.
(٤) ٨/ ١٧ - ١٨.
[ ٩ / ٣٧ ]
في القتل بخصوصه من حديث بريدة أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إن هذا قتل أخي، قال: " اذهب فاقتله كما قتل أخاك "، فقال له الرجل: اتق الله واعفُ عني، فإنه أعظم لأجرك، وخيرٌ لك ولأخيك يوم القيامة، قال: فخلَّى عنه، فأُخْبِرَ النبي - ﷺ -، فسأله، فأخبره بما قال له، قال: فأعتَقَه، فقال: " أما إنه كان خيرًا مما هو صانعٌ بك يوم القيامة، يقول: يا ربِّ سَلْ هذا فِيم قتلني " ذكره ابن الأثير في الفصل الرابع في العفو من كتاب القتل من حرف القاف من " الجامع " (١) وهو يدل على أن من قُتلَ قِصاصًا كان ناجيًا يوم القيامة فهو بالقصاص (٢) بالقتل مثل حديث قتادة في الحدود على العموم والحمد لله.
الحجة الثامنة: حديث جابر عن رسول الله - ﷺ - في المهاجر الذي مَرِضَ فجَزِعَ فقَطَعَ براجِمَه فمات، فرآه الطفيل بن عمرو في الجنة مُغَطِّيًا يديه، وقال: إن الله غفر له بهجرته إلى رسول الله - ﷺ - فقال له: فما بالك (٣) مغطيًا يديك قال: قال الله لي: أما ما أفسدت من نفسك، فلَنْ نُصْلِحَه، فقَصَّها الطفيل على رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: " وَلِيَدَيْهِ فاغفر " رواه مسلم (٤).
ويعضُده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، وقاتل نفسه كقاتل غيره في الإثم (٥) وفيه الأحاديث الصحاح مثل حديث: " من قَتَلَ نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يجأ بها بطنه في النار خالدًاَ مخلدًا " (٦).
الحجة التاسعة: ما ورد مما يدلُّ على استحباب العفو عنه وتأكيد ذلك حتى روى النسائي (٧)، من حديث أنس، أن رجلًا أتى بقاتل وَليِّه رسول الله، فقال
_________________
(١) ١٠/ ٢٧٥. هو في كتاب القصاص، وليس في القتل كما ذكر المؤلف.
(٢) في (ف): " في القصاص ".
(٣) في (د) و(ف): " فمالك ".
(٤) رقم ١١٦. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٣٠١٧).
(٥) في (ش): " بالإثم ".
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) ٨/ ١٧.
[ ٩ / ٣٨ ]
له النبي - ﷺ -: " اعفُ عنه " فأبى، فقال: " خُذِ الدية "، فأبى، فقال: " اذهب فاقتله فإنك مثله " فذهب فلحِقَ الرجل. فقيل له: إن رسول الله - ﷺ - قال: " من قتله فإنه مثله " فخلَّى سبيله فمرَّ بي الرجل وهو يَجُرُّ نِسْعَتَه (١). فهذا رواه النسائي على تشيعه ورواه ابن الأثير في " الجامع " (٢) في حرف القاف في الفصل الرابع في العفو.
وذكر بعده حديثًا في معناه رواه مسلم في " صحيحه " (٣) من حديث وائل بن حُجر وفي آخره عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أشوع ما يُوهمُ أن العلة في كونه مثله أن النبي - ﷺ - سأله أن يعفُوَ عنه فأبى، ويدل عليه حديث بريدة المقدم في الحجة السابعة.
الحجة العاشرة: أن القتل لو كان كفرًا لكان الأمر في قتل القاتل إلى النبي - ﷺ - لا إلى أولياء المقتول.
القول الخامس: أنه مؤمن كامل الإيمان، وأن إيمانه يُكَفِّرُ ذنبه قطعًا إن استقام على الإيمان حتى يموت، وختم له بذلك، لكنه لا يعلم ذلك، فهو يخاف العذاب لعدم علمه بالخاتمة، ويخاف من ذنب القتل أن يكون سببًا في سوء الخاتمة، والموت على غير الإسلام، وهذا قول المرجئة، وأحاديث الشفاعة العامة في العصاة ترُدُّه، لأنها مصرِّحة بدخولهم النار، بل أحاديث قتل المؤمن للمؤمن المقدمة تردُّه، وإنما لم يُحتج عليهم بالآية، لأن النزاع فيها لعدم نصِّها على أن القاتل مؤمن كما يأتي بيانه.
أمَّا الأحاديث المقدمة عن أبي الدرداء، ومعاوية، وعقبة بن مالك، فإنها نصوصٌ في قتل المؤمن للمؤمن، وإنه كالشرك بالله مما خص بأنه لا يُغفر، فوجب تقديمها لنصوصها وخصوصها على جميع قواعد أهل العلم، إلاَّ أنه يلزَمُ
_________________
(١) هي حبل من جلود مضفورة، جعلها كالزمام له.
(٢) ١٠/ ٢٧٥.
(٣) رقم (١٦٨٠).
[ ٩ / ٣٩ ]
المعتزلة ألا يقولوا بها متى التزموا قاعدتهم في أن العمومات الخبرية في الوعد والوعيد لا يجوز تخصيصها بالآحاد، وإنه لا يجوز التخصيص للاعتقاد وقد تقدم بطلانه، وسيأتي أيضًا والرد على المرجئة في كل كتابٍ من كتب الحديث الصحاح، وبذلك ابتدأ البخاري " صحيحه " ونصرَه شُرَّاح كتب الحديث، وقد تطابق على تزييف قولِهم أهل الحديث وأهل الكلام وجميع طوائف الإسلام، وانقرضوا فلم نُعَاصِرْ منهم أحدًا بحمد الله، ولذلك لم نُطَوِّلْ بالرد عليهم، كما لم نطول في الرد على الخوارج، ومن قال: إن العاصي المتعمد منافقٌ ونحوهم، لظهور بُطلانها، وانقراض أهلها، وعدم معاصرة من يجادل عليها ويَذُبُّ عنها، ولكن ينبغي ممن يسمعُ بقول المرجئة ممن أنكره أو قَبِلَه، أن لا يغفل عن قولهم: إن الكبيرة قد تكون سببًا للكفر عند الموت، " وكان - ﷺ - يتعوَّذ من تخبُّطِ الشيطان عند الموت " (١) خاصة إذا قاربها الاستحقاق أو الأمان كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه﴾ [الروم: ١٠]، وقد جوّد التعبير عن هذا المعنى الغزالي في كتاب التوبة من " إحياء علوم الدين " فليطالع هنالك، وما أوقع قوله (٢) فيه: وقول العاصي للمطيع: إني مؤمنٌ وأنت مؤمن، كقول شجرة القرع لشجرة الصنوبر: إني شجرة وأنت شجرةٌ، فتقول شجرة الصنوبر بلسان الحال: ستعرفين اغترارك بشمول الاسم، إذا عصفت رياح الخريف، فعند ذلك تَنْقلِعُ أصولُك، وتتناثر أوراقك، وينكشف غرورك، بالمشاركة في اسم الشجرة مع الغفلة عن أسباب ثبات الأشجار، وهو أمرٌ يظهر عند الخاتمة. وإنما تقطعت نياط قلوب العارفين خوفًا من الفوت، ودواعي (٣) الموت، ومقدماته الهائلة التي لا يثبُتُ عليها غير الأقلين، فالعاصي إذا كان لا
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٧، وأبو داود (١٥٥٢) و(١٥٥٣)، والنسائي ٨/ ٢٨٢ - ٢٨٣ و٢٨٣، والطبراني ١٩/ (٣٨١)، والحاكم ١/ ٥٣١، من حديث أبي اليَسَر، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) ٤/ ٨.
(٣) في الأصول: " دواهي "، والمثبت من " إحياء علوم الدين ".
[ ٩ / ٤٠ ]
يخافُ الخلود كالصحيح الذي لا يخاف الموت فجأة لندوره، لكنه إذا انهمك في الشهوات المضرة، فإنه يخاف المرض، ثم إذا مرض خاف الموت، فكذلك العاصي المسلم يخاف سوء الخاتمة، ثم إذا خُتِمَ له بذلك وَجَبَ الخلود في النار، فالمعاصي للإيمان كالمأكولات المُضرة للأبدان. إلى آخر كلامه في ذلك، وهو كلامٌ بليغٌ مجوَّد ينبغي من كل مسلم معرفته، والعمل بمقتضاه، نسأل الله التوفيق.
وعن علي ﵇: أن عابدًا زنى بامرأةٍ، فخاف الفضيحة، فقتلها فافتضح، وأخذوه، فجاءه الشيطان فقال: اسجُدْ لي أُنجيك، فسجَدَ له وفيه نزلت: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦] صححه الحاكم في تفسير الآية (١).
القول السادس: قول المعتزلة: إن الآية مخصوصة متأولة بغير التائب، وغير من جَدَّد الإسلام بعد القتل، وغير قاتل المؤمن في القصاص، وحد الزنى خصوصًا بعد التوبة فيهما، وذلك لأن الآية لم تَنُصَّ علي التعدي مع التعمد ولا بد منه، ومن تعمد وليس بمتعدٍّ، فلا وعيد عليه، وإن وعيد القاتل بالعذاب والخلود إنما هو بسبب حق الله، لا بسبب حق المقتول، فإنه لا يستحق به الخلود، بل ولا العذاب، لأنه يَجِبُ عندهم على الله أن لا يُميت القاتل حتى يُعِدَّ له من أعواضه ما يقضي حق المقتول، ويوفيه ولا يخاف الظالم عندهم من المظلوم في الآخرة البتة من جهة حقوق المخلوقين، لكن من جهة حق الله تعالى، فإذا ثَبَتَ أنه عمومٌ مخصوصٌ فقد اشتد الخلاف فيه في أمرين خفيَّيْن ظنيين:
أحدهما: هل هو حقيقة في الباقي أم مجاز، وفيه ثمانية أقوال، وقول الجمهور منها: إنه مجاز لوجهين.
أحدهما: أنه لو كان حقيقة في الباقي بعد التخصيص كما كان قبله، لكان
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٩ / ٤١ ]
مشتركًا، وذلك باطلٌ، لأن الغرض أنه حقيقة في الاستغراق.
وثانيهما: أن الخصوص لا يُفْهَمُ إلاَّ بقرينةٍ كسائر المجاز، قال المخالف مطلقًا: -وهم الحنابلة- المتأول باقٍ، وكان حقيقةً، قلنا: كان حقيقةً مع غيره، قالوا: يسبق إلى الفهم كغيره، قلنا: بقرينة وهو دليل المجاز.
الأمر الثاني: اختلافهم في كونه حجةً بعد التخصيص، والسرُّ في ذلك أن أدلَّتَهم فيه معروفة في كتب الأصول، وهي من قَبيل الأمارات الظنية والذوق، وليس فيها دِلالةٌ قاطعةٌ، وذلك جَلِيٌّ لمن يعرف شروط القطع، وهو في النقليات، التواتر الضروري في النقل، والتجلي الضروري في المعنى، وهذه المسألة نقلية عن أهل اللغة العربية وعرفها، وليس للعقل فيها مجالٌ، فانظر الآن الأقوال ومآخذها، فقد اشتد اختلاف المعتزلة وغيرهم في العموم المخصوص كما هو مُبَيَّنٌ في كتب أصول الفقه.
فقال شيخ الاعتزال أبو القاسم البَلْخي: إن العموم المخصوص ليس بحجة، إلاَّ أن يكون خُصَّ بمتصل كالاستتناء ونحوه، لأنا قد علمنا أن ظاهره غير مراد.
وقال الشيخ أبو عبد الله البصري: إن كان العموم مُنبئًا عن المخرج منه المخصوص، فهو حجةٌ كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] مع تحريم قتل أهل الذمة منهم وإن لم يكن منبئًا عنه لم يكن حجة بعد التخصيص كالسارق والسارقة، فإنه لا يُنبىءُ عن النصاب والحِرز.
وقال قاضي القضاة: إن كان غير مفتقرٍ إلى بيانٍ كالمشركين، فهو حجة بعد التخصيص، وإلا فهو غير حجة، مثل: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] مع تحريمها على الحائض. ومن العلماء من قال: يكون حجة في أقل الجمع.
وقال أبو ثور: ليس بحجةٍ، والصحيح أنه حجة ظنية إلاَّ أن ينضم إليه ما
[ ٩ / ٤٢ ]
يصيرُ معناه قطعيًا، ولم (١) يُؤَثم أحدٌ من هؤلاء المختلفين، ثم إنهم بعد ذلك غَفَلُوا عن قواعدهم في أصول الفقه، وزعموا أن دلالة الآية بعد تخصيصها باقيةٌ على إفادة القطع بأن الإسلام لا يجوز أن يكون له تأثير في تخصيص القاتل المسلم من أهل الخلود إذا تقدم إسلامه على القتل، وإن استقام عليه وخُتم له به (٢)، ومات على الاستقامة على ذلك مع إجماعهم على أن هذا الإسلام الذي لا أثر له عندهم قطعًا لو تأخَّرَ بعد القتل لَهَدَم القتل بمجرده، وإن كان قد قتل ألف نبيٍّ مرسل، وإن كان معه جميعٌ أنواع الشرك والجحود والإلحاد وأنواع الطغيان والفساد، فيا عجبًا لهم كيف استنكروا من أهل السنة أن يجعَلُوا له تأثيرًا في عدم الخلود، ولا (٣) في عدم العقاب والانتصاف للمقتول، وهو يهدم الكفر وما صَحِبَه من الموبقات، بحيث إن القاتل المستحق للعذاب الدائم عند المعتزلة لو ضمَّ الشرك إلى ذنب القتل، ثم أسلم آخر عُمرِه لنفَعَه الموت على الإسلام، أفما ضَرَّه إلاَّ سبقُه إلى الإسلام، وعدم جمعه بين الشرك والقتل، وأنه استقام على الإسلام حتى مات ولم يُشرك بربِّه طرفة عين؟ فكذلك عند المعتزلة لو كَفَرَ بعد القتل ثم أسلم نفعه إسلامه بخلاف ما لو استقام على إسلامه، فلو أن رجلين قتلا رجلًا، ثم استقام أحدهما على الإسلام والقيام بجميع فرائضه ونوافله غير أنه لم يجمع شرائط التوبة النصوح مع الاستغفار، وعفا المقتول عنه أو أرضاه (٤) بالاستيفاء والتعرُّض لجميع المكفِّرات من العِتْقِ والحج والجهاد والصدقات العظيمة والصدقات الدائمة من عمارة المناهل والمساجد والمدارس وسائر أنواع المصالح التي جاءت الآيات والأخبار بتكفيرها للذنوب واستجلابها لرحمة خير الراحمين. وأحدهما ارتدَّ عن الإسلام وسعى في الفساد في الأرض، وقتل الصالحين وحَرَبَ (٥) المُحقين، لكنه خُتِمَ له ببعض ما استقام عليه، وهو مجرد النطق بالشهادتين عند النَّزْعِ، لَوَجَبَ القطع بأنه أسعد من
_________________
(١) في (ش): " ولو لم ".
(٢) في (ش): " بذلك ".
(٣) في (ش): " لا ".
(٤) في (ش): " وأرضاه ".
(٥) في (ش): " وأحرب ".
[ ٩ / ٤٣ ]
صاحبه المستقيم على الإسلام، بل لوجب القطع لصاحبه المستقيم أنه خالدٌ في النار أبدًا مع الكفار لا تُدركه رحمة، ولا يُكفِّرُ عنه شيء من حسناته تكفيرًا يجوز معه مجرد تجويز أن يخرج من النار بعد أن يقف فيها عدد رمل الرمال، ومثاقيل ذرِّ الجبال أعوامًا وقرونا ودهورًا وأحقابًا، وإن أخرجه الله من النار بعد ذلك وأضعافه وأضعاف أضعافه، فما جزاه حق جزائه، وكان ذلك خُلفًا قبيحًا، وكذبًا مَحْضًا، لا يصح فيه تأويلٌ لأحدٍ من الراسخين، بل لا يجوز مجرد تجويز أن (١) يَصِحَّ أن يستأثر الله بعلم تأويلٍ يحسن ذلك معه، ولا يخرُجُ عفو الله عنه معه من صريح القُبح المبطل للربوبية والنبوات وشرائع الإسلام مع ما وَرَدَ في الأحاديث الصحيحة الشهيرة من تحسين ذلك، فقد صح أن الله تعالى يقول: "الحسنة بعشر أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها أو أعفو" (٢) خرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيدٍ الخدري (٣) وابن عباس (٤) وأبي ذر (٥)، وأحمد من حديث أبي رزين العُقيلي ﵃ نحوه (٦) ولولده عبد الله والطبراني (٧)
_________________
(١) في (ف): " أنه ".
(٢) في (ف): "عفو".
(٣) أخرجه البخاري (٤١) تعليقًا عن مالك، أخبرني زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا سعيد الخُدري أخبره أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " إذا أسلم العبد فحسُنَ إسلامه، يُكَفِّرُ الله عنه كل سيئة كان زَلَفَها، وكان بعد ذلك القِصاصُ: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف والسيئة بمثلها إلاَّ أن يتجاوز الله عنها ". ووصله النسائي ٨/ ١٠٥ - ١٠٦، وابن حجر من طرق عن مالك. وأخرج نحوه من حديث أبي هريرة: البخاري (٤٢)، ومسلم (١٢٩)، وابن حبان (٢٢٨)، والبغوي (٤١٤٨).
(٤) أخرجه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١).
(٥) أخرجه مسلم (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٣٨٢١).
(٦) " المسند " ٤/ ١١ - ١٢ ولفظه: " قلت: يا رسول الله، كيف لي بأن أعلم أني مؤمن؟ قال: ما من أمتي أو هذه الأمة عبد يعمل حسنة، فيعلم أنها حسنة، وأن الله جازيه بها خيرًا، ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة، واستغفر الله ﷿ منها أنه لا يغفر إلاَّ هو إلا وهو مؤمن ".
(٧) " المسند " ٤/ ١٣ - ١٤، والطبراني ١٩/ (٤٧٧) وهو حديث مطول وقد قال الحافظ =
[ ٩ / ٤٤ ]
نحوه (١) من حديث لقيط بن عامر (٢) بسندين مرسلٍ ومسندٍ، ورجاله ثقات (٣).
فهذه خمسة أحاديث مع ما يَعْضُدُهُ من الأحاديث ويشهَدُ لها من القرآن مثل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم﴾ [الأحزاب: ٢٤] الآية. والإجماع، ومن حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها، ومع ما في النظر من حسن ذلك، بل يرجحه (٤) على العقوبة المستحقة، وإن قلنا: إن الله تعالى لا يفعل ذلك بلا تأويل مع حسنه، لغنائه عنه بما هو أحسن منه، كما يأتي الآن. وخالف الخصوم هذا كله، ورجَّحوا تأويل الوعد على تأويل الوعيد، وأدَّاهم ذلك إلى أشياء ركيكةٍ، مثلما ذكرتُه الآن من الرجاء لمن أسلم عند موته دون من سَبَقَه بالإسلام واستقام عليه، حتى وجد فيهم من يكفر عند موته ثم يتوب ليحصل له بذلك القطع بالمغفرة على زعمه، ويلزمهم أن يكون الأحوط للكافر تأخيرُ الإسلام متى قال: اللهُمَّ إنِّي أشهدُ بالتوحيد في آخر وقت يصحُّ مني فيه الإسلام أو نحو ذلك كما حُكِيَ (٥) عن مصنفِ " كنز الأخيار " الأمير إدريس بن علي بن عبد الله الحمزي (٦) أنه كَفَرَ عند موته ثم
_________________
(١) = في " تهذيب التهذيب " ٥/ ٥٧: حديث غريب جدًا. قلت: ووقع في المطبوع من " المسند ": حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عبد الله، وهو خطأ وصوابه: حدثنا عبد الله، حدثنا عبيد الله وعبيد الله هذا هو أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي وهو من شيوخ عبد الله بن أحمد.
(٢) ولفظه: قلت: يا رسول الله، فيم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: " الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها أو يغفر ".
(٣) في الأصول: " صبرة "، وهو خطأ، وقد ذكره المؤلف على الصواب ص ٤٨.
(٤) انظر " المجمع " ١٠/ ٣٣٨ - ٣٤٠.
(٥) في (ش): " مرجحة "، وفي (ف): " ترجيح ".
(٦) في (ف): " رُوِيَ ".
(٧) عماد الدين أبو موسى الصنعاني، من أمراء صنعاء وأشرافها، كان إمامًا لا يُجارى، وعالمًا لا يُبارى، وكان زيدي المذهب، وله " الأدب المذهب "، وكان رُشِّح للإمامة، له =
[ ٩ / ٤٥ ]
تاب، وأفتى بعضُ الشيعة بذلك الأمير الباقر بن محمد الهادوي، فغضب من ذلك، وأقسم لا كَفَرَ بالله أبدًا وإن عذَّبه، فرحمه اللهُ إني لأرجو له المغفرة بهذا وحده. فإن كانوا قالوا ذلك بمحض العقل، فإن فِطَر عقول العقلاء تُنكر ذلك بدليل ما عليه من لم يتلقن علم الكلام، والامتحان للعقلاء بالسؤال عن ذلك يوضِّحُ ما ذكرت، وإن كانوا قالوا ذلك من أجل التصديق للسمع والإيمان بأن العمومات لا تُخصَّصُ، فإن الإيمان بعموم الوعد بالرحمة والمغفرة، وخصوص الإخراج من النار لمن دخلها من الموحدين كالقاتل ولو على سبيل التجويز من غير قطعٍ بذلك، آكدُ من الإيمان بعموم الوعيد، لأن إخلاف الوعد بالخير فيه قبيحٌ بإجماع الخصوم، وإخلاف الوعيد بالشر مختلفٌ فيه، فإن كان تأويلهم لبعض الوعد تفسيرًا لا تكذيبًا، كان تأويل أهل السنة لبعض الوعيد كذلك، وإن كان تأويل بعض الوعيد عندهم تكذيبًا، ونسبة للخلف إلى الله تعالى كان تأويلهم (١) لبعض الوعد كذلك وقد أجمعنا على أن من حَلَفَ على الوعيد استُحبَّ له الحِنْثُ والتكفير عن يمينه، وصحت فيه النصوص، وتلقتها الأمة بالقبول، وسمته العرب في أشعارها عفوًا لا كذبًا ولا خُلْفًا، كما قال قائلهم وهو كعب بن زهيرٍ في قصيدته المشهورة في النبي - ﷺ -:
نُبِّئْتُ أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمولُ (٢)
ولم يقل: والخُلْفُ عند رسول الله مأمولٌ، والمختار لنا أن نقول: إن الله تعالى منزه عن ذلك، ولا يجوز لعلمه السابق عند الوعيد بالعواقب الحميدة من
_________________
(١) = مؤلفات عدة، منها " كنز الأخيار في معرفة السير والأخبار " رتبه على السنين وذكر حوادث كل سنة مع عناية تامة بتراجم رجال الزيدية وأئمتهم. وفرغ من تأليفه سنة (٧١٣ هـ)، وتوفي سنة (٧١٤ هـ). انظر " العقود اللؤلؤية " ١/ ٣٢٤ و٤١٠ - ٤١١، و" الدرر الكامنة " ١/ ٣٤٥، و" ملحق البدر الطالع " ص ٥٢، وكشف الظنون " ٢/ ١٥١٢.
(٢) في (ش): " كتأويلهم ".
(٣) القصيدة بتمامها في " السيرة النبوية " لابن هشام ٤/ ١٤٧ - ١٦٥.
[ ٩ / ٤٦ ]
غيرها وقدرته سبحانه على ما هو خيرٌ منه لما فيه من نسبة (١) الخُلْفِ المذموم، فهو غنيٌّ عنه بخيرٍ منه، ولأن الله تعالى يختار من كل شيءٍ حسنٍ أحسنه فهو كما قال: ﴿ما يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، وإنما يقع في كلام الله تعالى التأويل لا الخلف، كالضرب بالضِّغثِ في قصة أيوب، وكما صح فيمن مات له وِلْدانٌ أنها لا تمسُّه النار إلاَّ تَحِلَّةَ القسم (٢)، وهذه الآية تشهد لصحة هذا الحديث من حيث التأويل، وكما صح قصرُ كثيرٍ من العمومات على أسبابها، كما صح في ذَمِّ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] أنها نزلت في اليهود أو في المنافقين (٣)، وأن المؤمن من سرَّته حسنتُه وساءته سيئتُه (٤) ولم يكن ذلك ردًّا لكتاب الله، وكما صح تخصيص: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] بغير أهل الصغائر، وما تعارض، ولم يتضح الخاصُّ فيه، وجب الوقف فيه، وإذا كان التخصيص والتفسير ليس من التكذيب في شيء فما بال المعتزلي يعترض السني في تخصيص القرآن بالقرآن وبالأخبار،
_________________
(١) في (أ) و(ف): " شبه ".
(٢) أخرج مالك في " الموطأ " ١/ ٢٣٥، والبخاري (١٢٥١)، ومسلم (٢٦٣٢) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد فتمسَّه النارُ إلاَّ تَحِلَّةَ القسم ". وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٢٩٤٢). وقد تقدم في ٨/ ٤٢٠.
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨)، والترمذي (٣٠١٤) وفيه: " فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب ". وأخرجه البخاري (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري أن رجالًا من المنافقين في عهد رسول الله - ﷺ - كانوا إذا خرج النبي - ﷺ - إلى الغزو، تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - ﷺ -، فإذا قَدِمَ النبي - ﷺ -، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحَبُّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَاب﴾.
(٤) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٤٥٧٦).
[ ٩ / ٤٧ ]
وينسبه إلى التأتيم المقطوع به؟
وقالت المرجئة وكثيرٌ من أهل السنة: إن قوله تعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] نزل في الكفار المشركين كقوله تعالى قبلها: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٤ - ٢٩] فالخصومة هنا بين المشركين وقرنائهم من الشياطين، وذلك بيّن، وقد ثبت أن تعدية الآيات عن أسبابها ظني، ولكنه قد يقوى (١) ويضعف على حسب الدلائل المنفصلة من القرائن المرجحة، والتعدية هنا لا تقوى لوجهين:
أحدهما: النصوص الصحاح "أن الله تعالى يقول: الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو" (٢) متفق على صحة هذا المعنى من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي سعيد وأحسبه لمسلم عن أبي ذر، وفي مسند أحمد وغيره عن أبي رزين العقيلي، واسمه لقيط بن عامر، والجمع بين الآية والأحبار يقتضي أن الآية في الكافرين الذين نزلت فيهم، وأن الأخبار فيمن (٣) عداهم، والجمع أولى من الطرح ويؤيِّده.
الوجه الثاني: وهو أن القرآن قد دلَّ على حسن التبديل بالقول إلى أحسن منه كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والنسخ في معنى التبديل أو هو أشدُّ لقوله (٤) ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة﴾ [النحل: ١٠١] ويعضُدُهُ النص والإجماع على أن من حَلَفَ على شيءٍ ٍفرأى غيره خيرًا منه، فليأت الذي هو خير، وما تقدم في أول هذه المسألة من ذكرِ فداء
_________________
(١) في (ش): " يترك "، وهو خطأ.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٤.
(٣) في الأصول: " فيما "، وكتب فوقها في (ف): " فيمن ".
(٤) في (د) و(ش): " بقوله ".
[ ٩ / ٤٨ ]
مذهب أهل السنة: أن القاتل عاص لله، صاحب ذنب كبير
الذبيح بالكبش، وكل مسلم بيهودي أو نصراني وما أشبه ذلك يعضده أن التبديل لم يقبُحْ لذاته، فقد قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، فدل على أن التبديل المذموم، تبديلٌ مخصوص لا كل تبديل، فقد بَدَّل الله ذبح الذبيح بالكبش، وضرب امرأة أيوب بالضِّغث (١)، واستقبال بيت المقدس بالكعبة، بل ذمَّ الله من بدَّل ذلك حيثُ قال لهم سفهاء، حيث قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يوضحه أن فعل الله لا يكون إلاَّ راجحًا لأن غير الراجح يُباح (٢) وهو العبث واللعب، والله منزهٌ عنه، وقد ثبتَ بالسمع أن عذاب الكفار راجحٌ، فلا يحسُنُ تبديله، ولم يثبُت ذلك في عذاب المسلمين، أو في عذاب كثيرٍ منهم لقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فيجوز أن يكون العفو راجحًا، فلا يجوز قياس التبديل فيهم للوعيد بالعفو على ذلك خصوصًا على سبيل القطع.
ومذهبُ أهل السنة، ونَسَبَهُ ابنُ هبيرة والريمي إلى أئمة الفقهاء الأربعة (٣) في إجماعها هو القول السابع: وهو أن القاتل عاصٍ لله، صاحب ذنبٍ كبير، مستحقٌّ للعذاب الشديد العظيم المهين في الآخرة، مستحق في الدنيا للقتل، مجروح العدالة، واجبٌ على كل مسلم البراءةُ من فعله، والكراهةُ له، ومنعه منه، وقتاله عليه، وقتله دونه إن كان إلى ذلك سبيلٌ، واجبٌ في حكم الله وحكمته أن يُنتصف للمقتول منه، ويُرضيه في يوم الدين، ولا يُسقط حقًا (٤) للمقتول حتى يستوفي حقه، ويرضى بعدل الله تعالى أتم الرضا، حتى إذا لم يبق إلاَّ حقُّ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وَكَلُوا الأمر في ذلك إلى من له الحق وله الحكم، ولم يقضوا عليه في حقه (٥) بشيء، وقالوا: إن عاقبه فبعدله وإن سامحه فبفضله، لكنهم قطعوا بعدم خلوده، والمختار الوقف وهو القولُ
_________________
(١) هو قبضة حشيش مختلط رطبها بيابسها.
(٢) في (ف): " مباح ".
(٣) ساقطة من (ف).
(٤) في (ش): " حق ".
(٥) في (ش): " حكمه ".
[ ٩ / ٤٩ ]
الثامن، وإنما قطعوا بعدم خلوده لأدلة سمعية، ونظرية معارضاتٍ لهذا العموم نذكر ما حضر منها:
الدليل الأول: أن الآية تحتمل معنيين احتمالًا واضحًا:
أحدهما: أن الله تعالى أراد الإخبار بما يستحقُّ قاتل المؤمن على سبيل التخويف الصارف عن القتل، والإعلام بأنه من الكبائر، ولم يَرِدِ الإخبارُ المحضُ من كون ذلك عاقبته ومصيره، وقد فَهِمَ هذا من قَدَّمنا ذكره، وهم من أهل اللسان العربي كابن عباس، وصاحبه أبي مجلز لاحق بن حُميد أحد رجال الجماعة وثقات التابعين، ومحمد بن سيرين، وعون بن عبد الله، وأبي صالح.
وقد قال الخليل ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَني فإنَّه مني ومن عَصَاني فإنَّكَ غفورٌ رَحيمٌ﴾.
وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾.
وثبت في الأحاديث الصحاح عن ابن عباسٍ، وأبي سعيد، وأبي ذرٍّ، وأبي رزين العُقيلي، أن رسول الله - ﷺ - قال عن الله ﷿ إنه يقول: "الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو" كلها في الصحيح إلاَّ حديث أبي رزين العقيلي، ففي مسند أحمد.
وعضدها قوله تعالى في " آل عمران ": ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] فأطلق الوعد للصادقين، ولم يقيده بشرطٍ أصلًا، وشَرَطَ المشيئة في وعيد المنافقين الذين هم شر الكافرين بشهادة نص القرآن على أنهم في الدرك الأسفل من النار هذا وقد توعَّدَهم في سورة الفتح بالعذاب، وزاد على ذلك قوله تعالى: ﴿وغَضِبَ عليهم ولَعَنَهُم
[ ٩ / ٥٠ ]
وأعَدَّ لهم جَهَنَّم وساءَتْ مصيرًا﴾ [الفتح: ٦] وهذا يشبه (١) بوعيد القاتل، فكما أنه شرط المشيئة في وعيد (٢) المنافقين في آية، وأطلقه في آية أخرى، جاز مثلُ ذلك في آية القتل، وإن كانت التوبة المشروطة للمنافقين قبل الموت فالمسوغُ تخصيص العموم تخصيصًا منفصلًا من غير إشعار بذلك متقدم، والمقصودُ هنا من الآيتين الكريمتين مشابهة الأحاديث الصحاح في شرط المشيئة في وعيد العصاة دون وعد المؤمنين، لكن شرط المشيئة مؤثرٌ في وعيد عصاة المسلمين مطلقًا في الدنيا والآخرة، وعليه دَلَّت النصوص في وعيد عُصاة الكفار في الدنيا فقط، لمنع الإجماع والنصوص من الرجاء في الآخرة المعفوّ عنهم، وقوله تعالى في [هود: ١٠٧]: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد﴾، وفي [الأنعام: ١٢٨]: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم﴾ وجائزٌ أن يرجع الاستثناء إلى بعض من توعد بالخلود من الموحدين إن صح وعيدُ أحدٍ منهم به.
فإن قيل: فقد وَرَدَ الاستثناء في أهل الجنة ولا خلاف في خلودِ جميع أهلها حتى من دخلها بغير عمل كالأطفال.
قلنا: قد دلَّت الأخبار التي ذكرناها على (٣) أن الاستثناء في الخير للزيادة (٤) وفي الشرِّ للنقصان، ويشهَدُ له من كتاب الله: ﴿ولدينا مزيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، ﴿ويزيدهم من فضله﴾ [النور: ٣٨]، ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ونحوه، ولذلك أشار الله تعالى إلى هذا في آية الاستثناء بنفسها فقال بعد الاستثناء من خلود النار: ﴿إن ربَّك فَعَّالٌ لِمَا يُريدُ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
وقال بعد الجنة: ﴿عطاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي: غير مقطوع، والعقل يعضُدُ ذلك، وهذا مُنَزَّلٌ على ما ذكرنا من أن الوعيد أو كثيرًا منه خَرَجَ مَخْرَجَ
_________________
(١) في (ف): " مشبه ".
(٢) في (ف): " بوعيد ".
(٣) في الأصول: " إلى "، وفوقها في (ف): " على ".
(٤) في (د) و(ش): " للخير في الزيادة ".
[ ٩ / ٥١ ]
التهديد والتخويف للوقوع فيما يستحقُّ العاصي، والخبر عما يستحقه وما أعد له إن لم يعف عنه، وقد أجمعوا على إضمار التوبة في آيات الوعيد ولو انفصلت أدلتها، وكذلك التكفير بالحسنات، وزاد أهل السنة إضمار المشيئة والعفو فيما دون الشرك للنصوص الواردة فيه قرآنًا وسنة، وعلى هذا يخرج الجواب على من احتجَّ على تكليف ما لا يُطاق بقوله تعالى في أبي لَهَبٍ: ﴿سَيَصْلَى نارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]، فإنهم قالوا: قد كلف بالإيمان والطاعة التي ينجو معها من النار، ومن جُملة الإيمان أن يؤمن بأنه سيصلى نارًا ذات لهب، ومع إيمانه بهذا كيف يجوز ألا يقع حتى يسعى في عدم وقوعه، وفَتَحَ الله عليَّ في الجواب عن ذلك، أن الآية يجوز أنها خرجت مخرج الوعيد، لا مخرج الخبر المحض عن عاقبته، وكذلك يتخرج الجواب عن نجاة قوم يونس من العذاب بعد وعدِ يونس لهم به ليومٍ معين، ثم عفا الله عنهم بعد مُشاهدة العذاب بالنص والوفاق من غير توبةٍ صحيحة، لأنهم قد كانوا مُلحين بمشاهدة العذاب على الصحيح، وممَّنْ اختاره القرطبي في " تذكرته " (١)، واحتج بقوله تعالى في يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين﴾ [يونس: ٩٨]، وبقوله فيهم: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨]، والفرق بينهما واضحٌ، فإنه يحسن الوعيد في المستقبل ممن لا يعلم الغيب، ولا يحسن الخبر المحض بذلك لجواز أن يموت أحدهما أو يعجز صاحب الوعيد، أو يرجع عن وعيده أو غير ذلك (٢)، وإذا ثبت أنه يجوز أن الآية المتعلقة بأبي لهب خرجت مخرج الوعيد العام للعاصين، فإنه بالإجماع موقوفٌ على شروطٍ تجمعها مشيئة الله تعالى، منها ما هو مجمعٌ عليه كالإسلام أو التوبة أو تكفير الصغائر، ومنها مختلفٌ فيه كالعفو وتكفير بعض الكبائر بما سيأتي بيانه ولا دليلَ قاطعٌ مع الوعيدية في هذه الآية خصوصًا يمنع من هذا الاحتمال
_________________
(١) وانظر " الجامع لأحكام القرآن " ٨/ ٣٨٤.
(٢) في (ف): "نحو".
[ ٩ / ٥٢ ]
لاحتمال لفظها ولو تجويزًا مرجوحًا، فإن التجويز البعيد المرجوح يمنع من القطع.
الدليل الثاني: سلَّمنا أنه خبر محض عن العاقبة لا يحتمل الشرطية قطعًا، لكنه عام محض بالنظر إلى القاتل الكافر والقاتل المسلم، والعموم يجوز أن يُراد به بعض ما يدل عليه لدليل ولو منفصلًا، وإن كان خبرًا محضًا، كما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فإن الذي قال: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ نعيم بن مسعود الأشجعي والذي جمع من الناس هو أبو سفيان بن حرب (١)، وقد سمع الآية من لم يعرف هذا.
وقد قال الله تعالى في سورة [الذاريات: ٤١ - ٤٢]: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيم﴾، وقال في: [الحاقة: ٨] فيهم: ﴿فهل ترى لهم من باقيةٍ﴾، وهذا عموم خبري لا يتخصص بالعقل، والذى يسمعه يعتقد ظاهره حتى يسمع قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِين﴾ [الأحقاف: ٢٥] بعد أن قال فيها: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ فدلَّ قوله: ﴿إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ على أن الريح ما دمَّرَتْهُمْ، وأنها مخرجةٌ من تلك العمومات الخبرية المحضة.
وقال تعالى في [سوره القمر: ٣٣ - ٣٤]. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، ولم يستثن في هذه الآية ولا في
_________________
(١) نسب هذا القول ابن الجوزي في " زاد المسير " ١/ ٥٠٤ إلى مجاهد وعكرمة ومقاتل في آخرين. وثمة قول آخر ذكره ابن إسحاق كما في " السيرة " ٣/ ١٢٨، ونقله عنه الطبري في " تفسيره " (٨٢٤٤): ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾، و" الناس " الذين قالوا لهم ما قالوا: النفر من عبد القيس الذين قال لهم أبو سفيان ما قال: إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم، يقول الله ﷿: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾.
[ ٩ / ٥٣ ]
السورة امرأة لوط من آلهِ الذين أخبر بنجاتهم مع دخولها فيهم لُغةً، ولذلك استثناها في غير موضع، والعقل هنا لا يخصُّها أيضًا، فدلَّ على جواز التخصيص في الأخبار المحضة بالدليل المنفصل، وذلك يمنع القطع عند سماع العموم، لأن القطع (١) لا ينتقض، فمن سمع آية سورة القمر قبل سماع الاستثناء، لم يُفدْه القطعُ بقبح الاستثناء في غيرها، وأمثال هذا كثيرٌ في كتاب الله تعالى.
ولذلك أجمع العلماء على جواز تخصيص العموم، وأنه ليس من التكذيب في شيءٍ، حتَّى قال بعضهم: إن العموم مشتركٌ بين العموم والخصوص، وإنه يُطلقُ عليهما معًا على جهة الحقيقة دون المجاز لكثرة وقوعه، وهذا العموم الذي لم يخصص ولا نزل على سبب، أما العموم المخصص ففيه الخلاف المتقدم، لأنه قد عُلِمَ أن ظاهره لم يُرَدْ به، وقد أقرَّت المعتزلة أن هذه الآية مخصوصة بما قدمنا ذكره من القاتل غير المتعدي في القصاص والحدود للمؤمن التائب، ويخص أيضًا بقتل الباغي والمدفوع، لأن المؤمن المُحَرَّمَ قتلُه هو المصدَّق لا العدل عند الجميع، كما سيأتي بيانه، وكذلك هي مما نزلت على سبب مخصوص كما سيأتي.
فإن قيل: إنها نص (٢) في القتل.
قلنا: صحيح، لكنها عامةٌ في القاتلين غير نصٍّ في كل منهم، ولا يلزم أن يكون نصًا في كل قاتل كما أجمعنا عليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] فإنها (٣) نصٌّ في الشرك لا في كل مشركٍ، فقد أجمعنا على تخصيصها بالإسلام بعد الشرك، بل كما خَصَّتِ المعتزلة من آية القتل: التائب، وقاتل المؤمن في القِصاص والحد، ومن أسلم بعد القتل، ولم يمنع من ذلك كونها نصًا في القتل، كذلك لا يمنع كونها نصًا فيه وجود
_________________
(١) في (ف): " دلالة القطع ".
(٢) في (ف): " هي سبب ".
(٣) في (ف): " أنها ".
[ ٩ / ٥٤ ]
مخصِّصٍ آخر لبعض القاتلين، كقاتل الزاني المحصن التائب من الزنى وأمثال ذلك.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره﴾ [الزلزلة: ٨]، فإنها نص في الصغيرة، وحجة للخوارج خصوصًا، وقد اتفقوا على صحة حديث ابن عباس الذي فيه: " وما يُعَذَّبانِ في كبيرٍ " (١) وقد تأولها (٢) الجميع.
أما أهل السنة فما ورد في الحديث عن أنس أنها نزلت وأبو بكر يأكل مع النبي - ﷺ - فلما نزلت رفع أبو بكر يده، فقال رسول الله - ﷺ -: " ما ترون مما تكرهون فذلك ما تُجزون، ويُدَّخَرُ الخير لأهله إلى الآخرة ". رواه الحاكم (٣) من طريق سفيان بن حسين، وقال: صحيح، وله شاهد رواه الطبراني من طريق شيخه موسى بن سهل، والظاهر أنه الوشاء (٤).
_________________
(١) وتمامه: " مرَّ النبي - ﷺ - بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدُهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ". وزاد في رواية بعد قوله: " ما يعذبان في كبير ": " ثم قال: بلى ". أخرجه البخاري (٢١٦) و(٢١٨) و(١٣٦١) و(١٣٧٨) و(٦٠٥٢) و(٦٠٥٥)، ومسلم (٢٩٢)، وأبو داود (٢٠): والترمذي (٧٠)، والنسائي ١/ ٢٨ - ٣٠، وابن ماجه (٣٤٧). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٣١٢٨).
(٢) أي: الآية.
(٣) ٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣ من طريق سفيان بن حسين، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي قال: بينا أبو بكر فذكره، وليس هو من حديث أنس كما ذكر المؤلف. وتعقبه الذهبي بأنه مرسل.
(٤) ذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٤١ - ١٤٢ من حديث أنس، وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخه موسى بن سهل، والظاهر أنه الوشاء، وهو ضعيف. قلت: وأخرجه أيضًا الطبري في " تفسيره " ٣٠/ ٢٦٨، وابن أبي حاتم فيما ذكر ابن كثير في " تفسيره " ٨/ ٤٨٤. وفيه الهيثم بن الربيع، وهو ضعيف. وله شواهد عن أبي أيوب الأنصاري عند ابن مردويه، وعن أبي إدريس الخولاني، وأبي قلابة مرسلًا عند ابن جرير الطبري ٣٠/ ٢٦٨ - ٢٦٩. انظر " الدر المنثور " ٨/ ٥٩٤.
[ ٩ / ٥٥ ]
وأما المعتزلة، فقال الزمخشري (١): إن المعنى: من يعمل من أهل الشر مثقال ذرة شرًا يره، ومن يعمل من أهل الخير مثقال ذرة خيرًا يره. فلم يمنعِ النص على الصغر من التأويل لذلك النص على بعضه (٢)، هذا هو التخصيص، وعلى الجملة كلما صحَّ من المتكلم أن يستثنيه استثناءًا متصلًا، صح أن يخُصَّه خصوصًا منفصلًا بالإجماع، إلا أن بعضهم يُسميه نسخًا، والأكثر على تسميته تخصيصًا، أي: بيانًا لمراده الأول، لا رجوعًا عنه ولا تبديلًا.
فإن قيل: إن وعيد الآية خاصٌّ بالقاتل المؤمن.
فالجواب: أن ذلك ممنوعٌ لوجوه:
الأول: عموم لفظ " مَنْ " وهو المعتمد، وقد اختاره الزمخشري في " كشافه " (٣) فإنها من ألفاظ العموم، ولذلك يحتج بها الخصوم في نحو: ﴿ومن يعصِ الله ورسوله﴾.
الثاني: أن إخراج الكافر القاتل من الوعيد لكونه زاد الكفر على القتل عناد، وداعٍ إلى الزيادة في الفساد، وعكس للمعروف في دليل الفحوى عند أهل العلم، فإن المعروف أنها لو نزلت في حقِّ المؤمن، لكان الكافر أولى بها، كما أن التأفُّف لما حُرَّمَ كان ما فوقه من العقوق أولى بخلاف العكس، ولذلك كان القطع على سرقةِ عشرة دراهم دليلًا على القطع فيما فوقها، لا فيما دونها.
الثالث: إنها نزلت على سبب قتل كافرٍ لمؤمن فيما رواه أهل التفسير. قال الواحدي في " أسباب النزول " (٤)، قال الكلبي عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس
_________________
(١) نصه في " الكشاف " ٤/ ٢٢٨: المعنى فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا من فريق السعداء، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا من فريق الأشقياء.
(٢) في (ف): " لبعضه ".
(٣) ١/ ٢٩١.
(٤) ص ١١٤ - ١١٥. والكلبي -وهو محمد بن السائب- متهم بالكذب، وأبو صالح =
[ ٩ / ٥٦ ]
أن مِقْيسَ بن صُبابة وجد أخاه هشام بن صُبابة قتيلًا في بني النجار، وكان مسلمًا فأتى رسول الله - ﷺ - فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله - ﷺ - معه رسولًا من بني فِهْرٍِ، وقال له: " إيت بني النجار فأقرِئْهم السلام وقل لهم: إن رسول الله - ﷺ - يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صُبابة أن تدفعوه إلى أخيه يقتصُّ منه، فإن (١) لم تعلموا له قاتلًا أن تدفعوا إليه ديته " فأبلغهم الفِهري ذلك عن النبي - ﷺ - فقالوا: سمعًا وطاعةً لله ولرسوله والله ما نعلم له قاتلًا، ولكنا نؤدي إليه ديته، فأعطوه مئةً من الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطانُ مِقْيسًا فوسوس إليه، فقال: أيَّ شيءٍ صنعت، تقبل دية أخيك، فتكون عليك مسبةً، اقتل الذي معك، فتكون نفسٌ مكان نفس وفضل الدية، ففعل ذلك مِقْيَسٌ، ورمى رأس الفِهْري بصخرةٍ فشَدَخَ رأسه، ثم رَكِبَ بعيرًا منها وساق بقيتها راجعًا إلى مكة كافرًا، وجعل يقول في شعره:
ثأرتُ به فِهرًا وحَمَّلْتُ عقله سَراة بني النجار أرباب فارعِ (٢)
فأدركت ثأري واضطجعتُ موسدًا وكنتُ إلى الأوثان أول راجعِ (٣)
_________________
(١) = -وهو باذام مولى أم هانىء- ضعيف. وأخرجه بغير هذا السياق ابن جرير الطبري في " تفسيره " (١٠١٨٦) من طريق عكرمة مرسلًا.
(٢) في (ف): " وإن ".
(٣) في الأصل: قتلت به فهرًا، والتصويب من ابن هشام، وقوله: " ثأرت به فهرًا " فإنه يعني أبناء فهر وهم رهطه أدرك ثأرهم بقتله الأنصاري، وسراة بني النجار: خيارهم، وفارع: حصن لهم.
(٤) رواية الشطر الأول في ابن هشام: حللت به وتري وأدركت ثؤرتي وقبل البيتين بيتان هما: شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندًا تُضَرِّجُ ثَوْبَيْهِ دماءُ الأخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله تُلِمُّ فتحميني وِطاءَ المضاجعِ =
[ ٩ / ٥٧ ]
فنزلت هذه الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ [النساء: ٩٣]، ثم أهدر النبي - ﷺ - دمه يوم فتح مكة، فأدركه الناس وهو في السوق فقتلوه.
فهذا السبب يدلُّ على دخول الكفار في الوعيد، وإذا كانوا داخلين فيه جاز أن يُرادوا بالخلود الذي فيه، ويُخَصُّوا به لنزول الآية بسببهم كما نزل فيهم: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا﴾ الآية وتجويز ذلك في أمثال هذا مجمعٌ عليه، وإنما يختلف العلماء في الظاهر المظنون في العمليات، هل هو شمول غير السبب أم لا، وللعلماء فيه قولان معروفان، وممن قال بقصره على سببه ما لم يدلُّ دليلٌ على شموله الشافعي، ومن قال بقوله، وهو ظاهر مذهب أهل البيت والشيعة، فإنهم أخرجوا نساء النبي - ﷺ - من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] بسبب الحديث الوارد (١)
_________________
(١) = انظر " سيرة ابن هشام " ٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦، و" تاريخ الطبري " ٣/ ٦٦، وتفسيره ٩/ ٦٢، و" معجم البلدان " فارع.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٠٥) عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي - ﷺ - قال: لما نزلت هذه الآية على النبي - ﷺ -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره، فجللهم بكساء، ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذْهِبْ عنهم الرجس، وطَهِّرْهم تطهيرًا "، قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله، قال: " أنت على مكانك وأنت علي خيرٍ ". وأخرجه (٣٨٧١) من حديث أم سلمة بنحوه وقال: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء رُوِيَ في هذا الباب. وأخرج مسلم (٢٤٢٤) من حديث عائشة قالت: خرج النبي - ﷺ - غداةً وعليه مِرْط مُرَحَّل (كساء موشى) من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. والصواب أن الآية نص في دخول أزواج النبي - ﷺ - في أهل البيت ها هنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية، لكنه - ﷺ - بيّن في هذا الحديث أن المراد بها أعمُّ من ذلك، ولا شك أن قرابته - ﷺ - أحق بهذه التسمية.
[ ٩ / ٥٨ ]
مع أن أول الآية وآخرها فيهن، ومن حُججهم ما رُوِيَ عن الصحابة من ذلك مع الإجماع على حفظ أسباب النزول، ولولا ذلك ما (١) كان في حفظها، فائدة ولا له ثمرة، ولذلك أورد المصنفون في المناقب أمثال ذلك، فيذكرون في مناقب علي ﵇ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون﴾ [المائدة: ٥٥]، ويقولون: إنه المراد بها لما نزلت بسبب صدَقَته بخاتَمه وهو راكع. كما رواه الطبراني من حديث عمار بن ياسر قال: وقف على علي ﵇ سائل، وهو راكع في تطوع، فنزع خاتمه، فأعطاه السائل فنزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون﴾ فقرأها النبي - ﷺ - ثم قال: " من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". رواه الحافظ الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢) في تفسير سورة المائدة وعزاه إلى الطبراني، وهو من أحاديث الرجاء كحديث أنس عنه - ﷺ -: " المرء مع من أحب " متفق عليه (٣).
ولأجلِ الأسباب افترق الحال بين المستأذنين في التخلف عن الجهاد، ففي التوبة التشديد في ذلك حيث قال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ .. إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُون﴾ [التوبة: ٤٤ - ٤٥]، وقال تعالى في آخر النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
_________________
(١) في (ف): " لما ".
(٢) ٧/ ١٧ وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه من لم أعرفهم.
(٣) أخرجه البخاري (٦١٦٨) و(٦١٦٩)، ومسلم (٢٦٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود. وأخرجه البخاري أيضًا (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤١) من حديث أبي موسى الأشعري. وأخرجه البخاري (٦١٧١)، ومسلم (٢٦٣٩) من حديث أنس.
[ ٩ / ٥٩ ]
[النور: ٦٢]، وقال في الأولين: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] فقاسه على ذلك، فانظر إلى هذا الاختلاف الكبير بين الآيتين، وما ذلك إلا لاختلاف (١) أسباب النزول لما نزلت آية التوبة في المنافقين، وآية النور في المؤمنين على اعتبار الأسباب.
وعن علقمة قال: كنا عند عائشة فدخل أبو هريرة فقالت: أنت الذي تحدث: " أن امرأةً عُذِّبت في هرة إذ ربطتها فلم تطعمها ولم تَسْقِها "، فقال: سمعته منه -يعني رسول الله (ﷺ) - فقالت: هل تدري ما كانت المرأة مع ما فعلت، كانت كافرةً، والمؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرةٍ، فإذا حدثت عن رسول الله - ﷺ - فانطر كيف تُحدِّثُ. رواه أحمد (٢). وقال الهيثمي (٣) رجاله رجال الصحيح خرجه فيما يستحقر من الذنوب من أبواب التوبة، ولابن عبد البر مثل هذا التأويل في " التمهيد " عند ذكر عذاب بني إسرائيل على ذنوبهم، ولذلك يظهر مثل ذلك في كثير من الوعيد على بعض الذنوب مثل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١ - ٥]، وكذلك عذاب (٤) قوم شعيب على إخسار (٥) الميزان مع كفرهم ونحو ذلك، وهذا وأمثاله كثيرٌ.
فاحتج الشافعي بأن الظاهر خصوص هذه العمومات بما نزل فيه وما نزلت بسببه: ألا ترى أنه لو تَصَدَّقَ مُتصَدِّقٌ في الصلاة بعد نزولها لم يقطع على أنه داخلٌ (٦) في هذه الفضيلة، وإن كان ذلك مجوزًا ممكنًا، وقد ينص في بعض ما نزل على سبب أنه أريد به العموم كما جاء في حديث كعب بن عجرة حين نزلت فيه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فكان يقول:
_________________
(١) في (ف) و(ش): " اختلاف ".
(٢) أخرجه الطيالسي (١٤٠٠)، وأحمد ٢/ ٥١٩، وفي إسناده صالح بن رستم أبو عامر الخزاز، مختلف فيه، ووصفه الحافظ في " التقريب " بأنه كثير الخطأ.
(٣) " المجمع " ٢/ ١٩٠.
(٤) في (ف): " تعذيب ".
(٥) في (ف): " إخسارهم ".
(٦) في (ف): " بدخوله ".
[ ٩ / ٦٠ ]
نزلت لي خاصةً، وهي لكم عامة (١)، والحق أن ذلك يختلف بحسب القرائن، ففي التحليل والتحريم يكون للعموم، لأن الحكم لو اختص بالواحد من غير عموم لزم عمومه، لأن حكم التكليف واحد، وحكم الرسول على الواحد حكمه على الجماعة (٢)، كيف إذا انضمَّ إلى ذلك العموم، وفي غير ذلك (٣) نقف على القرائن والله سبحانه أعلم.
فإن قيل: إن أول الكلام في القتل مسوقٌ في قتل المؤمن للمؤمن، لأن الآيات في ذلك مصدرة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأ﴾ [النساء: ٩٢] إلى آخر ما ذكره في أحكام قتل الخطأ، فيلزم أن تكون هذه الآية الثانية كذلك.
قلنا: هذا لا يلزم، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيم﴾ [البقرة: ١٠٤] وقال في آخر آية الظِّهار بعد خطاب المؤمنين: ﴿وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم﴾ فهذه آيةٌ واحدة جعل أولها خطابًا للمؤمنين، وآخرها مختصًا بالكافرين ووعيدًا لهم، فكيف بآيتين مختلفتين، خصوصًا مع طول الأولى، ونزول الثانية على سببٍ يختص بالكافرين، وقد ثبت في " صحيح مسلم " وغيره نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] في علي وفاطمة وابنيهما ﵈ (٤) مع أن الآيات قبلها وبعدها في نساء النبي - ﷺ - ورضي عنهن، فلم (٥) يمنع ذلك من قبول الرواية في ذلك.
فلو سلمنا أن آية القتل نزلت صريحةً في المسلمين لكانت خاصةً فيمن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١).
(٢) في (ش): " كحكمه على الجملة ".
(٣) في (ش): " وفي ذلك العموم ".
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٨.
(٥) في (ش): " لم "
[ ٩ / ٦١ ]
ارتدَّ منهم، فقد يسمى مسلمًا باسم ما كان عليه كما كان يسمى المُعْتَقُ عبدًا بذلك (١).
وإن كان ذلك السبب من طريق الكلبي، فقد قال ابن عدي (٢): إنه صالحٌ في التفسير، وضعيفه محمولٌ على غير التفسير جمعًا بين كلام الحفاظ، ولو سُلِّمَ ضعفُه فصدقه محتملٌ، ومجرد التجويز يمنع القطع خصوصًا، والمخصصات المنفصلة تُقَوِّي ذلك، ولا يلزم في رجال أسباب النزول من التشدد (٣) ما يلزَمُ في رجال الحديث، كما لم يلزم مثل ذلك في آثار الصحابة والتابعين ومذاهب العلماء ورواة اللغات والتواريخ وسائر العلوم، وقد تقدم (٤) حديث واثلة في كفارة العتق للقتل العمد في حق المسلم، رواه صاحب " شفاء الأوام " واحتجَّ به وجعلَه المذهب، وذهب إليه الشافعي وغيره من علماء الإسلام.
وعضدَه قوله تعالى: ﴿إنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ وأحاديث فضل العتق، وقد روى منها صاحب " الشفاء " حديث ابن عباس (٥)، وحديث أبي هريرة (٦)، وتقدم حديث جابر في القاتل المهاجر: " وليديه فاغفر " رواه مسلم (٧).
ويعضُدُه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].
_________________
(١) في (ش): " قبل ذلك ".
(٢) " الكامل في الضعفاء " ٦/ ٢١٢٧ - ٢١٣٢.
(٣) في (ش): " التشديد ".
(٤) تقدم ص ٣٧.
(٥) ولفظه: " من أعتق مؤمنًا في الدنيا، اعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار ". أخرجه الطبراني (١٠٦٤٠) و(١٠٦٤١) وذكره الهيثمي في " المجمع " ٤/ ٢٤٣ وقال: وفيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف. قلت: ولكنه صحيح بشواهده.
(٦) أخرجه البخاري (٢٥١٧) و(٦٧١٥)، ومسلم (١٥٠٩)، والترمذي (١٥٤١).
(٧) تقدم ص ٣٨.
[ ٩ / ٦٢ ]
وكذلك حديث علي ﵇ المتفق عليه الذي فيه: " لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة " (١) وفيه شهادة لعدم خلودهم في النار مع الكفار متى كانوا مسلمين، مع أنهم قاتلون لأنفسهم.
وكذلك حديث عبادة المتقدم (٢) المتفق على صحته في تكفير العقوبات الدنيوية كالحدود لمن فعل شيئًا مما بُويعوا عليه، ومن ذلك الذي بويعوا عليه: [عدم] قتل أولادهم وفيه تفويض أمرهم في الآخرة إلى الله تعالى، وعدم الجزم بيقين عذابهم، ولا يخفِّف ذلك كونهم أولادهم، فإنه أعظم للإثم لقطيعة الرحم مع وزْرِ القتل، ولا كونهم صغارًا، لأنه أعظم من الإثم حيث لم يذنبوا قطعًا، ويدل عليه تخصيص الموؤودة بالسؤال والإشارة إلى سبب تخصيصها بقوله ﷿: ﴿بأيِّ ذنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩].
وكذلك صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " من مات له ثلاثةٌ من الولد لم يبلُغُوا الحِنْثَ كانوا له حِجابًا من النار " وقد مرَّ (٣)، فقُيِّدَ بعدم بلوغ الحنث لذلك، ولأنهم وُلِدُوا على الفطرة، ولذلك كتب لهم ما عَمِلُوا قبل البلوغ من حجٍّ وصلاةٍ، كما وردت به النصوص، ويصح عتقهم عند كثرٍ من العلماء في كفارة القتل لدخولهم في أهل الإسلام والإيمان اسمًا وحُكمًا لقوله - ﷺ -: " كُلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه " (٤) وقوله بعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٤٠) و(٧١٤٥) و(٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠)، وأبو داود (٢٦٢٥)، والنسائي ٧/ ١٥٩. ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - بَعَثَ جيشًا وأمَّرَ عليهم رجلًا، فأوقد نارًا وقال: ادخلوها، فأراد ناسٌ أن يدخلوها، وقال الآخرون: إنا قد فررنا منها، فذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: " لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة " وقال للآخرين قولًا حسنًا، وقال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف ". لفظ مسلم.
(٢) تقدم ص ٢٨.
(٣) تقدم ص ٤٧.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٩ / ٦٣ ]
" الكشاف " (١) أنه قول عامة العلماء، وعن الحسن البصري: لا تُجزىء الصغيرة، ويُقَوِّي ذلك عموم قوله تعالى: ﴿إنَّ الحسنات يُذهبن السيئات﴾ وحديث أبي ذر مرفوعًا: " واتبع الحسنة السيئة تَمْحُها " رواه الترمذي (٢) والنووي في " الأربعين " (٣) ورواه الترمذي عن معاذ أيضًا (٤)، وليس في رواته إلاَّ ميمون بن أبي شبيب التابعي، قال الذهبي: صدوق، وقال أبو (٥) حاتم: صالح الحديث روى له الأربعة (٦).
ويعضُدُه حديث واثلة في كفارة القتل بالعتق كما مضى (٧) أو يأتي، و[ما] عقبها بها (٨) إلاَّ لحكمةٍ بالغةٍ، ورحمةٍ واسعة، وبذلك ينقطع قول من قال: إنها نزَلَتْ بعدها، والله أعلم.
على أن الخصوص مُقدمٌ، وإن تأخر كما هو موضَّحٌ في الأصول، وقد مرَّ شيءٌ من بيان ذلك، ويقوي هذا أنه الذي فَهِمَتْهُ الصحابة وفهمُهم حجةٌ كما سيأتي عند ذكر قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فإنهم فهموا العموم لما عدا الشرك من الكبائر.
وروى الذهبي ما يدلُّ على فهمِهم لذلك في القتل بخصوصه، فإنه روى في ترجمة مسلم بن خالدٍ الزنجي (٩)، من حديث عن عُبيد الله بن عمر، عن
_________________
(١) ١/ ٢٨٩ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ونصه: والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء، وعن الحسن لا تجزي إلاَّ رقبة قد صلت وصامت، ولا تجزىء الصغيرة.
(٢) (١٩٨٧)، وأحمد ٥/ ١٥٣ و١٥٨ و١٧٧، وهو حديث حسن.
(٣) وهو الحديث الثالث والعشرون.
(٤) أخرجه الترمذي (١٩٨٧)، وأحمد ٥/ ٢٣٦.
(٥) في الأصول: " ابن أبي حاتم "، والصواب ما أثبت.
(٦) انظر " الكاشف " ٣/ ١٩٣، و" التهذيب " ١٠/ ٣٨٨.
(٧) تقدم ص ٣٧.
(٨) في (ش): " به ".
(٩) " ميزان الاعتدال " ٤/ ١٠٢، و" الكامل " لابن عدي ٦/ ٢٣١١.
[ ٩ / ٦٤ ]
نافع، عن ابن عمر، قال: كنا نَبُتُّه على القاتل حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] فأمسكنا.
وقد تقدم الكلام في (١) الزنجي، وعلى كل حال (٢) إنه حسن الحديث كقول ابن عدي وصححه في رواية عثمان الدارمي، عن ابن معين، وكذلك على قواعد الفقهاء، وأهل الأصول لا سيما المعتزلة، لأنه كان يرى رأيَهُم في القدر، وذلك من أسباب الكلام عليه، وهو من شيوخ الإمام الشافعي، وكان فقيهًا عابدًا يصوم الدهر، وحديثه هذا حديثٌ جيد، يدلُّ على تأخر قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ على وعيد القاتل وهم يتمسكون في التاريخ بدون هذا، وهذه فائدةٌ عظيمة، والأمر مع ذلك في غاية الخطر، لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاء﴾، فسبحان المخوف مع سعة رحمته، المرجُوِّ مع شديد انتقامه، الذي لا ينبغي لأحدٍ أن يأمن عذابه، ولا يقنط من رحمته، ولا يحكم على مشيئته إلا ما حكم على نفسه، لا مُعَقِّبَ لحكمه، ولا محيطَ بعلمه.
هذا وقد قيل: إن ظاهر الآية في قتل الكافر للمؤمن بالنظر مع الأثر، وذلك أن الله تعالى لما ابتدأ الآية بقتل المؤمن للمؤمن، وذكر أحكامه حتى فَرَغَ منها، شرع بعدها في قسم هذا الذي بدأ به، وهو قتل الكافر للمؤمن والقرينة الدالة على هذا أنه لم يذكر القصاص قط في قتل العمد هنا وهو واجبٌ بين المسلمين بالإجماع، وكفارةٌ لهم عند كثيرٍ من العلماء، وذلك يقوِّي هذا النظر مع ما عَضَّدَه من الأثر خصوصًا، وقد ذكر الخلود في الوعيد في هذه الآية، ولم يذكره في الآية التي قبلها مع أنها في القتل لما خصَّ بها المؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
يوضح ذلك أنه قَيَّدَ الوعيد هنا بكونه عدوانًا وظلمًا لما كان قتل المسلم ينقسم
_________________
(١) في (ف): " على "
(٢) في (ش): " حاله ".
[ ٩ / ٦٥ ]
خاتمة: وهي من وصايا حذاق العلماء المجربين لجدال المبطلين
مع التعمد (١) إلى العدوان وغيره إلى القصاص والحدود، وما تقدم، ولم يُقَيَّدْ بذلك في تلك الآية، لأن قتل الكافر للمؤمن مع التعمد لا يخلو عن العدوان، ولا ينفَكُّ عنه، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا والله أعلم.
فإن قيل: إنما أوَّلُ الآيات في قتل المؤمن للمؤمن خطأ، وآخرها في قتله (٢) عمدًا، فهو قسيمه، لا ما ذكرتم.
قلنا: هذا مبنيٌّ على أن الاستثناء متصلٌ في قوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ وهو ممنوعٌ لأن قتل الخطأ غير موصوف بالإباحة والحل، فلذلك شُرعت له الكفارة، وسماه الله تعالى توبةً منه على المخطىء (٣)، ومتى لم يبق في الخطأ شيء من التقصير البتة، لم يوصف بحظرٍ ولا إباحةٍ، لأنهما من صفات الأفعال الاختيارية، وحينئذٍ تكون الكفارة تعبُّدًا محضًا، لكن الله تعالى أعلم وأحكم، والظاهر أنه علم أن المخطىء لا يخلو من تقصيرٍ، حيث شرع الكفارة وسمَّاها توبةً منه، سبحانه على عباده فلله الحمد كثيرًا، وبكلِّ حالٍ فلا برهان ينتهض للقطع بامتناع تخصيص المسلم من وعيد الخلود في هذه الآية، كما لم يمتنع تخصيص غيره ممَّن قدمنا، والوقف في أحكام الآخرة أولى بالمتحرِّي في عذاب القاتل وخلوده، لتعارض الأدلة القرآنية، وما ورد من التشديد في الأحاديث النبوية وحديث: " كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلاَّ الشرك بالله وقتل المؤمن " وقد تقدَّم (٤)، وعدم النص عليه في أحاديث الشفاعة، وعدم الحاجة إلى تعجيل المفصل (٥) فيه قبل يوم الفصل والله أعلم.
خاتمة: وهي من وصايا حُذَّاق العلماء المجرِّبين لجدال المبطلين، وذلك أنهم كثيرًا ما يمنعون من (٦) أدلة المحقين، ويشوِّشُون فيها وإن تجلت، فيعسر
_________________
(١) في (ش): " العمد ".
(٢) " في قتله " ساقطة من (ش).
(٣) من قوله: " لأن " إلى هنا ساقطة من (ش).
(٤) ص ٣٠.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) ليست في (د) و(ف).
[ ٩ / ٦٦ ]
علاجهم (١) في هذا المقام مع اعتمادهم على ما هو دونها فيما يحتاجون إلى إثباته، فليعتمد المجادل لهم المُحِقُّ على معارضتهم بذلك، وسبقهم إليه، فلا يسند على المعاند (٢) منهم، ويمتنع (٣) من تسليم صحة الشُّبه التي يحتج بها، فيكون بذلك أولى منهم، وهذا حين اليأس من التناصف وظهور قرائن التعسُّف، وإن ظن الإنصاف استدل فأفاد واستفاد، ورَجَعَ ورُجِعَ إليه، هذا على أن المعتزلة قد أوجبوا على الله تعالى أن يُعِدَّ للقاتل المتعمد وسائر الظلمة من أعواضهم على الآلام في الدنيا وعلى المصائب ما يقضي عنهم حقوق المخلوقين في الآخرة ويقوم بذلك، وقطعوا على أنه يَقْبُحُ من الله أن يُميت ظالمًا قاتلًا أو غيره كافرًا أو مسلمًا إلاَّ وقد عوَّضه من بلاويه بما يُرضي جميع خصومه، ويُوَفِّي بجميع ما عليه، فعلى قاعدتهم هذه يجب أن يأمن جميع الظلمة الجبارين، وقتلة الأولياء من المؤمنين العذاب على شيءٍ من حقوق المخلوقين، وإنما عُذِّبُوا في الآخرة في حق أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد﴾ [غافر: ٥١] إلى غير ذلك من الآيات التي سقتُها في سبب ترجيح العقاب على العفو في الآخرة في حقِّ من حَقَّ عليه العذاب أو الخلود، وقولهم هذا عكس ما عُلِمَ من الدين من أن أعظم الخوف من حقوق المخلوقين، فكيف ساغ لهم لأنظارٍ عقليةٍ لا يدرون تُخطىء أم تُصيب القطع أنه لا يسوغ لغيرهم التجويز فكان قطعهم، مع بقاء الخوف في الدارين أن يُعِدَّ الله للمسلم دون الكافر فيما يختص بحق الله الغني الحميد دون حقِّ العباد وما يُكَفِّرُ ذنبه العظيم أو يدخله في واسع رحمة أرحم الراحمين الذي لا يتعاظمه عظيمٌ بعد الانتصاف للمظلوم، وانحسام موادِّ المفاسد هنالك في عفو الحي القيوم، لما ورد في ذلك من كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - وسلف هذه الأمة، أليس تجويز ذلك في فضلِ الله من غير تقبيح خلافه أيسر من إيجاب ما أوجبوه على الله تعالى وأمَّنوا فيه
_________________
(١) في (ش): " على الخصم ".
(٢) في (ف): " المعارض ".
(٣) في (ش): " ويمنع ".
[ ٩ / ٦٧ ]
الظَّلَمَةَ والكَفَرَة من عذاب الله، ولم يأتوا عليه بأثارةٍ من علمٍ من كتاب الله ولا من سُنَّةِ رسول الله - ﷺ - ولا من أحدٍ من سلف هذه الأمة، المجمع على فضلهم ونبلهم، وعلى قيامهم بحق علوم الإسلام من قبلهم.
فإن قيل: أين موضع التشنيع عليهم بالترخيص، وقد أوجبوا خلود القاتل في النار؟
قلت: موضعه أنهم عكسوا المعلوم في ذلك بالقرائن الضرورية، وذلك أن سبب الوعيد العظيم في هذا الذنب هو حق المؤمن، والتعدي في احترامه، لا مجرد مخالفة أمر الله الذي غَفَرَه الله في الصغائر، فجعلوا العذاب العظيم فيه لا في مقابلة ما عظَّمه الله تعالى من حق المؤمن، وأهل السنة عظَّموا حق المؤمن، ومنعوا الرجاء فيه وجعلوا العقاب عليه، وجعلوا تجويز الرجاء في حق الغني الحميد لنصوص خاصة، فقصدوا الجمع بين الإيمان بالجميع سبيل تقديم الخاص لأنه أبينُ، وتقديمه القاعدة المستمرة عند علماء الإسلام في مثل هذا.
تكميل: أما الأحاديث التي يحتج بها المعتزلة على خلود أهل الكبائر، فهي كلها في القتل، وهي بصيغة العموم، كلها كالآية سواء، وهي كلها عن أبي هريرة، وكثيرٌ منهم يقدَحُ فيه، ومن لا يقدح فيه يوثق من يقدح فيه منهم، والكلامُ فيهما واحد، إلاَّ حديث علي ﵇ في أهل السرية الذين أمرهم أميرهم بدخول النار، فسألوا رسول الله - ﷺ - فقال: " لو دخلوها ما خرجوا منها " فإن الصحيح فيه كما يقدم أنه قال: " ما خرجوا منها إلى يومِ القيامة ". رواه البخاري ومسلم والنسائي (١)، وذكره ابن الأثير في الغَزَوات (٢)، ورُوِيَ: " ما خرجوا منها أبدًا " (٣) ولكن تلك الزيادة صحيحة، وهي مبينةٌ مفسرة واجبٌ قبولها، ولا قائل أيضًا بتأبيد عذاب البرزخ لتوسُّط يوم القيامة وهو خمسون ألف سنة، ولهذا (٤)
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٦٣.
(٢) " جامع الأصول " ٨/ ٤١٥ - ٤١٦.
(٣) لفظ البخاري (٧١٤٥).
(٤) في (ف): " ولها ".
[ ٩ / ٦٨ ]
شاهد حسن، وهو حديث أبي مُوَيْهِبَةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله خَيَّرني في مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة ولقاء ربي، فاخترت لقاء ربي " (١). رواه ابن عبد البر في " التمهيد " وفي " الاستيعاب " (٢) وقال: إنه حديث حسن، ورواه قاسم بن أصبغ.
وذكر الذهبي في ترجمته من " التذكرة " (٣) أن له صحيحًا على هيئة " صحيح مسلم ".
ورواة الوعيد في قتل المرء لنفسه جماعة لم يذكر الخلود منهم فيه إلاَّ أبو هريرة، وكثيرٌ من المعتزلة لم (٤) تحتج بذلك، وتقدم في أبي هريرة فاعرف ذلك.
بل هذا كله مستندٌ إلى الاستثناء الوارد في كتاب الله تعالى كما تقدم في قوله: ﴿إلاَّ ما شاء الله﴾ [الأنعام: ١٢٨] وتعقيبه بقوله: ﴿إن ربك فَعَّالٌ لما يريدُ﴾ [هود: ١٠٧]، وما ثبت في الكتاب والسنة من أن الاستثناء في الخير للزيادة، ولذلك قال بعد ذلك في الجنة: ﴿عَطاءً غير مجذودٍ﴾ [هود: ١٠٨]، وفي الشر للنقصان، وقد تقدم ما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة، ووعيدُ
_________________
(١) إسناده ضعيف، وفي سنده عبيد الله بن عمر العَبَلي لم يوثقه غير ابن حبان ٧/ ٣٦، ولم يرو عنه غير ابن إسحاق، وشيخه فيه عبيد بن جبير مثله، لم يوثقه غير ابن حبان ٥/ ١٣٥. وأبو مويهبة -ويقال: أبو موهبة، وأبو موهوبة-، وهو قول الواقدي، مولى رسول الله - ﷺ -، قال البلاذري: كان من مُوَلَّدي مزينة وشهد غزوة المريسيع، وكان ممن يقود لعائشة جملها. وأخرجه ابن إسحاق كما في " السيرة " ٤/ ٢٩١ ومن طريقه أحمد ٣/ ٤٨٩، والدارمي ١/ ٣٦ - ٣٧، والدولابي ١/ ٥٧ - ٥٨، والبزار (٨٦٣)، والطبراني (٢٢/ (٨٧١)، والحاكم ٣/ ٥٥ - ٥٦، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٦/ ٣٠٩. وأخرجه أحمد ٣/ ٤٨٨، والطبراني ١١/ (٨٧٢) من طريقين عن الحكم بن فضيل، عن يعلى بن عطاء، عن عبيد بن حنين، عن أبي مويهبة. والحكم بن فضيل واهٍ كما قال الذهبي في " الميزان ". ومع ذلك فقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن عبد البر في " الاستيعاب " ٤/ ١٧٩!!
(٢) ٤/ ١٧٩.
(٣) ٣/ ٨٥٣.
(٤) ساقطة من (د) و(ف).
[ ٩ / ٦٩ ]
القاتل المسلم يحتمل مثل هذا كما ورد في وعيد تارك الزكاة (١)، بدليل عموم أحاديث الشفاعة وخصوص حديث جابرٍ في المهاجرٍ الذي قتل نفسه، فيغفرُ الله له بهجرته. رواه مسلم (٢).
ويعضُدُه قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] وحديثُ الذي أوجب النار بالقتل فقال رسول الله - ﷺ -: " أعْتِقوا عنه يعتِق الله بكلِّ عضوٍ من النار عضوًا منه " كما مرَّ (٣). رواه أبو داود والنسائي وأحمد من حديث واثلة، واللفظ لأبي داود والنسائي.
ويعضده أحاديث فضل العتق الصحيحة الشهيرة وقوله: ﴿إن الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ [هود: ١١٤] وما في معناها من كتاب الله، وقد تقدم.
وأما حديث: " لو بَلَغْتِ معهم الكُدَى " فضعيفٌ. رواه أحمد وأبو داود (٤) من حديث ربيعة بن سيفٍ المعافري المصري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله - ﷺ - إذ نظر بامرأةٍ لا تَظُنُّ أنه عَرَفَها (٥)، فلما توسَّط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فقال: " ما أخرجَكِ من بيتك يا فاطمة " قالت: أتيتُ أهل هذا البيت فرَحَّمْتُ إليهم (٦) ميتهم وعزَّيْتُهم، قال: " لَعَلَّك بلَغْتِ معهم الكدا " (٧) قالت: معاذ الله أن أكون
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٠.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٨.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٧.
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٩، وأبو داود (٣١٢٣)، والنسائي ٤/ ٢٧، وابن عبد الحكيم في " فتوح مصر " ص ٢٥٩، وابن حبان (٣١٧٧)، والحاكم ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤، والبيهقي ٤/ ٦٠ و٧٧ - ٧٨ من طرق عن ربيعة بن سيف المعافري به.
(٥) كذا في النسائي، وفي أبي داود: " قال: أظنه عرفها ".
(٦) في (ش): " لهم ".
(٧) جمع كُدية، وهي الأرض الصلبة، وسمي به المقابر، لأن مقابرهم كانت في مواضع صلبة من الأرض.
[ ٩ / ٧٠ ]
بلغتُها معهم، وقد سمعتُكَ تذكُرُ في ذلك ما تذكُرُ، قال: " لو بَلَغْتِها ما رأيتِ الجنة حتى يراها جَدُّ أبيك " هذا حديث منكرٌ تفرَّدَ به ربيعةُ، قال البخاري، وابن يونس: عنده مناكير، وضعَّفه الحافظ عبد الحق الأزدي عندما رَوَى له هذا، وقال ابن حبان: لا يتابع ربيعة على هذا (١)، ولم يُخَرِّجْ له أحدٌ من أهل الصحيح لا البخاري ولا مسلم، وأما النسائي والدارقطني فجعلاه حَسَنَ الحديث (٢).
قلت: حسن الحديث هو الذي لا يحتمل التفرد (٣) بالمنكرات، وإنما أراد في غير هذا الحديث، فأما في هذا فقد خالف مما تواتر من أحاديث الشفاعة في خروج الموحدين، وخالف الحديث الصحيح عن أم عطية: نُهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يُعْزَمْ علينا، متفق على صحته (٤).
ولحديث الكُدا مُعارِضٌ في " مسند أحمد " فيه أنه - ﷺ - قبرَ بنتَه رُقيةَ وفاطمةُ واقفة (٥) على شفيرِ القبرِ تبكي. رواه أحمدُ (٦) من حديث علي بن زيد، عن بوسف بن مهران، عن ابن عباس.
وعلي بن زيد أحد علماء التابعين والشيعة الصادقين، خَرَّجَ له مسلم (٧)
_________________
(١) هذا النقل عن ابن حبان استريب في صحته، فلم يذكره عنه أحد غير الذهبي، ولم أجده في " المجروحين والضعفاء " له، وقد ذكره في " الثقات " ٦/ ٣٠١، وقال: كان يخطىء كثيرًا، ومع ذلك، فقد أخرج حديثه في " صحيحه " (٣١٧٧).
(٢) قلت: نقل صاحب التهذيب عن النسائي قوله: لا بأس به، ولكنه ضعفه بإثر حديثه هذا في " سننه ".
(٣) في (ف): " لا ينفرد ".
(٤) أخرجه البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨)، وأبو داود (٣١٦٧).
(٥) في الأصل بياض، والمثبت من " المسند ".
(٦) ١/ ٣٣٥ وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف، ويوسف بن مهران فيه لين.
(٧) لم يخرج له مسلم في الأصول، بل أخرج له حديثًا واحدًا برقم (١٧٨٩) مقرونًا بثابت البناني. ثم هو ضعيف ضعفه حماد بن زيد، ويحيى القطان، وأحمد، وابن معين، والبجلي، وقال البخاري وأبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه.
[ ٩ / ٧١ ]
والأربعة، وقال الترمذي: صدوقٌ، وأنكر الذهبي (١) شهود فاطمة القبر، وما أظنه إلا لحديث ربيعة بن سيف (٢)، وعليٌّ أوثق منه، فكيف تُنْكَرُ مخالفته له؟
وكذلك حديث حذيفة بن اليمان: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " لا يدخل الجنة قتات " (٣) عمومٌ مخصوصٌ بقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] وبأحاديث الشفاعة، وهي نصوصٌ متواترةٌ، وقد أجمعنا على تخصيصه (٤) بالتوبة فيه والإسلام بعد الكفر، لكونهما (٥) أخص منه، فكذلك سائر المخصصات. وإذا صَحَّ تخصيصه بهما قبل أن يخصَّ بغيرهما، صح بعده بهما أولى، لأن العام بعد أن يُخَصَّ أضعف منه قبل ذلك، وأقبل للتخصيص (٦).
وقد أجمعنا على تخصيص: ﴿ولن يَتَمَنَّوْهُ أبدًا﴾ [البقرة: ٩٥] بقولهم: ﴿يا مالك لِيَقْضِ علينا ربُّك﴾ [الزخرف: ٧٧] مع تأكيده بالتأبيد ودعوى الخصم أن " لن " أقوى في النفي من " لا "، وكذلك: ﴿يا ليتنا نُرَدُّ﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿يا ليتها كانت القاضية﴾ [الحاقة: ٢٧]، ونحو ذلك، وقد فسر ذلك ونحوه بأنه لا يدخل الجنة مع أهلها حين يدخلونها، فيكون من الجمع لا من التخصيص مع أن التخصيص نوع جمع، ولو سَلِمَ فيه المعارضة وجب ترجيح القرآن والسنة المتواترة عليه، أعني قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك
_________________
(١) في " الميزان " ٣/ ١٢٩ في ترجمته.
(٢) تحريف في (ش) إلى: " يوسف "، قلت: وليس كما قال المصنف ﵀، فالذهبي عدَّ هذا الحديث في منكرات علي بن زيد، لاتفاقهم على ضعفه وعدم الاحتجاج بما ينفرد به.
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥)، وأبو داود (٤٧٧١)، والترمذي (٦٠٢٦). والقَتَّات: النمَّام، وهو الذي ينقل الحديث بين الناس ليوقع بينهم.
(٤) في (ش): " تخصيصها ".
(٥) في (ش): " لكونها ".
(٦) قوله: " وأقبل للتخصيص " ساقط من (ف).
[ ٩ / ٧٢ ]
لمن يشاء﴾ وأحاديث الشفاعة، فإنه آحاديٌّ من رواية همَّام وشقيق عن حُذيفة، خرَّجاه.
وعلى تقدير صحة أحاديث خلود القاتل المؤمن وعدم المعارض وعدم التأويل، فلا يصح قياس شيءٍ من الكبائر عليه، لأن شرط القياس الظني مساواة الفرع للأصل، وليس فيها ما يُساويه في الإثم لِمَا وَرَدَ فيه من التشديد في القرآن والأحاديث الصحاح وغيرها. وهذا ليس موضعًا للقياس القطعي لو كان يسلمُ وجودُه، كيف وهو ممتنعُ الوجود.
ومن ذلك -وهو الثاني من أدلة الوعيد- قوله تعالى في الفرقان بعد ذكر الشرك وقتل النفس والزنى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، والجواب عنها من وجوه:
الأول: أنها نزلت في مشركي قريش كما هو ثابتٌ في البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس (١).
الثاني: أن قوله تعالى ذلك راجعٌ إلى جميع ما تقدَّم، ومنه الشرك بالله تعالى، يدل عليه أنه لو قال: ومن يفعل بعض ذلك، دل على مقصود الخصوم بغير شك، فكان في قوله ذلك ما يدل على نقيض مقصودهم، ألا تراه قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُون﴾، ولم يقل: والذين لا يقتلون، والذين لا يزنون كما يقول في كثيرٍ من آيات الوعد بالثواب، ولا نص على التبعيض هنا كنصه حيث قال: ﴿ومن يعمل من الصالحات﴾ ونحوها كما نُوضِّحه.
الوجه الثالث: وهو قوله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن﴾ [الفرقان: ٧٠] بواو الجمع، فإنها تدل على أنها في المشركين، لأن المؤمنين لا يقال فيهم: ﴿إلاَّ من تاب وآمن﴾، ومثلها في سورة مريم [٦٠]، وفي سورة طه [٨٢]:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٥٥) و(٤٧٦٥) و(٤٧٦٦)، ومسلم (٣٠٢٣)، وأبو داود (٤٢٧٣) و(٤٢٧٤).
[ ٩ / ٧٣ ]
﴿وإني لَغَفَّارٌ لمن تاب وآمن﴾، وهذه كلها في المشركين، وكذا قوله: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ [الزمر: ٥٤]، من بعد قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] يدل على أنها نزلت فيهم، وأنهم المرادون بهذا الأمر بعدها، فلو أراد الجميع لقال في هذه الآيات: إلاَّ من تاب أو آمن.
ومن ذلك -وهو الثالث من أدلتهم- قوله تعالى في الحجرات [٢]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُون﴾ وفيها حجةٌ للجميع على المرجئة إن سَلَّموا أن ذلك ليس بكفر ولا يؤول إلى الكفر، لتضمُّنِه الاستهانة برسول الله - ﷺ -، إذ قد صح أن الآية لم تنزل فيمن هو جهوريٌّ الصوت خِلقةً لا اختيار له فيها، فروى موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - افتقد ثابت بن قيسٍ، فقال رجل: أنا أعلم لك علمه، فوجده جالسًا في بيته منكّسًا رأسه، فقال: ما شأنك؟ قال: شَرٌّ، من كان يرفع صوته فوق صوت النبي - ﷺ - فقد حَبِطَ عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجل، فأخبر النبي - ﷺ - فرجع المرة الثانية ببشارةٍ عظيمةٍ، فقال: " اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة " رواه البخاري وحده في علامات النبوة، وفي التفسير عن ابن المديني، عن أزهر بن سعد، عن ابن عون، عن موسى (١).
فإن قيل: في هذا فَهِمَ ثابتٌ لما فهمته المعتزلة من ظاهر الآية، وهو حجةٌ، لأنه (٢) عربي.
قلنا: لا يصح ذلك مع بطلان ما فهمه بالنص النبوي الموافق لما فهمه أهل السنة، وقد يَغْلَطُ العربي في فهمه كما غَلِطَ عدي بن حاتم في الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وقال له - ﷺ -: " إنك لعريض القفا " (٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في (ف): "وهو".
(٣) أخرجه البخاري (١٩١٦) و(٤٥٠٩) و(٤٥١٠)، ومسلم (١٠٩٠)، والترمذي =
[ ٩ / ٧٤ ]
رد احتجاج المعتزلة بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ على أهل السنة على أن الكبائر بمنزلة الشرك في الإحباط
وغَلِطَ عمر في قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠] (١)، فالعربي حجةٌ ما لم يَتَّضِحْ غَلَطُه.
وقد قال أمير المؤمنين علي ﵇: أو فَهْمٌ أُوتيه أحدٌ (٢).
ونصَّ القرآن (٣) على تفضيل سليمان على أبيه داود في الفهم.
وأما احتجاج المعتزلة بها على أهل السنة على أن الكبائر بمنزلة الشرك في الإحباط، وأن ذلك مستلزم الخلود، وقُبح العفو من الله، فمردودٌ لوجوه:
الأول: ما ذكرنا من جواز أن الإحباط بسبب تجويز الوقوع في الكفر بسبب الاستهانة برسول الله - ﷺ -، ومن أجل أن ذلك قد يؤدي إليها على جهة التجويز جاء بأن المصدرية التي للتخويف، أي: مخافَةَ أن تحبط أعمالكم، ولو كان ذلك استهانةً محضة أو كانت الاستهانة لازمةً له ولا بد، لما جاء بهذه الصيغة.
الوجه الثاني: أنه فرقٌ واضح بين أن يقول: تحبط من غير إدخال " أن " المصدرية، ويكون مجزومًا في إعرابه، تقديره: إن تفعلوا ذلك تَحْبَطْ أعمالكم، وبين إدخال " أن " المصدرية، ولا شك أن الصورة الأُولى تدل على الإحباط وأن دخول " أن " قد غيَّرَ معناها إلى معنى التخويف الذي قد يقع وقد لا يقع. يوضحه ما في " صحيح البخاري " عن ابن أبي مُليكة عن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في أبي بكرٍ، وعمر وأنهما كادا يَهْلِكان. رواه البخاري في
_________________
(١) = (٢٩٧٠)، وأبو داود (٢٣٤٩)، والنسائي ٤/ ١٤٨.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٦٩) و(٤٦٧٠) و(٤٦٧٢) و(٥٧٩٦)، ومسلم (٢٤٠٠) و(٢٧٧٤)، والنسائي ٤/ ٦٧ - ٦٨، والترمذي (٣٠٩٨).
(٣) ولفظه: " عن أبي جُحيفة قلتُ لعليٍّ: هل عندكم كتابٌ؟ قال: لا إلاَّ كتاب الله أو فهمٌ أعطيه رجلٌ مسلم، أو ما في هذه الصحيفة " أخرجه البخاري (١١١) و(١٨٧٠) و(٣٠٤٧) و(٣١٧٢) و(٣١٧٩) و(٦٧٥٥) و(٦٩٠٣) و(٦٩١٥) و(٧٣٠٠)، والترمذي (١٤١٢)، والنسائي ٨/ ٢٣، وابن ماجه (٢٦٥٨).
(٤) في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
[ ٩ / ٧٥ ]
" المغازي "، والترمذي، والنسائي في " التفسير " (١). فهي في التخويف مثل قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وقوله: ﴿أن تُرَدُّ أيمانٌ بعد أيمانهم﴾ [المائدة: ١٠٨].
الوجه الثالث: أنا لو سَلَّمنا دلالة ذلك على أن في ذنوب المسلمين ما يُحْبِطُ العمل لم يستلزم أن الإحباط يستلزم الخلود، وقبح العفو من الله، لأنه لا مانع من أن يَحْبَطَ عمل العبد ويدخل الجنة برحمة الله تعالى فقد دخلها الصبيان بغير عمل، ويخلق الله لفضول الجنة خلقًا لم يعملوا، ولم يُكَلَّفُوا، كما ثبت في البخاري وغيره (٢).
وقد جاء في الحديث: أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في دعائه: " اللهم إني أعوذ بك أن أكسِبَ خطيئةً مُحبطةً أو ذنبًا لا يُغْفَرُ " ففرَّق بين الخطيئة المحبطة، وبين الذنب الذي لا يُغفر. رواه أحمد والحاكم من حديث زيد بن ثابت (٣).
وكذلك بَيَّنَ الله تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ [المائدة: ٥] أن الخسران في الآخرة أمرٌ غير
_________________
(١) البخاري (٤٣٦٧) و(٤٨٤٥) و(٤٨٤٧) و(٧٣٠٢)، والترمذي (٣٢٦٦)، والنسائي ٨/ ٢٢٦ وفي التفسير من " الكبرى " كما في " التحفة " ٤/ ٣٢٤.
(٢) أخرجه البخاري (٧٣٨٤)، ومسلم (٢٨٤٨) من حديث أنس، والبخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٦٤٦) من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ١٩١، والطبراني (٤٨٠٣)، والحاكم ١/ ٥١٦ - ٥١٧ من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء، عن زيد بن ثابت، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: أبو بكر ضعيف فأين الصحة. وأخرجه الطبراني (٤٩٣٢) من طريق عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن زيد بن ثابت. وعبد الله كاتب الليث في حفظه شيء، وباقي رجاله ثقات. وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١١٣ وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله وُثِّقُوا، وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.
[ ٩ / ٧٦ ]
الإحباط، والظاهر في الذنب الذي لا يُغفر أنه الشرك، لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يُشرك به﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]، وقد خرَّج الحاكم ما يدل على ذلك نصًا صريحًا في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ (١) عَنْهُمْ أَحْسَنُ مَا عَمِلُوا وَيُتَجَاوَزُ (١) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُون﴾ [الأحقاف: ١٦]. كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وفيه عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - إن الله قضى أن يُؤتى بحسنات العبد وبسيئاته، ويُقَصُّ بعضُها ببعض، فإن بقيت حسنةٌ، وسَّعَ الله له في الجنة ما شاء، وإن لم يبق له شيءٌ فـ ﴿أولئك الذين يُتَقَبَّلُ عنهم أحسنُ ما عَمِلُوا، ويُتجاوزُ عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يُوعَدُونَ﴾ قال الحاكم: صحيح الإسناد (٢).
فهؤلاء الذين لم يبق لهم من حسناتهم هم الذين حبطت أعمالهم (٣)، فلم يمنع ذلك من تدارُكِ رحمة الله تعالى الواسعة لهم، وفيه دِلالةٌ على أنه يجوز أن يحبط عملُ المؤمن بذنوبه ثم تُدركه الرحمة والحمد لله.
وأما حديثُ سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: "رُبَّ صائمٍ حَظُّه من
_________________
(١) كذا الأصول: " يُتَقَبَّلُ ويُتَجاوز " بالياء المضمومة فيهما، و" أحسن " رفع على ما لم يسم فاعله، وهي قراءه ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، ونافع، وأبي بكر عن عاصم. وقرأ حمزه والكسائي وحفص عن عاصم: " نتقبل " و" نتجاوز " بالنون فيهما ونصب (أحسن). انظر " حجة القراءات " ص ٦٦٤، و" زاد المسير " ٧/ ٣٧٩.
(٢) أخرجه البخاري في " تاريخه " ٧/ ١١٣، والطبري في " تفسيره " ٢٦/ ١٨، والحاكم ٤/ ٢٥٢، والدولابي في " الكنى " ٢/ ١٥٢ من طريق الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس. ورجاله ثقات غير الغطريف، فلم يوثقه غير ابن حبان ٧/ ٣١٣ - ٣١٤، ولم يرو عنه غير الحكم. وذكره ابن كثير في " تفسيره " ٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦ وساق إسناد ابن أبي حاتم له، وقال: وهو حديث غريب، وإسناده جيد لا بأس به.
(٣) في (د) و(ف) وفوقها في (ش): " حسناتهم ".
[ ٩ / ٧٧ ]
صيامه الجوعُ والعطش، وربَّ قائمٍ حظه من قيامه السهر" رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. فرواه مرةً أحمد (١) من طريق عمرو بن أبي عمر، وعن سعيد وقد كان أحمد يُوثقه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والعجلي، لكن ضعَّفه ابن معين والنسائي، وأبو داود، وعثمان الدارمي (٢)، ورواه النسائي وابن ماجه (٣) من طريق أُسامة بن زيد الليثي، عن سعيد، وأسامة مختلفٌ فيه كذلك، ثم سعيد المقبري مختلفٌ فيه، وقد اضطرب في هذا الحديث، فرواه النسائي عنه موقوفًا ومرفوعًا، ومرةً عن أبي هريرة، ومرةً عن أبيه، عن أبي هريرة (٤)، وعلى تسليم صحته فهو محتملٌ أنه في المُرائي، وفي غير أهل الإسلام احتمالًا بينًا، ويعارضه في أهل الإسلام ما لا يحصى مثل آية الخالطين [التوبة: ١٠٢]، وأن الحسنات يذهبن السيئات وما سيأتي.
وأما ما رواه البخاري والنسائي (٥)، عن أبي المَليح، عن بُريدة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " من ترك العصر فقد حَبِطَ عمله "، فتفرد به البخاري دون مسلم، لأجل يحيى بن أبي كثير وتدليسه، والخلاف فيه مع اضطرابٍ وقع في القصة، فروي أنهم كانوا مع النبي - ﷺ - في سفرٍ في يوم غيم فقال: " بَكِّرُوا بالصلاة (٦) في يوم الغيم، فإنه من ترك العصر، فقد حَبِطَ عملُه " وروي عن أبي المليح أنهم كانوا مع بُريدة في سفرٍ في يوم غيم فقال ذلك لهم، لأنه سمع النبي - ﷺ - يقول الحديث، وإن صح ففي مسلم من طريقين عن جابر أن ترك الصلاة
_________________
(١) ٢/ ٢٧٣، والدارمي ٢/ ٣٠١، والحاكم ١/ ٤٣١ وإسناده حسن، وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
(٢) انظر " التهذيب " ٨/ ٨٢ - ٨٤.
(٣) النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٩/ ٤٦٩، وابن ماجه (١٦٩٠)، وأحمد ٢/ ٤٤١، وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ٢/ ١٨: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات!
(٤) انظر " تحفة الأشراف ": ٩/ ٤٦٩ و١٠/ ٣٠٠.
(٥) البخاري (٥٥٣) و(٥٩٤)، والنسائي ١/ ٢٣٦.
(٦) في (ش): " في الصلاة ".
[ ٩ / ٧٨ ]
إطلاق الكفر على تارك الصلاة يحتمل كفرا دون كفر
كفر، وشواهده كثيرة، والقول بكفر تارك الصلاة شهيرٌ في الحديث، رواه الجماعة إلاَّ البخاري عن جابر مرفوعًا (١)، والأربعة، وأحمد عن بريدة مرفوعًا (٢) والترمذي (٣)، عن الصحابة موقوفًا من طريق عبد الله بن شقيق، والنووي في " شرح مسلم " (٤) عن علي ﵇ موقوفًا، وروى أحمد عن ابن عمرو عنه - ﷺ -: " أن تاركها يُبْعَثُ مع قارون وفرعون وأُبيّ بن خلف " (٥) وهو الحديث الرابع عشر بعد المئة من (٦) مسند عبد الله بن عمرو من " جامع المسانيد "، وفي صحته نظر، لأنه من رواية سعيد يحتمل أنه ابن بشير، وله معارِضٌ بل معارضات.
أما إطلاق الكفر عليه، فصحيحٌ، ولكنه يحتمل كُفرًا دون كُفرٍ، ودَلَّت على هذا دلائل منها حديث عُبادة عنه - ﷺ -: " ومن لم يحافظ عليها فليس له عند الله عهدٌ إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة (٧)، وصَحَّحَه ابن كثير.
وخرَّج البخاري ومسلم عن عبادة: " من قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله -الحديث- أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " (٨). وخرَّجا من حديث أبي
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٢)، وأبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦١٨) و(٢٦١٩) و(٢٦٢٠)، والنسائي ١/ ٢٣٢، وابن ماجه (١٠٧٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، وابن ماجه (١٠٧٩)، وأحمد ٥/ ٣٤٦ و٣٥٥، وليس هو في " سنن أبي داود " فقول المؤلف " والأربعة " من باب التغليب.
(٣) برقم (٢٦٢٢)، وابن أبي شيبة ١١/ ٤٩، وإسناده صحيح.
(٤) ٢/ ٧٠.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) في (ف): " في ".
(٧) حديث صحيح. أخرجه مالك ١/ ١٢٣، وأحمد ٥/ ٣١٥ و٣١٧ و٣١٩ و٣٢٢، وأبو داود (٤٢٥) و(١٤٢٠)، والنسائي ١/ ٢٣٠، وابن ماجه (١٤٠١). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٧٣١) و(١٧٣٢).
(٨) البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٢٠٢) و(٢٠٧).
[ ٩ / ٧٩ ]
موسى: " من صلَّى البَرْدَيْن، دخل الجنة " (١) وعن عُمارة بن رُوَيْبَة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لن يلج النارَ أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " -يعني الفجر والعصر- فقال له رجل من أهل البصرة: أنت سمعتَ هذا من رسول الله - ﷺ - قال: نعم، قال: وأنا سمعتُه منه - ﷺ - (٢).
رواه مسلم في الصلاة من ثلاث طرقٍ عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، ومسعر، والبَخْتَريِّ بن المختار، سمعوه من أبي بكر بن عمارة، عن أبيه.
ورواه أبو داود فيه عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل به، وذكر حديث الرجل.
والنسائي من طريق رابعة عن وكيع به، وقال البختري بن أبي البختري، ولم يذكر حديث الرجل. ومن طريق يحيى ولم يذكره، وفي التفسير من طريق ثانية عن قُتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق -وهو السبيعي- عن عمارة ابن رويبة، وذكر حديث الرجل.
وزاد المِزِّيُّ أنه رواه عبد الله بن رجاء الغُداني عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن حفص، عن عُمارة، وذكر فيه حديث الرجل (٣).
قلت: وله طريق أخرى خرَّجها أحمد (٤) عاليًا عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة. وخرجها مسلم نازلًا عن الدَّوْرَقي، عن يحيى بن أبي بكير، عن شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن عمارة، عن أبيه عمارة. والظاهر عندي أن أبا إسحاق وعبد الملك سمعاه بواسطةٍ أولًا ثم سألا
_________________
(١) البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥)، وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٧٣٩).
(٢) أخرجه مسلم (٦٣٤)، وأبو داود (٤٢٧)، والنسائي ١/ ٢٣٥. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٧٣٨) و(١٧٤٠).
(٣) " تحفة الأشراف " ٧/ ٤٨٦ - ٤٨٧.
(٤) ٤/ ١٣٦.
[ ٩ / ٨٠ ]
لا يصح في الإحباط بغير الشرك نص جلي المعنى
عُمارة عنه فسمعاه منه لما فيه من البُشرى، فلم يكتفيا (١) حتى سمعاه منه، فقد اجتمع على هذه البُشرى الجليلة أبو موسى وعُمارة من أربع طرقٍ عنه، ورجلٌ من أهل البصرة صحابي، فلله الحمد.
وروى أبو داود (٢) من حديث فضالة شاهدًا لذلك بغير لفظه.
وروى النسائي، عن عثمان، عنه - ﷺ -: " من علم أن الصلاة حَقٌّ واجبٌ دخل الجنة ".
ورواه عبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " (٣).
وفي حديث أبي سعيد وأبي هريرة: " أخرجوا من النار من لم يعمل خيرًا قط، وكان في قلبه من الإيمان ما يزن ذرة " متفق عليه (٤)، وغير ذلك وسيأتي والله أعلم.
وعلى الجملة فلم يصح في الإحباط بغير الشرك نصٌّ متفق عليه جَلِيُّ المعنى، فإن صح لم يمتنع معه تجويز العفو كما تقدم في حديث ابن عباس، وأحاديث الشفاعة الصحاح بل المتواترة مُصَرِّحةٌ بخروج أهل التوحيد كلهم من النار، سواءٌ حَبِطَتْ أعمالهم أو لم تَحْبَطْ، وهي متواترةٌ كما يأتي والله سبحانه أعلم.
وقد قيل: إنه يمكن أن يحبط في الدنيا حتى يُشْفَعَ له في الآخرة، ومعنى إحباطها في الدنيا، عدمُ تأثيرها في حقن دمه وماله وعدم الدفع من الله تعالى
_________________
(١) في (د) و(ف): " يكفيا ".
(٢) برقم (٤٢٨) ولفظه: " حافظوا على العصرين صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها ". وهو حديث صحيح. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٧٤٢).
(٣) ١/ ٦٠، وأخرجه الحاكم ١/ ٧٢ وإسناده ضعيف، وليس هو في النسائي. ولم يذكره المزي في " تحفة الأشراف ".
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٩ / ٨١ ]
عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا كما قال تعالى، وهذا يستحق العقوبة بعدم الدفع، وبإنزال المصائب عليه.
وعن المهلب نحو في تفسير: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " كما سيأتي (١).
وروى الحاكم في " المستدرك " في كتاب التوبة عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " إن الله قضى أن يُؤتى بحسنات العبد وسيئاته ويُقَصَّ بعضُها ببعض، فإن بقيت حسنةٌ وَسَّعَ الله له بها في الجنة ما شاء، وإن لم يبق له شيء فـ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٢).
ورواه في موضعٍ قبل هذا بنحوه من طريق الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ -، وقال: صحيح، ذكره في كتاب التوبة، والآية في الأحقاف [١٦].
وروى الحاكم (٣)، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، [عن أبيه]، عن أبي طلحة الأنصاري، عن النبي - ﷺ -: " إن أحدَكُم ليجيء بالحسنات لو وُضِعَتْ على جَبَلٍ لأثقلته ثم [يجيء] النعم، فتذهب تلك بتلك، ويتطاول (٤) الريب بعد ذلك برحمته " ويشهد لهذا حديث جابر في الذي عبد الله في جزيرةٍ في البحر خمس مئة عام لم يُذنب، فحوسِبَ فلم تَفِ عبادتُه (٥) بشكر نعمة البصر.
الحديث أخرجه الحاكم أيضًا وصححه (٦) من حديث جابر فهذا الحديث الأول نصٌّ -ولله الحمد- على النظر الذي ذكرت، فإن هذا هو الإحباط الذي لا
_________________
(١) ص ١٦٥.
(٢) تقدم تخريجه ص ٧٧.
(٣) ٤/ ٢٥١ وصححه، ووافقه الذهبي، ومع ذلك فيه من لا يعرف.
(٤) في الأصول: " ويتفاول "، والمثبت من " المستدرك ".
(٥) في (ف): " نعمته "، وهو خطأ.
(٦) ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، وسليمان -وهو ابن هرم- غيرُ معتمد.
[ ٩ / ٨٢ ]
يُبقي (١) للعبد حسنةً بسبب كثرة سيئاته وغلبتها على حسناته، فلم يكن ذلك مانعًا من تدارُكِ رحمةِ الله للعبد المسلم، والحمد لله رب العالمين.
ويشهد له من القرآن تقسيمُ أهل الجنة، وقوله فيمن اصطفى: ﴿فمنهم ظالمٌ لنفسه﴾ [فاطر: ٣٢] مع قوله: ﴿وسلامٌ على عباده الذين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩].
ومن ذلك وهو الرابع من أدلتهم، وهو يلحق بالنوع الثاني، منها ظواهر، ومطلقات، وعمومات، ربما وَهِمَ بعضهم أنها نصوص أو أوهمت عبارته ذلك، ولا نص فيها غير مُحتملٍ للتأويل مثل (٢) قوله تعالى في الجواب على اليهود حين زعموا أنهم لا يكونون في النار إلاَّ أيامًا معدودةً: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطيئاتُهُ (٣) فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] والجواب من وجهين:
أحدهما: أن سبب نزول الآية في خطاب اليهود ورد قولهم بتقدير مكثهم في النار بالأيام المعدودة، وهي سبعة أيام (٤)، فيما نقله المفسرون وقد ذكرنا أن
_________________
(١) تحرفت في (ش) و(د) إلى: " ألا يبقى ".
(٢) تحرفت في (ش) إلى: " من ".
(٣) بالجمع وهي قراءة نافع، حمله على معنى الإحاطة، والإحاطة إنما تكون بكثرة المحيط، فحمله على معنى الكبائر، والسيئة: الشرك، وقرأ الباقون: " خطيئته " بالتوحيد على تأويل الخطيئة بالشرك فوحَّدوه على هذا المعنى وتكون السيئة الذنوب، وهي بمعنى السيئات، ويجوز أن تكون الخطيئة في معنى الجمع، لكن وحِّدَت كما وحدت السيئة، وهي بمعنى الجمع، فتكون كالقراءة بالجمع في المعنى. انظر " الكشف عن وجوه القراءات " ١/ ٢٤٩.
(٤) أخرجه الطبراني (١١١٦٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس أن يهود كانوا يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما تعذب لكل ألف سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودات، فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلاَّ أيامًا معدودة﴾ إلى قوله: ﴿فيها خالدون﴾. =
[ ٩ / ٨٣ ]
تعديةَ ما نزل (١) بسبب إلى غيره ظنيٌّ مختلف فيه كما هو مقرر في الأصول.
وثانيهما: أنه مُسلَّم لو لم يرد من القرآن إلاَّ هذا الجنس أنه كان يدل على ما ذكروا (٢)، فلما ورد القرآن والحديث بما (٣) هو أبينُ منه، وجب الجمعُ بينهما والرجوع إلى الأبين، وقد قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] فدل على خروج ما دون الشرك من القطع، كما دلَّ القرآن بإجماعنا على خروج الصغائر المعمودة، ويقوى ذلك بمثل قوله تعالى في النار في غير آية: ﴿أعدّت للكافرين﴾، بل قوله: ﴿لا يَصلاها إلا الأشقى، الذى كَذَّبَ وتَولَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقوله تعالى: ﴿إنا قد أُوحيَ إلينا أنَّ العذاب على من كَذَّبَ وتولَّى﴾ [طه: ٤٨]، وقوله في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾ [الحديد: ٢١]، وتفسير رسول الله - ﷺ -، لقوله تعالى: ﴿ولَمْ يَلْبسُوا إيمانهم بظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، أنه الشرك (٤)، مع قوله تعالى بعد ذلك: ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢] والمراد إن شاء الله لهم الأمن في الآخرة، ولا أمان في الدنيا لصالح، فكيف غيره لقوله في مغفرة ما دون ذلك لمن يشاء، ولجهل السوابق والخواتم، ولقوله تعالى: ﴿إنَّ عذابَ ربِّهم غيرُ مأمونٍ﴾
_________________
(١) = قلت: ورجاله ثقات غير أن محمد بن إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث. وأخرجه الطبري في " تفسيره " (١٤١٠) و(١٤١١) والواحدي في " أسباب النزول " ص ١٦ من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس. ومحمد بن أبي محمد لم يرو عنه غير ابن إسحاق، ولم يوثقه غير ابن حبان، وقال الذهبي: لا يعرف.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: " نزلت ".
(٣) من قوله: " أنه مسلم " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ش): " فلما ورد من القرآن والحديث مما ".
(٥) أخرجه من حديث ابن مسعود: البخاري (٣٢) و(٣٣٦٠) و(٣٤٢٨) و(٣٣٦٠) و(٣٤٢٨) و(٣٤٢٩) و(٤٦٢٩) و(٤٧٧٦) و(٦٩١٨)، ومسلم (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧).
[ ٩ / ٨٤ ]
[المعارج: ٢٨]، ولما في الأمن من فساد أكثر الخلق، وبمثل ذلك يُجاب على من احتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ويُزاد عليه الاستدلال على أنها في الكفار قوله قبلها: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله بعدها: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَة﴾ [البقرة: ١٠٣].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وما للظالمين من أنصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، والظاهر فيها وفي غيرها من لا خير فيه وهم الكفار، لأنَّ الله تعالى قد ميَّزَ الخالطين (١) بحكم، وكذلك: ﴿ومَنْ يعملْ مِنَ الصالحات وهو مؤمنٌ﴾ [طه: ١١٢] بآيات كريمة لو لم يكن إلاَّ قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]، فقد خرجوا بالمخصص كما خرج صاحب الصغيرة، وقد صح حديث ابن مسعود عنه - ﷺ - في تفسير الظلم بالشرك في قوله تعالى: ﴿ولم يلبسوا إيمانَهم بظُلْمٍ﴾ (٢). وكذلك قال تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وكذلك ها هنا، ولا بُدَّ من إثبات ظلمٍ دون ظلم، فقد قال آدم ﵇: ﴿ربَّنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٢٣]، مع أنه معصومٌ من الكبائر، وإن أُطلق على ذنبه اسم ظلم، وقد تقدَّمَ هذا المعنى في قبول المتأولين، وسبيل هذه الآيات سبيلُ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]، فإنها مخصوصةٌ (٣) بمن نزلت فيه من المشركين ولو كانت على ظاهرها، هَلَكَ الخلق، وكفى بيانًا لها (٤) قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] فأثنى عليهم بذلك، فكذلك مطلق الظالمين يخرج منهم أهل الإسلام في كثيرٍ من المواضع، وقد تناولهم وَعْدُ المحسنين والمسلمين كما
_________________
(١) في (ش): " الخلاطين ".
(٢) تقدم في الصفحة السالفة.
(٣) في (ش) و(د): " مخصصة ".
(٤) في (ش): " له ".
[ ٩ / ٨٥ ]
تناولهم وعيد الظالمين، فتعارَضَ فيهم، ويجب أن يشتقَّ لهم اسم الإحسان من إحسانهم، والإسلام من إسلامهم، والظلم من ظلمهم، ويبقى الوعيد خالصًا لمن له اسم الظلم خالصًا، وعلى نحو هذا يُفَسَّرُ قوله تعالى: ﴿وقد خاب من حمل ظلمًا﴾ [طه: ١١١]، كما فسر النبي - ﷺ -: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ﴾ ولذلك قال الله تعالى بعد قوله: ﴿وقد خاب من حمل ظلمًا﴾: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾ [طه: ١١٢]، فدل على أن معنى التي قبلها: من حمل ظلمًا ولم يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ فذلك هو المشرك، أما لو كان قد عَمِلَ من الصالحات وهو مؤمن تناقض وعده ووعيده، هذا لو لم يرِدْ بيان ذلك مُفَصَّلًا من السنة، فأما بعد وروده فلا يعدل (١) عنه، ومن عَدَلَ عنه، فلا بد أن يقع في أضعف مما فَرَّ منه، ويتناقض، ويرد الظن الصحيح الواجب قبوله كنصوص الأخبار الصحاح بالظن الضعيف المُحَرَّم قبوله من الآراء الفاسدة، ولكنه مع ذلك يُسميه علمًا لتقليده في قواعده من غير شعورٍ بالتقليد، لأنه قَطَعَ بها لشهرتها بينهم وظن ذلك القطع علمًا كظن جميع المبطلين، وهذه ظلماتٌ بعضُها فوق بعض، تَرَكَّبَ منها صورة اعتقاد علم فيما هو مجموع جهالات، وأنتج هذا رد السنن والآثار وتفاسير السلف، فنعوذ بالله من ذلك، ومنهم من مَنَعَ الأخبار مطلقًا، حتى في الفروع كالبغدادية، وعَلَّلوا ذلك بتقبُّح الظن، ولم يشعروا أنهم ما تمسكوا في رده إلاَّ بظواهرَ سمعيةٍ ظنيةٍ، وأما العقل، فهو عليهم لا لهم، كما بيَّنه الأئمة وأبو الحسين (٢) فالله المستعان.
وتأتي الأجوبة مفرقة في كل آية أو في أكثرها فتأمله، وإنما القصد سياقة الأجوبة على غير ترتيب للبينة على النظر، ومن أحَبَّ التحقيق، نظر الجواب المبسوط في آيه القتل، ونقل تلك الوجوه كلها أو معظمها إلى كل آيةٍ عُرضت من العمومات التي يحتج بها الخُصُومُ، وكذلك المباحث المتعلقة بتفسير
_________________
(١) في (د) و(د): " معدل ".
(٢) هو محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي صاحب كتاب " المعتمد في أصول الفقه "، المتوفى ٤٣٦ هـ. وقد تقدمت ترجمته.
[ ٩ / ٨٦ ]
الإسلام، والإيمان، والإحسان، تأتي مبسوطةً في موضعٍ واحدٍ، وقد تُذكر في غيره من غير بسطٍ فتأمَّلْ ذلك.
ويتصل (١) بهذه الآيات التي يحتج بها المعتزلة في نفي الشفاعة -وهو لاحق (٢) بالأمر الثاني من أنواع أدلتهم- مثل قوله تعالى: ﴿ما للظالمين من حميمٍ ولا شفيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨]، والذي قبلها والذي بعدها يدل على أنها في الكفار كقوله قبلها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠]، إلى قوله: ﴿وإن يُشْرَكْ به تؤمنوا﴾، وقوله بعدها: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْء﴾ [غافر: ٢٠] فرجع الضمير في الذين يدعون من دونه إلى الظالمين ولو تجويزًا، والداعون (٣) معبودًا دون الله كفارٌ، فكذلك الظالمون الذين وصفهم الله بهذا الكفر ولو تجويزًا، وهذه كالآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ [الشعراء: ٩٦ - ١٠٢]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِين﴾ [الروم: ١٣]، وقال: ﴿ما سَلَكَكُم في سَقَرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين﴾ [المدثر: ٤٦ - ٤٨].
وفيه حديث ابن مسعود خرَّجه الحاكم (٤) في التفسير، وفيه إثبات الشفاعة
_________________
(١) في (ف): " ومما يتصل ".
(٢) في (ش): " الأحق ".
(٣) في (ش): " والمدعون ".
(٤) ٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨ و٤/ ٥٩٨ - ٦٠٠. وأخرجه الطبراني (٩٧٦١) و(٩٧٦٢)، وابن جرير الطبري ٢٩/ ١٦٧، والبيهقي في " البعث " (٨٠) و(٥٩٨) مختصرًا ومطولًا من طرق عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود موقوفًا. وهذا إسناد صحيح. وذكر الهيثمي في " المجمع " ١٩/ ٣٢٨ - ٣٣٠ رواية الطبراني المطولة (٩٧٦١) -ومثلها رواية الحاكم ٤/ ٥٩٨ - ٦٠٠، وهي غير الرواية التي أشار إليها المؤلف- وقال: رواه الطبراني =
[ ٩ / ٨٧ ]
للمسلمين، ونفيُها عن الكافرين، رواه عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود وقال: على شرطهما.
وقال الله تعالى في ذلك: ﴿ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من وليٍّ ولا شفيعٍ أفلا تَتَذَكَّرون﴾ [السجدة: ٤]، وهذا مع ما قدمنا أن الظالمين في عُرْفِ القرآن يخُصُّ الكافرين، لقوله تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٥٤]، لأنه صح تفسير النبي - ﷺ - للظلم بالشرك في قوله: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظُلمٍ﴾ وقد مرّ (١) تقريره في الكلام على قبول المتأولين في أول الكتاب، وقد خصَّ الله تعالى عموم نفي الشفاعة بقوله في سورة مريم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٧]، وإنما ينفي الله تعالى الشفاعة عن المشركين، لأنه صرَّح في القرآن: أنهم عَبَدُوا غير الله، ليكونوا لهم شفعاء، والآيات في التصريح بذلك ونفي هذه الشفاعة لا تُحصى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيم﴾ [الشعراء: ٩٧ - ١٠١]، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، ولذلك ذكر الولي مع الشفيع، ولا حجة فيها للمعتزلة، فإنها في المؤمنين الصالحين، والشفاعة عند المعتزلة ثابتةٌ لهم، فتأويلها بما ذكرنا لازمٌ للجميع يُوضِّحه قوله تعالى بعدها: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِك
_________________
(١) = وهو موقوف مخالف للحديث الصحيح وقول النبي - ﷺ -: " أنا أول شافع ". قلت: يُشير إلى قوله في الحديث المطول: " فيكون أول شافع يوم القيامة جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى أو قال عيسى ثم يقوم نبيكم ".
(٢) ص ٨٤.
[ ٩ / ٨٨ ]
بحث في الحاشية في تفسير قوله تعالى: ﴿أمرنا مترفيها﴾
الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠]، فأوضح في آخرها أنها في الكفار.
وكذلك لا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، لأنها في شفاعة الملائكة، ومن كانوا يُعبدون من دون الله، لا في شفاعة النبي - ﷺ -، ولأن مفعول " ارتضى " المحذوف هو المذكور قبله، أي: لمن ارتضى أن يشفعوا له؛ لا لمن ارتضى عمله باتفاق أهل العربية، كما تقول: لا تُكْرِ دارَك (١) إلاَّ لمن ارتضيتَ، أي: الكراء منه لا عمله، وإنما هي كقوله: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذِنَ له﴾ [سبأ: ٢٣]، ويُشْبِهُها من وجهٍ قوله تعالى: ﴿يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلاَّ من أذن له الرحمن ورَضِيَ له قولًا﴾ [طه: ١٠٩]، فالمرضي مفعوله المأذون له هنا هو الشافع لا المشفوع له، والمرضي في الأولى: هو الشفاعة نفسها، وأما المشفوع له، فلو كان مرضيًا من كُلِّ وجه، لكان بأن يكون شافعًا أنسب من أن يكون مشفوعًا له، بل ذلك ثابتٌ في الحديث المتفق على صحته، وفيه يقول الله: " شَفَعَتِ الملائكة، وشَفَعَ الأنبياء، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلاَّ أرحم الراحمين " الحديث (٢)، والعمدة دِلالة الفعل المذكور على المُضمرِ المُقَدَّر، وهو إجماع أهل العربية، وهذا الذي حمل الزمخشري (٣) على تقدير: أمرنا مُترفيها بالفِسْقِ مجازًا، لقوله بعده:
_________________
(١) في (ش): " داري ".
(٢) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري الطويل: " هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة " أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣). وقد تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٣) " الكشاف " ٢/ ٣٥٤. ونص كلامه ﴿وإذا أردنا﴾ وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلاَّ قليل أمرناهم (ففسقوا) أي: أمرناهم بالفسق، ففعلوا والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون فبقي أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنه صبَّ عليهم النعمة صبًا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي، واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه وإنما خولهم إيَّاها ليشكروا، ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، =
[ ٩ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وطلب منهم إيثارَ الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب، فدمرهم. قلت: وقد قدر المحذوف غير واحد من السلف بالطاعة. قال ابن جرير في " تفسيره " ١٥/ ٥٤ - ٥٥: اختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿أمرنا مترفيها﴾ فقرأت ذلك عامةُ قراء الحجاز والعراق ﴿أمَرْنَا﴾ بقصر الألف وغير مدها وتخفيف الميم وفتحها، وإذا قرىء ذلك كذاك، فإن الأغلب من تأويله: أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا فيها بمعصيتهم الله وخلافهم أمره، كذلك تأوَّله كثير ممن قرأه كذلك، ثم أخرجه عن ابن عباس وسعيد بن جبير. وأما المترفون، فهم المتنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون: هم الجبارون والمتسلطون والكبراء. قال الألوسي في " روح المعاني " ١٥/ ٤٣: وخصَّهم بالذكر مع توجه الأمر إلى الكل، لأنهم أئمة الفسق، ورؤساء الضلال، وما وقع من سواهم باتباعهم لأن توجه الأمر إليهم آكد. ويدل على تقدير " الطاعة " أن فَسَقَ وعَصَى متقاربان بحسب اللغة، وإنَّ خص الفسوق في الشرع بمعصية خاصة، وذكر الضد يدل على الضدِّ، كما أن ذكر النظير يدل على النظير، فذكر الفسق والمعصية يدل على تقدير الطاعة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾، فيكون نحو: أمرته فأساء إلي، أي: أمرته بالإحسان بقرينة المقابلة بينهما المعتضدة بالعقل الدال على أنه لا يؤمر بالإساءة، كما لا يؤمر بالفسق، والنقل، كقوله تعالى: ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ وجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم كما في: يُعطي ويمنع، أي: وجهنا الأمر. وقال ابن الجوزي في " زاد المسير " ٥/ ١٨ - ١٩: قوله تعالى: ﴿أمرنا مترفيها﴾ قرأ الأكثرون: ﴿أمرنا﴾ مخففة على وزن " فعلنا " وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من الأمر، وفي الكلام إضمار، تقديره: أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا، هذا مذهب سعيد بن جبير. قال الزجاج: ومثله في الكلام: أمرتك فعصيتني، فقد علم أن المعصية مخالفة الأمر. والثاني: " كثرنا " يقال: أمرت الشيء وآمرته، أي كثرته، ومنه قولهم: مُهَرةٌ مأمورة أي كثيرة النِّتَاج، يقال: أَمِر بنو فلان يأمرون أمرًا: إذا كثروا، هذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة. والثالث: أن معنى: " أمرنا ": أمرنا، يقال: أمرت الرجل، بمعنى: أمَّرتَه، والمعنى: سلُطنا =
[ ٩ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مترفيها بالإمارة، ذكره ابن الأنباري. وقال ابن القيم في " شفاء العليل " ص ٢٨١: وقوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ فهذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني شرعي، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمعنى: قضينا ذلك وقدرناه. وقالت طائفة: بل هو أمر ديني، والمعنى أمرناهم بالطاعة، فخالفونا وفسقوا، والقول الأول أرجح لوجوه. أحدها: أن الإضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلاَّ إذا لم يمكن تصحيح الكلام بدونه. الثاني: أن ذلك يستلزم إضمارين أحدهما: أمرناهم بطاعتنا، الثاني، فخالفونا أو عصونا ونحو ذلك. الثالث: أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه كقولك أمرته ففعل، وأمرته فقام، وأمرته فركب لا يفهم المخاطب غير هذا. الرابع: أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور، ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك، بل هو سبب النجاة والفوز. فإن قيل: أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك. قيل: هذا لا يبطل بالوجه. الخامس: وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتباع رسله المترفين وغيرهم، فلا يصح تخصيصُ الأمر بالطاعة بالمترفين يوضحه. الوجه السادس: أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم، ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال: أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها، فإن الإرسال لو كان إلى المترفين، لقال من عداهم: نحن لم يُرسل إلينا. السابع: أن إرادة الله سبحانه لأهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم، وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم لأنهم معذورون بغفلتهم، وعدم بلوغ الرسالة إليهم، قال تعالى: ﴿وما كان الله ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ فإذا أرسل الرسل، فكذبوهم أراد أهلاكها، فأمر رؤساءهم ومترفيها أمرًا كونيًا قدريًا لا شرعيًا دينيًا بالفسق في القرية فاجتمع أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم، فحينئذ جاءها أمر الله وحق عليها قوله بالإهلاك. وسيأتي رد المؤلف على الزمخشري في الصفحة ١٩٢.
[ ٩ / ٩١ ]
ففسقوا، وذلك أن المحذوف إذا دل عليه المنطوق وجب تقديره من جنسه.
ومثلهما قوله تعالى في الشفاعة: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿إلاَّ من بعد أن يأذنَ الله لمن يشاء ويرضى﴾ كلها في نفي الشفاعة من غير مشيئته ردًّا على المشركين في جهالاتِهم، ولولا قبولُ الخاص وتقديمه على العامِّ، لَوَجَبَ نفيُ الشفاعة عن المؤمنين لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فكيف تُرَدُّ أخبار الشفاعة الصريحة الصِّحاح، بل المتواترة عند أهل العلم التامِّ بالحديث لأجل عموماتٍ نزلت في ردِّ جهالات المشركين، وما يجري هذا المجرى في الاحتجاج منهم والحساب عليهم قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّار﴾ [الزمر: ١٩].
والجواب أنها عمومٌ، وأن آية سورة مريم أخصُّ وأحاديث الشفاعة المتواترة وسائر أدلة أهل السنة، ويوضح ذلك أن هذه فيمن حقَّتْ عليه كلمة العذاب كما هو بيِّن فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿وكذلك حقت كلماتُ (١) ربك على الذين كفروا أنهم أصحابُ النار﴾ [غافر: ٦]، ولها نظائر، وفي حديث الشفاعة الصحيح تقول الملائكة (٢): لم يبق في النار إلاَّ من حَبَسَهُ القرآن (٣)، يريد الكفار الموعودين بالخلود، والآية التي احتجوا بها في " الزمر " وعقيبها قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]، وبعدهما بيسير: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾ [الزمر:
_________________
(١) بالألف على الجمع، وهي قراءه نافع وابن عامر، وقرأ الباقون: " كلمة " بالإفراد. انظر " حجة القراءات " ص ٦٢٧.
(٢) لم يرد في الصحيح أن هذا قول الملائكة كما أشار إليه، وإنما هو قول رسول الله - ﷺ -، ونصه: " فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلاَّ من حَبَسَه القرآن، أي: وجب عليه الخلود ".
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٧٦) و(٦٥٦٥) و(٧٤١٠)، ومسلم (١٩٣)، وابن ماجه (٤٣١٢) من حديث أنس.
[ ٩ / ٩٢ ]
٣٣]، فحكم لهم بالتقوى كما سيأتي تحقيقه لأنهم اتقوا الشرك بالله، وقد قال فيهم: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهم أسْوَأ الذي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥].
ومن ذلك قوله تعالى في تحريم الربا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وظاهرها في الكفار، لأنه قال في أولها:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، وهذا الكلام يخُصُّ الكافرين، لأنه صريح الإنكار لتحريم الربا، والاحتجاج على الله تعالى بالقياس كما احتج الشيطان في تفضيل نفسه على آدمَ، وإنما الذي يَخُصُّ المؤمن من وعيد الربا قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ وليس فيه ذكر الخلود، على أنه من أشَدِّ وعيدٍ، وأعظم تهديد.
ونحوه ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة، عنه - ﷺ -: " أن الله تعالى يقول: من عادى لي وليًا فقد آذَنْتُه بحربٍ " (١). وكذلك جعل هذه الآية الآخرة في المؤمنين الواحديُّ في " أسباب النزول " (٢).
وقد ثبت أن أكل الربا من السبع الموبقات (٣)، وفي حديث سمرة في الرؤيا النبوية، رواه البخاري (٤): " وأما الرجل الذي يسبح في النهر ويُلْقَمُ الحجارة، فإنه آكلُ الربا "، وهذا التفسير إشارة إلى قول النبي - ﷺ - قبله: "فأتينا على نهر -حسبتُ أنه قال:- أحمر مثل الدم، فإذا في النهر رجلٌ يسبح، وإذا على شَطِّ النهر رجلٌ قد جمع عنده حجارةً كثيرة، وإذا ذلك السابحُ يسبَحُ ما سَبَحَ، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه، فَغَرَ له فاه، فيُلقمه حجرًا (٥)، قال: قلتُ ما هذا؟
_________________
(١) تقدم تخريجه. وانظر " صحيح ابن حبان " (٣٤٧).
(٢) ص ٥٨ - ٥٩.
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري (٢٧٦٦) و(٥٧٦٤) و(٦٨٥٧)، ومسلم (٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائي ٦/ ٢٥٧.
(٤) رقم (١٣٨٦) و(٢٠٨٥) و(٧٠٤٧).
(٥) في (ف): " حجرًا حجرًا ".
[ ٩ / ٩٣ ]
قالوا: انطلِقْ انطلِقْ" الحديث، ثم فَسَّراه بما تقدم من أنه آكلُ الربا، وهو حديثٌ شديد، إلاَّ أن في آخره ذكر المغفرة للخالطين (١). رواه البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢].
وله شاهدٌ حَسَنٌ بغير لفظه رواه أحمد وابن ماجه (٢) من طريق ابن لهيعة، عن عبد رَبِّه بن سعيد، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يدخل النار إلاَّ شَقيٌّ " قيل: ومن الشقي؟ قال: " الذي لا يعمل بطاعةٍ ولا يَتْرُكُ لله معصيةً " خرَّجه ابن ماجه في الزهد وهو الحديث (٦٥٢) من مسند أبي هريرة في " جامع ابن الجوزي " وهو يدلُّ على مثل حديث البخاري عن سَمُرَة في الخالطين.
وكان أحمد يقوي شأن ابن لهيعة في الحديث، ويقول: إنه محدثُ مصر، ويقول: من مثله في حفظه وإتقانه، وأثْنى عليه ابن وهب، وقال: إنه بارٌّ صادقٌ، وأثنى عليه الليثُ وسفيان، وخرَّج له الأربعة، وإن ضعَّفه الأكثرون فقد علم هؤلاء تضعيفهم له وسببه، ثم خالفوهم فيه.
وإنما قلت: إن حديثه يشهد لحديث سمرة في الخالطين، لأن كل مسلمٍ قد أطاع الله في التوحيد، وفي ترك الشرك، وجميع أنواع الكفر، وتعظيم الرسل، وحُبِّهم لله ﷿، وقد كان بعضهم يقول: اللهم إني أطعتُك في فعل أحب الأشياء إليك، وتَرْكِ أبغضها إليك، فاغفر لي ما بينهما، أو كما قال، فنسأل الله أن يصدق ذلك بواسع رحمته، وعظيم فضله، إنه على ذلك قدير، وبكل خيرٍ جدير، وقد يُجازى المؤمن في الدنيا بعقوباتٍ مختلفة على جهة التدريج، على ما جاء تفسيره في قوله تعالى: ﴿أو يأخُذَهُم على تَخَوُّفٍ فإنَّ
_________________
(١) ونصه (٤٦٧٤): " وأما القوم الذين كانوا، شطرٌ منهم حسن وشطرٌ قبيح، فإنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا، تجاوَزَ الله عنهم ".
(٢) أحمد ٢/ ٣٤٩، وابن ماجه (٤٢٩٨).
[ ٩ / ٩٤ ]
أشد وعيد في خطاب المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾
ربكم لرؤوفٌ رحيم﴾ [النحل: ٤٧]، والتخوُّف: التنقص قليلًا قليلًا، ونسألُ الله العافية من ذلك كله، فإن البشر ضعيفٌ، وقليلُ العذاب شديد، ولا أمان من واحدٍ منهما، ولا نجاة إلاَّ برحمة الله فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ومن أشدِّ وعيدٍ وَرَدَ في خطاب المؤمنين فيما علمتُه قوله تعالى في " الأنفال " [١٥ - ١٦]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ فهذا وعيدٌ شديد يخص المؤمنين، ولذلك لم يذكر فيه الخلود.
وعن الحسن البصري أنه مُختَصٌّ بيوم بدر (١)، وإن كان الفرار من الزحف أحد السبع الموبقات في كل موطن على ما ثبت في حديث أبي هريرة (٢)، لكنه قد صحَّ أن النبي - ﷺ - فئة المسلمين، كما في حديث ابن عمر في فِرارِهم من نجد، وقولهم للنبي - ﷺ -: نحن الفرارون، فقال: " أنتم العَكَّارون " وهو صحيحٌ (٣) فدلَّ على صحة قول الحسن البصري في أن هذا الوعيد يختصُّ بيوم بدر، لأن رسول الله - ﷺ - يومئذٍ كان معهم فيه، فالفِرار عن رسول الله - ﷺ - وتَرْكُه للمشركين يُنافي الإيمان، لقوله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدُكُم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه" (٤).
_________________
(١) أخرجه الطبري في " تفسيره " (١٥٨٠٥) و(١٥٨٠٧) و(١٥٨٠٩)، والنحاس في " ناسخه " ص ١٨٤ من طرق عن الحسن.
(٢) تقدم في ص ٩٣.
(٣) أخرجه الترمذي (١٨١٦) من طريق سفيان، وأبو داود (٢٦٤٧)، وأحمد ٢/ ٧٠ من طريق زهير، وأحمد ٨٦ من طريق شعبة و١٠٠ من طريق خالد الطحان و١١١ من طريق شريك خمستهم عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر وقال الترمذي: هذا حديث حسن لا تعرفه إلاَّ من حديث يزيد بن أبي زياد. قلت: يزيد بن أبي زياد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال في " التقريب ": ضعيف كبر وصار يتلقن، روى له مسلم مقرونًا.
(٤) تقدم تخريجه في ٨/ ٩٧.
[ ٩ / ٩٥ ]
وكذلك يُقاسُ عليه الفِرارُ عن رسول الله - ﷺ - إلى غير فئةٍ في كل موطن مثل بدر، ولعلَّ هذا الوعيد إن شاء الله من قبيل قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥] لعلم الله أن أهل بدر لا يَفِرُّ منهم أحدٌ عن رسول الله - ﷺ - ويدعه للمشركين، ولذلك قال الله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وليُبْلِي المؤمنين منه بلاءً حسنًا إن الله سميعٌ عليمٌ﴾ [الأنفال: ١٧]، ويدل على جواز تخصيص الوعيد العام، وأن رحمة الله تعالى قد تغلبُ على غضبه المنصوص في الوعيد حيث يشاء سبحانه، أن طائفةً من المسلمين قد انهزَمُوا يوم أحد، فنَزَلَ القرآن صريحًا بالمغفرة لهم والعفو عنهم، بل صرَّح بأن الله تعالى وليُّهم في قوله تعالى: ﴿والله وليُّهُما﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وسُرَّ بعض المنهزمين بهذه الآية، بل اعتذر الله سبحانه لهم لُطفًا بهم، فقال: ﴿إنما استزلَّهُم الشيطان ببعض ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] كما نَزَلَ القرآن بالعفو عنهم في حديث الإفك في سورة النور مع أنه أحد الموبقات السبع، ولم تشتهر التوبة عنهم في القصتين معًا، بل الظاهر خصوصًا في حديث الإفك إصرار جميعهم أو بعضهم حتى نزلت مع أن الإفك من حقوق المخلوقين، ولذلك كَرَّرَ الله آيات الرحمة في ذلك كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ [النور: ٢٠]، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [النور: ٢١]. ومن أرجى آيةٍ فيها قوله تعالى في قطع أبي بكر نفقة مِسْطَحٍ وحَلِفِه على ذلك، لأن مِسْطَحًا كان من أهل الإفك، فأنزل الله في قَسَمِ أبي بكر على قطع نفقته: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فانظر كيف أثنى الله تعالى على مسطحٍ مع ذنبه المجمع على كبره، بأنه من المهاجرين في سبيل الله، وترحَّم له بأنه من المساكين، وأمر بالعفو عنه، ووَعَدَ بالمغفرة جزاءً لمن عفا عنه، وهذه الآياتُ مدنيةٌ من آخر ما
[ ٩ / ٩٦ ]
نَزَلَ، وكذلك السورة كلها، وهذا مع التشديد العظيم في هذه السورة في هذا الذنب، فالحمد لله رب العالمين.
ومما يوضح لك (١) اعتبار أسباب النزول، والفرق بين وعيد المسلمين والكافرين في الذنب الواحد، أن الله قال بعد الحَثِّ على العفو على مِسْطح من غير فصل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِين﴾ [النور: ٢٣ - ٢٥]. فهذه في المنافقين من أولها، وآخرها صريحٌ في ذلك، وشهادة الجوارح لا تكون إلاَّ على المنافقين كما في الحديث الصحيح (٢)، لأن المنافق هو الذي يختص بالإنكار، ودعوى الإيمان والصلاح في الآخرة كما كان في الدنيا، والقرآن يكفي في الرد على منع صحة هذا، فسبحان المخوف مع سَعةِ رحمته، المرجوِّ مع شديد انتقامه، الحكيم الذي لم يُؤَمِّنِ الصالحينَ بحكمته، ولم يُقَنِّطِ المسرفين لرحمته، ومن نَظَرَ في قطع يد السارق الفقير البائس المسكين في رُبْعِ دينار أو عشرة دراهم، وإن كان سَرَقَها على أعتى الناس وأفجرهم لم يأمن من شديد عقوبة الله تعالى، وعظيم انتقامه، فإن هذه العقوبة تُخالِفُ ظنون العقلاء ومقاييس أهل الرأي، وأقوى البشر يضعُفُ عن أهون عقوبات الآخرة، وقد شاهدنا في الدنيا من أنواع المصائب والبلاوي ما لا تحتمله (٣) قوانا، فنعوذ بالله من مباشرة المعاصي التي هي أسبابُ البلاء (٤) والمصائب في الدارين، وكم من أهوالٍ في الدنيا، وفي البرزخ، وفي عَرَصَاتِ القيامة في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، وإن سَلِمَ العاصي المسلم من الخلود، فدون الخلود من العقوبات والمصائب والأهوال ما لا تَقْوَى له (٥) الجبالُ، وكفى عبرةً في ذلك بما حكاهُ الله تعالى من مَشيبِ الأطفال في يوم
_________________
(١) تحرفت في (ف) إلى: " ذلك ".
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في (ش): " تحمله ".
(٤) في (ش): " البلايا ".
(٥) في (ش): " يقوى في ".
[ ٩ / ٩٧ ]
القيامة مع عدم الذنوب، وأعظم من ذلك ما وَرَدَ في أحاديث الشفاعة الصحاح من خوف كبار الأنبياء من ذنوبهم، وامتناعهم من الشفاعة بسبب ما صدر منهم من الصغائر المغفورات التي لا قَدْرَ لها في جنب عظيمِ إحسانهم ورفيع مكانهم ومما قلتُ في ذلك:
إذا خافَ الخليلُ وخافَ موسى وآدَمُ والمسيحُ وخافَ نوحُ
ولم يَتَشَفَّعُوا للناس خوفًا فما لي لا أخافُ ولا أنوحُ
فالأمر عظيمٌ، والخطبُ جسيمٌ، والخوف من عذاب الرب العظيم عظيم، لولا ما آنس قلوب العارفين من سَعةِ رحمة الرحمن الرحيم، وعلى كُلِّ حال فما لنا إلاَّ رحمته، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الأمر الثالث من الأصل ما تعلَّقوا به قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، فإنهم زعموا أنها أخص وأبين من قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، وأبين من سائر ما ذكرنا ومن سائر ما نذكره من أدلة أهل السنة، والجواب عليهم من وجوه:
الوجه الأول: وهو تمهيدٌ للتحقيق (١)، أن ذلك لا يصح إلاَّ لو كان أهلُ الجنة من المسلمين نوعًا واحدًا لا تفاضُلَ ولا اختلاف، وأما مع صحة انقسامهم إلى قسمين كما في " الواقعة " و" الرحمن " وغيرهما، وإلى ثلاثة أقسام كما في " التوبة " وغيرها، ألا تراه يقول في بعضهم: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]، ويقول في بعضهم: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ..﴾ إلى قوله: ﴿والذين كفروا لهم نارُ جهنم ..﴾ الآية [فاطر: ٣٢ - ٣٦]. ويقول في آيةٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)
_________________
(١) في (ش): " التحقيق ".
[ ٩ / ٩٨ ]
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٥ - ٢٦]، ويقول في آياتٍ كثيرةٍ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، وفي آية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُون﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وفيها دلالةٌ واضحةٌ على التفرقة بين الإيمان والعمل في الوضع الحقيقي، كما سيأتي، وإلا لكان المعنى: ومن يعمل من الصالحات وهو عاملٌ للصالحات، ويعضُده ما جاء في كتاب الله تعالى من الوعيد على بعض الصالحات صريحًا كقوله تعالى: ﴿ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩]، وفي قوله في الجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّه ﴾ الآية [الصف: ١٠ - ١١].
ومثلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُون ﴾ [التوبة: ١١١]، وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ٨٥]، وفي قوله في سورة الحديد [٢١] في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقوله فيها: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨] قرأ ابن كثير:
المُصَدِّقين بتخفيف الصاد من التصديق فيهما، وقرأ الأكثرون بتشديد الصاد فيهما من الصدقة (١)، وفي الصدقة يقول الله تعالى: ﴿الشيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويأمُرُكُم بالفحشاء﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وهي الشُّحُّ هنا كما دل عليه أول الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وأصرحُ منها في الصدقة قوله تعالى في آخر " التغابن ": ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيم﴾ [التغابن: ١٧].
وخرَّج الحاكم (٢) من حديث الأوزاعي عن أبي كثيرٍ الزُّبيدي عن أبيه وكان
_________________
(١) انظر " حجة القراءات " ص ٧٠١.
(٢) ١/ ٦٣. ورجاله ثقات غير والد أبي كثير، فلم أقف له على ترجمة وفي كلام الحاكم =
[ ٩ / ٩٩ ]
يُجالسُ أبا ذر. قلت: يا أبا ذر، دُلَّني على عملٍ إذا عَمِلَ به العبد دخل الجنة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " تؤمن بالله " قلت: يا رسول الله: إن مع الإيمان عملًا قال: " يَرضَخُ مما رزقه الله " قلت: يا رسول الله، فإن كان مُعْدِمًا لا شيء له، قال: " يقول معروفًا " وذكر أشياء من أعمال الخير على هذا التدريج حتى قال: " يَدَعُ الناس من أذاه " قلتُ: يا رسول الله، إن هذا ليسير كله، قال: " والذي نفسي بيده ما من خَصْلةٍ يَعْمَلُ بها عبدٌ يبتغي بها وجه الله تعالى إلاَّ أخذتْ بيده يومَ القيامة فلم تُفارقه حتى تُدخله الجنة ". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وروى ابن عبد البر نحوه عن أبي سعيد الخُدري، ذكره صاحب " التنضيد " في باب ما يكره من الكلام، وصحَّحَ الحاكم (١) نحوه من حديث أنس، وصححه ابن قيم الجوزية في " حادي الأرواح " وفي (٦٥٢) عن أبي هريرة مرفوعًا نحو ذلك بغير لفظه (٢).
وفي " صحيح البخاري " (٣) ورد عن ابن عمرو عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " أربعون خَصلة، من عَمِلَ بواحدةٍ منها دخل الجنة، أعلاها منيحة الشاة " أو كما قال، ويشهَدُ لذلك قوله تعالى: ﴿ومَنْ يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ﴾ [طه: ١١٢] في غير آية، وسيأتي مبسوطًا.
فإذا تقرر انقسام أهل الجنة، فهذه الآية التي ذكروها من أهلِ مرتبةٍ رفيعة من أهل الجنة، ألا تراه رَتَّبَ على اجتناب الكبائر أمرين، كل واحدٍ منها أرفعُ من المغفرة:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿نُكَفِّرْ عنكُم سيئاتِكم﴾ [النساء: ٣١]، فإن
_________________
(١) = وهمان الأول: وصفُه أبا كثير بالزبيدي، والصواب السحيمي، والثاني: قوله: صحيح على شرط مسلم، ولم يُنبه عليهما الذهبي في " مختصره ".
(٢) انظر " المستدرك " ١/ ٧٠.
(٣) تقدم تخريجه ص ٩٤.
(٤) رقم (٢٦٣١)، وأخرجه أبو داود (١٦٨٣).
[ ٩ / ١٠٠ ]
المدخل الكريم في قوله تعالى: ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾ هو درجة شريفة من درج الجنة
التكفير بالأعمال في عُرفِ الشرع، ولذلك فرَّق الزمخشري (١) بين المغفرة والتكفير في قوله (١): ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، ومنه سُمِّيَتِ الكَفَّارات خصوصًا عند الخصوم أن التكفير على جهة الوجوب على الله دون التفضُّل بالمغفرة الذي هو نصيب بعض أهل الآخره بنص كتاب الله حيث قال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقد يُسمى التكفير مغفرةً، ولا تسمى المغفرة تكفيرًا، فالمغفرة جنسٌ يدخُلُ التكفير تحتها، والتكفير نوعٌ منها عند أهل السنة، وقد فرَّق الله بينهما فقال: ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكَفِّرْ عنا سيئاتنا وتوفَّنَا مع الأبرر﴾.
وثانيهما: قوله تعالى: ﴿ونُدخلكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، فإنه يحتمل أن هذا المدخل الكريم هو درجةٌ شريفةٌ من دَرَجِ الجنة، إما درجة المقتصدين أو غيرهم، بل قد دل القرآن على أنها درجة المحسنين، لقوله تعالى في سورة النجم: ﴿ويَجْزِيَ الذين أحسنَوا بالحُسنى﴾ [النجم: ٣١] ثم وصفهم بصفة مجتنتبي الكبائر، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَة﴾ [النجم: ٣٢]، كما سيأتي في تفسيرها، فجعل أهل الصغائر واللَّمَم مُحسنين في النجم، وجعلهم في هذه الآية من أهل المُدْخَلِ الكريم، فدلَّ على أنهم طائفةٌ من أهل الجنة، وأهل الجنة طوائف متفاوتة، ولهم دَرَجٌ كثيرةٌ كما قال تعالى: ﴿هم درجاتٌ عند الله﴾ [آل عمران: ١٦٣]، وقال في المجاهدين: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
وفي " الصحيح " أن في الجنة مئة درجة بين كل درجتين كما بين السماء
_________________
(١) ١/ ٢٣٨.
[ ٩ / ١٠١ ]
والأرض (١). صحَّحَ ابن تيمية أن الحديث في الجنة، لا أنه أن الجنة مئةُ درجة، وطوَّل في هذا، وفي الأدلة عليه، ذكره تلميذه ابن قيم الجوزية في كتابه " حادي الأرواح " (٢).
وفي " الأنفال " [٢ - ٤]: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قلوبهم﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم المؤمنون حقًا﴾ وبعدها [٥ - ٦]: ﴿وإنَّ فريقًا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبَيَّنَ﴾ فلما كان المؤمنون في الدنيا مراتب متفاوتة، كانوا كذلك في الآخرة، وقد دل حديث الشفاعة أن الخارجين من النار بالشفاعة ثلاث طوائف، وأن الله يُخرج بعدهم (٣) من النار برحمته لا بالشفاعة طائفة رابعة لم يعملوا خيرًا قط، ولا في قلوبهم خيرٌ (٤) قط، ممن قال: لا إله إلاَّ الله، يُسَمِّيهم أهل الجنة عُتقاء الله من النار بل في الجنة من لم يَقُلْ قبل موته لا إله إلاَّ الله، ولا يدخُلُها بعملٍ كالأطفال، وفيها من لم يُكَلَّفْ كحور العين، وفيها قومٌ يُنشئُهم ويسكنهم فضولَ الجنة التي تبقى ليس فيها أحدٌ كما في " الصحيحين " (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٩٠) و(٧٤٢٣)، وأحمد ٢/ ٣٣٥ و٣٣٩، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٩٨، والحاكم ١/ ٨٠، وابن حبان (٤٦١١)، والبغوي (٢٦١٠) من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد ٥/ ٣١٦ و٣٢١، والترمذي (٢٥٣١)، والحاكم ١/ ٨٠، وابن أبي شيبة ١٣/ ١٣٨، وأبو نعيم في " صفة الجنة " (٢٢٥) من حديث عبادة بن الصامت. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٤٠ - ٢٤١، والترمذي (٢٥٣٠)، وابن ماجه (٤٣٣١)، وأبو نعيم في " صفة الجنة " (٢٢٧) من حديث معاذ. وأخرجه أحمد ٢/ ٣٩٩ و٤٢٤، والنسائي ٨/ ١١٩، وابن حبان (٤٦١٢)، والبيهقي ٩/ ٣٩ و١٥٧ من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) ص ٥٥.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: " بعضهم ".
(٤) في الأصول: " خيرًا "، والجادة ما أثبت.
(٥) تقدم ص ٧٦.
[ ٩ / ١٠٢ ]
ورود الشرع بأن الحسنات يذهبن السيئات
فإذا تقرَّرَ هذا، فالمعتزلة لم تُقِرَّ ببعضه، وهو انقسامُ دَرَجِ الجنة على حَسَبِ أعمالِ أهلها، بل تقول: إن الأطفال من أهلها بغير عمل، فما أمنهم أن الآيات التي احتجوا بها في صفة بعض أهل الجنة لا في صفة جميعهم، بل لا بد من ذلك عندهم، وإلا لَمَا دخلها الأطفال، وإنما أخبر الله تعالى بهذه الآية عن طائفةٍ من الجنة أنهم من أهل المُدْخَلِ الكريم عنده، وسكت في هذه الآية عمَّنْ عداهم، ثم ذكرهم في غيرها من كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ - كما سيأتي.
الوجه الثاني: تمهيدٌ كالأول أيضًا، وذلك أن الشرع ورد بأن الحسنات يُذهبن السيئات، ومنه قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَه﴾ [المائدة: ٤٥].
وروى أحمد حديثين في ذلك: أحدهما في تفسير الآية (١)، والثاني حديثُ هشام بن عامر في المتهاجرين، وأن من بدأ منهما بالرجوع عن ذلك كانت كفارة له (٢).
وفي الحديث: " وأتْبِعِ السيئة الحسنةَ تَمْحُها " (٣) رواه الترمذي من حديث أبي ذرٍّ ومعاذ، وحديث أبي ذر أصحُّ وإسناده صالح. ورواه النووي في " مباني الإسلام " (٤) والآية المقدمة تشهد له، وجاء في الشرع صريحًا بذكر التكفير
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٤٠٠.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٤/ ٢٠، وابن حبان (٥٦٦٤)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٤٠٢) و(٤٠٧)، والطبراني ٢٢/ (٤٥٤) و(٤٥٥)، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٨/ ٦٦ ونسبه لأحمد وأبي يعلى، وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.
(٣) حديث حسن، أخرجه أحمد ٥/ ١٣٥ و١٥٨ و١٦٩ و٢٢٨، والترمذي (١٩٨٧)، والدارمي ٢/ ٣٢٣ من حديث أبي ذر، وأخرجه أحمد ٥/ ١٥٣ و٢٢٨، و٢٣٦، والترمذي (١٩٨٧) من حديث معاذ. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) هو الحديث الثالث والعشرون.
[ ٩ / ١٠٣ ]
تكفير الدنوب بالتوبة، وتكفير الصغائر باجتناب الكبائر
والكفارات، فالإسلام يَجُبُّ ما قبله ويُكَفِّرُ ما تقدمه من حقوق الله وحقوق المخلوقين بالإجماع.
وكذلك التوبة تُكَفِّرُ الذنوب بالإجماع مع اجتماع شرائطها، وكذلك كفارات الأيمان، وكفارات الظِّهار، وقتل الخطأ، وقتل الصيد في الحرم إجماعًا، واختلف في كفاره من تَرَكَ الجمعة أو أتَى حائضًا، وقتل العمد كما مضى، وغير ذلك.
وكذلك اجتناب الكبائر تُكفِّرُ الصغائر بالإجماع أيضًا، ولا يُعْتَدُّ بخلاف الخوارج في ذلك. وقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُم﴾ [التغابن: ١٧] وأمثالها كثيرٌ في الوعد بالمغفرة على العمل الواحد من الصدقة أو الجهاد أو غير ذلك من الطاعات، فقد قال الله تعالى: ﴿ومَنْ يُطعِ الله﴾ في الوعد كما قال: ﴿ومَنْ يَعْصِ الله﴾ في الوعيد كما مضى قريبًا. وقال: ﴿هل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]، والإحسان: هو الإخلاص في العمل وإن قَلَّ، كما يأتي بيانه، يُوضِّحُ ذلك أنه تعالى جعل السيئة بسيئة مثلها واحدة في جميع كتبه، وعلى ألسنة رسله، ومثله في جميع الأحوال إلاَّ ما اختلف فيه من سيئات الحرم، ولم يَصِحَّ فيه شيءٌ، وأما الحسنة، فجعلها بعشرٍ إلى سبع مئة ضعف والله يُضاعفُ لمن يشاء، أي: يزيد على السبع مئة لمن يشاء على أحد التفسيرين، وهو الصحيح لقوله تعالى في جزاء الصابرين: إنه بغير حساب [الزمر: ١٠]، ولما صح (١) من حديث: "كل حسنةٍ
_________________
(١) بل لا يصح، فقد رواه الطبراني في " الكبير " (١٢٦٠٦)، وفي " الأوسط " (٢٦٩٦)، وابن خزيمة (٢٧٩١)، والحاكم ١/ ٤٦٠ - ٤٦١، والبيهقي ١٠/ ٧٨، والدولابي في " الكنى " ٢/ ١٣، والبزار (١١٢٠) من طرق عن عيسى بن سوادة، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زاذان عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حج ماشيًا، كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ كل حسنة بمائة ألف حسنة. وهذا سند ضعيف جدًا. عيسى بن سوادة قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " الجرح والتعديل " ٦/ ٢٧٧: هو منكر الحديث ضعيف روى عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زاذان، =
[ ٩ / ١٠٤ ]
بعشر إلى سبع مئة إلاَّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وهذا يدلُّ على أن جزاء الصوم يزيد على سبع مئة كالصبر، فهو (١) يُناسِبُ في المعنى، لأن الصومَ صبرٌ مخصوص، فقد دَخَلَ في وعدِ الله في كتابه للصابرين حيث قال: ﴿إنما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وصح في حسنة الحرم أنها بمئة ألف حسنة، وأن الصلاة فيه بمئة ألف صلاة، ومتى انضم ذلك إلى مضاعفة الجماعة كانت الصلاة الواحدة فيه تعدل ثمانين سنةً في غيره، ومتى انضم ذلك إلى تضعيف الأجير في ليلة القدر أعجز الحاسبين حسابه، فتضعيف الحسنات على السيئات تشهَدُ لتكفيرها، وهي من غَلَبِ الرحمة الغضب، ولله الحمد.
وجاءت السنن الصِّحاح بما شَهِدَ (٢) له القرآن الكريم من تكفير الحسنات
_________________
(١) = عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - حديثًا منكرًا. وقول الحاكم بإثره: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، تعقبه الذهبي بقوله: ليس بصحيح. أخشى أن يكون كذبًا، وعيسى قال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن خزيمة في العنوان الذي وضعه له: باب فضل الحج ماشيًا من مكة إن صح الخبر، فإن في القلب من عيسى بن سوادة هذا. وقال يحيى بن معين فيما نقله عنه الذهبي في " الميزان ": كذاب. وقال الهيثمي في " المجمع " ٣/ ٢٠٩: رواه البزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وله عند البزار إسنادان، أحدهما فيه كذاب (يعني عيسى بن سوادة)، والآخر فيه إسماعيل بن إبراهيم عن سعيد بن جبير ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. قلت: والإسناد الآخر عند البزار (١١٢١) من طريقين عن يحيى بن سُليم الطائفي، عن محمد بن مسلم، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ويحيى بن سُليم الطائفي سيء الحفظ، وشيخه فيه محمد بن مسلم الطائفي صدوق يخطىء من حفظه، وإسماعيل بن إبراهيم لا يعرف. ورواه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " ٢/ ٣٥٤، والأزرقي في " أخبار مكة " ٢/ ٧ من طريق يحيى بن سليم، عن محمد بن مسلم، فقالا عن إبراهيم بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
(٢) في (ف): "وهو".
(٣) في (ش): " يشهد ".
[ ٩ / ١٠٥ ]
للسيئات مُطلقًا، وتكفير الحدود للكبائر كما يعرفُه من طالع كتب الحديث، ووقف على فضل الوضوء، والصلاة، والصوم، والحج، والصدقة ولو بِشقِّ تمرة، والجهاد ولو فُواقَ ناقةٍ (١)، وسائر الأعمال. ومنها ما وَرَدَ في السنة من التكفير للذنوب، والآلام، والمصائب، والحدود مع الإسلام، وهو صحيحٌ بالأدله الواضحة، وإن خالف الخصم فيه كما نُقرره إن شاء الله تعالى في آخر هذه المسألة.
وإذا ثبت ذلك فما المانع أن تكون الآية في تكفير الذنوب بالأعمال الصالحات، فمن اجتنب الكبائر عُوفيَ عافيةً تامَّةً في الدنيا والآخرة، ومن لابس بعض الكبائر غير الشرك، كُفِّرَ عنه بأنواعٍ مختلفةٍ من طاعاتٍ، وأمراضٍ، وبلاوي، ومخاوف، وعذاب القبر، والوقوع في النار حتى يُشْفَعَ له، وقد ورد الشرع بتكفير الحسنات للسيئات، ويدخل في عموم ذلك ما شاء الله من الكبائر، لقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] وربما دل على ذلك بعض النصوص كما اتفقوا على صحته من حديث عبادة المتقدم في تكفير الكبائر بالحدود، وروى ابن أبي الحديد في شرح قول علي ﵇: أما إنه سيظهر عليكم رجلٌ رَحْبُ البُلعوم. في ذكرِ جماعةٍ من المُنْحرفين عنه ﵇، منهما رجلٌ يقال له: النجاشي من اليمانية، وأنه حده في الخمر فغضبت اليمانية، فقال ﵇: وهل هو إلاَّ رَجُلٌ من المسلمين انتَهَكَ حُرمةً من حُرَمِ الله، فأقمنا عليه حدًا كان فيه كفارته (٢). انتهى.
_________________
(١) حديث صحيح رواه من حديث معاذ أحمد ٥/ ٢٣٠ - ٢٣١ و٢٣٥ و٢٤٤، والدارمي ٢/ ٢٠١، وأبو داود (٢٥٤١)، والترمذي (١٦٥٧)، والنسائي ٦/ ٢٥، وابن ماجه (٢٧٩٢)، وعبد الرزاق (٩٥٣٤)، والطبراني ٢٠/ (٢٠٣) و(٢٠٤) و(٢٠٦) و(٢٠٧)، وابن حبان (٤٦١٨)، والبيهقي ٩/ ١٧٠، والحاكم ٢/ ٧٧، ولفظه: " من قاتل في سبيل الله فُواق ناقته وجَبَتْ له الجنةُ "، وفواق الناقة: -بضم فائه وتفتح-. وهو قدر ما بين الحلبتين من الراحة.
(٢) النجاشي: هو قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب، شاعر مخضرم =
[ ٩ / ١٠٦ ]
وفيه شُهرةُ هذا الحكم في ذلك الصدر الأول بغير مناكرةٍ، وروى في شرح قوله ﵇: فأما السبُّ فسُبُّوني، لأن طارق بن عبد الله الجُهني النَّهدي غَضِبَ لغضب النجاشي وسار معه إلى معاوية، فتكلَّم معاوية بكلامٍ قبيح انتقص فيه عليًا ﵇، فقام طارقٌ فأثنى عليه، ﵇ حتى أغضب معاوية، فبلَغَ عليًا ﵇، فقال: لو قُتِلَ الجهني يومئذٍ قُتِلَ شهيدًا. وهذا يدل على الرجاء للعُصاة، لأنه بمفارقة علي ﵇ عاصٍ لله تعالى ولإِمامِهِ مُصِرٌّ على ذلك، وفي كلامه إنما غَصِبَ كما غَضِبَ جَبَلَةُ بن الأيْهَم، ومن يعص الله عند غضبه يخرُجْ من العدالة خصوصًا في الخروج من الجماعة والطاعة، فإذا كان ذنب هذا يُغفر بثنائه على أمير المؤمنين ﵇، فكيفَ لا يُرجى مثل ذلك بالثناء على رب العالمين، والتوحيد له، والإخلاص، والخوف، والرجاء، وترك ذنوب الكفر، وكثير من ذنوب الإسلام، ويأتي مثله في حديث أمير المؤمنين ﵇ من طرق، ومن طريق أهل البيت ﵈ عن الصادق، عن الباقر، عن زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن علي ﵇، عن النبي - ﷺ -: " من أحَبَّني وأحَبَّ هذين وأباهما وأمهما كان معي في دَرَجتي يوم القيامة " رواه أهل البيت ﵈ وعبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " والترمذي (١)، ولم يذكر أحدٌ من روايه علي أمير المؤمنين عليه
_________________
(١) = من أشراف العرب إلاَّ أنه فاسق رقيق الإسلام كثير الهجو، شرب الخمر في رمضان فأتى به علي بن أبي طالب، فقال له: ويحك وِلداننا صيام وأنت مفطر، فضربه ثمانين سوطًا، وزاده عشرين سوطًا. أورد له ابن قتيبة في " الشعر والشعراء " ١/ ٣٣٠ - ٣٣٣ شيئًا من نظمه.
(٢) ضعيف، أخرجه الترمذي (٣٧٣٨)، وعبد الله بن أحمد في زوائد " المسند " ١/ ٧٧، وفي " فضائل الصحابة " (١١٨٥). وقال الترمذي: هذا حديث غريب كما في " التحفة " ٧/ ٣٦٤ ونفى الذهبي في " الميزان " ٣/ ١١٧ أن يكون الترمذي صححه أو حسنه. وقال: حديث منكر جدًا، وقال في " السير " ٣/ ٢٥٤: إسناده ضعيف والمتن منكر، وفي ١٢/ ١٣٥: ما في رواة الخمر إلاَّ ثقة ما خلا عليّ بن جعفر، فلعله لم يَضْبِطْ لفظ الحديث، وما كان النبي - ﷺ - من حبه وبَثِّ فضيلةِ الحسنين ليجعل كل من أحبهما في درجته في الجنة، فلعله قال: فهو معي في الجنة، وقد تواتر قوله ﵇: " المرء مع من أحب ".
[ ٩ / ١٠٧ ]
السلام، فمن بعده من أئمة العترة له تأويلًا ولا على رجاء صدق وعدِه تحذيرًا، فكذلك سائر فضائل الأعمال، وليس في سنده مجروح ولا مضعَّفٌ والحمد لله، ويشهد لصحته وصحة معناه: " أنْتَ مع من أحببتَ " و" المرء مع من أحب " متفق على صحته (١) من حديث أنس قاله رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة على المنبر جوابًا على الأعرابي الذي سأله عن الساعة، وقال: إنه لم يُعِدَّلها كثيرَ عملٍ إلا أنه يحب الله ورسوله، فالحمد لله رب العالمين، واتفقا على مثله من حديث ابن مسعود (٢)، وهو الحديث الثالث والخمسون بعد المئة من مسنده من " جامع المسانيد " لابن الجوزي.
وفي الباب عن جابر (٣)، وعلي ﵇ (٤)، وعنه (٥) وعن ابن مسعود (٦)
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٥٩.
(٢) تقدم ص ٥٩.
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ٣٣٦ و٣٩٤ وفيه ابن لهيعة -وهو سيىء الحفظ-، وأبو الزبير وهو مدلس وقد عنعن، وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٢٨٠: رواه أحمد والطبراني في " الأوسط "، وإسناد أحمد حسن!
(٤) أخرجه البزار (٣٥٩٦). وقال الهيثمي ١٠/ ٢٨٠: وفيه مسلم بن كيسان الملائي، وهو ضعيف.
(٥) أخرجه الطبراني في " الصغير " (٨٧٤). وقال الهيثمي ١٠/ ٢٨٠: رواه الطبراني في " الصغير "، و" الأوسط "، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن ميمون الخياط وقد وثق. قلت: قال أبو حاتم: أُمِّيٌّ مُغَفَّلٌ روى حديثًا باطلًا، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في مشيخته: أرجو أن لا يكون به بأس، وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: ربما وهم.
(٦) أخرجه البزار (٣٥٩٧) مطولًا: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - شيخ كبير، فقال: يا محمد، متى الساعة؟ فقال: ما أعددت لها فذكره. وأخرج البخاري ومسلم منه: " المرء مع من أحب " وقد تقدم. ورواية البزار قال الهيثمي ١٠/ ٢٨٠: فيه سمعان المالكي، وهو مجهول، وقد ضعفه أبو زرعة، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ٩ / ١٠٨ ]
وعنه (١) وعن أبي قتادة (٢)، وأبي سريحة (٣)، وعبد الله بن يزيد الخَطْمي (٤)، وعبد الرحمن بن صفوان (٥)، وعروة بن مُضَرِّس (٦)، ومعاذ بن جبل (٧)، وأبي أُمامة (٨)، وأبي قِرْصافة (٩)، والحسين بن علي ﵉ (١٠)، ذكرها الهيثمي في كتاب " الزهد " (١١)، ووَثَّقَ رجال ثلاثةٍ منها.
لكن خرَّج قبلها (١٢) سبعة عشر حديثًا في فضل المتحابين في الله، وأن
_________________
(١) أخرجه بغير اللفظ المتقدم البزار (٣٥٩٨) وفيه السري بن إسماعيل، وهو متروك كما قال الهيثمي.
(٢) قال الهيثمي: رواه الطبراني في " الكبير "، و" الأوسط "، وفيه عبد الله بن عباد أو ابن عبادة، ولم أعرفه.
(٣) أخرجه الطبراني (٣٠٦١)، وقال الهيثمي: وفيه عبد الغفار بن القاسم الأنصاري -أبو مريم- وهو كذاب.
(٤) قال الهيثمي ١٠/ ٢٨١: رواه الطبراني، وفيه مسلم بن كيسان الملائي، وهو ضعيف.
(٥) أخرجه الطبراني في " الصغير " (١٣٣). وقال الهيثمي ١٠/ ٢٨١: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه موسى بن ميمون المَرَئي، وهو ضعيف. وقال في موضع آخر (٩/ ٣٦٥): وفيه موسى بن ميمون وكان قدريًّا، وبقية رجاله وثقوا.
(٦) أخرجه الطبراني في " الكبير " ١٧/ (٣٩٥)، وفي " الصغير " (٥٩). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الثلاثة، ورجاله رجال الصحيح غير زيد بن الحريش، وهو ثقة.
(٧) أخرجه الطبراني ٢٠/ (١٣٨). وقال الهيثمي: وفيه الخصيب بن جحدر، وهو كذاب.
(٨) أخرجه الطبراني (٧٦٥٠)، وقال الهيثمي ١٠/ ٢٨١: رواه الطبراني في " الكبير "، و" الأوسط " باختصار، فيه عمرو بن بكر السكسكي، وهو ضعيف.
(٩) قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه.
(١٠) أخرجه الطبراني (٢٨٨٠) موقوفًا، وقال الهيثمي: ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.
(١١) من " المجمع " ١٠/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(١٢) ١٠/ ٢٧٦ - ٢٧٩.
[ ٩ / ١٠٩ ]
نصوص في تكفير الذنوب بالأعمال الصالحات
الأنبياء والشهداء يَغْبِطونَهم لقربهم يوم القيامة من الله، ووجوب محبة الله لهم، ونحو ذلك. وَثَّقَ رجال تسعة (١) منها.
بل في كتاب الله تعالى ما يدل على هذا، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُور﴾ [الشورى: ٢٣]، وهي حجةٌ على جميع الوجوه في تفسيرها، والزيادة في الحسنة حسنًا، والتمدح بالغفور الشكور في تعليل ذلك تقوية.
وفي البغوي (٢) عن ابن عباس: يغفر الكبائر ويجزي على الطاعات الصغائر في تفسير الغفور الشكور، أظنه ذكره في " فاطر " [٣٠]، ونحو ذلك قوله تعالى في آخر " المجادلة " [٢٢]: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ الآية، وسائر أحاديث الحب في الله والبغض في الله، وهي كثيرةٌ، وقد أفردتُ الكلام في أعمال القلوب في قصيدةٍ طويلةٍ، وحَصَّلَها الصِّنْوُ العلامة صلاح الدين الداعي إلى سنة سيد المرسلين عبد الله بن الهادي ابن أمير المؤمنين (٣)، وشَرَحَ كثيرًا منها، وفيها فوائد نفيسة، تُقَوِّي هذا المعنى، والحمد لله رب العالمين.
وعن علي ﵇ أن النبي - ﷺ - قال لعمر في قصة حاطب: " وما يدريك لعلَّ الله اطلع إلى أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم ".
رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وأحمد (٤).
وعنه ﵇، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خِرافةِ الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غَمَرَتْهُ الرحمة، فإن كان
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: " سبعة ".
(٢) ٣/ ٥٧٠، ولفظه: يغفر العظيم من ذنوبهم، ويشكر اليسير من أعمالهم.
(٣) هو صلاح الدين عبد الله بن الهادي بن يحيى بن حمزة، توفي نحو سنة (٨٠٠ هـ). انظر " فهرس مخطوطات المكتبة الغربية بصنعاء " ص ١٦ - ١٩.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٩ / ١١٠ ]
في غدوةٍ صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يمسي، وإن كان مساءً صلى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُصبح". رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وهذا لفظه. ولفظ أبي داود: " كان له خريفٌ في الجنة " (١). قال أبو داود: وقد رُوِيَ من غير وجه عن علي ﵇، عن النبي - ﷺ -، وذكر ابن الأثير في " الجامع " (٢): أن الترمذي رواه، ولم يذكره المزي (٣) في نسختين، أعني في ترجمة عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، والظاهر أن الترمذي رواه من غيرها، فإنه رواه من طريق ثوير، وليس له ذكرٌ في هذه الترجمة. نعم ذكره المِزِّي (٤) عن الترمذي في ترجمة سعيد بن علاقة أبي فاختة والدثوير (٥)، عن علي ﵇، وقال: حسن غريب، رُوِيَ عن علي من غير وجهٍ، ومنهم من وَقَفَه، رواه في الجنائز، والنسائي في الطب (٦).
وعن زيد بن وهب الجُهَني، عن علي ﵇، عن النبي - ﷺ - أنه سَمِعَه يقول في الخوارج: " لو يعلم الجيشُ الذين يُصيبونهم ما قُضِيَ لهم على لسان نبيهم - ﷺ - لَنَكَلُوا عن العملِ ". رواه مسلم في الزكاة، وأبو داود في السنة (٧)، وهو صريحٌ في عدم ذكر فضائل الأعمال، لأنها لو كانت له على وجهٍ يجب معه بقاء عموم الوعيد على ظاهره، ما قال: إن العلم بذلك يؤدي إلى ترك العمل، وسنده صحيحٌ ليس فيه من تكلم فيه إلاَّ عبد الملك بن أبي سليمان،
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٨١ و٩٧ و١١٨، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٣، وأبو داود (٣٠٩٩)، وابن ماجه (١٤٤٢)، والترمذي (٩٦٩)، والحاكم ١/ ٣٤١ و٣٤٩. وهو صحيح مخرج في " صحيح ابن حبان " (٢٩٥٨). وخرافة الجنة، قال المنذري: أي: في اجتناء ثمر الجنة.
(٢) ٩/ ٥٣١.
(٣) ٧/ ٤٢١ - ٤٢٢.
(٤) ٧/ ٣٧٧.
(٥) في (د) و(ف) زيادة: " عن ثوير، عن أبيه "، وفي (ش): " عن أبيه "، وكلاهما خطأ.
(٦) من الطريق الأولى.
(٧) مسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٨).
[ ٩ / ١١١ ]
ولم يُتكلم فيه بشيءٍ إلاَّ أنهم خَطَّؤوه في حديث الشفعة (١) ووَثَّقُوه. وقال شعبة:
_________________
(١) وهو حديث جابر رفعه: " الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإذ كان غائبًا إذا كان طريقها واحدًا " أخرجه أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩)، وابن ماجه (٢٤٩٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر قال الترمذي: حديث حسن غريب، ولا يُعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك بن أبي سليمان من أجل هذا الحديث، وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث لا يُعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث. وقال في " العلل الكبير " ص ٥٧١: سألتُ محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك بن أبي سليمان وتفرد به، ويُروى عن جابر خلاف هذا. وقال صاحب " التنقيح " فيما نقله عنه الزيلعي في " نصب الراية " ٤/ ١٧٤: واعلم أن حديث عبد الملك بن أبي سليمان حديث صحيح، ولا منافاة بينه وبين رواية جابر المشهورة -وهي الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة- فإن في حديث عبد الملك إذا كان طريقُها واحدًا، وحديث جابر المشهور لم ينف فيه استحقاق الشفعة إلاَّ بشرط تصرف الطرق، فنقول: إذا اشترط الجاران في المنافع، كالبئر، أو السطح، أو الطريق، فالجار أحق بصقب جاره، لحديث عبد الملك، وإذا لم يشتركا في شيء من المنافع، فلا شفعة لحديث جابر المشهور، وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث، لا يقدح فيه، فإنه ثقة وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه ليجمع من الأحاديث، إذا ظهر تعارضها، إنما كان حافظًا، وغيرُ شعبة إنما طعن فيه تبعًا لشعبة؛ وقد احتج بعبد الملك مسلم في " صحيحه " واستشهد به البخاري، ويشبه أن يكونا إنما لم يخرجا حديثه هذا لتفرده به، وإنكاره الأئمة عليه فيه، وجعله بعضهم رأيًا لعطاء، أدرجه عبد الملك في الحديث ووثقه أحمد، والنسائي، وابن معين والعجلي، وقال الخطيب: لقد أساء شعبة، حيث حدث عن محمد بن عبد الله العرزمي، وترك التحديث عن عبد الملك بن أبي سليمان، فإن العرزمي لم يختلف أهل الأثر في سقوط روايته، وعبد الملك ثناؤهم عليه مستفيض، والله أعلم. وقال ابن القيم في " تهذيب السنن " ٥/ ١٦٧: والذين ردُّوا حديث عبد الملك بن أبي سليمان ظنوا أنه معارضٌ لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: " الشفعة فيما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة " وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق =
[ ٩ / ١١٢ ]
لو رَوَى حديثًا آخر مثله لطرحتُ حديثه، وليس هذا جرحًا، فإن شُعبة ما طَرَحَ حديثه، وهو المتكلم عليه.
ومثله حديث أبي هريرة، وعمر الذي فيه قول عمر للنبي - ﷺ -: " دع الناس يعملوا ". رواه مسلم (١)، وكذا حديثُ معاذ الذي أخبر به عند موته تأثمًا، رواه البخاري ومسلم (٢) وغيرهما. كلها قاطعةٌ في نفي التأويل.
وعن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵇: " من قرأ القرآن فاستظهره شَفَعَ في عشرة من أهل بيته كلهم قد استوجب " (٣).
_________________
(١) = حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميز الحدود، وتصريف الطرق، واختصاص كل ذي ملك بطريق، ومنطوق حديث عبد الملك: إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه: انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير ومنطوقه غير معارض له وهذا بين وهو أعدل الأقوال في المسألة. فإن الناس في شفعة الجوار طرفان ووسط. فأهل المدينة، وأهل الحجاز، وكثير من الفقهاء: ينفونها مطلقًا. وأهل الكوفة: يثبتونها مطلقًا. وأهل البصرة: يثبتونها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك، كالطريق والماء ونحوه، وينفونها عند تميز كل ملك بطريقة، حيث لا يكون بين الملاك اشتراك. وعلى هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقها ومفهومها، ويزول عنها التضاد والاختلاف، ويعلم أن عبد الملك لم يرو ما يُخالف رواية غيره. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وأعدلها وأحسنها: هذا القول الثالث والله الموفق للصواب.
(٢) رقم (٣١).
(٣) البخاري (١٢٨) و(١٢٩)، ومسلم (٣٢).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٩٠٥)، وابن ماجه (٢١٦)، وابن عدي في " الكامل " ٢/ ٧٨٨ من طريقين عن حفص بن سليمان، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضمرة، عن علي. وحفص ضعيف جدًا. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وليس له إسناد صحيح، وحفص بن سليمان يُضَعَّفُ في الحديث.
[ ٩ / ١١٣ ]
وعن عُبيد الله ابن أبي رافعٍ، عن أبيه، عن علي ﵇، عن النبي - ﷺ - بحديث النزول بعد الثلث الأول، وفيه يقول الله: " ألا سائلٌ فيُعطى، ألا مُذْنِبٌ يَستَغْفِرُ فيُغْفَرَ له " (١) وهذا التخصيص بهذا الوقت يدلُّ على أن الاستغفار غير التوبة، وعن علي ﵇، عن رسول الله - ﷺ - حديث: " من عُوقِبَ في الدنيا، فالله أكرمُ من أن يُثني عقوبته، ومن عفا الله عنه، فالله أحلمُ من أن يعود فيما عفى عنه " (٢). وقد ذكرتُ طُرُقَهُ في غير هذا الموضع.
وعن علي ﵇، عن رسول الله - ﷺ - في فضل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ما تقدم، ذكره محمد بن منصور في " العلوم " فيما يُقال بعد الصلوات.
وعن النعمان، عن علي ﵇، عنه - ﷺ -: " إن في الجنة غُرفًا لمن أطاب الكلام، وأفشى السلام، وأطعَمَ الطعام، وصلى بالليل والناس نيام " (٣) فهذه تسعة أحاديث كلها من طريق أمير المؤمنين علي ﵇، تدل على صحة الرجاء، وعلى عدم تأويل أحاديثه.
وفي " نهج البلاغة " (٤)، عنه ﵇ في ذلك حديث عاشر، وهو في " مسند أحمد " (٥)، عن النبي - ﷺ -، من طريق عائشة ولفظه: "الدواوين عند الله
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ١٢٠، وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١٥٤ - ١٥٥ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، ورجالها ثقات، وقد صَرَّح ابن إسحاق بالسماع. وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري (١١٤٥) و(٦٣٢١) و(٧٤٩٤)، ومسلم (٧٥٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٥٢٧). وفي الباب حديث أبي مالك الأشعري عند عبد الرزاق (٢٠٨٨٣)، وأحمد ٥/ ١٧٣ و٣٤٣، وابن حبان (٥٠٩)، والطبراني في " الكبير " (٣٤٦٦)، والبيهقي ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١، والحاكم ١/ ٣٢١.
(٤) ص ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٥) ٦/ ٢٤٠، وفي سنده صدقة بن موسى الدقيقي ضعيف، يكتب حديثه ولا يحتج به، وأورده الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٤٨ عن أحمد وضعفه بصدقة ابن موسى.
[ ٩ / ١١٤ ]
ثلاثةٌ، ديوانٌ لا يَدَعُه -وهو: الشرك بالله-، وديوانٌ لا يتركُه -وهو: حقوقُ المخلوقين، وديوانٌ لا يُبالي به وهو: ما بين العبد وربه ﷿ من صلاةٍ وصومٍ- ". وله شاهد عن أنس مرفوعًا، رواه البغوي (١) في تفسير: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَونَ عنه﴾ [النساء: ٣١]. ولفظه: " يُنادي منادٍ من بُطنانِ العرشِ يوم القيامة: يا أمة محمد، إن الله قد عفا عنكم جميعًا المؤمنين والمؤمنات، تواهَبُوا المظالم، وادخلوا الجنة برحمتي " ذكره بسنده.
وروى الهيثمي (٢) مثل حديث عائشة، عن أنس (٣)، وسلمان (٤)، وأبي هريرة (٥) في باب ما جاء في الحساب.
وروى عن أنس أيضًا نحو حديثه الذي رواه البغوي في باب آخر بعد ذلك، وهو باب من يتكفل الله تعالى بغرمائهم، وقال (٦) فيه: رواه الطبراني في
_________________
(١) في " التفسير " ١/ ٤١٩، و" شرح السنة " (٤٣٦٥) من طريق الحسين بن داود البلخي، عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس. والحسين بن داود هذا قال الخطيب في " تاريخه " ٨/ ٤٤: لم يكن ثقة، فإنه روى نسخة عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس أكثرها موضوع.
(٢) في " المجمع " ١٠/ ٣٤٨.
(٣) أخرجه البزار (٣٤٣٩). قال الهيثمي: رواه البزار عن شيخه أحمد بن مالك القشيري ولم أعرفه، وبقية رجاله قد وثقوا على ضعفهم.
(٤) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٦١٣٣)، وفي " الصغير " (١٠٢)، وابن حبان في " المجروحين " ٣/ ١٠٢، قال الهيثمي: فيه يزيد بن سفيان بن عبد الله بن رواحة، وهو ضعيف تكلم فيه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات، قلت: ونص كلام ابن حبان في " المجروحين ": يزيد بن سفيان بن عبد الله بن رواحة أبو خالد يروي عن سليمان التيمي بنسخة مقلوبة روى عنه عُبيد الله بن محمد بن الحارثي لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد لكثرة خطئه، ومخالفته الثقات في الروايات، وقال العقيلي في " الضعفاء " ٤/ ٣٨٤: يزيد بن سفيان أبو خالد بصري لا يعرف ولا يتابع على حديثه.
(٥) قال الهيثمي: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك.
(٦) أي: الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٥٦.
[ ٩ / ١١٥ ]
" الأوسط "، وفيه الحكم بن سنان أبو عون، قال أبو حاتم: عنده وهمٌ كثير، وليس بالقويِّ، ومحلُّه الصدق، ويُكْتَبُ حديثُه، وضعَّفه غيره، وبقيتُهم ثقات.
فكيف يتواتر مثل هذا عنهم من غر تأويلٍ، ويكون ظاهره ضلالًا وبدعة، وهم أعرف الناس بالسنة، وهم القدوة، وفيهم الأسوة.
وكذلك جاء عنه ﵇ موقوفًا في ذلك أثران من رواية ابن أبي الحديد، وفي " النهج " أثرٌ ثالث وهو قوله ﵇ في خطبته بعد ذكر الشهادتين: لا يَخِفُّ ميزانٌ توضعان فيه، ولا يثقل ميزانٌ ترفعان منه، وهذا مذهب أهل السنة، كان يخطب به من على فروع المنابر، في مشاهد الإسلام ومجامعه ومحافله، يُعَلِّمُه المسلمين ويُبَشِّرُهم به، فكيف يقال: إنه منكر من قائله، أو متشابهٌ يحرم إطلاقه للجاهلين من غير بيان، ومن المعلوم أنه يحضُرُ في الجمعة كثيرٌ من أهل الجهل، ومن لا يعرف المُخَصصات، وموجبات تأويل الظاهر، مع أن الأثرين الأولين نصَّان لا يَصِحُّ تأويلهما.
وفي حديث فَضْلِ الصلاة، عن عُبادة، عن النبي - ﷺ -: " من أتى بِهِنَّ لم يُضَيَّعْ منهن شيئًا استخفافًا بحقِّهن كان له عند الله عهد أن يُدْخِلَه الجنة ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد تقدم (١).
ولأحمد عن عبد الله بن عمر نحوه أيضًا (٢)، وتواتَرَ قول المؤذنين في الدعاء إليها: " حيَّ على الفلاح "، وأجمعت الأمة عليه إجماعًا ضروريًا بحيث يكفر المخالف الجاحد له، والخالد في النار ليس من المفلحين ضرورةً.
وجاء في فضل الصلوات الخمس، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " أرأيتُم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسِلُ فيه كل يومٍ خمس مرات، ما تقولون ذلك يُبقي مِنْ درنه؟ " قالوا: ما يبقى شيءٌ، قال: "فذلك (٣) مثل
_________________
(١) وهو مخرج في " صحيح ابن حبان " (١٧٣١).
(٢) انظر " صحيح ابن حبان " (١٧٤٤) لعله هو.
(٣) في (ش): " فكذلك ".
[ ٩ / ١١٦ ]
الصلوات الخمس يمحوا الله بها الخطايا".
وفي روايةٍ: " مثل الصلوات الخمس مثل نهرٍ عظيمٍ ببابِ أحدِكم يغتسل فيه كل يومٍ خمس مراتٍ، فإنه لا يُبقي ذلك من دَرَنِه شيئًا ". رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي (١)، من أربع طرقٍ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هُريرة.
والمرويُّ عن عليِّ بن أبي طالب ﵇ في " النهج " أنه كان يخطب بذلك من غير استثناء (٢)، وكذلك سمعنا غير واحدٍ من خطباء أولاده وشيعته يخطُبون به من غير مناكرةٍ بينهم في ذلك.
وروى البُخاري أن قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]، نزلت في الصلوات الخمس. رواه البخاري (٣) من حديث ابن مسعود، ويعضُدُه مفهوم آية السجدة الأولى في سورة " الحج " فإن الله تعالى قال عقيب قوله فيها: ﴿وكثيرٌ من الناس﴾ يعني يسجدون لله تعالى، ﴿وكثيرٌ حَقَّ عليه
_________________
(١) البخاري (٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧)، والترمذي (٢٨٦٨)، والنسائي ١/ ٢٣٠ - ٢٣١. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٧٢٦). والدرن: الوسخ.
(٢) ص ٤٥٧، ونصها: تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقرَّبوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سُئِلُوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ وإنها لَتَحُتُّ الذنوب حَت الورق، وتُطلقها إطلاق الرِّبَقِ، وشَبَّهها رسول الله ﵌ بالحَمَّةِ تكونُ على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمسَ مرات، فما عسى أن يبقى عليه بن الدَّرَنِ، وقد غَرَفَ حَقَّها رجالٌ من المؤمنين
(٣) رقم (٥٢٦) و(٤٦٨٧) ولفظه: أن رجلًا أصابَ من امرأة قُبْلَةً، فأتى النبي - ﷺ -، فأخبره، فأنزل الله: ﴿أقِمِ الصلاة طَرَفَي النهار وزُلَفًا من الليل إنَّ الحسنات يذهبن السيئات﴾ فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: لجميع أمتي كُلِّهم ". وانظر تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٧٢٩).
[ ٩ / ١١٧ ]
العذابُ﴾ [الحج: ١٨]، فجعل الذين حَقَّ عليهم العذاب هم الذين لا يسجُدُون لله وزادت السنة هذا بيانًا، فورد في سجود التلاوة: " أن العبد إذا سَجَدَ للتلاوة اعتزل الشيطان يبكي ويقول: سجد ابن آدم فله الجنة، وعَصَيْتُ فلي النار " رواه مسلم (١) بتخويف كما يأتي قريبًا بلفظه.
وعند بعض أهل العلم: دلَّت على أنهم الذين لا يسجدون تكذيبًا وكفرًا، وأما المُقِرُّون المُوَحِّدون فجعلوهم تحت المشيئة إما أن يُعفى عنهم، أو يُعَذَّبوا عذابًا منقطعًا حسب الحكمة لعموم: ﴿ويَغْفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، وخصوص حديث عبادة ابن الصامت فيمن حافظ على الصلوات ومن أضاعهن وغير ذلك كما تقدم (٢)، وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: " مَثَلُ الصَّلوات الخمس كمثل نهرٍ جارٍ غَمْرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمسَ مراتٍ ". قال الحسن: وما يُبقي ذلك من الدرن. رواه مسلم (٣).
وروى النسائي (٤) نحو ذلك عن أبي أيوب، وعقبة بن عامر، ولم يختلف في هذه الأحاديث أنه لم يَرِدْ فيها استثناء شيء من الذنوب، إلاَّ حديثان يأتيان، وأما فضل الصلوات من غير استثناء، فرواه البخاري والنسائي (٥) عن النبي - ﷺ - أنها كَفَّارات لما بينها مُطلقًا.
وكذلك روى أبو داود (٦) في ذلك حديثًا (٧) عن عبد الله بن عمرو بن
_________________
(١) رقم (٨١).
(٢) في ص ١١٦ وقبل ذلك.
(٣) رقم (٦٦٨)، وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٧٢٥).
(٤) ١/ ٩٠ - ٩١.
(٥) البخاري (١٦٠)، والنسائي ١/ ٩١، ومالك ١/ ٣٠ من حديث عثمان.
(٦) رقم (٣٤٧) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من طيب امرأته إن كان لها، ولَبِسَ من صالح ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغُ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما ومن لغا وتخطى رقاب الناس، كانت له ظُهرًا " وسنده حسن وصححه ابن خزيمة (١٨١٠).
(٧) في الأصول: "حديثين عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن أبيه عمرو" وهو خطأ، =
[ ٩ / ١١٨ ]
العاص، وكذلك رواه أحمد في " المسند " والترمذي (١) في البر من حديث زاذان، عن ابن عمر بن الخطاب، وهو الحديث (٢٥٣) من مسنده في " الجامع ".
وكذلك رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي (٢) ثلاثتهم عن أبي هريرة مطلقًا، وقال الترمذي: حَسَنٌ صحيحٌ، وانفرد مسلمٌ فرواه في كتاب الطهارة، من طريق هشام بن حسانَ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فزاد فيه: " ما لم يغشَ الكبائرَ " (٣). وسيأتي الكلام عليه وهذا أحد الحديثين.
وثانيهما: حديث عثمان في فضل الصلوات تفرَّد به مسلم (٤)، لكن رواه البخاري ومالكٌ في " الموطأ "، والنسائي (٥) بنحو حديث أبي هريرة مُطلقًا، بل روى النسائي من حديث عثمان، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " من علم أن الصلاة عليه حقٌّ واجبٌ دخل الجنة " وزاده عبد الله بن أحمد في " زوائد المسند " كلاهما
_________________
(١) = فليس في سنن أبي داود حديث عن عمرو بن العاص بهذا المعنى وقد أثبت في نسخة (ش) إشارة الحذف على قوله: "وعن أبيه عمرو".
(٢) أحمد ٢/ ٢٦، والترمذي (١٩٨٦) بلفظ: " ثلاثة على كثبان المسك أراه قال يوم القيامة: عبد أرى حق الله وحق مواليه، ورجل أمَّ قومًا وهم به راضون، ورَجُلٌ ينادي بالصلوات الخمس في كل يوم وليلة ". وفي سنده أبو يقظان، وهو ضعيف. وصحابي هذا الحديث تحرف في " جامع الأصول " ٩/ ٥٦٢ إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وفات صاحبُنا الشيخ عبد القادر حفظه الله أن ينبه عليه.
(٣) مسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤)، وابن ماجه (١٠٨٦). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٧٣٣). وليس هو في " سنن أبي داود " كما ظن المؤلف.
(٤) هذه الرواية بهذا السند لم ترد فيها الزيادة، وإنما وردت عنده من طريق إسماعيل بن جعفر. عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحُرقة عن أبيه، عن أبي هريرة. ومن طريق ابن وهب عن أبي صخر، عن عمر بن إسحاق عن أبيه، عن أبي هريرة.
(٥) رقم (٢٢٨).
(٦) البخاري (١٦٠)، و" الموطأ " ١/ ٣٠، والنسائي ١/ ٩١.
[ ٩ / ١١٩ ]
من طريق عبد الملك بن عبيد، عن حُمران عنه (١)، وعبد الملك لم يُذْكَرْ بجرحٍ قطُّ، وهو من تابعي التابعين، مُقِل، وهو أوثق من عمرو بن شعيب (٢) في الظاهر، ويَشْهَدُ لذلك ما رواه البخاري ومسلم (٣)، عن عثمان، عنه - ﷺ -: " من مات وهو يعلم أنه لا إله إلاَّ الله دخل الجنة ".
وروى مسلمٌ من حديث عمرو بن سعيد بن العاص الأموي الأشدق فضل الصلوات والجمعة عن عثمان، فزاد فيه نحو ذلك (٤).
ولهم في مخالفته ألفاظٌ منها عن عثمان أنه قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاةٍ مكتوبةٍ فَصَلاَّها، غُفِرَ له ذنُبه " (٥). رواه البخاري في الرقاق، عن سعد بن حفصٍ، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن معاذ بن عبد الرحمن القرشي، عن حمران، عن عثمان.
والذي وجدت في كتاب الرقاق، وبعض نسخ " صحيح البخاري " في أوائله في باب قول الله ﷿: ﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق﴾ الآية [فاطر: ٥]، قال [مجاهد]: الغرور الشيطان، ثم ذكر بالسند المقدم: "من توضأ نحو هذا
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٨١. وليس هو في النسائي كما زعم المؤلف، والحافظ المزي لم ينسبه إلى النسائي في " تحفة الأشراف "، وعبد الملك بن عبيد -وهو السدوسي- لم يرو له النسائي غير حديث واحد متابعة ٨/ ١٩٢.
(٢) تحرفت في (ش): " سعيد "، وكذا فوقها في (ب).
(٣) انفرد بإخراجه مسلم (٢٦) وليس هو في البخاري كما قال المؤلف. وانظر تمام تخريجه في ابن حبان (٢٠١).
(٤) مسلم (٢٢٨)، وليس فيه فضل الجمعة ولفظه: " لا يسترعي الله عبدًا رعية، يموت حين يموت وهو غاشٌّ لها، إلاَّ حرم الله عليه الجنة ".
(٥) أخرجه مسلم (٢٣٢) من طريق نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة عن معاذ، عن حمران، عن عثمان بلفظ: " من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد، غَفَرَ الله له ذنوبه " وسيأتي لفظ البخاري.
[ ٩ / ١٢٠ ]
بحث زيادة "لا تغتروا" في حديث عثمان "من توضأ نحو وضوئي هذا"
الوضوء، ثم أتى المسجد فرَكَعَ ركعتين، ثم جَلَسَ غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه " قال: وقال النبي - ﷺ -: " لا تَغْتَرُّوا " انتهى (١).
ومعنى " لا تغترُّوا ": لا تقطعوا وتأمنوا لجهلِ الخواتم كما سيأتي، على أني لم أجدْ هذه الزيادة إلاَّ عند البخاري في هذا السند فقط ففي النفس منها على صحة معناها، ويحيى بن أبي كثير مُدَلِّس، وفي شيبان والتيمي كلام سهلٌ يُؤَثِّرُ مثله هنا، لأن هذه الزيادة لا يَغْفُلُ عن مثلِها من شاركهم في رواية الحديث من الثقات، عن مُعاذ بن عبد الرحمن ثم عن حُمران مع كثرتهم، فيجوز ذلك إلا أن يكون حديثًا آخر غير متصل بهذا الحديث مرسلًا أو مسندًا، ويدل على ذلك قوله: وقال - ﷺ -، فلو كان من الحديث لم يُناسبْ إفرادُها بذلك مدرجة بهذا السند أو بغيره، فيكون هنا لها حكم.
ورواه مسلم (٢) في الطهارة عن أبي الطاهر بن أبي السَّرْحِ، ويونُسَ بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن حكيم بن عبد الله القُرشي، عن نافع بن جُبير بن مُطعم، وعبد الله بن أبي سلمة كلاهما عن معاذ بن عبد الرحمن به.
ورواه النسائي في الطهارة (٣)، عن إسحاق بن منصور، عن عُبيد الله، عن شيبان به. وفي الصلاة (٤)، عن سليمان بن داود، عن ابن وهب به.
_________________
(١) البخاري رقم (٦٤٣٣). وأخرجه أحمد (٤٥٩). وأخرجه أحمد (٤٧٨). وابن ماجه (٢٨٥) من طريقين عن الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثني شقيق بن سلمة، حدثني حمران، عن عثمان. وأخرجه ابن ماجه (٢٨٥) عن هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى، حدثني محمد بن إبراهيم، حدثني عيسى بن طلحة، حدثني حمران، عن عثمان.
(٢) رقم (٢٣٢) وقد تقدم.
(٣) في " الكبرى " كما في " التحفة " ٧/ ٢٥٢.
(٤) ٢/ ١١١.
[ ٩ / ١٢١ ]
قال المِزِّي (١): ورُوِيَ عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن شقيق بن سلمة، عن حُمران، وعنه، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن حُمران.
ومنها: عن عثمان، حدثنا رسول الله - ﷺ - عند انصرافنا من صلاتنا هذه -قال مسعر: أُراها العصر- فقال: " ما أدري هل أُحَدِّثُكم بشيءٍ أم أسكتُ " قلنا: يا رسول الله: إن كان خيرًا فَحَدِّثنا، وإن كان غير ذلك، فالله ورسوله أعلم، فقال: " ما من مسلم يتطهَّرُ فيُتِمُّ الطُّهور الذي كتب الله ﷿، فيُصلي هذه الصلوات الخمس إلاَّ كانت كفاراتٍ لما بينهُنَّ ". لفظ ابن الجوزي في " جامع المسانيد " وقال: تفرَّد به مسلمٌ (٢)، فوهم في ذلك، إنما تفرد مسلم بطريق جامع بن شداد، لا بالمتن (٣)، فإنه مما رواه البخاري ومسلم ومالك في " الموطأ "، والنسائي كما ذكره ابن الأثير في " جامع الأصول " (٤) وهو يعتمد على نقل الحافظ الحميدي في " الجمع بين الصحيحين " وقد ساق في طرقه، والتمييز بين ما اتفق عليه البخاري ومسلم منها، وما انفرد به كل واحدٍ منهما ما يشهَدُ بتحقيقه.
وقد راجعتُ كتاب البخاري فوجدتُه قد خَرَّجه في الطهارة في باب الوضوء ثلاثًا، ثلاثًا (٥)، من حديث عروة، وفيه: أن عثمان قال: ألا أحدِّثكم حديثًا لولا آيةٌ في كتاب الله ما حدثتكموه؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لا يَتَوضَّأُ رجلٌ فيُحسن وضوءه ويُصلي إلاَّ غُفِرَ له ما بينه وبين الصلاة حتى يُصَلِّيها " قال عروة:
_________________
(١) " التحفة " ٧/ ٢٥٢.
(٢) رقم (٢٣١).
(٣) قلت: اللفظ المذكور لمسلم فقط، وروى معناه البخاري ومسلم في غير هذه الرواية ومالك والنسائي وغيرهم. أما من حيث الإسناد فتفرد به مسلم من طريق مسعر عن جامع بن شداد، ورواه أيضًا هو والنسائي وابن ماجه من طريق شعبة، عن جامع، بنحوه.
(٤) ٩/ ٣٩٠ - ٣٩٢.
(٥) رقم (١٦٠).
[ ٩ / ١٢٢ ]
الآية: ﴿إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا﴾ وقد ذكر ذلك المِزِّي (١) في ترجمة عروة، عن حمران، عن عثمان.
وقال المِزِّي في " الأطراف " (٢) رواه مسلم (٣) في الطهارة عن ابن مثنى وبندار، كلاهما عن غندر، وعن عُبيد الله بن مُعاذٍ، عن أبيه، كلاهما عن شُعبة، وعن أبي بكر، وأبي كُريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيعٍ، عن مِسعرٍ، كلاهما عن جامع بن شداد أبي صخرة، عن حُمران به. انتهى.
طريق أخرى شاهدة لرواية حُمران من غير طريقه، قال أحمد بن حنبل (٤)، أخبرنا أبو عبد الرحمن المُقرىء، حدثنا حَيْوَةَ، أخبرنا أبو عقيل أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جَلَسَ عثمان، وجلسنا معه، فجاء المؤذِّن فدعا بماءٍ في إناءٍ أظنُّه سيكون فيه مُدٌّ، فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: من توضَّأ وضوئي هذا فصلى صلاة الظهر غُفِرَ له ما بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلَّى العصر، غُفِرَ له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غُفِرَ له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء، غُفِرَ له ما بينها وبين صلاة المغرب، ثم لَعَلَّه يبيتُ يتمرَّغُ ليله، ثم إن قام فتوضَّأ فصلى الصبح غُفِرَ ما بينها وبين صلاة العشاء، وهُنَّ الحسنات يذهبن السيئات ". وفي هذه الرواية نوع مخالفةٍ، لكنها صحيحة يشهد لها ما اتفق البخاري ومسلم على روايته من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله - ﷺ - قال: " من صَلَّى البردين، دخل الجنة " (٥).
وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي حديث أبي موسى هذا من حديث عمارة بن رُؤْبة، وتقدمت شواهد ذلك (٦)، ويعضُده حديث فضل الوضوء وحده،
_________________
(١) في " التحفة " ٧/ ٢٥٠.
(٢) ٧/ ٢٤٨.
(٣) رقم (٢٣١).
(٤) في " المسند " ١/ ٧١، وإسناده صحيح.
(٥) تقدم ص ٨٠.
(٦) ص ٨٠ - ٨١.
[ ٩ / ١٢٣ ]
فقد ثبت عن عثمان، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره " (١).
وفي رواية: أن عثمان توضَّأ، ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: " من توضأ هكذا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلةً ". رواه البخاري ومسلم (٢).
ذكره كله ابن الأثير في " جامعه " (٣) في الفضائل من حرف الفاء، وذكر ابن الجوزي منه الرواية الأولى، وعزاها إلى مسلمٍ وحده، ذكره في مسند عثمان من كتابه " جامع المسانيد " وليس في " مسند أحمد " الذي ذكره ابن الجوزي إلا عثمان بن حكيم، انفرد عنه مسلم، والأربعة، ولم يتكلَّم فيه أحدٌ، ولا ذكره في " الميزان ".
وقال في " الكاشف " (٤): وثَّقوه، وبقية رجاله متفقٌ عليهم (٥).
وخرَّج مسلم الرواية الثانية في أول كتاب الوضوء عن عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن حمران، عن عثمان، ونسب المِزِّي (٦) هذا السند ومتنه إلى مسلمٍ وحده، وأخرج مسلمٌ (٧) الحديث بنحو ذلك من طريق هارون (٨) بن سعيد الأيلي عن ابن وهب، عن مَخْرَمَة بن بُكيرٍ، عن أبيه، عن حُمرانَ بنحوه والله أعلم.
ولم يُشارك مسلمًا أحدٌ من الستة في هاتين الطريقين على ما أشار إليه المِزِّي في أطرافه، وإنما رواه البخاري وغيره من طريق عروة، وعطاء، ومعاذ بن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٥).
(٢) لفظ مسلم (٢٢٩)، وأخرجه بنحوه البخاري (١٥٩).
(٣) ٩/ ٣٧٤ - ٣٧٥ و٣٩٠ - ٣٩٢.
(٤) ٢/ ٢٤٨.
(٥) في (ش): " عليه ".
(٦) في " التحفة " ٧/ ٢٤٩.
(٧) رقم (٢٣٢).
(٨) تحرف في الأصل إلى: مروان.
[ ٩ / ١٢٤ ]
عبد الرحمن، ثلاثتهم عن حُمران، وقد تقدم لفظ البخاري، عن معاذ في الرقاق وخالفه مسلم وغيره في الزيادة التي فيه، ولفظ البخاري عن عُروة، وعطاءٍ، في كتاب الطهارة (١) بالحديث من غير هذه الزيادة فكأنه إنما ذكرها في الرقاق، وقد يتساهل في الرقاق، ويمكن أنه حديثٌ آخر بسبب آخر، أدرجه على هذا الحديث، وهذا الإسناد (٢) يحيى بن أبي كثير -لما فيه من الزجر- فقد كان يُدلِّسُ، فهذا أشبه (٣) به والله أعلم.
ويدل على هذا قوله فيها: " وقال رسول الله - ﷺ - " ولو كانت من جملة الحديث ما ناسب إفرادها بذلك، والرواية المشهورة فيه عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي أرعاها فروَّحْتُها بعشي، فأدركت رسول الله - ﷺ - قائمًا يُحَدِّثُ الناس، فأدركت من قوله: " ما من مُسلمٍ يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم، فيصلي ركعتين يُقْبِلُ عليهما بقلبه ووجهه إلاَّ وجبت له الجنة ".
فقلتُ: ما أجود هذا، فإذا قائلٌ بين يدي يقول التي قبلها أجود، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب قال: إني قد رأيتك جئت آنفًا قال: " ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيُبْلِغُ الوضوء، أو يُسبِغُ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلاَّ فُتِحَتْ له أبواب الجنة الثمانية فيدخل من أيِّها شاء ".
قال ابن الأثير في " الجامع " (٤): رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٥)، وساق بقية ألفاظهم، وهذا لفظ مسلم. وللترمذي (٦) إسنادٌ ضعيفٌ
_________________
(١) رقم (١٥٩) و(١٦٠).
(٢) في (ف): " إسناد ".
(٣) في (ف) و(د): " شبيه ".
(٤) ٩/ ٤٠٢.
(٥) أخرجه بطوله مسلم (٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩) وأخرجه مختصرًا أبو داود (٩٠٦)، والنسائي ١/ ٩٥.
(٦) رقم (٥٥)، وأخرجه ابن ماجه أيضًا (٤٧٠) من حديث عمر بن الخطاب، وقال الترمذي: وهذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب كبير شيء، =
[ ٩ / ١٢٥ ]
غير إسناد مسلم، وهو شاهد مُقَوٍّ لا مُعْتَمَدٌ، والمراد بيان شذوذ الاستثناء الوارد، فلو جاء مع شُذوذه عن ثقةٍ حافظ كان الشذوذ له علةٌ، كيف وما جاء إلاَّ عن مُختلَفٍ فيه.
أما عمرو بن سعيد بن العاص (١) فكان من أُمراء بني أمية الكبار المشغولين بالمُلك، تَغَلَّبَ على دمشق من غير وجهٍ مُبيحٍ لذلك، وهمَّ بالخروج على عبد الملك بن مروان، فاحتال عليه عبد الملك بن مروان حتى ظَفِرَ به، فذبحه صبرًا، ذكر ذلك الذهبي مختصرًا في " الميزان " (٢) ولم يحتج به البخاري، فينظر في " الكاشف " (٣)، و" التهذيب " من وثَّقَه أو خرَّج حديثه، ولا ذكر المِزِّي في " تهذيب الكمال " (٤) مع توسُّعِه فيه وتقصِّيه عن أحدٍ أنه وثَّقَه، وذكر من جُرأته على الملك نحوًا مما ذكره الذهبي وروى عن البخاري - ﷺ - (٥) أنه غزا عبد الله بن الزبير، وفي " أطراف المِزِّي " (٦) قيل: له رؤية ولم يَثْبُتْ، وفي " تهذيبه " نحوه، وفي " جامع المسانيد " لابن الجوزي قال البخاري: لا يصح سماعه من النبي - ﷺ -، وليس هو عمرو بن سعيد بن العاص الذي هاجر الهجرتين، وقَدِمَ مع سفينة
_________________
(١) = وخطّأه العلامة المحدث أحمد شاكر في هذه الدعوى، وقال: أصل الحديث صحيح مستقيم الإسناد، وإنما جاء الاضطراب في الأسانيد التي نقلها الترمذي منه، أو ممن حدثه بها، ثم أورد الحجج التي تدحض دعوى الاضطراب، وترده على قائله، فانظره.
(٢) الراوي عن عثمان حديث: " ما من امريء مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلاَّ كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤْتِ كبيرة وذلك الدهر كله " مسلم (٢٢٨).
(٣) ٣/ ٢٦٢.
(٤) ٢/ ٣٢٩ ذكر نحو كلامه في " الميزان ". وقال الحافظ ابن حجر في " التقريب ": وهم من زعم أن له صحبة، وإنما لأبيه رؤية، وكان عمرو مسرفًا على نفسه، وليست له في مسلم رواية إلاَّ في حديث واحد. قلت: وذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ١٧٨، وحديثه عند أبي داود في " المراسيل " والترمذي والنسائي وابن ماجه.
(٥) ص ١٠٣٥.
(٦) " التاريخ الكبير " ٦/ ٣٣٨.
(٧) ٨/ ١٥١.
[ ٩ / ١٢٦ ]
جعفر، ذكره ابنُ الأثير في " جامع الأصول " (١) في الصحابة، وذكر الأخير في التابعين، ومن نظر إلى من خالفه في الحديث لم يلتفت إلى زيادته، ولذلك تركها البخاري، بل جاء في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بتركها في قوله تعالى: ﴿إنَّ الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]، وقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].
وأما مسلم، فيقوي لها (٢) سبب نزول الآية في مقدمات الربا لا فيه، وهو متفقٌ على صحته من حديث ابن مسعود كما سيأتي (٣)، ويوافقه هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وإنما يُقوِّيه ويكون متابعًا له لو رواها عن عثمان.
وأما هذه الزيادة (٤) في حديث أبي هريرة فهي فيه مُعَلَّةٌ مثل هذه في حديثِ عثمان على أنهما لو اجتمعا في حديثٍ واحد ما قَوِيا على مُعارضة من خالفهما من الثقات الأثبات كيف وهذا شعبة يقول في هشام بن حسان: لو حابيتُ أحدًا لحابيتُ هشام بن حسان كان خَتَني، ولم يكن يحفظ.
وقال يحيى بن آدم: قال أبو شهاب: قال لي شعبة: عليك بحَجَّاجٍ، ومحمد بن إسحاق، فإنهما حافظان، واكتُم علي عند البصريين في خالدٍ وهشام، وقد رد الذهبي (٥) هذا على شعبة فبالغ، ولكلام شعبة وجهٌ.
وقال عَفَّان: أخبرنا وُهيبٌ، قال لي الثوري: أفِدْني عن هشام، فقلت: لا أستحل ذلك، وقد نقل ابن حجر في " علوم الحديث " (٦) له عن الذهبي أنه
_________________
(١) في القسم الأخير من التراجم ١٤/ ٥٥٤، وأما الأخير -وهو عمرو بن سعيد بن العاص- فذكره في الصفحة: ٧٨٣.
(٢) في (ش): " بها ".
(٣) وقد تقدم ص ١١٧.
(٤) وهي قوله: " ما لم تُغش الكبائر "، وقد تقدم في الصفحة ١١٩ على أن هذه الزيادة ليست في مسلم من طريق هشام بن حسان، وإنما هي عنده من طريقين آخرين.
(٥) في " الميزان " ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٨.
(٦) " شرح نخبة الفكر " ص ٢٩٩.
[ ٩ / ١٢٧ ]
قال: ما اجتمع اثنان من أئمة هذا الشأن على توثيق رجلٍ أو تضعيفه إلاَّ كان كما قالا. قال ابن حجر: والذهبي من أهل الاستقراء التام، فقد اجتمع شعبةُ ووُهَيْبٌ على تضعيفٍ هشامٍ مُطلقًا ..
أما من ضعفه عن الحسن، فكثير، ومع ذلك فحديثه عن الحسن في الصحيح بغير متابع، لكن غير ما أُعِلَّ.
وقد احتج ابن حجر بذلك في مقدمة شرح البخاري (١) في ترجمة هشام على ما اختاره في " علوم الحديث " من كون الصحيح ينقسم إلى قسمين، وقد طَوَّلوا في الكلام عليه، خصوصًا في حديثه عن الحسن البصري. وأما روايته عن محمد بن سيرين فهو فيها قويٌّ عندهم، ولكن فيما لم يُخالِفْ فيه، ولذلك ترك البخاري هذه الزيادة من رواية هشام (٢)، مع أنه من رجاله، وقد أنكر أيوب على هشام شيئًا من حديث محمد بن سيرين، وقد قال هشام: إنه ما كتب عن ابن سيرين شيئًا يعني لحفظه، وهذا هو سبب ما وقَعَ له من الوهم، فإن الحفظ خَوَّان، وقد كان أحمد بن حنبل لا يُحدث إلاَّ من الكتاب، وينهى عن الرواية من الحفظ لمثل هذا.
ولذلك أمر الله تعالى بكتابة الشهادة، وعلَّلَ ذلك بأنه أدنى أن لا يرتابوا، وحديث عمرو بن سعيدٍ، عن عثمان (٣) أشدُّ ضعفًا لعدم صحة توثيقه من الأصل مع الإعلال البين.
_________________
(١) ص ٤٤٨.
(٢) يبدو لي أن المؤلف كان يعتمد في النقل على ذاكرته والذاكرة خوَّانة، وإلا لَمَا وقع له هذا الوهم المبين، فإن هذه المحاولة التي عبأ لها كل ما استطاع لتضعيف هشام بن حسان فيما ينفرد به لا تفيده شيئًا، لأن هذه الزيادة لم ترد من طريقه في صحيح مسلم، وإنما من طريقين آخرين كما تقدم. على أن الإمام أحمد ٢/ ٣٥٩ أخرج هذا الحديث بهذه الزيادة من طريق أبي جعفر، عن عباد بن العوام، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وبهذا يتبين أن هشام بن حسان لم ينفرد بها، فلا وجه لإعلاله من قبل المؤلف ﵀.
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٨)، وابن حبان (١٠٤٤).
[ ٩ / ١٢٨ ]
وحديث هشام عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أشدُّ إعلالًا؛ لأن الرواة عن أبي هريرة كثرةٌ عظيمة، يَزيدون على ثمانِ مئة، ثم عن محمد بن سيرين، فتفرُّدُ محمد بن سيرين بمثلِ هذا عن أبي هريرة، ثم تفرُّد هشامٍ عن محمد غريبٌ جدًا؛ لأن مغفرة الذنوب بذلك مستغربة مستنكرة في طباع المشددين، ولذلك أنكرها المبتدعة بآرائهم، بل أوجب تأويلها كثيرٌ من كبراء أهل السنة بمجرد الطبيعة مع موافقتها لأُصولهم، مثل ابن عبد البر وغيره، وقد كان من عمر بن الخطاب مع أبي هريرة في ذلك ما يأتي ذكره، فلو ذكر النبي - ﷺ - في ذلك استثناءً، لم يَغْفُلْ عنه أحدٌ قط.
فإن قلت: وكذلك الاستثناء لا يغترُّ به أحد.
قلت: بل قد يجوز في أهل الورع، والطبيعة الغليظة الغالبة أن تقطع على أن (١) ذلك هو مُرادُ رسول الله - ﷺ -، أو يسمع أنه تأويل قوله، فيستثني هو من عند نفسه، ولا يقصد روايته، فيحسَبُه السامع من الحديث، وهو الذي يسمى المُدْرَجَ، أو يقصد إيهام ذلك، لأنه عنده حقٌّ، وقد نَسَبَ ابن عبد البر تعمُّدَ مثل هذا إلى الزهري، بل قال في موضعين من " تمهيده ": إن الزهري كثيرًا ما يفعل ذلك، وخاصة مثل عمرو بن سعيد، فإنه يخاف التكذيب إن لم يَسْتَثْنِ ذلك أو أن يُتَّهَمَ، ويحتمل أن هشامًا ما سَمِعَ هذه الزيادة إلاَّ في حديث عمرو بن سعيد فتوهَّمها في الحديثين معًا خصوصًا (٢) إن كان روى الحديثين، والحامل على الإصغاء إلى هذه الاحتمالات مخالفة الأكثرين من الثقات فيما لا يُحتملُ غفلتهم عنه من المهمات والله أعلم.
وليس القصد أنه يحصُلُ لأحدٍ بهذه المبشرات القطع بالغفران والأمان المطلق لجهل الخواتم وتخويف الله تعالى الصالحين حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٧ - ٢٨]، ولكن القصد بيان الصحيح من الرواية، وقد تقدمت الروايات المخالفات لهذه
_________________
(١) في (ش): " بأن ".
(٢) في (ف): " وخصوصًا ".
[ ٩ / ١٢٩ ]
الزيادة وهي مشتملةٌ على حديثين عن أبي هريرة، وأربعة أحاديث عن عثمان، وحديثين عن أبي موسى، وعمارة بن رُوَيْبة، وحديث عقبة بن عامر، وحديث عبادة في فضل الصلاة، ومثله حديث ابن عمر، وهذه عشرة أحاديث ليس في شيءٍ منها استثناء، ومعناها يَرْجِعُ إلى شيءٍ واحد، وهو تجويز تكفير بعض الكبائر بغير التوبة.
وروى النسائي والترمذي (١) عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " ما قال عبدٌ: لا إله إلاَّ الله قط مُخلصًا إلاَّ فُتِحَتْ له أبواب السماء حتى يُفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر " قال الترمذي: واللفظ له: حسن غريب من هذا الوجه.
قلت: وهو من حديث الولد بن القاسم الهَمْدَاني عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هُريرة كما ذكره المِزِّي في " أطرافه " في هذه الترجمة، وفي الوليد بن القاسم، ويزيد بن كيسان كليهما كلامٌ يقتضي عدم صحة حديثهما من غير مُعارضة، كيف إن عارض معناه ما لا شك في رجحانه، والاتفاق على صحته، مما لا ذِكِرَ لذلك فيه -وسَلِمَتِ المعارضة- (٢) مثل حديث معاذ (خ م)، وحديث عبادة (خ م)، وحديث أبي ذر (خ م)، وحديثي أبي هريرة حديث عند (خ)، وحديث عند (م)، وحديث ابن مسعود (خ م)، وحديث عتبان بن مالك وغيرها، وكل هذه في فضائل الإسلام من " جامع الأصول " في حرف الفاء (٣)، وسيأتي ذكرها، وذكر غيرها في باب ما جاء في بُشرى هذه الأمة، وبيان تواترها، مع ما يشهد لها من القرآن، وبيان أن ذلك لا يُفيد الأمان، ولا يرفَعُ الخوف بالإجماع. ويعضُدُها أخبارٌ كثيرةٌ أذكر منها بعضها وكلها كالشرح لقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].
_________________
(١) النسائي في " عمل اليوم والليلة " (٨٣٣)، والترمذي (٣٥٩٠).
(٢) " وسلمت المعارضة " ليست في (ف).
(٣) ٩/ ٣٥٥. وأرقامها على ترتيب المؤلف: (٧٠٠٥) و(٦٩٩٨) و(٧٠٠٧) و(٧٠١١) و(٧٠١٣) و(٧٠٠٨) و(٧٠١٠).
[ ٩ / ١٣٠ ]
فأقول: الحديث الحادي عشر عن أنس قال: كنت عند النبي - ﷺ - فجاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله أصَبْتُ حدًّا فأقِمْ فيَّ كتاب الله، قال: " أليس قد صليت معنا "، قال: نعم، قال: " فإن الله قد غفر لك ذنبك "، أو قال: " حَدَّك "، رواه البخاري ومسلم (١) من طريقين عن عمرو بن عاصم، عن همام بن يحيى العَوْذي البصري، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، ورواه البخاري في المحاربين، ومسلم في التوبة، وله شاهدٌ صحيحٌ من حديث أبي أُمامة عن النبي - ﷺ - مثله.
وهو: الحديث الثاني عشر. رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائي (٢) كلهم من حديث شداد بن عبد الله، عن أبي أمامة، ورواه عن شدادٍ الأوزاعي وعكرمة بن عمار، قال المِزِّي في " أطرافه ": رواه مسلم في التوبة، وأبو داود في الحدود، والنسائي في الرجم من طرقٍ تركتها اختصارًا.
الحديث الثالث عشر: ما رواه أحمد (٣) قال أخبرنا هُشيمٌ، حدثنا العوَّام بن حَوْشَبٍ، عن عبد الله بن السائب، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الصلاة المكتوبة إلى الصلاة المكتوبة التي بعدها كفارةٌ لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة، والشهر إلى الشهر -يعني رمضان إلى رمضان- كفارةٌ لما بينهما " ثم قال بعد ذلك: " إلاَّ من ثلاثٍ: إلاَّ من الإشراك بالله، ونكثِ الصفقة، وترك السُّنة، قلتُ: يا رسول الله أما الإشراك بالله، فقد عرفناه، فما نكث الصفقة قال: " أن تُبايِعَ رجلًا، ثم تخالِفَ إليه تقاتُله بسيفك، وأما ترك السنة، فالخروج من الجماعة " رواته ثقات إن كان عبد الله بن السائب هو الكوفي، وذلك هو الظاهر والله أعلم، وهذا الحديث هو الحديث الثاني والخمسون من مسند أبي هريرة من " جامع المسانيد ".
_________________
(١) البخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٢٧٦٤).
(٢) مسلم (٢٧٦٥)، وأحمد ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢، و٢٦٢ - ٢٦٣ و٢٦٥، وأبو داود (٤٣٨١)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٤/ ١٦٨.
(٣) ٢/ ٢٢٩ وأخرجه الحاكم ١/ ١١٩ - ١٢٠ و٤/ ٢٥٩ وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وانظر " صحيح ابن حبان " (١٧٣٣)، و" مسند أحمد " بتحقيق العلامة أحمد شاكر (٧١٢٩).
[ ٩ / ١٣١ ]
وهذه الثلاثةُ الأحاديث عن أنس، وأبي أمامة، وأبي هريرة وما في معناها مما سيأتي ذكر بعضه الآن هي (١) أرجح من اعتبار سبب نزول الآية في مقدمات الربا، لأن قصر العموم على سببه مختلفٌ فيه، ومختلف المواقع في القوة والضعف بحسب القرائن، وهذه القرائن أقوى من النصوص (٢) مع قُوَّةِ العموم. والله أعلم.
الحديث الرابع عشر: ما رَوَى حُريث بن قبيصة، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: " أوَّلُ مما يُحاسَبُ عليه العبد الصلاة، فإن صَلَحَتْ، فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فَسَدَتْ، فقد خاب وخسِرَ " الحديث رواه الترمذي، والنسائي (٣) من طريق الحسن البصري عن حُريثٍ، عن أبي هريرة، ورواه النسائي (٤) أيضًا من طريق نفيع بن رافع، عن أبي هريرة، وذكر الطريقين المزي في " أطرافه " (٥).
الحديث الخامس عشر (٦): ما رواه مسلمٌ وأحمد من طريق أبي هريرة أيضًا، عن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: أُمِرَ بالسجود فسَجَدَ فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود، فعَصَيْتُ، فلي النارُ " وهذا حكاه رسول الله - ﷺ - مُقَرِّرًا له، فكان حجة كما تقرر. فمثله ما حكاه الله في كتابنا، وتلاه علينا رسول الله - ﷺ - مستحسنًا له غير منكر، ويشهد لمعناه ما تقدم قريبًا من مفهوم آية السجدة الأولى في سورة الحج، وكذلك سائر المُكَفِّرات لم يرد في شيءٍ منها استثناءٌ، وهي كثيرةٌ جدًا، وليس هذا موضع استيفائها، ولكن نشيرُ إلى طرفٍ من مشهوراتها من ذلك وهو.
الحديث السادس عشر (٧): عن عثمان أن رسول الله - ﷺ - قال: "من توضأ،
_________________
(١) في (ش): " إلاَّ أن هذا ".
(٢) في (د) و(ف): " القرائن ".
(٣) الترمذي (٤١٣)، والنسائي ١/ ٢٣٢. وهو حديث صحيح بشواهده.
(٤) ١/ ٢٣٣.
(٥) ٩/ ٣١٤ و١٠/ ٣٨٨.
(٦) تقدم تخريجه ص ١١٨.
(٧) تقدم تخريجه ص ١٢٤.
[ ٩ / ١٣٢ ]
فأحسنَ الوضوء خرجت خطاياه من جَسَدِه" وفي رواية: " من توضَّأ نحو وضوئي هذا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته نافلة " رواه البخاري ومسلم.
الحديث السابع عشر: عن أبي هريرة، عنه - ﷺ - نحوه، وفي لفظه: " حتى يخرج نَقِيًّا من الذنوب ". رواه مالك في " الموطأ "، ومسلمٌ، والترمذي (١).
الحديث الثامن عشر: عن عبد الله الصُّنابحي عنه - ﷺ - نحو ذلك. رواه مالك في " الموطأ " والنسائي (٢).
الحديث التاسع عشر: عن أبي أُمامة الباهلي مثل ذلك وأبين منه، رواه النسائي (٣) ويشهد لذلك القرآن الكريم، وذلك قوله تعالى في المائدة [٦] بعد ذكر الوضوء والتيمم: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرجٍ ولكن يريد ليُطَهِّرَكُمْ﴾، فقوله: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾، يدل على ذلك لأن التطهير بذلك له معنيان لغويٌّ: وهي النظافة، وشرعي: وكثير ما يرد لتطهير الذنوب، كقوله تعالى في الزكاة: ﴿تطهرهم وتُزَكِّيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]. وأما النظافة التي هي الطهارة اللغوية، فيبعُدُ (٤) إرادتها خصوصًا، والتطهير ورد بعد ذكر التيمم، وليس فيه نظافةٌ، وهو أقل الطهارتين قدرًا وأجرًا، لأنه لا يُعْدَلُ إليه إلاَّ عند الضرورة، وقد أخبر الله تعالى أنه يريد أن يُطهِّرَنَا به، فدَلَّ على أنها طهارةٌ شرعية، وتردد الأمر بين أن يكون ذلك هو رفع الحدث فقط، أو تكفير الذنوب، أو مجموعهما، فمن يجعل دلالته (٥) عليهما من قبيل دلالة العام على مفرداته يقول: إن الآية تعُمُّهما (٦)، ومن يجعله من المشترك، فلهم فيه قولان، منهم من
_________________
(١) مالك ١/ ٣٢، ومسلم (٢٤٤)، والترمذي (٢).
(٢) مالك ١/ ٣١، والنسائي ١/ ٧٤ - ٧٥، وأخرجه ابن ماجه (٢٨٢).
(٣) أخرجه النسائي ١/ ٩١ - ٩٢ بإسناد صحيح.
(٤) في (ف): " فبعيد ".
(٥) في الأصول: " دلالة "، وكتب فوقها في (ف): دلالته ظ.
(٦) في الأصول: " تعمها "، وكتب فوقها في (ف): تعمهما ظ.
[ ٩ / ١٣٣ ]
يقول: يدل على الجميع، وهو مذهب الزيدية، وبعض الأصوليين، ومنهم من يقول: يجب التوقف حتى تدُلُّ قرينةٌ، وقد دلت الأخبار هذه المذكورة على أن تكفير الذنوب مراد الله، فلم يَجُزْ نفي التفسير بذلك، وحَسُنَ إيرادُها في تفسير ذلك.
الحديث المُوَفِّي عشرين: عن أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله - ﷺ -، فقام بلالٌ يُنادي، فلما سكت، قال رسول الله - ﷺ -: " من قال مثل هذا (١) يقينًا، دخل الجنة " رواه النسائي (٢).
الحديث الحادي والعشرون: عن عمر بن الخطاب، عنه - ﷺ - بنحو حديث أبي هريرة فيمن أجاب المُؤذن، وزاد: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم حين الحيعلة. رواه مسلم وأبو داود (٣).
الحديث الثاني والعشرون: عن سعد بن أبي وقَّاص عنه - ﷺ - بنحو حديث عمر، وأبي هريرة في إجابة المؤذن، ولفظه: " ممن قال حين يسمع المؤذِّنَ: وأنا أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا "، وفي رواية: نبيًا، غُفِرَ له ذنبه " رواه مسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٤).
الحديث الثالث والعشرون: عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: " المؤذن يُغْفَرُ له مدى صوته، ويشهد له كل رَطْبٍ ويابس، وشاهد الصلاة في الجماعة يُكْتَبُ له خمسٌ وعشرون صلاة، ويُكَفَّرُ عنه ما بينها ". رواه أبو داود، وروى
_________________
(١) في (ش): " ما قال ".
(٢) ٢/ ٢٤، وأخرجه أحمد، وابنه عبد الله في زوائده على " المسند " ٢/ ٣٥٢، وابن حبان (١٦٦٧)، والحاكم ١/ ٢٠٤، وصححه ووافقه الذهبي. قلت: وإسناده قوي.
(٣) أخرجه مسلم (٣٨٥)، وأبو داود (٥٢٧).
(٤) مسلم (٣٨٦)، وأبو داود (٥٢٥)، والترمذي (٢١٠)، والنسائي ٢/ ٢٦، وأخرجه ابن ماجه (٧٢١).
[ ٩ / ١٣٤ ]
النسائي منه فضل المؤذن، وزاد: " وله مثل أجر من صلَّى " (١).
الحديث الرابع والعشرون: مثل حديث النسائي المُقَدَّم، لكنه عن البراء بن عازب رواه النسائي (٢).
الحديث الخامس والعشرون: ما ثبت من غير طريق، أو تواتر عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال. " من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِرَ له (٣) ما تقدم من ذنبه " (٤).
وعن شدَّاد بن عبد الله عن أبي هريرة عنه - ﷺ -: " من حافظ على سُبْحَةِ (٥) الضحى، غُفِرَتْ ذنوبُه وإن كانت مثل زبد البحر ". رواه الترمذي وابن ماجه (٦).
وعن أبي هريرة عنه - ﷺ -: " من غدا إلى المسجد أوراح أعدَّ الله له نُزُلًا كلما غدا أو راح، خرَّجاه (٧).
وعنه [أن رسول الله - ﷺ - قال:] ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط ". رواه مسلم، ومالك في " الموطأ "، والنسائي، وغيره (٨).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٥١٥)، والنسائي ٢/ ١٣ وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٦٦٦).
(٢) ٢/ ١٣ ورجاله ثقات.
(٣) في (د) و(ش): " الله ".
(٤) أخرجه البخاري (٧٨٠) و(٦٤٠٢)، ومسلم (٤٠٩) و(٤١٠)، وأبو داود (٩٣٥) و(٩٣٦)، والترمذي (٢٥٠)، والنسائي ٢/ ١٤٣ و١٤٤، ومالك في " الموطأ " ١/ ٨٧.
(٥) في الترمذي وابن ماجه: " شفعة ".
(٦) الترمذي (٤٧٦)، وابن ماجه (١٣٨٢). وإسناده ضعيف.
(٧) البخاري (٦٦٢)، ومسلم (٦٦٩).
(٨) مسلم (٢٥١)، ومالك ١/ ١٦١، والترمذي (٥١) و(٥٢)، والنسائي ١/ ٨٩ - ٩٠.
[ ٩ / ١٣٥ ]
وعنه عن النبي - ﷺ -: " من قام رمضان احتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه " رواه الجماعة (١).
كل هذه رُويت عنه - ﷺ -، هكذا مطلقة (٢) من غير استثناء، فإذا كانت المغفرة المطلقة قد صحت عن أبي هريرة في ثلاثة عشر حديثًا فيما يتعلق بالصلاة والوضوء والأذان، بل في ذكر واحدٍ من أذكار الصلاة، وهو التأمين، ولكل واحدٍ من هذه الأحاديث أو الكثير (٣) منها عدة طرقٍ وما ذكر أحدٌ في ذلك استثناء قط، مع أن الرواة عنه أكثرُ من ثمان مئةٍ من التابعين، والرواة عنهم أضعافُهم من تابعي (٤) التابعين، فأين يقع هشام بن حسان (٥) من هؤلاء مع صحة تضعيفه!
وكذلك عثمان قد صحت عنه ستة أحاديث بنحو ذلك مع قلة حديثه، وروى عنه عروة بن الزبير (٦) ما يدلُّ على عدم الاستثناء، فإنه رواه عنه أنه قال: إني مُحدِّثُكم حديثًا لَوْلا آيةٌ في كتاب الله ما حدَّثتكموه، ثم روى لهم حديث تكفير الوضوء، والصلوات لما بينها، فمراد عثمان أنه يخاف عليهم من معرفته التجرُّؤ على الكبائر، أما لو استثنى ذلك لما استعظم روايته، وامتنع منها حتى يخاف العقوبة على كتمِها (٧)، فإن القرآن قد نص على مغفرة الصغائر لمجرد اجتناب الكبائر، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٥) و(٣٧) و(١٩٠١) و(٢٠٠٨) و(٢٠٠٩) و(٢٠١٤)، ومسلم (٧٥٩)، وأبو داود (١٣٧١) و(١٣٧٢)، والترمذي (٨٠٨)، والنسائي ٤/ ١٥٥ - ١٥٧، ومالك ١/ ١١٣ - ١١٤.
(٢) في (د) و(ف): " مطلقًا ".
(٣) في (ش): " كثير ".
(٤) في (ش): " تابع ".
(٥) سبق أن بينا أن هشام بن حسان قد توبع على هذه الزيادة، فلا وجه للطعن فيها.
(٦) رواه عن حمران، عن عثمان. أخرجه مسلم (٢٢٧) وقد تقدم.
(٧) في (ف): " تركها ".
[ ٩ / ١٣٦ ]
ورُوي: لولا أنه في كتاب الله بالنون، وهي في " الموطأ " (١)، قال النووي (٢): والأولى هي الصحيحة، ومعناه على هذه الرواية الإشارة إلى قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، يريد لا فائدة في الكتم، وقد ظهر هذا في كتاب الله تعالى، وعلى تسليم صحة هذه الزيادة فإن الجمع بين هذه الأحاديث يجوز أن يقتضي رُجحان الظن لغُفران جميع الذنوب بفضل الصلوات بدليل حديث أنس الصحيح المقدم (٣) الذي فيه: " اذهب فقد غفر الله لك حَدَّكَ "، وبيانه أن الزيادة هذه لا تدل على عدم المغفرة للكبائر بالنص، بل بالمفهوم، وشرطُ المفهوم أن لا يكون للتخصيص بالذكر وجهٌ إلاَّ المخالفة (٤)، وهنا وجهٌ ممكن غير المخالفة، وهو خوف المفسدة في البيان في بعض الأحوال كما سنذكره، فيكون المطلق هنا أكثر فائدةً من المقيَّد، فلا يكون للقيد مفهومٌ، كما قَوَّوا ذلك في صورة النهي، كالنهي عن القِرَان في التمر مُطلقًا (٥)، والذي يشهد لهذا ما ثبت من أمثاله، وهي كثيرةٌ، من ذلك ما اتفقوا على صحته من قول النبي - ﷺ -: " من مات له ثلاثةٌ من الولد لم تمسَّه النار إلاَّ تَحِلَّة القسم " (٦). ومفهوم هذا
_________________
(١) ١/ ٣٠ - ٣١.
(٢) في " شرح صحيح مسلم " ٣/ ١١١.
(٣) ص ١٣١.
(٤) في (ش): " بالمخالفة ".
(٥) أخرجه أحمد ٢/ ٧ و٤٤ و٤٦ و٧٤ و٨١ و١٠٣، والبخاري (٢٤٥٥) و(٢٤٨٩) و(٢٤٩٠) و(٥٤٤٦)، ومسلم (٢٠٤٥)، وأبو داود (٣٨٣٤)، والترمذي (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٣٣١) ولفظه: " نهى رسول الله - ﷺ - أن يقرن الرجلُ بين التمرتين حتى يستأذن أصحابه ". والقِران، ويُروى الإقران، والأول أصح، وهو أن يقرن بين التمرتين في الأكل، وإنما نهى عنه، لأن فيه شرهًا، وذلك يُزري بصاحبه، أو لأن فيه غبنًا برفيقه. وقيل: إنما نهى عنه لما كانوا فيه من شدة العيش، وقلة الطعام، وكانوا مع هذا يواسون من القليل، فإذا اجتمعوا على الأكل، آثر بعضهم بعضًا على نفسه، وقد يكون في القوم من قد اشتد جوعه، فربما قرن بين التمرتين، أو عَظَّمَ اللقمة، فأرشدهم إلى الإذن فيه، لتطيب به أنفُس الباقين. " النهاية " ٤/ ٥٢ - ٥٣.
(٦) تقدم ص ٤٧.
[ ٩ / ١٣٧ ]
مخالفةُ الاثنين للثلاثة في الحكم، فلمَّا قالوا: واثنان يا رسول الله، قال: " واثنان "، قال بعضهم: لو استزَدْناه لزادنا. ورواه أحمد في " مسنده " (١) في الواحد من حديث أبي عبيدة عن ابن مسعود، وهو الحديث الثاني من " مسنده " في " جامع المسانيد " لابن الجوزي، بل قد صح في البخاري (٢) ما يقتضي ذلك في الواحد، حيث قال رسول الله - ﷺ -: " يقول الله من قَبَضْتُ صَفِيَّهُ من أهلِ الدنيا لم يكُن له جزاءٌ عندي إلاَّ الجنةُ ".
وقد صرَّحتِ الأحاديث بأن الكتم في هذا المعنى مقصودٌ كما في حديث مُعاذٍ المشهور (٣) وفي غيره، وهو يُقوي هذا التأويل، ويُضعفُ العمل بالمفهوم في نحو ذلك، بل يوجب بطلانه، وليت شعري ما يقول متأوِّل النصوص بذلك وما يظن في رسول الله - ﷺ - مع بلاغته وفصاحته، أنه لم يفهم العبارة، ولم يفهم أن للصغائر اسمًا يخُصُّها، وللعموم لفظًا يدلُّ عليه، فما استطاع أن يوضِّحَ أن
_________________
(١) ١/ ٣٧٥ و٤٢٩، وأخرجه الترمذي (١٠٦١)، وابن ماجه (١٦٠٦). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. قلت: وليس فيه " لو استزدناه لزادنا ". وإنما لفظه: قال رسول الله - ﷺ -: " من قدَّمَ ثلاثةً لم يبلغوا الحِنْثَ كانوا له حِصْنًا حَصينًا من النار "، فقال أبو الدرداء: قدَّمتُ اثنين؟ قال: " واثنين "، فقال أُبي بن كعب أبو المنذر سيِّدُ القراء: قدمتُ واحدًا؟ قال: " واحد، ولكن ذاك في أول صدمة ". وأخرج أحمد ٣/ ٣٠٦ عن محمد بن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم، عن محمود بن لبيد، عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من مات له ثلاثة من الولد، فاحتسبهم دخل الجنة "، قال: قلنا: يا رسول الله، واثنان؟ قال: " واثنان " قال محمود: فقلت لجابر: جراكم لو قلتم: وواحد لقال: وواحد، قال: أنا والله أظن ذاك. ذكره الهيثمي ٣/ ٧. وقال: رجاله ثقات.
(٢) رقم (٦٤٢٤).
(٣) يريد ما أخرج البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠) عن عمرو بن ميمون، عن معاذ. وفيه: " فإنَّ حَقَّ الله على العباد أن يعبُدوا الله، ولا يُشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ﷿ أن لا يُعَذِّبَ من لا يُشركُ به شيئًا " قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ الناسَ؟ قال: " لا تُبَشِّرْهُمْ فيَتَّكِلُوا ".
[ ٩ / ١٣٨ ]
هذه المغفرة للصغائر فقط، على وجهٍ يَصِحُّ عنه صحةً لا ريب فيها، كما صَحَّ التَّعميم عنه، بل تواتر.
وإذا حُمِلَ ذلك على الصغائر فقد صَحَّ أن الجمعة تكفِّرُ ذنوب عشرة أيام (١)، فمن أين جاء القطع أن صلاة العشرة الأيام لا تُكفِّرُ كبيرةً، بل صح أن رمضان يُكَفِّرُ ذنوبَ السنة (٢)، فمن أين القطع أن صلوات سنةٍ كاملة لا تكفر كبيرةً، فقد كُفِّرَتْ صغائرُها برمضان، أفلا تقوى صلوات العام مع اجتماعها على تكفير كبيرة، بل صح أن صوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء يكفران ذنوب ثلاث سنين (٣)، أفلا تقوى صلاةُ ثلاث سنين، وصيام ثلاثة أشهرٍ فيها فرائض من ما فيها من الجُمَعِ على تكفير شيءٍ من الكبائر، وتجويز ذلك قبيحٌ على الله، واجبٌ تكذيبُ من رواه من الثقات، وتأويل ما اقتضاه من الآيات فنعوذ بالله من الغُلُوِّ وتحريف النصوص.
وأما قول ابن عبد البر: إنه يلزم من عدم التأويل ألا تجب التوبة فباطلٌ، لأن التوبة واجبةٌ لقُبحِ الذنب، لا لخوف (٤) العقوبة، ودفع المضرة، ولذا نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، بعد قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٥٧)، وأبو داود (٣٤٣) و(١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٣) (١٦) من حديث أبي هريرة ولفظه: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مكفراتٌ ما بينهن إذا اجتنب الكبائر " وقد تقدم عند المؤلف.
(٣) أخرج مسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة الأنصاري، وفيه: " صومُ ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر " قال: وسُئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: " يُكَفِّرُ السنة الماضية والباقية "، قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: " يُكَفِّرُ السنة الماضية ". وأخرجه بنحوه الترمذي (٧٤٩)، وابن ماجه (١٧٣٠).
(٤) في (ش): " خوف ".
[ ٩ / ١٣٩ ]
وأما ما ذُكر من خوف المفسدة الكبرى بترك الناس العمل، فقد اختلفت فيه الأحاديث، وانعقد الإجماع بعدُ على خلافه، فكيف يكتم أو ينكتِمُ ما يشهد به القرآن. والصحيح أن كل أحدٍ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له (١)، فلا يَضُرُّ، ولذلك قال عيسى ﵇: ﴿والسلامُ عليَّ يَومَ وُلِدْتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعَثُ حَيًَّا﴾ [مريم: ٣٣]، وكذلك قال الله في يحيى بن زكريا وأمثالهما من أهل العصمة، ولذلك كان الرواة لأحاديث الرجاء والشفاعة كبراء الصحابة، كأبي ذَرٍّ ﵁، وأبي الدرداء، وجابر وأمثالهم، فلم يَحْمِلْ ذلك أحدًا منهم على الوقوع في كبيرةٍ، بل كانوا أعلام الهُدى، وإليهم المنتهى في التقوى، وكذلك من رواها عنهم من التابعين، فقد روى الصادق، عن أبيه الباقر، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " رواه الحاكم في " المستدرك " (٢) مع تشيُّعِه، وقد اشتدَّ خوف الثلاثة المخلفين (٣) مع عظيم فضلهم وصِحَّةِ بُشراهم، فإنَّ اثنين منهم من أهلِ بَدْرٍ، وثالثهم كعب بن مالك من السابقين الأولين (٤) أهل بيعه العقبة مع صحة التوبة منهم (٥)، ولم يكن أهل الإيمان يزدادون بمثل ذلك إلاَّ رغبةً، ولذلك قالت المعتزلة والصوفية: من عَمِلَ لأجلِ الخوف فقط، لم تَصِح عبادته، ولم تُقبل، ومن كان لا يُبالي بغضب الله تعالى ونواهيه ما لم يَخَفِ العقوبة، فهو ناقصُ الإيمان أو مسلوبُه (٦)، ولما روى عمر حديث القَدَرِ، قال: الآن نجتهد (٧) ولو كانت البُشرى مفسدةً، ما كان القنوط مفسدةً، وهو حرامٌ وِفاقًا، وإنَّما المفسدة الأمان. وأين هو ورسول الله - ﷺ -
_________________
(١) تقدم تخريج الأحاديث التي وردت بهذا المعنى.
(٢) ١/ ٦٩ من طريقين عن الصادق جعفر بن محمد، به.
(٣) في (ش): " المتخلفين ".
(٤) في (د) و(ف): " الأول ".
(٥) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩). وسيأتي بطوله.
(٦) في (ش): " ومسلوبه ".
(٧) أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (١٦٥)، وابن حبان (١٠٨)، والآجري ص ١٧٠، والبزار (٢١٣٧). وقد تقدم.
[ ٩ / ١٤٠ ]
يقول: سَمِعَ رجلًا يقول لميت [يعني] مسلمًا: أبشِرْ بالجنة، فقال: " وما يُدريك لَعَلَّه تكلَّم بما لا يَعنيه، أو بَخِلَ بما لا يُغنيه " رواه الترمذيُّ في " الزهد " عن سليمان الأعمش، عن أنس، وقال: غريب (١).
وقد صُرِّحَ بغُفران الكبيرة والصغيرة (٢) في فضل صلاة التسبيح التي نقلها أهل البيت ﵈ وأهل الحديث، وما قال أحدٌ: إن رواية ذلك من الفساد المحرم (٣).
وصنف عبد الغني في تصحيحها كتابًا مفردًا، وقال إمام النُقَّاد أبو الحسن الدارقطني: إنها أصحُّ شيء في فضائل الصلوات، وأصحُّ شيءٍ في فضائل سور القرآن سورة: " قل هو الله أحد "، ورُويت فيها (٤) ستة أحاديث عن ستة من أصحاب النبي - ﷺ - وهم عبد الله بن عباس (٥)، وأخوه الفضل بن
_________________
(١) إسناده ضعيف لانقطاعه، فسليمان الأعمش لم يسمع من أنس. وأخرجه الترمذي (٢٣١٦)، والذهبي في " السير " ٦/ ٢٤٠ من طريقين عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن الأعمش، عن أنس. وقال الذهبي: غريب يعدُّ من أفراد عمر بن حفص شيخ البخاري. قلت: لم ينفرد عمر بن حفص به، فقد رواه أبو يعلى (٤٠١٧) عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن الأعمش به. ويحيى بن يعلى ضعيف.
(٢) في (د) و(ف): " الكبير والصغير ".
(٣) في (د): " الكبير ".
(٤) في (ف): " فيه ".
(٥) أخرجه أبو داود (١٢٩٧)، وابن ماجه (١٣٨٧)، وابن خزيمة (١٢١٦)، والطبراني (١١٦٢٢)، والحاكم ١/ ٣١٨، والبيهقي ٣/ ٥١ - ٥٢، والدارقطني في مصنفه في صلاة التسابيح فيما نقله ابن ناصر الدين ص ٨ من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، حدثنا موسى بن عبد العزيز القنباري، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس. وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم: ثقة من رجال الشيخين. وموسى بن عبد العزيز القنباري: روى عنه جمع، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: ربما أخطأ، ووثقه ابن شاهين، وقول ابن المديني فيه: ضعيف، مردود، لأنه جرحٌ مبهم غير مفسر، وهو في مقابل تعديل =
[ ٩ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن معين والنسائي، وهما مَنْ هما في التشدد في التوثيق، روى له البخاري في " جزء القراءة "، وأبو داود، والنسائي. والحكم بن أبان: هو العدني، وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو زرعة: صالح، وذكره ابن خلفون في " الثقات " وقال: وثقه ابن نمير، وأبو جعفر السبتي، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، روى له البخاري في " القراءة خلف الإمام " وفي " الأدب المفرد " وأصحاب السنن. وعكرمة مولى ابن عباس: ثقة ثبت، عالم بالتفسير، احتج به البخاري، وروى له مسلم مقرونًا. وهذا إسناد أقل ما يقال فيه: إنه حسن لذاته. قال ابن ناصر الدين في " الترجيح " ص ٣٩ - ٤٠: حديث عكرمة هذا صححه أبو داود، وأبو بكر محمد بن الحسين الآجري وغيرهما، وقال أبو بكر بن أبي داود: سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا. وأخرجه أبو يعلى الخليلي في " الإرشاد " عن أحمد بن محمد بن عمر الزاهد، عن أبي حامد أحمد بن محمد بن الشرقي، عن عبد الرحمن بن بشر، به. وقال بإثره: قال أبو حامد بن الشرقي: سمعت مسلم بن الحجاج -وكتب هذا عن عبد الرحمن- يقول: لا يروى في هذا الحديث إسناد أحسن من هذا. وانظر " سنن البيهقي " ٣/ ٥١. وقال الحافظ المنذري في " الترغيب والترهيب " ١/ ٤٦٨: وقد رُوِيَ هذا الحديث من طرق كثيرة، وعن جماعة من الصحابة، وأمثلها حديث عكرمة، وقد صححه جماعة، منهم الحافظ أبو بكر الآجري، وشيخنا أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي رحمهم الله تعالى. وقال الترمذي: وقد رأى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه. وقال البيهقي في " سننه " ٣/ ٥٢: وكان عبد الله بن المبارك يفعلها، وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفيه تقوية للحديث المرفوع. وقال الحاكم ١/ ٣١٩: ومما يستدل به على صحة هذا الحديث استعمال الأئمة من أتباع التابعين إلى عصرنا هذا، ومواظبتهم عليه وتعليمهم للناس، منهم عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، ثم قال: ولا يتهم عبد الله أن لا يعلمه ما لم يصح عنده سنده. =
[ ٩ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني (١١٣٦٥) من طريق نافع أبي هرمز، عن عطاء، عن ابن عباس. ونافع أبو هرمز ضعيف. قلت: وقد حسَّنَ حديث صلاة التسبيح المنذري، وابن الصلاح، وتقي الدين السبكي، وولده تاج الدين، وابن حجر في " الخصال المكفرة "، و" أمالي الأذكار ". وقد اضطرب فيه الإمام النووي، فحسنه في " الأذكار "، وفي " تهذيب الأسماء واللغات "، وقال في " المجموع ": حديثها لا يثبت. وصححه أبو داود، وابن منده، والحاكم، وأبو بكر الآجري، وأبو بكر بن أبي داود، وأبو موسى المديني، والخطيب البغدادي، وأبو الحسن بن المفضل، وعبد الرحيم المصري، والبلقيني، والحافظ العلائي، والبدر الزركشي، وابن ناصر الدين الدمشقي، والسيوطي. وضعفه الترمذي، والعقيلي، وأبو بكر بن العربي، والذهبي في ترجمة موسى بن عبد العزيز من " الميزان "، ويغلب على ظني أن تضعيف الترمذي والعقيلي يتجه إلى الطرق التي وقفا عليها، ولو وقفا على بقية الطرق لتدل رأيهم. وأما أبو بكر بن العربي، فقوله في هذا الباب لا يقاوم قول جهابذة هذا الفن الذين هم القدوة فيه، فإنه ﵀ كان يغلب عليه الفقه، وهو به أقعد. وقول الذهبي يُدفع بأن موسى بن عبد العزيز لم ينفرد به، بل رواه جمع من الرواة غيره. وأما ابن الجوزي فقد أساء بذكره إياه في الموضوعات ظنًّا أن موسى بن عبد العزيز مجهول، وكم له من أمثال هذا الخطأ في كتابه الموضوعات كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم. وموسى بن عبد العزيز كما تقدم روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان، وابن شاهين، وقال ابن معين والنسائي: لا بأس به، فكيف يكون مجهولًا؟! والذي أقول به: إن حديث ابن عباس حسن لذاته صحيح لغيره كما تقتضيه الصناعة الحديثية، ودراسة الطرق التي انتهت إلينا، واتباعًا لمن قوَّاه من أئمة الحديث المشهود لهم بالعلم والبراعة والاعتدال. وفي الباب شواهد، سيرد بعضها في التعليقات الآتية. وانظر " الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة " للكنوي ص ١٢٣ - ١٤٣، فقد أجاد وأفاد، وأتى بما يفي بالمراد. قلت: وقد كتب صاحبنا الشيخ الفاضل فضل عباس بحثًا موسعًا في صلاة التسابيح في كتابه " التوضيح " انتهى فيه إلى ترجيح القول بتضعيف الحديث سندًا ومتنًا، وليته اقتصر على مجرد النقل عن الأئمة الحفاظ الذين تكلموا فيها، وأوسعوها بحثًا ودرسًا، وانتهى معظمهم =
[ ٩ / ١٤٣ ]
عباس (١)، وأنس (٢)، وأبو رافع (٣)، وعبد الله بن عمر بن الخطاب (٤)،
_________________
(١) = إلى تصحيحها، وأعفى نفسه من التورط في علم غير مختص به، إنه لو فعل ذلك، لسلم من جملة أخطاء حديثية غير قليلة وقعت له في بحثه.
(٢) ذكره ابن ناصر الدين في " الترجيح " من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الحميد الطائي -وفي شرح ابن علان ٤/ ٣١٥: عبد الحميد بن عبد الرحمن، ولم أتبينه- حدثني أبي، قال: لقيت أبا رافع، فسألته، فحدثني عن الفضل بن العباس مرفوعًا. وذكر الحديث بنحو حديث أبي رافع الآتي. وأخرجه أبو نعيم في كتاب " القربات "، ونقل ابن علان عن الحافظ ابن حجر في " أماليه " قوله: " عبد الحميد بن عبد الرحمن الطائي عن أبيه: لا أعرفه، ولا أعرف أباه، وأظن أن أبا رافع شيخ الطائي غير أبي رافع إسماعيل بن رافع أحد الضعفاء فيما أظن.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٨١)، والنسائي ٣/ ٥١، والحاكم ١/ ٣١٧ - ٣١٨ من طريقين عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أن أم سُلَيْم غَدَت على النبي - ﷺ -، فقالت: عَلِّمنِي كلمات أقُولُهُنَّ في صلاتي، فقال: " كبِّري الله عشرًا، وسبحي الله عشرًا، واحمديه عشرًا، ثم سلي ما شئت "، يقول: نعم نعم. وهذا إسناد حسن من أجل عكرمة. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر فيما نقل ابن علان في " شرح الأذكار " ٤/ ٣٠٩.
(٤) أخرجه الترمذي (٤٨٢)، وابن ماجه (١٣٨٦) من طريقين عن زيد بن الحباب العكلي، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني سعيد بن أبي سعيد مولى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي رافع. موسى بن عبيدة: ضعفوه، وسعيد بن أبي سعيد لم يوثقه غير ابن حبان، فهو في عداد المجهولين. وقال الترمذي: حديث غريب.
(٥) أخرجه الحاكم ١/ ٣١٩، وفي سنده أحمد بن داود بن عبد الغفار، كذَّبه الدارقطني وغيره، وقول الحاكم: إسناد صحيح لا غبار عليه، رَدَّه الحافظان العراقي والذهبي نقل ذلك عنهما ابن علان في " شرح الأذكار " ٤/ ٣١٦. تنبيه: سقط تعقيب الذهبي من مختصره المطبوع مع " المستدرك "، وهذا حافز قوي لأهل العلم أن يتولوا نشر " المستدرك " نشرة صحيحة متقنة عن أصول خطية جيدة.
[ ٩ / ١٤٤ ]
وعبد الله بن عمرو بن العاص (١).
أما حديث عبد الله، فهو أقواها رواه الحاكم، وأبو داود، والترمذي (٢) وابن ماجة، وابن خزيمة المُسَمَّى إمام الأئمة في كتابه " الصحيح "، وأبو علي بن السكن في " صحيحه "، وذكر الحاكم أن النسائي (٣) رواه في " صحيحه " عن عبد
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٢٩٨) عن محمد بن سفيان الأُبَلِّي، حدثنا حبان بن هلال أبو حبيب، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، قال: حدثني رجل كانت له صحبة يرون أنه عبد الله بن عمرو قال: قال لي النبي - ﷺ - وعمرو بن مالك: هو النكري، صدوق له أوهام. ورواه مسلم بن إبراهيم، عن المستمر بن ريَّان، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو. وهذه الطريق نالت إعجاب الإمام أحمد، قال أبو بكر الخلال في " العلل ": قال علي بن سعيد: سألت أحمد بن حنبل، عن صلاة التسبيح، قال: ما يصح عندي فيها شيءٌ، فقلتُ: حديث عبد الله بن عمرو، قال: كل من يرويه عن عمرو بن مالك -يعني وفيه مقال- فقلت: وقد رواه المستمر بن الريان عن أبي الجوزاء، قال: من حدثك؟ قلت: مسلم -يعني ابن إبراهيم- فقال: المستمر شيخ ثقة، وكأنه أعجبه. قال الحافظ ابن حجر في " أجوبة المشكاة " ٣/ ١٧٧٩ - ١٧٨٠: نقل الشيخ الموفق بن قدامة، عن أبي بكر بن الأثرم، قال: سألت أحمد عن صلاة التسبيح فقال: لا يعجبني، ليس فيها شيءٌ صحيح، ونفض يده كالمنكر. قال الموفق: لم يثبت أحمد الحديث فيها، ولم يرها مستحبة، فإن فعلها إنسان فلا بأس. قال الحافظ: وقد جاء عن أحمد أنه رجع عن ذلك، فقال علي بن سعيد النسائي: سألت أحمد عن صلاة التسبيح؟ فقال: لا يصح فيها عندي شيء. قلت: المستمر بن الريان عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو؟ فقال: من حدثك؟ قلت: مسلم بن إبراهيم، قال: المستمر ثقة، وكأنه أعجبه. قال الحافظ: فهذا النقل عن أحمد يقتضي أنه رجع إلى استحبابها، وأما ما نقله عن غيره، فهو معارض بمن قوى الخبر فيها، وعمل بها.
(٢) وهم المؤلف في نسبته إلى الترمذي.
(٣) لم أجده في المطبوع من " السنن "، ولم يذكره صاحب " التحفة ". وقال ابن حجر =
[ ٩ / ١٤٥ ]
الرحمن بن بشر، والحديث مشهورٌ من حديث عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن موسى بن عبد العزيز، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قلت: أورده المِزِّي (١) في ترجمة الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال: رواه أبو داود وابن ماجة جميعًا في الصلاة، عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، عن موسى بن عبد العزيز القنباري، عن الحكم به.
قال ابن حجر (٢): قال الحاكم (٣): وتابعه إسحاق بن أبي إسرائيل عن موسى.
ورواه ابن خزيمة (٤)، عن محمد بن رافع (٥)، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، [عن عكرمة] مرسلًا.
قلتُ: روايته في " المستدرك " (٦) من طريق إسحاق بن راهويه الإمام، قال:
_________________
(١) = في " التلخيص " ٢/ ٧: وادعى الحاكم أن النسائي أخرجه في " صحيحه ". ونص عبارة الحاكم ١/ ٣١٨: وقد خرَّجه أبو بكر محمد بن إسحاق، وأبو داود سليمان بن الأشعث، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب في " الصحيح ". فقوله: " في الصحيح " يحتمل أن يعود إلى " صحيح ابن خزيمة "، ويحتمل أن يعود إلى الثلاثة ابن خزيمة، وأبي داود، والنسائي، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الحاكم أطلق الصحة على كتاب أبي داود والنسائي والترمذي. أما الذهبي، فقد أصلح في " مختصره " عبارة الحاكم، فقال: وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن خزيمة في " الصحيح ". وهذا هو الصواب، فإن في سنن النسائي والترمذي وأبي داود أحاديث ضعيفة كما هو مبين في محله.
(٢) " التحفة " ٥/ ١٢٣.
(٣) في " تلخيص الحبير " ٢/ ٧.
(٤) ١/ ٣١٨ - ٣١٩.
(٥) الحديث رقم (١٢١٦).
(٦) في الأصل والتلخيص المنقول عنه: " محمد بن يحيى " وهو خطأ، والتصويب من ابن خزيمة و" المستدرك " ومحمد بن رافع هذا هو القشيري النيسابوري الحافظ الحجة الثقة، حدث عنه البخاري ومسلم وأصحاب السنن.
(٧) ١/ ٣١٩.
[ ٩ / ١٤٦ ]
أخبرنا إبراهيم وساقه مُسندًا كالأول، ثم قال الحاكم: ومما يُستدل به على صحته استعمال الأئمة من أتباع التابعين إلى عصرنا إياه، ومواظبتهم عليه، وتعليمهم الناس، منهم عبد الله بن المبارك رواه عنه من طريقٍ وَثَّقَ رجالها، ثم قال: ولا يُتَّهَمُ ابن المبارك أن يُعَلّم ما لم يصِحَّ عنده.
وذكر الذهبي (١): أن الحكم هذا الراوي له كان من العباد، وأنه (٢) كان يقف في البحر الليل بين الماء، والماء إلى ركبتيه لا ينام، يذكر الله تعالى مع حيتان البحر.
وأما حديث الفضل، فذكره المُنذري (٣)، وأما حديث أنسٍ فرواه الترمذي، وأما حديث أبي رافع فرواه الترمذي أيضًا، وأما حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب فرواه الحاكم، وقال: صحيحٌ لا غبار عليه بهذه العبارة، وخالف ابن حجر (٤) فقال: ضعيف، وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فرواه أبو داود، وفيه: " فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنبًا غُفِرَ لك ذلك "، وقال في سنده: حدثنا محمد بن سفيان الأُبَلِّي، حدثنا حبان بن هلال أبو حبيب، حدثني مهدي بن ميمون، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، حدثني رجلٌ كانت له صحبة يرون أنه عبد الله بن عمرو، وساق الحديث، وإسناده قوي، ولم يُذكر في " الميزان " منهم أحدٌ بجرح ولا ضعفٍ، ولا تدليس.
وفي " الجامع الكافي " عن محمد بن منصور قال النبي - ﷺ -: " لو كانت ذنوبك عدد نجوم السماء، وعدد قطر الماء، وعدد أيام الدنيا، وعدد رمل عالج، لغفرها الله " وإنما أشرت إلى طَرَفِه باختصار لأنه مما يحافِظُ عليه أهل البيت ﵈، يروونَه في كتبهم، ولم يُنكروا ما فيه من التصريح بغفران الكبير والصغير، ولا حذَّرُوا من اعتقاد ذلك، ولا من الرجاء له، وذلك دليل
_________________
(١) في " الميزان " ١/ ٥٦٩.
(٢) في (ف): " فإنه ".
(٣) أشار إليه في " الترغيب والترهيب " ١/ ٤٦٩، ولم يذكره.
(٤) ٢/ ٧.
[ ٩ / ١٤٧ ]
مخالفتهم لغُلاة المتكلمين في الشواهد على ذلك، ويُقَوِّي ما وَرَدَ في فضلها حديث " الحمد لله (١) تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض " رواه مسلم (٢)، والله أكبر تملأُ ما بينهما أيضًا ولا إله إلاَّ الله أفضل من ذلك.
ويشهد له: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤]، ومن النظر أن التسبيح والتحميد يجمعان قسمي المحامد تنزيهًا وتحميدًا (٣)، والتهليل، والتكبير يجمعان قسمي الملك تعظيمًا وتوحيدًا، والحمد لله والملك يجمعان الأسماء الحسنى، فيكون فضل سبحان الله والحمد لله ثلاث مئة مرة، لأنهما يُقالان فيها ثلاث مئة مرة، وفضل التكبير كذلك، وفضل لا إله إلاَّ الله أكثر من ذلك لما وَرَدَ من تفضيلها (٤)، صار الجميع ملء ما بين السماء والأرض تسع مئة مرة من غير فضل ما يقرؤه قبلها (٥)، وفضل الركوع والسجود، فهذا مأخوذٌ من أحاديث صحاحٍ وحسان غير أحاديثهما مع ما ورد في المبالغة في تمثيل مقدار ذنوب الموحِّدِ بقوله: " وإن كانت مثل زَبَدِ البحر " رواه مسلم (٦)، وحديث: " لو بلغت ذنوبُك عنان السماء " ثم استثنى: " لا يُشْركُ بي شيئًا " (٧)، وذلك أن " لو" موضوعةٌ لامتناع الشيء لامتناع غيره، فدل على امتناع بلوغ (٨) ذنوبه ذلك المبلغ برحمة الله مع (٩) كلمةٍ واحدةٍ من ذكر الله، وهو حديثٌ صحيحٌ خَتَمَ
_________________
(١) في الأصول: " سبحان الله "، والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) رقم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري، وأخرجه الترمذي (٣٥١٧)، والنسائي ٥/ ٥ - ٦.
(٣) في (د) و(ف): " وتمجيدًا ".
(٤) في (د) و(ف): " تفضيلهما ".
(٥) في (د) و(ف): " يقرأ فيها ".
(٦) رقم (٥٩٧) و(٢٦٩١) من حديث أبي هريرة.
(٧) تقدم تخريجه من حديث أبي ذر. وأخرجه الترمذي (٣٥٤٠) من حديث أنس، وقال: حديث غريب.
(٨) زيادة من هامش (ف).
(٩) في الأصول زيادة: " أن "، والسياق لا يقتضيها.
[ ٩ / ١٤٨ ]
النووي به مباني الإسلام مع شهادة كتاب الله لذلك بما ضربه مثلًا للكلمة الطيبة الواحدة، وكذلك ما ضَرَبَه للخبيثة، ومن شهادته بأن الله هو المتبارك المبارك فيما كان له، الذي لا نهاية لبركته، ومن هنا كانت الحسنات يذهبن السيئات، كما يُذهبُ الماء الكثير الطيب أقذار النجاسات، كما رواه الحاكم (١) عن أنس أن أبا ذرٍّ بال قائمًا، وانتضح من بوله على ساقيه وقدميه، وقال: هذا دواء هذا، ودواء الذنوب أن تستغفروا الله ﷿.
فهذه ستة أحاديث إلى تلك الخمسة والعشرين صارت إحدى وثلاثين حديثًا، ويُشبه أحاديث صلاة التسبيح في النص على غفران الكبيرة حديث: " من قال بعد صلاة الفجر أو العصر أو المغرب وهو ثانٍ رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيءٍ قدير، لم يَنْبَغِ لذنبٍ أن يدركه غيرُ الشرك بالله في يومه ذلك، وكُتِبَتْ له عشرُ حسنات، ومُحِيَتْ عنه عشر سيِّئاتٍ، ورُفِعَ له عشر درجات " الحديث.
وفي روايةٍ: " كانت له بعدلِ عشر رقابٍ مؤمناتٍ، ومُحِيت عنه عشرُ سيئات موبقاتٍ، وكُتبت له عشرُ حسنات موجبات ".
روى الترمذي في ذلك حديثين:
الأول: عن أبي ذرٍّ ﵁، وقال: حديثٌ صحيح حسن غريب وهو اللفظ الأول (٢).
والحديث الثاني: عن عمارة بن شبيب السَّبئيِّ الأنصاري، وقال: حديث
_________________
(١) ٤/ ٢٤١ وصححه ووافقه الذهبي!
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٧٤)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (١٢٧)، من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر. وأخرجه أيضًا النسائي (١٢٦) من طريق شهر، عن عبد الرحمن، عن معاذ. وشهر مختلف فيه، والصوابُ قبولُ حديثه في المتابعات.
[ ٩ / ١٤٩ ]
حسن غريب (١). ويعضُدُه حديثُ: " خيرُ دُعاءٍ دعاءُ يومِ عرفة، وخيرُ ما قلت أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كل شيءٍ قدير "، رواه الترمذي (٢) من حديث عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، ولَفْظُه: " أفضلُ الدعاء يوم عَرَفَه، وأفضلُ ما قُلتُ أنا والنبيون قبلي " الحديث.
وروى الطبراني (٣) نحوه من حديث (٤) علي ﵇ في كتاب المناسك من طريق قيس بن الربيع، ولفظه: " أفضل ما قلت أنا والأنبياء قبلي عشية عرفة " الحديث، وهكذا رواه مالك (٥) في " الموطأ " مرسلًا من وجهٍ آخر ذكر ذلك كله ابنُ كثيرٍ في " الإرشاد " في باب صفة الحج.
قلتُ: قال المِزِّي (٦) في حديث عُمارة المُقَدَّم: رواه الترمذي في الدعوات عن قُتيبةَ عن ليث (٧)، عن الجُلاح أبي كثير، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن عُمارة، وقال: غريبٌ لا نعرفه إلاَّ من حديثِ كثير، ولا نعرف لعُمارة سماعًا من النبي - ﷺ -، ورواه النسائي في " اليوم والليلة " عن قتيبة به، وعن أبي الطاهر ابن
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٣٤)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٥٧٧) وقال الترمذي: ولا نعرف لعمارة سماعًا عن النبي - ﷺ -. وأخرجه النسائي (٥٧٨) من طريق أخرى عن عمارة السبئي أن رجلًا من الأنصار حدثه وإسناده صحيح. ويشهد له حديث أبي أيوب، وأبي هريرة، والبراء، انظر تخريجها في " صحيح ابن حبان " (٢٠٢٣) (٨٤٩) و(٨٥٠).
(٢) رقم (٣٥٨٥) وفيه حماد بن أبي حميد، وهو ضعيف. لكنه يحسن بشواهده.
(٣) في " الدعاء " (٨٧٤) ورجاله ثقات غير قيس بن الربيع، وحديثه صالح في المتابعات والشواهد.
(٤) في (ف): " عن ".
(٥) ١/ ٢١٤ - ٢١٥ عن زياد بن أبي زياد، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلًا. وإسناده صحيح.
(٦) في " التحفة " ٧/ ٤٨٨.
(٧) تحرف في الأصول إلى: كثير.
[ ٩ / ١٥٠ ]
السرح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الجُلاح، عن أبي عبد الرحمن المعافري، أن عمارًا السبئي حدَّثه أن رجلًا من الأنصار حدَّثه نحوه، قال أبو القاسم -يعني ابن عساكر-: وحديثُ عمرو هو الصواب إلاَّ قوله: " عمار " فإنه " عُمارة ".
قلتُ: بمثل هذا يُعْرَفُ فضلُ النسائي، فإن الترمذي مع علمِهِ قد كان حكم بغرابته وأنه لا يعرفه إلاَّ من حديث ليثٍ، فجاء به النسائي عن عمرو بن الحارث إمام الديار المصرية، عالمها، ومُفتيها، وأحد رجال الجماعة كلهم، ووصل انقطاعه، والجلاح ثقةٌ من رجال مسلم، [والترمذي]، والنسائي، وأبي داود، لم يذكره الذهبي في " الميزان " لعدم الاختلاف فيه، وشيخه أبو عبد الرحمن الحُبُلي متفقٌ عليه من رجال الجماعة، فهذا حديثٌ صحيح.
وقد أورد النسائي (١) في هذا المعنى ثلاثة أحاديث: عن أبي ذَرٍّ، واللفظ المقدم له، ورواه الترمذي معه، وقال: حسنٌ غريبٌ صحيح، وعن معاذ، وزاد فيه: " ومن قالهُنَّ حين ينصرف من العصر أُعطي مثل ذلك في ليلته "، وعن أبي أيوبَ بنحوه، ورواه معَهُ ابن حبان، ذَكَرَ ذلك مصنف " رياض الجنة " وغيره.
وروى أحمد (٢) معنى ذلك من حديث أم سلمة مرفوعًا، وهو الحديث ٤٩ من مسندها في " جامع " ابن الجوزي، وفيه دلالةٌ على أن في الحسنات ما يوجبُ الرضا، وله شواهد كقوله لأهل بدرٍ: " اعملوا (٣) ما شئتم " (٤)، وإنما نذكر هذا على جهة الترغيب في العمل، وحسن الظن بأرحم الراحمين.
وقد روى أحمد في " المسند "، وأبو داود، والترمذي عن سمير بن نهار،
_________________
(١) في " عمل اليوم والليلة " (١٢٧) و(١٢٦) عن أبي ذر ومعاذ، ولم يذكر الحديث الثالث عن أبي أيوب كما ذكر المؤلف.
(٢) ٦/ ٢٩٨ وأخرجه الطبراني ٢٣/ (٧٨٧) وفيها شهر بن حوشب. وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١٠٨: وإسنادهما حسن!
(٣) في (ش): افعلوا.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٩ / ١٥١ ]
وقيل: شُتَير بن نهار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: " إن حُسْنَ الظن بالله من حُسْنِ العبادة " (١).
وفي الصحيح، عن النبي - ﷺ - أن الله تعالى يقول: " أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء " (٢) ويشهدُ لذلك من كتاب الله تعالى مثل قوله في الحجرات [١٢]: ﴿واتقوا الله إن الله توابٌ رحيمٌ﴾ فجعل هذين الوصفين الحميدين من البواعث على التقوى، ولذلك هيَّج بذكرهما قلوبَ المتقين عند الأمر بالتقوى.
وأما قوله في غيرها: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا، واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ [الأنفال: ٦٩]، فيحتمل أنه تأكيدٌ لأول آية، ويقوي هذا المعنى ما عُلِمَ من أن المقصود الأعظم في النبوات هو الدعاء إلى توحيد الله، وأن يكون هو المخصوصٌ بالدعاء والعبادة، وهو المذكور في عالم الذر (٣) وفي فتنة القبر وحده وِفاقًا، ألا ترى إلى قوله تعالى في " إبراهيم ": ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وأوْصى (٤) بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين﴾ إلى قوله في وصية يعقوب: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيم﴾، إلى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣]، بل حكى الله ﷿ هذا عن الرسل كلهم.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٧ و٣٠٤ و٣٥٩ و٤٠٧ و٤٩١، وأبو داود (٤٩٩٣)، والترمذي (٣٦٠٤)، وابن حبان (٦٣١)، والحاكم ٤/ ٢٤١. وسُمير بن نهار لا يعرف.
(٢) هذا لفظ حديث واثلة بن الأسقع، ولم يخرجه الشيخان ولا أحدُهما، ولا أصحابُ السنن، وإنما خرجه ابن المبارك في " الزهد " (٩٠٩)، وأحمد ٣/ ٤٩١ و٤/ ١٠٦، والدارمي ٢/ ٣٠٥، وابن حبان (٦٣٣) و(٦٣٤) و(٦٣٥)، والدولابي ٢/ ١٣٧ - ١٣٨، والطبراني ٢٢/ (٢١٠) و(٢١١). وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وليس فيه: " فليظن بي ما شاء ". انظر تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٦٣٩) و(٨١١) و(٨١٢).
(٣) في (د) و(ف): " المذر ".
(٤) هي قراءة نافع وابن عمر، وقرأ الباقون: " ووَصَّى ". انظر " حجة القراءات " ص ١١٥، و" زاد المسير " ١/ ١٤٨.
[ ٩ / ١٥٢ ]
فقال تعالى في سورة السجدة [وهي فصلت: ١٤]: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.
وفي الأنبياء: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاَّ يُوحىَ (١) إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وفي المؤمنين [٢٣ و٣٢] نحو هذا عن نوحٍ وغيره.
وفي يوسف ﵇ [٤٠] نحوه عنه، ويقرُبُ منه قوله في حم عسق [الشورى: ١٣]: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾.
وقريب منه ما ذكرته من تفسير الدين بذلك قوله: ﴿كَبُرَ على المشركين﴾ مع ما تبين في غير هذه الآية من تفسير الدين بذلك كآية السجدة التي تقدَّمت الآن، وما يأتي في تفسير الصراط المستقيم، وكقوله: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه﴾ [البقرة: ٢١٧]، والرِّدَّةُ لا تكون بذنبٍ دونَ الكفر إجماعًا، يؤيده أن هذا هو الصراط المستقيم كما دل عليه القرآن، قال الله تعالى في يس [٦١]: ﴿وأنِ اعبدوني هذا صراطٌ مستقيمٌ﴾.
وقال تعالى حكايةً عن عيسى ﵇: ﴿إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم﴾ [آل عمران: ٥١].
وفي حديث النَّوَّاس بن سَمْعَان عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا على كَنفَي الصِّراط سُوران لهما أبوابٌ مُفَتَّحَةٌ، على الأبواب سُتورٌ، وداعٍ يدعو على رأس الصراط، وداعٍ يدعو فوقه: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [يونس: ٢٥]، والأبواب التي
_________________
(١) هي قراءة غير حمزة والكسائي وحفص، أما هؤلاء فقراءتهم بالنون " نُوحي ". انظر " الكشف عن وجوه القراءات " ٢/ ١٥، و" حجة القراءات " ص ٤٦٦ - ٤٦٧.
[ ٩ / ١٥٣ ]
على كَنَفي الصراط: حدود الله، فلا يقع أحدٌ فيها حتى يكشِفَ السِّتْرَ، والذي يدعو من فوقِه واعظُ ربِّه". رواه النسائي، والترمذي (١) وقال: حسنٌ غريب، وهو من حديث بقية، عن بَحير بن سعد، وروى رزين (٢) نحوه من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وفيه بيان: " أن الصِّراط المستقيم: الإسلام، والأبواب المُفَتَّحة: محارم الله، والستورَ المُرخاة: حدوده، والداعي على رأس الصراط: القرآن ".
وفي حديث معاذ (٣) المتفق عليه: " إن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ". ومن أقامَ الصلواتِ فقد عبد الله وحده لُغَةً مع ما مَرَّ في فَضْلِها، وفضلِ البَرْدَينِ.
وخرَّج الحاكم (٤)، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو حديثًا فيه طول، وفيه عنه - ﷺ -: " أن نوحًا لما حضَرَتْه الوفاة دعا بنيه، فقال: إني قاصٌّ عليكم الوصية، آمُرُكم باثنتين، وأنهاكم عن اثنتين، أنهاكم عن الشرك والكِبرِ، وآمركم بلا إله إلاَّ الله، فإن السماوات والأرض وما فيها لو وُضعت في كَفَّةِ الميزان، ووُضِعَتْ لا إله إلاَّ الله في الكفة الأُخرى، كانت أرجحَ منها، ولو أن السماوات والأرض وما فيها كانت حلقةً، فوُضعت [لا إله إلاَّ الله] عليها لَقَصَمَتْهما، وآمركم بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيءٍ، وبها يُرْزَقُ كلُّ شيءٍ ". رواه الحاكم من حديث الصَّقْعَبِ، عن زيد، وحكى الحاكم عن
_________________
(١) النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٩/ ٦١، والترمذي (٢٨٥٩) من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس. وبقية يدلس، لكنه توبع. فأخرجه أحمد ٤/ ١٨٢ - ١٨٣، والحاكم ١/ ٧٣ من طرق عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي كما قالا.
(٢) نقله عنه ابن الأثير في " جامع الأصول " ١/ ٢٧٥.
(٣) تقدم تخريجه، وانظر تخريجه موسعًا في " صحيح ابن حبان " (٣٦٢).
(٤) ١/ ٤٨ - ٤٩ من طريقين عن الصَّقْعَب بن زهير، عن زيد، بهذا الإسناد وإسناده صحيح.
[ ٩ / ١٥٤ ]
أبي زُرعة أنه ثقةٌ، ولم يُذْكَرْ في " الميزان " بجرحٍ ولا تضعيف (١). وما زال السلف يروون هذه المبشرات بغير مناكرةٍ، وقد جعلها الهيثميُّ فاتحة كتابه " مجمع الزوائد " (٢) فأورد منها في باب فضل الإيمان ما يحصُلُ به التواتر، وذكر من خرَّجها من الأئمة والحُفَّاظ، مع أنها كلها زيادةٌ على ما في دواوين الإسلام الستة. ومما ذكره فيها عن أبي بكر الصديق أربعة أحاديث، وعمر بن الخطاب ثلاثة أحاديث، وسُهيل ابن البيضاء، وأبي موسى، وأبي الدرداء، حديثان، ومعاذ حديثان، وجابر، وأبي هريرة، وأبي سعيدٍ ثلاثة أحاديث، وزيد بن خالد، وسلمة بن نعيم الأشجعي، وأبي شيبة الخُدري أخي أبي سعيد، وشدَّاد، وعُبادة، وابن عمرو، وعمران حديثان، وجرير، وأبي عمرة، وعمارة بن رُويبة، وابن عمر، وخُرَيْم بن فاتِكٍ، وابن عباس، واشترط عدم القتل، وسعد بن عبادة، وعبد الرحمن بن عوف، وأنسٍ، فهؤلاء خمسةٌ وعشرون صحابيًا رَوَى عنهم خمسة وثلاثين حديثًا في هذا المعنى غير ما في الكتب الستة مما ذكره ابن الأثير في (٣) " جامع الأصول " (٤)، عن عُبادة (خ م ت)، وأنسٍ (ت)، والخدري (ت)، وأبي هريرة (خ م)، ومعاذ (خ م ت د)، وأبي ذرٍّ (خ م ت)، وابن مسعود (خ م)، وعُتْبانَ بن مالك (خ م)، وأبي هريرة (خ)، ﵃، وكذلك سائرُ أحاديث سؤال الملكين كلها صريحةٌ في نَجاتِه بالشهادتين فقط، ورُواتها سبعةُ صحابة، وأحاديثها عشرةٌ، منهم أنسٌ، والبراءُ متفقٌ على حديثهما (٥) وبقيتها في " الجامع " (٦) و" مجمع الزوائد " (٧).
_________________
(١) هذا يوهم أن الذهبي ترجمه في " الميزان "، وليس الأمر كذلك، والصَّقعب بن زهير ترجمه في " تهذيب التهذيب " ونقل عن أبي زرعة توثقيه، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في " الثقات ".
(٢) ١/ ١٤ - ٢٤.
(٣) في (د) و(ف) زيادة " أول "، وهو خطأ.
(٤) ٩/ ٣٥٥.
(٥) سيأتي تخريجهما، وانظر " صحيح ابن حبان " (٣١١٧) و(٣١٢٠) و٧/ ٣٨٧.
(٦) ١١/ ١٧٣ - ١٧٩.
(٧) ٣/ ٤٧ - ٥٤ وفيه حديث أبي سعيد الخدري، وجابر، والبراء، وأبي هريرة، وعبد =
[ ٩ / ١٥٥ ]
الخوف من الله شعار الصالحين
وأما الأمان فلا سبيل إليه، بل الخوفُ واجب، وهو شعار الصالحين، وقد كان ابن مسعود يقول: وَدِدْتُ أن الله غَفَرَ لي ذنبًا من ذنوبي، ودُعيتُ عبد الله بن روثة، بل في البخاري (١) أن عثمان بن مظعون لما تُوفي قالت زوجته: هنيئًا لك الجنة، فقال رسول الله: " وما يدريك، والله إني رسول الله وما أدري ما يُفْعَلُ بي " فقالت: لا أُزَكِّي بعده أحدًا أبدًا. وإنما المراد: الذبُّ عن السنن الصحيحة، وعن رواتها الثقات، وتلقي ما رُوِيَ بالإيمان مع الرجاء والخوف، وما زالَ المسلمون يروون المُكَفِّرات ويستبشرون بها، سواءٌ كانت من الأعمال أو من المصائب، ولا مانع أن تكون الفرائض والنوافل أو بعضُها مع أجر الآلام والمصائب والإيمان بالله ورسله، ومقابلة المصائب بالحمد والشكر مُكَفِّرَةً لذنوب بعض أهل الجنة، كما أن اجتناب الكبائر مكفِّرٌ لذنوب بعضهم، ورافعٌ لدرجتهم.
وفي " شرح مسلم " (٢) للنووي في فضل الوضوء قوله: " ما لم يُؤتِ كبيرةً " (٣):
قال القاضي عياض: هذا مذهب أهل السنة، أن الكبائر (٤) إنما تكفِّرها التوبة أو رحمة الله وفضلُه.
قال النووي: وقد يُقالُ: إذا كفر الوضوء الصغائر، فماذا تكفِّرُ الصلوات، والجمعات، ورمضان، ويومُ عرفة، ويوم عاشوراء؟!
والجواب: ما أجاب به العلماءُ أن كل واحدٍ من هذه صالحٌ للتكفير إلى قوله: فإن صادف كبيرةً أو كبائر ولم يُصادف صغيرة، رجونا أن يخفف من الكبائر. انتهى.
_________________
(١) = الله بن مسعود، وابن عباس.
(٢) رقم (١٢٤٣) و(٢٦٨٧) و(٣٩٢٩) و(٧٠٠٣) و(٧٠٠٤) و(٧٠١٨) بغير هذا اللفظ.
(٣) ٣/ ١١٢.
(٤) تقدم تخريجه من حديث عثمان ص ١١٩.
(٥) في (ش): " الكبيرة ".
[ ٩ / ١٥٦ ]
الدنيا دار بعض الجزاء للمؤمنين وللكافرين
وقد ثبت أن الدنيا دار بعض الجزاء، أما للمؤمنين، فعلى ذنوبهم، كما ورد في الأحاديث الصحاح، وستأتي، ويشهد لها من كتاب الله قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُون﴾ [الروم: ٣٦]، وكذا قد تقدم لهم شيءٌ من ثوابهم لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [النحل: ٩٧].
وفي هذا آياتٌ كثيرةٌ قد ذكرتُها في غير هذا الموضع، وأما الكفار فهم على العكس من حال المؤمنين، لا يُجْزَوْنَ في الآخرة بشيءٍ من حسناتهم، بل جزاؤهم عليها تقدم في حياتهم الدنيا إن كان لهم عليها أجرٌ، وقد ورد بذلك خبرٌ مرفوعٌ رواه مسلم في التوبة، عن أبي بكر، وزهير، وأحمد في " المسند " ثلاثتهم، عن يزيد بن هارون، عن همام بن يحيى، [عن قتادة]، عن أنس، عن النبي - ﷺ -. ولفظه: " إن الله لا يظلم المؤمن حسنةً يُعْطَى عليها في الدنيا، ويُثابُ عليها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعَمُ بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنةٌ يُعطى بها خيرًا " (١) تفرد به مسلم وإسناده على شرط الجماعة كلهم.
وقد قال الله تعالى في هذا المعنى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٧]، لأن سيئات المؤمنين مُكَفَّرةٌ فلم يُجْزَوا إلاَّ بأحسنَ، وحسنات الكافرين مُحْبَطَة فلم يجزوا إلاَّ بالأسوأ، ومثل ذلك قوله تعالى فيهم: ﴿وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ [الزمر: ٤٨]، فثبت أن الدنيا دارٌ لبعض الجزاء، أما المؤمن فبسيئاته إن لم تُغفر، وشيءٍ قليلٍ من ثواب حسناته، وأما الكافر فبحسناته إن
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ١٢٣ و٢٨٣، ومسلم (٢٨٠٨)، والطيالسي (٢٠١١)، وابن حبان (٣٧٧)، والبغوي (٤١١٨).
[ ٩ / ١٥٧ ]
بيان أنه لا معارضة بين الآيتين: ﴿إن تجتنبوا﴾ و﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾
لم تُحْبَطْ بالمرَّة، وشيءٍ قليلٍ من عقابه، وهو الذي سمَّاه الله تعالى في كتابه بالعذاب الأدنى حيث قال سبحانه: ﴿ولَنُذِيقَنَّهُم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون﴾ عكس هذا قوله تعالى فيمن لَطَفَ به: ﴿كذلك يُتِمُّ نعمته عليكم لعلكم تسلمون﴾ [النحل: ٨١] فلله الحكمة البالغة وهو أعلم بما يُصْلِحُ عباده، وبما يستحقونه من العقوبات، أو الملاطفات، أو المسامحات، ولا قاطع بأيدي الخصوم يرفع هذه النصوص في تكفير ذنوب بعض المؤمنين في الدنيا كما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيم﴾ [النحل: ٤٧].
الوجه الثالث من الجواب: وهو التحقيق أنه لا معارضة بين الآيتين بل قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا﴾ [النساء: ٣١]، بيان حكم المجتنبين، وليس فيه ذكرٌ لحكم مرتكبي الكبائر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] بيان حكم مرتكبي الكبائر الذي لم يُبين في الآية الأولى إلاَّ من طريق مفهوم المخالفة، فإن المفهوم منها أن حكم المرتكبين يخالف حكم المجتنبين على سبيل الإجمال، وليس من شرط المخالفة أن يستوي جميع أهل الكبائر في الأحكام، فإن أحكامهم مختلفة بالإجماع في الدنيا والآخرة، وليس حكم الشرك وأهله حكم المرتكبين لشيءٍ مما دونه من الكبائر وأهلها عند أحدٍ إلاَّ الخوارج الموارق، وقد قال الخليل ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، فلم يلزم في من عصاه أن يكون مقطوعًا له بنقيض ذلك، بل اكتفى في مخالفته لمن يتبعُه (١) بأنه في حكم المشيئة، ومتبعه مقطوعٌ له بالنجاة، ومدارُ حجتهم على صحة مفهوم المخالفة، وصحته ظنيةٌ، وكيف يبنون على الظن مسألة قطعية.
_________________
(١) في الأصول: " لمن اتبعه ".
[ ٩ / ١٥٨ ]
وإنما قلت: إن صحته ظنيةٌ، لأن الخلاف فيها شهيرٌ بين علماء الإسلام، وممن ينفي صحته أبو حنيفة وأصحابه، وهو إمام الزمخشري وكثير من المعتزلة، والأدلة من الجانبين ظنيةٌ، وهذه الآية من مفهوم الشرط أحد أقسام مفهوم المخالفة، وقد خالف في صحته مع الحنفية قاضي القضاة عبد الجبار، وأبو عبد الله البصري، والباقلاَّنيُّ، كل هؤلاء نَفَوْا كونه حجةً ظنيةً في الفروع كيف في القطعيات (١).
ومن أدلتهم: أنه قد وُجد الشرط من غير مخالفة في كثيرٍ من المواضع، مثل ما اتفق عليه الجمهور من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾ [النساء: ٢٥]، لأنه عند الجمهور كذلك وإن لم يُحْصَنَّ، ولم يقل أحدٌ بتأثيم من خالف في مفهوم المخالفة كله، كيف في مفهوم الشرط وحده، وعلى تسليم أنه حجة ظنية فلا يلزم عند أحدٍ من القائلين به أن يكون ما خالف (٢) الشرط على ضدِّ حكمه بنفي مخالفه كما ذكرنا في كلام الخليل ﵇، وأيضًا فشرطُ مفهوم المخالفة عند جميع من يقول به أن لا يكون تخصيص المذكور بالذكر محتملًا للموافقة بسببٍ من الأسباب، وقد بيَّنَّا في ما تقدم في الكلام على تكفير الصلوات الخمس لما بينها من الذنوب أنه قد صح أن كتم بعض المبشرات مقصود للنبي - ﷺ - في بعض الأحوال، ولذلك صحَّ أنه قال: " من مات له ثلاثةٌ من الولد لم يبلُغُوا الحِنْثَ لم تمسَّه النار إلاَّ تحِلَّةَ القسم " قالوا: واثنان، قال: " واثنان "، قال بعضهم: ولو استزَدْناه لزادنا (٣).
قلت: وقد صح في الواحد حديث خرَّجه البخاري لكن بلفظ الصَّفِيِّ كما
_________________
(١) انظر " شرح مختصر الروضة " ٢/ ٧٢٥. وأبو عبد الله البصري: هو الحسين بن علي الفقيه المتكلم المعتزلي الحنفي، صاحب التصانيف، المُلَقَّب بالجُعل، المتوفى سنة ٣٦٩ هـ. انظر " سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٢٢٤.
(٢) في (ش): " مخالف ".
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٧.
[ ٩ / ١٥٩ ]
تقدم (١)، ودل على أن المفهوم في نحو ذلك ليس بحجةٍ بخلاف الحلال والحرام الذي لا كتم فيه بالاتفاق، وهذه فائدة مهمةٌ ولله الحمد والمِنَّةُ.
فإذا ثبت ذلك نزلنا الآيتين منزلة الآية الواحدة، فكأنه عقيب آية الاجتناب قال (٢): وإن لم تجتنبوا فإن الله لا يغفر أن يُشْرَكَ به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وفي هذا مخالفةٌ ظاهرة لحكم المجتنبين، لأن مخالفيهم ما بين مشرك لا يُغفر له، وصاحب كبيرة موقوفٍ تحت المشيئة يرجو المغفرة، ويخاف العقوبة، وقد خصَّ الله تعالى المجتنبين بالقطع لهم بتكفير سيئاتهم بحسناتهم، والوعد الصادق بالمدخل الكريم، وهذا ظاهر القرآن، ومقتضى الجمع بين الآيات على الإنصاف بالنظر الصحيح، كيف وقد تواترت الأخبارُ الصحيحة بذلك بنقل الصحابة والتابعين وخيار المسلمين خَلَفِهم عن سلفهم، وإن جَهِلَ ذلك، أو جَحَدَه من عادى السُّنن وأهلها كالخوارج ومن شابههم وما ضَرُّوا -ولله الحمد- إلاَّ أنفُسَهم، ولكن لا بد من إيراد بعض (٣) ما يتمسك به المخالف ليتضح الحقُّ من الباطل، فمما تمسكوا به أن هذه الآية مجملةٌ لقوله: ﴿لمن يشاء﴾.
والجواب: أن المغفرة تُعدَّى إلى مفعولين مغفورٍ، ومغفور له، والله تعالى لم يُجمِلِ الذنب المغفور، بل جعله ما دون الشرك، وإنما أجمل صاحب الذنب المغفور له لوجهين:
أحدهما: أنه سبحانه صادق الوعد فلو لم يُقَيِّدْ ذلك بالمشيئة لزم أن يدخل فيه ما دون الشرك من ذنوب المشركين.
وثانيهما: أنه سبحانه لطيفُ الحكمة، ولم يكن لِيُؤَمِّنَ أهلَ الكبائر لما في
_________________
(١) ص ١٣٨.
(٢) زياده من هامش (ش)، وكتب فوقها: ظ، أي: الظاهر.
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٩ / ١٦٠ ]
ذلك من الفساد، فإنه سبحانه لم يؤمِّن أهل الفضائل لما في الخوف من مصلحة العباد، وقد قال تعالى فيمن عَبَدَه المشركون لفضله كعيسى والملائكة: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧].
وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ [الزمر: ٩].
بل قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال تعالى فيمن أثنى عليه في كتابه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال خليل الله ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين﴾ [الشعراء: ٨٢]، ولم يقل: والذي يغفرُ لي، كما قال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِين﴾ [الشعراء: ٧٩ - ٨١]، بل جَزَمَ في جميع هذه الأفعال، وجعل هذه المغفرة مرجُوَّةً لا مقطوعةً مع رفيع منزلته عند الله، ومع عظيم رجائه، حيث قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، فكذلك فليكن العلماء.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٧ - ٢٨]، فخَوَّفَهم سبحانه لصلاحهم، كما أنه لم يُقَنِّطِ المسرفين من رحمته لما في القنوط من الفساد أيضًا، فإن الخوف والرجاء جَنَاحَا العمل، ولا يقوم الطائر إلاَّ بجناحيه مع الأكثرين، ومتى عُدِمَ أحدُهما كان القنوط أشدَّ فسادًا، ولذلك لم ينتقص رسول الله - ﷺ - من عمله ولا مناقبه بعد غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر من ذنبه.
[ ٩ / ١٦١ ]
ضعف حديث: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" في الحاشية
ويُروى (١) عنه - ﷺ - أنه قال: " نِعْمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه " (٢) وكثير من أهل الصلاح يعمل على المحبة، ولذلك كان في المرجئة من يَعْظُمُ خوفُه وتقواه، وأما من أَيِسَ وقَنَطَ من الرحمة ورضيَ وعَلِمَ أنه مغضوبٌ عليه غيرُ مقبول منه، فإنه يكون أقرب إلى عدم الداعي إلى الطاعة، فلأجلِ تخويف المسلمين وصلاحهم.
قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع إخراج كبائر الكفار وإن كانت المرجئة تزعم أنه تعالى ما قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إلا ليخرج كبائر أهلِ الكفر، وستأتي أدلتُهم، فإنهم أيضًا يقولون: الخوف باقٍ للجهل بالخواتمِ والسوابق، ويذكرون في مثل ذلك قصة بَلْعَم (٣)، وقصةَ مانعِ
_________________
(١) في (ش): " ورُوي ".
(٢) قال السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص ٤٤٩: اشتهر في كلام الأصوليين وأصحاب المعاني وأهل العربية من حديث عمر، وذكر البهاء السبكي أنه لم يظفر به في شيء من الكتب، وكذا قال جمع جم من أهل اللغة، ثم رأيت بخط شيخنا -أي: الحافظ ابن حجر- أنه ظفر به في " مشكل الحديث " لأبي محمد بن قتيبة، لكن لم يذكر له ابن قتيبة إسنادًا، وقال: أراد أن صهيبًا إنما يطيعُ الله حُبًّا لا لمخافة عقابه. وانظر " كشف الخفاء " ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
(٣) وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]. أخرجه النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٧/ ١٥٠، والطبري (١٥٣٨١) و(١٥٣٨٢) و(١٥٣٨٣) و(١٥٣٨٤) و(١٥٣٨٥) و(١٥٣٨٦) من طرق عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن أَبَر. وهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٦٠٨ وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والطبراني، وابن مردويه. وأخرجه الطبري (١٥٣٨٧) عن ابن عباس أنه بلعم بن باعر. وأخرجه الطبري (١٥٤١٧) بإسناد لا يصح لانقطاعه عن ابن عباس قال: لمَّا نزل موسى =
[ ٩ / ١٦٢ ]
بيان ضعف قصة ثعلبة بن حاطب في الحاشية
الصدقة (١) الذي نزلت فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، وقيل: إنه
_________________
(١) = ﵇يعني بالجبارين- ومن معه، أتاه -يعني بلعم- أتاه بنو عمه وقومه، فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادعُ الله أن يردَّ عنا موسى ومن معه قال: إني إن دعوتُ الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله مما كان عليه، فذلك قوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
(٢) وهو ثعلبة بن حاطب، رواها بطولها الطبري (١٦٩٨٧)، والطبراني (٧٨٧٣)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٥/ ٢٨٩ - ٢٩٢ من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم، عن أبي أمامة فذكر قصة ثعلبة. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٢٦٤ وزاد نسبته إلى الحسن بن سفيان، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والعسكري في " الأمثال "، وابن منده، والباوردي، وأبي نعيم في " معرفة الصحابة "، وابن مردويه، وابن عساكر. وهي قصة ضعيفة جدًا سندًا ومتنًا. أمَّا السند، ففيه معان بن رفاعة، وهو لين الحديث، عامة ما يرويه لا يتابع عليه، قال ابن حبان: منكر الحديث، يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام مجاهيل، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، فلما صار الغالب في رواياته ما ينكره القلب، استحق ترك الاحتجاج به، وعلي بن يزيد الألهاني: منكر الحديث، ضعيف جدًا. والقاسم -وهو ابن عبد الرحمن الشامي- في أحاديثه غرائب. وقال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يُروى موصولًا بأسانيد ضعاف. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٣٢ وقال: وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك، وقال الحافظ ابن حجر في " تخريج أحاديث الكشاف " ص ٧٧: وهذا إسناد ضعيف جدًا. وأما المتن ففيه ما يستنكر، لأن الأموال التي تجب فيها الزكاة مما هو مشاهد كان العمال الموظفون من قبل الرسول - ﷺ - والخلفاء بعدهم يأخذونها من أصحابها، وإذا امتنع أحدهم كانت تؤخذ منهم قهرًا، وإذا اعتصبت جماعة، وامتنعت من دفعها، كانوا يقاتلون، وهذا ما فعله الخليفة أبو بكر ﵁، فكيف يذكر في القصة أن ثعلبة لم يدفعها إلى عمال النبي - ﷺ -، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر، ثم إن الآيات التي وردت في القصة إنما وردت في حق المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فهي لا تنطبق على المسلم الذي =
[ ٩ / ١٦٣ ]
بدري، ولم يَصِحَّ أنه بَدْري (١).
وبقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون﴾ [الروم: ١٠] على أحد الاحتمالات، وأحد التفسيرين، ومجرد الاحتمال يوجب الخوف.
وقد خرَّج الحاكم (٢) ما يشهد لذلك في تفسير الحشر من " المستدرك " فقال: أخبرنا أبو زكريا العنبري، أخبرنا محمد بن عبد السلام، أخبرنا إسحاق، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن حُميد بن عبد الله السلولي، عن علي ﵇: كان راهبٌ يتعبد في صومعةٍ، وإنَّ امرأةً زينت له نفسها، فوقع عليها، فحملت، فجاءه الشيطان، فقال له: اقتُلْها، فإنَّهم إن ظهروا عليك افتُضحت فقتَلَها، فدفَنَها، فجاؤوه، فأخذوه [فذهبوا به فبينما هم يمشون]، إذ جاءه الشيطان، فقال له: أنا الذي زينتُ لك، فاسجُدْ لي سجدة
_________________
(١) = يخل في بعض الفرائض. وقال العلامة محمد رشيد رضا ﵀ في " تفسيره " ١٠/ ٥٦١: وفي الحديث إشكالات تتعلق بسبب نزول الآيات، وظاهر سياق القرآن أنه كان في سفر غزوة تبوك، وظاهره أنها نزلت عقب فرضية الزكاة، والمشهور أنها فرضت في السنة الثانية وفيه خلاف، وبعدم قبول توبة ثعلبة، وظاهر الحديث ولا سيما بكائه أنها توبة صادقة، وكان العمل جاريًا على معاملة المنافقين بظواهرهم، وظاهر الآيات أنه يموت على نفاقه، ولا يتوب عن بخله وإعراضه، وأن النبي - ﷺ - وخليفتيه عاملاه بذلك لا بظاهر الشريعة، وهذا لا نظير له في الإسلام.
(٢) انظر " الإصابة " ١/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٣) ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وحميد بن عبد الله السلولي لم أعثر له على ترجمة. وأخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ٢١٣، والطبري في " جامع البيان " ٢٨/ ٤٩ من طريق النضر بن شميل، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن نهيك، عن علي. وعبد الله بن نهيك لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه غير أبي إسحاق. وذكره السيوطي في " الدر " ٨/ ١١٦ وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن راهويه، وأحمد في " الزهد "، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في " الشعب ".
[ ٩ / ١٦٤ ]
أُنْجيك، فسجد له، فأنزل الله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْك﴾ [الحشر: ١٦]. صحيح الإسناد.
والتفسيرُ الثاني: أن السوأى هي النار، وقوله: ﴿أنْ كَذَّبوا﴾ تعليل، ذكره البغوي والهروي والجوهري في " الصحاح " (١)، قال: ﴿السُّوأَى﴾ في الآية: النار، والله أعلم.
ولو لم تؤدِّ المعاصي إلى الكفر في الخاتمة، فإنها من غير شكٍّ تؤدي إلى ضعف الإيمان وقلته، كما دلت عليه آيةُ الظهار.
وقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وحديث: " لا يزني الزاني وهو مؤمنٌ " (٢). وحديث: " أعوذ بك أن يتخبَّطَني الشيطانُ عند الموت " (٣) فيخافُ صاحبُ المعاصي أن يسلَّطَ عليه الشيطان ولو عند الموت، بما يُزيل إيمانه أو يُضعفه، فيدخل النار حين يضعف إيمانه على قول أهل الرجاء كما تقدم (٤) في الجمع بين حديث: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلاَّ الله " وحديث الشفاعة لمن في قلبه مثقالُ حبةٍ من إيمانٍ، والله أعلم.
وليس يلزم من إجمال أحد المفعولين، إجمالُ المفعول الآخر مع بيانه، ولا الإجمال فيما يسري بالمجاورة، كسَرْي النجاسة في الماء، ولذلك لم يرتضِ هذا الخيال الزمخشري في " كشافه " واضطَرَّ مع حِذْقِه في فَنِّه إلى ما لا يليق بمثله، وأنا أُورد كلامه بنصِّه، وما يرد عليه ليتضح ما ذكرت، فأقول: قال في " كشافه " (٥): فإن قلت: قد ثبت أن الله يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون ذلك من الكبائر إلاَّ بالتوبة، فما وجهُ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
_________________
(١) انظر " تفسير البغوي" ٣/ ٤٧٨، و" الصحاح " ١/ ٥٦.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) وانظر ص ١٢٠.
(٥) ١/ ٢٧٣.
[ ٩ / ١٦٥ ]
الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ..﴾ قاضية بالتفرقة بين الشرك وما دونه
قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعًا موجَّهين إلى قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أن المراد بالأول من لم يتُبْ، وبالثاني: من تابَ، ونظيره قولُك: إن الأمير لا يبذُلُ الدينار، ويبذل القنطار لمن يشاء، يريد: لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. انتهى بحروفه.
ولو كان ممن لا يعرف العربية والمعاني والبيان لَعيبَ عليه هذا، كيفَ وهو من أئمةِ هذا العلم بلا خلافٍ!.
ولنتكلمْ على إيضاح غَلَطِه الذي لا يخفى على من هو دونه في تأويله وتمثيله.
أمَّا تأويله: فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: أن محصول كلامه أنه لا فَرْقَ بين الشرك وغيره في هذه الآية، فإن الشرك لا يُغْفَرُ إلاَّ مع التوبة، وكذلك ما دونه، وهما كلاهما لا يُغفران من غير توبة، وهذا حاصلُ كلامه على ما نُقرره.
والآية قاضيةٌ بالتفرقة بين الشرك وما دونه كما يقضي بذلك كلُّ ذَوْقٍ سليم، وفهم مستقيم، ولو كانت كما زَعَمَ لكان صواب التعبير عن ذلك عند كُلِّ من يعرفُ لسان العرب: إنَّ الله لا يغفر لمن لا يتوب، ويغفر لمن يتوب، أو: إن الله يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء، كما قال في غير آيةٍ من دونِ فرقٍ بين الشرك وغيره، ألا ترى كيف قال سبحانه حيث أراد المغفرة بالتوبة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، ولم يُفَرِّقْ بين شركٍ وغيره، ولذلك قال بعدها لرفع الالتباس: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَاب﴾ [الزمر: ٥٤]، فلمَّا فرَّق بين الشرك وما دونه في المغفرة لم يكن ذلك موجهًا إلاَّ إلى التوبة، ولذلك قال أهل التفسير: إن هذه الآية في مغفرة الآخرة بالتفَضُّلِ، وتلكَ في مغفرة
[ ٩ / ١٦٦ ]
الدنيا بالتوبة. ذكره ابن عبد البر في " التمهيد "، وهو من أحسن الجمع وأوضحه، وأما الزمخشري فمحصول تأويله: أن الله أراد أن يُفَرِّقَ بين التائب وغيره، فجاء بالفرق بين الشرك وما دونه ليُفْهَمَ منه الفرق بين التائب، وغيره، فالعجبُ كيف جاء مثلُ هذا في أبلغ الكلام، مع أن الشرك ليس هو الإصرار، ولا هو بلازمهِ عقلًا، ولا ما دون الشرك هو التوبة لغةً، ولا بلازم التوبة عقلًا، بل قد يتوب المشرك وقد لا يتوب غير المشرك، فما الملجىءُ في أفصح الكلام وأبلغه إلى التعبير بالشرك عن المُصِرِّين وبما دونه عن التائبين، ولو قصد الفرقَ بين التائب وغيره العَييُّ من الناس الذي يجوز عليه الخطأ ما وقع في مثل هذه العبارة البعيدة من مراده، بل الدَّالة على ما يُخالِفٌ مراده، ويُفْهَمُ منه غيره، فالله المستعان.
فإن قيل: ما المانعُ أن يكون الله أراد ما ذكره الزمخشري على سبيلِ المجاز والكناية لما في ذلك من البلاغة على عادةِ بُلغاء العرب!!
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن شرط ذلك أن يدل عليه دليلٌ هو أحدُ القرائن الثلاث التي ذكرها علماء المعاني، ولولا تقييد صحة المجاز بذلك لصحَّ مذهب الباطنية، وادعى كل من شاء ما شاء في تأويله، وذلك مبطلٌ لفائدة تنزيله.
وثانيهما: ما ذكره الإمام المؤيَّدُ، والجاحظ في " إثبات النبوات " في الرد على ابن المُقَفَّع، حيث عارضَ القرآن بتلك الفصول الركيكة التي منها قوله: وأما الذين يزعمون أن الشك في (١) غير ما يفعلون.
قالا (٢): هذا كلام مسترذل من ألفاظ العامة والسُّوقة، لأنه أراد أنهم نَفَوْا الشكَّ عما كانوا يفعلون (٣). فلم يُصَرِّحْ به، وإنما أثبته في غير ما يفعلون،
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " فإن ".
(٣) في (ش): " يعملون ".
[ ٩ / ١٦٧ ]
ولعمري إن الفصيح قد يعدِلُ عن التصريح إلى التلويح، لكن على وجهٍ يكونُ أبلغ من التصريح، ويكون ذلك لغرضٍ صحيح. إلى آخر ما ذكراه في هذا الفصل في إثبات النبوات، وهذا مُجَوَّد في علم المعاني، والشيخ لا يُؤْتى فيه من عدم المعرفة ولا من قلَّتِها، وإنما اضطره اعتقاده إلى ما وقع فيه، فإذا تقرَّرَ هذا، فمحالٌ أن تجيء العبارة هكذا عن اختيارٍ مع حكم تقدير أن مراده بيانُ ما ذكره الزمخشري من الفرق بين التائب وغيره على كل تقدير، فبَطَلَ ما أدَّى إلى هذا الباطل، والحمد لله الذي هدانا لهذا وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.
وقد رُوِيَ عن أمير المؤمنين علي ﵇ أنه قال: ما في القرآن آيةٌ أحبُّ إليَّ من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. رواه الترمذي، وقال (١): حديث حسن غريب.
وقال الحاكم في " المستدرك " (٢) في تفسير سورة النساء: حدثنا أبو العباسِ محمد بن يعقوب، أخبرنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكرٍ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بِشْر (٣) العَبْدي، حدثنا مسعرُ بن كِدامٍ، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، [عن] عبد الله بن مسعود قال: إن في سورة النساء لَخَمْسَ آيات ما يَسُرُّني أن لي بها الدنيا وما فيها، ثم عدَّها، وعَدَّ فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وصححه الحاكم عند من يقول إن عبد الرحمن سمع من أبيه، فإن في ذلك خلافًا بين الأئمة.
قلت: المثبت أولى من النافي، وذكر الذهبي في " الميزان " (٤) عن ابن معين
_________________
(١) رقم (٣٠٣٧) وفي إسناده ثُوير بن أبي فاختة، وهو ضعيف.
(٢) ٢/ ٣٠٥. وأخرجه الطبراني في " الكبير " (٩٠٦٩) من طريق سفيان، عن مسعر، بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٢: ورجاله رجال الصحيح.
(٣) تحرفت في الأصول إلى: " قنبر ".
(٤) ٢/ ٥٧٣.
[ ٩ / ١٦٨ ]
قولين في ذلك، وأن النفاة استصغروه، فالظاهر أنه استبعادٌ، وحديثه عن أبيه في السنن الأربع وعلى تسليم الانقطاع، فإنه أعرف الناس بحديث أبيه، فهو منقطعٌ جيد، وهو حُجَّةٌ عند الخصم وحده، وإنما هو معنا شاهدٌ.
وروى الزمخشري هو في " كشافه " (١) في تفسير قولي تعالى: ﴿يُريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء: ٢٧] عن ابن عباس أنه قال: في سورة النساء ثماني آياتٍ هي خيرٌ لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس، وعدَّ هذه الآية منها (٢).
وتقدم أن الطبراني روى عن ابن عمر أنهم كانوا لا يستغفرون لأهل الكبائر حتى نزلت، فرجَوْا لهم ثم استغفروا (٣)، وهؤلاء عليٌّ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر ﵃ من أهل الفهم الصحيح، وفهمُهم مقدَّمٌ على كل أديبٍ وفصيحٍ، فلو فَهمُوا ما فَهِمَه الزمخشري ما كانت أحبَّ آيةٍ في القرآن إلى أمير
_________________
(١) ١/ ٢٦٤.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في " تخريج أحاديث الكشاف " ص ٤٢: أخرجه البيهقي في " الشعب " (٧١٤١) في الباب السابع والأربعين من رواية صالح المُرِّي عن قتادة قال ابن عباس فذكره، وهو عند الطبري من هذا الوجه، وصالح ضعيف، وقتادة عن ابن عباس منقطع.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٥٨١٣)، والبزار (٣٢٥٤) من طريق شيبان بن أبي شيبة، عن حرب بن سريج، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نُمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: " إني ادَّخرتُ دعوتي شفاعةً لأهل الكبائر من أمتي " قال: فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعدُ ورَجَوْنا. وهذا حديث حسن. وقال البزار: لا نعلم رواه عن أيوب إلاَّ حرب، وهو بصري، لا بأس به. وذكره الهيثمي في " المجمع " في موضعين ٧/ ٥ و١٠/ ٢١٠ - ٢١١ فقال في الأول: رجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة، وقال في الآخر: إسناده جيد. وأورده في ١٠/ ٣٧٨ من حديث ابن عباس وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه حرب بن سريج وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف! ويشهد له ما رواه الطبراني (١٣٣٦٤) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كُنَّا نَبُتُّ على القاتل حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
[ ٩ / ١٦٩ ]
المؤمنين، وباب مدينة العلم، وإمام الراسخين، ولا كانت عند ابن عباس المُسَمَّى بالبحر والحَبْرِ خيرًا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس، ولا فرَّقَ عبدُ الله بن عمر وأصحاب رسول الله - ﷺ - بين حال أهل الكبائر قبل نزولها وبعده، وإنما ذكر الصحابة معه لأنه قال: كنا، وهذه العبارة تقتضي رواية إجماع الصحابة عند أهل العلم، وقد روى الزمخشري من هذه الآثار الثلاثة أثر ابن عباس فإن كان باطلًا، فما ينبغي له أن يرويه، ويسكُتَ عنه في كتابٍ سماه تفسيرًا لكلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يُدْخِلَ في تفسيره شيئًا من الباطل، وإن كان حقًَّا، لَزِمَه ألاَّ يخالفَ معناه ومفهومه بالتأويلات المتعسَّفة، والتمحُّلات المُتَكَلَّفة، وما أشد مراء في ادعى أن هذه الآية لا تدل على التفرقة بين الشرك وما دونه ولا تخص الشرك بشيءٍ من التغليظ، ولا يُفْهَمُ منها أن ما دونه يختص بنوعٍ من التخفيف، وقد أردف الله تعالى هاتين الآيتين معًا بما يدلُّ على ما ذكرته، فقال عقيب الأولى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وقال عقيب الثانية: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وهذا يضطرُّ العاقل مع النصِّ المُكَرَّرِ فيهما المؤكد أن المرادَ بالفرق بين الشرك وما دونه، وأن الشركَ لكونه أغلظ مما دونه وأقبح وأفحش وأنكر، استحق زيادة تغليظٍ في العقوبة، والتشديد في الوعيد، والامتياز في الحكم المُغَلَّظِ في الدنيا والآخرة.
وكيف يَصَحُّ في الأذهانِ شيءٌ متى احتاج النهارُ إلى دليلِ (١)
ولكن القصد التقرب إلى الله بتفهيم من أضرب عن تأمُّلِ (٢) الجَليَّات وتذكير من غَفَلَ عن الضروريات.
الوجة الثاني: أن توجيه النفي إلى قوله: ﴿لمن يشاء﴾، يُفْسِدُ المعنى، لأن أهل البلاغة لا يقولون في من يعفو عن بعض المذنبين دون بعض على
_________________
(١) هو للمتنبي ديوانه ٣/ ٩٢ بشرح العكبري.
(٢) في (ش): " عن من تأمل ".
[ ٩ / ١٧٠ ]
حسب مشيئته وحكمته: إنه لا يغفر لمن يشاء بالنفي، بل يقولون: إنه يغفرُ لمن يشاء، لأن الإثبات يُعطي هذا المعنى على أوضح ما يكون، فإذا أدخلت حرف النفي على هذا المعنى الصحيح البَيِّن، عَمَّاه، وغيَّره، وأوهم بمفهومه أنه لا يغفر لمن يشاء بالنفي، لكن (١) يغفر لمن لا يشاء، ولا يغفر لمن لا يشاء إلا المكرَهُ غير المختار، لأن حرف النفي إن دخل لغير فائدةٍ لم يكن كلام حكيم، ولا كلام فصيحٍ، وأقلُّ أحوال القرآن أنه كلامٌ بليغٌ، وإن كان حرف النفي دخل لفائدة، فلا تكون فائدته إلاَّ بتغيير المعنى الذي كان مفهومًا قبل دخوله، لأنه موضوعٌ لنفي ما دخل عليه، وقد كان المعنى قبله أن له المشيئة في المغفرة، فلما دخل نَفَى ما دخل عليه كما هو موضوعٌ لذلك، فصار المعنى أنه لا مشيئة له في المغفرة ولا اختيار، وهذا نقيض معنى الآية، ونقيض المعلوم ضرورةً من الدين، ومن إجماع المسلمين.
الوجة الثالث: أن أهل علم العربية -الذي هو أحدُ أئمته- قد ضعَّفوا مثل هذا فيما كان عمدةً من الكلام، والعمدة عندهم ما لا يَتِمُّ الكلام إلاَّ به، ومَثَّلُوا ذلك الذي ضَعَّفُوه، واسْتَرَكُّوْه بقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ (٢)
أي: نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راضٍ.
قالوا: والوجه في ضعفه أنهم حذفوه في الأول ولم تَتَقَدَّمْهُ قرينةٌ تدل على
_________________
(١) في (ف): " بل ".
(٢) البيت منسوب إلى قيس بن الخطيم في " الكتاب " ١/ ٧٥، و" معاهد التنصيص " ١/ ١٨٩، و" شواهد العيني " ١/ ٥٥٧، وهو في ديوانه ص ١٧٣ ونسبه القرشي في " الجمهرة " ص ١٣، وابن منظور في " اللسان " (فجر)، والبغدادي في " الخزانة " ٤/ ٢٨٣ إلى عمرو بن امرىء القيس الخزرجي، وهو في " ديوان حسان " ص ٣٣٧ منسوب إلى عمرو. ونسبه صاحب " الإنصاف " إلى درهم بن زيد الأنصاري. وهو غير منسوب في " المقتضب " ٣/ ١١٢ و٤/ ٧٣، و" أمالي ابن الشجري " ١/ ٢٩٦ و٣١٠.
[ ٩ / ١٧١ ]
حذفِه، فلو ذكره في الأول، وحذفه في الثاني لكان فصيحًا، لأن ذكره في الأول قرينةٌ متقدمة تُسَوِّغُ حذفه في الثاني لتقدُّمِ دلالتها على الحذف، كما لو قال: نحن راضون بما عندنا وأنت بما عندك، أي: وأنت بما عندَك راضٍ، وكل صحيح الذوق يعرف صحة كلامهم هذا، وإنما وقع الشاعر فيما وقع فيه لضرورة الشعر، وهذا في العمدة (١) التي حذفها قرينةٌ ضرورية تُوجب تَطَلُّبَ التأويل والإضمار.
وأما قوله في الآية: ﴿لمن يشاء﴾، فليس بعمدةٍ في الكلام في عرفهم ومعنى هذا: أنه لو حذفها، لكان ما قبله كلاما صحيحًا (٢) مستقلًاّ بنفسه لا يتوقفُ فهمه عليه، فلا يصحُّ أن يضمر فيه ما لم تدل عليه قرينةٌ متقدمةٌ، لأنه يَغْلَطُ السامع في معناه، ولا يعلم ما أضمره المتكلم من غير قرينةٍ إلاَّ الله، والكلامُ إنما وُضِعَ لإيضاح المعاني، خصوصًا الكلام البليغ، لأن البلاغة: بلوغُ المتكلم إلى مراده بأوضح عبارة، فمتى وقع الإضمارُ فيما ليس بعمدةٍ من غير قرينة متقدمةٍ كان من قبيل الإلْغازِ والتعميةِ للمقاصد، بل لو كانت الآية على العكس من كلامه -فقد ذكر المشيئة في الجملة الأولى، وحذفه في الثانية- ما دلَّ على كلامه، كما لو قال: إن الله يغفر ما دون أن يشرك به لمن يشاء، ولا يغفر أن يُشْرَكَ به، وإنما كان لا يدلُّ حينئذٍ على ما ادعى، ولا يكونُ تقدم ذكر المشيئة قرينةً، لِمَا ذكرنا من أن ذكر المشيئة غير عُمدةٍ في الكلام، بل ما قبله كلامٌ تام، وما بعده كذلك والسرُّ في هذا: أن الإضمار خلافُ الظاهر، فلا يُصارُ إليه إلاَّ لضرورةٍ ودلالةٍ على تعيين ما أضمر، وإلا لادَّعى كلُّ أحدٍ ما شاء من تأويلٍ وصحةَ تأويلات الباطنية، وانفتحت أبوابُ الجهالات في تأويل القرآن، وذلك أعظم أسباب (٣) الفساد، لأن القرآن هو الفاروقُ الأعظمُ بين المُحقين والمُبطلين، فمتى صح للمبطلين انفتاحُ باب التأويلات الباطلة، لم يُنْتَفَعْ بما
_________________
(١) في (د) و(ف): " العمد ".
(٢) في (ف): " فصيحًا ".
(٣) في (ش): " أبواب ".
[ ٩ / ١٧٢ ]
في القرآن من الحق المحفوظ، فلذلك يجب على من يتقي الله مراعاةُ قواعد العلم الصحيحة في التأويل وعدمُ الحَيْفِ فيه، ولو صح له مثلُ هذا في رَدِّ مذهب السنة صح للخوارج مثله في رد مذهب المعتزلة، فكانوا يقولون: إن معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾ [النساء: ٣١]، أي: بالتوبة، لقوله تعالى: ﴿ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شرًا يره﴾ [الزلزلة: ٨]، وقوله: ﴿من يعمل سوءًا يُجْزَ به﴾ [النساء: ١٢٣]، ولا يُغفر لمتعمدٍ خاصة، وهو يروي: " لا صغيرةَ مع الإِصرار " (١) عن النبي - ﷺ -، وهذا أحوطُ وأنسبُ لسُنة التشديد والتغليظ التي اختارها الزمخشريُّ وادعى أنها سنةُ الله.
والعجب منه كيف يروي هذا الحديث ولا يُضَعِّفُه ولا يتأوَّلُه وهو يصادمُ (٢) مذهبهم في مغفرة (٣) الصغيرة، فدعوى صحة التأويل بغير دليل ليس أمرًا مقصورًا على أحدٍ، وليته نقلَ فِرارَهُ من التقدير بغير قرينة من قوله تعالى: ﴿أمرنا مُتْرَفيها﴾ [الإسراء: ١٦] إلى هذه الآية، فإنه بالغ في تلك أنَّ معناها: أمرناهم بالفِسْقِ مجازًا (٤) ليطابق قوله: ﴿ففسقوا فيها﴾ لأن المذكور بزعمه يدلُّ على المحذوف كقوله: أمرتُه فصام، فبالغ هناك في منع ما لا يدل دليلٌ على تقديره، وقدَّرَ هنا تقديرين ما دل على تقدير واحدٍ منهما شيءٌ مع تغييرهما للكلام على أنه
_________________
(١) خبر منكر قاله الذهبي في " الميزان " ٤/ ٥٣٧، وذكره السخاوي في " المقاصد " ص ٤٦٧، فقال: رواه أبو الشيخ والديلمي والعسكري في " الأمثال " من حديث ابن عباس مرفوعًا بسند ضعيف، ومثله موقوفًا عند ابن المنذر في " تفسيره "، والبيهقي في " الشعب ". وله شاهد عند البغوي والديلمي من حديث أنس مرفوعًا، ورواه إسحاق بن بشر أبو حذيفة في " المبتدأ " من حديث عائشة، وإسحاق حديثه منكر، ورواه الطبراني في " مسند الشاميين " من حديث أبي هريرة، وفي إسناده بشر بن عبيد الدارسي وهو متروك، ورواه الثعلبي وابن شاهين في " الترغيب " بإسناد آخر عنه.
(٢) في (ف): " يخالف ".
(٣) تحرفت في (ش) إلى: " معرفة ".
(٤) " الكشاف " ٢/ ٣٥٤.
[ ٩ / ١٧٣ ]
أخطأ في تلك الآية، لأن الأمر لا يكون إلاَّ بالطاعة، فهو قرينةٌ على تقديرها كقولك: أمرتُه فَعَصاني. ذكره المُرْتَضى في " الغُرر " والجوهري في " صحاحه " (١) في مادة " أمر " وهو صحيح.
الوجه الرابع: أنه جَعَل المشيئة بنفسها في الجملة الأولى دالةً على عدمِ التوبة، وفي الجملة الثانية دالةً على التوبة، فالمشيئة لا تدُلُّ على التوبة (٢) في وضع اللغة، ولا على نفيها، ولا هي بعض من أبعاضها، ولا يُلازمُها في العقل، والدلائل عند أهل العلم خصوصًا أهل علم المعاني والبيان لا تخلو من هذه الأقسام الثلاثة، فإن اللفظ إن دلَّ على المعنى الذي وُضِعَ له، فهي الدلالة اللغوية، وهي تُسمى دلالة المطابقة، وإن دل على بعض من أبعاضه كدلالة الإنسان على الوجه، فهذه دلالة التضمن، وهي عقليةٌ، وإن دلَّ على ما يلازمُه كدلالة الإنسان على حاجته إلى الأكل والشرب، فدلالته التزامية، وهي أيضًا عقلية، ودلالة المشيئة في الجملة الأولى على نفي التوبة، وفي الثانية على حصولها ليست من أحدِ هذه الدلالات المعروفة عند العلماء، ولا رابعة لها بالإجماع، أو يجعل الدلالة على ذلك أمرًا أجنبيًا عن الآية، فهذه دعوى جديدة تحتاج إلى استئناف دلالة، وليست من تفسير هذه الآية في شيء، وإنما الكلام مسوقٌ لتفسير هذه الآية الذي يفهمُه أهلُ اللغة، ثم يخرج ما يُدَّعَى (٣) منها بدليلٍ مستقلٍّ بعد تقرُّر معناها كما أُخرج التائبُ من وعيد القاتلٍ بعد تقرُّر معنى آية القتل، وكما أخرجنا كلُّنا مما دون الشرك كبائر الكفار، فدلَّ على أن كلامه في ذلك من جُملة الدعاوي الباطلة، ولو كانت المشيئة مذكورةً مرتين في الجملتين.
وأما ولم تذكر إلا مرةً في الجملة الأخيرة، فتفسيرُها بدلاليتها على النقيضين
_________________
(١) ٢/ ٥٨١.
(٢) في (ف): " فالتوبة لا تدلُّ على المشيئة ".
(٣) في (ش): " ادُّعيَ ".
[ ٩ / ١٧٤ ]
من غير إيضاح وجه الدلالة بما لا يَليقُ بحالِ العلامة على ما له في هذا الشأنِ من التقدُّم والإمامة.
وليحذَرِ المعاند بعد هذا البيان من الخذلان الذي وعد به رسول الله - ﷺ - في حديث حُذيفة الصحيح: قال حذيفة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " تُعْرَضُ الفِتَنُ على القلوب كالحصير عُوْدًا عُوْدًا (١)، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه (٢) نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَ فيه (٢) نكتةٌ بيضاء حتى تصيرَ على قلبين، أبيض مثل الصَّفا، فلا تَضُرُّهُ فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخرُ أسودُ مربدًّا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا، ولا يُنكرُ مُنْكَرًا إلاَّ ما أُشرِبَ من هواه " (٣)، وفي رواية كعرضِ الحَصيرِ. ذكرها الحُميدي.
قال ابنُ الأثير في " الجامع " (٤): والمعنى في الروايتين معًا: أن الفتن تُحيطُ بالقلوب كالمحصور المحبوس. يقال: أحصَرَه القوم: إذا أحاطوا به، وحَصَروه: إذا ضَيَّقُوا عليه.
قال: وقال الليث: حصيرُ الجَنْبِ: عِرْقٌ معترضٌ على الجنب إلى ناحية البطن، شَبَّهَ إحاطتها بالقلب بإحاطته بالبطن. وقوله: " عُوْدًا عُوْدًا " أي: مرةً بعد مرة - والمربادُّ والمُرْبَدُّ معًا: الذي في لونه رُبدةٌ، وهي بين السواد والغبرة، والمُجَخِّي: المائلُ عن الاستقامة والاعتدال ها هنا، وهذا عارضٌ لا يخلو من فائدة جعلنا الله ممن ينكر الفتن بقلبه ولسانه، وجعلنا من أوفر عباده حظًّا من رحمته وغفرانه.
_________________
(١) قال النووي في " شرح مسلم ": هذان الحرفان مما اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه: أظهرها وأشهرها: " عُوْدًا عُوْدًا "، والثاني: " عَوْدًا عَوْدًا "، والثالث: " عَوْذًا عَوْذًا "، ولم يذكر صاحب " التحرير " غير الأول، وأما القاضي عياض، فذكر هذه الأوجه الثلاثة عن أئمتهم، واختار الأول أيضًا.
(٢) في الأصول: " فيها "، والمثبت من " صحيح مسلم ".
(٣) أخرجه مسلم (١٤٤).
(٤) ١٠/ ٢٣.
[ ٩ / ١٧٥ ]
الوجه الخامس: أن الزمخشري روى في " كشافه " عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار " (١) فإن لم يكن هذا صحيحًا عن رسول الله - ﷺ - فلا ينبغي له أن يدخله في تفسير كلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن كان صحيحًا فقد خالفه في كلا الجُملتين، أما أنه خالف قوله: لا صغيرةَ مع الإصرار، فذلك معلومٌ بالضرورة من مذهبه ومذهب شيوخه، فإن الصغيرة عندهم مكفَّرةٌ بحسنات صاحبها، والكبير لا تُكَفَّر إلاَّ بتوبةٍ (٢). وهذا هو الفرق عندهم بين الصغائر والكبائر، ولكنهم لِعَدَمِ عنايتهم بحديث رسول الله - ﷺ -، وعدم التفاتهم إليه لا ينظرون في صحة سنده، ولا في صحة معناه فالله المستعان.
وأما مخالفته للجملة الأخيرة، فلأنها من أدلة أهل السنة، وسيأتي ذلك قريبًا عند الكلام على تفسير الاستغفار في اللغة والشرع، على أنه غير صحيح عند أئمة الأثر نقلًا، كما أنه غير صحيح عند أئمة النظر عقلًا، وإنما رواه أبو شيبة الخُراساني -مجهول- عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، وليس هذا في أحاديث هذين الإمامين، ولا عند أحد من ثقات أصحابهما. وقال الذهي: هو خبرٌ منكر، ذكره في ترجمة أبي شيبة من " الميزان " (٣).
الوجه السادس: أنا نظرنا في سائر كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - لعلنا نجد ما يناسب ظاهر هذه الآية، أو يدل على تأويلها وصرفها عن ظاهرها، فإن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وكذلك السنة تفسر القرآن، وقد كانت الصحابة تسأل النبي - ﷺ - عما اشتد عليهم، أو أشكل عليهم فيوضحه لهم، فوجدنا القرآن والسنة يشهدان (٤) لتقرير هذه الآية الكريمة، والبُشرى الصادقة على ظاهرِها،
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٧٣، وأنه لا يصح.
(٢) في (د) و(ف): " بحسنات صاحبها لا بتوبته ".
(٣) ٤/ ٥٣٧.
(٤) في (ش): " تشهد ".
[ ٩ / ١٧٦ ]
والأدلةُ على ذلك لا تُحصى كثرة (١)، بل تنتهي عند البحث التام إلى العلم الضروري كما أوضحتُه (٢) عند سرد الآيات والأخبار، لكن أشير ها هنا إشارةً يسيرة: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، كما سيأتي تقريره، ورَدُّ ما اعتذروا به عنها.
وقوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨].
وقوله في النار: إنها ﴿أُعدَّت للكافرين﴾ في غير آية [البقرة: ٢٤، آل عمران: ١٣١].
وقوله تعالى في غير آية: ﴿وبَشِّر المؤمنين﴾ [التوبة: ١١٢].
وقوله: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦].
وقوله: ﴿ذلك لمن خشي ربه﴾ [البينة: ٨].
وقد وَرَدَ الحديث عن أبي الدرداء (٣)، أن المراد مجرد الخوف الملازم
_________________
(١) في (ش): " كثيرًا ".
(٢) في (ش): " أوضحه ".
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٥٧ في مسند أبي هريرة (ولم يهتد من يصفه المفتونون به حافظ العصر إلى مكانه، فقال في تخريج السنة ٢/ ٤٧٣: ولم أره في مسند أبي الدرداء )، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٨/ ٢٢٧ - ٢٢٨ والطبري ٢٧/ ١٤٦، والبغوي ٤/ ٢٧٣ من طريقين عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - قرأ يومًا هذه الآية: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي الدرداء. وهذا إسناده صحيح. وذكره الهيثمي ٧/ ١١٨ وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٨/ ٢٣٢ من طريق إسماعيل بن علية، عن سعيد الجريري، عن موسى، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبي الدرداء. =
[ ٩ / ١٧٧ ]
نص الله في آية من كتابه على استحقاق الجنة أو المثوبة على الإيمان به وبرسوله
للتصديق، لا العمل بمقتضاه كما تقضي بذلك اللغة، وسيأتي بيانه.
ومن ذلك أن الله تعالى نصَّ في غير آيةٍ من كتابه على استحقاق الجنة أو المثوبة على الإيمان به وبرسوله، والإيمان إذا قُيِّدَ بالله وبرسوله كان بمعنى التصديق بالاتفاق، من ذلك قوله تعالى بعد ذكر الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُون﴾ [الحديد: ١٩].
وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَه﴾ [التغابن: ١١].
وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢].
وأجمعت الأمةُ على تفسير الإيمان بذلك في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِك﴾ [البقرة: ٢٢١].
_________________
(١) = وأخرجه الطبري ٢٧/ ١٤٦ من طريق شعبة، عن الجريري، عن محمد بن سعد، به. ولم يذكر موسى. وموسى هذا مجهول. وأخرجه الطبراني وابن مردويه كما في " الدر المنثور " ٧/ ٧٠٧ من طريق الجريري، عن أخيه، عن محمد بن سعد مرسلًا. وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٩٧٥)، وفيه عنعنة بقية بن الوليد. وأخرجه أحمد ٦/ ٤٤٢ و٤٤٧، والبزار (٥) بغير هذا اللفظ ودون الآية. وإسناد البزار والثاني من أحمد صحيح. ولفظه: " من مات لا يشرك بالله دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن رغم أنف أبي الدرداء ".
[ ٩ / ١٧٨ ]
وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] كما أجمعوا على ذلك في تفسير المسلم حيث جعلوا الإسلام شرطًا في صحة الصلاة والزكاة، فما قال أحدٌ في هذه المواضع: إن الخروج من العدالة يُبطل الإسلام، ولا الإيمان، ولا يُحِلُّ القتل، ولا يفسَخُ النكاح، ولا يمنع وجوب العبادات ولا صحتها، حتى تمارَوْا في علم الكلام. وزَعَمت المعتزلة أن المسألة قطعية، وأن تسمية المُوَحِّدِ العاصي مؤمنًا أقل الإيمان من الباطل المقطوع به، بل غَلَوْا، فسلبوه اسم الإسلام، وقالوا: إنه اسم مدحٍ لا يستحقه. وكان يلزمهم أن يسلُبوه اسم الموحد والمُصَلِّي لذلك، ويلزمهم ألا تتناول الآية التي في تحريم قتل المؤمن تحريم قتل المسلم صاحب الكبيرة، وأن يُحِلُّوه ولا (١) يجعلوا قتله كبيرةً، فإن الأحاديث الواردة في ذلك لفظها ليس هو مثل لفظ الآية في تحريم قتل المؤمن، ولو قَدَّرْنا وجود دليلٍ آحادي لهم أو عمومٍ ظني لم ينفعهم هنا، لأنهم يشترطون القطع في التفسيق، وسيأتي تمام البحث في المعارضات والجمع بينها، وكذلك السنة جاءت بمثل ذلك، ففي حديث الجارية السوداء التي سُئِلَ رسول الله - ﷺ -: هل تجزي عن (٢) عتق الرقبة المؤمنة أنه سألها عن ربها، وعن نبيِّها لا سوى، ثم حَكَمَ بإيمانها، وله طُرُقٌ (٣) صحيحة كثيرة تأتي إن شاء الله تعالى. ويأتي هذا المعنى مبسوطًا أكثر من هذا.
ومن ذلك أن الله أمرَ بتوحيده واستغفاره كقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦].
وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وفي تفسيرها حديث أبي الدرداء عنه - ﷺ - وفيه أنه
_________________
(١) في (د) و(ف): " أو لا ".
(٢) في (ش): " في ".
(٣) في الأصول: " طريق "، والجادة ما أثبت.
[ ٩ / ١٧٩ ]
بحث في الاستغفار
قال: يا رسول الله وإن زنى وإن سَرَقَ، ثلاثًا، وقال في الثالثة: " على رغم أنف أبي الدرداء " (١). وله طرقٌ أحدُها برجال الصحيح.
وجعل الله تعالى هذه صفة المذنبين من المؤمنين كما قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وفي الحديث: " ما أصَرَّ من استغْفَرَ وإن عادَ في اليومِ سبعين مرةً ". رواه أبو داود والترمذي (٢) من حديث أبي بكر، عنه - ﷺ - بإسناد صالح.
وروى الزمخشري في " الكشاف " (٣): " لا كبيرة مع الاستغفار ".
وقال الله تعالى في صفه الكافرين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
وقال في صفة طائفةٍ من المذنبين المؤمنين: ﴿َآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. وسيأتي الكلام على معنى الإصرار المُجمع عليه، وأنه ليس من صفة المسلمين، ولذلك لم يأتِ الاستغفار منه، ولذلك جاء التكرار في
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٨/ ٣٢٣ و٩/ ١٧٧.
(٢) أخرجه أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩)، والمروزي في " مسند أبي بكر " (١٢١) و(١٢٢)، وأبو يعلى (١٣٧) و(١٣٨) و(١٣٩)، والطبري في " تفسيره " (٧٨٦٣) من طريق عثمان بن واقد، عن أبي نُصيرة، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نُصيرة، وليس إسناده بالقوي. قال ابن كثير في " تفسيره " ٢/ ١٠٦: وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر إنما لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضر، لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى الصديق، فهو حديث حسن.
(٣) ١/ ١٢٨. وقد تقدم تخريج الحديث.
[ ٩ / ١٨٠ ]
فضلِ الاستغفار، ولم يأتِ ذكرُه في التوبة (١)، إنما جاء من الإسرف، وفُهِمَ من مجموعها من الإجماع أنه لا ينفع الاستغفار وعدم الاعتراف بالذنب. وهذا إجماع، والنصوص دلَّت على نفعِه بعد التوحيد والاعتراف، وأنه غير التوبة، أما نفعه بعده فمنصوص مُجمعٌ على النص عليه، وأما أنه غيرُ التوبة فلوجوهٍ:
الأول: أن التوبة غير مرتبةٍ على الإسلام، بل التوبة من الشرك لقبحه صحيحةٌ قبل مجيء الرسول وبعده، لجمعها شرائط التوبة كما صحت من زيد بن عمرو بن نُفيل (٢). وليست كالعبادة لا تصح قبل ذلك، فلو كان تقدُّمُ الإسلام شرطًا فيها، لأدى (٣) إلى الدور بخلاف الاستغفار، فالنصوصُ والإجماع دلاَّ على اشتراط تقدم الإسلام في نفعه.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، ولا تصح التوبة لهم.
وكذلك مفهوم: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة: ٧٠] أن ذلك ينفع غيرهم من المسلمين، كصلاة الميت، وإن للتكرار أثرًا ولا معنى له في التوبة أصلًا، وكذلك قوله تعالى في الملائكة: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥]، وفي آيةٍ: ﴿للذين آمنوا﴾ [غافر: ٧].
وكذلك مدح المؤمنين بقولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه، وأمثال ذلك لا يحصى مما لا يَصِحُّ حملُه
_________________
(١) من قوله: " ولذلك " إلى هنا ساقط من (د) و(ف).
(٢) أخرج البخاري (٣٨٢٦) و(٣٨٢٧) قصته من حديث ابن عمر، وأخرج الطيالسي (٢٣٤) من حديث سعد بن زيد بإسناد ضعيف، وفيه: وجاء ابنه إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن أبي كان كما رأيت، وكما بلغك، فاستغفر له، قال: " نعم، فإنه يكون يوم القيامة أمة واحدة ". وانظر " الإصابة " ١/ ٥٥٢ - ٥٥٣، و" الفتح " ٧/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٣) في (ش): " أدى ".
[ ٩ / ١٨١ ]
على التوبة لتعديه على الغير.
الثالث: قوله تعالى: ﴿أفلا يَتُوبون إلى الله ويَستغفرونَه﴾ [المائدة: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿واستَغْفِروا ربَّكُم ثم توبوا إليه﴾ في غير آية [هود: ٩٠]، ففرق بالنص بينهما.
وقد ذكر الحاكم المعتزلي في تفسيره لذلك:
أن الاستغفار باللسان، والتوبة بالقلب. ذكره عنه الخصم في تفسير سورة هود، ولم يعترضه، ولا تنبه على تحريم اعتقاده، وذكر قبله أشياء ركيكة لا حجة لصحتها.
أولها: تفسير الاستغفار بالإيمان بالله تعالى حتى تصح التوبة من عبادة الأوثان، وهذا كله عجيب منه من وجهين: أحدهما أن تفسير الاستغفار بالإيمان بالله غريبٌ يحتاج إلى نقلٍ صحيحٍ عن لغة العرب، وقد كان يشدِّدُ في تفسير القرآن بما نقله أئمة اللغة عن اللغة العربية، فكيف بالتفسير بما لم ينقله أحدٌ منهم عنها.
وثانيهما: اشتراطه الإيمان بالله في صحة التوبة من الشرك المعلوم بطلانه وقبحُه عقلًا، وقد يكون قبحه ضروريًا في العقل، مثل قبح عبادة الحجارة، فإنه أجلى من وجوب الإيمان بالله لتوقف الإيمان على النظر، ومن تَجَلَّى له قبح الشرك قبل أن ينظر في معرفة الله تعالى، كيف لا تصح منه التوبة على الفور، بل كيف يَحِلُّ له التراخي في التوبة عنه حتى ينظُر، وكيف لا يتضيَّقُ عليه وجوبها عن أقبح القبائح، وهل لوجوب التوبة وصحتها شرطٌ غير العلم بقُبحِ القبيح. وهذا نقله عن الزمخشري (١) وما أعلم أحدًا سبَقَه إلى ذلك. والله أعلم.
وقد خالفه الحاكم في " التهذيب " مع اشتراكهما في المذهب، فقال: ﴿واستغفروا ربكم﴾، أي: اطلُبُوا المغفرة منه، ذكره عنه المقرىء الأعقم في
_________________
(١) ٢/ ٢٢٠.
[ ٩ / ١٨٢ ]
" تفسيره " (١) كما قرَّره في أوله، فوافق الحاكم اختياري، وخاتمة الآية تدُلُّ عليه، وهو قوله: ﴿إن ربي قريبٌ مُجيبٌ﴾ في الآية الأولى في هود، وهو الظاهر كما يوضحه في الوجه الذي بعدَه.
الرابع: أن الفرق بينهما هو الظاهر في اللغة، فالاستغفار قولٌ باللسان معناه: طلب المغفرة وسؤالها، كالاسترزاق: طلب الرزق، والاستطعام: طلب الطعام، والاستسقاء: طلب السقيا، فثبت أنه من أعمال الجوارح، والتوبة من أعمال القلوب بالإجماع، فمن جعلَهُما شيئًا واحدًا، فعليه الدليل، لأنه خالف الظاهر، لا من فرق بينهما.
الخامس: أنه قد صَحَّ الاستغفار مما تقدَّمَ ومما تأخَّرَ، كما في حديث التشهُّد في " صحيح مسلم " (٢) من رواية علي ﵇: " اللهم اغفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرتُ " الحديث، وكذا في حديث قيام الليل: " اللهم لك الحمد، أنت قَيِّمُ السماوات والأرض ومَنْ فيهن " إلى قوله: فاغفر لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرتُ " رواه البخاري (٣) من حديث ابن عباس، وكذا في دعاء السجود عنه - ﷺ -: " اللهم اغْفِرْ لي ذنبي كُلَّه دِقَّه وجِلَّه أوَّله وآخرَه " خرَّجاه (٤)، ولا تَصِحُّ التوبة من الذنوب المستقبلة بالإجماع.
السادس: قوله تعالى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ [آل عمران: ١٧]، وما صح من تخصيص قبول الاستغفار في جوف الليل، فإنه لا معنى لتخصيص التوبة بالأسحار، بل هي واجبةٌ على الفَوْرِ، أي: وقت وقع الذنب تَضَيَّقَ وجوب التوبة والبِدار بها، وكذلك وجوب قبولها عند المخالف.
_________________
(١) منه نسخة خطية في الجامع الكبير بصنعاء (تفسير ١٣). انظر " فهرس مخطوطات المكتبة الغربية " ص ٨.
(٢) رقم (٧٧١).
(٣) رقم (١١٢٠) و(٦٣١٧) و(٧٣٨٥) و(٧٤٤٢) و(٧٤٩٩).
(٤) في الأصول: " عن عائشة "، وهو سبق قلم، ثم إنه من أفراد مسلم وليس هو في البخاري.
[ ٩ / ١٨٣ ]
السابع: قوله تعالى في حق بني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]، فقوله: ﴿قولوا حِطَّةٌ﴾ بمعنى حُطَّ عنا ذنوبنا عند الجميع، وهذا نظير الاستغفار، ولذلك قيل: بدّلوا قولًا غير الذي قيل لهم، فإذا كان هذا منصوصًا في بني إسرائيل فكيف فيمن خَفَّفَ الله عنهم، وحَطَّ عنهم الأغلال التي كانت على من قبلهم.
الثامن: ما جاء في حديث الخليل ﵇ من قوله تعالى: " إن قَصْرَ عبدي مني إحدى ثلاثٍ: إما أن يتوب فأتوب عليه، أو يستغفرني فأغفر له، أو أُخْرِجَ من صلبه من يعبدني " رواه الهيثمي في " مجمع الزوائد " من حديث جابر، وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " (١).
وقد تقدم أن الزمخشري روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: " لا كبيرة مع الاستغفار " (٢) فإن كان هذا باطلًا حَرُمَت عليه روايته وإن كان صحيحًا، أو يجوز أن يكون صحيحًا، بَطَلَ قطعه بالوعيد على الكبائر في حق من يجوز أنه من المستغفرين في اللغة التي لا يَحِلُّ (٣) تفسير القرآن والسنة بغيرها، وهو أجلُّ من أن يجهَلَ أن الاستغفار في علم التصريف: استفعالٌ من طلب المغفرة، كالاستطعام وأمثاله مما تقدم.
أما أهل السنة، فلم أرَ أحدًا منهم ذكره، ولا صَحَّحه، لكن روى أبو داود والترمذي بإسنادٍ صالح من حديث أبي بكر ﵁، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: " ما أصَرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرةً " (٤) وله شواهد بغير لفظه، منها حديث أبي هريرة عنه - ﷺ -، أن رجلًا أذنب، فقال: اللهُمَّ اغفر لي، فقال تعالى: "عبدي أذنب ذنبًا فعلِمَ أن له ربًا يغفِرُ الذنب ويأخُذُ به، قد غفرتُ لعبدي، فعاد فأذنبَ فقال مثل ذلك، فقال الله تعالى مثل ذلك حتى قال في
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء السادس والسابع.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٧٣.
(٣) في (ف): " يجوز.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٨٠.
[ ٩ / ١٨٤ ]
الرابعة: أُشهِدُكم أنِّي قد غفرتُ لعبدي فليعمل ما شاء" رواه البخاري، ومسلم، والنسائي وأحمد (١)، وله شواهد، وهو يأتي بشواهده قريبًا في الفرق بين الإسلام والإيمان، وسيأتي الاختلاف (٢) في تفسير الإصرار.
والجواب عن معارضة هذه الأدلة الخمسة الجليَّة بما ظنه بعضهم في قوله تعالى في اليهود: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، فإن هذه في اليهود الكفار، ثم في حقوق المخلوقين، ثم في التألِّي على الله بالخبر القاطع، وقد جاء: " من يتألَّ على الله يُكَذِّبْه " (٣)، ولما قالت امرأة عثمان بن مظعون: إنه في الجنة، زَجَرها رسول الله - ﷺ - وأثنى عليه، وقال: " إني لأرجو له الخير " (٤) فاليهود لم يستغفروا مُشفقين مجوِّزين للعفو والعقوبة، بل أخبروا عمَّا لم يُحيطوا به علمًا، ولم يَنْقِمْ عليهم أنهم كلما أذنبوا، استغفروا، ولا قال أحدٌ بقُبح الاستغفار من العاصي لنفسه، حتى الوعيدية إنما قبَّحوا من الغير أن يستغفر للعاصي، وقد بَسَطْتُ جوابه في الإجادة. وربَّما يأتي في الكلام على الإصرار، فهي كقولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وقولهم: لن تمسَّهم النار إلاَّ سبعة أيام (٥)، وقد قال الله تعالى في نحو ذلك: ﴿وتَصِفُ ألسنتُهم الكَذِبَ أن لَهُم
_________________
(١) البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤١٩)، وأحمد ٢/ ٢٩٦ و٤٠٥ و٤٩٢.
(٢) في (ف): " الخلاف ".
(٣) قطعة من أثر مطول رواه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٩٧ من طريق سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عابس، عن إياس، عن عبد الله بن مسعود.
(٤) أخرجه البخاري (١٢٤٣) و(٢٦٨٧) و(٣٩٢٩) و(٧٠٠٣) و(٧٠٠٤) و(٧٠١٨). والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ١٣/ ٩٤، وعبد الرزاق في " المصنف " (٢٠٤٢٢) من حديث أم العلاء الأنصارية.
(٥) أخرجه الطبري في تفسير الآية: ﴿وقالوا لن تمسَّنا النارُ إلاَّ أياما معدودةً﴾ برقم (١٤١٠) و(١٤١١)، والواحدي ص ١٦ عن ابن عباس موقوفًا قال: كانت يهودُ يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذّب اللهُ الناسَ يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا =
[ ٩ / ١٨٥ ]
الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢]، ومدح المعترفين المستغفرين، ومن ذلك ورودُ القرآن بأن الحسناتِ يُذهبن السيئاتِ في حَقِّ المسلمين في عشر آيات تدل على ذلك كما سيأتي.
ومنها ترتيب الجزاء على مجرد التصديق، كقوله تعالي: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الزمر:٣٣ و٣٥] بخلاف الشرك، فقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ [الزمر: ٦٥] وكل هذا يناسب ظاهر هذه الآية الكريمة، والقرآن يشبه بعضه بعضًا، ويفسر بعضه بعضًا.
وأما السنةُ، فلا خلاف في تصريحها بذلك، ولكن الخصم يقول: إنها آحادية، ونحن نقول: إنها متواترةٌ، ولو كانت آحادية، لصحَّ التفسير بها مع صحتها، أما التواتر فليس يصح إقامة البرهان عليه إلاَّ بكثرة النقل، وسوف يتضحُ ذلك، والمعتزلة تقول: إن التواتر يحصُلُ بنقل الخمسة ونحن ننقل مثل ذلك عن أضعافِ ذلك من الثقات، على أن العدالة لا تشترط في المتواترات.
وقد نقلت في هذا الكتاب قريبًا من خمس مئة حديثٍ مما يدلُّ على الرجاء من غير استقصاءٍ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وأما أن الآحادي الصحيح مما يدخُلُ في التفسير، فلإجماع المسلمين على ذلك في تفاسيرهم، وفي أسباب النزول حتى الخصوم كما مَرَّ تقريرهُ.
_________________
(١) = يومًا واحدًا من أيام الآخرة، وأنها سبعة أيام، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلاَّ أيامًا معدودةً﴾ الآية. وفيه محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وهو مجهول. وأخرجه الطبراني (١١١٦٠) بإسناد آخر عن ابن عباس، وفيه محمد بن حميد الرازي وسلمة بن الفضل، وعنعنة ابن إسحاق. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ١/ ٢٠٧ وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
[ ٩ / ١٨٦ ]
الظلم في قوله تعالى: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ هو الشرك
ويوضحه أنه لا سبيلَ إلى القطع بتكذيب الراوي لتخصيصِ العموم، وتقييد المطلق بالإجماع، وإذا حَرُمَ تكذيبه، وكان ثقة، أثمر الظن بالضرورة، فيجبُ العمل في العمليات، ويمتنع القطع على ما يُخالفه في الاعتقاديات.
فمن ذلك تفسيرُ النبي - ﷺ - للظُّلم بالشرك في قوله تعالى: ﴿ولم يَلْبِسُوا إيمانهم بظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، رواه البخاري، ومسلم عن ابن مسعود (١) وهو من أثبتِ الآثار وأبينها، وذلك أنها لما نَزَلَتْ، اشتدَّت عليهم، فسألوا عنها، وكذلك رَوَى في تفسيرها الحاكم -على تشيُّعِه- عن أبي بكرٍ في " المستدرك " (٢) أن الظلمَ في هذه الآية هو الشرك، وخَرَّجَ في " المستدرك " (٣) من حديث أبي ذرٍّ عن رسول الله - ﷺ -: " إن الله يغفرُ لعبدِه ما لم يَقَعِ الحجابُ، قالوا: وما الحجاب؟ قال: " موتُ النفس مشركةً ". وختم النووي مباني الإسلام بحديث أنس قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو بَلَغَتْ ذنوبُك عنانَ السماء، ثم استغفرتَني غَفَرْتُ لك، يا ابنَ آدمُ، لو أتيتني بقِراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشركُ بي شيئًا، لأتيتُك بقرابِها مغفرةً " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (٤)، وسيأتي تواترُ هذا المعنى.
ثم عَضَدْنا ذلك بالنظر العقلي على رأي من يراه، وإن لم يعتقد أنه حجةٌ قاطعة، فوجدنا الإسلام يهدِمُ الشرك، وما كان فيه بالإجماع والنصوص، فلم يُستنكرْ في العقل أن يكون لمن أخلصه، واستقام عليه حتى مات مُوقنًا مَزِيَّةٌ تفرق بينه وبين المشركين (٥)، كما جُعِلَ لهم في أحكام الدنيا مَزِيَّةٌ تدل على بقاء تعلق الرحمة والرفق بهم، كجواز مناكحتهم، وتحريم دمائهم وأموالهم، وأعظمُ
_________________
(١) البخاري (٣٢) و(٣٣٦٠) و(٣٤٢٨) و(٤٦٢٩) و(٤٧٧٦) و(٦٩١٨) و(٦٩٣٧)، ومسلم (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧)، وأحمد ١/ ٣٧٨ و٤٢٤ و٤٤٤.
(٢) ٢/ ٤٤٠ وفي إسناده أحمد بن عبد الجبار، وهو ضعيف.
(٣) ٤/ ٢٥٧ بإسناد ضعيف.
(٤) سيأتي تخريجه ص ٢٧٢.
(٥) في (ف): " المشرك ".
[ ٩ / ١٨٧ ]
من ذلك كلِّه وأَدَلِّه على الخير صحة العبادات منهم، فإنها تستلزم القبول ووجوب الثواب، وذلك أمارةُ صحة ما ذكره أهل السنة من جواز التكفير عنهم بعباداتهم ومصائبهم، وقد ذكر الرازي أن المعتزلة أخَلُّوا بالتحسين العقلي، حيثُ أوجبوا لمن خَلَطَ الطاعة والمعصية النار دون الجنة، وكان العدل العقلي يقتضي أن يُدْخَلَ النارَ مدةً، والجنة مدةً، بل لو خُلِّينا وقضية القياس العقلي الذي هو مفزَعُ الخصوم، لأوجبنا له الجنة كما قالت المرجئة، فإن الإسلام يزيد ولا ينقص، وقد أجمعنا على أن من كَفَرَ طول عمره، ثم أسلم عند موته أنه مغفورٌ له، فلا يكون بكفره طول عمره، وتأخُّر إسلامه أسعد من السابق إلى الإسلام المستقيم عليه الذي لابس بعض كبائر الشرك، بحيث ما ضرَّهُ إلاَّ تقدم إسلامه وسبقه إليه، واستقامته عليه، فإن التقدير أن المشرك المغفور له بالإسلام المتأخر قد لابس الكبيرة التي عُذِّبَ المسلم عليها لم يكن بينهما (١) فرقٌ إلاَّ أن المسلم فعلها وهو معها موحِّدٌ خائفٌ راجٍ، والمشرك على الضِّدِّ من ذلك حال فعلها، وقبله، وبعده. والإسلام الذي كفَّرها للمشرك، وكفَّر سائر كبائره حاصل مع المسلم الذي فعلها وحدها قبلها وبعدها وحالها مع حسنات (٢) مكفِّراتٍ وبلاوي، فهو زائدٌ في الفضل على ذلك المشرك عقلًا، ولكن الله خَوَّفَ المسلمين كما خوّفَ الصالحين، ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ولِمَا عُلِمَ في التخويف من الصلاح لهم، فقلوبهم وجلةٌ، ودموعهم جاريةٌ، ولذلك تجد أكثرهم صلاحًا أكثرهم خوفًا، فالحمد لله رب العالمين. فقد فَضَّلَ الله السابقين في كتابه والمنفقين من قبل الفتح، فكيف تَجْعَلُ الإسلام الدائم كالأوصاف المُلغاة في القياس، وتنكر النصوص القرآنية الموافقة لهذا، وتَرْكَبُ في تأويلها الصعب والذَّلُول، وعادتكم تأويل النصوص إذا خالفت القياس، فهذا هو الكلام على ما سنَحَ من رد تأويله.
وأما الكلام على عدم المطابقة في تمثيله، فهو أوضح من أن يختص به الفطناء، وأجلى من أن يحتاج إلى كشفه الأذكياءُ، وذلك أنه جعل الآية نظير قولك: إن الأمير لا يبذُلُ الدينار، ويبذل القِنطار لمن يشاء، فبدأ في تمثيله بنفي
_________________
(١) في (ش): " بينها ".
(٢) تحرفت في (ش) إلى: " حساب ".
[ ٩ / ١٨٨ ]
موهبه الحقير، وأخَّر ما نفاه من إثبات موهبه الخطير، وذلك نقيض ما ورد في الآية الكريمة، وعكسه فأول ما يُنْقَمُ عليه الأبله الذي لا يفهم غائلته (١) في هذا التحريف اللطيف أنه عاكس صورة الآية الظاهرة وخالفها، بل ضادَّها، ثم ادعى المماثلة، وحقُّ التمثيل أن يكون مطابقًا جليًَّا، لا معاكسًا خفيًا، ثم إن غرضه بهذة المعاكسة في التمثيل الاحتراز عما نقم عليه في التأويل.
بيان ذلك أنه نقم عليه في تأويله أنه أضمر في الجملة الأولى تقييدها بالمشيئة من غير دليلٍ، وإن ذلك لا يصح حتى إنه (٢) ارتكب لأجل الفرار منه أن معنى قوله تعالى: ﴿أمرنا مترفيها فَفَسَقُوا فيها﴾ [الإسراء: ١٦]، أمرناهم بالفسق مجازًا، كما تقدم، وهو صريحٌ في " الكشاف " (٣) في موضعه، فلم فهم هذا التأويل، احترز منه في التمثيل، فجعل تقديم الأدنى الحقير مع تعقيبه بالأعلى الخطير قرينةً عقليةً يحسن معها إضمارُ التقييد للجملة الأولى في تمثيله، وذلك أن من يَهَبُ القنطار لمن يشاء، أولى وأحرى أن يَهَبَ الدينار لمن يشاء، مثلما أن الآية لو وردت بأن الله يغفر الشرك لمن يشاء، ولا يغفر (٤) ما دون ذلك، حَسُنَ أن يضمر إلاَّ أن يشاء، فيما دون ذلك بالقرينة العقلية، ولكن تكون العبارة في المضمر، إلاَّ أن يشاء، ولا يصلح أن يكون لمن يشاء، لما قدمنا ذكره من النظر في دُخُول حرف النفي في مثل هذا، وقد أخذ هذه الحيلة في تمثيله من قوله فيمن يُؤتمن ومن لا يؤتمن: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، وليس مثل الآية إلاَّ أنه (٥) يمكن الاعتراضُ عليه، ويمنع تقدير المشيئة في تمثيله، لاحتمال أن يكون الأميرُ لا يعطي الدينار أنَفَةً وترفُّعًا من عطاء الحقير، والقرينة الدالة على هذا ما وصف به بعده من إعطائه القنطار.
_________________
(١) في (ف): " جائلته ".
(٢) " إنه " ساقطة من (ش).
(٣) ٢/ ٤٤٢.
(٤) في (ف): " يحسن ".
(٥) في (د) و(ف): " لأنه ".
[ ٩ / ١٨٩ ]
وهذا وجهٌ جليٌّ لا غُبار عليه، موجِبٌ خروج الحق على كل تقديرٍ من يديه، وأما الآية الكريمة، فإنها دالةٌ على أن من أدَّى الأمانة في القنطار أولى بتأديتها فيما دونه، ومن لم يؤدِّها في الدينار أولى أن لا يؤدِّيها فيما فوقه، ولا يمكن الاعتراض فيها في كلا الجملتين. وبهذا يتميَّزُ القرآن وبلاغته على بلاغة (١) البُلغاء.
ولولا عصبية الشيخ في هذه المسألة، ما وقع في مثل هذا، مع إمامته في هذا الفن، فالله المستعان.
وبيان ذلك أنك لو عكست مثاله، وقدمت ما أخَّر، وجعلت الجملة الأولى مشتملة على الأمر الخطير كالآية سواء، انقلبت الحجة عليه، وخرجت الشبهة من يديه، وذلك هو الذي يعرِفُه كل منصفٍ، ولا يستطيع إنكاره بعد كشفه المتعسِّفُ، فالحمد لله الذي أنطق الخصم به، ليظهر التمثيل الصحيح من مثاله الذي اختاره، وارتضاه وطلبه (٢) وانتقاه، فنقول: مثالُ الآية المطابق الدال على قول أهل السنة: إن الأمير لا يُعطي القنطارَ، ويُعطي الدينار من يشاء، فها هنا (٣) لا يجوز إضمار المشيئة في الجملة الأولى بالإجماع، لعدم القرينة الدالة عليه، لا من اللفظ، ولا من العقل، كالآية سواء، إلاَّ أن المثال غير لائق، لأنه جعله في العطاء، لا في المغفرة، والله تعالى هو الرب الجليل المعطي لكل جزيلٍ، الملك الوهَّاب الرزاق لمن يشاء بغير حسابٍ، الذي لا يمنع العطاء والغفران إلا لما يعلم من جلب الصَّلاح ودفع الطغيان، وأمثال ذلك مما يُعدُّ (٤) من جملة الإحسان، ولا يقال مثل ذلك في فضله العظيم، وجوده الواسع العميم.
ثم إنه غير المقدر المضمر في تمثيله، فلم يجعله المشيئة أيضًا، بل جعله الاستحقاقَ، وهذا مشكلٌ عليه أيضًا، ملزِمٌ له أن تكون المشيئة برحمته عن الاستحقاق، وإذا كان كذلك، فلا مانع من أن يعلم الله تعالى استحقاق المسلم
_________________
(١) في (ش): " وبلاغة ".
(٢) في (ف): " وتطلبه ".
(٣) في (ش): " فهذا ".
(٤) " مما يعد " ساقطة من (ش).
[ ٩ / ١٩٠ ]
الموحد للمغفرة من غير توبة، واستحقاق المشرك ألا يغفر له إلاَّ بالتوبة، وهذا أيضًا مَنٌّ، ولله الحمد.
فإن قيل: ما ذكرتم من بطلان فائدة التقسيم للذنوب إلى شركٍ وما دونه على كلام الشيخ غير مُسَلَّمٍ، لأنه يمكن أن تكون (١) الفائدة فيه تعظيم الشرك بنفي المغفرة له مطلقًا، لأن الآية مَسُوقَةٌ لتعظيم ذنب المشرك، فلم يقتض هذا المقام التصريح بمغفرته مع التوبة، لمنافاته المقصود.
فالجواب من وجوهٍ:
الأول: أن تعظيم الشرك بإيهام ذلك، وإرادة ذلك الإيهام أمرٌ محال، ولو صحَّ، لكان قبيحًا، لا يجوز على الله تعالى. أما أنه أمر محالٌ غير ممكن، فلأن رسول الله - ﷺ - وأكثرَ الرسل بُعِثُوا والأرض طافحةٌ بالشرك، داعين للمشركين إلى التوبة من الشرك، وقد علم المشركون ذلك ضرورةً من أديان الرسل، ولا يمكنُ إيهامُهم ذلك، ولا يرتفع عنهم ذلك العلمُ الضروري إلاَّ بنصٍّ جليٍّ وذلك لا يجوز عند الخصم، لقبحه عقلًا وشرعًا، ولو ورد نصٌّ بذلك، لكان فيه إفحامُ الرسل الداعين للمشركين إلى الإسلام، وإلزامهم المناقضة.
الثاني: أن نفي المغفرة لا يستلزم نفي قبول التوبة، لأنهما متغايران لغةً وشرعًا، بدليل قول الله ﷾: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]، وإنما بَنَوا ذلك على زعمهم في تأويل الآية، وهو ممنوعٌ من الأصل.
الثالث: أن تشبيه الشرك بما لا يغفر بالتوبة لا يصح؛ لعدم المشبه، وعدم إمكانه، فإنه ليس في الذنوب ما لا يغفر، وشرط صحة التشبيه وجود مشبَّهٍ به وإمكانه (٢)، وقد صرحوا بذلك في توجيه كلام الزمخشري.
الرابع: أن ذلك إيهامٌ قبيحٌ عقليٌّ على الله، وذلك لا يصحُّ، ولو صح ما
_________________
(١) " تكون " ساقطة من (ش).
(٢) في (ف): " أو إمكانه ".
[ ٩ / ١٩١ ]
حَسُنَ على قواعد الخصوم.
الخامس: أن مجرد الوعيد من غير ذكر توبة لا يقتضي إيهام ذلك، فقد ورد ذلك في الكتاب والسنة على جميع المعاصي، ولم يقتضِ إيهام ذلك ولا أوهمه، ولا قال بذلك أحدٌ من مُفسِّري كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣]. بل قد جاء الوعيد على مثقال الذرة غير مقرونٍ بالتوبة، كما في سورة الزلزلة، وإنما ترك ذكر التوبة كثير، ولم تذكر التوبة عند كل وعيد، لأن قبولها معلومٌ ضرورة من أديان الأنبياء، وثابتٌ في غرائز العقول، وفِطَن العقلاء عند الخصوم، وإذا تعارضت الأقوال في تفسير الآية، كانت أقوال الصحابة مقدمة عند أهل الإنصافٍ، فإن أفهامهم كانت سليمةً، وعقائدهم مستقيمةً، ولم تكن بالابتداع مريضةً، ولا سقيمةً، وقد نقل الجميع عنهم أن هذه الآية الكريمة سرَّتهم، وفِرحُوا واستبشروا بها كما تقدم ذلك عن أمير المؤمنين علي ﵇: وعن ابن عباس تُرجمان القرآن، وحبر الأمة وبحرها، وعن عبد الله بن مسعود، وابن عمر ﵃، وحديث ابن عمر يقتضي رواية ذلك عن الصحابة أجمعين، ولا شك أن فهمهم صحيحٌ، بل حجةٌ، ولذلك كانت آثارهم مذكورة في تفسير القرآن بإجماع المسلمين، دون أقاويل من تأخَّرَ من جميع أهلِ الدعاوى، وتفسير القرآن (١) لمجرد التجويز والاحتمالات حرامٌ عقلًا وسمعًا.
أمَّا العقل، فلأنه لا يجوز الإخبار عن زيدٍ بأنه في الدار، لمجرَّدِ احتمالِ ذلك، فكيف الإخبار عن معاني كلام (٢) الله الذي هو المفزع.
وأما السمع، فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، ولحديث ابن عباسٍ وجُندُبٍ عن رسول الله - ﷺ - في تحريم التفسير بالرأي، وقد تقدم ذكرُ
_________________
(١) في (ش): " وتفسير أهل القرآن "، وهو خطأ.
(٢) في (ف): " كتاب ".
[ ٩ / ١٩٢ ]
ذلك مستوفىً، ولأن تفسير الصحابة هؤلاء هو السابقُ إلى الأفهام، ولا يشك كل سليم الفهم والطبع أن الآية مسُوقةٌ للفرق بين الشرك وما دونه، وجرب ذلك في كل من يتلقَّن خلافه من أسلافه وأصحابه، ويتعصَّب لمذاهب آبائه وأترابه، فنسأل الله الهداية والتوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
ولأن تفسير الصحابة وأهل السنة من قبيل تخصيص العام، وهو صحيحٌ بالإجماع، كثير بالإجماع، لا تكلُّف فيها ولا شذوذ، حتى قيل: إن كل عمومات القرآن مخصوصةٌ إلا: ﴿وهو بكل شيءٍ عليمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وحتى قيل: إن إطلاق العام على الخاص حقيقةٌ لا مجاز، وقد تأولت الوعيدية هذه الآية الكريمة مع خصوصها وبيانها وتأخرها -كما تقدم بيانه- بأنواع من التأويلات المتعسِّفة التي لا تحتاج إلى العناية في بطلانها، وإنما أوضحت الرد على الزمخشري، لأنه في العربية إمامٌ كبيرٌ، لا يظن بمثله ما اختار لنفسه من ذلك القول الساقط.
ومما ينبغى التعرض لذكره بعده من تأويلاتهم (١) تأويل الشيخ محمود بن الملاحمي، فإنه زعم أن الآيتين محمولتان على عذاب الاستئصال، واستدل بما قبلهما فأبعد (٢)، فإن ما قبل الأولى يُوجِبُ أنه قد وقع الخُلْفُ، وما قبل الثانية ذكر جهنم، وفسَّر التوبة (٣) بغير حجةٍ، ذكر تأويله هذا الإمام يحيى بن حمزة ﵇ في " التمهيد " والجواب عنه من وجوه:
الأول: أن هذا التأويل وأمثاله خلاف المعلوم ضرورةً لأهل البحث التام عن الأخبار النبوية، والآثار الصحابية، وسوف يظهر للمتأمِّل المنصف تواتُرُ ذلك بتأمل ما في هذا الكتاب وحده من ذلك، فقد اشتمل على ثلاث مئة حديثٍ في الرجاء، وكثيرٌ منها فيه التصريح بخروج الموحِّدين من النار. فرواة هذا النوع وحده بلغُوا حد التواتر، وزادوا عليه، ولا خلاف في تقديم التأويل
_________________
(١) في (ش): " بعد تأويلاتهم ".
(٢) في (ش): " فما بعد " وهو خطأ.
(٣) في (د) و(ف): " التولية ".
[ ٩ / ١٩٣ ]
المنصوص الصحيح الآحادي على مجرد الاحتمال النظري، فكيف بالنصوص المتواترة؟ على أنه خلاف المعلوم ضرورةً للجميع، فإن كثيرًا من المشركين -أو أكثرهم- ما عُذِّبُوا في الدنيا عذاب الاستئصال، وإنما عُذِّبَ به بعض من عاصر الأنبياء ﵈، وهذا نبينا محمد صلوات الله عليه الذي أنزلت عليه هاتان الآيتان لم يعذِّب من عاصره منهم عذاب الاستئصال، بل كان حربُه لهم سجالًا، وهؤلاء خصومه اليهود والنصارى في ذمته إلاَّ من أبى، مع قولهم بأعظم الشرك من نسبة عيسى وعزير إلى أنهما ولدان لله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًَّا كبيرًا.
الثاني: أنه مصادم للنصوص النبوية الواردة بنقيضه، فإنها وردت لمخالفة ذلك على وجوهٍ شتَّى، ومن أصرحها ما رواه مسلم في " الصحيح " في التوبة منه من حديث همَّامٍ، عن قتادة، عن أنسٍ، عن النبي - ﷺ - ولفظه: " إن الله لا يظلم المؤمن حسنةً يُعطى عليها في الدنيا ويُثابُ عليها في الآخرة، وأما الكافر، فيُطعَمُ بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنةٌ يُعطى بها خيرًا " (١).
وعن علي ﵇، عن رسول الله - ﷺ - نحو ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كَسَبَتْ أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠]. رواه أحمد، والترمذي، والحاكم في " المستدرك " وصححه، وقال: خرَّجه إسحاق بن راهويه في تفسيره (٢).
وخرَّج الحاكم نحوه من حديث طارق بن شهابٍ عن ابن مسعود، عن رسول الله - ﷺ - ذكره في كتاب القراءآت في قراءة النبي منها، أول كتاب التفسير، وقال: صحيح الإسناد (٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٥٧ من هذا الجزء.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) " المستدرك " ٢/ ٢٥٣، ورد تصحيحه الحافظ الذهبي بقوله: عتبة (هو ابن يقظان أحد رواته) واهٍ.
[ ٩ / ١٩٤ ]
وروى السيد هذا المعنى في " تفسيره " في تفسير قوله تعالى في هود: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون﴾ [هود: ١٥].
وفي " مجمع الزوائد " (١) باب مفرد في ذلك في أوائل كتاب التوبة فيه نحوُ ذلك عن عبد الله بن مُغَفَّل رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي الطبراني (٢).
وعن عمار بن ياسر رواه الطبراني بإسناد جيد (٣).
وعن ابن عباسٍ حديثان في ذلك، رواهما الطبراني، أحدهما من طريق عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي (٤)، والثاني من طريق محمد بن خليد الحنفي (٥).
وفي " البخاري " (٦) عن أبي هريرة نحوه، وفي " الترمذي " عن أنسٍ أصرح منهما.
_________________
(١) ١٠/ ١٩١ - ١٩٢.
(٢) هو في " المسند " ٤/ ٨٧ عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن بن عبد الله بن مغفل، ورواه أبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٢٥ عن الطبراني، عن محمد بن العباس المؤدب، عن عفان بهذا الإسناد.
(٣) " مجمع الزوائد " ١٠/ ١٩٢.
(٤) وقال الهيثمي: وهو ضعيف، وفي " الميزان ": ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، والحديث في " معجم الطبراني الكبير " (١١٨٤٢).
(٥) ذكره ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٣٠٢، وقال: كان يقلب الأخبار، ويسند الموقوف، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وضعفه الدارقطني، وابن منده، والهيثمي، والحديث في " معجم الطبراني الكبير " (١٢٧٣٥).
(٦) يغلب على ظني أنه الحديث (٥٦٤٥)، فقد رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: " من يرد الله به خيرًا يُصب منه ".
[ ٩ / ١٩٥ ]
فهذا تواترٌ في النقل، ويشهد لذلك إنظار الله ﷿ للشيطان إلى الآخرة.
ومنها أحاديث تكفير المصائب، والآلام لذنوب المسلم في الدنيا حتى يلقى الله وما عليه خطيئةٌ، وعكس ذلك الكافر، وهي كثيرةٌ. قال ابن عبد البر في " التمهيد ": إنه مُجمَعٌ عليها، منها تكفير ذنوبهم بالحدود، ومنها العفو عمن عفا عنه في الدنيا، ومنها: حديث " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " (١)، وجاء ذلك في تفسير: ﴿من يعمل سوءًا يُجْزَ به﴾ [النساء: ١٢٣]، ﴿ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقد تقدم من هذا طرفٌ صالحٌ.
الثالث: أنه مصادمٌ لما فهمه الصحابة من هاتين الآيتين الكريمتين، منهم علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ورواه ابن عمر، عن الصحابة كما تقدم في الرد على الزمخشري. وقد أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تفسير القرآن بآثار الصحابة، واحتجوا بها، لأنهم أصحُّ فهمًا، وقول الشاعر الآحادي حجةٌ في العربية، كيف قول الصَّحابي المسند الصحيح.
الرابع: أنه لا يتم له تأويله إلاَّ بعد أن يقيد إطلاق القرآن الكريم، وهذه زيادةٌ في كلام الله، ولو ساغ هذا له، لم يَعْجِزْ خصمه عن مثله في آيات الوعيد، بل لم يعجز الملاحدة عن مثله في مذاهبهم، وبمثل هذا يكتفي طالب الحق في الرد على من تمنَّى على الله الأمانيَّ في تحريف التأويلات والمعاني، مثل أن يقول في مثل هذه الآية: إن أولها في عذاب الآخرة، وآخرها في عذاب الدنيا كما يأتي بطلانه، فافهم هذه الطريقة في الرد على المبتدعة والملاحدة تكفك المُؤْنَة في كثيرٍ من المواضع.
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٣٢٣ و٤٨٥، ومسلم (٢٩٥٦)، والترمذي (٢٣٢٤)، وابن حبان (٦٨٧) و(٦٨٨). وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٩ / ١٩٦ ]
عمومات الوعيد توجب تأويل خصوصيات الوعد
الخامس: أنه مبنيٌّ على أن عمومات الوعيد توجب تأويل خصوصيات الوعد، وذلك عكس المعلوم في الأصول والفروع والمعقول والمسموع، وقد ذكر الفخر الرازي في كتاب " الأربعين " أن المعتزلة في هذه المسألة يحتجون بالعمومات، وأهل السنة بالنصوص الخاصة، وأن ذلك يكفي مرجِّحًا لمذهب أهل السنة فيها، والله سبحانه أعلم.
السادس: أن الله تعالى قد قال في شر الكفار المشركين: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤]، وهي عند الجمهور من الفريقين في عذاب الدنيا، وقال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]، يعني في الدنيا بالإجماع، فبطل وجوب عذاب المشركين في الدنيا، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، يدلُّ على عدم وجوب عذاب المشركين فيها، وأنه مشروطٌ فوجب صرف قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨]. وهذا واضحٌ.
السابع: أنا لو ساعدناه على قوله، لوجب صدق الوعيد في الدنيا، وقد علم أن الله لم يطمِسْ وجوه اليهود في الدنيا في عصر محمد - ﷺ -، وقد زعم أن الله تعالى أراد ألا يغفر ذلك في الدنيا لهم، لأنه تعالى قال قبل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧].
الثامن: أن ذلك لو كان كما زعم، لصدق، ولو صدق مستمرًا، لبطلَ التكليف، وعدم الكفر بالقهر، وقد أشار الله تعالى إلى عكس ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣].
التاسع: أنه يلزم الرجاء لهم في الآخرة لجواز إضمار قيدٍ أو شرطٍ مثل ذلك في كلِّ وعيدٍ.
[ ٩ / ١٩٧ ]
العاشر: يلزم أن يكون مفهومُ الآية أن عذابهم في الآخرة جائزٌ، لا واجب، والمفهوم أخصُّ من عمومات الوعيد، أو معارض، فيبطل كونها قاطعة.
فإن قلت: ما منع الشيخ محمودًا من القول بأن آخر (١) الآية هو الذي يختصُّ بأحكام الدنيا، ليخرج بذلك من هذه الإشكالات؟
قلت: منعه من ذلك أمورٌ أربعةٌ، منها: ثلاثةٌ قد تقدمت، وهي الثالث والرابع والخامس كما تقدم قريبًا.
ومنها -وهو الحجة الواضحة- أن ذلك يؤدي إلى عدم الفرق بين الشرك وما هو دونه من الكبائر، وهو عنادٌ كما مضى، وذلك لأن الله لا يغفر ما دونه منها عند الخصم في الآخرة، ويغفر الشِّرْكَ في الدنيا لمن بشاء بالنَّصِّ، والوفاق قبل خلاف المخالف، أي: يؤخِّرُ عقوبته كما قرره الخصم، وكلامه مبسوطٌ في " التمهيد ". يتَّضح منه ما ذكرته عنه، والحمد لله.
فهذه جملة صالحة في جمهور ما يحتج به الوعيدية، والإرشاد في كيفية الجواب عليهم، أو المعارضة والتَّقصِّي لكل ما يمكن أن يحتجوا به، أو يُوردوه من الأسئلة. مما يُمِلُّ ولا ينفع البليدَ إذ قد يَرِدُ عليه ما لا يعرفه، ولو لم يكن إلا (٢) مجرد المنع من الحجة الواضحة، أو تغيير العبارات، فإن البليد إذا غيرت عليه العبارة، ظن أن الحجة قد تغيَّرت، فأمَّا الفطينُ، فأقل من هذا ينفعه، لأنه يتنبه بالشيء على أمثاله، ويفتح له في كل باب أبوابًا، وما أوتي أحدٌ خيرًا من الفهم، والمواهب الرَّبَّانيَّة فيه لا تقف على حدٍّ، فمن لم يفهم، يسألُ الله أن يفتح عليه باب الفَهْمِ، ويداومُ المسألة والتضرع في أوقات الإجابة والرِّقَّة، فإنه سبحانه كما قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، وكما قال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
_________________
(١) في (ف): " أجر "، وهو تصحيف.
(٢) " إلا " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ١٩٨ ]
ما جاء في بشرى هذه الأمة المرحومة
ثم إني أشرع الآن بعد تقديم هذه المقدمة في المقصود، وهو باب ما جاء في بُشرى هذه الأمة المرحومة في كتاب الله تعالى الذي نزله تعالى تبيانًا لكلِّ شيءٍ وهدىً ورحمةً وبُشرى للمسلمين، كما قال تعالى، وكما نبَّه في آياته المحكمة، وتفسيره وسنةِ رسوله - ﷺ - التي حملت أهلَ السنة على القول بأن مجموعها يفيد تواتُرَ الآحاد، والعلم الضروري بالمراد، وما تكرَّر في كتاب الله تعالى من تخصيص البشرى بالمؤمنين تارةً، وبالمتقين تارةً أخرى، وتخصيص النِّذارة بغيرها، حيث تكون لقطع الأعذار، لا للنجاة، وذلك يبين معنى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦]، ونحوها من العمومات والآيات الخاصة كثيرة، والمراد عموم المؤمنين، لا كل مؤمن وحده بخصوصه، وقوله: ﴿وبَشِّر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] بعد قوله: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، فبين أنه مبشرٌ للمؤمنين ونذيرٌ لغيرهم، وكذلك قال في سورة مريم [٩٧]: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
ونحوها آية الأعراف [١ - ٢]: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾، لأنها دالة على أن النِّذارة لغيرهم.
ومنه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَان﴾ [التوبة: ٢١].
ومنه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [يونس: ٢].
ومنه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ [يونس: ٦٣ - ٦٤].
وقال تعالى في خطاب موسى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين﴾ [يونس: ٨٧].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِين﴾ [يونس: ١٠٣].
[ ٩ / ١٩٩ ]
وقال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: ٢١].
ومنه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وأما حيث تقصر النِّذارة على المؤمنين ونحوهم، فالمراد النذارة (١) النافعة المنجية، ولذلك لا تجيء إلاَّ مقصورة عليهم، لأن النذارة التي للكافرين لإقامة الحجة عليهم، وقطع أعذارهم، والأولى لنجاة المؤمنين، كقوله: ﴿إنما أنت مُنْذِرُ من يخشاها﴾ [النازعات: ٤٥].
وقوله: ﴿إنما تُنْذِرُ الذين يخشون ربهم﴾ [فاطر: ١٨].
ويدل على ذلك آية يس [١١]: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب﴾ ويدل على ذلك فيها ما قبلها وما بعدها، فالذي قبلها في الكفار: ﴿وسواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [يس: ١٠]. والذي بعدها: ﴿فَبَشِّرْهُ بمغفرة وأجرٍ كريمٍ﴾ [يس: ١١]، فجعل هذا المنذر الإنذار النافع هو المبشر بنفسه، فهذه نِذارةٌ خاصة تستلزم البشرى، فهي في معنى (٢) الذكرى كما مضى في آية الأعراف، وكقوله: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ [الأعلى: ٩] وقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والبشرى للمؤمنين صريحةٌ بلفظها، وغير صريحةٍ في جميع آيات الوعيد (٣)، فتأمَّل ذلك.
والذي أذكره في هذا الباب ما هو أخص من ذلك، ولنبدأ بما حضر من آيات كتاب الله تعالى، وما ورد في تفسيرها المرفوع إلى رسول الله - ﷺ - وإلى
_________________
(١) " النِّذارة " ساقطة من (ف).
(٢) في (ف): " بمعنى ".
(٣) في (ف): " الوعد ".
[ ٩ / ٢٠٠ ]
أُمناء أصحابه ﵃.
الآية الأولى: قوله تعالى في الزمر [٣٢ - ٣٦]: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه﴾ وفي قراءة ﴿عباده﴾ (١). والبشرى فيها من وجهين:
الوجه الأول: أنه ثبت بها إن الصادق، المصدِّق بقلبه المخلص للتصديق من المتقين، وهذا صحيحٌ في السمع واللغة.
أمَّا السمع: فهذه الآية وغيرها مما يأتي بعدها.
وأما اللغة، فلأنه قد اتقى جميع أنواع الشرك والكفر، وكل من فعل فعلًا وجب في اللغة أن يُشتَقَّ له منه اسمٌ، فيجب أن يشتق له اسم المتقي، كما أنه لو عصى معصيةً واحدةً، وجب أن يُشتَقَّ له اسم العاصي، وقد قال الله في آدم وهو نبيٌّ ذنُبه صغيرٌ: ﴿وعصى آدمُ ربَّه فغوى﴾ [طه: ١٢١]، فنسب إليه المعصية والغِوايَة بصغيرةٍ مكفَّرةٍ في جنب حسناته، فكيف لا يُنسَبُ إلى المسلم تقوى أعظم الذنوب، ويُشتَقُّ له منها اسم المتَّقي بخلاف الاتقاء، فلا يكون إلاَّ لمن ترك الشرك والكبائر؟ وهو الذي يُجَنَّبُ النار، كما قال تعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتقى﴾ [الليل: ١٧]، وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]، وأما التقي، فيردُها، ثم ينجو برحمة الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢].
والذي يوضِّح هذه المسألة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. وقد أجمعت الأمة على صحة طاعات أهل الكبائر من
_________________
(١) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر " حجة القراءات " ص ٦٢٢.
[ ٩ / ٢٠١ ]
المسلمين، والخصومُ يُوجبون الثواب والقبول على كل طاعةٍ صحيحةٍ جامعةٍ لشرائط الصحة، ومن الحجة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١].
وقوله تعالى في المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُون﴾ [التوبة: ٥٤]. وأمثال ذلك.
ومن السنة حديث الذي قال: إنه أصاب حدًَّا، فسأله رسول الله - ﷺ -: هل صلى العصر؟ قال: نعم، قال: " اذهب، فقد غفر الله لك حدَّك، وما جاء في تكفير الصلوات للذنوب ونزول قوله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (١) وفرقهم بين المرتد وغيره وقد أوردت هذا مجودًا في هذه المسألة من هذا الكتاب ولله الحمد والمنة.
وإذا ساغ للوعيدية أن يتأوَّلُوا القبول حيث ورد على شرط كمال التقوى، ساغ لمخالفهم حملُ عدم القبول على شرط حصول الكفر بدليل منفصلٍ، ولذلك أشكل على العلماء ورُودُ الوعيد (٢) بعدم القبول في معاصٍ مخصوصةٍ، مثل ما ورد في شارب الخمر أنها لا تقبلُ صلواته أربعين يومًا، وفي روايةٍ " توبته "، وفيه اضطراب، رواه النسائي والحاكم من حديث ابن عمرو بن العاص مرفوعًا.
_________________
(١) انظر " صحيح ابن حبان " (١٧٢٨) - (١٧٣٠).
(٢) في (ش): " ما ورد من الوعيد ".
[ ٩ / ٢٠٢ ]
قلت: وبالغ الحاكمُ في تصحيحه، فقال: صحيح، قد تداولته الأئمَّةُ، واحتجا بجميع رُواتِه، ولا أعلمُ له علةً، وقيل: من حديث ابن عمر بن الخطاب موقوفًا، ولعلها علَّتُه إن كانت له علَّةٌ، ولم يخرِّجه البخاري ولا مسلمٌ، وخرَّج أبو داود من حديث ابن عباس عنه - ﷺ -: " بُخِسَتْ صلاته أربعين يومًا " وهو أشبه، وهو خلاف قول من قال بالإحباط، ويحتمل تأويل عدم القبول بالبخس، كما رواه ابن عباس، والله أعلم (١).
وعن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -، إنه قال: " من تعلَّم صرف الكلام لِيسبِيَ به قلوب الرجال، أو الناس، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا، ولا عدلًا " رواه أبو داود (٢)، وهذا كالأول في معناه إن شاء الله تعالى، وقد تكلم الشيخ تقي الدين في " شرح العمدة " على معنى القبول وعدمه، وذكر الاختلاف في ذلك، وجوَّد الكلام فيه، ولي فيه كلامٌ زيادة على كلامه وتكميلٌ، وليس هذا موضع بسطه، وقد تقدم القول بأنه لا مانع قاطع من الإحباط على قواعد أهلِ السنة، ويكون العبدُ معه في مشيئة الله تعالى.
الوجه الثاني: أن الآية تدل على أن المصدِّق بقلبه، الموقن، المخلص (٣) من النفاق يُسمَّى مُحسنًا، ويستحقُّ ما وعد الله به المحسنين، والآية كافيةٌ في الدلالة على ذلك، فإنه لم يجعل المحسنين من لا ذنب له، لقوله بعد ذلك: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥].
ويوضحه قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]، فجعلهم من المحسنين بقولهم، وهو ما قدم من قولهم: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِين﴾ [المائدة: ٨٤].
ويوضحه قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاة
_________________
(١) انظر ٨/ ١٣١ - ١٣٢.
(٢) برقم (٥٠٠٦)، وسنده منقطع.
(٣) في (ش): " المخلص بقلبه ".
[ ٩ / ٢٠٣ ]
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وصح في تفسير ذلك مرفوعًا أن التثبيت في الآخرة بذلك هو الشهادتان في القبر عند المسألة (١)، وأنه بعد شهادتهما (٢) يُبَشَّرُ، ويرى مقعده من الجنة، ولا يُمتَحَنُ بالسؤال عن غيرهما في جميع الأخبار المتفق على صحتها.
ويشهد لمعنى ذلك شواهدُ كثيرةٌ، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ (٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وقوله تعالى: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ [الفتح: ٢٦]، ونحو ذلك، وفي " الصحيحين " من حديث خيثمة بن عبد الرحمن (٤)، عن عدي بن حاتم، عن النبي - ﷺ -: " اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمةٍ طيبة " (٥).
ويعضده قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية [إبراهيم: ٢٦].
ويدل على ذلك حديثُ عمر في تفسير الإحسان، فإنه جعله من قبيلِ الفِتَنِ.
وأصرحُ منه حديث ابن مسعودٍ، وحديث أبي هريرة متفقٌ عليهما.
أمَّا حديث ابن مسعود (٦) عنه - ﷺ -، فقال - ﷺ -: "من أحسن في الإسلام، لم
_________________
(١) أخرجه من حديث البراء البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذي (٣١٢٠)، والنسائي ٦/ ١٠١، وابن ماجه (٤٢٦٩).
(٢) في (ف): " شهادته بهما ".
(٣) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ أهل مكة والكوفة: (ذرِّيتَهم) على الإفراد. انظر " حجة القراءات " ص ٣٠١ - ٣٠٢.
(٤) في الأصول: " عبد العزيز "، وهو خطأ.
(٥) أخرجه البخاري (١٤١٣) و(٣٥٩٥)، ومسلم (١٠١٦)، وابن حبان (٤٧٣). وانظر تمام تخريجه فيه.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٩٦٨٦)، وأحمد ١/ ٣٧٩ و٤٠٩، والبخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠)، وابن ماجه (٤٢٤٢)، وابن حبان (٣٩٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٩ / ٢٠٤ ]
يؤاخذ بما عَمِلَ في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أُخِذَ بالأولِ والآخِرِ"، فدلَّ على أن الإساءة في الإسلام هي النِّفاق، أو الرِّدَّة، للإجماع على أن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وأن صحيح الإسلام إذا عمل كبيرةً، لم يُعَاقَبْ بالشركِ الذي تاب منه.
وأما حديثُ أبي هريرة عنه - ﷺ -، ففيه: " إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنةٍ يعملها تُكتب بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعفٍ، وكل سيئةٍ يعملها تُكتب بمثلِها، حتى يلقى الله " (١) فجعله محسنًا في إسلامه في كلا حالتيه، مع عمل الحسنات، ومع عمل السيئات.
وقد ذكر الخطابي (٢) هذا المعنى - أعني أن الإحسانَ في الإسلام: إخلاصه من النفاق، والأحاديث المتفق على صحتها تدل عليه، وكذلك الآيات المذكورة وغيرها، والحمد لله رب العالمين.
ومن ذلك حديث تفسير الإحسان، رواه مسلم عن عمر، والبخاري عن أبي هريرة (٣)، وفي لفظ البخاري في تفسير الإسلام: " أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا "، وفي تفسير الإحسان: " أن تعبد الله كأنك تراه "، فدل على أن العبادة من الإسلام، لا من الإحسان، ألا ترى أن العبادة تقع من المُنافق كسائر أركانِ الإسلام، والإحسان لا يقع منه، لأنه ضدُّ النِّفاق، فلا يجمعان قطعًا. وقوله: " كأنك تراه لا يقتضي حقيقة المُماثَلَةِ " ألا ترى إلى قول الخليل: ﴿ولكن لِيَطمَئِنَّ قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقول الحواريين: ﴿وتَطْمَئِنَّ قلوبنا﴾ [المائدة: ١١٣]، وشكاية الصحابة الوسواس، وقوله - ﷺ -: " ذلك محضُ الإيمان " (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢)، ومسلم (١٢٩)، وأحمد ٢/ ٣١٧، وابن حبان (٢٢٨).
(٢) في " معالم السنن " ٤/ ٣٢١.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٣٩٧ و٤٤١ و٤٥٦، ومسلم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، وابن حبان (١٤٦) و(١٤٨). وأخرجه من حديث ابن مسعود مسلم (١٣٣)، وابن حبان (١٤٩).
[ ٩ / ٢٠٥ ]
وروى البخاري: " نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم " (١). والتحقيق أنَّ الإحسانَ أعلى وأدنى، كالإيمان أعلى وأدنى، والإسلام والصِّدق، وخرج البخاريُّ في قوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين﴾ [الأعراف: ٥٦]. حديث: " إنما يرحم الله من عباده الرُّحماء " (٢).
ويمكن أن يُستخرج نحو هذا من قوله تعالى: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، إلى قوله: ﴿سَيُدخِلُهُم الله في رحمته﴾ [التوبة: ٩٩]، ثم ذكر السابقين بالرضا عنهم ومنهم، فدل على أن أهل الرحمة -وهم من المحسنين- دون السابقين، ومنهم أهل العفو، لقوله تعالى: ﴿فاعْفُ عنهم واصْفَحْ إن الله يُحبُّ المحسنين﴾ في المائدة [١٣] وهي مدنيةٌ، وقوله: ﴿فادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين﴾ [الأعراف ٥٦] يدل على أن من دعاه خوفًا وطمعًا، فهو منهم، وإلا لم يكن بين الجملتين مناسبةٌ، وكان بمنزلة أن يقول: إن رحمة الله قريبٌ من الملائكة المطهَّرين، أو الأنبياء والمرسلين.
الآية الثانية: في قوله تعالى في سورة الحديد [١٩]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، والصِّدِّيقُ: فِعِّيل من الصدق، وهو المُبالِغُ في الصدق، قاله ابن الأثير (٣)، وقال في " الضياء ": ومنه " قيل ليوسف: الصِّدِّيق، قال: وقيل: هو كثيرُ التصديق، والقول الأول أولى، لأن فِعِّيلًا من فَعَلَ، مثل سِكِّيت، مِنْ سكت ونحوه، وفيه مبالغةٌ بإدخال الألف واللاَّم على الخبر للحصر، كأنه قال: هم الصِّدِّيقون، لا غيرهم، كما يقول العلماء هم الراسخون، أو هم العاملون (٤). ونحو ذلك.
الآية الثالثة: قوله تعالى في الأحزاب [٨]: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، فجعل الكافرين مقابلين للصادقين.
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٢١٢.
(٢) البخاري (٧٤٤٨). وانظر " صحيح ابن حبان " (٣١٥٨).
(٣) في " النهاية " ٣/ ١٨.
(٤) في (ش): " العالمون ".
[ ٩ / ٢٠٦ ]
الآية الرابعة: قوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم﴾ [الأحزاب: ٢٤]، ففي ذكر المنافقين عقيب الصادقين دِلالةٌ على أنهم الصادقون في الإيمان؛ لأنه واطأ ما في قلوبهم ما نطقوا به، بخلاف المنافقين الذين قالوا ذلك كذبًا، قال الله تعالى في أولِ سورة المنافقين [١]: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون﴾ فكما أنهم كذبوا لعدم مطابقة قلوبهم لألسنتهم، فمن حصلت معه المطابقة، وجب أن يكون صادقًا، ولا خلاف في أنه صادقٌ في اللغة، ولا خلاف أن القرآن يفسَّر باللغة العربية. ويوضح ذلك.
الآية الخامسة: وهي قوله تعالى في العنكبوت، وهي مدنية (١): ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [١ - ١١]، والحجة منها: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين﴾، فظاهرها يقتضي ما ذكرنا، حيث كان المنافقون قد شاركوا المخلصين في قولهم: آمنَّا، بل في الأقوال والأفعال الظاهرة، أو في كثيرٍ منها، فالفتنة كالمحنة، كما في قوله:
_________________
(١) انظر الطبري ٢٠/ ١٢٧، و" الإتقان " للسيوطي ١/ ١٣ و١٤ و٢١ و٢٣، وسورة العنكبوت مكية باتفاقهم إلاَّ أن بعضهم استثنى هذه الآية. قال ابن جرير ٢٠/ ١٢٩: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن الشعبي، قال: إنها نزلت، يعني: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيتين في أناس كانوا بمكة أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب محمد نبي الله - ﷺ - من المدينة: إنه لا يُقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون، فردّوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم: إنه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا، فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد، قاتلناه، قال: فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم ثم، فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٦/ ٤٤٩، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
[ ٩ / ٢٠٧ ]
﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، كما يأتي.
والذي يوضح هذا -مع ظهوره- لغةٌ قوله تعالى في هذه السورة بعد هذه الآية بقليل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠ - ١١]. فأبدل الذين آمنوا من الذين صدقوا، وأبدل المنافقين من الكاذبين.
وكذلك قوله تعالى في سورة براءة [٤٢ - ٤٣]: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾، وكذا قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُون﴾ [التوبة: ٧٧]، وقوله في الثلاثة المخلَّفين: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩]، كله لم يتأوَّل (١) فيه الصدق والكذب بغير معناهما السابق إلى الفهم.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يوم ينفعُ الصادقين صِدْقُهُم﴾ [المائدة: ١١٩]، وحقيقة الصدق في القول، وقد يكون في الفعل على جهة التَّجوُّز، كما أوضحه الزمخشري في " أساس البلاغة " (٢)، فقال في حرف الصَّاد مع الدال المهملة: صدقته الحديث [في مَثَلٍ]: وصَدَقني سِنَّ وسِنُّ بَكْرِه (٣)، وصادقه ولم يُكاذبه، وتصادقا ولم يتكاذبا، وصدقه فيما قال، وقوله مصدَّقٌ، ورجلٌ صدوقٌ من قومٍ صُدُقٍ، ورجل صِدِّيق، وعنده مصداق ذلك، وهو ما يُصدِّقُه من الدليل. إلى قوله: ومن المجاز رجلٌ صادقُ المحملة، وذو مَصْدَقٍ في القتال،
_________________
(١) في (د) و(ف): " يتناول ".
(٢) ص ٣٥١.
(٣) انظر " فصل المقال " ص ٤١، و" مجمع الأمثال " ص ٣٩٢، و" المستقصى في الأمثال " ٢/ ١٤٠.
[ ٩ / ٢٠٨ ]
وفرس ذو مصدق في الجري، وعند بني فلان مصادق، وصدقوهم القتال، قال جرير:
أولئك خيرٌ مَصْدَقًا من مُجاشعٍ إذا الخيل جالَت في القَنَا المتكسِّرِ
وقال زهير:
حتى تجلَّت مصاديقُ الصباح له وبات منحسرَ المَتنْيَنِ طيَّانا
جمع مصداق. ونجم صادق: لم يُخلف، قال زهير:
في عانَةٍ بَذَلَ العِهاد لها وسَمِيَّ غَيْثٍ صادِقِ النجم
وصادقته المودة والنصيحة، وهو رجلٌ صِدْقٌ، وهم قومٌ صِدْقٌ، وله قدمُ صِدْقٍ، وكذلك كل ما كان رضًا، وفلان صَدْقٌ، وصدق المعاجم، وفلانة امرأة صدقة. انتهى من نسخة معتمدة في الصحة.
فهذا مع تصدير الآية بالإيمان الذي بمعنى التصديق لقوله: ﴿ومنهم من يقول آمنا بالله﴾ ودلالته بذكره علم ما في الصدور على أن مراده بالصدق في الإيمان مطابقة الضمير للقول.
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿والصادقين والصادقات﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقد تقدم في الآية الثانية أن النص في القرآن أن المؤمنين بالله ورسله صدِّيقون، وما فيه من المبالغة من جهة التركيب، ومن جهة قَصْرِ ذلك عليهم، فكيف لا يتناولهم وعد الصادقين، وسوف يأتي تقريره عند الكلام على أن الخصلة الواحدة من هذه الخِصال نافعةٌ، كآيات الوعيد عند الخصم، فإن الخَصْلة الواحدة فيها ضارَّةٌ عنده.
يوضحه ما تكرَّر في كتاب الله من قِسْمةِ الناس إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين، ومقابلة الكافرين والمنافقين بالمؤمنين في غير آية، كقوله بعد ذكر
[ ٩ / ٢٠٩ ]
الأمانة وعرضها على السماوات والأرض والجبال: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمً﴾ [الأحزاب: ٧٣].
وفي سورة الفتح بعد أن قال المسلمون: هنيئًا لك يا رسول الله، هذا لك، فما لنا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٥ - ٦] (١)، وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٧ - ٤٨] وغير ذلك.
الآية الثامنة: قوله تعالى في العنكبوت [٧]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون﴾، فهذه الآية مثل آية الزمر [٣٥]: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدلالة على أن (٢) الجزاء بالعمل كله خيره وشره يخصُّ الكافرين في عشر آياتٍ تطابقت في الدلالة على ذلك وأنا أسوقُها متواليةً بعد هذه الآية إن شاء الله تعالى بل قد تقدم الدليل على أن الله تعالى قد يقدم جزاء الكافرين، وجزاء من لم يعف عنه من المؤمنين ممن أراد التخفيف عنه، وأخذه بالتخويف، كما قال ﷾.
الآية التاسعة: قوله تعالى في الأحقاف [١٦]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُون﴾.
وروى الحاكم في تفسيرها حديثًا حسنًا في كتاب التوبة، عن الغِطريف،
_________________
(١) أخرجه من حديث أنس البخاري (٤١٧٢) و(٤٨٣٤)، ومسلم (١٧٨٦)، والترمذي (٣٢٦٣).
(٢) " أن " ساقطة من (ش).
[ ٩ / ٢١٠ ]
عن أبي الشَّعثاء، عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ -: " أن الله قضى أن يُؤتى بحسنات العبد وسيئاته، ويقص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنةٌ، وسَّعَ الله له في الجنة ما شاء، وإن لم يبق له شيءٌ، فأولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يُوعدون ".
ورواه قبل ذا بنحوه من طريق الحكم بن أبان، عن الغِطريف، عن جابر بن زيدٍ، عن ابن عباس، وقال حديثٌ صحيح (١).
ويشهد له من كتاب الله تعالى قوله ﷿: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُون﴾ [المؤمنون: ١٠٣ - ١٠٥]، فدل على أن الذين خفَّت موازينهم أهل التكذيب بآيات الله، كما دلَّ على ذلك حديث البطاقة وأمثاله مما تقدم بعضه، ويأتي بعضه الآخر، وآخر الآية أوضح في الدلالة على ما ذكرت، لأن الكفار لما قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] قال في جوابهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١٠٩ - ١١٠]، فتأمل كيف عظم هذا القول، وأهله لمطابقة ما في قلوبهم من الإيمان وجازى أعداءهم الكافرين انتقامًا لهم.
الآية العاشرة: في التوبة -وهي مدنية- وهي من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَاب﴾، إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١].
الآية الحادية عشرة: في النحل [٩٦] قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [النحل: ٩٦].
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٧٧ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٢١١ ]
الآية الثانية عشرة عقيبها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وفيها زيادةُ الوعد بالحياة الطيبة في الدنيا أيضًا.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى في " النور " -وهي مدنيةٌ-: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾، إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
الآية الرابعة عشرة: في الفتح -مدنيةٌ متأخِّرة- قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥]، وعن أنسٍ أنها لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، قال المسلمون: هنيئًا مريئًا، فما لنا؟ فنزلت: رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ (١)، واللفظ للبخاري، وكان ذلك مرجِعَهُم من الحُديبية سنة ستٍّ في ذي القعدة.
الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى في الصافات [٣٩ - ٤٢]: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُون﴾ وهذا من أصرح الآيات وأحنسها، والآية تُقرأُ في السبع (٢) بالكسر والفتح (٣)، والحجة في القراءة بالكسر، لأن الإخلاص هو تركُ الرياء، كذا نصَّ عليه الجوهري في " صحاحه " (٤)، وهو نظير الإحسان من أعمال القلوب، فمن أخلص في توحيد الله وعبادته، فقد دخل في هذه البشرى الصادقة.
_________________
(١) تقدم قريبًا ص ٢٠٩.
(٢) في (ش): " بالسبع ".
(٣) انظر " حجة القراءات " ص ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٤) ٣/ ١٠٣٧.
[ ٩ / ٢١٢ ]
ضعف تفسير أصحاب اليمين في قوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين﴾ بأنهم أطفال المسلمين
الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿كل نفسٍ بما كَسَبَتْ رهينةٌ إلا أصحاب اليمين﴾ [المدثر: ٣٨] وهي مثل التي قبلها، والقرآن يفسِّرُ بعضه بعضًا، وهذه في المُدَّثِّر، وفي الطور [٢١]: ﴿كلُّ امرىءٍ بما كسب رَهِينٌ﴾ من غير استثناءٍ، وذلك دليلٌ على ما قدمنا من اعتبار تقديم الخاصِّ على العام في القرآن، لما فيه من الجمع بينهما.
وأما تفسير أصحاب اليمين بأنهم أطفال المسلمين، فضعيف، لأنه من رواية عليِّ بن قادمٍ، عن الثوري، عن الأعمش، عن عمران القطَّان (١)، عن زاذان، عن عليٍّ عليه الكلام موقوفًا. وقد جمع بين الضعف والإعلال، ومخالفة القرآن. ومخالفة الخصوم.
أمَّا الضعف، فلأنَّ علي بن قادمٍ مُضَعَّفٌ تضعيفًا لم يعارضه توثيق، ضعَّفه ابن سعدٍ وابن معين، وتضعيف ابن معين شديدٌ، لأنه نفى للتوثيق كما ثبت عنه في علوم الحديث، فالضعيف عنده لا يكتب حديثه، ولا يعتبر به في الشواهد، ولم يوثق، لكن قال أبو حاتم وحده: محله الصدق، وهي عبارة تضعيف عندهم، يعني أن غلطه من قبل سوء حفظه، لا من قبيل تعمُّد الوضع. تفرد به الحاكم (٢)، ولم يذكره أحد من أهل الكتب الستة، ولا من أهل المسانيد،
_________________
(١) كذا في الأصول و" المستدرك "، وهو خطأ، صوابه: " عثمان أبي اليقظان ".
(٢) ٢/ ٥٠٧، وصححه، ووافقه الذهبي!، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٨٥، والطبري في " جامع البيان " ٢٩/ ١٦٥ من طريقين عن سفيان الثوري، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان. ورواه الطبري من طريق وكيع عن سفيان، عن أبي اليقظان، ولم يذكر الأعمش. قلت: وأبو اليقظان ضعيف، وكان يغلو في التشيع. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٨/ ٣٣٦، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٩ / ٢١٣ ]
ولا هو في " مجمع الزوائد "، وهو مما انتُقد على الحاكم ﵀.
وأما الإعلالُ، فلأنه روى هذا التفسير الغريب عنهم، عن أئمة مشاهير، علمهم محفوظٌ متداولٌ في أقلَّ من هذا، فمن جاء بالغريب عنهم من الضُّعفاء، لم يُلتَفت إلى ما جاء به.
وأما مخالفته لكتاب الله تعالى، فلأنه قد تكرَّر فيه ذكر أصحاب اليمين، وظهر أن المراد بهم طائفةٌ من المكلَّفين دون المقرَّبين، كما جاء في سورة " الواقعة "، بل في هذه الآية نفسها ما يدل على ذلك، حيث قال: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٢]، والأطفال لا يختصون دون المكلفين بمثل ذلك، بل أهل التكليف الذين عادوهم في الدنيا هم أهل الاختصاص بذلك كما قال تعالى في الصافات [٥١ - ٥٧]: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾، إلى قوله: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِين﴾، وفي قوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ ردٌّ واضحٌ على من يقول: إن الجنة لا تُنال بالرحمة والتفضل كما سيأتي بيانه.
وقد سمى الله تعالى أصحاب اليمين بأسماء، حيث قسم أهل الجنة إلى قسمين، وإلى ثلاثة، كقوله تعالى: ﴿فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مُقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات﴾ [فاطر: ٣٢]، ولم يجعل الأطفال قسمًا من أقسامهم في شيءٍ من الآيات، لأنهم في منزلة الحور العين (١)، ومن تشبيه الله تعالى لفضول الجنة وأهلها في العرف السابق هم أهل الجنة (٢).
وأما مخالفته لمذهب الخصوم وكثيرٍ من أهل السنة، فلأنه خصَّ أطفال المسلمين دون أطفال المشركين، وقد خرَّج البخاري في حديث سمرة أن النبي
_________________
(١) في (د) و(ف): " بمنزلة حور العين ".
(٢) في (د) و(ف): " أهل التكليف ".
[ ٩ / ٢١٤ ]
- ﷺ - أُري إبراهيم الخليل في الجنة وعنده أطفال الناس (١)، فقالوا: يا رسول الله وأطفال المشركين؟ قال: " وأطفال المشركين " (٢). وسيأتي ذكر مذهب أهلِ السنة في ذلك وبراءتهم مما يرميهم بعض أهل المقالات من القول بأنهم يُعذبون بذنوب آبائهم، تعالى الله عن ذلك علوًَّا كبيرًا.
الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور﴾ [سبأ: ١٧]، وقريبٌ منها قوله تعالى: ﴿كذلك نَجْزي كل كفورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، لكن الأولى أصرح في نفي المُجازاة بالذنوب عن غير الكافرين، وهذا يختص بالآخرة، لما ورد من الأحاديث الكثيرة بالجزاء في الدنيا للمؤمنين على سيئاتهم بما يلقَوْنَ من الآلام وأنواع البلاوي، فنسأل الله العافية في الدارين، والإعانة على ترك الذنوب، فإن تركها أيسرُ مشقَّةً من عقوباتها، وهذه الآية هي العاشرة من هذا النوع المقدم ذكره، ومن عُذِّبَ في الآخرة حتى يُشْفَعَ له، فيحتمل أنه ما جُوزِيَ بجميع ما يستحقه، لأنه لو جوزي، لكان خالدًا أو معذبًا عذابًا أطول من ذلك بمُدَدٍ متطاولةٍ، ويحتمل أن الذين لا يُجْزَوْنَ بسيئاتهم هم الذين لم يكن في نفسهم من التوحيد نقصانٌ، كما أشارت إليه الأحاديث، وقد تقدم في الجمع بين الأخبار المختلفة في أول المسألة.
الآية الثامنة عشرة: في التغابن -مدنية- ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن: ٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، فقوله: ﴿ويعمل صالحًا﴾ لا يعم كقوله: ﴿الصالحات﴾، فإنه نَكِرَةٌ مثبتةٌ، كقولك: رأيتُ رجلًا، فإنه لا يفيد العموم، بخلاف النفي، كقولك: ما رأيتُ رجلًا، فإنه يفيد. ويوضحه قوله: ﴿يكفر عنه سيئاته﴾.
الآية التاسعة عشرة: فيه أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]، وهي من أحسن
_________________
(١) " الناس " ساقطة من (ف).
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٩ / ٢١٥ ]
بيان معنى اللمم
الآيات في الحث على الصدقة، ونظيرها قوله بعد ذكر الصدقة: ﴿الشيطان يعدُكُم الفقر﴾ [البقره: ٢٦٨]، قال الواحدي: يعني بسبب الصدقة: ﴿ويأمرُكم بالفحشاء﴾ قال الواحدى: يريد البخل، ﴿والله يعِدُكُم﴾ في الصدقة ﴿مغفرةً منه﴾ في الآخرة: ﴿وفضلًا﴾ في الدنيا، ﴿والله واسعٌ عليمٌ﴾.
وأول هذه الآية يدلُّ على تفسير الواحدي، وآية التغابن في ذلك صريحة، غير محتاجة إلى تفسيرٍ، ولله الحمد.
الآية الموفية عشرين: قوله تعالى في النجم -وهي مكية-: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣١ - ٣٢]، وهي من جنس ما تقدم، لأنه وعد الذين أساؤوا بالجزاء بما عملوا من خيرٍ وشرٍّ، وإن كان شرُّهم محبِطًا لخيرهم، وأما الذين أحسنوا (١)، فلم يعدهم أن يجزيهم إلا بالحسنى، لا بكل عملٍ من خيرٍ وشرٍّ، لأن سيئاتهم مكفَّرةٌ، أو مغفورةٌ، ولا يتصور أنه لا سيئة لهم، وآدم يقول: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ونوح يقول: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، ونحو ذلك مما يطول شرحه.
وأما اللَّمَمُ، فقد ثبت في اللغة أن اللمم: القليل، وقال الزمخشري في " الكشاف " (٢) اللمم: ما قلَّ وصَغُرَ، وهو يُخالف مذهبهم في مغفرة الصغائر، وإن كثرت. ثم ذكر الشواهد على ذلك، فلم يأت بشاهدٍ واحدٍ على الصِّغر، وإنما هي كلها في القِلَّةِ، فمنها قول الشاعر:
لقاءُ أخِلاَّءِ الصَّفاء لِمَامُ وكلُّ وصالِ الغَانياتِ ذِمامُ
ومنها: اللمم: القليل من الجنون، ومن ذلك ألمَّ بالطعام: إذا أخذ منه
_________________
(١) في (ف): " آمنوا ".
(٢) ٤/ ٣٢.
[ ٩ / ٢١٦ ]
أخذًا قليلًا، لكن في " فقه اللغة " للثعالبي (١)، و" ضياء الحلوم " لمحمد بن نشوان: أنه الصغائر، فإن ثبت على ذلك شاهدٌ لغوي، كان يُطلق على الجنسين: القليل والصغير، وفي " القاموس "، و" أساس البلاغة " (٢)، ولا شك أن الصغائر قد خرجت من مفهوم الآية، والظاهر في الاستثناء الاتصال، فهذا (٣) ما تقتضيه اللغة.
وأما الآثار، فأصح ما رُوِيَ في ذلك: حديث مجاهدٍ، عن ابن عباس ": " أنه الذي يُلِمُّ بالذنب ثم يدعُه " رواه الحاكم في كتاب الإيمان من " المستدرك " (٤) وهو صحيح.
ويقاربه في المعنى ما رواه البزار في " مسنده " (٥)، عن ابن عباس (٦) أنه قال: هو اللَّمَّةُ من الزِّنى. قال رسول الله - ﷺ -:
إن تغفر اللهم تغفر جمًّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
قال الهيثمي (٧): رجاله رجال الصحيح.
وفي " الصحيحين " من حديث عائشة في حديث الإفك الطويل: أن رسول الله - ﷺ - قال لها: " وإن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله " (٨).
وفي " النهاية " (٩) أنه بمعنى قاربت، وليس بشيءٍ لوروده على سبب الإفك العظيم، والعموم نصّ في سببه، لكنه يدلُّ على تسمية قليل الكبائر لَمَمًَا.
_________________
(١) ص ٢٣.
(٢) بياض في الأصول.
(٣) " فهذا " ساقطة من (ش).
(٤) ١/ ٥٥.
(٥) برقم (٢٢٦٢)، ورواه أيضًا الحاكم ١/ ٥٤ و٢/ ٤٦٩ و٤/ ٢٤٥، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٦) في (ش): " عن عائشة، عن ابن عباس "، وهو خطأ.
(٧) في " المجمع " ٧/ ١١٥.
(٨) تقدم تخريجه.
(٩) ٤/ ٢٧٢.
[ ٩ / ٢١٧ ]
ومنه حديث عمر في تسمية الوطء بذلك: " ما بالُ رجالٍ يطؤون ولائدهم ثم يعتزلونهن لا تأتينِّي وليدةٌ يعترف سيِّدُها أنه قد ألمَّ بها، إلاَّ ألحقتُه ولدها ". رواه الشافعي (١) عن مالكٍ، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر.
وإنما سماه إلمامًا لما كان قليلًا، إذ كان الأكثر معهم نكاح الحرائر، ولذلك جاءت الأحاديث بأن كثرة السَّراري من أمارات الساعة، حيث قال: " وأن تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَها " (٢).
وفي كتب الغريب والآثار غير ما ذكرته مما لم يصح، فتركته هنا اختصارًا، وقد بسطتُ ذلك في غير هذا الموضع.
الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى في سورة القتال [٢]: ﴿كَفَّرَ عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم﴾.
الآية الثانية والعشرون: في المائدة، وهي مدنية، ليس فيها منسوخٌ: قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢].
الآية الثالثة والعشرون: قوله في المائدة [٤٥] ﴿فمن تَصَدَّقَ به فهو كفارةٌ له﴾ بعد قوله: ﴿والجروح قِصَاصٌ﴾، وهي فضيلةٌ عظيمةٌ تحثُّ على العفو.
وقال أحمد في " المسند ": حدثنا يحيى بن سعيدٍ القطان، عن مجالدٍ، عن عامرٍ، عن المحرَّر بن أبي هريرة، عن رجُلٍ من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه قال: " من أصِيبَ بشيءٍ في جسده، فتركه لله، كان كفارة له " (٣).
_________________
(١) في " مسنده " ٢/ ٣٠ - ٣١.
(٢) قطعة من حديث جبريل الطويل، وقد تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه ٨/ ٤٠٠، وهو حديث ضعيف.
[ ٩ / ٢١٨ ]
وعن أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، كلاهما في الديات عن أبي السَّفَر عنه (١).
وهذا مناسبٌ لهذه الآية الكريمة، وكفى بها شاهدة على تكفير الحسنات للسيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين﴾ [هود: ١١٤]، ومنه في الكفار ﴿أولئك لهم سوء الحساب﴾ [الرعد: ١٨]، وهي في " الرعد ".
فهذه قدر ست عشرة آية مع ما في معناها، كالغفور الشكور، ومع ما معها من الأخبار مما يدل على ذلك، والحمد لله رب العالمين.
وأما ما ورد في ذلك من السنة، ففي فضائل الإسلام والأذكار من " جامع الأصول " و" مجمع الزوائد "، وأوائل " سلاح المؤمن "، وهذه أبوابٌ من ذلك، أو في الباب عن أنس (خ م ن)، وأبي سعيد (م د س)، وعبادة (م ت)، وأبي ذر (م هـ)، وابن عمر (ك)، وابن مسعود (ك)، كلها في " سلاح المؤمن "، وفيه عن أم هانىء (ك).
وفي " جامع الأصول " (٢) لابن الأثير عن عبادة بن الصامت (خ م ت)، وأنس (ت)، والخدري (ت)، والخدري (د)، وأبي هريرة (م)، ومعاذ (خ م)، والخدري (د)، وأبي ذر (خ م ت)، وابن مسعود (خ م ت)، وعِتبان (٣) بن مالك (خ م)، وأبي هريرة (خ).
هذا مع موضع واحد، ويأتي مفرَّقًا، ومن أحبَّ أن يعلم (٤) تواتُرَ ذلك مِنْ غير تقليدٍ، تتبَّعه في مسند كل صحابيٍّ في كتب المسانيد. وكنت شرعتُ في جمع ذلك، فوجدته مطولًا جدًا ويملُّ ويزيد على التواتر.
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ٤٤٨، والترمذي (١٣٩٣)، وابن ماجه (٢٦٩٣)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعًا من أبي الدرداء.
(٢) ٩/ ٣٥٥ - ٣٦٩، وهذه الأحاديث تقدمت غير مرة.
(٣) تحرف في (ف) إلى " غسان ".
(٤) في (ف) " يعرف ".
[ ٩ / ٢١٩ ]
باب أكثر الإيمان وأقله
باب أكثر الإيمان وأقله: وكله إيمان ونفي الناقص مجازًا بدليل اختلاف الحصر، وثبوت النفي. قال الله تعالى في الأنفال [٢ - ٤]: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
وقال في سورة النور [٦٢]: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فقصر هؤلاء على أقل ما قصر عليه المؤمنين الذين وصفهم الله في الأنفال، وكذلك قصرهم على غير هذه الأوصاف في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
وكذا قوله في الحرز: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون﴾ [السجدة: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فلما اختلفت أوصافُهم التي قصرهم عليها، عرفنا أنها وردت على أسباب مخصوصةٍ، وعلى المدح بكمال الإيمان، كما يقال: إنما الغنى القناعة ويدل عليه قوله تعالى في آخر الأنفال [٧٤]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] فقصر المؤمنين على المهاجرين والأنصار، وقد قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وأوجب لهم النصرة في الآية، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:
[ ٩ / ٢٢٠ ]
٧٥]، فزادهم عليهم بعد ذلك القصر، فدل على أن مثل تلك الصيغة تَرِدُ للمصر على الأفضلين، والله أعلم.
يوضحه أنه الذي يجبُّ ما قبله مع الشهادتين بالإجماع.
يوضحه ما انعقد عليه الإجماع من تفسير الإيمان بالتصديق في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِك﴾ [البقرة: ٢٢١].
ومن هنا دخل قاتل الفاسق عند الخصوم في وعيد: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ [النساء: ٩٣]، وإلا لزم ألاَّ يقطعوا بأنه كبيرةٌ، وقوله في الأنفال بعد قصر المؤمنين على تلك الطبقة الرفيعة عقيبها من غير فاصلٍ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٦]، فجعل هؤلاء من المؤمنين، وهم دون أولئك، حيث جادلوا رسول الله - ﷺ - في الحق بعد تبيينه.
ومما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿واتَّبَعَتُهم ذُرِّيَّتُهُم بإيمانٍ﴾ [الطور: ٢١]، فقد ذكر الزمخشري في " الكشاف " (١) في تنكير إيمانهم وجهين:
أحدهما: أنه نُكِّرَ لتعظيمه، وهذا ضعيفٌ، لأنه لو نُكِّرَ لتعظيمه، لكانوا في منازل آبائهم بأعمالهم، لا مُلْحَقِينَ بهم تفضُّلًا.
وثانيهما: أنه نُكِّرَ لنقصانه، وهو الوجه إن شاء الله تعالى، بدليل: ﴿وما ألَتْنَاهُم من عَمَلِهِم من شيءٍ﴾، وبدليل أحاديث الباب، والله سبحانه أعلم.
ولأن إسناده معرفة التأكيد وعكسه من التنكير لا يستند إلاَّ (٢) إلى القرائن، وقد جمعها الشاعر في قوله:
_________________
(١) ٤/ ٢٤.
(٢) " إلا " ساقطة من (ش).
[ ٩ / ٢٢١ ]
اضطرار الزمخشري والمعتزلة إلى صحة الجمع بين الإيمان وما عدا الشرك من الكبائر
له حاجبٌ عن كلِّ أمرٍ يشينُه وليس له عن طالبِ العُرفِ حاجِبُ (١)
فلم يختلف أهل البلاغة أنها تقتضي أن يكون تنكير " حاجب " الأول للتأكيد وتنكير " حاجب " الثاني للتخفيف، لأن تأكيد الأولِ وتخفيف الثاني هو مقتضى المدح والثناء، وكذلك تنكير " إيمان " في الآية يقتضي التخفيف، لأن الآية مسُوقَةٌ لبيان الامتنان على المؤمنين برفع ذرِّيَّتهم إليهم بغير شرطٍ زائدٍ على أن يتبعوهم بإيمان، فلو كان ذلك هو الإيمان الكامل، كان معلومًا من آيات الجزاء على الأعمال، ولم يُناسب قوله: ﴿وما ألتناهم من عَمَلِهِم من شيءٍ﴾ كما هو مُبيَّنٌ في كتب التفسير.
يوضِّحُه أنه لو لم يكن لهم أبٌ في مرتبةٍ أرفع منهم، لم يكونوا من أهلِ هذه الآية، فدلَّ على نُقصان إيمانهم عن إيمان آبائهم، أو عن أعمالهم، وقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُون﴾ [الشعراء: ٢١٥ - ٢١٦].
وقد اضطر الزمخشري والمعتزلة إلى صحة الجمع بين الإيمان وما عدا الشرك من الكبائر في مواضعَ منها في تفسير قوله تعالى: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فإنهم فسَّروه بالفسق بالكبيرة، ومنعوا مما صح في حديث ابن مسعود أنه الشرك (٢)، وعلَّلُوا ذلك بأن الشرك لا يُجامِعُ الإيمانَ،
_________________
(١) البيت من شواهد " التلخيص " ونسبه صاحب " معاهد التنصيص " ١/ ١٢٧ لابن أبي السمط، وأورد له بيتين منها هما: فتى لا يُبالي المدلجون بنوره إلى بابه أن لا تُضيء الكواكبُ يصُمُّ عن الفحشاء حتى كأنه إذا ذكرت في مجلس القوم غائبُ والحاجب: المانع، والشَين: العيب، والعرف والمعروف: الإحسان والشاهد فيه تنكير. الحاجب الأول: للتعظيم، والثاني: للتحقير، أي: ليس له حاجب حقير، فكيف بالعظيم.
(٢) أخرج أحمد ١/ ٣٨٧ و٤٢٤ و٤٤٤، والبخاري (٣٢) و(٣٤٢٨) و(٣٤٢٩) و(٤٦٢٩)، ومسلم (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧) عن ابن مسعود، قال: لما نزلت: ﴿الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على المسلمين وقالوا: أينا لا يظلم نفسه، فقال =
[ ٩ / ٢٢٢ ]
الإيمان بعد الكلفر مقبول ومكفر لذنب الكفر بمجرده
بخلاف سائر الكبائر، ونسوا قاعدتهم في الوعيد، وهي أن الإيمان لا يُجامِعُ شيئًا من الكبائر، والحق أن الإيمان المذكور هنا هو اللُّغويُّ، وهو يُجامِعُ الشرك والكبائر. قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، فردُّهُم للحديث الصحيح هنا غلطٌ فاحشٌ، والله أعلم.
ومنها: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشركاتِ حتَّى يُؤمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وغير ذلك، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ففرق بين الإيمان وكسب الخير فيه.
وأما معناها، فقد وهِمَ الزمخشري أنها تردُّ مذهب أهلِ السنة في الرجاء، فقال ما لفظه (١): المعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت، وهي آيات ملجئةٌ مضطرة، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مقدِّمَةٍ إيمانها من قبل ظهور الآيات أو مقدِّمة إيمانها، غير كاسبةٍ خيرًا في إيمانها (٢) فلم يفرق -كما ترى- بين النفس الكافرة إذا آمنت في وقته، ولم تكسِب خيرًا، ليعلم أن قوله: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ جمع بين قرينتين لا تنفكُّ إحداهما عن الأُخرى، حتى يفوزَ صاحبها ويسعَدَ، وإلا فالشِّقْوةُ والهلاك.
والجواب أن الشيخ غفلَ غفلةً عظيمةً، وهي إن شاء الله من قبيل النسيان لا من قبيل الخطأ وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الإيمان بعد الكفر مقبولٌ بل مكفِّرٌ لذنبِ الكفر بمجرده قبل الأعمال كلها بإجماع المسلمين: المعتزلة وغيرهم، كإيمان الأصمِّ، ومن مات قبل العمل، وهذا ينقُضُ ما اعتقده من بُطلان هذه القاعدة على الإطلاق، وإذا أمكنه أن يُخَصِّصَ هذه الصورة بدليلٍ منفصلٍ، أمكن غيره تخصيص المؤمنين
_________________
(١) = رسول الله - ﷺ -: " ليس ذلك، إنما هو الشرك. ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣]. وانظر ابن حبان (٢٥٣).
(٢) ٢/ ٦٣ - ٦٤.
(٣) " في إيمانها " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٢٢٣ ]
لا بد من الإيمان من أمور هي من كسب الخير كنفي جميع أنواع الشرك وغيره
المخلصين قبل حدوث الآيات.
فإن قال: لا بد مع الإيمان من اشتراط التَّلفُّظ بالشهادتين، وهو عملٌ ترك قوله: وانتقض بالأصمِّ والميت قبل التمكُّن.
ثانيهما: أن الله تعالى لم يقل: وكسبت في إيمانها كل خير، وإنما قال: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾، والنَّكرة المثبتة لا تفيد العموم بالإجماع، لأنك إذا قلت: رأيتُ رجلًا، لم يُفِدْ أنك رأيت كل رجُلٍ، ولا جميع الرجال إجماعًا، بل الآية حجةٌ لأهل السنة، لأن من مذهبهم أن الإيمان اللغوي لا يكفي، بل هو إجماع المسلمين، إذ لا يقول أحدٌ من المرجئة بالإرجاء في حق اليهود والنصارى، مع أنهم لا يَخْلُون من الإيمان اللغوي ببعض ما يجب الإيمان به، بل مشركو العرب لم يَخْلُوا من بعضه، والإيمان اللغوي هو المذكور في هذه الآية بالاتفاق، لأنه فصله عن كسب أدنى خيرٍ فيه، وهذا لا يكفي عندَ فرق جميع أهل السنة، بل أهل الإسلام، فلا بد معه من أمورٍ هي من كسب الخير.
أعظمها: نفي جميع أنواع الشرك، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
وثانيها: إخلاصه لله، كقوله: ﴿مخلصين له الدين﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: ٣].
وثالثها: النظر في المعجزات المثمرة للإيمان بجميع رسل الله، وكتبه، وملائكته، واليوم الآخر.
ورابعها: حب الله ورسوله وأوليائه.
وخامسها: النطق بتوحيد الله وتصديق الرسل مع زوال الموانع من ذلك على الصحيح في هذا الأمر الخامس.
ومع اشتراط هذه الأمور الخمسة عند أهل السنة، وإقامة الصلوات عندَ
[ ٩ / ٢٢٤ ]
كثيرٍ منهم: وهي رؤوس مكاسب الخير، كما ثبت في الحديث الصحيح في فضائلها، كيف يلزم أهل السنة محذور من اشتراط خبرٍ منكرٍ مع الإيمان اللغوي الذي لم يَخْلُ منه الشيطان الرجيم، وأكفر أتباعه الجاحدين والبراهمة، واليهود، والنصارى المترجم عنهم بالمغضوب عليهم، والضالين في فاتحة كتابنا المبين، التي يقرأ بها كل مُصلٍّ من المسلمين، وأحاديث الشفاعة التي هي من جملة أدلة أهل الرجاء مصرِّحَة بأنهم من أهل النطق بالشهادتين، وذلك رأسُ الخيرات المكسوبات، وهو يهدِمُ ما قبله، لِعِظَمِ محلِّه من جميع المُهلكاتِ.
فبان أن هذه الآية من جملة حُجج أهل السنة، وهي كقوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن﴾ في غير آية كما أوضحناه، والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا والحمد لله رب العالمين.
على أن الذي ذكره الشيخ غيرُ قاطعٍ، فقد اعترضه ابنُ الحاجب، وقال: إن المعنى: أو كسبت في إيمانها خيرًا لم تكن كسبت من قبْلُ، كأنه قال: لا ينفع نفسًا إيمانُها أو كسبُها، كقوله:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيني (١)
أي: وقرارها، وإنما حذفه إيجارًا، لتقدُّم ذكره مع استوائهما (٢) في الحاجة إلى الاختيار في شرط التكليف مثلما حذف الصبر في قوله: ﴿إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾
_________________
(١) هو صدر بيت، وعجزه: أحب إلي من لبس الشفوف وهو من قصيدة لميسون بنت يحدل الكلبية مطلعها: لبيتٌ تخفق الأرواح فيه أحبُّ إليَّ من قصرٍ منيف وهو في " الكتاب " ١/ ٤٢٦، و" خزانة الأدب " ٨/ ٥٠٣، و" المقتضب " ٢/ ٢٧، و" شرح شواهد المغني " ٥/ ٦٥.
(٢) في (ف): " استوائها ".
[ ٩ / ٢٢٥ ]
الإيمان شرط نفع العمل
[الأنفال: ٦٥]، أي: مئة صابرة، وكذلك في آخر الآية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، أي: ألف صابرون ونظائره كثيرة.
وكذلك قدَّر أكثرُ العلماء في كفارة الظِّهار أن يكون قبل أن يتماسَّا، سواء كفَّر المُظاهِرُ بالعتق، أو الصوم، أو الإطعام، حملًا على ذلك، مع أن الله ما اشترط ذلك إلاَّ في العتق والصوم، وهذا لفظ الآية: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٣ - ٤]، وذلك كثيرٌ جدًا، وهو من أنواع البلاغة.
وقد استجاد صاحب الحواشي كلام ابن الحاجب، ولا شك في احتماله، فبطل القطعُ، ويكون معنى الآية عليه الفرقُ بين الكسب بعد ظهور الآيات وقبلها، كما هو كذلك في الآيات بالاتفاق.
ويؤيد هذا أنه قد جاء كذلك في كتاب الله تعالى حيث جاء بيِّنًا من غير اشتباه ولا اختلاف، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْي﴾ [يونس: ٩٨].
ولما قال فرعون: ﴿لا إله إلاَّ الذي آمنت ﴾، قيل له: ﴿الآنَ﴾ ومفهومه: نفعها وحدها قَبْلُ.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٩]، ومفهومها أنه ينفع غيرهم، وإنما لم يذكر ما اشترطنا من ذلك العمل، لملائمته للإيمان الشرعي، فكأنه منه، كما هو كذلك في العُرف خاصة، والله أعلم.
ويعضُدُه أن المعروف شرعًا أن الإيمان شرطُ نفع العمل، كقوله تعالى:
[ ٩ / ٢٢٦ ]
﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن﴾، وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وتأويل ابن الحاجب يقرر هذا، وكلام الزمخشري يوجب أن العمل شرطٌ في نفع الإيمان، وهو خلاف السمع كما تقدم، وخلافُ الإجماع، فقد يتعذَّرُ العمل كما في إيمان الأصم الذي لم يسمع شيئًا من الشرائع، ومن مات قبل التمكن من العمل، وقال تعالى: ﴿قالوا﴾ -أي الذين آمنوا- ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿لكيلا يكونَ على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدعيائهم﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقال: ﴿خالصةً لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقال: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقال: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣]. والخصوم خالفوا في هذه الآية وحدها دُونَ ما تقدمها في " الأحزاب "، مع قرينة تقديم المنافقين والمشركين، فإنها تدل على أن المؤمنين من عداهم.
وليس العجب من الخلاف على جهة الظن وتجويز تصويب الجميع، إنما العجب من القطع في غير موضعه، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٩]، وفي غير آيةٍ: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ﴾، فلو كان المؤمن هو عامل الصالحات، لكان المعنى: ومن يعمل من الصالحات وهو عاملٌ لها، فيكون عملُها كلُّها شرطًا في عمل بعضها، ولذلك يدخُلُ صاحب الكبيرة بالإجماع في مثل: ﴿يا أيُّها الذين آمَنُوا إذا قُمْتُمْ
[ ٩ / ٢٢٧ ]
إلى الصلاة فاغْسِلُوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]، وكذلك في سائر أحكام الشريعة في الحدود والقصاص. ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]، فلو أن مؤمنًا قتل صاحب كبيرةٍ من المُوحِّدين، وجب عليه القصاص بالإجماع، وكذلك قال العلماءُ في تفسير الرقبة المؤمنة في العتق.
قال الزمخشري في " الكشاف " (١) ما لفظه: والمراد بالرقبة المؤمنة: كلُّ رقبةٍ كانت على حُكم الإسلام عند عامَّة العلماء، وعن الحسن: لا تُجزىءُ إلاَّ رقبةٌ قد صلَّت وصامت، ولا تجزىء الصغيرة.
ومنه: ﴿قال الذين كفروا للذين آمنوا﴾ وأمثالها، ومثله ما تكرَّرَ من ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ففرق بين الإيمان والعمل، مع أن هذه الآيات هي من جُملة أدلة المُخالف، فانقلبت (٢) عليه.
ومع أن قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ﴾ أخصُّ منها وأبْيَنُ، فيجبُ تفسيرُها بالأبين، ولو كانت حجةً للخصم لكنها (٣) حجةٌ عليه، لا له، مع بقائها على ظاهرها.
يوضِّحه قوله تعالى: ﴿أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم﴾ [الأحزاب: ١٩]، ففرَّقَ بين الإيمان والأعمال في جميع الآيات، فمرَّةً جعلَ الإيمان شرطًا في صحة العمل، وموجبًا لقبوله، وهي أبين الآيات، مثل ما تكرَّر في قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ﴾ وتارة عطف الأعمال على الإيمان عَطْفَ الشيء على غيره، وهو كثيرٌ في ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتارة جعل عدم الإيمان مُحْبِطًا للعمل، كقوله تعالى: ﴿أولئك لم يُؤمنوا فأحْبَطَ الله أعمالَهُم﴾.
ومن ذلك قوله تعالى في " المجادلة " [٣ - ٤]: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِنْ
_________________
(١) ١/ ٥٥٣.
(٢) في (ف): " فانقلب ".
(٣) في (ش): " لكنه ".
[ ٩ / ٢٢٨ ]
نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيم﴾، فجعل العمل وسيلةً إلى قوة الإيمان، فدلَّ على تغايرهما.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فجعل القلوب محلَّ الإيمان دون سائر الجوارح، وقد بيَّنَ الله أن الإيمان به مراده الأعظم، وأنه أراد ما عداه لتمامه وكماله.
أمَّا أنه أراد ما عداه من أعمالنا لذلك، فهذه الآية المتقدمة شاهدةٌ لذلك، وهي تناسِبُ قول كثيرٍ من المعتزلة: أن الشَّرعيَّات ألطافٌ.
وأما أنه مراده بأفعاله تعالى ومخلوقاته، فلقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وذلك لأن العلم بذلك إيمان، وأشرفُ مراتب الإيمان بذلك العلم به، وهذا سرٌّ عظيمٌ، ينبغي تأمُّلُه وتأمُّلُ شواهده.
فإن قيل: إن الآيات التي عطفت الأعمال فيها على الإيمان حجةٌ على أنَّ الإيمان وحده لا ينفع حتى تنضمَّ إليه الأعمال الصالحات كلها.
فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: ما قدمنا أنه أبْيَنُ وأخصُّ وهو قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مُؤمنٌ﴾، وما وعد الله على العمل الواحد في غير آيةٍ، وما عضد ذلك من السنة كما مرَّ، أو سيأتي.
ثانيهما: أنه يحتمل أن الله إنما عطف عمل الصالحات على الإيمان على جهة الثناء على المؤمنين، وإن لم يكن شرطًا، كما قال في المشركين: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاة﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، فقوله: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاة﴾
[ ٩ / ٢٢٩ ]
ليس بشرطٍ في استحقاقهمُ الويل، وإنما هو زيادة ذمٍّ، ومع الاحتمال يحرُمُ القطع، خصوصًا عند الوعيدية، فإنها عندهم قطعيةٌ، كيف ومع كثيرٍ من أهلِ السنة أدلةٌ تقوِّي هذا الاحتمال ذكروها في مواضعها، ويأتي كثيرٌ منها، ويقوِّي ذلك كونه لم يذكر تحقيق (١) ترك الكبائر، فدلَّ على أنه أراد الثناء، لا شروط الاستحقاق على دعوى الخصم، ولكن لا بُدَّ من الخوف، لقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]، كما تقدم في الجمع بين المُتعارضات، ولجهل الخواتم على كل تقديرٍ.
ويوضِّحُ ذلك ما جاء من الثناء على من آمن الإيمان اللغوي الذي هو التصديق بالاتفاق، وذلك حيث يكون مُعَدَّىً بحرف الجرِّ، وهو الباء المُوحَّدَة، وذلك لا يكاد يُحصى في كتاب الله، كقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وقال الخليل ﵇: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢]، وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال: ﴿إنهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم﴾ [الكهف: ١٣]، وقال صاحب يس: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٥ - ٢٧]، وقال: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ [النمل: ٨١]، وقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وقال: ﴿فمن يُؤمِنُ
_________________
(١) في (ف): " تحقق ".
[ ٩ / ٢٣٠ ]
الإجماع على أن صاحب الكبيرة تصح منه جميع العبادات
بربه فلا يخاف بَخْسًَا ولا رَهَقًَا﴾ [الجن: ١٣]، وقال: ﴿وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه﴾ [طه: ١٢٧]، وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيتان إلى آخر البقرة، وما جاء في فضلهما من الحديث (١). وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُون﴾ [الحديد: ١٩]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، وقال: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ [التغابن: ١١]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢١].
وأجمعوا على أن صاحب الكبيرة تصح منه جميع العبادات، وأنها لا تصحُّ إلا من مسلمٍ، وفي هذا ردُّ قول الخصوم: إن صاحب الكبيرة غير مسلمٍ ولا مؤمن، وإن المسلم والمؤمن مترادفان، لأنهما -بزعمهم- أسماء مدحٍ، وفي الآيات والأخبار ما يرد عليهم، كقوله في الأحزاب: [٧٣]: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾، ففرَّق بينهم. ومن أوضح ما ورد في ذلك قوله في " الحجرات " [١٤ - ١٥] ردًا عليهم، ودلالةً على ما نحن فيه، وهي قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في بعض رسائله: وهذا على أظهر أقوالِ العلماء أن هؤلاء الأعراب ليسوا كفَّارًا، ولا منافقين، بل لم يبلغوا إلى حقيقةِ
_________________
(١) أخرج أحمد ٤/ ١٢١ و١٢٢، والبخاري (٥٠٠٨) و(٥٠٠٩) و(٥٠٥١)، ومسلم (٨٠٨)، وأبو داود (١٣٩٧)، والترمذي (٢٨٨١)، وابن ماجه (١٣٦٩)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٧١٨) - (٧٢٠) عن أبي مسعود، عن رسول الله - ﷺ -، قال: " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ". وانظر " ابن حبان " (٧٨١).
[ ٩ / ٢٣١ ]
قول الباقر ﵇ وغيره من السلف: إن الإسلام دائرة كبيرة والإيمان دائرة في وسطه، والكلام في معنى قوله - ﷺ -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"
الإيمان وكماله، وإن كانوا يدخلون في الإيمان في مثل قوله: ﴿فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦]، وهذا بابٌ واسعٌ.
قلت: ويعضُدُ هذا القول في تفسير هذه الآية قوله تعالى في قوم موسى ﵇: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، إلى قوله: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠]، فقد أدخل هؤلاء الجهلة في بني إسرائيل المفضَّلين على العالمين، ومن المعلوم أن هؤلاء الجهلة ليسوا من العلماء بالله، المؤمنين الإيمان الصادق، ولم يكونوا مع ذلك كفارًا ولا منافقين، فكانوا كالذين قال الله فيهم: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤]، والحجة في آية الحجرات في المقصود أن الإيمان الذي لم يحصل لهؤلاء: هو أشرف من إسلامهم الذي قال الله فيهم معه: ﴿وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئًا والله غفورٌ رحيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤]، وكيف لا ينفع الإيمان أهله، وهو أشرف من هذا الإسلام الضعيف الذي نفع أهله؟
وروى ابن تيمية عن الإمام الباقر ﵇ وغيره من السلف أنهم كانوا يقولون: إن الإسلام دائرةٌ كبيرةٌ، والإيمان دائرة في وسطه، فإذا زنى العبد خرج من الإيمان، لا من الإسلام (١)، لما ثبت في " الصحيحين " عن أبي هريرة، وفي " البخاري " و" النسائي " عن ابن عباسٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " (٢) الحديث ورواه
_________________
(١) في (ف): " إلى الإسلام ".
(٢) تقدم تخريجه ٨/ ٨٦. قال الإمام النووي ﵀ في " شرح مسلم " ٢/ ٤١: هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحققون: إن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تُطلق على نفي الشيء، ويُراد نفيُ كماله ومختاره، كما يقال: لا علم إلاَّ ما نفع، ولا مال إلاَّ الإبل، ولا عيشَ إلاَّ عيشُ =
[ ٩ / ٢٣٢ ]
في " مجمع الزوائد " (١) في أوله في كتاب الإيمان من طرق أخرى، وفي كل منها نظرٌ على قواعد أهل الصحيح، والله أعلم.
قلت: ولفظ الحديث مشعرٌ بخلاف مذهب المعتزلة، فإنه ظاهرٌ في تقييده لنفي الإيمان بحال ملابسة هذه المعصية، ولا يظهر نفيه مطلقًا من ذلك كما هو مذهب الخصوم، ولا يفهم ذلك صحيح الذوق، فإن النبي - ﷺ - أفصحُ العرب، ولو أراد ذلك، لقال: إن الزاني والسارق غير مؤمنين، أو أنهما ليسا من المؤمنين ولم يَعْدِلْ إلى هذه العبارة المقيدة بحال المباشرة للذنب، والملابسة له (٢)، ولا يخلو عدُولُه إليها من معنى لطيفٍ، لبلاغته التامة.
وقد روى ذلك الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك " (٣) صريحًا على أنه من الشيعة فقال: حدثنا أبو النضر الفقيه، وأبو الحسن الحيريِّ، قالا: أخبرنا عثمان بن سعيد الدارمي (ح)، وأخبرنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانىء،
_________________
(١) = الآخرة، وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: " من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق "، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم: بايعوه - ﷺ - على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا إلى آخره ثم قال لهم - ﷺ -: " فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن فعل شيئًا من ذلك، فعوقِبَ في الدنيا، فهو كفارتُه، ومن فعل ولم يُعاقب، فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه " فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح، مع قولِ الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع إجماع أهلِ الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا، سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر، كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أو لا، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة، وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه.
(٢) ١/ ١٠٠ - ١٠٢.
(٣) " له " ساقطة من (ش).
(٤) ١/ ٢٢، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، قلتُ: هو على شرط مسلم، فإن نافع بن يزيد روى له البخاري تعليقًا، ورواه أيضًا أبو داود (٤٦٩٠)، وابن منده في " الإيمان " (٥١٩) من طريق ابن أبي مريم، وعلقه الترمذي (٢٦٢٥).
[ ٩ / ٢٣٣ ]
أخبرنا الفضلُ بن محمد بن المسيِّب (ح)، وأخبرنا علي بن حمشاد، قال: أخبرنا عبيد بن عبد الواحد قالوا جميعًا: أخبرنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا نافع بن يزيد، أخبرنا ابن الهادي أن سعيد بن أبي سعيدٍ حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا زنى العبد، خرج منه الإيمان، وكان كالظُّلَّةِ، فإذا انقلع منها، رجع إليه الإيمان ".
قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا برواته، وله شاهدٌ على شرط مسلم: حدثنا بكر بن محمد بن حمدان الصَّيرفيُّ بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل (ح)، وحدثنا جعفر بن محمد بن نُصيرٍ ببغداد، أخبرنا بشر بن موسى، قالا: أخبرنا أبو عبد الرحمن المقرىء، حدثنا سعيد بن أبي أيُّوب، أخبرنا عبد الله بن الوليد، عن ابن حُجيرة أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: " من زنى أو شَرِبَ الخمر، نزع الله الإيمان منه كما يخلع الإنسانُ القميص من رأسه ". قال الحاكم: قد احتج مسلمٌ بعبد الرحمن بن حُجيرة، وعبدِ الله بن الوليد، وهما شامِيَّان (١).
قلت: وخرج الحديث الأول أبو داود والترمذي ولفظ أبي داود: " وخرج منه الإيمان، فكان كالظلة وإذا أقلع، رجع إليه " وطريقه عن ابن أبي مريم كالحاكم، ولفظ الترمذي: " خرج منه الإيمان، وكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل، عاد إليه الإيمان ".
قال الترمذي: قال الباقر ﵁ تفسيره: يخرجُ من الإيمان إلى الإسلام (٢).
_________________
(١) كلا ليسا شاميين، ثم إن السند ضعيف، فإن عبد الله بن الوليد من رجال أبي داود، وليس من رجال مسلم، وقد ضعفه الدارقطني، فقال: لا يعتبر بحديثه، ولينه الحافظ في " التقريب "، وابن حجيرة هو عبد الله بن عبد الرحمن، لا كما توهم الحاكم، وهو ثقة من رجال النسائي، لكن لا تعرف له رواية عن الصحابة فربما سقط من السند: " عن أبيه ".
(٢) يعني: أنه جعل الإيمان أخص من الإسلام، فإذا خرج من الإيمان، بقي في =
[ ٩ / ٢٣٤ ]
قلت: يعني في حال ملابسة المعصية، لا مطلقًا.
ذكره ابن الأثير في اللواحق من " جامع الأصول " (١).
وحديث ابن عباس عند البخاري والنسائي -على تشيعه- قال ابن عباس بعد رواية الحديث تفسيره: يُنْزَعُ منه الإيمان، لأن الإيمان نَزهٌ (٢)، فإذا ما أذنبَ العبد، فارقه، فإذا نزع، عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه، ثم فرقها.
قلت: هذا في حكم المرفوع، لأنه لا يُعْرَفُ بالرأي، وقد رفعه الحاكم وأبو داود والترمذي في رواياتهم إلى النبي - ﷺ - والحمد لله.
ويقوي ذلك أن شارب الخمر مذكورٌ في الحديث في بعض رواياته أنه لا يشرب حين يشرب وهو مؤمن. رواه البخاري من حديث الفضيل بن غزوان، عن عكرمة، عن ابن عباس في كتاب المحاربين في أواخر " الصحيح " (٣).
وقد خرج البخاري (٤) قبل ذلك في كتاب الحدود من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أن رجلًا على عهد النبي - ﷺ - كان اسمه عبد الله، وكان يلقبُ حمارًا، وكان يُضْحِكُ رسول الله - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - قد جلده في الشراب، فأُتِيَ به يومًا، فأمر به فجلده، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به! فقال النبي - ﷺ -: " لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إلاَّ أنه يحب الله ورسوله ".
وروى البخاري بعده، وأبو داود والنسائي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - نحوه، وقال فيه: "لا تكونوا أعوان
_________________
(١) = الإسلام، وهذا يوافق قول الجمهور: أن المراد بالإيمان هنا كماله، لا أصله.
(٢) ١١/ ٧١٢.
(٣) أي: بعيد عن المعاصي، كما في " النهاية " ٥/ ٤٣.
(٤) برقم (٦٨٠٩).
(٥) برقم (٦٧٨٠)، ومن طريقه أخرجه البغوي (٢٦٠٦).
[ ٩ / ٢٣٥ ]
الشيطان على أخيكم" (١).
فدل على أن شارب الخمر غير خارجٍ من أقل الإيمان، وكذلك غيره، ولذلك قال البخاري في ترجمة الباب: إنه غير خارجٍ من المِلَّةِ.
وقد اضطرب عكرمة في إسناده ولفظه.
أما إسناده، فذكر بعض ذلك المزي (٢) في ترجمة فُضيل بن غزوان عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، فقال في هذا الحديث وقد أخرجه عنه بهذا الإسناد ثم قال: رواه عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن أبي هريرة قوله، يعني غيرَ مرفوعٍ إلى النبي - ﷺ -، ورواه إسرائيل عن جابرٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة مرفوعًا.
وأما متنُه، فقال البخاري في كتاب المحاربين من رواية فضيل عنه عن ابن عباس: " فإن تاب، عاد إليه "، وروى ابن الأثير في " الجامع " (٣) ما قدمناه وعزاه إلى البخاري (٤) وهو ناقلٌ عن الحميدي في " الجمع بين الصحيحين "، وهو يذكرُ ما اجتمعا عليه، وما انفرد به كل واحدٍ منهما.
_________________
(١) البخاري (٦٧٨١)، وأبو داود (٤٤٧٧)، والنسائي في الحدود من " الكبرى " كما في " التحفة " ١٠/ ٤٧٤.
(٢) في " التحفة " ٥/ ١٦٠ - ١٦١.
(٣) ١١/ ٧١٢.
(٤) في الأصول: " الطبراني "، وهو خطأ، وهو في " الجامع الصحيح " برقم (٦٨٠٩) عن محمد بن المثنى، أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا الفضيل بن غزوان عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن ". قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف يُنْزَعٌ الإيمان منه؟ قال: هكذا -وشبك بين أصابعه ثم أخرجها- فإن تاب عاد إليه هكذا -وشبك بين أصابعه-. ورواه الطبراني في " المعجم الكبير " (١١٧٩٩) عن علي بن عبد العزيز، عن عاصم بن علي، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، بهذا الإسناد.
[ ٩ / ٢٣٦ ]
ويعضد ذلك حديث: " المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخيَّتِه " (١). ذكره ابن الأثير في " النهاية " (٢) وقال: الآخيَّة -بالمد والتشديد-: حبلٌ أو عودٌ (٣) تُشد فيه الدَّابَّةُ ومعناه: أنه يبعُدُ عن ربه بالذنوب، وأصل إيمانه ثابتٌ.
ويدل عليه تفسير ابن عباسٍ اللمم في القرآن باللَّمَّة من الزنى، كما مضى (٤)، مع أنه راوي الحديث في زعم عكرمة.
وفي " صحيح مسلم " و" الترمذي " عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة، عنه - ﷺ -: " مثل المؤمن كالزرع، لا تزال الريح تُفيئُه " (٥).
وفي أول كتاب الحدود من " البخاري " (٦) باب لا يشرب الخمر، وقال ابن عباس: يُنزع منه نورُ الإيمان في الزِّنى.
وفي الباب الموفى ثلاثين بابًا من المظالم من " صحيح البخاري " (٧)، وهو باب النُّهبى (٨) قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر (٩) قال أبو عبد الله:
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري أحمد ٣/ ٥٥، وابن المبارك في " الزهد " (٧٣)، وأبو يعلى (١١٠٦) و(١٣٣٢)، وابن حبان (٦١٦) أن النبي - ﷺ - قال: " مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخِيَّتِه يجول ثم يرجع إلى آخيته، وإن المؤمن يسهو، ثم يرجع إلى الإيمان، فأطعموا طعامكم الأتقياء، وولّوا معروفكم المؤمنين ". وله شاهد من حديث ابن عمر عند الرامهرمزي في " أمثال الحديث " ص ٧٤.
(٢) ١/ ٢٩ - ٣٠.
(٣) في " النهاية ": " جبيل أو عويد " بالتصغير.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢١٧ من هذا الجزء.
(٥) أخرجه مسلم (٢٨٠٩)، والترمذي (٢٨٦٦)، وأحمد ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤، وابن حبان (٢٩١٥). وانظر تمام تخريجه فيه.
(٦) انظر " الفتح " ١٢/ ٥٨.
(٧) برقم (٢٧٤٥).
(٨) تحرفت في الأصول إلى: " البهتان ".
(٩) هو ابن أبي حاتم وراق البخاري. قاله الحافظ في " الفتح " ١٢/ ١٢٠.
[ ٩ / ٢٣٧ ]
تفسيره: أن يُنزَعَ منه، يريد نور الإيمان (١).
ويوضحه ما في أحاديث الشفاعة من تقدير قليل الإيمان بحبِّ الخردل ودونه، وحديث أبي ذر: " وإن زنى وإن سرق " خرجاه (٢)، وفيه ذكر الحَرَّة، وأن رسول الله - ﷺ - كان فيها، وأن كلام جبريل سمع منها، وهو يُشعِرُ بأن ذلك كان (٣) متأخرًا في المدينة، فإنها بين الحرَّتين، والحرَّة: أرضٌ تربتُها حجارةٌ سودٌ، وليس للحِرار ذكرٌ في مكة.
والبرهان القاطع على عدم النسخ: أنهم كانوا أتقى وأعلم وأعقل من أن يروُوا للمسلمين المنسوخات من غير (٤) بيانٍ كما تقدم.
واتفق لبعض الصالحين من قُرَّاء الحديث في عصري أنه لما بلغ هذا الحديث، وجَدَ في قلبه نكارةً له، فكَرِهَ كُتُبِ الحديث، ونوى تركها، فنعس، فرأى قائلًا يقول له: هذا الحديث أحبُّ الحديث إلى الله تعالى، فرجع عما كان يراه (٥) من ترك كتب الحديث.
وقال النووي في " شرح مسلم " (٦) -أظنه في كتاب الإيمان-: وقد جمع بينَ الأحاديث بعضهم بمن فعل ذلك مستحِلًاّ.
قلت: ورواه الهيثمي في " مجمعه " (٧) عن علي ﵇ ولم يصحح سنده.
_________________
(١) في (ش): " يريد النور "، وفي " البخاري: " يريد الإيمان ".
(٢) وقد تقدم تخريجه غير مرة.
(٣) " كان " ساقطة من (ش).
(٤) " من غير " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): " عليه ".
(٦) ٢/ ٤٢.
(٧) ١/ ١٠١، وقال: رواه الطبراني في " الصغير " (٩٠٦)، وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، كذاب لا تحل الرواية عنه. قلت: ومن طريق إسماعيل هذا رواه ابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٩٨.
[ ٩ / ٢٣٨ ]
قال (١): وقال الحسن وابن جرير الطبري: معناه: يُنزَعُ منه [اسم] المدحُ الذي يُسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسمَ الذم الذي يُقال: سارقٌ، وزانٍ، وفاجرٌ، وفاسقٌ، وحكي عن ابن عباس: أنه يُنزع منه نور الإيمان وفيه حديث مرفوع، وقال المهلَّب: يُنزع منه بصيرته (٢) في طاعة الله، وذهب الزهري إلى أن هذا الحديث، وما أشبهه يؤمن بها وتُمَرُّ على ما جاءت، ولا يُخاض في معناها، وإنا لا نعلم معناها، وقال أمرُّوها كما أمَرَّها الذين من قبلكم، وقيل في معناه غير ما ذكرته مما ليس هو بظاهرٍ، بل بعضُها غلطٌ، فتركتها، وهذه الأقوال محتملةٌ، والصحيح ما قدمناه أوَّلًا.
قلت: والذي قدَّم النووي أن المراد نفيُ كمالِ الإيمان عن الزاني والسارق، وذكر أن هذا التأويل قريبٌ، كثيرُ الاستعمال.
قلت: ولا يبعُدُ أن يكون من ذلك قوله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عَمَلٌ غيرُ صالحٍ﴾ [هود: ٤٦]، مع قوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فأنذر الكفار، بل قال الله: ﴿فأنجيناه وأهله إلاَّ امرأته﴾ [الأعراف: ٨٣]، فلم تخرج بالكفر من الأهل، فدل على التَّجوز في أحدهما ونحو ذلك، وكذا قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٣ - ٨٤]، وقوله تعالى للملائكة: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ٣١]، مع قوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ويقول أهل اللغة: إن كنتَ أبي، أو أمي، أو وَصِيِّي، أو نحو ذلك، ومنه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾
_________________
(١) يعني النووي.
(٢) في الأصول: " نصرته "، والمثبت من " شرح مسلم ".
[ ٩ / ٢٣٩ ]
بيان أن الإيمان لا يبقى في حال العصيان متمكنا في القلب
[الممتحنة: ١ - ٦]، وأوضح منه في التمثيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾ [الحجرات: ٤]، مع أن معهم من العقل ما حَسُنَ معه ذمُّهم وتكليفهم، فوضح أنه يلزم الناقص نفي الكل (١) مجازًا، ويرجِعُ إلى تنزيل التَّبيان، ومنه قول الرسل: لا عِلْمَ لنا.
والذي ظهر لي: أن الإيمان هو التصديق التام، واليقين المثمِرُ لإجلالِ الرب ﷿، وأن هذا لا يبقى في حال العصيان متمكِّنًا في القلب، إذ لو بقي قويًَّا متمكِّنًا، لظهر أثره في الامتناع من العصيان، ولذلك شبّه إيمانهم في أحاديث الشفاعة بالمحقِّرات؛ يُظهِرُ ذلك ما رواه الحاكم في الفتن (٢) عن أبي موسى أنه - ﷺ - ذكر الهرج. قالوا: وما الهرج؟ قال: " القتل ". قالوا: وأكثر مما يُقتَلُ اليوم؟!! إنا لنقتل من المشركين كذا وكذا. قال: " ليس قتل المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضًا " قالوا: وفينا كتاب الله؟! قال: " وفيكم كتاب الله ﷿ ". قالوا: ومعنا عقولنا؟! قال: " إنه ينتزع عقول عامة ذلك الزمان يحسبون أنهم على شيءٍ وليسوا على شيءٍ " سكت عنه الحاكم، وهو من رواية الحسن عن أبي موسى، وهو صالحٌ للتمثيل في التأويل، والله سبحانه أعلم.
وأما تحقيق كونه كالظُّلَّةِ، وما هو وما كيفيَّتُه، فأهل السنة لا يتكلمون فيه، ولا يزيدون على الإيمان والتصديق، وأهل الكلام يوجهونه بوجهٍ مجازيٍّ، وليس للمعتزلة في الحديث حجةٌ، لأنه مقيدٌ بنفي الإيمان حال المباشرة، خرجه البخاري ومسلم، ثم يعود كما رواه الحاكم كذلك مرفوعًا، وكذلك رواه الترمذي وأبو داود، وقد مضى هذا قريبًا، ولأنه آحادي، والمسألة عندهم قطعيةٌ، ولو كان قطعيًَّا فمعناه (٣) ظنِّيٌّ معارَضٌ بما قدمناه من إجماعهم على إثبات اشتراط إيمان
_________________
(١) في (ف): " الكامل ".
(٢) من " المستدرك " ٤/ ٤٥١ من رواية أبان بن سليم بن قيس الحنظلي، عن الحسن، عن أبي موسى. وقال الذهبي: أبان: قال أحمد: تركوا حديثه. قلت: ثم إن الحسن لم يسمع من أبي موسى.
(٣) في (ش): " لكان معناه ".
[ ٩ / ٢٤٠ ]
المرأة المنكوحة دون عدالتها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ونحو ذلك، والله سبحانه أعلم.
فإن قالوا: الحديث قطعي، لأنه متلقىً بالقبول، لأن الكل يرويه، ومنهم من يحتج به، ومنهم من يتأوله، ولأنه من أحاديث البخاري ومسلم. وجميع ما فيهما مُتلقّىً بالقبول.
فقد رواه البخاري في المظالم عن سعيد بن عُفيرٍ، وفي الحدود عن يحيى بن بُكيرٍ، كلاهما في الليث، عن عقيلٍ، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشامٍ، عن أبي هريرة، قال الزهري: وحدثني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة بمثل إسناد حديث أبي بكر هذا، إلاَّ النُّهبة. ذكره المزي (١).
ورواه مسلمٌ بسند البخاري عن الزهري، عن أبي بكر في الإيمان، ورواه مسلمٌ في الإيمان من طريقٍ واحدةٍ، والنسائي في الأشربة، وفي الرجم من أربع طرقٍ، خمستها عن الأوزاعي، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، إلاَّ طريق النسائي: عن عبد الله بن مخلد النيسابوري، عن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، وأنه جعل فيها رواية الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، لا عن ابن المسيب، والرواية الأخرى رواها أربعةٌ عن الأوزاعي وهم عيسى بن يونس، وأبو المغيرة، والوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد.
ورواه البخاري ومسلم من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة " البخاري " في الأشربة، و" مسلم " في الإيمان، وقال عن سعيد، وأبي سلمة، كلاهما به. قال الزهري: وأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: وكان أبو هريرة يُلحق معهن النهبة.
_________________
(١) في " الأطراف " ١٠/ ٣٥ وانظر ١٠/ ٣١ و٣٤ - ٣٥ و٦٥ و٤٢٩.
[ ٩ / ٢٤١ ]
ورواه البخاري ومسلمٌ والنسائي من حديث شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة " البخاري " في المحاربين، و" مسلم " في الإيمان، و" النسائي " في الجنائز، وفي مسلم تصريح الزُّهري بالسماع من شيوخه الثلاثة في هذا ابن المسيب، وأبي سلمة وأبي بكر.
وفي ذكر النهبة اضطراب، وفي ذكر كونها ذات شرف. رواه مسلم من طريق صفوان، عن عطاء بن يسار مولى ميمونة، وحميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، من غير طريق الزهري، والأعمش، ورواه أيضًا من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قال مسلم: كل هؤلاء بمثل حديث الزهري، غير أن العلاء وصفوان بن سُليمٍ ليس في حديثهما: " يرفع الناس إليه (١) فيها أبصارهم "، وفي حديث همام: " يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها وهو حين ينتهبُها مؤمنٌ "، وزاد: " ولا يَغُلُّ أحدكم حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم.
وفي رواية شعبة عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال عقيب الحديث: " والتوبة معروضةٌ بعد ".
رواه البخاري ومسلم.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: المنع من تلقِّيه بالقبول، ومن تلقي جميع ما في " الصحيحين " بذلك، فقد استثنوا من ذلك ما وقع فيه الاختلاف وأخرجاه مع شهرة الاختلاف فيه، وذلك مثل ما في " مسلم " من حديث أبي الزبير، عن جابر، ومثل ما في " البخاري " من حديث عكرمة، عن ابن عباس، فإن الخلاف في أبي الزبير، وفي عكرمة بين علماء الإسلام، بل بين البخاري ومسلمٍ أشهرُ
_________________
(١) " إليه " ساقطة من (ش).
[ ٩ / ٢٤٢ ]
من أن يُنكرَ، وقد ذكر في هذا الاستثناء غير واحد من علماء الحديث منهم الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني في شرح مصنفه في علوم الحديث، وهذا الحديث من ذلك، لأن له طريقين: أحدهما: طريق ابن عباس، ومدارها على عكرمة، وكان عكرمة خارجيًَّا، وكذَّبه جماعةٌ من كبراء التابعين وثقاتهم، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن المسيب، وعطاءٌ، وعلي بن عبد الله بن عباس، قال: إن هذا الخبيث يكذِبُ على أبي، ومحمد بن سيرين، وقال: ما يسوؤني أنه من أهل الجنة، ولكنه كذابٌ. وقال ابن أبي ذئب: رأيتُ عكرمة، وكان غير ثقةٍ.
وقال محمد بن سعدٍ: كان من بحور العلم؛ ولا يُحتج بحديثه.
وكاد مالكٌ يكرهُ أن يُذكر عكرمة، ولا يرى أن يروى عنه، قال أحمد بن حنبل: ما علمت مالكًا روى عن عكرمة، ولا حدَّثَ عنه بشيء إلاَّ في الرجلِ يطأ امرأته قبل الزيارة.
وفي كتاب علي ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدثوني والله عن أيوب أنه ذكر له أن عكرمة لا يُحسِنُ الصلاة، فقال له أيوب: وكان يصلي؟!
وقال ابن المديني، عن يعقوب الحضرمي، عن جده: وقف عكرمةُ على باب المسجد، فقال: ما فيه إلاَّ كافر، وكان يرى رأي الإباضية.
وقال الفضل السِّيناني عن رجل: رأيت عكرمة قد أُقيمَ قائمًا في لعب النرد.
وروى سليمان بن معبد السِّنجي (١) قال: مات عكرمة وكُثَيِّرُ عَزَّةَ في يومٍ واحدٍ، فشهد الناس جنازةَ كُثَيِّرٍ، وتركوا جنازة عكرمة.
وقال عبد العزيز الدراوردي: ما شهدهما إلاَّ سُودان المدينة.
وقال إسماعيلُ بن أبي أويس عن مالك، عن أبيه: أُتي بجنازتهما بعد
_________________
(١) في (ف): " التيمي "، وهو خطأ.
[ ٩ / ٢٤٣ ]
ذكر ترجمة عكرمة مولى ابن عباس من "مقدمة الفتح" لابن حجر
العصر، فما علمتُ أن أحدًا من أهل المسجد حلَّ حَبوتَه إليهما.
وترك مسلمٌ حديث عكرمة كما تركه مالك، ولم يخرج له مسلمٌ إلاَّ حديثًا واحدًا في الحج مقرونًا بسعيد بن جبيرٍ، ذكر ذلك الذهبي (١).
وقد تعقب جماعةٌ على هؤلاء، وصنَّفوا في الذَّبِّ عنه، منهم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عبد الله بن منده الشيعي، وأبو حاتم بن حبان، وأبو عمر بن عبد البرِّ، وخاتمة الحُفَّاظ، حافظ العصر ابن حجر في " مقدمة شرح البخاري "، وفي ترجمة عكرمة من مختصره " لتهذيب الكمال "، وهذا كلامه في مقدمة " شرح البخاري " (٢).
قال: أما أقوال من وهَّاه، فمدارها على ثلاثة أشياء: على رميه بالكذب، وعلى الطعن عليه برأي الخوارج، وعلى القدح فيه بأنه كان يقبل جوائز السُّلطان.
فأما البدعة، فإذا ثبتت عليه، فلا تضرُّ حديثه، لأنه لم يكن داعيةً، مع أنها لم تثبت عليه.
وأما قبول الجوائز، فلا يقدح أيضًا، إلاَّ عند أهل التشديد، وجمهور أهل العلم على الجواز، كما صنف في ذلك ابن عبد البر.
وأما التكذيب فسنبيِّنُ وجوه ردِّه بعد حكاية أقوالهم، وأنه لا يلزم من شيءٍ منه قدحٌ في روايته.
فالوجه الأول فيه أقوال، فأشدُّها ما رُوِيَ عن ابن عمر أنه قال لنافعٍ: لا تكذِبْ عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباسٍ، وكذا ما رُوِيَ عن سعيد بن المسيب أنه قال ذلك لمولاه بردٍ (٣)، فقد روى ذلك عن إبراهيم بن سعد بن
_________________
(١) انظر " السير " ٥/ ١٢ - ٣٦.
(٢) ص ٤٢٥.
(٣) تحرف في الأصول إلى: " تود ".
[ ٩ / ٢٤٤ ]
إبراهيم، عن أبيه، عن ابن المسيِّب، وقال إسحاق بن عيسى بن الطَّبَّاع: سألتُ مالكًا: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس؟ قال: لا، ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبردٍ مولاه.
وقال جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد: دخلت على علي بن عبد الله بني عباس، وعكرمة مقيَّدٌ، فقلت: ما لهذا؟ قال: إنه يكذب على أبي.
ورُوِيَ هذا أيضًا عن عبد الله بن الحارث أنه دخل على عليٍّ الحديث.
وسئل ابن سيرين عنه، فقال: ما يسوؤني أنه من أهل الجنة، ولكنه كذابٌ.
وقال عطاءٌ الخراساني: قلت لسعيد بن المسيب: إن عكرمة يزعم أن رسول الله - ﷺ - تزوَّج ميمونة، وهو محرِمٌ، فقال: كذب مخبَثَان (١).
وقال فطر بن خليفة: قلتُ لعطاءٍ: إن عكرمة يقول: سبق الكتاب الخُفَّين، فقال: كذب، سمعت ابن عباس يقول: امسح على الخفين وإن خرجت من الخلاء، ثم طوَّل في الحكاية لأمثال ذلك، إلى قوله في الجواب عنه:
أما الوجه الأول، فقول ابن عمر لم يثبُت عنه، لأنه من رواية أبي خلف الجزَّار، عن يحيى البَكَّاء، عن ابن عمر، ويحيى البكَّاء متروك الحديث، قال ابن حبان: ومن المحال أن يُجرَحَ العدل بكلام المجروح، وقال ابن جريج: إن ثبت هذا عن ابن عمر، فهو محتملٌ لأوجهٍ كثيرةٍ، لا يتعيَّنُ منه القدح في جميع رواية عكرمة، فقد يمكن أن يكون أنكر عليه مسألةً من المسائل كذبه فيها - قال ابن حجر: وهو احتمالٌ صحيحٌ، لأنه روي عن ابن عمر أنه أنكر عليه الرواية، عن ابن عباس في الصَّرف، ثم استدل ابن جرير على أن ذلك لا يُوجِبُ قدحًا فيه بما رواه الثقات، عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه لما قيل له:
_________________
(١) انظر تعليقنا على ذلك في " السير " ٥/ ٢٣.
[ ٩ / ٢٤٥ ]
إن نافعًا مولى ابن عمر حدَّث عن ابن عمر في مسألة الإتيان في المحلِّ المكروه: كذب العبد على أبي، قال ابن جريرٍ: ولم يَرَوْا ذلك من قول سالمٍ في نافعٍ جرحًا، فينبغي أن لا يَرَوْا ذلك من ابن عمر في عكرمة جرحًا، وقال ابن حبان: أهل الحجاز يُطلقون " كذب " في موضع " أخطأ "، ذكر هذا في ترجمة بُرد من كتاب " الثقات " ويؤيد ذلك إطلاق عبادة بن الصامت قوله: كذب أبو محمد، لما أُخْبِرَ أنه يقول: الوِتْرُ واجب، فإن أبا محمد لم يقُلْه روايةً، وإنما قاله اجتهادًا، والمجتهد لا يقال: إنه كذب، إنما يقال: إنه أخطأ. وذكر ابن عبد البر لذلك أمثلةً كثيرةً.
وأما قول سعيدٍ بن المسيِّب، فقال ابن جريرٍ: ليس ببعيدٍ أن يكون الذي حُكِيَ عنه نظير الذي حُكِيَ عن ابن عمر. قال ابن حجر (١) وهو كما قال، فقد تبيَّنَ من حكاية عطاء الخراساني عنه في تزويج النبي - ﷺ - بميمونة ولقد ظُلِمَ عكرمة في ذلك، فإن هذا مرويٌّ عن ابن عباس من طرقٍ كثيرة أنه كان يقول: إن النبي - ﷺ - تزوجها وهو محرمٌ.
ونظير ذلك ما تقدم عن عطاءٍ وسعيد بن جبيرٍ.
ويقوي صحة ما حكاه ابن حبان أنهم يطلقون الكذب في موضع الخطأ ما سيأتي عن هؤلاء من الثناء عليه والتعظيم له، فإنه دالٌّ على أن طعنهم عليه إنما هو في هذه المواضع المخصوصة.
وكذا قول ابن سيرين: الظاهر أنه طعن عليه من حيث الرَّأي، وإلا فقد قال خالدٌ الحذَّاء: كل ما قال ابن سيرين نُبِّئْتُ عن ابن عباسٍ، فإنما أخذه عن عكرمة، وكان لا يسميه، لأنه لم يكن يرضاه.
وأما رواية يزيد بن أبي زياد عن علي بن عبد الله بن عباس في تكذيبه، فقد ردها أبو حاتم ابن حبان بضعفِ يزيد، وقال: إن يزيد لا يُحتَجُّ بنقله، وهو كما قال.
_________________
(١) تحرف في (ف) إلى: " ابن عمر ".
[ ٩ / ٢٤٦ ]
وأما ما رُوِيَ عن يحيى بن سعيد الأنصاري في ذلك، فالظاهر أنه قلَّدَ سعيد بن المسيب.
وأما قصة القاسم بن محمد، فقد بيَّن سببها، وليس بقادحٍ، لأنه لا مانع من أن يكون عند التَّبحُّر في العلم في المسألة القولان، والثلاثة، فيخبر بما يستحضر منها، ويؤيد ذلك ما رواه ابن هبيرة، قال: قدم علينا عكرمة مصر، فجعل يحدثنا بالحديث عن الرجل من الصحابة، ثم يحدثنا بذلك الحديث عن غيره، فأتينا إسماعيل بن عبيد الأنصاري، وقد كان سَمِعَ من ابن عباس، فأخبره بها على مثل ما سمع، ثم قال: ثم أتيناه، فسألناه، فقال: الرجل صدوقٌ، ولكنه سمع من العلم، فأكثر، فكلما سنح له طريقٌ سلكه.
وقال أبو الأسود: كان عكرمة قليل العقل، وكان قد سمع الحديث من رجلين، فكان إذا سُئِلَ حدث به عن رجلٍ، ثم يسأل عنه بعد حينٍ فيُحدِّثُ به عن الآخر، فيقولون: ما أكذبه! وهو صادقٌ.
وقال سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، قال أيوب: قال عكرمة: هؤلاء الذين يكذبوني [من خلفي]، أفلا يكذبوني في وجهي؟ يعني: أنهم إذا واجهوه بذلك، أمكنه الجواب عنه، والمخرج منه.
وقال سليمان بن حرب: ووجه هذا أنهم إذا قرَّرُوه بالكذب، لم يجدوا عليه حجةً.
إلى قوله: وأما ذمُّ مالكٍ له، فقد تبيَّنَ سببه، وإنه لأجل ما رُمِيَ به من أجل بدعة الخوارج، وقد جزم بذلك أبو حاتمٍ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة، فقال: ثقةٌ، فقلت: يُحتجُّ بحديثه؟ قال: نعم، إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه مالك، إنما هو بسبب رأيه، على أنه لم يثبُت عنه من وجهٍ قاطعٍ، وإنما كان يُوافق في بعض المسائل، فنسبوه إليهم، وقد كان برَّأه أحمد والعجلي من ذلك، فقال في كتاب " الثقات " له: عكرمة مكيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، بريءٌ
[ ٩ / ٢٤٧ ]
مما يرميه الناس به من رأي الحرورية، وقال ابن جرير: لو كان كل من ادُّعِيَ عليه مذهبٌ من المذاهب الردية ثبت عليه ما ادُّعِيَ به وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك، للَزِمَ ترك أكثر محدثي الأمصار، لأنه ما منهم إلاَّ وقد نسبه قومٌ إلى ما يرغب به عنه.
وأما قبوله لجوائز الأمراء، فليس ذلك بمانعٍ من قبول روايته.
إلى قوله: وإذ قد فرغنا من الجواب عما طُعِنَ عليه به، فلنذكر ثناء الناس عليه من أهل عصره، وهلمَّ جرًا.
قال محمد بن فضيل، عن عثمان بن حكيمٍ: كنت جالسًا مع أبي أُمامةَ بن سهلِ بن حُنيفٍ، إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أُمامة، أذكرك الله، هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم به عني عكرمة فصدقوه، فإنه لن يكذب عليَّ؟ فقال أبو أمامة: نعم. وهذا إسنادٌ صحيحٌ.
وقال يزيد النحوي، عن عكرمة، قال لي ابن عباس: انطلق، فأفتِ النَّاسَ.
وحكى البخاري عن عمرو بن دينارٍ، قال: أعطاني جابر بن زيدٍ صحيفة فيها مسائلُ عن عكرمة، فجعلت كأني أتبَاطأ، فانتزعها من يدي، وقال: هذا عكرمة مولى ابن عباسٍ، هذا أعلم الناس.
وقال الشعبي: ما بقي أحدٌ أعلم بكتاب الله من عكرمة.
وقال حبيب بن أبي ثابتٍ: مرَّ عكرمة بعطاءٍ وسعيد بن جبير، قال: فحدثهم، فلما قام، قلت لهما: تُنكران مما قال شيئًا؟ قالا: لا.
وقال أيوب: حدثني فلان، وقال: وكنتُ جالسًا إلى عكرمة وسعيد بن جبير وطاووس، وأظنه قال: وعطاء في مصر، وعكرمة صاحب الحديث يومئذٍ، وكأن على رؤوسهم الطير، فما خالفه منهم أحد إلاَّ سعيد، خالفه في مسألةٍ واحدة،
[ ٩ / ٢٤٨ ]
وقال أيوب: أرى ابن عباسٍ كان يقول القولين جميعًا.
وقال حبيبٌ أيضًا: اجتمع عندي خمسةٌ: طاووسٌ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، وسعيد بن جبير، وعكرمة، فأقبل مجاهدٌ وسعيدٌ يُلقيان على عكرمة المسائل، فلم يسألاه عن آيةٍ إلاَّ فسَّرَها لهما، فلما نَفَدَ ما عندهما، جعل يقول: نزلت آية كذا في كذا، ونزلت آية كذا في كذا.
وقال ابن عيينة: كان عكرمة إذا تكلم في المغازي، فسمعه إنسانٌ قال: كأنه مُشرفٌ عليهم يراهم. قال: وسمعنا أيوب يقول: لو قلت لك: إن الحسن ترك كثيرًا من التفسير حين دخل عكرمة البصرة حتى خرج منها، لصدقت.
وقال عبد الصمد بن مَعْقِل: لما قَدِمَ عكرمة الجَنَدَ، أهدى له طاووس نجيبًا بستين دينارًا، فقيل له في ذلك، فقال: ألا أشتري علم ابن عباس لعبد الله بن طاووس بستين دينارًا؟
وقال الفرزدق بن خراش: قدم علينا عكرمةُ مروَ، فقال لنا شهر بن حوشب: ائتُوه، فإنه لم تكن أمة إلاَّ كان لها حَبْرٌ، وإن مولى ابن عباس هذا حبر هذه الأمة.
وقال جرير بن مغيرة: قيل لسعيد بن جبير: تعلمُ أحدًا أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة.
وقال قتادة: كان أعلم التابعين أربعةٌ، فذكره فيهم. قال: وكان أعلمهم بالتفسير.
وقال معمر عن أيوب: كنت أريد أن أرحل إلى عكرمة، فإني لفي سوق البصرة، إذ قيل لي: هذا عكرمة، فقمت إلى جنب حماره، فجعل الناس يسألونه وأنا أحفظ.
وقال حماد بن زيدٍ: قال لي أيوب: لو لم يكن عندي ثقةٌ، لم أكتب عنه.
[ ٩ / ٢٤٩ ]
وقال يحيى بن أيوب: سألني ابن جريجٍ: هل كتبتم عن عكرمة؟ قلت: لا، قال: فاتكم ثُلُثُ العلم.
وقال حبيبُ ابن الشهيد: كنت عند عمرو بن دينارٍ، فقال: والله ما رأيتُ مثل عكرمة.
وقال سلام بن مسكين: كان عكرمة من أعلم الناس بالتفسير.
وقال الثوري: خذو التفسير عن أربعةٍ، فبدأ به.
وقال البخاري: ليس أحدٌ من أصحابنا إلاَّ احتج بعكرمة.
وقال جعفر الطيالسي، عن ابن معين: إذا رأيتَ إنسانًا يقع في عكرمة، فاتهمه على الإسلام.
وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أيما أحب إليك: عكرمة عن ابن عباس، أو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنه؟ قال: كلاهما، ولم يختر. قلت: فعكرمة وسعيد بن جبير؟ قال: ثقةٌ وثقةٌ، ولم يختر.
قال النسائي في " التمييز " وغيره: ثقة.
وتقدم توثيق أبي حاتم والعجلي.
وقال المروزي: قلت لأحمد بن حنبل: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، وقال أبو عبد الله محمد بن نصرٍ المروزي: أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديثه (١)، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا، منهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ويحيى بن معين، ولقد سألت إسحاق عن الاحتجاج بحديثه؟ فقال: عكرمة عندنا إمام الدنيا، وتعجب من سؤالي إيَّاه، وقال: حدثنا غير واحدٍ أنهم شهدوا يحيى بن معين، وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بعكرمة، فأظهر التَّعجُّبَ.
_________________
(١) في (د) و(ف): " بحديث عكرمة ".
[ ٩ / ٢٥٠ ]
وقال علي بن المديني: كان عكرمة من أهل العلم، ولم يكن من موالي ابن عباس أغزر علمًا منه.
وقال ابن مندَة: قال أبو حاتم: أصحاب ابن عباسٍ عيالٌ على عكرمة.
وقال البزار: روى عن عكرمة مئة وثلاثون رجلًا من وجوه البلدان، كلهم رضوا به.
وقال العباس بن مصعب المروزي: كان عكرمة أعلم موالي ابن عباس وأتباعه بالتفسير.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان عكرمة من أثبت الناس فيما يروي، ولم يحدث عمن دونه أو مثله، أكثر حديثه عن الصحابة.
وقال أبو جعفر بن جرير: ولم يكن أحد يدفع عكرمة في العلم بالفقه، وبالقرآن، وتأويله، وكثرة الرواية بالآثار، وأنه كان عالمًا بمولاه، وفي تقريظ جِلَّةِ أصحاب ابن عباس إياه، ووصفهم له بالتقدم في العلم، وأمرهم الناس بالأخذ عنه. ما بشهاده بعضهم تثبت عدالة الإنسان، ويستحق جواز الشهادة، ومن ثبتت عدالته، لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن. وبقول فلان لمولاه: لا تكذب علي، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعانٍ غير الذي وجَّهه إليه أهل الغباوة، ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب.
وقال ابن حبان: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن، ولا أعلم أحدًا ذمَّه بشيءٍ، يعني: يجب قَبُولُه والقطع به.
وقال ابن عدي في " الكامل "، ومن عادته فيه أن يخرِّج الأحاديث التي أُنكِرَتْ على الثقة، أو على غير الثقة، فقال فيه بعد أن ذكر كلامهم في عكرمة: ولم نُخرِّجْ هنا من حديثه شيئًا، لأن الثقات إذا رَوَوْا عنه، فهو مستقيم الحديث، ولم يمنع الأئمة، وأصحاب الحديث من تخريج حديثه وهو أشهر من أن أخرِّجَ له شيئًا من حديثه.
[ ٩ / ٢٥١ ]
وقال الحاكم أبو أحمد في " الكنى ": احتج بحديثه الأئمة (١) القدماء، لكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من حيِّز الصحاح احتجاجًا بما سنذكره، ثم ذكر حكاية نافعٍ.
وقال ابن منده: أما حال عكرمة في نفسه، فقد عدَّله أمةٌ من التابعين، منهم زيادةٌ على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلةٌ لا تكاد توجد لكبير أحدٍ من التابعين على أن من جرَّحَه من الأئمة لم يُمْسك عن الرواية عنه، ولم يستغن عن حديثه، وكان حديثه يُتَلَقَّى بالقبول قرنًا بعد قرنٍ إلى زمن الأئمة الذين أخرجوا الصحيح، على أن مسلمًا كان أسوأهم رأيًا فيه، وقد أخرج له مع ذلك مقرونًا.
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان عكرمة من جِلَّةِ العلماء ولا يقدح فيه كلام من تكلم فيه، لأنه لا حجة مع أحد يتكلم فيه. وكلام ابن سيرين فيه لا خلاف بين أهل العلم أنه كان أعلم بكتاب الله من ابن سيرين، وقد يظن الإنسان ظنًا يغضب له، ولا يملك نفسه، قال: وزعموا أن مالكًا أسقط ذِكرَ عكرمة من " الموطأ " لا أدري ما صحته، لأنه قد ذكره في الحج، وصرَّح باسمه، ومال إلى روايته في ابن عباسٍ، وترك رواية عطاء في تلك المسألة، مع كونه عطاء أجلَّ التابعين في علم المناسك، والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: وقد أطلنا القول في هذه الترجمة، وإنما أردنا بذلك جمع ما تفرق من كلام الأئمة في شأنه، والجواب عما قيل فيه، والاعتذار للبخاري في الاحتجاج بحديثه، وقد صحَّ صحةُ تصرفه في ذلك. والله أعلم.
انتهى كلام الحافظ ابن حجر مع اختصار شيءٍ منه. ومع أنه اختصره كما صرح به في أول كلامه، وإنما أوردته ليعلم من وقف عليه من جهَلَةِ قدر علماء الآثار وسَعَة علومهم واطلاعهم، وما ترتب عليه تصحيحهم للحديث وتضعيفهم
_________________
(١) " الأئمة " ساقطة من (ش).
[ ٩ / ٢٥٢ ]
تبادر كثير من أهل العلم إلى القطع بالتكذيب حين يسمعون المستبعدات
من البحث الطويل، والبُعْدِ الكثير، والجمع بين المختلفات، والتَّحرِّي والإنصاف وتوفية الاجتهاد حقه في طلب الظن الأقوى، وتمهيد قواعد ذلك حسب الإمكان.
وقد يعضد من وقف على تصحيح حديثه بأن مدار الجواب على الحمل على السلامة، ولو بالتأويل الممكن المرجوح لقرائن تُصَيِّرُ ذلك المرجوح راجحًا عند من وثَّقه، وتلك القرائن ثبوت عدالته، وكثرة الثناء عليه، مع أن القدح لم يكن بأمرٍ قطعيٍّ لا يحتمل التأويل.
ويقوي هذا العذر لمن وثقه: ما عُلِمَ من طباع البشر في سوء الظن بمن عَلِمَ ما لا يعلمون، أو روى ما لا يعرفون، وكفى في ذلك بقصة الخَضِر مع موسى ﵇، فإنه لما رأى منه ما لا يعرف له وجهًا، قطع ببادىء الرأي بقبحه وإنكاره، ولم يصبر، مع أن الله تعالى هو الذي أخبره عن تفضيل الخضر عليه في العلم، ومع ما تقدم من تحذير الخضر له من عدم الصبر ومن وعده بالصبر، ثم أعجب من هذا: تكرُّرُ هذا منه، وعدم اعتباره (١) بالمرة الأولى، وهذه القصة -كما قيل- تكُفُّ كفَّ الاعتراض على الأعلم (٢).
ومن ذلك حديث بريدة في قصة السبِيَّة التي أخذها علي ﵇ من المغنم، ووطئها، فأنكروا ذلك عليه، وكتبوا مع بُريدة كتابًا بذلك إلى رسول الله - ﷺ -، قاطعين بقُبحه، حتى ذبَّ عنه رسول الله - ﷺ -. والحديث معروف في " البخاري "، و" مسند أحمد " وغيرهما (٣).
وهذا بابٌ واسعٌ، لو بسطته، لطال الكلام، والقليل يكفي المنصف عِبْرَةً.
وقد تبادر كثيرٌ من أهل العلم إلى القطع بالتكذيب حين يسمعون المستَبْعَدات، وقد كان عمر بن الخطاب من أسوأ الناس ظنًَّا بمن روى ما لا
_________________
(١) في (ف): " اعتبار ".
(٢) في (ف): " عن الاعتراض ".
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٥١ و٣٥٩، والبخاري (٤٣٥٠).
[ ٩ / ٢٥٣ ]
يعرفه، وقد توعد أبا موسى بالضرب إن لم يأته بشاهدٍ على حديث الاستئذان، فجاء إلى الأنصار مذعورًا، فقالوا: لا يقوم معك إلاَّ أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري، فشهد له بذلك، فعَجِبَ عمر من خَفاءِ ذلك عليه من أمر رسول الله - ﷺ - (١).
ولم يقبل عمر حديث عمار في تيمُّم الجُنُب، ونسي ذلك، مع أنه كان معه، وقال له: اتق الله يا عمَّار، ومن مثلُ عمار، ولجلالة عمار أَذِنَ له عمر في رواية الحديث مع نسيانه له، وقال له: قد ولَّيناك ما تولَّيت (٢)، ووقف مع ذلك عن العمل به.
وكذا ترك حديث فاطمة بنت قيسٍ لمعارضته لكتاب الله تعالى (٣)، وهو خاصٌّ مفسِّرٌ لا معارض، والمصير إليه واجبٌ على مقتضى قواعد الأصول الفقهية، ولذلك قلَّتِ الرواية في أيام خلافته، ولذلك كَرِهَ أهل الحديث الرواية عن الأحياء، لأنهم قد ينسون كما نسي عمر، فيكذِّبُون من روى عنهم، فيؤخذ بكلامهم، لغَلَبَة سوء الظن على الطبائع، ولا يلتفت إلى المحامل الحسنة.
وقد أوضحت وجه الحجة في هذا المقام في كتابي في علوم الحديث في الكلام على تقديم (٤) الراجح من الجرح والتعديل وعدم إطلاق تقديم الجرح، وكيف يسوغ ذلك (٥)، وقد رأينا الكلام لا يكثر إلاَّ في الأعيان المفضلين، فما سُبَّ من على المنابر من الصحابة إلاَّ خَيرُهم، ولا خُصَّ بالرفض والنَّصب إلا أهل المراتب الرفيعة منهم. أفيقال: إن من كفَّرَهم وسبَّهم أولى، لأنه مُثْبِتٌ ومُطَّلِعٌ؟ بل الواجب النظر والبحث عن الخبر، والجمع بين المتفرقات، وترك التعصب، والبناء على قواعد العلم المشهورة.
وأما من غَلَّبَ الجرح في حق عكرمة، فتمسك بالقاعدة المشهورة في
_________________
(١) تقدم تخريجه ٣/ ١٦١.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في (ف): " تقدير ".
(٥) انظر " تنقيح الأنظار " مع شرحه " توضيح الأفكار " ٢/ ١٥٨ وما بعدها.
[ ٩ / ٢٥٤ ]
أصول الفقه وفي الفقه، وهي: أن المُثبِتَ أولى من النافي، والجارح مقدَّمٌ على المعدل، لأنه أثبت أمرًا عَرَفَه، والمعدِّل محمول على عدم معرفة ذلك، وهذا عندهم من قبيل الجمع، وهو مقدمٌ على الرد.
والجواب عليهم: أنه لم يقع ردٌّ ولا تكذيبٌ لأحد من الثقات ممن وثَّق عكرمة، ولا ممن كذَّبه، بل حُمل المكذب على أنه سمى الخطأ كذبًا، أو قال قولًا يظن أنه فيه بارٌّ صادقٌ على حسب ظنِّه واجتهاده، فالكل من قبيل الجمع، لا من قبيل الرد.
وإذا كان كذلك، فكلٌّ يعمل في الجمع بما يترجَّح في اجتهاده، ولا حرج، لكن يلزم المعتزلة البقاء على قاعدتهم في تقديم الجرح، فيبطل عليهم الاحتجاج بحديث عكرمة في الفروع الظنية كيف في المسائل القطعية؟ والله يحب الإنصاف، وخصوصًا قبوله فيما يُقوِّي بدعته، لأنه قد اتُّهم ببدعة الخوارج، وصح عنه أنه وافقهم في بعض أقوالهم، وإنما دفع عنه المجيبون موافقتهم في الجميع.
وقد اتُّهم بتكفير أهل الذنوب من المسلمين، وهو أقوى ما نُقِمَ عليه، وأكثر ما جرَّأهم على الوقيعة فيه، فقال ابن لهيعة (١) عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة: كان عكرمة حين أتى نجدة الحروري، فأقام عنده تسعة أشهرٍ، ثم رجع إلى ابن عباس، فسلم عليه، فقال: جاء الخبيث، قال: فكان يحدِّثُ برأي نجدة. قال: وكان -يعني نجدة- أوَّل من أحدث رأي الصُّفريَّة.
قال الجوزجاني: قلت لأحمد بن حنبل: أكان عكرمة إباضيًا؟ فقال: يقال: إنه كان صُفريًا. وقال أبو طالب، عن أحمد: كان يرى رأي الخوارج الصفرية. وعنه أخذ أهل إفريقية، وقال علي ابن المديني: يقال: إنه كان يرى برأي نجدة، وقال يحيى بن معين: كان ينتحلُ مذهب الصُّفريَّة، ولأجل ذلك تركه مالكٌ، وقال مصعبٌ الزبيريُّ: كان يرى رأي الخوارج، وزعم أن عليَّ بن
_________________
(١) انظر " السير " ٥/ ٢٠.
[ ٩ / ٢٥٥ ]
عبد الله كان على هذا المذهب. قال مصعبٌ: وطلبه بعض الولاة بسبب ذلك، فتغيَّب عند داود بن الحصين إلى أن مات، وقال خالد بن أبي عمران المصري: دخل علينا عكرمة إفريقية وقت الموسم، فقال: ودِدْتُ أني اليوم بالموسم بيدي حربةٌ أطعَنُ بها يمينًا وشِمالًا.
وقال أبو سعيد بن يونس في " تاريخ الغرباء ": إلى وقتنا هذا قومٌ على مذهب الإباضية، يعرفون بالصُّفريَّة، يزعمون أنهم أخذوا ذلك عن عكرمة.
وقال يحيى بن بُكَيْرٍ: قدم عكرمةُ مصرَ، وترك بها دارًا. وخرج إلى المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا.
وروى الحاكم في " تاريخ نيسابور " عن يزيد النحوي، قال: كنت قاعدًا عند عكرمة، فأقبل مقاتل بن حيَّان وأخوه، فقال مقاتلٌ: يا أبا عبد الله، ما تقول في نبيذ الجرِّ؟ فقال عكرمة: هو حرامٌ، قال: فما تقول فيمن شربه؟ قال أقول: إنَّ كلَّ شَربةٍ منه كفرٌ. قال يزيد: والله لا أدعه. قال فوثب مغضبًا، قال: فلقيته بعد ذلك في مفازَة فرد، فسلمت عليه، وقلت له: كيف أنت، قال: بخيرٍ ما لم أرك!
وقال الدراوردي: توفِّي عكرمة وكُثَيِّرُ عزةَ في يومٍ واحدٍ، فعجب الناس لموتهما، واختلاف رأيهما: عكرمة يُظَنُّ به رأيُ الخوارج، يكَفّرُ بالذنب، وكُثَيِّرٌ شيعيٌّ يؤمن بالرَّجعة إلى الدنيا.
ذكر ذلك كله الحافظ ابن حجر (١). وفيه أنه كان داعيةً إلى مذهب الصُّفريَّة، وإمامًا فيه، فكيف قبلتِ المعتزلة حديثه الذي يُقَوِّي بدعته، وهم أبعد الناس عن قبول الثقات الذين لم يُقْدَحْ فيهم فيما هو من القطعيَّات عندهم، بل قول البغدادية منهم برد أحاديث الثقات في الفروع الظنية. وقول شيخ الاعتزال أبي علي الجُبَّائيِّ بأنه لا يقبل الثقة الواحد في الحديث، كالشهادة، ولهم قواعد
_________________
(١) في " مقدمة الفتح " ص ٤٢٥ وما بعدها.
[ ٩ / ٢٥٦ ]
تقتضي ألا يحتج بحديث عكرمة هذا من جهاتٍ شتى.
وفي " ميزان الذهبي " (١) نجده بن أبي عامر الحَرُوري، من رؤوس الخوارج، زائغٌ عن الحق، ذكره الجوزجاني في " الضعفاء ".
وفي " صحاح الجوهري " (٢): والصُّفريَّة -بالضم- صنفٌ من الخوارج، نُسِبُوا إلى زياد بن الأصفر رئيسهم (٣) وزعم قومٌ أن الذي (٤) نُسِبُوا إليه عبد الله بن الصَّفَّار، وأنهم الصِّفرية -بكسر الصَّاد- في " ضياء الحلوم ": سُمُّوا بذلك لصُفْرَة أبدانهم من الصيام والعبادة.
وقيل: بكسر الصاد، لأن رئيسهم خاصم رجلًا، فقال: أنت صِفْرٌ (٥) من الدين، فسمي (٦) بذلك.
ولم يذكر الذهبي في " ميزانه " زياد بن الأصفر، ولا عبد الله بن الصَّفَّار، لأنهما ليس لهما رواية.
وقال أهل كتب المقالات: مذهبُ الصُّفريَّة.
وأما حديث أبي هريرة الذي يشهد (٧) له، فأصول المعتزلة تقتضي ألا يحتج به لوجوه:
أولها: أن المسألة عندهم قطعية، والحديث أحادي.
وثانيها: إن مداره على سعيد المقبُري، وقد قال ابن سعد: ثقة، لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين، وأتاه ابن عيينة، فرأى لُعابَه يَسيلُ، فلم يأخذ عنه.
ذكر ذلك الذهبي (٨)، وقال: ما أظن أحدًا أخذ عنه بعدما اختُلِطَ.
_________________
(١) ٤/ ٢٤٥.
(٢) ٢/ ٧١٥.
(٣) " رئيسهم " ساقطة من (ف).
(٤) تحرفت في (ف) إلى: " الذين ".
(٥) في (ش): " أصغر "، وهو خطأ.
(٦) في (ف): " فسموا ".
(٧) في (ش): " شهد ".
(٨) في " الميزان " ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.
[ ٩ / ٢٥٧ ]
وقال ابن حجر في " مقدمة شرح البخاري " (١): مجمَعٌ على ثقته، لكن كان شعبة يقول: حدثنا سعيدٌ المقبُري بعد أن كَبِرَ، وزعم الواقدي أنه اختُلِطَ قبل موته بأربع سنين، وتبعه ابن سعدٍ ويعقوب بن شيبة وابن حبان، وأنكر ذلك غيرهم وقال الساجي: [عن يحيى بن معين: أثبت الناس فيه ابن أبي ذئب. وقال ابن خراش: أثبت الناس الليث بن سعد] (٢).
قال ابن حجر: أكثر ما روى له البخاري من حديث هذين عنه، وأخرج له أيضًا من حديث مالكٍ وإسماعيل بن أُمَيَّة، وعبيد الله بن عمر العمري وغيرهم من الكبار، وروى له الباقون، لكن لم يُخرجوا من حديث شعبة عنه شيئًا.
قلت: لكونه صرَّح بأنه أخذ عنه بعدما كبر، والذي ظنه (٣) الذهبي صحيحٌ بعد تبيُّنِ الاختلاط، ولكن يجيءُ قليلًا قليلًا، فربما أخذ عنه في أوائله قبل تحقُّقه.
والمعتزلة تقدم الجرح مطلقًا، وتُغَلَّبُ جانب الحظر في مثل هذا، وليس لهم بحث عمن (٤) أخذ عنه قبل أوائل الاختلاط، ومن أخذ عنه بعد ذلك، ولا عن الشواهد والتوابع، ولذلك لو قيل للمتكلمين منهم: هل تُفَرِّقُ بين رواية شعبة عن المقبُرِيِّ، ورواية من أخذ عنه قديمًا، لم يفرقوا بين ذلك، فليس لهم أن يحتجوا بحديثه، ولا أن يقلدوا أهل الحديث في مسألةٍ قطعيةٍ، مع انتقاصهم لهم، وقدح كثيرٍ منهم فيهم.
وثالثها: أن أبا هريرة متكلَّمٌ عليه مجروحٌ عندهم مُكَذَّبٌ، كما ذكره ابن أبي الحديد وطول فيه، وأفحش في شرح قول علي ﵇ لأصحابه: أما إنه سيظهر عليكم رجل رَحْبُ البلعوم إلى آخر ما ذكره (٥).
_________________
(١) ص ٤٠٥.
(٢) ما بين حاصرتين بياض في الأصول، واستدرك من " مقدمة الفتح ".
(٣) في (ف): " ذكره ".
(٤) في (ف): " فيمن ".
(٥) تقدم ص ١٠٦ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٢٥٨ ]
وقال شيخهم أبو الحسين: إنه مُغَفَّلٌ، يعني كثير الوهم (١)، سيىء الحفظ، فخالف إجماع العارفين بهذا اللسان (٢)، وقد نسبه ابن أبي الحديد إلى تعمُّد الكذب، وصرَّح بجرحه عند شيوخهم.
فالعجب منهم كيف يحتجون بحديثه في القطعيات عند الحاجة إلى ذلك!
ورابعها: أن للحديث علةً على أصول الجميع، وهي (٣) أنه لم يصرِّح أبو هريرة بالسَّماع في هذا الحديث عن النبي - ﷺ - وقد كان روى حديث فطر مَنْ أصبح جُنُبًَا، فلما خالفته أزواج النبي - ﷺ -، قال: حدثني بذلك الفضل بن العباس (٤)، فدل على أنه قد يروي عن النبي - ﷺ - ويُسقط واسطةً، ولو لم يكن صحابيًا، لعده المحدِّثُون مُدَلِّسًا، بل قد قال بذلك إمام المحدثين شعبة بن الحجاج الحافظ، رواه عنه يزيد بن هارون، قال: سمعته من شعبة. رواه عنه الذهبي في ترجمة أبي هريرة من " النبلاء " (٥) بصيغة الجزم، ثم قال: تدليس الصحابة كثيرٌ، ولا عيب فيه، فإنه عن صاحب أكبر منهم، وهم كلهم عدول.
وفيه نظر إذ أمكن واحتمل أن تدليس بعضهم عن تابع مختلفٍ فيه مثل ما نحن فيه، وهذا بيِّنٌ.
وقد كان معاصرًا لعكرمة مخالطًا له (٦)، وأحدهما راوٍ عن الآخر، ذكره المزِّي في " تهذيب الكمال " في ترجمة أحدهما، أو في ترجمتيهما، ومن رويا عنه.
وقد ذكر ابن الحاجب في " مختصر المنتهى " (٧) خلافًا بين أهل (٨) الأصول في قول الصحابي: قال رسول الله - ﷺ -، هل هو واجب القبول، أو لا بد من أن
_________________
(١) في (ف): " للوهم ".
(٢) كتب فوقها في (ف): " الشأن ظ ".
(٣) في (د) و(ف): " ولذلك ".
(٤) انظر ٢/ ٦٢.
(٥) ٢/ ٦٠٨.
(٦) " له " ساقطة من (ش).
(٧) ص ٨١ - ٨٢.
(٨) في (ف): " علماء ".
[ ٩ / ٢٥٩ ]
يقول: سمعته (١)، أو أخبرني أو حدثني؟ واختار أنه محمولٌ على السماع، وأن ذلك ينبني على عدالة الصحابة.
قلت: قد ادعى ابن عبد البر (٢) الإجماع على قبول مُرْسَلٍ الصحابي، وعلَّل ذلك بتحقُّق أن الواسطة المحذوف صحابيٌّ، وأن الصحابة كلهم عدولٌ، وهذا ظاهرٌ على أصول المحدِّثين دون المعتزلة، وكذا متى جوز أن الواسطة غير صحابي مثل هذا الحديث ولا إجماع.
وذكر ابن حجرٍ أنه قد يكون بينه - ﷺ - وبين الصحابي وسائطُ كثيرةٌ، ذكره في " علوم الحديث ".
فاحتمل حينئذٍ أن يكون أبو هريرة سَمِعَه من عكرمة عن ابن عباس، فرواه عن النبي - ﷺ - وأعضله بذلك، كما حذف الفضل في حديث " من أصبح جُنبًا " وهذا احتمالٌ قريبٌ، فكيف تُعارَضُ الآيات القرآنية التي لا يأتي عليها العدد، وما لا يُحصى من الحديث الذي لا علَّةَ له بمثل هذا من لا يلتفت إلى الأخبار التي لا مقال فيها، ويعتذر عن متواتراتها بأنها آحادٌ، حتى إذا احتاج إلى آحادها المُعَلَّة على قواعده، احتج بها، فما هذا عمل العارفين، ولا عمل المُتناصفين، فالله المستعان.
ويؤيد ما ذكرته من الاحتمال أن المِزيَّ ذكر (٣) في ترجمة فُضيل بن غزوان، عن عكرمة عن ابن عباسٍ من " الأطراف " (٤) ما يدلُّ على اضطراب عكرمة فيه، كما تقدم، فرواه مرَّةً عن أبي هريرة موقوفًا، ومرة عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر مرفوعًا، وفى الأكثر عن ابن عباسٍ، فلعله رواه لأبي هريرة وابن عُمَرَ، ثم سمعهما يرويانه مرسلًا، فرواه عنهما تقويةً لمذهبه، وقد روى عنه البخاري في
_________________
(١) " سمعته " ساقطة من (ف).
(٢) في " التمهيد " في حديث ابن عمر في المواقيت كما ذكره المؤلف في " تنقيح الأنظار ".
(٣) " ذكر " ساقطة من (ش).
(٤) ٥/ ١٦٠ - ١٦١.
[ ٩ / ٢٦٠ ]
فصل في الفرق بين الإيمان والإسلام والإحسان
كتاب المحاربين ذكر التوبة، فما مثله بمؤتمن على التَّفرُّد، ومخالفة غيره في هذا.
وهذا على أن الحديث -على تسليم صحته- مخالفٌ لمذهب الخصوم حيث قَيَّدَ نفيَ الإيمان بحال مُباشَرَةِ العصيان، وصرح الحاكم والترمذي وأبو داود برفع ذلك إلى النبي - ﷺ -. ورواه الترمذي عن محمد بن علي الباقر، وأكثر سادات العترة ﵈ كما مضى بيانه، ولو أراد نفي الإيمان مُطلقًا، ولم يقيِّدْهُ، ولا أطلقه كما أطلق الله لعنَهُ على اليهود حيث قال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].
فصل
في الفرق بين الإيمان والإسلام والإحسان وبيان أن الإيمانَ سريرةٌ، والإسلام علانيةً، كما رواه أحمد في " مسنده " (١) من حديث أنس مرفوعًا، عن النبي - ﷺ - وأن المكلفين كافرٌ ومؤمنٌ، كما قال الله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وبيان ما عضد ما قدمنا من القرآن الكريم، وفسَّره وبيَّنه من سنة رسول الله - ﷺ - كما بيَّن الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر شرائع الإسلام، فلم تزل السنن النبوية تأتي بزيادة البيان وتخصيص العموم، وتفسير المُجْمَل، وعلى ذلك علماء الإسلام الصحابة، والتابعون، ثم سائر القرون، حتى انبعثت (٢) فرقةٌ من فِرَقِ المعتزلة، فمنعت السنن الواردة في هذه المسألة بخصُوصها، وادعت أنها قطعيةٌ لا تقبل فيها الآحادُ، وبلغت الأخبار في مخالفتهم مبلغ التواتر المجمع عليه، وزادت (٣)
_________________
(١) ٣/ ١٣٥، وأخرجه أيضًا أبو عبيد في " الإيمان " ص ٥، والبزار (٢٠)، وابن عدي في " الكامل " ٥/ (١٨٥٠)، وفي سنده علي بن مسعدة، وهو سيىء الحفظ، وضعفه البخاري، والنسائي، وأبو داود، وقال ابن عدي: أحاديثُه غير محفوظة.
(٢) في (د) و(ف): " نبغت "
(٣) في (ف): " وزاد ".
[ ٩ / ٢٦١ ]
على ذلك، وهم مصرُّون لجهلهم بالأخبار على تسميتها (١) آحادًا.
وهم صادقون من وجهٍ دون وجهٍ، وذلك أنها آحادٌ بالنظر إليهم وإلى أمثالهم من العامة، فإن العالم المبرِّزَ في الكلام جاهلٌ في غير فنِّه، مثلما أن الإمام المحدث الحافظ جاهلٌ بعلم الكلام.
ثم إن هذه الطائفة من المعتزلة مع منعهم من الاحتجاج في هذه المسألة بالآحاد، احتجُّوا بها، وناقضوا، وتارة منعوا من ذلك بغير حجةٍ صحيحةٍ من عقلٍ ولا سمعٍ ولا لُغةٍ ولا أثارةٍ من علمٍ يدل على ما ادَّعُوهُ من كون العموم يفيد القطع فيما طريقه الخبر، ويفيد الظن فيما طريقه الإنشاء، وهو الأمر والنهي، بل العموم ظنيٌّ في الموضعين كما قدمنا الأدلة عليه، وأنه قابلٌ للتخصيص، كما يوافقون على ذلك حيث تكون الحجة لهم كما تقدم.
فانظر الآن بإنصافٍ إلى بيان رسول الله - ﷺ - لمن يُسمَّى (٢) مؤمنًا ومن يسمى مسلمًا، حتى تعلم أنه قد تناولهم جميع ما وعد الله المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات من الرحمة والمغفرة، وتكفير السيئات بالحسنات، والخلود بفضله في الجنات، بعد أن ينتصف لبعضهم من بعض في المظالمات، ويعذِّبَ من يشاء منهم على ارتكاب المُوبقات، حتى يشفع لهم نبيُّهم صاحب المقام المحمود عليه أفضل الصَّلوات.
فمن ذلك إجماع الأمة المعلوم المقطوع به على أن الإسلام الذي يَجُبُّ ما قبله، ويُوجِبُ الموارثة، ويُحِلُّ المناكحة، ونحو ذلك من الأحكام هو (٣) ما ذهب (٤) إليه (٥) أهلُ السنة.
_________________
(١) في (ش): " لتسميتها ".
(٢) في (ش): " سمي ".
(٣) في (ف): "وهو".
(٤) كتب فوقها في (ف): " مذهب ".
(٥) " إليه " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٢٦٢ ]
ومن ذلك: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، مع قوله: ﴿ومَنْ يَرْتَدْ منكم عن دينه﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأجمعت الأمة على أن الرِّدَّة لا تصح بمجرد الكبيرة حتى تكون كفرًا.
ومن ذلك: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾ [الكافرون]، فدل على أن الدين عبادة الله وحده، كما جاء صريحًا في حديث معاذٍ في حق الله على العباد، وحق العباد على الله (١). ويقيِّدُ الدين والإسلام شروط كمالٍ، من تركها استحق العقاب، ولم يكن مرتدًا من الإسلام، ومن ذلك ما ذكره ابن الأثير أبو السعادات في " جامع الأصول والأمهات " (٢)، فقال ﵀: الفصل الأول في تحقيقهما وأركانهما:
عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب: بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله - ﷺ -، إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياض الثِّياب شديدُ سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفُهُ منَّا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي - ﷺ -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه (٣)، ووضع كفَّيه على فَخِذَيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. قال - ﷺ -: " الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحُجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا ". قال: صدقت، فعَجِبْنا له يسأله ويُصَدِّقُه، قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: " أن تُؤْمِنَ بالله، وملائكته، وكتبه، ورُسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " الحديث إلى قوله: ثم انطلق، فلبث مليًا (٤)، ثمَّ
_________________
(١) هو في " المسند " ٥/ ٢٤٢، والبخاري (١٢٨) و(٢٨٥٦) و(٥٩٦٧) و(٦٥٠٠) و(٦٢٦٧) و(٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠)، والترمذي (٢٦٤٣)، وابن ماجه (٤٢٩٦)، وابن حبان (٣٦٢).
(٢) ١/ ٢٠٧.
(٣) في (ف): " ركبته إلى ركبته ".
(٤) " مليًا " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٢٦٣ ]
قال: " يا عمرُ، أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل جاءكم يُعلِّمُكم دينكم ".
قال الحميدي: جمع مسلمٌ فيه الرواة، وذكر ما أوردنا من المتن، وأن في بعض الروايات زيادةً ونقصانًا، وأخرجه الترمذي بنحوه، وتقديم بعضه وتأخيره، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأخرجه أبو داود بنحوه في رواية: " والاغتسال من الجنابة " (١).
وروى البخاري ومسلمٌ معًا حديثًا ثانيًا نحو هذا من حديث أبي هريرة عنه - ﷺ - (٢).
وروى أبو داود والنسائي حديثًا ثالثًا نحو هذا من حديث أبي ذرٍّ وأبي هريرة معًا عن رسول الله - ﷺ - بنحو ما تقدَّم وأتمَّ منه (٣).
وأخرجه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤). وقال: رواه أحمد والبزار بنحوه، وفي إسناد أحمد شهر بن حوشب.
قلت: أكثر الأئمة على الاحتجاج به، ومن تكلَّم فيه، فما تكلَّم بحجَّةٍ كما هو مبيَّنٌ في مواضعه، وهذا يدلُّ على أن إسناد البزَّار من طريقٍ أخرى، يقوي طريق أحمد ويشهدُ لها.
وروى أنسٌ حديثًا خامسًا في هذا المعنى، عن رسول الله - ﷺ - رواه البزار (٥)
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٢) أخرجه البخاري (٥٠) و(٤٧٧٧)، ومسلم (٩) و(١٠)، وابن ماجه (٦٤)، وابن حبان (١٥٩)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) أبو داود (٤٦٩٨)، والنسائي ٨/ ١٠١.
(٤) ١/ ٣٨ - ٣٩، وهو من حديث ابن عباس. أخرجه أحمد ١/ ٣١٩، والبزار (٢٤)، وفي إسناد البزار سلام بن أبي الصهباء أبو المنذر. قال البخاري: منكر الحديث. وأورده الحافظ ابن كثير ٣/ ٤٦٣ من رواية أحمد، وقال: غريب، ولم يخرجوه.
(٥) برقم (٢٢)، وقال: غريب من حديث أنس، لا نعلمه فيه إلاَّ بهذا الإسناد، =
[ ٩ / ٢٦٤ ]
من طريق الضحاك بن نبراس، ذكر الهيثميُّ من حديث أنسٍ وحديث ابن عباسٍ في باب ما ورد في القدر، أو في باب ما ورد في الإسلام والإيمان في كتابه " مجمع الزوائد " (١).
وذكر الحافظ المراكشي أن البخاري إنما لم يخرِّج حديث عمر الأول، لاضطراب الرواة فيه، فإن منهم من جعله عن عمر، ومنهم من جعله عن ابنه عبد الله بن عمر.
قلت: هذا لا يضرُّ، لأنهما كلاهما ثقتان، فهذه ستَّةُ أحاديث في معنى لكل واحدٍ منها (٢) أو لأكثرها طرقٌ جمَّةٌ، وفي الباب سواها ما يطول ذكره.
من أشهر ذلك: حديث ابن عباسٍ، وفيه أن وفد عبد القيس أتَوُا النبي - ﷺ -، فقال: " من الوفد "؟ قالوا: ربيعة. قال: " مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى ". قالوا: إنَّا نأتيك من شُقَّةٍ بعيدةٍ، وإنَّ بيننا وبينك هذا الحيَّ من كفار مضر، وإنَّا لا نستطيع أن نأتيك إلاَّ في الشهر الحرام، فمُرنا بأمرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ به من وراءنا، وندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربعٍ، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده. قال: " هل تدرون ما الإيمان؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله ". وعَقَدَ بيده واحدةً. لفظ البخاري ومسلم: ثم ذكر بقية الأربع.
وفي لفظ الترمذي: " الإيمان بالله "، ثم فسَّرها: " شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنِّي رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تُؤدُّوا خُمْسَ ما غَنِمْتُم " وقال: حديث حسن صحيح، ففرَّق بين الإيمان والعمل، ومراده بالإيمان: اعتقاد ذلك كما هو المفهوم في لغة العرب. رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود
_________________
(١) = والضحاك بن نبراس ليس به بأس. وقال الهيثمي: رواه البزار، وفيه الضحاك بن نبراس، قال البزار: ليس به بأس، وضعَّفه الجمهور.
(٢) ١/ ٣٩ - ٤٠ في كتاب الإيمان.
(٣) في (ش): " منهما ".
[ ٩ / ٢٦٥ ]
والنسائي (١) بألفاظٍ مختلفةٍ، والمعنى متقارب، وفيه: ونهاهم عن أربعٍ: عن الدُّبَّاء، والمُزَفَّت، والحَنْتَم، والنَّقير. وقال شعبة: ربما قال: والمُقَيَّر، وهي آنية تُسرع بالتخمير، وقد نُسِخَ تحريمها وبقي تحريم المسكر.
ومن أشهر الأحاديث في هذا المعنى حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي - ﷺ - أعطى رجلًا، وترك رجلًا هو أعجبهم إليَّ، فقلت: يا رسول الله: ما لك عن فلانٍ، فوالله إني لأراه مؤمنًا؟! قال: أو مسلمًا، فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: مالك عن فلانٍ، فوالله إنِّي لأراه مؤمنًا؟! قال: أو مسلمًا، ثم غلبني، فعدتُ لمقالتي، وعاد رسول الله لمقالته، ثم قال: " يا سعد، إني لأُعطي الرجل وغيره أحبُّ إليَّ منه، خشية أن يكُبَّهُ الله في النار ". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (٢).
وفي حديث النبي - ﷺ - في مناقبِ الحسن ﵇: " إن الله يصلح به بين طائفتين من المسلمين ". خرَّجاه عن أبي بكرة (٣)، وروته الشيعة والعِترة وأهل الحديث.
وذكر ابن عبد البر في " الاستيعاب " (٤): أن رواته من الصحابة اثنا عشر، فهذا مع موافقة الخصم أنهم لا يُسَمَّوْنَ مؤمنين.
وحديث ابن عباسٍ مرفوعًا: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مُؤمِنٌ " وفيه في رواية: " لا يقتل حين يقتل وهو مؤمنٌ " (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣) و(٨٧)، ومسلم (١٧)، وأبو داود (٣٦٩٢)، والترمذي (٢٦١١)، والنسائي ٨/ ١٢٠، وأحمد ١/ ٢٢٨ و٣٣٣ و٣٣٤، وابن حبان (١٥٧) و(١٧٢)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) البخاري (٢٧) و(١٤٧٨)، ومسلم (١٥٠)، وأبو داود (٤٦٨٣) - (٤٦٨٥)، والنسائي (٨/ ١٠٣ - ١٠٤).
(٣) تقدم تخريجه ٢/ ١٦٩.
(٤) ١/ ٣٦٩.
(٥) تقدم تخريجه ص ٨٢ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٢٦٦ ]
إنكار فرقة متأخرة من وعيدية المعتزلة الفرق بين الإسلام والإيمان
حد الإسلام والإيمان والإحسان
وفي " الصحيحين ": " سبابُ المؤمن فسوقٌ، وقتاله كفرٌ " (١)، وهو كفرٌ دون كفرٍ بالإجماع، لوجوب القصاص في أغلظه، وهو العمد العدوان.
فهذه الأحاديث الصحيحة المتظاهرة مبيِّنةٌ لما اجتمعت عليه في معناها من الفرق بين الإسلام والإيمان، كما في كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ الآية [التحريم: ٥]، وقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وروى النسائي حديث سعدٍ في تفسيرها على تشيعه (٢).
وجاءت هذه الفرقة المتأخرة من وعيدية المعتزلة، فأنكرت الفرق بينهما، استدلالًا بأنهما أسماءُ مدحٍ، فلا يطلقان، ولا أحدهما، إلاَّ على العدل المرضيِّ، وهذه حجةٌ داحِضَةٌ، لأن الموحِّد اسمُ مدحٍ، وكذلك المُصلِّي والصائم والمجاهد وغيرُ (٣) ذلك.
ومن المعلوم من إجماع المسلمين، بل العقلاء أجمعين أنه يشتَقُّ لكل فاعلٍ اسم من فعله وإن كان ذلك اسم مدحٍ خصوصًا، وقد تواترت به نصوص الكتاب والسنة.
وقد دَلَّتِ النصوص على أن الإسلام: عمل الجوارح التي تحقِنُ الدَّمَ، وقد يصدُرُ هذا عن المنافق والإيمان: التصديق بالقلب لِمَا ظهر باللِّسان، والإحسان: اليقين المستلزم إخلاص الجميع لله ﷿، وعدم النفاق في ذلك (٤) كما فسَّر الإحسان بذلك الخطابي رحمه الله تعالى.
_________________
(١) تقدم تخريجه ٨/ ٢٤.
(٢) هو الحديث المتقدم في الصفحة السابقة.
(٣) في (ف): "ونحو".
(٤) في (ف): " وذلك ".
[ ٩ / ٢٦٧ ]
وقال النواوي في " شرح مسلم " (١): إنه قول جماعةٍ من المحقِّقين، وإنه صحيحٌ. ذكره في باب " هل يؤاخذ بأفعال الجاهلية، في أواخر كتاب الإيمان، والحمد لله رب العالمين.
ويزيده بيانًا في الإحسان أحاديث، منها حديثان صحيحان متفقٌ عليهما.
أحدهما: حديث عبد الله بن مسعودٍ عن رسول الله - ﷺ - قال: " من أحسن في الإسلام لم، يؤاخِذْه بما عَمِلَ في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أُخِذَ بالأول والآخر " رواه البخاري ومسلم، كلاهما من طرق عن منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود (٢).
فقوله: " ومن أساء أُخِذَ بالأول والآخر " يدلُّ على النفاق، فإن المسلم صاحب الكبيرة لا يُؤاخذُ بما تَقَدَّمَ قبل إسلامه بالإجماع والنُّصُوص المعلومة، لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، فدل على أن الإحسان المقابل للنفاق هو الإخلاص.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -، وفيه: " إذا أحسن (٣) أحدُكم إسلامه، فكلُّ حسنةٍ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ، وكل سيئةٍ يعملها تكتب بمثلها حتَّى يلقى الله ﷿ ". رواه البخاري ومسلم، كلاهما من طرُقٍ عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة (٤). والحجة فيه واضحةٌ، فإنه جعل المسلم المُحسِنَ صاحب حسناتٍ وسيئاتٍ، وسماه مُحسنًا في حاليه كليهما، حال حسناته وحال سيئاته.
_________________
(١) ٢/ ١٣٦.
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠)، وأحمد ١/ ٤٠٩ و٤٢٩ و٤٣٩ و٤٦٢، وابن حبان (٣٩٦).
(٣) في (ش): " حسن ".
(٤) أخرجه البخاري (٤٢)، ومسلم (١٢٩)، وأحمد ٢/ ٣١٧، وابن حبان (٢٢٨).
[ ٩ / ٢٦٨ ]
الحديث الثالث: عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا أسلم العبد، فحَسُنَ إسلامه، كتب الله له كل حسنةٍ كان أزلفها، وكان بعد ذلك القصاص كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، والسيئة بمثلها إلاَّ أن يتجاوز الله عنها " أخرجه النسائي، واختصره البخاري تعليقًا عن مالك، ولم يذكر الحسنة (١). ذكره ابن الأثير في " جامع الأصول " (٢) في حرف الفاء في أول الباب التاسع في فضائل أعمال وأقوال في الفصل الأول منه.
الحديث الرابع: عن ابن عباس، قال: جلسَ رسول الله - ﷺ -، فأتاه جبريل، فقال: حدثني ما الإسلام وساق الحديث إلى أن قال: حدثني ما الإحسانُ، قال: " أن تعمل لله كأنَّك تراهُ، فإن كنتَ لا تراهُ، فإنه يراك ". رواه أحمد وهو (٤٣٣) من مسنده من " جامع ابن الجوزي " وهو حديث حسن من حديث شهر عن ابن عباس (٣).
ويشهد لذلك ما رواه مسلمٌ والنسائي وابن ماجه من أهل الكتب الستة، وأحمد من أهل المسانيد من طرقٍ عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن عبد الرحمن بن عبد ربِّ الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله - ﷺ - أنه ذكر حديثًا طويلًا فيه تخويفٌ عظيمٌ من الفِتَنِ، وفيه: " فمن أحبَّ منكم أن يُزَحْزَحَ عن النار ويدخل الجنة، فليُدْرِكه موته وهو مؤمنٌ بالله واليوم الآخر، وليأْتِ إلى الناس ما يحبُّ أن يُؤتَى إليه ". رواه مسلم في المغازي، والنسائي في البيعة، وابن ماجة في الفتن، وذكر أبو داود بعضه في الفتن (٤).
وهذا أمرٌ صحيحٌ يشهد له كتاب الله كما تقدم في قوله تعالى: ﴿والذي
_________________
(١) أخرجه النسائي ٨/ ١٠٥، وعلقه البخاري (٤١).
(٢) ٩/ ٣٥٨.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٦٤ من هذا الجزء.
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ١٦١ و١٩١، ومسلم (١٨٤٤)، والنسائي ٧/ ١٥٣، وأبو داود (٤٢٤٨)، وابن ماجه (٣٩٥٦).
[ ٩ / ٢٦٩ ]
بيان إحسان العبد في ذنبه من وجوه
﴿جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِين﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٤]، ولم يقدِّم من أعمالهم إلاَّ الصدق والتصديق، ثم قال عَقِبَ ذلك: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الزمر: ٣٥]، وذلك يقتضي أنهم أحسنوا في طاعاتهم وذنوبهم، أما طاعاتهم، فأخلصوها لله تعالى وحده، واتَّبعُوا رِضوانه، وصدَقوا فيها بوعده، وركنوا فيها إلى صِدْقه وحُسْنِ الظن به، وعظيم الرجاء لفضله العظيم، واعترفوا فيها بأن المِنَّة له بهدايتهم، وتوفيقهم، وعدم خذلانهم، وأنه لم يَكِلْهُم إلى أنفسهم طرفة عينٍ، ولو وَكَلَهُم إليها، لما آمنوا، ولا أخلصُوا ولا أحسنوا، كما قال رسول الله - ﷺ - في حديث زيد بن ثابتٍ: " وأشهد أنك إن تَكِلْني إلى نفسي، تكلني إلى ضَيْعَةٍ وعورَةٍ، وذنبٍ وخطيئةٍ ".
رواه أحمد والحاكم (١)، وللحاكم (٢) في حديثٍ آخر عن ابن مسعودٍ، عنه - ﷺ -: " وإن تَكِلْنِي إلى عملي، تقرِّبني من الشَّرِّ، وتباعدني من الخير ".
وأمَّا إحسانهم في ذنوبهم ففي وجوه:
أحدها: أنهم اعترفُوا بها كما قال تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ [التوبة: ١٠٢]، ولم يقولوا كما قال المشركون: ﴿وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨]، فنزَّهُوا الله تعالى من قبائحهم وفضائحهم، واعترفوا بأن الحُجَّة قد قامت عليهم، وأن الملامة كلها مصروفةٌ بالحجة البالغة إليهم، وأن الله إن عذَّبهم، مستحقٌّ -في عذابه لهم- بالثناء والحمد على ما أقام فيه مِنَ العدل الواضح، وعلى ما له فيه من الحكمة الخَفِيَّة التي صار فيها عذابهم من جملة الفضل الراجح.
وفي بعض تعاليق علم الكلام عن رسول الله - ﷺ -: إن من نَزَّهَ الله يوم القيامة
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء السادس.
(٢) كذا الأصول، وليس هو عند الحاكم في " مستدركه "، إنما رواه أحمد ١/ ٤١٢. وانظر ٦/ ٢٩٧.
[ ٩ / ٢٧٠ ]
من ذنبه، ونسب الذنب إلى نفسه، غفر الله له. والقرآن يشهد لمعناه في حكم الخالطين كما تقدم.
وثانيها: استغفارُهم له سبحانه امتثالًا لأمره، وطمعًا في عظيم فضله، وواسع بِرِّه، حيث قال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦]، وقال: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلك لمن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وثالثها: علمهم بسَعة قُدرته على كلِّ شيءٍ، واختصاصِ محبَّته للخير، وقد عبَّر عن ذلك سبحانه بقوله: ﴿بِيَدِكَ الخيرُ إنك على كل شيءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] وأمثالها، ولم يقل في آيةٍ قطُّ: بيده الشَّرُّ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
وفي " الصحيحين " عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هُريرة أنَّ رجلًا أذنبَ، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله تعالى: أذنب عبدي (١) ذنبًا، فعَلِمَ أن له ربًَّا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرتُ لعبدي، فعاد، فأذنب، فقال: اللهم اغفر لي، فقال لذلك، حتَّى قال العبد في الرابعة، فقال الله: " أُشهِدُكم أني قد غفرتُ لعبدي، فليعمل ما شاء ". رواه البخارى في التوحيد، ومسلم في التوبة، والنسائي في " عمل اليوم والليلة "، وأحمد في " المسند "، وهو الحادي والستون من مسند أبي هريرة في " الجامع "، والحاكم، وقال: على شرطهما ولم يخرِّجاه، فوهم في ذلك (٢).
وروى الحاكم في التوبة من " المستدرك " أ (٣) من حديث ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ -: " إن الله تعالى يقول: من عَلِمَ منكم أني ذُو قُدْرةٍ على مغفرة الذنوب. غفرتُ له ولا أُبالي، ما لم يُشْرِكْ بي شيئًا. قال الحاكم: حديثٌ صحيحٌ، وهو من حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ.
_________________
(١) " عبدي " ساقطة من (ف).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٦ و٤٠٥ و٤٩٢، والبخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤١٩)، والحاكم ٤/ ٢٤٢، وابن حبان (٦٢٢) و(٦٢٥).
(٣) ٤/ ٢٦٢، وفيه حفص بن عمر العدني، وهو واهٍ، كما قال الذهبي في " مختصره ".
[ ٩ / ٢٧١ ]
وخرَّج أيضًا في التوبة حديث أبي طوالة، عن أنسٍ، قال رسول الله - ﷺ -: " من أذنبَ ذنبًا، فعَلِمَ أن له ربًَّا إن شاء أن يغفر له، غفر له، وإن شاء عذبه، كان حقًَّا على الله أن يغفِرَ له ". ذكره عقيب حديث أبي هريرة المقدم، وقال فيه: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرِّجاه (١).
وروى الترمذي (٢) من حديث أنسٍ، وسمعتُه - ﷺ - يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرتُ لك على ما كان فيك، ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بَلَغَتْ ذنوبُكَ عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرتُ لك، ولا أبالي، يا ابن آدم، لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتُك بقُرابها مغفرةً ". وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، قال صاحب " سلاح المؤمن " ورواه أبو عوانة في " مسنده " الصحيح من حديث أبي ذرٍّ ﵁ (٣).
وخرَّج مسلمٌ والحاكم حديث أبي إدريس الخَوْلانيِّ عن أبي ذرٍّ، عن رسول الله - ﷺ -: " إن الله تعالى يقول: يا عبادي إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار، وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أُبالي، فاستغفروني أغفر لكم " (٤).
وخرَّج الحاكم عن أنس أن أبا ذرٍّ بال قائمًا، وانتضح من بولِه على ساقيه وقدميه إلى قوله: فتوضأ وغسل ساقيه وقدميه: وقال: هذا دواء هذا، ودواء الذنوب أن تستغفر الله ﷿ (٥).
_________________
(١) " المستدرك " ٤/ ٢٤٢، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢٨٦ - ٢٨٧ من طريق جابر بن مرزوق الجُدِّي، عن عبد الله بن عبد العزيز العمري، عن أبي طوالة به، وصححه الحاكم كما قال المصنف، وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، ومن جابر حتى يكون حجة؟! بل هو نكرة، وحديثه منكر. وانظر " الميزان " ١/ ٣٧٨.
(٢) برقم (٣٥٤٠)، وفيه كثير بن فائد، لم يوثقه غير ابن حبان، لكن يشهد له حديث أبي ذر، وقد تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٣) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٤) انظر التعليق السابق.
(٥) تقدم تخريجه ص ١٤٩ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٢٧٢ ]
وهذا بابٌ واسعٌ، ليس القصد التعرض إلى تقصِّيه، إنما القصد الترغيب في كثرة الاستغفار، وقد قال رسول الله - ﷺ - للنساء: " إني رأيتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النار، فتصدَّقن وأكثِرْنَ الاستغفار " (١).
ورابعها: خوفُهم له، لعلمهم بقدرته وعدله، وخفيِّ حكمته في ترجيحِ العقوبة على العفو في بعض الأشخاص وبعض الأوقات، وعدم إيمانه لهم، حيث قال: ﴿إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غيرُ مأمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٨]، وأنه لا حُكم للعبد على الرب، وأن الخواتم والسوابق مجهولةٌ، والخوف من أعظم الحسنات، لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خَشِيَ ربه﴾ [البينة: ٨]، وسوف يأتي هذا.
وخامسها: رجاؤهم له، لعلمهم بأن رحمته هي السابقة الغالبة الواسعة لكل شيءٍ، التي نصَّ في كتابه أنه كتبها على نفسه، وسوف يأتي هذا مبسوطًا.
وقد قال يحيى بن معاذٍ (٢). إن سيئةَ المؤمن مقرونةٌ بحسنتين: الخوف والرجاء، وكل حسنة بعشرِ أمثالها، فصارت سيئةً مقرونةً في الحقيقة بعشرين حسنةٍ.
وسادسها: اغتمامه بذنبه، وحُزْنُهُ لأجله، وقد ورد في غير حديثٍ: " إن المؤمن من سَرَّته حسنتُه وساءته سيِّئَتُه ". رواه البخاري ومسلم (٣) عن عمر بن الخطاب في خُطبته، ورواه الحاكم في كتاب الإيمان، عن أبي موسى، عن رسول الله - ﷺ - وقال: صحيح على شرطهما. وقد احتجا برواته عن آخرهم.
قال: وله شاهد بهذا اللفظ، ثم رواه من ثلاثِ طرقٍ عن يحيى بن أبي كثيرٍ،
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عمر أحمد ٢/ ٦٦ - ٦٧، ومسلم (٧٩)، وابن ماجه (٤٠٠٣)، والبيهقي ١٠/ ١٤٨.
(٢) هو أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي، الواعظ. من كبار المشايخ، له كلام جيد، ومواعظ مشهورة. توفي سنة ٢٥٨. انظر ترجمته في " السير " ١٣/ ١٥.
(٣) هذا وهم من المؤلف ﵀، فإنه لم يخرجه البخاري ومسلم ولا أحدهما، لكنه حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه.
[ ٩ / ٢٧٣ ]
عن زيد بن سلاَّم، عن جدِّه ممطُورٍ، عن أبي أُمامة مرفوعًا (١)، وفي الباب عن (٢).
فإن انتهى ذلك إلى الحد الذي يُسمَّى ندمًا، جاز أن يدخل في زمرة التَّائبين، لمَا ورد في أحاديث الندم عن ابن مسعودٍ وغيره عنه - ﷺ - وسيأتي.
وسابعها: أن المسلم يهُمُّ بالتوبة، وفي الصحاح: " من هَمَّ بحسنةٍ، فلم يعملها، كُتِبَتْ له حسنةً كاملة ". رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، وروى مسلمٌ والترمذي من حديث أبي هريرة مثله من طُرُقٍ، وهو في " البخاري " " أراد "، والهمُّ أكثرُ الروايات، وفي لفظٍ للترمذي: " يحدِّثُ نفسه " (٣)، وهي كرواية الهَمِّ، وليس هو في المعنى العزم، لأن العزمَ حسنةٌ كاملةٌ، خصوصًا إلى التوبة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ به وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، ولم يكن ذلك عزمًا، وسيأتي هذا.
فمن ها هنا لم يكن ما ورد به النصوص من تسميته محسنًا مما تنكره العقول، وإحسانُ المؤمن المذنب في هذه الأمور هي (٤) مقدِّمات التوبة النَّصُوح، وأسبابٌ لتوفيقه لذلك ورحمته واللُّطف به في الدَّارَيْنِ إن شاء الله تعالى، ولا نكارة في الإحسانِ في الإساءة، فقد قال النبي - ﷺ -: " إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتْلَةَ " رواه النواوي في " الأربعين " (٥) له، فأمرَ
_________________
(١) تقدم تخريجه ٨/ ١٣٣.
(٢) بياض في الأصول، وانظر ٨/ ١٣٣، التعليق (٤).
(٣) حديث ابن عباس أخرجه أحمد ١/ ٣١٠، والبخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١)، وابن منده في " الإيمان " (٣٨٠). وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٤ و٢٤٢ و٣١٥ و٤١١، والبخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٨) - (١٣٠)، وابن حبان (٣٧٩) - (٣٨٤).
(٤) في (ف): " وهي ".
(٥) وهو الحديث السابع عشر منها. وأخرجه مسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي ٧/ ٢٢٧، وابن حبان (٥٨٨٣) و(٥٨٨٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٩ / ٢٧٤ ]
المسيء إلى الكافر بالقتل أن يُحسِنَ في إساءته إليه، وهذا أولى، لأن العبد إنما ظلم نفسه، فلا يمتنعُ أن يُحسن (١) في إساءته إلى نفسه، على (٢) أن الأظهرَ أو المحتمل أن المراد: أنه يُحسن في إيمانه بالله ورسله، وما جاؤوا به، لأن الاحسان ضدُّ النِّفاقِ، لا في جميع أعماله، فلا يلزم تكلُّفُ بيان إحسانه في ذُنوبه، والله سبحانه أعلم.
نوع منه يتضمَّن ذكر الإيمان وحده، وفيه أحاديث:
الحديث الأول: عن معاوية بن الحكم، قال: أتيتُ رسول الله - ﷺ -، فقلت: إن جاريةً لي كانت ترعى لي غنمًا، فجئتُها، وقد فقدت شاةً من الغنم، فسألتُها عنها، فقالت: أكلَها الذئبُ، فأسِفْتُ عليها، وكنتُ من بني آدم، فلطمتُ وجهَهَا (٣)، وعليَّ رقبةٌ، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: " أين الله "؟ فقالت: في السماء، فقال: " من أنا "؟ فقالت: أنت رسول الله، فقال: " أعتقها، فإنها مؤمنةٌ ". رواه مسلم واللفظ له، ورواه أبو داود والنسائي، ومالك في " الموطأ " وألفاظهم مختلفة، والمعنى متقاربٌ، وكلهم رووه عن معاوية بن الحكم إلاَّ مالكًا، فقال: عمر بن الحكم في قول أكثر الرواة عنه، وقيل عنه، وهو معدودٌ في أوهام مالكٍ (٤).
الحديث الثاني: ما رواه أحمد في " المسند " عن عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود: أن رجلًا من الأنصار جاء بأَمَةٍ سوداءَ، فقال: يا رسول الله، عليَّ عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن كنتَ ترى هذه مؤمنةً اعتقتُها، فقال لها: " أتشهدين أن لا إله إلاَّ الله "؟ قالت: نعم يا رسول الله.
_________________
(١) في (ش): " يمتنع ".
(٢) في (ف): " مع ".
(٣) قوله: " فلطمت وجهها " ساقط من (ف).
(٤) أخرجه مالك ٢/ ٧٧٦ - ٧٧٧، وأحمد ٥/ ٤٤٧ و٤٤٨، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠) و(٣٢٨٢)، والنسائي ٣/ ١٤، وابن حبان (١٦٥)، وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه فيه. وانظر أيضًا " التمهيد " ٢٢/ ٧٦، وتلخيص الحبير " ٣/ ٢٢٢.
[ ٩ / ٢٧٥ ]
قال: " أتشهدين أني رسولُ الله "؟ قالت: نعم. قال: " أتؤمنين بالبعث بعد الموت " قالت: نعم. قال رسول الله - ﷺ -: " فأعتقها ". ورواه مالك في " الموطأ " (١).
وهذه الرِّواية تدل على استحباب امتحان الكافر عند إسلامه بالإقرار بالبعث، كما هو قول الشافعي (٢)، وفيه تنبيهٌ على تفسير الامتحان للنساء في قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وفي " البخاري " (٣)، عن عائشة أن امتحان النبي - ﷺ - لهن كان بالبيعة على ما أمره أن يبايعَهُنَّ عليه في قوله: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ الآية، فمن بايعت، فقد امتُحِنَتْ.
وقد امتحنَ الله الخلق في النشأة الأولى بالإقرار بالتوحيد، والإخلاص فيه لا سوى، كما صح ذلك عند أهل السنة، وقد أوضحته في مسألة الأطفال.
وفي " النبلاء " (٤) في ترجمة أم كلثوم بنت عقبة أنها لما نزلت: ﴿فامْتَحِنوهُنَّ﴾ كان النبي - ﷺ - يقول: "آلله ما أخرَجَكُنَّ إلاَّ حبُّ الله ورسوله
_________________
(١) ٢/ ٧٧٧، وأخرجه عبد الرزاق (١٦٨١٤)، وعنه أحمد ٣/ ٤٥١ - ٤٥٢، وأخرجه البيهقي ١٠/ ٥٧ من طريق يونس بن يزيد، عن الزهري، وقال: مرسل. وقال أبو عمر بن عبد البر في " التمهيد " ٩/ ١١٤: هذا الحديث، وإن كان ظاهره الانقطاع في رواية مالك، فإنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة، ورده الزرقاني في " شرح الموطأ " ٤/ ٨٥ بقوله: فيه نظر، إذ لو كان كذلك ما وجد مرسل قط! إذ المرسل: ما رفعه التابعي -وهو من لقي الصحابي-، ومثل هذا لا يخفى على أبي عمر، فلعله أراد لقاء عبيد الله جماعة من الصحابة الذين رووا هذا الحديث. وأورده الحافظ ابن كثير في " تفسيره " ١/ ٥٤٧، وقال: هذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره.
(٢) هذا قول الحافظ في " تلخيص الحبير " ٣/ ٢٢٣، وسينبه المصنف على ذلك بعد إيراد الأحاديث.
(٣) (٢٧١٣) و(٢٧٣٣) و(٤١٨٢) و(٤٨٩١) و(٥٢٨٨) و(٧٢١٤).
(٤) ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
[ ٩ / ٢٧٦ ]
والإسلام، ما خرجتُنَّ لِزَوْجٍ ولا مالٍ؟ " فإذا قلن ذلك، لم يرجعهُنَّ إلى الكفار. انتهى.
الحديث الثالث: ما رواه أبو داود (١) من حديث عون بن عبد الله بن عُتبة، عن أبي هريرة أن رجلًا أتى إلى النبي - ﷺ - بجاريةٍ سوداء، فقال: يا رسول الله، إن عليَّ رقبةً مؤمنةً، فقال لها: " أين الله "؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها: " من أنا "؟ فأشارت إلى النبي - ﷺ - وإلى السماء تعني: أنت رسول الله، فقال: " أعتِقها، فإنها مؤمنةٌ ".
الحديث الرابع: ما رواه أبو أحمد العسال (٢) في كتاب " السنة " له من طريق أُسامة بن زيدٍ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: جاء حاطبٌ إلى رسول الله - ﷺ - بجاريةٍ، فقال له: يا رسول الله، إنَّ عليَّ رقبةٌ، فهل تجزىءُ هذه عني؟ فقال: " أين رَبُّكِ "؟ فأشارت إلى السماء، فقال: " أعتِقها، فإنها مؤمنةٌ " (٣).
الحديث الخامس: ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبَّان في " صحيحه " من حديث الشَّريد بن سُوَيْدٍ، فقال: يا رسول الله، إن أُمِّي أوصت أن أعتق عنها رقبةً، وعندي جاريةٌ سوداءُ الحديث، كذا قال ابن حجر (٤) في ذكر شواهد ما تقدم، ولم أعرِفْ لفظ أحمد وابن حبان، ولفظ أبي داود
_________________
(١) برقم (٣٢٨٤)، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وقد اختلط. ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٢٩١، وابن خزيمة في " التوحيد " ١/ ٢٨٤ - ٢٨٦.
(٢) هو الحافظ محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سلمان بن محمد، أبو أحمد العسال الأصبهاني. كان أحد الأئمة في الحديث حفظًا وإتقانًا. توفي سنة ٣٤٩. انظر ترجمته وذكر مصنفاته في " السير " ١٦/ ٦ - ١٥.
(٣) أسامة بن زيد ضعيف، ويحيى بن عبد الرحمن لم يسمع من جده حاطب، ورجَّح المصنف (ص ٣٩٣) كونه مرسلًا.
(٤) في " تلخيص الحبير " ٣/ ٢٢٣.
[ ٩ / ٢٧٧ ]
أحاديث في بيان الإيمان وهو التصديق بالله ورسله والتوحيد
والنسائي: وعندي جارية سوداء (١) أفأعتقها؟ قال رسول الله - ﷺ -: " ادعُ بها "، فدعوتها. فقال لها رسول الله - ﷺ -: " مَنْ ربُّكِ "؟ قالت: الله. قال: " فمن أنا "؟ قالت: رسول الله. قال: " أعتِقْها، فإنها مؤمنةٌ " رواه أبو داود من أئمة أهلِ السنة، والنسائي من أئمة الشيعة (٢).
الحديث السادس: ما رواه الطبراني في " معجمه الأوسط " من طريق ابن أبي ليلى، عَنِ المنهال، والحكم عن سعيدٍ، عن ابن عبَّاس أن رجُلًا أتى إلى النبي - ﷺ -، فقال: إنَّ عليَّ رقبةً، وعندي جاريةٌ سوداءُ أعجميَّةٌ، فذكر الحديث. ذكره ابن حجر في شواهد ما تقدم (٣).
الحديث السابع: ما رواه أحمد (٤) من حديث أبي هريرة بنحوه.
الحديث الثامن: ما رواه الحاكم في " المستدرك " (٥) من طريق عون بن عبد الله بن عُتبة، قال: حدثني أبي، عن جدِّي، وهو خلافُ الحديث الثالث، لأن ذلك عن أبي هريرة، وهذا عن أبيه، عن جدِّه، أشار إليه ابن حجر في الظِّهار من " التلخيص "، ولم يَسُقْ لفظه.
فهذه ثمانيةُ أحاديث إلى السِّتَّةِ المتقدِّمَة، صارت أربعة عشر، دالَّةً على ما دلَّ عليه ما لا يُحصى من الآيات القرآنية التي قدمنا منها الكثير الطَّيِّبَ في الدلالة على أن التصديق بالله ورسله والتوحيد يسمى إيمانًا في اللغة، والشريعة
_________________
(١) " سوداء " ساقطة من (ش).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٢ و٣٨٨، وأبو داود (٣٢٨٣)، والنسائي ٦/ ٢٥٢، وابن حبان (١٨٩).
(٣) وأخرجه البزار (١٣). ومحمد بن أبي ليلى سيىء الحفظ. وانظر " مجمع الزوائد " ٤/ ٢٤٤.
(٤) انظر الحديث الثالث المتقدم قريبًا.
(٥) ٣/ ٢٥٨، وسكت عنه هو والذهبي. وأخرجه الطبراني في " الكبير " ١٧/ (٣٣٨)، وذكره الهيثمي في " المجمع " ٤/ ٢٤٥، وقال: فيه من لم أعرفهم.
[ ٩ / ٢٧٨ ]
كما قال به عامة أهل العلم من الموافقين والمخالفين والمُعظمين عند الفريقين من الفقهاء الأربعة أئمة الإسلام، ومن لا يُحصى من الصحابة والتابعين، وحسبك أن أكثر الخصوم وأعرفهم بالعربية العلامة الزمخشري اعترف في " كشافه " (١) أن هذا تفسير الرَّقبة المؤمنة في كفارة القتل، بل عزاه إلى عامة أهل العلم.
ويُشبه هذه الأحاديث من بعض الوجوه حديثُ ابن عباس، قال: جاء رجلان يختصمان في شيءٍ إلى النبي - ﷺ -، فقال للمدِّعي: " أقم البينةَ "، فلم يُقِمْها، فقال للآخر: " احلف " فحلف بالله بالذي لا إله إلاَّ هو ما له عندي شيءٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: " بلى، قد فعلت، ولكن غُفِرَ لك بإخلاص قول: لا إله إلاَّ الله ". وفي رواية للحاكم: " شهادة أن لا إله إلاَّ الله كفارة يمينك " وفي رواية أحمد: " فنزل جبريلُ، فقال: إنه كاذبٌ وكفارةُ يمينه معرفة لا اله إلاَّ الله " (٢) ذكر ذلك ابن حجر في كتاب " البيِّنات " من " تلخيصه " (٣)، وقد رواه أبو داود والنسائي. قال ابن حجر: وأعلَّه ابن حزم بأبي يحيى الراوي عن ابن عباس.
قلت: ذكر الذهبي في ترجمة عطاء بن السائب من " الميزان " (٤) توثيق أبي يحيى هذا عن ابن معين، وأبي داود بغير معارضٍ لتوثيقهما على تقدير أنه زيادٌ المكِّيُّ، وهو الذي صحَّح المِزِّيُّ في " أطرافه " (٥).
وقيل: هو مِصْدَع، وهو من رجال مسلم والأربعة، ولكن الراوي عنه عطاء بن السائب، ولا يصح من حديثه إلاَّ القديم.
وممن روى القديم من حديثه: سفيان، وهو أحد رواة هذا الحديث عنه، رواه النسائي من طريقه، قال ابن حجر: وأعله أبو حاتم باضطراب عطاء، فإن
_________________
(١) ١/ ٥٥٣.
(٢) تقدم تخريجه ٨/ ٤١٧.
(٣) ٤/ ٢٠٩.
(٤) ٣/ ٧٣.
(٥) ٤/ ٣٨٩.
[ ٩ / ٢٧٩ ]
شعبة رواه عنه بسند (١) آخر، وهو أقدم سماعًا من غيره، ثم رواه من طريق أنسٍ وابن عمر (٢).
قلت: حديث ابن عمر خرَّجه أحمد، وهو الثاني والثمانون بعد المئتين من " جامع ابن الجوزي ".
ولحديث ابن عباس هذا شواهد ذكرها الهيثمي في " مجمع الزوائد " أحدها عن ابن عمر، رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، ورجالهما رجال الصحيح، إلاَّ أن حماد بن سلمة قال: لم يسمع هذا ثابتٌ من ابن عمر، بينهما رجل (٣).
ومنها عن أنس، رواه البزار وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح (٣).
ومنها عن ابن الزبير، وحديثه مختصر، ولفظه: أن رجلًا حلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو كاذبًا، فغفر له. رواه الطبراني برجال الصحيح؛ ذكر ذلك الهيثمي في " الأذكار " من " مجمعه " (٤)، في باب ما جاء في فضل لا إله إلاَّ الله، وفيه من
_________________
(١) في (ش): " مسندًا ".
(٢) حديث أنس أخرجه البزار (٣٠٦٨)، وأبو يعلى (٣٣٦٨)، وعبد بن حميد (١٣٧٦)، والعقيلي في " الضعفاء " ١/ ٣١٢، وقال البزار: لا نعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا الحارث بن عبيد أبو قدامة، وخالفه حماد بن سلمة، فرواه عن ثابت، عن ابن عمر. وقال العقيلي: يروى بإسناد أصلح من هذا. وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٨٣، وقال: رواه البزار وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر في هامش " المجمع ": قلت: فيه الحارث بن عبيد أبو قدامة، وهو كثير المناكير، وهذا منها، وقد ذكر البزار أنه تفرد به. وحديث ابن عمر أخرجه أحمد ٢/ ٦٨ و١١٨ من طريق حماد بن سلمة عن ثابت، عن ابن عمر، وقال حماد في رواية أحمد الأولى: لم يسمع (يعني ثابتًا) هذا من ابن عمر. وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٨٣، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح، إلا أن حماد بن سلمة قال: لم يسمع ثابت هذا من ابن عمر. بينهما رجل.
(٣) انظر التعليق السابق.
(٤) ١٠/ ٨٣.
[ ٩ / ٢٨٠ ]
هذا القبيل شيءٌ كثيرٌ، فليُنظر فيه.
نوعٌ آخر من ذلك: عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول - ﷺ - يقول: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا ".
أخرجه مسلم والترمذي وقال: " وبمحمد نبيًا ". وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (١).
وعن أنس بن مالك، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " الإيمان سريرة، والإسلام علانية ". رواه أحمد في " المسند "، وقد مرَّ (٢).
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول - ﷺ -: " ثلاثٌ من كُنَّ فيه، وجد فيهن طعم الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلاَّ لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُلقى في النار ". أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (٣).
وفي " جامع المسانيد " في الحديث الموفي عشرين بعد الثمان مئة حديث: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن أبي طارقٍ، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من يأخذ منِّي خمس خصالٍ، فيعمل بهن أو يعلِّمُهُنَّ من يعمل بهن "؟ قلت: أنا. قال: فأخذ بيدي، فعدهن فيها، ثم قال: " اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسِنْ إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تُميت القلب " (٤).
_________________
(١) مسلم (٣٤)، والترمذي (٢٦٢٣)، وأخرجه أيضًا أحمد ١/ ٢٠٨، وابن حبان (١٦٩٤).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٦١ من هذا الجزء.
(٣) البخاري (١٦) و(٦٠٤١)، ومسلم (٤٣)، والترمذي (٢٦٢٤)، والنسائي ٨/ ٩٤ و٩٧، وابن ماجه (٤٠٣٣)، وأحمد ٣/ ١٧٢ و١٧٤ و٢٣٠ و٢٤٨ و٢٧٥، وابن حبان (٢٣٧) و(٢٣٨).
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ٣١٠، والترمذي (٢٣٠٥). وإسناده ضعيف. أبو طارق: قال عنه =
[ ٩ / ٢٨١ ]
فصل في المجاز المجمع عليه في قصر الإيمان على أهل المراتب الرفيعة
وأخرج أبو داود (١) من حديث يحيى بن سعيدٍ القطان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: " أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا ".
نوعٌ آخر: يشهد لذلك، وهو ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقد ثبت أن المراد بالآخرة هنا: القبر والمسألة فيه. خرَّجه الشيخان (٢) وغيرهما من حديث البراء بن عازب، والطبراني عن أبي سعيدٍ الخدري (٣)، وابن عباس (٤)، وفيها أنه لا يُسأل إلاَّ عن الشهادتين وبعدهما يبشر بالجنة، وقد روى ذلك غير واحدٍ من الصحابة في ذكر عذاب القبر، لكن بغير تعريضٍ لتفسير الآية بذلك.
فصل في المجاز المُجمَع عليه في قصر الإيمان على أهل المراتب الرفيعة: من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، فهؤلاء -كما قال الله تعالى- هم المؤمنون حقًَّا، لا مجاز في هذا، وإنما يدخل التجوز في
_________________
(١) = الذهبي: لا يعرف، والحسن البصرى مدلس وقد عنعن، ولذا قال الترمذي: غريب وللحديث طريق أخرى صحيحة بنحوه. أخرجه ابن ماجه (٤٢١٧)، والبيهقي في " الآداب " (٥٣٤) و(١١٥٠)، وفي " الزهد " (٨١٨)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٦٣٩) - (٦٤٢).
(٢) برقم (٤٦٨٢)، وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ٢٥٠ و٤٧٢، وابن أبي شيبة ٨/ ٥١٥ و١١/ ٢٧، والترمذي (١١٦٢)، وصححه ابن حبان (٤١٧٦)، والحاكم ١/ ٣٠، ووافقه الذهبي.
(٣) البخاري (١٣٦٩) و(٤٦٩٩)، ومسلم (٢٨٧١)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذي (٣١١٩)، وابن ماجه (٤٢٦٩).
(٤) قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٧/ ٤٤: فيه عطية العوفي، وهو ضعيف.
(٥) في " المعجم الكبير " (١٢٢٤٢)، قال الهيثمي: فيه أحمد بن عبيد بن نسطاس، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. قلت: فيه أيضًا شريك، وهو سيىء الحفظ.
[ ٩ / ٢٨٢ ]
نفي الإيمان عمن قصَّر عن هذه المرتبة على القول بأن لفظ " إنما " يفيد الحصر، وفي ذلك خلافٌ بين أهل العلم، والجمهور على أنها تفيد الحصر، ومعناه إثبات المذكور بعدها ونفيُ ما عداه.
ومما احتجوا به على ذلك فهم ابن عباس له من حديث: " لا ربا إلاَّ في النسيئة " (١) وأن الصحابة لم يعترضوه في فهمه، وإنما احتجوا عليه بأحاديث أُخَرَ، هي أصرح من حديثه وأقوى، وأنصُّ على ثبوت (٢) الربا في غير النسيئة، فكان المصير إليها أولى من الترجيح، وإذا تقرر هذا، فقد يفهم منها الحصر مطلقًا، كقوله - ﷺ -: " إنما الأعمال بالنيات " (٣) على الصحيح في تفسير النية بإخلاص العمل لله في العبادات وسائر الشرعيات من شائبة الرِّياء، أو فعله لوجه حُسْنِه في غيرها.
أما إذا فسَّرناه بالإرادة المقارنة المُؤَثِّرة في وقوعه على بعض الوجوه، خرج من ذلك ما ليس بعبادةٍ، كقضاءِ الدَّيْنِ، وغَسْلِ النجاسات، ونحو ذلك.
وقد يُفهَمُ منها حصرٌ مخصوصٌ، فيدخل فيها نوعٌ من التجوز، وهو كثيرٌ، كقوله تعالى لرسوله - ﷺ -: ﴿إنما أنت مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، فظاهره الحصرُ له - ﷺ - في النذارة، وليس كذلك، فإنه ﵇ لا تنحصر أوصافه الحميدة في ذلك، فإن البشارة من أوصافه بنصِّ القرآن كالنذارة، والشفاعة من أوصافه بالنصوص والإجماع، ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصرَه في النذارة فقط لمن لا يُؤمن، ونفي كونه قادرًا على ما يقترحه الكُفَّار من الآيات، فيفهَمُ الخصوص في الحصر بعد " إنما " على حسب القرائن. ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: " إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ " (٤)، فإنه إنما حصر نفسه وصِفاته البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيءٍ.
وقد يكون الحصر من باب التغليب للأكثر، كقوله تعالى: ﴿إنما الحياة
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٢٩٥ و٢/ ٦٦.
(٢) " ثبوت " ساقطة من (ف).
(٣) تقدم تخريجه في الجزء السابع.
(٤) تقدم تخريجه في الجزء الرابع.
[ ٩ / ٢٨٣ ]
الدُّنيا لَعِبٌ ولَهوٌ﴾ [محمد: ٣٦]، ويمكن أن يحمل على الحصرِ المخصوص بالنسبة إلى من جعل الدنيا دون الآخرة همَّه، لا بالنظر إلى المؤمن، فإنَّ دنياه صارت وسيلةً له إلى الآخرة، والآية المقدمة في حصر المؤمنين على أرفعهم مرتبةً، يحتمل أن يكون المراد بها حصرًا مخصوصًا، وذلك أن يكون حصر المؤمنين المستحقِّين للدرجات الرفيعة والمراتب الشريفة، وهم الذين كَمُلَ إيمانهم، وتمَّ إحسانهم، ويدل على هذا قوله بعد الآية: ﴿لهم درجاتٌ عِنْدَ ربِّهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ﴾ [الأنفال: ٤].
فهؤلاء المخصوصون بهذه الدرجات الرفيعة هم المحصورون إن شاء الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، ولا بُدَّ من هذا على أصول أهل السنة والمعتزلة، وإن كان كثيرٌ من أهل الاعتزال يحسبونها حجةً لهم وحدهم، فليس (١) كذلك، وقد احتج بها ابن بطَّال في " شرح البخاري " وغيره من أهل السنة على مثل مذهب المعتزلة في التسمية (٢)، ولا بد للجميع من التجوز في ذلك، وإلا لزمهم نفيُ إيمان من قصَّر من ذلك، وإخراج من لم يُوْجَلْ قلبه عند ذكر الله من الإيمان، وهذا خلاف الإجماع.
ومن ذلك ما روى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " المسلم من سلم الناس من لسانه ويَدِه، والمؤمن من أمَّنَه الناس على دمائهم وأموالهم ". رواه الترمذي والنسائي والحاكم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٣).
وروى مسلمٌ (٤) من حديث جابرٍ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " المسلم من سلِمَ المسلمون من لسانه ويده ". وتفسير هذا ما رواه مسلم (٥)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: أي المسلمين خيرٌ؟ قال:
_________________
(١) في (ش): " وليس ".
(٢) في (ش): " التشبيه ".
(٣) تقدم تخريجه ٢/ ٤٣٩.
(٤) برقم (٤١)، وقد تقدم ٢/ ٤٣٩.
(٥) برقم (٤٠)، وانظر ٢/ ٤٣٩.
[ ٩ / ٢٨٤ ]
"من سَلِمَ المسلمونَ من لسانه لسانه ويده".
وكذلك روى الحاكم في " المستدرك " (١) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: قال رسول الله - ﷺ -: " أكمل المؤمنين إيمانًا من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
وقال أحمد (٢): قال حُجين أبو عمرو: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشون، عن منصور بن أذين (٣)، عن مكحولٍ، عن أبي هريرة، قال - ﷺ -: " لا يؤمن العبد الإيمان كلَّه حتى يترُكَ الكَذِبَ في المُزاحَة، ويترك المِراء وإن كان صادقًا ". (٦٦٥) من " الجامع ".
وعن أبي سعيد الخُدريِّ: قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " من رأى منكم منكرًا، فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". رواه مسلم والترمذي، ورواه النسائي ولفظه: " من رأى منكرًا، فغيَّره بيده، فقد بَرِىءَ، ومن لم يستطِعْ، فغيَّره بلسانه، فقد برىء، ومن لم يستطع، فغيَّره بقلبه، فقد بَرِىءَ، وذلك أضعفُ الإيمان " (٤).
وعن عبد الله بن مسعودٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من نبي إلاَّ كان له من
_________________
(١) ١/ ١٠، وفيه محمد بن سنان القزاز، وهو ضعيف.
(٢) في " المسند " ٢/ ٣٥٢، ورواه أيضًا ٢/ ٣٦٤ عن سريج بن النعمان عن مكحول، ومنصور بن أذين لم يوثقه أحد، ولم يرو عنه غير ابن الماجشون. ذكره البخاري في " تاريخه " ٧/ ٣٤٧، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٨/ ١٦٩، ولم يحكيا فيه شيئًا، ومكحول لم يسمع من أبي هريرة، ولذا قال البخاري: منقطع. وأورده الهيثمي في " المجمع " ١/ ٩٢، وقال: رواه أحمد والطبراني في " الأوسط "، وفيه منصور بن أذين، ولم أر من ذكره. قلت: قد ذكره البخاري وابن أبي حاتم كما تقدم.
(٣) في المطبوع من " مسند أحمد ": " زاذان "، وهو خطأ.
(٤) أخرجه مسلم (٤٩)، والترمذي (٢١٧٢)، والنسائي ٨/ ١١٢، وأحمد ٣/ ٢٠ و٤٩، وابن حبان (٣٠٦) و(٣٠٧).
[ ٩ / ٢٨٥ ]
أُمَّته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعده خُلُوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمنٌ، ليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خردلٍ ". رواه مسلم (١).
على أن حديث " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمنه الناس " (٢) لو لم يتأوَّل بما ذكرنا، لاستلزم الرجاء، لأن ذلك قد بَغَّضَ أهل الكبائر، والله أعلم.
وهذه الأخبار الفارِقَة بين كمال الإيمان والإسلام ونقصانهما على صحة تأويل الآية المتقدمة بما ذكرته ولله الحمد، بل هو هو، فإن الأحاديث التي فيها أن " المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده " كالآية سواءٌ في قصر المسلمين كلهم على أهل هذه المرتبة الرفيعة. والأحاديث الأخرى دالةٌ على أن معنى تلك قصر خيار المسلمين على ذلك، وهذا التأويل قريبٌ كثيرٌ مستعمل، كما نقول: إنما العلماء العاملون، وإنما المال الحاصل، وإنما القوي الصَّبورُ عند الغضبِ.
والقصد بتمهيد هذا في هذا المقام المُجمَع عليه أن يعجَبَ من إنكار المعتزلة لهذا بعينه على جهة القطع، مع إجماعهم على صحته هنا، حيث يأتي جوابًا عليهم فيما يحتجُّون به الآن وأدناه من صاحب الكبيرة.
فصل في ذكر أدلة المعتزلة:
على ما ادعوا من ثبوت الأسماء الدينية، وقد اتفقتِ المعتزلة وأكثرُ أهلِ السنة على إثبات الأسماء الشرعية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وخالف بعض أهل العلم في ذلك، وقال: إنها استُعْمِلَتْ في معانيها اللغوية، مع زياداتٍ وشروطٍ، وذهبت المعتزلة ومن وافقهم إلى إثبات الأسماء الدينية في
_________________
(١) برقم (٥٠).
(٢) تقدم غير مرة.
[ ٩ / ٢٨٦ ]
المؤمن والمسلم، والفاسق والكافر، وليس المنكر في هذا الباب إلاَّ إدخاله في القطعيات وتأثيم المخالفين، والعجب ممن يعرف الأصول، وشروط الأدلة القاطعة كيف غَفَلَ عن اعتبار تلك الشروط العزيزة في هذه المسائل، والذي عرفتُه للمعتزلة في إثبات الأسماء الدينية أدلَّةٌ:
الأول: مجموعُ آياتٍ، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ [البينة: ٤ - ٥].
قالوا: فدلَّت هذه الآية على أن الدين العبادات، لقوله: ﴿ذلك دينُ القَيِّمَةِ﴾ بعد ذكر العبادة والصلاة والزكاة.
وإذا تقرر هذا، فالدين المعتبَرُ هو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥]، والإسلام: هو الإيمان، لأنه لو كان غير الإسلام لزم ألا يُقبَلَ ممن ابتغاه، لقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾.
والجواب: أن هذه المقدمات مسلَّمات إلاَّ الأخيره، فإنها ممنوعةٌ. بيان المنع من وجوهٍ:
الأول: المعارضة بما تقدم من الفوارق الجمة بين الإسلام والإيمان من الكتاب والسنة، كقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وسائر الأخبار المتواترة في ذلك، أو الصحيحة عند من قَصَّر، ولم يعرف التواتر، فإن تفسير الألفاظِ القرآنية والنبوية تُؤخذُ من كتب الغريب واللغة بالإجماع. كيف لا تؤخذ من الأخبار المسندة الصحيحة الكثيرة الشهيرة، وحين وقع التعارض، وجب الجمع إن أمكن، وإلا رجعنا إلى الترجيح، والجمع
[ ٩ / ٢٨٧ ]
لم يمنع الله من ابتغاء غير الإسلام مطلقا، إنما منع من ابتغى غير الإسلام دينا
ممكنٌ على وجهٍ صحيحٍ قريبٍ، غير متعسفٍ، وهو ما تقدم مثله في تأويلِ المجازِ المُجمَع عليه، وما كان هذه صفته، فهو ظني اجتهادي، لا إثم فيه على المخالف، فما وجه إدخال بعض متأخري المعتزلة لهذه المسألة في القطعيات، وإن كان المرجُوُّ في أهل التحقيق منهم ألا يجهلوا ذلك، ولم يُخَطِّئُوا فقهاء الإسلام وأئمة العلم في تفسيرهم للرقبة المؤمنة في كفارة القتل هي المقرة بالشهادتين ولا أثَّموا من قال بذلك مع اشتراط إيمانها في كتاب الله تعالى، والعجب من ابن الحاجب أنه اقتصر على المعارضة في الجواب عليهم في " مختصر المنتهى " وهي من أنواع الجدل، وليست من البراهين المقنعة.
الوجه الثاني: أن الله تعالى لم يمنع من ابتغاء غير الإسلام مطلقًا، إنما منع من ابتغى غير الإسلام دينًا، فقيَّد المنع بأن يكون المطلوب دينًا كاملًا، والإيمان الذي هو التصديق بالقلب فقط ليس بدينٍ كاملٍ، ومن ابتغاه، فلم يبتغ دينًا، إنما ابتغى ركنًا من أركان الدين، وبعضًا من أبعاضه، وذلك كمن ابتغى الصلاة دون سائر أركان الإسلام، فإنها تصح منه عند الخصوم وتقبل. ولا يُشترط في صحة صلاة المسلم أن يصوم ويزكِّي ويحج، وذلك الدين، وكان يلزمُهم أن لا تصح صلاته وحدها، لأنها -بإقرارهم- ليست بدينٍ، ومن ابتغاها، فقد ابتغى غير الإسلام دينًا (١)، لأنه ابتغى بعضه، والبعض غير الكل بالضرورة، لكن الجواب الحق أنها تصح، لأن الله تعالى إنما نفى قبول من ابتغى غيرَ الإسلام دينًا، ولم يَنْفِ قبول من ابتغى فرضًا من فرائض الإسلام.
والعجب من المعتزلة كيف احتجوا بهذا، وقد أجمعنا وأجمعوا وأجمع المسلمون أن من شَهِدَ الشهادتين، وآمن بقلبه، وصدَّق، وارتكب كبيرةً، وأخلَّ بما ليس تركُه كفرًا من الفرائض، أنه قد صح إسلامه، وغُفِرَتْ له ذنوب الكفر، وصحَّت منه الطاعات، فكان يلزمهم أن يخالفوا الإجماع في هذا، ويقولوا: إنه باقٍ على الكفر، وإنه لا يقبل منه إلاَّ كمال الإسلام، للآية.
_________________
(١) " دينًا " ساقطة من (ش).
[ ٩ / ٢٨٨ ]
الوجه الثالث: وهو التحقيق أن الدلالات تنقسم إلى دلالةٍ مُطابَقَةٍ، وهي اللغويَّة، ودلالة تضمُّن ودلالة التزام (١)، وهما عقليتان، فدلالة الإسلام على الإيمان دلالة تضمن أو التزام، لأنه إما بعضه كالرأس من الإنسان، أو شرطه كالوضوء والنِّيَّة من الصلاة، فمن ابتغاه، فقد ابتغى أساس الإسلام والدين الذي ينبني عليه، أو رأس الإسلام والدين، فهو مقبول، ولم يَصْدُق عليه أنه ابتغى غير الإسلام دينًا، لأن الدين في دلالة المطابقة اللغوية هو المجموع لا البعض، ومعنى الآية: من ابتغى دينًا غير الإسلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية، لا من ابتغى فريضةً من فرائض الإسلام تقرُّبًا إلى الله.
والذي غرَّهم أنهم لم يفهموا لقوله دينًا ثمرة، بل جعلوا وجوده كعدمه، وهذا لا يكون في كلام البُلغاء، كيف كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين.
ونظير هذا قولنا: من ابتغى غير العلماء قدوةً، أو غير الثقات راويًا، فقد ضلَّ، فإنه لا يلزم الضلال من ابتغاء غير العلماء والثقات خادمًا أو زوجة أو بغلًا أو حمارًا، فكذلك من ابتغى غير الإسلام مسجدًا، أو وِرْدًا، أو ذكرًا، أو خشوعًا، أو تصديقًا، لم يلزم ألا يقبل منه، وإن لم يكن شيء من ذلك وحده يُسَمَّى دينًا كاملًا وإسلامًا تامًا.
فهذه الوجوه كلها على تقدير تسليم المقدمات كلها إلاَّ الأخيرة، وهي أن الإسلام هو الإيمان، ويكمُنُ النِّزاع في المقدمة الأولى، وهي قولهم: إن الدين هو مجموع العبادات، فإن ذلك ممنوعٌ، ودليل المنع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وقد أجمعت الأمة على أن من ترك بعض العبادات غير مستحلٍّ لذلك، فليس بمرتدٍّ.
إذا تقرَّر هذا، فيُحتَمَلُ أن للدين كمالًا، وهو المجموع، وأن يكون أقلُّه هو الذي حكم بِرِدَّةِ من تركه، ولئن سلمنا أن الدين هو مجموع تلك الأمور (٢)، لكن
_________________
(١) في (ف): " إلزام ".
(٢) " تلك الأمور " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٢٨٩ ]
لا نسلِّمُ أن كل واحدٍ منها على انفراده يُسَمَّى دينًا، بدليل أن تاركه وحده ليس بمرتدٍّ عن الدِّين، وهذا يرجع إلى أن حكمَ الجملة لا يجب لأفرادها، وهذا هو الصحيح في الأمور الشرعية كالإجماع. ألا ترى أن حكم البعض من الفريضة غير حكم الكُلِّ، فقد يكون البعض ظنيًا، ولأن مؤدَّى البعض غير خارجٍ من عهده التكليف كمؤدَّى الكُلِّ، وعلى تسليم الجميع، فإن المعتزلة أدخلت في الدين ترك جميع الكبائر، مع أداء جميع العبادات، وهذا الترك غير مذكورٍ في الآيات التي ذكروها، ومع أن فاعل بعضِ الكبائر غير مرتَدٍّ وفاقًا.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ [التحريم: ٨]، وصاحب الكبيرة يجوز دخوله النار عند الجميع ما خلا المرجئة، ومن دخل النار، فقد أُخزي لقوله: ﴿من تدخل النار فقد أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢].
والجواب: أن هذا تمسك بالعمومات البعيدة المخصوصة، ولو لم يَرِدْ إلا هذا القدر في السمع، لم يقع بين العارفين في ذلك خلافٌ، وإنما يحتاج إلى الفهم الصحيح في الجمع بين مختلفات الأدلة، وقد دلَّ السمع على أن الخزي يختص بالكافرين، لقوله تعالى: ﴿إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين﴾ [النحل: ٢٧]، وذلك لِمَا ينكشِفُ من كذبهم ودعاويهم لربوبية الأصنام وسائر المخلوقين، كما قال الله تعالى: ﴿وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾ [النحل: ٣٩].
ووجه الحصر أن الألف واللاَّم في الخزي تفيد العموم على ما هو مقرر في الأصول، بدليل صحة الاستثناء من ذلك، فهو كقوله: ﴿وأن المسرفين هم أصحاب النار﴾ [غافر: ٤٣]، وغير ذلك.
والوجهُ المعقولُ في ذلك أنه لما ثبت في الصِّحاح أن من دخل النار من المؤمنين فخرج منها، مخلوقٌ للخلود في دار الكرامة من جملة أهل الجنة المُكْرَمين بنصِّ كتاب الله تعالى، لم يجب القطع بأنه أُدخِلَ النار ليخزَى ويُهانَ،
[ ٩ / ٢٩٠ ]
لأنه عن قريبٍ يخرج منها، والخروج منها كرامةٌ، ثم يدخل الجنة، ودخولُها كرامة، ثم يخلد فيها مُكرَمًا بنص كتاب الله تعالى في أهل الجنة، وذلك أعظم الكرامة، ومن سبقت له الكرامة في علم الله تعالى وأريدت به وله، وكانت عاقبته الدائمة، لم يُرَدْ به الخزيُ والهوان.
وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -: " إذا زنت أمة أحدكم (١)، فتبين زناها، فليحُدَّها الحدَّ ولا يُثَرِّب عليها "، وفي رواية أبي داود: " ولا يعيِّرها " (٢). وقال ابن عبد البر في " التمهيد " (٣) ذكر الحدِّ مُعَلٌّ، غير محفوظٍ.
والقصد بإيراد الحديث الدلالة على أن عُقوبة المسلم قد تخلو من الخزي وقصده كحدِّ التائب والقصاص منه لقوله: " لا يعيِّرها ولا يثرِّب عليها "، فأما الأمر بأذى الزَّانيَيْنِ، فإنما كان مع الحبس حولًا كاملًا، وقد نُسِخَ بالحدِّ .. ورواه أبو داود في ابن عباسٍ أول باب الرجم من الحدود (٤). والله أعلم.
ويشهد لهذا المعنى ما خرَّجه الحاكم في كتاب التوبة من " المستدرك " (٥) من حديث أبي الزِّناد، عن القاسم، عن عائشة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " ما عَلِمَ الله من عبدٍ ندامة على ذنبٍ، إلاَّ غفَرَ له قبل أن يستغفره منه ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وسيأتي (٦).
قلت: فلما علم الله أنه صائِرٌ إلى التوبة، لم يُرِدْ عقابه، لأنَّ عِلْمَه الحق
_________________
(١) في (ش) و(ف): " إذا زنت الأمة ".
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ٩/ ٩٨.
(٤) برقم (٤٤١٣)، ومن طريقه أخرجه البيهقي ٨/ ٢١٠، وإسناده حسن.
(٥) ٤/ ٢٥٣، وفيه هشام بن زياد، قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، وقال النسائي والذهبي: متروك، وأورد الحديث المنذري في " الترغيب والترهيب " ٤/ ٩٨، وقال: هشام بن زياد ساقط.
(٦) ص ٣٣٥.
[ ٩ / ٢٩١ ]
الإرادة لا تضاد العلم
بحُسْنِ عاقبته يمنع إرادته لما يضادُّ ذلك، والسِّرُّ في ذلك أن الإرادة لا تضادُّ العلم، كما سيأتي مبينًا في مسألة الإرادة، وهو معلومٌ على الجملة، فإن العاقل يعلم أنه لا يريد وقوع ما يعلم (١) أنه لا يقع، فعلام الغيوب لمّا عَلِمَ أن المؤمنين الداخلين النار من أهل الجنة المُكرمين في عاقبة أمرهم، لم يمتنع أن يمنعه علمه بذلك من إرادة خِزيهم بوقوعهم في النار إلاَّ لتحلة القسم، وصِدْقِ الوعيد، كما ورد في الصِّحاح في بعضهم، أو لتطهير ما بَقِيَ فيهم من خُبْثِ الطِّباع، لأنه لا يصلُحُ لدخوله دار السلام من بقي فيه شيءٌ من ذلك، كما قال تعالى فيما روي عنه سبحانه أنه يقول: " هم عبادي إن أحسنوا، فأنا حبيبهم، وإن أساؤوا، فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأُطهِّرَهم من المعايب (٢)، والنار آخِرُ المطهِّرات، فمن لم يتطهَّر في الدنيا بالتوبة والإنابة والطاعة يطهر في الآخرة ويخلص بالنار، كما يخلصُ خَبَثُ الذهب بالنار، لا ليُهان ويَخزَى، وليس يجب إذا استووا في أمر واحد وهو دخول النار أن يستووا في كل أمر كالخلود والإهانة وعدم الرحمة، ألا تراهم في الدنيا قد استووا في الموت والفناء، وجعل الله ذلك لبعضهم عقوبة ونكالًا وهلاكًا، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٦ - ١٨]، في آياتٍ كثيرةٍ جدًا في هذا المعنى، وجعل الله أمثال ذلك رحمةً لأهل الإسلام، كما ورد في الطاعون أنه شهادةٌ (٣) وورد الثناء على هذه الأُمَّة بأن أكثر هلاكهم بالطعن والطاعون (٤).
_________________
(١) في (ف): " علم ".
(٢) يغلب على ظني أنه لا يصح، فلم أجده في مصادر الحديث التي بين يدي.
(٣) أخرج البخاري (٢٨٣٠) و(٥٧٣٢)، ومسلم (١٩١٦)، وأحمد ٣/ ١٥٠ من حديث أنس مرفوعًا: " الطاعون شهادة ".
(٤) أخرج أحمد ٤/ ٤١٧، والبزار (٣٠٣٩) و(٣٠٤٠)، والطبراني في " الكبير "، و" الأوسط " (١٤١٨)، و" الصغير " (٣٥١) من حديث أبي موسى الأشعري: " فناء أمتي بالطعن والطاعون "، وصححه الحافظ في " الفتح " ١٠/ ١٨١.
[ ٩ / ٢٩٢ ]
تخصيص الكافرين والمنافقين بالخزي والسوء يوم القيامة
وفي الأحاديث الحِسان أن الموت كفارةٌ لكل مسلم، وبالإجماع أن المسلم يُثابُ على ألمِ الموت بخلاف الكافر، فكذلك أحوال الآخرة، ويدل على صحة ذلك وجهان:
الوجه الأول: ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث النَّجوى، وهي المسارَّةُ في حساب المؤمن حتى لا يُعْلِمَ أحدًا ما بينه وبين ربِّه سترًا عليه، حتى لا (١)، وذلك ما رواه البخاري في مواضع كثيرة من طرقٍ جمَّةٍ، ومسلمٌ والنسائي وابن ماجة، وغيرهم من أهل المسانيد، عن صفوان بن مُحرزٍ المازني قال: بينما أنا (٢) أمشي مع ابن عمر آخذًا بيدي، إذ عرض رجل، فقال: كيف سمعتَ رسول الله - ﷺ - في النجوى؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إن الله يُدني المؤمن، فيضعُ عليه كنفه وسِتْره " -وفي رواية: يستره- فيقول: أتعرفُ ذنب كذا، أتعرفُ ذنبَ كذا، فيقول: نعم أيْ ربِّ، حتى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين ". هذا لفظ البخاري في كتاب المظالم، وله ولمسلم: " فينادى على رؤوس الأشهاد "، وفي رواية: " الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربِّهم، ألا لعنة الله على الظالمين "، ولفظ مسلم في كتاب التوبة: " وأما الكفار والمنافقون، فيُنادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله ".
وهذا حديثٌ جليل دالٌّ على تخصيص الكافرين والمنافقين بالخزي والسوء يوم القيامة، كما دَلَّ عليه (٣) القرآن.
رواه البخاري في المظالم: عن موسى بن إسماعيل، عن همام، وفي التفسير: عن مسدِّدٍ، عن يزيد بن زُريع، عن سعيد، وهشام، وفي الأدب وفي
_________________
(١) بياض في الأصول.
(٢) " أنا " ساقطة من (ش).
(٣) في (ف): " على ذلك ".
[ ٩ / ٢٩٣ ]
التوحيد: عن مسدَّد، عن أبي عوانة، وقال آدم عن شيبان: خمستهم عن قتادة، عن صفوان.
ورواه مسلم في التوبة: عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام، به. وعن أبي موسى، عن ابن أبي عدي، عن سعيدٍ، به، وعن بُندار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد وهشام، به.
ورواه النسائي في " التفسير " عن أحمد بن أبي عبيد الله، عن يزيد بن زُريع، عن سعيد، به، وفي الرقائق: عن سُويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن يسار، عن قتادة، به.
ورواه ابن ماجه في السنة: عن حميد بن مسعدة، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، به (١).
قال المزي (٢): وحديث النسائي ليس في السماع ولم يذكره أبو القاسم.
وذكر البخاري في " التوحيد " في باب كلام الرَّبِّ ﷿ مع الأنبياء وغيرهم يوم القيامة في آخر الباب أن آدمَ قال. أخبرنا شيبان، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثنا صفوان، وإنما ذكره البخاري، لأنه ليس في الحديث مقالٌ إلا عنعنة قتادة، لأنه مدلِّسٌ على حفظه العظيم وجلالته في هذا الشأن، فبيَّن البخاري أنه قد صرَّح بالسماع في رواية شيبان عنه، فأمن تدليسه، وهي زيادةٌ حسنةٌ، لأنه لم يختلف فيها على شيبان، فتكون عنه مُعَلَّةً، ولا يثبت أن شيبان سَمِعَه من قتادة مع من رواه بالعنعنة (٣) عن قتادة، فيُعَلُّ بذلك، على أن قتادة كان من أوائل المعتزلة، وليس يُتَّهمُ في مثل هذا الإجماع على صدقه وحفظه.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري (٢٤٤١) و(٤٦٨٥) و(٦٠٧٠) و(٧٥١٤)، ومسلم (٢٧٦٨)، والنسائي في " التفسير " (٢٦٢)، وابن ماجه (١٨٣)، وأحمد ٢/ ٧٤ و١٠٥، وابن حبان (٧٣٥٥) و(٧٣٥٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) في " تحفة الأشراف " ٥/ ٤٣٧.
(٣) في (ش): " مع رواية العنعنة ".
[ ٩ / ٢٩٤ ]
ويعضُدُه حديث عائشة، قال ابن أبي مُليكة: كانت عائشة لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلاَّ (١) راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي - ﷺ - قال: " من نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ ". قالت: فقلتُ: أليس الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]، فقال: " إنما ذلك العرض، وليس أحدٌ يحاسَبُ يوم القيامة إلاَّ هلك ". وفي رواية: " وليس أحدٌ يُناقَشُ الحساب يوم القيامة إلاَّ عُذِّبَ ". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي (٢)، وذكره ابن الأثير، وحديث ابن عمر الذي في النجوى في الباب الثاني من كتاب القيامة من حرف القاف في " جامع الأصول " (٣).
وهذه سنة الله في الدنيا والآخرة، وربُّ الدَّارَيْنِ واحدٌ، وحكمتُه فيهما (٤) متشابهةٌ، ألا تراه يقول في قتال الكفار في الدنيا: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين﴾ [التوبة: ١٤]، فذكر خِزيَهم في الدنيا، وأنه مقصودٌ له.
وأما من يستحق القتال من بُغاة المسلمين، فقال فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، فسمى الباغي والمبغيَّ عليه أخَوَيْنِ للمؤمنين بعد وقوع البغي من الباغي.
وكذلك ورد في حديث القصاص يوم القيامة: " من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه، فليستحلِلْهُ منها قبل أن يُؤخَذَ لأخيه من حسناته، فإن لم تكن له حسناتٌ، أُخِذَ من سيئات أخيه، فطُرِحَتْ عليه ". رواه البخاري (٥) في باب
_________________
(١) في (ف): " حتى ".
(٢) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٣) ١٠/ ٤٣٢ و٤٥٦.
(٤) " فيهما " ساقطة من (ف).
(٥) (٦٥٣٤)، وانظر " صحيح ابن حبان " (٧٣٦١) و(٧٣٦٢).
[ ٩ / ٢٩٥ ]
الحدود كفارات ورحمة
القصاص من كتاب " الرقاق "، من حديث مالك عن المقبري، عن أبي هريرة.
والقرآن كافٍ في ذلك، بل هو أنصُّ على المراد، إذ هو في القتال الذي ورد في الصحيح تسميتُه كفرًا، ولذلك أمر بقتالهم لحسم مادة هذه الفتنة الكبرى، وهذا القتال القصد به كفُّهم عن البغي الذي يَضرُّهُم في أُخراهم ويضرُّ المبغيَّ عليه في دنياه، ولذلك لم يُجمع العلماء على الإجهاز على جريحهم والاتباع لمُدبِرهم، لأن القصد كفُّهم عن المضرة لأنفسهم وللمحقين، لا قتلهم، فصارَ قتلهم كقطع الإنسان يده المتآكلة، لا يحِلُّ إلاَّ عند خوفه على نفسه للضرورة، وكالقصاص الذي أُرِيدَ به الحياة (١) الأُخرى، كما قال تعالى: ﴿ولكم في القِصَاص حَياةٌ يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩].
وكذلك الحدود، وإن سُمِّيَتْ عذابًا ونكالًا من وجهٍ، فإنها كفاراتٌ ورحمةٌ من وجهٍ، ويدلُّ على هذا أنه يُحَدُّ التائب على قول الجماهير، وهو الصحيح، وإلا بَطَلَتْ بدعوى التوبة من غير التائب، ولا يمتنع أن يكون للشيء جهتان، كخروج آدم ﵇ بسبب الذنب وهو صغيرٌ مغفورٌ، وإنما خرج على الحقيقة للاستخلاف في الأرض كما سبق به العلم والخبر، والذي يدلُّ على أن كفَّهم عن مضَرَّة نفوسهم (٢) مقصودٌ: أن رسول الله - ﷺ - سمَّى ذلك نصرًا لهم، حيث قال ﵇: " انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا " قيل: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: " يُؤْخذ فوق يديه ". رواه البخاري (٣) في المظالم من حديث معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، عنه - ﷺ -.
يوضحه استحبابُ العفو، وعدم وجوب الانتقام، بخلاف الكفار الذين يَجِبُ قتالهم، ويحرُم العفو عنهم.
_________________
(١) " الحياة " ساقطة من (ف).
(٢) في (ف): " أنفسهم ".
(٣) (٢٤٤٣) و(٢٤٤٤)، وأخرجه أيضًا الترمذي (٢٢٥٥)، وابن حبان (٥١٦٧) و(٥١٦٨). وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٩ / ٢٩٦ ]
وكذلك روى البخاري في " الحدود " عن أبي هريرة أنه أُتِيَ برجُلٍ جُلِدَ في الخمر، فلما انصرف، قال رجلٌ: ما له أخزاه الله، فقال رسول الله - ﷺ -: " لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم " زاد أحمد: " وقولوا يرحمه الله " (١).
وروي عن عمر بن الخطاب أيضًا أن رجلًا كان اسمه عبد الله، وكان يُلَقَّبُ حمارًا، وكان يُضحِكُ رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - قد جلده في الشراب، فأُتِيَ به يومًا، فأُمِرَ به فجُلِدَ، فقال رجلٌ من القوم: " اللهم العَنْهُ، ما أكثر ما يُؤتى به، فقال النبي - ﷺ -: " لا تلعنوه فوالله ما علمت إلاَّ أنه يحب الله ورسوله " (٢). انتهى.
وفيه حجةٌ على أن متابعة الرسول في الإسلام دِلالةُ المحبة، وإن لم تكمل، كما في قوله تعالى: ﴿إن كنتم تحبُّون الله فاتبعوني يُحبِبْكُمُ الله﴾ [آل عمران: ٣١].
وثبت في " الصحيحين " وغيرهما أنه قال ﵇: " إذا زنت الأمة، فتبيَّن زناها، فليجلِدْها، ولا يعيّرها، ولا يثرِّب عليها " (٣)، كما تقدم، بل جاء في كتاب الله عن نبي الله يوسف الكريم بن الكريم بن الكريم أنه قال لإخوته بعد القدرة عليهم واعترافهم: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ ثم قال مستغفرًا لهم: ﴿يغفر الله لكم وهو أرحمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢]، فجرت سنةُ الله وسنة خير خلقه في الدارين بعدم الخزي والإهانة لمن أُرِيدَ له المغفرة والكرامة في عاقبة أمره.
وكذلك أمرَ الله بالسَّتر على المسلم في الدنيا.
وفي " صحيح مسلم " (٤)، عن أبي هريرة، عنه - ﷺ -: " من سَتَرَ مسلمًاَ، ستره الله في الدنيا والآخرة ".
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣٦ من هذا الجزء.
(٢) تقدم ص ٢٣٥.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) برقم (٢٦٩٩)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (١٤٢٥)، وابن ماجه (٢٢٥)، وأحمد ٢/ ٢٥٢، وابن حبان (٥٣٤).
[ ٩ / ٢٩٧ ]
وروى الحاكم في " علوم الحديث " (١) له في أول نوعٍ منها نحو ذلك من حديث أبي أيوب الأنصاري وعقبة بن عامرٍ، كلاهما عن رسول الله - ﷺ - من حديث أبي سعدٍ المكِّيِّ الأعمى. ذكره الذهبي في " الميزان " (٢)، فلم يقدح فيه ألا يتفرَّدِ ابن جُريجٍ بالرِّواية عنه، فيقوي حديث الستر على المسلم في الدنيا ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا.
وأما قوله في حديث ابن عمر في النَّجوى (٣): " وأنا أغفرُها لك اليوم "، ففيه بحثٌ، وهو أنه يمكن أن يخرُجَ منه المجاهرون الذين ستر الله عليهم، ففضحوا نفوسهم في الدنيا، وجاهروا بالفجور.
وروى البخاري من حديث محمد بن عبد الله بن مسلمٍ المعروف بابن أخي الزهري، عن عمِّه الزُّهري، عن سالم، عن أبي هريرة، عنه - ﷺ - " كل أمتي مُعافى إلاَّ المجاهرين، وإنَّ من الجِهَارِ أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يُصبحُ، وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلانُ، عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستُرُهُ ربُّه، فيصبح يكشفُ نفسه ". ورواه مسلم من طريق ابن أخي الزهري (٤)، والذي يدل على تخصيصهم منه قوله: " سترتُها عليك في الدنيا "، وهذا فيمن لم يُعاقب في الدنيا من المجاهرين، وأما من عُوقِبَ بالحدِّ وغيره من المصائب؛ فقد صح في حديث عليٍّ ﵇، وحديث عبادة أنها لا تُعادُ عليه العقوبة، على أن في ابن أخي الزهري خلافًا، وعلى أن حديث علي ﵇ أرجى من حديث عُبادة، فإن في حديث عبادة: " ومن لم يُعاقب في الدنيا، فأمره إلى الله، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له ". متفق عليه (٥).
_________________
(١) ص ٧ - ٨. وانظر ابن حبان (٥١٧).
(٢) ٤/ ٥٢٩.
(٣) تقدم قريبًا.
(٤) البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠).
(٥) أخرجه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي ٧/ ١٤٢ و١٤٨ و١٦١ - ١٦٢، وابن ماجه (٢٦٠٣).
[ ٩ / ٢٩٨ ]
وفي حديث علي ﵇: " ألا أخبركم بأفضل آيةٍ في كتاب الله، حدثنا بها رسول الله - ﷺ -: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وسأفسِّرُها لك يا عليُّ: ما أصابكم من مصيبةٍ أو مرضٍ أو بلاءٍ في الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله أكرمُ من أن يثنِّي عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أحلم من أن يعودَ بعد عفوه ". رواه جماعة، منهم الترمذي والحاكم وابن ماجه وأحمد في " المسند "، وأبو يعلى وهذا لفظهما (١).
وشهد له أحاديث المصائب. قال ابن عبد البر في " التمهيد ": إنه مجمعٌ عليها، فلا يخرُجُ من حديث ابن عمر مؤمنٌ على جهة القطع، لأنَّ المستور في الدنيا داخلٌ فيه، ومن لم يستره في الدنيا، يجوز أنه عُوقِبَ في الدنيا.
بقي أن يُقال: لا يدل على سلامة كل المؤمنين من دخول النار، إنما يدل على سلامة المستورين منهم.
فالجواب: إنا إنما استدللنا به (٢) على أن الخِزْيَ والإهانة تخصُّ الكفار والمنافقين، وهذه الدِلالة لم يحصُل لها معارضٌ صريحٌ، إلاَّ ما توهَّموا من مفهوم: ﴿من تُدْخِلِ النارَ فقد أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وهي حكايةٌ حكاها الله تعالى من كلام أهل الإسلام وظاهرها في الكفار، لقوله عقيبها: ﴿وما للظالمين من أنصارٍ﴾، وقد قال تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وصح عن رسول الله - ﷺ - تفسيرُ الظلمِ بالشرك في قوله: ﴿ولم يَلبِسُوا إيمانهم بِظُلْمٍ﴾ (٣) [الأنعام: ٨٢]، وقدمنا في ذلك من النظر العقلي، والآثار النبوية المفسَرة المفصلة، فكما أنها مقبولةٌ في العبادات التي نحنُ أحوجُ
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٩٩ و١٥٩، والترمذي (٢٦٢٨)، وابن ماجه (٢٦٠٤)، وأبو يعلى (٤٥٣)، وعبد بن حميد (٨٧)، وصححه الحاكم ٢/ ٤٤٥، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن غريب.
(٢) " به " ساقطة من (ش).
(٣) انظر ص ١٨٧ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٢٩٩ ]
إلى بيانها لنا إذا كانت من أعمالنا، فقبُولُها أولى في (١) أفعال الله في الآخرة التي يكفينا فيها الإيمان الجمليُّ (٢) بأنه العدل، الحكيم، البَرُّ الصادق.
وأما قوله تعالى فيها: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فلا تردُّ مذهبَ أهل السنة، فيقال: إن صاحب الكبيرة غير آمنٍ في الدنيا بالإجماع، لأن المراد: لهم الأمن في وقتٍ مخصوصٍ في الآخرة، وأما في الدنيا، فلا أمنَ لأحدٍ فيها بالإجماع، لو لم يكن إلاَّ لجهل الخواتم.
ولقد خاف الذين بشَّرهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، ونصَّ عليهم، مع أن الآية تحتمل أن لهم الأمن من مضرَّةِ شركائهم (٣) لهم، كما دل عليه أول الآية، وقوله:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن لم يكن هذا مخالفًا لحديث ابن مسعود (٤)، وفهمِ الصحابة، فيُنظر في ذلك.
فإن قيل: فإنه قَوِيَ بالنظر الي السياق، فكيف يدخل في الظالمين الذين لا ناصِرَ لهم من أعدَّ الله له أحب خلقه إليه شفيعًا، وكيف لا يُقْبَلُ البيان النبوي في ذلك والله يقول: ﴿وما أَتَاكُمُ الرسولُ فخُذُوهُ وما نَهَاكُمْ عنه فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ويقول. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ورسول الله - ﷺ - يقول: " لا يأتي رجلٌ مُتْرَفٌ متكىءٌ على أريكته، يقول: لا أعرف إلاَّ هذا القرآن، ما أحلَّه أحللتُه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه " (٥). ولم يقر الوعيديُّ في هذا إلاَّ مجرد الاشتراك في اسم الدخول، وليس ذلك يمنع من الافتراق العظيم بين الداخلين كالمحدودين، ألا ترى أن آدم صلوات الله عليه،
_________________
(١) في (ش): " من ".
(٢) في (ش): " بالجملة ".
(٣) في (ش): " شركائكم ".
(٤) تقدم تخريجه ص ١٨٧ من هذا الجزء.
(٥) أخرجه من حديث المقدام بن معد يكرب أحمد ٤/ ١٣١ و١٣٢، وأبو داود (٤٦٠٤)، وابن ماجه (١٢)، وحسنه الترمذي (٢٦٦٤)، وصححه ابن حبان (١٢)، والحاكم ١/ ١٠٩، ووافقه الذهبي.
[ ٩ / ٣٠٠ ]
والشيطان لعنه الله قد اشتركا في الخروج من الجنة بسبب الذنب، وإن كان بين الخارجَيْنِ ما بين السماء والأرض، مع الاشتراك في اسم الخروج؟
أما آدم، فقال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]، ثم أخرجه خليفةً في الأرض مرضيًّا ورسولًا له سبحانه ونبيًّا، وجعل على إبليس لعنتُه إلى يوم الدين، وأقسم ليملأنَّ جهنم منه، وممَّن تَبِعَهُ أجمعين، فإياك أن تغترَّ بمجرد الاشتراك في بعض الأسماء، ألا ترى أن صاحب الصغيرة مشارِكٌ للكفار في اسم العاصي والغاوي ونحوهما؟ وإن كان متميِّزًا بغير ذلك. فكذلك عُصاة المسلمين متميِّزين عن المشركين بخُروجهم من النار، كما جاء في تفسير قولي تعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢]، وذلك أنهم حين يرونهم معهم في النار يَشْمَتُون بهم، ويقولون: " ما نفعكم إسلامكم، فيخرجهم الله، فيودُّ الذين كفروا أنهم كانوا مسلمين " (١).
وقد سمَّى يوسفُ أخاه سارقًا لِغرض له، ولم يكن مُخزِيًا له بذلك في الحقيقة والعاقبة، وإن كان ذلك خِزْيًا لمن سُمِّيَ به حقيقة، ولم ينكشف خلافُ ذلك في العاقبة، وهذا الكلام كله في حقوق الله وتعالى بعد صحة التوحيد والسلامة من أنواع الكفر.
وأما حقوق المخلوقين، فقد روى البخاري في " المظالم "، وفي " الرقاق " (٢)
_________________
(١) أخرجه الطبراني في " الأوسط "، وابن مردويه من حديث جابر مرفوعًا: " إن ناسًا من أمتي يعذَّبون بذنوبهم، فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيّرهم أهل الشرك، فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعَكُم! فلا يبقى موحِّدٌ إلاَّ أخرجه الله تعالى من النار "، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٦٢، وصحح إسناده، وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٧٩: رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي، وهو ثقة.
(٢) البخاري (٢٤٤٠) و(٦٥٣٥). وأخرجه أيضًا أحمد ٣/ ١٣ و٦٣ و٧٤، وأبو يعلى =
[ ٩ / ٣٠١ ]
من ثلات طُرُقٍ، عن قتادة، عن أبي المتوكِّل النَّاجي، واسمه علي بن دؤاد، عن أبي سعيد الخُدري، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: " إذا خَلَصَ المؤمنون من النار، حُبِسُوا بقنطرةٍ بين الجنة والنار، فيَتَقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا، أُذِنَ لهم بدخول الجنة ".
وصرح قتادة بالسماع في رواية شيبان كما تقدم لشيبان مثل ذلك في حديث النجوى، وهذا يدل على تقدُّم شيبان بالإتقان لحديث قتادة كما قال يحيى بن معين: هو أحبُّ إلي في قتادة من معمر. وقال أحمد بن حنبل: هو ثبتٌ في كلِّ المشايخ، وقد جوّد ابن حجرٍ الثناء عليه في " مقدمة شرح البخاري " (١)، وأنه مُجْمَعٌ عليه، إلاَّ خلافًا مدفوعًا في حديثه عن الأعمش، وأما كون البخاري روى ذلك تعليقًا (٢) عن يونس بن أحمد، عن شيبان، فهو بصيغة (٣) الجزم، وقد أسنده ابن منده في كتاب " الإيمان " (٤)، ذكره ابن حجر (٥).
وفي هذا الحديث أعظم بُشرى، حيث لم يُخْزَوْا ويدخلوا النار بحقوق المخلوقين. وأما خُلوصهم من النار قبل ذلك، فيحتمل أنه المرور على الصراط كالورود، بل هو الظاهر، وأنه الخُلوص من خوفها، ولو كان منها لم يضرَّ، لكن يكون معناه بعض المؤمنين، لكن لا مُلجِىءَ إليه، لأن الخلاصَ من النار يُحتمل في اللُّغة أنه النَّجاة، كقول هِرقل: لو أعلم أني أخلُصُ إليه (٦)، وأنه التَّميُّز، كقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا﴾ [يوسف: ٨٠]، أي: تميزوا من الناس متناجين، ومنه يوم الخلاص يوم يخرُجُ إلى الدَّجَّال من المدينة كلُّ منافقٍ ومنافقة، فيتميز المؤمنون منهم (٧).
_________________
(١) = (١١٨٦)، وابن حبان (٧٤٣٤)، والحاكم ٢/ ٣٥٤.
(٢) ص ٤١٠.
(٣) برقم (٢٤٤٠) في المظالم.
(٤) في (ف): " على صيغة ".
(٥) برقم (٨٣٩).
(٦) في " الفتح " ٥/ ٩٦.
(٧) قطعة من حديث مطول رواه ابن عباس عن أبي سفيان، وقد تقدم غير مرة.
(٨) أخرج ابن ماجه (٤٠٧٧) في حديث مطوَّل عن أبي أمامة مرفوعًا: "إنه لا يبقى شيءٌ =
[ ٩ / ٣٠٢ ]
الفرق بين دخول النار وورودها والوقوع فيها
وفي حديث الإسراء: " فلمَّا خلصت (١) لمستوى (٢) أسمع فيه صَريفَ الأقلام " (٣) أي: وصلتُ، والظاهر أن هؤلاء المؤمنين الخالصين هم أهل الجنة الذين قال فيهم رسول الله - ﷺ -: " يدخل أهلُ الجنةَ الجنةَ، وأهل النار النار، ثم يقول: انظروا من وجدتُم في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمانٍ، فأخرِجوه ". الحديث. ورواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد أيضًا (٤).
الوجه الثاني من الأصل: وهو الفرق بين دخول النار ووُرودها، والوقوع فيها، فإن الورود والوقوع فيها يكون في بعض المؤمنين المسوقين إلى الجنة من طريقها التي هي الصراط، والدخول إنما يكون من أبواب النار، ويخصُّ الكفار، وإليها يُساقون حتى يدخلوها، فتُطْبَقُ عليهم للخُلُود، كما يظهر لِمَنْ تأمَّل تفاصيل أحاديث القيامة.
ألا ترى إلى ما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث أنس (٥)، قال رسول الله - ﷺ -: "يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا كلها، أكنتَ
_________________
(١) = من الأرض إلاَّ وطئه (يعني الدجال) وظهر عليه، إلاَّ مكة والمدينة، لا يأتيها من نقب من نقابهما إلاَّ لقيته الملائكة بالسيوف صلتة، حتى ينزل عند الظُّرَيب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجُف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى مناقق ولا منافقة إلاَّ خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويُدعى ذلك اليوم يومَ الخلاص". وإسناده ضعيف، وانظر سنن أبي داود (٤٣٢٢).
(٢) في " البخاري " و" مسلم " وغيرهما: " فلما ظهرت ".
(٣) في (ف): " بمستوى ".
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣)، وابن حبان (٧٤٠٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) أخرجه البخاري (٢٢) و(٤٥٨١) و(٤٩١٩) و(٦٥٦٠) و(٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) و(١٨٤)، وأحمد ٣/ ٥ و١١ و١٩ و٢٠ و٢٥ و٤٨ و٥٦ و٧٨، والترمذي (٢٥٩٨)، وابن حبان (١٨٢) و(٢٢٢).
(٦) تقدم تخريجه في الجزء السابع.
[ ٩ / ٣٠٣ ]
مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أيسر من هذا، ألاَّ تُشْرِكَ بي شيئًا، ولا أدخلُك النار وأُدخلك الجنة، فأبيت إلاَّ الشرك". أخرجاه، واللفظ لمسلم.
وفيه دلالة على ما دلَّ عليه القرآن من أنها أُعدَّت للكافرين، لأنه جعل أيسرهم عذابًا مشركًا.
وفيه أنه لا يدخلها إلاَّ أهل الشرك، فدل على الفرق بين دخولها من أبوابها التي لا تُطْبَقُ على الداخلين للخلود، وبين وُرُودِ من يرِدُ عليها، ووقوع من يقع من طريق الجنة إليها ثم يميته (١) فلا بقاء (٢) له فيها حيًّا سالِمًا حتى يشفع له أكرمُ شفيعٍ إلى أكرم الأكرمين وأرحمِ الراحمين، فيخرجُ مرحومًا مكرَّمًا.
وقد خرَّج مسلمٌ (٣) من حديث يزيد بن صُهيبٍ الفقير، قال: كنتُ قد شغفني رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابةٍ ذوي عددٍ نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة، فإذا فيها جابر بن عبد الله جالس إلى ساريةٍ يحدث عن رسول الله - ﷺ -، فإذا هو قد ذكر الجهنَّميِّين، فقلت: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تُحَدِّثُونا، والله يقول: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و﴿كُلَّما أرَادُوا أن يَخْرُجوا منها أُعِيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠]، فما هذا الذي تقولون؟ قال: أتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فإنه مقامُ محمدٍ المحمود الذي يُخرج الله به من يُخْرِجُ.
وفي رواية رزين قال جابرٌ: فاقرأ ما قبله، يريدُ الآية الثانية، وفي الأولى ما بعده، فإنه في الكفار، ثم اتفقا.
قال: ثم نَعَتَ وَضْعَ الصراط، ومَرَّ الناس عليه، وأخافُ أن لا أكون أحفظُ ذلك، غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. الحديث.
_________________
(١) " ثم يميته " ساقطة من (ف).
(٢) في (ش): " يبقى ".
(٣) برقم (١٩١).
[ ٩ / ٣٠٤ ]
إلى قوله: فرجعنا، وقلنا: ويحَكُم! أترون هذا الشيخ يكذِبُ على رسول الله - ﷺ -؟! فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجلٍ واحدٍ.
وعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسْأَلُ عن الورود، فقال: نجيءُ نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أيَّ ذلك فوقَ الناس (١) ثم ذكرَ اتباع كل أمَّةٍ لمن عبدوه دون الله حتى تبقى هذه الأمَّة إلى قوله: ويُعطى كلُّ إنسانٍ منهم -يعني من هذه الأمة- نُورًا منافقٌ أو مؤمنٌ، وعلى جسر جهنم كلاليبُ وحسكٌ تأخذ من يشاء، ثم يُطفأُ نورُ المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أوَّلُ زمرةٍ، وجوهُهم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفًا لا يُحاسَبونَ، ثم الذين يلُونَهم كأضوأ نجمٍ في السماء، ثم كذلك، ثمَّ تحِلُّ الشفاعة ويشفعُون، حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلاَّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزنُ شعيرة. الحديث رواه مسلم (٢) مختصرًا، وظهر في الحديث شيءٌ مما أشرتُ إليه.
_________________
(١) قال النووي في " شرح مسلم " تعليقًا على قوله: " عن كذا وكذا انظر أي ذلك فوق الناس ": هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الأصول من صحيح مسلم واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف وتغيير واختلاط في اللفظ. قال الحافظ عبد الحق في كتابه " الجمع بين الصحيحين ": هذا الذي وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد الناسخين أو كيف كان. وقال القاضي عياض: هذه صورة الحديث في جميع النسخ، وفيه تغيير كثير وتصحيف، قال: وصوابه: " نجيىء يوم القيامة على كوم " هكذا رواه بعض أهل الحديث وفي كتاب ابن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك: " يحشر الناس يوم القيامة على تل وأمتي على تل " وذكر الطبري في التفسير من حديث ابن عمر، فيرقى هو يعني محمدًا - ﷺ - وأمته على كوم فوق الناس، وذكر من حديث كعب بن مالك: يحشر الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل. قال القاضي: فهذا كله يبين ما تغير من الحديث، وأنه كان أظلم هذا الحرف على الراوي أو أمَّحى فعبر عنه بكذا وكذا، وفسره بقوله: " أي: فوق الناس، وكتب عليه: " انظر " تنبيهًا، فجمع النقلة الكل ونسقوه على أنه من متن الحديث كما تراه.
(٢) رقم (١٩١).
[ ٩ / ٣٠٥ ]
والذي يوضِّحُ ذلك من كتاب الله أن الله تعالى قد نصَّ في كتابه على أن للنار سبعة أبوابٍ، لكلِّ بابٍ من أهلها جزءٌ مقسومٌ، ثمَّ بيَّن تارةً، أن أهل النار هم الكافرون، وهذا كثيرٌ، وتارةً أن أهل هذه الأبواب السبعة هم الكافرون، وذلك في قوله تعالى في النحل: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين﴾ [النحل: ٢٧ - ٢٩]، وقال في سورة الزُّمر: ﴿وسِيقَ الذين كفروا إلى جهنم زُمَرًا﴾، إلى قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧١ - ٧٢]، فوصف الداخلين لأبواب جهنم كلها وكلهم بالكفر والتكبر، ولا حجة لمن قال: إن أحد الأبواب للموحدين لا من كتاب الله، ولا من صحيح سنة رسول الله - ﷺ -.
أما حديث جُنيدٍ عن ابن عمر، عنه - ﷺ -: " بابٌ منها لمن سلَّ سيفه على أُمَّتي ". رواه أحمد والترمذي (١)، فلم يصح، وقال الترمذي: غريب، وقال ابن أبي حاتم: منقطع لم يسمعه جنيد من ابن عمر (٢)، هو عن (٣).
وعلى تقدير صحَّته، فليس فيه أنهم مِنَ المسلمين، ولعلَّه للخوارج الذين سمَّاهم رسول الله - ﷺ - موارِقَ، وتكفيرهم أحد أقوال أهل الإسلام، وأما ظنهم أن الكفار ستة أجناس، فباطل، فإنهم عدوا اليهود والنصارى والمجوس والصَّابئين والمشركين والمنافقين، وهؤلاء ستةُ أصنافٍ، وجعلوا الصِّنْفَ السابع عُصاة الموحِّدين، ونسُوا من أكفرِ الكافرين جيشين عظيمين: يأجوجَ ومأجوج.
وقد ثبت أن للجنَّة ثمانية أبوابٍ، وأن أعمال البِرِّ أكثرُ من ثمانية أنواعٍ، وأنَّ
_________________
(١) أحمد ٢/ ٩٤، والترمذي (٣١٢٣)، وعلقه البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٢٣٥.
(٢) وقال في " الجرح والتعديل " ٢/ ٥٢٧: جنيد روى عن ابن عمر، مرسل. سمعت أبي يقول ذلك.
(٣) بياض في الأصول.
[ ٩ / ٣٠٦ ]
العاملين بها أكثرُ من ثمانية أصنافٍ، فكذلك أبوابُ النار وأنواعُ الكفر، وأصنافُ الكافرين، وتقسيم ذلك على التحقيق يحتاج إلى برهان صحيح، والذي دل عليه القرآن أن أهل أبواب النار كلهم من الكفار المتكبِّرين، والذي دلت عليه السنة الصحيحة أن الذين يُعذَّبُون من أهل الكبائر من المسلمين يسقُطون من الصِّراط الذي هو طريق أهل الجنة إليها، فتميتُ النارُ من سقط منهم حتى يُشْفَعَ لهم، ثم يقاصُّ بينهم في قنطرةٍ بين الجنَّةِ والنار بعد خُلوصِ المؤمنين من النار، حتى ينتصف بعضُهم من بعضٍ مظالمَ كانت بينهم، فإذا هُذِّبُوا، أُذِنَ لهم بدخول الجنة كما هو معروفٌ في الصِّحاح والله أعلم.
سلَّمنا أن كل واردٍ وواقعٍ يُسمَّى داخلًا، وكلَّ داخلٍ مُخْزَىً بمجرد الدخول، فما المانع من تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿يومَ لا يُخْزِي اللهُ النبيَّ والذين آمنوا مَعهُ﴾ [التحريم: ٨]، وقد ثبت أن المؤمنين مُتفاوتون في المراتب، وأن ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، كما قال الله تعالى، وأن في الذين اصطفى الله قومًا ظالمين لأنفسهم كما قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِه﴾ [فاطر: ٣٢]، مع قوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ على عباده الذينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩].
وقد ثبت بموافقة الخُصوم أن للعُصَاة المسلمين في الدنيا حكمًا بين الحُكمين، فما المانِعُ من تصديق النُّصُوص الواردة بأنهم في الآخرة كذلك تفسيرًا للكتاب لا تكذيبًا، وبيانًا لا معارضةً؟ ومع ذلك، فهم متردِّدون بين أن يخصُّوا من عموم الخِزْي، وهو القريب القوي، وبين أن يخصُّوا من عموم المؤمنين، كما قد خصصنا الجميعَ ما احتجنا إليه بأدلةٍ منفصلةٍ.
سلمنا تسليمَ جدلٍ أن عُمومات الوعيدية لا تخصَّصُ لخاصة فيهم، فلنا أن نُجيبَ عن هذه الآية بأجوبةٍ:
الجواب الأول: أنها ظاهرةٌ في الصحابة، لقوله فيها (١) ﴿معه﴾ وبهذا
_________________
(١) أي في آية " الحديد " المتقدمة في الصفحة السالفة.
[ ٩ / ٣٠٧ ]
أجابَ ابنُ الحاجب في " مختصر المنتهى "، لكنه لم يذكر فيه لفظَ المعيَّة، واقتصر على: ﴿والذين آمنوا﴾ على عادته في الاختصار، وظَنَّ بعضُ المعتزلة أن الآية كذلك، فقال: إنه عدلَ عن الظاهر لغير موجبٍ، وليس بعدولٍ عن الظاهر مع تأمُّل فائدةِ لفظ المعيَّة، فإن ذلك فيه ظاهرٌ، كقوله تعالى: ﴿والذين معه أشِدَّاءُ على الكفار رُحَمَاءُ بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] الآية، وهي فيهم قطعًا إجماعًا، وفي " المؤمن " في قصة موسى: ﴿قالوا اقْتُلُوا أبناء الذين آمنوا معه﴾ [غافر: ٢٥]، وفي " الممتحنة " [٤]: ﴿قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه﴾، وفي " سورة البقرة " [٢١٤] ﴿حتَّى يقولَ الرسول والذين آمنوا معه﴾، وفيها أيضًا [٢٤٩]: ﴿فلمَّا جَاوَزَهُ هو والذين آمنوا مَعَهُ﴾، فكذلك هذه.
وهذا محتملٌ مانعٌ من ظهور غيره، ولا مانع من ذلك (١) قاطع، خصوصًا على قول المعتزلة: إن الصحابي من لازم وطالت ملازمته، فلم يكن في مَنْ هذه حالُهُ من يُعلم بدليلٍ قاطعٍ أنه يدخل النار.
أما الذين قيل لرسول الله - ﷺ -: " إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك "، فقد صحَّ " أنهم ما زالوا يرتدُّون القهقرى " (٢) ويحتمل أنهم مِمَّن ارتدَّ أو ظهر نفاقُه، ولا يُرَدُّ الاحتمالُ بالاحتمال، إنما يُرَدُّ بقاطعٍ، وهذه نكتةٌ لطيفةٌ فتأملها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، ولم يقل: آمَنُوا معنا، ولا: آمنَّا معهم، بل تحتمل الآية احتمالًا قريبًا أن يكون في السابقين إلى الإسلام من الصحابة، فإنهم آمنوا مع النبي - ﷺ - في ذلك الوقت المتقدِّم، وقد فرَّق الله بين من أنفق قبل الفتح، ومن أنفق بعده من الصحابة، كيف لا يقع فرقٌ بين الصحابة وغيرهم.
_________________
(١) " من ذلك " ساقطة من (ف).
(٢) أخرج البخاري (٦٥٨٥) من حديث أبي هريرة: " يرد عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي، فيُجْلَوْنَ عن الحوض، فأقول: يا ربِّ، أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ".
[ ٩ / ٣٠٨ ]
وسرُّ هذا الجواب: أن المعيَّة تصحُّ أن تكون معيةً باعتباراتٍ مختلفةٍ، والحقيقة متعذِّرَة، وأبعدُ التقديرات مذهب المعتزلة، والذي يدلُّ على ما ذكرتُ من كثرة اعتباراتها أنه قد ورد القرآنُ بأن الله مع الصَّابرين والصادقين، وبأنه مع كل أحدٍ، فالمعية الأولى بالنَّصر والإعانة، والثانية بالعلمِ، والعُمْدَةُ القرائن في هذا الباب، وإذا جاز تخصيصُ الحقائق (١)، فكيف المجازات. والله سبحانه أعلم.
الجواب الثاني: أنه لا يَصْدُقُ إذا أُخزِيَ مؤمنٌ واحد أو بعضُ المؤمنين، أن الله قد أخزى المؤمنين، ولا تصحُّ هذه العبارة، ولا سيما وهي تُوهِمُ أن الإيمان هو سببُ الخِزْي، إنما يُقال: إن الله قد أخزى من عصاه بارتكاب المُوبقات من المؤمنين، وهذه مسألةٌ معروفةٌ في أصول الفقه والعربية، وهي أن الإثبات يفيد العموم دون النفي، فإذا قلت: قام القوم، أفادَ العموم، ولم يَجُزْ أن يكون أحدٌ منهم غيرَ قائمٍ، إلاَّ أن يُخَصَّ باستثناءٍ متَّصلٍ، أو دليلٍ مُنفصلٍ، وأما إذا قلتَ: ما قامَ القَومُ، لم يدل على نفي القُعود عن جميعهم، ولكن يدل على نفي القيام عن جميعهم، ويبقى آحادهم موقوفين على دليلٍ آخر، وهذا نظير الآية، والحمد لله.
الجواب الثالث: أنه يجوز أن تكون الجملة التي بعدها حاليَّةً مقيَّدةً لِمَا أُطلِقَ في الجملة الأولى من الأحكام، بل ذلك أقربُ إلى ارتباط الكلام بعضه ببعضٍ، وذلك أنه قد حصل شرطُ جواز ذلك مع ما فيه من حُسْنِ ارتباط الكلام، ومراعاة أسباب ارتباطه، وذلك أن شرط صحة ذلك أن يكون في الجملة الثانية ضميرٌ يرجعُ إلى الأولى، أو حرف عطفٍ، وقد حصل الضمير هنا رابطةٌ بين الجملتين، فجاز أن يكون المعنى: أن الله لا يخزي المؤمنين في حال سَعْي نُورِهم بين أيديهم، ويمكن أن تعذيبَ المُعَذَّب منهم ودخوله النار كان قبل هذه الحالة، فإن هذه حالة إكرام، والإكرام لا تعقبه الإهانة، بخلاف العكس، وقد يمكن على بعده متى كانت الإهانة في معنى العقوبة، والكرامة
_________________
(١) " الحقائق " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٣٠٩ ]
في معنى العفو، وهذا يبطلُ القطع على الوعيديِّ وإذا بطَلَ القطعُ، لم يبقَ مانعٌ من قبول أخبار الثِّقات الظنية الآحادية، كيف وقد ترقَّت إلى مرتبة التواتر عند أهل التَّوسُّع في هذا الشأن؟
يوضح ذلك ما رواه الحاكم في " المستدرك " في تفسير هذه الآية بعينها عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: ليس أحدٌ من الموحِّدين إلاَّ يُعطى نورًا يوم القيامة، فأمَّا المنافق، فيُطْفَأُ نورُه، والمؤمن مشفقٌ مما رأى من إطفاءِ نور المنافق، فهو [يقول: ربنا] أتمِمْ لنا نورنا. قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد. ذكره في تفسير " سورة التحريم " (١).
وروى الحاكم أيضًا في تفسير " سورة النور " من حديث صفوان بن عمرو، قال: حدثني سُلَيْمُ بن عامرٍ، قال: خرجنا على جنازةٍ في باب دمشق، معنا أبو أُمامة الباهليُّ، فلما صلَّى على الجنازة، وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: يا أيها الناس، قد أصبحتم وأمسيتم في منزلٍ تقتسمون فيه الحسنات والسيئات ويُوشِكُ أن تظعَنُوا منه إلى المنزل الآخر، وهو هذا -يُشير إلى القبر- بيت الوحدة، وبيتِ الظُّلَمَة، وبيت الدود، وبيت الضيق، إلاَّ ما وسَّع الله، ثم تنتقلون إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم لفي بعض تلك المواطن، حتى يغشى الناسَ أمرٌ من أمر الله، فتبيضُّ وجوهٌ، وتسودُّ وجوهٌ، ثم تنتقلون منه إلى موطن آخر، فتغشى الناسَ ظلمةٌ شديدةٌ، ثم يُقْسَمُ النور، فيُعطى المؤمن نورًا، ويُترَكُ الكافر والمنافق لا يُعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضرب الله في كتابه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ الآية. إلى قوله: ﴿فما له من نورٍ﴾ [النور: ٤٠]، ولا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى بِبَصَرِ البصير، يقول المنافق (٢) للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ من نوركم قِيلَ
_________________
(١) ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦. من طريق عتبة بن يقظان عن عكرمة، عن ابن عباس، وصححه، ورده الذهبي بقوله: عتبة واهٍ.
(٢) في (د) و(ف): " المنافقون ".
[ ٩ / ٣١٠ ]
ارجِعُوا وَرَاءَكُمْ فالتَمِسُوا نورًا﴾ [الحديد: ١٣]، وهي خدعة الله التي خَدَعَ بها المنافق. قال الله ﷿: ﴿يُخادِعُونَ الله وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، فيرجعون إلى المكان الذي قُسِمَ فيه النور، فلا يجِدُون شيئًا، فينصرفون إليهم وقد: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُصلِّي بصلاتكم، ونغزو مغازيكم؟ (١): ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ تلا إلى قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٤ - ١٥].
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرِّجاه. وهذا إسناده: قال الحاكم (٢): أخبرني الحسن بن حُليم المروزيُّ، أخبرنا أبو المُوَجِّه، أنبأنا عبدان، أخبرنا عبد الله (٣)، أنبأنا صفوان بن عمرو، حدثني سُليم بن عامرٍ. الحديث.
الجواب الرابع: ما ذكره ابن الحاجب في مختصر " المنتهى " وهو أنه (٤) يحتمل أن يكون نفي الخزي موجِّهًا إلى النبي - ﷺ - وحده، والجملة بعده استئنافيةٌ.
قلت: بل هي محتملةٌ على ذلك أن تكون استئنافيةً، وأن تكون الحالية لاجتماع الواو في أولها، والضمير في " معه " (٥) وكل (٦) واحدٍ منهما وحده مسوغ
_________________
(١) عبارة: " نصلي بصلاتكم ونغزو مغازيكم " ساقطة من (ف).
(٢) ٢/ ٤٠٠.
(٣) هو ابن المبارك المروزي، وهو عنده في زيادات " الزهد " (٣٦٨)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٤٨٥ - ٤٨٦، وابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " ٤/ ٣٣٠.
(٤) " أنه " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): " معية ".
(٦) في (ش): " كل ".
[ ٩ / ٣١١ ]
للحال، كيف مع اجتماعهما؟ ويكونُ لها مع ذلك معنى لطيفٌ، وهو أنه لا يخزى من هذه حال أتباعه، ومن اتَّسم بنصيبٍ من الإيمان؛ فإنهم إنما نالوا هذه المَثُوبَةَ العُظمى، والكرامةَ الجليلة، ببركة الإيمان به، ونجاة شفاعته، ألا ترى إلى ما رواه البخاري في " صحيحه " (١) قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله، قال: أخبرنا أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المقبُري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: " يلقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجهِ آزر قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فيقول إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني! فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا ربِّ إنك وعدتَني ألا تُخزيني يوم يبعثون (٢)، وأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله تعالى: إني حرَّمتُ الجنة على الكافرين، ثم يُقالُ: يا إبراهيم، انظر ما تحت رجليك، فينظر، فإذا هو بِذيخٍ متلتطِّخٍ، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار ". انفرد به البخاري، وهو الثاني عشر بعد أربع مئة من " جامع المسانيد " من مسند أبي هريرة.
وذكره المزي في " الأطراف " (٣) في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرة، قال: ورواه البخاري في أحاديث الأنبياء وفي " التفسير " بإسناده المقدَّم.
وإسماعيل: هو ابن أبي أُوَيس، أخرجوا عنه إلاَّ النسائي، وعبد الحميد: خرَّجُوا عنه إلاَّ الترمذي.
وفي " نهاية " (٤) ابن الأثير، و" فائق " (٥) الزمخشري أن الخليل ﵇ يحمل أباه ليجُوزَ به الصراط، فينظرُ إليه، فإذا هو عَيْلامٌ أمْدَرُ، والعَيْلام والذِّيخُ، كلاهما ذكر الضِّباعُ. وهذا يدلُّ على وجود روايةٍ أخرى أو أكثر غير رواية
_________________
(١) (٣٣٥٠) و(٤٧٦٩).
(٢) عبارة " يوم يبعثون " ساقطة من (ف).
(٣) ٩/ ٤٨٩.
(٤) ٢/ ١٧٤.
(٥) ٢/ ٣٢٨.
[ ٩ / ٣١٢ ]
البخاري، تشتمل على ذكر هذه الألفاظ، وتدل على شُهرةِ الحديث والله أعلم.
وفي أحاديث الشفاعة الصِّحاح، ما يعضُدُ هذا المعنى، وهو أن الله تعالى إذا أراد انقطاع الشفاعة بعد خروج من أراد خروجه من النار غيَّرَ خلوق أهل النار، وصورهم، حتى لا يعرف أحدٌ من الشافعين أحدًا من المعذَّبين، وفي هذا صيانةٌ لهم عن أن يشفعوا، أو لا يُشَفَّعُوا، وعن أن يستغيث بهم من عرفوه، فلا يُنقذوه، فإذا جاز وأمكن من كرامة إبراهيم ﵇ ألا يخزى بتعذيب من أصرَّ على الكفر، لأجل القرابة حتى غيَّرَ خلق ذلك الكافر تغييرًا بعيدًا (١) لا يُعرفُ معه، فمن أين يمتنِعُ ويستحيل أن يكون الخِزيُ أبعد كل بعيدٍ، وأسحق كلَّ سحيقٍ عن محمدٍ الشفيع المقبول بإنقاذه لبعض من آمن به من النار، وإكرامهم بما يسعى بين أيديهم، وبأيمانهم (٢) من الأنوار، كرامة لنبيهم المصطفى المختار - ﷺ -، آناء الليل، وأطراف النهار، وعلى آله الطيبين الأطهار.
وإنما قلنا لبعض من آمَنَ به لما وردَ في حديث الشفاعة الصحيح: " أن الله تعالى يُخرجُ الطائفة الرابعة من النار برحمته، لا بالشفاعة " والله أعلم.
ومما احتجت به المعتزلة: قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
والجواب من وجهين:
أحدهما: أنا لم نقل: إن الإسلام ضدُّ الإيمان، بحيث لا يجتمعان قطعًا، وإنما تصلحُ الآية حجة على من قال ذلك، وإنما قلنا: إنهما مختلفان، يجوزُ اجتماعُهما، ولا يجب، ويجوزُ افتراقهما ولا يجب أيضًا، وما هذا حاله، لا يلزم من اجتماعهما (٣) المماثلة ولا الاتِّحاد، كما هو حكم المختَلِفات عندَ جميعِ النُّقَّاد.
_________________
(١) " بعيدًا " ساقطة من (ف).
(٢) في (ش): " وعن أيمانهم ".
(٣) في (ف): " اجتماعه ".
[ ٩ / ٣١٣ ]
الثاني: أنه -مع هذا- يحتملُ الاختلاف، ألا ترى أنه يجوزُ أن يكونَ أهلُ ذلك البيت منهم مؤمنٌ مخلصٌ، ومنهم مسلمٌ دونه في اليقين، فجاء حينئذٍ بأعمِّ العبارتين، ولا سيما إن حملنا اسم البيت على الحيِّ من بُيوتاتِ العربِ، وهو أحدُ معانيه، ذكره في " الضِّياء ".
ومن أدلتهم، قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بعد قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧].
والجواب: أن الإيمان يلازم الإسلام الصادق قطعًا، والمعنى: إن كانوا صادقين في قولهم: أسلمنا، فهي كقوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣]، فلم يلزم من إضافة الإيمان إليهم في قوله: ﴿إِيمَانُكُمْ﴾ صحته مع قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فكذلك هؤلاء لقوله: ﴿إن كنتم صادقين﴾، ولا سيما والظاهر أن هؤلاء هُمُ الذين قال لهم قبل هذا بقليل: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤]، فلذلك لم يُثبت لهمُ الإيمان مطلقًا، لأن إثباته مطلقًا يُناقِضُ نفيه، وإنَّما أثبته على تقدير صدقهم في إسلامهم، لأن صدق الإسلام هو مطابقةُ اعتقاد القلب لما يظهَرُ من أفعال الجوارح، كما تقدم شرحه، وهذا بيِّنٌ والحمدُ لله رب العالمين.
وهذا آخرُ البحث عن أدلَّة المخالفين، والجواب عليهم، وقد طالَ وأمَلَّ، ولكن كثرةُ جهلِ بعض المعاصرين أثارَ البساط إلى ذكر قليلٍ من كثيرٍ من علوم العارفين، والله تعالى ينفع بذلك ويعيذُني من فتنتَي العلم والجهل معًا، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ ٩ / ٣١٤ ]
باب
في تفسير التقوى والمتقين وأقل ذلك
وقد ذكر الثَّعلبيُّ (١) أكثر من ثلاثين قولًا (٢) في ذلك من غير حجة، فيها حديثان وآثار بلا إسنادٍ.
وقيل: إن الشرع قد ينقُلُ معنى التقوى في اللغة إلى اتِّقاء المعاصي كلِّها، وقيل: إلى اتِّقاء الكبائر، ولم أعرف الحجة في ذلك، لكن هذه آياتٌ من كتابِ الله تدل على غير ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١].
وفي أول " النحل " [٢]: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُون﴾.
ومنه: ﴿أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُون﴾ [النحل: ٥٢].
_________________
(١) هو الإمام الحافظ العلامة، شيخ التفسير: أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي. له عدة مؤلفات، أشهرها تفسيره المعروف بالكشف والبيان في تفسير القرآن. توفي سنة ٤٢٧ هـ. انظر ترجمته في " السير " ١٧/ ٤٣٥.
(٢) في (ف): " وجهًا ".
[ ٩ / ٣١٥ ]
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦].
وروى السيد أبو طالب في " أماليه "، والحاكم في " المستدرك "، وأبو داود، والترمذي من حديث أنسٍ، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال في هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، " قال الله تعالى: أنا أهلٌ أن أُتَّقَى، فمنِ اتَّقاني، فلم يَجْعَلْ معيَ إلهًا، فأنا أهلٌ أن أغفرَ له " (١).
ومما يدلُّ على ذلك أن الله تعالى قد أضاف التقوى إلى القلوب، لاختصاصها بالقلوب، فقال: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣]، والقلوبُ ليس فيها شيءٌ من أعمال الجوارح الظاهرة، وإنما فيها تقوى الشِّرك، وتقوى الرياء بتصحيح النية، وإخلاص التوحيد، والعمل لله تعالى.
ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: " لا يحقرنَّ أحدُكم أخاه، ها هنا التقوى، ها هنا
التقوى ". ثلاثًا، ويشير إلى صدره. رواه مسلم (٢) من حديث أبي هريرة، وإنما كرَّر ذلك للتأكيد، وإنما أكَّده، لعدم اعتبار الأكثرين بذلك، وقد عقَّب ذلك على قوله: " لا يحقرنَّ أحدكم أخاه " لما تقرَّر أن الكرم: التقوى، فخافَ رسولُ الله - ﷺ - أن يرى المؤمنُ المجتهدُ من هو دُونه في عملِ الظاهر، فيزدريه، ويظنّ أن ما كان في الباطن لزم ظهورهُ، فأوضحَ بهذا عظيمَ التفاوت في الباطن الذي
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٢٨)، وقال: حسن غريب!، وصححه الحاكم ٢/ ٥٠٨، ووافقه الذهبي!. ولم يخرجه أبو داود كما ذكر المصنف ﵀. وأخرجه أحمد ٣/ ١٤٢ و٢٤٣، وابن ماجه (٤٢٩٩)، والنسائي في التفسير من " السنن الكبرى "، وأبو يعلى (٣٣١٧)، والبغوي في " معالم التنزيل " ٤/ ٤٢٠، والعقيلي في " الضعفاء " ٢/ ١٥٤، وابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " ٤/ ٤٧٦ - ٤٧٧، كلهم من طريق سهيل القُطعي، عن ثابت، عن أنس. وسهيل ضعيف الحديث.
(٢) برقم (٢٥٦٤)، والحديث بتمامه: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا -عباد الله- إخوانًا. المسلم أخو المسلم، =
[ ٩ / ٣١٦ ]
يخفى، وزجرَ عَنِ الاستهانة والاستحقار بالمسلم، لجهالة باطنه. فالوليُّ مخبوءٌ في الناس لا يُدرى أيُّهم هو، كما أن الرضا مخبوءٌ في الطاعات لا يُدرى في أيِّها هو، والسُّخطُ -نعوذ بالله منه- مخبوءٌ في المعاصي، لا يُدرى في أيِّها هو.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١].
والذي يوضِّحُ ذلك أن المتقي في اللغة: هو من اتَّقى شيئًا ما، والاشتقاقُ يحصل بفعلٍ واحدٍ، كما يُسمَّى القاتل قاتلًا بقتل نفسٍ واحدةٍ، والعاصي عاصيًا بركوب معصيةٍ واحدةٍ، فكذلك يُسمى المؤمنُ متَّقِيًا باتِّقاء أعظم الذنوب، وهي جميع ذنوب الكفر على أكثر صورها، لكنه يجمعُها التَّكذيب بالله، أو شيءٍ من كُتُبِه، أو بأحدٍ من رُسُله، أو الاستهانة بشيءٍ من ذلك، فمتى وحَّدَ العبدُ ربَّه، وأخلص توحيده من النِّفاق، واتَّقى الكفر وجميع أنواعه، وأخلص في ذلك، فقد حصل في أدنى مراتب التقوى، بحيثُ تصحُّ منه العبادة، ويُرجى له قَبُولُها، وأن يخرج من جملة من لا تصح له عبادةٌ من أهلِ الكفر، وفيهم إن شاء الله يقول الله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، لإجماع المسلمين على خطاب صاحب الكبيرة بالعبادات ووجوبها عليه وصحتها منه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤] الآية. فهذا حصرٌ لموانع القبول في الكفر، ولله الحمدُ.
ويدل على ذلك من السنة الصحيحة دلالةُ النُّصوصية:
الحديثان المقدَّمان في تفسير الإحسان: بإخلاصِ الإسلام من النِّفاق، أحدهما عن أبي هريرة، والآخر حديث عبد الله بن مسعودٍ، متَّفقٌ على صحَّتِهما.
_________________
(١) = لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ها هنا"، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. " بحسب امرىء من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم. كلُّ المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه ".
[ ٩ / ٣١٧ ]
ويُرجى للمسلم -إن شاء الله- أن يدخل فيما وعد الله المتقين من المغفرة والرحمة، ويكون ذلك له وسيلةٌ إلى (١) التَّرقِّي إلى أرفعِ مراتب التَّقوى، حتى يتَّصِفَ بالأتقى الذي يُجَنَّبُ النار، ولا تمسُّه، لقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧].
وقد أثنى الله على المتقين الذين يظنُّون أنهم ملاقوا ربِّهم، وأنهم إليه راجعون، وقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ [القلم: ٣٤ - ٣٦].
يوضِّحُه أنه (٢) ربما عبَّر عنهم بعبارتين تدلُّ إحداهما على الأُخرى، كما قال في الجنة مرَّةً: ﴿أُعِدَّت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ومرة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، والإيمان متى تعدَّى بالباء إلى أمرٍ معيَّنٍ، لم يجُزْ تفسيره بالأعمال، لكن صاحب التقوى الناقصة لا يأمَنُ مِنْ (٣) مطلقِ العذاب المنقطعِ حتى يُرحَمَ أو يُشفَعَ له، كما دلت السنة على تفصيلِ ذلك.
ولم تزل السنة تفصِّلُ مجملات (٤) القرآن وتخصِّصُ عمومه في أركان الإسلام، وأكثر الأحكام، فما خصُّ هذه المسألة بعدم قبول السنة في تفاصيلها (٥).
وقال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٧ - ٧٠].
وأثنى الله على النصارى الذين آمنوا بالكتاب الذي أنزل على محمد - ﷺ -
_________________
(١) في (ف): " في ".
(٢) في (ش): " أنهم ".
(٣) " من " ساقطة من (ف).
(٤) في (ف): " مجمل ".
(٥) في (ش): " وتفاصيلها ".
[ ٩ / ٣١٨ ]
بقولهم: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ٨٤ - ٨٥]. فجزاهم بالقول الصادق المُخلِصِ لله تعالى، فدلَّ على أن ذلك أدنى مراتب التقوى.
ويُقوِّي هذا ما ثبت في تفسير الظلم بالشرك (١) فإنه متى انتفى الظلم الموعودُ صاحبُه بالخلود لم يَبْعُدْ ثبوتُ التقوى الموعود صاحبها بالجنة، ولو بعد عذابٍ منقطعٍ، وقد ثبت تفسير الظلم بالشرك من حديث ابن مسعودٍ عند البخاري ومسلم من قول أبي بكر، وعند الحاكم في التفسير.
ومما يدلُّ على ذلك من كتاب الله تعالى قوله سبحانه في أول سورة البقرة [٢ - ٣]: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فهؤلاء أهل المرتبة الرفيعة من المُتقين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل، ثم عطف عليهم أهل المرتبة (٢) الدنيا من المُتَّقين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون﴾ [البقرة: ٤]، ولذلك ذكرهم بعد أهل المرتبة الرفيعة، ليعلم أن غيرهم متَّقون (٣)، وذكر بعدهم الكفار والمنافقين، وإلا، فحرف العطف كافٍ في إفادة ذلك كما سيأتي تقرير ذلك، وهذا مثل ما قال في سورة المعارج [٢٦]: ﴿والذين يُصَدِّقُون بيوم الدِّين﴾، بعد قوله [٢٢ - ٢٥]: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم﴾، فلم يكن من هذه حالُه يَشُكُّ في يوم الدِّين، ولا يُوصَفُ بهذا الثناء بأرفع مراتب القرب لمجرد التصديق، وإنما هذا في معنى البيان لأقسام أهل الجنة الذين أجملهم في " الواقعة " و" الرحمن " وغيرهما.
ويدل عليه أمورٌ، منها: ذكرُ المصلين مرتين في سورة " المؤمنين "، وفي
_________________
(١) انظر ص ١٨٧ من هذا الجزء.
(٢) " الدنيا " ساقطة من (ف).
(٣) في الأصول: " متقين "، والجادة ما أثبت.
[ ٩ / ٣١٩ ]
سورة " المعارج ". ففي الأولى وصفهم بالخشوع والدوام، وفي الثانية وصفهم بالمُحافَظَةِ فقط.
ومنها أنه قد جاء في غير آيةٍ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] و[الأنبياء: ٩٤].
ومنها أنه قد جاء كثيرًا الوعدُ الجازم على أحد هذه الخِصَال مفردًا، كقوله في الصدقة: ﴿إن تُقْرِضُوا الله قرضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لكم ويَغْفِرْ لكم﴾ [التغابن: ١٧]، وفي الجود: ﴿ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩] و[التغابن: ١٦]، وفي الجهاد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية.
وفي الإيمان بالله: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، مع ما تقدم من بيان رسول الله - ﷺ - الصريح الصحيح في حديث " أربعون خصلة، من عَمِلَ بواحدةٍ منها دخل الجنة، أعلاها منيحةُ العنزِ " (١)، وحديث الذي دخل الجنة في غُصْنِ شوكٍ أماطه من طريق المسلمين (٢)، وحديث البَغِيَّةِ التي غُفِرَ لها برحمة كلبٍ عاطشٍ سقتهُ شَرْبَةَ ماءٍ (٣)، وكلها في الصحيح، وشواهدها متواترةٌ عن أئمة هذا الشأن، وحديث: " فقد غفرتُ لك بخوفِكَ لي " (٤)، مع موافقته لظواهر آياتٍ كثيرةٍ في
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٣٧١ من هذا الجزء.
(٢) أخرج مالك ١/ ١٣١، وأحمد ٢/ ٢٨٦ و٣٤١ و٤٠٤ و٤٨٥ و٥٣٣، والبخاري (٦٥٢) و(٢٤٧٢)، ومسلم (١٩١٤)، والترمذي (١٩٥٨)، وأبو داود (٥٢٤٥)، وابن ماجه (٣٦٨٢)، وابن حبان (٥٣٦) - (٥٤٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: " بينما رجل يمشي بطريق، وجد غُصن شوكٍ على الطريق، فأخذه، فشكر الله له، فغفر له ".
(٣) أخرج أحمد ٢/ ٥٠٧، والبخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥)، وابن حبان (٥٨٦) من حديث أبي هريرة: " إن امرأة بغيًّا رأت كلبًا في يومٍ حارٍّ يطيفُ ببئرٍ، قد أدلَعَ لسانه من العطش، فنزعت له، فسقته، فغُفِرَ لها "
(٤) انظر ١/ ١٩١ ت (٤).
[ ٩ / ٣٢٠ ]
المغفرة للخائفين مثل: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان] [الرحمن: ٤٦].
وعن أبي الدرداء حديث في تقريرها على ظاهرها على شرط الصحيح (١)، وكذلك: ﴿ذلك لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] وأمثالها.
وعن عمر: لما نزل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، إلى عشرِ آياتٍ، قال - ﷺ -: " من أقام هذه العشرَ آياتٍ، دخل الجنة " رواه الترمذي والنسائي (٢).
وستأتي سائر الأدلة على أن الواو في هذه العواطف للمغايَرَة، كما أنها كذلك في آياتِ الوعيد عند الخصوم، قد مضى ذلك فيحرر.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ للمُتَّقين﴾، ثم بيَّن أنها قسمان، فقال في القسم الأول: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وقال في القسم الثاني: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وأصرح منها قسمتُهم إلى ثلاثةِ أقسامٍ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أورَثْنا الكتابَ
_________________
(١) انظر " تفسير الطبري " ٢٧/ ١٤٦، و" البغوي " ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤، و" ابن كثير " ٤/ ٢٩٧، و" الدر المنثور ": ٧/ ٧٠٧، و" مجمع الزوائد " ٧/ ١١٨.
(٢) الترمذي (٣١٧٣)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٨/ ٨٣. ورواه أيضًا أحمد ١/ ٣٤، وعبد بن حميد (١٥)، والعقيلي في " الضعفاء " ٤/ ٤٦٠، والبغوي (١٣٧٦)، وصححه الحاكم ١/ ٥٣٥ و٢/ ٣٩٢، كلهم من طريق عبد الرزاق، وهو في " مصنفه " (٦٠٣٨)، وفيه يونس بن سليم، لم يرو عنه غير عبد الرزاق، ولم يوثقه غير ابن حبان. وقال النسائي: هذا حديث منكر، لا نعرف أحدًا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه، وقال العقيلي: " لا يتابع على حديثه، ولا يعرفه إلاَّ به.
[ ٩ / ٣٢١ ]
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وكلهم مصطفى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، فكيف يُسمَّى مُصطفىً من لا يُسمَّى مُتَّقِيًا، مع ما ورد من تفسيرها في الحديث كما تقدم.
ويتمُّ هذا بالكلام على معنى الإصرار والاستغفار.
فأما الاستغفار، فقد تقدَّم مستوفىً.
وأما الإصرار، فنذكر ما حضر فيه.
باب
الكلام في معنى الإصرار
قال صاحب " ضياء الحُلوم ": الإصرار على الشيء: الإقامة عليه، لا يَهُمُّ بالإقلاع عنه، قال الله تعالى: ﴿وأصَرُّوا واستكبروا استكبارًا﴾ [نوح: ٧]، وقال صاحب " القاموس " (١): أصر على الأمر: عزم.
وقال القاضي عياض في " مشارق الأنوار ": الإصرار: الإقامة على الشيء، وقيل: المُضيُّ على العزم، وقوله: يُصِرُّ على أمرٍ عظيمٍ: أي يعتقده، ويُقيمُ عليه.
وقال الجوهري في " الصِّحاح " (٢): الإصرار: الإقامة والدوام.
وقال أبو البقاء في كتاب " المشوف المعلم " (٣)، عن ابن السِّكِّيتِ: إنه الإقامة.
وقال الزمخشري في كتابه " أساس البلاغة " (٤): ومن المَجاز: أصرَّ على
_________________
(١) ص ٥٤٣ طبع مؤسسة الرسالة.
(٢) ٢/ ٧١١.
(٣) ١/ ٤٤٦.
(٤) ص ٣٥٣.
[ ٩ / ٣٢٢ ]
الذنب، مِنْ أصرَّ الحمارُ على العانة.
وقال الزمخشري أيضًا في " الكشاف " (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وأصروا واستكبروا استكبارًا﴾ من أصرَّ الحمارُ على العانة: إذا صرَّ أذنيه، وأقبل عليها، يكدُمها ويطرُدُها، استُعِير للإقبال على المعاصي والإكباب عليها. انتهى بحروفه من " الكشاف ".
وقوله: صرَّ أُذنيه: أي سوَّاها، وقوله: يكدُمها: أي: يعَضُّها.
وقال (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران: ١٣٥]، ولم يقيموا على قبيح فعلهم، غير مستغفرين، وعن النبي - ﷺ -: " ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرةً " (٣). ورُوِيَ: " لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار " (٤) انتهى بحروفه من " الكشاف " (٥).
وقد ظهر من مجموع كلامهم أن منهم من جعل الإصرار مجرد الإقامة على الذنب، ومنهم من شَرَطَ في هذه التسمية العزم على عدم التوبة والهمِّ بها، كما صرَّح به صاحبُ " الضياء "، وقد صرَّح به القاضي عياض بالاختلاف في تفسير الإصرار، وإن منهم من قال: هو المُضِيُّ على العزم، وظاهر كلام الزمخشري في " كشافه " يعضُدُ هذا القول، كما هو الحقيقة في إصرار الحمار على العانة، إلا أن يُقال: هو قبلَ تمامِ الفعلِ المضي على العزم، وبعده: العزم على المُعاوَدَة والإقامة، ولا شك أن هذين إصرارٌ، وأما الإقامة مع العزم على التوبة وتسويفها، أو مع الهمِّ بها، والندم والاستغفار، ففي كونه إصرارًا نظرٌ، لاختلاف أئمة اللغة في النَّقل، ولما في ظواهر القرآن والحديث في الاستغفار، والاعتراف والندم.
_________________
(١) ٤/ ١٦٢.
(٢) في " الكشاف " ١/ ٤٦٤.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٨٠ من هذا الجزء.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٧٣ من هذا الجزء.
(٥) من قوله: " وقوله: حد أذنيه " إلى هنا سقط من (ف).
[ ٩ / ٣٢٣ ]
أما الاستغفار، فقد تقدم ما ورد فيه من الكتاب، والسنة، واللغة العربية، التي يجب تفسيرُ كلام الله ورسوله بها، ولا حاجة إلى التطويل بإعادته، ومن أحسنه حديث: " ما أصَرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرةً " وأمثاله، حتى قال الزمخشري في " كشافه " في تفسير: ﴿ولم يُصِرُّوا على ما فَعَلوا﴾: ولم يصرُّوا غير مستغفرين، وروى الحديث المقدم.
وأما الاعتراف، فلقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢].
وفي " البخاري " من حديث سَمُرَةَ كما تقدم أن النبي - ﷺ - ذكر في رُؤياه الطويلة أنه رأى قومًا نِصْفُ خُلوقهم كأحسن ما خلق الله، ونصف خلوقهم كأقبح ما خلق الله، فقال. " ما هؤلاء؟ " فقيل له: هؤلاء الذين خَلَطُوا عملًا صالحًا تاب الله عليهم (١).
أو كما ورد في سيِّدِ الاستغفار عن شدَّادِ بن أوسٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: " سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلاَّ أنت، خلقتتي وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدك ووعدِك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلاَّ أنت، قبل أن يُصْبِحَ، فمات فهو من أهل الجنة " رواه البخاري والنسائي، ورواه الترمذي بنحوه، واللفظ لهما (٢).
فقوله فيه: أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي: أي أُقِرُّ وأعترِفُ، فدل على أن للاعتراف أثرًا في مغفرة الذنوب، وكذلك الاستغفارُ، وقد جُمعا في هذا الاستغفار العظيم، ولو كان بمنزلة التوبة، لم يشترط في المغفرة (٣) لصاحبه أن
_________________
(١) تقدم حديث الرؤيا غير مرة.
(٢) تقدم تخريجه في الجزء السابع.
(٣) " في المغفرة " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٣٢٤ ]
يموتَ من يومه قبل أن يُمسي أو في ليلهِ قبل أن يُصْبِحَ، فإن التائب يُغفر له ما لم يَعُدْ بالإجماع، ولأنه رتَّبَ المغفرة على القول واليقين به، لا سوى.
وفي باب الندامة على الذنب من كتاب " التوبة " في " مجمع الزوائد " (١) عن عائشة: قال رسول الله - ﷺ -: " إنْ كُنْتِ ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري، فإن التوبة من الذنب: النَّدامة والاستغفار ". رواه أحمد (٢) ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن يزيد الواسطي وهو ثقة.
وفي الصحيح منه: " إنْ كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري " (٣).
وعن أبي أُمامة مرفوعًا نحو ذلك. ذكره الهيثمي (٤) في باب العجلة بالاستغفار من كتاب التوبة، وقال: رواه الطبراني (٥) بأسانيد، ورجال أحدها وثقوا.
فهذا ما لم يتقدم ذكرُه من الاستدلال على الفَرْقِ بين التوبة الشرعية والاستغفار، والفرق بينهما أكثرُ من أن يُحصى إذا تتبَّعت.
وأما التوبة اللغوية، فقد تُوافِقُ الاستغفار وتُلازِمُه، لأنه رجوعٌ إلى الله سبحانه بطلب مغفرته، وسؤال فضله ورحمته، وذلك هو معناها، ومنه توبة الله على عبده: أي رجُوعه عليه، قال الله ﷿: ﴿ثمَّ تاب عليهم ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وقال: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ من ربه كلماتٍ فَتَابَ عليه﴾ [البقرة: ٣٧].
_________________
(١) ١٠/ ١٩٨.
(٢) ٦/ ٢٦٤.
(٣) قطعة من حديث الإفك الطويل، وقد تقدم تخريجه.
(٤) " مجممع الزوائد " ١٠/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٥) في " الكبير " (٧٧٦٥) و(٧٧٨٧)، ولفظه: " إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطىء أو المسيء، فإن ندم واسغفر منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة.
[ ٩ / ٣٢٥ ]
وفي " الصحيحين " (١) من حديث أبي هريرة، عنه - ﷺ -: " يضحَكُ الله لرجُلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخُلُ الجنة، يُقتل هذا، فيَلجُ الجنة، ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام، ثم يُجاهِدُ فيُسْتَشْهَدُ ".
وقد تدل بعض القرائن على تفسير التوبة بذلك، كما جاء في حديث أبي أُمية المخزومي أن رسول الله - ﷺ - أُتِيَ بلِصٍّ اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له: " ما إخالُك سرقت ". قال: بلى، قال: " اذهبوا به، فاقطعوه، ثم جيئوا به "، فقطعوه، ثم جاؤوا به، فقال له: " قل: أستغفِرُ الله وأتوب إليه "، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: " اللهم تُبْ عليه ". فهذا رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من طرق كلها عن حمَّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبي المنذر مولى أبي ذر، عن أبي أمية به (٢).
فتعليقه الأمر بالقول من غير قرينةٍ، ولكنها هنا معارضة باعترافه، وقد يأتي الوعد معلقًا بالقول من غير قرينةٍ معارضةٍ، بل مع قرينةٍ أُخرى، كذكر يوم الجمعة: " من قال يوم الجمعة بين الأذان والإقامة ثلاث مرات: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلاَّ هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله له ". رواه ابن السُّنِّي، عن أنس.
فالتوبة هنا تقوى بالقرائن أنها اللغوية لِمَا ذكرنا من تعليقها بالقولِ والاشتراط المخصوص، وتكرير ذلك ثلاثًا، ونظائره كثيرةٌ، والله أعلم.
_________________
(١) البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠)، ومالك ٢/ ٤٦٠، وابن حبان (٢١٥).
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٩٣، وأبو داود (٤٣٨٠)، والنسائي ٨/ ٦٧، والطبراني في " الكبير " ٢٢ (٩٠٥)، والبيهقي و٨/ ٢٧٦. وأبو المنذر مولى أبي ذر: لم يرو عنه غير إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وقال الذهبي في " الميزان ": لا يعرف، ولذا قال الخطابي في " معالم السنن " ٣/ ٣٠١: في إسناد هذا الحديث مقال، والحديث إذا رواه مجهول، لم يكن حجةً، ولم يجب الحكم به.
[ ٩ / ٣٢٦ ]
وفي " الترمذي " (١) عن الخدري مثله سواء، لكن قال: عندما يأوي إلى فراشه، عِوَضًا عن الجمعة. وقال: حسن غريب.
وأما قوله في سيِّدِ الاستغفار: " وأنا على عهِدك ووعدِك ما استطعتُ "، فقال ابن الأثير في " النهاية " (٢): أي أنا مقيمٌ على ما عاهدتُك عليه من الإيمان بك، والإقرار بوحدانيتك [لا أزول عنه]، واستثنى بقوله: " ما استطعتُ " موضع القدَر السابق في أمره: أي: إن كان قد جرى [القضاء] أن أنقُضَ العهدَ يومًا [ما]، فإني أخلُدُ عند ذلك إلى التَّنَصُّل والاعتذار، لعدم الاستطاعة على دفع ما قضيتَه علي.
وقيل: معناه: إني متمسِّكٌ بما عهدتَه إليَّ من أمرِكَ ونهيك، ومُبْلي العُذْر في الوفاء به قَدْرَ الوُسْعِ والطاقة، وإن كنت لا أقْدِرُ على أن أبلُغَ كُنْهَ الواجب فيه. انتهى.
وفيما ذكره في التفسيرين معًا نظر:
أما الأول: فَذِكْرُه الاعتذار بعدم الاستطاعة، والاستطاعة هي حجة الله على عباده عند أهل السنة والمعتزلة الجميع، كما قرَّرتُه في هذا الكتاب، وإنما أراد بالاستثناء رد الأمير في الاستقامة إلى مشيئة الله تعالى ولُطْفه، وإعانته، كقول شعيبٍ: ﴿وما توفيقي إلاَّ بالله﴾ [هود: ٨٨]، وقول يوسف (٣): ﴿إنَّ
_________________
(١) برقم (٣٣٩٧)، وفيه عطية العوفي وعبد الله بن الوليد الوصافي، وهما ضعيفان.
(٢) ٣/ ٢٤٣، وما بين حاصرتين منه.
(٣) وجعل ابن كثير في " تفسيره " ٤/ ٣٢٠ قوله: ﴿وما أبرىء نفسي ﴾ من قول امرأة العزيز، فقال: تقول المرأة: ولست أبرىء نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته، لأنها أمارة بالسوء: ﴿إلاَّ ما رحم ربي﴾ أي: إلاَّ من عصمه الله تعالى: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾، وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية ﵀، فأفرده =
[ ٩ / ٣٢٧ ]
النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بالسُّوء إلاَّ ما رَحِمَ ربِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، وقول شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقول نوح: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].
وقد بسطتُ القول في هذا الكتاب في أن الاستطاعة للعبد من الله تعالى لكمال حُجَّة الله، فيعمل العبدُ باختياره، ومشيئته، تبعًا لمتقدِّم قَدَرِ الله ومشيئته، وذلك أن الله أراد وقدَّر أن يكون العبدُ فاعلًا مختارًا، لِمَا يُوجِبُ
_________________
(١) = بتصنيف على حدة. وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف عيه السلام من قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه﴾ في زوجته ﴿بالغيب﴾ الآيتين، أي: إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز: ﴿أني لم أخنه﴾ في زوجته ﴿بالغيب﴾ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴿وما أبرىء نفس إن النفس لأمّارة بالسوء﴾ وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه. قلت: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في " دقائق التفسير " ٣/ ٢٧٣: وقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] فمن كلام امرأة العزير كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا يرتاب فيها من تدبر القرآن حيث قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيم﴾ فهذا كله كلام امرأة. العزيز ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه. ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ أي: لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته. فحينئذ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِين﴾ [يوسف: ٥٤] وقد قال كثير من المفسرين: إني هذا من كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه بل الأدلة تدل على نقيضه وقد بسط الكلام علي هذه الأمور في غير هذا الموضع.
[ ٩ / ٣٢٨ ]
مثوبته، أو قيام الحجة عليه، فيعمل مطابقًا لسابق القَدَرِ في اختياره، وقيام الحجة عليه، فلو كان مجبورًا غير مختار، لم يقع ما أراده الله تعالى من اختياره وقيام الحجة عليه به، ومراد الله واجب الوقوع قطعًا، عقلًا وسمعًا، ولو لم يسبق تقدير الله لذلك الاختيار ومشيئته، لم يقع ذلك البتة، لأن الله هو المكلف المريد للتكليف، المقدر له ولمقدماته وتوابعه، وهو العزيز العليم، القدير الحكيم، الخبير، فبعزته استقل بسابق التقدير والمشيئة، وبحكمته أقام الحجة على عباده بالاختيار على جميع البرية، والعمل مع القدر صحيح (١)، والجمع بينهما لازم، وقد بينت الوجوه العقلية والسمعية في ذلك في موضعه من هذا الكتاب فيما تقدم مستوفى (٢).
وأما التفسير الثاني؛ فلو كان كما زعم، لناقض قوله: " وأبوء بذنبي "، فإن من أبلى في (٣) الوفاء بأوامر الله على قدر وسعه وطاقته، فقد خرج من العهدة.
وقد نص الله تعالى على أنه لا يكلف نفسًا إلاَّ وسعها، وإلا ما آتاها، وقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، مع أنه قد ناقض أوله بقوله في آخره: وإن كنت لا أقدر على أن أبلغ كنه الواجب فيه، ولزمه فيه ما لزم صاحب التفسير الأول، وهذا عارض، ولكنه محتاج إليه، وقد قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر في دُعائه ومناشدته لربه ﷿: " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك "، رواه البخاري من حديث خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في الجهاد والمغازي، والتفسير (٤).
وفيه جواز أن يكون تفسير العهد والوعد في سيد الاستغفار مثل تفسيرهما في هذا الحديث، فيقرب من أن يكون معناه: إني على انتظار ما عهدت ووعدت
_________________
(١) في (ف): " الصحيح ".
(٢) من قوله: " في موضه " إلى هنا ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): " من ".
(٤) أخرجه البخاري (٢٩١٥) و(٣٩٥٣) و(٤٨٧٥) و(٤٨٧٧)، وأحمد ١/ ٣٢٩.
[ ٩ / ٣٢٩ ]
من وحَّدك ودعاك ورجاك، ولم يَدْعُ ولم يرجُ سواك. كما رواه أنس بن مالك أنه سَمِعَ رسول الله - ﷺ - يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك، ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو بَلَغَتْ ذنوبك عِنَانَ السماء، استغفرتني، غفرتُ لك، ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو أتيتني بقُرابَِ الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشْرِكُ بي شيئًا، لأتيتُك بقُرابها مغفرة ".
رواه أبو عوانة في " مسنده الصحيح "، والترمذي في " جامعه "، وقال: حسن غريب من هذا الوجه (١)، وختم به النووي كتابه " الأربعين " الذي سماه " مباني الإسلام ".
ولم أجده فيما جمع ابن الجوزي من " مسند أحمد "، ولكن لأحمد (٢) معناه من حديث أخشن السَّدُوسي، قال: دخلتُ على أنسٍ، فقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " والذي نفسي بيده، لو أخطأتُم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتُمُ الله، لغفر لكم. والذي نفسي بيده، لو لم تُخطئوا، لجاء الله ﷿ بقومٍ يُخطئون، ثم يستغفرون، فيغفر لهم " وهذا الحديث الخامس والثمانون بعد الثلاث مئة من " مسند أنس " في " جامع ابن الجوزي ".
وفي الحديث الثاني والأربعين بعد الثلاث مئة نحوه من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنسٍ أنه - ﷺ - قال: " يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني " (٣).
والعجب ممن يستنكر هذه الأحاديث، ومعناها في كتاب الله ﷿، وهل فيها زيادة على قوله تعالى: ﴿وقال ربُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:
_________________
(١) تقدم غير مرة.
(٢) ٣/ ٢٣٨. وأخشن السدوسي لم يوثقه غير ابن حبان، وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم، وقد تقدم تخريجه في الجزء الرابع.
(٣) هو في " المسند " ٣/ ٢١٠ و٢٧٧، وإسناده صحيح.
[ ٩ / ٣٣٠ ]
الندم توبة
٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أُجِيبُ دَعْوَهَ الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال: ﴿وما كان الله مُعَذِّبَهُم وهم يستغفرون﴾ [الأنفال: ٣٣].
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠]. قال أبو بكر الصديق ﵁: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾؟ قالوا: ثم استقاموا، فلم يلتَفِتُوا. قال: حملتموها على غير [وجه] المحمَلِ، ثم استقاموا، فلم يلتفتوا إلى إله غيره. رواه الحاكم في " التفسير ". وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (١).
قلت: وهو الظاهِرُ لغةً، حيث يُحذفُ المفعول، وقد تقدَّم ما يُردُّ إليه، ويدل عليه، أنه يقتصر على تقديره، ولأن التقدير خلاف الأصل، فيجب ألا يقدر ما لا دليل عليه، والقدر الذي ذكره الصديق مجمعٌ على تقديره، والقرينة تسوق الفهم إليه، وتقدير ما زاد عليه تَقُوُّلٌ على الله، ودعوى على (٢) كتاب الله من غير بُرهانٍ، وتقدمت شواهده في تفسير الإحسان، وتفسير الصِّراط المستقيم، بأنه عبادة الله وحده لا شريك له، لقوله تعالى حكايةً عن عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم﴾ [مريم: ٣٦]، وقوله تعالى في يس: ﴿وأنِ اعْبُدُوني هذا صراطٌ مستقيمٌ﴾ [يس: ٦١].
وبحديث معاذ المتقدم في حق الله على عباده، وحقِّهم عليه، فتقرَّر أنه لا قاطع على أن المسلم المعتَرِفَ، المستغفرَ، النَّادِمَ، يُسمَّى مصرًَّا في اللغة، والشرع، والعُرف الأول.
وأما الندم، فقد قال جماعةٌ من أئمة العلم: إنه توبةٌ، ومنهم جماعةٌ من
_________________
(١) ٢/ ٤٤٠، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا الطبري ٢٤/ ١١٥، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٣٠، وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٧/ ٣٢٢، وزاد نسبته إلى ابن راهويه، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن مردويه.
(٢) " على " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٣٣١ ]
أئمةٍ المعتزلة، وقوَّاه الشيخ محمودٌ الملاحميُّ في " الفائق " ونصره الشيخ مختارٌ في كتاب " المجتبى "، واختاره الإمام يحيى بن حمزة من أئمة العترة، واحتج الشيخ مختار بقوله تعالى: ﴿وآخَرونَ اعترفوا بذنوبهم﴾ [التوبة: ١٠٢] الآية، لأن الاعتراف يُلازِمُ الندم فيما قال، وهؤلاء لم يجعلُوا العَزْمَ رُكْنًا للتوبة، بحيث لو غَفَلَ النادِمُ عن تذكُّر المستقبل حتى يموت، صحَّت توبته، أما لو تذكَّرَهُ، فإن النَّادِمَ الصادق عندهم يستلزم العزم، فلو لم يعزِمْ مع التَّذكُّرِ، كان ذلك قادحًا في صدق ندمه عندهم.
قلت: والصحيح، الاحتجاج على أن الندم توبةٌ بما ورد في الحديث، لأن التوبة شرعيةٌ، وقد ورد في ذلك أحاديث، وقد روى الهيثمي فيه تسعةَ أحاديث في بابٍ في كتاب التوبة في " مجمع الزوائد " (١).
وقد جمع الحاكم ذلك في بابٍ جعله من الأبواب التي يجمعها أهلُ الحديث، ذكره في كتابه " علوم الحديث " (٢) في النوع الموفي خمسين منها، ولم أقف على ما جمع الحاكم فيه، ولكني أذكر ما حضرني، وهو أحاديث أربعةٌ:
الحديث الأول، وهو المشهورُ؛ حديث ابن مسعودٍ: أن رسول الله - ﷺ - قال: " الندم توبة " رواه ابن ماجه في " سننه " (٣) وذكره المزي في " أطرافه " (٤) في ترجمة عبد الله بن معقل بن مُقرِّن المُزني، عن ابن مسعودٍ، وذكر اختلافًا في سنده ينبغي ذكره لمن أحبَّ معرفة مقدار الحديث من القوة، وماله من العِلَّةِ، فأهل الحديث يقولون: بِجَمْعِ الطُّرُقِ تُعْرَفُ عِلَّةُ الحديث.
قال المزي: رواه ابن ماجة في " الزهد "، عن هشام بن عمارٍ، عن
_________________
(١) ١٠/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٢) ص ٢٥٠.
(٣) برقم (٤٢٥٢). وصححه ابن حبان (٦١٢) و(٦١٤)، وانظر تمام تخريجه، والتعليق عليه فيه.
(٤) ٧/ ٧٢ - ٧٣.
[ ٩ / ٣٣٢ ]
سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزرِيِّ، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقلٍ به.
قال المزيُّ: ورواه سفيان بن عيينة أيضًا عن أبي سعد البقَّال، عن عبد الله بن معقل، رواه سهل بن عثمان، عن سفيان بالإسنادين جميعًا.
قلت: لكن ذكر الحافظ العلائي في كتابه في المدلِّسين (١) ما يدلُّ على أن هذه المتابعة لا تتقوَّى بها، فقال: قال ابن المبارك: قلتُ لشريك بن عبد الله النَّخعي: تعرفُ أبا سعد البقَّال؟ قال: إي والله، أعرفه، عالي الإسناد، أنا حدَّثته (٢)، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن ابن معقلٍ، عن ابن مسعودٍ حديث: " الندمُ توبة "، فتركني، وترك عبد الكريم، وترك زياد بن أبي مريم، ورواه عن ابن معقل. انتهى.
قال المزي: وتابعه سفيان الثَّوريُّ، عن عبد الكريم. رواه عن الثوريِّ عليُّ بن الجعد (٣) وغيره كذلك. وكذلك رواه معمر بن سليمان الرَّقيُّ، عن خُصَيفٍ، عن زياد بن أبي مريم، ورواه النَّضْرُ بن عربيٍّ، وفرات بن سليمان، عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي الجراح، عن عبد الله بن معقل، وكذلك رواه شُريك بن عبد الله في المشهور عنه، عن عبد الكريم.
وقال زهير بن معاوية: عن عبد الكريم، عن زياد -وليس بابن أبي مريم-، عن عبد الله بن معقل. ورواه عبيد الله بن عمروٍ الرَّقيُّ عن عبد الكريم، فاختلف عليه، فقال: عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي مريم.
وقال لُوين وغيره: عن عبيد الله (٤) بن عمرو، عن عبد الكريم، عن زياد بن الجَرَّاح.
_________________
(١) " جامع التحصيل " ص ١٢٩. وانظر أيضًا " تهذيب الكمال " ١١/ ٥٣ - ٥٤.
(٢) تحرفت في الأصول إلى: " أخبرنا حذيفة " وهو تحريف قبيح.
(٣) في " مسنده " (١٨١٤).
(٤) تحرف في (ش) إلى: " عبد الله ".
[ ٩ / ٣٣٣ ]
وقال علي بن الجعد في موضع آخر (١): عن سفيان الثوري وشريكٍ، عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي مريم، وكأنه حملَ حديث شريكٍ على حديث سفيان، والمحفُوظُ عن شريك: " زياد بن الجراح ".
وقال مغيرة بن عبد الرحمن بن عون بن حبيب بن الزَّيَّات الحرَّانيُّ (٢): قال لي أبي يومًا: من أين جئتَ؟ قلت: من عند معمر بن سليمان، قال: ما حدثكم؟ قلت: أخبرنا عن خُصَيْفٍ، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " الندم توبة ". قال أبي: هذا هو زياد بن الجَرَّاح، وهو عم جدتك، وكان رجلًا من أهل الحجاز من موالي عثمان، وكان زياد بن أبي مريم رجلًا من أهل الكوفة، قدم حرَّان، فنزلها، وكان يتوكَّلُ لزياد بن الجَرَّاح. ثم قال: حدثني أبي عون بن حبيبٍ، عن زياد بن الجرَّاح، عن ابن معقلٍ، عن ابن مسعودٍ، عن النبي - ﷺ -، وذكر حديث: " الندم توبة ".
وقد روى عبد الكريم عن زياد بن أبي مريم حديثًا غير هذا في القولِ عندَ تدليَةِ الميت في القبر. انتهى ما ذكره المزي.
فقد تابع عبد الكريم على أصل الحديث اثنان: خُصَيْفٌ، وعون بن حبيب، ولم يبق الكلام إلاَّ في زيادٍ: من هو؟ والصحيح أنه ابن الجراح، ولم يذكره في " الميزان " (٣) بجرحٍ قطُّ. وإن يكن ابن أبي مريم، فكذلك لم يُذكر إلا بأنه مجهولٌ، لم يرو عنه إلاَّ عبد الكريم (٤)، وجهالته من هذا الوجه باطلةٌ، فقد تابعه خصيفٌ على الرواية عن زياد بن أبي مريم، وقد وُثِّقَ فيما رواه الذهبي، فزالت جهالة العين برواية اثنين عنه، وجهالة الحال بالتوثيق، وتوبع عن ابن معقل، فزال الشذوذ والنكارة. ويشهد له حديث عائشة وابن عباس الآتيان، وإسناد مغيرة بن عبد الرحمن قويٌّ، لا غبار عليه. مغيرة وثَّقه النسائي،
_________________
(١) في " مسنده " (٢٣٤٧).
(٢) تحرف في الأصول إلى: " الجراصي ".
(٣) ٢/ ٩٣.
(٤) " الميزان " ٢/ ٩٣.
[ ٩ / ٣٣٤ ]
وأبوه وجدُّه عون لم يُذكرا في " الميزان " بجرحٍ أصلًا، ووثَّقهما.
وأما خُصيف، فمن تابعي التابعين، وثقه أبو زرعة، وابن معين، وتُكلِّم عليه بالإرجاء وسوء الحفظ، فهو ثقةٌ عند البعض، وصالحُ في التوابع عند الجميع.
الحديث الثاني: ما خرجه الحاكم في كتاب التوبة من " المستدرك " من حديث أبي الزِّناد، عن القاسم، عن عائشة، ﵂، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " ما علم الله من عبدٍ ندامةً على ذنبٍ، إلاَّ غفر له قبل أن يستغفره منه ".
قال الحاكم: هذا حديث صحيح (١).
ويعضدُ ذلك حديث ابن عباسٍ، وهو الحديث الثالث. رواه أحمد في " المسند " (٢) من طريق يحيى بن عمرو بن مالك النُّكريّ، عن أبيه، عن أبي الجَوْزاء، عن ابن عباسٍ، قال رسول الله - ﷺ -: " كفارة الذنب الندامة "، وقال رسول الله - ﷺ -: " لو لم تُذنِبوا، لجاء الله ﷿ بقوم يذنبون كي يغفر لهم ".
ويحيى بن عمرو النكري ضعيف، ولكنه شاهدٌ لما تقدَّم، وهو من رجال الترمذي.
الحديث الرابع، عن أنس أنه سمِعَ النبي - ﷺ - يقول: " الندم توبةٌ ". خرَّجه الحاكم في التوبة من " المستدرك " (٣)، وقال: على شرطهما (٤)، وهذا إسناده:
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢٩١ من هذا الجزء، وهو حديث ضعيف.
(٢) ١/ ٢٨٩، ورواه مختصرًا البزار (٣٢٥٠)، والطبراني في " الكبير " (١٢٧٩٤) و(١٢٧٩٥)، وإسناده ضعيف لضعف يحيى بن عمرو النكري، وعدّه الذهبي في " الميزان " ٤/ ٣٩٩ من جملة مناكيره.
(٣) ٣/ ٢٤٣.
(٤) ورده الذهبي بقوله: هذا من مناكير يحيى. قلت: وأخرجه أيضًا ابن حبان (٦١٣)، والبزار (٣٢٣٩).
[ ٩ / ٣٣٥ ]
أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب، أخبرنا أبو حاتمٍ الرازي، وحدثنا أبو النضر الفقيه، وأبو الحسن العَنْزي، قالا: حدثنا عثمان بن سعيدٍ الدَّارمي، حدثنا عثمان بن صالحٍ السهمي، حدثنا عبد الله بن وهبٍ، عن يحيى بن أيوب، عن حُميدٍ الطويل، قال: قلت لأنس بن مالكٍ: أسمعت النبي - ﷺ - يقول: " الندم توبةٌ "؟ قال: نعم.
وفيه عثمان بن صالح بن رجال البخاري، وادعى ابن حجرٍ (١) أنه إنما روى له ما عَرَفَ صحته من حديثه ولم يستوعِبْهُ، وعدَّه الذهبي في غرائب يحيى.
ويقوي ما ذكره من ذهب إلى ذلك، وما ذكره صاحب " ضياء الحلوم " من تفسير الإصرار أن الإصرار من أفعال القلوب في المعاصي، كالاستقامة في الإسلام وقد ثبت أن من أسلم، أو تاب من ذنب دون ذنبٍ (٢)، ثم عَزَمَ على تسويف المُعاوَدَة إلى الكُفر، أو الذنب، ونَدِمَ من إسلامه أو توبته، فإنه -مع ذلك- لا يُسمَّى مستقيمًا على الإسلام، ولا على التوبة، فيلزم فيمن ندم من ذنبه، وعَزَمَ على تسويف التوبة، وبادر بالاستغفار والاعتراف وسؤال التوفيق للتوبة النَّصُوح ألا يُسمَّى -مع ذلك- مصرًّا على جهة القطع، لأن الإصرارَ في الشرِّ كالاستقامة في الخير إن شاء الله تعالى.
ومع عدم القطع بذلك يبقى الخوف والرجاء، وبهما يتوسَّلُ إلى التوبة بلُطفٍ الله تعالى وتوفيقه، ويقوِّي ذلك حديث: " من همَّ بحسنةٍ، كتبها الله له حسنةً كاملةً ". رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس (٣). ولمسلم والترمذي عن أبي هريرة مثله من طرق (٤). وفي " صحيح البخاري ": " أراد " مكان " هم "، رواه البخاري منفردًا به في " التوحيد " (٥) في الباب الخامس والثلاثين وهو باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] من حديث قتيبة،
_________________
(١) في " مقدمة الفتح " ص ٤٢٤.
(٢) " دون ذنب " ساقطة من (ش).
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٧٤ من هذا الجزء.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٧٤.
(٥) برقم (٧٥٠١).
[ ٩ / ٣٣٦ ]
عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به.
ورواية الهَمِّ أكثر وأحوط لأن إرادة المعصية ذنبٌ، ولذا جاء في حديثِ الفتنة: " القاتل والمقتول في النار " (١) تعليل استحقاق المقتول للعذاب بأنه كان حريصًا على قتل صاحبه، وفي رواية للترمذي: " يحدِّثُ نفسَه ".
وليس بمعنى العزم أيضًا، لأن العزم حسنةٌ كاملةٌ، لا سيما في التوبة، فإنه (٢) كمالُها، ويدل على أن الهم غيرُ العزم قوله تعالى: ﴿ولقد هَمَّتْ به وَهَمَّ بها﴾ [يوسف: ٢٤]، فدل ذلك على أن صاحب الهم بالتوبة مع الندم على الذنب لا يُقْطَعُ بتسميته مُصِرًّا، وهو مرتبة بين التائب والمصر، لأن الاصرار على أحد القولين: العزم على الإقامة، والاستمرارُ على الذنب، وعدم الهم بالإقلاع عنه، ولذلك لم يرد في الأخبار: الاستغفار من الإصرار، وقد ورد في الاستغفار من الإسراف، لأن الإصرار المجمع عليه لا يتصوَّرُ من مسلمٍ معترفٍ بقُبْحِ ذنبه، راجٍ لفضلِ ربِّه، كارهٍ للموت على العصيان، خائفٍ أن يلقى الله ﷿ وهو عليه غضبان، نعوذ من ذلك (٣) برحمة الرحمن، ونستعينه على طاعته، وهو نعم المستعان.
وقد طال الكلامُ في جانب الرجاء لأرحم الراحمين، وخير الغافرين، ولولا الملالة، وخشية إملال (٤) الحريص، لسُقْتُ آيات الرجاء وأحاديثه على ترتيبِ
_________________
(١) أخرج أحمد ٥/ ٤٣ و٤٦ - ٤٧ و٤٨ و٥١، والبخاري (٣١) و(٦٨٧٥) و(٧٠٨٣)، ومسلم (٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨) و(٤٢٦٩)، والنسائي ٧/ ١٢٥، وابن ماجه (٣٩٦٥)، وابن حبان (٥٩٤٥) و(٥٩٨١) من حديث أبي بكرة مرفوعًا: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار "، فقيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " إنه قد أراد قتل صاحبه ". ولم يخرجه الترمذي، ولم أجد اللفظ الذي أشار إليه المصنف عنده.
(٢) في (ش): " فإنها ".
(٣) " من ذلك " ساقطة من (ش).
(٤) في (ف): " إملاء "، وهو خطأ.
[ ٩ / ٣٣٧ ]
السُّوَرِ في كتاب الله، وترتيب رجال المسانيد، وقد كنتُ عزمتُ على ذلك، وشرعتُ فيه، فوجدته يُمِلُّ الرَّاغِبَ. ولا يأتي إلاَّ في مجلدٍ ضخم، وقد تقدم ما فيه كفايةٌ، وإذا كان المتقدم يزيد على قدر التواتر، فإن الخصوم نصُّوا على أن التواتر قد يحصل بخمسةٍ من آحاد الناس، فكيف لا يحصُلُ برواية جماهير الصحابة الذين يحصل العلم عند بعض أهل العلم بخبرِ الواحد منهم، وكانوا يُخبرون بذلك في المحافل، فلا ينكر أحدٌ عليهم، وعدم الإنكار من الباقين حجةٌ إجماعيةٌ، وقرينةٌ ضرورية، لأن ذلك صدر من الجَمِّ الغفير صدورًا كثيرًا متكرِّرًا في المحافل، فاستحال عادة أن يكون منكرًا ولا ينكر، أو أن يكون قد أنكر ولم ينقل.
وجملة ما تقدم من عدد الأحاديث مئة حديثٍ وخمسة وسبعون حديثًا عن ثمانيةٍ وأربعين صحابيًا، وهم على ترتيب رواياتهم في هذا الكتاب: عِتبانُ بنُ مالكٍ الأنصاري، وأنس بن مالكٍ له (١٧) (١) وعبد الله بن عمر بن الخطاب، له خمسةٌ، وعبد الله بن مسعودٍ، له (١٥) (٢)، وأبو الدرداء، له (٣)، وسَمُرَةُ وعبَّاس بن مِرداسٍ، وعبادة بن الصامِتِ له (٤)، وجابر بن عبد الله له (٨)، وعمر بن الخطاب، له خمسة، ومعاذ بن جبل، له (٢)، وأبو ذر (٦)، وأبو هريرة (٢٧) (٣)، وعلي بن أبي طالبٍ ﵇، له (١٠) و(٣) آثار، وعائشة (٢)، وأبو أُمامة خمسة، وأبو سعيد الخُدري (٣)، وأبو بكر الصِّديق (٣)، وأبو موسى الأشعري (٣)، وبريدة ووائل، وعبد الله بن عباس (٩)، وأبو رَزين العقيلي وعمَّار بن ياسرٍ وأبو مُوَيْهِبَة وعُمارةُ بن رُوَيبة وفضالة، وعثمان بن عفان (٤)، وأبو طلحة وعبد الله بن عمرو: (٨)، وأبو أيوب وعقبة بن عامر: (٢)، وعمرو بن العاص في فضل الصلوات، وعبد الله الصُّنابحيُّ، وسعد بن أبي وقَّاص: (٢)، والبراء بن عازبٍ، والفضل بن العباس، وأبو رافعٍ، وأبو بكرة، وزيد بن
_________________
(١) في (ف): " ٧ ".
(٢) في (ف): " ١٠ ".
(٣) في (ف): " ١٧ ".
[ ٩ / ٣٣٨ ]
ثابتٍ، ومعاوية بن الحكم، والشَّريدُ بن سُوَيْدٍ، وعبد الله بن عتبة عن أبيه عن جده، والعباس بن عبد المطلب، وشداد بن أوسٍ وثلاثة غير مسمَّين.
وأما حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطبٍ: " أعتقها، فإنها مؤمنة " (١) فأظنه مرسلًا، وثلاثة أحاديث لم يحضرني (٢) أسماءُ رواتها من الصحابة حال كتابته، وأحد عشر صحابيًا من رواة حديث الثناء على الحسن ﵇ بالصلح بين طائفتين عظيمتين من المسلمين، لم تحضرني أسماؤهم، ويمكنُ أن يكونوا من هؤلاء، وأن يكون فيهم غيرهم، ذكرهم ابن عبد البر في ترجمة الحسن ﵇ من كتابه " الاستيعاب " (٣)، وقد نبَّهتُ عليها بكتابة اسمِ الصحابي الرَّاوي للحديث في حاشية الكتاب، وأزيدُ على ذلك أشياء على جهةِ الإيجاز الكثير.
فمن ذلك الذي حضرني من أحاديث خروج أهل الكبائر من النار اثنا عشرَ حديثًا بلفظ الخروج من النار عن عشرين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهم: علي بن أبي طالب ﵇ (٤)، وأبو بكر ﵁ (٥)، وأبو سعيد الخدري (٦)، وأنس بن مالك (٧)، وأبو هريرة (٨)، وابن عباس (٩)، وأبو موسى (١٠)،
_________________
(١) تقدم ص ٢٧٧ من هذا الجزء.
(٢) في (ش): " لم أعرف ".
(٣) لم يذكرهم ابن عبد البر إنما قال (١/ ٣٦٩): تواترت الآثار الصحاح عن النبي - ﷺ - أنه قال في الحسن بن علي: " إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يبقيه حتَّى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". رواه جماعة من الصحابة.
(٤) تقدم ص ٣٤١ ت (١).
(٥) انظر الصفحة ٣٤١.
(٦) انظر الصفحة ٣٤١.
(٧) انظر الصفحة ٣٤٢.
(٨) انظر الصفحة ٣٤٢.
(٩) انظر الصفحة ٣٤٢.
(١٠) أخرجه أحمد ٤/ ٤١٥، والطبراني في " الكبير " و" الصغير " (٧٨٤). قال الهيثمي ١٠/ ٣٦٩: رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد الطبراني رجاله ثقات، وقد رواه في " الصغير " بنحوه. قلت: فيه حمزة بن علي بن مِحْفَن (تحرف في المطبوع من المسند إلى مخفر)، وهو مجهول كما قال الحافظ في " تعجيل المنفعة ".
[ ٩ / ٣٣٩ ]
وعبد الله بن مسعودٍ (١)، وجابر بن عبد الله الأنصاري (٢)، وحذيفة بن اليمان (٣)، وعمران بن حُصَيْنٍ (٤) في " مجمع الزوائد " (٥) في مواضع متقاربةٍ في باب الشفاعة وما يناسبها. مثل ذلك عن عبادة بن الصامت (٦)، وعبد الله بن عمرو وأبيه (٧)، وخَرَشَةَ بن الحُرِّ (٨)، والمغيرة (٩)، وعوف بن مالك (١٠)، وأبي أُمامة (١١)، وعبد الله بن سلامٍ (١٢)، وأبي بكرة، وحديثه فيما جاء في " الميزان "، والصراط والورود (١٣)، رواه أحمد برجال الصحيح والطبراني في " الصغير "، و" الكبير "، والبزَّار برجال الصحيح (١٤).
وفضالة بن عبيدٍ عند أحمد (١٥) في باب الرحمة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠٥٠٩). قال في " المجمع " ١٠/ ٣٧٩: وفيه من لم أعرفهم. وانظر ص ٣٤٢.
(٢) انظر " المجمع " ١٠/ ٣٧٥ - ٣٧٦ و٣٧٩. وانظر الحديث الآتي ص ٣٤٣.
(٣) انظر " المجمع " ١٠/ ٣٧٧.
(٤) انظر ص ٣٤٣.
(٥) ٢١٠/ ٣٦٧ - ٣٨٠.
(٦) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢٦. قال في " المجمع " ١٠/ ٣٦٧ - ٣٦٨: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات.
(٧) انظر " المجمع " ١٠/ ٣٧٦ و٣٧٨.
(٨) عن عبد الله بن سلام. قال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٨١: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٩) قال في " المجمع " ١٠/ ٣٧٩: رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف.
(١٠) قال الهيثمي ١٠/ ٣٦٩: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها ثقات.
(١١) قال الهيثمي ١٠/ ٣٧٧ - ٣٧٨: رواه الطبراني في " الكبير " (٧٤٨٣)، وفيه جميع بن ثوب الرجبي، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: رواياته تدل على أنه ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(١٢) " المجمع " ١٠/ ٣٨١.
(١٣) " المجمع " ١٠/ ٣٥٩.
(١٤) أخرجه أحمد ٥/ ٤٣، والطبراني في " الكبير " و" الصغير " (٩٢٩)، والبزار (٣٤٦٧).
(١٥) ٥/ ٣٣٠. قال الهيثمي ١٠/ ٣٨٤: رجاله وثقوا على ضعف فيهم.
[ ٩ / ٣٤٠ ]
أمَّا حديث علي ﵇، فرواه محمد بن منصورٍ في كتابه " علوم آل محمد - ﷺ - "، ويُعرف بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد، ذكره في باب ما يقال بعدَ الصلوات، وقد تقدم ذكر ذلك وذكرُ إسناده وأن رجاله من أهل البيت ﵈ (١).
وروى الترمذي عن عليٍّ ﵇ ما يشهد لذلك، ولكن بغير لفظ (٢) الخروج من النار، وذلك أنه روى عنه عن رسول الله - ﷺ -: أن مستظهِرَ القرآن يُشَفِّعُهُ الله في عشرةٍ من أهل بيته، كلهم قد استوجب النار (٣).
وعنه ﵇، عن رسول الله - ﷺ -: " أشفعُ حتى يناديني ربي: قد رضيتَ يا محمد؟ فأقول: أي ربِّ، قد رضيتُ ". رواه البزار (٤).
وأما حديث أبي بكر ﵁، فرواه أحمد في " المسند " (٥)، وصحَّحه ابن قيم الجوزية في " حادي الأرواح " (٦).
وأما حديث أبي سعيد، فرواه البخاري ومسلم والنسائي (٧).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في (ش): " بلفظ ".
(٣) تقدم تخريجه ص ١١٣ من هذا الجزء وهو ضعيف جدًا.
(٤) برقم (٣٤٦٦)، وقال: لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلاَّ بهذا الإسناد. قلت: ورواه أيضًا ابن خزيمة في " التوحيد " ص ٢٧٩، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ١٢٣. وزاد نسبته السيوطي في " الدر المنثور " ٨/ ٥٤٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه. وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٧٧: رواه البزار، والطبراني في " الأوسط "، وفيه محمد بن أحمد بن زيد (تحرف عند البزار وأبي نعيم إلى " يزيد ") المداري، ولم أعرفه. قلت: ذكره ابن حبان في " ثقاته " ٩/ ١٢٣، ففال: محمد بن أحمد بن زيد، أبو جعفر المداري (تحرف فيه إلى المدادي) من أهل البصرة، يروي عن الأنصاري والبصريين حدثنا عنه عبد الله بن قحطبة وغيره. وذكره أيضًا الحافظ ابن حجر في " تبصير المنتبه " ٤/ ١٣٥٢، فقال: محمد بن أحمد بن زيد المداري، عن عمرو بن عاصم.
(٥) ١/ ٥ - ٦، وقد تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٦) ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٧) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
[ ٩ / ٣٤١ ]
وأما حديثُ أنسٍ، فرواه البخاري ومسلمٌ والنسائي وابن ماجة، وهو أول حديثٍ في " مسنده " في " جامع المسانيد " لابن الجوزي (١).
وقال المِزِّيُّ في " أطرافه " (٢): رواه البخاري في " التفسير "، ومسلم في " الإيمان "، والنسائي في " التفسير "، وابن ماجه في " الزهد ".
وأما حديث أبي هريرة (٣)، فرواه البخاري ومسلم والترمذي، ذكره ابن الأثير في " جامع الأصول " (٤) في حرف القاف في الباب الثاني من ذكر القيامة وأحوالها مع غيره.
وأما حديث ابن عباس، فرواه أحمد، وهو الحديث الرابع والأربعون بعد الثلاث مئة من مسند ابن عباس من " جامع المسانيد " لابن الجوزي (٥).
وللحاكم عن ابن عباس نحوه، كما يأتي في حديث أبي موسى، فرواه الطبراني وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٦) في تفسير سورة الحجر.
وللحاكم في " المستدرك " (٧) نحوه عن ابن عباس بغير لفظه.
وأما حديث ابن مسعود، فرواه مسلم في ذكر آخر من يدخل الجنة (٨).
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٢) ١/ ٣٠٧.
(٣) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٤) ١٠/ ٤٤٠ - ٤٤٥.
(٥) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٦) ٧/ ٤٥، وقال: فيه خالد بن نافع الأشعري. قال أبو داود: متروك، قال الذهبي: هذا تجاوز في الحدِّ، فلا يستحق الترك، فقد حدث عنه أحمد بن حنبل وغيره، وبقية رجاله ثقات.
(٧) ٢/ ٣٥٣ من رواية جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي! مع أن جريرًا روى عن عطاء بعد الاختلاط.
(٨) برقم (١٨٦)، وأخرجه أيضًا البخاري (٦٥٧١) و(٧٥١٢)، والترمذي (٢٥٩٨)، وابن ماجه (٤٣٣٩).
[ ٩ / ٣٤٢ ]
وأما حديث جابر بن عبد الله، فله حديثان: تقدم أحدهما، وكلاهما عند مسلم (١).
وأما حديث حذيفة، فرواه أحمد في " المسند " (٢)، وهو الحديث السابع والأربعون من مسند حذيفة من " جامع المسانيد ".
وأما حديث عِمران بن حُصينٍ، فرواه البخاري في " الرقاق " (٣)، وذكره ابن حجر في ترجمة الحسن بن ذكوان من " مقدمة شرح البخاري " (٤)، وقال: إن له شواهدَ كثيرة.
وقال الحافظ المزي في " أطرافه " (٥) في ترجمة أبي رجاء عنه: رواه البخاري في صفة الجنة، وأبو داود في السنة، والترمذي في صفة النار، وابن ماجة في الزهد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتهى.
وأظن في المسانيد أكثر من هذه الطرق، فيُنقل ذلك من " مجمع الزوائد " ويُضَمُّ إلى هذا إن شاء الله تعالى، فهؤلاء أكثر من عشرةٍ كبار من أصحاب رسول الله - ﷺ - روَوْا ذلك جهارًا في مواطن مختلفةٍ، ولم يُذكَرْ من بقية الصحابة نكيرٌ لذلك، ولا عن (٦) أحدٍ من التابعين، ولا أعلم أنه تقدم من هذه الأحاديث إلا حديث جابرٍ وعليٍّ ﵇، وقد نبهت عليه فيما تقدَّم، والرواة عنهم أكثرُ في الوسط والطرف الآخر، ولولا خشية الإطالة، لذكرتُ من روى عنهم من التابعين، وعن التابعين من تابعيهم، لتظهرَ كثرة الرواة في الطرف الأخير وزيادتهم.
_________________
(١) برقم (١٩١).
(٢) ٥/ ٤٠٢ و٤٠٣، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في " التوحيد " ص ٢٧٥ - ٢٧٦، وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٨٠، وقال: رواه أحمد من طريقين.
(٣) برقم (٦٥٦٦). وأخرجه أيضًا أبو داود (٤٧٤٠)، والترمذي (٢٦٠٣)، وابن ماجه (٤٣١٥).
(٤) ص ٣٩٧.
(٥) ٨/ ١٩٦.
(٦) " عن " ساقطة من (ش).
[ ٩ / ٣٤٣ ]
وأما ما يلزم منه موافقة هذه الأخبار بغير لفظ الخروج من النار، فما لا يُحصى، مثل الأحاديث التي فيها أن الشفاعة نائلةٌ من مات (١) لا يشرك بالله شيئًا، هذا مرويٌّ من طرقٍ، حضرني منها طريق عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢)، وأبي ذر الغفاري (٣)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٤)، وعوف بن مالكٍ (٥)، ومن الأولين: أبو هريرة (٦)، وابن عباسٍ (٧)، وبلفظ: " شفاعتي لأهلِ الكبائر من أمتي " عن أنس (٨)، وابن عمر (٩)، رواهما الهيثمي.
حديث أبي ذر خرَّجه البزار برجال الصحيح، والحاكم في تفسير سورة سبأ، وقال: على شرطهما، ولم يخرجاه بهذه السِّياقَة، إنما أخرجا ألفاظًا من الحديث متفرِّقة (١٠).
قلت: وهي أنها نائلةٌ من لم يشرك بالله شيئًا، وقال: في " مسند " البزار انقطاع ما بين مجاهد وأبي ذر. وعن أنس وجابر رواهما الحاكم في " المستدرك "
_________________
(١) في (ش): " تاب "، وهو تحريف.
(٢) قال البزار بعد أن أخرجه (٣٤٦٠) من حديث مجاهد عن ابن عباس: رواه واصل عن مجاهد " عن أبي ذر، ورواه سلمة بن كهيل عن مجاهد، عن ابن عمر.
(٣) انظر ت (١٠).
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ٢٢٢، وقال الهيثمي ١٠/ ٣٦٧: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٥) أخرجه أحمد ٦/ ٢٨ و٢٩، والترمذي (٢٤٤١)، وابن ماجه (٤٣١٧)، وصححه ابن حبان (٢١١)، والحاكم ١/ ٦٧.
(٦) أخرجه مسلم (١٩٩)، والترمذي (٣٦٠٢)، وابن ماجه (٤٣٠٧).
(٧) انظر " مجمع الزوائد " ١٠/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٨) أخرجه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٧)، وابن ماجه (٤٣١٠)، وصححه الحاكم ١/ ٦٩.
(٩) أخرجه الخطيب في " تاريخه " ٨/ ١١.
(١٠) أخرجه البزار (٣٤٦١) من طريق مجاهد عن أبي ذر، ولم يسمع منه، وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٢٤ من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر.
[ ٩ / ٣٤٤ ]
وصحَّحهما، وقال بعد حديث أنس ما لفظه (١): ومن توهَّم أن هذه لفظة من ذلك الحديث -يعني حديث أنس الطويل في خروج الموحِّدين من النار المشار إليه أوّلًا- قال الحاكم: من توهَّم أن هذه لفظة من الحديث، فقد وَهِمَ، فإن هذه شفاعة فيها قمعُ المبتدعة المفرِّقة بين الشفاعة لأهل الصغائر والكبائر. قال: وله شاهدٌ من حديث قتادة وأشعث بن جابرٍ الحُدَّانِيِّ، وساقهما، وقال في حديث أشعث: إنه على شرط مسلم، ثم رواه بلفظٍ من طريق جعفر الصادق عن أبيه الباقر عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - بلفظ: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " رواه عن الصادق من طريقين: إحداهما على شرط البخاري ومسلم (٢).
وذكر الحاكم النوع الموفي خمسين من كتابه " علوم الحديث " (٣) أنه قد ذكر أخبار الشفاعة في باب، وأنه من الأبواب التي يجمعها أهل الحديث، فانظر إلى كلام الحاكم في إرغام المبتدعة بذلك، وهو من رؤوس الشيعة، ومحبي العترة، يعلم أن موافقة كثير منْ متأخري الشيعة لوعيدية المعتزلة أمر حادث، وأن عنق الشيعة كانوا على السنة وموافقة الحديث في أكثر الأمور، كما ذلك مبين بالنقل الصحيح في كتاب الزيدية المعروف " بالجامع الكافي " تأليف أبي عبد الله العلوي الحسني ﵀.
وفي " مجمع الزوائد " للهيثمي في أحاديث الشفاعة طرق غير ما ذكرته، منها عن ابن عمر أن " شفاعتي ليس للمؤمنين المتقين، لكنها للمذنبينَ الخاطئين المتلوثين "، رجاله ثقات (٤). وعن عبد الله بن بسر، ولفظه: "شفاعتي
_________________
(١) ١/ ٦٩.
(٢) وقد تقدم ص ١٤٠ من هذا الجزء.
(٣) ص ٢٥٤.
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ٧٥، وابن أبي عاصم في " السنة " (٧٩١)، عن علي بن النعمان بن قراد، عن رجل، عن ابن عمر. وهذا إسناد ضعيف لجهالة الرجل الذي لم يسمُ. وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري عند ابن ماجه (٤٣١١)، وصححه البوصيري في "الزوائد" ٢٧٣/ ٢.
[ ٩ / ٣٤٥ ]
للمذنبين المُثْقَلِينَ" (١). وعن أم سلمة، ولفظها: " وشفاعتي للهالكين " (٢)، وعن أبي أمامة: " لِشرَار أمتي " وسنده ضعيف (٣).
وأما أحاديث الشفاعة لأهل لا إله إلاَّ الله، فكثيرٌ غير ما تقدم، منها في " مجمع الزوائد " عن معاذ وأبي موسى من طريق عاصم القارىء، وبقيتهم رجال الصحيح (٤)، وعن أبي موسى برجال ثقات (٥) وأنس من طريق علي بن قرة بن حبيب (٦)، وعنه (٢) من طريق يزيد الرقاشي (٧)، وعنه (٣) برجال الصحيح (٨)، وعنه حديث (٤) وقد تقدم. وعن أبي أيوب من طريق ابن لهيعة (٩)، وعن أبي
_________________
(١) أخرجه الطبراني في " الكبير "، و" الأوسط "، وابن أبي عاصم في " السنة " (٨٢٣)، وابن عساكر في ترجمة عبد الله بن بُسْر من " تاريخ دمشق " ص ٤٥٤. وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٧٧: فيه عبد الواحد النصري، متأخر، يروي عن الأوزاعي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٨٧٢). قال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٧٨: فيه عمرو بن مخزم، وهو ضعيف.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٤٠ ت (١١).
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٢، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٣٤٢) و(٣٤٣)، والبزار (٣٤٦٣). قال الهيثمي ١٠/ ٣٦٨: رواه أحمد والطبراني، وإحدى روايتي أحمد رجالها رجال الصحيح غير عاصم بن أبي النجود، وقد وثق، وفيه ضعف، ورواه البزار باختصار، ولكن أبا المليح وأبا بردة لم يدركا معاذ بن جبل.
(٥) أخرجه أحمد ٤/ ٤٠٤ و٤١٥. وانظر " المجمع " ١٠/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٦) " المجمع " ١٠/ ٣٧٠، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه علي بن قرة بن حبيب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٧) أخرجه أبو يعلى (٤١٣٠)، ويزيد الرقاشي ضعيف. وانظر " المجمع " ١٠/ ٣٧٣.
(٨) أخرجه أحمد ٣/ ١٧٨، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٢٥٤. وانظر " المجمع " ١٠/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٩) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٣، والطبراني في " الكبير " (٣٨٨٢)، وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٧٥: فيه عباد بن ناشرة من بني سريع، ولم أعرفه، وابن لهيعة، وضعفه الجمهور.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
سعيد في أبواب البعث (١)، وفي فضل لا إله إلاَّ الله، عن يعلى بن شداد (٢).
وأما بلفظ " شفاعتي لأمتي "، و" اختبأت دعوتي لأُمَّتي " فكثيرةٌ جدًا، بالغٌ مبلغ التواتر، والله سبحانه أعلم.
وهذا كله مع شهادة كتاب الله لذلك، حيث قال تعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٦ - ٨٧]، وقال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨].
وقال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، إلى سائر ما تقدم ذكره.
وقال تعالى في أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] على ما تقدم بدلائله أن الاستثناء في الخير للزيادة، وفي الشر للنقصان وغير هذه الآية مما يذكر في هذا الموضع، ومن ذلك أحاديث: " من كان آخر كلامه لا إله إلاَّ الله، دخل الجنة " (٣)، وهي مشهورةٌ، بل متواترةٌ.
وممن روى ذلك من أهل البيت ﵈ السيد الإمام أبو طالب في " أماليه "، وذلك أيضًا مرويٌّ عن علي ﵇، عن رسول الله - ﷺ - في " مجموع " زيد بن عليٍّ ﵇ في آخر كتاب الصلاة منه، ورواتها يزيدون
_________________
(١) لعله الذي في " المجمع " ١٠/ ٣٧١.
(٢) بياض في الأصول. والحديث أخرجه أحمد ٤/ ١٢٤، وقال الهيثمي ١٠/ ٨١: فيه راشد بن داود، وقد وثقه غير واحد، وفيه ضعف.
(٣) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
[ ٩ / ٣٤٧ ]
على عدد التواتر، والذي حضرني منهم أربعة عشر صحابيًا، وهم: عليُّ بن أبي طالب ﵇، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو ذر، وعبادة، وطلحة، وجابر، وابن عمر، وتقدم حديث علي ﵇ وذكر بقيتهم الحافظ ابن حجر في كتابه " التلخيص " الحبير في أحاديث الشرح الكبير " (١)، وعزا كلَّ حديثٍ إلى من خرَّجه، فاستغنيتُ بذلك عن التطويل بنقل جميع ما ذكره.
ومن ذلك أحاديث تكفير الذنوب بالمصائب والآلام والموت (٢)، وموت الأولاد، إلى أدنى المؤذيات من الفقر، والتعب، والهم، والنَّكد (٣)، والشوكة، كما مضى في تفسير: ﴿فمن يعمل مثقال ذرةٍ شرًَّا يره﴾ [الزلزلة: ٨] (٤) وفي تفسير: ﴿من يعمل سوءًا يُجْزَ به﴾ [النساء: ١٢٨] مثله، قال ابن عبد البر: وهو عن أبي بكر من وجوهٍ شتَّى (٥).
وفي " أسباب النزول " للواحدي له شواهد عن غيره أيضًا، عن أبي هريرة وعائشة، وفي الباب عن أنس.
وقال ابن عبد البر: إن تكفير الذنوب بالآلام والمصائب أمر مجمع عليه.
قلت: ثبت بل قد تواتر أن " من مات له ثلاثة أولادٍ لم يبلُغُوا الحِنْثَ، أو اثنان، كانوا له حِجَابًا من النار ". خرَّجه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد (٦)،
_________________
(١) ٢/ ١٠٣.
(٢) " والموت " ساقطة من (ش).
(٣) في (ف): " والنكبة ".
(٤) انظر ص ٥٥ من هذا الجزء.
(٥) انظر الحديث (١١١) و(١١٢) و(١١٣) من مسند أبي بكر للمروزي بتحقيقنا.
(٦) أخرجه البخاري (١٠١) و(١٠٢) و(١٢٤٩) و(٧٣١٠)، ومسلم (٢٦٣٣) و(٢٦٣٤)، وأحمد ٣/ ٣٤، وابن حبان (٢٩٤٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٩ / ٣٤٨ ]
وخرَّجاه هما، ومالك، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة (١)، والترمذي (٢) عن ابن مسعود، والبخاري ومسلم عن أنس (٣)، ولفظ البخاري عنه: " بفضل رحمته إياهم "، وهو يفيد عدم النظر إلى عِظَمِ الحزن وقلَّته. رواه ابن الجوزي كذلك، وعزاه إلى أفراد البخاري في الحديث الثالث والثمانين بعد الثلاثمئة من مسند أنس.
وقال الترمذي في كتاب الجنائز بعد رواية حديث أبي هريرة (٤): وفي الباب عن عمر، ومعاذٍ، وكعب بن مالكٍ، وعتبة بن عبد، وأم سُليم، وجابر، وأنس، وأبي ذر، وابن مسعودٍ، وأبي ثعلبة الأشجعي، وليس هو بالخشني، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وأبي سعيد وقرة بن إياسٍ المُزَنِيِّ، فهو عنده عن خمسة عشر صحابيًّا.
ورواه مالك (٥) عن أبي النضر السُّلميِّ، والنسائي (٦) عن أبي ذر، وليس في حديثه ذكر الاثنين. والترمذي (٧) عن ابن عباس، وفي حديثه (٨) زيادةٌ عظيمةٌ، ولفظه: " من كان له فَرَطَانِ من أمتي، دخل الجنة بهما " (٩). قالت عائشة: فمن كان له فرطٌ من أمتك، قال: " ومن كان له فرطٌ يا مُوَفَّقَةُ " قالت: فمن لم يكن
_________________
(١) تقدم تخريجه ٨/ ٤٢٠.
(٢) برقم (١٠٦١)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (١٦٠٦)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، (يعنى عبد الله بن مسعود).
(٣) البخاري (١٢٤٨) و(١٣٨١)، والنسائي ٤/ ٢٤، وابن ماجه (١٦٠٥)، وابن حبان (٢٩٤٣)، ولم يخرجه مسلم كما قال المصنف ﵀.
(٤) برقم (١٠٦٠).
(٥) في " المؤطأ " ١/ ٢٣٥.
(٦) ٤/ ٣٤، وأخرجه أحمد ٥/ ١٥١ و١٥٣ و١٥٩ و١٦٤، والبخاري في " الأدب المفرد " (١٥٠)، وصححه ابن حبان (٢٩٤٠)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٧) برقم (١٠٦٢)، وقال: حسن غريب.
(٨) في (ف): " وفيه ".
(٩) لفظ الترمذي: " أدخله الله بهما الجنة ".
[ ٩ / ٣٤٩ ]
له فرطٌ من أمتك؟ قال: " أنا فرطُ أُمَّتي، لم يُصابوا بمثلي ". رواه الترمذي.
وروى النسائي (١) من حديث معاوية بن قرَّةَ عن أبيه ما يشبهُه بغير لفظه في الفَرَطِ الواحد.
وفي " صحيح البخاري " (٢) شاهدٌ لذلك في الفرط الواحد ولفظه: " يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاءٌ إذا قبضتُ صَفِيَّهُ من الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ".
وهذا الحديث، وحديث عائشة في الفرط يعمُّ الأولاد كسائر القرابات، والزوجات، والأزواج، والأصدقاء.
وتقدم (٣) حديث: " الحُمَّى حظُّ كل مؤمن من النار " من حديث أبي هريرة وأبي أمامة. وفي " مسلم " (٤) عن جابر نحوه.
وفي " الصحيحين " و" الترمذي " من حديث أبي سعيد وأبي هريرة معًا أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: " ما يصيبُ المؤمن من وَصَبٍ، ولا نصبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهمِّ يُهَمُّهُ، إلاَّ كفَّر الله به سيئاته " (٥). وفيهما وفي " الموطأ " و" الترمذي " نحوه عن عائشة (٦) وفيه: " حتَّى الشوكة يُشاكُها ". وفيهما (٧) عن ابن مسعود نحوه، وفيه: " حطَّ الله به خطيآته كما تَحُطُّ الشجرةُ ورقها ".
_________________
(١) ٤/ ٢٣ و١١٨ وإسناده صحيح.
(٢) برقم (٦٤٢٤).
(٣) ٨/ ٤٢٠.
(٤) برقم (٢٥٧٥). وأخرجه أيضًا ابن حبان (٢٩٣٨).
(٥) أخرجه البخاري (٥٦٤١ و٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣)، والترمذي (٩٦٦).
(٦) أخرجه مالك ٢/ ٩٤١، والبخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢)، والترمذي (٩٦٥).
(٧) البخاري (٥٦٤٧) و(٥٦٤٨) و(٥٦٦٠) و(٥٦٦١) و(٥٦٦٧)، ومسلم (٢٥٧١)، وأحمد ١/ ٣٨١ و٤٤١ و٤٥٥، وابن حبان (٢٩٣٧).
[ ٩ / ٣٥٠ ]
ورواه أبو داود (١) عن أمِّ العلاء: " إن مرض المسلم يُذْهِبُ خطاياه كما تُذهِبُ النارُ خبث الفضة ". ولمالك (٢) نحوه عن يحيى بن سعيد، وعزاه رزين إلى النسائي، وعن أنس نحوه في " الترمذي " (٣).
وعن أبي هريرة عنه - ﷺ -: " ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وليست له خطيئةٌ " رواه مالك والترمذي (٤).
ولمحمد بن خالدٍ السُّلمي عن أبيه، عن جده، وكانت له صحبةٌ أنه - ﷺ - قال: " إذا سَبَقَتْ للعبد من الله منزلةٌ، فلم يبلُغها -يعني بعمله- ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده " -زاد في رواية: " ثم صبَّره على ذلك "، ثم اتفقا-: " حتَّى يُبَلِّغَه المنزلة التي سبقت له " رواه أبو داود (٥).
وعن أبي هريرة، عنه - ﷺ -: " من يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ منه ". رواه مالك والبخاري (٦).
وفي الباب غير هذا، وهو أمر متواتر، فهذه ثلاثة وعشرون حديثًا، في كتب الترغيب والترهيب، وفي حرف الفاء من " جامع الأصول " (٧) في كتاب الفضائل شواهد لما نحن فيه، ينبغي الوقوف عليها لمن أراد الفائدة مثال ذلك في فضل العتق (٨) خمسة أحاديث مصرِّحةٌ بنجاة من أعتق مسلمًا من النار: عن أبي هريرة
_________________
(١) برقم (٣٠٩٢).
(٢) في " الموطأ " ٢/ ٩٤٢، وهو مرسل. وانظر " جامع الأصول " ٩/ ٥٨٣.
(٣) برقم (٢٣٩٨)، وإسناده حسن.
(٤) الترمذي (٢٣٩٩)، وأخرجه مالك ١/ ٢٣٦ بلاغًا. وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ٤٥٠، ابن حبان (٢٩١٣) و(٢٩٢٤)، والحاكم ١/ ٣٤٦، ووافقه الذهبي.
(٥) برقم (٣٠٩٠)، ومحمد بن خالد السلمي مجهول.
(٦) أخرجه مالك ٢/ ٩٤١، ومن طريقه البخاري (٥٦٤٥)، وأحمد ٢/ ٢٣٧، وابن حبان (٢٩٠٧).
(٧) في المجلد التاسع.
(٨) ٩/ ٥٢٧ - ٥٣٠.
[ ٩ / ٣٥١ ]
(البخاري ومسلم)، وأبي أمامة (الترمذي)، وأبي نجيح (أبو داود)، وشُرحبيل بن السّمط (أبو داود والترمذي)، والغريف بن الدَّيلمي (أبو داود).
وفي عيادة المرضى (١) خمسة يستلزم ذلك عن علي ﵇ (أبو داود والترمذي)، وثوبان (مسلم والترمذي)، وأنس (الموطأ)، وجابر (الموطأ)، وأبي هريرة، (الترمذي).
ففي كل جنس أو نوع تواترٌ وشهرةٌ حتى يحصل بالمجموع فوق شجاعة علي ﵇، وجُودُ حاتمٍ المضروبَيْنِ مثلًا في التواتر بأضعافٍ مضاعَفَةٍ.
فإن في فضل الصوم ستة عشر (٢)، وفي فضل الصدقة والإنفاق في سبيل الله أربعة عشر (٣)، وفي الحج ستة عشر (٤)، وفي الجهاد أربعة وأربعين (٥)، وفي الشهادة أربعة وعشرين (٦)، وفي الذكر والدعاء خمسة عشر (٧)، وفي الصلاة، والأذان، والمشي إليها وانتظارها، والجمعة، وصلواتٍ مخصوصةٍ؛ قدر تسعين حديثًا ونيِّف (٨).
وهذا الذي في " البخاري " و" مسلم " و" أبي داود " و" الترمذي " و" النسائي " و" الموطأ "، غير ما في المسانيد، وهو أضعاف هذا، ألا ترى أن في هذه الكتب في صلاة الضحى ستة أحاديث، وفي " مجمع الزوائد " نيف وأربعون؟ فهذه مئتا حديث وتسعون حديثًا من فضلِ الشهادة عند الموت إلى فضل الفقر والفقراء، فقد تقدم منها مقدار ثلاثين حديثًا في الوجه الثاني من وجوه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، في أدلة المعتزلة، وإذا أضفتَ هذه العدة الكثيرة إلى ما تقدم، وهو (١٧٥) حديث صار المجموع منها قدر ثلاثمئة حديثٍ
_________________
(١) "جامع الأصول" ٩/ ٥٣١ - ٥٣٤.
(٢) ٩/ ٤٥٠ - ٤٥٩.
(٣) ٩/ ٥١٧ - ٥٢٧.
(٤) ٩/ ٤٦٠ - ٤٦٨.
(٥) ٩/ ٤٦٨ - ٤٩٧.
(٦) ٩/ ٤٩٧ - ٥١٠.
(٧) ٩/ ٥١٠ - ٥١٦.
(٨) ٩/ ٣٧٧ - ٤٤٩.
[ ٩ / ٣٥٢ ]
وخمسة وأربعين حديثًا (١) من غير المكرَّر، إلاَّ ما سهوتُ عنه، وهو النادر إن وقع، وغالبها صحاحٌ، وبقيتها تصلح في الشواهد والاعتبارات، وتصح على قواعد الفقهاء والأصوليين، ثم لحق بعد هذه خمسةٌ وثلاثون حديثًا من " مجمع الزوائد " من أول باب فيه عن خمسةٍ وعشرين صحابيًا كما تقدم في موضعه، صارت ثلاث مئة وثمانين حديثًا، وفيها شاهدان لحديثٍ عن أبي بكرٍ الصدِّيق عن كوثر وسويد بن عبد العزيز (٢).
قال الهيثمي (٣): فيهما متروكان، وقد قيل إنهما ضعيفان، لا متروكان.
وأما قوله (٤) في حديث عمران بن حصين (٥): فيه عمران القصيرُ، متروكٌ.
فخطأٌ فاحشٌ، فإنه من رجال الجماعة إلاَّ الترمذي، وثَّقه جماعةٌ، وفيه كلامٌ سهلٌ قريبٌ مثل غيره من الأئمة.
وإنما ذكرت هذا لأعرِّفَك أنِّي لم أُورِدْ في هذه الأحاديث من رواية الكذابين شيئًا فيما أعلمه، والله الهادي.
ثم لَحِقَتْ عشرةُ أحاديث عن سبعة صحابةٍ في نجاة الميِّت عندَ المسألة في القبر بسبب الشهادتين فقط، منها عن أنسٍ (٦) والبراء (٧)، متفق على صحتهما، وبقيتها في " مجمع الزوائد " و" جامع الأصول ".
_________________
(١) قوله: " وخمسة وأربعين حديثًا " ساقط من (ش).
(٢) أخرجها أبو يعلى (١٩) و(١٠٥).
(٣) في " المجمع " ١/ ١٥.
(٤) في " المجمع " ١/ ٢٢.
(٥) رواه البزار (١٤) وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٣٤٨، وفيه عمر بن محمد بن عمر بن معدان، قال البزار: لا بأس به، وقال الهيثمي ١/ ١٩: واهي الحديث. وعبد الله بن أبي القلوص لم يوثقه غير ابن حبان.
(٦) أخرجه البخاري (١٣٣٨) و(١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠)، وأحمد ٣/ ١٢٦ و٢٣٣، والنسائي ٤/ ٩٧ - ٩٨، وابن حبان (٣١٢٠).
(٧) تقدم تخريجه ص ٢٨٢ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٣٥٣ ]
لحق حديثان من " البغوي " عن أنس في العفو عن حقوق الله، وعن ابن عمر رواه أحمد.
وفي باب سجود الشكر من " مجمع الزوائد " (١) في هذا المعنى (٣) أحاديث: عن حذيفة عند أحمد (٢)، وعن معاذ (٣) وعبد الرحمن بن أبي بكر عند الطبراني (٤).
ومن مظانه في " مجمع الزوائد " فضل الأمة في المناقب (٥)، وذكر رحمة الله وذكر الشفاعة والبعث من علامات النبوة (٦).
وفي " البخاري " (٧) في تفسير (حم السجدة) أثر عن ابن عباسٍ، لكنه في حكم المرفوع، لأنه تفسيرٌ، وهو المغفرة لأهل الإخلاص، صارت أربع مئة تنقصُ خمسة. وفي مسند هشام بن عامرٍ حديثٌ، وفي مسند يزيد بن أسد حديث (٨)، وفي مسند يزيد بن شجرة (٩) وهو (٢٨)، وحديث آخر، وهو الثالث (١٠).
_________________
(١) ٢/ ٢٨٧ - ٢٩٠.
(٢) ٥/ ٣٩٣. وقال الهيثمي ٢/ ٢٨٧: فيه ابن لهيعة، وفيه كلام.
(٣) أخرجه الطبراني في " الكبير " ٢/ (١٩٩) من طريق الحجاج بن عثمان السكسكي عن معاذ. وقال الهيثمي ٢/ ٢٨٨: لم يدرك معاذًا، فقد ذكره ابن حبان في أتباع التابعين، وهو من طريق بقية، وقد عنعنه.
(٤) قال الهيثمي ٢/ ٢٨٩: فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.
(٥) " مجمع الزوائد " ١٠/ ٦٧ - ٧١.
(٦) " المجمع " ١٠/ ٣٢٨ - ٣٨٥.
(٧) ٨/ ٥٥٦ في ترجمة الباب تعليقًا، ووصفه الطبراني في " الكبير " (١٠٥٩٤).
(٨) انظر " المسند " ٤/ ٧٠، والطبراني ١/ (١٠٠١) و(١٠٠٢)، و٣٨/ (٦٢٥)، والإصابة ١/ ٤٩ و٣/ ٦١٤.
(٩) أخرجه عبد الرزاق (٩٥٣٨)، والطبراني ٢٢/ (٦٤١) و(٦٤٢)، وقال الهيثمي في " المجمع " ٥/ ٢٩٤: رواه الطبراني من طريقين، رجال أحدهما رجال الصحيح.
(١٠) في (ف): " وهو ٥٣ ".
[ ٩ / ٣٥٤ ]
وبذلك كمُلَتِ الأحاديث أربع مئة في عدتي، وأظنها أكثر، لأنِّي قد زدت فيها (١) بعد فراغى من التسويد لحق بعد كمال الأربع مئة حديث في الرجاء أحاديث كثيرة في ذلك من " مجمع الزوائد " (٢) منها (١١) حديثًا في المغفرة ليلة النصف من شعبان، وفى كل اثنين وخميس لجميع العباد إلاَّ لمشركٍ، أو مُشاحنٍ لأخيه، ومنها ستة في خروج الموحدين من النار إلى (١١) حديثًا، صارت (١٧)، ومنها في الشفاعة لأهل لا إله إلاَّ الله في " مجمع الزوائد "، ومنها خمسةٌ وعشرون حديثًا في الحبِّ في الله، فيها اثنا عشر رجالها ثقات وفي " جامع الأصول " خمسة أحاديث في ذلك، صارت ثلاثين، وبقيتهم رجال التواتر.
وأحاديث: إن أحدًا لا يدخل الجنة بعمله، لكن برحمة الله. اتفق البخاري ومسلمٌ منها على حديث عائشة (٣)، وحديث أبي هريرة (٤)، وتفرد مسلم (٥) بحديث جابر في ذلك، وزاد الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٦) عشرة أحاديث أو أحد عشر عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة حديثان، وأبي موسى وشريك بن طريفٍ، وأسامة بن شريكٍ، وأسد بن كُرزٍ، وأنس، وابن عمر بن الخطاب، وواثلة، وُثِّق رجال أربعة أحاديث منها، تقدمت في إثبات الحكمة في آخر مسألة الأفعال.
وأحاديث الحسنة بعشر أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو، خمسة (٧) صار الجميع أربعةً وسبعين حديثًا بعد الأربع مئة
_________________
(١) " فيها " ساقطة من (ف).
(٢) ٨/ ٦٥ - ٦٦.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٦٤) و(٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٨).
(٤) أخرجه البخاري (٥٤٦٣) و(٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦)، وأحمد ٢/ ٥١٤، وابن ماجه (٤٢٠١)، وابن حبان (٣٤٨) و(٦٦٠)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) برقم (٢٨١٧)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٣٥٠)، وأحمد ٣/ ٣٣٧، والدارمي ٢/ ٣٠٥.
(٦) ١٠/ ٣٥٦ - ٣٥٨.
(٧) في (ش) و(ف): " أربعة أو خمسة ".
[ ٩ / ٣٥٥ ]
بحث في الفقر والأحاديث الواردة فيه
وفي شفاعة المسلمين للميت في صلاة الجنازة أحاديث.
وما لم نذكر ربما يكونُ أضعاف ذلك في المسانيد الحافلة، وضممتُ إلى ذلك إظهار الرواة لذلك، وتكرارهم له من بين الصحابة فَمَنْ بعدهم من غير نكيرٍ ولا اختلافٍ، وعرفت قدر العناية بعلم الحديث وأن فائدته العُظمى التَّنزُّه عن الجهل الفاحش بالمعلومات من ضرورة الدين، والمماراة فيما هو عند العارفين من الحق اليقين المستغني بالضرورة عن البراهين، ولقد كان في كتاب الله كفاية لو قدَّمت النصوص، ولم ترجِّحِ العُموم على الخصوص، ولا زيادة على هذا البيان والله المستعان.
ويتصل بهذا ما ورد في فضل الفقر في الأحاديث الصحيحة، والبلوى بالفقر كثيرةٌ، والغمُّ به كثيرٌ لأجل الجهل بفضله، فلنُورِدْ ما حضر من ذلك ليهون على الفقراء كراهته، ونقتصر على قدر (١) خمسة وعشرين حديثًا منتقاة من الصِّحاح، وما له حكمها.
فروى البخاري ومسلم من حديث حارثة بن وهبٍ عن النبي - ﷺ -: " إن أهل الجنة كل ضعيفٍ متضعِّفٍ لو أقسم على الله لأبرَّه " (٢).
قال ابن حجر في " مقدمة شرح البخاري " (٣) هو الخاضع الذي يضع (٤) نفسه لله، وهذا يقتضي أن العين مكسورةٌ من " متضعِّفٍ ".
وقال ابن الأثير في " النهاية " (٥) في شرح ذلك، يقال: تضعَّفتُه (٦)،
_________________
(١) " قدر " ساقطة من (ف).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩١٨) و(٦٠٧١) و(٦٦٥٧)، ومسلم (٢٨٥٣)، والترمذي (٢٦٠٨)، وأحمد ٤/ ٦٠، وابن ماجه (٤١١٦)، والطبراني (٣٢٥٥) - (٣٢٥٨).
(٣) ص ١٤٧.
(٤) عند ابن حجر: " يذل ".
(٥) ٣/ ٨٨.
(٦) في (ف): " ضعفته ".
[ ٩ / ٣٥٦ ]
واستضعفته، يريد الذي يتضعفه (١) الناس ويتجبرون عليه وهذا يقتضي أنه بفتح العين.
وكلام ابن حجر أرجح، لأنه أحفظُ لضبط الحديث، وأكثرُ عناية بذلك، ولأن كلامه أنسبُ بمعنى قوله - ﷺ -: " لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ "، لأنها فضيلةٌ تُناسِبُ الأفعال الاختيارية.
ولكلام ابن الأثير وجهٌ أيضًا، وهو أنه يقع معه (٢) مجموع الضعف.
والاستضعاف ذوقُ الافتقار إلى الله تعالى، فيحمله على الالتجاء إلى الله تعالى بذَوْقِ الضرورة إلى ذلك، وذلك أقرب أحوال العبد إلى الله تعالى، وهو سبب فضيلة الفقر والمصائب والضرورات. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٣]، فجعل التَّضرُّع سببًا للنجاة بعد مجيء بأس الله، والضرورات تستلزمه، فإن الغنى والعافية يسلُبان ذوق الافتقار إلى الله، ويجد صاحبها في قلبه (٣) برد الغنى، وكفاية الاستغناء، فيغفل عن التضرع، ولا يذوق طعم الافتقار، فيبعد بذلك عن الله تعالى، وإن ذَوْقَ الافتقار والإقبال على الله تعالى في طلب كشف الضرورات، وقضاء المهمات خيرٌ للعبد من مطلوبه الذي طلبه، وإنما الضرورات للعبد كالسَّوط للدَّابَّة.
ويؤيد هذا المعنى الذي ذكره ابن الأثير حديث: " رُبَّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه ". رواه مسلم عن أبي هريرة (٤). وروى الحاكم (٥) في تفسير سورة القلم من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - أنه سمعه
_________________
(١) في (ف): " يستضعفه ".
(٢) في (ش): " مع ".
(٣) " قلبه " ساقطة من (ش).
(٤) مسلم (٢٦٢٢) و(٢٨٤٦) " وابن حبان (٦٤٨٣).
(٥) ٢/ ٤٩٩، وزاد نسبته السيوطي في " الدر المنثور " ٨/ ٤٩ إلى ابن مردويه.
[ ٩ / ٣٥٧ ]
يقول: " أهلُ النار كلُّ جَعْظِريٍّ جَوَّاظٍ مُستكبرٍ جمَّاعٍ، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون " وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلم، وسيأتي شيءٌ (١) من كلام الصُّوفيَّةِ في ذلك، وكذلك سائر الأحاديث التي تأتي الآن، فإنها تُناسِبُ تفسير ابن الأثير، والله أعلم.
فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال في محاجة الجنة والنار: وقالت الجنة: " فما لي لا يدخلني إلاَّ ضعفاء الناس وسَقَطُهُم؟ " (٢).
وروى مسلمٌ (٣) عن أبي سعيد في مثل ذلك: " قالتِ الجنة: فيَّ ضُعُفاءُ الناس ومساكينُهم ".
وفي " البخاري " في " صفة الجنة " (٤) عن عوفٍ، عن أبي رجاء، عن عِمران بن حصينٍ، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " اطَّلعتُ في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء ".
وروى البخاري والترمذي عن ابن عباسٍ وعمران معًا (٥).
وفي " البخاري " (٦) عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن أسامة، عنه
_________________
(١) في (ف): " في شيء ".
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٨٩٣)، ومن طريقه أحمد ٢/ ٣١٤، والبخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦)، وابن حبان (٧٤٤٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) برقم (٢٨٤٧). وأخرجه أيضًا أحمد ٣/ ١٣ و٧٨ و٧٩، وأبو يعلى (١١٧٢) و(١٣١٣)، وابن حبان (٦٧٥) و(٧٤٥٤).
(٤) برقم (٦٥٤٦)، ورواه أيضًا (٥١٩٨)، وأحمد ٤/ ٤٢٩، والترمذي (٣٧٧)، والنسائي في " عشرة النساء" (٣٧٧)، والترمذي (٢٦٠٣)، وابن حبان (٧٤٥٥).
(٥) البخاري تعليقًا بإثر الحديث (٦٤٤٩)، والترمذي (٢٦٠٢)، وقال: هكذا يقول عوف: عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، ويقول أيوب: عن أبي رجاء، عن ابن عباس، وكلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعًا.
(٦) برقم (٥١٩٦) و(٦٥٤٧)، وأخرجه مسلم (٢٧٣٦)، وأحمد ٥/ ٢٠٥ =
[ ٩ / ٣٥٨ ]
- ﷺ -: " قمتُ على باب الجنة، فكان عامَّةُ من دخلها المساكين وأصحابُ الجَدِّ محبوسُون، غير أن أهل النار قد أُمِرَ بهم إلى النار ".
وفي " أبي داود " و" الترمذي " عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: إن فقراء المهاجرين يدخلون قبل أغنيائهم بخمس مئة عامٍ. قال الترمذي: حسن غريب. ورواه مسلم أيضًا (١).
وقال أحمد في " المسند ": حدثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، عنه - ﷺ -: " يدخل فقراء المؤمنين قبل أغنيائهم بخمس مئة عامٍ " رجاله على شرط البخاري ومسلم، ورواه ابن ماجة في الزهد من حديث محمد بن بشرٍ ومحمد بن إبراهيم كلاهما عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ورواه الترمذي في الزهد عن سفيان الثوري، عن محمد بن عمرو به، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في " التفسير " عن الثوري به، ورواه الترمذي عن المحاربي عن ابن عمرو به.
وفي " مسلم " (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص: " بأربعين خريفًا ". ومثله في الترمذي (٣) عن أنس وقال الترمذي: حديثٌ غريبٌ. ومثله فيه عن جابرٍ (٤)، وقال: حديث حسن.
وقد جُمِعَ بين الأحاديث بأن من الفقراء من يسبق بخمس مئة، ومنهم
_________________
(١) = و٢٠٩ - ٢١٠، وابن حبان (٧٤٥٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٦٦)، والترمذي (٢٣٥٢)، وابن ماجه (٤١٢٣)، وأحمد ٣/ ٦٣ و٩٦، وليس هو في " صحيح مسلم " كما قال المصنف ﵀.
(٣) برقم (٢٩٧٩)، وأخرجه أيضًا الدارمي ٢/ ٣٣٩، وأحمد ٢/ ١٦٩، وابن حبان (٦٧٧) و(٦٧٨).
(٤) برقم (٢٣٥٢)، وفي سنده الحارث بن النعمان الليثي، وهو ضعيف، ولذا قال الترمذي: هذا حديث غريب. قلت: لكن يشهد له الأحاديث المتقدمة.
(٥) برقم (٢٣٥٥).
[ ٩ / ٣٥٩ ]
بأربعين، ومن الأغنياء من يستحق التأخير بخمس مئة، ومنهم من يستحق التأخير بأربعين، على قدر تفاوت الأحوال والأعمال.
وقال ابن الجوزي في " جامع المسانيد " في الحديث السابع عشر بعد الأربع مئة من مسند ابن عباس: حدثنا أحمد (١)، قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا دُويد، عن سَلْم بن بشيرٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي - ﷺ -: " التقى مؤمنانِ على باب الجنة: مؤمنٌ غنيٌّ، ومؤمنٌ فقيرٌ، كانا في الدنيا، فأُدْخِلَ الفقيرُ الجنةَ، وحُبِسَ الغني ما شاء الله أن يُحبس، ثم أُدخِلَ الجنة، فلقِيَهُ الفقير. قال: أي أخي، ماذا حبسك؟ والله لقد حُبِسْتَ حتى خِفْتُ عليك. فقال: أي أخي: إني حبست بعدك (٢) مَحْبِسًا فظيعًا كريهًا، وما وصلتُ إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألفُ بعيرٍ كلها آكلة حَمْضٍ، لصدَرَتْ عنه رِواءً.
قلت: الحمض: شجر تأكله الإبل.
وقال الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك " (٣): حدثنا الشيخ أبو الوليد الفقيه، أخبرنا حسام بن بشر، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنيَّةَ، عن حفص بن عمر بن الزبير، عن أنسٍ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " كان ليعقوبَ أخٌ مؤاخٍ في الله، فقال ذات يومٍ: يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرك، وقوَّس ظهرك؟ فقال: أما الذي أذهب بصري، فالبُكاء على يوسف، وأما الذي قوَّسَ ظهري، فالحزن على ابني يامين، فأتاه جبريل
_________________
(١) ١/ ٣٠٤، وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وقال: رواه أحمد، وفيه دويد غير منسوب، فإن كان الذي روى عنه سفيان، فقد ذكره العجلي في " الثقات "، وإن كان غيره، لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح، غير مسلم (صوابه سلم) بن بشير وهو ثقة. قلت: وسلم بن بشير مترجم في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٥٧، والجرح والتعديل " ٤/ ٢٦٦، وقال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٦/ ٤٢٠.
(٢) " بعدك " ساقطة من (ف).
(٣) ٢/ ٣٤٨.
[ ٩ / ٣٦٠ ]
﵇، فقال: إن الله يُقرِئُك السلام، فقال: أما تستحي تشكوني إلى غيري؟! فقال: إنما أشكو بثِّي وحُزْني إلى الله. فقال جبريل: اعلم ما تشكو يا يعقوب. قال: ثم قال يعقوب: أي ربِّ، أما ترحم الشيخ الكبير، أذهبتَ بصري، وقوَّسْتَ ظهري، فاردُد عليَّ ريحانتي أشمُّه (١) شمًا قبل الموت، ثم اصنع بي ما أردتَ، فأتى جبريل فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول: أبشر، وليفرَح قلبُك، فوَعِزَّتي لو كانا ميِّتَيْنِ، لنشرتُهما، فاصنع طعامًا للمساكين، فإن أحبَّ عبادي إليَّ الأنبياء والمساكين. أتدري لم أذهبت (٢) بصرك، وقوَّسْتُ ظهرك، وصنع إخوةُ يوسف به ما صنعوا؟ إنَّكم ذبحتم شاةً، فأتاكم مسكينٌ يتيمٌ، وهو صائمٌ، فلم تُطعموه منها شيئًا. قال: فكان يعقوبُ بعد ذلك إذا أراد الفداء أمر مناديًا فنادى: ألا من أراد الغداء من المساكين، فليتغدَّ مع يعقوب، وإذا كان صائمًا [أمر مناديًا، فنادى: ألا من كان صائمًا من المساكين،] فليفطر مع يعقوب ". أخرجه الحاكم في تفسير سورة يوسف، وقال: هكذا في سماعي بخطِّ يدي. حفص بن عمر بن الزبير، وأظن الزبير وهمًا من الراوي، فإنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك، فإن كان كذلك فالحديث صحيح (٣).
قال الحاكم: وقد أخرج الإمام إسحاق بن راهويه هذا الحديث في تفسيره
_________________
(١) في (ش): " أشمهما ".
(٢) في (ش): " أذهب ".
(٣) قلت: أخرجه ابن أبي حاتم في " تفسيره " كما في " تفسير ابن كثير " ٢/ ٥٠٦ عن الحسن بن عرفة، عن يحيى بن عبد الملك بإسناد الحاكم. وقال ابن كثير: هذا حديث غريب وفيه نكارة. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٤٠، وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري، وهو ضعيف جدًا. وأورده الحافظ السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٥٧٤، ونسبه لابن إسحاق بن راهويه، وابن أبي الدنيا في " الفرج بعد الشدة "، وابن أبي حاتم، والطبراني في " الأوسط "، وأبي الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في " شعب الإيمان ".
[ ٩ / ٣٦١ ]
مرسلًا أخبرناه أبو زكريا العنبريُّ، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق، أخبرنا عمر بن محمدٍ، حدثنا زافرُ بن سليمان، عن يحيى بن عبد الملك، عن أنسٍ، عن النبي - ﷺ - بنحو الحديث.
وقال ابن الجوزي في الحديث الثالث والستين بعد السِّتِّ مئةٍ من مسند أبي هريرة: أخبرنا أحمد (١)، أخبرنا أزهر بن القاسم الراسبي، أخبرنا هشام، عن عباد بن علي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " ويلٌ للأُمراء، ويلٌ للعُرَفاء، ويلٌ للأُمناء، ليَتَمنَّينَّ أقوامٌ يوم القيامة أن ذوائِبَهم كانت معلَّقةً بالثُّريَّا، يُدَلَّون بين السماء والأرض، ولم يكونوا عَمِلُوا على شيء ".
وروى البخاري وابن ماجه (٢) من حديث أبي حُصينٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: " تعسَ عبدُ الدينار والدِّرْهَم والقَطِيفة، طُوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُهُ، مغبَرَّةً قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأذن لم يُؤْذَنْ له، وإن شَفَع لم يُشَفَّع " رواه البخاري في الجهاد، وابن ماجة في الرِّقاق، وذكر اختلافًا في رفعه.
وروى البخاري في حديث ابن عباس الذي فيه قصَّتُه قيصر مع أبي سفيان، وفيه أن ضعفاء الناس هم أتباع الرسل (٣)، وكفى بها كرامةً مُرَغِّبَةً في الفقر.
ويشهد لذلك قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، وكفى بهذه الآية الكريمة مُزَهِّدةً في الغِنى.
وروى البخاري من حديث محمد بن طلحة، عن طلحة، عن مُصعبِ بن
_________________
(١) ٢/ ٣٥٢، وصححه ابن حبان (٤٤٨٣)، والحاكم ٤/ ٩١، وأقره الذهبي.
(٢) البخاري (٢٨٨٦) و(٦٤٣٥)، وابن ماجه (٤١٣٥).
(٣) تقدم غير مرة.
[ ٩ / ٣٦٢ ]
سعدٍ، قال: رأى سعدٌ أن له فضلًا على من دُونَهُ، فقال النبي - ﷺ -: " هل تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلاَّ بضُعَفَائِكُم ". ورواها النسائي ولفظه: " إنما يَنْصُرُ الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم (١) وصلاتهم وإخلاصهم " (٢).
وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن طلحة الراوي له (٣) الاختلاف في محمدٍ هذا، وذكر أن حديثه هذا فردٌ إلاَّ أنه في فضائل الأعمال.
قلت: لعله يريد أنه فردٌ من طريق سعدٍ، لا مطلقًا، فقد جاء عن أبي الدرداء (٤) عنه - ﷺ - مثله. رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
وحديث الأخَوَين اللذين كان أحدهما يلزم المسجد، وأحدهما يحترِفُ، فشكا أخاه إلى النبي - ﷺ -، فقال: " لعلَّكَ تُرزَقُ به ". رواه الترمذي وحده في " الزهد " (٥) من حديث أبي داود الطيالسي، عن حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهو على شرط مسلمٍ، ذكره النووي في " رياض الصالحين " (٦)، وقال الترمذي: حديث صحيح حسن غريب.
وروى البخاري (٧) في فضل الفقر من الرِّقاق من حديث أبي حازمٍ، عن أبيه، عن سهل بن سعدٍ الساعدي حديث النبي - ﷺ - الذي فيه في ذكر تفضيل فقيرٍ على غنيٍّ أن النبي - ﷺ - قال وقد رأى فقيرًا مسكينًا وغنيًّا من ذوي الجَدِّ والهَيْبَة: " هذا خيرٌ من مِلْءِ الأرضِ مثل هذا ".
_________________
(١) في (ف): " لدعوتهم ".
(٢) البخاري (٢٨٩٦)، والنسائي ٦/ ٤٥.
(٣) في " مقدمة الفتح " ص ٤٣٩.
(٤) في الأصول: " أبي هريرة "، وهو خطأ. والحديث عند أبي داود (٢٥٩٤)، والترمذي (١٧٠٢)، والنسائي ٦/ ٤٥ - ٤٦، ورواه أيضًا أحمد ٥/ ١٩٨، وصححه الترمذي، وابن حبان (٤٧٦٧)، والحكم ٢/ ١٤٥، ووافقه الذهبي.
(٥) برقم (٢٣٤٥)، وصححه الحاكم ١/ ٩٣ - ٩٤، ووافقه الذهبي.
(٦) برقم (٨٤) في باب اليقين والتوكل.
(٧) برقم (٥٠٩١) و(٤١٢٠)، ورواه أيضًا ابن ماجه (٤١٢٠).
[ ٩ / ٣٦٣ ]
وفي كتاب الخصائص النبوية من " تلخيص " (١) الحافظ ابن حجر، قال ابن سعد (٢): أخبرنا أبو النَّضر، حدثنا أبو معشر، عن سعيدٍ، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال لها: " لو شئتُ، لسارت معي جبالٌ الذهب. أتاني مَلَكٌ فقال: إن ربَّك يُقرِئُكَ السلام، ويقول لك: إن شئتَ كنت نبيًَّا مَلِكًا، وإن شئت نبيًا عبدًا، فأشار إليَّ جبريل أن ضَعْ نفسك، فقلت: نبيًَّا عبدًا ". فكان بعد ذلك لا يأكُلُ متَّكِئًا، ويقول: " آكُلُ كما يأكُلُ العبد، وأجلس كما يجلسُ العبدُ ".
قلت: سعيدٌ الراوي عن عائشة يُحتمل أنه ابن المسيِّب، فإنه مكثرٌ عنها، وأنه ابن جُبيرٍ، وأنه المَقْبُرِيُّ، وأنه ابن العاص. كلُّهُم رَوَوا عنها (٣).
وفي " صحيح البخاري " في كتاب المظالم في باب الغُرْفة والعُِلِّيَّة المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها (٤) من حديث الليث، عن عُقيلٍ، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب بحديثٍ طويلٍ فيه أن النبي - ﷺ - اعتزل نساءه، فوقف في غرفةٍ، أو قال في عُِلِّيَّةٍ، فاستأذن عليه عمرُ مرارًا. ولا يُؤْذَنُ له، حتى أُذِنَ له في الثالثة، قال عمر: فدخلتُ على النبي - ﷺ -، فإذا هو مُضطجِعٌ على رمال حصيرٍ ليس بينه وبينه فراشٌ، قد أثَّرَ الرِّمال بجنبه، متَّكىءٌ على وسادةٍ من أدَمٍ حشوها ليفٌ، ثم رفعتُ بصري في بيته، فوالله ما رأيتُ فيه شيئًا يردُّ البصر غير أهَبَةٍ ثلاثة، فقلت: ادع الله فليُوَسِّع على أُمَّتِك، فإن فارس والرُّوم وُسِّعَ عليهم، وأُعطُوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فقال: " أوَفي شَكٍّ أنت يا ابن الخطاب، أولئك قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيِّباتُهم في الحياة الدنيا " فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. الحديث.
_________________
(١) ٣/ ١٢٥.
(٢) في " الطبقات " ١/ ٣٨١.
(٣) قلت: هو سعيد بن أبي سعيد المقبري. قال أبو حاتم: لم يسمع من عائشة. انظر " المراسيل " لابن أبي حاتم ص ٧٥.
(٤) رقم (٢٤٦٨). وانظر تمام تخريجه عند ابن حبان (٤٢٦٨).
[ ٩ / ٣٦٤ ]
وفي حديث أنس بعده في " البخاري " (١) أنها كانت قد انفكَّت قدمُه - ﷺ - في ذلك الوقت، فلعلَّه سببُ اتِّكائِه على تلك الوسادة.
وفي " مسند أحمد " (٢) أن رسول الله - ﷺ - أراد زيارة فاطمة ﵍، فرأى على بابها سترًا، فانصرف، ولم يدخُلْ، فعرفت أنه رجع لأمرٍ كَرِهَه، فأرسلت إليه فقال: " ما لي وللدنيا، ما لي وللرَّقم، قولوا لها تنزِعُ تلك السِّتارة، وتعطيها بني فلان ".
وفي الحديث: أنها ﵍ جَرَّت بالرَّحى حتى أثَّرت الرَّحى في يدها، وأسقت بالقِربَةِ، حتى أثَّرَت في نحِرها، وكنَستِ البيت حتَّى اغبرَّت ثيابُها، وعلمت برقيق أتاهُ، فسارت إليه - ﷺ - لتسأله، فوجدت عنده خدامًا، فرجعت، فأتاها من الغد، فأخبره عليٌّ ﵇ بحاجتها، فقال: " يا فاطمة، اتق الله، وإذا أخذت مضجعِك، فسبِّحي ثلاثًا وثلاثين واحمدي كذلك، وكبِّري أربعًا وثلاثين، فذلك خير لك من خادم ".
وفي رواية: " ولم يخدمها " رواه أبو داود من حديث علي ﵇ وله طرقٌ كثيرةٌ صحيحةٌ، أخرج البخاري ومسلمٌ منها طريق ابن أبي ليلى وفيها قال سفيان: إحداهن أربع وثلاثون. وإنما عزَّيتُه إلى أبي داود، لأن الذي حكيته هو لفظُه (٣).
وفي كتاب " الزهد " من حرف الزاي من " جامع الأصول " (٤) من ذلك عن
_________________
(١) برقم (٢٤٦٩).
(٢) ١/ ٢١، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٣٩، وعنه أبو داود (٤١٤٩). وهو حديث صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٣١١٣) و(٣٧٠٥) و(٥٣٦١)، ومسلم (٢٧٢٧)، وأبو داود (٢٩٨٨) و(٢٩٨٩) و(٥٠٦٢) و(٥٠٦٣)، والترمذي (٣٤٠٥). وانظر ابن حبان (٥٥٢٤) و(٦٩٢١) و(٦٩٢٢).
(٤) ٤/ ٦٧١.
[ ٩ / ٣٦٥ ]
كلام في المفاضلة بين الغني الصالح المتصدق الشاكر وبين الفقير الصالح الصابر
عائشة أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " إن كنت تريدين الإسراع واللُّحوق بي، فليَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكبِ، وإيَّاك ومُجالسَةَ الأغنياء، ولا تستخلفي ثوبًا حتى تُرَقِّعيه ". رواه الترمذي (١).
وعن أبي هريرة، سمعتُه - ﷺ - يقول: " اللهم اجعل رِزْقَ آل محمَّدٍ قُوتًا ". رواه البخاري ومسلم والترمذي، وقال حسن صحيح (٢).
وعن فضالة بن عُبيدٍ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا صلَّى يَخِرُّ رجالٌ من قامتهم في الصلاة من الخَصَاصة -وهم أصحابُ الصَّفَّةِ- حتى يقول الأعراب: مجانين، فإذا صلى رسول الله - ﷺ -، انصرف إليهم، فقال: " لو تعلمون ما لكم، لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجةً " (٣).
فهذه أربعة وعشرون حديثًا والأخبارُ في هذا أكثر من أن تُحصى، وإنما القصد هنا التنبيه على أن الفقر من جُملة المكفِّرات للذنوب، والمقرِّبات إلى الله تعالى، خصوصًا مع الصبر، فإنه حينئذٍ يدخل فيما وعدَ الله الصابرين، وإن شكر دخل فيما وعد الله أفضل الشاكرين، ولا يُناقِضُ هذا ما صح من استعاذة النبي - ﷺ - من الفقر، لأن ذلك بمنزلة سؤال العافية، وقد تواتر سؤال العافية فعلًا وأمرًا، مع تواتر الأجر العظيم في الأمراض، وذلك لضعفٍ البشر فالسُّنَّةُ وردت بسؤال العافية والغنى (٤)، وبالصبر عند الابتلاء.
وأما المفاضلة بين الغَنِيِّ الصالح المتصدِّق الشاكر، وبين الفقير الصالحِ
_________________
(١) برقم (١٧٨٠)، وفي " العلل الكبير " (٣١٤)، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، وقال في " العلل ": سألت محمدًا (يعني الإمام البخاري) عن هذا الحديث، فقال: صالح بن حسان منكر الحديث.
(٢) تقدم تخريجه ٨/ ١٩١.
(٣) أخرجه أحمد ٦/ ١٨، والترمذي (٢٣٦٨) وصححه، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٧٩٨) - (٨٠٠)، وصححه ابن حبان (٧٢٤).
(٤) " والغنى " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٣٦٦ ]
الصَّابر، فلا إطلاقَ فيها، بل يكون بعض الأغنياء أفضل من بعض الفقراء، لتعاظُمِ صدقاته وخيراته، كما جاء في حديث: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ " لمَّا شكى الفقراء أن الأغنياء عملوا مثل عملهم، وزادوا عليهم بالصدقات والعِتْقِ ونحو ذلك. وهو حديث صحيح (١)، ولكن الغنى الذي يعمل ذلك قليلٌ، وقد يكون بعض الفقراءِ أفضل، وهو الأكثر، لِمَا ورد من الأحاديث، فإنها خرحت مخرج الأكثر لمَّا كان المال حين يحصل (٢) محبوبًا: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، كما قال تعالى، ولذلك استعاذ رسول الله - ﷺ - من فتنة الفقر، وفتنة الغنى، ولأن الحلال قليلٌ ولعلَّ المكثرين غيرُ محلِّين.
وفي " البخاري " (٣)، عن خولة الأنصارية، عنه - ﷺ -: " إن رجالًا يتخوَّضُونَ في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة ".
وقد تقدم الكلام على هذا في أول الكتاب. وقد تكلم القرطبي على ذلك في " تذكرته " (٤) وأجاد، ويشهد لما ذكرتُه من التفضيل حديث أبي ذرٍّ المشهور في ذلك، خرَّجه البخاري ومسلمٌ من حديث عبد العزيز بن رُفَيعٍ، عن زيد بن وهبٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: خرجتُ ليلةً من الليالي، فإذا رسول الله - ﷺ - يمشي وحده، فظننتُ أنه يكرهُ أن يمشي معه أحدٌ، فجعلتُ أمشي في ظلِّ القمر، فالتفتَ، فرآني، فقال: " من هذا؟ "، قلت: أبو ذرٍّ -جعلني الله فداك- قال: " يا أبا ذرّ تعاله ". فمشيت معه ساعةً، فقال: " إن المُكثِرِيَن هم المقلُّون يوم القيامة إلاَّ من أعطاهُ الله خيرًا، فنفخ فيه يمينه، وشماله، وبين يديه، ووراءه، وعمل فيه خيرًا ". الحديث (٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه ٨/ ١٩٢.
(٢) " حين يحصل " ساقطة من (ش).
(٣) برقم (٣١١٨)، وأخرجه بنحوه الترمذي (٢٣٧٥).
(٤) ص ٤٦٩ - ٤٧٣.
(٥) أخرجه البخاري (٦٤٤٣)، ومسلم (٩٤)، وانظر تمام تخريجه عند ابن حبان (١٧٠) و(١٩٥).
[ ٩ / ٣٦٧ ]
واعلم أن النفس تَقْوَى بالغنى على نيل الشهوات الحلال، وتستمر على ذلك، فيضعُفُ صبرُها، وتقوى صولتُها على القلب، فربما لم تجد ما قد ألِفَتْ من الحلال، فتأخذه من شُبْهَةٍ، وذلك أميلُ، ولكن قد تأخذه من حرامٍ، وأيضًا قد تشتهي شهوةً محرَّمةً، وقد ألِفَتِ الشهوات، وتمكَّنت بالغنى من تلك الشهوة المحرمة، فيكون التَّمكُّن سببًا للهمِّ، والهمُّ سببًا للعزم، والعزم سببًا للوقوع، والوقوع سببًا للمداومة، والمداومة سببًا لسوء الخاتمة.
وأعظم من ذلك كله، شغلُ النفس بالغنى عن ذَوْقِ الافتقار إلى الله تعالى، ومداومة التَّضرُّع، ولزوم المناجاة، ومما قاله أهل التصوف والرياضة في ذلك: قول ابن الفارض (١):
وأقبل إليه وانحُه (٢) مُفلسًا فقد وَصَيْتَ لِنُصْحي إنْ قبلتَ نصيحتي
قال الشارح (٣): مفلسٌ من كل وسيلةٍ وعلمٍ وعملٍ. يعني: لا يعتد (٤) بها مع حصولها، لا (٥) أنه يتركها.
بِذاكَ جَرى شرطُ الهوى (٦) بين أهلِهِ وطائفةٌ بالعهدِ أوْفَتْ فَوَفَّتِ
_________________
(١) في ديوانه ص ٥٠ - ٥١.
(٢) في " الديوان ": " وأقبل إليها وانحها ".
(٣) هو سعد الدين محمد بن أحمد الفرغاني المتوفى سنة (٧٠٠ هـ) وهو تلميذ ابن الفارض، وقد شرح القصيدة بالفارسية ثم بالعربية، وسمَّى الشرح. " منتهى المدارك "، وهو كبير أورد في أوله مقدمة في أحوال السلوك. انظر " كشف الظنون " ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٤) في (ف) و(د): " بمعنى ألا يعتدّ ".
(٥) في (ف): " إلاَّ أنه ".
(٦) في " الأصول ": " التُّقى "، والمثبت من " الديوان ".
[ ٩ / ٣٦٨ ]
متى عصفت ريحُ الغنى (١) قصفت أخا غَنَاء ولو بالفقر هبَّت لربَّتِ
قال الشارح: الغِنى الأول المقصور: عدم الاحتياج، والثاني الممدود: اليسارُ والثروة.
قلت: وهو في معنى قولهم:
وإن الغنى إلاَّ عن الشيء لا به (٢)
وبالأول يفسِّرون غِنى الرب ﷿، وعندي: أن الأولى تفسير غنى الرَّبِّ ﷿ بالاعتبارين معًا، والغنى الثالث هو الملك.
ومعنى البيت: أن عز الربوبية وغناه يقصِفُ عزَّ الملوك وغناهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله - ﷺ -: " ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ (٣) منك الجدُّ، وأنه مولى أهل الفقر والذِّلَّة لسَعَةِ الرحمة.
وأغنى يمينٍ، باليسار جزاؤُها مُدى القطع ما للوصل في الحب مُدّتِ
وأخْلِصْ له وأخلُصْ بِهِ عن رُعونةِ افـ ـتقارك من أعمالِ برٍّ تزكَّتِ
قال الشارح -وهو الفرغاني-: يعني: إذا جئتَ مفلسًا لم تنظر إلى إفلاسك، وتركن إلى وسيلةٍ وسببٍ، بل انظُرْ إلى من وهبَ لك الإفلاس، وسبَّبه لك وسيلة إليه، فأخلص بالنظر إلى المسبِّب من رُعونَةِ النظر إلى السَّبب. ولي في هذا رقائق كثيرةٌ أودعتها " الدِّيوان الرَّبانيِّ ".
_________________
(١) في " الديوان ": " الولا ".
(٢) في هامش (ف): صدره: غنِيتُ بلا شيءٍ عن الشيءِ كلِّه
(٣) تقدم تخريجه في الجزء السادس.
[ ٩ / ٣٦٩ ]
واعلم أن السِّرَّ كله في إقبال القلب على الله تعالى، وأكثر الفقراء قد أغفلهم فقرُهم عن الله، وأقبلوا بكلِّيَّتِهم على رجاء المخلوقين، فالله المستعان.
وفي الأغنياء أفرادٌ قلوبهم معلَّقَةٌ بالله تعالى، كما قيل في كثيرٍ من الصحابة، كانت الدنيا في أيديهم، لا في قُلوبهم، ويدل على ذلك ما رواه الترمذي عن أبي ذرٍّ، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " ليست الزَّهادةُ في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكنَّ الزُّهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصِبْتَ بها أرغب منك فيما أنها لو بقيت لك ".
زاد رزين في " كتابه ": " لأن الله تعالى يقول: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] (١).
قلت: وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:
ومَنْ كَمُلَت فيه النُّهى لا يسرُّه نعيمٌ، ولا يرتاعُ للحَدَثانِ
وإنما استحبَّ شيوخُ الصوفية التَّجرُّد من الأسباب، لأن الذِّلَّةَ في الفقير طبيعيةٌ وفي الغنيِّ اكتسابيَّةٌ، والطبيعي أقوى من الاكتسابيِّ. كيف إذا ضُمَّ التَّذلُّل الاكتسابيُّ إلى الذِّلَّة الطبيعية، وإلى ذلك أشار رسول الله - ﷺ - في قوله: " أهل الجنة كلُّ ضعيفٍ متضعِّف " (٢) على أحد التفسيرين كما تقدم، فالله تعالى يَهَبُ لنا من الذِّلَّةِ والخضوع لجلاله، ولأوليائه، ولمساكين خلقِه ما يبلِّغُنَا رضاه.
وقد يُستَدَلُّ على قوة الرَّجاء والرُّجوع إليه بقوله تعالى: ﴿مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]،
_________________
(١) تقدم تخريجه ٨/ ١٩٩.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٥٦ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٣٧٠ ]
فإن القُشَعرِيرة هي الانقباضُ، ومنه حديث كعبٍ أن الأرض إذا لم تُمطر اربَدَّتْ واقشعرَّت (١).
وحديث عمر لما ضرب أبا سفيان بالدَّرَّة، قالت له هندُ: لرُبَّ يومٍ لو ضربتَه، لاقشعرَّ بطنُ مكة. قال: أجل (٢). ذكرها ابن الأثير في " نهايته " (٣).
فكأنَّ هؤلاء ابتدؤوا (٤) بالتَّفكُّر في أعمالهم، وذُنوبهم، وجهلِ خواتِمِهم، وما سبقَ في علم الله لهم، فاشتدَّ خوفهم، حتَّى انتهى بهم الفِكرُ إلى رحمة الله تعالى وغناه وجمعه بين عظيم (٥) الملك، وعظيم الحمد، فاستقرَّ في هذا المقام قرارُهم، واجتمعت عليه جلودُهم وقلوبُهم، ولذلك أجمع العلماءُ على ترجيح الرَّجاء عند الموت، لأنه اللائِقُ بالله، وإنما خِيفَت منه المفسدة على العبد، فعُوِّضَ بالخوف، لأجل المصلحة، فإذا حقَّتِ الحقائق عند النَّزْعِ، بطَلت مصلحةُ الخوف، وتعيَّن الرَّجاء واللَّجأ.
قال صاحب " الابتدا " في تفسيره " تجريد الكشاف مع زيادة نكتٍ لطاف ": وإنما عدَّاهُ بإلى، لأنه ضمَّنه معنى يسكنُ ويطمئنُّ، واختلف: فقيل: تقشعرُّ من آياتِ وعيده، وتلينُ من آيات وعده عن السُّدِّيِّ. وقيل: تقشعرُّ لإعظامه خوفًا،
_________________
(١) انظر " غريب الحديث " للخطابي ٣/ ٧.
(٢) أخرج ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (كما في " تهذيبه " ٦/ ٤٠٩ لعبد القادر بدران) عن جويرية بن أسماء أن عمر قدم مكة، فجعل يجتاز في سككها ويقول لأهل المنازل: قُمُّوا أفنيتكم، فمرَّ بأبي سفيان، فقال له: قمُّوا فناءكم. قال: نعم يا أمير المؤمنين، حين يجيءُ مُهَّانُنا. ثم إن عمر اجتاز بعد ذلك، فرأى الفناء كما كان، فقال: يا أبا سفيان، ألم آمركم أن تقمُّوا فناءكم؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ونحن نفعل إذا جاء مُهَّاننا، فعلاه بالدِّرَّة بين أذنيه، فضربه، فسمعَتْ هندُ، فقالت: أتضربه، أما والله لرُبَّ يوم لو ضربته لاقشعرَّ بك بطن مكة. فقال عمر: صدقت، ولكن الله رفع بالإسلام أقوامًا، ووضع به آخرين.
(٣) ٤/ ٦٦.
(٤) في (ش): " ابتدؤوه ".
(٥) في (ش): " عظم ".
[ ٩ / ٣٧١ ]
وتلينُ عند تلاوته رجاء. كما حكاه الماورديُّ. انتهى.
فقدِ اجتمعا على المعنى الذي أشرتُ، والرجاء صريحٌ في كتاب الله والنصوص النبوية كما مضى، وإنما أردتُ الاستدلال بهذه الآية الشريفة على علوِّ مرتبته، وفضيلته، حيث انتهى إليه عِرفانُ العارفين، ولأن العلم به اقشعرار الخاشين، فالحمد لله رب العالمين.
وهذا آخرُ الكلام في هذا الكتاب في أحاديث الرجاء لأرحم الرَّاحمين، وخير الغافرين، زادنا الله لفضله رجاءً، وصدَّق فيه رجاءنا، ووهب لنا أضعاف رجائِنا، فإن كل رجاءٍ في حقِّ الله تعالى لا بد أن يكون قاصرًا عما استأثر الله به من عظيم فضلِه المرجُوِّ، ولذلك روى الهيثمي في " مجمعه " (١) عن [حذيفة بن اليمان] أن رسول الله - ﷺ - قال: " والذي نفسي بيده، ليغفرَنَّ اللهُ يوم القيامة مغفرة لم تخطُر على قلبِ بشرٍ ".
وجاء في الصحيح في ذكر آخر مَنْ يدخل الجنة أنه يسألُ الله أن يصرفَ وجهَهُ عن النار، ويُعاهِدُ أن لا يسأل غير ذلك، فيُعطاهُ، فيقول: لقد أعطاني اللهُ ما لم يُعْطِ أحدًا من العالمين، فيرى شجرةً فيسألُ الله الدُّنوِّ منها، وأن يبقى في ظلِّها، ويُعاهِدُ أن لا يسأل غير ذلك، فيُعطاهُ، فيرى شجرةً أحسن من الأولى، فيسألُها، فيُعطاها، ويعاهِدُ كذلك، فيسمعُ منها أصوات أهل الجنة، فيقول: أيْ ربِّ، أدخلنيها فيقول: يا ابن آدم ما يَصْرِيني منك؟ أي: ما يُرضيك ويقطعُ مسألتك، أيُرضيك أن أُعطِيَكَ الدنيا ومثلَها معها؟ قال: يا رَبِّ أتستهزىءُ منِّي وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول الله: إني لا أستهزىءُ منك، ولكنِّي على ما أشاءُ قادرٌ ". خرَّجه مسلمٌ من حديث ابن مسعودٍ، وخرَّجاه بنحوه من حديثه أيضًا، وفي المتفق عليه عند البخاري ومسلم: أنه يُعطى ذلك وعشرة أضعاف الدنيا، وفيه أن الله قال له في كلِّ مرَّةٍ: " يا ابن آدم " ما أغدرك، ألم تعط المواثيق، ألاَّ تسألني غير ذلك، وفيه أن ربه يعذرُه، لأنه يرى ما لا صبرَ له عليه، وهو حديثٌ
_________________
(١) ١٠/ ٢١٦، وما بين حاصرتين منه، والحديث رواه الطبراني في " الأوسط ".
[ ٩ / ٣٧٢ ]
متفق على صحته (١)، وفي معناه أقول:
إذا صحَّ منا الخُلْفُ والغَدْرُ بعدَ ما بغينا وصحَّ العفوُ عن ذاك والصَّفْحُ
فغفرانُه عن غَدْرِنا قبل أن نرى جهنَّم أرجى منه إذ ضرَّنا اللَّفْحُ
وقد صحَّ هذا في " البخاري " و" مسلمٍ " وزيدَ عليه الفضلُ إذ قُضِيَ النُّجْحُ
جميعُ الأماني بعد ذاك ومثلُها وتسعةُ أمثالٍ كذا يكُنِ الرِّبْحُ
وليس لفضل الله حَدٌّ وغايَةٌ له الملك حقًا، والمحامِدُ والمَدْحُ
وكذلك ما في " الصحيحين " (٢) من حديث أبي سعيدٍ أنه - ﷺ - قال: " إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة (٣): يا أهل الجنة، فيقولون: لبَّيْك ربنا وسَعديك، والخيرُ في يديك، فيقول: هل رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقِك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسْخَطُ عليكم بعدَه أبدًا ".
ففي هذه الأخبار دلالةٌ على أن فضل الله تعالى وجُودَه فوقَ آمالِ الآملين، وفوقَ رجاءِ الرَّاجين، ويعضُدُه قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وما ورد أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٧١) و(٧٥١٦)، ومسلم (١٨٦) و(١٨٧). وانظر ٥/ ٩٤ من هذا الكتاب.
(٢) البخاري (٧٥١٨)، ومسلم (٢٨٢٩).
(٣) " لأهل الجنة " ساقطة من (ف).
[ ٩ / ٣٧٣ ]
فصل في بحث عن الخوف والرجاء
سمعت، ولا خطر على قلب بشر. رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عنه - ﷺ - في تفسير هذه الآية (١). فإذا ثبت أن في الجنة ما لم يخطر على قلبِ بشرٍ، ثبت أن في رحمة الله مثل ذلك، وأكثر منه، لأن الجنة بعضُ رحمةِ الله وفضلِه.
فصل
ولما اقتضى كمالُ مُلْكِ الله، وتمامُ عزَّته، وجلالُ كبريائه أن يكون مخُوفًا، مَهيبًا، مرهوبًا بالنظر إلى إصلاحِ عباده، وتأديبهم، والعدل بينهم، ونحو ذلك مما لا يحيطُ بجميعه سواه، كما أنه مرجو، ومأمول مستعانٌ (٢) مستغاثٌ بالنظر إلى أكثر أسمائه الحسنى، وغالبِ نُعوته الحميدة، لزم كل عبدٍ لله أن يكون خائفًا مع رجائه، جامعًا بين الرَّغَبِ والرَّهَبِ في لَجائه، لأنه لا حُكْمَ للعبد على سيده، فمن ها هنا ورد الوعيد من المجيد الحميد لِمَا فيه من صلاح العبيد (٣)، فكانا كالجَناحين للعمل، بل كالأب والأُمِّ للمولود. وفي " عوارف المعارف " (٤) أن الخوف بمنزلة الأب: فيه الذُّكورَةُ، والرجاء بمنزلة الأُمِّ فيه الأُنوثة.
ويدلُّ على ما أشرتُ إليه من اعتبار الجهتين في الخوف والرجاء قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ [الزمر: ٩]، فجعل رحمته متعلَّقَ الرجاء، وخوفَ جزاء عمله متعلَّق الخوف. وقد نبَّه على ذلك في آيتين مختلفتين: إحداهما: قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين﴾ [الأعراف: ٥٦]، فعقَّب ذكر الطَّمع بذكر الرحمة التي هي من أشهر أسمائه ونعوته. وقال: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فعقَّب الرَّهَبَ بذكر خُشُوعِ العبد الصالح لربه، فدل على أنه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٤٤) و(٤٧٧٩) و(٤٧٨٠) و(٧٤٩٨)، ومسلم (٢٨٢٤)، وأحمد ٢/ ٣١٣ و٣٧٠، والترمذي (٣١٩٧) و(٣٢٩٢)، وابن ماجه (٤٣٢٨).
(٢) " مستعان " ساقطة من (ش).
(٣) من قوله: " لزم كل عبد " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) ص ٢٣٦.
[ ٩ / ٣٧٤ ]
سببُ حُسنِ الرَّهَبِ، كما أن جُودَ الرَّبِّ وكرمه سببُ الطمعِ.
ولما كان النِّزاعُ بيننا وبين خصومنا ليس هو في تخويف الموحِّدِين، وإنما هو في حقِّهم في عدم الخُلُودِ، وعدم القٌنوطِ، لم نستكثر من إيراد الأدلة على أمرٍ مجمعٍ عليه، ولكن لا بد من إشارةٍ إلى ما يَكُفُّ (١) الواقف على ما تقدم عن الاسترسال الذي هو عملُ الجُهَّال، بل من عادة الضُّلاَّل، وما يسترسِلُ في المعاصي لأجل أحاديث الرجاء إلاَّ من سبق في علم الله أنه كذلك لو لم يسمعها، لأنها لو كانت في علمه منشأ للمفسَدَة بكلِّ حالٍ، لعصم رسولَهُ - ﷺ - من الخبر بها إن لم يكتمها عنه، ولعصمَ خيرَ أمَّةٍ أُخرِجَتْ للناس من نشرها (٢) ولكنه كما أجاب به - ﷺ - حين قالوا عند سماع أخبار القدر: أفلا نتِّكلُ على كتابنا؟ فقال ﵇: " اعمَلُوا، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له " (٣)، وكما قال تعالى في الشياطين: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٢ - ١٦٣].
وقد بشَّرَ الله تعالى على لسان النبي - ﷺ - بالجنة غير واحدٍ من أهله وأصحابه وأُمَّتِه، وعيَّنهم بأسمائهم، وعَلِمُوا بذلك، فما فجروا لذلك، ولا اتَّكُلوا، بل كانوا خيرَ الناس أعمالًا، وأحسنهم أحوالًا. منهم الخمسة ﵈، والعشرة ﵃، ومنهم زوجاته ﵅، ومنهم أهلُ بدرٍ، وغيرُهم، ومنهم أويسٌ القَرَني من التابعين، رضي الله عن الجميع، ولو كانت البِشَارات والرَّجاءُ مفاسدَ -ولا بد- لظهر الفساد من كل مُبَشَّرٍ بالجنة.
وقدِ اختلف أهل الإسلام في تغليب الخوف أو الرجاء، مع اتفاقهم على حُسنِهما، وهذا أمرٌ قريبٌ، وقد صح اختلاف الملائكة في حُكمِ الذي رَجَعَ إلى الله تعالى بعد قتل مئةِ نفسٍ، حتى أمر الله مَلَكًا بالحكم بينهم، فكان
_________________
(١) في (ش): " يكيف ".
(٢) في (ف): " تسييرها ".
(٣) تقدم تخريجه في الجزء السادس.
[ ٩ / ٣٧٥ ]
إيراد شيء يسير من الوعيد المختص بأهل الإسلام
الفَلَجُ (١) لملائكة الرحمة (٢) وكيف لا يكون لهم وإنَّما رحمتُهم جزءٌ يسيرٌ من رحمة الله العظمى الغالبة السابقة التي كتبها على نفسه، ووسِعَتْ كلَّ شيْءٍ على حدِّ سَعَةِ عِلْمِه الذي لا يُتَصوَّرُ بشيْءٍ أوسع منه.
وفي حديث خصومة الملائكة ﵈ في هذه المسألة الكبرى مأخذٌ حسنٌ في حَمْلِ الفريقين على السلامة، وترجيح جانب الرحمة، ورجاء نجاة الجميع برحمة الله، فإن الوعيدية إنما شدَّدوا على العُصاة غَضبًا لله تعالى ﷿، وخَوْفًا من مفاسد الأمان، كما فعلت ملائكة العذاب. وأهل الرجاء إنما قصدوا عدم القُنوطِ من رحمة الله لسَعَتها، وتمدُّحه بذلك، وعظيم غناه، وخوفًا من مفاسد القُنوط، وتكذيب البُشرى، لا ترك الخوف والترخيص في المعاصي (٣)، فلما لم يعنِّف أحدًا من الطائفتين المختلفتين في ذلك من الملائكة، رَجَوْنا مثل ذلك في حقِّنا إن شاء الله تعالى.
فإذا عرفت هذا، فلنقتَصِر على إيراد شَيْءٍ يسيرٍ من الوعيد المختصِّ بأهلِ الإسلام من الآيات والأخبار الصحيحة عنه ﵇.
فمِنْ ذلك: قوله تعالى فيمن أثنى عليهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٧ - ٢٨].
وقوله تعالى في خطاب المؤمنين: ﴿واتَّقُوا النَّار التي أُعِدَّت للكافرينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقوله فيهم خاصةً في آية الرِّبا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ من الله ورسولِه﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ولعلَّه أشدُّ وعيدٍ قُوبِلَ به أهل الإيمان، وهي فيهم في لفظها، وفي أسباب النُّزول. وفي الحديث الصحيح أن أكل الربا من المُوبِقَاتِ (٤).
وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "درهم
_________________
(١) الفوز والظَّفر.
(٢) انظر ١/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٣) من قوله: " من ﵀ " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) انظر ص ٩٣ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٣٧٦ ]
ربا يأكلُهُ العبد وهو يعلم أشدُّ مِنْ ستٍّ وثلاثين زنيةً". رواه أحمد في " المسند " (١)، ولم يذكره ابن الجوزيِّ في " جامعه "، لكن ذكره ابن تيمية في
_________________
(١) ٥/ ٢٢٥ عن حسين بن محمد، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية ". رواه الدارقطني في " سننه " ٣/ ١٦ من طريق الحسين بن محمد بهذا الإسناد. قلت: ورواه أحمد ٥/ ٢٢٥ عن وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مُليكة، عن عبد الله بن حنظلة بن راهب، عن كعب قوله قال الدارقطني بعد أن أخرجه من طريق الفريايي عن سفيان بهذا الإسناد: وهذا أصح من المرفوع. وقال ابن أبي حاتم في " العلل " ١/ ٣٨٧: سألت أبي عن حديث رواه زيد بن الحباب، عن عمران بن أنس قال: سمعت ابن أبي مُليكة يقول: سمعت عائشة تقول: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الدرهم من ربا أعظم عند الله من سبع وثلاثين زنية ". قال أبي: هذا خطأ رواه الثوري وغيره عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مُليكة، عن عبد الله بن حنظلة عن كعب قوله. ورواه الدارقطني ٣/ ١٦، والطبراني في " الأوسط " (٢٧٠٣) من طريق عبد الله بن عمرو، عن ليث بن أبي سُليم، عن عبد الله بن أبي مُليكة عن عبد الله بن حنظلة رفعه. وليث ضعيف. قلت: والوقف هو الصواب كما قال الدارقطني وأبو حاتم، وقول من قال ممن ينتحل صناعة الحديث في عصرنا: وهذا الموقوف في حكم الرفع، لأنه لا يقال بمجرد الرأي قول ساقط لا وزن له، لأن أهل العلم قيدوا ذلك بأن يكون الواقف من الصحابة، وأن لا يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، وكلاهما منتفيان في هذا الحديث، فإن كعب الأحبار قد أسلم بعد وفاة النبي - ﷺ -، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ﵁، فجالس أصحاب محمد - ﷺ -، وحدثهم بأخبار كثيرة متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صُحَفِهِم، وقد قال فيه معاوية ﵁ كما في " صحيح البخاري " في الاعتصام: باب قول النبي - ﷺ -: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يُحَدِّثُونَ عن أهل الكتاب، وإنْ كُنَّا لنبلو مع ذلك عليه الكذب. وقد صح عن عمر ﵁ كما في " تاريخ " أبي زرعة الدمشقي ١/ ٥٤٤ أنه قال له: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة، وأخطأ من زعم =
[ ٩ / ٣٧٧ ]
" المُنتقى "، وهو ثقةٌ عارفٌ بصيرٌ بالمُسند، فأكل الرِّبا المعلوم من المغلَّظاتِ المُوبِقَاتِ، وفيه يقول الله في آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير﴾، إلى قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد﴾ [آل عمران: ٢٨ - ٣٠]. وفي هذه الآية وعيدٌ شديدٌ من وجهٍ، وذلك أن الرؤوف بالعباد لا يُعاقِبُ إلاَّ حيث عَلِمَ أن العقوبة أرجحُ من العفو لِمَا اشتملت عليه من المصالح التي استأثر بعلمها، لا سيما العقوبات الدنيوية كالحدود والقِصاص، لذلك قال الله تعالى: ﴿ولكم في القِصَاصِ حَياةٌ يا أُولي الألبابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وما أحسن قول العلامة ابن عقيلٍ: لا تأمَنْ عقوبة من أوجب قطع اليد في رُبع دينارٍ. ومن ها هنا قال الله تعالى: ﴿ولا تأخُذُكُمْ بِهِما رأفةٌ في دين الله﴾ [النور: ٢]. ولذلك صح أنها كفَّاراتٌ، وقد تقدم ما ورد من تعجيل عقوبة المؤمن في الدنيا بالبلاوي والأمراض، وأنواع المصائبِ.
ولا شك أن الحامل على المعصية محبَّةُ اللَّذَّة، وإدخالُ المَسرَّةِ العاجلة عليها. فإذا تقرر عند العارِفِ أنه مُعَاقَب عليها في الدنيا قبل الآخرة، ما ضر من صبر عن المعصية، حمى نفسه من المعاصي كما يحتمي العليلُ المجرِّبُ للمضَرَّةِ العظيمة في تناول كثير من الطَّيِّبات، وما أحسن قول بعضهم:
_________________
(١) = أنه خرج له البخاري ومسلم، فإنهما لم يسندا من طريقه شيئًا من الحديث وإنما جرى ذكره في " الصحيحين " عرضًا، وليس يُؤثر عن أحد من المتقدمين توثيقه إلاَّ أن بعض الصحابة أثنى عليه بالعلم. قلت وقد رد الإمام ابن الجوزي هذا الحديث في " الموضوعات " ٢/ ٢٤٨ من جهة متنه أيضًا، فقال بعد أن أعله بالوقف على كعب: واعلم أن مما يرد صحته أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنى يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل نعمة لا تتعدى ارتكاب نهي، فلا وجه لصحة هذا.
[ ٩ / ٣٧٨ ]
ذكر فوائد في قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَته لا مرحبًا بسُرُورٍ جاء بالضَّرر
وقد تقدم أن في هذا نزل قوله تعالى: ﴿من يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به﴾ [النساء: ١٢٣]، وقوله: ﴿ومن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. وكانت البشرى النبوية هي في تقديم عُقوبة المؤمن بما يلقاه في دنياه، فصارت عقوبات الدنيا من أماراتِ الذُّنوب. وفي " العوارف " (١) أن بعض الصالحين وجد بعض متاعه قد أكله الفأر، فأنشد بيت الحماسة متمثلًا:
لو كنتُ من مازنٍ لم تَستَبِحْ إبلي بنو اللَّقِيطَةِ من ذُهْلِ ابنِ شيبانا
أي: لو كنت من الصالحين ما سطا عليَّ هذا الفأرُ.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وفيها فوائد:
الأولى: أنه قصرَ الخشية على العُلماء، فلا تُوجَدُ في غيرهم، ولم يقصُرهُم على الخشية حتَّى لا يوجد فيهم غيرها من الرجاء، وسائر العقائد والأخلاق، وإنما خصَّ الخشية بالذكر هنا وحدها دون الرجاء وغيره، لأن الذي قبل الآية ذكر الكفر والتكذيب للرسل، إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الذين كفروا فكيف كان نكير﴾ [فاطر. ٢٦]. وهذا تخويفٌ شديدٌ، فلما كان لا تُؤثِّر خشيةٌ في قلوب الجاحدين، أخبر الله أنه لا يخشاه الخشية (٢) النافعة، أو المطلقة إلاَّ من لم يَكْفُر به، وبالمرجِع إليه، وكان عالمًا بالله وبدار الآخرة فذِكْرُ هذا هو المناسب لهذا المقام.
الفائدة الثانية: أن الله ذكر بعد ذلك ما يُوجِبُ الرجاء من قوله: ﴿إن الله
_________________
(١) ص ١٠٠، والبيت لقريط بن أنيف العنبري من قصيدة أوردها أبو تمام في أول الحماسة، وبعده: إذن لقام بنصري معشرٌ خُشُنٌ عند الحفيظة إن ذو لوثةٍ لانا
(٢) من قوله: " بالذكر " إلى هنا ساقطة من (ش).
[ ٩ / ٣٧٩ ]
عزيزٌ غفورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، ثم قوله: ﴿يَرْجُونَ تجارةً لن تبورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، ثم قوله: ﴿إنه غفورٌ شكورٌ﴾ [فاطر: ٣٠].
ثم ذكر آية الرجاء الكبرى في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِه ..﴾ [فاطر: ٣٢]، إلى آخرها، كما تقدم في موضعه.
الفائدة الثالثة: أن الرجاء والخوفَ من المختلفات التي يمكن اجتماعها، لا من المتضادَّات التي يستحيل اجتماعها، وبذلك قد يجتمعان في الآية الواحدة، كقوله: ﴿يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمة ربه﴾ [الزمر: ٩]، فهما كالصلاة والزكاة، لا كالإيمان والكفر، والصوم والفِطر، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ..﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾ [المائدة: ٩٤]، وفيه تحذير من التَّمكن من المعاصي، وبيان أنه
للامتحان.
وأما قوله تعالى في " الأنعام " [١٥]: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ ربِّي عذاب يوم عظيم﴾، فالظاهرُ أنها كقوله: ﴿لَئِنْ أشرَكْتَ ليحبطنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، أي: لئن عصيتُ ربي بما لا يَغْفِرُ لي، وهو ﵇ معصومٌ عن (١) ذلك، وكذلك قوله: ﴿إذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الاسراء: ٧٥]، خرج مخرج: ﴿لئن أشركتَ﴾ بغير شَكٍّ، وإنما المراد تخويف المؤمنين من ارتكاب المعاصي، والتحكم والتَّألِّي على الله في مغفرته، وإنما يغفر سبحانه لمن يشاء لا حكم لعبدٍ من عباده عليه.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ [الأنعام: ٥١]. وقد تقدم ما فيها من
_________________
(١) في (د) و(ف): " من ".
[ ٩ / ٣٨٠ ]
آيات الشفاعة من أن معناها تنزيهُ المؤمنين مما ثبت ذمُّ المشركين به من اتخاذِ شركائهم -في زعمهم- شركاء لله وشفعاء إليه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥].
وقد ثبت في الأحاديث أن رسول الله - ﷺ - أخبر عن الخَصلتين الأولتين، ولم يُجَبْ في الثالثة (١)، وأثها عقوبة هذه الأمة، فليحذرها المؤمن، فإن ترك الذنوب أهون منها بكثيرٍ، وقد قيل في الأمثال:
حنانَيك بعضُ الشَّرِّ أهونُ مِنْ بعضِ
فكيف يبدل الخير بالشر، واختيار النور على الظلمات، وكم بين أُنسِ الطاعة ووحشة المعصية.
ومن ذلك قوله تعالى في [الأنفال: ١٦]: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾.
وهذا أشدُّ وعيدٍ علمتُه للمؤمنين. وقد قال الحسن البصري: إنه مختصٌّ
_________________
(١) أخرج ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٢٠، وأحمد ١/ ١٨١ - ١٨٢، ومسلم (٢٨٩٠) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: " سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة، سألتُ ربي أن لا يُهلك أمتي بالسَّنَة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها ". وأخرجه بنحوه أحمد ٥/ ١٠٩، والترمذي (٢١٧٥)، والنسائي ٣/ ٢١٦ - ٢١٧ من حديث خباب. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٧٨ و٢٨٤، ومسلم (٢٨٨٩)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦)، وابن حبان (٤٥٥١) و(٦٧١٤) و(٧٢٣٨) من حديث ثوبان.
[ ٩ / ٣٨١ ]
بمن فرَّ يومَ بدرٍ (١)، لقوله تعالى: ﴿يَومئذٍ﴾ ويقدم في ذلك حديثٌ مرفوعٌ من حديث أبي سعيد. رواه أبو داود والنسائي، والحاكم، وقال: صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، ولفظه: أنها نزلت فينا أهل (٢) بدر (٣)، وفي حديث أبي هريرة عدَّها في السبع الموبقات. متفق على صحته (٤).
ومع عدم القطع، فمجرد الاحتمال يثيرُ الخوف، كما أن مجرَّدَهُ يثيرُ الرجاء، ولكن وازعُ (٥) الخوف أقوى من روح الرَّجاء، لأن المرجُوَّ لو فات، لم يتضرر الراجي بمجرد فوت منفعته، والمرجُوُّ إذا حصل، كان مجرد زيادة لَذَّةٍ، وأما الخوف، فإنه -على تقدير وقوعه- أمرٌ فظيعٌ، يهونُ في الاحتراز منه بَذْلُ الروح في كل ساعة، كيف إلاَّ أدنى صَبْرٍ، فما كلَّفَ الله عسيرًا ولا حرجًا، فله الحمد، وله الشكر، وله الثناء.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥] الآيات.
وفيها: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُم﴾ [الأنفال: ٤٦]، وهذا من العقوبة العاجلة.
ومن التوبة [١٣]: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾، وفيها: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨].
ففيهما نصَّ على أن الله أحقُّ أن يُخشى، بل على أنه هو الذي لا يستحق
_________________
(١) انظر ص ٩٥ من هذا الجزء.
(٢) في (ف): " يوم ".
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٤٨)، والنسائي في " السنن الكبرى "، والحاكم ٢/ ٣٢٧.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) في (ف): " قارع ".
[ ٩ / ٣٨٢ ]
الخشيةَ سواه، لأنه القادِرُ الذي لا مُعَقِّب لحكمه، ولا رادَّ لأمره، فكيف يُقال: إن رجاءَه يمنعُ من خوفه، أو إن مذهب الحقِّ عدمُ خوفه، بل العلم بكمال قُدرته، ونفوذ إرادته هو من خواصِّ عقائد السنة، وبه يتم قصر الخوف على الله دون غيره، ولذلك قال ابن عباس: القدرُ نظام التَّوحيد.
ومن سورة هود [١١٣]: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. قال أبو حيان في " غريب القرآن " له أي: لا تطمئنوا. وهو حسنٌ. فإنه العرفُ في الرُّكُونِ، والزمخشري ذكرَ أصل الوضع اللغوي، والتفسير بالعُرْفِ أقوى، كالدَّابَّةِ والصلاة ونحو ذلك، وذكر الإمام المهدي محمد بن المطهِّر: أن الموالاة المجمع عليها: حبُّ الظالم لأجل ظلمه.
قلت: ولذلك عُفِيَ عن حاطبٍ، وقَبِلَ النبي - ﷺ - عُذْرَهُ، واللهُ أعلمُ.
ومن الأحزاب [٣٠] قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. فهذا وعيد شديد، وأرجو أن يكون هو وأمثاله مما خُوطِبَ به أهل الصلاح من قبيل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
ومنه حديث: " لو سرقت فاطمةُ بنتُ محمدٍ، لقطعتُ يدها " (١). ولكنه لا يمنع الخوف، لاحتماله، والمخوفُ عظيمٌ، لا يخاطِرُ حازمٌ في أدنى أدنى أدنى منه.
ومن " الشورى " [٣٠]: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ وتقدم حديث عليٍّ ﵇ في تفسيرها، وهو وإن كان ميسَّرًا في الآخرة، فإنها وعيدٌ عظيمٌ في العاجل، وخوف العاجل أنفع لكثيرٍ من
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة البخاري (٣٤٧٥) و(٦٧٨٧) و(٦٧٨٨)، ومسلم (١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذي (١٤٣٠)، وابن ماجه (٢٥٤٧)، وابن حبان (٤٤٠٢).
[ ٩ / ٣٨٣ ]
النُّفوس ويُناسبها بعدها بيسير قوله تعالى في الفُلك: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤].
ومن " الحجرات [٢]: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُون﴾. وقد تقدم الكلام فيها، وقول النبي - ﷺ -: " اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك أن أكتسب خطيئةً محبطةً " (١).
وفي البخاري: " من ترك صلاة العصر، فقد حَبِطَ عملُه " (٢).
وقوله: ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ وعيدٌ شديدٌ، والجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ [آل عمران: ١٣٥]. أن المراد: وأنتم لا تشعرون بالذنب محبط عملكم بكونه ذنبًا، وقوله: ﴿وهم يعلمون﴾ يعني: بقُبْحِ الذنب الذي أصرُّوا عليه، فالجاهل لقبح الذنب فيما يُجهلُ مثله معذورٌ، بخلاف من علم الذنب وجَهِلَ الإحباط.
ومنها قوله تعالى في التَّنابُزِ بالألقاب واللَّمز: ﴿ومن لم يَتُبْ فأولئك هم الظالمون﴾ [الحجرات: ١١]، ثم تحريمُ الغيبة، وظنِّ السوء، والتَّجسُّسِ، والسُّخرية، وهذه أمَّهاتُ التَّعادي والتَّفرُّق المحرم في كتاب الله تعالى.
وفي " الممتحنة " التَّشديد في المُوالاة. وتقدم القول فيه. وفي قوله فيها: ﴿حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: ٤]، رخصةٌ في محبَّةِ عُصاة المسلمين لأجل الإسلام، أو خصال خير فيهم.
ومن " الصَّفِّ " [٣]: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تفعلون﴾.
_________________
(١) تقدم ص ٧٦ من هذا الجزء.
(٢) تقدم تخريجه ص ٧٨.
[ ٩ / ٣٨٤ ]
ومن " التحريم " [٦ - ٨]: ﴿قُوا أنْفُسَكُم وأهْليكُم ﴾، إلى قوله: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ وفي التفسير: هي أن لا يعود رواه (١).
وفي سورة " نون ": قصةً أصحابِ الجنة، وقوله تعالى: ﴿كذلك العذابُ﴾ [القلم: ٣٣].
ومن " الزلزلة " [٨]: ﴿ومَنْ يَعْمَلْ مثقال ذَرَّةٍ شَرًِّا يَرَهُ﴾ وتقدم تفسيره.
فهذا ما يخصُّ المؤمنين بلا نزاعٍ من وعيد القرآن الكريم أو أكثره، وهو نيِّفٌ وعشرون آية، إن فات شيءٌ فهو اليسير.
وأما العُموماتُ التي يُمكن أنها نزلت في المشركين، والتي نزلت فيهم في أسباب النزول، والتي يدلُّ سياق الكلام على أنها فيهم من قبلُ ومِنْ بعدُ، فلم أتعرَّض لذكرها، وإن كان كثيرٌ مِنها مخوُفًا، لأني قصدتُ إيرادَ أكثر الآيات زجرًا، وردعًا، وتخويفًا، ونفعًا.
ومن السنة في التَّخويف أحاديثُ كثيرةٌ، نقتصر منها على قدرِ ثلاثينَ حديثًا، وقد تخيَّرت منها ما يكثُر به بلوى أهل العلم، والدِّين؛ لأنهم الذي يمكن وقوفُ بعضِهم على هذا الكتاب، والله الموفِّق للصواب.
_________________
(١) بياض في الأصول. وفي " الدر المنثور " ٨/ ٢٢٧: وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن منيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في " شعب الإيمان " عن النعمان بن بشير، أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن التوبة النصوح قال: أن يتوب الرجل من العمل السيىء، ثم لا يعود إليه أبدًا. أخرجه من حديث عمر موقوفًا هناد في " الزهد " (٩٠١)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٢٧٩، والطبري في " جامع البيان " ٢٨/ ١٦٧، وصححه الحاكم ٢/ ٤٩٥، ووافقه الذهبي. وأخرجه من حديث ابن مسعود مرفوعًا أحمد ١/ ٤٤٦، وضعفه الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٠، وابن كثير في " تفسيره " ٤/ ١٨، وقال: والموقوف أصح.
[ ٩ / ٣٨٥ ]
الحديث الأول: عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " إن العبد ليتكلَّمُ بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالًا، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في النار " رواه البخاري. وفي " الموطأ " نحوه. وفي رواية للبخاري ومسلم معًا: " إن العبد لتكلَّمُ بالكلمة ما يتبيَّنُ فيها، يَزِلُّ بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب ".
وفي رواية الترمذي: " إن الرَّجُل يتكلَّمُ بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار " (١).
الحديث الثاني: عن بلال بن الحارث المُزنيِّ، عن رسول الله - ﷺ -: " إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يَكتُبُ الله له بها رِضوانه إلى يوم القيامة، وإن كان الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتُبُ الله له بها سَخطَهُ إلى يوم القيامة ". رواه مالكٌ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢).
الحديث الثالث: عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " من تعلَّمَ صَرْفَ الكلام لِيَسبي به قُلوبَ الناس، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا ". رواه أبو داود، وسنده قوي (٣).
قال ابن الأثير في " النهاية " (٤)، أراد ما يتكلَّفُه الإنسانُ في الحديث من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٧٧) و(٦٤٧٨)، ومسلم (٢٩٨٨)، وأحمد ٢/ ٣٣٤ و٣٥٥ و٣٧٨ - ٣٧٩ و٥٣٣، والترمذي (٢٣١٤)، وابن ماجه (٣٩٧٠)، وأخرجه مالك ٢/ ٩٨٥ - ٩٨٦ موقوفًا. وانظر تمام تخريج الحديث عند ابن حبان (٥٧٠٦) - (٥٧٠٨).
(٢) أخرجه مالك ٢/ ٩٨٥، والترمذي (٢٣١٩)، والنسائي في الرقاق من " الكبرى " كما في " التحفة " ٢/ ١٠٣ - ١٠٤، وابن ماجه (٣٩٦٩)، وصححه ابن حبان (٢٨٠) و(٢٨١) و(٢٨٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٠٣ من هذا الجزء.
(٤) ٣/ ٢٤.
[ ٩ / ٣٨٦ ]
الزِّيادة فيه على قدر الحاجة لما يدخله من الرِّياء والتَّصنُّع، ولما يُخالِطُه بن الكَذِبِ والتَّزيُّدِ. يقال: فلان لا يُحسنُ صَرْفَ الكلام، أي: فصل بعضه على بعض، وهو مِنْ صرف الدراهم وتفاضُلها. انتهى.
وقوله: ليسبيَ به قُلوبَ الناس: يخرج من الوعيد أهلُ المقاصد الصالحة في بيان المعارف العلميَّةِ، وتحسين الدقائق الوعظيَّة، ونحو ذلك.
الحديث الرابع: عن ابن مسعودٍ، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " هَلَكَ المُتنطِّعُونَ ". رواه مسلم، وأبو داود (١).
وعنه موقوفًا: " إن الرجل ليخرُجُ من بيتِه ومعه دينُه، ثم يرجِعُ وما معه شيءٌ ". رواه النسائي (٢).
الحديث الخامس: عن خارجة بن زيدٍ، عن أمِّ العلاء، امرأةٍ من الأنصار بايعتِ النبي - ﷺ - أن عثمان بن مظعون لمَّا تُوفِّي وغُسِّلَ وكُفِّنَ، دخل رسول الله - ﷺ -، فقلت: رحمةُ الله عليك يا أبا السَّائبِ، فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: " وما يُدريكِ أن الله أكرمَه؟ " الحديث. رواه البخاري (٣).
وكان عثمان بن مظعون من فُضلاء الصحابة وعُبَّادهم.
الحديث السادس: عن أنس، أن رجلًا على عهد رسول الله - ﷺ - تُوُفِّيَ، فقال رجلٌ آخرُ: أبشر بالجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: " ما يُدريك؟ لعلَّه تكلَّم بما لا يَعنيه، أو بَخِلَ بما لا يُغنيه ". رواه الترمذي (٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه ٣/ ١٨٦.
(٢) في المواعظ من " السنن الكبرى " كما في " التحفة " ٧/ ٦٣ وأخرجه أيضًا ابن المبارك في " الزهد " (٣٨٢)، والطبراني في " الكبير (٨٥٦٢) و(٨٥٦٣). وقال الهيثمي ٨/ ١١٨: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٥٦ من هذا الجزء.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٤١ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٣٨٧ ]
وروى الحاكم في تعبير الرؤيا من " المستدرك " (١) من حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى، عن عبد الرحمن بن حاطبٍ، قال: اجتمعَ نساءٌ من نساء المؤمنين عند عائشة، فقالت امرأةٌ منهن: والله لا يُعذِّبُني الله أبدًا، إنما بايعتُ رسول الله - ﷺ - على أن لا أُشرِكَ بالله شيئًا، ولا أسرق، ولا أزني، ولا أقتل ولدي، ولا آتي ببُهتانٍ أفتريه بين يديَّ ورجليَّ، ولا أعصيه في معروفٍ. وقد وفَّيت، فأُتِيَتْ في منامها، فقيل لها: أنت المتألِّيَةُ على الله تعالى؟ فكيف بقولك فيما لا يَعنيكِ ومنعكِ ما لا يغنيك؟ فرجعت إلى عائشة فأخبرتها، وتابت إلى الله تعالى.
وروى البخاري عن أنسٍ أنه قال: إنَّكم لتعمَلُونَ أعمالًا هي في أعيُنِكُم أدقُّ من الشَّعر، كُنَّا نعدُّها على عهد رسول الله - ﷺ - مِنَ المُوبِقاتِ (٢).
وخرَّج الحاكم في " التوبة " (٣) عن عُبَادة من كتاب الصحابة مثل ذلك، وقال: صحيح الإسناد.
وخرَّج البخاري (٤) عن ابن عمر ما يفسِّرُ هذين الأثرين، وذلك أن أُناسًا سألوا عبد الله بن عمر، فقالوا إنا ندخُل على سُلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عندهم، فقال ابن عمر: كنا نعدُّ هذا نفاقًا على عهدِ رسول الله - ﷺ -.
ورواه النواوي عن ابن عمر في " رياض الصالحين " في الباب الثمانين بعدَ المئة، وعزاه إلى البخاري.
_________________
(١) ٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥. وفي سنده مسعدة بن اليسع الباهلي، قال الذهبي في " الميزان " ٤/ ٩٨: هالك، كذبه أبو داود، وقال أحمد: خرقنا حديثه منذ دهر.
(٢) تقدم تخريجه ٣/ ٢٩٢.
(٣) ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢، وقد تقدم الحديث ٣/ ٢٩٢.
(٤) برقم (٧١٧٨)، وقد تقدم ٣/ ٢٩١.
[ ٩ / ٣٨٨ ]
وفي " مسند أحمد " (١)، عن حُذيفة: إن كان الرجُلُ ليتكلَّمُ بالكلمة على عهدِ رسول الله - ﷺ - فيصير بها مُنافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في المَجْلس عشر مرَّاتٍ.
الحديث السابع: عن ابن مسعود، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " الجنة أقربُ إلى أحدكم من شِراكِ نَعْلِه، والنار مثل ذلك ". رواه البخاري في " الرِّقاق " (٢).
الحديث الثامن: عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله - ﷺ - " كيف أنعمُ وصاحبُ القَرْنِ قدِ التقمَ القَرْنَ، وحنى جبهتَه يستمعُ متى يُؤْمَرُ، فينفُخ؟ " فقال أصحابُ محمدٍ: كيف نقولُ؟ قال: " قولوا: حسبُنا الله ونِعْمَ الوكيل. على الله توكلنا ". رواه أحمد وغيرُه، وهو الرابع والأربعون بعد الأربعئمة (٣).
الحديث التاسع: عن أبي أسماءَ أنه دخلَ على أبي ذرٍّ وهو بالرَّبَذَةِ، وعنده امرأة له سوداءُ مُشَعَّثةٌ (٤)، ليس عليها أثر المجاسد ولا الخَلُوقِ، فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمُرني به هذه السُّويداء؟! تأمرُني أن آتي العِراقَ، فإذا أتيتُ
_________________
(١) ٥/ ٣٨٦ و٣٩٠. وأورده الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٢٩٧، وقال: فيه أبو الرقاد، ولم أعرفه. قلت: ذكره البخاري في " الكنى " ص ٣٠، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٣٧٠، ولم يحكيا فيه شيئًا.
(٢) برقم (٦٤٨٨).
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٣٢٦، وابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " ٤/ ٤٧١، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٣١ و١٠/ ٣٣١، وقال: فيه عطية العوفي، وهو ضعيف. وقال الحافظ ابن كثير: هذا حديث جيد. وأخرجه أحمد ٣/ ٧ من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه أحمد ٤/ ٣٧٤، والطبراني في " الكبير " (٥٠٧٢) من طريق عطية العوفي، عن زيد بن أرقم، وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٣٠: رواه أحمد والطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف فيهم.
(٤) في " المسند ": " مسغبة ".
[ ٩ / ٣٨٩ ]
العراق مالوا عليَّ بدنياهم، وإنَّ خليلي - ﷺ - عَهِدَ إليَّ أنَّ دون جسر جهنم طريقًا ذا دَحَضٍ، وإنا أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدارٌ، أحرى أن نَنجُوَ، عن أن نأتِيَ عليه ونحنُ مواقير. رواه أحمد (١)، وهو الحديث التاسع والسبعون من مسند أبي ذر في الجامع.
الحديث العاشر: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه حدَّث عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " من سَمَّعَ بعلمه، سمَّعَ الله به سامِعَ خَلْقِه، وصغَّره وحقَّره " فذرفَت عينا عبد الله. رواه أحمد (٢) وهو الحديث السادس والسبعون من مسنده في " الجامع "، وليس فيه إلاَّ جهالة الراوي عن عبد الله، وهو تابعيٌّ، مجهولُهم مقبولٌ عند كثيرٍ من أهل العلم في الأحكام، كيف المواعظ. ورواه الطبراني، وسمَّى الرَّجُلَ خيثمة، هو ابن عبد الرحمن (٣).
قال الهيثمي (٤): فبهذا الاعتبار رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني في " الكبير " رجال الصحيح.
الحديث الحادي عشر: عنه، عن رسول الله - ﷺ -: " لا يدخُلُ الجنة إنسانٌ في قلبه مثقال حبَّةِ خردلٍ من كِبْرٍ ". رواه أحمد (٥). والكِبر: بطرُ الحَق وغَمْصُ الناس " (٦)، كما ورد مرفوعًا، وليس منه محبَّةُ الجمال في الثِّياب، والهيئة، ولكنه قد يكون وسيلةً إلى الكِبْرِ مع الجهل أو الغفلة، ولذلك رُوِي عنه - ﷺ - أنه
_________________
(١) ٥/ ١٥٩. وإسناده صحيح.
(٢) ٢/ ١٦٢ و١٩٥ و٢١٢. وأخرجه أيضًا ابن المبارك في " الزهد " (١٤١)، والقضاعي (٤٨٢) و(٤٨٣)، والبغوي (٤١٣٨).
(٣) وأخرجه من طريق خيثمة عن عبد الله أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ١٢٣ - ١٢٤ و٥/ ٩٩.
(٤) في " المجمع " ١٠/ ٢٢٢، وقال الحافظ المنذري في " الترغب والترهيب " ١/ ٦٥: رواه الطبراني في " الكبير " بأسانيد أحدها صحيح، والبيهقي.
(٥) تقدم تخريجه ٢/ ١٢٩ وفي الجزء الرابع.
(٦) تقدم تخريجه ٢/ ١٢٩.
[ ٩ / ٣٩٠ ]
قال: " مَنْ ترك لُبْسَ ثوبِ جمالٍ وهو يقدر عليه تواضعًا لله، كساه الله من حُلَّةِ الكرامة ". رواه أبو داود (١) عن رجل من أبناء الصحابة عن أبيه عنه - ﷺ -.
الحديث الثاني عشر: عنه، عن رسول الله - ﷺ -: " عمل الجنة الصِّدق: إذا صدَق برَّ، وإذا برَّ آمن، وإذا آمن، دخل الجنة، وعملُ النار الكذب: إذا كذبَ فجرَ، وإذا فجرَ، كفر، وإذا كفرَ، دخل النار ". رواه أحمد (٢)، وهو التاسع والثلاثون بعد المئة من مسنده في " الجامع ".
وفيه متمسَّكٌ في (٣) خوف الذنوب أن تَجُرَّ إلى الكفر، ولا سيما للمرجئة، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه﴾ [الروم: ١٠].
الحديث الثالث عشر: عنه، عن رسول الله - ﷺ -: " يغفِرُ الله ليلة النصف من شعبان إلاَّ لاثنين: مُشاحِنٍ، وقاتلِ نفسٍ " رواه أحمد (٤). وهو الرابع عشر من مسنده.
_________________
(١) برقم (٤٧٧٨). وأخرجه من حديث سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه أحمد ٣/ ٤٣٨ و٤٣٩، والترمذي (٢٤٨١)، وحسنه، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٣٨٦) - (٣٨٨)، والحاكم ١/ ٦١ و٤/ ١٨٣ - ١٨٤، وصححه في الموضع الثاني، ووافقه الذهبي.
(٢) ٢/ ١٧٦، وفيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، لكن يشهد له حديث ابن مسعود: " عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتَّى يُكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب، حتى يُكتب عند الله كذّابًا ". أخرجه أحمد ١/ ٣٩٣ و٤٣٩، والبخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧)، وأبو داود (٤٩٨٩)، والترمذي (١٩٧٢)، وابن حبان (٢٧٢) - (٢٧٤).
(٣) في (ش): " من ".
(٤) ٢/ ١٧٦ من حديث عبد الله بن عمرو. قال الهيثمي ٨/ ٦٥: فيه ابن لهيعة، وهو لين الحديث، وبقية رجاله وثقوا. وأخرجه من حديث معاذ بن جبل ابن أبي عاصم في " السنة " (٥١٢)، والطبراني في =
[ ٩ / ٣٩١ ]
وفي هذا تخويفٌ عظيمٌ من المُشاحَنَةِ، وفيها أخبارٌ كثيرةٌ، وإنَّما اخترتُ هذا، لما فيه من المُقارنَةِ بين الشَّحناء وقتل النفس.
ويشهد لهذا ما رواه الحاكم (١) من حديث الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن ابن مسعودٍ، يرفعُه إلى رسُولِ الله - ﷺ -، قال: " لو أنَّ رجُلَيْن دخلا في الإسلام، فاهتجرا، كان أحدُهما خارجًا مِنَ الإسلام حتَّى يرجِعَ الظُّالِمُ " قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. انتهى.
وأحسنه كما جاء في كفرٍ دون كفر، ومنه: " المسلم من سلم المسلمون من يدهِ ولِسانِه " (٢). وفي " سنن أبي داود " (٣) بإسناد صحيحٍ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " هَجْرُ المسلم سنةً كسَفْكِ دمِهِ ". ذكره ابن الأثير في الصُّحبة من حرف الصاد في " جامعه " (٤).
الحديث الرابع عشر: عنه، عنِ النبي - ﷺ - أنه قال: " أكثرُ مُنافقي أمَّتي قُرَّاؤُها ". رواه أحمد (٥)، وهو الثالث والعشرون بعد المئة.
_________________
(١) = " الكبير ٢٠/ (٢١٥)، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١٩١ بلفظ: " إلاَّ لمشرك أو مشاحن " وصححه ابن حبان (٥٦٦٥). وفي الباب عن أبي موسى، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشني، وأبي بكر، وعوف بن مالك، وعائشة. انظر تخريجها في " صحيح ابن حبان " ١٢/ (٥٦٦٥).
(٢) ١/ ٢١ - ٢٢. ورواه أيضًا البزار (٢٠٥٠). وقال الهيثمي ٨/ ٦٦: ورجاله رجال الصحيح.
(٣) تقدم تخريجه ٢/ ٤٣٩.
(٤) برقم (٤٩١٥) من حديث أبي خراش السلمي. وأخرجه أيضًا أحمد ٤/ ٢٢٠، والبخاري في " الأدب المفرد " (٤٠٤) و(٤٠٥)، والدولابي في " الكنى " ١/ ٢٦، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٧٧٩) - (٧٨٢)، وصححه الحاكم ٤/ ٣٢٠، ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " ٢/ ٢٢٣.
(٥) ٦/ ٦٤٧.
(٦) ٢/ ١٧٥ من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرجه أيضًا ابن المبارك في " الزهد " =
[ ٩ / ٣٩٢ ]
الحديث الخامس عشر: عنه، عن النبي - ﷺ -: " يُحشَرُ المتكبِّرُون يومَ القيامة أمثال الذَّرِّ في صُوَرِ الناس، يعلوهُم كل شيءٍ من الصِّغار، حتى يدخلوا سِجنًا في جهنَّم يقال له: بولس، تعلُوهم نارُ الأنيار، يُسْقَونَ من طينة الخبَال: عُصارة أهل النار ". رواه أحمد (١)، وهو السابع والسبعون بعد المئة.
الحديث السادس عشر: عنه، عن النبي - ﷺ -: " إن أكثر أهل النار الأغنياء والنِّساء ". رواه أحمد (٢)، وهو التاسع والسبعون بعد المئة.
الحديث السابع عشر: عن حُذيفة قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " لا يدخُلُ الجنة قَتَّاتٌ " رواه البخاري ومسلم، والقتات: النمَّامُ، وفي رواية مسلم: قيل لحذيفة: إنَّ فُلانًا يرفَعُ الحديث إلى الأمير، فقال له حذيفةُ: سمعتُه - ﷺ - يقول: " لا يدخُلُ الجَنَّةَ قَتَّات " (٣).
الحديث الثامن عشر: عن جابرٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: " الغِيبةُ أشدُّ من الزِّنى ". رواه الطبراني (٤).
_________________
(١) = (٤٥١)، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (٦١٣)، وابن أبي شيبة ١٣/ ٢٢٨، والفريابي في " صفات المنافق " (٣٦) و(٣٧). وهو حديث صحيح.
(٢) ٢/ ١٧٩ من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه ابن المبارك كما في " زوائد الزهد " (١٩١)، ومن طريقه الترمذي (٢٤٩٢)، وحسنه.
(٣) ٢/ ١٧٣، وفيه شريك القاضي، وهو سيىء الحفظ، ومع ذلك فقد جوّد إسناده الحافظ الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٢٦١. وأخرجه دون ذكر الأغنياء البخاري (٣٢٤١)، والترمذي (٢٦٠٥) من حديث عمران بن حصين وابن عباس، ومسلم (٢٧٣٧) من حديث ابن عباس وحده.
(٤) رواه البخاري (٦٠٥٦)، وفي " الأدب المفرد " (٣٢٢)، ومسلم (١٠٥)، وأحمد ٥/ ٣٩٧ و٤٠٢، وأبو داود (٤٨٧١)، والترمذي (٢٠٢٦)، وابن حبان (٥٧٦٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) في " الأوسط " عن جابر وأبي سعيد معًا كما في " المجمع " ٨/ ٩١ - ٩٢، وقال: فيه عبد الوهّاب الثقفي، وهو متروك. قلت: وأخرجه ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ١٦٨.
[ ٩ / ٣٩٣ ]
الحديث التاسع عشر: عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عنه - ﷺ - مثله. رواه الطبراني (١).
الحديث الموافي عشرين حديثًا: عن سعيد بن زيدٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: " إنَّ مِنْ أربى الرِّبى الاستطالة في عِرْضِ المسلم بغير حقٍّ ". رواه أبو داود (٢).
وله في " مجمع الزوائد " (٣) شواهد أحدها من رجال الصحيح، رواه أبو يعلى (٤) وهو الحادي والعشرون.
ومنها ما رجاله ثقاتُ، وإن لم يخرِّج حديثهُم في الصحيح (٥).
وهو الثاني والعشرون.
ومنها ما خرج للاستشهاد وهو الثالث والعشرون (٦).
وبعضها عند البزار.
وذكر الهيثمي لهذا الحديث مع حديث: " الغيبة أشدُّ من الزِّنى " يدلُّ على أنه أزنى من الزِّنا -بالزاي- إن كان بالرَّاء، فهو أغلظُ، كما تقدم مِنْ حديث " أكلُ درهمِ ربًا معلومٍ أعظمُ عند الله من سبعين زنية " (٧).
_________________
(١) هو الحديث السابق.
(٢) برقم (٤٨٨١)، وأخرجه أيضًا أحمد ١/ ١٩٠، وهو حديث صحيح.
(٣) ٨/ ٩٢.
(٤) من حديث عائشة، وليس هو في المطبوع من " مسنده ".
(٥) أخرجه البزار (٣٥٦٩) و(٣٥٧٠) من حديث أبي هريرة. قال الهيثمي في " المجمع " ٨/ ٩٢: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير محمد بن أبي نعيم، وهو ثقة وفيه ضعف.
(٦) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام. قال الهيثمي ٨/ ٩٢: رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخه محمد بن موسى الأيلي، عن عمرو بن حييى الأيلي، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.
(٧) تقدم ص ٣٧٧ من هذا الجزء.
[ ٩ / ٣٩٤ ]
الحديث الرابع والعشرون: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من سُئِلَ عن عِلمٍ يعلمُه وكتمَهُ أُلْجِمَ بِلجامٍ من نارٍ ". رواه أبو داود والترمذي واللفظ له (١).
وذكر بعض أهل العلم أن هذا الوعيد على كَتْمِ ما يعلمه من كتاب الله وسُنَّةِ رسوله - ﷺ -، أما مذهبه فيما رواه، فليس من العلم في شيءٍ، فقد يترتب على ذكر مذهبه مفسدَةٌ وخوفُ مضرَّةٍ، فيجوز له ترك حكاية ذلك، ويروي الحديث كما سمع، والله أعلم.
الحديث الخامس والعشرون. عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إني لأرى ما لا تَرَوْنَ، وأسمعُ ما لا تسمعون، أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لها أن تئطَّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابعٍ إلاَّ وفيها مَلَكٌ واضِعٌ جبهته لله ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتُم قليلًا، ولبَكيتُم كثيرًا، وما تلذَّذْتُم بالنِّساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرُون إلى الله، ولودِدْتُ إنِّي شجرةٌ تُعْضَدُ ".
ويروى عن أبي ذر موقوفًا. رواه الترمذي وأحمد، قال الترمذي: حديث غريب (٢) وفي الصحيح له شاهدٌ يأتي الآن عن أبي هريرة.
قلت: هذا حديثٌ صحيح المعنى، فإن كليم الله موسى ﵇ خرَّ صَعِقًا من اندكاك الطُّور، مع قوَّةِ حاله مع الله، فكيف سائرُ المؤمنين لو كُشف لهم ما كُشِفَ لرسول الله - ﷺ - من خوارِقِ المَلَكُوتِ الباهرة التي تتلاشى عند بعضِها القُوى البشريَّة؟ ولو أن الإنسان رأى غيرَه يُعَذَّبُ العذاب الأكبر، ما احتمل رؤية عذاب غيره.
يُوَضِّحُه الحديث السادس والعشرون: قالت عائشة: ما رأيتُ رسول الله
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ٣٦٣، وابن ماجه (٢٦١)، وصححه ابن حبان (٩٥)، والحاكم ١/ ١٠١، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٧٣، والترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠)، وحسنه الترمذي، مع أن فيه إبراهيم بن المهاجر، وهو لين الحديث!
[ ٩ / ٣٩٥ ]
- ﷺ - مُستجمِعًا قطُّ، ضاحكًا حتَّى تُرى منه لهواتُه، إنما كان يتبسَّمُ. زاد في رواية. وكان إذا رأى غيمًا عُرِفَ في وجهه، فسألته عن ذلك، فقال: " وما يُؤَمِّنُني أن يكون فيه عذابٌ قد عُذِّبَ فيه قومٌ بالرِّيح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: ﴿هذا عارضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] ".
وفي رواية: كان إذا رأى مَخِيَلَةً في السماء أقبل وأدبر، وخرج ودخل، وتغيَّر وجهُه، فإذا أمطرت [السماءُ]، سُرِّيَ عنه (١).
فهذا وخوفه - ﷺ - على غيره، بل الظاهر أن خوفه هنا على من عاصره من المشركين من أقاربه من قريش وغيرهم، فإنه ﵇ كان بهم شفيعًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فلا تَذْهَبْ نفسُكَ عليهم حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]، فكيف بمن يخافُ على نفسه؟.
وقد خرج البخاري هذا المعنى عن أنسٍ، وهو:
الحديث السابع والعشرون: قال أنسٌ: كانت الرِّيحُ إذا هبَّت، عُرِفَ ذلك في وجه رسولِ الله - ﷺ - (٢).
الحديث الثامن والعشرون: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لو تعلمون ما أعلمُ، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا ". رواه البخاري والترمذي، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ (٣)، وقد تقدم نحوه عن أبي ذرٍّ من طريقٍ غريبةٍ.
الحديث التاسع والعشرون: عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "من خافَ أدلجَ، ومن أدلجَ، بلغَ المنزلة ألا إنَّ سلعةَ الله غاليةٌ، ألا إنَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٢٨) و(٤٨٢٩) و(٦٠٩٢)، ومسلم (٨٩٩)، وأبو داود (٥٠٩٨)، والترمذي (٣٢٥٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٣٤).
(٣) رواه البخاري (٦٤٨٥)، والترمذي (٢٣١٣)، وأحمد ٢/ ٤٥٣، وابن حبان (١١٣) و(٣٥٨) و(٦٦٢). وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٩ / ٣٩٦ ]
حديث الثلاثة المخلفين
سلعةَ الله الجنة" رواه الترمذي (١)، وقال: حديثٌ غريبٌ.
قلت: وما أحسن قول ابن الفارض (٢) في هذا المعنى:
بذلتُ له رُوحي لراحة قُرْبِهِ وغيرُ عجيبٍ بذليَ الغالي بالغالي
وقد تقرَّر في كتاب الله فضلُ الخوف في غير آيةٍ، كقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، وقولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقوله: ﴿إنَّ الذين يَخْشَونَ رَبَّهُم بالغَيْبِ لَهُمْ مغفرةٌ وأجْرٌ كبيرٌ﴾ [الملك: ١٢].
ولنختم هذه الأحاديث بحديث الثلاثة المخلَّفين، لِمَا فيه من ترقيق القلوب القاسية، وتخويف النُّفوس الغافلة، ولذلك رواه البخاري في تسعةِ مواضعَ من " صحيحه ".
الحديث الموفي ثلاثين: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعبَ بنَ مالكٍ يحدِّثُ حديثه حين تخلَّف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالكٍ: لم أتخلَّف عن رسول الله - ﷺ - في غزاةٍ غزاها إلاَّ غزاةَ تبوك، غير أني قد تخلَّفتُ في غزوة بدرٍ، ولم يعاتِبْ أحدًا تخلَّف عنه، إنما خرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون يُريدون عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدُوِّهم على غير ميعادٍ. ولقد شهدتُ مع رسول الله - ﷺ - ليلةَ العقبِة حين (٣) تواثقنا على الإسلام،
_________________
(١) برقم (٢٤٥٠). وأخرجه أيضًا البغوي (٤١٧٣)، والقضاعي (٤٠٦)، وإسناده ضعيف، ومع ذلك صححه الحاكم ٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨، ووافقه الذهبي!. قلت: وله شاهد من حديث أبي بن كعب رواه الحاكم ٤/ ٣٠٨، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٣٧٧.
(٢) في " ديوانه " ص ١٧٦ من قصيدة مطلعها: أرى البعد لم يخطر سواكم على بالي وإن قرّب الأخطار من جسدي البالي
(٣) في (ش): " حتى ".
[ ٩ / ٣٩٧ ]
وما أُحِبُّ أن لي بها مشهدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناس منها، وكان من خبري حين تخلَّفتُ عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك: أنِّي لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر منِّي حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوة والله ما جمعتُ راحلتين حتى جمعتُهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله - ﷺ - يريدُ غزوةً إلاَّ ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عدوًَّا كثيرًا، فجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبوا أُهْبَةَ غزوِهم، فأخبرهم بوجههمُ الذي يريدُ، والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ -يريد بذلك الديوان- فقلَّ رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلاَّ ظنَّ أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله تعالى، وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثِّمار والظِّلالُ، فأنا إليها أصعَرُ، فتجهَّزَ رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، فطفِقْتُ أغدو لكي أتجهَّزَ معه، فأرجِعُ ولم أقضِ شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزَلْ ذلك يتمادى بي حتَّى استمرَّ بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله - ﷺ - غاديًا والمسلمون معه، ولم أقضِ من جَهازي شيئًا، ثم غدوت، فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغَزوُ، فهممتُ أن أرتحلَ فأدركَهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يُقدَّرْ ذلك لي، فطفِقْتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - ﷺ - يَحزُنُني أنِّي لا أرى لي أُسوةً إلاَّ رجلًا مغموصًا عليه في النِّفاق، أو رجلًا مِمَّن عذَرَ الله تعالى من الضُّعفاء، ولم يذكرني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: " ما فعل كعبُ بنُ مالكٍ؟ ". فقال رجلٌ من بني سَلِمَةَ: يا رسول الله، حبسه بُرداه، والنَّظر في عِطْفَيْهِ، فقال له معاذُ بنُ جبلٍ ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكتَ رسول الله - ﷺ -، فبينما هو على ذلك، رأى رجلًا مُبيِّضًا يزول به السَّرابُ، فقال رسول الله - ﷺ -: " كُنْ أبا خيثمة "، فإذا هو أبو خيثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تصدَّق بصاع التمر حين لمزه المنافقون.
قال كعبٌ: فلمَّا بلغني أن رسول الله - ﷺ - قد توجَّه قافلًا من تبوك، حضرني
[ ٩ / ٣٩٨ ]
بثِّي، فطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكَذِبَ، وأقول: بم أخرُجُ من سَخَطِه غدًا؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ مِنْ أهلي، فلما قيل: إن رسول الله - ﷺ - قد أظَلَّ قادمًا، زاح عنِّي الباطل، حتى عرفتُ أنِّي لن أنجوَ منه بشيءٍ أبدًا، فأجمعتُ صدقَهُ، وأصبح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إذا قَدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلَّفُون يعتذِرُون إليه، ويحلِفُونَ له، وكانوا بضعًا وثمانين رجُلًا، فقَبِلَ منهم علانيَّتهم، وبايعهم، واستغفرَ لهم الله، ووكَلَ سرائِرَهم إلى الله تعالى، حتى جئتُ، فلمَّا سلَّمتُ تبسَّم تبسُّمَ المغضَبِ، ثم قال: " تعالَ "، فجئتُ أمشي حتى سلَّمتُ عليه، وجلستُ بينَ يديه، فقال لي: " ما خلَّفَكَ؟ ألم تكن قدِ ابتَعْتَ ظهرَكَ؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنِّي -والله- لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أني سأخرُج من سَخَطِه بعُذْرٍ، ولقد أعطيتُ جَدَلًا، ولكنِّي [والله] لقد علمتُ، لَئِنْ حدَّثتُك اليوم حديثَ كَذِبٍ ترضى به عنِّي، ليوشِكَنَّ الله أن يُسخِطَكَ عليَّ، وإن حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لأرجو فيه عُقبَى الله ﷿، والله ما كان لي من عُذْرٍ، والله ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مِنِّي حين تخلَّفتُ عنك، فقال رسول الله - ﷺ -: " أما هذا، فقد صدق فقُم حتى يقضِيَ اللهُ فيكَ "، وثار رِجالٌ من بني سَلِمَة، فاتَّبعوني، فقالوا لي: والله علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، لقد عَجَزْتَ في ألاَّ تكونَ اعتذرتَ إلى رسول الله - ﷺ - بما اعتذرَ إليه المخَلَّفُون، فقد كان كافِيَك ذنبَك استغفارُ رسول الله - ﷺ - لكَ قال: فوالله ما زالوا يُؤنِّبُونَني حتَّى أردتُ أن أرجِعَ فأُكَذِّبَ نفسي، ثم قلت: لهم: هل لَقِيَ هذا معي من أحدٍ؟ قالوا: نعم. [لقِيَه] معك رجُلانِ، قالا مثلَ ما قلت، وقيل لهما مثلُ ما قيل لك. قلت: من هما، قالوا: مرارةُ بن ربيعة العامري (١) وهلالُ بنُ أميَّةَ
_________________
(١) قال الإمام النووي في " شرح مسلم " ١٧/ ٩٢: هكذا هو في جميع نسخ مسلم: " العامري "، وأنكره العلماء، وقالوا: هو غلط، إنما صوابه: " العمري " بفتح العين، وإسكان الميم، من بني عمرو بن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه محمد بن إسحاق، وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة. قال القاضي: هو الصواب، وإن كان القابسي قد قال: لا أعرفه إلا العامري.
[ ٩ / ٣٩٩ ]
الواقفيُّ، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا (١) فيهما أسوةٌ. قال: فمضيتُ حتى ذكروهما لي. ونهى رسول الله - ﷺ - عن كلامِنا أيُّها الثلاثةُ من بين من تخلَّف عنه، قال: فاجتَنَبَنا الناسُ، أو قال: تغيَّرُوا لنا، حتَّى تنكَّرت لي في نفسيَ الأرضُ، فما هي بالأرضِ التي أعرِفُ، فلبِثْنَا على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بُيوتِهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلَدهم، فكنتُ أخرج أشهدُ الصلاةَ، وأطوفُ في الأسواق، ولا يكلِّمُني أحدٌ، وآتي رسول الله - ﷺ -، وأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه، وأقول في نفسي: هل حرَّكَ شَفتَيه بردِّ السلام أم لا؟ ثم أُصلِّي قريبًا منه، وأسارقُه النَّظرَ، فإذا أقبلتُ على
_________________
(١) قال ابن القيم في " زاد المعاد " ٣/ ٥٧٧: هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يُحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير ألبتة ذكر هذين الرجلين في أهل بدر، لا ابن إسحاق، ولا موسى بن عقبة، ولا الأموي، ولا الواقدي، ولا أحد ممن عدَّ أهل بدر، وكذلك ينبغي ألاَّ يكونا من أهل بدر، فإن النبي - ﷺ - لم يَهجُرْ حاطبًا، ولا عاقبه وقد جسَّ عليه، وقال لعمر لما هم بقتله: " ما يُدريك أن الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم "، وأين ذنبُ التخلف من ذنب الجسِّ. قال أبو الفرج ابن الجوزي: ولم أزل حريصًا على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيتُ أبا بكر بن الأثرم قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه، وأنه لا يكاد يُحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شهدا بدرًا، وهذا لم يقله أحد غيره، والغلط لا يعصم منه إنسان. وقال الحافظ في " الفتح " ٨/ ١٢٠ تعليقًا على قوله " قد شهدا بدرًا ": هكذا وقع هنا، وظاهره أنه من كلام كعب بن مالك، وهو مقتضى صنيع البخاري ثم نقل قول ابن القيم -ولكنه لم يصرح باسمه- " وكذلك ينبغي إلى قوله: من ذنب الجس " فقال: وليس ما استدل به بواضح، لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كَبُرَتْ لا يُعاقَبُ عليها، وليس كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب، فقد جلد قدامةَ بنَ مظعون الحدَّ لما شرب الخمر، وهو بدري، وإنما لم يُعاقب النبي - ﷺ - حاطبًا ولا هجره، لأنه قَبِلَ عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشيةً على أهله وولده، وأراد أن يتخذ له عندهم يدًا، فعذره بذلك، بخلاف تخلُّف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذرٌ أصلًا.
[ ٩ / ٤٠٠ ]
صلاتي نظرَ إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرضَ عنِّي، حتَّى إذا طال عليَّ ذلك مِنْ جفوةِ المسلمين، مشيتُ حتَّى تسوَّرْت جدارَ حائطِ أبي قتادةَ، وهو ابنُ عمِّي، وأحبُّ الناسِ إليَّ، فسلَّمتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشُدُكَ بالله، هل تعلمُني أُحِبُّ الله ورسوله - ﷺ -؟ فسكت، فعدتُ فناشدتُه، فسكت، فعدتُ فناشدته، فقال: الله ورسولُه أعلم، ففاضت عينايَ، وتولَّيتُ حتَّى تسوَّرتُ الجدارَ، فبينا أمشي في سُوقِ المدينة إذا نَبَطِيٌّ من نَبَطِ أهل الشام ممن قدِمَ بالطعام يبيعُه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعبِ بن مالكٍ؟ فطَفِقَ الناسُ يُشيرون له إليَّ، حتَّى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا من ملكِ غسَّان، وكنت كاتبًا، فقرأته، فإذا فيه: أمَّا بعدُ، فقد بلَغَنا أن صاحِبَكَ قد جفاكَ، ولم يجعلْكَ اللهُ بدارِ هوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحَقْ بنا نُواسيكَ، فقلت حين قرأتُها: وهذه أيضًا مِنَ البلاء، فيمَّمتُ بها التَّنُّورَ، فسجرتُها، حتى إذا مضت أربعونَ يومًا من الخمسين، واستلبثَ الوحيُ، إذا رسولُ رسولِ اللهِ - ﷺ - يأتيني، فقال: إنْ رسولَ الله يأمُرك أن تعتزِلَ امرأتَك، فقلت: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعل؟ فقال: بلِ اعتزِلْها فلا تقرَبنَّها، وأرسَلَ إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلِك، وكُوني عندهم حتى يقضيَ اللهُ مِنْ هذا الأمرِ، فجاءت امرأةُ هلال بن أمية رسول الله - ﷺ - فقالت له: يا رسول الله، إنَّ هلالَ بن أميَّة شيخٌ ضائعٌ، ليس له خادِمٌ، فهل تكره أن أخدُمَه، قال: " لا ولكن لا يقرَبَنَّك "، فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيءٍ، ووالله ما زال يبكي منذُ كان مِنْ أمرِه ما كانَ إلى يومِه هذا، فقال لي بعضُ أهلي: لوِ استأذَنتَ رسُولَ الله - ﷺ - في امرأتِكَ، فقد أَذِنَ لامرأةِ هلالٍ أن تخدُمَه، فقلت: لا أستأذنُ رسولَ الله - ﷺ -، وما يدريني ماذا يقولُ رسولُ الله - ﷺ - إذا استأذنتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ، فلبثتُ بذلك عشرَ ليالٍ، فكمُلَ لنا خمسونَ ليلةً مِنْ حين نُهِيَ عن كلامنا، ثم صلَّيتُ صلاة الفجر صباح خمسين ليلةً على ظهرِ بيتِ من بيوتِنا، فبينا أنا جالسٌ علي الحالِ التي ذكرَ الله تعالى منَّا قد ضاقَت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سمعت صوتَ صارخٍ أوفى على سَلْعٍ يقول بأعلى صوتِه: يا كعبَ بن مالكٍ، أبشرِ، فخررت
[ ٩ / ٤٠١ ]
ساجدًا، وعلمتُ أنه قد جاء فرجٌ، فآذنَ رسول الله - ﷺ - الناس بتوبةِ الله علينا حينَ صلَّى صلاة الفجر، فذهبَ النَّاسُ يبَشِّرُونَنا، فذهبَ قِبَل صاحبي مبشِّرُونَ، وركضَ رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعى ساعٍ مِنْ أسلمَ قِبَلي، وأوفى على الجبل، فكان الصَّوتُ أسرعَ مِنَ الفرس، فلمَّا جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبَشِّرُني، نزعت ثوبيَّ، فكسوتُهما إيَّاه ببِشارَتِه، والله ما أملِكُ غيرَهُما يومئذٍ، واستعرتُ ثوبين، فلبستُهما، وانطلقتُ أتأمَّمُ رسول الله - ﷺ - يتلقَّاني النَّاسُ فوجًا فوجًا، يهنِّئُونَني بالتوبة، ويقولون: لِتَهْنِئْكَ توبةُ الله عليك، حتَّى دخلتُ المسجد، فإذا رسولُ الله - ﷺ - حولَه الناسُ، فقام طلحةُ بن عبيد الله يُهروِلُ حتَّى صافحني وهنَّأني، والله ما قامَ رجلٌ من المهاجرين غيره، فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة قال كعبٌ: فلمَّا سلَّمتُ على رسول الله - ﷺ - قال وهو يَبْرُقُ وجهُه من السُّرور: " أبشِرْ بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذُ ولدتك أمُّك ". فقلت: أمِنْ عِنْدِكَ يا رسول الله، أم مِنْ عندِ الله؟ قال: " لا بَلْ مِنْ عندِ الله ". وكان رسولُ الله - ﷺ - إذا سُرَّ، استنارَ وجهُه حتى كأنَّ وجهَه قطعةُ قمرٍ، وكُنَّا نعرِفُ ذلك، فلمَّا جلستُ بين يديه، قلتُ: يا رسول الله، إنَّ مِنْ توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسُولِه، فقال - ﷺ -: " أمسِكْ عليكَ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لك "، فقلت: إنِّي أُمسِكُ سهميَ الذي بخيبرَ، وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصِّدق، وإنَّ مِنْ توبتي أن لا أُحَدِّثَ إلاَّ صدقًا ما بقيتُ، فوالله ما علمتُ أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذُ ذكرتُ ذلك لرسول الله - ﷺ - أحسنَ ممَّا أبلاني الله. والله ما تعمَّدتُ كَذبةً منذُ قلتُ ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا، وإنِّي لأرجُو أن يحفَظَني الله تعالى فيما بَقِيَ. قال: فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ حتى بلغ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩].
قال كعبٌ: واللهِ ما أنعمَ الله عليَّ مِنْ نعمةٍ قطُّ بعدَ إذ هداني الله للإسلامِ
[ ٩ / ٤٠٢ ]
أعظمَ في نفسي مِنْ صِدْقي رسولَ الله - ﷺ - ألاَّ أكونَ كذبتُه، فأهْلِكَ كما هَلَكَ الذين كَذَبُوا. إن الله تعالى قال للذين كذبُوا حين أنزل الوحيَ شرَّ ما قال لأحدٍ، فقال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].
قال كعبٌ: كنَّا خُلِّفْنَا -أيها الثلاثة- عن أمرِ أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله - ﷺ - حينَ حلفُوا له.
فبايَعَهم واستغفرَ، وأرجأ رسول الله - ﷺ - أمرَنا حتَّى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنَا تخلُّفَنَا عن الغَزْوِ، وإنما هو تخليفُه إيَّانا وإرجاؤُه أمرَنا عمَّنْ حَلَفَ له واعتذرَ، فقَبِلَ منهم. رواه البخاري ومسلم (١).
ومن ذلك: أحاديث الصحابة الذين اختُلِجُوا دُونَه - ﷺ -، وقال فيهم: " فأقول: سُحقًا، لمَنْ بدَّل بعدي " (٢)، وحديث المتلاعِنَيْن، وقوله - ﷺ - لهما: " إنَّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرة " وأنَّ الخامسة هي الموجبة (٣)، وأمثال ذلك والله أعلم.
ومنه حديث عمَّار: " ويح ابن سميَّة، تقتُلك الفئةُ الباغيةُ، يدعُوهُم إلى الجنةِ ويدعُونَهُ إلى النار " (٤). وهو يمنعُ تأويل الذين قال فيهم: " سُحقًا لمن بدَّل بعدي " بالمرتدِّين فقط.
ويشهدُ لذلك خَوفُ الصحابة، ونهيُه - ﷺ - من زكَّى بعضَهم، وأمثالُ ذلك مما يَرِدُ على المرجئة، القاطِعينَ بالأمان لِمَنْ مات على مجرَّدِ الإيمان.
_________________
(١) البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩). ورواه أيضًا عبد الرزاق (١٩٧٤٤)، وأحمد ٥/ ٣٨٧، والترمذي (٣١٠٢)، وابن حبان (٣٣٧٠)، وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه فيه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٩ / ٤٠٣ ]
ومن ذلك أحاديثُ التَّشديد في الغُلول في الغنائم، ومنها حديثُ سالمٍ أبي الغيثِ، عن أبي هُريرة في عبد رسول الله - ﷺ - الذي أصابَه سهمٌ، فقالوا: هنيئًا له الشهادةُ، فقال: " إنَّه غلَّ شملةً، وإنَّها لتَلْتَهِبُ عليه نارًا ". متَّفق على صحته، وفي سالم كلامٌ سهلٌ (١).
وعن ابن عباس، عن عمر، أنهم قالوا؟ فلانٌ شهيدٌ، فقال: " كلاَّ، إنِّي رأيتُه في النار في بُردَةٍ غلَّها ". ثم قال: " يا ابن الخطاب، اذهب فنادِ في الناسِ أنه لا يدخُلُ الجَنَّة إلاَّ المؤمنون ". رواه مسلمٌ والترمذي (٢)، ولفظه مُخالفٌ وهو من حديث عكرمة بن عمار، عن سماكِ بن الوليد، عن ابن عباسٍ، عن عمر.
قال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا يعرف من حديث عمر إلاَّ عن عكرمة، عن سماكٍ، وفي عكرمةَ بنِ عمَّار خلافٌ.
وقد ذكر أمثالَ هذه الأحاديث وجَوَّدَ الكلام في التَّخويف الشيخ الإمام الشَّهيرُ بابنِ قيِّمِ الجوزية، تلميذُ شيخِ الإسلام ابن تيميَّةِ في كتابه المعروف " الجواب الكافي على من سأل عن الدَّواءِ الشَّافي "، فمن أراد الشِّفاءَ التَّامَّ في هذا المعنى، فعليه بمطالعتِهِ، لما فيه من تدبُّرِ كتاب الله، وصحيحِ السُّنَّةِ النبوية. وقد كنتُ اختصرتُ منه شيئًا، وقد ترجَّحَ لي نقلُه إلى هُنا، فليلحق بهذا، وهو نسخةٌ في كتبِ الفقيه محمَّد بن عليٍّ الحاشديِّ الشَّظَبِيِّ ﵀.
والحمدُ لله ربِّ العالمين، أتمَّ الحمدِ، وأفضَلَه، وأكملَه، وأحبَّه إليه، وأرضاه له، وعلى مُصطفاه مِنْ خلقِه محمَّدٍ رسولِه، وآله أفضلَ الصَّلوات والتَّسليم.
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٤٥٩، ومن طريقه البخاري (٤٢٣٤) و(٦٧٠٧)، ومسلم (١١٥)، وأبو داود (٢٧١١)، وابن حبان (٤٨٥١)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) أخرجه مسلم (٢١١٤)، والترمذي (١٥٧٤)، وأحمد ١/ ٣٠، وابن حبان (٤٨٤٩) و(٤٨٥٧).
[ ٩ / ٤٠٤ ]