مؤسسة الرسالة
[ ٥ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٥
[ ٥ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ٥ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٥ / ٤ ]
الوهم السادس عشر: نسبة القول بالرؤية إلى الشافعي
يرد على ذلك إشكالات الإشكال الأول
الإشكال الثاني: اجتماع المعتزلة وغيرهم على تعظيم الشافعي
الوهم السَّادس عشر: قال: وقد نُسِبَ إلى الشافعي القول بالرُّؤية، فطرَّق عليه الاحتمال، لأن الرؤية إما أن تكون بكيف، أو بلا كيف، والمكيَّفة تجسيمٌ لا محالة.
أقول يَرِدُ على كلامه هذا (١) إشكالات:
الإشكال الأول: أنه قد منع في أوَّل رسالته من صحة " كتاب البخاري " عن مولِّفه، وأمثال ذلك مع شدَّة العناية من مؤلِّفه في تبليغ كتابه واشتغاله بتسميعه، حتى نُقِلَ أنه سمعه منه قدرُ مئة ألفٍ، ثمَّ اشتدَّت عناية الراغبين في هذا الفنِّ في سماعه سماعًا متَّصلًا، ولم تعرض فترة فيما بيننا وبينه في ذلك قطُّ، فلما توفر داعي (٢) هذا المعترض إلى اللجاح في التشويش على المسلمين في علم الحديث بالقدح في أئمة رواته، قبل ما نُسِبَ إلى الشافعي مجرَّد نسبةٍ أورَدَهَا على صيغة ما لم يُسَم فاعله، وهي الصيغة المعروفة بصيغة التمريض، وجعلها وسيلةً منتهضةً إلى رتبة التَّشكيك في كفر إمام الإسلام وعَلَم الأعلام.
الإشكال الثاني: أنَّ شيوخ المعترض وأئمته في بدعة الكلام من المعتزلة مُصفِقُون (٣) على تعظيم الشافعي، ودعوى أنه منهم في بدعهم (٤)، وحاشاه من ذلك، وكثيرٌ منهم مقلِّدون له في الفروع، أتبع له من الظِّلِّ، وأطوع له من النعل، وكفي بما ذكره صاحبُكم، بل شيخكُم الحاكم المُحسِّن بن كرامة (٥) من
_________________
(١) سقطت من (ش).
(٢) في (أ) و(ج): دواعي.
(٣) في (ش): مطبقون.
(٤) في (ب) و(ش): بدعتهم.
(٥) تقدمت ترجمته ١/ ٢٩٦ و٢/ ٣٣٣.
[ ٥ / ٥ ]
الإشكال الثالث: تعظيم أئمة الزيدية له ولعلمه
ذلك في كتابه " شرح العيون "، وهم عند المعترض أجلُّ وأعقلُ من أن يقلِّدوا ويُعَظِّمُوا مشكوكًا في كفره وإلحاده، مغموصًا عليه في صحة إيمانه واعتقاده، فلو سلك مسلك (١) العُلماء في اعتراضاته، لبيَّن وجه (٢) الترجيح لسوء الظن بهذا الإمام الجليل، والعلم الشهير.
الإشكال الثالث: أن أئمة الزيدية مشهورون بتعظيمه، وتعظيم علمه وتدوينه، والاعتداد بخلافه، والتدريس في فقهه، وقد نصَّ الإمام المنصور بالله على ذلك في الرِّسالة العامة من " المجموع المنصوري "، ولم يعترضْهُ أحدٌ، وذكر صحة موالاته -﵁- لأهل البيت ﵈، وهو مشهور بذلك، حتى روى عنه يحيى بن معين، وأبو عبيد: أنه شيعي المذهب، ذكره الذهبي في " النبلاء " (٣).
وذكر الذهبي في ترجمته من (٤) " النبلاء " أبياته المشهورة في ذلك منها قوله:
يا راكبًا قِفْ بالمحصَّبِ مِنْ مِنى واهتِفْ بِقَاطِنِ أهلِهَا (٥) والنَّاهِضِ
إلى قوله (٦):
إن كان رفضًَا حُبُّ آل محمَّدٍ فَلْيَشْهَدِ الثَّقلانِ أنِّي رافِضِي
وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في ترجمته. فَبِمَن اقتديتَ أيُّها المبتدع في انتقاص الإمام الشافعي؟! فما يغُضُّ من مناقبه إلاَّ سخيف العقل، بعيدٌ من العلم والفضل، ولا بد إن شاء الله من إيراد ترجمته وما اشتملت عليه من شهادة
_________________
(١) في (ب) و(د) و(ش): مسالك.
(٢) في (ب): وجوه.
(٣) ١٠/ ٥٨.
(٤) في (ش): في.
(٥) في " السير ": بقاعد خيفنا.
(٦) " إلى قوله " ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٦ ]
علماء الأمة، وعيون الأئمة بعلُوِّ مرتبته، ليعلم المعترض أنه أحقر من أن يرفع رأسه إليه، وأخفُّ وزنًا من أن يُقبَلَ منهُ الكلام عليه، وكيف يُقبلُ القدحُ من معترفٍ بالجهل، مصنِّف بالاحتجاج (١) على تعفِّي (٢) رسوم العلم فيمن أجمعت الأمة على إمامته فيم الإسلام، وأنَّه مِن أفضل عُلماء الملة الأعلام (٣)، بل
_________________
(١) في (ب) و(ج) و(د): في الاحتجاج.
(٢) في (أ): " معفى "، وفي (ش): بعض.
(٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: وفي " كتاب القادري في التعبير " ليعقوب الدينوري ما لفظه: قال المسلمون: حُبس محمد بن إدريس الشافعي ﵁ مع قوم من الشيعة بسبب التشيع، فرأي كأنه مصلوب مع علي بن أبي طالب ﵇ في قناة، وقصَّ رؤياه على مُعَبِّر، فقال: إن صدقت رؤياك، شُهِرْتَ وذُكرت، وانتشر أمرك، فجرى بينه وبين محمد بن الحسن في مجلس الرشيد مناظرات، فعلا أمره. قال شعيب: والجزء المؤلف في رحلة الشافعي المروي من طريق عبد الله بن محمد البلوى الكذاب الوضاع، أوردها البيهقي في " مناقب الشافعي " ١/ ١٣٠، ولم ينبه على وضعها، مع أنَّه غير خافٍ بطلانها، وقد انخدع بصنيعه هذا غير واحد ممن ألف في مناقب الشافعي، ممن لا شأن له في تمحيص الروايات وغربلتها من أمثال الجويني، والرازي، وأبي حامد الطوسي، واعتمدوها في ترجيح مذهب الشافعي على غيره من الأئمة المتبوعين وما أدري كيف راجت هذه الأكذوبة على الإمام النووي، وهو من نقدة الأخبار وجهابذة المحدثين، فقال في " المجموع " ١/ ٨: وفي رحلته مصنف مشهور مسموع، ونقل منها في " تهذيب الأسماء " ١/ ٥٩ قوله: وبعث أبو يوسف القاضي إلى الشافعي حين خرج من عند هارون الرشيد يقرئه السلام، ويقول: صنف الكتب، فإنك أولى في هذا الزمان. أما الحافظ ابن حجر، فقد قال في " توالي التأسيس " ص ٧١: وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله بن محمد البلوي، فقد أخرجها الآبري والبيهقي وغيرهما مطولة ومختصرة، وساقها الفخر الرازي في " مناقب الشافعي " ص ٢٣ بغير إسناد معتمدًا عليها، وهي مكذوبة، وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة، وأوضح ما فيها من الكذب قوله فيها: إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على =
[ ٥ / ٧ ]
العجب أن المعترض نقل في تعسير (١) الاجتهاد، أن الاجتهاد خُتِمَ بالإمام الشافعي، وأنه لا يُوجَدُ بعده مجتهدٌ، واحتجَّ على ما رام تصحيحه من هذه الدعوى، بما نُقِلَ من ذلك عن بعض قدماء (٢) أصحابه ﵁، كما تقدم إيضاح ذلك، وما يؤدي إليه من الجهالات الكبار، وتجهيل علماء العترة، والأمة الأخيار، فما أحسن بمن يدعي هذا الجهل العظيم أن يزُمَّ لسانه عما لا يعلم، فإن الصمت سلامة الجاهل خصوصًا، وبئس ما جزيت به هذا الإمام الجليل في حُبِّه لأهل البيت ﵈ إذ (٣) كنت من أهل البيت الشريف، والمَحْتِدِ المُنيف.
فقد روى السيد الإمام أبو طالب ﵇ في أوائل " أماليه " ما لفظه: أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم الحسنى، قال: حدَّثني عبد الله بن أحمد بن سلاَّم، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن منصور، قال: كنت عند القاسم بن إبراهيم بالقريتين (٤). فجرى ذكرُ الشافعي (٥)، فأثنى عليه خيرًا، فقلنا
_________________
(١) = قتل الشافعي، وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان مات ولم يجتمع به الشافعي. والثاني: أنهما كانا اتقى لله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم لا سيما وقد اشتهر بالعلم، وليس له إليهما ذنب إلاَّ الحسد له على ما آتاه الله من العلم، هذا ما لا يظن بهما، وإن منصبهما وجلالتهما، وما اشتهر من دينهما ليصد عن ذلك. والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة أربع وثمانين، وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقي محمد بن الحسن في تلك القدمة، وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز وأخذ عنه ولازمه.
(٢) في (أ): تفسير.
(٣) سقطت من (ش).
(٤) في (ش): أن.
(٥) القريتان على لفظ تثنية قرية: موضع في طريق البصرة إلى مكة. " معجم ما استعجم " ص ١٠٦٩.
(٦) عبارة " ابن إبراهيم بالقريتين فجرى ذكر الشافعي " سقطت من (ش).
[ ٥ / ٨ ]
الإشكال الرابع: إجماع الأمة على تعظيم الشافعي
له: رأيته؟ فقال: كان صديقي والمختصَّ بي، وما رأيتُ في (١) إخواننا الفقهاء أشد تحقيقًا (٢) بالعدل منه. انتهى بحروفه.
وكذلك فليكن ثناءُ علماء (٢) أهل البيت ﵈ على علماء الإسلام ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وأما المسارعة إلى وصم (٣) علماء الإسلام بالعظائم، بل التشكيك في إسلامهم من غير مُوجبٍ لذلك، فهذا صنيع من لا خلاق له من أعداء (٤) الإسلام الملاحدة (٥)، صانَ الله السيد عن ذكرهم، وأعاذ الجميع من التَّخلُّق بأخلاقهم.
الإشكال الرابع: أن الأمة قد أجمعت على تعظيم الشافعي ﵁.
أمَّا أهلُ السُّنَّة: فواضحٌ.
وأما الشيعة والمعتزلةُ، فلإجماعهم على الاعتداد بأقواله، وأنه لا ينعقدُ إجماع الأمَّة مع خلافه، ولتدوينهم لعلومه، وتعلُّمهم لها، وتعليمها، وتقريرهم على ذلك، ولا يُعلم من أحدٍ منهم أنه تعرَّض لتجهيله وتكفيره، ولا للتشكيك في ذلك.
فإذا تقرَّر ذلك، ثبت أن المعترض قد خرق الإجماع، ورضي لنفسه بالانتظام في سلك سَقَطَةِ (٦) المتاع، الذين اتبعوا غير سبيل المؤمنين، وجُبلوا
_________________
(١) في (أ): من.
(٢) في (ب) و(ج) و(د): تحققًا.
(٣) سقطت من (أ).
(٤) في (ب): أئمة.
(٥) في (ش): من الملاحدة.
(٦) في (ج): سقط.
[ ٥ / ٩ ]
على محبة القدح في أئمة الدين، وخالفوا المحمود من طرائق المتَّقين في الذب عن الغائبين (١).
وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن سبِّ الأموات (٢)، وذكر مساوئهم (٣)، فهذا فيمن له مساوىءُ تُذكر، وذنوبٌ تُستنكر، فأمَّا الافتراء على أهل الرتب الرفيعة، والجرأة على القدح فيهم والوقيعة، فليس يرضى بذلك لنفسه متَّقٍ متحرِّزٌ، بل (٤) ولا عاقلٌ مميِّزٌ، فبادِرْ بالتوبة من ذلك إن كان لك في الفلاح نصيب، فإن الله تعالى يقبل توبة (٥) العبد المنيب.
_________________
(١) في (ب): المؤمنين.
(٢) أخرج أحمد ٦/ ١٨٠، والبخاري (١٣٩٣) و(٦٥١٦)، والنسائي ٨/ ٣٣ من حديث عائشة عن النبي - ﷺ -: " لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ". ورواه من حديث ابن عباس: النسائي ٨/ ٣٣، ومن حديث ابن عمر: الطبراني في " الكبير" ١٢/ (١٣٦٠٥)، ومن حديث الميرة بن شعبة: أحمد ٤/ ٢٥٢، والترمذي (١٩٨٢)، وانظر " مجمع الزوائد " ٨/ ٧٦.
(٣) أخرج أبو داود (٤٩٠٠)، والترمذي (١٠١٩)، والحاكم ١/ ٣٨٥ من حديث ابن عمر رفعه: " اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم "، وفي سنده عمران بن أنس المكي، وهو ضعيف، ولأبي داود (٤٨٩٩) بإسناد صحيح من حديث عائشة مرفوعًا: " إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه ". وأخرج الطيالسي (١٤٩٤) من طريق إياس بن أبي تميمة عن عطاء بن أبي رباح أن رجلًا ذكر عند عائشة، فلعنته أو سبته، فقيل لها: إنه قد مات، فقالت: استغفر الله له، فقيل لها: يا أم المؤمنين، لعنتِه ثم استغفرتِ له! فقالت: إن رسول الله - ﷺ - قال: " لا تذكروا موتاكم إلاَّ بخير ". وأخرجه النسائي ٤/ ٥٢ عن إبراهيم بن يعقوب، حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا وهيب، حدثنا منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن عائشة قالت: ذكر عند النبي - ﷺ - هالك بسوء، فقال: " لا تذكروا هلكاكم إلاَّ بخير ".
(٤) سقطت من (ش).
(٥) سقطت من (ب).
[ ٥ / ١٠ ]
الإشكال الخامس: رواية القول بالرؤية عند خلائق لا ينحصرون
الإشكال الخامس: أنه قد روي القول بالرُّؤية عن خلائق لا ينحصرون، كما تأتي طُرُقُ (١) ذلك ونسبتها إلى كُتب الإسلام الشَّهيرة (٢).
فممن رُوِيَ عنه القول بها: أمير المومنين عليُّ بن أبي طالب ﵇، وأبو بكر الصدِّيق ﵁، وبحرُ العلم وحَبْرُه عبد الله بن عباس، وحذيفة بنُ اليمانِ، وعبد الله بن مسعودٍ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وأبو هريرة، وعبدُ الله بن عمر بن الخطاب، وفضَالةُ بن عُبيدٍ، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وكعب الأحبار.
ومن التابعين: سعيد بن المسيِّب، والحسن البصري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وسعيد بن جُبير، وطاووس اليماني، وهشام بن حسان، والقاضي شريك بن أبي نَمِرٍ (٣)، وعبد الله بن المبارك، وأئمة المذاهب الأربعة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، والليث بن سعدٍ، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجرَّاح، وقتيبة بن سعيدٍ، وأبو عبيدٍ (٤) القاسم بن سلاَّم.
فكل هؤلاء رُوِيَ عنهم القول بالرُّؤية كما يأتي، فلم يستخرج لهم أحدٌ احتمال التشبيه والكفر، فما خصَّ المعترض باستخراج ذلك من بين الأمة وما خصَّ الشافعي باستخراج ذلك له (٥) من بين الأئمة (٦).
_________________
(١) في (ش): يأتي طريق.
(٢) سيورد المصنف فيما بعد الأحاديث الواردة في مسألة الرؤية وأقوال الصحابة والتابعين والعلماء في ذلك نقلًا عن الإمام ابن القيم من كتاب " حادي الأرواح ".
(٣) هذا وهم من المصنف ﵀، فشريك بن أبي نمر: لم يكن قاضيًا، والصواب شريك بن عبد الله النخعي، وقد أورد المصنف كلامه في إثبات الرؤية ص ٤٦٧، فانظره هناك.
(٤) في (ش): " أبو عبيدة "، وهو تحريف.
(٥) سقطت من (ب) و(ش).
(٦) في (ب) و(ش): الأمة.
[ ٥ / ١١ ]
الإشكال السادس: أن الأمة مجمعة على إطلاق كثير من أسماء الله الحسنى وألفاظ القرآن الكريم
فإن قلت: إن الرِّواية عنه صحيحة دون الأئمة، وإنك مختصٌّ بالإصابة دون الأمة، فهاتِ الأدلة الصَّحيحة على ذلك، وإلا فأنت هالكٌ متهالكٌ في سُلوك هذه (١) المسالك.
الإشكال السادس: أنَّ الأمة مجمعةٌ على إطلاق كثير من أسماء الله الحسنى وألفاظ القرآن الكريم مما (٢) يحتمل مثل (٣) استخراج المعترض لذلك الاحتمال الشنيع، والاستنباط البديع.
ومن أوضح ذلك مع كثرته (٤): إطلاق الرحمن الرحيم على الله تعالى، وأنه واسع الرحمة، وخير الراحمين، وأرحم الراحمين على سبيل المدح له، والثناء عليه بذلك كما يُمدح بجميع ذلك في كتابه المبين، وكلامه (٥) الحق اليقين، وكما (٦) أن ذلك يحتمل في اللغة أن يُفسَّر بمثل رحمة المخلوق المؤلمة لقلبه، المُبكية لعينه، المُنَغِّصة لعيشه عند عجزه اللازمة لكثيرٍ من الآفات لنقصه، ولم يحتمل (٧). من أطلقها (٨) على الله على شيء من ذلك، لأن الله سبحانه يختصُّ من كل صفةٍ بمحاسنها دون مساوئها، كما أنه لما اتصف بالعلم (٩)، لم يجُزْ عليه ما يجوزُ على المخلوق العالم من اكتساب العلم، وحدوثه، وتغيُّره، والشك فيه، والنِّسيان له، والتألم ببعضه، وسائر النقائص.
_________________
(١) في (ش): تلك.
(٢) في (ش): ما.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): كثرة.
(٥) في (ش): وكلام.
(٦) في (ب): فكما.
(٧) في (ب) و(ج) و(د): يحمل.
(٨) في (ش): إطلاقها.
(٩) في (ب) و(ش): بالعليم.
[ ٥ / ١٢ ]
وكذلك كلُّ من صح عنه من المسلمين ماله وجهان، ومَحمِلان: حَسَنٌ وقبيحٌ، فإنه يُحمل على الوجه الحسن، والمَحمِل الجميل، ولا يحِلُّ لأحد التشكيك في إسلامه، والقدح فيه بسبب ذلك الاحتمال، وإنما يبالغ في إنكار ذلك ويستخرج منه الكفر، ولا يُجيز منه شيئًا، من ينفي جميع أسماء الله الحسنى من الباطنية، ويعتذرون لإلحادهم بتنزيه الله تعالى من إطلاق الألفاظ عليه، وتناول العبارات له.
فكما أن المعتزلة ترُدُّ عليهم ذلك (١) بالرُّدود المعروفة في ذلك، فكذلك أهل السنة يرُدُّون على المعتزلة مشاركتهم لهم في بعض ذلك بتلك الردود بعينها.
ألا ترى أن الباطنية يردون حقائق جميع أسماء الله -كالعليم القدير- إلى المجاز، وكذلك المعتزلة (٢) تردُّ حقائق بعض أسمائه -كالرحمن الرحيم- إلى المجاز.
وقد تقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الوهم الخامس عشر السابق قبل هذا كيفية الرَّد عليهم، وبيانُ تناقضهم في ذلك، وقد يُطلِقُ بعض علماء العِترة وأئمتهم، وأئمة الاعتزال نحو ذلك.
وكذلك رُوِيَ عن الشافعي، فلا يُستخرج لهم منه جرحٌ، ولا يصحُّ به فيهم قدحٌ.
مِنْ ذلك قول الإمام أحمد بن عيسى بن زيدٍ ﵇ في كتابه " علوم آل محمد " في باب فضل الحج وثوابه بعد رواية حديث النزول ما لفظه: وقال (٣) رسول الله - ﷺ -: " إن الله أعظمُ من أن يزول عن مكانه، ولكن هبوطه نظره إلى السماء (٤) " انتهى بحروفه.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): جميع المعتزلة.
(٣) في (ش): وقول.
(٤) لم أقف على هذا الحديث في شىء من كتب السنة، وغالب ظني أنه موضوع. وفي =
[ ٥ / ١٣ ]
الإشكال السابع: أن كثيرا من أهل البيت لا يغلو غلو السيد في هذه المسألة
وقال في " الجامع الكافي ": إن القرآن كلام الله غيرُ مخلوق، وقال ذلك من أئمة العترة: زيد بن علي، وجعفر الصادق، وعبد الله بن موسى، والحسن بن يحيى وغيرهم ممن حكاه عنهم محمد بن منصورٍ، وأبو عبد الله الحسني العلوي مصنِّف " الجامع الكافي " على مذهب الزيدية، كما مرَّ تحقيقه، فلم يحتمل استخراج الكفر لأحدٍ منهم.
وقال الزمخشري في بعض " مقاماته " (١): واستحي من الله، وقلبك قلبُه، ولبُّك لُبُّه (٢)، وكُلَّك (٣) فهو فاطِره وربُّه.
ولو تتبعنا أمثال ذلك، لطال، وما زال الحمل على السلامة عند الاحتمال شعار العارفين والصالحين والمتَّقين.
الإشكال السابع: أنَّ كثيرًا من (٤) أهل البيت ﵈ ممن أنت له مُعَظِّمٌ، وله في التفضيل مُقدِّم، لا يغلو غُلُوَّك في هذه المسألة وقد بين ذلك محمَّد بن منصور، وصنف فيه كتاب " الألفة والجملة " (٥).
وقد قدمنا ما نقل عنهم في الوهم الخامس عشر السابق قبل هذا في مسألة القرآن، فخذه من هنالك، فإنه ذكر عنهم ترحُمَّهم على من خالفهم في الاعتقادات المختلف فيها، حتى نقل عن الإمام القاسم بن إبراهيم أنه رَثَى (٦)
_________________
(١) = " موضوعات ابن الجوزي " ١/ ١٢٣ مرفوعًا بلفظ: " إن نزول الله إلى الشيء إقباله عليه من غير نزول ". قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع لا أصل له وقال الإمام الذهبي في " الميزان " ٢/ ٦٢٣: إسناد مظلم، ومتنه مختلق.
(٢) في مقامة الولاية ص ١١٣.
(٣) " ولبك لبه " غير موجودة في المطبوع من المقامة.
(٤) في (ب) و(ج): وكلمك.
(٥) سقطت من (أ).
(٦) في (ب) و(ج): الجملة والألفة.
(٧) في (ش): رثاه.
[ ٥ / ١٤ ]
أخاه محمد بن إبراهيم بالترثية المعروفة، وترحَّم عليه، وحُكيَ عنه -مع ذلك- أنه كان يذهب إلى شيءٍ من التشبيه، قال محمد بن منصور: يقال: إن قوله: إن القرآن غير مخلوقٍ. وقد أطال محمد بن منصور في ذلك وأجاد، ولا حاجة إلى إعادته، فراجِعْهُ في موضعه، ونزيد ها هنا ما (١) يختص بالرُّؤية.
وحاصل الكلام: أن القدماء من العِترة ﵈ لم يُنقَل عنهم مذهبُ المعتزلة، أن الرؤية من المُحالات التي لا تدخل في مقدور الله تعالى، بل مقتضى عبارتهم: أن الله لا يُرى لعظمته، وعزته، وكبريائه، كما قال أهل السنة: إنه لا يُدرك بالأبصار إدراك الإحاطة لأجل ذلك، كما لا يُحاط به علمًا لمثل ذلك.
وأنا أًورِدُ ألفاظهم في ذلك من كتاب الزيدية " الجامع الكافي ".
فأقول: قال السيد الإمام أبو عبد الله الحسني في هذا الكتاب المذكور في كتاب " الزيادات " منه في المجلد السادس في القول في نفي الرؤية ما لفظه: وقال الحسن، يعني: الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈: وقد رُوي في الحديث: أن أهل الجنة تبلغ بهم الكرامة إلى أن ينظروا إلى خالقهم، كما ينظر بعضهم إلى بعض، والله سبحانه أجل وأعظم من أن تدركه الأبصار، أو تحيط به العقول، أو تقع عليه الأوهام، والأمر في ذلك مردودٌ إلى الله يفعل ما يشاء، ويُرِي أولياءه من عظمة نوره، وجلال (٢) عظمته ما لم تكن أبصارهم تُطِيقُ النظر إليه في الدنيا.
وقد رُوِيَ عن زيد بن علي ﵉ أنه قال: إن بين الله سبحانه يوم القيامة، وبين أدنى خلقه من مَلكٍ مقرَّبٍ، أو نبيِّ مُرسلٍ سبعين ألف حجابٍ من نورٍ، لن يستطيع أدناهم أن يرفع رأسه إلى أدنى حجابٍ من عظمة الله، وقد
_________________
(١) سقطت من (ب).
(٢) في (ش): وجلاله.
[ ٥ / ١٥ ]
قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ولا يتأولونهم (١) برأيهم على أهوائهم.
وقال محمد -يعني محمد بن منصور -: إن الله لا تدركهُ الأبصار، ولا تحويه الأوهام. قال: وقال بعض أهل العلم: إن الله يُرى في الآخرة، وليس كرؤية المخلوقين للشيء الذي تحويه أبصارُهم، ولكن لله خفايا ولطائف يلطُفُ فيها لمن يشاء كما يشاء (٢)، فهذا كلام الإمام الحسن، واحتجاجه بحديث زيد بن علي في الحُجُب يدلُّ على إمكان الرُّؤية في قدرة الله لمن يشاء، وكذلك ما حكاه محمد بن منصور، وقرَّره من ذلك، ومن نحوه، وكفى فيه بقوله (٣) تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقوله: ﴿أو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وإلزامك للإمام الشافعي ﵁ لازم لجميع من ذكرنا من السلف الأكرمين من أهل البيت المطهرين الذين كانوا في خير القرون من التابعين وتابعي التابعين كما هو الظاهر من قول الصحابة السابقين، حيث أجمعت (٤) الأُمة على أنهم سألوا عن ذلك سيد المرسلين لكونهم له مُجَوِّزين، فلم يكن لِسُؤالهم عنه من المنكرين، أفتجوِّزُ كُفرَ سائر مَن رُوِيَ هذا عنه من سلفنا الطاهرين (٥)، والصحابة السابقين، وتشكُّ وتُشكِّك في أنهم من المسلمين، وتجعلهم بذلك من المجروحين، فتكون من الأخسرين؟ فنعوذ من ذلك (٦) بأرحم الراحمين.
ولا بد من إشارة مقنعةٍ إلى جملةٍ صالحة من أدلَّة أهل السنة، وأدلَّة (٧)
_________________
(١) في (ش): يتأولونه.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ب): بقول الله.
(٤) في (أ): اجتمعت.
(٥) في (ش): الصالحين الطاهرين.
(٦) في (ب) و(ج) و(د): من مثل ذلك، وفي (ش): من مثل ذلك بالرحمن الرحيم.
(٧) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ١٦ ]
الإشكال الثامن: قال المعترض: والمكيفة تجسم لا محالة، هكذا من غير ذكر تفصيل ولا خلاف ولا دلالة ومناقشة المؤلف له
المعتزلة في تجويز الرؤية في الآخرة من المعقول والمنقول، وأقوال سلف الأمة، والاحتجاج بالآيات الصَّادعة (١) والعلوم النافعة إن شاء الله تعالى.
الإشكال الثامن: قال المعترض: والمكيِّفة تُجسِّم لا محالة (٢)، هكذا من غير ذكر تفصيل ولا خلافٍ ولا دلالةٍ، وهذا في مثل (٣) هذا الموضع مَعيبٌ أشد العيب، إذ كان من أعظم مواضع النزاع والرَّيب.
واعلم أني مقدِّم ها هنا مقدمة مفيدة قبل الخوض في بيان المراد من هذا الإشكال، وذلك أني لا أرد عليه إنكار التشبيه على المشبِّهة فإني موافق في التنزيه، وقائل ببطلان التشبيه، وإن كنت لا أتعرض لبيان المختار عندي في دقائق الكلام الذي أحكيه، وإنما غرضي في هذا: القيام (٤) بما يجب من الذبِّ عن السُّنن ومذاهب العترة ﵈، فإن المعترض قد ادعى القطع بأن في (٥) كتب الحديث المُسماة بالصحاح أكاذيب معلومةً متعمدة، وادَّعى على كثيرٍ من رواتها تعمُّد الكذب، وحاول بذلك تقبيح الرُّجوع إليها، وقد بيَّنت (٦) فيما سلف إجماع الأمة على الرجوع إليها، والنقل منها، وأن ذلك مشهور في كتب الزيدية، وأن المعترض هو بنفسه لم يسلم من ذلك، حيث نقل عنها في تفسيره، وقد بينتُ نصوص العترة في كتبهم على أنهم من أهل التأويل، وذكرت دعوى الإجماع على قبولهم من عشر طرق، وأن ذلك هو المذكور في كتاب " اللُّمع " في كتاب الشهادات منه كما مضى بحروفه في مسألة المتأولين في أوَّل المجلد الأول (٧)، وحين تقرَّر ذلك، فإنما أُورِدُ ها هنا أدلتهم
_________________
(١) في (د): الساطعة، وفي (ش): الصادقة.
(٢) " لا محالة " ساقطة من (ب).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): المقام.
(٥) سقطت من (ش).
(٦) في (ب): ثبت.
(٧) انظر ٢/ ١٥٥.
[ ٥ / ١٧ ]
في مذهبهم، ليعلم المنصف (١) صدق أهل البيت ﵈، في قولهم: إنهم من أهل التأويل، وحسن نظرهم (٢) وتحريهم وإنصافهم في قبول أخبارهم مع المخالفة، وخشيت إن لم أذكر أدلتهم في ذلك أن يظن الجاهل من أهل بلدنا وعصرنا، أن المعترض هو الصادق لكبر مَحَلِّه في النفوس، فمن ظن بي غير ذلك، أو نقل عني سواه بعد هذا البيان (٣)، كان من المعتدين المتعمدين، والله المستعان.
فأقول: قد تقدم في (٤) الإشكال الخامس عشر بيان عقيدة أهل السنة في كلام الطائفة الثانية منهم الذين خاضوا في علم الكلام على جهة الذب عن كتاب الله ﷿ وعن سنة رسله ﵈ (٥) في مقصدهم. وتقدم ما في معنى الجسم من الاختلاف بين العقلاء من أهل الملل، ثم بين العلماء من أهل الإسلام، والإشارة إلى ذلك فيما تقدم في القاعدة السادسة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان إليه المنتهى في العلوم العقلية والسمعية باتفاق المختلفين، ولذلك سارت بمصنفاته الركبان إلى جميع البلدان، وهي قدر ثلاث مئة مجلد أو أكثر كما ذكر في كتاب " النبلاء" (٦) فانظر في كلامه نظر إنصافٍ، ولا تنظر إلى من قال، ولكن انظر إلى ما قال، وإياك وتقليد الرجال.
وقد ذكر الاختلاف في تفسير الجسم، ثم في تماثل الأجسام، وأن كلام المعتزلة
_________________
(١) تحرف في (ب) و(ش) إلى: المصنف.
(٢) في (ج) و(ش): فطرهم.
(٣) عبارة " بعد هذا البيان " سقطت من (ش).
(٤) سقطت من (أ).
(٥) في (ب) و(ش): رسوله ﵌.
(٦) والترجمة الكاملة التي سيثبتها المؤلف لابن تيمية من كتاب "النبلاء" تعزِّز رأينا في أن الجزء الرابع عشر الذي لم نظفر به حتى هذه اللحظة هو من صلب الكتاب، وليس ذيلًا له كما توهمه بعضهم.
[ ٥ / ١٨ ]
في هذا مبني على تفسير الجسم بأنه المركب من الجواهر، وعلى إثبات الجوهر الفرد، على تماثل الأجسام وأن من المخالفين لهم من يمنع المقدمة الأولى، ومنهم من يمنع المقدمة الثانية، ومنهم من يمنع المقدمتين معًا، ومنهم من يجيب بالاستفسار.
قلت: بل قد اختلفت المعتزلة فيما بينهم في تفسير الجسم على أربعة أقوالٍ، كما ذكره صاحبهم ابن متويه في " تذكرته " في علم الجواهر (١) والأعراض، إذا تقرر هذا، فلا سبيل إلى نسبة العناد، وتعمُّد القول بالباطل إلى من خالف في معنى الجسم وتفسيره، ولا إلى مَن خالف في تماثل الأجسام وقال باختلافها بعد اعترافه باشتراكها في الجسميَّة.
وممن خالف في تماثلها أبو القاسم البلخي وأصحابه من المعتزلة، والفخر الرازي علي ما أشار إليه في " الملخص " (٢) وغيره، وغيرهم من أهل النظر والأثر.
حكاه ابن متوية/المعتزلي، في " تذكرته " عن أبي القاسم، وقد بالغت المعتزلة في دعوى تماثل الأجسام حتى قطعوا أن (٣) النور والظلمة جسمان (٤) متماثلان، وكذلك الغبار، والدخان، واللهب، والسحاب، والجِن، والإنس، والنجوم، والأحجار، والتراب، والأشجار، ومضغ القلوب اللطيفة الذكية التي هي مَحلُّ (٥) المعارف العلمية، وجنادل الحديد الصلبة القوية، والماء، والنار، والفضة، والقارُّ، والأجسام، والأرواح، والأجرام الكثيفة، والرياح، والصخور، والهباء
_________________
(١) في (ش): الجوهر.
(٢) هو في الحكمة والمنطق، وسيعرف به المصنف قريبًا، وقد شرحه أبو الحسن علي بن عمر القزويني المتوفى سنة ٦٧٥ هـ، وسماه " المنصص " واختصره نجم الدين اللبودي، وشرحه شمس الدين اللبودي. انظر " كشف الظنون " ٢/ ١٨١٩.
(٣) في (ب): على أن.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ب): محال.
[ ٥ / ١٩ ]
والأرض، والسماء، بل والموجود من الجواهر والمعدوم، وكذلك من (١) كل جنس معلوم - ذكره ابن متويه في " تذكرته " في الأسئلة الواردة على دليل تماثل الجواهر، وهو يفيد القطع برد قولهم في اللغة التي نزل عليها كتاب الله تعالى، وكيف وقد قال الله تعالى في: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨]، ولو لم يُخالفوا (٢) في هذا الأصل (٣) إلاَّ هذه الآية الكريمة.
وإلى الردِّ عليهم في ذلك أشار أبو السعود بن زيد المطرفي في أرجوزته المشهورة، حيث قال:
ما نحن قلنا: النار مثلُ الماء والقارُ مِثلُ الفِضَّة البيضاء
واعلم أنهم لا يخالفون في القدر الضروريِّ من هذا الاختلاف المشاهد المحسوس، ولكنهم يقولون: إن المرجع بهذا الاختلاف المعلوم إلى اختلاف صفات الأجسام، واختلاف الأعراض التي تحلُّها، بحيث لو تجردت الأجسام عن صفاتها، وما حلها من الأعراض، لوجب تماثلها، واستحال اختلافها، وهذا هو محل النزاع، فإن المخالفين لهم في ذلك يقولون: إن الحق أنا لا ندري لو تجردت (٤) عن ذلك، هل نشاهدها مختلفة أو لا نشاهدها كذلك؟ وعلى تسليم أنا قد رأيناها متجرِّدة، ولم ندرك اختلافها بالحس، فإنا لا ندري، هل اختلافها (٥) من الأمور المحسوسة المُدرَكة أم لا؟ والقطع (٦) في موضع الوقف من المحرمات، وإن لم يترتب عليه أمر كبير، فكيف فيما تركب عليه التفسيق والتكفير، بل تركب عليه الكلام في أسماء (٧) الملك الكبير؟ وقد قال الله تعالى:
_________________
(١) في (ب) و(ش): في.
(٢) في (ج): ولم يخالفوا.
(٣) لم ترد في الأصول ما عدا (أ).
(٤) من قوله: " الأجسام عن صفاتها " إلى هنا ساقط من (ب).
(٥) في (ب): اختلافهما.
(٦) في (ب): وانقطع.
(٧) في (ش): بأسماء.
[ ٥ / ٢٠ ]
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
ولهم في هذا أدلة ينبغي ذكرها وما يَرِدُ عليها، منها: أن الأجسام مشتركة في الجسمية، فيجبُ أن تشترك في كل ما يَجِبُ لها، ويمتنع عليها، ويجوز عليها، وهذه مجرد دعوى لا يحل تسليمها لهم حتَّى يأتوا ببرهانٍ قاطعٍ، وقد تقدم في كلام ابن تيمية تقرير أن الماهية المطلقة مُجرد عبارةٍ لا وجود لها في الخارج، مثل الجسميَّة وسائر ما تشترك الأنواع أو الأشخاص فيه من القدر الكلي المشترك، فإنه لا وجود له في الخارج إلاَّ معينًا مقيدًا، وأن معنى الاشتراك في ذلك هو التشابه من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يُطلق على هذا وعلى هذا، لا أن (١) الموجودات في الخارج يشارك بعضها بعضًا (٢) في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز (٣) عن غيره بذاته وصفاته والمعتزلة ظنت أن الاشتراك في ذلك يُوجب حكمًا، ولذلك قالوا: أن الله قد شارك خلقه في الذاتية، ثمَّ تميز عنهم بعد المشاركة (٤) بالصِّفة الأخص، ونَقَمَ ذلك عليهم غير واحد من العلماء أهل البيت وغيرهم. وقال السيد حميدان (٥) في ذلك:
لقَّبُوا الجسمَ بالذوات ليقضُوا باشتراكٍ في حالةٍ وانفصالِ
وادَّعَوا أن للمُهيمن ذاتًا شاركت ثُمَّ فارقت في خلالِ
_________________
(١) في (ب) و(ج) و(ش): " لأن "، وهو خطأ.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (د) و(ش): " يتميز "، وفي (ب): " تميز ".
(٤) في (ش): ذلك.
(٥) تحرَّف في (ج) إلى " حمدان "، وحميدان: وهو ابن يحيى بن حمدان القاسمي صاحب التصانيف في علم الكلام، والمترجم عن أهل البيت المصرح بمذهبهم، وقال عنه المصنف في " ترجيح أساليب القرآن " ص ٣٢: له رسائل كثيرة في مجلد محتوٍ على ترك التعمق في علم الكلام والبدع في الإسلام مما لا مزيد عليه. وهو مترجم في " مطلع البدور " ورقة ٨٥/ ٢ - ٨٦/ ١.
[ ٥ / ٢١ ]
ثمَّ قاسوا ما فرَّعوه وخاضُوا في شروحٍ لهم عِرَاضٍ طِوَالِ
وقال في ذلك أيضًا في أُرجوزته التي سماها الإمام المطهر بن يحيى ﵇ " المزلزلة لأعضاد المعتزلة "، ومنها في هذا المعنى:
ليس الإله الواحدُ القدوس كما يظنه الذي يقيسُ
مِن وصفه التشريكُ والتجنيسُ بل قولُهم مشاركٌ تلبيسُ
إذ كلُّ فكرٍ دُونَه محبوسُ وكلُّ ما تخالُه النفوسُ
فمدرَكٌ مُكيَّفٌ محسوسُ (١)
وكان كثير من أهل البيت يُصححون ما ذكره السيد حميدان، وكتب غير واحد منهم خطوطهم في مجموعه المعروف أنه اعتقادهم.
وممن أنكر ذلك (٢) على المعتزلة وغيرهم فخر الدين الرازي في كتبه، فمن ذلك في كتابه " الملخص في علم اللطيف والجواهر والأعراض "، وهو كتاب جليل في فنه لم يصنف في معناه مثله، قال فيه في الباب الثالث في الأجسام البسيطة من الجملة الثانية في الجواهر في الكلام على أن الكواكب هل تقبل (٣) الخرق أم لا؟: إن (٤) من قال: إنها تقبله، احتج بتساوي الأجسام بأسرها في الجسمية، إلى قوله في آخر ذلك: وفي هذه الطريقة (٥) أبحاثٌ عميقةٌ أصولها مرت في هذا الباب، وتفاصيلها مذكورة في كتاب " النهاية " (٦) إلى قوله في ذكر
_________________
(١) أوردها في " ترجيح أساليب القرآن " ص ٣٢، مع بيت أخير هو: فاحذر شيوخًا علمها تلبيسُ
(٢) في الأصول ما عدا (أ): هذا.
(٣) في (ب): " تفيد " وهو تحريف.
(٤) في (أ): إلا.
(٥) في (ش): الطريق.
(٦) هو " نهاية العقول في الكلام في دراية الأصول " رتبه على عشرين أصلًا. انظر " كشف الظنون " ٢/ ١٩٨٨.
[ ٥ / ٢٢ ]
سُخُونة الكواكب في هذا الباب: ولِقَائِلٍ أن يقول: الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في تمام (١) الماهية، فلم (٢) لا يجوز أن يكون الكوكب والنار مشتركين في غاية السخونة، لكن الكواكب مخالفةٌ في ماهيتها لماهية النار، فلأجل ذلك كانت النار التي عندنا شفافة إلى قوله في القسم الثاني في البسائط العنصرية: إنه لا يلزم من اشتراك الهواء والنار في الحرارة (٣) والرِّقة اشتراكهما في تمام الماهية.
وقال في الباب الأول في تجوهر الأجسام من الجملة الثانية في الجواهر، في الرد على من قال: إن اختلاف الأعراض لا بد أن يكون لاختلاف صور (٤) مركوزةٍ في تلك الأجسام، لأنها مشتركة في الجسمية إلى قوله: والاعتراض: لا نسلِّم اشتراك الأجسام بأسرها في الجسمية، إلى آخر كلامه.
قلت: وإنما اكتفي بعدم التَّسليم لذلك في جميع المواضع، لأن الخصم لم يأتِ بحُجَّةٍ بيِّنةٍ يقبُحُ إنكارُها إلاَّ مجرَّد تخيُّلات، والامتناعُ في مثل هذا من التسليم أصحُّ من الاستدلال، لأنه لا مجال للعقل في هذه المضايق، فالممتنع أسعد بالحق من المستدل لسلامته من دعوى ما لا يعلم وصدقه في عدم تسليمه (٥) حينئذ، ولأن استدلالهم في ذلك يرجع حاصله على اختلاف عباراتهم إلى أنهم لم يعلموا دليلًا على اختلاف الأجسام، فوجب نفيه، وسيأتي إبطال هذه الطريقة، وأنه لم يَقُمْ عليها دليل، فالامتناع من تسليمها يكفي، إذ كان قولهم: إنها حجة مجرد دعوى.
وقال قبل هذا في هذا الباب في رد الحجة الثالثة من أدلة من زعم أن
_________________
(١) في (ب): دليل.
(٢) في (ب): ولم، وفي (ش): وإلا.
(٣) عبارة " في الحرارة " سقطت من (ش).
(٤) في (ش): صورة.
(٥) في (ب): التسليم.
[ ٥ / ٢٣ ]
الجسم مركبٌ من الهيولى والصورة.
وأما الثالثة، فهي بعد تسليم أن الفلك يستحيل عليه التغير في المقدار والشكل مبنية (١) على أن الأجسام متحدة في الطبيعة الجسمية، لكن ذلك مما لم (٢) يثبت بدلالةٍ قاطعةٍ.
وقال في " نهاية العقول " في الأصل الثالث في حدوث الأجسام في المسلك الأول من المسالك الثلاثة في سبب اختصاص الجسم بحيِّز (٣) مخصوص، وهو الحجة الأولى لخصوم أهل الأثر ما لفظه: قولكم: إن الجسمية أمر مشترك بين الأجسام.
قلنا: لا نسلِّم، والذي يدل على ذلك أنها لو كانت مشتركة بين أفراد الأجسام، لكانت شخصية (٤) كل واحد من الأجسام زائدة على جسميته، لأن ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، لكن يستحيل أن تكون شخصية الجسم المشخص زائدة على جسميته، فإن انضمام ذلك الزائد إلى الجسمية (٥) في الخارج يتوقف على حصول الجسمية في الخارج، وحصول الجسمية في الخارج يتوقف على (٦) شخصه الذي هو عبارة عن انضمام ذلك الزائد إليه، ويلزم من ذلك الدور، فثبت أن القول بكون الجسمية أمرًا مشتركًا بين أشخاص الأجسام يؤدي إلى هذا المحال، فيكون مُحالًا.
لا يُقال: المعقول من الجسمية إنما هو شغل الحيز، ومنع الغير أن يكون بحيث هو، وهذا القدر مشتركٌ، لأنا نقول: ليس الشغل والمنع (٧) نفس
_________________
(١) في (ج): مثبتة.
(٢) في (ش): ما لا.
(٣) في (ب): تحيز.
(٤) في (أ) و(د): شخصيته.
(٥) من قوله: " فإن انضمام " إلى هنا ساقط من (ب).
(٦) من قوله: " حصول الجسمية " إلى هنا ساقط من (ج).
(٧) في (ش): والمنفي.
[ ٥ / ٢٤ ]
الجسمية، بل حكمٌ من أحكامها، ولا يلزم من الاشتراك في المؤثِّر الاشتراك في الأثر، ويدل عليه أمور ثلاثة:
أحدها: أن الذات حال الحدوث يجب افتقارها إلى الفاعل، وحالة البقاء يمتنع افتقارها إليه، مع أن الذات واحدة في الحالين، فإذا جاز أن ينقلب الشيء الواحد من الوجوب إلى الامتناع الذاتيين بحسب زمانين، فلأن يجوز (١) ذلك في المثلين أولى. وأيضًا فلأن الجوهر الحادث مثل الباقي، ثم لا يلزم من تماثلهما تساويهما في صحة المقدورية، وامتناعها، فكذا ها هنا، وكذا العَرَضُ الذي لا يبقى يصحُّ أن يحدث في زمان عدمه مثله، ولا يلزم من صحة حدوث مثله في ذلك الزمان صحة وجوده في ذلك الزمان، وكذا (٢) ها هنا.
الثالث: أن الممكن المعين يحتاج إلى مؤثِّر معين أو شرط معين، وعلة تلك الحاجة هي الإمكان، لأنا لو رفعنا الإمكان بقي إما الوجوب أو الامتناع، وهما مستغنيان عن المؤثِّر، ثم إن الإمكان (٣) مشترك بين الممكنات، ولا يلزم من اشتراكها في الإمكان اشتراكها في الحاجة إلى ذلك المؤثر المعين، أو إلى ذلك الشرط المعين، لأن أكثر الطوائف أثبتوا مؤثرًا غير الله تعالى، فإن بعضهم زعم أن العبد مُوجِدُ، وبعضهم أثبث معاني توجب أحوالًا، وبعضهم أثبت طبيعة وعقلًا ونفسًا.
ثم إن سلمنا أنه لا مؤثِّر إلاَّ الواحد، ولكن لا نِزَاعَ في كثرة الشروط إذ الجوهر شرط العرض، والحياة شرط العلم، وذلك مما لا خلاف فيه بين
_________________
(١) في (أ) و(د) و(ش): " فلأن لا نجوز "، والمثبث من (ب) و(ج) وجاء في هامش (أ) ما نصه: صوابه فلأن نجوز، والتصويب مبني على ثبوت " لا " النافية، وهي غير ثابتة في الأصل، بل مصحح عليها في هامش الأصل والتصويب عليه.
(٢) في (ب) و(د) و(ش): فكذا.
(٣) من قوله: " لأنا لو رفعنا " إلى هنا ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٢٥ ]
العقلاء. ومعلوم أن حاجة المشروط إلى الشرط لإمكانه، والشرط علة لصحة المشروط، ومع أنه لا (١) يلزم من احتياج صحة ذلك المشروط إلى ذلك الشرط احتياج كل صحة إلى ذلك الشرط، فثبت أنه لا يلزم من الاشتراك في المقتضى الاشتراك في الحكم.
ثم إن سلمنا أن الاشتراك في السبب يقتضي الاشتراك في الحكم (٢)، ولكن متى؟ إذا فُقِدَ الشرط، أو إذا (٣) وُجِدَ مانعٌ، أو إذا لم يكن كذلك، الأول ممنوع، والثاني مسلم بيانه. وهو أن الأشياء المتماثلة في تمام الماهية لا بد وأن تكون متمايزة تشخيصاتها وتعييناتها (٤)، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فإذًا تشخيص كل شخص يكون زائدًا على ماهيته (٥)، ولأن المتصور من هذا الجسم لا يصح أن يكون محمولًا على كثيرين، مع أنا نعلم بالضرورة أن المتصور من الجسم داخل في المتصور من هذا الجسم، فعلمنا أن المتصور من هذا الجسم (٦) دخل (٧) فيه مفهوم زائد على المتصور من الجسم، وإذا ثبت ذلك، ظهر أن تعيُّن كل شخص زائد على حقيقته، وإذا كان كذلك، فمن المحتمل أن تكون شخصية الشخص المعين من الأجسام المتماثلة تكون شرطًا لاقتضاء الجسمية للحصول في ذلك الحيز، أو تكون شخصية الجسم الآخر مانعة من ذلك الاقتضاء، وإذا كان كذلك، لم يلزم من اشتراك الأجسام في تمام الجسمية، وكونها موجبة الحصول في الحيز المعين اشتراك كل الأجسام في ذلك، وبهذا التقدير يتبين أن المقدمة المشهورة من أن المتماثلات يجبُ استواؤُها في جميع اللوازم مقدمة ضعيفة.
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) من قوله: " ثم إن سلمنا " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) في (ب): وإذا.
(٤) في (ب): شخصياتها وتعيينها.
(٥) في (ش): ماهية.
(٦) من قوله: " لا يصح " إلى هنا سقط من (ش).
(٧) من قوله: " داخل في المتصور " إلى هنا سقط من (ج).
[ ٥ / ٢٦ ]
لا يقال: التعيين أمرٌ عَدَميٌ، فإن معناه أنه ليس غيره، والقيد العدمي لا يصلح أن يكون جزءًا (١) من المقتضى، لأنا نقول: لا نُسلِّم أنه أمر عدميٌّ، وبتقدير تسليمه، فالمقصودُ حاصلٌ أيضًا، لأنه لا نزاع بين العقلاء أن العدم يصلح أن يكون شرطًا، ألا ترى أن عدم الضدِّ شرطٌ لصحة حلول الضد الآخر في المحلِّ؟ انتهى بحروفه ذكره الرازي فيما يرد على دليل الأكوان مع غيره.
ثم عقَّب الجواب على الجميع، فأجاب على المنع من تماثل الأجسام بجوابهم المعروف في الاستدلال على عدم الشيء بعدم الدليل عليه، وأشار إلى ضعفه، وقد بالغ في بطلانه، كما يأتي الآن في الحجة الثانية، وقوَّى أنه التعيُّن (٢) وصفٌ عدمي، وأن الدور غير لازم، وترك صحة كونه شرطًا بغير جواب لأنه قوي عنده كما ذكره في غير موضعٍ، ومن احتج بهذا في إثبات الصفة الأخص، يلزمه أن يكون التعيين وصفًا ثبوتيًا، لأنه يجعل تميز الرب سبحانه عن غيره يستلزم ذلك حيث كان قد شارك الذوات في أنه ذاتٌ، ثم تميَّز عنها بتعيُّن ذاته وتميزها، فتأمل ذلك، بل هذا يلزمه تجويز مثل ذلك في كل متمايزين يحتملان مثل ذلك، ولو بمجرد احتمال.
ولهذه الشكوك في طرق المتكلمين اختار الإمام المؤيد بالله في كتاب " الزيادات " الاستدلال على ثبوت الباري بالأحكام الذي في المخلوقات وحسن التقدير، ثم أجاز بعد ذلك أن يستدل على خلق (٣) سائر المخلوقات بالسمع.
قلت: وصح (٤) في طريق على قوتها الاستدلال على الله تعالى بالمعجزات، فإنها حادثة بالضرورة ومخالفة للطبع بالضرورة، وهي (٥) طريقة
_________________
(١) في (أ) و(ش): " جزاء "، وهو خطأ.
(٢) في (ش): التعيين.
(٣) سقطت من (ش).
(٤) في (ج): وأوضح.
(٥) من قوله: " ومخالفة للطبع " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٥ / ٢٧ ]
مُجمعٌ على صحتها عند المتكلمين والسلف والخلف، وفي هذا ما ترى من شهرة النزاع بين أئمة هذا الفن في الأمرين معًا:
أحدهما: نزاعُهم في تماثل الأجسام في الجسمية.
وثانيهما: نزاعهم في أن تماثلها على تسليمه يُوجِبُ استواءها في جميع اللوازم.
وإنما سقتُه بطوله، ليعلم الواقف على ذلك وأمثاله من قواعد هذه المسألة أن المخالف فيها غير معلوم العناد (١) والتعمُّد، فيكون من أهل التأويل الذي يجوز قبول حديثهم عند الجمهور، بل يجب على ما تقدم.
ويُشبه هذا ما ذكر الإمام يحيى في مقدمات " التمهيد "، والرازي في مقدمات " النهاية " من تضعيف المقدمتين المشهورتين عند المتكلمين، أحدهما -وهي الثالثة (٢) في " التمهيد " والثانية في " النهاية "-: استدلالُهم بتساوي الشيئين في بعض الوجوه على تساويهما مطلقًا، وذكرا لذلك أمثلة، ثم ذكرا أنها ضعيفة جدًا، وساقا الدليل على ذلك، ونزاعهم في أدلتهم بعدم (٣) التسليم، ومن أحب معرفة ذلك، وقف عليه في موضعه، فقد نبَّهت على ذلك (٤)، والدليل على من ادعى صحة ذلك، فلم نحتج نطوِّل بذكره (٥). ومما تطابقا على التمثيل، والرد له قول البهاشمة (٦): لو كانت معاني صفات (٧) الله قديمة، كانت
_________________
(١) في (ش): بالعناد.
(٢) في (أ) و(ش): الثانية.
(٣) في (ج): " بعد "، وفي (ش): مقدم.
(٤) من قوله: " ونزاعهم في أدلتهم " إلى هنا سقط من (ب).
(٥) في (ب) و(ش): ذكره.
(٦) هم أصحاب أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، وهما من معتزلة البصرة، انفردا عن أصحابهما بمسائل، وانفرد أحدهما عن صاحبه بمسائل. انظر " الملل والنحل " ١/ ٧٨، و" اعتقادات فرق المسلمين والمشركين " للرازي ص ٤٠ - ٤١.
(٧) سقطت من (ج).
[ ٥ / ٢٨ ]
مساوية لذاته في القدم، فيجب تساويها في جميع الوجوه، فتكون أربابًا.
الحجة الثانية: للمعتزلة على تماثل الجواهر والأجسام، بل (١) جميع المستقلات بأنفسها التي سموها أجسامًا، هي أنه لا دليل على اختلافها (٢) في ذواتها، وما لا دليل عليه يجب نفيه. ممَّن عوَّل على هذا منهم: مدقِّقُهم ومحققهم الشيخ ابن متويه في " تذكرته "، وهذا لفظه: قوله: فإن قال: كونه جواهرًا (٣) مختلفًا (٤) في الذوات، وكذلك تحيُّزه، وكذلك الوجود، فلا يجب لأجل الاشتراك فيما ذكرتم أن يُقضى بالتماثل.
قيل له: إن هذه الصفات لو اختلفت، لكان إلى اختلافها طريقٌ والطرق (٥) التي بها يعرف اختلاف الصفات إما الإدراك، أو الوجدان (٦) من النفس، أو اختلاف الأحكام. انتهى بحروفه.
وتلخيصه: أن الجواهر متغايرةٌ في ذواتها (٧) بالاتفاق وتماثُلُها غير معلومٍ ضرورةً بالاتفاق (٨)، فاحتاج القائل به إلى برهانٍ صحيحٍ قاطعٍ، ولم يأتوا بشيءٍ من ذلك. فأجاب الشيخ ابن متويه بقاعدتهم المشهورة الباطلة عند النُّقاد، وهي: أن ما لم يقُم الدليل على ثبوته يجبُ نفيه، وقد ردَّ هذا بأن القديم في الأزل لا (٩) دليل عليه مع وجوب (١٠) ثبوته حينئذٍ، فكان يلزمهم وجوب نفيه
_________________
(١) في (ش): في.
(٢) في (ش): اختلاف.
(٣) في (ش): جواهر.
(٤) في (د) و(ش): مختلف.
(٥) في (ش): الطريق.
(٦) في (ب): " والوجدان "، وهو خطأ.
(٧) في (ج) و(ش): ذاتها.
(٨) عبارة " وتماثلها غير معلوم ضرورة بالاتفاق " ساقطة من (ب).
(٩) ساقطة من (أ).
(١٠) في (أ): وجود.
[ ٥ / ٢٩ ]
حينئذٍ، ولأن ذلك ليس بأولى من أن ما لم يقم دليل ٌعلى نفيه يجب ثبوته، ذكره الشيخ مختارٌ المعتزليُّ من أصحاب أبي الحسين في كتابه " المجتبى "، وحكى ابن متويه في " تذكرته " أن الشيخ أبا القاسم البلخيَّ الكعبي (١) شيخ البغدادية خالفهم في ذلك، وكذلك حكى البحتري (٢) في جواب المسائل القاسمية، أن إنكار ذلك هو قول القاسم بن إبراهيم ﵇ وقول أتباعه، واحتجَّ على ذلك، وذكر الشيخ مختار في " المجتبى " أن ذلك قول أكثر المحققين، وجوَّد الاحتجاج على ذلك في المسألة الثانية عشرة من خاتمة أبواب العدل، فلينظر فيه (٣).
ولنذكر كلام المحققين في بطلان (٤) ذلك من غير تقليدٍ لهم، ولكن نُورِدُ الأدلة للنُّظَّار ليعلموا الصَّحيح، ثم ليعلموا أن المخالف في مثل هذه الدقائق معدودٌ من المتأولين المقبولين (٥) في الأخبار، فَمِنَ المزيِّفين لهذه الطريقة: الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة -﵇- فإنه بالغ في إبطالها في أوائل " التمهيد " في الفصل الثالث في مسالك المتكلمين الفاسدة، قال ﵇: وهي خمس، قال ﵇ (٦): الأولى: قولهم: الشيء الفلاني لا دليل عليه، وما لا دليل عليه يجب نفيُه، وساق ﵇ كلام الرَّازيِّ الآتي الآن بألفاظه إلاَّ اليسير، إلى قوله: إن الدليل إنما يفيد العلم إذا كانت مقدماته بديهية أو لازمة للبديهية (٧)، وأقتصر على ذلك القدر، وفيه كفاية، ولما اشترك فيه هو والرازي، وزاد الرازي (٨) عليه، أوردتُ كلام الرازي لتضمنه كلام الإمام وزيادته
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (د): البحيري.
(٣) من قوله: " وقد ردَّ هذا " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) " قال ﵇ " ليست في (ش).
(٧) في (ش): للبديهة.
(٨) عبارة " وزاد الرازي " ليست في (ج).
[ ٥ / ٣٠ ]
عليه كراهيةً للتطويل (١)، بسياق كل كلام على انفراده.
فأقول: قال الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة في مقدمات " التمهيد "، وفخر الذين الرازي في مقدِّمات " نهاية العقول "، واللفظ له: الفصل (٢) السابع في تزييف الطرق الضعيفة، فالأُولى: أنهم متى حاولوا نفي شيءٍ غير معلوم الثبوت بالضرورة، قالوا: إنه لا دليل عليه، وما لا دليل عليه، فيجب (٣) نفيه، أما بيان أنه لا دليل عليه، فإنما يُثبتُونَه بنقل أدلة المثبتين لذلك الشيء، ثم ببيان فسادها وضعفها، وقد يقيمون الدلالة على حصر وجوه الأدلة، ثم يكتفون في بيان انتفائها بعدم وجدانهم لها، والأول أولى، لأنه إذا كان لا بد في آخر الأمر من التعويل على عدم الوجدان، فلأن نتمسك به ابتداءً حتى نُسقِطَ عن أنفسنا بيان حصر وجوه الأدلة أولى.
قلت: يعني لأنه لا دليل لهم على انحصار الأدلة في طريقة الحصر والسبر إلاَّ عدم الوجدان.
قال: وأما بيان أن ما لا دليل عليه وجب نفيهُ، فهم يثبتونه من وجهين:
الأول: أن تجويز ما لا دليل عليه يلزم منه القدح في العلوم الضرورية والعلوم النظرية، وما أدى إليه يجب أن يكون فاسدًا.
بيانُ أدائه إلى القدح في العلوم الضرورية (٤) أنا إذا جوَّزنا إثبات ما لا دليل عليه يلزم تجويز أن يكون بحضرتنا جبالٌ شامخة وأصوات هائلة، ونحن لا ندركها، لأن الله خلق في عُيوننا ما يعارض إدراكها، ولعل لكل واحدٍ منا ألف رأس، إلاَّ أنه قام بالعين ما يمنع إدراك ما عدا الواحد منها، وإن لم نُقِم دليلًا (٥)
_________________
(١) في (ش): التطويل.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ب) و(ش) و(ج): وجب.
(٤) من قوله: " والعلوم النظرية " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) في (ب): " يقم دليلًا "، وفي (ش) و(ج): " يقم دليل ".
[ ٥ / ٣١ ]
على إثبات المانع، وبيان أدائه إلى القدح في العلوم النظرية: أنا إذا استدللنا بدليل على شيء، فإذا جوَّزنا ثبوت ما لا دليل عليه، فلعل في مقدمات ذلك الدليل غلطًا لم نقف عليه نحن ولا غيرنا، ومع هذا التجويز لا يمكن حصول اليقين، فإذا لا بد من دفع هذا التجويز، ودفعُه لو كان بدليل آخر، لكان الكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم منه حاجة كل دليل إلى دليل آخر، لا إلى نهاية، وذلك محالٌ، فإذا لو لم نقطع بنفي ما لا دليل على ثبوته، لم يمكنا أن نجزم بصحة الدليل، فثبت أن تجويزنا ما لم تقُم الدلالة على ثبوته يؤذن بالقدح في الضروريات والنظريات. زاد الرازي.
الثاني: أن الأمور التي لم يدل الدليل على ثبوتها غير متناهية، فلو جاز إثبات ما هذا شأنه، لزم إثبات أمورٍ لا نهاية لها، وذلك محالٌ، فهذا تقرير هذه الحجة، وهي عندي ضعيفة جدًا.
ثم اتفقا في رد الشبهة، فقالا: قولُكم في المطلوب المعين: إنه لا دليل عليه، تعنُون به أنكم لم تعرفوا دليل ثبوته، أو تعنون أنه ليس في نفس الأمر عليه دليل.
فإن عنيتُم (١) به الأول، كان حاصل كلامكم (٢) أن الشيء الفلاني لم نعرف على ثبوته دليلًا، وكل ما لا (٣) نعرف على ثبوته دليلًا وجب نفيه، وعلى هذا التقدير تكون المقدمة الأولى خفية، لكن المقدمة الثانية ظاهرة الفساد، لأنه لو كان عدم علم الإنسان بدليل ثبوبت الشيء دليلًا على عدم ذلك الشيء، لزم من هذا أن يكون العوام كلهم جازمين بنفي الأمور التي لا يعلمون دليلًا على ثبوتها، ولزم كون المنكرين لوجود الصانع، والتوحيد، والنبوة (٤)، والحشر
_________________
(١) في (أ): " عينتم "، وهو تحريف.
(٢) في (ش): الكلام.
(٣) في (ش): لم.
(٤) في (أ): والنبوءة.
[ ٥ / ٣٢ ]
عالمين، لكونهم (١) غير عالمين بأدلة ثبوت هذه الأشياء، بل يلزم أن يكون الإنسان كلما كان أقل معرفة بالدلائل أن يكون أكثر علمًا. وفساد هذا أكثر من أن يُحتاج فيه إلى الإطناب.
وإن عنيتم به الثاني، كان معنى كلامكم أن (٢) الشيء الفلاني لا دليل على ثبوته في نفس الأمر، وكل ما كان كذلك وجب نفيه، وعلى هذا التقدير تكون هذه (٣) المقدمة الثانية صحيحة، لكن المقدمة الأولى لا تتقرر (٤) بتزييف أدلة المثبت (٥) له لأنه من الجائز أن يكون على ثبوت ذلك الشيء دليل وإن لم يقف المثبت له على ذلك الدليل هنا.
وبالجملة لا يلزم من الوجوه التي تمسك بها المثبت في إثبات ذلك الشيء ألاَّ يكون (٦) على إثبات ذلك دليل غير معلوم للمثبت.
ثم إن سلمنا أنه لا دليل عليه في الحال، ولكن من الجائز أن يوجد بعد ذلك ما يدلُّ عليه، وهو إخبار الشرع عنه، ومعلوم أن خبر الشارع عن ثبوت الشيء يفيد العلم به، إذا كان لم يتوقف العلم لكون الشارع صادقًا على العلم به. فما دام يبقى احتمال أن يخبر الشارع عن ثبوته، استحال الجزم بعدمه، ولولا صحة هذه الطريقة (٧) لزمنا أن نقطع بعدم وقوع هذه الممكنات التي لا طريق إلى العلم بوقوعها إلاَّ إخبار الشرع، نحو مقادير السماوات والأرض والكواكب، وأحوال الجنة والنار، ومقادير الثواب والعقاب، وحصول الملائكة
_________________
(١) في (ش): بكونهم.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ب): تقرر.
(٥) في (ش): المثبتين.
(٦) في (ش): إلاَّ أن يكون.
(٧) في (ش): الطريق.
[ ٥ / ٣٣ ]
والجنِّ عندنا، ثم وإن سلمنا أنه لا دليل على ثبوته في الحال والاستقبال، فَلِمَ قلتم بأن ما كان كذلك وجب نفيه؟
قوله: يلزم من تجويزه القدحُ في العلوم الضرورية.
قلنا: العلم بعدم الجبل بحضرتنا (١)، وبعدم الرؤوس الكثيرة للشخص الواحد، مما يكون متوقفًا على العلم بأن ما لا دليل علبه يجب نفيه أو لا يتوقف، فإن كان متوقفًا، لم يكن حصول العلم بأنه لا جَبَلَ بحضرتنا إلاَّ بعد العلم بأن ما لا دليل عليه وجب نفيُه، ويلزم من ذلك محذوران:
أحدهما: أنه إذا كان العلم بعدم كون الجبل بحضرتنا متوقِّفًا على العلم بأن ما لا دليل عليه يجب نفيه، وهذا القائل قد بنى قوله على أن ما لا دليل عليه وجب (٢) نفيه، على أن القدح فيه يفضي إلى كون الجبل بحضرتنا، فحينئذٍ يلزم الدَّورُ.
وثانيهما: أنه إذا كان العلم بعدم الجبل بحضرتي موقوفًا (٣) على العلم بأن ما لا دليل عليه يجب نفيُه، فحينئذ يكون عدم الجبل بحضرتي علمًا نظريًا مستفادًا من دليل، فلا يلزم من القدح فيه القدح في العلم الضروري. وأما إن لم يكن العلم بعدم الجبل بحضرتي موقوفًا على العلم بأن ما لا دليل عليه وجب نفيه، لم يلزم من عدم العلم بأن " ما لا دليل عليه وجب نفيه " زوال العلم بأن لا جبل بحضرتنا، فإن (٤) ما لا يتوقفُ حصوله على حصول غيره لم يلزم من عدمِه عَدَمُه.
وأما قوله: يلزم منه القدح في العلوم النظرية لاحتمال أن يكون هناك غلطٌ غير معلومٍ.
_________________
(١) في (ب) و(ش): " بحضرتي "، وكتب فوقهافي (أ): " تي ".
(٢) في (ب): يجب.
(٣) في (ش): متوقفًا.
(٤) في (ش): وأما.
[ ٥ / ٣٤ ]
قلنا: قد بينا أن الدليل إنما يفيد (١) العلم إذا كان (٢) مقدماته بديهية ابتداء، أو تكون بديهية (٣) اللزوم عن البديهي ابتداءً (٤)، فعلى (٥) هذا إنما نحكم بصحة النتجية عند العلم بصحة المقدمات، لا عند عدم العلم بفسادها، فأين أحد البابين عن الآخر. انتهى ها هنا كلام الإمام يحيى بن حمزة -﵇- وزاد الرازي:
وأما قوله: ما لا دليل على ثبوته (٦) لا نهاية له، فلو جاز إثبات (٧) ما هذا شأنه، لزم إثبات ما لا نهاية له.
قلنا: إن قام دليل قاطع على استحالة (٨) وجود ما لا نهاية له، لم يلزم من الجزم بعدم ما قام الدليل على امتناع حصوله الجزم بعدم ما لم يقم الدليل على امتناع حصوله لظهور الفارق، وإن لم يقم دليل على امتناع حصوله (٩)، لم يمكنا (١٠) القطع بعدم حصوله (١١)، فالحاصل أنهم قاسوا عدم حصول الشيء على عدم حصول ما لا نهاية له، ونحن نقدح في هذا القياس، إما بإظهار الفارق، أو بمنع الحكم في الأصل، وبنحو هذا يُجاب على من قال منهم: إنهم لا يقولون بأن ذلك حجة إلاَّ حيث يؤدي عدم الاحتجاج به إلى المحال،
_________________
(١) في (ش): يفيد نفيه.
(٢) في (ش): كانت.
(٣) في (ب): بديهته.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ب): وعلى.
(٦) في (ش): ثبوت ما.
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) في (أ): استحال.
(٩) من قوله: " الجزم بعدم " إلى هنا ساقط من (ش).
(١٠) في (ش): يمكن.
(١١) عبارة " لم يمكننا القطع بعدم حصوله " ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٣٥ ]
أو نحو ذلك، فيجاب عليه بوجوه:
أحدها: أنه إذا لم يحتجَّ به إلاَّ في نحو (١) ذلك، جاز أن لا تكون الحجة (٢) إلا في لزوم المحال من بطلانه، لأنه يلزم من ارتفاع أحد النقيضين حصول الآخر، وهذا انتقال من موضع الخلاف الذي لم يثبت فيه برهانٌ إلى موضع الوفاق، وهذا مثل من يحتج بدليلٍ ظنِّي في موضع القطع، فإذا نُوقِشَ في ذلك، قال: إني لا أحتجُّ به إلاَّ مع دليلٍ قاطعٍ.
وثانيها: أن ذلك يؤدي إلى أن تكون المقدِّمة الكبرى (٣) في البرهان جزئية، وذلك لا ينتج، فإنَّك متى قلت: هذا الأمر لا دليل عليه (٤)، وبعضُ ما لا دليل عليه، يجب نفيه، فيجب نفي هذا، كنت مثل من يقول: العالم متغيرٌ وبعض المتغير مُحدّث، فالعالم مُحدثٌ.
وثالثها: أنهم إذا اعترفوا بأن ذلك غير حجَّةٍ دائمة، فقد اعترفوا بأنه غير جُجَّةٍ في نفسه وهو المراد، والله أعلم، بل ربما رجع كلامهم في هذا إلى ما تقدم من امتناع تجويزنا الجبل (٥) عندنا فتحرر (٦) ما قال الرازي.
ثم إن سلمنا أن ما ذكروه يقتضي أن ما لا دليل عليه وجب نفيه، ولكنا نقول: لو لَزِمَ من نفي دليل الثبوت الجزم بالعدم، للزم منه أيضًا الجزم بالوجود، وذلك متناقضٌ، وما ينتج المتناقض (٧) كان باطلًا، فإذًا هذه الطريقة باطلة.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): حجّه.
(٣) في (ش): الأولى.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ب): " الجبال " وهو خطأ.
(٦) في (ب): " فتحرروا " وهو خطأ.
(٧) في (ج): " المنتقض "، وفي (ش): التناقض.
[ ٥ / ٣٦ ]
بيان ما ذكرنا من وجهين:
الأول: هو أن جزم (١) النَّافي بالنفي أمرٌ ثبوتيٌّ، فإما أن يلزم من عدم الجزم بالنفي الجزم بالثبوت أو لا يلزم، فإن لزم (٢)، فنقول: كما لم يوجد ما يقتضي ثبوت المطلوب، لم يوجد ما يقتضي الجزم (٣) بالنفي، فليس الاستدلال بعدم دليل ثبوت الشيء على ثبوت الجزم بانتفائه بأولى من الاستلال بعدم دليل ثبوت الجزم بالنفي على حصول المطلوب.
وإما أن تحصل (٤) الدلالتان معًا، فحينئذٍ يلزم منه الجزم بالثبوت والعدم، وهو محالٌ، وإما أن لا يحصُل واحدٌ منهما، فيكون ذلك (٥) اعترافًا بأن عدم دليل الثبوت لا يقتضي الجزم بالنفي، وأما إن كان لا يلزم من عدم الجزم بالنفي (٦) الجزم بالثبوت، فذلك إنما يكون إذا كان بينهما واسطةٌ، وإذا كان كذلك، لا يلزم من عدم ما يقتضي الجزم بالثبوت (٧) الجزم بالنفي لاحتمال القسم الثالث، وهو عدم الجزم أصلًا وحصول التوقف.
قلت: وهذا الوجه هو المعتمد، وفيه كفايةٌ لما يظهر في الوجه الثاني من (٨) قبيل المعارضة دون التحقيق.
قال الرازي: الثاني: سلمنا هذا، ولكن، إن جاز (٩) أن يُستدل بعدم دليل
_________________
(١) في (ش): رجم.
(٢) في (ب): يلزم.
(٣) في (ب) و(ش) ثبوت الجزم.
(٤) في (ب): يحصل.
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) من قوله: " وأما إن كان " إلى هنا ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): وأما إن كان لا يلزم من عدم ..
(٨) في (ب) و(ش): أنه من.
(٩) في (ش): إن سلمنا جاز.
[ ٥ / ٣٧ ]
الثبوت على النفي، جاز أن يُستدل بعدم دليل (١) النفي على الثبوت، فيلزم من ذلك الجزم بالإثبات والنفي معًا، وهو محال.
لا يقال: فرقًا بينهما من وجوهٍ أربعة:
أحدها: هو أن دليل النفي إما أن يعني به عدم دليل الثبوت، أو يعني به وجود دليل النفي. فإن عنى به الأول، كان عدم دليل النفي عبارة عن عدم دليل الثبوت، وهو نفس دليل (٢) الثبوت، فيكون حاصله الحكم بالإثبات لوجود دليل الثبوت، وذلك لا نزاع فيه، وإن عنى به الثاني، لم يلزم من عدم ما ينفي وجود الشيء حصول ذلك الشيء لاحتمال حصول عدمه بالطريق الأول، وهو عدم المثبت.
وثانيها: أن دليل كلِّ شيء على حسب ما يليق به، فدليل الثبوت يجب أن يكون ثبوتيًا، ودليل النفي يجب أن يكون عدميًَّا.
وثالثها: إذا لم نجد على (٣) إنسانٍ ما يدلُّ على نبوته، قطعنا (٤) إنه ليس بنبيٍّ، وليس إذا لم نجد عليه ما يقدح في نبوته يقطع بكونه نبيًا.
ورابعها: أنا لو نفينا ما لم يوجد دليل ثبوته، لزم نفي أمورٍ غير متناهيةٍ، وهو غير ممتنع، أما لو أثبتنا ما لم يوجد دليل عدمه، لزم (٥) إثبات ما لا نهاية له، وذلك ممتنع، فظهر الفرق، لأنا نقول: أما الأول، فهو معارضٌ بمثله، لأن من قال في الشيء المعين: إنه لا دليل على ثبوته، فيقال: إن دليل الثبوت قد يراد به عدم دليل العدم، وقد يراد به ما يقتضي نفس الثبوت، فإن عنيت الأول،
_________________
(١) من قوله: " الثبوت " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): ذلك.
(٣) سقطت من (ش).
(٤) في (ش): وطعنا.
(٥) في (ب): لزمه.
[ ٥ / ٣٨ ]
كان معنى قولك لم يوجد دليل الثبوت، أنه قد عدم دليل الثبوت، أنه قد عُدِمَ دليل الثاني، وذلك هو نفس وجود (١) دليل العدم، فيكون حاصله الحكم بالنفي لوجود ما يقتضي دليل النفي، وذلك غير هذه الطريقة، وإن عنيت الثاني، لم يلزم من عدم ما يقتضي الثبوت إلاَّ يكون الثبوت حاصلًا لاحتمال أن يحصل بواسطة الطريق الثاني، وهو عدم دليل العدم.
وأما قوله: دليلُ كل شيءٍ بحسب ما يليق به.
قلنا: هذا كلامٌ إقناعيُّ، ثم إنه باطل، لأنا توافقنا على أنه يجوز الاستدلال بعدم شيءٍ على ثبوت شيءٍ آخر، بل ذلك هو الحق، فإنه يلزم من ارتفاع أحد النقيضين القطع بحصول النقيض الآخر (٢).
قوله: إذا لم يجد إنسانٌ ما يدل على نبوَّته، قطعنا أنه ليس بنبي.
قلنا: لا نُسلِّم، بل إنما نقطع بذلك لقيام الدلالة القاطعة على أنه لا نبي بعد محمد - ﷺ -، ولولا ذلك لما قطعنا به.
قوله: لو نفينا ما لم يوجد دليل ثبوته، لزمنا نفي ما لا نهاية له، ولو أثبتنا وجود ما لا دليل على نفيه، لزمنا إثبات ما لا نهاية له.
قلنا: نحن لا (٣) ندعي أن الاستدلال بعدم دليل النفي على الثبوت (٤) طريقٌ مستقيمٌ، بل نقول: إنه لا فارق في العقل بين الاستدلال لعدم دليل الثبوت على النفي وبين الاستلال بعدم دليل النفي على الثبوت، ولكن ذاك محالٌ لوجوه: منها ما ذكرتم أنه يلزم منه إثبات ما لا نهاية له، فيكون ما ذكرتموه باطلًا، وهذا إنما يتمشَّى لو دلَلْنَا على أنه يلزم من أحدهما الآخر، أما لو لم يدل
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): ثبوت.
[ ٥ / ٣٩ ]
عليه، فهذا الكلام غير جيد، وفي هذا الموضع مزيدُ نظرٍ. وبالله التوفيق.
انتهى كلام الرازي، وقد جوَّده وطوَّله، لأنه يُحيل (١) إليه من بعد بأدنى إشارة، كما قال في دليل الأكوان بعد المنع من تماثل الأجسام مُحتجًا للخصوم بحجَّتهم المعروفة التي فرغنا من تزييفها ما لفظه.
قوله: لا نُسلِّم (٢) أن الجسميّة أمرٌ مشترك.
قلنا: المرجعُ في تماثل المتماثلات واختلاف المختلفات، إما إلى العقل، أو إلى الحسِّ، وكلاهما حاكمان بتساوي الأجسام في الجسمية، لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات، وصريح العقل شاهد بأن هذا القدر غير مختلف في أفراد الأجسام، وأما في الحس، فلأن كل جسمين يتساويان فيما عدا الجسمية من الصفات، فإنه يلتبس أحدهما بالآخر حتى يظن أن أحدهما هو الآخر، ولو كان الاختلاف في الجسمية حاصلًا، لما حصل الالتباس (٣).
قال الرازي: وفي هذا الكلام (٤) نظرٌ. ولم يزد على هذا، وهو يعني جميع ما تقدم في نقض هذه الحجة التي هي الاستدلال على عدم الشيء بعدم الدليل عليه، وجميع ما تقدم في نقض دعوى تماثل الأجسام. وأنا أنبه على يسيرٍ مما يعارض ذلك.
فأقول: لا نُسلِّم أوَّلًا أن المرجع في اختلاف المختلفات كلها إلى العقل أو الحسِّ، بل المرجع إليهما فيما أدركنا اختلافه من المختلفات، لكن ما المانع أن يكون الاختلاف في نفسه مختلفًا، منه (٥) ما يصح أن يدركه البشر
_________________
(١) تصحفت في (أ) إلى: يخيل.
(٢) " لا نسلم " ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): " هذا الالتباس "، وفي (ش): هذا القياس.
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) في (ج): فيه.
[ ٥ / ٤٠ ]
بعقولهم وحسهم، ومنه ما لا يصح أن يُدركوه بهما (١) ولا دليل لهم على رفع هذا الاحتمال (٢) إلاَّ عدم وجدانهم لذلك، واعتقادهم وجوب (٣) النفي لما لم يجدوه، وقد مر بطلانه، فظهر أن هذه الحجة ترجع إلى ذلك، وإن زخرفوها (٤) بتغيير العبارة، ولذلك قال الرازي: وفي هذا الكلام نظر، سلمنا أنه كله مما يصح أن (٥) يدركوه بهما أو بأحدهما، لكن ما المانع أن يكون الحسُّ هو الطريق إلي معرفة اختلاف الأجسام، لكن لم يحصل ذلك الإدراك الممكن لمانعٍ، تارة يرجع إلى المختلف وتارة إلى (٦) الاختلاف.
بيانه أن الجواهر وما لَطُفَ من الأجسام لا تُدْرِكُ هي أنفسها للطافتها، وذلك أمرٌ ضروري متفق عليه، فإذا لم تدرك هي أنفسها، فكيف اختلافها؟! فجاز أن يكون عدم الإدراك مما (٧) صَغُرَ وخَفِيَ من الأجسام لأمرٍ راجع إلى نقصان إدراك البشر وضعف قوتهم في إدراكهم عن إدراك كل شيء كما لا تدرك الملائكة والجن والشياطين، ولا تُدرَكُ كبار الأجسام لإفراط البعد (٨)، وما المانع أن يُدْرِكَ الله تعالى من الذوات اللطيفة واختلافها اللطيف ما لا يدرك، ومن العجب موافقة (٩) الخصم على أنه تعالى يُدرِكُ من الذوات اللطيفة ما لا يُدرَكُ (١٠)، ونزاعه في أنه يُدرِكُ من اختلافها ما لا نُدرِك، ولا شك أن اختلاف ما
_________________
(١) عبارة " أن يدركوه بهما " ساقطة من (ش).
(٢) كتب على هامش الأصل ما لفظه: مستندهم في ذلك وجدان العقل وحكمه الذي جعله الله تعالى لنا حجة قاطعة، ولا عبرة بما خالف من الاحتمالات في التكاليف فتأمل.
(٣) في (ب): اعتقاد وجوب.
(٤) في (ج): حرفوها.
(٥) " يصح أن " ساقطة من (ب).
(٦) في (ش): يرجع إلى.
(٧) في (ب): فيما.
(٨) تحرفت في (أ) إلى: العبد.
(٩) في (ش): موافقتهم.
(١٠) في (ش): ندركه.
[ ٥ / ٤١ ]
لطُفَ ألطفُ من ذاته، وأما الأجسام المُدَركة، فالاحتمال فيها من وجهين:
أحدهما: أن الخصم مسلِّمٌ أنا (١) قد لا ندركها مع عظمها لمانعٍ من ضعف البصر، أو البُعد المُفرطِ، أو الحجاب الكثيف، فيجوز أنا لم ندرك اختلافها لمانعٍ، وهو اتصافها بالصفات العارضة من الألوان والمقادير والأشكال والصور، ولعلها لو تجرَّدت من (٢) هذه الأمور، أدركنا نوعًا آخر من الاختلاف لم نعرِفْهُ قطُّ.
وثانيهما: أنه (٣) كما صح أن (٤) في الذوات ما لا يُدرَكُ (٥) للطافته، فلا يمتنعُ أن يكون اختلاف الأجسام العظيمة لطيفًا غامضًا، ولا (٦) يدرك للطافته، ولا يعلمه إلاَّ الله تعالى. ألا ترى أنه لو أخبر الله بذلك لوجب تصديقه، ولم يكن كالإخبار بأن البعض أكثر من الكل، بل قد أخبر الله تعالى باختلاف المتحيِّزات في ذكره سبحانه: ﴿إرَمَ ذات العماد﴾ [الفجر: ٧]، حيث قال في وصفها: ﴿التي لم يُخلقْ مثلُها في البلاد﴾ [الفجر: ٨] فأمِنَ بذلك من لم يعرف علم الكلام من جميع أهل الفطر السليمة من التغيير من جميع طوائف المسلمين وسلفهم الصالح، واحتجُّوا به، ولم يجعلوا ظاهره في البُطلان كالمقيد بوجود المُحال الذي يجب القطع على أن ظاهره كذب مقطوعٌ به لا يمكن تجويز صدوره من الله، وكذلك يجد الإنسان التطلعَ إلى سؤال من يعلم الغيب عن الشفاء واليقين في مثل هذه المشكلة تطلُّعَ من تَقَبَّلَ الخبر بأي الأمرين وقع، وليس هذا حال المعلومات اليقينية. فإن قالوا: لا نعلم مانعًا، فيجب نفيه،
_________________
(١) في (ش): أنها.
(٢) في (ش): عن.
(٣) في (ش): أنه لا يصح.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): يدركه.
(٦) "الواو" ساقطة من (ب) و(ش) و(ج).
[ ٥ / ٤٢ ]
رجعوا إلى ما تقدَّم بطلانه، وعرفت أن دليلهم هنا يدور عليه.
ومثال ما ذكرته لك من لُطف الاختلاف الذي يخفى على البشر: اختلاف أئمة الاعتزال في الحركة والسكون وسائر الأكوان، هل هي مُدرَكَةٌ بالبصر أم لا؟
فقال الشيخ أبو عليٍّ الجبائي: هي مُشَاهَدَةٌ، وهو أول قولي أبي هاشم، ثم رجع عن ذلك، فنفى أن تكون مشاهدة لما التبس عليه المتحرِّك نفسه بحركته، فلم يدر هل المشاهد المتحرك وحده أو المتحرك وحركته، ولو رجع من إثبات المشاهدة إلى الوقف، لكان أقوى له، ولكنه رجع إلى الجزم بالنفي ملاحظةً للبقاء (١) على قاعدتهم الفاسدة في أن عدم الدليل على ثبوت الشيء يستلزم القطع بنفيه، فانظر إلى اختلاف هذين الشيخين الكبيرين وتردُّدهما في أمرٍ: هل هو مشاهد أم لا؟ وعلى كلام أبي عليٍّ يكون أبو هاشم جَحَدَ الضرورة المشاهدة وعرض له من الشكِّ فيها ما عرض للسوفسطائية من الشُّبهة في إنكار جميع العلوم الضروريات، وما أوقعهم في هذا إلاَّ دعوى القطع في موضع الوقف، وقد يقفون في بعض المواضع كما يقفون في إدراك الفناء. مع أن ضده مُدرَكٌ، وكما وافقونا (٢) عليه في تجويز ألوان غير هذه الألوان في قدرة الله تعالى من غير دليلٍ عليها، وكذلك في الطعوم والروائح، ولم يخافوا (٣) من هذا لزوم ثبوت ما لا يتناهي من كلِّ جنسٍ من ذلك، كما مر في أدلتهم، وهذا ينقضُ عليهم قاعدتهم في نفي ما لا دليل عليه، بل قد نصُّوا على اختلاف الذوات في العدم، واختلافها فيه غير مُدرَكٍ ضرورة، فبطلت شبهتهم، والحمد لله.
واعلم أن قاعدتهم هذه الفاسدة قد ألجأتهم إلى القطع بأن الله ﷿ لا يصحُّ أن يُدرك، ولا يعلم من اختلاف الأجسام والجواهر في ذواتها (٤) غير ما
_________________
(١) في (ش): للنفي.
(٢) في (ب): أو قفونا.
(٣) في (ب): يخالفوا في.
(٤) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٤٣ ]
يعلمه ضعفاء البشر، وجُهَّالُهم، وكفي بهذا شناعة على من يقول به، ومناقضة لقولهم: إن الاختلاف ثابثٌ في العدم (١) غير مُدرَكٍ فيه.
وعلى الجملة، فالعلم الضروري حاصل باختلاف البشر في الإدراك، تارة لأمرٍ يرجع إلى قوة الحاشة، مثل ما رُوِيَ عن الزرقاء (٢) في حدة بصرها، ومثل ما يشاهد في رؤية الهلال، وأمثال ذلك، وتارة يرجع إلى كثرة المعرفة والخبرة وطول التجربة، مثل ما أن الجوهرى يعلم من اختلاف الجواهر النفيسة والفصوص الثمينة ما لا يعرفه من يُشاهدُها متماثلةً مع صحة بصره لعدم خبرته، وكذلك الصيرفي النَّقَّادُ (٣) يدرك التفاوت العظيم بين الدرهمين المُتماثلين في بصرِ من لا يُحسِن صنعته، بل البهائم تدرك من اختلاف صور أولادها المثماثلة في أبصارنا ما لا ندرك، خصوصًا الشاة والماعز، وكذلك الرعاة (٤) تُدرِكُ من اختلاف صور الشاة ونحوها (٥) ما لا يدرك غيرُهم، وهذا (٦) شيء يعلمه العامَّة،
_________________
(١) في (ب): القدم.
(٢) هي زرقاء اليمامة، واليمامة اسمها، وبها سُمِّيَ البلد، وهي امرأة من جديس وكانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، ويُضرب بها المثل في حدة النظر وجودة البصر، وهي التي ذكرها النابغة في قوله: واحكمْ كحكمِ فتاةِ الحيِّ إذ نَظَرَتْ إلى حَمَامٍ شِراع وارد الثَّمَدِ يحفُّه جانبا نيق وتتبعُه مثل الزجاجة لم تكحل من الرَّمَدِ قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامَتنا أو نصفه فَقَدِ فحسّبوه فألفَوْه كما ذكرتْ تِسعًا وتسعين لم تَنْقُص ولم تَزِدِ ويقال لها: زرقاء جو لزرقة عينيها، وجو اسم لليمامة، قال المتنبي: وأبصر من زرقاء جوٍّ لأنني إذا نظرت عيناي شاءهما علمي انظر " المستقصى " ١/ ١٨، و" مجمع الأمثال " ١/ ١١٤، و" خزانة الأدب " ١٠/ ٢٥٤ - ٢٥٥ و٤٨٥.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ب): وكذا الرِّعاء.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب): هذا.
[ ٥ / ٤٤ ]
فالعجبُ من قوم يدَّعون فرط الذكاء، وبُعْدَ الغايات في التدقيق لم يعرفوا أن الله اللطيف الخبير علاَّم الغيوب يجوز أن يُدرك في (١) اختلاف المتماثلات في إدراكنا ما لا نُدركه، وكيف (٢) لا يكون إدراكه يخالف إدراكنا، وعلمه يخالف علمنا، وصفاته (٣) تخالُف صفاتنا في كمالها في حقه ونقصها في حقنا، وأي أمر ساواه فيه (٤) خلقه، وأين نفي التشبيه (٥) الذي تدعي الخصوم المبالغة فيه؟ وما ألجأهم إلى تشبيه الله تعالى بخلقه الضعفاء في صفة الإدراك، وأوقعهم (٦) فيه؟ وقد ثبت أن من قال في علم الله أو قدرته أو غيرهما من صفات الله المحكمة: إنها مثل صفاتنا، فهو كافرٌ مشبِّهٌ بإجماع المسلمين (٧)، فليحذر في (٨) ذلك، والقائل (٩) بأن إدراكه لاختلاف المختلفات وتماثل المتماثلات لا يصحُّ أن يزيد على إدراكنا قطعًا (١٠) - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا (١١)، وما زال المسلمون يُنزِّهون الله تعالى عن ذلك (١٢). ومن الدائر بينهم قول القائل:
يا من يرى مدَّ البَعُوض جَنَاحَهَا في ظُلمةِ الليل البهيمِ الأليَلِ
ويرى نِياطَ عُرُوقِهَا في سَاقِهَا والمُخ في تلك العظام النحل (١٣)
_________________
(١) في (ب) و(ش): من.
(٢) في (ش): وكذلك.
(٣) في (ب) و(ش): وجميع صفاته.
(٤) في (ش): في.
(٥) في (ب): الشبيه.
(٦) في (ش): ووافقهم.
(٧) في (ش): بالإجماع.
(٨) ساقطة من (ب) و(ش).
(٩) في (ب) و(ش): القائل.
(١٠) ساقطة من (ش).
(١١) في (ب): عن ذلك.
(١٢) جملة " ينزهون الله تعالى عن ذلك " ساقطة من (ش).
(١٣) أنشدهما الزمخشري في " الكشاف " ١/ ٢٦٥ في تفسير قوله تعالى: ﴿إن الله لا =
[ ٥ / ٤٥ ]
وكذلك البَّزازُ يعرف تفاوتًا كثيرًا في الثياب المتماثلة في رؤية البدوي الغِرِّ، فإذا كان البدوي الغِرُّ يجوز أن يدرك الجوهري والبزاز فيما اختصَّا به، ما لم يدركه (١)، فكيف لا يجوز في البشر الضعيف في قواه أن يستأثر الله تعالى بإدراك ما لا ندركه من اختلاف الأشياء، وقد صح أن الله تعالى خالف بين الأشخاص في وجوههم مخالفة تُحيِّرُ عقول الأذكياء، فما كان العقل يُدرك أن مقدار شبرٍ يُصوِّرُ بصورٍ مختلفةٍ متمايزة إلى حدٍّ لا نهاية له، وقد يخفي علينا من (٢) ذلك ما لا يخفى على الله تعالى من اختلاف البَعُوض والذَّرِّ، وما هو أصغرُ من ذلك في وجوهها واختلاف الأصوات، وقد سمعت عن بعض (٣) العارفين أن كل حبةٍ من العنب وغيره مخالفة للحبة الأخرى في مقدارها، ولا سبيل إلى تكذيب هذا، وبعضه مُدرَكٌ، ولكن من قطع بأن الله تعالى لا يعلم من ذاته إلاَّ مثل ما يعلمه نظَّارةُ البشر لم يُستنكر (٤) منه أن يقطع على أن (٥) الله تعالى لا يُدرِكُ من اختلاف المختلفات إلاَّ ما يُدرِكه البشر فالله المستعان.
وليت شعري، من أين جاء للعقول القطع بأن ذوات الملائكة مثل ذوات الكلاب والخنازير، وأن ذات النور مثل ذات الظلمة، وذات الرياح مثل ذات الحديد، وما أحسن الإنسان يَقِفُ حيث لا يعلم، ويتأدَّبُ بقول الله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليسَ لَكَ به عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. نسأل الله التوفيق، وقد عَظُمَ
_________________
(١) = يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها﴾ فقال: أنشدت لبعضهم وذكر البيتين، وزاد بيتًا ثالثًا، وهو: اغفِرْ لعبدٍ تابَ من فرطاتِه ما كان منه في الزَّمان الأوَّلِ وأوردهما ابن خلكان في " وفيات الأعيان " ٥/ ١٧٣ في ترجمة الزمخشري.
(٢) من قوله: " في ظلمة الليل البهيم الأليل " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) في (ب): في.
(٤) في (ب): " وعن بعض "، وفي (ش): " وقد سمعت بعض ".
(٥) في (ش): يستكثر.
(٦) سقطت من (أ).
[ ٥ / ٤٦ ]
الوعيدُ فيمن افترى على عينيه في الأحلام (١)، فكيف بمن افترى على عقله في قواعد الإسلام.
وذكر ابن متويه في الألوان أن طريقة الحصر إنما تكون حجة حيث تؤدِّي إلى ما لا يعقِلُه أصلًا، وهذا ضعيفٌ جدًا، فإنه إن أراد بما لا نعقله أصلًا ما لا نعلمه بنفيٍ ولا إثباتٍ، فمحل النزاع، وإن أراد ما نعلم نفيه، فغير محلِّ النِّزاع.
وأيضًا فإن أراد ما لا يتصوره لعدم إلفِنَا له، لَزِمَهُ بطلان القِدَم، فإنَّ العقول تنبو عن تصوُّره لعدم إلفِهَا له، ولأنه لا نهاية له كما ذكره أهل علم المعقولات، وكذلك لا يمكن تصوُّر ذات الله ﷿، مع أنها أحق الحق، والمختصَّة بوجوب الوجود.
وإن أراد بما لا نعقله أصلًا ما نعلم بفطرة العقول إحالته وامتناعه، فالعلم بذلك دليل على انتفائه، وقد خرج بذلك عن الاستدلال على نفيه بعدم الدليل على نفيه (٢)، ولو كان كلام ابن متويه صحيحًا، لكان أكبر حُجَّةٍ لخصومه حيث قالوا: إنهم يعلمون بالضرورة إن كل موجوديْن، إما أن يَحُلُّ أحدُهما في الآخر،
_________________
(١) أخرج أحمد ١/ ٩٠ و٩١ و١٣١، والترمذي (٢٢٨١) و(٢٢٨٢)، والحاكم ٤/ ٣٩٢ من حديث علي بن أبي طالب ﵁ رفعه: " من كَذَبَ في حُلْمِهِ، كُلِّف يوم القيامة عقد شعيرة ". وأخرجه من حديث ابن عباس: أحمد ١/ ٢١٦ و٢٤٦، والبخاري (٧٠٤٢)، والترمذي (٢٢٨٣)، وأبو داود (٥٠٢٤)، والبغوي في " شرح السنة " (٣٢١٨)، والطبراني في " الكبير " ١١/ (١١٨٣١) و(١١٨٥٥) و(١١٨٨٤) و(١١٩٢٣) و(١١٩٦٠) بلفظ: " من تحلَّمِ بحُلْمٍ لم يره كُلِّفَ أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل ". وأخرجه من حديث ابن عمر: البخاري (٧٠٤٣) بلفظ: " مِنْ أفرى الفِرى أن يُرِي عينه ما لم تَرَ ". وأخرجه البخاري معلقًا من حديث أبي هريرة (٧٠٤٢) عقب حديث ابن عباس المتقدم. وانظر " تغليق التعليق " ٥/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٢) " على نفيه " ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٤٧ ]
أو يكون مفارقًا (١) له بالجهات، بدليل أنهم لا يعقلون قسمًا ثالثًا أصلًا.
قالوا: فلو جوَّزنا القدح في هذه القضية مع كونها معلومة بالفطرة موافقة لنصوص الكتب المنزَّلة، جاز القدح في سائر القضايا الضرورية، وذلك يجرُّ إلى السفسطة، فإذا كانت هذه الطريقة هي حُجَّته عليهم، فإنها بعينها هي حجَّتُهم عليه، فكان في تصحيح قوله بطلانه.
زاد مختار: إنه لا دليل على القديم في الأزل مع وجوب ثبوته فيه، وهو دليك صحيحٌ، فهذا من الأدلة العقلية.
ومن الأدلة السمعية ما لا يُحصى، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَخلُقُ مَا لا تعلَمُون﴾ [النحل: ٨]، فلو كان ما لا يعلم البشر يجب نفيه، لوجب أن يستحيل صدور مثل هذا النص الحقِّ عن الربِّ الحقِّ، ومن ذلك ما ثبث وصحَّ عن رسول الله - ﷺ - من طريق ابن عباس: " أن الخَضِرَ قال لموسى ما علمي وعِلمُكَ وعِلْمُ جميع الخلائق في علم الله إلاَّ مثل ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر " (٢)، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلمِ إلاَّ قَليِلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وفي الصَّحيح أيضًا عنه - ﷺ -، أنه قال: " لو تعلمون ما أعلمُ، لضَحِكْتُم قليلًا ولبكيتُم كثيرًا " (٣)، فكيف يصح مع هذا في عقل عاقل أن يكون الجهلُ طريقًا
_________________
(١) في (ش): مقارنًا.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ١١٨، والبخاري (١٢٢) و(٣٤٠١).
(٣) روى هذا الحديث غيرُ واحد من الصحابة، رضوان الله عليهم، فأخرجه من حديث عائشة: أحمد ٦/ ٨١ و١٦٤، ومالك ١/ ١٨٦، والبخاري (١٠٤٤) و(٦٦٣١)، ومسلم (٩٠١)، والنسائي ٣/ ١٣٢ - ١٣٣ و١٥٢. وأخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد ٢/ ٢٥٧ و٣١٢ - ٣١٣ و٤١٨ و٤٣٢ و٤٥٣ و٤٦٧ و٤٧٧ و٥٠٢، والبخاري (٦٤٨٥) و(٦٦٣٧)، والترمذي (٢٣١٣)، والحاكم ٥/ ٤٧٩، والبغوي في " شرح السنة " (٤١٧٠)، والقضاعي في " مسند الشهاب " =
[ ٥ / ٤٨ ]
إلى العلم والعمى سبيلًا إلى البصر (١)، وأدلَّة السمع هنا صحيحة، لعدم وقوف صحة السمع على هذه المسألة، بل هي أصح، لعدم تعارضها والأمان من الزلل في مداحض غوامضها.
وبتأمل هذا وتفهُّمِه تعرف أن الذين لم يُكفِّروا المختلفين في هذه الدقائق، ولم يحكموا بعنادهم وتعمدهم له، هم الذين بلغوا الغاية في معرفة قواعد الاختلاف وأسبابه.
الحجة الثالثة: للمعتزلة على تماثل الأجسام: قسمة الحصر والسَّبْر، وقد تقدم في كلام الإمام يحيى بن حمزة ﵇ والرازي، أن المرجِع بها إلى الاستدلال بعدم الدليل على نفي المدلول، وقد مر الكلام فيه، وهو صحيح جليٌّ، لأنه لا بد أن يقولوا: لو كان هناك قسم آخر غير الأقسام المذكورة لعرفناه، لكنا لا نعرفه، فهو باطل، على أنها لو صحت لاحتجَّ بها خصومُهم، كما تقدم، وكانت لفساد قول المعتزلة ألزم، والله سبحانه أعلم.
ثم إن ابن متويه عَضَّدَ هذا الاستدلال بطريقة الحصر بنحوه، وطوَّل في
_________________
(١) = (١٤١٩)، وابن حبان (١١٣) و(٣٥٨) و(٦٦٢) و(٥٧٩٣) و(٦٧٠٦). وأخرجه من حديث أنس: أحمد ٣/ ١٠٢ و١٢٦ و١٨٠ و١٩٣ و٢١٠ و٢٥١ و٢٦٨ والبخاري (٤٦٢١) و(٦٤٨٦)، ومسلم (٢٣٥٩)، والنسائي ٣/ ٨٣، وابن ماجه (٤١٩١)، والبغوي (٤١٧١)، والقضاعي (١٤٣٠) و(١٤٣٢)، وابن حبان (٥٧٩٢). وأخرجه من حديث أبي ذر الغفاري: أحمد ٥/ ١٧٣، والترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠)، والحاكم ٢/ ٥١٠ و٤/ ٥٤٤ و٥٧٩. وأخرجه من حديث أبي الدرداء الحاكم ٤/ ٣٢٠، وصححه، ووافقه الذهبي، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٤٣٣)، ونحوه عند أبي نعيم في " الحلية " ١/ ٢١٦ موقوفًا على أبي الدرداء. وأحرجه من حديث عبد الله بن عمر: القضاعي (١٤٣١). وأخرجه من حديث عمرو بن العاص: أبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢٨٩.
(٢) في (ب): النظر.
[ ٥ / ٤٩ ]
اختلاف عباراتهم عنه، وما هو إلاَّ تسويدٌ للأوراق، وتشويشٌ على النُّظَّار، وتضييعٌ للأوقات، وكثيرًا ما يغترُّ من نظر في كتبهم بأنهم يخوضون كثيرًا في أمورٍ صحيحة جليَّةٍ، ويوردون على أنفسهم أسئلة ساقطة بمرَّةٍ، ثم يَحيدُون في الجواب عنها، ويُدرجون في أثنائها السؤال الحق الذي لا جواب يتَّضحُ لهم عليه، ثم يُوردون في الجواب عليه ما لا يشفي ولا يكفي، فربما لم يتفطن له الغبي، وربما ظن حين لم يفهم كلامهم أنه دقَّ عليه ما فهموه بفرط ذكائهم، وما أحسن قول إمام علم الكلام الغزالي، حيث قال: إنَّ الطريق إلى التحقيق من علم الكلام مسدد، وإنه لا يخلو من معارف صحيحةٍ، ولكن اليقين الذي فيه إنَّما هُوَ في أمورٍ يحصُلُ اليقين بها قبل الخوض فيه، أو كما قال. وما أنفسَه من كلام!
وربما دقَّ كلامهم على من لم يألف عباراتهم (١)، وفي الحقيقة إنما دق عليه ما اصطلحوا عليه وابتدعوه مِنَ العبارات كما يدقُّ على العربي الفصيح فهم كلام الأعاجم في تراطنهم، ولذلك كان الإمام أحمد إذا جادلوه بتلك العبارات، يُجيب عليهم بأن هذا فنٌّ لا أعرفه، كما مرَّ تحقيقه، وأنَّه الذي ينبغي للسُّنِّيِّ في الجواب عليهم، وأنت تقول: إن هذا كلام من لم يفهم ما ذكروه، فاعتبر بمن أجمعوا على تعظيمه من مشايخهم، ممن يَرُدُّ قولهم ويبالغ في نسبتهم إلى رِكَّةِ النظر، أو إلى (٢) العناد، كما سيأتي من كلام أبي الحسين البصري وأصحابه على أبي هاشم وأصحابه، فقد تعارضت أقوالهم في هذه الدقائق، ويستحيل تكاذب العلماء، كما يستحيل تعارضُ العلوم.
وربَّما رجَّحوا ما يعتقدونه دليلًا عقليًا، بأنه لا يحتمل التأويل، وهذا معارض في حق المعتزلة بأن الاستدلاليَّ عندهم ما يجوز عروض الشَّكِّ والشبهة فيه عند القطع به، وقد حقَّقت في " ترجيح أساليب القرآن " (٣) أن هذا شكٌّ ناجزٌ يُنافي
_________________
(١) في (ش): عبارتهم.
(٢) في (ش): وإلى.
(٣) انظر ص ٨٧.
[ ٥ / ٥٠ ]
العلم القاطع، وهو مذهب الإمام يحيى بن حمزة والرازي، كما مر بيانُه في الحجة الثانية في جواب قول المعتزلة: إن الوقف فيما لا دليل عليه يؤدي إلى بطلان العلوم النظرية لتجويز غلطٍ في مقدماتها لم يشعر به (١) الناظر.
ثم إن أكثرهم لا يُجيدون علم الاجتهاد، ولا يتقنون (٢) قواعد التأويل الصحيح، فيأتون من التأويلات بجنس تأويلات الباطنية، وقد تكلم عليهم الزمخشري في بعض المواضع، وخالفهم في كثيرٍ منها لذلك، فقال في تأويلهم لقوله تعالى: ﴿بلْ يداهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة: ٦٤]: وهذا من ضيق العَطَنِ والمُسافرة عن علم البيان مسافة أعوامٍ، وخالفهم في تأويلهم لمثل (٣) قوله: ﴿ولو رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] وغير ذلك.
وأما قولهم: إذا بطل العقل بطل السمع، فإنه فرعه، فالجواب (٤) من وجوه:
أحدها: أن السمع لا يُعارضُ العقل، فإن الأنبياء والأولياء والسلف أوفر الخلق عُقولًا، ولذلك زهِدُوا في الدنيا، وكثير من المتكلمين فاسق تصريح، ومن شيوخهم في علم الكلام أعداء الإسلام المخذولون من الفلاسفة وأشباههم، وإنما يجنون على العقول بدعاوى باطلةٍ.
والوجه الثاني: أن المبتدعة والفلاسفة لم يسلموا من مخالفة فِطَرِ العقول، كما بيَّنوا ذلك في رد بعضهم على بعض في علم اللطيف، ولكنهم يقعون في تلك المحارات (٥) حين يُلجئهم إليها دليلُ الخُلْفِ الظَّني، وتقليد القدماء ممن يُعظِّمُونه، وأهل السنة يُؤمنون (٦) بالمحارات (٧) السمعية التي جاءت بها الرسل،
_________________
(١) في (ش): بها.
(٢) في (ب) و(ش): يحققون.
(٣) في (ش): مثل.
(٤) في (ج): والجواب.
(٥) في (ش): المحالات، وهو خطأ.
(٦) ساقطة من (ب).
(٧) في (ش): بالمحالات، وهو خطأ.
[ ٥ / ٥١ ]
وصحت فيها النصوص، والكل مُقرٌّ بامتناع المحالات (١) العقلية الضرورية.
الوجه الثالث وهو الحق: أن تقدير تعارض العقل والسمع القاطعين (٢) تقديرٌ محالٌ: لأن تعارض العلوم محالٌ، ولو قُدِّرَ، بطلا معًا، ألا ترى أن السمع لو بطل، وقد حكم العقل أنه لا يبطُلُ، لعلمنا بذلك أيضًا بطلان إحكام العقول، وقد أجاب عليهم (٣) بهذا شيخ المعقول والمنقول ابن دقيق العيد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره الزركشي (٤) في شرح " جمع الجوامع " للسبكي وقد تفرَّع هذا الكلام من رد احتجاجهم على تماثل الحوادث المستقلة، وتسميتها أجسامًا كلها بدليل الحصر والسبر، ونقض ذلك عليهم، وبيان مخالفتهم فيه لجمهور علماء المعقول، وجميع أئمة علم (٥) المنقول ممن وقع الاتفاق على تفضيله في عقله، وتصديقه في نقله، لكمال تقواه وفضله.
الحجة الرابعة: أنهم بَنَوا على أنه لا يصحُّ اختلاف الأجسام إلاَّ في صفاتها الذاتية أو المقتضاة، وصفاتها الذاتية ثابتة (٦) معها في حال (٧) العدم بغير اختيارٍ
_________________
(١) في (أ) و(ج): المحارات، وهو خطأ.
(٢) في (ب): القاطعة، وفي (ش): القطعيين.
(٣) في (ش): عنهم.
(٤) هو الإمام العلامة أبو عبد الله بدر الدين محمد بن بَهَادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي، ولد سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وسمع من العلامة مغلطاي، وتخرج به في الحديث، وقرأ على الشيخ جمال الدين الإسنوي، وتخرج به في الفقه، ورحل إلى دمشق، فتفقه بها، وسمع من الحافظ ابن كثير، ورحل إلى حلب، فأخذ عن الأذرعي وغيره، وأقبل على التصنيف، فكتب بخطه ما لا يحصى لنفسه ولغيره، له تصانيف كثيرة في الأصول والفقه والحديث والتفسير، منها كتابه الذي نقل عنه ابن الوزير هنا، وهو مطبوع في مجموع شروح " جمع الجوامع " بمصر سنة ١٣٢٢ هـ، واسمه " تشنيف المسامع لجمع الجوامع "، توفي سنة ٧٩٤ هـ بالقاهرة، ودُفن بالقرافة الصغرى. مترجم في " إنباء الغمر " ٣/ ١٣٨، و" طبقات ابن قاضي شهبة " ٣/ ٢٢٧، و" تاريخ ابن الفرات " ٩/ ٣٢٦.
(٥) ساقطة من (ب) و(ج).
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) ساقطة من (ج)، وفي (ش): حالة.
[ ٥ / ٥٢ ]
من الله تعالى وصفاتها المقتضاة عنها ليست إلاَّ التحيز لا سوى، والتحيز مختلفٌ فيه بينهم، فمنهم (١) من قال: هو ثابت أيضًا في العدم بغير اختيار الله تعالى، حكاه مختار في " المجتبى "، كما سيأتي كلامه، وحكاه ابن متويه في " التذكرة " ولم يُقبِّحه على قائله من شيوخهم (٢)، وهذا جرى (٣) على القياس، لأن الصفة المقتضاة لا تَخَلَّفُ (٤) عمَّا يقتضيها في العقل، وإلا لما كانت مقتضاة، كما أن المعلول لا يتخلف عن العلَّة (٥)، ولكنهم خافوا أن يتفاحش الأمر ويلزمهم التصريحُ بقدم (٦) العالم، والمجاهرة بذلك، فاعتذروا بأنَّ هذا التحيُّز لا يظهر إلاَّ بشرط الوجود، والوجود بالفاعل، فقد زعموا أن التحيُّز ليس بالفاعل، وهو الله تعالى، ولا الذات، ولا صفتها الذاتية، والوجود عندهم ليس بشيءٍ، لأنَّ الأشياء ثابتةٌ في العَدَم، ولا تأثيرَ لله تعالى إلاَّ فيه، مع أنه ليس بشيءٍ، فصحَّ (٧) على زعمهم أنَّ الله تعالى لم يؤثر في شيءٍ على الحقيقة، وهذا مما لا جواب لهم عنه (٨)، وإنما (٩) حاولوا الجواب عن (١٠) كونه تعالى لم يخلُق شيئًا ولا أحدثه، فإن ابن متويه حاول الجواب عن هذا بأن خلق الشيء وإحداثه هو إيجاده، والله تعالى هو الذي حصَّل (١١) له صفة الوجود، وهذا الجواب غير مخلص، فإن معنى الإلزام أن اتِّصاف الشَّيء بأنه مخلوق على اعتقادهم مجاز،
_________________
(١) جاء في هامش (ش): وهو أبو عبد الله البصري.
(٢) في (ش): شيوخهم.
(٣) في (ب) و(ش): وقد أجري.
(٤) في (د): نخالف.
(٥) في (ب) و(ش): العلة العقلية.
(٦) في (ب): بعدم.
(٧) في (ش): يصح.
(٨) في (ش): فيه.
(٩) في (ش): ولما.
(١٠) في (ش): من.
(١١) في (ش): جعل.
[ ٥ / ٥٣ ]
لأن الشيء ثابتٌ عندهم في العدم قبل خلقه، وإنما المخلوق على (١) الحقيقة عندهم حدوثه ووجوده، وليسا بشيءٍ عندهم. وقد صرَّح الزمخشري في " أساس البلاغة " (٢) بأن الله لا يُسمى خالقًا إلاَّ مجازًا، وهو علاَّمتهم في علم اللغة، فكيف غيرُه؟
وقد صرَّح ابن متويه بأن الأشياء مختلفة في العدم بصفاتها الذاتية، وأن اختلافها ليس بالفاعل -يعني بالله تعالى- وإلا لجاز (٣) أن يجعل السواد مثلًا (٤) للبياض، فثبت أن عندهم أن الله تعالى غير قادرٍ على خلق جوهرٍ مخالفٍ للجواهر، ولا يمكن أن يعلمَ الله إلى ذلك سبيلًا، ولا يقدر على المخالفة بين شيئين أصلًا، إلاَّ أن يكونا مختلفين بأنفسهما من قبل خلقه لهما، وهذا أيضًا راجعٌ إلى عدم الشيء لعدم الدليل عليه، لأنه لا دليل لهم على أنه لا يصحُّ اختلاف الأجسام سواه، فإذا كان (٥) تماثل الأجسام مبنيًا على هذه الدعاوى، فلا شكَّ في مخالفة (٦) أكثر علماء المعقولات لهم في ذلك. دع عنك علماء الآثار (٧) وأئمة الإسلام، وقد خالفهم في ذلك خلق كثير من علماء الاعتزال، وشنَّعوا عليهم في ذلك لما فَحُشَ جهلُهم فيه.
فلنقتصر على ردِّ أصحابهم عليهم، ولنقتصر علي أخصر كلامٍ، في ذلك لمجانبة هذا الجواب لهذا (٨) الفنِّ إلاَّ ما تمسُّ الحاجة إليه مما ليس فيه خوضٌ في ذات الله ﷿.
_________________
(١) من قوله: " اعتقادهم مجاز " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) ص ١٧٣.
(٣) في (ش): جاز.
(٤) سقطت من (ش).
(٥) في (ش): وإن كان.
(٦) في (ش): مخالفته.
(٧) في (ش): الأثر.
(٨) في (ب) و(ش): بهذا.
[ ٥ / ٥٤ ]
فنقول: قال الشيخ مختار بن محمود المعتزلي في كتابه " المجتبى " في الكلام على وجود الرب ﷾ ما لفظه: الكلام في هذه المسألة يختلف باختلاف الناس (١) في الوجود، فَمَن قال: وجود الشيء ذاته وحقيقته، قال: إذا دللنا على أنه لا بد للعالم من صانع، علمنا أنه موجود، لأن الشكَّ في عدمه بعد العلم بثبوته شكٌّ في انتفائه بعد ثبوته، وأنه خُلْفٌ، وإنما قلنا: إنه شكٌّ في انتفائه، لأن أهل اللُّغة يستعملون لفظ العدم، ولفظ النفي بالترادف، والنفي والثبوت يتقابلان، فكذا العدم والثبوت، فكل ما كان ثابتًا لا يكون معدومًا، وإذا لم يكن الباري معدومًا، كان موجودًا، فصحَّ ما ادعينا أنه إذا ثبت أنه لا بد من صانعٍ للعالم، ظهر وجوده، وإلى ذلك ذهب كثير من المشايخ، كأبي الهُذيل (٢) وهشام الفُوطِي (٣) وهشام البرذعي، وأبي (٤) الحسين البصري، وشيخنا ركن الدين محمود الخوارزمي (٥)، ومن السنية: أبو بكر الباقلاني (٦) وأتباعه.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) هو محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول أبو الهذيل العلاَّف، شيخ المعتزلة، ومقرِّرُ طريقتهم، والمناظر عليها، المتوفى سنة (٢٢٧) هـ، زعم أن حركات أهل الجنة والنار تنقطع ويصيرون إلى سكون دائم، وأنكر الصفات المقدسة حتى العلم والقدرة، وقال: هما الله انظر ترجمته في " السير " ١٠/ ٥٤٢.
(٣) هو هشام بن عمرو الفوطي كان صاحب ذكاء وجدال وبدعة ووبال. مترجم في " السير " ١/ ١٧٧.
(٤) في (أ): "أبو"، وتقدمت ترجمة أبي الحسين البصري ٢/ ٣٣٣.
(٥) قال اللكنوي في " الفوائد البهية " ص ٧٤ هو ركن الدين الوالجاني الخوارزمي، كان إمامًا جليلًا، كثير العلم، أوحدَ عصره في العلوم الدينية، ومجتهد زمانه في المذهب والخلاف، تفقه على نجم الدين الحكيمي عن فخر الدين حسن قاضيخان، وتفقه عليه صاحب القنية. قلت: صاحب القنية هو الشيخ مختار بن محمود هذا الذي نقل عنه المؤلف.
(٦) هو الإمام العلامة أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم البصري ثم =
[ ٥ / ٥٥ ]
وأما من قال: وجود الذات زائدٌ على حقيقته، لكنه غيرُ منفكٍّ عنها، وهذا قول أكثر الفلاسفة والأشعرية، ومن تابعهم، فإنهم قالوا: الدليل على ثبوت حقيقته دليلٌ على وجوده، لأن وجوده عندهم لا ينفكُّ عن حقيقته.
وأما من قال: وجود الذات زائد عليه، ومنفكٌّ عنه، زعم أن الحقائق متقررة مع انتفاء الوجود عنها، وهم (١) جمعٌ من المشايخ، كأبي يعقوب الشَّحَّام (٢)، وأبي علي الجُبَّائي، وأبي هاشم، وأبي الحسين الخياط (٣)، وأبي القاسم البلخي، وأبي عبد الله البصري، وقاضي القضاة، وأبي رشيد، وابن متويه، وأتباعهم. وزعموا أن المعدومات قبل وجودها ذوات، وأعيان وحقاثق، وأن تأثير الفاعل في جعل تلك الذوات على صفة الوجود لا على الذوات، ثم اتفق هولاء أن الذوات لا تختلف إلاَّ بالصفات، واختلفوا في أنها هل (٤) هي موصوفةٌ في حال عدمها، فقال ابن عياش والكعبي: إنها غير موصوفة بشيءٍ من الصفات.
وقال في الفصل الرابع في الصفات الذاتية: إنهم جوَّزوا للمعدوم تحققًا في الخارج. انتهى (٥).
قال خاتمة أهل الأصول، تقي الأئمة العجالي (٦): وما نُقِلَ عن الكعبيِّ من
_________________
(١) = البغدادي، صاحب التصانيف النفيسة المتوفى سنة ٤٠٣ هـ، كان إمامًا ثقةً بارعًا، يضرب المثل بفهمه وذكائه. مترجم في " السير " ١٧/ ١٩٠.
(٢) في (ش): فهم.
(٣) كان رئيس معتزلة البصرة في عصره، وقد عينه الواثق رئيسًا لديوان الخراج، مات سنة ٢٦٧ هـ. انظر مقالاته في مقالات الإسلاميين " للأشعري " ص ١٦٢ و١٩٩ و٢٧٧ ٤١٥ و٥٠٤ - ٥٠٦ و٥٤٩ - ٥٥٠.
(٤) هو عبد الرحيم بن محمد بن عثمان البلخي، شيخ المعتزلة البغداديين، وتنسب إليه فرقة الخياطية، كان ذا ذكاء مفرط من بحور العلم، صنف كتاب " الاستدلال "، ونَقَضَ كتاب ابن الراوندي في فضائح المعتزلة. مترجم في " السير " ١٤/ ٢٢٠.
(٥) سقطت من (أ) و(ش).
(٦) من قوله: " وقال في الفصل الرابع " إلى هنا ساقط من (ب).
(٧) في (ش): تقي الدين.
[ ٥ / ٥٦ ]
أنَّ المعدوم شيءٌ يريد به أنه معلومٌ على ما ذهب إليه أبو الحسين البصري، وهو غير كونه ذاتًا.
وقال غيرهما من هؤلاء المشايخية: إنها في حال عدمها موصوفةٌ بالصفات، فقال أبو علي، وأبو هاشم، وقاضي القضاة، وتلامذته: إن للجوهر أربع صفاتٍ: الجوهرية، وهي صفة ذاتٍ، والتحيز، وهي صفةٌ مقتضاةٌ عن الجوهرية، والوجود (١)، وهو الصفة التي بالفاعل، والكائنية وهي الثابتة بالمعنى، وكذا سائر الذوات موصوفةٌ بأمثال هذه الصفات، إلاَّ الكائنية، فإنها لا تصحُّ في الأعراض (٢)، والسواد له صفة السَّوادية في حالة العدم، وهي تقتضي هيئة السوادية عند العدم (٣)، وبعضهم جعلوا صفة التحيُّز (٤) والجوهريَّة واحدة، وقال أبو الحسين الخياط: إنه متحيِّزٌ، ومَحلٌ للمعاني، وجسم حال العدم، وجوَّز أبو يعقوب رجلًا راكبًا على فرس في العدم، ثم إنهم مع اختلافهم اتفقوا بأنا بعد العلم بأن للعالم صانعًا، محدِثًا، قادرًا، عالمًا، حيًَّا، سميعًا، بصيرًا، حكيمًا، محسنًا، باعثًا للرسل، مقيمًا للقيامة، مصيبًا، مُعاقبًا، نشكُّ أنه موجودٌ أم معدومٌ (٥)، وإنما يتبين وجودُه بدلالة مستأنَفَةٍ، وكذا اتفقوا على أن في العدم أنواعًا وأجناسًا (٦) مختلفةً بالصفات، ولكون (٧) كل جنس أعدادًا (٨) غير متناهية يمكن الإشارة العقلية إلى كلِّ واحدٍ منها، وإلى مماثلتها ومخالفتها.
قال تقيُّ الأئمة العجالي: إنَّ كل من سمع ذلك من العقلاء قبل أن يتلوَّث (٩) خاطره بالاعتقادات التقليدية، فإنه يقطع ببطلان هذه المذاهب،
_________________
(١) في (ش): والوجودية.
(٢) في (ب): بالأعراض.
(٣) في (ب) و(ش): " الوجود " وكتب عليها في (أ): الوجود.
(٤) في (ب): المتحيز.
(٥) في (ب): معدوم أم موجود.
(٦) في (ش). وأجسامًا.
(٧) في (ب) و(ش) و(ج): ويكون.
(٨) في الأصول: أعداد، والمثبت من (د).
(٩) في (أ): يتلوب.
[ ٥ / ٥٧ ]
ويتعجب أن يكون في الوجود عاقلٌ تسمَحُ نفسه بمثل هذه الاعتقادات، ويلزمُهم أن يُجَوِّزوا فيما شاهدوه من الأجسام والأعراض أن تكون كلها معدومة، لأن الوجود غيرُ مدرَكٍ عندهم، وإلاَّ لزمَ أن يرى الله تعالى لوجوده (١)، بل إنما يتناوله الإدراك للصفة المقتضاة عندهم، وهي التحيُّز، وبقية (٢) السواد والبياض فيهما غاية الأمر أن الجوهر عند بعضهم يقتضي التحيز بشرط الوجود، لكن الترتُّب في الوجود لا يقتضي الترتُّب في العلم، كما في صفة الحياة والعلم، فيلزمهم أن يشكُّوا بعد هذه المشاهدة في وجودها، وكل مذهب يؤدي إلى هذه التَّمحُّلات - والخصم مع هذا يزيد سفاهةً ولَجَاجًَا فالواجب على العاقل الفطن (٣) الإعراض عنه، والتمسك بقوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهُمُ الجاهلُونَ قالوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ومن ذمَّ مِنَ السلف الصالح الكلام والمتكلمين، إنما عنوا أمثال هؤلاء ظاهرًا (٤). والله الموفق. انتهى بحروفه (٥).
وإذا كان هذا كلام أئمة الاعتزال بعضهم في بعض، فكيف بكلام (٦) متكلمي أهل السنة فيهم، وإذا كان الجهل (٧) في علم النظر يؤدي إلى هذا، ويكون هذه عاقبته، فكيف يُلام من أعرض عنه وتمسَّك بطريقة السلف الصالح الذين لم يَجْرِ بينهم من نحو هذا كلمةٌ واحدةٌ لبركة (٨) إقبالهم على الكتاب والسنة، وترك الفضول، وترك دعاوى علم ما لا طريق للبشر إلى علمه.
واعلم أن سبب قول البهاشمة بالشكِّ في وجود الله تعالى بعد العلم بكونه
_________________
(١) في (ب): لوجوه.
(٢) في (ب) و(ج) و(ش): وهيئة.
(٣) ساقطة من (ش)، وفي (ب): والفطن الصالح.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) انظر " ترجيح أساليب القرآن " للمصنف ص ٨٧ - ٨٩.
(٦) في (أ): لكلام.
(٧) في (أ) و(ج): الجهد، وفي (ش): " العلم "، وكتب فوقها: " في الأم: الجهل والعلم ".
(٨) في (ش): لتوسعة.
[ ٥ / ٥٨ ]
صانعًا متَّصفًا بصفات الكمال، هو اعتقادهم أنه حينئذٍ ثابتٌ، وتجويزُهم أن يكون الثابت معدومًا غير موجود، فلذلك (١) لزمَهُم تجويز أن يكون الثابت مُشاهَدًا بالأعيان غير موجود، لأن كون (٢) الثابت المعدوم لا يُرى نظريٌّ على هذا، كما أن نفي صفات الكمال عنه نظري، وكل نظري يصحُّ الشك فيه، فيلزمهم صحة الشك في وجود العالم المشاهَد لتجويز أنه ثابتٌ غير موجود (٣).
وأما الرازي، فاختصر الرد عليهم في " الملخص " غاية الاختصار، فقال في الباب الأول من الكتاب الأول في الأمور العامة: المعدوم ليس بثابتٍ، لأن المعدوم إن كان مساويًا للمنفيِّ أو أخصَّ منه، فكلُّ منفيٍّ فليس بثابتٍ، فكل معدوم فليس بثابت، وإن كان أعمَّ منه، وجب أن يكون نفيًا صرفًا، وإلا لم يَبْقَ الفرق بين العام والخاص، فإذا هو ثابتٌ، وهو مقولٌ على المنفي، والمنفي ليس بثابتٍ، هذا خُلْفٌ. وعمدتهم أن المعدوم معلوم، وكل معلومٍ ثابتٌ، والكبرى منقوضةٌ بالممتنعات والخيالات والوجود. انتهى.
وأما دليل الأكوان، وهو الحجة الخامسة: فليس يدُلُّ على تماثل الأجسام، إنما يدلُّ على حدوثها، وقد تقدم الكلام فيه في أول الوهم الخامس عشر، وهو الذي قبل هذا، وقد استوفيته في تكملة " ترجيح أساليب القرآن ".
ونقلت فيه كلام أبي الحسين وأصحابه من كتاب " المجتبى " للشيخ مختار بن محمود، وقد كَفَوُا (٤) المُؤنَةَ في المبالغة في ذلك والنصرة (٥) له والحمد لله.
واعلم أن المعترض وأمثاله بنوا تكفير أهل السنة على مثل هذه الخيالات. وعمدتهم فيها أمران:
_________________
(١) في (ب): فكذلك.
(٢) في (ش): كونه.
(٣) من قوله: " لأن كون الثابت " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) في (ش): كفينا.
(٥) في (أ): والنصر.
[ ٥ / ٥٩ ]
أحدهما: ما ذكرنا من دعوى تسمية المتباينات بالجهات كلِّها أجسامًا، ثم دعوى تماثل الأجسام، وقد بان بطلان كل من هاتين الدعويَيْن.
وثانيهما: ما مرَّ بيانه في الوهم الخامس عشر من كلامهم في دليل الأكوان ودعواهم لصحته، ولا حاجة إلى إعادته، وليس في هذا الكتاب ما يكفي ويشفي (١) في نقضه، وقد أفردتُ نقضه (٢) في مصنفٍ، سمَّيتُه " ترجيح أساليب القرآن " (٣) وأوردتُ فيه كلام أصحاب (٤) الشيخ أبي الحسين البصري في نقضه.
وهو كلامٌ مجوَّدٌ (٥) محرَّرٌ منقَّح، ذكره مختار بن محمود المعتزلي في كتابه " المجتبى " وذكر عن شيخ الاعتزال تقي الأئمة العجاليّ بعد إيراد نقض كلامهم أن الصبيان في ملاعبهم لا يرضون بمثل كلامهم في ذلك لِرِكَّتِه وسقوطه. انتهى.
فهذه شهادة أئمة الاعتزال على بطلان أدلة هذا المعترض، وعلي بُطلان أدلة كثيرٍ من شيوخهم على بطلان مذاهب أهل السنة، وعلى بطلان شُبَه (٦) من كفَّرهم، وما هي إلاَّ فضيلةٌ من فضائلهم أنطق الله بها خُصومهم ليُظهر براءتهم كما أنطق جُلودَ المنافقين يوم القيامة بالشهادة (٧) بالحق عليهم. فالحمد لله رب العالمين.
ولكن الجاهل حَسَنُ الظنِّ بهم، فإذا سَمِعَ دعواهم لمعرفة الحقائق والدقائق، حسَّنَ ظنِّه بهم، ولم يعلم أنه يُعَارِض ذلك دعوى (٨) خصومهم لمثل
_________________
(١) في (ش): يشفي ويكفي.
(٢) في (ش): بعضه.
(٣) انظر ص ٨٧ وما بعدها.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ب): محمود.
(٦) في (أ): نسبة.
(٧) ساقطة من (ب).
(٨) في (ب): تعارض دعوى.
[ ٥ / ٦٠ ]
ذلك، ويوضِّحُه خوضهم فيما لا يعنيهم مما (١) دلَّ السمع على جهل الخلق به، مثل خوضهم في حقيقة الروح مع توقف رسول الله - ﷺ - عن الخوض فيه حين سُئِلَ عنه، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) [الإسراء: ٨٥]، فإذا رأي الجاهلُ تجاسُرَهُمْ على القطع بدعوى العلوم وتجهيل الناس وتكفيرهم، ظنَّ ذلك من قوَّة ما عَلِمُوا، ولو فكرَّ في اختلافهم وتخطئة بعضهم بعضًا، وتكفيرهم، أمثالهم في الدعوى والعجب ببدعهم، لتَعَارَضَ ذلك عليه، وعَرَفَ (٣) أنَّ خيرَ (٤) الهدي هدْي محمدٍ - ﷺ - وأصحابه وتابعيهم.
الحجة السادسة: قياس واجب الوجود -﷾ عن ذلك- على ممكن الوجود في أشياء كثيرة، مثل قولهم: إنَّ كونه على صفةٍ دون أخرى يجري مجرى الإحكام في الممكنات، والإحكام يدل على الحاجة إلى المحكم، وهي شبهة الملاحدة في نفي جميع الأسماء والصفات حتى الوجود.
والجواب إنَّ ذلك إنما دل في المحدث (٥) لإمكانه، ولذلك لا يصِحُّ الاستدلالُ حتى يُقرِّر أنه ممكنٌ، لأن واجبَ الوجود لا يمكن تعليله، لأنه لو كان
_________________
(١) في (ش): عما.
(٢) أخرج البخاري (٤٧٢١)، والترمذي (٣١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود -واللفظ للبخاري- قال: " بينا أنا مع النبي - ﷺ - في حرثٍ وهو متكىءٌ على عسيب، إذ مرَّ اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه، وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه فسألوه عن الروح، فأمسك النبي - ﷺ -، فلم يرد عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي، قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهو عند الترمذي (٣١٤٠) بلفظ آخر من حديث ابن عباس.
(٣) في (أ): " وعرفت "، وفي (ج): " علم "، وفي (د): لعرف.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): على الحديث.
[ ٥ / ٦١ ]
له علّة، كان الكلام فيها مثل الكلام (١) فيه، ويُؤدِّي إلى ما لا نهاية له، ولذلك رَجَعَتْ إلى ذلك الفلاسفة، لكنَّهم سَمُّوا الله تعالى عِلَّة، ولكلِّ طائفةٍ في هذا القياس عبارةٌ.
وشرط صحة القياس عدم الفارق، فيطلب السُّنِّيُّ من المبتدع الدليل القاطع على عدم الفارق، بل على أن وجوب وجوده ليس بفارقٍ (٢)، ثم يمتنع مِنْ تسليم الشُّبهة (٣) التي يُعَوَّلُ عليها، مثل ما يمتنع المبتدع من تسليم الأدلة الصحيحة.
ولما عرفتُ (٤) اتِّساع العبارات في هذا المقام، وأهمَّني (٥) جمعه (٦)، رأيتُ قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥] فعرفتُ أنها إشارةٌ إلى سلوك هذا المسلك معهم، وهو طلبُ الدليل منهم، ثم الامتناع من تسليم الباطل، فإدأ ذلك حيلتهم، فيقلب عليهم.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن الجسم في لغة العرب (٧) التي نزل عليها كتاب الله، وخاطب بها رسول الله - ﷺ - غير ما اصطلح عليه أهل المعقولات كلُّهم. كما تشهد (٨) بذلك كتبُ اللغة.
قال محمد بن نشوان في " ضياء الحلوم " (٩) في باب الجيم والسين.
_________________
(١) في (ش): كالكلام.
(٢) جملة: " بل على أن وجوب وجوده لبس بفارق " ساقطة من (ب).
(٣) في (ب) و(ج): الشبه.
(٤) في (ب): عرف.
(٥) في (ش): " وهمني "، وكتب فوقها: ظ: " إذ " بدل الواو.
(٦) في (أ) و(ش): جميعه.
(٧) في (ب): في اللغة التي.
(٨) في (ب): شهد
(٩) في الأصول غير (ب): العلوم.
[ ٥ / ٦٢ ]
الجسم (١) كلُّ شخصٍ مُدرَكٌ، وقال في باب الشين والخاء: الشخص: سوادُ الإنسان من بعيدٍ (٢)، والشخص: الجسم. والجمع شُخُوصٌ وأشخاصٌ، والسواد: الشخص. ذكره الجوهري أيضًا (٣) انتهى.
وهذا (٤) يدلك على أن تسمية الجسم تختصُّ بهذه الحيوانات، إذ لا يُسَمِّي أحدٌ الأحجار ولا الأشجار ولا الجبال ولا القِيعان جسومًا (٥) ولا أشخاصًا، وكذلك سائرُ أهل (٦) كتب اللغة.
قال الجوهري في " الصحاح " (٧) في فصل الجيم من كتاب الميم ما لفظه: قال أبو زيد: الجِسْمُ: الجسدُ، وكذلك الجُسمان والجُثمان، وقال الأصمعي: الجسم والجسمان: الجسد (٨) والجُثمان: الشخص. قال: وجماعةٌ جسم الإنسان أيضًا يقال له: الجُسمان، مِثْلُ ذئبٍ وذُؤبان.
وقال الجوهري (٩): الجسد: البدن. ذكره في موضعه من فصل الجيم في كتاب الدال. وقال صاحب " الضياء ": جسد الإنسان معروفٌ، والجسد ما لا يأكلُ ولا يشرب كالملائكة والجن. ومنه قوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًَا﴾، فجعلها مشتركة، لا عامة. وأما الجوهري فقال في الآية: قيل: إنَّه بمعنى أحمَرَ من ذهبٍ،
_________________
(١) ساقطة من (ب) و(ش).
(٢) جملة: " الشخص: سواد الإنسان من بعيد " ساقطة من (أ).
(٣) " الصحاح " ٣/ ١٠٤٢ مادة " شخص ".
(٤) في (ش): وهو.
(٥) في (أ) و(ج): شخوصًا.
(٦) سقطت من (ب).
(٧) ٥/ ١٨٨٧ مادة " جسم ".
(٨) ساقطة من (ب).
(٩) " الصحاح " ٢/ ٤٥٦.
[ ٥ / ٦٣ ]
والجسد: الزعفران، ونحوه، من الصِّبْغ، وهو الدَّمُ، فجعلها لفظة مشتركة أيضًا، غير أنهم حين فسَّروا بها الجسم لم يعنوا بها إلاَّ المعنى الأول، ونحو ذلك في " ديوان الأدب ".
وقال الخليل في " العين " ومجد الدِّين في " القاموس " (١): الجسم: جماعة البدنِ أو الأعضاء (٢) [و] من الناس وسائر الأنواع العظيمة الخَلْقِ، كالجُسْمَان بالضم، (ج) (٣) أجسامٌ وجسومٌ، وككَرُمَ: عَظُمَ، فهو جسيمٌ وجُسَامٌ كغُرابٌ، وهي بهاءٍ، والجسيم (٤)، البدينُ، وما ارتفع من الأرض وعلاه الماء [ج] (٥) جِسَامٌ [ككتابٍ]، وبنو جَوْسَم: حي درجوا، وبنو جاسم: حي قديم وتجسَّم الأمر والرَّمْل: ركب (٦) معظمهما (٧). انتهى ما ذكره مجدُ الذين في " القاموس " فبان لك من هذا (٨) أنهم يصطلحون على أشياء ليرَكِّبُوا عليها ما ابتدعوا من تشنيعٍ وتكفيرٍ وإبداعٍ وتغييرٍ، وقد احتجُّوا على قولهم في الجسم بقول الشاعر:
وأجسم مِنْ عادٍ جُسومُ رِجَالِهم
ولا حُجَّة لهم فيه بل هو حجةٌ على ما ذكرنا، فإنه لم يثبت اسم الجسم فيه إلاَّ في حق الأشخاص. وأما الاحتجاج به على ما لم يخطر لقائله ببال من تركُّب الجسم من ثمانية جواهر لا أقل منها، فعجيبٌ ممن توهمه. والله أعلم.
_________________
(١) مادة " جسم " ص ١٤٠٦، طبع مؤسسة الرسالة، وهذه الطبعة نسخت كل سابقاتها لما اشتملت عليه من الاتقان والجودة وجمال الإخراج، وليس الخبر كالعيان. محا حُبُّها حبَّ الألى كُنَّ قبلها وحَلَّت سوادًا لم يكن حُلَّ من قبلُ
(٢) في (ب) و(ش) و(ج): " والأعضاء "، والصواب ما في (أ).
(٣) في (أ) و(د): " جمع " دون اختصار.
(٤) تحرفت في (أ) و(د) إلى الجسم.
(٥) سقطت من الأصول واستدركت من " القاموس ".
(٦) في (ش): رأي.
(٧) في (أ) و(ب) و(ج): معظمها.
(٨) في (ب) و(د) و(ش): بهذا.
[ ٥ / ٦٤ ]
وإنما ذلك كما اصطلحوا على أن الموجود مثل المعدوم من الجواهر، لا أن هذه لغاتٌ عربية.
وكذلك فعل أعداء الجميع من الباطنية. ألا ترى أن الباطنية يُسَمُّون حقائق مدح الرب سبحانه بأسمائه الحسنى تشبيهًا وتمثيلًا وكُفرًا وشركًا، ويجعلون تلك الممادح الشريفة بمنزلة السبِّ والذم لله تعالى، حتى يصُوغَ لهم تأويلها على ما شاؤوا (١)، وصرفها إلى أئمتهم دون الله تعالى، وكذلك مَنْ نفي حقيقة التمدح بأسماء الله الرحمن الرحيم خير الراحمين أرحم الراحمين (٢)، وكذلك اسمه الرؤوف، واسمه الودود، واسمه الحليم، بالَّلام عند المعتزلة، واسمه الحكيم، بالكاف عند الأشعرية، إلى أمثال لها (٣)، لا دليل لهم عند البحث التام على ذلك إلاَّ مجرد اصطلاحات في العبارات تواطؤوا عليها، ومن أحبَّ كشف عوارهم في ذلك، لم يقلِّدهم في شيءٍ قطُّ، وراجع محض عقلِه، وراجع مصنفات خصومِهمُ الحافلة، كمصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
وأما من اعتقد فيهم التحقيق، وقَبِلَ منهم، ولم يسمع من غيرهم، فقد سدَّ أبواب الهداية على نفسه، وكذلك كل عامِّيٍّ مع كل طائفةٍ، بل المعتزليُّ الطالب لعلم الكلام على رأي أبي هاشم يعتقدُ غلطَ مخالِفِه (٤) من سائر المعتزلة، ولا يدري ما في كتب أبي الحسين المعتزلي وأصحابه من الردود الصعبة القوية لمذهب (٥) أبي هاشم، ولا يرى أجمع للمساوىء من صاحب كلامٍ وجدال، مقلّد لا يفي معه صمتُ (٦) أهل السنة وسَمْتُهم وحُسْنُ أخلاقهم وتواضعهم، ولا يتكلم بعلمٍ ويقينٍ، ويُرشِدُ إلى الحق الجاهلين، ويفيض مِنْ
_________________
(١) في (ش): يشاؤون.
(٢) " أرحم الراحمين " لم ترد في (ش).
(٣) في (ش): إلى أمثالها.
(٤) في (ب): مخالفيه.
(٥) في (ب): الردود على مذهب.
(٦) " معه صمت " ساقطة من (ب)، ومكانها بياض.
[ ٥ / ٦٥ ]
الإشكال التاسع: أنه إن سلم للخصم جميع ما رمى به الشافعي -وحاشاه- فإن أئمة العترة والمعتزلة غير مجمعين على التكفير بذلك
علومه وفوائده على الطالبين، ولا يقبلُ من فوقَه من العارفين، وإنما هو قذى للعيون، مَجْمَعٌ (١) لمساوىء الأخلاق وسيِّئات الظُّنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الإشكال التاسع: سلَّمنا للخصم جميع (٢) ما تعاطاه مما رمى به الإمام الشافعي، وحاشاه. فإن أئمة العِترة والمعتزلة غيرُ مجمعين على التكفير بذلك، ولا على سلامة أدلَّته من القدح، وهذا الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵇ على قرب عهده من المعترض، وصِحَّة تواليفه عنه، فإنها باقيةٌ بخط يده الكريمة، وسماع أولاده الثِّقات قد اختار في كتابه " التمهيد " عدم إكفار أهل القبلة من المشبِّهة والمجبرة (٣) وغيرهم، واحتجَّ على ذلك، وذكر أدلَّة المكفرين لهم، وجعل دعواهم للإجماع أحدها. ثم قال: وفي كُلِّ واحدٍ من هذه الوجوه نظر، ثم قال: حقًا على كلَّ من تكلَّم في الإكفار أن يُنْعِمَ النظر فيه، ويتَّقي الله، فإن موردَه الشرعُ، والخطر فيه عظيم، وإذا لم يتَّضح الدليل فيه، فالوقوف لنا أولى. انتهى بحروفه.
وقال مختصر " الانتصار " (٤): مسألة: لا نكَفِّرُ مطلق الجسمية على الله تعالى حتى يفسر، أبو علي: يكفر، قلنا: لفظه محتمل للخطأ في العبارة فقط. انتهى.
فيُبحث عن ذلك في كتاب " التَّحقيق " للإمام يحيى ﵇ (٥)
_________________
(١) في الأصول: " مجمعًا ".
(٢) ساقط من (ش).
(٣) في (ب) و(ج): والجبرية.
(٤) كتاب " الانتصار " للإمام يحيى بن حمزة، يقع في ثمانية عشر مجلدًا، كان يورد أقوال العلماء وأدلتهم، ثم يرجح أحدها، فيقول: والانتصار لكذا. انظر " البدر الطالع " ٢/ ٣٣١، و" هدية العارفين " ٢/ ٥٢٦.
(٥) في (ب): يحيى بن حمزة، وذكره في مصنفاته الشوكانيُّ في " البدر الطالع " ٢/ ٣٣١.
[ ٥ / ٦٦ ]
وكذلك قال علامة الاعتزال، والتَّشيُّع عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح قول علي -﵇-: تعالى عما يقول المشبهون به والجاحدون له عُلُوًّا كبيرًا.
أنواع التشبيه العشرة كما تقدم في الوهم الخامس عشر (١)، وقال فيه: فأمَّا من قال: إنه جسم لا كالأجسام، ونَفَوْا عنه معنى الجسمية، وأرادوا تنزيهه عن أن يكون عَرَضًا تستحيل مِنْهُ الأفعال، وأرادوا أنه شيءٌ لا كالأشياء، فأمْرُهم سهل، لأن خلافهم في العبارة، وهم: علي بن منصور، والسَّكَّاك (٢)، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وكل هؤلاء من قدماء الشيعة (٣)، وهو قول ابن كرَّام وأصحابه.
قال: والمتعصِّبون لهشام بن الحكم (٤) من الشيعة في وقتنا هذا يزعمون أن هذا مذهبه، وإن كان الحسن بن موسى النُّوبختي (٥) -وهو مِنْ فُضلاء الشيعة- قد روى عنه التَّجسيم المعنويَّ المحض في كتاب " الآراء والدِّيانات ".
_________________
(١) كتب في (ب) بالأرقام (١٥).
(٢) سماه ابن النديم في " الفهرست " ص ٢٢٥: محمد بن الخليل، وقال: كان متكلمًا من أصحاب هشام بن الحكم، وخالفه في أشياء إلاَّ في أصل الإمامة، وذكر لد عدة كتب من مؤلفاته.
(٣) انظر " مقالات الإسلاميين " ص ٦٣.
(٤) ترجمه الذهبي في " السير " ١٠/ ٥٤٣ فقال: هو المتكلم البارع هشام بن الحكم الكوفي المشبه المُعثر وله نظر وجدل، وتواليف كثيرة، وعده ابن قتيبة في " مختلف الحديث " ص ٤٨ من الغلاة، وأنه يقول في الله تعالى بالأقطار والحدود والأشبار وأشياء يتحرج من ذكرها، ويقول بالجبر الشديد، ويبالغ في ذلك، ويُجوز المحال الذي لا يتردد في بطلانه ذو عقل. ووصفه ابن النديم في " الفهرست " ص ٢٢٢ بأنه من أصحاب جعفر الصادق، وأنه هذَّب المذهب، وفتق الكلام في الإمامة، وذكر له مؤلفات كثيرة. توفي بعد نكبة البرامكة، وقيل: في خلافة المأمون. وانظر مقالات هشام هذا في " مقالات الإسلاميين " ص ٣١ - ٣٣ و٤٠ - ٤١ و٤٤ و٥٩ و٦٢ و٢٠٧ - ٢٠٨ و٢١٠ - ٢١١ و٣٠٤ و٣٤٤ - ٣٤٥.
(٥) العلامة الفاضل ذو الفنون أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، المتفلسف، صاحب =
[ ٥ / ٦٧ ]
قلت: وقد قدم ابن أبي الحديد قبل هذا رواياتٍ فاحشةً عن هشام في ذلك، لكن ذكر أن أتباعه من الشيعة تُنْكِرُها (١) كما تقدم في الوهم الخامس عشر (٢).
وقد نقل ابن تيمية أن من الناس من يُسمِّي كل موجودٍ جسمًا، ويجعلهما مترادفين. وفيه أقوالٌ كثيرة، ويقويه أن التكفير قطعي يجب البلوغ إلى اليقين فيه، ورفع كل احتمال. وقد علم أن النبي - ﷺ - استفسر الذي أقرَّ بالزنى على نفسه، وسأل عن عقله، وقال: " لعلَّكَ قَبَّلْتَ، لعلك فعلت " حتَّى صرَّح له بالنُّون، والياء المثناة من تحت، والكاف (٣). وهذا في الحدِّ الذي يثبت بالشهادة الظنية، فكيف بالإخراج عن الإسلام لمن يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، وأن جميع ما جاء به حق؟ كما قال من عرضت له شبهةٌ اعتقد فيها أنه (٤) مصدِّقٌ لكلام الله تعالى، ومتقرِّبٌ في القول بها إلى الله. ولذلك أجمعت المعتزلة وهم الخصوم على وجوب الدليل القاطع فيه، وتحريم الأدلة الظنية (٥)، وخصوصًا التكفير بها (٦) يؤدي إلى تكفير الصالحين من العامة،
_________________
(١) = التصانيف، ذكره ابن النديم وابن النجار بلا وفاة، وله مصنفات وتواليف في الكلام والفلسفة، وكان جمّاعة للكتب، نسخ بخطه شيئًا كثيرًا، وكانت المعتزلة تدَّعيه، والشيعة تدعيه. مترجم في " السير " ١٥/ ٣٢٧، و" الفهرست " ص ٢٥١ - ٢٥٢، و" الوافي بالوفيات " ١٢/ ٢٨٠.
(٢) في (ب) و(ش): ينكرونها.
(٣) جملة " كما تقدم في الوهم الخامس عشرة " ساقطة من (ب) و(ش).
(٤) أخرج أحمد ١/ ٢٣٨ و٢٧٠، والبخاري (٦٨٢٤)، وأبو داود (٤٤٢٧)، والبغوي (٢٥٨٦) من طرق عن ابن عباس قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي - ﷺ - فقال له: " لعلَّك قبَّلت أو غمزت أو نظرتَ؟ " قال: لا يا رسول الله، قال: " أنكتها؟ " لا يكني، قال: نعم، قال: فعند ذلك أمر برجمه.
(٥) في (ب) و(ش): أنه فيها.
(٦) في (ب) و(ش): الظنية فيه.
(٧) في (ب): " بهذا "، وسقطت من (ج).
[ ٥ / ٦٨ ]
وتحريم أكثر المناكحات، وما عُلِمَ من السلف خلاف.
وقد قال شيخ الإسلام في الرد على من يكفِّرُ من يُسميِّه مشبِّهًا وليس بمشبِّهٍ عند نفسه من مثبتي الصفات: إن الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو الإثبات (١) من غير تشبيه ليس بسديدٍ، وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدرٌ مشتركٌ وقدرٌ متميِّزٌ (٢). فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيهٌ، قيل له: إن أردت أنه مماثلٌ له من كل وجهٍ، فهذا باطلٌ، وإن أردت أنه مشابهٌ له من وجهٍ دون وجهٍ، أو مشاركٌ له في الاسم، لزمك هذا في سائر ما تثبته. وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسَّرتُّموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له.
ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا المعنى مما لا يقوله عاقلٌ يتصوَّر ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه.
إلى قوله في الرَّدِّ على من كفَّر مثبتي الصفات: إن من قال: إنَّ لله علمًا قديمًا، أو قدرةٌ قديمةٌ، كان مشبِّهًا عند المعتزلة، لأن القدم (٣) عندهم أخصُّ وصف (٤) الإله، ومثبتو (٥) الصفات لا يُوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخصُّ وصفه ما لا يتَّصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وكونه على كلِّ شيءٍ قدير، والصفة - (التي هي القدرة أو العلم) (٦). لا توصف بشيءٍ من ذلك.
ثم إن من (٧) هؤلاء الصفاتية من لا (٧) يقول: إن الصفات قديمةٌ، بل يقول:
_________________
(١) في (أ): " الاعتماد "، وفي " التدمرية ": " مطلق الإثبات ".
(٢) في (ب) و" التدمرية ": مييز.
(٣) في " التدمرية ": القديم.
(٤) في (ش): " أوصاف "، وفي (ب): " وصفه ".
(٥) في " التدمرية " ومثبتة.
(٦) ما بين القوسين مدرج من كلام المصنف، وليس هو في " التدمرية ".
(٧) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٦٩ ]
إن الرَّبَّ بصفاته قديمٌ.
ومنهم من يقول: هو قديمٌ، وصفاته (١) قديمة، ولا يقول: هو وصفاته قديمان.
ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك (٢) لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيءٍ من خصائصه. وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم، والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلهًا ولا ربًا (٣) كما أن النبي - ﷺ - مُحْدَثٌ وصفاته محدَثةٌ، وليست صفاته رسولًا ولا نبيًا، فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه، كانت هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، يقول (٤) لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يُسمَّى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم ينفه عقلٌ ولا شرع (٥)، وإنما الواحب نفيُ ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية، والقرآن قد نفى (٦) مسمى المثل والكُفء والنِّدِّ ونحو ذلك، لكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست بمثل الموصوف ولا كُفْئِه ولا نِدِّه، فلا يدخل في النصِّ إلى آخر كلامه في ذلك (٧). وقد تقدم بكماله في الوهم الخامس عشر (٨).
وإنما قصدت الإرشاد إلى احتمال أدلَّة: المكفِّرين لمن يسمُّونه -باصطلاحهم- مشبِّهًا، وإن لم تصحَّ هذه التسمية في لغة العرب صحة قطعية متواترة، كما أن طائفة من المعتزلة اصطلحت على تسمية الموجود من الجواهر
_________________
(١) في " الرسالة التدمرية ": وصفته.
(٢) في (ش): القول بذلك.
(٣) في (ش) إلهات ولا أربابًا.
(٤) في (ب) و" التدمرية ": ثم نقول.
(٥) في " الرسالة التدمرية ": " سمع "، وكذا مرَّ في هذا الجزء ص ١٨٣.
(٦) في (ش): سمَّى نفي.
(٧) " الرسالة التدمرية " ٧٣ - ٧٥.
(٨) تقدم في الجزء الرابع.
[ ٥ / ٧٠ ]
الإشكال العاشر: أنه لو صح له -والعياذ بالله- جميع ما أراد ما حصل منه مقصوده
والأجسام مثلًا للمعدوم، وكذلك اصطلحت (١) على أن من أثبت لله علمًا أو رحمة أو عُلُوًّا من غير تكييفٍ، فقد كفر، وشبَّه الله تعالى ومَثَّلَه، مع تصريحه بنفي ذلك. والإمام الشافعي ﵁ منزَّهٌ عن هذا المقام، وإنَّما أحببت استطراد القائدة بذكر كلام العلماء المنصفين الذين لم يحملهم الغضب على تكفير مخالفيهم بغير حجةٍ (٢) بيِّنةٍ، فإنه لا يُقبلُ في هذا المقام إلاَّ (٣) الأدلة القاطعة. وقد ذكر غير واحد من المحققين أن الأدلة القاطعة (٤) متى كانت شرعيَّة لم تكن إلاَّ ضرورية، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في الوهم الخامس عشر، فخذه من هناك (٥).
الإشكال العاشر: نذكره على جهة الاستقصاء لبيان مجاوزة المعترض للحدِّ في الخطأ مع تنزيه الإمام الشافعي ﵀، وذلك أنه لو صح له والعياذ بالله جميع ما أراد، ما حصل منه مقصودُه، لأن مقصوده (٦) في أول الكلام القدح في علوم الحديث النبوي وصحتها، بأن الشافعي ﵁ من رواتها، كما قدح فيها بأن أحمد بن حنبل والبخاري من رواتها. وقد تقدم الكلام عليه في هذا، والتعجب (٧) مِنْهُ في أول الوهم الخامس عشر، فطالعه هنالك (٨) إن كنت لم تقف عليه، وجدِّد به العهد إن كنت قد رأيته وأُنسيته، فهو من أنفس ما في هذا الجواب. وقد ذكرنا فيه من روى عنه حُفَّاظ الإسلام وأئمة المذاهب الأربعة، وأئمة العِترة ﵈ ممن لا يُوازن الإمام الشافعي
_________________
(١) من قوله: " على تسمية الموجود " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): القطعية.
(٥) في (ش): هنالك.
(٦) " لأن مقصوده " ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): والعجب.
(٨) في (ب): هناك.
[ ٥ / ٧١ ]
ذكر أدلة من فال بالرؤية وأدلة من منعها وذلك في فصلين
الفصل الأول: في إمكانها في قدرة الله نعالى وأنه يرى ذاته الشريفه هو ﷿، وذكر أدلة الجميع في هذه المسألة
﵁ في مناقبه الشهيرة، وفضائلة الطيِّبة الكثيرة.
وقد تقدم في المسألة الأولى مِن هذا الكتاب دعوى علماء الزيدية للإجماع على وجوب القبول لرواية المتأولين: فُسَّاقهم وكفارهم، وبيان كثرة طرق دعوى الإجماع على ذلك وشهرتها وقوتها بعلمهم (١) بذلك من غير نكير، والمعترض يُقرىء ذلك في كل سنةٍ في كتاب " الُّلمع " ويعتمد (٢) في رواياته في التفسير والحديث عن كلِّ من دَبَّ ودَرَجَ. فالله المستعان.
وبعد ذكر هذه الإشكالات العشرة الكاشفة عن غفلة المعترض عمَّا يجب عليه، يزيدُ الأمر وضوحًا بذكر أدلَّة من قال بالرُّؤية، وأدلَّة من منعها، بحيث يظهر للنَّاظر فيها حكمُ القائل بالرُّؤية، وهل يُعَدُّ من منكري الضرورات الشرعية فيكفر؟ ويُعَدُّ من المكذبين فيما رواه؟ أو يُعَدُّ من المتأولين؟ فيتكلم بكلامهم لا بالمختار عندنا في فصلين: فصل في إمكانها في قدرة الله تعالى عندهم حسبما فهموه من أدلتهم، وفصل في وقوعها عندهم. ونشير إلى الأدلة العقلية من غير استقصاء، إذا (٣) كانت مقرَّرة في مواضعها من كتب الفريقين، وإذ كانت المخالفة فيها لا تقتضي التكفير، وننقل كلام الفريقين من أهل الحديث والمعتزلة بألفاظهم لنبرأ من وصم العصبية إن شاء الله تعالى.
الفصل الأول: في إمكانها في قدرة الله تعالى، وأنه سبحانه يرى ذاته الشريفة هو ﷿، وإن حَجَبَ عن ذلك خلقه كلهم، أو من شاء منهم.
قالوا: وهذا القدر لم يُعرف فيه خلافٌ بين السلف القدماء من العترة والصحابة، وإنما يُنكِرهُ المعتزلة ومن وافقهم من متأخِّري الشيعة.
فلنذكر أدلة الجميع على الاختصار الشافي والإنصاف:
_________________
(١) في (ب) و(ج): " بعملهم "، وفي (د) و(ش): " لعملهم ".
(٢) في (ب): ويعتمده.
(٣) في (أ): إذا.
[ ٥ / ٧٢ ]
أمَّا من أنكر ذلك، فليس لهم إلاَّ حجتان: عقلية وسمعِيَّة:
أمَّا العقلية. فاعتقادهم إن ذلك يؤدي إلى ثبوت الجهة لله تعالى، وأن ثبوتها يؤدِّي إلى التجسيم، وأن الأجسام متماثلة، وأنه يجب في كل مثلين أن يشتركا في كل ما يجب ويجوز ويستحيل.
وأمَّا السمعية: فما اتفق الجميعُ عليه (١) من ورود السمع بنفي التشبيه والتمثيل.
وأمَّا (٢) طوائف المخالفين لهم: فإن منهم من وافقهم في صحِّة الحجَّة العقلية، ونازعهم في لزومها لنفي الرُّؤية، وهم طائفة من متكلِّمي أهل السُّنَّة كالأشعرية، فإنَّهم اعتقدوا صحَّة الجمع بين نفي الجهة وصحَّة الرؤية، وجعلوا ذلك مثل ما أجمعوا (٣) عليه هم والمعتزلة من صحة الجمع بين نفي الجهة عن الله تعالى وصحَّة وجوده. ولهم في ذلك مباحثٌ دقيقةٌ ومعارضاتٌ طويلةٌ، وهي معروفةٌ في كتب الكلام، فلا نُطيلُ بذكرها، حتَّي قال الرازي في كتابه " الأربعين في أصول الدِّين ": إنَّ مرادهم بالرؤية صفةٌ تنكشِفُ لله تعالى في الآخرة، وهي (٤) بالنِّسبة إليه كالرُّؤية بالنسبة إلى غيره.
وقال الشهرستاني في " الملل والنحل " (٥) في الكلام على الاجتهاد أوّل القول في الفروع، ما معناه: إن الرؤية عند من أثبتها من متكلمي الأشعرية إدراكٌ أو علمٌ مخصوصٌ. وهذا يخالِفُ كلام أهل الأثره وحاصل كلامهم أن الرُّؤية غير مكيفةٍ كالمرئي سبحانه، وعند أهل الأثر: أن الرؤية مكيفةٌ، ولكن
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): فأما.
(٣) في (ب): اجتمعوا.
(٤) في (ب): هي.
(٥) ١/ ٢٠٢.
[ ٥ / ٧٣ ]
المرئي سبحانه غير مكيَّفٍ كما ورد في الحديث (١). ولا يلزم تكييف المرئي من تكييف الرؤية، كما لا يلزم تكييف الموجود من تكييف الوجود.
والحاصل أن أهل السنن (٢) والآثار يقطعون بنفي التشبيه والتمثيل، كما قالت المعتزلة والأشعرية، لكنهم يرون أن ما وصف الله تعالى به ذاته الكريمة في كتابه الكريم وبلغه رسوله الكريم، ولم يتأوله، ولم يُحذِّر من اعتقاد ظاهره، ولا كان من أحد من أصحابه مثل ذلك مع طول المدة، فإنه غيرُ مناقض لنفي التشبيه والتمثيل، ولا يجوز في العادات أن تمرَّ المدة الطويلة ولا يُبَين مثل ذلك.
قالوا: وقد اجتمعنا على ردِّ قول الملاحدة الباطنية في نفي الصفات كلها، وعلى رد قولهم: إن مجرد الاشتراك في بعض الأسماء والألفاظ يوجب التشبيه، فإنهم زعموا أن الله تعالى لو كان شيئًا والإنسان شيئًا أو موجودًا والإنسان موجودًا كان ذلك تشبيهًا، فرددنا الجميع ذلك عليهم. ووافقت المعتزلة على ردِّ هذا عليهم (٣)، وأجازت المعتزلة بأجمعهم أن يُوصف كل واحدٍ من الرَّبِّ ﷿، ومن بعض عباده الحُقراء بأنه موجودٌ، حي، قادرٌ عالمٌ، سميعٌ، بصيرٌ، مريد، مدبِّرٌ، حكيمٌ، مثيبٌ، (٤) معاقبٌ، فاعلٌ، مختارٌ إلى غير ذلك من الصفات الحميده، ثم لا يوجب الاشتراك في جميع تلك الصفات تشبيهًا، ولا تمثيلًا، بحيث إنه تعالى تمدَّح في كتابه المبين بانه أرحم الراحمين وأحسن الخالقين، وخير الحافظين، وخير الرازقين، مع جمعه معهم في اللفظ بإجماع المسلمين.
فكيف يجب القطع بوقوع السُّنِيِّ في صريح التشبيه؟ إذا قال: إنه تعالى استوى على عرشه، وعلا فوق خلقه علوًا كبيرًا (٥)، مع قطعه بنفي التشبيه لاستوائه وعلوّه
_________________
(١) سيورد المصنف نقلًا عن ابن القيم أحاديث الرؤية قريبًا، وسنستوفي تخريجها هناك إن شاء الله.
(٢) في (ب): السنة.
(٣) جملة: " ووافقت المعتزلة على رد هذا عليهم " ساقطة من (ب).
(٤) تحرفت في الأصول إلى: " مثبت "، والمثبت من (ب).
(٥) في (ب) كثيرًا.
[ ٥ / ٧٤ ]
باستواء خلقه وعلوهم المستلزمين حاجتهم إلى ما استووا عليه واستقرُّوا فوقه، محمولين مفتقرين إلى ما حملهم، محدودين محيط بهم ما حصرهم، مصوَّرين متصورين، مكيفين مقهورين مربوبين، مع إثبات السُّنِّيِّ في ذلك لجميع الفوارق التي لا تُحصى بين رب العزة وخلقه الأدلة من إثبات كل كمالٍ لله ﷻ، ونفي كلِّ نقص وعيب (١) عنه سبحانه، وتخصيصه دون خلقه بوجوب الوجود، والقِدَمِ، والبقاء، وعدم التشبيه، والتشريك، والنِّدِّ والكُفء، والضِّدِّ، وإثباث ما لا يأتي عليه العدُّ من ثبوت الحمد، والمجد، وكمال القدرة، والملك، والعزَّة، والكبرياء، ونفوذ المشيئة، وبلاغ الحكمة، ودفع الحُجَّة، وسُبوغ النعمة، واستحقاق حقائق جميع المحامد والممادح، وعموم الرُّبوبية لكل شيءٍ، وتمام القيومية (٢) بكلٍّ حي وعجز كل (٣) واصفٍ، وحَيرة كلِّ مفكِّرٍ، وعِيَّ كل بليغٍ، وتقصير كلِّ حامدٍ. فأيُّ تشبيه (٤) مع هذا وأضعافه، وكل ذلك الإلزام من أجل إيمانهم بمراد الله تعالى في تمدُّحه بعُلوِّه على خلقه، وظهور ذلك في جميع الكتب السماوية، وأوقات الرسل وأصحابهم وأتباعهم من غير إشعارٍ بالتحذير لعوامِّ المسلمين من اعتقاد ذلك الظاهر جمع دوام إسماعهم لهم ذلك في التلاوة والصلوات والمجامع والخُطب، حتى إن الخصوم الذين يحتجُّون بما لم يصح عن عليٍّ ﵇ من ذلك، وافقوا أهل السنة على رواية ذلك عن علي ﵇.
فروى صاحب " النهج " (٥) بغير إسناد والسيد الإمام أبو طالب بإسناده في " أماليه " أن رجلًا سأله في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين، هل تصف
_________________
(١) في (أ): عبث.
(٢) في (ب): " القيمومية "، وهو خطأ.
(٣) في (ب): وعجز عن كل.
(٤) في (ش): شبيه.
(٥) " نهج البلاغة " ص ٢١٢ - ٢١٣، و" الشرح " ٦/ ٣٩٨ - ٤٠٣. والخطبة بتمامها في " النهج " ٢١٢ - ٢٣٣، و" الشرح " ٦/ ٣٩٨ - ٤٠٣ و٧/ ٣ - ٣٢.
[ ٥ / ٧٥ ]
لنا ربَّنا فنزداد له حُبًَّا، وبه معرفةً، فغضب ﵇، ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، حتى غَصَّ المسجد بأهله، ثم صَعِدَ المنبر وهو مغضبٌ متغير اللون، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم سرد خُطبته -﵇- إلى قوله: أيها السائل، اعقِل ما سألتني عنه، ولا تسألَنَّ (١) أحدًا عنه بعدي، فإني أكفيك مُؤنة (٢) الطلب، وشدة التَّعمُّق في المذهب، فكيف يوصف الذي سألتني عنه وهو الذي عَجَزَتِ الملائكة مع قربهم من كرسيِّ كرامته، وطول وَلَهِهِم إليه، وتعظيم جلال عزَّته، وقُربهم (٣) من غيب ملكوت قدرته، أن يعلموا من علمه إلا ما علَّمهم، وهم من (٤) ملكوت القُدس بحيث هم ومن معرفته على ما فطرهم عليه، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، فعليك أيُّها السائل بما دلَّ عليه القرآن من صفته وتقدمك (٥) فيه الرسل بينك وبين معرفته، فَأتَمَّ به، واستَضِىء بنور هدايته إلى قوله: وما كلَّفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سُنة النبي - ﷺ -، ولا من (٦) أئمة الهدى أثرُه، فكِلْ علمه إلى الله، فإنه منتهى حق الله عليك.
ورواه محمد بن منصور في كتاب " الجملة " عن الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈، وهذا صريحُ مذهب أهل السنة. فهذا نقلُ الثِّقات والخصوم عن المدَّعي على أهل السنة مخالفته، فكيف بنقل أهل السنة عنه (٧) - ﵇، وعن سائر الصحابة والتابعين ما (٨) يشهد بتصديقهم
_________________
(١) في (ب): تسأل.
(٢) في (أ): " بمعرفة "، وفي (ش): " بمؤنة ".
(٣) في (ش): " وفرقهم " وكذا كتب فوقها في (أ).
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): وتقدمتك.
(٦) في (ب): عن.
(٧) ساقطة من (ب).
(٨) في (ب) و(ش): مما.
[ ٥ / ٧٦ ]
في نقلهم القرآن وسائر كتب الله تعالى، بل (١) أغنى عن نقلهم كونه مما تواتر أنه طريقة السلف وعجزت الخصوم عن دعوى موافقة السلف لهم في طريقتهم، إذ كانت (٢) طريقة السلف في ذلك معلومةً للجميع بالضرورة، فخاف القوم مِنَ ابتداع التحذير من ذلك. والتصريح بالتأويل فيه الوقوع في البدعة التي صح عندهم النهي عنها، والتحذير منها، وأجمع على ذمها المخالف والمؤالِفُ، فآمنوا بمراد الله في ذلك، مع القطع بنفي ما نفاه الله من شَبَه المخلوقين، والقطع بأن استواءه وعلُوَّه لا يشبه علو المخلوقين واستواءهم في أوصافهما ولوازمهما، كما يقول الجميع في الفرق بين علمه وعلمهم، وقدرته وقدرتهم، وإنما أثبتوا عُلُوًا واستواءً يُناسب (٣) ذاته العزيزة التي يستحيلُ تصوُّرها، ويستحيل تصور جميع ما يتعلق بها.
وهذه الفوقية عندهم غير مقتضيةٍ للتشبيه (٤)، مثل ما أن وجوده سبحانه وسائر صفاته الثبوتيَّة صحيحة عند خصومهم، وإن لم تكن مقتضية لذلك لما دلَّتهم عليه أدلَّتُهم، فكذلك هؤلاء دلَّتهم أدلَّتُهُمْ على الإيمان بما ورد في القرآن مِنْ ذلك، ورأوا أن نصوص القرآن التي أجمع المسلمون على أنها كلام الله تعالى، وأنها لم تزل متلوَّةً مجلَّلةً معظَّمةً، منذ بُعِثَ بها رسول الله - ﷺ - أحق الكلام بالقبول (٥) والتَّبجيل والتقديم على غيرها، والتعظيم والاحترام لها والتكريم (٦)، فلا يُستباح لها حِمى، ولا يُخاف من جهتها ضلالٌ ولا عمى.
وقد أجمع المسلمون على أنه لا أعلم من الله تعالى بما ينبغي أن يقال فيه،
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (أ): " إذا كانت "، وفي (ج) و(د): " وكانت ".
(٣) في (ب): " مناسب " وهو تحريف.
(٤) في (ش): للشبيه.
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) تحرفت في (ب) إلى: والكريم.
[ ٥ / ٧٧ ]
ويسمى به، ولا أحد أحبُّ إليه المدح منه، ولا أفصح، ولا أبلغ من كلامه، ولا أهدى ولا أنصح (١) من رسله، فكلُّ ما أجمعت (٢) عليه كتبه ورسله وأظهروه، ولم يُحذِّروا منه، كان أحقَّ الحقِّ، وكلُّ ما لم يذكر في كتابٍ من كتبه، ولا ذكره أحد من رسله، كان إيجابُه على الخلق أبعد من كلِّ بعيدٍ، والله على كلِّ شيءٍ شهيد.
وبعد، فقد أجمعت (٣) المعتزلة والشيعة والأشعرية على أنه لا يوجب التشبيه إلا الاشتراك في صفة الذات التي هي عند كثير من المعتزلة الصِّفة الأخصُّ أو فيما اقتضته هذه الصفة الأخصُّ، وعند كثير أنها وجوبُ الوجود والكمال حتى يجب لكلِّ واحدٍ من المثلين كلُّ ما يجب للآخر، ويجوز عليه كل ما يجوز (٤)، ويستحيل عليه كل ما (٥) يستحيل عليه. وقد جوَّد القول في ذلك الغزالي في مقدمات " المقصد الأسنى " (٦).
قال شيخُ الإسلام: ولم يقل بالتشبيه بهذا المعنى أحدٌ يتعقَّل (٧) ما يقول، فإنه متى تعقَّل هذا، عرف فساده بالضرورة.
وقال علامة الزيدية في الكلام وترجمانهم فيه، صاحب كتاب (٨) " الغُرَرُ (٩) الحُجُول في الكشف عن أسرار شرح الأصول " في الكلام على إثبات الصِّفةِ
_________________
(١) في (ش): ولا أهدى ولا أنصح.
(٢) في (ج) و(ش): " اجتمعت "، وفي (ب): " اجتمع ".
(٣) في (ب): اجتمعت.
(٤) في (ش): كما يجوز عليه.
(٥) في (ش): كما.
(٦) انظر ص ٤٥ فما بعد.
(٧) في (ب): يعقل.
(٨) ساقطة من (ب).
(٩) تحرف في (أ) إلى: العز.
[ ٥ / ٧٨ ]
الأخص لله تعالى ما هذا لفظه:
الدليل الأول: أنا قد شاركنا الله تعالى في استحقاقِ الصفات الأربع التي هي: القادرية، والعالِمَّية والحياتيَّة، والوجود (١)، ثم فارقناه، فوجبت له، وجازت لنا، فلا بد من أمرٍ وجبت (٢) له، وجازت لنا، إلى آخر ما ذكره.
وقد أجمعت المعتزلة على أن مثل هذه المشاركة في الأمهات الجوامع من الصفات والأسماء لا تقتضي التَّشبيه من أجل وجود الفارق على الصحيح، فكيف ألزموا أهل السنة التشبيه وهم يحرمون إطلاق مثل هذه العبارات في المشاركة، ولا يجترئون على مثل هذه العقائد التي لم تَرِدْ بها نصوص القرآن ولا السنة المعلومة؟
قال أهل السنة للمعتزلة: وحين اتفقنا على أن الاشتراك في كثير من الأسماء والصفات لا تُوجِبُ مسمى التمثيل، علمنا أنه لا مناقضة بين نفي (٣) التمثيل وبين إثبات ما تمدَّح به الربُّ من صفاته التي خالفت المعتزلة في حقائقها، كتمدُّحه بأنه الرحمن الرحيم، واسعُ الرحمة، خير الراحمين، وبأنه العليُّ، العظيم، الأعلى، المتعالي، ذو المعارج، وهو سبحانه أعلم بحقائق المناقضة، ولو كان ذلك تناقضًا، ما تمدَّح به ومدح رسوله (٤) وأصحابه، وشاع ذلك بينهم المُدَدَ المتطاولة من غير تأويل.
فحاصلُ كلام أهل السنة راجعٌ إلى تفسير نفي التشبيه بإثبات هذه الأسماء وسائر ما وصف الله به ذاته على أكمل الوجوه، ونفي ما يلزمها في المخلوقين مِنَ النقص، ونفي لوازم النقص عن الله تعالى، ونفي كمالِها عن المخلوقين.
_________________
(١) في (ش): والوجودية.
(٢) في (ب): لأجلها وجبت.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): رسول الله ﷺ، وفي (ب) و(ج) و(د): ومدحه رسوله.
[ ٥ / ٧٩ ]
ألا ترى أنه تعالى عالمٌ لا يعزُبُ عن علمه شيءٌ في الحال والماضي والاستقبال من المعدومات والموجودات، ولا يجوزُ عليه الشكُّ فيما علمه، ولا النسيان له (١) ولا الخطأ، ولا النظر والاستدلال (٢). وقد يُسمَّى (٣) بعض عباده عالمًا، ولكن عالمًا ناقصًا مشُوبًا بتجويز جميع هذه (٤) النقائص التي تنَّزه الربُّ عنها، وكذلك سائر الأسماء، قالوا: ومتى كان القول بأن الله عالمٌ مثل علم (٥) خلقه كفرًا (٦) بالإجماع، مع أن كونه تعالى عالمًا من المحكمات.
وكيف (٧) من قال: بأن عُلوَّه واستواءه على عرشه كعُلوِّ الأجسام واستوائها، مع أن هذا من المتشابهات؟
فمن ها هنا لم يكن له سبحانه كفوًا أحد، وكان كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعد نفي التشبيه من أقوى أدلَّة أهل السنة على هذا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وللهِ المَثَلُ الأعلى وهُوَ العزيزُ الحكيمُ﴾ [النحل: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] أي: الوصفُ الأعلى على ألسِنةِ أهل السماوات وأهل الأرض. وتقدم قول عليٍّ ﵇: فعليك أيها السائل بما دلَّ عليه القرآن من صفته (٨).
وإنما تنَّزه الرَّبُّ سبحانه عما يصفون من الصاحبة (٩) والولد، والأمر بالفواحش، وأمثال ذلك مِنَ النقائص، ولم ينَّزه قطُّ عن الوصف بالمحامدِ والممادح والأسماء الحسنى.
وقالت الملاحدة من الباطنية والفلاسفة: لا يجوز عليه (١٠) شيءٌ مِن هذه
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): ولا الاستدلال.
(٣) في (ش): سمَّى.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ب): بمثل ما علم.
(٦) في (ش): " كفر " وهو خطأ.
(٧) في (ب) و(ج): فكيف.
(٨) ص ٣٩٤.
(٩) في (ش): المصاحبة.
(١٠) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٨٠ ]
الأسماء والصفات قالت الباطنية: وإنما هي مجازٌ لا حقيقة له، وكلُّ اسمٍ أو وصفٍ منها يوجب التَّشبيه، ويجب نفيه عن الله تعالى على جهة التعظيم والتنزيه، ونسبتها إلى الله تعالى كنسبة الجناح إلى الذُّلِّ في قوله تعالى: ﴿واخفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ ..﴾ [الإسراء: ٢٤].
ولو قال قائل: ليس للذل جناحٌ، وقصد الحقيقة، كان صادقًا عندهم (١) فكذلك، من نفي الأسماء الحسنى عن الله تعالى، وقصد الحقيقة، كان صادقًا عندهم، فالنَّافي لرحمة الله ﷿، الواصف له بأنه ليس برحمن، ولا رحيمٍ، ولا عليٍّ، ولا عظيم، كالنافي للجناح عن الذُّلِّ، والإرادة عن الجدار، صادقٌ عندهم، بل هو (٢) أصدقُ عندهم ممَّن سمَّاه الرحمن على سبيل التجوُّز (٣).
وكما (٤) أن إثبات المجاز لا ينفعُ الباطنية فيما نَفَوهُ من حقائق صفات العليم القدير وحقائق المَعاد فكذلك إثبات المجاز لا ينفعُ المعتزليَّ فيما نفاه من حقائق صفات الرحمن الرحيم، العلي العظيم، وما أبدَوْهُ من الفرق في ذلك غيرُ صحيحٍ عند خصومهم، ومعارضٌ عندهم كما تقدَّم في الوهم الخامس عشر في كلام شيخ الإسلام. فهاتان طائفتان متقابلتان أعني: الباطنية الذين نَفَوُا الأسماء كلها، وأهل الأثر الذين أثبتوها كلها.
وأمَّا المعتزلة والأشعرية، ففرَّقوا بين الأسماء والصفات، فتارةً يوافقون أهل السنة، وتارة (٥) يوافقون الباطنية، واعتمدوا في التفرقة على أدلةٍ عقليةٍ دقيقةٍ خفيَّةٍ، أدَّت إلى القطع عندهم بنفي أمرين جليَّين عند مخالفيهم من أهل السنة
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): التجويز.
(٤) في (ش): فكما.
(٥) في (ب): ومرّة.
[ ٥ / ٨١ ]
هما عند أهل السنة أقوى وأجلى، وأولى بالتَّسليم (١) من تلك الخفيات التي لا يُخاف الكفر بالمخالفة لشيء منها (٢)، ولا ينتهض (٣) في العقل لمعارضةٍ أقوى منها عندهم، واعتقدوا أن الاستضاءة في هذه المسالك المجهولة بأنوار النُّبوَّة والآيات القرآنية أحزمُ وأسلم، وإن كان غيرهم يرى الخوض في تلك الدقائق أنبه وأعلم، فإن معرفة الجلال الأعزِّ أعزُّ من (٤) أن يهتدى إليه (٥) إلاَّ بتعريفه:
مَرَامٌ شَطَّ مَرْمَى العقل فيه فَدُونَ مَدَاه بِيدٌ لا تَبيدُ (٦)
فلنذكر أدلة الجميع بتوفيق الله تعالى وعونه.
أمَّا تلك الأدلة التي تمسَّك بها المتكلمون، فهي ما قدمنا (٧) في هذا الوهم من اعتقادهم لتسمية الموجودات في الخلاء العدميِّ المستقلاَّت بأنفسها كلِّها أجسامًا، واعتقادهم لِتماثلها، وكذلك ما قدمنا في الوهم الخامس عشر من اعتقادهم لصحة دليل الأكوان، واستلزامه لحدوث جميع ما سمَّوه جسمًا من كل موجود في الخلاء العدمي مستقلّ بنفسه.
وقد قدمنا مخالفة بعضهم بعضًا (٨) في ذلك، ورد بعضهم على بعض، وما في أدلتهم هناك من الدقة والنزاع والإشكالات لو لم يعارضها شيءٌ ألبتة ولا يخاف من القول بها إنكار (٩) ما يخاف الكفر في إنكاره، ومرادنا بالخلاء العدميِّ
_________________
(١) في (أ): وأجلى فالتسليم.
(٢) في (ش): ليس منها.
(٣) في (ب): تنتهض.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) ساقطة من (أ)، وفي (ب) و(د): إليها.
(٦) تقدم في ٣/ ٣٢٣.
(٧) في (ش): قدمناه.
(٨) في (ش): لبعض.
(٩) ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٨٢ ]
هو ما وُجدت فيه الموجودات في أول إيجادها وإيجاد إمكانها (١)، فإن الأماكن عند المتكلمين عبارةٌ عن أجسام الأرض والسماوات التي تستقُّر فيها الموجودات، ولا شكَّ أن أول موجودٍ منها قبل خلق (٢) الأمكنة كان في جهةٍ عدميَّةٍ، وكذلك الأمكنة كانت فيها، وإلاَّ احتاج كلُّ مكانٍ إلى مكان (٣)، إلى ما لا نهاية له.
وأما الأمران الجليِّان الَّلذان ادَّعى أهل السنة معارضَتَهُما (٤) لذلك، ووضوحَهما، وخوف الكفر في إنكارهما.
فأحدهما: ما فُطِرَت عليه العقول السليمة عن التَّلوُّن بالاعتقادات التقليدية من استحالة تعطيل الموجود من جميع الجهات السِّتِّ التي لا غاية لكل واحدة منها (٥) كما قرَّره ابن تيمية وغيره من متكلِّميهم استدلالًا وسؤالًاَ وانفصالًا، مثلما أن المعتزلة تعتقد استحالة الرؤية، كذلك قالوا ولا شكَّ أنَّ هذا هو الفطرة، ولكن الأدلة المعروفة في علم المنطق والكلام، المعروفة بالأدلة الخلقية ألجأت المتكلمين إليه، ومعنى هذه الأدلة الخلقية (٦) أن النقيضين إذا بطل أحدهما ثبت الآخر، فلما بطل عندهم هذا الأمر الجليُّ بتلك الأمور التي قدمناها ونحوها، واعتقدوها قاطعةً، اضطرهم ذلك إلي إثبات نقيضه، وظنوا أن تلك الفطرة العقلية المعارضة لأدلتهم طبيعية (٧) وهميَّةٌ نافرةٌ عن ذلك.
قالوا: ولو أنعموا (٨) النظر فيما ألجأهم إليه، لما عوَّلوا عليه، فإن الذي نَفَوْهُ
_________________
(١) في (أ) و(ش): إمكانها.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) " إلى مكان " ساقطة من (ب).
(٤) في (ب): معارضتها.
(٥) في (ب): منها.
(٦) جملة: " ألجأت المتكلمين إليه، ومعنى هذه الأدلة الخلقيه " ساقطة من (أ).
(٧) في (ب): طبيعة.
(٨) في (أ): نعموا.
[ ٥ / ٨٣ ]
أقوى وأجلى في الفِطَرِ العقلية من أدلتهم على نفيه بكثيرٍ، ونفيُ الأجلى بالأخفى باطلٌ، ولا يعرف هذا إلاَّ من اطَّلع على تلك الأدلة التي ظنُّوها قاطعة، التي قدمنا الكلام فيها آنفًا.
فإن قيل: إذا كان أهل السنة ينفون الكيفيَّة عن الاستواء والعلوِّ ونحو ذلك، فقد شاركوا المتكلمين في مخالفه الفطر (١) العقلية، وعدم القبول لظواهر النصوص السمعية، ولم يبق بينهم خلافٌ إلاَّ في العبارات اللفظية، ففي أي شيءٍ افترقوا على التَّحقيق؟ وما بالهم يوهمون الاختصاص لكمال (٢) التصديق؟ فجوابهم عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنهم -أو كثيرٌ منهم- لم ينفوا حقيقة العلوِّ المفهومة من حيث هي (٣) مجرَّدة عن لوازمها التي لا تجوز على الله ﷿، وإنما نَفَوْا تلك اللوازم ذاهبين إلى أن المستلزم لها أمورٌ تَخْتَصُّ بالأجسامِ التي يجب القَطْعُ بنفي تشبيه الله ﷿ بها (٤)، لا أن (٥) العلوَّ من حيث هو علوٌ هو الذي التزمها كما تقدَّم ذلك قريبًا في ردِّهم لأدلَّة المعتزلة، فاعِرفْ ذلك، وأنهم إذا أطلقوا العُلُوَّ عَنَوْا به ما فوق العالم جميعًا (٦)، وذلك خارجٌ عن الجهات المخلوقة، فلا يتصَّور منه لزومُ الحاجة إليها عندهم.
وثانيهما: أنهم لم ينفوا علم الله سبحانه بحقائق أسمائه، وما نطق به التنزيل من نعوت الرَّبِّ الجليل، ولم يُثبتوا الحيرة (٧) في ذلك على الإطلاق،
_________________
(١) في (ب) و(ج) و(ش): الفطرة.
(٢) في (ب): بكمال.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ب): " إلاَّ أن "، وفي (أ) و(ش): " لأن ".
(٦) في (ب): جميعه.
(٧) في (ش): الخيرية.
[ ٥ / ٨٤ ]
بل نَفَوْا عن أنفسهم، لا عن ربِّهم جلَّ وعزَّ وتبارك وتعالى معرفة حقيقة الذات المقدسة، وما يتعلق بها على التفصيل، وأثبتوا المحارة (١) في ذلك بالنسبة إلى أنفسهم لقصور البشر عن إدراك ذلك (٢) الجلال الأعزِّ، وبُعدِ مَنْ صوَّره الله تعالى من التراب عن بلوغ الغاية القصوى في معرفة ربِّ الأرباب تصديقًا لقوله تعالى: ﴿ولا يُحيطُونَ به علمًَا﴾ [طه: ١١٠]، لا بالنسبة إلى علم الله تعالى المحيط الذي لا يجوزُ أن يدخُلَه نقصٌ، ولا وقفٌ، ولا حَيرة، ولا شُبهةٌ، ولذلك ذهبوا إلى أنه تعالى (٣) يعرف ذاته معرفة المفردات، وهي على الحقيقة المعرفة التامة.
وأما العباد، فإنما يعلمون نسبة الأسماء والنعوت إليها كنسبة الوجود وصفات الكمال، ولا يعرفون الذات التي نُسبَت (٤) إليها هذه الأمور، وذلك الذي يختص به العباد يُسمى علمًا لا معرفة عند أهل اللغة وأهل المعقولات، لأن العلم يتعدَّى إلى مفعولين، كما تقول: علمت الله موجودًا عليمًا قديرًا، وأمَّا المعرفة، فلها مفعولٌ واحدٌ مفردٌ. ومذهبُ أهل الأثر في هذا هو المعروف عن عليٍّ كرَّم الله وجهه (٥)، وبه فسَّر ابن أبي الحديد -مع اعتزاله (٦) - قوله ﵇ في وصف عزة (٧) الربِّ ﷻ عن إدراك العقول لحقيقة ذاته، قال ﵇: " امتنع منها بها، وإليها حَاكَمَها ". أراد ﵇ أن العقول عرفت قصورها عن دركِ حقيقة الذات المقدسة، وكان الامتناع من ذلك بالعقول، وإلى العقول حاكم العقول، شبَّه العقل (٨) بالخصم المدعي لما لا
_________________
(١) وفي (ش): المحاراة.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (أ): " ذهبوا أن الله تعالى "، وفي (ش): " ذهبوا إلى أن الله تعالى ".
(٤) في (ش): تنسب.
(٥) في (ب): ﵇.
(٦) في (ب) اعترافه.
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) في (أ): " شبهة العقل "، وفي (ب) و(ج): " شبه العقول "، وفي (ش): " حاكم العقول ".
[ ٥ / ٨٥ ]
يصح، ولا يخفى بطلانه على أحد. وفي مثل ذلك يحكم العاقل خصمه فيما ادَّعاه (١)، حتى إنه إذا ادعى الباطل لم يزد على أنه أودى (٢) بنفسه وحقَّق للسامعين تعمُّده للباطل، وإن أقرَّ بالحق، حصل المقصود (٣).
ومن (٤) ها هنا وقعت البهاشمة من المعتزلة في البدعة الكبرى، حيث قالوا: إن الله تعالى لا يعلم من نفسه (٥) إلاَّ ما يعلمون، فتعالى الله عما يقولون علوًا عظيمًا، بل هو أعز وأجل من أن يحيطوا به علمًا، وهم أحقر وأقل من ذلك كما نص عليه كتاب الله تعالى حيث قال متمدحًا: ﴿ولا يُحيطُونَ به عِلْمًَا﴾ [طه: ١١٠]، وقد بالغ ابن أبي الحديد في نُصرة قول أمير المؤمنين ﵇، وذكر أنه قولٌ لم يزل فضلاء العقلاء مائلين إليه معوِّلين عليه، وأنشد في ذلك من الأشعار المستجادة ما يطول ذكره ويطيبُ ويشتمل على كل معنى عجيب، وقد ذكرت ذلك في " ترجيح أساليب القرآن " (٦) وجوَّدته. فخذه من هناك. فأهل السنة لزموا الأدب عملًا بقوله تعالى: ﴿ولا يُحيطُونَ به عِلْمًَا﴾ (٧) [طه: ١١٠]، وبقوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك بهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فأثبتوا الذات على وجهٍ يعقلُ جملةً لا تفصيلًا، وآمنوا بما علمهم الله من تفصيل تلك المعارف في تلك الجملة، وهذا من محارات العقول بإقرار العقول (٨) وشهادة (٩) المنقول، أعني تفصيل الكلام في ذات الله تعالى.
_________________
(١) " فيما ادعاه " ساقطة من (ش).
(٢) في (ب): أزري.
(٣) نص كلام المؤلف في " ترجيح أساليب القرآن " ص ١١٢: " بها امتنع منها وإليها حاكِمها " أي: امتنع من العقول بمعرفة العقول لعجزها عن إدراكه والإحاطة به، وإليها حاكمها، أي: اجعلها محكَّمة في ذلك، لأنه نزلها منزلة الخصم المدعي، والخصم لا يحكم إلا حيث تتضح الحجة، ويفتضح جاحدها، فلا يرضى لنفسه بدعوى ما يعلم كل عاقل كذبه فيها.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): ذاته.
(٦) ص ١١٢ وما بعدها، وانظر " شرح نهج البلاغة " ١٣/ ٤٩ - ٥٤.
(٧) في (ش): ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.
(٨) ساقطة من (ش).
(٩) في (ش): وشهادات.
[ ٥ / ٨٦ ]
وأما نفيُ ما جهلنا من ذلك عن علم الله، فمن المحالات في العقول، وفرقُ بين المحارات والمحالات، فالسمع يردُ بالمحارات، والعقل يقبل الإيمان بها جملةً، ويَكِلُّ عنها ويكِلُ تفصيلها إلى الله تعالى، والمحالات، لا يَرِدُ بها السمع، ولا يجوزها العقل. ولعلَّ المعتزلة إنما نفوا أن يعلم الله من ذاته غير ما يعلمون طردًا لقاعدتهم الضعيفة المقدَّمة (١)، وهي أن ما لم يعلموا عليه دليلًا وجب نفيه، وكثيرًا ما ترجع أدلَّتهُمْ لمن تأمَّلها إلى هذه القاعدة وقد مرَّ إبطالها بما لا زيادة عليه والحمد لله.
وقد نُقِلَ عن قدماء العترة ﵈ ما يُشبه قول علي ﵇ وقول أهل السنة، فذكر أبو عبد الله الحسني في كتابه " الجامع الكافي " على مذهب الزيدية، عن محمد بن منصور، أن أحمد بن عيسى ﵇ كان ينفي التشبيه والحدود والنهاية، ويقول: هو ﷿ موجود في كل مكان بلا كيفية.
ونقل محمد بن منصور عن أحمد بن عيسى في كتاب أحمد أنه روى ذلك (٢) عن أبيه، وقال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈: أجمع علماء (٣) آل الرسول - ﷺ - على نفي التشبيه عن الله، وأنه ليس كمثله شيءٌ .. إلى قوله: عن (٤) أن يدركه الواصفون إلاَّ بما وصف به نفسه بلا تحديدٍ ولا تشبيهٍ ولا تناهي. وقال محمد: قد وصف الله تعالى نفسه بصفات مدائح لن تزول عن الله في حال، يدان فيها بإثبات ما أوجب الله تعالى، ونفي ما أزال، فقال ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة، فعدَّ الرحمن الرحيم من مدائح الرَّبِّ التي لا تزول عنه، ويجب إثباتها له بلا كيفيةٍ ولا تشبيهٍ.
_________________
(١) في (ش): المتقدمة.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) ساقطة من (د) و(ش).
(٤) في (ب): عز.
[ ٥ / ٨٧ ]
وبهذا يظهر لك أن أهل السنة لم يختصُّوا (١) بالبَلْكَفَة التي شنَّع بها عليهم بعضُ المعتزلة، بل هي قول جميع المسلمين في ذات الله تعالى، وإنما خالفوا أهل السنة في صفاته تعالى كما مر تحقيقه في الوهم الخامس عشر، وهذا تمام الكلام في الأمر الأول من الأمرين الحليين الَّلذَيْن ادعى أهل السنة معارضَتَهُما لأدلة المتكلمين، وقضوا بأنهما أجلى منهما، وخافوا الكفر في مخالفتها.
وأما الأمر الثاني الذي يعضُدُ هذه الفطرة، فهو تطابقُ جميع هذه الكتب السماوية على ذلك، وكذلك الفِطَرُ (٢) السليمة من شَوبِها بالتقليدات الكلامية.
وبيان ذلك يظهر بوجوه:
الوجه الأول: خلوُّ الكتب السماوية والآثار النبوية من وصف الرب سبحانه بالتعطيل من جميع الجهات مع ورودها بكثير (٣) من المتشابهات، فأما هذا الوصفُ، فتعطَّلت كلها منه لنكارته حتى اتفق أنه ما كَذَبَ أحدٌ من الكذابين في الحديث شيئًا يوافق هذا فيما علمناه إلى الآن، وتواتر في القرآن والسنة وصف الرب سبحانه بما يقتضي بُطلان هذا كما تراه الآن، وكما يعرف بأدنى تأمُّلٍ، ولم يرد القرآن بأنه كُلَّه متشابهٌ، وإنما ورد بأن منه آيات محكماتٍ هُنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات. فأرُونا الآيات المحكمات الواردات بهذا التعطيل من الجهات حتى نرُدَّ إليها سائر آيات كتاب الله وأحاديث رسول الله - ﷺ - والعقول السليمة تُحيلُ خُلُوَّ الكتب السماوية والأحاديث النبوية من النطق بالصواب الذي يُرَدُّ (٤) إليه كثيرٌ من متشابه (٥) الكتاب، وإلى استحالة ذلك أشار قوله بعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]، ويا
_________________
(١) في (أ) و(ج) و(د): " لا يختصوا "، وفي (ش): " لا يختصون ".
(٢) في (ب) و(ش) و(ج): الفطرة.
(٣) في (ب): " تكثير " وهو خطأ.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): متشابهات.
[ ٥ / ٨٨ ]
لها من آيةٍ قاطعةٍ للمبطلين لمن تأمَّلها في كلِّ موضعٍ مع ظاهر قوله: ﴿ما فَرَّطْنَا في الكتابِ من شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فإن الله سبحانه لم يُخْلِ كتبه الكريمة من بيان مهمَّات الدِّين. وقول المتكلمين: إن ظاهر هذه الآيات قبيحٌ، جنايةٌ على كتاب الله تعالى، فإنه لا يشكُّ منصفٌ (١) أنها جاءت -أو كثيرٌ منها- على جهة التمدُّح منه ﷿ بالرحمن الرحيم، العلي العظيم، فجعلوا ما تمدَّح به يقتضي بظاهره غاية الذم والسَّبِّ باستلزام ظاهِرِه تشبيه (٢) العبيد المساكين المخلوقين، وليس يرضى بمثل هذا عاقلٌ أن يَقصِدَ التمدح بما ظاهره النقص لنفسه، والقدح في عرضه، كيف الملك الحميد الذي صحَّ عن أعلم الخلق به أنه لا أحد أحبُّ إليه المدح منه، من أجل ذلك مدح نفسه (٣)؟ فكيف يكون أظهر المعاني من كلامه الذي المقصود منه التمدح يقتضي نقيض المقصود، مع أنه أبلغ الكلام والبلاغة تقتضي بلوغ المتكلم لبيان مراده على أبلغ الوجوه؟ فكيف يستكثر من لا أحد أحبُّ إليه المدح منه مما ظاهرُه الذمُّ، ويكون ذلك في السبع المثاني المتكرِّرة في الصَّلوات، وفي أول كل سورةٍ من المصاحف المكرمات؟ وقولهم: إن المقصود بذلك تعريضُ المكلَّفين إلى دَرْكِ الثواب العظيم بالنظر في تأويله مردودٌ بوجوه:
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: مصنف.
(٢) في (ب): " شبه "، وهو خطأ.
(٣) أخرج أحمد ١/ ٣٨١ و٤٣٦، والبخاري (٤٦٣٤) و(٤٦٣٧) و(٥٢٢٠) و(٧٤٠٣)، ومسلم (٢٧٦٠)، والترمذي (٣٥٣٠) وابن حبان (٢٩٤) طبع مؤسسة الرسالة من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، من أجل ذلك مدح نفسه ". وأخرجه أحمد ٤/ ٢٤٨، والبخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩)، والدارمي ٢/ ١٤٩، وابن حبان (٥٧٧٣)، والطبراني ٢٠/ (٩٢١) و(٩٢٢)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ٢/ ١٢ من حديث المغيرة بن شعبة.
[ ٥ / ٨٩ ]
الأول: أن ذلك لو كان هو المقصود، لوجد الصواب ولو مرَّةً واحدة حتى يرد المتشابه إليه كما وعد به التنزيل، فأين آيةٌ واحدةٌ نفت الرحمة على الإطلاق عَنِ الله تعالى، أو نفت أسماءه: العليَّ، الأعلى، المتعالي، وما شاكلها؟
وثانيها (١) لو (٢) كان تأويلها هو المقصود، وكانت مناقضةً لنفي التشبيه، لكان رسول الله - ﷺ - وأصحابُه وتابعوهم أسبق الناس إلى تأويلها كما سبقوا إلى كل خير، وسيأتي بطلان ما كُذِبَ من ذلك على (٣) أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ كما أوضحتُه في " ترجيح أساليب القرآن "، ولو لم يُعارض ما رُوِيَ عنه من مذاهب الباطنية في نفي الصفات إلاَّ بما رواه السيد أبو طالب في " أماليه " بسنده من قوله ﵇: فعليك أيُّها السائل بما دلَّك (٤) عليه القرآن من صفته، وتقدَّمك فيه الرُّسل بينك وبين معرفته، فأتَمَّ به، واستضىء بنور هدايته وبكلامه في صفة الرَّاسخين ووصفه لهم بالعجز عن التأويل، كما أسنده عنه السيد أبو طالب، وقرَّره وأرسله صاحب " النهج " (٥)، وهو نصُّ قول أهل السنة.
والعجبُ ممَّن يتسع عقله من العلماء لتصديق أنه -﵇- كان يخطُبُ لمذاهب القرامطة في صدر الإسلام والصحابة متوافرون سكوتٌ لذلك، ولا يهتدي بعقله إلي أنه أتبعُ خلق الله للنبيِّ ﵇، وأشبههُم به علمًا وبيانًا، ووعظًا وخطابةً، وأشدُّ الناس اقتداءً، وأبعدهم عن الابتداع، حتى لقد قال: نهاني رسول الله - ﷺ - عن كذا، أما إني أقول نهاني، ولا أقول نهاكم (٦)، فما أبعده عما فَرِحَتْ به القرامطة مما رُوِيَ عنه من شُبَهِ مذاهبهم صانه الله عنها.
_________________
(١) في (د): وثانيهما.
(٢) في (ش): أنه لو كان.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (د) و(ش): دلَّ.
(٥) " نهج البلاغة " ص ٢١٢ - ٢٣٣، وقد تقدم كلام أمير المؤمنين الخليفة الرابع ص ٣٩٤.
(٦) أخرج الإمام أحمد ١/ ١٣٢ عن علي ﵁ أنه قال: نهاني رسول الله - ﷺ - فلا أقول: نهاكم - عن العصفر والتختم بالذهب.
[ ٥ / ٩٠ ]
وثالثها: أن هذا المدعى الذي ذكروه لا يصح تقديره فيما موارده (١) إظهار المحامد وبيان الممادح.
ورابعها: أنه لو كان -كما ذكروه- لورود (٢) السمع بما ظاهره القبح الضروري المتفق عليه ليُثاب (٣) المكلَّفون بتأويله، كنسبة الظلم والولد والشركاء وسائر النقائص -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- فإنه يمكن تكلُّف التجوزات البعيدة في ذلك كما زعمه الزمخشري في تأويل قوله تعالى: ﴿أمَرْنَا مُترَفِيهَا فَفَسَُوا فيها﴾ [الإسراء: ١٦] فإنه زعم أن المراد: أمرناهم بالفسق مجازًا (٤).
وسوف يأتي في الوهم الثامن والعشرين تمام البحث فيما يتعلق بهذا المعنى من الأسئلة (٥) إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: في الإشارة إلى طرفٍ من هذه الآيات التي تعارض دعوى تعطيله ﷿ من كل الجهات، وذلك في القرآن والسنة متنوعٌ أنواعًا كثيرة، فمن أنواعه: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقولُه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وما جاء في ذكر الحجب من السنة من رواية زيد بن علي -﵉- ومن رواية أهل الحديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهي حُجُبٌ حاجبةٌ للعباد، محيطةٌ بهم، لا بالله -﷿- فافْهم هذه الفائدة، فإنها مهمَّة.
_________________
(١) من قوله: " من شبه مذاهبهم " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) في (ش): لورد.
(٣) في (ج): " لثبات " وهو تحريف.
(٤) " الكشاف " ٢/ ٤٤٢.
(٥) في (أ): الأنمطة.
[ ٥ / ٩١ ]
ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] بالرَّفع، ولو كان منقطعًا لنُصب. وقوله (١) تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١، ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، و" في " هنا بمعنى " فوق " كقوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. ولا يُحيط بالله شيءٌ بالإجماع، وهي في الفوقية حقيقةٌ لا مجازٌ، وآيات الاستواء تُوَضِّحُ ذلك.
ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استَوَى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى في غير آية: ﴿ثُمَّ استَوَى على العَرْشِ﴾.
ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥]، وقوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤ والشورى: ٢٢]، وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤]، وقوله: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]. وقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]، وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الذاريات: ٣٤]، وقوله: ﴿وعندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، وقوله: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]، وقوله: ﴿ولَدَيْنَا كِتَابٌ
_________________
(١) في (ب): " ونحو قوله " وفي (ش): " ونحوه قوله ".
[ ٥ / ٩٢ ]
يَنطِقُ بالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢]. وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، وفي آية: ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١]، وقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] وقوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨].
ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨].
ومن أنواعه: آيات لقاء الله تعالى، وهي أشهر وأكثر من أن تُذكر.
ومن أنواعه الكثيرة ما في القرآن من ذكر علوِّه على خلقه، تارةً بالتَّمدُّحِ بأسمائه: العلي، والأعلى، والمتعالي، وذي المعارج، وتارة بالخبر عن ذلك في آياتٍ عديدة، كقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].
ومن أنواعها: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام فيها في الوهم الخامس عشر (١) وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقد صح تفسيرها بالحقيقة عن رسول الله - ﷺ -. رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث ابن مسعود (٢)،
_________________
(١) تقدم في الجزء الرابع.
(٢) أخرجه البخاري (٤٨١١) و(٧٤١٤) و(٧٤١٥) و(٧٤٥١) و(٧٥١٣)، ومسلم (٢٧٨٦)، وأحمد ١/ ٤٢٩ و٤٥٧، وابن أبي عاصم (٥٤٩)، وابن خزيمة في " التوحيد " =
[ ٥ / ٩٣ ]
والبخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عمر (١)، والبخاري عن أبي هريرة (٢)، والترمذي عن ابن عباس (٣) كما هو مبسوط بأسانيده وألفاظه في كتب الإسلام، ولم يُنكِر ذلك عليهم أحدٌ مِمَّن عاصرهم من الصحابة، ولا مِمَّن سمع منهم من التابعين، وما زال السلف يروون مثل ذلك، ويُروى عنهم من غير نكيرٍ (٤). حتى إن السيد المنكر لرواية هذا الجنس (٥) على المحدثين روى هذه الأخبار المشار إليها في تفسير هذه الآية (٦) في تفسيره الذي سماه " تجريد الكشاف مع زيادة نكت لطاف "، ولم يذكر بعد روايتها (٧) ما يدلُّ على قبح الاغترار بها، ووجوب التحذير منها، وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى وتفاسير علماء الإسلام.
ومن أنواعها: جميع الآيات (٨) المتضمنة لكلامه، وتكليمه، ومناداته، ولذلك أنكرت المعتزلة ذلك على الحقيقة كما مضى مبسوطًا في الوهم الخامس عشر، وقالوا: ليس في مقدوره أن يصدر عنه الكلام ألبتة، وإنما في (٩) مقدوره أن يخلق كلامًا في شجر أو حجر (١٠) أو نحو ذلك. وقد مرَّ ما ورد في ذلك في الوهم الخامس عشر.
_________________
(١) = ص ٧٦ و٧٧ و٧٨، والآجري ص ٣١٨، والطبري: ٢٤/ ٢٧، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٣٤.
(٢) أخرجه البخاري (٧٤١٢) و(٧٤١٣) تعليقًا، ووصله مسلم (٢٧٨٨)، وأبو داود (٤٧٣٢). وانظر " تغليق التعليق " للحافظ ابن حجر ٥/ ٣٤١ - ٣٤٢.
(٣) البخاري (٤٨١٢) و(٧٤١٣) و(٦٥١٩) و(٧٣٨٢).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٢٤٠)، وابن أبي عاصم (٥٤٥)، وابن خزيمة ص ٧٨٠، والطبري ٢٤/ ٢٦، وفي سنده عطاء بن السائب وكان قد اختلط، ومع ذلك فقد قال الترمذي بإثره: هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه من حديث ابن عباس إلاَّ من هذا الوجه.
(٥) في (ش): نكير به.
(٦) في (ب): الخبر.
(٧) عبارة: " تفسير هذه الآية " ساقطة من (ش).
(٨) تحرفت في (ب) إلى: رواتها.
(٩) في (ب): " الآثار " وهو خطأ.
(١٠) ساقطة من (ش).
(١١) في (ب): حجر أو حجر.
[ ٥ / ٩٤ ]
ومن ذلك سؤال موسى -﵇- للرؤية، حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإنه من أعلم الخلق بما يجوز على الله تعالى وما يستحيل، والخصم ينزل ذلك منزلة تجويز الأكل والشرب والنوم والعجز والفناء على الله تعالى، وموسى الكليم أعلم من أن يجهل ما يستحيل على ربِّه ﷿، ويعرِفَه شيوخ المعتزلة بأنظارهم، ولم يقع الجواب عليه بأن ذلك لا يصحُّ ولا يمكن، بل أجيب بنفي ما طلبه من الرُّؤية في الدنيا، وكان جوابه على سبب سؤاله، وسؤاله كان مقصورًا على رؤية الدنيا، كما سيأتي تحقيقه.
و" سوف " لا تدل على أن المنفيِّ متأخِّرٌ إلى الآخرة، وقد قال تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿سوفَ أستغفِرُ لكُم ربِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، وإنما (١) أخَّره إلى ليلة الجمعة (٢).
_________________
(١) في (ش): فإنما.
(٢) أخرجه الطبراني (١٩٨٧٥) و(١٩٨٧٦) من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، أخبرنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " قد قال أخي يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة ". وأخرجه الترمذي (٣٥٧٠) ضمن حديث مُطَوَّل من طريق سليمان بن عبد الرحمن بهذا الإسناد. وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث الوليد بن مسلم. وأخرجه الحاكم في " المستدرك " ١/ ٣١٦ من هذة الطريق، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد علق عليه الإمام الذهبي فقال: هذا حديث منكر شاذ أخاف أن يكون موضوعًا، وقد حيَّرني والله جَوْدَةُ سندِه. وقال في " ميزان الاعتدال " في ترجمة سليمان بن عبد الرحمن بعد أنا ذكر طرفًا من هذا الحديث: وهو مع نظافة سنده حديث منكر جدًا في نفسي منه شيء، فالله أعلم، فلعل سليمان شبه له، وأدخل عليه، كما قال فيه أبو حاتم: لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم. وأورده الحافظ المنذري في " الترغيب والترهيب " ٢/ ٢١٤ من رواية الترمذي =
[ ٥ / ٩٥ ]
وبكلِّ حالٍ، فالآية واضحةٌ في صحَّة الرؤية، ألا تراه تجلَّى كيف شاء للجبل، فجعله دكًّا، وعلَّق الرُّؤية باستقراره وهو ممكن بقدرة (١) الله إجماعًا، وما عُلِّق بالممكن فهو ممكن. ألا تراه لا يصحُّ أن يقال: إن استقرَّ مكانه، فسوف آكلُ وأشربُ وأعجِز وأجهَل، تعالى الله عن ذلك. ويوضح ما ذكرته (٢) من كونها في (٣) رؤية الدنيا أن قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، لم يكن جوابًا لقوله: أرني في الآخرة، ولا لقوله (٤): هل أراك فيها، بدليل أنه يحسُنُ منه بعد ذلك أن يقول فهل أراك في الآخرة حين لم تُجبني إلى رؤيئك في الدنيا، فلا تعارض أنه (٥) رؤية الآخرة معارضة النصوص. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، لما نزل على سبب قول المشركين: إنهم قد كفروا وكذبوا، وزنوا، فأكثروا (٦) كانت خاصة بالمغفرة في الدنيا لمن تاب من الكافرين (٧)، ولمن شاء الله من غيرهم (٨). وحسنٌ أن يُقال في من مات (٩)
_________________
(١) = والحاكم، ثم قال بإثره: طرق أسانيد هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جدًا. وذكره ابن كثير في " تفسيره " ٤/ ٣٣٤ طبعة الشعب من طريق ابن جرير، وقال بإثره: وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم.
(٢) في (ش): في قدرة.
(٣) في (ش): ويوضح ذلك.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) تحرفت في (أ) إلى: وقولي.
(٦) تحرفت في (أ) إلى: أية.
(٧) في (ش): وأكثروا.
(٨) في (ش): المشركين.
(٩) أخرج البخاري (٤٨١٠)، ومسلم (١٢٢)، والنسائي ٧/ ٨٦ - ٨٧، وفي " الكبرى " كما في " التحفة " ٤/ ٤٥٨، وأبو داود (٤٣٧٤) عن ابن عباس أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمدًا - ﷺ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لَحَسَنٌ، لو تخيرت أن لما عملنا كفارةً، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ..﴾ وأخرجه الطبري ٢٤/ ١٤ بلفظ آخر. وذكر ابن إسحاق في " سيرته " ٢/ ١١٩ سببًا آخر لنزول الآية.
(١٠) في (أ) و(ج) و(د) و(ش): كان.
[ ٥ / ٩٦ ]
كافرًا: إنه لا يُغفر له بإجماع أهل العلم واللغة، أما أهل العلم، فظاهرٌ، وأمَّا أهل اللغة، فلأنهم لم يعدُّوه متناقضًا، لا مسلمهم ولا كافِرُهم، ولذلك قال ابن عبد البَرِّ: إنها في الدنيا، وقوله (١): ﴿ويَغفِرُ ما دُونَ ذلك لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] في الآخرة جمعًا بينهما.
ومن ذلك قول إبراهيم في النجم، ثم القمر، ثم الشمس ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وسيأتي تمام الكلام فيها (٢) عند الكلام على ما أورده الخصم مما يتعذَّر تأويله من الحديث.
وقد اعترف الرازي في كتاب " الأربعين " بأن الكتب السماوية كلها جاءت بذلك في حق الله تعالى، كما جاءت بتحقيق المعاد، ونسب إلى الفلاسفة (٣) والباطنية المخالفة فيهما معًا، ونسب إلى المتكلمين تقرير ما جاءت به الشرائع في المعاد، وتأويل ما جاءت به في المبدأ، يعني به الرب سبحانه.
الوجه الثالث: أن كلَّ من جادل من الأنبياء ﵈ عُبَّاد الأصنام وغيرهم، لم يحتجَّ بوجوب (٤) تعطيل المعبود عن الجهات كلها، بل قال النبي - ﷺ - للنصارى ألم يكن عيسى يأكُلُ ويشرب؟ قالوا: بلى. قال: فأين الشَّبه (٥)؟ وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩]، فاحتجَّ على بطلان ربوبيَّة العجل بأنه لا يتكلم، وهذا نقيضُ توحيد المعتزلة، فإنهم قطعوا بأن صدور الكلام عن الرب كفرٌ وتشبيهٌ، وكذلك الصحابة فيما بينهم، فإنهم اختلفوا: هل رأي محمدٌ ربَّه؟ وكان حَبْرُ الأمة وبحرُها بالاتفاق عبد الله بن عباس مِمَّن اشتهر عنه القول بأنه - ﷺ - رأي ربَّه، ونقل ذلك عنه المفسِّرون والمحدِّثون
_________________
(١) في (ب): وقوله.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (أ): الفلاسفية.
(٤) في (ش): لوجوب.
(٥) في (أ) و(ج): الشبيه.
[ ٥ / ٩٧ ]
والحاكم على تشيُّعه وسائر أهل السنة (١)، ونفوا عن عائشة إنكار ذلك كما هو ثابتٌ عنها في " البخاري " و" مسلم " فلم ينقل أحد أنَّهم احتجوا على ابن عباس في التعطيل، ولا ألزموه في قوله الكفر والتشبيه وقد ناظر في ذلك هو وأصحابه، واحتجُّوا بظاهر الآيات في سورة النجم، ولم يكفِّرهم أحدٌ، ولا قال: إنَّ ظاهر تلك الآيات كفرٌ وتشبيه، وإنَّما احتجُّوا عليهم بالسمع. وفي الحديث السابع والثلاثين بعد المئة من مسند عائشة في " جامع " ابن الجوزي (٢) أن عائشة احتجت على مسروقٍ في أن النبي - ﷺ - ما رأي ربَّه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. فدل على أنها لم تذهب إلى أن الرُّؤية مستحيلةٌ غير مقدورةٍ لله تعالى، لاحتجاجها بهذه الآية، فإنه يدلُّ على أنها محكمة عندها، بل قد روت عائشة الرُّؤية في الآخرة عن رسول الله - ﷺ - كما سيأتي. وإن (٣) الحاكم أخرجه (٤) عنها في " المستدرك ".
وهذا يدلُّ على أنها لم تعتقد الإحالة، وإنما أنكرت الرُّؤية في الدنيا لورود السمع بنفيها.
وأوضحُ من ذلك أن الله تعالى ما احتج بالتعطيل قطُّ على عُبَّاد الأصنام، بل احتج بأنهم عبدوا ما لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يُبصر، ولا يسمع، ونحو ذلك.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] وقال: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: ٧١].
قال الزمخشري في تفسيرها (٥): وهذا دليلٌ قاطعٌ على أن أمره يعني عيسى عليه
_________________
(١) انظر " مسند أحمد " ١/ ٢٨٥ و٢٩٠، و" جامع الترمذي " (٣٢٧٨) و(٣٢٧٩) و(٣٢٨٠) و" السابق واللاحق " للخطيب ص ٥٧، و" السنة " لابن أبي عاصم (٤٣٣)، والطبري ٢٧/ ٥٢، والبغوي ٤/ ٢٤٧، والحاكم ٢/ ٤٦٩.
(٢) واسمه " جامع المسانيد " ذكره الإمام الذهبي في " السير " ٢١/ ٣٦٨ في جملة مؤلفاته، وقال: إنه في سبع مجلدات، وما استوعب فيه ولا كاد.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ش)، وفي (ب): خرجه.
(٥) " الكشاف " ١/ ٦٣٥.
[ ٥ / ٩٨ ]
السلام مُنافٍ للرُّبوبيَّة، لأن صفة الرَّبِ أن يكون قادرًا (١) على كل شيءٍ لا يخرج مقدورٌ عن قدرته. انتهى.
وقال إبراهيم الخليل ﵇ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، ولما قال الكافرُ لإبراهيم الخليل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وبما حذَّر النبي - ﷺ - أمَّته من الدَّجال، جعل الفارق الجليَّ أنه أعورُ (٢)، وقال إبراهيم الخليل للمشركين: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦].
وكم جرى بين الأنبياء الكرام ﵈ وبين عُبَّاد الأصنام وعُبَّاد ذوي الأجسام من جدالٍ وخصامٍ، فما نُقِلَ في الكتب السماوية، ولا على ألسنة رواة الأخبار النبوية والإسرائيلية أن نبيًَّا قط احتجّ على أحدٍ من أولئك بوجوب تعطيل المعبود عن الجهات. ولا يجوز في عقل عاقل أن يكون هذا الأصل معروفًا معلومًا عند كل نبيٍّ، وبه يتميز الحق من الباطل، والموحِّدُ من المعطِّل، والمتشابهات من المحكمات، ولجهله يقع الخلائق في الجهالات والهلكات.
ثم تنقضي أعمارُ الدنيا، وتفنى القرون والأمم وذلك غيرُ مذكورٍ ولا مشهورٍ، ولا سيَّما والأمر المناقضُ له مما شحنت به (٣) الكتب السماوية، بل صحَّ واشتهر تفسيره بظاهره كما مر في قوله: ﴿والسمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٤) وأمثالها. وتلقَّاه
_________________
(١) في (ب): " قادر " وهو خطأ.
(٢) أخرج البخاري (٣٤٣٩) و(٣٤٤١) و(٥٩٠٢) و(٦٩٩٩) و(٧٠٢٦) و(٧١٢٨) ومسلم (١٦٩)، والترمذي (٢٢٣٥) و(٢٢٤١)، وأحمد ٢/ ٣٧ و١٣١، وأبو داود (٤٧٥٧)، والبغوي في " شرح السنة " (٤٢٥٥) و(٤٢٥٦) من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -: " إن الله لا يخفى عليكم، وإن الله ليسَ بأعور " وأشار بيده إلى عينيه، " وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأنَّ عينه عِنَبةٌ طافيةٌ ".
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ص ٤٠٨.
[ ٥ / ٩٩ ]
الخلف عن السلف (١) من غير نكيرٍ (٢).
والعادة العقلية تقضي (٣) بوجوب رفع هذه الظواهر، لا سيَّما مع مطابقتها لما ذُكر في الفِطَرِ، وأن لا يهمل الخلق، فكيف يأتي رجلٌ من قرية جُبّة (٤) من سواد الكوفة، فيستنبط ذلك برأيه، ويقبلَ منه، ويردَّ به جميع ما اشتملت عليه الكتب السماوية وتكرَّر فيها وتلاوة (٥) السلف والخلف على جهة الحمد والمدح والثَّناء لربِّ العزَّة، ﷾.
قالوا: ولم تكتف المعتزلة والأشعريَّةُ حتَّى جعلوا هذه الممادح الحميدة تقتضي بظاهرها سبَّ الربِّ الحميد المجيدِ وذمَّه، وجعلوا الإيمان الواجب بها كفرًا ومُروقًا، والاستقامة على ذلك بَلَهًا وجُمودًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الوجه الرابع: أن الكل من المختلفين نقلوا عن الصحابة أنهم سألوا رسول الله - ﷺ - عن رؤية ربه يوم القيامة، وإنما اختلف الناس في تأويل جوابه لهم أو تقريره (٦)، وهم بإجماع الفريقين - أصحُّ أذهانًا وأتمُّ إيمانًا، وسؤالهم عن ذلك يدلُّ علي عدم اعتقادهم لتعطيل معبودهم عن الجهات كما زعمت المعتزلة والأشعرية، وكذلك كُلُّ ذي فطرةٍ سليمةٍ لم تمرَض بداء الكلام من جميع العقلاء من أهل الإسلام وغيرهم، والتجربة وامتحان العقلاء يصدق ذلك.
فإن قيل: إن الصحابة كانوا أقربَ إلى البَلَهِ وعدم التحقيق في العقليَّات
_________________
(١) في (ب): " السلف عن الخلف "، وهو سهو من الناسخ.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: " ذكر "، وهو خطأ.
(٣) في (ش): تقتضي.
(٤) كذا في الأصول. والصواب " جُبّى " بالضم ثم التشديد والقصر، والنسبة إليها: جُبائي، كما في " معجم البلدان "، و" صورة الأرض " لحوقل ص ٢٣١، وفي " الروض المعطار " للحميري ص ١٥٦: جباي، ونسبوا إليها أبا علي الجبائي عناه المصنف.
(٥) في (ش): تلا، وفي (ج): وتلاه.
(٦) في (ش): وتقريره.
[ ٥ / ١٠٠ ]
لعدم الممارسة في ذلك.
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن ممارسة الكلام يُمَرِّضُ العقول، وتلجىء كثيرًا منهم إلى مخالفة الفطرة الأوّلة، كالموسوسين في الطهارة، ولذلك لا يكون في أهل الفِطَرِ والجمل من يلزمُه جحدُ الضرورة، وفي كل طائفةٍ من المتكلمين من يلزمه ذلك، فإن ترك (١) الممارسة أصحُّ للعقل.
وثانيها: أن الفلاسفة أئمة المدقِّقين، وقد تطابقوا على مطابقة السمع هنا من بعض الوجوه، وعضدوا السمع والفطرة، وقاوموا من خالفهما بمجرَّد التدقيق، قالوا: ولا شك أن رأي (٢) الجزم (٣)، وسبيل (٤) النجاة هو مذهب أهل السنة في مثل هذه المشكلات، لأنه أبعد من الكفر، وأقرب إلى الإيمان على قواعد الجميع.
ألا ترى أن الجميع متفقون على أن الكفر هو مخالفة السمع الجليِّ (٥)، لا مخالفة المعقول الجليِّ، فإن من خالف ضرورة العقل التي لم يَرِدْ بها الشرعُ، فزعم أن بعض الأشربة الحُلوة مرَّة، وبعض الأدوية النافعة ضارة، لم يكفر بإجماع المسلمين؟ فكيف بمن (٦) خالف أدلَة المتكلمين التي في علمه الجواهر والأعراض مع دقَّتها، وطعن كثيرٌ منهم فيها، وتوقَّف بعضهم بَعْدَ طول النظر فيها (٧)؟.
_________________
(١) في (ج): تلك.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ب): الحزم.
(٤) في (ش): وسيلة.
(٥) في (ش): المعلوم الجلي.
(٦) في (ش): من.
(٧) من قوله: " السمع الجلي " إلى هنا جاءت في نسخة (ب) بعد قوله: " والمناصحة لا المجارحة ".
[ ٥ / ١٠١ ]
وثالثها: أن المخالفين للصَّحابة والسلف من أهل الكلام (١) اختلفوا في جميع القواعد التي بَنَوْا مخالفة السلف عليها، ونقض بعضهم على بعضٍ أشد النقض، حتَّى كَفَوْا (٢) أهل السنة مؤنة (٣) الرَّدِّ عليهم، حتى قال الشيخ أبو الحسين: إنه اكتفي في بطلان مذاهب البهاشمة بمجرد بيان مقاصدهم. وادَّعى أن وضوحها يكفي في معرفة بطلانها، وقد تقدم شيءٌ من ذلك، ومن أحبَّ معرفته فليقف عليه في كتاب " المجتبى " للشيخ مختار أحد أئمة الاعتزال من أصحاب أبي الحسين. فما سَلِمُوا من الوقوع (٤) في المحارات (٥) والمُحالات، والمعارضات والمناقضات مع البدعة، وأين من يعرف هذا؟ لم يبق من أهل الكلام إلاَّ من يقلِّدُ ويدَّعي، ولا ينظر إلاَّ في تواليف شُيوخه، وهذا هو الذي عابوا (٦) على أهل الجُمود، بل هو أقبحُ على زعمهم. فالله المستعان والمرجوُّ لمسامحة الجميع في الخطأ، فإن العصمة مرتفعةٌ، والسلامة من الخطأ على الدوام في كل الأمور عزيزةٌ والقصد المعاونة، لا المشاحنة، والمناصحة لا المجارحة.
قال أهل السنة: وأما ردُّ الآيات والأخبار، فإنه (٧) موضع الخطر (٨)، فالمتكلِّم المعتزليُّ يتجاسر على أن يقول: إنه يكفر بربٍّ له يدٌ أو لهُ وجهٌ، أو استوى (٩) على العرش. كما قد سُمِعَ ذلك من بعض المجادلين ويسهل (١٠) عليه
_________________
(١) في (ش): الكتاب، وهو خطأ.
(٢) تحرفت في (أ) و(ش) إلى: كفروا.
(٣) تحرفت في (أ) و(ش) إلى: معروفة.
(٤) " من الوقوع " ساقطة من (ب).
(٥) في (ج): المجازات، وهو تصحيف.
(٦) في (ب): عابوه.
(٧) في (ش): فإنها.
(٨) في (ب): خطر.
(٩) في (ب): واستوى.
(١٠) في (ب): " وأسهل "، وفي (ش): ويشهد، وهو تحريف.
[ ٥ / ١٠٢ ]
أن يقول (١): ليس لله يدٌ ولا وجهٌ، وهو يعلم بالضرورة إثبات القرآن لما نفاه، ويلزمه أن يقول: ليس الله رحمان على الحقيقة، كما ليس للذُّلِّ جناحٌ على الحقيقة، وهم يلتزمونه. فاعرض هذا على قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
قالوا: وأما ما يُشَنِّعون به من التشبيه والتمثيل، فقد أوضحنا أن خير ما يرجع إليه في ذلك كلام الله ورسوله، فما (٢) تمدَّح الله تعالى به ومدحه به رسوله وأصحابه (٣)، وتابِعُوهم، ولم يتأوَّلوه، ولم يُحَذِّرُوا منه، فليس بتشبيهٍ، ولو (٤) لم يرجع إلى هذا، لزم (٥) مذهب القرامطة، ولذلك عقّب الله تعالى نفي (٦) التشبيه بقوله: ﴿وهُوَ السَّميعُ البَصيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وتمدَّح بأن له المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو الوصفُ الأعلى بأسمائه الحسنى، فكان المعنى ليس كمثله شيءٌ في كمال أسمائه ونفي النَّقص عنها، لا في تأويل حقائقها بالنفي المحض (٧) والمجاز الخياليِّ الذي استعمله الشُّعراء في تشبيه الخدود والقُدود، ونحو هذا (٨)، فلا ينزل (٩) قول النبي - ﷺ -: " إنَّ هذا الجَمَلَ شكا إليَّ (١٠) أنك تُجيعُه وتُدْئبُه " (١١) منزلة (١٢) قول الشاعر:
_________________
(١) أن يقول: ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): كما.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): للزم.
(٦) في (ش): بنفي.
(٧) في (ش): ونفي المحض.
(٨) في (ب) و(ج) و(د): ونحوها.
(٩) " فلا ينزل " ساقطة من (أ).
(١٠) في الأصول: " علي "، والمثبت من مصادر التخريج.
(١١) أخرجه أحمد ١/ ٢٠٤، وأبو داود (٢٥٤٩)، والحاكم ٢/ ٩٩ - ١٠٠ من طريق مهدي ⦗١٠٤⦘ بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر رفعه. وهذا سند صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أحمد ١/ ٢٠٥ من طريق جرير بن حازم، عن مهدى بن ميمون، به. وتدئبه: تكُده وتتعبه، من الدأب، وهو الجد والتعب. وفي الباب عند أحمد ٤/ ١٧٣ من حديث يعلى بن مرة الثقفي مرفوعًا بلفظ: " شكا كثرة العمل، وقلة العلف، فأحسنوا إليه " وفي سنده عطاء بن السائب وقد اختلط، وشيخه فيه -وهو عبد الله بن حفص- مجهول، لكن يتقوى بما قبله.
(١٢) في (ب): منزل.
[ ٥ / ١٠٣ ]
شكا إليَّ جَمَلِي طُولَ السُّرى يا جملي ليس إلي المُشتكى (١)
_________________
(١) الرجز بهذا اللفظ غير منسوب في " أمالي المرتضى " ١/ ١٠٧، وهو أيضًا غير منسوب عند سيبوبه ١/ ٣٢١، وأبي عبيدة في " مجاز القرآن " ١/ ٣٠٣، والجرجاني في " أسرار البلاغة " ص ٤٦٣، وفي " شروح سقط الزند " ص ٤٦٣، و" شرح الأشموني " ١/ ٢٢١ بلفظ: شكا إليَّ جملي طول السُّرى صَبْرٌ جميل فكلانا مبتلى وأنشدهما الفراء في " معاني القرآن " ٢/ ٥٤ و٢٥٦، والقرطبي في " أحكام القرآن " ٩/ ١٥٢: يشكو إلي جملي طول السُّرى صبرًا جميلًا فكلانا مبتلى ورواية " اللسان ": (شكا) شكا إلي جملي طول السرى صبرًا جُميلي فكلانا مبتلى ونسبهما السيرافي في " شرح أبيات سيبويه ١/ ٣١٧ إلى الملبد بن حرملة الشيباني، وتعقبه الغندجاني في " فرحة الأديب " ص ١٧٩ - ١٨٠، فقال: ليس بيت الكتاب للملبد بن حرملة الشيباني، إنما سئل أبو عبيدة عن قائله فقال: هو لبعض السواقين، فأنشد: يشكو إليَّ جملي طول السُّرى يا جَملي ليس إلي المُشتكى صبرٌ جميلٌ فكلانا مبتَلَى الدِّرهَمَان كلفاني ما ترى قال (س): حفظي: صبرًا جُميلي. وأما أبيات الملبد، فليس فيه " صبر جميل "، وهي: يشكو إليَّ فرسي وقعَ القَنا اصبرْ جُمَيْلُ فكلانا مبتلى
[ ٥ / ١٠٤ ]
الفصل الثاني: في أدلة أهل الحديث على وقوع الرؤية في الآخرة
وقد حسبت القرامطة أن الإيمان المجازيَّ ينفعها، فآمنت بالمعاد والأسماء الحُسنى مجازًا، فكفرت بالإجماع، فإيَّاك أن تقنع بالإيمان بالرحمن الرحيم العليِّ العظيم مجازًا (١) مخافة أن تكون كمن آمن بالقدير العليم مجازًا. وبهذا تمَّ الكلام في الفصل الأول (٢).
الفصل الثاني في أدلَّة أهل الحديث، ومن قالوا بقوله، وقال بقولهم على وقوع الرُّؤية في الآخرة. وقد يتخلَّل فيه اليسيرُ ممَّا يليق بالفصل الأول مما قد مضى. وقد تقدم (٣) جوابُ المانعين لذلك في الفصل الأول وجميع ما يتعلق به، ولم يبق لهم فيما أعلم هنا إلاَّ معارضة أدلة المخالفين بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وسوف يأتي الكلام عليها بما تراه إن شاء الله تعالى. وقد ذكر السيد المرتضى في كتابه " الغرر " مثل كلام ابن تيمية الآتي فيها، وكذا قوله لموسى ﵇: ﴿لن تراني﴾، وقد احتجَّ الفريقان (٤) بها كما يأتي. والمُنْصِفُ لا ينظر إلى من قال، ولكن ينظرُ إلى ما قال وإلاَّ وقع في تقليد الرِّجال، وكان من دين الله على أعظم زوال. على أنَّ الناظر في هذا ينبغي له أن يُحقِّق النظر في كتب أئمة الاعتزال، ويتحقق ما لهم من المعارضات والاستدلال، ولا يكتفي بما نقلت عنهم، فإنما نقلت الذي علمت في وقت كتابتي هذا الجواب وعلى قدر علمي، وهذا (٥) أقوى ما تمسَّكوا به وأشهره. وكذلك ينبغي أن يُنظر في حافلات كتب المخالفين، فإني إنما نقلت ما في كتاب ابن قيم الجوزية (٦) منهم (٧). وفوق كل
_________________
(١) وردت في (أ) فقط.
(٢) عبارة " في الفصل الأول " سقطت من (ب).
(٣) في (ب): وقد مضى.
(٤) في (ش): " الفريقين "، وهو خطأ.
(٥) في (ش): وهو.
(٦) هو كتاب " حادي الأرواح " ص ١٩٦ فما بعدها.
(٧) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ١٠٥ ]
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾
ذي علمٍ عليم. وهو كذلك أقوى أدلَّةِ أهل السنة، والله أعلم.
فأقول -مع اختصارٍ يسيرٍ- ذكر الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب لأهل الحديث على ذلك أدلَّةً:
الدليل الأوّل: أن الله قد أخبر عن أعلم الخلق (١) في زمانه، وهو كليمه ونَجِيُّه وصَفِيُّه من أهل الأرض أنه سأل ربَّه تعالى النظر إليه، فقال له ربُّه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وبيان الأدلة (٢) من هذه الآية من وجوه عديدة:
أحدها: أنه لا يُظنُّ بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربه ما لا يجوزُ عليه، بل هو من أبطل الباطل وأعظم المُحال، لأنه سأله النظر جازِمًا بصحته، ولم يسأله عن صحته، ولا وقف سؤاله على شرط صحته، وإنما سأله على أمر جليٍّ عنده، لا (٣) ينبغي عنده الشك في إمكانه وتجويزه، كقول إبراهيم: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فلو كان يعتقد تعطيل الرب سبحانه، لقطع بفطرة عقله أن رؤيته ممتنعةٌ كما اعتقد ذلك من عطَّلهُ سبحانه، وهو عند فروخ اليونان (٤) والصابئة والفرعونية بمنزلة أن يسأله أن يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك مِمَّا يتعالى عنه. فيالله العجب كيف صار أتباع الصابئة والمجوس وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بالله تعالى من موسى بن عِمران، وبما يستحيلُ عليه ويجب له، وأشدَّ تنزيها له منه.
الوجه الثاني: أن الله سبحانه لم يُنْكِرْ عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره
_________________
(١) في (ج): الخلق به.
(٢) في (ش): الدلالة.
(٣) في (أ): ولا.
(٤) في (ب): اليونانية.
[ ٥ / ١٠٦ ]
عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربَّه تعالى أن يُرِيَه كيف يحيى الموتى، لم يُنكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء، لم ينكر عليه (١)، ولمَّا سأل نوحٌ ربَّه نجاه ابنه، أنكر عليه سؤاله، وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦، ٤٧].
الوجه الثالث: أنه أجابه بقوله: ﴿لن تَرَاني﴾، ولم يقل: إنِّي لا أُرى، ولا: إني لست بمرئيٍّ، ولا يجوزُ رؤيتي. والفرق بين الجوابين ظاهرٌ لمن تأمَّله، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئيٌّ، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته (٢) في هذه الدَّار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى. يوضحه (٣)
الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجلِّيه في هذه الدَّار، فكيف بالبشريِّ (٤) الضعيف الذي خُلِقَ من ضعفٍ.
الوجه الخامس: أن الله سبحانه قادرٌ على أن يجعل الجبل مستقرًَّا مكانه، وليس هذا بممتنع (٥) في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علَّق به الرؤية، ولو كانت مُحالًا في ذاتها، لم يعلِّقها بالممكن في ذاته، ولو كانت الرؤية مُحالًا، لكان ذلك نظير أن يقول: أن استقرَّ الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، فالأمران عندكم سواءٌ.
الوجه السادس: قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا
_________________
(١) في (ب): عليه سؤاله.
(٢) في (ش): ولا رؤيته.
(٣) في (أ): لو صحت.
(٤) في (ش) و" حادي الأرواح ": بالبشر.
(٥) في (ب): الممتنع.
[ ٥ / ١٠٧ ]
من أبين الدلالة على جواز رُؤيته ﵎، فإنه إذا جاز أن يتجلَّى للجبل الذي هو جمادٌ لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلَّى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته، ويُريَهم نفسه؟ وأعلم (١) سبحانه أن الجبل إذا لم يثبت (٢) لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.
الوجه السابع: أن ربَّه سبحانه قد كلَّمه منه إليه، وخاطبه وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلُّم والتكليم، وأن يسمع مخاطِبُه كلامَه معه بغير واسطة، فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتمُّ إنكار الرؤية إلاَّ بإنكار التكليم، وقد جَمَعَتْ هذه الطوائف بين إنكار الأمرين، فأنكروا أن يُكَلم أحدًا ويراه أحدٌ، ولهذا سأل موسى النظر إليه لمَّا أسمعه كلامه، وعلم من الله جواز رؤيته من وقوع خطابه (٣) وتكليمه، فلم يخبره باستحالة ذلك عليه، ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله، كما لم يثبت الجبل لتجلِّيه.
وأما قوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ فإنه نزل (٤) على سبب طلب الرؤية في الحال، فكان نفيًا لذلك المطلوب، كما صح حكمُ الصحابة بمثل ذلك في مواضع كثيرةٍ يوضحه أنه لا يقبُح أن يقول: فهل أراك في الآخرة؟ ويعارض من لم يقبل بيان السنة بظاهر سورة النجم، فإنه يقضي لرسول الله - ﷺ - بالرؤية كما صح عن ابن عباس الجزمُ به (٥). فإن رجعوا فيها إلى بيان السنة، وجب الرُّجوع إليه في الموضعين، كما وجب ذلك في جميع شرائع الإسلام الأركان الخمسة وغيرها يأتي بيان السنة بما ليس في القرآن. وأجمعت الأمة على اعتبار الأسباب في بعض المواضع كتفسير: ﴿الذين يفرحُون بمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] في
_________________
(١) في (ب): فأعلم.
(٢) في (ش): أن الجبل لا يثبت.
(٣) " من وقوع خطابه " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): نزل هنا.
(٥) ساقطة من (أ)، وفي (ش). " بذلك "، وقد تقدم تخريج قول ابن عباس ص ٤٠٩.
[ ٥ / ١٠٨ ]
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكلم ملاقوه﴾
اليهود (١) و" سوف ": قد تكون للقريب من المستقبل، كقوله تعالى حكايةً عن يعقوب: ﴿سَوْفَ أستغفِرُ لَكُمُ ربِّي﴾ [يوسف: ٩٨] وعدهم لليلة الجمعة (٢)، وهو كثيرٌ، ولا خلاف (٣) فيه بقول سوف أفعل غدًا بإجماع (٤) أهل العربية.
وأما قولهم: إن " لن " تدلُّ على النفي في الاستقبال، فإن الاستقبال هُنا حاصلٌ، وهو مدَّةُ عمر موسى ﵇ في الدنيا، ولكن -مع هذا- لا بد من دخول نفي رؤيته في الحال، وإلاَّ خرج الجواب عن مطابقة السؤال، وذلك لا يجوز.
وأيضا، فإنما يدلُّ على النفي في المستقبل، ولا يدلُّ على دوام النفي، ولو قيِّدت بالتَّأبيد، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًَا﴾ [البقرة: ٩٥] مع قوله: ﴿ونادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ علينا ربُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
فصل: الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا الله واعلَمُوا أنَّكُم مُلاقُوه﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُم يوم يلقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقوله: ﴿فمن كان يرجُو لِقَاء ربِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله: ﴿قال الذِينَ يظُنُّونَ
_________________
(١) هو قول ابن عباس ﵁، رواه عنه البخاري (٤٥٦٨)، والطبرى ٧/ (٨٢٣٧) و(٨٣٣٨) و(٨٣٤٤) و(٨٣٤٨). والبغوي في " تفسيره " ١/ ٣٨٤، وهو قول عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والسدي، وكعب الأحبار. وروى البخاري (٤٥٦٧)، والطبري ٧/ (٨٣٣٥)، والبغوي في " تفسيره " ١/ ٣٨٤ عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت في المنافقين. قال الزمخشري ١/ ٤٨٧ بعد أن أورد الروايتين: ويجوز أن يكون شاملًا لكل من يأتي بحسنة، فيفرح بها فرح إعجاب، ويجب أن يحمده الناس، ويُثنوا عليه بالديانة والزُّهد بما ليس فيه.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٠٨.
(٣) في (ج): باختلاف.
(٤) في (ب): بالإجماع.
[ ٥ / ١٠٩ ]
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾
أنَّهُم مُلاقُوا الله﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وأجمع أهل الِّلسان على أن اللقاء متى نُسِبَ إلى الحيِّ السليم من العمى والمانع، اقتضى المعاينة والرؤية، ولا ينتقِضُ هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، فقد دلَّت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا كما في " الصحيحين " في حديث التَّجلِّي يوم القيامة، وسَيَمرُّ بك عن قريبٍ إن شاء الله تعالى.
وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة:
أحدها: أنه لا يراه إلاَّ المؤمنون.
والثاني: يراه جميع أهل الموقف مؤمنُهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار، فلا يرونه بعد ذلك.
والثالث: يراه المنافقون دون الكفار. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكليمه لهم.
ولشيخنا في ذلك مصنَّفٌ مفردٌ حكى فيه الأقوال الثلاثة وحُجَجَ أصحابها (١).
وكذا قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، إن عاد الضمير إلى العمل، فهو رؤيته في الكتاب مسطورًا مبينًا، وإن عاد على الرب تعالى، فهو لقاؤه الذي وعد به.
فصل: الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥، ٢٦]
فالحُسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، كدلك فسَّرها رسول الله
_________________
(١) هو مدرج في الجزء السادس من " مجموع الفتاوى " من ص ٤٠١ إلى ص ٤٦٠.
[ ٥ / ١١٠ ]
- ﷺ - الذي أنزل عليه القرآن والصحابة من بعده، كما روى (١) مسلم في " صحيحه " من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، قال قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿للذِينَ أحسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: " إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، نادى منادٍ يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا، ويريدُ أن ينجزَكُموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا ويبيِّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويُجِرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه " (٢)، وهي الزيادة " (٣).
قال الحسن بن عرفة، حدثنا سلم (٤) بن سالم البلخي، عن نوح بن أبي مريم، عن ثابت، عن أنس، قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية: ﴿للذِينَ أحسَنُوا الحُسنَى وزيادةٌ﴾ قال: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى: وهي
_________________
(١) في (ش): رواه.
(٢) هو في " صحيح مسلم " (١٨١) بلفظ: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون، ألم تُبَيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتُنجِّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم ". وهو في " مسند الطيالسي " (١٣١٥)، و" المسند " ٤/ ٣٣٢ و٣٣٣، و٦/ ١٥، والترمذي (٣١٠٥)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٨٠، والطبري (١٧٦٢٦)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٠٧، وابن ماجه (١٨٧)، والآجري في " الشريعة " ص ٢٦١، وابن منده في " الرد على الجهمية " ص ٩٥، واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " ٣/ ٤٥٥ و٤٨١، والدارمي في " الرد على الجهمية " ص ٥٤ - ٥٥، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٧٢)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " ص ٥٣ من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وانظر " صحيح ابن حبان " (٧٤٤١) بتحقيقنا. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٣٥٦، وزاد نسبته إلى هناد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والدارقطني في " الرؤية "، وابن مردويه.
(٣) لم ترد في (ش).
(٤) تحرفت في (أ) إلى: مسلم.
[ ٥ / ١١١ ]
الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى" (١).
وقال محمد بن جرير: حدثنا ابن حميد (٢)، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عُجْرَة، عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ﴾، قال: الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن ﷻ (٣).
قلت: عطاءٌ هذا هو الخراساني، وليس بعطاء بن أبي رباح.
قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الرحيم (٤)، حدثنا عمر بن أبي سلمة، قال: سمعت زهيرًا .. وقال يعقوب بن سفيان (٥)، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثني من سَمِعَ أبا العالية الرّياحي، يحدث عن أبيّ بن كعب، قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الزيادة في
_________________
(١) سلم بن سالم البلخي: ضعفه غير واحد، وشيخه فيه نوح بن أبي مريم: متروك، وبعضهم اتهمه. وأخرجه اللالكائي ٣/ ٤٥٦، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٩/ ١٤٠، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ١١٧٣ - ١١٧٤ من طريق الحسن بن عرفة، بهذا الإسناد. قال ابن عدي: ولعل البلاء فيه من نوح بن أبي مريم، فإنه أضعف من سلم بن سالم.
(٢) تحرف في (ب) إلى: أحمد.
(٣) هو في " جامع البيان " ١٥/ ٦٨ برقم (١٧٦٣١) وأخرجه أيضًا اللالكائي ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧ وسنده ضعيف. ابن حميد -وهو محمد بن حميد الرازي- ضعيف، وشيخه فيه إبراهيم بن المختار: ضعيف، وعطاء -وهو كما قال المؤلف: ابن أبي مسلم الخراساني-: كثير الأوهام، وروايته عن الصحابة مرسلة.
(٤) تحرف في الأصول إلى: " عبد الرحمن "، وهو أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم أبو بكر بن البرقي الحافظ المتقن المتوفى سنة ٢٧٠ هـ، نسب إلى جده، مترجم في " السير " ١٣/ ٤٧. وقد ذكر في المطبوع من " جامع البيان " (١٧٦٣٣) بكنية " ابن البرقي ".
(٥) هو يعقوب بن سفيان الفسوي صاحب " المعرفة والتاريخ "، وهذا الخبر في الجزء الثالث من " تاريخه " ص ٣٩٥ من نصوص يظن أنها مأخوذة عن كتاب " السنة " له.
[ ٥ / ١١٢ ]
كتاب الله قوله (١) ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله ﷿ (٢).
وقال أسدُ السُّنة: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبان، عن أبي تميمة (٣) الهُجيمي أنه سمع أبا موسى يحدِّث أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " يبعث الله يوم القيامة مناديًا يُنَادي أهل الجنة بصوتٍ يسمِعُ أوَّلهم وآخرهم: إن الله ﷿ وعدكم الحُسنى، والحُسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله " (٤).
وقال ابن وهب أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي (٥)، أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله - ﷺ -: " أن الله ﷿ يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة بصوتٍ يسمع أولهم وآخرهم: إن الله ﷿ وعدكم الحسنى وزيادة، الحسنى (٦): الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الرحمن (٧) ".
_________________
(١) في (ب) و(ش): في قوله.
(٢) إسناده ضعيف لجهالة من رواه عن أبي العالية. وأخرجه اللالكائي ٣/ ٤٥٦ و٤٩٢.
(٣) تحرفت في (ب) و(ج) و(د) و(ش) إلى: خيثمة.
(٤) قيس بن الربيع: تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به، وأبان -وهو ابن أبي عياش- متروك، وهو في " شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة " لللالكائي ٣/ ٤٥٧ من طريق أسد بن موسى، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبري (١٧٦١٨) من طريق يونس، عن ابن وهب، أخبرني شبيب، عن أبان، به. وأبو تميمة الهجيمي: اسمه طريف بن مجالد.
(٥) تحرف في (أ) إلى: الجهيمي.
(٦) في الطبري: فالحسنى.
(٧) إسناده ضعيف، لضعف أبان كما تقدم، وشبيب: هو ابن سعيد التميمي الحبطي، أحاديثه مستقيمة إلاَّ أن ابن وهب حدَّث عنه بأحاديث مناكير، قال ابن عدي في " الكامل " ٤/ ١٣٤٧: ولعل شبيبًا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه، فيغلط ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب.
[ ٥ / ١١٣ ]
وأما الصحابة، فقال ابن جرير (١)، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن -هو ابن مهدي- حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن أبي بكر الصديق ﵁: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: النظر إلى وجه الله.
وبهذا الإسناد عن أبي إسحاق، عن مسلم بن يزيد (٢)، عن حذيفة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: النظر إلى وجه ربهم ﵎ (٣).
وحدثنا علي بن عيسى، حدثنا شبابة، حدثنا أبو بكر الهذليّ، قال: سمعت أبا (٤) تميمة الهجيمي (٥) يحدِّث عن أبي موسى الأشعري، قال: إذا كان يوم القيامة، يبعث (٦) الله ﷿ [إلى أهل الجنة] (٧) مناديًا ينادي: هل أنجزكُمْ (٨) الله ما وَعَدَكُم؟ فينظرون ما أعدَّ الله لهم من الكرامة، فيقولون: نعم،
_________________
(١) ١٥/ (١٧٦١٠). وأخرجه ابن منده في " الرد على الجهمية " ص ٩٥، والآجري في " الشريعة " ص ٢٥٧، ورجاله ثقات إلاَّ أن عامر بن سعد روايته عن أبي بكر مرسلة. وأخرجه الطبري (١٧٦١١) من طريق سفيان، عن حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر. وأورده السيوطي في " الدر " ٤/ ٣٥٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، والدارقطني، وابن مردويه، والبيهقي. وأخرجه الدارمي في " الرد على الجهمية " ص ٦٠ - ٦١ من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر.
(٢) ويقال له: مسلم بن نُذَير، كما جاء في الطبري، وفي " التهذيب ": مسلم بن نُذّير، وقيل: ابن يزيد، ويقال: إن يزيد جده. أبو نذير، ويقال: أبو عياض، روى عنه جمع، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في " الثقات ".
(٣) هو في " جامع البيان " (١٧٦١٤)، وأخرجه اللالكائي ٣/ ٤٥٨، والدارمي في " الرد على الجهمية " ص ٦١، والآجري في " الشريعة " ص ٢٥٧، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٧٣)، ورجاله ثقات.
(٤) في (ب): " أبي "، وهو خطأ.
(٥) تحرفت في (أ) و(ش) إلى: الجهيمي.
(٦) في الطبري: بعث.
(٧) زيادة من الطبري، و" حادي الأرواح ".
(٨) في الأصول: " أنجز "، والمثبت من الطبري و" حادي الأرواح ".
[ ٥ / ١١٤ ]
فيقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، النظر إلى وجه الرحمن ﷿ (١).
وقال عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي، أخبرنا أبو تميمة، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب (٢) الناس في جامع البصرة، ويقول: إن الله ﷿ يبعث يوم القيامة مَلكًَا إلى أهل الجنة، فيقول: يا أهل الجنة هل أنجز (٣) تعالى لكم (٤) ما وعدكم؟ فينظرون، فيرون الحليَّ والحُلل [والثمار] (٥) والأنهار (٦) والأزواج المطهَّرة، فيقولون: نعم، قد أنجز (٧) الله ما وعدنا، ثم يقول (٨) الملك: هل أنجزكم (٩) ما وعدكم ثلاث مرات، فلا يَفقدُون شيئًا مما وُعِدُوا، فيقولون: نعم. فيقول: قد بقي لكم شيءٌ إن الله ﷿ يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، ألا إنَّ الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله ﷿ (١٠).
وفي تفسير أسباط بن نصر (١١) عن إسماعيل السُّدّي، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
_________________
(١) هو في "جامع البيان" (١٧٦١٦) و(٧/ ١٧٦)، وأبو بكر الهذلي: واهٍ بمرة، وأخرجه الدارمي في " الرد على الجهمية " ص ٦١، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٨٤، واللالكائي ٣/ ٤٥٩ كلهم من طريق أبي بكر هذا.
(٢) في (ب): يحدث.
(٣) في (ش)، والطبري، و" حادي الأرواح ".
(٤) ساقطة من (ش)، ولم ترد في الطبري، و" حادي الأرواح ".
(٥) زياده من الطبري.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) في الطبري و" حادي الأرواح ": أنجزنا.
(٨) في (ش): فيقول.
(٩) في (ش): " أنجز الله "، وفي (ج) والطبري و" حادي الأرواح ": أنجزكم الله.
(١٠) الطبري ١٥/ (١٧٦١٧)، وإسناده ضعيف كسابقه.
(١١) تحرف في (ب) و(ش) إلى: نصير.
[ ٥ / ١١٥ ]
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾
الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾، فقال: أما الحسنى: فالجنة وأما الزيادة: فالنظر إلى وجه الله، وأما القترُ: فالسواد (١).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر بن سعد، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي، والضَّحَّاك بن مُزاحم، وعبد الرحمن بن سابط، وأبو إسحاق السبيعي، وقتادة، وسعيد ابن المسيب، والحسن البصري، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر (٢): الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى (٣).
وقال غيرُ واحدٍ من السلف في الآية: ﴿ولا يَرهَقُ وُجُوهَهُم قترٌ ولا ذِلَّةٌ﴾، بعد النظر إليه. والأسانيد عنهم بذلك صحيحة.
ولما عطف سبحانه الزيادة على الحسنى -التي هي الجنة- دل على أنها أمرٌ آخر وراء الجنة، وقدرٌ زائدٌ عليها، ومن فسَّر الزيادة بالمغفرة والرضوان، فهو من لوازم رؤية الرب تعالى.
فصل: الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٤، ١٥]. ووجه الاستدلال (٤) بها أنه سبحانه جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رويته وسماع كلامه، فلو لم يره المؤمنون، ولم يسمعوا كلامه، كانوا -أيضًا- محجوبين عنه.
_________________
(١) وأخرجه اللالكائي ٣/ ٤٥٩ من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا الحسين بن علي بن مهران الفسوي، حدثنا عامر بن الفرات، عن أسباط بن نصر به.
(٢) تحرف في (ش) إلى: جبيرة.
(٣) انظر " اللالكائي " ٣/ ٤٥٥، و" تفسير ابن كثير " ٤/ ١٩٨، و" الدر المنثور " ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٤) في (ش): عن الاستدلال.
[ ٥ / ١١٦ ]
وقد احتجَّ بهذه الحجة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة، فذكر الطبراني وغيره عن المُزنيِّ قال: سمعت الشافعي يقول في قوله ﷿: ﴿كلاَّ إنَّهم عن ربِّهِم يومئذٍ لمحجُوبُونَ﴾؟ قال: فيها دلالة على أن أولياء الله يرون ربَّهم يوم القيامة، وقال الحاكم: حدثنا الأصمُّ، حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله تعالى: ﴿كلاَّ إنَّهم عن ربِّهِم يومئذٍ لمحجُوبُونَ﴾، فقال الشافعي: لما أن حَجَبَ هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل (١) على أن أولياءه (٢) يرونه في الرضا. قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله، وبه تقول؟ قال نعم، وبه أدين الله، لو لم يُوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله ﷿.
ولعله يريد أن الجميع ممَّا ورد به السمع المعلوم عنده، وقد ذم الله تعالى من يُؤمِنُ ببعض الكتاب، ويكفر ببعض، فكان الإيمان بالجميع لازمًا أو الترك. والله أعلم (٣).
ورواه الطبراني في " شرح السنة " من طريق الأصم أيضًا.
وقال أبو زرعة الرَّازي. سمعت أحمد بن محمد بن الحسين يقول: سئل محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: هل يرى الخلق كلُّهم ربَّهم يوم القيامة: المؤمنون والكفار؟ فقال محمد: ليس يراه إلاَّ المؤمنون. قال محمد (٤): وسئل الشافعي عن الرؤية، فقال: يقول الله تعالى: ﴿كلاَّ إنَّهم عن ربِّهِم يومئذٍ لمحجُوبُونَ﴾، ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يُحجبون عن الله ﷿.
_________________
(١) في (ب): دلَّ على
(٢) في (ش): أولياء الله.
(٣) من قوله: " ولعله يريد " إلى هنا، ورُمِّج في (ب)، وهو من كلام المصنف ﵀، وليس من كلام العلامة ابن القيم.
(٤) من قوله: " ابن عبد الله بن الحكم " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٥ / ١١٧ ]
الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد﴾
الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾
فصل: الدليل الخامس: قوله ﷿: ﴿لهُمْ ما يَشَاؤونَ فيها ولدينا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].
قال الطبراني: قال علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله ﷿، وقاله من التابعين زيد بن وهبٍ وغيره.
فصل: الدليل السادس: قوله ﷿: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبصَارُ وهو يُدْرِكُ الأبصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والاستدلال بهذا عجيب (١)، فإنه من أدِلَّة النفاة.
وقد قرَّر شيخنا وجه الاستدلال بة أحسن تقريرٍ وألطفه، وقال لي: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطلٌ بآيةٍ أو حديثٍ صحيحٍ على باطله إلاَّ وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية، وهي (٢) على جواز الرؤية أدلُّ منها على امتناعها، فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون في الأوصاف (٣) الثبوتية، وأما العدم المحضُ، فليس بكمال، فلا يمدح (٤) به. وأما (٥) تمدُّحُ الرب بالعدم إذا تضمَّن أمرًا وجوديًّا كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمِّن كمال القَيُّوميَّة، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي الُّلغُوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظِّهير المتضمن كمال ربوبيته (٦) وإلهيته وقوَّته، ونفي الأكل والشرب المتضمن لكمال صَمَدِيَّته وغناه، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعُزوب شيءٍ عن (٧) علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المِثْلِ المتضمِّن
_________________
(١) في (ب): " عجب "، وفي " الروح ": أعجب.
(٢) في (ش): وهذا.
(٣) في (ب) و" حادي الأوراح ": بالأوصاف.
(٤) في (ب): تمدّح.
(٥) في (ب) و" حادي الأرواح ": وإنما.
(٦) في (أ) و(ش): الربويية.
(٧) في (ش): من.
[ ٥ / ١١٨ ]
لكمال ذاته وصفاته ولهذا لم يتمدَّح بعدمٍ محضٍ لا يتضمن أمرًا ثبوتيًا، فإن المعدوم يُشارِكُ الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمرٍ يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبصَارُ﴾ أنه لا يُرى بحالٍ، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال (١) لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف لا يرى، ولا تدركه الأبصار، والربُّ -ﷻ- يتعالى أن يُمْدَحَ بما يُشارِكُه فيه العدم المحضُ، فإذًا المعنى: أنه (٢) يُرى، ولا يُدرَكُ ولا يُحَاطُ به كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] أنه يعلم كل شيءٍ، وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا من لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]: أنَّه كامل القدرة، وفي قوله: ﴿ولا يَظلِمُ ربُّك أحدًا﴾ [الكهف: ٤٩]: أنه كامل العدل، وفي قوله: ﴿لا تأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أنه كامل القيومية، فقوله: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يدل على غاية عَظَمَتِه، وأنه أكبرُ من كل شيءٍ، وأنه لعظمته لا يُدرَكُ بحيث يُحاطُ به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائدٌ على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿َفلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]، فلم يَنفِ موسى الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾: إنا لمرئيون، فإن موسى - صلوات الله وسلامه عليه - نفي إدراكهم إيَّاهم بقوله: كلاَّ، وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دَرَكَهُم، بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] فالرؤية والإدراك كل منهما يُوجَدُ مع الآخر وبدونه.
فالربُ تعالى يُرى ولا يُدرَكُ كما (٣) يُعلَمُ ولا يُحاطُ به، وهذا هو الذي فهمته الصحابة والأئمة من الآية.
قال ابن عبَّاس: لا تدركه الأبصار: لا تُحيط به الأبصار (٤).
_________________
(١) في (ش): لم يكن تمدح ولا كمال
(٢) في (ب): أن.
(٣) في (ش): كما أنه.
(٤) رواه عنه الطبري (١٣٦٩٤) بسند مسلسل بالضعفاء.
[ ٥ / ١١٩ ]
وقال قتادة: هو أعظمُ من أن تُدرِكَهُ الأبصار (١).
وقال عطية (٢): ينظرون إلى الله تعالى، ولا تُحِيطُ أبصارُهم به من عظمته، وبصره (٣) يحيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار﴾ (٤) [الأنعام: ١٠٣] فالمؤمنون يرون ربهم ﵎ بأبصارهم عِيانًا، ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها (٥) لا تحيط به، إذ كان غير جائزٍ أن يُوصف الله ﷿ بشيءٍ يُحيط به، وهو بكل شيءٍ محيطٌ. وهكذا يُسمعُ كلامه من شاء من خلقه، ولا يحيطون بكلامه، وهكذا (٦) يُعَلِّمُ الخلق ما علمهم، ولا يُحيطون بعلمه.
ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: ﴿ليس كَمثلِهِ شيءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهذا من أعظم الأدلة: على كثرة صفات كماله (٧) ونُعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مِثْلٌ فيها، وإلا فلو أراد بها نفي الصِّفات، لكان العدم المحضُ أولى بهذا المدح منه، مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلانٌ لا مِثْلَ لهُ، وليس له نظير ولا شبيه ولا مثل (٨)، أنه قد تميَّز عن الناس بأوصافٍ ونعوتٍ لا يُشاركونه فيها، وكلَّما كثُرَت أوصافهُ ونعوته، فات أمثاله، وبَعُدَ عن مشابهة أضرابه. فقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ من أدلِّ شيءٍ على كثرة نعوته وصفاته، وقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ من أدلِّ شيءٍ على أنه يُرى ولا يُدرَكُ. وقوله: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في
_________________
(١) رواه ابن جرير (١٤٦٩٤) من طريق بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة.
(٢) هو عطية بن سعد العوفي، ضعفوه في الرواية، وقوله هذا عند ابن جرير (١٣٦٩٦).
(٣) تحرفت في (ب) إلى: وبصيره.
(٤) من قوله: " وقال عطية " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) في (ب): " أنه "، وهو خطأ.
(٦) في (ش): وهذا.
(٧) تحرفت في (أ) إلى: جماله.
(٨) في (أ): مثيل.
[ ٥ / ١٢٠ ]
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] من أدلِّ (١) شيءٍ على مباينة الرب تعالى لخلقه، فإنه لم (٢) يخلقهم في ذاته، بل خارج عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هُمْ عليه، ويراهم وينفذهم ببصره (٣)، ويُحِيطُ بهم علمًا وإرادةً وقدرةً وسمعًا وبصرًا. فهذا معنى قوله (٤) سبحانه: ﴿هو مَعَهُم أينَمَا كانوا﴾، وتأمل حُسْنَ هذه المقالة لفظًا ومعنى، بين قوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصارُ وتحيط به، ولِلُطفه وخبرته يدرك الأبصار، فلا تخفي عليه، فهو العظيم في لطفه، اللطيف في عظمته، العالي في قربه (٥)، القريب في عُلُوِّه، الذي ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. انتهى كلام الشيخ.
ومنهم من احتجَّ بهذه الآية من وجهٍ آخر: وهو أن النفي إذا وجِّه إلى الشمول، فهم منه مخالفةُ البعض، ولم يُفدِ النفي عن كلِّ فرد، كما إذا قلت: ما جاء القوم. ليس فيه نفي مجيء البعض، بل إذا قلت: ما جاء عشرة رجال، لم يكن فيه نفي مجيء التِّسعة. هذا لو لم يَرِدْ لهذا العموم مخصِّصٌ من الكتاب والسنة، فأمَّا بعد قولِه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وتواترُ الأحاديث في ذلك -كما سيأتي- فلا شك في أنها أبين مِنْ هذه الآية، وأخصُّ على جميع القواعد، ولذلك أجمعنا على ثبوت الشفاعة الخاصة في الآخرة مع قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ
_________________
(١) تحرفت في (أ) إلى: أدلة.
(٢) في (ب): " لو لم " وهو خطأ.
(٣) في " حادي الأرواح ": وينفذهم بصره.
(٤) في " حادي الأرواح " ص ٢٠٣: فهذا معنى كونه سبحانه معهم إينما كانوا.
(٥) تحرفت في (ش) إلى: قدرته.
[ ٥ / ١٢١ ]
وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ما ذلك إلاَّ لتقديم الخاص على العامِّ في مثل هذا. والخصوم لا يُخالفون في مثل هذا من هذه الجهة، وإنما حملهم على تأويل الأدلة الخاصَّة اعتقادهم لاستحالة الرؤية عقلًا، وقد مرَّ ما فيه، ولذلك احتالوا على استفادة العموم من هذه الآية من التَّمدُّح -ولا يمتنع أن يكون التمدُّح مخصوصًا- الراجع (١) إلى الذات دون التمدح (٢) الراجع إلى غير ذلك.
كما سيأتي في كلامهم.
والجواب عليهم من وجوه:
الوجه الأول: أن حجَّتهم هذه وأكثر أدلتهم، راجعة إلى القطع بنفي ما لم يعلموا عليه دليلًا، وقد تقدم بطلانها. بيانه: أنه لا دليل لهم على (٣) أنه لا وجه للتمدح في علم الله إلاَّ ذلك، بحيث لا يصحُّ أن يُخبر به نبي صادق.
الوجه الثاني: أنه قد ورد السمع بما يدل أنه تمدُّح راجعٌ إلى قدرته وعزَّته.
وذلك ممكن عقلًا قبل ورود السمع. ومجرَّد التجويز يكفي أهل السنة، لأنه يمنع (٤) من وجوب تأويل الظواهر، كيف إلاَّ النصوص؟
وأما المعتزلة، فلا يكفيهم إلاَّ الأدلة القاطعة المانعة من تسليم الظواهر، أما أن التمدُّح بذلك ممكنٌ عقلًا، فضروريٌّ، وعلى مانعه الدليل يوضحه أن الله تعالى تمدح بذلك في قوله تعالى (٥): ﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وتمدَّحه رسول الله - ﷺ - بأنه يقضي ولا يُقضى عليه (٦).
_________________
(١) من هنا إلى قوله. " يمتنع أن يكون التمدح مخصوصًا " في ص ٤٢٦ ساقط من (ب).
(٢) من قوله: " ولا يمتنع " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) في (أ): يمتنع.
(٥) في الأصول جميعها غير (ج): " قوله تعالى: إنه يجير ".
(٦) أخرج أحمد ١/ ١٩٩ - ٢٠٠، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي ٣/ ٢٤٨، وابن ماجه =
[ ٥ / ١٢٢ ]
وأما أنَّ الدليل السمعي قد دلَّ على تعليل عدم إدراكه بأمرٍ (١) يرجع إلى قدرته وعزته، فذلك كثيرٌ جدًا في الكتاب والسنة.
أمَّا القرآن، فقوله تعالى: ﴿أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. والقرائن تضطر إلى أنه لا يصح تأويل (٢) تجليِّه سبحانه للجبل، لأنه لو كان مؤولًا، كان أجنبيًا عن الرؤية.
وأما السنة، فأكثرُ مِن أن تحصر (٣)، ولا تحتاج إلى ما فيها من ذكر الحُجْبِ بعد ورود نصوص (٤) الله تعالى بذلك. ولقد جاء ذلك من طريق زيد بن علي ﵇، كما رواه محمد بن منصور في " الجامع الكافي " على مذهب الزَّيدية. وهذا وجهٌ جليٌّ، لا غبار عليه، وإنما تكلَّفت (٥) المعتزلة على منعه بقيام الدليل العقلي عندهم على استحالة ذلك.
وقد بيَّنَّا فيما تقدم أن أدلتهم العقلية كلها راجعةٌ إلى القطع بالنفي للشيء عند عدم العلم به، وأن ذلك باطلٌ.
_________________
(١) = (١١٧٨)، وأبو داود (١٤٢٥)، والبغوي (٦٤٠)، والدارمي ١/ ٣٧٣، والحاكم ٣/ ١٧٢ و٤/ ٢٦٨ من حديث الحسن بن علي ﵄ قال: علمني جدي رسول الله - ﷺ - كلماتٍ أقولهن في قنوت الوتر: وفيه: " إنك تقضي ولا يُقضى عليك ". وأخرجه من حديث بريدة: الطبراني في " الأوسط " كما في " المجمع " ٢/ ١٣٨. وهو حديث صحيح.
(٢) تحرفت في (أ) إلى: ما مرّ.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): تحصى.
(٥) في (ج): " نص "، وفي (ش): " نصوص كتاب ".
(٦) في (ج): تكلّف.
[ ٥ / ١٢٣ ]
الوجه الثالث: أن نقول: إنه لا خلاف أنَّهم يحتاجون إلى دليلٍ قاطعٍ على منع هذا الاحتمال، وهو أن التمدُّح هنا راجع (١) إلى القدرة وكمال العزة، فإن رجعوا إلى الأدلة العقلية، فقد قدمنا الكلام فيها، ولم يزيدوا عليها (٢) هنا إلا دليلهم المعروف بأن الحواسَّ سليمةٌ، والمدرك موجودٌ، والموانع مرتفعة. وللأشعرية معارضاتٌ كثيرةٌ لذلك موجودةٌ في كتبهم الكلامية.
وأما أهل السنة، فَيُنَازِعُون في أن الموانع مرتفعةٌ لورود نصوص الكتاب والسنة بمنع الحجب من ذلك على الوجه الذي لا يحيط بعلمه إلاَّ الله تعالى، كما تقدَّم تقريره في كلام ابن تيمية في نفيهم للكيفية عن ذات الله تعالى. وكل ما يتعلَّق بها، وإن رجعوا إلى الأدلة السمعية في منع رجوع التمدح إلى القدرة، فهي عليهم، لا لهم، كما تقدَّم. وإنما احتجَّ في الشرح بأمرين:
أحدهما: أن هذا خلاف تفسير المفسِّرين، وهذا مردودٌ عليه (٣) ومُعَارضٌ بمثله وسيأتي ما في ذلك من تفاسير الصحابة والتابعين من نقل أئمة الحديث وراجعٌ إلى القطع بالنفي عند عدم العلم. وقد مرَّ بطلانه.
وأما قوله: إنه خلاف الظاهر، فليس في الظاهر ذكر العلم في ذلك، لا بالذات -كما زعمت المعتزلة- ولا بالقدرة، وإنما أُخِذَت هذه العلة في التمدح من ذكر الحجاب في نصوص الكتاب والسنة، ومن النص على (٤) أن الله تعالى تجلَّى للجبل، فجعله دكًّا، وجعل ذلك عقيب سؤال موسى موعظة لموسى وتسليةً، لأنه بذلك عرف أنه سأل ما لا يقدرُ عليه، وكذلك قوله: إنه تمدُّحٌ راجعٌ إلى ذاته، ليس من الظاهر في شيءٍ، وإنما هو عند الخصوم بأدلةٍ عقلية خارجةٍ.
_________________
(١) من قوله: " إنه لا خلاف " إلى هنا ساقط من (ج).
(٢) في (أ): " علمنا "، وهو خطأ.
(٣) في (أ): عليهم.
(٤) ساقطة من (ج).
[ ٥ / ١٢٤ ]
الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾
وبالجملة، فتعليل المعتزلة بأن ذلك أمرٌ ذاتيٌ ليس في الآية (١)، كما أن تعليل المحدِّثين ليس فيها، وإنما هما أمران زائدان، كلُّ من أثبت أحدهما أثبته بدليلٍ منفصلٍ. والأمر الزائد لا يُقالُ فيه: إنه خلافُ الظاهر، بل يتوقف على الدليل الصحيح، وعلى تسليم أنه خلافه مشترك الإلزام، وهو جائزٌ وفاقًا، لكن كلام أهل الحديث أصح لثلاثة وجوهٍ:
أحدها: أن التجويز يكفيهم كما تقدم، ولا يكفي المعتزلة إلاَّ القاطع.
وثانيها: أن الأدلة السمعية دلت عليه.
وثالثها: أن كلام المعتزلة يقتضي أن الله تعالى لا يَقْدِرُ يَرَى ذاته، ولا يقد يُريها أحدًا من خلقه. وفي هذا معارضة قدرته على كل شيء، وما يدل على ذلك، ولا يمتنع أن يكون التمدح مخصوصًا (٢) بالعموم في جميع الأشخاص والأزمان، حيث لم يعارض العزة والكبرياء معارض الرحمة والمثوبة والإكرام،.
كما أن الله تعالى ممدوحٌ عند الخصوم بأنه لا يُثيب (٣) الجميع ويعظمهم، وإنما يفعل ذلك لمن يستحقُّه، فلا يمتنع مثله هنا.
قال الشيخ: (٤)
فصل: الدليل السابع: قوله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وأنت إذا أجرت (٥) هذه الآية من تحريفها عن مواضعها، والكذب على المتكلم بها سبحانه، فيما (٦) أراد منها، وجدتها مناديةً نداءً
_________________
(١) عبارة " ليس في الآية " ساقطة من (أ).
(٢) من قوله: " الراجع إلى الذات " في ص ٤٢٤ إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) في (أ): " يثبت " وهو تحريف.
(٤) يعني العلامة ابن القيم في " حادي الأرواح " ص ٢٠٣.
(٥) في (ج): " إذ أجرت "، وفي (ش): " إذا أجريت ".
(٦) في (ش): استعان فيما.
[ ٥ / ١٢٥ ]
صريحًا (١)، أن الله سبحانه يُرى عيانًا بالأبصار يوم القيامة، وإن (٢) أبيت إلا تحريفها الذي يُسمِّيه المحرِّفون تأويلًا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان (٣) والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كلِّ نص تضمَّنه القرآن والسنة كذلك. ولا يشاء مبطلٌ على وجه الأرض (٤) أن يؤوِّلَ النصوص، ويحرِّفَها عن مواضعها، إلاَّ وجد إلى ذلك مِنَ السبيل ما وجده متأوِّل مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا، وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محلُّه في هذه الآية، وتعديته بأداة (٥) " إلى " الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدلُّ على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدَّى بـ " إلى " خلاف حقيقته. وموضوعه صريح (١)، في أن الله سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب ﷻ، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعدِّيه بنفسه (٦) فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فإنْ عُدِّيَ بـ " في "، فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وإن عُدِّيَ بـ " إلى "، فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله (٧): ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فكيف إذا أُضيف إلى الوجه الذي هو محلُّ النَّظر.
وفي كلام الشيخ هنا نظرٌ من وجهين.
أحدهما: أنه موهمٌ أن أهل السنة ينسِبُون المخالفين لهم في هذه المسألة
_________________
(١) في (ب): صحيحًا صريحًا.
(٢) تحرفت في (أ) إلى: " وأنت "، وفي (ب): " وإن أتيت إلى ".
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) تحرفت في (ش) إلى: بأدلة.
(٦) في (ب): في نفسه.
(٧) في (ش): نحو ذلك.
[ ٥ / ١٢٦ ]
إلى العناد والتَّعمدُّ، وليس كذلك، وهذا هو الذي نحن قاصدون لِردِّه. وقد اعتمد أئمة السنة على رواية الثقات من المعتزلة والشيعة كما أوضحته في هذا المصنف، وأوضحه جميع من تكلم في الرجال، وحسبك أن النسائي (١) من أئمة الشيعة، وقد فضلوه على مسلمٍ صاحب " الصحيح ".
والوجه الثاني: أن النظر قد يُستعمل في غير الرؤية مُعَدّي بـ " إلى " (٢) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِم﴾ [آل عمران: ٧٧]، بل النظر في اللغة وعند أهل الكلام هو تقليب الحدقة الصحيحة في وجه (٣) المرئيِّ طلبًا (٤) لرؤيته، وإن لم تحصل رؤية (٥)، وذلك لا يجوز على الله في كل مذهب، فلا يختص نفيه عمَّن ذكر، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُون﴾ [الأعراف: ١٩٨] وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ كناية عن إهمالهم لا سوى. والله أعلم.
والآية على هذا من الظواهر التي لا يجوز تأويلها إلاَّ بدليل، لا من النصوص الضرورية التي يكفر متأولها.
قال الشيخ (٦): قال يزيد بن هارون: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: نَظَرَت إلى ربها، فَنَضُرَتْ بنوره (٧).
_________________
(١) عبارة: " أن النسائي من " ساقطة من (ج).
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (ب) و(ج) و(د): جهة.
(٤) في (ش): طالبًا.
(٥) في (ب): رؤيته.
(٦) " حادي الأرواح " ص ٢٠٤.
(٧) أخرجه عبد الله بن أحمد في " السنة " ص ٥٣ و١٤٣، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٢١، والطبري في " جامع البيان " ٢٩/ ١٩٢، والأجري ص ٢٥٦، واللالكائي ٣/ ٤٦٤.
[ ٥ / ١٢٧ ]
فصل: أحاديث النبي - ﷺ - وأصحابه الدالة على رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة
فاسمع (١) الآن (٢) أيُّها السُّنِّي تفسير النبي - ﷺ - وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية:
قال ابن مردويه في " تفسيره ". حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صالح بن أحمد حدثنا يزيدُ بن الهيثم، حدثنا محمد بن الصَّباح، حدثنا مصعب بن المِقْدَام، حدثنا سفيان، عن ثور بن أبي فاخِتة، عن أبيه، في عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال: من البهاء والحُسْنِ (٣) ﴿إلى ربِّها ناظِرَة﴾ قال: " في وجه الله ﷿ " (٤).
وقال عن ابن عباس: ﴿إلى ربها ناظرة﴾، قال: تنظر إلى وجه ربها ﷿ (٥).
وقال عكرمة: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرة﴾ قال: من النعيم: ﴿إلى ربِّها ناظرة﴾ قال: تنظر إلى ربِّها نظرًا، ثم حكى عن ابن عباس مثله. وهذا قول كلِّ مفسِّرٍ من أهل السنة والحديث (٦).
فصل: وأما الأحاديث عن النبي - ﷺ - وأصحابه الدالة على الرؤية، فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصدّيق، وأبو هريرة الدوسي، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وجرير ابن عبد الله البَجَلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهُذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعريُّ، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أُمامة الباهلي، وزيد بن ثابث، وعمار بن ياسر، وعائشة
_________________
(١) في (ج): " واسمع "، وفي (ش): " واستمع ".
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) جملة " قال: من البهاء والحسن " ساقطة من (ش).
(٤) إسناده ضعيف لضعف ثوير بن أبي فاختة.
(٥) انظر " السنة " لعبد الله ص ٦٢، واللالكائي ٣/ ٤٦٤.
(٦) انظر اللالكائي ٣/ ٤٦٣ - ٤٦٦.
[ ٥ / ١٢٨ ]
حديث أبي بكر الصديق
أمُّ المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة (١) بن رُويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة ابن اليمان، وعبد الله بن عباس (٢)، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه موقوفٌ، وأُبيُّ بن كعب، وكعبُ بن عُجرة، وفَضالة بن عبيد وحديثه موقوفٌ، ورجلٌ من أصحاب النبي - ﷺ - غير مسمَّى، فهاك سياق أحاديثهم من الصِّحاح والمسانيد والسُّنن، وتلقَّها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل وضيق العَطَن، ولا تكذِّب بها (٣)، فمن كذَّب بها لم يكن إلى وجه ربِّه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين.
قلت: وقد ذكر الحاكم على (٤) تشيعه في كتابه " علوم الحديث " (٥) في النوع الموفي خمسين أنه قد جمع أخبار الرؤية في باب، وأن ذلك من الأبواب التي يجمعها أهل الحديث. انتهى.
فصل: فأمَّا حديث أبي بكر الصديق. فقال الإمام أحمد (٦): حدثنا إبراهيمُ
_________________
(١) تحرف في (ش) إلى: عمار.
(٢) من قوله: " وعبد الله بن عمر " إلى هنا ساقط من (ج).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) تحرفت في (أ) إلى: في.
(٥) ص ٢٥١.
(٦) ١/ ٤ - ٥، وإسناده جيد. أبو نعامة: هو عمرو بن عيسى بن سويد بن هبيرة البصري، أطلق ابن معين والنسائي القول بتوثيقه، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وأخرج حديثه مسلم في " صحيحه "، وقال أحمد: ثقة إلاَّ أنه اختلط قبل موته، وقال الإمام الذهبي في " الكاشف ": ثقة، قيل. تغير بأخرة. وأبو هنيدة: هو البراء بن نوفل، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال ابن سعد في " الطبقات " ٧/ ٢٢٦: كان معروفًا قليل الحديث. ووالان العدوي: هو والان بن بيهس، أو ابن قرفة، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وأخرج حديثه هذا في " صحيحه ". وأخرجه المروزي في " مسند أبي بكر " (١٥) بتحقيقنا، وأبو عوانة ١/ ١٧٥ - ١٧٨، وابن أبي عاصم في " السنة " (٧٥١) و(٧١٢)، وأبو يعلى (٥٦)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٣١٠ - ٣١٢، والبزار (٣٤٦٥) من طرق عن النضر بن شميل، بهذا =
[ ٥ / ١٢٩ ]
ابن إسحاق الطالقاني: قال: حدثني النضر بن شُميل المازني، قال: حدثني أبو نعامة، قال: حدثني أبو هنيدة (١) البراء بن نوفل، عن والان (٢) العدوي، عن حذيفة، عن أبي بكر الصديق. قال: أصبح رسول الله - ﷺ - ذات يومٍ، فصلَّى الغداة، ثم جلس حتى إذا كان من الضُّحى ضَحِكَ رسول الله - ﷺ -، ثم جلس مكانه حتى صلَّى الأُولى والعصر والمغرب، كل ذلك لا يتكلم، حتى صلى العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله. فقال الناس لأبي بكر: ألا تسأل رسول الله - ﷺ - ما شأنُه؟ صنع اليوم شيئًا لم يصنعه قط. قال (٣) فسأله (٤)، فقال: " نعم، عُرِضَ عليّ ما هو كائنٌ من أمر الدنيا والآخرة، فجُمِعَ الأوَّلون والآخرون في صعيدٍ واحدٍ، ففظعَ الناس بذلك حتَّى انطلقوا إلى آدم - ﷺ - والعَرَقُ يكاد يُلجِمُهُم (٥)، فقالوا: يا آدم أنت أبو البشر وأنت اصطفاك الله ﷿، اشفع لنا الى ربك، قال: لقد لقيت مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين﴾ [آل عمران: ٣٣] فقال (٦): فينطلقون إلى نوح - ﷺ -، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك الله، واستجاب لك في دعائك، ولم يَدَعْ على الأرض من الكافرين ديَّارًا. فيقول لهم: ليس ذلك عندي، انطلقوا إلى إبراهيم - ﷺ -، فإن الله اتخذه خليلًا، فينطلقون إلى إبراهيم، فيقول: ليس ذلكم (٧) عندي. انطلقوا إلى
_________________
(١) = الإسناد، وصححه ابن حبان (٦٤٧٦) طبع مؤسسة الرسالة. وأورده الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٧٤، ونسبه إلى أحمد، وأبي يعلى، والبزار، وقال: ورجالهم ثقات.
(٢) في (ش): " هنيد "، وهو تحريف.
(٣) تحرفت في (ب) إلى: دلان.
(٤) ساقطة من (أ).
(٥) في (ش): فسألته.
(٦) في (ب): يلجم.
(٧) في (ش) و" المسند " و" حادي الأرواح ": قال.
(٨) في (ب) و" مسند أحمد ": ذاكم.
[ ٥ / ١٣٠ ]
موسى - ﷺ -، فإن الله ﷿ كلَّمه تكليمًا، فيقول موسى - ﷺ -. ليس ذلك عندي، ولكن انطلقوا إلى عيسى بن مريم، فإنه كان (١) يبرىء الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى، فيقول عيسى: ليس ذلكم (٢) عندي. انطلقوا إلى سيد ولد آدم، انطلقوا إلى محمدٍ - ﷺ - فليشفع لكما إلى ربكم ﷿، قال: فينطلق فيأتي جبريل ربه (٣) ﵎، فيقول الله ﷿: ائذن لهُ، وبشِّره بالجنة، فينطلق به جبريل - ﷺ - فيخِرُّ ساجدًا قدر جُمُعَةٍ، ويقول الله ﷿: ارفع رأسك، وقل تُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّع. قال: فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه ﷿، خرّ ساجدًا قدر جمعة أخرى، فيقول الله ﷿: ارفع رأسك، وقل تُسمع واشفع تُشَفَّعْ. قال: فيذهبُ ليقع ساجدًا، فيأخذ جبريل بِضَبْعَيه، فيفتح الله عليه من الدعاء شيئًا (٤) لم يفتحه (٥) على بشرٍ قطُّ. فيقول: أي رب، خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأوَّل من تنشقُ الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر (٦) حتى إنه لَيَردُ علي الحوض أكثر ما بين صنعاء وأيلَةَ، ثم يقال: ادع الصدِّيقين، ثم يقال: ادعُ الأنبياء، قال (٧) فيجيء النبي ومعه العِصابة، والنبي ومعه الخمسة؟ والستة، والنبيُّ وليس معه أحدٌ، ثم يقال: ادعوا الشهداء، فيشفعون لمن أرادوا، قال: فإذا فعلت الشهداء ذلك، قال: يقول (٨) الله ﷿: أنا أرحم الراحمين، أدخلُوا الجنة (٩) من كان لا يُشرك بي شيئًا، قال: فيدخلون الجنة،
_________________
(١) ساقطة من (ج)، ولم ترد في " المسند ".
(٢) في (ش) و" حادي الأرواح ": " ذلك "، وفي (ج) و" المسند ": " ذاكم ".
(٣) في (ج): إلى ربه.
(٤) ساقطة من (ش)، وفي (أ) و(د): " ما " والمثبث من (ب) و(ج) و" المسند " و" حادي الأرواح ".
(٥) في (د): يكن يفتحه.
(٦) " ولا فخر " ساقطة من (ش).
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) في (ش): فتقول.
(٩) ساقطة من (ب)، وفي (ج): جنتي.
[ ٥ / ١٣١ ]
حديث أبي هريرة وأبي سعيد
قال: ثم يقول الله ﷿: انظروا في النار، هل تَلْقَوْنَ من أحدٍ عَمِلَ خيرًا قطُّ، قال: فيجدون في النار رجلًا، فيقول له: هل عملت خيرًا قط؟ فيقول لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع، فيقول الله ﷿: اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي، ثم يُخرجون من النار رجلًا، فيقول له: هل عملت خيرًا قط؟ قال: لا، غير أني قد أمرت ولدي إذا مِتُّ فاحروقوني بالنار، ثم اطحنوني (١)، حتى إذا كنت مثل الكُحْل، فاذهبوا بي إلى البحر، فاذروني في الرِّيح (٢)، فوالله لا يقدر عليَّ رب العالمين أبدًا. فقال الله ﷿ له: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك، قال: فيقول الله ﷿: انظر إلى مُلَكِ أعظم ملك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله، قال: فيقول: أتسخرُ بي، وأنت الملك؟ قال: وذاك الذي ضحكتُ منه من الضحى.
فصل: وأما حديث أبي هريرة، وأبي سعيدٍ، ففي " الصحيحين " (٣)، و" الترمذي " (٤) عن أبي هريرة أن ناسًا قالوا: يا رسول الله. هل نرى ربَّنا يوم
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: اطرحوني.
(٢) في (أ): البحر.
(٣) أما حديث أبي هريرة، فهو في البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢). وأخرجه أبو داود (٤٧٣٠)، والترمذي (٢٥٦٠)، وأحمد ٢/ ٢٧٥ و٢٩٣ و٣٦٨ و٥٢٤، والحميدي (١١٧٨)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٧٠ و١٧١ و١٧٤، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٤٣) و(٤٤٤) و(٤٤٥) و(٤٤٦) و(٤٤٧) و(٤٤٨) و(٤٤٩) و(٤٥٣) و(٤٥٤) و(٤٥٥) و(٤٥٦) و(٤٧٥)، والطيالسي (٢٣٨٣)، والآجري في " الشريعة " ص ٢٥٩، وابن منده في الإيمان (٨٠٢) و(٨٠٣) و(٨٠٤) و(٨٠٥) و(٨٠٧) و(٨٠٨) و(٨٠٩)، واللالكائي (٨١٤) و(٨١٧) و(٨١٩) و(٨٢٤). وانظر " ابن حبان " (٨٤٢٩). أما حديث أبي سعيد، فهو في البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣). وأخرجه ابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٦٩ و١٧٢ و١٧٣، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٥٢) و(٤٥٧) و(٤٥٨)، والآجري في " الشريعة " ص ٢٦٠ و٢٦١، واللالكائي (٨١٨). وصححه ابن حبان (٧٣٧٧) بتحقيقي.
(٤) ساقطة من (ب)، ولم ترد في " حادي الأرواح ".
[ ٥ / ١٣٢ ]
القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: " هل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحابٌ؟ " قالوا: لا. قال: " فإنكم ترونه كذلك ".
يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتَّبعهُ: فيتَّبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورةٍ غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهيم الله ﷿ في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه.
ويُضرَبُ الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمَّتي أول من (١) يُجيز، ولا يتكلم يومئذٍ إلاَّ الرسل، ودعوى الرسل يومئذٍ: اللهم سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوكِ السعدان، هل رأيتم السعدان "؟ قالوا (٢) نعم يا رسول الله.
قال: " فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عِظَمِهَا إلاَّ الله ﷿، تخطَفُ الناس بأعمالهم، فمنهم المُوثَقُ (٣) بعمله، ومنهم المُجازى حتى ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يُخرج برجمته (٤) من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلاَّ الله، فيعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم (٥) إلاَّ أثر السجود، وحرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتَحَشُوا (٦)، فيُصَبُّ عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحِبَّة
_________________
(١) في (ش): ما.
(٢) في (ج): فقالوا.
(٣) قال القاضي: روي على ثلاثة أوجه، أحدها: المؤمن بقي، والثاني: الموثق، والثالث: الموبق، يعني: بعمله. وقال هو وغيره عن الرواية الثالثة: هي أصحها.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ج) و(ش): من ابن آدم.
(٦) أي: احترقوا.
[ ٥ / ١٣٣ ]
في حميل السيل (١).
ثم يفرغ من القضاء بين العباد، ويبقى رجلٌ مقبل بوجهه على النار وهو من آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، فيقول: أي ربِّ، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني (٢) ريحُها، وأحرقني ذَكَاؤُها، فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه، ثم يقول الله ﵎: هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره، فيعطي ربه من عهودٍ ومواثيق ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قدِّمني إلى باب الجنة. فيقول الله: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك؟ ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك فيقول: أي ربِّ، فيدعو الله، حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتُك ذلك أن تسأل (٣) غيره؟ فيقول: لا وعزِّتِك، فيعطي ربه ما شاء من عهودٍ ومواثيق (٤)، فيقدمهُ إلى باب الجنة. فإذا قام على باب الجنة انفهقت (٥) له الجنة (٦)، فرأي ما فيها من الخير والسرور، فيسكت (٧) ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي ربِّ، أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألاَّ تسأل غير ما أُعطيت (٨)؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدَرَكَ! فيقول: أي ربِّ، لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال
_________________
(١) الحِبَّة: هي بزر البقول والعشب تنبت في البراري، وجوانب السيول، وجمعها حِبَب. وحميل السيل: ما جاء به السيل من طين أو غثاء، ومعناه محمول السيل، والمراد التشبيه في سرعة النبات، وحسنه، وطراوته.
(٢) أي: سمَّني، وآذاني، وأهلكني، وقوله: " وأحرقني ذكاؤها "، أي: لهبها واشتعالها.
(٣) في (ب): تسألني.
(٤) من قوله: " ما شاء فيصرف " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) أي: انفتحت واتسعت.
(٦) قوله: " فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة " ساقط من (ج).
(٧) في (ش) و(ج): فسكت.
(٨) في (ش): أعطيتك.
[ ٥ / ١٣٤ ]
يدعو الله حتى يضحك الله ﷿ منه، فإذا ضَحِكَ منه، قال: ادخُل الجنة، فإذا دخلها، قال الله تعالى له: تَمَنَّهْ. فيسألُ ربه ويتمنى، حتى إن الله تعالى ليُذَكِّره يقول: من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله ﷿: ذلك لك ومثله معه.
قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة ما يَرُدُّ عليه من حديثه شيئًا حتى إذا حدَّث أبو هريرة أن الله ﷿ قال لذلك الرَّجل: ومثله معه، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة: ما حفظت إلاَّ قوله: ذلك لك ومثله معه، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله - ﷺ - قوله (١) ذلك لك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة (٢).
وفي الصحيحين و" النسائي " (٣) أيضًا عن أبي سعيدٍ الخدري أن ناسًا في زمن رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم هل تُضارُّون في رؤية الشمس بالظهيرة (٤) صَحْوًا ليس معها سحاب "؟ قالوا: لا يا رسول الله، " وهل تُضارُّون في رؤية (٥) القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها (٦) سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: " ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلاَّ كما تضارون في رؤية أحدهما.
إذا كان يوم القيامة أذن مؤذِّنٌ ليتَّبِع كل أمة ما كانت تعبد (٧)، فلا يبقى أحدٌ
_________________
(١) في (ب): يقول.
(٢) " دخولًا الجنة " ساقطة من (ش).
(٣) لم ترد نسبته إلى النسائي في " حادي الأرواح "، وهو الصواب، فإن النسائي لم يروه، ولم يعزه المزي في " أطرافه " إليه. انظر " التحفة " ٣/ ٤١٠.
(٤) في (ش): في الظهيرة.
(٥) من قوله: " الشمس بالظهيرة " إلى هنا ساقط من (ب).
(٦) في (ب): فيه.
(٧) في (ب): تعبده.
[ ٥ / ١٣٥ ]
كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلاَّ يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبُدُ الله من بَرٍّ وفاجرٍ وغُبَّر (١) أهل الكتاب، فيُدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ (٢) من صاحبٍ (٣) ولا ولدٍ، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربُّ فاسقنا، فيُشارُ إليهم: ألا تَرِدُون (٤)؟ فيُحشرون إلى النار كأنها سرابٌ يحطمُ بعضُها بعضًا فيتساقطون في النار.
ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ماذا (٥) كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فيقال ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا (٦) فاسقنا، قال: فتشار إليهم: ألا تردون (٧)، فيحشرون إلى جهنم كأنهم سرابٌ يحطم بعضُهم بعضًا، فيتساقطون في النار.
حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبد الله من بَرٍّ وفاجرٍ، أتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورةٍ من التي رأوْهُ فيها، قال: فما تنتظرون (٨)؟ لتتبع (٩) كل أمةٍ ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشركُ بالله شيئًا -مرتين أو ثلاثًا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية
_________________
(١) الغُبّر: جمع غابر، أي: من بقايا أهل الكتاب. وقد تصحفت في الأصوله إلى: " غير ".
(٢) في (ش): اتخذ الله.
(٣) في (ب): " صاحبه " وكذا كتب فوقها في (أ).
(٤) في (ش): فلا تروون.
(٥) في (ش): ما.
(٦) في (ش) و(ج): يا رب.
(٧) في (ش): تروون.
(٨) في الأصول: تنظرون.
(٩) كذا الأصول غير (ش)، ففيها: " إذ تتبع "، ورواية مسلم: " تتبع " بلا " إذ " ولفظ البخاري: " ما يحبسكم وقد ذهب الناس ".
[ ٥ / ١٣٦ ]
تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيُكشَفُ عن ساقٍ (١)، فلا يبقى من كان يسجد لله
_________________
(١) في (ش): فيكشف الله عن ساق، ولفظ البخاري (٤٩١٩) من طريق سعيد بن أبي هلال: " يكشف ربنا عن ساقه " قال الإسماعيلي كما في " الفتح " ٨/ ٦٦٤ بعد أن أخرجه من رواية سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم: وقوله " عن ساقه " نكرة، ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم بلفظ " يكشف عن ساق "، وقال: هذا أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة. قلت: وقد جاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ قال: عن شدة في الأمر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق: إذا اشتدت به، ومنه: قد سَنَّ أصحابُك ضَرْبَ الأعناقِ وقامت الحربُ بنا على ساقِ وأسند البيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٤٥ الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن وزاد: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه من الشعر فإنه ديوان العرب، ثم أنشد الرجز المتقدم. وأسند البيهقي أيضًا ص ٣٤٦ من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: يريد القيامة والساعة لشدتها. وأنشد الإمام الخطابي كما في " الأسماء والصفات " في إطلاق الساق على الأمر الشديد: عَجِبتُ من نفسي ومن إشفاقِها ومن طرادي الطيرَ عن أرزاقها في سَنَةٍ قد كشفت عن ساقِها وفي " جامع البيان " ٢٩/ ٣٨ للطبري: قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد. وقال الآلوسي في " تفسيره " ٢٩/ ٣٤ - ٣٥: المراد بذلك اليوم عند الجمهور يوم القيامة، والساق: ما فوق القدم، وكشفها والتشمير عنها مَثَلٌ في شدة الأمر، وصعوبة الخطب، حتى إنه يستعمل بحيث لا يُتصور ساق بوجه، كما في قول حاتم: أخو الحرب إن عَضَّتْ به الحربُ عَضَّها وإن شَمَّرتْ عن ساقِها الحربُ شَمَّرا وقال الراجز: عجبت من نفسي ومن إشفاقها وأصله بشمير المخدرات عن سُوقهن من الهرب، فإنهن لا يفعلن ذلك إلاَّ إذا عَظُم الخَطْبُ، واشتدَّ الأمرُ، فيذهلن عن الستر بذيل الصيانة، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وعكرمة وجماعة، وقد روي أيضًا عن ابن عباس. أخرج عبد بن =
[ ٥ / ١٣٧ ]
تعالى من تلقاء نفسه إلاَّ أذن الله له (١) بالسجود، ولا يبقى من كان يسجُدُ اتِّقاء ورياءً إلاَّ جعل الله ظهره طبقةً واحدةً، كلما أراد أن يسجد، خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل في صورته (٢) التي رأوه فيها أول مرةٍ، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربُّنا.
ثم يُضرَبُ الجسر على جَهَنَّم، وتحُلُّ الشفاعة. قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: " دحضٌ مَزِلَّةٌ، فيه خطاطيف وكلاليبُ وحَسَكَةٌ تكون بنَجدٍ (٣) فيها شويكةٌ يقال لها: السعدان، فيمرُّ المؤمنون كَطَرْفِ العين (٤)، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسلٌ، ومكدوسٌ في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحدٍ منكم بأشدَّ مناشدة في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويُصلُّون، ويحُجُّون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتُحَرَّمُ صورهم على النار، فيُخرِجُون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى رُكبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحدٌ مِمَّن أمرتنا، فيقول: ارجعوا، فَمَنْ وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نَذَرْ فيها أحدًا ممن أمرتَنَا، ثم يقول: ارجِعُوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال (٥) نصف دينار من
_________________
(١) = حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصحه، والبيهقي في " الأسماء والصفات " من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سُئل عن ذلك، فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر: صبرًا عناق إنه شر باق قد سَنَّ لي قومُك ضربَ الأعناقِ وقامت الحربُ بنا على ساق
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) تحرفت في (ش) إلى: تصوره.
(٤) تحرفت في الأصول إلى: تتخذ.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) ساقطة من (ج).
[ ٥ / ١٣٨ ]
خيبر فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا أحدًا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرةٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا.
وكان (١) أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
فيقول الله ﷿: شَفَعتِ الملائكة، وشفع النبيون، وشفع (٢) المؤمنون، ولم يبق إلاَّ أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حُمَمًا، فيُلقيهم في نهرٍ في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرُجون كما تخرج الحِبَّة في حَميل السيل. ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر (٣)، وما يكون منها إلى الظِّلِّ يكون أبيض؟ " فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية! قال: " فيخرجُون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجَنَّة هؤلاء عُتَقَاء (٤) الله الذين أدخلهم الله الجنة (٥) بغير عملٍ عملوه، ولا خير قدَّموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من العالمين. فيقول لكم عندي أفضلُ من هذا، فيقولون: ربنا، وأيُّ شيءٍ أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخطُ عليكم بعده أبدًا " (٦).
_________________
(١) في الأصول: " وقال "، والمثبت من (ب) و"صحيح مسلم " و" حادي الأرواح ".
(٢) في (ش): ويشفع.
(٣) في (ش): أصفر وأخضر.
(٤) في الأصول: " شفعاء "، والمثبت من (ب) و(ج) ومصادر التخريج، وكذا كتب فوقها في (أ).
(٥) وردت في (أ): فقط.
(٦) أخرجه بطوله البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣)، وأحمد ٣/ ١٦، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٢٣٧)، وأخرج بعضه البخاري (٦٥٤٩) و(٦٥٦٠).
[ ٥ / ١٣٩ ]
حديث جرير بن عبد الله
فصل: وأما حديث جرير (١) بن عبد الله، ففي " الصحيحين " من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه، قال: كنَّا جلوسًا مع النبي - ﷺ -، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: " إنكم سَتَرَوْنَ ربَّكم عِيانًا كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا "، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوب﴾ (٢) [ق: ٣٩].
رواه عن إسماعيل بن أبي خالد (٣): عبد الله بن إدريس الأودي، ويحيى ابن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن محمد (٤) المحاربي، وجرير بن عبد الحميد، وعبيدة بن حميد، وهشيم (٥) بن بشير، وعليُّ بن عاصم، وسفيان بن
_________________
(١) تحرف في (ب) إلى: جابر.
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٤) و(٥٧٣) و(٤٨٥١) و(٧٤٣٤) و(٧٤٣٥) و(٧٤٣٦)، ومسلم (٦٣٣)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥٤)، وابن ماجه (١٧٧)، وأحمد ٤/ ٣٦٠ و٣٦٢ و٣٦٥، والحميدي في " مسنده " (٧٩٩)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٤٣) و(٤٤٤) و(٤٤٥) و(٤٤٦) و(٤٤٧) و(٤٤٨) و(٤٤٩) و(٤٥٠) و(٤٥١)، والأجري ص ٢٥٧ - ٢٥٩، وابن منده في " الإيمان " (٧٩١) و(٧٩٢) و(٧٩٣) و(٧٩٤) و(٧٩٥) و(٧٩٦) و(٧٩٧) و(٧٩٨) و(٧٩٩) و(٨٠٠) و(٨٠١) و(٨١٥)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٦٨، ١٦٩، واللالكائي (٨٢٥) و(٨٢٦) و(٨٢٧)، والطبراني في " الكبير " (٢٢٢٤) و(٢٢٢٥) و(٢٢٢٦) و(٢٢٢٧) و(٢٢٢٩) و(٢٢٣٢) و(٢٢٣٣) و(٢٢٣٤) و(٢٢٣٥) و(٢٢٣٦) و(٢٢٣٧) و(٢٢٨٨) و(٢٢٩٢). وصححه ابن حبان (٧٤٤٢).
(٣) موارد هذه الروايات تنظر في " صحيح ابن حبان " وكتاب " الإيمان " لابن منده، و" السنة " لابن أبي عاصم، و" شرح أصول اعتقاد أهل السنة " للالكائي، وكتاب " الرؤية " للدارقطني. وذكر الحافظ في " الفتح " ١٣/ ٤٢٧ أن شيخ الإسلام الهروي ساقه في كتاب " الفاروق " من رواية أكثر من ستين نفسًا عن إسماعيل بلفظ واحد.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) تحرفت في (ج) إلى: هشام.
[ ٥ / ١٤٠ ]
عيينة، ومروان بن معاوية، وأبو أسامة (١)، وعبد الله بن نُمير، ومحمد بن عُبَيْدٍ، وأخوه يعلى بن عبيد، وكيعُ بن الجَّراح، ومحمد بن فضيل (٢)، والطُّفاوي، ويزيد بن هارون، وإسماعيل بن أبي (٣) خالد، وعنبسة بن سعيد، والحسن بن صالح بن حيّ، وورقاء بن عمر، وعمَّار بن رُزيق (٤)، وأبو الأغر سعيد (٥) بن عبد الله، ونصر بن طريف، وعمار بن محمد، (٦) والحسن بن عياش أخو أبي بكر، ويزيد بن عطاء، وعيسى بن يونس، وشعبة بن الحجَّاج، وعبد الله بن المبارك، وأبو حمزة السُّكَّري، وحسين بن واقد، ومُعتَمِرُ (٧) بن سليمان، وجعفر بن زياد، وخداش بن المهاجر، وهُرَيْم (٨) بن سفيان، ومِنْدَلُ (٩) بن علي، وأخوه حِبَّان بن علي، وعمرو (١٠) بن مرثد، وعبد الغفار بن القاسم، ومحمد بن بشر الحريري، ومالك بن مغول، وعصام بن النعمان، وعلي بن القاسم الكندي، وعُبيدة بن الأسود الهمداني، وعبد الجبار بن المقياس، والمُعلَّى بن هلال، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، والصباح بن محارب، ومحمد بن عيسى، وسعيد بن حازم، وأبان بن أرقم، وعمرو بن النعمان، ومسعود بن سعدٍ الجعفيُّ، وغنَّام بن علي، وحسن بن حبيب، وسنان بن هارون البُرجمي، ومحمد بن سعيد (١١) الواسطي، وعمرو بن هشام، ومحمد بن مروان، ويعلى بن
_________________
(١) هو حماد بن أسامه كما في " تهذيب الكمال " ٣/ ٧١.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: فضل.
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) تحرف في (ب) إلى: زريق.
(٥) في (ش): سعد.
(٦) في (ش): بن.
(٧) في (ش): " معمر "، وهو تحريف.
(٨) في (ب): " هذيم "، وهو تحريف.
(٩) تحرفت في الأصول إلى: مدل.
(١٠) في (ش): " معمر "، وهو خطأ.
(١١) ساقطة من (ج).
[ ٥ / ١٤١ ]
الحارث المحاربي، وشعيب (١) بن راشد، والحسن بن دينار، وسلاَّم بن أبي مطيع، وداود بن الزِّبرِقان، وحمادُ بن أبي حنيفة، ويعقوب بن حبيب، وحَكَّام بن سلم، وأبو مقاتل بن حفص، ومسيب (٢) بن شريك، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وعمرو بن شمر الجُعفي، وعمرو بن عبد الغفار الفُقيمي (٣)، وسيف بن هارون البُرجميُّ أخو سنان، وعائذ بن حبيب، ومالك بن سعد (٤) بن الحسن، ويزيد بن عطاء مولى ابن عوانة، وخالد بن يزيد، وعُبيدُ (٥) الله بن موسى، وخالد بن عبد الله الطحان، وأبو كُدَيْنَة (٦) يحيى بن المهلَّب، ورَقَبَة بن مَصْقَلَة (٧)، ومَعْمَرُ بن سليمان الرَّقِّي، ومرَجَّى بن رجاء، وعمرو بن جرير، ويحيى بن هاشم السمسار، وإبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، وعبد الله بن عثمان - شريك شعبة- وعبد الله بن فرُّوخ، وزيد بن أبي أُنيسة، وجوَّده، فقال: " ستُعَاينُون ربكم ﷿ كما تعاينون هذا القمر ". وأبو شهاب الحنَّاط، وقال: " سترون ربكم عِيانًا "، وجارية (٨) ابن هرم، وعاصم بن حكيم، ومقاتل بن سليمان، وأبو جعفر الرازي، والحسن ابن أبي جعفر، والوليد بن عمرو، وأخوه عثمان بن عمرو (٩)، وعبد السلام [بن] (١٠) عبد الله بن قُرة (١١) العنبري، ويزيد بن
_________________
(١) في (ب): سعيد.
(٢) تحرفت في (ش) إلى شبيب.
(٣) تحرفت في (أ) و(ج) و(د) إلى: " النقيمي "، وفي (ش): " التغمي "، والمثبت من " الجرح والتعديل " ٦/ ٢٤٦، و" الأنساب " ٩/ ٣٢٤.
(٤) في (ب): سعيد.
(٥) تحرفت في (ش) إلى: عبد.
(٦) تحرفت في (ج) و(د) و(ش) إلى: لدينة.
(٧) تحرف في (ش) إلى: مقصلة.
(٨) تحرفت في (ش) و(ج) و" حادي الأرواح " إلى: " حارثة ". وجارية هذا مترجم في " الميزان "، وهو هالك.
(٩) " ابن عمرو " ساقطة من (ش).
(١٠) زيادة من " حادي الأرواح ".
(١١) في (ب): " مرة " وفي (ج): مرد.
[ ٥ / ١٤٢ ]
حديث صهيب بن سنان
حديث عبد الله بن مسعود
عبد العزيز، وعلي بن صالح بن حي، وزُفَر بن الهذيل، والقاسمُ بن معنٍ.
تابع إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس جماعة، منهم: بيان بن بشرٍ، ومُجالدُ بن سعيد، وطارق بن عبد الرحمن، وجرير بن يزيد بن جرير البَجَلِي، وعيسى بن المسيب، كلُّهم عن قيس بن أبي حازم.
فكل هؤلاء شهدوا على إسماعيل بن أبي (١) خالد، وشهد إسماعيل بن أبي خالد (٢)، على (٣) قيس بن أبي حازم، وشهد قيس (٤) بن أبي حازم (٥) على (٦) جرير بن عبد الله، وشهد جريرٌ على رسول الله - ﷺ -، فكأنك تسمع رسول الله - ﷺ - (٧)، وهو يقوله ويبلِّغه لأمته، ولا شيء أقرُّ لأعينهم منه.
فصل: وأما حديث صهيبٍ، فرواه مسلم في " صحيحه " من حديث حماد ابن سلمة عن ثابث، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهيبٍ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا دَخَلَ أهل الجنة الجنة، يقول الله ﷿: تريدون شيئًا أزيدكم؟ يقولون: ألم تُبّيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتُنَجِّنا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم " ثم تلا هذه الآية: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وهذا حديث (٨) رواه الأئمة عن حماد، وتلقَّوه عن نبيهم بالقبول والتصديق.
فصل: وأما حديث عبد الله بن مسعودٍ، فقال الطبراني: حدثنا محمد بن
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) جملة " وشهد إسماعيل بن أبي خالد " ساقطة من (ب).
(٣) في الأصول: " عن "، والمثبت من (ب) و" حادي الأرواح ".
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) من قوله: " فكل هؤلاء شهدوا " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) في (ش): عن.
(٧) جملة " فكأنك تسمع رسول الله - ﷺ -، ساقطة من (ج).
(٨) في (ش): الحديث. وتقدم تخريجه.
[ ٥ / ١٤٣ ]
النضر الأزدي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، والحضرمي، قالوا: حدثنا إسماعيل (١) بن عبيد بن أبي كريمة الحرَّاني، حدثنا محمد بن سلمة الحرَّاني، عن أبي عبد الرحيم (٢)، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال بن عمرٍو، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن مسروق بن الأجدع، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ - (٣): " يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قيامًا أربعين سنة، شاخصةً أبصارُهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء ". قال (٤): " وينزل الله ﷿ في ظُلَلٍ مِنَ الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي منادٍ: أيُّها الناس، ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا أن يُولِّي كلُّ ناس منكم ما كانوا يتولَّون ويعبُدون في الدنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى.
قال (٤): فينطلق كُلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولَّون في الدنيا، فينطلقون ويُمَثَّل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون. قال: ويُمَثَّل لمن كان يعبدُ عيسى شيطان عيسى، ويمثَّل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزيرٍ.
ويبقى محمد - ﷺ - وأمَّته، فيأتيهم الرب ﷿، فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا إلهًا ما رأيناه بعد، فيقول: هل تعرفونه إذا (٥) رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إن (٦) رأيناها عرفناها، قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يُكشَفُ عن ساق فيخرُّون
_________________
(١) في (ب): " شعيب "، وهو خطأ.
(٢) في (ب): عبد الرحمن.
(٣) زيادة من " المجمع " ١٠/ ٣٤٠، و" حادي الأرواح " ص ٢١٢.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ب)، و" المجمع "، و" حادي الأرواح ": إن.
(٦) في (ب)، و" المجمع "، و" حادي الأرواح ": إذا.
[ ٥ / ١٤٤ ]
له (١) سُجَّدًا، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يُدْعَوْنَ إلى السجود وهم سالمون.
ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فيرفعون رؤوسهم، ويعطيهم نورهم على قدر (٢) أعمالهم، فمنهم من يُعطى نوره مثل الجبل العظيم، يسعى بين يديه، ومنهم من يُعطى أصغر من ذلك، ومنهم من يُعطى نورًا مثل النخلة بيمينه (٣)، ومنهم من يعطى نورًا أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلًا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيءُ مرُّة، ويُطفَأُ مرة، فإذا أضاء، قدَّم قدمه فمشى (٤)، وإذا طُفِىء، قام، والرَّبُّ ﵎ أمامهم، حتى يمرَّ في النار، فيبقى أثرٌ كحدِّ السيف، قال: ويقول: مرُّوا، فيمرون على قدر نورهم (٥).
منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشدِّ الفرس، ومنهم من يمرُّ كشدِّ الرَّحل، حتى يمر الذي أُعطِيَ نوره على إبهام قدمه يحبو (٦) على وجهه ويديه ورجليه (٧) تَخِرُّ (٨) يدٌ وتَعْلَقُ يدٌ، وتخرُّ رجلٌ وتعلق رجلٌ، وتصيب جوانِبَهُ النار، فلا يزال كذلك حتى يَخلُصَ، فإذا خَلَص، وقف عليها، وقال: الحمد لله، لقد أعطاني الله ما لم يُعطِ أحدًا إذ نجَّاني منها بعد إذ رأيتها. قال: فينطلق به إلى غديرٍ عند باب الجنة فيغتسل (٩)، فيعود إليه
_________________
(١) سقطت من (أ)، وفي (ش): لله.
(٢) سقطت من (أ).
(٣) ساقطة من (د).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): قدرهم.
(٦) في (ش)، و" المجمع ": يجثو.
(٧) ساقطة من (أ).
(٨) في (ب): تجر، وهو تصحيف.
(٩) في (ش). فيغسل.
[ ٥ / ١٤٥ ]
ريحُ أهل الجنة وألوانهم، فيرى ما في الجنة من خلال الباب، قيقول: رب أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎ له (١) اتسأل (٢) الجنة وقد نجَّيتُك من النار؟! فيقول: رب اجعل بيني وبينها حِجابًا لا أسمع حَسِيسَها، قال: فيدخل الجنة، قال: ويرى (٣) أو يُرفَعُ له منزلٌ أمام ذلك كأنما (٤) الذي هو فيه إليه حلمٌ، فيقول: ربِّ أعطني ذلك المنزل، فيقول: فلعلك إن أعطيتُكه (٥) تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه، فيعطاه (٦)، فينزلُه، قال ويرى أمام ذلك منزلًا آخر، كأنما هو فيه إليه حلمٌ، فيقول: أعطني ذلك المنزل، فيقول الله ﷻ: فلعلك إن أعطيتُكه (٧) تسأل غيره؟ قال: لا وعزَّتك، لا أسأل غيره، وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه؟ قال: فيعطى، فينزله، قال: ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزلٌ آخر، كأنما هو فيه إليه حُلُم، فيقول: أعطني ذلك المنزل، فيقول الله ﷻ: فلعلك إن أعطيتك إياه تسأل (٨) غيره؟ قال: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه قال: فيعطاه، فينزله (٩)، ثم يسكت، فيقول الله ﷿: مالك لا تسأل؟ فيقول: ربِّ، لقد سألتُك حتى استحييتُك، وأقسمتُ لك حتى استحييتُك، فيقول الله ﷿: ألا ترضى أن أعطيتك مثل الدنيا مذ يوم خلقتها (١٠) إلى يوم أفنيتها
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (أ): " تسأل "، وفي (ش): أسأل.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): ما كان.
(٥) في (ب): " أعطيتك "، وفي (ش): " أعطيك هو".
(٦) في (ب): فيعطى.
(٧) في (ب): " أعطيتك "، وفي (ش): " أعطيتك إياه ".
(٨) ساقطة من (ب).
(٩) في (ش): فيعطى منزله.
(١٠) في (ش): من خلقها.
[ ٥ / ١٤٦ ]
وعشرة أضعافه؟ فيقول: أتستهزىء بي، وأنت ربُّ العِزة، فيضحك الرب ﷿ من قوله.
قال: فرأيت عبد الله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان (١) من هذا الحديث ضَحِكَ. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، قد سمعتك تحدث هذا (٢) الحديث مرارًا، كلما بلغت هذا المكان ضحكتَ؟ فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يحدِّث هذا الحديث مرارًا، كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو أضراسه.
قال: فيقول الرب ﷿: لا: ولكني على ذلك قادرٌ. سل. فيقول: ألحقني بالناس، فيقول: الحق بالناس قال: فينطلق يرمُل في الجنة حتى إذا دنا (٣) من الناس، رُفِعَ له (٤) قصرٌ من دُرَّةٍ، فيخرُّ ساجدًا، فيقال (٥) له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربي، أو تراءى لي ربي، فيقال له إنما هو منزلٌ مِنْ منازلك، قال: ثم يلقى رجلًا، فيتهيّأُ (٦) للسجود، فيقال له: مه، مالك؟ فيقول: رأيت أنك ملكٌ من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازنٌ من خُزَّانِك، عبدٌ من عبيدك، تحت يدي ألف قهرَمَانٍ على مثل ما أنا عليه.
قال: فينطلق أمامه حتى (٧) يفتح له القصر، قال: وهو في دُرَّةٍ مُجوَّفةٍ سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها، تستقبله جوهرةٌ خضراءُ مُبَطَّنَةٌ بحمراء، كل جوهرةٍ تُفضي إلى جوهرةٍ فيها (٨) سبعون بابًا، كل بابٍ يُفضي إلى جوهرة
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): بهذا.
(٣) في (ش): أتى.
(٤) ساقطة من (د).
(٥) في (ش): فيقول.
(٦) في (ب): فيهيأ.
(٧) في (ش): بحيث.
(٨) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ١٤٧ ]
خضراء مُبطنةٍ بحمراء، كل جوهرةٍ (١) تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كل جوهرة سُرُرٌ وأزواجٌ ووصائف، أدناهنَّ (٢) حوراء (٣) عيناء عليها سبعون حُلَّة، يُرَى مُخُّ ساقها من وراء حُلَلِهَا، كَبِدُها مرآتُه، وكبده مرآتُها، إذا أعرض عنها إعراضةً ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك، فيقول لها: والله لقد ازددتِ في عيني سبعين ضعفًا، وتقول له: والله وأنت (٤)، لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا، (٥) فيقال له: أشرف. قال: فيشرفُ، فيقال له: مُلكُكَ مسيرة مئة (٦) عام ينفده بصره (٧).
قال فقال عمر: ألا تسمع إلى ما يحدِّثنا ابن أمِّ عبدٍ يا كعب عن أدنى أهلِ الجنة منزلًا، فكيف أعلاهم؟ قال كعبٌ: يا أمير المؤمنين (٨)، ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، إن الله تعالى جعل دارًا فيها ما شاء (٩) من الأزواج والثمرات والأشربة، ثم أطبقها، فلم يرها أحدٌ من خلقه، لا جبريلُ ولا غيرُه من الملائكة.
ثم قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
قال: وخلق دون ذلك جنتين، فزيَّنهما بما شاء، وأراهما من شاء (١٠) من خلقه، ثم قال: من كان في عِلِّيِّين نزل تلك الدار التي لم يرها أحد، حتى إن
_________________
(١) من قوله: " تفضي إلى جوهرة " ساقط من (ش).
(٢) في (ش): أدناهم.
(٣) في (ش): " حمراء "، وهو تحريف.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) من قوله: " وتقول له " إلى هنا، ساقط من (د).
(٦) في (أ): ألف.
(٧) في " المجمع ": بصرك.
(٨) " يا أمير المؤمنين " ساقطة من (ش).
(٩) في (ش): يشاء.
(١٠) في (ش): يشاء.
[ ٥ / ١٤٨ ]
الرجل من أهل عِلِّيِّين ليخرج فيسير في ملكه، فما تبقى خيمةٌ من خِيَمِ الجنة (١) إلا دخلها من ضوءِ وجههِ، فيستبشرون بريحه، فيقولون، واهًا لهذه الريح، هذا رجل من أهل عِلِّيِّين قد خرج يسير في ملكه. فقال: ويحك يا كعب، هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها. فقال كعب: والذي نفسي بيده، إنَّ لجهنم يوم القيامة لزفرةً ما يبقى من مَلَكٍ مقرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرسلٍ إلاَّ خرَّ لركبتبه (٢)، حتى إن إبراهيم خليل الله (٣) ﵇ يقول: ربِّ نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًا إلى عملك لظننت أنك لا تنجو (٤).
هذا حديث كبيرٌ حسن رواه المصنِّفون في السنة كعبد الله بن أحمد (٥)، والطبراني، والدارقطني في كتاب (٦) " الرؤية ". رواه عن ابن صاعد، حدثنا
_________________
(١) في (ش) و(ج): أهل الجنة.
(٢) في (د) و(ش): لركبته.
(٣) في (ش): الخليل.
(٤) رجاله ثقات، وأبو عبد الرحيم: هو خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو في " السنة " لعبد الله بن أحمد (١١٣٣)، وأخرجه عنه الطبراني في " الكبير " (٩٧٦٣). وأخرجه الحاكم ٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢، والطبراني في " الكبير " (٩٧٦٣) من طريق عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، عن المنهال بن عمرو، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: رواة هذه الحديث عن آخرهم ثقات، غير أنهما لم يخرجا لأبي خالد الدالاني في " الصحيحين " لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة، وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة. وقال الذهبي في " تلخيصه ": ما أنكره حديثًا على جودة إسناده. وأخرجه الحاكم مختصرًا بالسند نفسه ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧، وصححه، وهنا أقره الذهبي على تصحيحه. وأورده الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٤٠ - ٣٤٣، وقال: رواه الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني، وهو ثقة.
(٥) في " السنة " (١١٣٣).
(٦) في (أ): كتابه.
[ ٥ / ١٤٩ ]
حديث علي بن أبي طالب
محمد بن أبي (١) عبد الرحمن المقرىء، حدثنا أبي، حدثنا ورقاء بن عمر، حدثنا أبو طيبة، عن كُرز بن وَبْرَةَ، عن نُعيم بن أبي هند، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (٢).
ورواه من طريق عبد السلام بن حرب (٣)، حدثنا الدالاني، حدثنا المنهال ابن عمرو، عن أبي (٤) عبيدة (٥).
ورواه من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة به.
ومن طريق أحمد بن أبي طيبة عن كُرز بن وبرة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي عبيدة.
فصل: وأما حديث علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، فقال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن المُصَفَّى (٦)، حدثنا سُويدُ بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن خالد، عن زيد بن عليٍّ، عن أبيه، عن جده، عن عليِّ بن أبي طالب ﵇، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يزور (٧) أهلُ الجنة الرب ﵎ في كل جُمعَة، وذكر ما يعطون. قال: " ثم يقول الله ﵎: اكشِفُوا حجابًا فيَكشِفُ حجابًا (٨)، ثم حجابًا، ثم يتجلى لهم ﵎ عن وجهه،
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) هذا منقطع، أبو عبيدة، لم يسمع من أبيه عبد الله، وقد ذكرت الواسطة في السند السابق، وهو مسروق بن الأجدع.
(٣) تحرف في الأصول إلى: حريث.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) تحرف في (ب) إلى " أبي عبيد به " وأبو عبيدة: هو ابن عبد الله بن مسعود.
(٦) تحرف في (ب) و(ش) إلى: المصطفى.
(٧) في (ب) و(ش): يرون.
(٨) " فيكشف حجابًا " ساقطة من (ش).
[ ٥ / ١٥٠ ]
فكأنهم لم يَرَوا نعيمًا قبل ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (١) [ق: ٣٥].
فصل: وسيأتي في الآثار عنه ﵇ شاهدٌ لهذا من طريق ابن أبي حاتم. وتقدم له شاهدٌ عنه ﵇ في الدليل الخامس من طريق الطبراني، وله طريقٌ رابعةٌ عنه ﵇، وهو حديثٌ آخر أخرجه الثعلبي في تفسير قوله: ﴿يستبشِرُون بنعمةٍ من الله وفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧١].
ورواه عنه السيد صاحب الأصل المردود بكتاب " العواصم "، فقال السيد (٢) ما لفظه: وروى الثعلبي بإسناده إلى عليِّ بن موسى الرضى عن أبيه موسى بن جعفر لا عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵈، وقد سأله شابٌ وهو يخطب ويحثُّ على الجهاد، عن فضل الغُزاة، فقال ﵇: كنت رديفَ رسول الله - ﷺ - على ناقته العضباء، فسألته عما سألتني عنه، فقال - ﷺ -: " إن الغُزَاة إذا همُّوا بالغزاة، كتب الله لهم براءة من النار " وساق الحديث في فضلهم وختمه بقول: " فينظرون إلى الله تعالى بُكرةً وعَشِيًّا ". انتهى.
وأقل أحوال هذه الطرق الأربع أن يمتنع دعوى العلم القاطع بإجماع أهل البيت، خصوصًا مع ما في " الجامع الكافي على مذهب الزيدية " من مخالفة الأوائل لمن تأخر في الاعتقاد عمومًا، ثم مخالفة بعضُ أكابرهم في هذه المسألة خصوصًا. وهذا الكتاب (٣) الجامع الكافي " عمدة الزيدية في الكوفة،
_________________
(١) إسناده هالك. سويد بن عبد العزيز ضعفه غير واحد، وقال البخاري: في حديثه نظر لا يحتمل. وعمرو بن خالد هو القرشي مولاهم، متروك، ورماه وكيع بالكذب. وأخرجه اللالكائي (٨٥٢) من طريق يعقوب بن سفيان، به. وانظر ملحق " المعرفة والتاريخ " ٣/ ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٢) " فقال السيد " ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ١٥١ ]
حديث أبي موسى الأشعري
وموجودٌ في خزائن أئمتهم في اليمن كما ذكرته في الكلام على مسألة الأفعال، والذي أخرجه إلى اليمن السيد أحمد بن أمير الجيلى الزيدي الناصري العلامة الشهير، وخطُّه المعروف عليه بذلك مع ما يشهد (١) بمخالفة الأوائل لمتأخريهم في الاعتقاد مثل ما ذكره محمد بن منصور الزيدي، في كتابه " علوم آل محمد " في أول كتاب الحجِّ منه من (٢) حديث النزول، وقوله في تأويله إن الله تعالى لا يزول من (٣) مكانه، ونحو ذلك، قد ذكر مبسوطًا.
فصل: وأما حديث أبي موسى، ففي " الصحيحين " عنه، عن النبي - ﷺ -، قال: " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلاَّ رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدنٍ " (٤).
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا حسن بن موسى وعفان، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيدٍ، عن عمارة، عن أبي بُردَة، عن أبي موسى، قال: قال (٦) رسول الله - ﷺ -: "يجمع الله الأمم في صعيدٍ واحدٍ يوم القيامة، فإذا بدا (٧)
_________________
(١) في (ش): شهد.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) سقطت من (أ).
(٤) أخرجه البخاري (٤٨٧٨) و(٤٨٨٠) و(٧٤٤٤)، ومسلم (١٨٠)، وأحمد ٤/ ٤١١ و٤١٦، والترمذي (٢٥٢٨)، وابن ماجه (١٨٦)، والدارمي ٢/ ٣٣٣، واللالكائي (٨٣٤)، والآجري ص ٢٦٢ و٢٦٣ و٢٦٤، والبيهقي في " البعث والنشور " ص ١٥٨، وصححه ابن حبان (٧٣٨٦).
(٥) ٤/ ٤٠٧ و٤٠٨ وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان التيمي البصري، وشيخه عمارة هو القرشي، قال الأزدي: ضعيف جدًا. نقله عنه الذهبي في " المغني " ٢/ ٤٦٢.
(٦) ساقطة من (ج).
(٧) كتب فوقها في (أ): أذن.
[ ٥ / ١٥٢ ]
لله أن يصدع بين خلقه مثَّلَّ لكل قومٍ (١) ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يقحمونهم النار، ثم يأتينا ربنا ﷿ ونحن في مكانٍ رفيعٍ، فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا ﷿، فيقول: وهل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم إنه لا عِدْلَ له، فيتجلى لنا ضاحكًا فيقول (٢): أبشروا يا معشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلاَّ جعلتُ في النار يهوديًا أو نصرانيًا مكانه ".
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: يتجلى لنا ربنا ﵎ ضاحكًا يوم القيامة (٣).
وذكر الدارقطني من حديث أبان بن أبي عيَّاش، عن أبي تميمة الهُجيمي (٤)، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: " يبعث الله يوم القيامه مناديًا بصوتٍ يسمعُه أولهم وآخرهم: إن الله ﷿ وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى (٥): الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله ﷿ " (٦).
فصل: وأما حديث عديِّ بن حاتم، ففي " صحيح البخاري " (٧) قال: بينما
_________________
(١) في (ش): " ينظر مثل قوم " وهو تحريف.
(٢) في الأصول: " يقول "، والمثبت من (ش) و" المسند ".
(٣) " يوم القيامة " ساقطة من (ش). وإسناده ضعيف كسابقه.
(٤) تحرف في (أ) و(ش) إلى: الجهيمي.
(٥) في (ش): والحسنى.
(٦) تقدم تخريجه ص ٤١٨.
(٧) برقم (٣٥٩٥) في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، وأخرجه مختصرًا البخاري (١٤١٣)، مسلم (١٠١٦) (٦٧)، والترمذي (٢٤١٥)، وأحمد ٤/ ٢٥٦ و٣٧٧، والآجري ص ٢٦٩ و٢٧٠، واللالكائي (٨٣٤)، والطبراني ١٧/ (٢٢٣) و(٢٢٤) و(٢٢٥)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٢٤٩) و(٢٥٠) و(٢٥١) و(٢٥٢)، وابن ماجه (١٨٥)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢١٨ و٢١٩.
[ ٥ / ١٥٣ ]
أنا عند النبي - ﷺ - إذ أتاه رجلٌ، فشكا (١) إليه الفاقة، ثم أتى إليه (٢) آخرٌ فشكا إليه قطع السبيل، فقال: " يا عديُّ، هل رأيت الحيرة؟ " فقلت: لم أرها، وقد أُنبِئتُ عنها. قال: " فإن طالت بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلاَّ الله "، قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعَّار (٣) طيِّءٍ الذين سعَّروا البلاد؟ " ولئن طالت بك حياة لتُفتَحَنَّ كنوز كسرى ". قلت: كسرى (٤) بن هرمز؟! قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لَتَرَيَنَّ الرجل يُخرِجُ ملءَ كفِّه من ذهبٍ أو فضةٍ يطلبُ من يقبله منه فلا يجد أحداُ يقبله منه، ولَيَلقيَنَّ الله أحدُكم يوم يلقاه (٥) وليس بينه وبينه حجاب ولا تُرجُمانٌ يُترجِمُ له، فليقولن (٦): ألم أبعث إليك رسولًا يبلِّغك؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: ألم أُعطِكَ مالًا وأفضِل عليك؟ فيقول بلى (٧)، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلاَّ جهَنَّم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلاَّ جهنم ".
قال عدي: فسمعت النبي - ﷺ - يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شقَّ تمرةٍ، فبكلمةٍ طيبةٍ ".
قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحِلُ من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قال النبي - ﷺ -.
_________________
(١) في (ش): يشكي وهو تحريف.
(٢) في (ش): ثم أتاه.
(٣) في (د): زعّار.
(٤) " قلت كسرى " ساقطة من (ش).
(٥) في (ب) و(ش): " القيامة "، وكذا في (أ)، وكتب فوقها " يلقاه ". و" يلقاه " لفظ البخاري.
(٦) في (أ): فليقولن الله.
(٧) في (د): بلى يا رب.
[ ٥ / ١٥٤ ]
حديث أنس بن مالك
فصل: وأما حديث أنس بن مالك، ففي " الصحيحين، من حديث سعيد ابن أبي (١) عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتَمُّون بذلك وفي لفظ فيُلهمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربنا حتى يُريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُناكُم. فيذكر (٢) خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا نوحًا أول رسولٍ بعثه الله ﷿.
قال: فيأتون نوحًا، فيقول: لستُ هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها (٣)، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلًا، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، ويذكر (٤) خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها ولكن ائتوا موسى الذي كلَّمه الله تكليمًا، وأعطاه التوراة، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله، وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن (٥) ائتوا محمدًا - ﷺ -، عبدًا قد غفر الله له (٦) ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر ". قال رسول الله - ﷺ -: " فيأتوني، فأستأذنُ على ربي، فيؤذَنُ لي، فإذا أنا (٧) رأيته، فأقع ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تُسمع، وسل تعطَه، واشفع تُشفَّعْ، فأرفعُ رأسي، فأحمد ربي بتحميدٍ يُعَلِّمُنيه
_________________
(١) ساقطة من (ج).
(٢) في (ش): ويذكر.
(٣) من قوله: " ولكن أئتوا نوحًا " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ب): فيذكر.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): " غُفر له "، وهي كذلك في " صحيح مسلم " المطبوع.
(٧) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ١٥٥ ]
ربِّي، فأشفع فيحُدُّ لي حدًّا، فأُخرِجُهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعودُ فأقع ساجدًا، فيدعُني ما شاء أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك يا محمد، وقُل (١) تُسمع، وسل تُعطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفعُ رأسي، فأحمد ربي بتحميدٍ يعلِّمُنيه ربي، ثم أشفع فيحُدُّ لي حدًّا فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، قال: فلا أدري في الثالثة أو في (٢) الرابعة. قال: فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلاَّ من حبسه القرآن، أي: وجب عليه الخلود (٣).
وذكر ابن خزيمة عن ابن عبد الحكم عن أبيه وشعيب بن الليث عن الليث، حدثنا معتمر (٤) بن سليمان، عن حميد، عن أنس، قال: " يلقى الناس يوم القيامة ما شاء الله أن يلقَوهُ من الحبس، فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم فيشفع لنا إلى ربنا "، فذكر الحديث إلى إن قال: " فينطلقون إلى محمدٍ - ﷺ -، فيقول: أنا لها، فأنطلِقُ حتى أستفتح باب الجنة، فيُفتح لي (٥)، فأدخلُ وربي على عرشه فأخرُّ ساجدًا وذكر الحديث (٦).
_________________
(١) في (ب) و(ج): قل.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٧٦) و(٦٥٦٥) و(٧٤١٠)، ومسلم (١٩٣)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٢٤٧ و٢٤٩، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ١٩١، واللالكائي ٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨. وقوله: " أي: وجب عليه الخلود " مدرج في الحديث من قول قتادة كما هو مبين في رواية البخاري ومسلم، وقد فسر به قتادة: " من حبسه القرآن " أي: من أخبر القرآن أنه يخلد في النار.
(٤) تحرف في (ش) إلى: معمر.
(٥) في (ج): لي باب الجنة.
(٦) هو في كتاب " التوحيد " ص ٣٠٣ من طريقين عن حماد بن مسعدة، حدثنا ابن عجلان، عن جُوثة بن عبيد، عن أنس بن مالك رفعه. وجوثه بن عبيد روى عنه عياش بن عباس، ومحمد بن عجلان، ونافع بن يزيد، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٤/ ١٢٠ وأرخ وفاته سنة ١٢٧ هـ فالسند حسن.
[ ٥ / ١٥٦ ]
وقال أبو (١) عوانة وابن أبي عروبة وهمام وغيرهم عن أنس في هذا الحديث: " فاستأذِنُ على ربي، فإذا رأيتُه، وقعت ساجدًا. وساقه ابن خزيمة بسياقٍ طويل، وقال فيه: فأستفتح، فإذا نظرت إلى الرحمن وقعت له ساجدًا.
ورؤية النبي - ﷺ - لربه في هذا المقام ثابتةٌ عنه ثبوتًا يقطع به أهل العلم بالحديث والسنة.
وفي حديث أبي هريرة (٢): " أنا أول من تنشق عني الأرض يوم القيامة، ولا فخر، أنا (٣) سيد ولد آدم ولا فخرٌ، وأنا صاحب لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، آخُذُ بحلقة باب الجنة، فيُؤذن لي، فيستقبلني وجهُ الجبَّار ﷻ، فأخرُّ له ساجدًا ".
وقال الدارقطني: حدثنا محمد بن إبراهيم النسائي المعدَّل بمصر، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القاضي، حدثنا أبو بكر إبراهيم بن محمد، حدثنا الخليل بن عصر الأشجُّ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنسٍ، عن النبي - ﷺ - في قولِ الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: النظر إلى وجه الله ﷿ (٤).
_________________
(١) تحرف في (ش) إلى: ابن.
(٢) هذا وهم من العلامة ابن القيم، تابعه عليه المصنف، صوابه: " وفي حديث أنس "، وهو في " المسند " ٣/ ١٤٤، و" سنن الدارمي " ١/ ٢٧ - ٢٨، وفي " السنن الكبرى " للنسائي كما في " تحفة الأشراف " ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٢٩٦ - ٢٩٧ من طرق عن الليث، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إني لأول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر وهذا سند قوي رجاله رجال الشيخين.
(٣) في (ب) و(ش): وأنا.
(٤) عبد الله بن محمد بن جعفر القاضي، قال الدارقطني في " سؤالات الحاكم " (١١٥) و(٢٦٤): كذاب يضع الحديث.
[ ٥ / ١٥٧ ]
حدثنا أبو صالح عبد الرحمن بن سعيد بن هارون الأصبهاني، ومحمد بن جعفر بن أحمد الطبراني، ومحمد بن علي بن إسماعيل الأيلي، قالوا: حدثنا عبد الله بن روحٍ المدائني، حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا ورقاءُ وإسرائيل وشعبة وجرير بن عبد الحميد، كلهم قالوا: حدثنا (١) ليثٌ عن عثمان بن أبي حُميد، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أتاني جبريل وفي كفِّه كالمرآة البيضاء يحملها، فيها كالنُّكتَة السوداء، فقلت: ما هذه التي في يدِكَ يا جبريل؟ فقال: هذه الجمعة، فقلت: وما الجُمعة؟ فقال: لكم فيها خيرٌ كبيرٌ. قلت: وما يكون لنا فيها؟ قال: تكون عيدًا لك ولقومك من بعدك، ويكون اليهود والنصارى تبعًا لكم، قلت (٢): وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها ساعة لا يسأل الله عبدٌ فيها شيئًا هو له قسمٌ (٣) إلاَّ أعطاه إياه، أو ليس له بقسمٍ إلاَّ ادَّخر لهُ في آخرته ما هو أعظم له منه. قلت: ما هذه النكتة التي فيها؟ قال: هي الساعة، ونحن ندعوه (٤) يوم المزيد، قلت: وما ذاك يا جبريل؟ قال: إن ربك اتَّخذ في الجنة واديًا فيه كُثبانُ المسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة هبط من عِلِّيِّين على كرسيه، فيُحَفُّ الكرسيُّ بكراسي من نورٍ، فيجيء النبيون حتى يجلسوا (٥) على تلك الكراسي، وتُحَفُّ الكراسي (٦) بمنابر من نورٍ ومن ذهبٍ مُكَلَّلةٍ بالجوهر، ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغرف من غُرفِهم حتى يجلسوا على تلك الكُثبان، ثم يتجلى لهم (٧) ﷿، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت علكيم نعمتي،
_________________
(١) سقطت من (ش).
(٢) في (ش): قال.
(٣) عبارة " هو له قسم " ساقطة من (ب).
(٤) في (ب) وندعوه.
(٥) في (أ): يجلسون.
(٦) في (ب): ويحف الكرسي.
(٧) في (ب): ربهم.
[ ٥ / ١٥٨ ]
وهذا محل كرامتي، فسلوني. فيسألون حتَّى (١) ننتهي رغبتهم، فيُفتح لهم في ذلك (٢) ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، وذلك بمقدار مُنْصرفِكُم من الجمعة. ثمَّ يرتفعُ على كرسيه ﷿. ويرتفع معه النبيون والصديقون، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي لؤلؤة بيضاء (٣) أو زبرجَدَةٌ خضراء، أو ياقوتةٌ حمراء، غُرفُها وأبوابها فيها، أنهارُها مُطَّرِدَةٌ فيها، وأزواجها وخدَّامها، وثمارُها متدلِّيَةٌ فيها، فليسوا إلى شيءٍ أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا نظرًا إلى ربِّهم، ويزدادوا منه كرامة (٤).
_________________
(١) في (ب): حتى.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) إسناده ضعيف. عثمان بن أبي حميد - واسم أبي حميد عُمير: ضعفه غير واحد، وقال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه. أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٠ - ١٥١، وابن جرير في " جامع البيان " ٢٦/ ١٧٥، والبزار (٣٥١٩)، والآجري في " الشريعة " ص ٢٦٥ من طريقين عن عثمان بن عمير، به. وأخرجه الشافعي في " المسند" ١/ ١٢٦، و" الأم " ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩ من طريق إبراهيم بن محمد، عن موسى بن عبيدة -وكلاهما ضعيف- عن أبي الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٧/ ٦٠٥، وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في " صفة الجنة "، وابن المنذر، والطبراني في " الأوسط "، وابن مردويه، والبيهقي في " الرؤية "، وأبي نصر السجزي في " الإبانة ". وأخرجه أبو يعلى (٤٢٢٨) بأخصر مما هنا عن شيبان بن فروخ، حدثنا الصَّعقُ بن خَزْنٍ، حدثنا علي بن الحكم البناني، عن أنس. وأورده الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٤٢١ - ٤٢٢ وقال: رواه البزار والطبراني في " الأوسط " بنحوه وأبو يعلى باختصار، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، وأحد إسنادي الطبراني، رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقد وثقه غير واحد، وضعفه غيرهم، وإسناد البزار فيه خلاف. قلت: عبد الرحمن بن ثابت: حسن الحديث. وانظر " المطالب العالية " ١/ ١٥٧ - =
[ ٥ / ١٥٩ ]
هذا حديثٌ كبيرٌ عظيم الشأن رواه أئمة السنة (١) وتلقَّوه بالقبول، وجَمَّلَ به الشافعي " مسنده " (٢). فرواه فيه عن إبراهيم بن محمد قال حدثني موسى بن عبيدة قال حدثني أبو الأزهر عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أنه سمع أنس بن مالك فذكره بنحوه. وقد تقدم لفظه.
قال الشافعي (٣): أخبرنا إبراهيم، قال حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد، عن أنس شبيهًا به، وزاد فيه أشياء (٤).
ورواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن أنس، به. وقال فيه: " ثم يتجلى (٥) لهم ربُّهم حتى ينظروا إلى وجهه الكريم " .. وذكر (٦) باقي الحديث.
ورواه عمر بن أبي قيسٍ (٧) عن أبي طيبة، عن عاصمٍ، عن عثمان بن عُميرٍ، عن (٨) أبي اليقظان، عن أنس وجوَّده وفيه: " فإذا كان يوم الجمعة، نزل على كرسيه، ثم حُفَّ الكرسى بمنابر من نور، فيجيء النبيون حتى يجلسوا عليها، ويجيء أهل الغُرَف حتى يجلسوا على الكُثُب، قال: ثم يتجلى لهم ربهم ﵎، فينظرون إليه، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محلُّ كرامتي، فسلُوني، فيسألونه الرِّضا، قال: رضاي أنزلكم داري، وأنالَكُم كرامتي، فسلوني (٩)، فيسألونه الرضا. قال: فيشهدهم
_________________
(١) = ١٥٩، وللحافظ ابن عساكر جزء سماه " القول في جملة الأسانيد الواردة في حديث يوم المزيد " بيَّن فيه وجوه الوهي فيها، وقال: إن لهذا الحديث عن أنس عدة طرق، في جميعها مقال.
(٢) في (أ): أئمة أهل السنة.
(٣) حديث رقم (٤٢٢) بترتيب الساعاتي.
(٤) رقم (٤٢٣).
(٥) من قوله: " وقد تقدم لفظه " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) في (ب): فيتجلَّى.
(٧) في (ج) وذكرنا.
(٨) في (ش): حدثنا ابن أبي قيس.
(٩) ساقطة من (ب).
(١٠) في (ش): فاسألوني.
[ ٥ / ١٦٠ ]
بالرضا، ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم وذكر الحديث.
ورواه علي بن حرب، حدثنا إسحاق بن سليمان، حدثنا عنبسة بن سعيد، عن عثمان بن عُمَيْرٍ.
ورواه الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد (١) ابن أخت سفيان الثوري، عن ليث ابن أبي سليم، عن عثمان، وقال فيه: " ثم يرتفع على كرسيِّه، ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، ويرجِعُ أهل الغُرَف إلى غُرَفِهِم ".
ورواه الدارقطني من طريق أخرى من حديث قتادة، عن أنس، قال: سمعته يقول: بينا نحن حول رسول الله - ﷺ - إذ (٢) قال: " أتاني جبريل في يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا يوم الجمعة يعرضه عليك ربك ليكون لك عيدًا ولأُمَّتك من بعدك قال: قلت: يا جبريل، ما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة، وهي تقوم يوم الجمعة، وهو سيد أيام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنة يوم المزيد. قال: قلت (٣): يا جبريل ولِمَ تدعوه يوم المزيد. قال: إن الله ﷿ اتخذ واديًا أفيح من مسكٍ أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل ربُّنا ﷿ على كرسيه إلى ذلك الوادي، وقد خُفَّ العرش بمنابر من ذهبٍ مُكَلَّلةٍ بالجوهر، وقد حُفَّت تلك المنابر بكراسي من نورٍ، ثم يُؤذن لأهل الغرف، فيُقبلون يخوضون كثبان المسك إلى الرُّكَبِ، عليهم أسورة الذهب والفضة وثياب السندس والحرير، حتى ينتهو إلى ذلك الوادي. فإذا اطمأنوا فيه جلوسًا، بعث الله عليهم ريحًا يقال لها: المُثيرة، فثارت (٤) ينابيع المسك الأبيض في وجوههم وثيابهم، وهم (٥)
_________________
(١) في (ش): " سليمان "، وهو خطأ.
(٢) في (أ): إذا.
(٣) في (ش): فقلت.
(٤) في (ش) فثارت عليهم من.
(٥) في (ب): فهم.
[ ٥ / ١٦١ ]
يومئذ جُرْدٌ، مُرْدٌ، مُكَحَّلون، أبناء ثلاث وثلاثين، على صورة آدم يوم خلقه ﷿، فينادي ربُّ العزة ﵎ رضوان -وهو خازن الجنة- فيقول: يا رضوان، ارفع الحُجُب بيني وبين عبادي وزُوَّاري. فإذا رفع الحجب بينه وبينهم، فرأوا بهاءه ونوره هُيِّئوا (١) له بالسجود، فيناديهم ﵎ بصوته: ارفعوا رؤوسكم، فإنما كاذت العبادة في الدنيا، وأنتم اليوم في دار الجزاء، سلوني ما شئتم، فأنا ربكم الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، فهذا محلُّ كرامتي، فسلوني ما شئتم، فيقولون: ربنا، وأيُّ خير لم تفعله بنا؟! ألستَ الذي أعنتنا على سكرات الموت، وآنست منا الوحشة في ظلمة القبور، وأمَّنت روعتنا عند (٢) النفخة في الصور؟ ألست (٣) أقلتنا عثراتنا (٤)، وسترت علينا القبيح من فعلنا، وثبَّتَّ على جسر جهنَّم أقدامنا؟ ألست الذي أدنيتنا من جوارك، وأسمعتنا لَذَاذَةَ منطقك، وتجلَّيت لنا بنورك؟ فأي خيرٍ لم تفعله بنا؟ فيعود الله ﷿، فيناديهم بصوته، فيقول: أنا ربكم الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، فسلُوني، فيقولون: نسألك رضاك، فيقول: برضاي عليكم: أقلتُكُم عثراتكم، وسترتُ عليكم القبيح من أموركم، وأدنيتُ مني جواركم، وأسمعتكم لذاذة منطقي، وتجليت لكم بنوري، فهذا محل كرامتي، فسلوني، فيسألونه (٥) حتى تنتهي (٦) مسائلهم، ثم يقول ﷿: سلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، ثم يقول ﷿: سلوني، فيقولون: رضينا ربنا وسلَّمنا، فيُريهم من مشهد فضله وكرامته ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، ويكود ذلك مقدار تفريقهم (٧) من الجمعة.
_________________
(١) في (ب): " هبوا "، وفي " حادي الأرواح ": " هموا ".
(٢) في (ب): يوم.
(٣) في (ش): لست الذي.
(٤) في (ش): عثرتنا.
(٥) في (ش): فيسألوه.
(٦) ساقطة من (أ).
(٧) في (ش): على مقدار تفرفهم.
[ ٥ / ١٦٢ ]
فقال أنسٌ: فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما مقدار تفرقهم؟ قال: كقدر الجُمعة إلى الجمعة (١) قال: ثم يحمل عرش ربنا ﵎ معهم الملائكة والنبيون، ثم يُؤذن لأهل الغرف، فيعودون إلى غرفهم، وهما غرفتان من زُمرُّدتين (٢) خضراوين، وليسوا في شيءٍ أشوق منهم إلى الجمعة لينظروا إلى ربهم ﷿، وليزيدهم من مزيد فضله وكرامته. قال أنس: سمعته من رسول الله - ﷺ - ليس بيني وبينه أحدٌ.
ورواه الدارقطني أيضًا عن أبي بكر النيسابوري، قال: أخبرني العبَّاس بن الوليد بن مَزْيَد (٣)، قال: أخبرني محمد بن شعيب، قال: أخبرني عمر مولى غُفرة، عن أنس (٤).
ورواه محمد بن خالد بن خليّ (٥)، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا صفوان، قال: قال أنسٌ: قال رسول الله - ﷺ - (٦)
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث، عن عثمان بن عُمير (٧) عن أنس (٨)
_________________
(١) من قوله: " فقال أنس " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) في " الأصول ": زمردتان خضراوان "، وهو خطأ.
(٣) تحرف في (أ) و(د) و(ش) إلى: " مرثد "، وتحرف في (ب) و(ج) إلى " زيد "، وفي " الروح ": يزيد.
(٤) إسناده ضعيف عمر مولى غُفرة -وهو عمر بن عبد الله المدني مولى غفرة- قال الحافظ في " التقريب ": ضعيف كثير الإرسال.
(٥) في الأصول: ورواه عمر عن خالد بن جلي، وهو تحريف، والمثبت من " حادي الأرواح "، وقد تحرفت فيه " خلي " إلى " جني ".
(٦) محمد بن خالد بن خلي صدوق ومن فوقه من رجال الصحيح.
(٧) تحرف في (ش) إلى: أبي عمير.
(٨) المصنف ٢/ ١٥٠.
[ ٥ / ١٦٣ ]
حديث بريدة بن الحصيب
حديث أبي رزين العقيلي
ورواه إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزيمة، عن زهير بن حرب، حدثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن عثمان بن حُميد، عن أنس
ورواه عن الأسود بن عامر، قال: ذكر لي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أنس (١).
ورواه ابن بطة (٢) في " الإبانة " من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة (٣) وسيأتي سياقه، وقد جمع ابن أبي داود طُرُقَهُ.
فصل: وأما حديث بريدة بن الحصيب، فقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا أبو خالد عبد العزيز بن أبان القُرشي، حدثنا بشير (٤) بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما منكم من أحدٍ إلاَّ سيخلو الله به يوم القيامة ليس بينه وبينه حجاب ولا تَرْجُمان " (٥).
فصل: وأما حديث أبي رزين العُقيلي، فرواه الإمام أحمد من حديث شعبة
_________________
(١) إسناده ضعيف لضعف شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، وضعف أبي اليقظان عثمان بن أبي حميد.
(٢) هو الإمام القدوة، العابد الفقيه المحدث، شيخ العراق، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي المتوفى (٣٨٧) هـ. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٥٢٩.
(٣) رواه عن الأعمش القاسم بن مطيب كما سيأتي، وهو متروك.
(٤) تحرف في الأصول إلى: بشر.
(٥) إسناد ضعيف جدًا. عبد العزيز بن أبان: متروك، وكذبه ابن معين وغيره. وأخرجه ابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٥٠ من طريق علي بن سلمة اللَّبَقِي حفظًا، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما منكم من أحدٍ إلاَّ وسيُكَلِّمُه ربُّه ليس بينه وبينه حِجابٌ ولا تَرجُمان " إسناده على شرط مسلم غير علي بن سلمة، وهو صدوق.
[ ٥ / ١٦٤ ]
وحماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدس، عن أبي رزين، قال: قلنا يا رسول الله، أكلُّنا يرى ربه ﷿ يوم القيامة؟ قال: " نعم " قلت: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: " أليس كلَّكم ينظر إلى القمر ليلة البدر؟ قلنا: نعم. قال: " الله أكبر وأعظم " (١)، قال عبد الله: قال أبي: والصواب حُدُس (٢).
وقال أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد ابن سلمة، به.
فقد اتفق شعبة، وحماد بن سلمة، وحسبُك بهما على روايته (٣) عن يعلى ابن عطاء ورواه الناس عنهما، وعن أبي رزين فيه إسناد آخر، قد تقدم ذكره في حديثه الطويل، وأبو رزين العُقيلي له صحبة، وعِدادُه من أهل الطائف، وهو لقيط بن عامر، ويقال: لقيطُ بن صَبِرَة، هكذا قال البخاري (٤) وابن أبي حاتم (٥) وغيرهما، وقيل: هما اثنان، ولقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة، والصحيح الأول.
وقال ابن عبد البر (٦) [فمن] قال لقيط بن صبرة: نسبه إلى جده، وهو لقيطُ
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ١١ و١٢، وابنه عبد الله في " السنة ": (٢٥٧) و(٢٥٨) و(٢٦١) و(٢٦٥) و(٢٦٦) و(٢٦٧)، وابن ماجه (١٨٠)، وأبو داود (٤٧٣١) والطيالسي (١٠٩٤)، والطبراني ١٩/ (٤٦٥) و(٤٦٦)، وابن أبي عاصم (٤٥٩) و(٤٦٠). ووكيع بن عدس: مقبول، وقد توبع عليه عند أحمد ٤/ ١٣ - ١٤، وابن خزيمة ص ١٨٦ بسند ضعيف فيتقوى به.
(٢) في " التقريب ": عُدُس بمهملات وضم أوله وثانيه، وقد يفتح ثانيه، ويقال بالحاء بدل العين.
(٣) في (ش): رواية.
(٤) في " التاريخ الكبير " ٧/ ٢٤٨.
(٥) في " الجرح والتعديل " ٧/ ١٧٧.
(٦) في " الاستيعاب " ٣/ ٣٠٥ وما بين حاصرتين منه.
[ ٥ / ١٦٥ ]
حديث جابر بن عبد الله
ابن عامر بن صبرة.
فصل: وأما حديث جابر بن عبد الله: فقال الإمام أحمد، حدثنا روح (١)، حدثنا ابن جريج (٢)، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمِع جابرًا يسأل عن الورود، فقال: نجيءُ (٣) يوم القيامة على كذا وكذا أي فوق الناس - فتُدْعَى الأمم بأوثانها، وما كانت تعبُدُ: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربَّنا، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك.
فيتجلى لهم ﵎ يضحك. قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطي كل إنسان (٤) منهم، منافقٍ أو مؤمنٍ نورًا، ثم يتبعونه على جسر جهنم، وعليه كلاليب وحَسَكٌ تأخذ من شاء (٥) الله تعالى، ثم يُطْفَأ نورُ المنافق، ثم ينجو المؤمنون.
فتنجو أوَّل زُمرةٍ، وجوهُهُم كالقمر ليلة البدر، وسبعون ألفًا لا يُحاسَبُون، ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تَحِلُّ الشفاعة حتى يخرج من النار من يقول (٦): لا إله إلاَّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبُتُوا نبات الشيء في السيل، ويذهب حُراقُه، ثم يسأل، حتى يجعل الله له الدنيا وعشرة (٧) أمثالها معها " رواه مسلم في " صحيحه " (٨).
_________________
(١) " حدثنا روح " ساقطة من (ش).
(٢) تحرف في " السنة " لعبد الله بن أحمد إلى: " خديج "، وفي " حادي الأرواح " حدثنا روح ابن جريج.
(٣) في " السنة " و" المسند " و" حادي الأرواح ": " نحن "، وفي " صحيح مسلم ": نجيء نحن.
(٤) في (ش): أناس.
(٥) في (ج): " ما شاء "، وفي (ش): من يشاء.
(٦) في (ب) و(ش) و" السنة " و" حادي الأرواح ": قال.
(٧) في (ب) و(ج) و(ش): وعشر.
(٨) أخرجه أحمد في " المسند " ٣/ ٣٨٣، وابنه عبد الله في " السنة " (٢٦٩)، ومسلم (١٩١). وأخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة ٣/ ٢٤٥.
[ ٥ / ١٦٦ ]
وهذا الذي وقع في الحديث من قوله: كذا كذا قد جاء مفسرًا في رواية صحيحة ذكرها عبد الحق (١) في " الجمع بين الصحيحين ": نجيء يوم القيامة على تلٍّ مشرفين على الخلائق.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا رباح بن زيد، قال: حدثني ابن جريج، قال: أخبرني زيادُ بن سعد أن أبا الزبير أخبره عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يتجلى لنا الرب ﵎ ننظر إلى وجهه، فيَخِرُّون له سُجَّدًا، فيقول ارفعوا رؤوسكم، فليس هذا بيوم عبادةٍ " (٢).
وقال الدارقطني: أخبرنا أحمد بن عيسى بن السَّكن، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر بن يونس، (٣) حدثنا محمد بن شرحبيل الصنعاني، قال: حدثني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يتجلَّى لنا ربنا ﷿ يوم القيامة ضاحكًا ".
وروى أبو قُرَّة عن مالك بن أنسٍ، عن زياد بن سعد، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: " إذا كان يوم القيامة، جُمعت الأمم " فذكر الحديث. وفيه: " يقول: أتعرفون الله ﷿ إن رأيتموه، فيقولون: نعم (٤)
_________________
(١) هو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الأندلسي الإشبيلي المعروف بابن الخراط، كان فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة والتقلل من الدنيا، صاحب مصنفات، وكتابه " الجمع بين الصحيحين " الذي ينقل عنه المصنف عمله بلا إسناد على ترتيب " صحيح مسلم "، ولم يطبع بعد. توفي سنة ٥٨٢ هـ. انظر ترجمته في " السير " ٢١/ ١٩٨.
(٢) رجاله ثقات.
(٣) قال الذهبي في " الميزان " ١/ ١٤٣: كذبه أبو حاتم وابن صاعد، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال مرة: متروك، وقال ابن عدي: حدّث عن الثقات بمناكير. ومحمد بن شرحبيل الصنعاني: ضعفه الدارقطني كما في " الميزان " ٣/ ٥٧٩.
(٤) " فيقولون نعم " ساقطة من (ش).
[ ٥ / ١٦٧ ]
فيقول: وكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عِدْلَ له. قال: فيتجلَّى لهم ﵎، فيخرون له سُجَّدًا (١).
وقال ابن ماجه في " سننه " (٢)، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصمٍ العَبَّاداني، عن فضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سَطَعَ لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قوله ﷿: ﴿سلامٌ قولًا من ربٍّ رحيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. فلا يلتفتون إلى شيءٍ مِمَّا هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى فيهم بركته ونوره ".
وقال: حربٌ (٣) في " مسائله ". حدثنا يحيى بن أبي حزم، حدثنا يحيى بن محمد أبو عاصم العباداني، فذكره، وعند البيهقي في هذا الحديث سياقٌ آخر، رواه أيضًا من طريق العباداني عن الفضل بن عيسى، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " بينا أهل الجنة في مجلس لهم، إذ سطع لهم نورٌ على باب الجنة فيرفعون رؤوسهم، فإذا الرب ﵎ قد
_________________
(١) رجاله ثقات، وأبو قرة: هو موسى بن طارق الزبيدي.
(٢) رقم (١٨٤) وهو في " مسند البزار " (٢٢٥٣)، والآجري في " الشريعة " ص ٢٦٧، و" أصول الاعتقاد " (٨٣٦). وإسناده ضعيف. الفضل بن عيسى الرقاشي. ضعفه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي وغيرهم، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، في حديثه بعض الوهن ليس بقوي، وقال ابن عدي: الضعف بيِّنٌ على ما يرويه.
(٣) هو حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، قال عنه أبو بكر الخلال: كان رجلًا جليلًا، و" مسائله " هذه التي ينقل عنها ابن القيم قد سمعها من الإمام أحمد ودوَّنها، وسمعها منه أبو بكر الخلال، وقاله. إنها أربعة آلاف مسألة. انظر ترجمته في " طبقات الحنابلة " ١/ ١٤٥، و" المنهج الأحمد " ١/ ٣٩٤.
[ ٥ / ١٦٨ ]
أشرف، قال: يا أهل الجنة سلوني، قالوا: نسألك الرضا عنا، قال: رضاي: أحَلَّكم داري، وأنالكم كرامتي هذا (١) أوانها، فسلوني. قالوا: نسألك الزيادة قال: فيؤتَون بنجائب من ياقوتٍ أحمر، أزِمَّتُها زمرُّدٌ أخضر، وياقوت أحمر، فجاؤوا عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها، فيأمر الله ﷿ بأشجارٍ عليها الثمار فتجيء جواري الحور العين (٢)، وهنَّ يقُلن: نحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الخالدات، فلا نموت، أزواج قومٍ مؤمنين (٣) كرام، ويأمر الله ﷿ بكُثبانٍ من مسكٍ أبيض أذفر، فيُثير (٤) عليهم ريحًا يقال لها: المثيرة حتَّى تنتهي بهم إلى جنة عدنٍ، وهي قصبة الجنة، فتقول الملائكة: يا ربنا، قد جاء القوم، فيقول: مرحبًا بالصادقين (٥)، مرحبا بالطائعين. قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون الله ﵎، فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا ينظر بعضهم بعضًا، ثم يقول: أرجعوهم إلى قصورٍ (٦) بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضًا.
فقال رسول الله - ﷺ - فذلك قوله تعالى: ﴿نُزُلًا من غَفُورٍ رحيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] رواه في كتاب " البعث والنشور " (٧) وفي كتاب " الرؤية ". قال: وقد مضى في هذا الكتاب، وفي كتاب " الرؤية " ما يؤكد هذا الخبر.
وقال الدارقطني: حدثنا الحسن بن إسماعيل، حدثنا أبو الحسن علي بن عبدة، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال النبي - ﷺ -: " إن الله ﷿ يتجلى للناس عامة، ويتجلى لأبي بكرٍ خاصةً " (٨).
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) في " البعث والنشور ": جوارٍ من الحور العين.
(٣) ليست في " البعث ".
(٤) في (ج): فينثر، وفي (ش): فتثير.
(٥) قوله: " مرحبًا بالصادقين " ساقط من (ب).
(٦) في (ج) و(ش): قصورهم.
(٧) رقم (٤٤٨)، وإسناده ضعيف كسابقه.
(٨) موضوع، آفته على بن عبدة، قال الدارقطني: كان يضع الحديث. =
[ ٥ / ١٦٩ ]
حديث أبي أمامة
فصل: وأما حديث أبي أمامة، فقال ابن وهب: أخبرني يونس بن يزيد عن عطاءٍ الخُراساني، عن يحيى بن أبي (١) عمرو الشيباني، عن عمرو بن عبد الله
_________________
(١) = وأخرجه الخطيب في " تاريخه " ١٢/ ١٩، ومن طريقه ابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ٣٠٦ أخبرني الأزهري، حدثنا علي بن عمر الدارقطني، بهذا الإسناد. وقال وهو باطل. ثم أخرجه من طريق أبي حامد أحمد بن علي بن حسنويه المقرىء، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا ابن أبي ذئب، به. وقال: وهذا باطل أيضًا، والحمل فيه على أبي حامد بن حسنويه، فإنه لم يكن ثقة، ونرى أن أبا حامد وقع إليه حديث علي بن عبدة، فركبه على هذا الإسناد. وأخرجه ابن عدي في " الكامل " ٥/ ١٨٥٨، والذهبي في " الميزان " ٣/ ١٢٠ من طرق عن علي بن عبدة، به وقال ابن عدي: هذا حديث باطل بهذا الإسناد، وقال الذهبي: أقطع بأنه من وضع هذا الشويخ على القطان. وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١١ - ١٢، والحاكم ٣/ ٧٨ من طريقين عن محمد بن خالد الختلي، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر. وقال أبو نعيم: هذا حديث ثابت رواته أعلام، تفرد به الختلي عن كثير. وأورده السيوطى في " اللآلالىء " ١/ ٢٨٧ من رواية أبي نعيم، وقال: تفرد به محمد بن خالد، وهو كذاب. وقال الذهبي: تفرد به محمد بن خالد الختلي، وأحسبه وضعه. وأخرجه أيضًا أبو نعيم ٥/ ١١ من طريق محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر. وقال: غريب من حديث محمد. وللحديث شواهد لا يفرح بها انظرها في " اللآلالىء المصنوعة " ١/ ٢٨٦ - ٢٨٨، و" تاريخ الخطيب " ٢/ ٣٨٨ و١١/ ٢٥٤ - ٢٥٥، و" الموضوعات " ١/ ٣٠٤ - ٣٠٨. قال الإمام ابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ٣٠٣: وقد تعصب قوم لا خلاق لهم يدَّعون التمسك بالسنة، فوضعوا لأبى بكر فضائل، وفيهم من قصد معارضة الرافضة بما وضعت لعلي ﵇، وكلا الفريقين على الخطأ، وذانك السيدان غنيان بالفضائل الصحيحة الصريحة عن استعارة وتخرص.
(٢) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ١٧٠ ]
حديث زيد بن ثابت
الحضرمي، عن أبي أُمامة، قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - يومًا فكان أكثر خطبته ذكر الدجال، يحذِّرُنَاه، ويحدثنا عنه، حتي فرغ من خطبته فكان فيما قال لنا يومئذٍ: " إن الله ﷿ لم يبعث نبيًا إلاَّ حذَّره (١) أمته وإني آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارجٌ فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين أظهركم، فأنا حجيح كل مسلم، وإن يخرج فيكم بعدي، فكل امرىءٍ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه يخرج من خَلَّةٍ بين العراق والشام عاث يمينًا وعاث شمالًا. يا عباد الله، اثبتوا، فإنه (٢) يبدأ فيقول: أنا نبي. ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولن تَرَوْ ربكم حتى تموتوا، وإنه مكتوبٌ بين عينيه " كافر " يقرؤه كل مؤمن (٣)، فمن لقيه منكم (٤)، فليتفُلْ في وجهه، وليقرأ بفواتح سورة أصحاب (٥) الكهف، وإنه يُسلَّط (٦) على نفس من بني آدم فيقتلها ثم يحييها، وانه لا يعدو ذلك، ولا يُسلَّط على نفسٍ غيرها، وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فنارُه جنة، وجنته نارٌ، فمن ابتُلِيَ بناره فليُغمض عينيه، وليستغث بالله تكون (٧) بردًا وسلامًا، كما كانت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وإن أيامه أربعون يومًا: يومًا كسنة، ويومًا كشهرٍ، ويومًا كجمعةٍ، ويومًا كالأيام، وآخر أيامه كالسراب، يصبح الرجل عند باب المدينة، فيُمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر " قالوا: فكيف نُصَلِّي يا رسول الله في تلك الأيام؟ قال: تقدُرُون فيها كما تقدرون في الأيام الطِّوال (٨).
_________________
(١) في (ج) و(ش): حذر.
(٢) في (ب) و(ج) و(ش): وإنه.
(٣) في (ش): مؤمن منكم.
(٤) قوله: " فمن لقيه منكم " ساقط من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب): سلط.
(٧) عند ابن ماجه: فتكون.
(٨) إسناده ضعيف. عمرو بن عبد الله الحضرمي لم يوثقه غير ابن حبان ولم يرو عنه غير يحيى. =
[ ٥ / ١٧١ ]
ورواه الدارقطني عن ابن صاعد، عن أحمد بن الفرج، عن ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو به مختصرًا.
فصل: وأما حديث زيد بن ثابت: فقال الإمام أحمد: حدثنا أبو (١) المغيرة، قال: حدثني أبو بكر، قال: حدثني ضمرة بن حبيب، عن زيد بن ثابت، أن رسول الله - ﷺ - علَّمه دعاء، وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، قال: " قل كل يوم حين تصبح: لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك، ومنك وإليك، اللهم ما قلتُ من قول أو نذرتُ من نذرٍ أو حلفتُ من حَلفٍ، فمشيئتك ببن يديه، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك، إنك على كل شيءٍ قدير اللهم وما صليت من صلاةٍ، فعلى من صليت، وما لعنت من لعنة، فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلمًا، وألحقني بالصالحين، أسألك اللهم الرضا بعد القضاء، وبَرْدَ العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلي لقائك من غير ضرَّاء مضرَّة، ولا فتنةٍ مضلَّةٍ، أعوذ بك -اللهم- أن أظلِمَ أو أُظلم، أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، أو أكسِبَ خطيئةً مُحبطًة، أو ذنبًا لا يُغفر.
اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأشهدك - وكفى بك شهيدًا
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي عاصم (٤٢٩)، والآجري ص ٣٧٥ - ٣٧٦، واللالكائي (٨٥١)، وأبو داود (٤٣٢٢)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٨٥، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٨٦٤) كلهم من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني به. وقد تصحف " السيباني " في أكثر من موضع إلى: " الشيباني ". وأخرجه ابن ماجه مطولًا (٤٠٧٧) من طريق إسماعيل بن رافع، عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي أمامة وسقط من إسناده عمرو بن عبد الله الحضرمي.
(٢) في (ش): " بن " وهو تحريف.
[ ٥ / ١٧٢ ]
حديث عمار بن ياسر
أني أشهد أنه لا إله إلاَّ أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك، ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حقٌ (١)، والساعة آتية لاريب فيها، وأنت تبعث من في القبور، وأشهد أنك إن تَكِلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعةٍ (٢) وعورةٍ وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلاَّ برحمتك، فاغفر لي ذنبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم " (٣). رواه الحاكم في " صحيحه " (٤).
فصل: وأما حديث عمار بن ياسر، فقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق الأزرق عن شريك، عن أبي هاشم، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: صلى بنا عمار، فأوجز، فأنكروا ذلك، فقال: ألم أُتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلى. قال (٥): أمَّا إني قد دعوت فيها بدعاءٍ كان رسول الله - ﷺ - يدعو به: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة
_________________
(١) " والجنة حق " ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): ضعف.
(٣) إسناده ضعيف. أبو بكر -وهو ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي- ضعيف، وكان قد سُرِقَ بيته فاختلط. وأخرجه أحمد ٥/ ١٩١، والحاكم ١/ ٥١٦، واللالكائي (٨٤٦) من طريق أبي بكر، به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه هكذا، فتعقبه الذهبي بقوله: أبو بكر ضعيف فأين الصحة. ووقع عند اللالكائي: " حبيب بن عبيد بن صهيب " بدل " ضمره بن حبيب بن صهيب ". تنبيه: وقع في " المسند " المطبوع زيادة " عن أبي الدرداء " بين ضمرة بن حبيب وزيد بن ثابت.
(٤) في وصف " مستدرك الحاكم " بالصحيح تساهل غير مرضي، وقد وقع هذا لابن القيم ﵀ في غير موضع من تآليفه، ولا أظنه يخفى عليه أن في " المستدرك " أحاديث كثيرة ضعافًا، ومنها ما هو موضوع.
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ١٧٣ ]
حديث عائشة
خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنا، ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرةٍ، ولا فتنةٍ مضلة، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مهتدين (١).
وأخرجه ابن حبان والحاكم في " صحيحيهما ".
فصل: وأما حديث عائشة ففي " صحيح الحاكم " من حديث الزهري، عن عُروة عنها قال: قال رسول الله - ﷺ - لجابر: " يا جابر، ألا أبشِّرُك "؟ قال: بلى بشرك الله بخيرٍ. قال: أشعرت (٢) الله أحيا أباك، فأقعده (٣) بين يديه، فقال تمنَّ (٤) علي عبدي ما شئت أعطكَهُ (٥)، قال: يا ربِّ، ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى عليك أن تَرُدَّني إلى الدنيا، فأقاتل مع نبيك فأُقتَلَ (٦) فيك مرة أخرى. قال: إنه قد سلف مني أنك إليها لا ترجع (٧).
_________________
(١) شريك: هو ابن عبد الله القاضي، سيء الحفظ، لكن يقوى حديثه بالمتابعات، وهذا منها. وأخرجه أحمد ٤/ ٢٦٤، والنسائي ٣/ ٥٣، وابن أبي شيبة ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥ من طرق عن شريك، بهذا الإسناد. وأبو هاشم: يحيى بن دينار الرماني، وأبو مجلز: لاحق بن حميد السدوسي. وأخرجه النسائي ٣/ ٥٤ - ٥٥، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٢ وابن حبان (١٩٧١)، والحاكم ١/ ٥٢٤ وغيرهم من طرق عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عمار. وهذا سند قوي، فإن حماد بن زيد سمع من عطاء قبل اختلاطه.
(٢) من قوله: " عائشة " إلى هنا بياض في (ج).
(٣) في (ج): فأوقفه.
(٤) في الأصول: " تمنَّى "، والمثبت من (ش) و" المستدرك ".
(٥) في (ب) و" المستدرك ": أعطيكه.
(٦) عبارة " مع نبيك فأقتل " ساقطة من (ش).
(٧) هو في " مستدرك الحاكم " ٣/ ٢٠٣ وصححه فتعقبه الذهبي بإثره فقال: فيض -وهو ابن =
[ ٥ / ١٧٤ ]
حديث عبد الله بن عمر
وهو في " المسند " من حديث جابر، وفي " المسند " أدخله.
وللترمذي فيه سياق أتمُّ من هذا عن جابر، قال: لما قُتِلَ عبد الله بن عمرو ابن حرامٍ يوم أحد، قال رسول الله - ﷺ -: " يا جابر، ألا أخبرك ما قال الله ﷿ لأبيك "؟ قال: بلى. قال: " ما كلَّم أحدًا إلاَّ من وراء حجابٍ، وكلم أباك كِفَاحًا، فقال: يا عبد الله تَمَنَّ (١) عليَّ أُعطك (٢). قال: يا ربِّ، تحييني فأُقتل فيك ثانيةً، قال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب، فأبلغ مَنْ ورائي، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]. قال الترمذي (٣) هذا حديث حسن غريب.
قلت: وإسناده صحيح رواه الحاكم في " صحيحه ".
فصل: وأما حديث عبد الله بن عمر، فقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد (٤) عن شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير (٥) بن أبي فاختة.
_________________
(١) = وثيق راويه عن الزهري- كذاب، ونقل في " ميزانه " قول ابن معين فيه: كذاب خبيث، ثم استدرك، فقال: روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وهو مقارب الحديث إن شاء الله. وحديث جابر عند أحمد في " المسند " ٣/ ٣٦١ عن علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. وهذا سند حسن.
(٢) في الأصول: " تمنّى "، والمثبث من (ش).
(٣) في (أ) و(ب)، أعطيك.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠) و(٢٨٠٠)، والحاكم ٣/ ٢٠٤ والطبري في " جامع البيان " ٧/ (٨٢١٤)، وابن إسحاق في " السيره " ٣/ ١٢٧. وقوله: " كفاحًا " أي: مقابلةً ومواجهةً.
(٥) تحرفت هذه الجملة في الأصول: قال أحمد: حدثنا عبد الله بن جميل، والتصحيح من " حادي الأرواح ".
(٦) تحرف في الأصول إلى: ثور.
[ ٥ / ١٧٥ ]
وقال الطبراني: حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم، عن عبد الملك بن أبجر، عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في مُلكه ألفي سنةٍ يرى أقصاه مثل ما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه، وسُرُره، وخدَمِه، وإن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه الله ﵎ كل يوم مرتين " (١).
قال الترمذي: وروي هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل، عن ثوير، عن ابن عمر مرفوعًا.
ورواه عبد الملك بن أبجر، عن ثُويرٍ، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا.
وروى الأشجعي عبيد الله، عن الثوري، عن ثوير، عن مجاهد (٢)، عن ابن عمر قوله، ولم يرفعه، حدثنا بذلك أبو كريب، حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ثوير عن مجاهد، عن ابن عمر، نحوه ولم يرفعه.
قلت: رواه الحسن بن (٣) عرفة، عن شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير، عن ابن عمر مرفوعًا، وزاد فيه، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤).
وقال (٥) سعيد بن هُشيم بن بشير، عن أبيه، عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يوم القيامة أول يومٍ نظرت فيه عينٌ إلى
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٥٣) و(٣٣٣٠)، وأحمد ٢/ ١٣ و٦٤، واللالكائي (٨٤٠) و(٨٤١)، والآجري ص (٢٦٩) وفيه عند الجميع: ثوير بن أبي فاختة، وهو مجمع على ضعفه.
(٢) " عن مجاهد " ساقطة من (ش).
(٣) تحرفت في (ش) إلى: عن.
(٤) إسناده ضعيف كسابقه.
(٥) في الأصول: " فقال "، والمثبت من (ب) و" حادي الأرواح ".
[ ٥ / ١٧٦ ]
الله ﵎" (١).
رواه الدارقطني عن جماعةٍ، عن أحمد بن يحيى بن حيَّان الرَّقِّي عن إبراهيم بن خرّزاد (٢)، عنه.
وقال الدارقطني، حدثنا أحمد بن سليمان (٣)، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا أبو شهاب الحنَّاط، عن خالد بن دينار، عن حماد بن جعفر، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " ألا أخبركم بأسفل أهل الجنة "؟ قالوا: بلى يا رسول الله ". فذكر الحديث إلى أن قال: " حتى إذا بلغ النعيم منهم كُلَّ مبلغٍ، وظنوا أن لا نعيم أفضل منه، أشرف الرب ﵎ عليهم، فينظرون إلى وجه الرحمن ﷿، فيقول: يا أهل الجنة، هلِّلُوني، وكبِّروني وسبِّحوني بما (٥) كنتم تهللوني وتكبروني
_________________
(١) سنده ضعيف جدًا. سعيد بن هشيم: لا يعرف بتوثيق ولا بجرح، وكوثر بن حكيم -وقد تحرف في غير (ش) إلى: كريز- متروك. وأخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٠/ ٣٥٢ من طريق أحمد بن يحيى بن حيان الرقي، عن إبراهيم بن خرّزاذ، عن سعيد بن هشيم، بهذا الإسناد.
(٢) قال ابن خلكان في " وفيات الأعيان " ٧/ ٧٦: وخرزاذ: بضم الخاء المعجمة والراء المشددة وبعدها زاي وبعد الألف ذال معجمة. قلت: هكذا يضبط أهل الحديث هذا الاسم، وهو لفظ أعجمي، وتفسير " زاذ " بالعربي: " ابن "، وأما " خُرَّ " بتشديد الراء، فليس له معنى، إلاَّ أن يكون أهل العربية قد غيَّروه كما جرت عادتهم في ذلك، فيكون أصله " خار " بالألف، وهو الشوك، فيكون خارزاذ معناه: ابن الشوك .. وعلى الجملة فإنهم يتلاعبون بالأسماء العجمية. ثم وجدت في كتاب " البلدان " تأليف البلاذري: ومعنى أردشير خره: ولد أردشير بها .. وعلى هذا يكون معنى خُرزاذ: بها وُلد، كما هو عادتهم في التقديم والتأخير.
(٣) في (ج) و(ش) و" حادي الأرواح ": سليمان.
(٤) ساقطة من (أ).
(٥) في (ب): كما.
[ ٥ / ١٧٧ ]
وتسبحوني في دار الدنيا، فيتجاوبون بتهليل الرحمن، فيقول ﵎ لداود: يا داود، قم فمجِّدني، فيقوم داود. فيمجد ربَّه ﷿" (١).
وقال عثمان بن سعيد الدارمي (٢) في رده على بشر المريسي (٣): حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي شهاب الحنَّاط، عن خالد بن دينار، عن حماد بن جعفر، أن ابن عمر رفعه إلى النبي - ﷺ -: " إن أهل الجنة إذا بلغ منهم النعيم كل مبلغ، وظنوا أن لا نعيم أفضل منه، تجلى لهم الرب ﵎، فنظروا (٤) إلى وجه الرحمن، فنسوا كل نعيمٍ عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن (٥).
وخرَّج الحاكم في " المستدرك " في تفسير سورة الأنعام (٦) من حديث عُبيد المُكتِبِ، عن مجاهد، عن ابن عمر "أن الله احتجب من الخلق بأربعة: بنارٍ
_________________
(١) حماد بن جعفر: ليس له رواية عن الصحابة. قال الحافظ في " التقريب " فيه لين.
(٢) هو الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد أبو سعيد التميمي الدارمي قال عنه أبو زرعة الرازي: ذاك رُزِقَ حسنَ التصنيف، أما كتابه في الرد على بشر المريسي، فهو من أجلِّ الكتب المصنفة في بابها وأنفعها، إلاَّ أنه اشتمل على ألفاظ منكرة أطلقها على الله، كالجسم والحركة والمكان والحيز، دعاه إليها عنف الرد وشدة الحرص على إثبات صفات الله وأسمائه التي كان يُبالغ بشر المريسي في نفيها، وكان يجمل به أن لا يتفوه بها، وينهج منهج السلف في الاقتصار على إثبات ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة في باب الصفات. قال الإمام الذهبي في كتابه هذا: فيه بحوث عجيبة مع المريسي يبالغ فيها في الإثبات، والسكوت عنها أشبه بمنهج السلف في القديم والحديث. انظر ترجمته في " السير " ١٣/ ٣٢٠.
(٣) ص ٥١٨ - ٥١٩ ضمن مجموع عقائد السلف.
(٤) في (ش): فينظرون.
(٥) هو كسابقه.
(٦) بل هو في تفسير سورة الأعراف، كما هو في " المستدرك " ٢/ ٣١٩، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ٥ / ١٧٨ ]
حديث عمارة بن رويبة
وظُلمَةٍ ونورٍ وظلمةٍ". وقال: صحيح الإسناد (١).
فصل. وأما حديث عمارة بن رُويبة، فقال ابن بطة في " الإبانة ": حدثنا عبد الغافر بن سلام الحمصي، حدثنا محمد بن عوف بن سفيان الطائي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن أبي بكر بن عُمارة (٢) بن رُويبة، عن أبيه، قال: نظر النبي - ﷺ - إلى القمر ليلة البدر، فقال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضارُّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبُوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا (٣) ".
قال ابن بطة: وأخبرني أبو القاسم عمر بن أحمد، عن أبي بكر أحمد بن هارون، حدثنا عبد الرزاق بن منصور، حدثنا المغيرة، حدثنا المسعودي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة، عن أبيه، قال: نظر رسول الله - ﷺ - إلى القمر ليلة البدر، فقال: " إنكم سترون الله (٤) ﵎ كما ترون هذا القمر لا تُضامون (٥) في رؤيته، فإن استطعتم ألاَّ تغلبوا على ركعتين
_________________
(١) من قوله: " وخرج الحاكم " إلى هنا لم يرد في المطبوع من " حادي الأرواح "، ويغلب على الظن أنه مما أضافه المصنف.
(٢) في (ج) و(ش) عن أبي بكر، عن ابن عمار، وهو تحريف.
(٣) إسناده ضعيف. إسماعيل بن عياش الحمصي: ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، وعبد الرحمن بن عبد الله: هو المسعودي، رمي بالاختلاط، وهو حديث صحيح لغيره. فقد أخرجه مسلم في " صحيحه " بهذا اللفظ (٦٣٣) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله وقد جاء بيان المراد من الصلاتين في صحيح مسلم (٦٣٤) من طرق عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " يعني الفجر والعصر.
(٤) في (ش): ربكم الله.
(٥) في (ج): تضارون.
[ ٥ / ١٧٩ ]
حديث سلمان الفارسي
حديث حذيفة بن اليمان
قبل طلوع الشمس، ولا ركعتين قبل غروبها، فافعلوا " (١).
فصل: وأما حديث سلمان الفارسي فقال أبو معاوية: حدثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي، قال: يأتون النبي - ﷺ - فيقولون: يا نبيَّ الله، إن الله فتح بك، وختم بك، وغفر لك، قم، فاشفع لنا إلى ربك.
فيقول: نعم، أنا صاحبكم، فيخرج يحوش الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة، فيأخذ بحلقة الباب، فيقرع، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد. قال: فيفتح له، فيجيء حتى يقوم بين يدي الله، فيستأذن في السجود فيؤذن له الحديث (٢).
فصل: وأما حديث حذيفة بن اليمان، فقال ابن بطة: أخبرني أبو القاسم عمر بن أحمد، عن أبي بكر أحمد بن هارون، حدثنا يزيد بن جمهور، حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، حدثنا أبي، عن إبراهيم بن المبارك، عن القاسم بن مطيَّب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان (٣).
وقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، وأحمد بن عمرو بن عُبيدة العُصفري، قالا: حدثنا يحيى بن كثير، حدثنا إبراهيم بن المبارك، عن القاسم بن مُطيَّب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أتاني جبريل، فإذا في كفِّه مرآةٌ كأصفي المرايا وأحسنها، وإذا في وسطها نكتة سوداء.
_________________
(١) إسناده ضعيف. المسعودي -وهو عبد الرحممن بن عبد الله بن عتبة- اختلط قبل موته. عبد الرزاق بن منصور: هو ابن أبان أبو محمد البندار، ترجم له الخطيب في "تاريخه" ١١/ ٩٢ وقال: وكان ثقة، والمغيرة: هو ابن عبد الله الجرجرائي كما جاء مصرحًا به في " تاريخ بغداد في ترجمة عبد الرزاق ولم أقف له على ترجمة. وانظر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح. عاصم الأحول: هو ابن سليمان، وهو في " مصنف ابن أبي شيبة " ١١/ ٤٤٧ عن أبي معاوية، به. وأورد الإمام الذهبي في " السير " ١/ ٥٥٣ - ٥٥٤ في ترجمة سلمان ﵁ من طريق بقي بن مخلد، عن ابن أبي شيبة.
(٣) القاسم بن مطيب يخطىء كثيرًا فاستحق الترك، كما قال ابن حبان.
[ ٥ / ١٨٠ ]
قال: قلت يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذه الدنيا صفتها وحسنها قال: قلت: وما هذه اللمعة في وسطها؟ قال: هذه الجمعة، قال: قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم من أيام ربك عظيمٌ، وسأخبرك بشرفه وفضله واسمه في الآخرة، أما شرفه وفضله في الدنيا، فإن الله ﵎ جمع فيه أمر الخلق، وأما ما يُرجى فيه، فإن فيه ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله فيها خيرًا إلاَّ أعطاهما إياه، وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة، فإن الله ﷿ إذا صير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وجرت عليهم أيامهما وساعاتهما ليس بها ليلٌ ولا نهارٌ، إلاَّ قد علم الله مقدار ذاك وساعاته.
فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي يبرُزُ أو يخرج فيه أهل الجنة إلى جمعتهم، نادى منادٍ يا أهل الجنة، اخرجوا إلى دار المزيد، لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلاَّ الله ﷿، في كثبانٍ من المسك، قال: فيخرج غِلمان الأنبياء بمنابر من نورٍ، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوتٍ. قال: فإذا وُضِعَت لهم، وأخذ القوم مجالسهم، بعث الله عليهم -﷿- ريحًا تدعى المُثيرة، تنثرُ (١) عليهم أناثير المسك الأبيض، فتدخله من تحت ثيابهم، وتخرجه في وجوههم (٢) وأشعارهم فتلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دُفِعَ إليها كل طيبٍ على وجه الأرض، لكانت تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من تلك المرأة لو دُفع إليها ذلك الطيب (٣) بإذن الله تعالى.
قال: ثم يوحي الله سبحانه إلى حملة العرش، فتوضَعُ بين ظهراني الجنة وبينه وبينهم الحُجُبُ، فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، ولم يروني، وصدقوا رسلي، واتبعوا أمري، فاسألوني، فهذا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمةٍ واحدةٍ: ربِّ (٤) رضينا عنك، فارض
_________________
(١) في (ب) و(ش) و" البزار " و" حادي الأرواح ": تثير.
(٢) في (ش): من وجوههم. وعند البزار: في جيوبهم.
(٣) من قوله: " لكانت تلك الريح " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ب) و(ش) و(د): " ربنا " ولم ترد عند البزار.
[ ٥ / ١٨١ ]
عنا. قال: فيرجعُ الله تعالى في قولهم: أن يا أهل الجنة، إنِّي لو لم أرض عنكم، ما أسكنتُكم جنتي، فاسألوني، فهذا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمةٍ واحدةٍ: ربِّ وجهك، رب وجهك، أرنا ننظر إليه. قال: فيكشف الله ﵎ تلك الحُجب، ويَتَجلَّى لهم، فيغشاهم من نوره شيءٌ، لولا أنه قضى عليهم أن لا يحترقوا (١) لاحترقوا مِمَّا غشيهم من نوره. قال: ثم يقال: ارجعوا إلى منازلكم. قال: فيرجعون إلى منازلهم وقد خَفُوا على أزواجهم وخَفِينَ عليهم مما غشيهم من نوره، وإذا صاروا إلى منازلهم ترادّ النور وأمكن، وترادَّ وأمكن (٢)، حتى يرجعوا إلى صُورهم التي كانوا عليها. قال: فيقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورةٍ ورجعتم على غيرها. قال: فيقولون: ذلك بأن الله ﵎ تجلَّى لنا، فنظرنا منه إلى ما خفينا به عليكم. قال: فلهم في كل سبعة أيامٍ الضعف (٣) على ما كانوا فيه. قال: فذلك قوله ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [السجدة: ١٧] (٤).
وقال عبد الرحمن بن مهدي حدثنا إسرائيل. عن أبي إسحاق، عن مسلم بن يزيد السعدي عن حذيفة في قوله ﷿ (٥): ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قال: النظر إلى وجه الله ﷿ (٦).
_________________
(١) في " البزار ": يموتوا.
(٢) في " البزار ": فلا يزال النور يتمكن حتى يرجعوا إلى حالهم.
(٣) في (ش): ضعف الضعف.
(٤) هو في " مسند البزار " برقم (٣٥١٨)، وإسناده ضعيف. القاسم بن مطيب: قال ابن حبان: كان يخطىء كثيرًا فاستحق الترك، وأورده في " المجمع " ١٠/ ٤٢٢ عن البزار وقال: وفيه القاسم بن مطيب، وهو متروك.
(٥) من قوله تعالى: " فلا تعلم نفس " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) رجاله ثقات، مسلم بن يزيد: هو مسلم بن نذير، لا بأس به. وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٤٧٣)، والدارمي في " الرد على بشر المريسي " =
[ ٥ / ١٨٢ ]
قال الحاكم: وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع (١).
_________________
(١) = ص ٣٠٣ - ٣٠٤ و٥١٩، والآجري في " الشريعة " ص ٢٥٧، واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " (٧٨٣) و(٧٨٤)، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٨٣، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٢٨٧).
(٢) قال الحاكم في " المستدرك " ٢/ ٢٥٨: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند. قال المصنف في " تنقيح الأنظار " ١/ ٢٨٠ - ٢٨١: اختلف أهل العلم في تفسير الصحابي، فذكر زين الدين وابن الصلاح أنه إن كان في ذكر أسباب النزول، فحكمه حكم المرفوع، وإلا فهو موقوف، وجعل هذا هو القول المعتمد، وأشار ابن الصلاح إلى الخلاف ولم يعين القائل بأن مطلق تفسير الصحابي مرفوع. قال الزين: وهو الحاكم وعزاه إلى الشيخين، قال ابن الصلاح تعقبًا للحاكم: إنما ذلك في تفسير متعلق بسبب نرول آية يخبر به الصحابي أو نحو ذلك. قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه الصنعاني في " توضيح الأفكار ": والحق أن ضابط ما يعتبره الصحابي إن كان مما لا مجال فيه للاجتهاد، ولا منقول عن لسان العرب، فحكمه الرفع وإلا فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء، وعن الأمور الآتية كالملاحم والفتن والبعث والجنة والنار والأخبار، وعن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه أشياء لا مجال للاجتهاد فيها، فيحكم لها بالرفع، وأما إذا فسر الآية بحكم شرعي، فيحتمل أن يكون مستفادًا من النبي - ﷺ -، أو عن القواعد، فلا نجزم برفعه، وكذا إذا فسر مفردًا، فقد يكون نقلًا عن اللسان فلا نجزم برفعه. وهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعي، وأبي جعفر الطبري، وأبي جعفر الطحاوي، وابن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقي، وابن عبد البر في آخرين إلاَّ أنه يستثنى من ذلك إذا كان المفسر له من الصحابة ممن عرف بالنظر في الإسرائيليات كمسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وكعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان حصل له في معركة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب، فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة حتى كان ربما قال له بعض أصحابه: حدثنا عن النبي - ﷺ -، ولا تحدثنا عن الصحيفة.
[ ٥ / ١٨٣ ]
حديث ابن عباس
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
فصل: وأما حديث ابن عباس، فروى ابن خزيمة من حديث حماد بن سلمة عن ابن جُدعان، عن أبي نضرة، قال: خَطَبَنَا ابن عباس، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما من نبيٍّ إلاَّ له دعوةٌ يعجلها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فآتي باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب، فأقرع الباب فيقال: من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فآتي ربي وهو على كرسيه أو سريره، فيتجلى لي ربي، فأخِرُّ له ساجدًا " (١).
ورواه ابن عيينة عن ابن جدعان، فقال: عن أبي سعيد بدل ابن عباس.
وقال أبو بكر بن أبي داود، حدثنا عمي (٢) محمد بن الأشعث، حدثنا ابن جبير، قال حدثني أبي (٣) جُبيرٌ، عن الحسن، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، قال: " إن أهل الجنة يَرَون ربهم تعالى في كل جمعة في رمالِ الكافور، وأقربُهم منه مجلسًا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرُهم غُدوًّا " (٤).
فصل: وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال الصَّغاني: حدثنا صدقة أبو عمرو المقعد (٥)، قال: قرأت على محمد بن إسحاق (٦)، حدثني
_________________
(١) إسناده ضعيف، ابن جدعان -وهو علي بن زيد- ضعيف، وهو في " التوحيد " ص ١٦٥. وأخرجه أحمد ١/ ٢٨١ و٢٩٥، واللالكلائي (١٨٤٣)، والدارمي في " الرد على بشر المريسي " ص ٣٠١ و٥٢٤.
(٢) سقطت من (ب) و(ش).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) محمد بن الأشعث: لم أجد له ترجمة، وابن جبير وأبوه لا يعرفان، ويغلب على الظن أنهما محرفان. فقد أخرج الحديث الآجري في " الشريعة " ص ٢٦٥ عن أبي بكر بن أبي داود، بهذا الإسناد، إلاَّ إنه قال: حدثنا حسن بن حسن، حدثني أبي حسن، عن الحسن .. والحسن بن حسن وأبوه: من رجال " التهذيب "، الأول مقبول، والثاني صدوق.
(٥) تحرف في (أ) و(ش) إلى " المعقد "، وفي (ج): " المعقب "، والتصويب من " حادي الأرواح ".
(٦) تحرف في الأصول إلى " ابن الحسن "، والتصويب من " حادي الأرواح ".
[ ٥ / ١٨٤ ]
حديث أبي بن كعب
أُمَيَّة بن عبد الله بن عمرو (١) بن عثمان، عن أبيه عبد الله بن عمرو قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يُحدِّث مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، قال: خلق الله الملائكة لعبادته أصنافًا، فإن منهم الملائكة قيامًا صافِّين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكةً ركوعًا خشوعًا من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة سجودًا منذ (٢) خلقهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة وتجلى لهم تعالى، ونظروا إلى وجهه الكريم، قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك (٣).
فصل: وأما حديث أُبيِّ بن كعبٍ: فقال الدارقطني، حدثنا عبد العزيز بن علي (٤)، حدثنا محمد بن زكريا بن زيادٍ (٥)، قال: حدثني قَحْطَبَة بن غُدانة (٦)، حدثنا أبو خلدة، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - في قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال: النظر إلى وجه الله ﷿ (٧).
_________________
(١) تحرف في (ج) و(ش) إلى عمر.
(٢) في (ش): منذ يوم.
(٣) الصغاني: هو محمد بن إسحاق الصغاني، ثقة من رجال مسلم، وصدقة أبو عمرو المقعد: ذكره ابن حبان في " الثقات " ٨/ ٣٢٠ فقال: صدقة بن سابق الزمن، كنيته أبو عمرو، وهو الذي يقال له: صدقة المقعد مولى بن هاشم، يروي عن ابن إسحاق، روى عنه الفضل بن سهل الأعرج، وصاعقة، وأمية بن عبد الله بن عمرو. قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. وعبد الله بن عمرو بن عثمان: ثقة من رجال مسلم. وذكره السيوطي في " الحبائك " (٥٥١)، ونسبه للبيهقي في " الرؤية " وابن عساكر.
(٤) " ابن علي " ساقطة من (ش).
(٥) في (ب) و" حادي الأرواح ": حدثنا ابن دينار.
(٦) تحرف في (ش) إلى: غلاثة.
(٧) أخرجه اللالكلائي (٨٤٩) من طريق آخر عن قحطبة بن غدانة، به. وقحطبة: صدوق، ومن فوقه ثقات. أبو خلدة: هو خالد بن دينار، وأبو العالية: رفيع بن مهران. =
[ ٥ / ١٨٥ ]
حديث كعب بن عجرة
حديث فضالة بن عبيد
حديث عبادة بن الصامت
فصل: وأما حديث كعب بن عجْرَةَ، ققال محمد بن حميد، حدثنا إبراهيم ابن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن كعب بن عُجرة، عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: الزيادة (١) النظر إلى وجه ربهم ﵎ (٢).
فصل: وأما حديث فضالة بن عبيد، فقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا محمد بن المهاجر، عن ابن حلبس، عن أبي الدرداء (٣)، أن فضالة -يعني ابن عُبيدٍ- كان يقول: اللهم أني أسألك الرضا بعد القضاء، وبَرْدَ العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرةٍ ولا فتنةٍ مضلَّةٍ (٤).
فصل: وأما حديث عبادة بن الصامت: ففي " مسند " أحمد من حديث بقية: حدثنا بحير (٥) بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عمرو بن الأسود، عن جُنادة بن أبي (٦) أمية، عن عُبادة بن الصامت، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "قد (٧)
_________________
(١) = وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٣٥٧، وزاد نسبته إلى الطبري، وابن أبي حاتم، والدارقطني، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب " الرؤية ".
(٢) ساقطة من (ب) و(ش).
(٣) تقدم تخريجه ص ٧٢.
(٤) كذا في الأصول و" حادي الأرواح " ص ٢٣٠، وفي مصادر الحديث: عن أم الدرداء.
(٥) إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٤٢٧)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٨٢٥)، و" الأوسط "، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (٨٤٧) من طريق عمرو بن عثمان (هو الحمصي)، حدثنا أبي عن محمد بن المهاجر، عن ابن حلبس (وهو يونس بن ميسرة بن حلبس) عن أم الدرداء، عن فضالة بن عبيد وفيه عندهم زيادة، وهي: وزعم أنها دعوات كان يدعو بها النبي - ﷺ -. وأورده الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١٧٧، ونسبه للطبراني في " الكبير " و" الأوسط "، وقال: رجاله ثقات.
(٦) تحرف في الأصول إلى: يحيى.
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) ساقطة من (ج).
[ ٥ / ١٨٦ ]
حديث رجل من أصحاب النبي - ﷺ -
حدثتكم عن الدَّجَّال حتى (١) خشيتُ ألا تَعقِلوا، إن مسيحَ الدجال رجلٌ قصير، أفحجُ، جعدٌ، أعورٌ، مطموس العين، ليس بناتئةٍ ولا حَجْراء، فإن التبس عليكم [قال يزيد: ربكم] فاعلموا أن ربكم ليس بأعور، وأنكم لن تروا ربَّكم حتى تموتوا" (٢).
وأما حديثُ الرَّجل من أصحاب النبي - ﷺ -، فقال الصغاني: حدثنا روح بن عُبادة، حدثنا عباد بن منصور، قال: سمعت عديَّ بن أرطاة يخطب على المنبر بالمدائن، فجعل يَعِظُ (٣) حتى بكى وأبكانا (٤)، ثم قال: كونُوا كرجل قال لابنه وهو يعظه: يا بُني، أوصيك أن لا تُصَلَّي صلاة إلاَّ ظننت أنك لا تصلي بعدها غيرها حتى تموت، وتعال يا بني (٥) نعمل عمل رجلين كأنهما قد وقفا على النار، ثم سألا الكرَّة، ولقد سمعت فلانًا نَسِيَ (٦) عبَّادٌ اسمه - ما بيني وبين رسول الله غيره، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إن لله ملائكة ترعُدُ فرائصهم من مخافته، ما منهم مَلكٌ تقطُرُ دمعةٌ من عينه إلاَّ وقعت مَلَكًا يسبح الله، قال: وملائكة سجود منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفٌ لم ينصرفوا عن مصافِّهم ولا ينصرفون إلى يوم القيامة، فإذا كان
_________________
(١) ساقطة من (ش)
(٢) إسناده حسن، رجاله ثقات، وبقية قد صرح بالتحديث، وفيه كلام ينزله عن رتبة الصحيح وهو في " مسند أحمد " ٥/ ٣٢٤. وأخرجه أيضًا من طريق بقية بن الوليد: أبو داود (٤٣٢٠)، وابن أبي عاصم (٤٢٨)، والآجري ص ٣٧٥، والدارمي في " الرد على بشر المريسي " ص ٣٠١، واللالكائي (٨٤٨). وقوله: " حجراء " قال الهروي: إن كانت هذه اللفظة محفوظة، فمعناها: أنها ليست بصلبة متحجرة.
(٣) في (ش): يعظ الناس.
(٤) في (د) و(ش): وأبكي.
(٥) في الأصول: " ويقال بني "، والتصحيح من " حادي الأرواح ".
(٦) في (ش): ينسى.
[ ٥ / ١٨٧ ]
فصل: أقوال أصحاب رسول الله - ﷺ - في الرؤية
يوم القيامة وتجلَّى لهم ربهم، فينظروا (١) إليه، قالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك" (٢).
فصل: وهاكَ بعض ما قاله أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون وأئمة الإسلام من بعدهم.
قول أبي بكر الصديق: قال أبو إسحاق، عن عامر بن سعدٍ، قرأ أبو بكر الصديق: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فقالوا: ما الزيادة يا خليفة رسول الله؟ قال: النظر إلى وجه الرب ﵎ (٣).
قول علي بن أبي طالب ﵇ قال عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ، حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة الهمداني، حدثنا صالح بن أبي خالدٍ العنبري، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمارة بن عبد (٤)، قال: سمعت عليًا ﵇ يقول: من تمام النعمة دخول الجنة والنظر إلى الله
_________________
(١) في (ج) و(ش): فنظروا.
(٢) إسناده ضعيف. عباد بن منصور: ضعيف. وأخرجه الخطيب البغدادي في " تاريخه " ١٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧ من طريق الصغاني بهذا الإسناد. وأخرجه أبو الشيخ في " العظمة " (٥١٥)، ومحمد بن نصر المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٢٦٠) من طريق النضر بن شميل، عن عباد بن منصور، به. وأورده الحافظ ابن كثير من طريق المروزي وقال: وهذا إسناد لا بأس به.
(٣) هذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن رواية عامر بن سعد عن أبي بكر مرسلة، وقد تبينت الواسطة -وهو سعيد بن نُمران- في رواية الطبري (١٧٦١١). قال الذهبي في " الميزان " ٢/ ١٦١: مجهول. وذكره ابن أبي حاتم، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا. وأخرجه الطبري (١٧٦١٠)، واللالكائي (٧٨٤)، وابن أبي عاصم (٤٧٣) والآجري في " الشريعة " ص ٢٥٧، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٢٨٣) و(٢٨٤) من طريق أبي إسحاق، به.
(٤) تحرفت في الأصول إلى: عبيد.
[ ٥ / ١٨٨ ]
﵎ في جنته (١).
وتقدم في الدليل الخامس من أدلة القرآن عنه ﵁: أن المزيد: النظر إلى وجه الله ﷿. رواه الطبراني موقوفًا عليه (٢).
وتقدم في الأحاديث روايته كرَّم الله وجهه مرفوعًا عن رسول الله - ﷺ -. رواه عنه يعقوب بن سفيان من طريق أبي خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه (٣)، عن جده ﵈.
قول حذيفة بن اليمان: وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق (٤)، عن مسلم بن يزيد، عن حذيفة بن اليمان: الزيادة: النظر إلى وجه الله ﵎ (٥).
قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس: ذكر أبو عوانه عن هلالٍ، عن (٦) عبد الله بن عُكَيمٍ، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذا المسجد، مسجد الكوفة يبدأ باليمين قبل أن يحدثنا، فقال، والله ما منكم من إنسانٍ إلاَّ أن ربه سيخلو به يوم القيامة كما يخلو أحدُكم بالقمر ليلة البدر. قال: فيقول: ما غرَّك بي يا ابن آدم -ثلاث مرات - ماذا أجبت المرسلين -ثلاثًا-؟ كيف عَمِلتَ فيما عَلِمْتَ؟ (٧).
_________________
(١) علي بن ميسرة: قال أبو حاتم: صدوق، وصالح بن أبي خالد: لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا. أبو الأحوص: هو سلام بن سليم الحنفي، وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وعمارة بن عبد: قال الحافظ: مقبول. وأخرجه اللالكائي (٨٥٩) من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم، بهذا الإسناد.
(٢) تقدم في هذا الجزء.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) " عن أبي إسحاق " ساقطة من (ج).
(٥) تقدم تخريجه ص ٤٥٩.
(٦) تحرفت في الأصول إلى: ابن.
(٧) إسناده صحيح. أبو عوانة: اسمه وضاح اليشكري، وهلال: هو ابن أبي حميد. =
[ ٥ / ١٨٩ ]
وقال ابن أبي داود، حدثنا أحمد بن الأزهر، حدثنا إبراهيم بن الحكم، حدثنا أبي، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: كل من دخل الجنة يرى الله ﷿؟ قال: نعم (١).
قال أسباط بن نصر، عن إسماعيل السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ وأبي صالح، عن ابن عبَّاسٍ
وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود: الزيادة: النظر إلى وجه الله (٢).
قول معاذ بن جبل: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا إسحاق بن أحمد الخرَّاز (٣)، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة (٤)، قال: كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني في " الكبير " (٨٨٩٩)، واللالكائي (٨٦٠) من طريق أبي عوانة. وأخرجه عبد الله بن أحمد في " السنة " (٢٨٨) و(٢٨٩)، والطبراني (٨٩٠٠) من طريق شريك -وهو ابن عبد الله النخعي- عن هلال، به وشريك متابع.
(٢) إسناده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم، وأبوه -وهو الحكم بن أبان- له أوهام. وأخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٢٥٧ عن ابن أبي داود، بإسناده.
(٣) أورده اللالكائي (٧٨٧) عن ابن أبي حاتم، أخبرنا ابن أبي داود السجستاني، حدثنا الحسين بن علي بن مهران الفسوي، حدثنا عامر بن الفرات، عن أسباط بن نصر، به. الحسين بن علي: ذكره ابن أبي حاتم ٣/ ٥٦، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وعامر بن الفرات: أورده ابن حبان في " الثقات " ٨/ ٥٠١، وأبو مالك: هو غزوان الغفاري، وأبو صالح: هو باذام -ويقال: باذان- مولى أم هانىء، ضعيف، وقد تابعه أبو مالك، وهو ثقة. وأثر ابن مسعود هو أيضًا عند اللالكائي (٧٨٨) بإسناد الذي قبله، ومرة الهمداني: هو ابن شراحيل.
(٤) بالخاء المعجمة، ثم راء مهملة، فألف فزاي، ذكره ابن حجر في " تبصير المنتبه " ١/ ٣٣٢، وقد تصحف في الأصول إلى: " الجزار ".
(٥) في الأصول و" حادي الأرواح ": " ابن أبي حمزة "، وهو خطأ، وفي (ش): ميمون بن حمزة، وهو خطأ أيضًا.
[ ٥ / ١٩٠ ]
له: أبو عُفيف، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عُفيف، ألا تُحدِّثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يُحشرُ (١) الناس يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ، فينادى: أين المتَّقون؟ فيقومون في كَنَفٍ من الرحمن لا يحتجب الله منهم (٢) ولا يستتِر. قلت: مِنِ المتقون؟. قال: قومٌ اتَّقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله تعالى بالعبادة، فيمرون إلى الجنة (٣).
قول أبي هريرة: قال ابن وهب: أخبرني ابن لَهِيعَة، عن أبي النضر أن أبا هريرة كان يقول: لن تَرَوْا ربكم حتى تذوقوا الموت (٤).
قول عبد الله بن عمر: قال حُسين الجُعفي، عن عبد الملك بن أبْجر، عن ثوير (٥)، عن ابن عمر، قال: إن أدني أهل الجنة منزلة من ينظُرُ إلى مُلكه ألفي عام يرى أدناه كما يرى أقصاه، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر إلى وجه الله في كلِّ يوم مرتين (٦).
_________________
(١) عند اللالكائي: يحبس.
(٢) في (ش): عنهم.
(٣) إسناده ضعيف لضعف ميمون أبي حمزة. وأبو العُفيف: ذكره ابن سعد في " الطبقات " ٧/ ٤٣٩ في تابعي أهل الشام، وقال: قال: شهدت أبا بكر الصديق وهو يبايع الناس. وضبطه ابن ماكولا ٦/ ٢٢٥، والذهبي في " المشتبه " ٢/ ٤٦٥ بضم العين المهملة وفتح الفاء، وقالا: ابن العفيف. وسماه ابن معين في " كتاب التابعين ": يزيد بن العُفيف في تابعي أهل الجزيرة. والأثر أورده اللالكائي (٨٦٤) عن عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده.
(٤) ابن وهب: هو عبد الله، وابن لهيعة: اسمه عبد الله، ورواية ابن وهب عنه صحيحة. وأبو النضر: هو سالم بن أبي أمية، ثقة وكان يرسل. وأخرجه اللالكائي (٨٦٥) عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن يحيى بن إسماعيل المصري، أخبرنا ابن وهب، به.
(٥) في (ب): ثور.
(٦) أخرجه اللالكائي (٨٦٦) من طريق حسين الجعفي، به. وقد تقدم مرفوعًا.
[ ٥ / ١٩١ ]
قول فضالة بن عُبيد: ذكر الدارمي عن محمد بن مهاجر، عن ابن حلبس، عن أبي، الدرداء أن فضالة بن عبيدٍ كان يقول: اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك. وقد تقدم (١).
قول أبي موسى الأشعري: قال وكيع عن أبي بكر الهُذلي، عن أبي تميمة، عن أبي موسى، قال: الزيادة: النظر إلى وجه الله (٢).
وروى يزيد بن هارون وابن أبي عدي، عن التيمي، عن أسلم العِجلي عن أبي مُرَاية، عن أبي موسى الأشعري، أنه كان يحدث الناس فشَخَصوا (٣) بأبصارهم، فقال: ما صرف أبصاركم عني؟ قالوا: الهلال. قال: فكيف بكم إذا رأيتم الله جهرة (٤).
قول أنس بن مالك: قال ابن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا شريك عن أبي اليقظان، عن أنس بن مالك في قول الله ﷿: ﴿ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥] قال: يظهر لهم الربُّ ﵎ يوم القيامة (٥).
قول جابر بن عبد الله: قال مروان بن معاوية، عن الحكم بن أبي خالد، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأُدِيمَ عليهم بالكرامة، جاءتهم خيولٌ من ياقوتٍ أحمر لا تبولُ ولا تروثُ، لها أجنحةٌ فيقعُدُون (٦) عليها، ثم يأتون الجبار ﷿، فإذا تجلى لهم، خرُّوا له سُجَّدًا، فيقول: ارفعوا رؤوسكم فقد رضيت عنكم رضًا لا سخط بعده (٧).
_________________
(١) تقدم ص ١١٤.
(٢) تقدم.
(٣) في غير (ب): فيشخصوا.
(٤) أخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٢٦٤، وعبد الله في " السنة " (٢٧٨)، واللالكلائي (٨٦٢).
(٥) تقدم ص ١٠٣.
(٦) في (ش): فيقعدوا.
(٧) إسناده ضعيف جدًا. الحكم بن أبي خالد: هو الحكم بن ظهير، ترك حديثه البخاري =
[ ٥ / ١٩٢ ]
قال الطبراني: فتحصَّل في الباب ممن روى عن النبي - ﷺ - من الصحابة حديث الرؤية ثلاثةٌ وعشرون نفسًا، منهم: علي، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وجرير، وأبو موسى، وصهيب، وجابر، وابن عباس، وأنسٌ، وعمَّار بن ياسر، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وحذيفة بن اليمان، وعُبادة بن الصامت، وعَدي بن حاتم، وأبو رزين العُقيلي، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد، وبُريدة بن الحُصيب، ورجل من أصحاب النبي - ﷺ -.
وقال الدارقطني: أخبرنا محمد بن عبد الله، حدثنا جعفر بن محمد بن الأزهر، حدثنا مفضل بن غسان، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: عندي (١) سبعة عشر حديثًا في الرؤية كلها صِحاحٌ.
وقال البيهقي: روينا في إثباث الرؤية عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي موسى وغيرهم، ولم يُرْوَ عن أحدٍ منهم نفيُها، ولو كانوا فيها مختلفين، لنُقِلَ اختلافهم إلينا، كما أنهم [لمَّا] اختلفوا في الحلال والحرام والشرائع والأحكام، نُقِلَ اختلافهم في ذلك إلينا، وكما أنهم لما اختلفوا في (٢) رؤية الله بالأبصار في الدنيا، نقل اختلافهم في ذلك إلينا، فلما نقلت رؤية الله سبحانه بالأبصار في الآخرة عنهم، ولم يُنقل
_________________
(١) = وأبو حاتم والنسائي وأبو زرعة، ورماه غيرهم بالوضع. ومروان بن معاوية: هو الفزاري، ثقة من رجال الجماعة، إلاَّ أنه كان يدلس أسماء الشيوخ، قال ابن معين، كان مروان بن معاوية يغير الأسماء، يعمي على الناس، كان يقول: حدثنا الحكم بن أبي خالد، وإنما هو الحكم بن ظهير. والحسن: هو البصري، وهو مدلس وقد عنعن. وأخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٢٦٧ - ٢٦٨ من طريق الحسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا مروان بن معاوية، بهذا الإسناد. وأخرجه أيضًا ص ٢٦٧ من طريق سويد بن سعيد، عن مروان بن معاوية. قلت: سويد بن سعيد: قال فيه الحافظ: عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) من قوله: " الحلال والحرام " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٥ / ١٩٣ ]
عنهم في ذلك اختلافٌ كما نُقِل عنهم فيها اختلاف في الدنيا، علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة متفقين مُجمعين (١).
وقد أشار البيهقي باختلافهم في الرؤية في الدُّنيا إلى ما تقصاه القاضي عياض في " الشِّفاء " (٢) وغيره. ومعظم ذلك حديث عائشة الذي رواه عامرٌ الشعبي عن مسروق عنها. وخرَّجه أكثر الجماعة من هذه الطريق، وأكثر الروايات أن عائشة قالت في تفسير آية النجم: " إنه جبريل " موقوفًا عليها. وكذا رواه البُخاري عن ابن عون (٣) عن القاسم عنها موقوفًا (٤)، يحتمل أنه تأويلٌ منها، كما رُوي نحو ذلك عن ابن مسعود موقوفًا (٥).
وأما رواية الرفع عن عائشة فانفرد (٦) بها داود بن أبي هند، عن الشعبي وخالفه إسماعيل بن أبي خالد ومجالدٌ (٧) عن الشعبيِّ بالحديث سندًا ومتنًا (٨)، وليس فيه تصريح عائشة برفع ذلك، ولعلَّ البخاري إنما تجنَّب حديث داود بن أبي هند لمثل ذلك والله أعلم. ولعل هذه علة الحديث، وإلاّ لما ساغ لابن عباس مخالفته. فإن صحَّ مرفوعًا، لم يَحِل لأحدٍ مخالفته، وإذا (٩) لم يصح، وجب الوقف أو كان أرجح لاحتمال صحته والله أعلم.
_________________
(١) في (ش): مجتمعين.
(٢) ١/ ١٩٥.
(٣) تحرف في الأصول إلى: عوف.
(٤) هو في " صحيح البخاري " رقم (٣٢٣٤).
(٥) أخرجه البخاري (٣٢٣٢) و(٤٨٥٦) و(٤٨٥٧) عن زر بن حبيش في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: حدثنا ابن مسعود أنه -أي: جبريل- له ست مئة جناح.
(٦) في (د) و(ش): فإنه تفرد.
(٧) في (ب): " خالد "، وهو تحريف.
(٨) في الأصول: " مسندًا ومبينًا "، والمثبت من (ش).
(٩) في (ب) و(ش) و(ج). وإن.
[ ٥ / ١٩٤ ]
فصل: أقوال التابعين ومن بعدهم في الرؤية
فصل: وأما التابعون، ويَزَكُ الإسلام، وعصابة الإيمان منهم أئمة (١) الحديث والفقه والتفسير وأئمة التَّصوُّف، فأقوالهم (٢) أكثرُ من أن يُحيط بها إلاَّ الله ﷿.
قال سعيد بن المسيب: الزيادة: النظر إلى وجه الله. رواه مالك عن يحيى عنه (٣).
وقال الحسن: الزيادة: النظر إلى وجه الله. رواه ابن أبي حاتم عنه (٤).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: الزيادة: النظر إلى وجه الله. رواه حماد ابن زيد، عن ثابت، عنه (٥).
وقاله عامر بن سعد البجلي، ذكره سفيان عن أبي إسحاق عنه (٦).
وقاله عبد الرحمن بن سابط. رواه جرير، عن ليث، عنه (٧).
وقاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وكعب (٨).
_________________
(١) في (ش): أهل.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) أخرجه اللالكائي (٧٨٩) من طريق مالك، به.
(٤) أخرجه الطبري (١٧٦٢٤)، واللالكائي (٧٩٠) و(٧٩١).
(٥) أخرجه الطبري (١٧٦١٩) و(١٧٦٢٢)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٨٢، وعبد الله في " السنة " (٢٥٥)، واللالكائي (٧٩٢) من طرق عن حماد بن زيد، به.
(٦) أخرجه اللالكائي (٧٩٢) (٧٩٣)، وابن خزيمة ص ١٨٣ من طريقين عن سفيان، به. وأخرجه الطبري (١٧٦١٣)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٢٨٥) و(٢٨٦) من طريقين عن أبي إسحاق، به. وقد تحرف " سعد " في الأصول إلى: " سعيد " و" عن أبي إسحاق " إلى: " ابن أبي إسحاق ".
(٧) أخرجه اللالكائي (٧٩٥)، والطبري (١٧٦٣٢) من طريق جرير، به. وأخرجه عبد الله في " السنة " (٢٩٢) عن هشيم، عن فطر بن خليفة، عن ابن سابط.
(٨) قول عكرمة أخرجه اللالكائي (٧٩٦) و(٨٠٣) و(٨٠٤)، وعبد الله (٢٩٥)، والآجري =
[ ٥ / ١٩٥ ]
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد، فإني أُوصيك بتقوى الله، ولزوم طاعته، والتَّمسُّك بأمره، والمُعاهدة على ما حمَّلك الله من دينه، واستحفظك مني كتابه. فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه، وبها وافقوا أنبياءه، وبها نُضِّرت وجوههم، ونظروا إلى خالقهم، وهي عصمةٌ في الدنيا من الفتن، ومن كُرَب (١) يوم القيامة (٢).
وقال الحسن: لو يعلم العابدون في الدنيا أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابَتْ أنفُسُهم في الدنيا (٣).
وقال الأعمش وسعيد بن جبير: إن أشرف أهل الجنة لمن ينظر إلى الله ﵎ غُدوة وعشية (٤).
وقال كعبٌ: ما نظر الله ﷿ إلى الجنة قط إلاَّ قال: طيبي لأهلك، فزادت ضعفًا على ما كانت حتى يأتيها أهلها، وما من يوم كان لهم عيدًا في الدنيا إلاَّ يخرجون في مقداره في رياض الجنة، فيبرُزُ لهم الرب ﵎، فينظرون إليه، وتسعى عليهم الرِّيح المِسْكُ، ولا يسألون الرب تعالى شيئًا إلا أعطاهم حتى يرجعوا وقد ازدادوا على ما كانوا من الحسن والجمال سبعين ضعفًا
_________________
(١) = ص ٢٥٦ - ٢٥٧. وقول مجاهد أخرجه اللالكائي (٧٩٧) و(٨٠١) و(٨٠٢)، وعبد الله (٢٩٤). وقول قتادة أخرجه الطبري (١٧٦٢٩) و(١٧٦٣٠)، واللالكائي (٧٩٨)، وابن خزيمة ص ١٨٤. وقول السدي عزاه السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٣٥٩ للداقطني في " الرؤية ". وقول الضحاك عزاه السيوطي للدارقطني.
(٢) تحرفت في الأصول إلى: " كتب "، والمثبت من " حادي الأرواح ".
(٣) أخرجه الدارمي في " الرد علي بشر المريسي " ص ٣٠٥.
(٤) أخرجه اللالكائي (٨٦٩)، وعبد الله (٣٠٠)، والآجري في " الشريعة " ص ٢٥٣.
(٥) في (ش): غدوًا وعشيًا.
[ ٥ / ١٩٦ ]
ثم يرجعون إلى أزواجهم وقد ازدَدْنَ مثل ذلك (١).
وقال هشام بن حسان: إنَّ الله سبحانه يتجلَّى لأهل الجنة، فإذا رآه أهل الجنة نسوا نعيم الجنة (٢).
وقال طاووس: أصحاب المراء والمقاييس لا يزال بهم المِراء والمقاييس حتَّى يجحدوا الرؤية، ويُخالفوا السنة (٣).
وقال شريك عن أبي إسحاق السبيعي (٤): الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن ﵎ (٥).
وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، أُعطوا فيها ما شاؤوا، فيقول الله ﷿ لهم: إنه قد بقي من حقكم شيءٌ لم تُعطَوهُ، فيتجلَّى لهم ربَّهم، فلا يكون ما أُعطوا عند ذلك بشيءٍ، فالحسنى الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه ربهم ﷿. ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهمُ قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: بعد نظرهم إلى ربهم ﵎ (٦).
وقال علي بن المديني: سألت عبد الله بن المبارك، عن قوله تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، قال عبد الله، من أراد النظر إلى وجه خالقه، فليعمل عملًا صالحًا، ولا يخبر به أحدًا (٧).
_________________
(١) أخرجه الآجري على ٢٥٣، والدارمي ص ٣٠٥.
(٢) وأخرجه بهذا اللفظ: الآجري ص ٢٥٣ عن هشام بن حسان، عن الحسن قوله.
(٣) أخرجه اللالكائي (٨٦٨).
(٤) تحرفت في (ش) إلى: الشعبي.
(٥) أخرجه الطبري (١٧٦١٥)، واللالكائي (٧٩٤).
(٦) أحرجه الطبري (١٧٦٢٢). وقد تقدم ص ٤١٨ من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب مرفوعًا.
(٧) أخرجه اللالكائي (٨٩٥).
[ ٥ / ١٩٧ ]
فصل: في المنقول عن الأئمة الأربعة وغيرهم في هذه المسألة
قال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: ما حجب الله ﷿ أحدًا عنه إلاَّ عذبه. ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون﴾ [المطففين: ١٥ - ١٧] قال بالرؤية. ذكره ابن أبي الدنيا عن يعقوب بن إسحاق (١) عن نُعيم (٢).
وقال عبَّاد بن العوَّام: قدم علينا شريك بن عبد الله منذ خمسين سنة، فقلت له (٣): يا أبا عبد الله، إن عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا "، و" إن أهل الجنة يرون ربهم "، فحدثني بنحو عشرة أحاديث في هذا، وقال: أما نحن، فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، فهم عمن أخذوا؟ (٤).
وقال عُقبة بن قبيصة (٥): أتينا أبا نعيم يومًا، فنزل إلينا من الدرجة التي في داره، فجلس وسطها (٦) كأنه مُغضبٌ، فقال: حدثنا سفيان بن سعيد، ومنذرٌ الثوري وزهير بن معاوية، وحدثنا حسن بن صالح بن حي، وحدثنا شريك بن عبد الله النخعي وهؤلاء أبناء المهاجرين يُحدثوننا عن رسول الله - ﷺ - أن الله ﵎ يرى في الآخرة حتَّى جاء ابن يهودي صبَّاغ يزعم أن الله لا يُرى يعني بشرًا المريسي.
فصل: في المنقول عن الأئمة الأربعة، ونُظرائهم، وشيوخهم، وأتباعهم على طريقهم ومنهاجهم.
_________________
(١) في (ش): عن سفيان.
(٢) أخرجه اللالكائي (٨٩٤).
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في " السنة " (٣٢٦)، واللالكلائي (٨٧٩).
(٥) تحرف في الأصول إلى: قبيصة بن عقبة، والتصحيح من " حادي الأرواح " وكتب الرجال، واللالكائي (٨٨٧).
(٦) في (ج): في وسطها.
[ ٥ / ١٩٨ ]
ذكر قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس: قال أحمد بن صالح المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، قال: قال مالك بن أنس: الناس ينظرون إلى الله ﷿ يوم القيامة (١) بأعينهم.
وقال الحارث بن مسكين، حدثنا أشهب، قال: سئل مالك عن قوله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] أتنظر إلى الله ﷿؟ قال: نعم. فقلت: إن أقوامًا يقولون: تنتظر ما عنده. قال: بل تنظر إليه نظرًا، وقد قال موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ (٢)، [المطففين: ١٥].
وذكر الطبري (٣) وغيره أنه قيل لمالك: إنهم يزعمون أن الله لا يُرى، فقال مالك: السَّيفَ السَّيفَ (٤).
ذكر قول ابن الماجَِشون: قال أبو حاتم الرازي: قال أبو صالح كاتب الليث أملى علي عبد العزيز بن أبي سلمة الماجَِشُون، وسألته عما تحدث (٥) الجهمية، فقال: لم يزل يُملي لهم الشيطان حتى جحدوا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فقالوا: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحدوا والله أفضل كرامة الله التي كرَّم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه، ونضرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. فوربِّ السماء والأرض، ليجعلن رؤيته يوم القيامة للمخلصين له ثوابًا لينضِّرَ بها وجوههم دون المجرمين، ويُفلج بها حجَّتهم على الجاحدين، وهم عن ربهم يومئذٍ محجوبون، لا يرونه كما زعموا
_________________
(١) " يوم القيامة " ساقطة من (ب).
(٢) أخرجه اللالكائي (٨٧١)، والآجري ص ٢٥٤.
(٣) تحرفت في (ش) إلى الطبراني.
(٤) أخرجه اللالكائي (٨٠٨) و(٨٧٢).
(٥) في (ب) و(ش): " جحدت "، وعند اللالكائي: فيما أحدثت.
[ ٥ / ١٩٩ ]
أنه لا يُرى، ولا يُكلِّمهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليم (١).
ذكر قول الأوزاعي: ذكر ابن أبي حاتم عنه، قال: إني لأرجو أن يَحجُبَ الله ﷿ جهمًا وأصحابه عن أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حين يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فجحد جهم (٢) وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه (٣).
ذكر قول الليث بن سعدٍ: قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا الهيثم بن خارجة، قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألتُ الأوزاعي وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: تُمَرُّ بلا كيفٍ (٤).
قول سفيان بن عيينة: ذكر الطبري وغيره عنه أنه قال: من لم يقل: إن القرآن كلام الله، وإن الله يُرى في الجنة، فهو جهمي (٥).
وذكر عنه ابن أبي حاتم أنه قال: لا يُصلِّى خلف الجهمي، والجهمي: الذي يقول: لا يرى ربه يوم القيامة (٦).
قول جرير بن عبد الحميد: ذكر ابن أبي حاتم عنه أنه ذكر له حديث (٧) ابن أسباط في الزيادة أنها النظر إلى وجه الله تعالى، فأنكره رجلٌ، فصاح به، فأخرجه من مجلسه (٨).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي (٨٧٣).
(٢) في (ش): فجحد هو.
(٣) أخرجه اللالكائي (٨٧٣).
(٤) أخرجه اللالكائي (٨٧٥).
(٥) أخرجه اللالكائي (٨٧٦).
(٦) أخرجه اللالكائي (٨٧٨).
(٧) من قوله: " لا يرى ربه " إلى هنا ساقط من (ب).
(٨) أخرجه اللالكائي (٨٨٠).
[ ٥ / ٢٠٠ ]
قول عبد الله بن المبارك: ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم عنه أن رجلًا من الجهمية قال له: يا أبا عبد الرحمن، خدارابآن جهان جون بينند ومعناه: كيف نرى الله يوم القيامة؟ فقال: بالعين (١).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني يعقوب بن إسحاق، قال: سمعت نعيم بن حماد يقول (٢): سمعت ابن المبارك يقول: ما حجب الله ﷿ عنه أحدًا إلا عذَّبه، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٧]. وقال ابن المبارك، بالرؤية (٣).
قول وكيع بن الجَّراح: ذكر ابن أبي حاتم أنه (٤) قال: يراه المؤمنون في الجنة ولا يراه إلاَّ المؤمنون (٥).
قول قتيبة بن سعيدٍ: ذكر ابن أبي حاتم عنه، قال: قول الأئمة المأخوذ به في الإسلام والسنة: الإيمان (٦) بالرؤية، والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله - ﷺ - بالرؤية (٧).
قول أبي عبيدٍ القاسم بن سلام: ذكر ابن بطة وغيره عنه أنه ذُكرَتْ عنده هذه الأحاديث التي في الرؤية، فقال: هي عندنا حق. رواها الثقات عن الثقات إلى أن صارت إلينا، إلاَّ أنا (٨)، إذا قيل لنا: فسِّروها، قلنا: لا نفسر منها شيئًا، ولكن
_________________
(١) أخرجه اللالكائي (٨٨١).
(٢) قوله: " سمعت حماد بن حماد يقول " ساقط من (ب).
(٣) أخرجه اللالكائي (٨٩٤)، وقد تقدم ص ٤٦٧.
(٤) في (ب): عنه أنه.
(٥) أخرجه اللالكائي (٨٨٢).
(٦) في الأصول: والإيمان.
(٧) أخرجه اللالكائي (٨٨٦).
(٨) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٢٠١ ]
نمضيها كما جاءت (١).
قول أسود بن سالم شيخ الإمام أحمد: قال المروالروذي (٢)، حدثنا عبد الوهاب الوراق، قال: سألت أسود بن سالم عن أحاديث الرؤية، فقال: أحلف عليها بالطلاق وبالنبي (٣) أنها حق (٤).
قول محمد بن إدريس الشافعي: قد تقدم رواية الربيع عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ لما حُجِبَ هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل أن أولياءه يرونه في الرضا. قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم وبه أدين الله لو لم يُوقِنْ محمد بن إدريس أنه يرى ربه ما عبده (٥).
وقال ابن بطة: حدثنا ابن الأنباري، حدثنا أبو القاسم الأنماطيُّ صاحب المزني، قال: قال الشافعي: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ على أن أولياءه يرونه يوم القيامة بأبصار وجوههم.
قول إمام السنة أحمد بن حنبل: قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: ربنا ﵎، يراه أهل الجنة أليس (٦) تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.
قال ابن منصور: وقال إسحاق بن راهويه: صحيح، ولا يدعهُ إلاَّ مبتدع، أو ضعيفُ الرأي.
_________________
(١) أخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٢٥٥.
(٢) في (ج) و(ش): " المروزي "، وفي (ب): " المروذي ".
(٣) في " الشريعة " و" حادي الأرواح ": وبالمشي.
(٤) أخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٢٥٤.
(٥) أخرجه اللالكائي (٨٨٣).
(٦) في (ش): ألست.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
وقال الفضل بن زياد: سمعتُ أبا عبد الله يقول له: أتقول بالرؤية؟ فقال: مَنْ لم يقل بالرؤية فهو جهمي.
وقال: وسمعت أبا عبد الله -وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله لا يُرى في الآخرة- فغضِبَ غضبًا شديدًا، ثم قال (١): من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة، فقد كفر، عليه لعنةُ الله وغضبه من كان من الناس، أليس يقول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؟ وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢).
وقال أبو داود: سمعت أحمد وذُكِرَ له عن رجل شيءٌ في الرؤية فغضب، وقال: من قال: إن الله لا يُرى فهو كافرٌ (٣).
قال أبو داود: وسمعت أحمد - وقيل له في رجل يحدِّث بحديثٍ عن رجلٍ عن أبي العطوف (٤) أن الله لا يُرى في الآخرة. فقال: لعن الله من يحدث بهذا الحديث اليوم، ثم قال: أخزى الله هذا.
وقال أبو بكر المروزي: قيل لأبي عبد الله تعرف عن يزيد بن هارون، عن أبي العطوف عن أبي الزبير، عن جابرٍ: إن استقر الجبل فسوف تراني، وإن لم يستقر، فلا تراني، لا في الدنيا، ولا في الآخرة؟ فغضب أبو عبد الله غضبًا شديدًا، حتى تبين في وجهه، وكان قاعدًا والناس حوله، فأخذ نعله وانتعل، وقال: أخزى الله هذا، لا ينبغي أن يكتب، ودفع أن يكون يزيد بن هارون رواه أو حدَّث به، وقال: هذا جهميٌّ كافرٌ، خالف قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) في (ش): فقال.
(٢) أخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٢٥٤.
(٣) أخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٢٥٥.
(٤) هو الجراح بن منهال الجزري، قال أحمد: كان صاحب غفلة، وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه، وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك. " ميزان الاعتدال " ١/ ٣٩٠.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أخزى الله هذا الحديث.
وقال أبو طالب: قال أبو عبد الله: قوله ﷿: ﴿هل ينظرون إلاَّ أن يأتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الغمام والملائكة﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وجاء ربُّك والمَلَكُ صَفًَّا صَفًَّا﴾ [الفجر: ٢٢] فمن قال: الله (١) لا يُرى، فقد كفر.
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء: سمعت أبا عبد الله يقول: من لم يؤمن بالرؤية، فهو جهمي، والجهميُّ كافرٌ (٢).
وقال يوسف بن موسى القَطَّان: قيل لأبي عبد الله: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ﵎، ويُكلِمونه ويكلِّمهم؟ قال: نعم ينظر (٣) إليهم وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه (٤) كيف شاؤوا إذا شاؤوا.
قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: القوم يرجعون إلى التعطيل في أقوالهم، يُنكرون الرؤية والآثار كلها، وما ظننت أنهم على هذا حتى سمعت مقالاتهم.
قال حنبلٌ: سمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لا يُرى، فقد ردَّ على الله وعلى الرَّسول، ومن زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، فقد كفر، وردَّ على الله قوله.
قال أبو عبد الله: فنحن نؤمن بهذه الأحاديث، ونُقِرُّ بها، ونُمرُّها كما جاءت (٥).
_________________
(١) في (ب) و(ش): إن الله.
(٢) أورده في " مسائل الإمام أحمد " ٢/ ١٥٢ (١٨٥٠)، وانظر (١٨٧٨).
(٣) في (ج): ينظر الله إليهم.
(٤) من قوله: " ويكلمهم " إلى هنا ساقط من (ج).
(٥) أخرجه اللالكائي (٨٨٩).
[ ٥ / ٢٠٤ ]
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: فأمَّا من قال: إن الله (١) لا يُرى في الآخرة، فهو جهميٌّ. قال أبو عبد الله: وإنما تكلَّم من تكلم في رؤية الدنيا.
وقال إبراهيم بن زياد الصائغ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الرُّؤية مَنْ كذَّب بها، فهو زنديقٌ.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أدركنا الناس وما يُنكرون مِنْ هذه الأحاديث شيئًا -أحاديث الرؤية- وكانوا يُحدثون بها على الجملة يُمِرُّونَها على حالِها غير منكرين لذلك، ولا مرتابين.
وقال أبو عبد الله: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] فكلَّم الله موسى من وراء حجاب، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فأخبر الله ﷿ أن موسى يراه في الآخرة، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، ولا يكون حجابٌ (٢) إلاَّ لرؤية أخبر الله سبحانه أن من شاء الله ومن أراد يراه والكفَّار لا يرونه.
قال حنبل: وسمعتُ أبا عبد الله يقول: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، والأحاديث التي تُروى في النظر إلى وجه الله تعالى: حديث جرير بن عبد الله وغيره: " تنظُرُون إلى ربِّكم " .. أحاديث صحاح. وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ النظر إلى وجه الله تعالى، قال أبو عبد الله: نؤمن بها ونعلم أنها حق أحاديث الرؤية، ونؤمن أن الله يُرى، نرى ربنا (٣) يوم القيامة، لا نشك فيه ولا نرتاب.
_________________
(١) في (ج): إنه.
(٢) في (ش): الحجاب.
(٣) " نرى ربنا " ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٢٠٥ ]
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لا يُرى في الآخرة، فقد كفر بالله، وكذَّب بالقرآن، ورد على الله أمره. يُستتابُ، فإن تاب، وإلا قُتِلَ.
قال حنبل: قلت لأبي عبد الله في أحاديث الرؤية. فقال: هذه صحاح، نؤمن بها، ونُقِرُّ بها، وكل ما (١) رُوي عن النبي - ﷺ - إسناده جيِّدٌ أقررنا به.
قال أبو عبد الله: إذا لم نقر بما جاء عن النبي ودفعناه، رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرسولُ فخُذُوهُ وما نهاكُمْ عنه فانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
قول إسحاق بن راهويه: ذكر الحاكم وشيخ الإسلام وغيرهما عنه أن عبد الله بن طاهر أمير خراسان سأله، فقال: يا أبا يعقوب، هذه الأحاديث التي تروونها في النُّزول والرؤية ما هي (٢)؟ فقال: رواها من روى الطهارة والغسل (٣) والصلاة والأحكام وذكر أشياء فإن يكونوا في هذه عُدولًا، وإلاَّ فقد ارتفعت، وبطل الشرع. فقال: شفاك الله كما شفيتني. أو كما قال.
قول جميع أهل الإيمان: قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه: إن المؤمنين لم يختلفوا أن جميع المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد، ومن أنكر ذلك، فليس بمؤمنٍ عند المؤمنين.
قول المزني: ذكر الطبري في " السنة " عن إبراهيم بن أبي (٤) داود المصري، قال كنا عند نعيم بن حمَّادٍ جلوسًا، فقال نعيم، للمزني: ما تقول في القرآن؟ قال: أقول: إنه كلام الله. فقال: غير مخلوقٍ؟ فقال: غير مخلوقٍ.
قال: وتقول: إن الله يرى يوم القيامة؟ قال: نعم. فلما افترق الناس، قام إليه المُزنيُّ، فقال: يا أبا عبد الله، شهَّرتني على رؤوس الناس (٥). فقال: إن الناس
_________________
(١) في (ب): وكلّها.
(٢) في (ب) و(ج) و" حادي الأرواح ": هن.
(٣) " الطهارة والغسل " ساقط من (ج).
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ب): الخلائق.
[ ٥ / ٢٠٦ ]
قد أكثروا فيك فأردت أن أُبرِّئك (١).
قول جميع أهل اللغة. قال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد صاحب اللغة يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] أجمع أهل اللغة أن اللقاء ها هنا لا يكون إلاَّ معاينةً ونظرًا بالأبصار، وحسبُك بهذا الإسناد صحة (٢).
واللقاء ثابتٌ بنصِّ القرآن كما تقدَّم، وبالتواتر عن النبي - ﷺ -، وكلُّ أحاديث اللقاء صحيحة.
فحديث أنسٍ في قصة بئر معونة: أنا قد لقينا ربَّنا، فرضيَ عنَّا وأرضانا (٣).
وحديث عبادة وعائشة وأبي هريرة وابن مسعودٍ: " من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه " (٤).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي (٨٩١).
(٢) في (ش): حجة.
(٣) أخرجه البخاري (٤٠٩٠) و(٤٠٩١)، ومسلم (٦٧٧)، وأبو يعلى (٣١٦٠).
(٤) أخرجه من حديث عبادة: أحمد ٥/ ٣١٦ و٣٢١، والبخاري (٦٥٠٧) ومسلم (٢٦٨٣)، والترمذي (١٠٦٦)، والنسائي ٤/ ١٠. وأخرجه من حديث عائشة: أحمد ٦/ ٤٤ و٥٥ و٢٠٧ و٢٣٦، ومسلم (٢٦٨٤)، والترمذي (١٠٦٧)، والنسائي ٤/ ٩ و١٠، وابن ماجه (٤٢٦٤)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٤٣٠)، وعلقه البخاري (٦٥٠٧). وأخرجه من حديث أبي موسى الأشعري: البخاري (٦٥٠٨)، ومسلم (٢٦٨٦)، والقضاعي (٤٣١)، والترمذي عقب حديث عبادة. وأخرجه من حديث أنس: أحمد ٣/ ١٠٧، والبزار (٧٨٠)، وأبو يعلى (٣٨٧٧). وأخرجه أحمد عن رجل من الصحابة ٤/ ٢٥٩، وأورده كذلك الهيثمي ٢/ ٣٢١. وأخرجه من حديث معاوية: الطبراني في " الكبير " كما في " المجمع " ٢/ ٣٢١. =
[ ٥ / ٢٠٧ ]
فصل: أدلة المعتزلة ومتأخري الشيعة على نفي الرؤية
وحديث أنس: " إنكم ستلقون بعدي أثَرَةً، فاصبروا حتَّى تلقوا الله ورسوله " (١).
وحديث أبي ذرٍّ: " لو لقيتني بقِرابِ الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشرِكُ به شيئًا (٢) لقيتك بقرابها مغفرة ".
وحديث أبي موسى. " من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة " (٣).
وغير ذلك من أحاديث اللقاء التي اطَّرَدَتْ كلها بلفظٍ واحدٍ.
انتهى كلام هذه الطائفة منقولًا بحروفه من كتاب الشيخ ابن قيم الجوزية، والمقصود بنقله على طُولهِ بيان أنهم من أهل التأويل والتديُّن، وقبول أخبار ثقاتهم، كما هو مذهب أهل البيت والمنصوص في كتبهم المشهورة، حتى نجمت هذه البدعة البديعة، والعصبية الشنيعة في القول بأنهم مكذبون لله ورسوله (٤) على سبيل التَّعمُّد وقصد إضلال الخلق عما يعلمونه من الحق.
فصل: ومن العدل بعد حكاية أدلتهم بعباراتهم أن نحكيَ أدلة المعتزلة
_________________
(١) = وأخرجه من حديث عبد الله بن مسعود: أحمد والطبراني كما في " المجمع " بلفظ: " إن الله ﷿ يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي، فيقولون: نعم يا ربنا، فيقول: لم، فيقولون: رجونا عفوك ومغفرتك، فيقول: قد وجبت لكم مغفرتي ". وأخرجه بهذا اللفظ: أحمد ٥/ ٢٣٨ من حديث معاذ.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٦٦ و٢٤٤، والبخاري (٣٧٩٣) و(٧٠٥٢)، ومسلم (١٨٤٥)، والترمذي (٢١٩٠)، والبغوي (٣٩٧٤).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٨٧)، والبغوي (١٢٥٤)، وابن منده في " الإيمان " (٧٨) و(٧٩)، والطيالسي (٤٦٤).
(٤) صح هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة بهذا اللفظ. أما حديث أبي موسى، فقد رواه أحمد ٤/ ٤٠٢ و٤١١، والطبراني في " الكبير " كما في " المجمع " ١/ ١٦ بلفظ: " أبشروا وبشروا من وراءكم أنه من شهد أن لا إله إلاَّ الله صادقًا بها دخل الجنة ".
(٥) في (ج): ولرسوله.
[ ٥ / ٢٠٨ ]
ومتأخِّري الشيعة بعباراتهم أيضًا لوجهين:
أحدهما: لكيلا يتوهَّم فينا (١) أنا قصدنا الحَيْفَ على (٢) المعتزلة بترك عباراتهم المختارة لنُصرة مذهبهم، وعدم الاستيعاب لما في كُتبهم.
وثانيهما: ليظهر من (٣) تصرُّفاتهم العلم بمقصدنا الأول الذي هو الباعث على هذا التأليف، وهو أن المعتزلة خاضوا مع القوم في الاستدلال عليهم، والجواب عن أدلتهم، كما هو شأنُ المتأولين، ولم يقولوا: إنهم أنكروا الضرورة في مذاهبهم وأن عنادهم معلومٌ ببدائه العقول، مستغنٍ عن البيان كما ذكروا ذلك في السُّوفسطائية.
فنقول: قال السيد العلامة المتكلِّمُ أحمد بن أبي هاشم الحسيني في كتابه " شرح الأصول الخمسة " (٤) لقاضي القضاة -رحمة الله عليهما- ما لفظه (٥).
فصل في نفي الرُّؤية: ومما يجب نفيه عن الله تعالى: الرؤية، وهذه مسألة خلافٍ بين الناس، وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة إنما يتحقَّق بيننا وبين هؤلاء الأشعرية الذين لا (٦) يكيِّفون الرؤية، فأمَّا المجسِّمة، فهم يُسَلِّمون لنا أنَّ
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): عن.
(٣) في (ب): أن من.
(٤) ص ٢٣٢.
(٥) حذف هذا الفصل عمدًا من نسخة (ش)، فقد قال الناسخ هنا ما نصه: نعم، وقد نقله مولانا السيد الإمام الرحالة الحافظ القدوة في الآل الأكرمين -قدس الله روحه بحق سيد المرسلين الأولين والآخرين- مستوفى، وقد حذفته من هذه النسخة رجاء في جمعه من كلام القوم جمعًا على طريقة كلام الشيخ ابن قيم الجوزية إن مَهَّل الله تعالى. نعم ذكر السيد -رحمة الله تعالى- ما لفظه بعد تمام كلام صاحب " شرح الأصول " ما هذا لفظه: انتهى كلام المعتزلة
(٦) ساقطة من (ج).
[ ٥ / ٢٠٩ ]
الله تعالى لو لم يكن جسمًا، لما صح أن يُرى، ونحن نسلِّم لهم أنه تعالى لو كان جسمًا، لصحَّ أن يُرى، فالكلام معهم في هذه المسألة لغوٌ، ويمكن أن يُستدل علم هذه المسألة بالعقل والسمع جميعًا، لأن صحة السمع لا تقِفُ عليها، وكلُّ مسألةٍ لا تقف صحة السمع عليها، فالاستدلال عليها بالسمع ممكن، ولهذا جوَّزنا الاستدلال بالسمع على كونه تعالى حيًَّا لما لم تقف صحة السمع عليها. يُبَيِّن ذلك أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعًا حكيمًا، وإن لم يخطُر بباله أنه هل يُرى أم لا؟ ولهذا لم نكفِّر (١) من خالفنا في هذه المسألة، لما كان الجهل بأنه تعالى لا يُرى، لا يقتضي جهلًا بذاته ولا شيءٍ من صفاته، ولهذا جوَّزنا في قوله تعالى: ﴿ربِّ أرني أنظُر إليك﴾ أن يكون سؤال موسى ﵇، لأن المرئي ليس له (٢) -بكونه مرئيًا- حالٌ وصفة، وعلى هذا لم نجهِّلْ شيخنا أبا عليِّ بالأكوان، حيث قال: إنها مُدرَكَةٌ بالبصر.
إذا ثبتت هذه الجملة، فاعلم أنه -﵀- بدأ في الاستدلال على هذه المسألة بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ووجه الدلالة من الآية هو ما قد ثبت أن الإدراك إذا قُرِنَ بالبصر لا يحتمل إلاَّ الرؤية، وثبت (٣) أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر، وتمدَّح بذلك تمدُّحًا راجعًا إلى ذاته، وما كان نفيه مدحًا راجعًا إلى ذاته، كان (٤) إثباته نقصًا، والنقائص (٥) غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال.
فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن الإدراك إذا قُرِنَ بالبصر لا يحتمل إلاَّ الرؤية؟ (٦).
قلنا: لأن الرائي ليس له بكونه رائيًا حالةٌ زائدةٌ على كونه مدركًا، لأنه لو كان أمرًا زائدًا عليه، لصحَّ انفصال أحدهما عن الآخر على كونه مدركًا (٧)، إذ
_________________
(١) في (د): يكفر.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) في (ج): ولو ثبت.
(٤) عبارة " إلى ذاته كان " ساقطة من (ب).
(٥) في (ب): وإثبات النقائص.
(٦) في غير (ج) و(د): بالرؤية.
(٧) قوله: " على كونه مدركًا " ورد فقط في (أ)، وليس هو في " شرح الأصول الخمسة ".
[ ٥ / ٢١٠ ]
لا علاقة بينهما من وجهٍ معقول، والمعقول (١) خلافه.
وبعد: فإن الإدراك إذا أُطلِقَ يحتمل معاني كثيرة. قد يُذكَرُ ويُراد به البلوغ، يقال: أدرك الغلام: إذا بلغ الحُلمَ، وقد يُذكر ويراد به النُّضج والإيناع، يقال (٢): أدرك الثَّمر: إذا أينع، فأمَّا إذا قُيِّدَ بالبصر، فإنه لا يحتمل إلاَّ الرؤية على ما ذكرناه، وصار الحال فيه كالحال في السُّكون، فإنه إذا قُرنَ بالنفس لا يحتمل إلاَّ العلم، وإن احتمل، بإطلاقه شيئًا آخر، تبين ما ذكرناه أنه لا فرق بين قولهم: أدركتُ ببصري هذا الشخص، وبين قولهم (٤): آنستُ (٥) ببصري هذا الشخص، ورأيت (٦) ببصري هذا الشخص، أو أبصرت ببصري هذا الشخص (٧)، حتى لو قال: أدركتُ ببصري وما رأيتُ، أو آنست وما أدركت، لعُدَّ مناقضًا.
ومن علامة اتفاق اللفظين في الفائدة أن يُثْبَتا (٨) في الاستعمال معًا ويزولا معًا، حتى لو أثبت بأحدهما، ونفي بالآخر لتناقض الكلام. وبهذه الطريقة يُعلَمُ اتفاق الجلوس والقعودِ في الفائدة وغيرها من الأسامي.
فإن قيل: كيف يصحُّ قولكم: إن من علامة اتفاق اللفظين في الفائدة أن يثبتا في الاستعمال معًا، ويزولا معًا؟ ومعلوم أن الإرادة والمحبة واحدٌ (٩)، ثم (١٠)
_________________
(١) في (د) و(ج): والمعلوم.
(٢) من قوله: " أدرك الغلام " إلى هنا ساقط من (ج).
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) في " شرح الأصول الخمسة ": رأيت.
(٥) في الأصول: " أو رأيت "، والمثبت من " شرح الأصول الخمسة ".
(٦) زيادة من " شرح الأصول الخمسة " لم ترد في الأصول.
(٧) في (ب): ثبت.
(٨) في " شرح الأصول الخمسة ": واحدة.
(٩) في (أ): " لم "، وهو تحريف.
[ ٥ / ٢١١ ]
يستعمل أحدُهما حيث لا يستعمل الآخر (١)، فيقال: أُحِبُّ جاريتي، ولا يقال: أريدُها؟
قلنا: كلامنا فيما إذا استُعملا حقيقةً، وهذا فقد استعمل مجازًا، وحقيقته " أُحِبُ " (٢): الاستمتاع بها، فلا جرم، يجوز أن نقول: أريد الاستمتاع بها، وصار الحال فيما ذكروه كالحال في الغائط، فإنه المكان المطمئن في الأصل، ثم يُتجوَّز به في الكناية عن قضاء الحاجة، ولا يُستعمل بدله (٣) المكان المطمئنُّ في الكناية عن قضاء تلك الحاجة لما كان ذلك الاستعمال على سبيل التَّوسُّع والمجاز، لا على وجه الحقيقة، كذلك ها هنا.
فإن قيل: أليس أنهم يقولون: أدركتُ ببصري حرارة الميل، فكيف يصحُّ قولهم: إن الإدراك إذا قُرِنَ بالبصر لا يحتمل إلاَّ الرؤية؟
قلنا: هذا ليس من اللغة في شيءٍ، وإنما اخترعه ابن أبي بشرٍ الأشعري ليصح (٤) مذهبه به، إذ لم يَرِدْ في كلامهم: لا المنظوم ولا المنثور، يبين ما ذكرناه، ويوضحه: أن هذه " الباء " إذا دخلت على الأسامي أفادت أنها آلةٌ فيما دخلت فيه كقولهم: مشيتُ برجلي، وكتبت بقلمي. والبصرُ ليس بآلةٍ في إدراك الحرارة، إذ الخيشوم يُشاركه في ذلك، فلو كان آلة فيه، لم يَجُزْ ذلك، ألا ترى أن البصر لما كان آلة في الرُّؤية، لم يُشاركه فيها آلة السمع وغيره من الحواس؟ كذلك كان يجب مثله في مسألتنا، على أنا لم نقل: إنَّ الإدراك إذا قُرِنَ بالبصر، وقُيِّدَ بالحرارة، فإنه لا يُفيدُ إلاَّ الرؤية، فمتى (٥) يكون هذا نقضًا لكلامنا؟ وإنما قلنا: إنه إذا قُرِنَ بالبصر، لم يحتمل إلاَّ الرُّؤية، فلا يتوجه هذا على ما قلناه.
_________________
(١) في (ب): " الأخرى "، وفي (أ): بالآخر.
(٢) في (ب): لسبب.
(٣) في (ب): به.
(٤) في " شرح الأصول الخمسة " ليصحح.
(٥) في " شرح الأصول الخمسة ": حتى.
[ ٥ / ٢١٢ ]
فإن قيل: ولم قلتم: إنَّ هذه الآية وردت مورد التمدُّح؟
قلنا: لأن سياق الآية يقتضي ذلك، وكذلك ما قبلها وما بعدها، لأن جميعه في مدائح الله سبحانه، وغير جائزٍ من الحكيم أن يأتي بجملةٍ مشتملةٍ على المدح، ثم يخلِطُ بها ما ليس بمدح ألبتَّة. ألا ترى أنه لا يَحْسنُ أن نقول: فلانٌ وَرِعٌ، تقيٌّ، نقيُّ الجيب، مرضيُّ الطريقة، أسودُ، يأكل الخبز، يُصلِّي بالليل ويصوم بالنَّهار، لما لم يكن لكونه أسودَ، وأكله (١) الخبز تأثيرٌ في المدح؟ يبيِّنُ ذلك أنه تعالى لما بيَّن تميُّزه عمَّا عداه من سائر الأحياء (٢) بنفي الصاحبة والولد، بين أنه يتميز عن غيره من الذوات بأنه لا يُرى ويرى (٣).
وبعد، فإن الأمة اتفقوا على أن الآية واردةٌ مورد المدح، وأنه لا (٤) كلام في ذلك، وإنما الكلام في جهة التَّمدح، فمنهم من قال: إن التمدح هو بأن القديم -تعالى- لا يُرى، لا في الدنيا، ولا في الآخرة على ما يقوله، ومنهم من قال: إن التَّمدُّح هو أنه لا يرى في دار الدنيا، ومنهم من قال: إن التمدُّح في أنه لا يُرى بهذه الحواسِّ، وإن جاز أن يُرى بحاسَّةٍ أُخرى، فصحَّ أن الآية وردت مورد التمدح على ما ذكرناه، ولا تمدُّح إلاَّ من الجهة التي نقولها.
فإن قيل: وأيُّ مدحٍ في أن لا يُرى القديمُ تعالى، وقد شاركه فيه المعدومات وكثيرٌ من الموجودات؟
قلنا: لم يقع التمدح بمجرد أن لا يرى، وإنما يقع التمدح بكونه رائيًا، ولا يرى، ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحًا، وعلى هذا لا مدح في نفي
_________________
(١) في " شرح الأصول ": يأكل.
(٢) في " شرح الأصول ": من الأجناس.
(٣) عبارة " لا يرى ويرى " ساقطة من (ب)، وفي (أ) و(ج): " لا يرى ولا يرى "، والمثبت من (د) و" شرح الأصول الخمسة ".
(٤) قوله: " المدح وأنه لا " من (د)، وفي باقي الأصول بياض مكانها، وفي " شرح الأصول الخمسة ": " التمدح " وسقط بعده: " وأنه لا كلام في ذلك ".
[ ٥ / ٢١٣ ]
الصاحبة والولد مجردًا، ثمَّ بانضمامه إلى شيءٍ آخرَ يصيرُ مدحًا، ثم إذا انضمَّ إليه كونه حيًّا لا آفة به، صار مدحًا. وهكذا لا مدح في أنه لا أوَّل له، فإن المعدومات تشاركُه في ذلك، ثم يصيرُ مدحًا بانضمام شيء آخر إليه، وهو كونه قادرًا، عالمًا، حيًا، سميعًا، بصيرًا، موجودًا، كذلك في مسألتنا. وحاصل هذه الجملة أن التَّمدُّح إنما يقع بما به تقعُ البينونة بينه وبين غيره من الذوات، والبينونة لا تقع إلاَّ بما يقوله، لأن الذوات على أقسامٍ منها ما يُرى ويَرى كالواحد منَّا. ومنها ما لا يَرَى ولا يُرى كالمعدومات. ومنها ما صحّ ولا يرى كالجمادات.
ومنها ما يَرَى ولا يُرى كالقديم تعالى، وعلى هذا صحَّ التَّمدُّح بقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
فإن قيل: إن ما ليس بمدحٍ إذا انضمَّ إلى ما هو مدحٌ، كيف يصيرُ مدحًا؟.
قيل له: لا مانع من ذلك، فمعلوم أن قوله ﷿: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ليس (١) بمدحٍ، ثم صار مدحًا بانضمامه إلى قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ وكذلك قولنا في الله ﷿: إنه موجودٌ، ليس بمدحٍ، ثم إذا ضممنا إليه القول بأئه لا ابتداء له، صار مدحًا، ونظائر ذلك أكثرُ مِن أن تذكر، والمنكر له متجاهل.
فإن قيل: لو جاز فيما ليس بمدحٍ أن يصير مدحًا بانضمامه إلى غيره، لكان لا يمتنع أن يصير الجهل مدحًا بانضمامه إلى الشجاعة وقوة القلب، حتى يحسُنَ أن يُمدَحَ الغير (٢) بأنه جاهلٌ، قويُّ القلب، شجاعٌ.
قيل له: إن ما وُضع للنقص من الأوصاف، نحو قولنا: جاهلٌ، عاجزٌ، وما شاكلها، لا تختلف فائدته، ولا يتغير حاله بالانضمام (٣)، بل يقبل (٤) النقصَ
_________________
(١) زيد قبلها في " شرح الأصول ": بمجرده.
(٢) في " شرح الأصول ": أن يمدح الواحد الغير.
(٣) في " شرح الأصول ": بالانضمام ولا عدم الانضمام.
(٤) في " شرح الأصول ": يفيد.
[ ٥ / ٢١٤ ]
بكل حالٍ، سواء ضُمَّ إلى غيره أو لم يضم، وليس كذلك سبيل ما (١) ليس بمدحٍ ولا نقصٍ، فإن ذلك مما لا يمتنعُ أن يصير مدحًا بغيره على ما ذكرناه.
فإن قيل: فجوزوا أن يصير قولنا: " أسود " مدحًا بأن ينضم إليه قولنا: عالم، ومعلوم أن ذلك لا يصير مدحًا لما لم يكن مدحًا في نفسه، فإذا لم يَجُزْ أن يصير ذلك مدحًا، فكذلك لا يجوز في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبصَارُ﴾ أن يصير مدحًا بأن ينضمَّ إليه قوله: ﴿وهو يُدْرِكُ الأبصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
قيل: إنا لم نقل: إن ما ليس بمدحٍ إذا انضمَّ إلى ما هو مدحٌ صار مدحًا بكل حالٍ، بل قلنا: إن ما ليس بمدحٍ إذا انضمَّ إلى ما هو مدحٌ، وحصل بمجموعهما (٢) البينونةُ، صار مدحًا، ولا تحصُلُ البينونة بانضمام قولنا: " أسودُ " إلى قولنا " عالمٌ "، بخلاف مسألتنا، لأنه حصل ها هنا بينونةٌ على الوجه الذي ذكرناه.
فإن قيل: ما وجه البينونة؟
قلنا: وجهُ البينونة: هو أنه يرى ولا يُرى.
فإن قيل: هلاَّ جاز أن تكون جهةُ التمدُّح هو كونه قادرًا على أن منعنا (٣) من رؤيته؟
قلنا: هذا تأويلٌ بخلاف تأويل المفسِّرين. وما هذا سبيله من التأويلات يكون (٤) فاسدًا.
_________________
(١) المثبت من (د)، وفي باقي الأصول بياض.
(٢) في (أ) و(ب): مجموعهما.
(٣) في " شرح الأصول ": يمنعنا.
(٤) في (أ): " لكونه "، وهو تحريف.
[ ٥ / ٢١٥ ]
وبعد: فإن هذا حملٌ لخطاب الله تعالى على غير (١) ما تقتضيه حقيقة اللُّغة ومجازها، فلا يجوز.
يُبيِّنُ ذلك أن أحدنا إذا قال: فلان لا يرى، فإنه لا يقتضي كونه قادرًا على أن يمنع من رويته، لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها، فكيف يصحُّ ما ذكرته؟
فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن هذا التمدُّح راجعٌ إلى الذات؟
قلنا: لأن المدح على ضربين:
أحدهما: يرجع إلى الذات. والثاني: يرجعُ إلى الفعل.
وما يرجع إلى الذات قسمان: أحدهما يرجع إلى الإثبات (٢)، نحو قولنا: قادرٌ، عالمٌ، حيٌّ، سميعٌ، بصيرٌ.
والثاني: يرجع إلى النَّفي، وذلك نحو قولنا: لا يحتاج، ولا يتحرَّك ولا يسكن.
وأما ما يرجع إلى الفعل، فعلى ضربين أيضًا (٣):
أحدهما: يرجع إلى الإثبات، نحو قولنا: رازقٌ، ومحسنٌ، ومتفضِّلٌ.
والثاني: يرجِعُ إلى النفي، وذلك نحو قولنا: لا يَظْلِمُ، ولا يكذِبُ.
إذا ثبت هذا، فالواجبُ أن ننظر في قوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصارُ﴾ من أيِّ القبيلين هو؟ لا يجوز أن يكون من قبيل ما يرجع إلى الفعل، لأنه تعالى لم يفعل فعلًا حتى لا يُرى، وليس يجب في الشيء إذا لم ير أن يحصل منه فعل حتى لا يُرى، فإن كثيرًا من الأشياء لا تُرى، وإن لم تفعل أمرًا من الأمور كالمعدومات، وكثيرٍ من الأعراض، والشيء إذا لم يُرَ، فإنما لم يُرَ لما هو عليه
_________________
(١) في الأصول: " قدر "، والمثبت من " شرح الأصول ".
(٢) في (ب): إثبات.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٢١٦ ]
في ذاته، لا لأنه يفعل أمرًا من الأمور. وإذا كان الأمر كذلك، صح أن هذا الأمر يرجع إلى الذات على ما نقوله.
فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن ما كان نفيهُ مدحًا راجعًا إلى ذاته، كان إثباته نقصًا.
قيل له: لأنه لو لم يكن إثباته نقصًا، لم يكن نفيه مدحًا (١)، ألا ترى أن نفي السِّنَةِ والنوم لمَّا كان مدحًا، كان إثباته نقصًا؟ (٢) حتَّى لو قال أحدٌ: إنه تعالى ينام، كان هذا نقصًا.
وبعد: فإنه تعالى إذا لم يُرَ إنما (٣) لم يُرَ لما هو عليه في ذاته (٤)، فلو رُئِيَ، لوجب أن يكون قد خرج عما هو عليه في ذاته، فكان نقصًا.
فإن قيل: وأيُّ نقصٍ في أن يُرى القديم؟ وما وجه النقص؟
قلنا: لا يلزمنا أن نعلم ذلك مفصلًا، بل إذا علمنا على الجملة أنه تعالى تمدَّح بنفي الرؤية عن نفسه مدحًا راجعًا إلى ذاته، وعلمنا أن ما كان نفيه مدحًا راجعًا إلى الذات، كان إثباته نقصًا، كفى، وإذا أردت التفصيل، فلأن فيه انقلابه وخروجه عما هو عليه في ذاته.
فإن قيل: ما أنكرتم أن المراد بقوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُه الأبصارُ﴾، أي لا تحيط به الأبصار، ونحن هكذا نقول.
قلنا: الإحاطة ليس هي بمعنى الإدراك، لا في حقيقة اللُّغة، ولا في مجازها، ألا ترى أنهم يقولون: السُّورُ أحاط بالمدينة، ولا يقولون: أدركها، ولا أدرك بها، وكذلك يقولون: عين الميت أحاطت بالكافور، ولا يقولون: أدركته.
_________________
(١) في " شرح الأصول ": التمدح.
(٢) في (أ): " لم يكن نقصًا ".
(٣) في (أ): بما.
(٤) في الأصول: " ذلك "، والمثبت من " شرح الأصول الخمسة ".
[ ٥ / ٢١٧ ]
وبعد: فإن هذا تأويلٌ بخلاف تأويل المفسرين، فلا يقبل على أنه كما لا تحيط به الأبصار، فكذلك لا يحيط هو (١) بالأبصار، لأن المانع عن ذلك في الموضعين واحدٌ، فلا يجوز حمل الإدراك المذكور في الآية على الإحاطة لهذه الوجوه.
فإن قيل: لا تَعَلُّق لكم بالظاهر، لأن الذي يقتضيه الظاهر أن الأبصار لا تراه، ونحن كذلك نقول.
قيل له: إن الله تعالى تمدَّح بنفي الرؤية عن نفسه، فلا بُدَّ أن يحمل على وجهٍ تقعُ فيه البينونة (٢) بينه وبين غيره من الذوات حتى يدخل في باب التَّمدُّح، ولا تقع البينونة بينه وبين غيره من الذوات (٣)، بهذا الذي ذكرتموه لأن الأبصار كما لا تراه فكذلك لا ترى غيره.
وبعد، فإن المراد بالأبصار: المبصرون، إلاَّ أنه تعالى علَّق (٤) الإدراك بما هو آلةٌ فيه وعنى به الجملة.
ألا ترى أنهم يقولون: مشتْ رجلي، وكتبتْ يدي، وسمعت أُذني، ويريدون الجملة، وعلى هذا المثل السائر: يداك أو كتا وفُوك نَفَخَ (٥). ثم إن لتعليق الشيء بما هو آلة فيه فائدةٌ ظاهرةٌ، لا تحصل تلك الفائدة إذا علقت بالجملة.
_________________
(١) في (د): هو لا يحيط.
(٢) في (د): " به البينونة "، وفي (ج): " البينونة به ".
(٣) من قوله: " حتى يدخل " إلى هنا ساقط من (أ) و(د).
(٤) في (أ) و(ج): إلى ذاته تعالى على.
(٥) في " فصل المقال " ص ٤٥٨، و" المستقصى " ٢/ ٤١٠، و" مجمع الأمثال " ص ٤١٤: أصله أن رجلًا كان في جزيرة من جزائر البحر، فأراد أن يَعْبُرَ على زِقٍّ نفخ فيه، فلم يُحسن إحكامه، حتى إذا توسَّط البحر خرجت منه الريح، فغرق، فلما غشيه الموت استغاث برجل، فقال له: يداك أوكتا وفوك نفخ. وثمت سبب آخر لهذا المثل أورده البكري، فانظره فيه.
[ ٥ / ٢١٨ ]
بيان ذلك أن أحدنا إذا قال: كتبتُ (١)، يحتمل أن يكون قد كتبه بنفسه، ويحتمل أن يكون استكتب غيره، وليس كذلك إذا قال: كتبت يدي، ومشت رجلي، فإنه لا يحتمل ذلك.
وبعد: فإن هذا تأويلٌ بخلاف تأويل المفسرين، فإن المفسرين من لدن الصحابة إلى يومنا هذا على أن المراد بالأبصار: المبصرون، إلاَّ أنهم اختلفوا، فمن قائل: لا يُدرِكُهُ المبصرون في دار الدُّنيا، ومِنْ قائل: لا يدركه المبصرون في حال من الأحوال، وكل تأويل يكون بخلاف تأويل المفسرين كفتوى (٢) تكون بخلاف فتوى المفتين.
فإن قيل: لو كان المراد بقوله: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصارُ﴾ المبصرون، لوجب مثله في قوله: ﴿وهو يُدرِكُ الأبصارَ﴾ أن يكون المبصرين، ليكون النفي مطابقًا للإثبات، وهذا يقتضي أن يرى القديم نفسه، لأنه من المبصرين، وكل من قال: إنه تعالى يرى نفسه، قال: يراه غيره.
قيل له: إنه تعالى -وإن كان مبصرًا- فإنما يرى ما كان يدرك (٣) وتصِحُّ رؤيته، ونفسه يستحيل أن ترى لما قدمناه أنه تمدح بنفي الرؤية تمدُّحًا راجعًا إلى ذاته، وما كان نفيه مدحًا راجعًا إلى ذاته، كان إثباته نقصًا، والنقص لا يجوز على الله تعالى.
وبعد: فإن المراد بقوله: ﴿لا تدركه الأبصارُ﴾ المبصرون بالأبصار، فكذلك في قوله: ﴿وهو يُدرك الأبصَار﴾، يجب أن يكون هذا هو المراد، ليكون النفي مطابقًا للإثبات، والله تعالى ليس من المُبْصِرين بالأبصار. فلا يلزم ما ذكرتموه.
_________________
(١) في (أ): " إنه يحتمل "، وفي (ج): ويحتمل.
(٢) في " شرح الأصول ": فهو كفتوى.
(٣) " كان يدرك " ساقط من " شرح الأصول ".
[ ٥ / ٢١٩ ]
وبعدُ: فلا يجوز مِنَ الله تعالى أن يُجمَعَ بينه وبين غيره في الخطاب، بل يجب أن يُفرَدَ بالذكر تأديبًا لنا، وتعليمًا للتعظيم، وعلى هذا فإن أمير المؤمنين ﵇ لمَّا سمعَ خطيبًا يقول: " مَنْ أطاع (١) الله ورسوله فقد رَشَدَ، ومن يَعْصِهما فقد غوى " فنهى عن الجمع بينَ الله ورسوله في الذِّكر إعظامًا وإجلالًا لله جلّ ذكره (٢).
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصَارُ وهو يُدرِكُ الأبصار﴾ عامٌ في الدَّار (٣) الدنيا ودارِ الآخرة. وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] خالصٌّ في دار الآخرة، ومن حقِّ العامِّ أن يُبنى (٤) على الخاص، كما أن من حق المُطلق أن يُبنى على المقيَّد.
ورُبما يستدلِّون بهذه الآية ابتداء على أنه تعالى يُرى في دار الآخرة.
وجوابنا أن العام إنما يُبنى على الخاص إذا أمكن تخصيصه، وهذه الآية لا تحتمل التخصيص، لأنه تعالى تمدَّح بنفي الرؤية تمدُّحًا يرجع إلى ذاته (٥)، وما كان نفيه مدحًا راجعًا إلى ذاته، كان إثباته نقصًا، والنَّقصُ لا يجوز على الله تعالى (٦).
وبعد: فإن هذه الآية إنما تخصِّصُ تلك الآية إذا أفادت أنه تعالى يُرى (٧)
_________________
(١) في (د): يطع.
(٢) هذا النهي ثابت عن النبي - ﷺ -، فقد أخرج أحمد ٤/ ٢٥٦، ومسلم (٨٧٠)، والنسائي ٦/ ٩٠، وأبو داود (١٠٩٩) و(٤٩٨١) من حديث عدي بن حاتم قال: تشهَّد رجلان عند النبي - ﷺ - فقال أحدهما: من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله - ﷺ -: " بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله ". وانظر " صحيح ابن حبان " (٢٧٩٨). وقد تقدم تخريجه ١/ ٢٣١.
(٣) في (د): دار.
(٤) في " شرح الأصول ": يحمل.
(٥) في (ج) تمدحا لرؤيته.
(٦) في " شرح الأصول " زيادة: على وجه.
(٧) في (ج): يرونه.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
في حالٍ من الأحوال، وليس في الآية ما يقتضي ذلك، لأن النظر ليس هو بمعنى الرؤية. هذا هو الجواب عنه إذا تعلقوا به على هذا الوجه.
فأمَّا إذا استدلُّوا به ابتداءً، فالجواب عليه أن يقال لهم: ما وجه الاستدلال بهذه الآية؟
فإن قالوا: إنه تعالى بيَّن أن الوجوه يوم القيامة تنظر إليه والنظر هو معنى الرؤية.
قلنا: لا نسلِّم أن النظر بمعنى الرؤية، فما دليلُكم على ذلك؟ فلا يجدون إلى ذلك سبيلًا. ثم يقال لهم: كيف يصح أن يكون النظر بمعنى الرؤية؟ ومعلومٌ أنهم يقولون: نظرت إلى الهلال، فلم أره، فلو كان أحدهما هو الآخر، لتناقض الكلام، وتنزَّل منزلة قول القائل: رأيتُ الهلال، وما رأيتُ، وذلك متناقضٌ (١) فاسدٌ.
وبعد: فإنَّهم يجعلون الرُّؤية غايةً للنظر، فيقولون: نظرتُ حتى رأيت. فلو كان أحدهما هو الآخر، لكان بمنزلة أن يُجعَلَ الشيء غايةً لنفسه، وذلك لا يجوز، ولذلك لا يجوز أن يُقال: رأيت حتى رأيت.
وبعد: فإنهم يُعْقِبُونَ النظر بالرؤية، فيقولون: نظرت فرأيت، فلو كان أحدهما هو الآخر، لكان في ذلك تعقيبُ الشيء بنفسه، ويُنزل (٢) منزلة قولك: رأيت فرأيت، وهذا لا يستقيم.
وبعد: فإنهم يُنَوِّعُون النظر، فيقولون. نظرتُ نَظَرَ (٣) راضٍ، ونظرت نظر غضبان، ونظرت نظر شزْرٍ. وعلى هذا قول (٤) الشاعر:
نظروا إليكَ بأعيُنٍ مُزْورَّةٍ نَظَرَ التُّيوسِ إلى شِفَارٍ الجَازِرِ
_________________
(١) في (ج) و" شرح الأصول ": مناقض.
(٢) في (ب): تنزل.
(٣) في (د): نظرة.
(٤) في (ب) و(ج) و(د): قال.
[ ٥ / ٢٢١ ]
خُزْرَ (١) الحواجِبِ ناكسي أذقانِهم (٢) نَظَرَ الذَّليلِ إلى العَزيزِ القَاهِرِ
وقال آخر (٣):
تُخَبِّرُني العَيْنَانِ ما الصَّدْرُ كَاتِمٌ وما جَنٌّ بالبغضاءِ والنَّظرِ الشَّزْر
وأيضًا فإنهم يقولون في تفسير الأقبل -وهو الأحول- هو الذي إذا نظر إليك كأنه ينظر إلى غيرك، فلو كان النظر هو الرؤية، لكان تقديره هو الذي إذا رآك كأنه يرى غيرك، وهذا لا يستقيم.
وبعد، فإنا نعلم ضرورة كون الجماعة ناظرين إلى الهلال، ولا نعلم كونهم رائين له ضرورة، ولهذا يَصِحُّ أن يسأل عن ذلك. فلو كان أحدهما هو الآخر، لم يَجُزْ ذلك. ويدلُّ على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وتراهُم ينظُرُون إليك وَهُم لا يُبْصِرُون﴾ [الأعراف: ١٩٨]، أثبث النظر، ونفي الرؤية. فلو كان أحدهما بمعنى الآخر، لتناقض الكلام، وتنزَّل منزلة قول القائل، يَرَوْنَك ولا يَرَوْنَكَ. وذلك خُلْفٌ من الكلام.
فإن قيل: إن ذلك مجازٌ، لأنه ورد في شأن الأصنام.
قلنا: إنه -وإن كان كذلك- إلاَّ أن المجاز كالحقيقة في أنه لا يصح التناقض.
وحاصل هذه الجملة: أن النظر من الرؤية بمنزلة الإصغاء من السماع، والذوق من إدراك الطَّعم، والشَّمِّ من إدراك الرَّائحة.
فإن قيل: النظر إذا أُطلِقَ يحتملُ معاني كثيرةً كما ذكرتموه، فأما إذا عُلِّق بالوجه، فلا يحتمل إلاَّ الرؤية، كما إذا عُلِّق بالقلب لا يحتمل إلاَّ الفكر، وربما
_________________
(١) في (أ): غرر.
(٢) في (ب): أبصارهم.
(٣) ذكر عجزه في " اللسان " (جنن)، ونسبه إلى الهذلي.
[ ٥ / ٢٢٢ ]
يقولون: إن النظر إذا غُلِّق بالوجه وعُدِّي بـ " إلى "، لم يحتمل إلاَّ الرؤية.
قلنا: ما ذكرتموه أولًا فممَّا لا نسلمه، فما دليلكم عليه؟.
فإن قالوا: الدليل عليه هو أن الآلة التي يرى بها الشيء في الوجه، فيجب في النظر إذا عُلِّق به أن لا يحتمل إلاَّ الرؤية، لأنه لو لم يكن كذلك، لكان لا تثبت لتعليقه (١) به فائدة.
قلنا: لو وجب صحة ما ذكرتموه من حيث إن الآلة التي يرى بها في الوجه، لوجب صحة أن يقول (٢) القائل: ذُقتُ بوجهي، ويريد به: أدركت الطعم، لأن آلة الذوق في الوجه. وهكذا في قوله: شممتُ بوجهي. وقد عُرِفَ خلافه.
وأما ما قالوه من أن النظر إذا عُلق بالوجه، وعدي بـ " إلى " لم يحتمل إلا الرؤية، فسنتكلَّم عليه إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: النظر المذكور في الآية إذا لم يُفِدِ الرؤية، فما تأويل الآية؟
قيل له: قد قيل: إنَّ النظر المذكور ها هنا بمعنى الانتظار، فكأنه تعالى قال: وجوهٌ يومئذ ناضرة لثواب ربِّها منتظرة، والنظر بمعنى الانتظار قد ورد، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى ميسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: انتظار، وقال ﷿ حاكيًا عن بلقيس: ﴿فناظِرَةٌ بِمَ يرجِعُ المُرسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، أي منتظرة. وقال الشاعر:
فإن يكُ صدرُ هذا اليوم وَلَّى فإنَّ غدًا لِنَاظِرِهِ قريبُ (٣)
_________________
(١) في (د): لتعلُّقه.
(٢) في (د): قول.
(٣) مكان بيت الشعر بياض في (ب)، وهذا البيت من قصيدة لهدبة بن خشرم أوردها القالي في " أماليه " ١/ ٧٢ يقول فيها: يؤرقني اكتئابُ أبي نُميرٍ فقلبي من كآبتِه كَئِيبُ =
[ ٥ / ٢٢٣ ]
وقال آخر:
وإنَّ امرءًا يرجو السبيل إلى الغِنَى بغيرك عن حَدِّ الغِنَى جدُّ حَائر
يراهُ (١) على قُربٍ وإن بَعُدَ المَدَى بأعيُنِ آمالٍ إليك نواظِرِ
وقال آخر:
وُجُوهٌ يومَ بدرٍ ناظراتٌ إلى الرحمن يأتي بالخلاص (٢)
وقال الخليل: تقول العرب: إنما أنظر إلى الله تعالى وإلى فلان من بين الخلائق، أي: أنتظر خيره، ثم خير فلان.
فإن قيل: النظر إذا عُدِّي بـ " إلى " كيف يجوز أن يكون بمعنى الانتظار؟
قلنا: كما قال ﷿: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. ذكر النظر، وعدَّاه بـ " إلى " وأراد به الانتظار، كما تقول العرب على ما قال الخليل.
وقال الشاعر:
_________________
(١) = فقلتُ له هداك الله مهلًا وخيرُ القول ذو اللب المُصِيبُ عسى الكربُ الذي أمسيت فيه يكونُ وراءه فرجٌ قريبُ فَيَأمَنُ خائفٌ ويُفَكُّ عانٍ ويأتي أهلَه الرجلُ الغريبُ وانظر " الحماسة البصرية " ١/ ٤٤.
(٢) في " شرح الأصول ": تراه.
(٣) أنشده الرازي في " تفسيره الكبير " ٢٩/ ٢٢٩ بلفظ: وجوه ناظرات يومَ بدرٍ إلى الرحمن تنتظر الخلاصا وقال: هذا الشعر موضوع، والرواية الصحيحة: وجوه ناظرات يوم بكرٍ إلى الرحمن تنتظرُ الخلاصا والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب، لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليمامة، فأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه التخلص من الأعداء.
[ ٥ / ٢٢٤ ]
إنِّي إليك لما وَعَدْتَ لَنَاظِرٌ نَظَرَ الفقيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ (١)
فإن قيل: إن النظر إذا عُلِّق بالوجه، وعدي بـ " إلى "، كيف يراد به الانتظار؟
قلنا: إن ذلك غير ممتنعٍ، وعلى هذا قول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالخلاص
على أن " إلى " في الآية -على ما قيل- ليس بحرف جرٍّ ولا حرف التعدية، وإنما، هو واحد الآلاء التي هي النعم، فكأنه تعالى قال: وجوهٌ يومئذٍ ناضرة، نعمة (٢) ربها ناظرة أي منتظرة، ونِعمَه مترقِّبة.
وقد أجاب شيخنا أبو عبد الله البصري بأن النظر إذا كان بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة تعدَّى بـ " إلى " وكذلك إذا كان بمعنى الانتظار، ولا يمتنعُ أن يُعدّى بـ " إلى "، لأن المجازات يُسلك بها مسلك الحقائق، وهذه إشارةٌ إلى أن النظر بمعنى الانتظار مجازٌ، وحقيقته (٣): تقليب الحَدَقَة الصحيحة، وليس كذلك، لأن النظر لفظةٌ مشتركةٌ بين معانٍ كثيرةٍ على ما مرّ.
وبعد: فإذا جاز تعليق (٤) النظر بالعين، ويراد به الانتظار، جاز أن يُعلَّق بالوجه أيضًا، ويُراد به الانتظار. ومعلوم أنهم يعلقون (٥) النظر بالعين، ويُعدُّونه بـ " إلى "، ويريدون به (٦) الانتظار. وعلى هذا قال (٧) الشاعر:
يَراه على قُرْبِ وإن بَعُدَ المدى بأعيُنِ آمالٍ إليك نَوَاظِرِ
على أن الوجه ها هنا ليس بمقصودٍ، وأن المقصود صاحب الوجه، كما قال
_________________
(١) أنشده القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " ١٩/ ١٠٩، ولم ينسبه لأحد.
(٢) في " شرح الأصول ": آلاء.
(٣) في (ب): وحقيقة.
(٤) في (ج) و(د): تعلق.
(٥) في الأصول: " لا يعلقون "، والمثبت من " شرح الأصول ".
(٦) ساقطة من (ب).
(٧) في (ج): قول.
[ ٥ / ٢٢٥ ]
الله ﷿: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤، ٢٥].
ومعلومٌ أن الوجوه لا تظُنُّ، وإنما أصحاب الوجوه يظنون، وهذا هو التَّأويلُ الأول، والكلام عليه.
وأما التأويل الثاني، فهو أن النظر بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة، فكأنه قال تعالى: وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ثواب ربها ناظرة. ذكر نفسه، وأراد غيره، كما قال في موضعٍ آخر: ﴿واسألِ القريَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يعني: أهل القرية.
وقال: ﴿إني ذَاهبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى حيث أمرني ربي، وقال تعالى: ﴿وجاء ربُّك﴾ [الفجر: ٢٢] أي: أمر ربك. وقال الشاعر (١):
هلاَّ سألتِ الخيلَ يا ابنة (٢) مالكٍ إن كُنْتِ جاهلة بما لم تعلمي (٣)
أي: أرباب الخيل، وقال جميل:
سَلِ الرَّبْعَ أنَّى يَمَّمَتْ أمُّ مالكٍ وهل عادةٌ للربع أن يَتَكَلَّما (٤)
فكِلا التأويلين مرويَّان عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وعن عبد الله بن العباس، وجماعةٍ من الصحابة ﵃.
قالوا على التأويل الأول: هذه الآية وردت في شأن أهل الجنة، فكيف يجوز أن تكون بمعنى الانتظار؟! لأن الانتظار (٥) يورِثُ الغمَّ والمشقَّة، ويؤدي إلى التَّنغيص (٦) والتكدير، حتَّى يقال في المثل: الانتظارُ يُورِثُ الاصفرار،
_________________
(١) في " شرح الأصول ": عنترة.
(٢) تحرفت في الأصول إلى: " بالله " والمثبت من (ب) و" شرح الأصول ".
(٣) البيت لعنترة بن شداد العبسي من جاهليته السائرة، ومطلعها: هل غادر الشعراءُ من متردم أم هل عرفتَ الدارَ بعدم توهُّمِ انظر " شرح القصائد العشر " للتبريزي ص ٢٣٦.
(٤) ديوانه ص.
(٥) ساقطة من (ج).
(٦) تصحفت في (أ) و(ج) إلى: التبعيض.
[ ٥ / ٢٢٦ ]
والانتظار الموت الأحمر، وهذه الحالة غير جائزةٍ على أهل الجنة.
وجوابنا أن الانتظار لا يقتضي تنغيص العيش على كل حال، وإنما يوجب ذلك متى كان المنتظر لا يتيقَّن حصول ما ينتظره إليه، أو يكون في حبسٍ، ولا يدري متى يتخلص من ذلك، وهل يتخلص، أم لا؟ فإنه -والحال هذه- يكون في غمٍّ وحسرةٍ. فأمَّا إذا تيقَّن وصوله إليه، فلا يكون في غمٍّ وحسرةٍ، خاصة إذا كان حال انتظاره في أرغد عيشٍ وأهناه.
ألا ترى أنَّ من كان على مائدة قومٍ، وعليها ألوان الأطعمة اللذيذة، يأكل منها ويلتذُّ بها، وينتظر لونًا آخر، ويتيقن وصوله، فإنه لا يكون في تنغيصٍ وتكدير، بل يكون في سرورٍ متضاعفٍ، حتى لو قُدِّم إليه الأطعمة كلها دفعة واحدة لتبرَّم بها، كذلك حال أهل الجنة لا يكونون في غمٍّ وتنغيص إذا كانوا يتيقنون وصولهم إلى ما ينتظرون على كل حال.
وللقوم شُبَهُ في هذا الباب: من جملتها: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قالوا: بين الله تعالى (١) أن الوجوه يوم القيامة تنظر إليه، وهذا يدل على كونه مرئيًّا على ما نقوله. والأصل في الكلام عليهم أن نمنعهم من الاستدلال بالسمع، لأن (٢) الاستدلال بالسمع ينبني على أنه تعالى عَدْلٌ، حكيم، لا يُظهر المُعْجِز على الكذابين، والقوم لا يقولون بهذا، فلا يمكنهم الاستدلال بالسمع أصلًا على شيءٍ، وعلى (٣) أنا قد بينا أن النظر ليس هو الرؤية. وتكلمنا عليه، فلا وجه لإعادته.
ومما يتعلقون به: قوله تعالى: ﴿ربِّ أرني أنظُرْ إليكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قالوا: فهذا سؤالٌ، وقد سأل موسى الله الرؤية، فدلَّ على أنها جائزة على الله تعالى، فلو استحال ذلك، لم يجُزْ أن يسأله، والذي يدلُّ على أن
_________________
(١) قوله: " قالوا بين الله تعالى " بياض في غير (د).
(٢) في (ب) و" شرح الأصول ": بالسمع أصلًا لأنَّ.
(٣) تحرفت في (أ) إلى: الناس.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
السؤال سؤال موسى ﵇: وجهان: أحدهما أنه أضاف السؤال إلى نفسه. والثاني: أنه تاب، والتوبة لا تصحُّ إلاَّ من فعل النفس.
وقد أجاب شيخنا أبو الهذيل عن هذا بأن الرؤية ها هنا بمعنى العلم، ولا اعتماد عليه، لأن الرؤية إنما تكون بمعنى العلم متى تجرَّدت، فأمَّا إذا قارنها النظر، فلا تكون بمعنى العلم. فالأولى ما ذكره غيره من مشايخنا، وهو أن السؤال لم يكن سؤال موسى ﵇، وإنما كان سؤالًا عن قومه، والذي يدلُّ عليه قوله تعالى لمحمَّد - ﷺ -: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقوله ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، فصرَّح الله تعالى بأن القوم الذين حملوه على هذا السؤال.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى حاكيًا عن موسى عليه الكلام: ﴿أتُهلِكُنَا بما فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فبين أن السوال سؤالٌ عن قومه، وأن الذنب ذنبهم.
فإن قيل: لولا أن الرؤية غير مستحيلةٍ على الله تعالى، وإلاَّ لما جاز أن يسأله (١) لا عن نفسه ولا عن قومه، كما لا يجوز أن يسأل الله الصاحبة والولد لما كان مستحيلًا عليه.
قلنا: فرق بينهما، لأن مسألة الرؤية يمكن معرفتها بالسمع، فجاز أن يطلب فيها دلالة سمعية بخلاف مسألة الصاحبة والولد. وقد قيل: إنه علم أن الرؤية مستحيلة على الله جل وعز، ولكنه سأله عن ذلك، لأن الأمة لم يكن نَفَعَهُم (٢) جوابه، فسأل الله سبحانه لِيَردَ من جهته جوابٌ (٣) يُقْنِعُهُم. فأمَّا ما ذكروه
_________________
(١) في " شرح الأصول ": يسأله ذلك.
(٢) في (ب) و(د) و" شرح الأصول ": يقنعهم.
(٣) في " شرح الأصول ": جوابًا.
[ ٥ / ٢٢٨ ]
في الصاحبة والولد، فلا يصح، لأنه إنما لم يسأل، لا لأن الصاحبة والولد مستحيلٌ على الله تعالى، والرؤية غير مستحيلةٍ، بل لأنهم لا يطلبون منه ذلك، حتى لو قدَّرنا أنهم طلبوا منه ذلك، وعَلِمَ أنه لا يُقنعهم، لجاز أن يسأل الله تعالى ذلك، وقد قيل: إن بين الموضعين فرقًا، لأن إحدى المسألتين لا يمكن أن يُستدلَّ عليها بالسمع والأخرى يُمكن ذلك فيها، ففارق أحدُهما الآخر.
وأما ما ذكروه من أن السؤال سؤال موسى عليه التسلام، لأنه أضاف الرؤية (١) إلى نفسه بقوله: ﴿ربِّ أرني أنظُر إليك﴾، فلا يصح، لأنه غير ممتنع أن يكون السؤال سؤال قومه، ثم إنه يضيفه إلى نفسه، وهذا ظاهرٌ في الشاهد. ألا ترى أن الكبير منَّا إذا شَفَعَ لغيره في حاجةٍ، ربما يقول: اقضِ حاجتي، وأنْجِح طَلِبَتِي (٢)، وما جرى هذا المجرى، فيُضِيفُه إلى نفسه، وإن كانت الحاجة حاجة غيره.
وأما ما قالوه من أن السؤال سؤال موسى، لأنه تاب من ذلك، والتوبة لا تصح إلاَّ من فعل نفسه، فلا تصح أيضًا، لأن توبته هو، لأنه سأل الله تعالى بحضرة القوم بغير إذنٍ، ولا يجوز من (٣) الأنبياء أن يسألوا الله تعالى بحضرة الأمة من غير إذنٍ سمعيّ، لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح في أن لا يُجابوا، فيكون ذلك تنفيرًا عن قبول قوله.
وأما الصاعقة، فلم يكن ذلك عقوبةً، وإنما كان امتحانًا وابتلاءً، كما امتحن الله غيره من الأنبياء، وهده الآية حجة لنا عليهم من وجهين:
أحدهما هو أنه تعالى قال مُجيبًا لسؤاله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾، و" لن " موضوعةٌ للتأبيد، فقد نفي أن يكون مرئيًا ألبتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه.
_________________
(١) في " شرح الأصول ": سؤال الرؤية.
(٢) في (د): طلبي.
(٣) في (د): على.
[ ٥ / ٢٢٩ ]
فإن قالوا: أليس أنه قال تعالى حاكيًا عن اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] أي: لا يتمنَّون الموت، ثم قال حاكيًا عليهم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فكيف يقال: إن " لن " موضوعٌ للتأبيد؟
قلنا: إن " لن " موضوعةٌ للتأبيد، ثم ليس يجب أن لا يصح استعماله إلاَّ حقيقة، بل لا يمتنعُ أن يستعمل مجازًا، وصار الحال فيه كالحال في قولهم: أسدٌ، وخنزيرٌ، وحمارٌ، فكما أن موضوعها (١) وحقيقتها لحيوانات مخصوصةٍ، ثم يُستعمل في غيرها على سبيل التوسع والمجاز، واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها، كذلك ها هنا.
والوجه الثاني من الاستدلال بهذه الآية: هو أنه تعالى قال: ﴿لن تراني ولكن انظُر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني﴾ علَّق الرؤية باستقرار الجبل، فلا يخلو: إما أن يكون علَّق الرؤية باستقراره بعد تحرُّكه وتَدَكْدُكِهِ، أو علَّقها به حال تحرُّكه، لا يجوز أن تكون الرؤية قد علقها باستقرار الجبل بعد تحركه، لأن الجبل قد استقر، ولم ير موسى ربَّه، فيجب أن يكون قد علق الرؤية باستقرار الجبل حال تحركه، دالًا بذلك على أن الرؤية مستحيلة عليه، كاستحالة استقرار الجبل حال تحركه. ويكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وأشباهه.
ومما يتعلقون به: قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يومَ يَلْقَوْنَهُ سلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، إلى غير ذلك من الآيات التي فيها ذِكْرُ اللقاء، والأصل في الجواب (٢) عن ذلك أن اللقاء ليس (٣) هو بمعنى الرؤية، ولهذا استُعمل (٤) أحدهما حيث
_________________
(١) في (أ): موضوعه.
(٢) شطح قلم الناسخ في (ب)، فكتبها: اللقاء.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ب) و(ج): يستعمل.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
لا يُستعمل الآخر. وعلى هذا، فإن الأعمى يقول: لقيت فلانًا، وجلست بين يديه، وقرأت عليه، ولا يقول: رأيته. وكذلك يسأل أحدهم غيره: هل لقيت (١) المَلِكَ؟ فيقول: لا، ولكني رأيته على القصر، فلو كان أحدهما بمعنى الآخر، لم يَجُزْ ذلك، فثبت أن اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية، وأنهم إنما يستعملونه فيها مجازًا. وإذا ثبت ذلك، فيجب أن تُحْمَلَ هذه الآية على وجهٍ (٢) يُوافِقُ دلالة العقل، فنقول: المراد بقوله تعالى: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ [الأحزاب: ٤٤]، أي: يوم يلقون ملائكته، كما قال في موضع آخر: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وأما قوله جل وعز: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثواب ربه، ذكر نفسه وأراد غيره. كما قال في موضع آخر (٣): ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤٢]، أي: إلى طاعة العزيز الغفار (٤). وقال تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أي (٥): إلى حيث أمرني ربي. وقوله تعالى: ﴿وجَاءَ ربُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء أمر ربك. ﴿واسألِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية. ونظائر هذا أكثر من أن تحصر.
وبعد: فلو كانت هذه الآية دالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى، لوجب في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] أن (٦) يدل على أن المنافقين يرونه وهم لا يقولون (٧) بذلك، فليس إلاَّ أن الرؤية مستحيلةٌ على الله تعالى في كل حالٍ وأن لقاءه بهذه الآية محمولٌ على عقابه، كما في تلك الآية محمولٌ على لقاء ثوابه (٨) أو لقاء ملائكته، وفي الحكاية أن
_________________
(١) من قوله: " فلانًا " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) في (ب): وجوه.
(٣) من قوله: " وأما قوله " إلى هنا ساقط من (ج).
(٤) قوله: " أي: إلى طاعة العزيز الغفار " ساقط من (ب).
(٥) ساقط من (ب).
(٦) في (ب): أي.
(٧) جملة " وهم لا يقولون " ساقطة من (أ).
(٨) تحرفت في (أ) إلى: لتأتوا به.
[ ٥ / ٢٣١ ]
قاضيًا من القضاة استدلَّ بقوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] على أنه تعالى مرئيٌّ، فاعترض عليه ملاَّح فقال: إنه ليس اللقاء بمعنى الرؤية، لأن أحدهما يُستعمل حيث لا يستعمل الآخر، بل يثبت أحدهما وينفي الآخر، ولا يتناقض الكلام، وقال: فلو كان اللقاء بمعنى الرؤية، لم يختلف الحال فيه بالمؤمنين والمنافقين، وقد قال الله ﷿: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، فيجب أن يدل على أن المنافقين يرونه.
فقال له القاضي: من أين لك هذا؟ فقال: من رجلٍ بالبصرة يقال له أبو علي بن عبد الوهاب الجُبَّائي. فقال: لعن الله ذلك الرجل، فقد بثَّ الاعتزال في الدنيا، حتى سلَّط الملاَّحين على القضاة.
ومما يتعلَّقون به: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قالوا: بيَّن الله تعالى أن الكفار يوم القيامة محجوبون عن رؤية الله تعالى، وهذا يدل على أن المؤمنين لا يُحجبون، وفي ذلك ما يقوله.
والأصل في الجواب عن ذلك: أن هذا استدلالٌ بدليل الخطاب، وذلك لا يُعتمدُ في فروع الفقه، فكيف في أصول الدين؟
وبعد: فليس في ظاهر الآية ما يدلُّ علي أن الكفار يوم القيامة يحجبون عن رؤية الله تعالى، لأنه تعالى (١) قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، ولم يقل: عن رؤية (٢) ربهم. ومتى قالوا: المرادُ بقوله: عن ربهم: عن رؤية ربهم، قلنا: ليس كذلك، بل المراد: عن ثواب ربهم. لأنكم إذا عدلتم عن الظاهر، فلستم بالتأويل أولى منا فنحمله على وجه يُوافِقُ دلالة العقل.
ومما يتعلقون به: إجماع الصحابة. قالوا: أتَّفقت الصحابة على أنه تعالى يُرى، وإجماعهم حجة، فيجب القضاء بأنه تعالى مرئيٌّ.
_________________
(١) قوله: " لأنه تعالى " لم يرد في (ب).
(٢) من قوله: " الله تعالى " إلى هنا لم يرد في (ج).
[ ٥ / ٢٣٢ ]
قلنا: لا يمكن ادّعاء إجماع الصحابة على ذلك، فقد رُوِي عن عائشة لما سمِعَتْ قائلًا يقول: إن محمدًا رأي ربه، فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت ثلاثًا من زعم أن محمدًا رأي ربه، فقد أعظم الفِرْيَةَ على الله ثم تلت قوله تعالى (١): ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٢).
وبعد، فمعلومٌ من حال أمير المؤمنين علي ﵇، وأكابر الصحابة أنهم كانوا ينفون الرؤية عن الله تعالى، وأنت إذا نظرت (٣) في خُطَب أمير المؤمنين، وجدتها مشحونةً بنفي الرؤية عن الله، فبطل ما قالوه، والحمد لله.
ومما يتعلقون به: أخبارٌ مرويَّةٌ عن النبي - ﷺ -، وأكثرها (٤) يتضمَّن الجبر (٥) والتشبيه، فيجب القطع بأنه - ﷺ - لم يقلهُ، وإن قال، فإنما قال حكايةً عن قومٍ، والراوي حذف الحكاية، ونقل الخبر من جملتها، وهو أسف (٦) ما يتعلقون به ما يُروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: " سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر " (٧).
قلنا (٨): في الجواب عن هذا طرق ثلاث:
أحدها: هو أن هذا الخبر يتضمن الجبر (٩) والتشبيه، لأنا لا نرى القمر إلا عاليًا مُدَوَّرًَا مُنَورًا، ومعلوم أنه لا يجوز أن يُرى القديم على هذا الحدِّ، فيجب أن يُقطع أنه كذبٌ على النبي - ﷺ - لم يقله، وإن قال، فإنما قال حكايةً عن قومٍ
_________________
(١) قوله: " ثم تلت قوله تعالى " بياض في (أ)، وساقط من (ج).
(٢) صحيح وقد تقدم تخريجه.
(٣) من قوله: " من حال أمير المؤمنين " إلى هنا بياض في (أ) و(ج).
(٤) ساقطة من (و).
(٥) تصحفت في (ب) إلى الخبر.
(٦) في (ب) و(ج) و" شرح الأصول ": أشف.
(٧) تقدم تخريجه ص ٤٣٦.
(٨) في (ج): " ولنا "، وفي (د): فلنا.
(٩) تصحفت في الأصول إلى: الخبر.
[ ٥ / ٢٣٣ ]
على ما ذكرناه.
والطريقة الثانية: هو أن هذا الخبر يُروى عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجليِّ، عن النبي - ﷺ -، وقيسٌ هذا مطعونٌ من وجهين:
أحدهما: أنه كان يرى (١) رأي الخوارج، يُروى أنه قال: منذ سمعت عليًّا على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقية الأحزاب -يعني أهل النهروان- دخل بغضه قلبي، ومن دخل بغض أمير المؤمنين (٢) قلبه، فأقلُّ أحواله ألاَّ يُعتمد على قوله، ولا يُحتجَّ بخبره (٣).
والثاني: قيل: إنه خُولِطَ في عقله آخر عمره، والكتبة يكتبون عنه -على عادتهم (٤) - في حال عدم التمييز، ولا ندري أن هذا الخبر رواه وهو صحيح العقل أم مختلط العقل (٥)، يُحكى عنه أنه قال لبعض الناس: اعطني درهما أشتري به عصًا أضرب بها الكلاب، وهذا من أفعال المجانين. ويقال (٦) أيضًا. إنه كان محبوسًا في بيت، فكان يضرب بيده على الباب، فكلما طقطق، ضحك، فلا يمكن الاحتجاج (٨) بقوله، لأنَّ هذا دلالة الجنون عليه (٩).
والطريقة الثالثة: أن يقال: إن صحَّ هذا الخبر، وسَلِمَ، فأكثرُ ما فيه أن
_________________
(١) في (أ): يروى.
(٢) قوله: " أمير المؤمنين " لم يرد في (أ).
(٣) قلت: هذه الحكاية لم أجدها في كتب الرجال المعتمدة التي ترجمت لقيس بن أبي حازم، لكنهم ذكروا أنه كان يقدم عثمان على علي ﵁.
(٤) في (ب): كعادتهم.
(٥) روى الحديث عنه إسماعيل بن أبي خالد الثقة، وقد كان يقول عنه: حدثنا قيس بن أبي حازم هذه الأسطوانة على جهة المبالغة في تثبيته وتوثيقه.
(٦) في (ب): ويروى.
(٧) ساقطة من (ب).
(٨) في (ب): فلا يحتج.
(٩) انظر لزامًا ترجمة قيس بن أبي حازم في " سير أعلام النبلاء " ٤/ ١٩٨ - ٢٠٢، و" تهذيب التهذيب" ٨/ ٣٨٦.
[ ٥ / ٢٣٤ ]
يكون خبرًا من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يقتضي العلم، ومسألتنا طريقها القطع والثبات، وإذا صحت هذه الجملة، بطل ما يتعلقون به.
ثم إن هذا الخبر مُعَارَضٌ بأخبارٍ رُوِيَت، منها ما روى أبو قِلابة، عن أبي ذرِّ قال: قلت للنبي - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ فقال: " نورٌ هو؟ أنَّى أراه " (١)، أي: أنورٌ هو؟ كيف أراه، فحذف همزة الاستفهام جريًا على طريقتهم في الاختصار، وعلى هذا قول الشاعر:
فوالله ما أدري وإن كنتُ دارِيًا بسبعٍ رَمَيْنَ الجمر أمْ بِثَمانِ (٢)
وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله أنه قال: " لن يرى الله أحدٌ، لا في الدنيا ولا في الآخرة " (٣).
وقد قيل لعليٍّ ﵇: هل رأيت ربك؟ فقال: ما كنت لأعبدَ شيئًا لم أره، فقيل: كيف رأيت؟ فقال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، موصوفٌ بالآيات، معروفٌ بالدلالات هو الله الذي لا إله إلاَّ هو الحي القيوم.
ثم نتأوله على وجهٍ يُوافقُ دلالة العقل، فنقول: المرادُ به: سترون ربكم يوم القيامة، أي: ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر، وعلى هذا قال: " لا تضامون في رؤيته ": أي: لا تشكون فعقَّبه بالشكِّ. ولو كان
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٨)، وأحمد ٥/ ١٥٧ و١٧١ و١٧٥، والترمذي (٣٢٨٢) وابن منده في " الإيمان " (٧٧٠) و(٧٧١)، والطيالسي (٤٧٤). وأخرجه ابن منده (٧٧٢) و(٧٧٣) بلفظ: رأيت نورًا.
(٢) البيت من قصيدة لعمرو بن أبي ربيعة قالها في عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وهو في " ديوانه " ص ٢٦٤، وأنشده سيبويه في " الكتاب " ٣/ ١٧٥، والعيني في " شرح الشواهد " ٤/ ١٤٢، والبغدادي في " خزانة الأدب " ١١/ ١٢٢.
(٣) لا يصح هذا عن جابر، ولم نجده في شيء من كتب السنة.
[ ٥ / ٢٣٥ ]
بمعنى رؤية البصر، لم يَجُزْ ذلك، والرؤية بمعنى العلم مما نطق به القرآن، وورد به الشعر (١). قال تعالى: ﴿ألمْ تَرَ إلى ربِّك كيفَ مَدَّ الظِّلّ﴾ [الفرقان: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وفي الشِّعر:
رأيتُ الله إذ سمَّى نِزَارَا وأسْكَنَكُمْ بِمَكَّةَ قَاطِنينَا
أي: علمت. وقال حاتم طيىء:
أماويُّ إن يُصبِحْ صَدَايَ بقَفرَةٍ (٢) مِنَ الأرضِ لا ماءٌ لَدَيَّ ولا خَمْرُ
تري أن ما أنفقتُ لم يكُ ضَرَّني وأنَّ يَدِي مما بَخِلْتُ به صِفْرُ
أمَاوِيُّ ما يُغْنِي الثراءُ عن الفَتَى إذا حَشْرَجَتْ يومًا، وضَاقَ بها الصَّدرُ (٣)
[فإن] قالوا: النبي - ﷺ - أورد هذا الخبر مَوْرِدَ البشارة لأصحابه، وأيُّ بشارة في أن يعلموا الله تعالى في دار الآخرة؟ ومعلومٌ أنهم يعلمونه في دار الدنيا.
قلنا: إنما بشَّرنا بالعلم الضروري. والعلم الضروري لا يثبت إلاَّ في دار الآخرة.
فإن قال: أيُّ بشارة في أن يعلم الله تعالى ضرورة.
قلنا: لئلا يلزم مؤنة (٤) النظر، وتعب الفكر.
فإن قال: فيجوز (٥) على هذا أن يكون (٦) المنافقون والمؤمنون سواء، لأنهم
_________________
(١) بياض في (ب).
(٢) تحرفت في (أ) إلى: بفقرة.
(٣) " ديوان حاتم " ص ٤٣. وانظر " الكامل " للمبرد ١/ ٤٨٤ طبع مؤسسة الرسالة، و" خزانة الأدب " ٤/ ٢١٢ - ٢١٣. والصدى: ما يبقى من الميت في قبره. والحشرجة: هي الغرغرة عند الموت وتردد النفس.
(٤) في (د): منه.
(٥) في (أ): فيحمل.
(٦) قوله: " على هذا أن يكون " ساقط من (ج).
[ ٥ / ٢٣٦ ]
يعرفون الله تعالى ضرورةً كالمؤمنين.
قلنا: إن المنافقين والكفار إذا علموا الله تعالى ضرورةً، فلا يكون حالهم وحال المؤمنين سواءً، لأن المؤمنين إذا عرفوا الله تعالى ضرورة، وعلموا دوام ثوابهم، ازدادوا سرورًا وفرحًا، ويكون عيشهم أهنأ وأرغد، وليس كذلك حال المنافقين، لأنهم إذا عرفوا الله تعالى ضرورة، وعلموا دوام عقابهم، ازدادوا غَمًَّا وحسرةً، وكانوا في عُقوبةٍ وعذابٍ.
[فإن] قالوا: الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، نحو: رأيتُ فلانًا فاضلًا، ولا يجوز الاقتصار على أحد مفعوليه إلاَّ إذا كانت بمعنى المشاهدة.
قلنا: لا يمتنع أن يكون الأصل ما ذكرتموه، ثم نقتصر على أحد مفعوليه توسُّعًا ومجازًا، كما أن همزة التعدية إدا دخلت على (١) الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين يقتضي تعدِّيه إلى ثلاثة مفعولين، ثم قد يدخل على الفعل الذي هذه حاله، ويقتصر على مفعولين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، فأدخل الهمزة على الرؤية، واقتصر على مفعولين، على أن حال الرؤية إذا كان بمعنى العلم ليس بأكثر من حال العلم، ومعلوم أنهم يقتصرون في العلم على أحد مفعوليه، فيقولون ما أعلم ما (٢) في نفسك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦].
فإن قال: إن العلم هناك بمعنى المعرفة، فلهذا جاز أن يقتصر على أحد مفعولَيْهِ.
قلنا: فَارْضَ مِنَّا بمثل هذا الجواب. فنقول: إنَّ الرؤية بمعنى المعرفة في
_________________
(١) في (ب) و(د): في.
(٢) ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٢٣٧ ]
الوهم السابع عشر: دعوى السيد أن البخاري وأهل الحديث من المجبرة
الخبر، لأن المراد بقوله " سترون ربكم يوم القيامة "، أي ستعرفون ربكم يوم القيامة كما تعرفون القمر ليلة البدر، فلا يجبُ أن يتعدى إلى مفعولين (١).
انتهى كلام المعتزلة، فمن أراد معرفة الحق في هذه المسألة، وكان من أهل الذكاء والفهم للأدلة الدقيقة المتعارضة نظر في كلام المعتزلة (٢) هذا وفي كلام أهل السنة السابق قبله، وجعل الفريقين كالخصمين، وكان كالحاكم بينهم بعد الجمع بين أطراف كلامهم والإنصاف في الحكم بينهم، ومن لم يكن كذلك، ولا كان أهلًا لذلك، فالإيمان بمراد الله تعالى على الجُملة يجزيه ويكفيه، والتَّعرُّض لما لا يُحسنُه يُطغيه ويُغويه، والله الهادي، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الوهم السابع عشر: قال أيده الله: وأما الإجبار، فهو ظاهرٌ من مذاهبهم (٣) هذا محمد بن إسماعيل البخاري قال في " صحيحه " في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ما لفظه: ما خلقت أهل السعادة إلاَّ ليُوحِّدوني، وليس فيه حجة لأهل القدر (٤). انتهى.
_________________
(١) من بداية إيراد المصنف لآراء المعتزلة حول مسألة الرؤية إلى هنا حذف عمدًا من (ش)، وتقدمت الإشارة إلى ذلك ص ٤٧٤.
(٢) قوله: " كلام المعتزلة " ساقط من (أ).
(٣) في (ش): مذهبهم.
(٤) نص كلام البخاري في " صحيحه " ٨/ ٥٩٨ بشرح " الفتح ": (إلا ليعبدون): ما خلقت أهل السعادة من أهل الفريقين إلاَّ ليوحدوني، وقال بعضهم: خلقهما ليفعلوا، ففعل بعض، وترك بعض، وليس فيه حجة لأهل القدر. قال الحافظ في " الفتح " ٨/ ٦٠٠ تعليقًا على قوله: " ما خلقت أهل السعادة إلاَّ ليوحدوني ": هو قول الفراء، ونصره ابن قتيبة في " مشكل القرآن " له، وسبب الحمل على التخصيص وجود من لا يعبده، فلو حمل على ظاهره لوقع التنافي ببن العلة والمعلول، وقال في التفسير الثاني: هو كلام الفراء أيضًا، وحاصل التأويلين أن الأول محمول على أن اللفظ العام مراد به الخصوص، وأن المراد أهل السعاده من الجن والإنس، والثاني باق على عمومه، لكن بمعنى الاستعداد، أي خلقهم معدين لذلك لكن منهم من أطاع، ومنهم من عصى.
[ ٥ / ٢٣٨ ]
الوهم الثامن عشر: تتمة للوهم السابق ومناقشة المؤلف له
أقول: توهم (١) السيد أنه يمكنه الاحتجاج على أن البخاري جبريٌّ مما في " صحيحه "، وهذا لا يمكن السيد، لأنه قد سدَّ الطريق إلى صحة ما في " صحيح البخاري " عن البخاري، وذلك في أحاديث الفروع التي يكفي الظن في قبولها (٢)، فكيف بصحة ما (٣) في " البخاري " عنه في محل التكفير والتفسيق الذي يجب فيه التواتر عند السيد (٤)، فليرجع عن أحد المذهبين، فما يصح له الجمع بينهما.
الوهم الثامن عشر: وَهِمَ السيد أن كلام البخاري هذا يدلُّ على الجبر، والجبر يستلزم الكفر، وهذا يستلزم أمرين:
أحدهما (٥): القدح في الحديث بكون البخاري من رواته، وهذا كما تقدم في الوهم الخامس عشر في قدحه في الحديث برواية الإمام أحمد. وقد تقدم الجواب هناك، فراجعه. وخلاصته أنه من جهل الضروريات (٦) الذي لا دواء له إلاَّ سؤال أهل العلم وترك العناد، ونذكر هنا (٧) سيرة البخاري، وكلام العلماء فيه، أو يؤمر طالب الهداية (٨) بمطالعة ذلك، ومن مظانِّه كتاب " النبلاء " (٩).
الأمر الثاني: رميُ المحدثين بالجبر، وهذا إغرابٌ عظيمٌ من مذهبهم، أو تحاملٌ شديدٌ عليهم، فإن أهل الحديث فرقةٌ غير الأشعرية، والأشعرية أربع فرقٍ، الجبرية منهم فرقةٌ واحدةٌ، والجبرية منهم أيضًا يقولون: بأن الاختيار إلى العبد أيضًا كما سيأتي بيانه في الوهم السابع والعشرين. وهذه الفرق الخمس
_________________
(١) في (ب): وهم.
(٢) ساقطة من (ج)، وفي (ب) و(ش): " ثبوتها "، وفي (د): " صحتها " وكتب فوقها: " ثبوتها ".
(٣) في (ب): يصح بما، وفي (د): يتمسك بما.
(٤) قوله: " عند السيد " ساقط من (ش).
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) في (ش): الضرورات.
(٧) ساقطة من (ب).
(٨) في (ش): طالب العلم والهداية.
(٩) ١٢/ ٣٩١ - ٤٧١.
[ ٥ / ٢٣٩ ]
مُجمعون على القول بصحة القدر، مع نفي أكثرهم للجبر، وتفسير أهل الجبر له بما يبقى معه الاختيار، فدل هذا على الفرق بين القدر والجبر عندهم وعند غيرهم. والفرقُ بينهما في غاية الوضوح لأهل العلم، وممن نصَّ على إثبات القَدَرِ ونفي الجبر: الخطَّابي في " معالم السنن " والنواوي في " شرح مسلم "، وأبو السَّعادات ابن الأثير في " جامع الأصول " وغيرهم. هذا في الكتب الموجودة في ديار الزيدية. وسيأتي في الوهم التاسع والعشرين ذكر أدلتهم على إبطال الجبر، بل ذكر دعواهم الضرورة في بُطلانه، بل تكفير جماعة منهم للقائل به.
وبيان الوهم في كلام السيد أنه إمَّا أن يأخذ الجبر من قول (١) البخاري، " وليس فيه حجة لأهل القدر " أو من تأويل الآية، إن كان الأول، فهو لا يدلُّ على ما ذكره، وذلك لأن القدرية الخُلَّصَ عند المحدثين هم (٢) الذين يقولون: إن الله تعالي لا يعلمُ الغيب على ما ذكره النواوي في " شرح مسلم " والخطابي وغيرهما، لأنهم فسروا القدر بعلم الله السابق من غير إجبارٍ، وفسَّروا القدرية بمنكري ذلك (٣)، فصرَّحوا بذلك كلِّه. فالبخاري ردَّ على هؤلاء الذين يقولون: إن الله لا يعلم الغيب، وسمَّاهم أهل القدر (٤)، لأن الآية من أعظم شُبَهِهِم، لأنهم يقولون: لا يصحُّ من القديم (٥) إرادة ما يعلم أنه لا يحصل. والآية عندهم تدل على أن الله أراد العبادة من الكُفَّار، والضرورة تدل على أن العبادة ما حصلت (٦) منهم، فدلَّتِ الآية عندهم على أن الله ما علم أن الكفار يُصرُّون على الكفر، ويموتون عليه. ولما كانت طوائف الأشعرية الأربع، وأهل الحديث يُوافقون القدريَّة على أن الله لا يصحُّ أن يُريد ما يعلم أنه لا يقع، احتاجوا إلى تأويل الآية على معنى لا يلزم معه (٧) ما توهمَّت القدرية، فمنهم من قال
_________________
(١) في (د): كلام.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) من قوله: " والخطابي " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) من قوله: " الذين يقولون " إلى هنا ساقط من (د).
(٥) قوله: " من القديم " ساقط من (ب).
(٦) في (ش): لم تحصل.
(٧) في (ش): منه.
[ ٥ / ٢٤٠ ]
بتخصيص الآية، ورجَّحوا التخصيص، لأنه لازمٌ على جميع المذاهب كما سيأتي بيانه، وهو الذي اختاره البخاريُّ. ومعنى التخصيص عند هذه الطائفة أن معنى الآية: ما خلقت أهل الإيمان من الجن والإنس إلاَّ لذلك، كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] أي: يشرب بها المقرَّبون من عباد الله، وكما تخصُّ المعتزلة والقدرية من ذلك الأطفال والمجانين من الأعيان، وأحوال النوم، والنسيان، وما بعد الموت من الأزمان، فعلى هذا التأويل يقول البخاري: ليس لمن قال: إن الله لا يعلم الغيب حجة في نفس الآية الذي (١) لا يحتمل (٢) التأويل، ويُنسب منكره إلى تكذيب السمع، والكفر بما قال، بل هي عمومٌ يجوزُ تخصيصه بالأدلة المنفصلة عنه من العقل والسمع، والقدرية ممن تُخصِّصُه (٣) كما تقدم، فليس فيه حجة لهم على من وافقهم من أهل السنة على أن الله لا يريد ما يعلم أنه لا يقع.
ومن أهل السنة من اختار أن الآية على عمومها، ولكن التقدير فيها لطلب أن " يعبدون ". فإن الله طلب العبادة من الكفار، وأمرهم بها إجماعًا، وليس التقدير لإرادة أن " يعبدون ". ورجحوا هذا بوجهين:
الأول: أنه لا يخرج الآية إلى التجويز (٤) بخلاف التخصيص، فإن إطلاق العامِّ على الخاصِّ مجازٌ.
الثاني: أن حمل الآية على أمرٍ معلومٍ من الذين مُجْمَعٌ عليه عند فرق المسلمين (٥) أولى من أمرٍ على خلاف ذلك، وليس في هذا إلاَّ استعمال (٦) لام " كي " في موضع الطلب، وهو صحيحٌ لا مانع منه، لأنه يُستعمل في موضع الإرادة، والإرادة (٧) تُستعمل في الأمر عند شيوخ المعتزلة البغدادية، كما سيأتي
_________________
(١) في (د): التي.
(٢) في (ب) و(د): تحتمل.
(٣) من قوله: " بالأدلة المنفصلة " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) في (ش) و(د): التجّوز.
(٥) في (ب): المؤمنين.
(٦) في (أ): " وليس في هذا الاستعمال لام " وفي (ب) و(ش): " .. استعمال .. ".
(٧) ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٢٤١ ]
تحقيقُه في مسألة الإرادة.
وأما إن كان السيد إنما فَهِمَ الجبر من البخاريِّ من مجرد تأويله للآية، فهذه غفلةٌ عظيمةٌ، فإن تأويل الآية لازمٌ عند جميع الفرق، بل تأويلها يلزم على أصول المعتزلة في مواضع أكثر مما يلزم على أصول أهل السنة:
الموضع الأول: التخصيص. كما تقدم بالنظر إلى الأطفال، والمجانين، والتقييد بالنظر إلى ما بعد الموت، وأوقات النوم والنسيان، بل المخصوص عند بعض المعتزلة لا يحتج به، لأنه قد علم أن ظاهره غير مرادٍ، فالتبس المراد منه.
الموضوع الثاني: إن المعتزلة لا يجيزون (١) خلق الخلق لأجل العبادة، إذ العبادة ليست الغاية المقصودة (٢) التي ليس وراءها غايةٌ، بل العبادة من جملة الوسائل المقصود بها غيرها، قال الله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هذا فَليَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، وإنما الغاية المقصودة: الثواب العظيم، والنعيم المقيم في دار البقاء، ومنزل أهل التُّقى (٣). ودخولُ لام الغاية على العبادة التي هي وسيلة محضةٌ غيرُ مرادةٍ لنفسها مجازٌ، وهو من إقامة الشيء مقام ما يؤول إليه، مثل تسمية أموال اليتامى نارًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].
الموضع الثالث: مما يوجب تأويل الآية عند المعتزلة. أنها تقتضي حصر وسائل السعادة، وقصرها على العبادة بمجردها، وهي غير منحصرةٍ في ذلك، فإن معرفة الرب ﷻ ومعرفة صفاته وكماله، واستقرار ذلك في القلب بالبراهين واليقين التَّام أعظم وسائل السعادة الدائمة، وقد ورد التعليل بذلك في كتاب الله تعالى قال: سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ
_________________
(١) في (د) يجوزون.
(٢) في (د) و(ش): القصوى.
(٣) تحرفت في (أ) إلى: البقاء.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وخلقُ الجماد لأجل العلم يستلزم بالضرورة خلق العقلاء لأجل ذلك، فثبت أن الله خلقهم لأجل ذلك، فهذا في حقِّ المؤمنين، وفي خلق جميع المكلفين قوله تعالى في هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وتال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢].
وكذلك رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: إن المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعرفون، وجعل المعرفة رأس العبادة ومعظمها (١).
وسيأتي تحقيق ذلك وما تحتمله الآية من الوجوه المتفق عليها والمختلف فيها في تفسير هذه الآية في مسألة الإرادة إن شاء الله تعالى.
وأما متكلِّمو الأشعرية، فتُصادِمُ الآية مذهبهم بقوة مفهومها لا نصِّها، فإنهم إن حاولوا تأويلها بلام العاقبة، كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وكقول القائل:
لِدُوا للموت وابنُوا للخرابِ (٢)
_________________
(١) الثابت عن ابن عباس خلاف هذا، فقد روى الطبري ٢٧/ ١٢ عنه في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: إلاَّ ليقروا بالعبودية طوعًا وكرهًا. وكره السيوطي في " الدر المنثور " ٧/ ٦٢٤ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، أما التفسير الذي نقله المصنف هنا فقد نسبه البغوي في " تفسيره " ٤/ ٢٣٥، وابن كثير ٧/ ٤٠١ إلى مجاهد.
(٢) صدره: له مَلَكٌ ينادي كل يوم وهو منسوب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في " خزانة البغدادي " ٩/ ٥٣٠.
[ ٥ / ٢٤٣ ]
الوهم التاسع عشر: في الإرجاء
لم يأخذ حظَّه من القوة والبلاغة لأنا متى مَحَوْنَا من الآية أثر التعليل، وأردنا بيان مجرد عاقبة الخلق أجمعين، لم تكن هي (١) العبادة لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل عاقبة الخلق هي دار الآخرة التي هي دارُ القرار.
وأما الدنيا (٢) التي شبَّهها الله تعالى بعشيَّةٍ أو ضحاها، وسمَّاها لَعِبًَا ولهوًا، فليست وما كان فيها عاقبة الخلق حقيقةً (٣) ولا مجازًا، أما الحقيقة، فظاهر، وأما المجاز، فلأن العبادة التي كانت فيها من أهل السعادة والكفر من أهل الشقاوة ليسا عند الأشعرية سبب الثواب والعقاب في دار الآخرة، فلا يصحُّ إقامة الأعمال مقام جزائها، ودخول لام العاقبة عليها على أصلهم، وذلك لأن مذهبهم أن أفعال الله كلها (٤) غيرُ معلَّلة بعلَّةٍ، ولا واقعة لغرضٍ، ولا لها سببٌ ولا داعٍ، ولا عليها حاملٌ ولا باعثٌ. وسوف يأتي بيان ركاكة هذا في العقل والسمع في الوهم الثامن والعشرين إن شاء الله تعالى.
الوهم التاسع عشر: قال: وأما الإرجاء، فهو أنواعٌ: منه ما يقتضي الكفر.
إن كان السيد قصد بها حكاية المذهب، فقد وَهِمَ في ذلك (٥)، والذي في كتب الزيدية غير ما ذكر.
ففي " التذكرة " (٦) للقاضي شرف الدين حسن بن محمد النَّحوي التي هي
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): هذه.
(٣) في (د): لا حقيقة.
(٤) ساقطة من (د).
(٥) قوله: " في ذلك " ساقط من (ش).
(٦) هي " التذكرة الفاخرة في فقه العترة الطاهرة ". قال إبراهيم بن القاسم بن المؤيد بالله في " طبقات الزيدية " في ترجمة مؤلفه: له تصانيف أجلها كتاب " التذكرة " ألفها في سنة بضع وتسعين وسبع مئة من كتب عديدة، وكانت عمدته كتاب " اللمع "، فلهذا قال بعض أئمتنا في ذكر " الأزهار ": أمُّه " التذكرة "، وجدته " اللمع "، وكانت " التذكرة " العمدة في التدريس حتى ظهر " الأزهار "، ومن الكتاب عدة نسخ في مكتبة " الجامع الكبير " بصنعاء. انظر " فهرس المخطوطات " ص ٢٤٠ - ٢٤١. وانظر أيضًا في ترجمة النحوي " مطلع البدور " ٤٠٩/ ٢.
[ ٥ / ٢٤٤ ]
الوهم العشرون: فيمن عرف الله بقلبه فقط
مَدْرَسُ الزيدية الآن: إن الاختلاف في الإرجاء لا يقتضي كفرًا ولا فسقًا ولا جرحًا، وجعله كالاختلاف في الأعواض، وكذلك قال (١) القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدوَّاري في كتاب " الدِّيباج النضير " (٢) وهما أرسخُ قدمًا في معرفة المذهب منه أيده الله، فإن كان يتحقَّقُ غَلَطُهُمَا فيما نقلاه (٣) فليبيِّن وجه ذلك بذكر إسناده في نقله، وترجيحه على إسنادهما بطرق الترجيح المعروفة، ووجه القطع ببطلان نقلهما (٤). وإن كان السيد يريد أن ذلك مذهبٌ له اختاره، فقد وَهِمَ أن في إيراده بغير حُجَّةٍ فائدة في هذا الموضع، وليس له فيه فائدة ألبته، لأن أقصى ما في الباب أن نكون مقلِّدين للسيد، لكن هذه المسألة ليست من مسائل التقليد، فإن التكفير عند السيد يحتاج إلى دليلٍ قاطع، ولا يحلُّ العمل بالظَّنِّ فيه لمتبوع ولا تابع، فما باله يدُلُّ (٥) بالدعوى من غير دليلٍ ويُعَوِّلُ في دفع الخصم على ما ليس عليه تعويل.
الوهم الموفي عشرين: حُكِيَ عن الرازي أنه قال: فإن قلت: فما تقول فيمن عَرَفَ الله بقلبه فقط، وما قال: لا إله إلاَّ الله أبدًا لغيرِ عُذرٍ، ولا (٦) فعل شيئًا من الواجبات، ولا ترك شيئًا من المحظورات إلاَّ ارتكبه؟ قلت: أجيب بما أجاب به الغزاليُّ أنه مؤمنٌ، ويُدْخِلهُ الله الجنة إن شاء الله. انتهى بلفظه أو ما يقرب من لفظه إلى آخر كلام السيد.
قال: وعلى أصلهم: إيمانُ هذا كإيمان أفضل المسلمين، وتجويزُ دخوله الجنة كتجويز دخول أفضل الصَّالحين.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) هو" الديباج النضير على لمع الأمير "، وهو شرح وتعليق على كتاب " اللمع " لعلي بن الحسين، وصل فيه إلى كتاب الرضاع. انظر " فهرس مخطوطات المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء " ص ٢٥٦.
(٣) في (د): ادعياه.
(٤) من قوله: " فليبين وجه ذلك " إلى هنا ساقط من (ج).
(٥) في (ش): بدأ.
(٦) في (د): وما.
[ ٥ / ٢٤٥ ]
أقول: ما مرادُك بالإيمان الذي يُسوُّون فيه بين المؤمنين؟ هل التصديق والاعتقاد الذي في القلب من جنس العلم الاستدلالي؟ فإذا إجماعٌ، فإن اعتقاد الفاسق أن الله ربه مثل اعتقاد الصالح عند النظر في الأدلة، وإنما الخلاف في تسمية اعتقاد الفاسق إيمانًا مع الكبائر على تسميته إيمانًا (١) مع الصلاح والاستقامة، قال الله تعالى: ﴿إلاَّ من أُكْرِهَ وقلبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
أو تريد أن من مذهبهم أنَّ من آمن بقلبه، وعصى بجوارحه، فمنزلته عند الله مثل منزلة من آمن بقلبه وأطاع بجوارحه، فهذا وهمٌ فاحشٌ، فإنهم لا يسوُّون بين المؤمنين في الإيمان. وقد بوَّب البخاريُّ بابًا في " صحيحه " على زيادة الإيمان ونقصانه، واحتجَّ على ذلك بحُججٍ كثيرةٍ من القرآن (٢) والسنة (٣).
وليس الفاسق يسمَّى عند أهل السنة مؤمنًا على الإطلاق، وإنما يُسمّى مؤمنًا بقلبه.
قال ابن بطَّال (٤) في " شرح البخاري " ما لفظه: وكذلك لو أقرَّ بالله ورسوله، ولم يعمل الفرائض، لا يُسمى مؤمنًا بالإطلاق، وإن كان في كلام العرب قد يجوزُ أن يُسمى مؤمنًا بالتصديق، فغير مستحقٍّ لذلك في حكم الله تعالى لقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، فأخبر تعالى أن المومنين -على الحقيقة- من كانت هذه صفته، دون من قال ولم يعمل، وضيَّع ما أمر به (٥) وفرط. انتهى.
_________________
(١) قوله: " على تسميته إيمانًا " ساقط من (ب).
(٢) في (ب) و(د) و(ش): الكتاب.
(٣) انظر " صحيح البخاري " كتاب الإيمان رقم الباب (٣٣).
(٤) تقدمت ترجمته ٣/ ٢٧٢.
(٥) في (ب): أمر الله به.
[ ٥ / ٢٤٦ ]
الوهم الحادي والعشرون: من سوى بين الكافر وبين أفاضل المسلمين، رد ما هو معلوم ضرورة من الدين
وذكر القاضي: أبو بكر بن العربي المالكي (١) في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " اختلاف الناس في المسلم والمؤمن، وفي اشتقاق اسميهما، واختار أن المسلم من أسلم نفسه من عذاب الله، والمؤمن من أمَّنَ نفسه منه.
وهذا يدلُّ على أن الفاسق لا يُسمَّى مؤمنًا على الإطلاق عندهما، سلمنا أنه يسمى بهذا الاسم مؤمنًا عندهم مطلقًا أو عند بعضهم، فإن من تُسمِّيه بذلك لا يعني أنه صالحٌ عَدْلٌ، ولا نُسَوِّي (٢) بينه وبين أهل العدالة والصِّيانة، ومن المعلوم بالضرورة أنهم يجرِّحُون الفاسق المصرِّح في الشهادة والرواية، وأنهم يفضِّلُون بعض المؤمنين على بعضٍ (٣) مثل تفضيلهم للخلفاء الراشدين على مَنْ بعدَهم.
وبالجملة (٤): فلا حاجة إلى التطويل بذكر ما يدلُّ على مذهبهم في ذلك.
فهو معلومٌ بالضرورة والتواتر، ومُنكرهُ لا يزيد على النداء الصريح على نفسه بأنه من جملة الخرَّاصين، وأفحش الكذابين، لأن أهل الكذب خَذَلهُمُ الله تعالى إنما يكذبون في المواضع الخفية التي تمضي فيها أقوالهم الفريَّة.
وقد تقدَّم الجواب على مثل هذا في مسألة المتأوِّلين مستوفى، فخذه من هناك، فإني لم أقتصر على هذا القدر إلاَّ لأنِّي استوفيتُ الجواب هناك.
الوهم الحادي والعشرون: قال: ومن سوَّى بين هذا الكافر وبين أفاضل المسلمين، أو قال: بأنه يدخل الجنة، فقد ردَّ ما هو معلومٌ ضروةً من الدين.
أقول: أما التسوية بينهما، فالقوم قد صرحوا بأنهم ما سوَّوا بينهما، وذلك
_________________
(١) هو الإمام العلامة الحافظ القاضي صاحب التصانيف أبو بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي كان ثاقب الذهن، عذب المنطق، كريم الشمائل، ولي قضاء إشبيلية، فحُمدت سياسته. ارتحل إلى مصر ودمشق وبيت المقدس وبغداد. وتوفي سنة ٥٤٣ هـ. انظر ترجمته في " السير " ٢٠/ ١٩٧.
(٢) في (ب): سواء.
(٣) في (ش): بعضهم.
(٤) ساقطة من (ب).
[ ٥ / ٢٤٧ ]
واضحٌ عنهم (١)، ولكنَّا نُورد نصَّ الغزالي الذي روى المعترض عنه من كتابٍ (٢) هو نسخةٌ للمعترض حتى يشهد بكذب النفس (٣) عليه شاهد حاضر لديه، فنقول: قال الغزالي في كتابه المعروف " بالتفرقة " في أواخره ما لفظه:
واعلم أن أهل البصائر قد انكشف لهم سبقُ الرحمة وشمولها بأسبابٍ ومكاشفاتٍ سوى ما سمعوه من الأخبار والآثار، ولكن ذِكْرُ ذلك يطول، فأبشر برحمة الله تعالى، وبالنجاة المطلقة إن جَمَعْتَ بين الإيمان وبين العمل الصالح، وبالهلاك المطلق إن خلوتَ عنهما جميعًا، وإن كنتَ صاحب يقينٍ في أصل التصديق، وصاحب خطأ في بعض التأويلات، أو صاحب شكٍّ فيها، أو صاحب خَلْطٍ في الأعمال، فلا تطمع في النجاة المطلقة، واعلم أنك بين أن تُعذَّبَ مرة ثم تُخلَّى، وبين أن يشفع فيك من تيقَّنت صدقه في جميع ما جاء به أو غيره. انتهى كلام الغزالي في كتاب " التفرقة بين أهل الإسلام والزندقة " (٤).
واعلم أنهم يقطعون بدخول المطيع الجنة وسلامته من العذاب.
ومستندهم في القطع ثلاث حُججٍ:
الأولى: وعدُ الله تعالى الصادق، فالكذب عليه -سبحانه- عندهم لا يجوز.
وثانيها (٥): علمه سبحانه السابق بأنهم من أهل الجنة، فالتغيير عندهم في معلومه لا يقع.
وثالثها: إرادتُه سبحانه لهم ذلك وخلقُهم له، فمرادُه سبحانه عندهم لا يتخلَّف.
_________________
(١) في (د): عندهم.
(٢) في (ش): كتابه.
(٣) في (د): " يشهد بكذبه "، وفي (س): بكذبه النقل.
(٤) من قوله: مرة ثم تخلى إلى هنا بياض في الأصول، ومثبت في (ش) بخط مغاير، وكتب فوقه بنفس خط الأصل، بياض في " الأم ".
(٥) في (ب) و(د): وثانيهما.
[ ٥ / ٢٤٨ ]
وأما الفاسق، فيجوِّزون فيه الأمرين، ويكِلُون علمَه إلى عالم الغيب، لأنه سبحانه أجمل ذلك في قوله ﷿: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ثم إنهم لا يُسَوُّون بين أهل الجنة في مراتبهم، ولا بين أهل النار في دركاتهم، وكذلك جميع أهل الملة الإسلامية بل جميع الملل الإسلامية (١) والكفريَّه لا يساوون بين أهل الفضائل، ولا يُماثِلُون بهم أهل الرَّذائل، وما أحسن قول القائل:
وَلَمْ أرَ أمثال الرِّجال تفاوُتًا لدى المَجْدِ حتَّى عُدَّ ألفٌ بواحدِ (٢)
وقال ابن دريد:
والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عنى (٣)
وأما القول بأنَّ من آمن بقلبه، وعصى بجوارحه، فهو من أهل النار ضرورة من الدين، فهذا يقتضي أنه كافرٌ ضرورة من الدِّين، لكن لا دليل على ذلك، ولعل الصواب أن كفره معلومٌ بالضرورة من مذهب بعض أهل الكلام. ومن بنى (٤) التكفير على غير قاعدةٍ قطعيةٍ ولو كان كفره معلومًا بالضرورة، لاشترك (٥) العلماء في ذلك، ولوجب أن تكون طريقة معرفته النقل لا العقل، والطريق النقلية المفيدة للضرورة لها شروطٌ:
أحدها: أن يُنقل نصٌّ جليٌّ لله تعالى، أو لرسوله - ﷺ - غير محتملٍ للتأويل في هذا المعنى مثل قوله: من آمن بقلبه ولم يُطِع، فهو كافرٌ، حكمةُ حكم
_________________
(١) قوله: " بل جميع الملل الإسلامية " ساقط من (ب).
(٢) هو للزمخشري. وقد تقدم ١/ ٢٤٥.
(٣) تقدم ١/ ٢٤٥.
(٤) بياض في (ب)، وساقطة من (ش)، وفي (د): يبني.
(٥) في (أ) و(ب): لاشتراك.
[ ٥ / ٢٤٩ ]
الوهم الثاني والعشرون: قال رسول الله - ﷺ - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله "
المشركين بالله، وإيمانُه باطلٌ، فإن كان هذا لا يحتمل التأويل كفي، وإلاَّ وجب أن ينضمَّ إليه من القرائن ما يُوجب إرادة الظاهر، ويمنع التأويل قطعًا.
الشرط الثاني: أن يُنقل هذا اللفظ أو ما (١) يقوم مقامه نقلًا متواترًا في الوسط والطرفين.
الشرط الثالث: العلم القطعيُّ بعدم المعارضة وعدم النسخ.
فإذا عرفت هذا، فمن المعلوم أنه ما حصل واحدٌ من الشروط، بل ما نُقِلَ في هذا لفظ صريحٌ ظنِّيٌّ آحادي. وأما القرآن فهو برىءٌ من النصِّ في هذه المسألة، ولهذا قال علماء الوعيدية: إن المخالف فيها لا يُكفر ولا يُفسق.
الوهم الثاني والعشرون: قال: وقد قال - ﷺ -: " أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها، عَصَمُوا منِّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها " (٢)، فإن كان هذا الذي ذكراه مؤمنًا، فكيف يُقاتله الرسول على الإيمان؟
أقول: غفلة السيد في هذا الكتاب ما وقفت على حدِّ، وكلامه في هذا
_________________
(١) في (و): وما.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري (١٣٩٩) و(١٤٥٧) و(٦٩٢٤) و(٧٢٨٤)، ومسلم (٢٠) و(٢١)، وأحمد ٢/ ٣٤٥ و٣٧٧ و٤٢٣ و٤٧٥ و٥٠٢ و٥٢٧ و٥٢٨، والترمذي (٢٦٠٦) و(٢٦٠٧)، والنسائي ٧/ ٧٩، وأبو داود (٢٦٤٠)، والحاكم ١/ ٢٨٧. وأخرجه من حديث أنس: أحمد ٣/ ١٩٩ و٢٢٤ - ٢٢٥ والبخاري (٣٩٢)، والترمذي (٢٦٠٨)، وأبو داود (٢٦٤١)، والنسائي ٧/ ٧٥ - ٧٦ و٨/ ١٠٩، والحاكم ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧. وأخرجه من حديث ابن عمر: البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢)، والترمذي عقب حديث أبي هريرة. وأخرجه من حديث أوس بن حذيفة: أحمد ٤/ ٨ - ٩، والنسائي ٧/ ٨٠ - ٨١. وأخرجه من حديث جابر: أحمد ٣/ ٣٠٠ و٣٣٢ و٣٣٩، والحاكم ٢/ ٥٢٢.
[ ٥ / ٢٥٠ ]
الوهم الثالث والعشرون: ظن السيد أن الاحتجاج بالحديث يصح في آخر الكتاب ويمتنع في أوله
الموضع مما كنت أظنه أرفع مكانًا من (١) أن يخفى عليه مثله هو ما عرف أن الرجلين لم يقولا: إن الإيمان هو ترك الشهادتين، حتى إذا قاتل النبي - ﷺ - على ذلك كان قد قاتل على الإيمان، إنما قالا: الإيمان هو التصديق بالقلب، وعلى المؤمن بقلبه واجباتٌ أُخَرُ يستحق تاركها القتال بتركها، وإن كان مؤمنًا، وهو النطق بالشهادتين وسائر أركان الإسلام الأربعة، وغيرها (٢) مما ورد الشرع بقتال تاركه، أو قتال مرتكبه، وليس يخالف في هذه الجملة أحد من أهل الإسلام، فكيف غفل السيد عن هذا؟ وكيف ظن أن الغزالي والرازي -مع تبحُّرهما في العلوم، وتوغُّلهما في الدقائق- يذهبان إلى أن الرسول - ﷺ - يقاتل من آمن بقلبه، ولم يَنْطِقْ بالإيمان على ما أضمر في قلبه من الإيمان بالله سبحانه، هو ما درى أن النطق بالشهادتين (٣) عندهما واجبٌ كالصلاة، والزكاة، والحج، وصوم شهر رمضان، هو ما عرف أنه يجوزُ عند جميع أهل الإسلام للرسول بل للإمام أن يقاتل من ترك أحد أركان الإسلام، وإن لم يكفر التارك لأحدها، أليس قد صرح الرازي في كلامه الذي حكى عنه السيد أن للدين واجباتٍ، وفيه محرمات، حتى تكلم في من آمن بقلبه، وترك جميع الواجبات، وارتكب جميع المحرمات؟ فهو يقول: النبي - ﷺ - قاتل تارك الشهادتين على ترك واجب من واجبات الإسلام التي، يكفر تاركها، لا على أنه آمن بقلبه، وكيف يكون القتال على ذلك؟ وهل يمكن أن يكون المطلوب بالقتال على الإيمان بالقلب إلاَّ اعتقاد الكفر بالقلب؟ وكيف ظن بهما هذا؟ وأي كلام لهما يقتضي هذا، والرسول (٤) - ﷺ - لم يُقاتل على ما في القلوب من الكفر، بل وَكَلَ الناس إلى ظواهرهم؟ فكيف يقاتل على ما في القلوب من الإيمان؟
الوهم الثالث والعشرون: ظن السيد أن الاحتجاج بالحديث يصح في آخر كتابه، ويمتنع في أوله، فإنه منع في أوله (٥) من الاحتجاج بالحديث النبوي لعدم
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): وغيرهما.
(٣) في (ش): أن الشهادتين.
(٤) في (د): والنبي.
(٥) قوله: " فإنه منع في أوله " ساقط من (ب).
[ ٥ / ٢٥١ ]
الوهم الرابع والعشرون: توهم أن مذهب الغزالي والرازي أن من آمن بقلبه فقد عصم دمه وماله
صحته في إسناده، وعدم معرفة معناه لغةً، وعدم العلم بفقد المعارض والناسخ والمخصَّص، وشدّد في ذلك، وشرع في آخر كتابه يحتجُّ بالأحاديث، فإما أن يكون ظن أن بين أول كتابه وآخره فرقًا واضحًا، أو ظن أنه صالحٌ لذلك، وليس غيره صالحًا، أو حَسِبَ أن خصمه لا يجمع بين أطراف كلامه، ولا يدري بمناقضاته وأوهامه، أو (١) السيد لا يدري ما يخرج من رأسه، ولا يفرِّق بين أقواله وأنفاسه.
ومَنْ جَهِلَتْ نفسُهُ قَدْرَه رأى غيرُه منه ما لا يَرَى (٢)
الوهم الرابع والعشرون: قال: وأيضًا قوله: " فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم ". يقتضي (٣) أنها لا تكون معصومةً حتى يقولوها.
أقول: قد توهَّم (٤) أن مذهبهما أن من آمن بقلبه، فقد عصم دمه وماله، ولم يقولا بما يقتضي ذلك بمنطوقٍ، ولا مفهومٍ، ولا قال بذلك أحدٌ، وإنما قال: إن هذه الأفعال الخمسة من أفعال الجوارح، والإيمان من أفعال القلوب، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان﴾ [النحل: ١٠٦] وقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقوله ﵇ في الحديث الصحيح وقد سئل عن الإسلام، فذكر الشهادتين وسائر الأركان الخمسة، وسئل عن الإيمان فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ".
خرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ (٥) - ونظير ذلك من
_________________
(١) في (ب): و.
(٢) البيت من قصيدة للمتنبي يصف فيها خروجه من مصر، ويهجو كافورًا الإخشيدي. انظر " الديوان " ١/ ٤٤.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): توهم السيد.
(٥) برقم (٨). وأخرجه أبو داود (٤٦٩٥)، واين ماجه (٦٣)، والنسائي ٨/ ٩٧ و١٠١، والطيالسي ص ٥، وأبو يعلى (٢٤٢)، وأحمد ١/ ٢٨ و٥١ و٥٢، وابن حبان (١٦٨)، والترمذي (٢٦١٠)، والبغوي (٢)، والآجري في " الشريعة " ص ١٨٨ - ١٨٩، وابن منده =
[ ٥ / ٢٥٢ ]
الوهم الخامس والعشرون: وهم أن قولهما هذا من الإرجاء
عمومات السمع كثير (١)، وهو يوجد حتَّى في كلام الوعيدية.
قال الحاكم المُحسِّن بن كرَّامة المعتزلي في تفسيره " التهذيب " في قوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] من المصدقين بالنبي - ﷺ - ودينه.
وأما الدم والمال، فإنما (٢) يعصِمان بإقامة أركان الإسلام الظاهرة، وعليها يقعُ القتال دون ما حجبته الضمائر. ولهذا فإن المنافق الذي لم يؤمن بقلبه يعصم دمه وماله متى قام بأركان الإسلام الظاهرة، فهو كافرٌ في علم الله، وهو معصوم الدم والمال، وكذلك العكس، فقد يكون مؤمنًا بقلبه في علم الله، وهو مباحُ الدم والمال، مستحق للعذاب بما ترك من الواجبات الظاهرة، وارتكب من المحرمات المعلومة.
الوهم الخامس والعشرون: وهم السيد أن قولهما هذا من الإرجاء، بل قالي: هو من الإرجاء وأشنعه، وليس كما وَهِمَ، فإن الإرجاء يخالف مذهبهما من وجهين:
أحدهما: أن المرجئة يقولون: الإرجاء قولٌ بلا عمل، ومنهم من يقول: ولا اعتقاد، وهما قالا: إنه اعتقادٌ من غير قولٍ ولا عملٍ، فأخرج (٣) القول من الإيمان الذي أجمعت المرجئة على (٤) أنه أساس الإيمان، ولهم (٥) على ذلك أدلَّةٌ كان يلزم المعترض ذكرها. والجواب عنها، أو (٦) الصَّمت عن ذلك كله.
منها: أن الله تعالى وصف مؤمن آل فرعون بأنه يكتم إيمانه، ولم يبطل إيمانه بذلك، فيجب بيان دليلٍ قاطعٍ على أن شرط الإيمان المكتوم أن يكون منطوقًا.
_________________
(١) = في " الأيمان " (١) و(٢) و(٣) و(٤) و(٥) و(٦) و(٧) و(٨) و(٩) و(١٠) و(١١) و(١٢) و(١٣) و(١٤).
(٢) في (ب). الكثير.
(٣) في (د) و(ش): فإنهما.
(٤) في (ب) و(ج) و(د): فأخرجا.
(٥) ساقط من (ب).
(٦) في (ب) و(ج) و(د): ولهما.
(٧) في (أ): و.
[ ٥ / ٢٥٣ ]
ومنها حديث عثمان عن النبي - ﷺ -: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلاَّ الله دخل الجنة ". رواه مسلم والنسائي (١)، وفي " تلخيص " (٢) ابن حجر أنه من " المستدرك " رواه البخاري ومسلم.
وفي " مسند " أحمد (٣) من حديثٍ عنه - ﷺ - " الإسلامُ علانيةٌ، والإيمان في القلب ".
ومثله حديث عمر الذي في " صحيح " مسلم في تفسير الإسلام والإيمان والإحسان (٤)، فيجب ذكر ما يُعَارِضُ هذه، وبيان مناقضة ذلك المعارض، والقطع بتعذر الجمع بدليلٍ قاطع.
وثانيهما: أن المرجئة يقولون: إن المؤمن العاصي لا يُعذَّب قطعًا، وهما يُجوِّزان أن يعذَّب، وأن يُعفى عنه، ورواية السيد عنهما تقتضي (٥) ذلك، وقد روى " الرَّصاص " (٦) في " خلاصته " -وهي (٧) مَدْرَسُكُم- حديثًا نصًّا أن الإرجاء هو القول بأن الإيمان قولٌ بلا عملٍ، وكذا نصَّ على ذلك محمد بن نشوان،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (١١١٤) و(١١١٥) وابن حبان في " صحيحه " بتحقيقنا (٢٠٢)، وابن منده (٣٣)، والحاكم ١/ ٧٢.
(٢) ٢/ ١٠٣ وقد نسبه الحاكم في " المستدرك " ١/ ٧٢ إلى البخاري ومسلم، وقد غلط في ذلك، فإن البخاري لم يخرجه.
(٣) ٣/ ١٣٤ - ١٣٥ من حديث أنس. وأخرجه البزار (٢٠)، وأبو يعلى (٢٩٢٣). وإسناده ضعيف لضعف علي بن مسعدة أحد رواته.
(٤) تقدم تخريجه قريبًا.
(٥) في (ب): والسيد روى عنهما ما يقتضي.
(٦) هو أحمد بن محمد الرصاص، تقدمت ترجمته ١/ ٢٨٧، وكتابه الذي يشير إليه المصنف هو " الخلاصة النافعة بالأدلة القاطعة في فوائد التابعة " رتبه على أربعة أبواب: الأول في وجوب النظر وما يتعلق به، والثاني في التوحيد وقسمه، ومسائله، والثالث في العدل، والرابع في الوعد والوعيد وما يتبعهما. انظر " فهرس مخطوطات الجامع الكبير بصنعاء " ص ١٥٨ و١٥٩.
(٧) في (ب): في.
[ ٥ / ٢٥٤ ]
وأبوه نشوان بن سعيد، ذكره في " الضياء "، وهما من المعتمدين في الُّلغة، وكأن السيد ما فرق بين الرَّجاء والإرجاء، والفرق بينهما معلوم عند أهل اللغة.
قال الجوهري في " صحاحه " (١): أرجيت الأمر: أخَّرته. يُهمز ولا يُهمز، وقرىء: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) [التوبة: ١٠٦] و﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (٣) [الأعراف: ١١]، فإذا وصفت الرجل به، قلت: رجلٌ مُرْجٍ، وقوم مُرجية، والرجاء: الأمل، يقال: رجوت فلانًا رجوًا ورجاءً ورَجَاوَةً،: يقال ما أتيتك إلا رَجَاوَةَ الخير، قال بشر يخاطب ابنته:
فَرَجّي الخير وانتظري إيابي إذا ما القَارِظُ العَنَزِيُّ آبا (٤)
انتهى (٥).
وقد ورد في الحديث الحثُّ على الرجاء، والنهي عن الإرجاء، ففي
_________________
(١) ٦/ ٢٣٥٢.
(٢) هي قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص، وقرأ الباقون بالهمز. انظر " حجة القراءات " ص ٣٢٣.
(٣) هذه قراءة عاصم وحمزة، وقرأ ابن كثير وهشام عن ابن عامر " أرْجئهْ " بهمزة وواو بعد الهاء في اللفظ، وقرأ أبو عمرو بضم الهاء من غير إشباع، وقرأ نافع والكسائي: " أرجهي " بإشباع الياء، وفي قراءة الحلواني عن نافع: " أرجهِ " بكسر الهاء من غير إشباع، وقرأ ابن عامر: " أرجئْهِ " بهمزة وكسر الهاء. انظر " حجة القراءات " ص ٢٨٩ - ٢٩١.
(٤) البيت في " الصحاح " و" اللسان " و" طبقات ابن سلام " ١/ ١٨٠ و١٨٥، و" مختارات الشجري " ٢/ ٣٢ من قصيدة جيدة قالها بشر بن أبي حازم، وهو يجود بنفسه. وقوله: " إذا ما القارظ العنزي آبا " هو من أمثال العرب في الغائب لا يُرجى إيابه، والقارظ: هو الذي يجتني القَرَظَ، وهو ورق السَّلَم يُدْبغ به. وقد خرج هذا العنزي ليجتنيه، فَفُقد وصار مثلًا للمفقود الذي يُؤْيس منه. وانظر " فصل المقال " ص ٤٧٣، و" مجمع الأمثال " ٢/ ٢١٢، و" المستقصى " ١/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٥) ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٢٥٥ ]
الصحيح يقول الله تعالى: " أنا عند (١) ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء " (٢).
وفي الترمذي " -وليس إسناده بذاك-: " صِنْفَانِ من أُمتي ليس لهما في الإسلام نصيبٌ: المرجِئَة والقدرية " (٣). وأحاديث الشفاعة الصِّحاح المتواترة المعنى قاضيةٌ بردِّ (٤) مذهب المرجئة، فإنهم يذهبون إلى أن أهل الإسلام لا (٥) يُعذبون.
وفي أحاديث الشفاعة خروجُهم بها من النار، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة، وإنما القصد بيان الفرق بين الرَّجاء والإرجاء، وقد فَهِمَ أهل الحديث هذا، وردُّوا على المرجئة في كتبهم.
قال أبو داود في " السنن " باب ردِّ الإرجاء (٦). وروى في ردِّه، وفي زيادة الإيمان ونُقصانه أربعة عشر حديثًا، عن: أبي هريرة (٧) وجابر (٨) وابن عمر (٩) وابن عباس (١٠) وسعد بن أبي وقَّاص (١١) وأبي أُمامة (١٢) والزهري، موقوفًا (١٣).
وكذلك سائرُ أهل الصحاح والسنن قد أفرد كل منهم بابًا في رد الإرجاء وزيادة الإيمان ونقصانه.
الوهم السادس والعشرون: وهم أنهم كفار تصريحٍ، وأنهم يعلمون كفر
_________________
(١) في الأصول: " حيث "، والمثبت من (ب).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في " المسند " ٣/ ٤٩١ و٤/ ١٠٦ من حديث واثلة بن الأسقع. وصححه ابن حبان (٦٣٣) و(٦٣٤) و(٦٣٥) بتحقيقي.
(٣) رقم (٢١٤٩) في كتاب القدر: باب ما جاء في القدرية. وأخرجه ابن ماجه (٧٣)، والطبراني (١١٦٨٢)، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٣٣، وإسناده ضعيف.
(٤) في الأصول: ترد، والمثبت من (د).
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) ٥/ ٥٥.
(٧) رقم (٤٦٧٦) و(٤٦٨٢) و(٤٦٨٣) و(٤٦٨٩).
(٨) رقم (٤٦٧٨).
(٩) رقم (٤٦٧٩) و(٤٦٨٨).
(١٠) رقم (٤٦٧٧) و(٤٦٨٠).
(١١) رقم (٤٦٨٣) و(٤٦٨٤).
(١٢) رقم (٤٦٨١).
(١٣) رقم (٤٦٨٤).
[ ٥ / ٢٥٦ ]
الوهم السابع والعشرون: وهم أنهم أنكروا القدر الضروري في شكر المنعم
أنفسهم، وإنما قصدُهُم إضلال العباد عن الدين، وتحريف شريعة ربِّ العالمين، وهذا عدوان على المسلمين ومخالف (١) لمذاهب المعتزلة والمتشيِّعين. وقد نصَّ في " اللُّمع " -التي هي مدرس الزيدية- على أن الجبر والتشبيه عندنا من جهة التأويل والتدين. وقد تقدم الجواب على هذا في مسألة المتأولين من وجوهٍ ثلاثة، فخذه من هنالك. فلولا خوف الإطالة لأعدته.
الوهم السابع والعشرون: وهم أنهم أنكروا القدر الضروري في شكر المنعم، لأنهم قالوا: شُكْرُ المنعم لا يجب عقلًا، وإنما يجبُ سمعًا، وليس كما وهم، فإنهم في تلك المسألة المرسومة في الأصول إنما نازعوا في معرفة العقل لوجوب شكر المنعم الذي هو الله ﷻ، لأنه غنيٌّ عنه، لا يمكن أن ينتفع به، ولا يتضرر بتركه، مع أن الشكر قد يكون فيه مضرَّة على العبد ومشقَّةٌ، قالوا: فلو خُلينا وقضية العقل، لم نعلم بها وجوب ما هذه صفته.
قال الجُويني في " البرهان " (٢) ما لفظه: والبرهان القاطع في بطلان ما صاروا إليه أن الشكر نعتٌ (٣) للشاكر بأجرٍ، ولا يُفيدُ المشكور شيئًا، فكيف يقضي العقل بوجوبه؟ وقد ردت عليهم ذلك الشيعة والمعتزلة بأن الوجه فيه: أن العبد يخاف مضرة العقاب من سيده على ترك الشكر، وليس هذا في محل الضرورة، ولا ادعت المعتزلة فيه الضرورة.
ومن العجب أن الأشعرية عرفوا مذهب المعتزلة في ذلك، وما عرفه السيد، فإن المعتزلة لم تدَّع أن وجوب الشكر في حق الله تعالى ضروري.
قال الجويني في هذه المسألة: وليس ذلك عند المخالفين واقعًا في قسم الضروريات، وإنما هو مُدرَكٌ بالنظر عقلًا، ومنوطٌ بمسلكٍ يوضحه.
_________________
(١) في (ش) و(د): ومخالفة.
(٢) ١/ ٩٤.
(٣) تصحفت في (أ) إلى: تعب.
[ ٥ / ٢٥٧ ]
ثم قال في بيان هذا المسلك ما لفظه: وللخصوم مسلكان: أحدهما: التَّعلُّق بتغافل العُقلاء شاهدًا، ويزعمون (١) أن الشكر واجبٌ شاهدًا، ثمَّ يقضون بذلك على الغائب. انتهى (٢).
فإن قلت: فقد خالفت الأشعرية في وجوب الشكر في الشاهد، وهو ضرويٌّ؟
قلت: لم يُخالفوا في القدر الضروري منه، وإن القدر الضروري منه ما نجده في نفوسنا من استحسان فعله، وقُبحِ تركه، وهم ما نازعوا في وجدان ذلك في النفوس، واستحكامه في الطِّباع، وإنما خالفوا في سببه وعلته، وقالوا: إنه يحتمل (٣) وجوهًا ثلاثة:
أحدها: أن يكون المرجع به إلى الشهوة والنُّفرة، فإن المُحسن في الشاهد لما كان يلتذُّ بالشكر، ويتألَّم بتركه، وقد جُبِلَت النفوس على حبِّ المحسن، وجب في الطبع شهوة ما يلتذُّ به والنفرة عما يتألَّم به، وهم لم ينازعوا في التحسين بالنظر إلى الشهوة، والتقبيح بالنظر إلى النُّفرَة.
الوجه الثاني: أن يكون هذا مستندًا في العادة، مثل استقباح كشف العورة، ونكاح الأمَّهات قبل ورود الشرع وبعد ثبوت العادة، فإن الكفار يستقبحون كثيرًا من القبائح الشرعية لأجل العادة.
الوجه الثالث: أن يكون الشكر صفة كمالٍ كالعلم، وتركه صفة نقص كالجهل.
وقد نص الرازي وغيره على أنهم لا يُخالفون في هذه الوجوه الثلاثة، قال:
_________________
(١) في (د) و(ش) و" البرهان ": فيزعمون.
(٢) " البرهان " ١/ ٩٥ - ٩٦.
(٣) في (١): يحمل.
[ ٥ / ٢٥٨ ]
وإنما خلافنا في أن فاعل القبيح هل يستحقُّ لمجرَّد (١) العقل من غير شرع الذم عاجلًا والعقاب آجلًا؟ وهكذا في جميع ما يتعلَّقُ بالتحسين والتقبيح من المسائل، فإنهم لا يخالفون في هذه الأمور الثلاثة. وقد قال الرازي: إن أهم ما في هذه المسألة معرفة موضع الخلاف بين الفريقين، وقد صرح الرازي على أنهم لا يُجيزون على الله تعالى صِفَةَ نقصٍ من كذبٍ ونحوه.
وكذلك قال قطب الدين الشيرازي (٢) في " شرح مختصر منتهى السُّول " في تقرير سؤال المعتزلة. وجوابه ما لفظه (٣): واعلم أن المشهور في تقرير المُلازمة هو أن الحسن لو كان شرعيًّا لَحَسُنَ مِنَ الله كلُّ شيءٍ، ولو حَسُنَ منه كل شيء، لجاز منه إظهارُ المعجزة على (٤) الكاذب.
والجواب: منع الصُّغرى إن أُريد بقولهم: لحسُنَ (٥) منه كل شيءٍ، أن صدور كلِّ شيءٍ منه يحسن، ومنع الكبرى إن أريد به أن كلُّ شيء (٦) يصدر منه فهو حسن. انتهى كلامه، وفيه النصُّ أنهم لا يقضُون بحُسن جميع القبائح، حاشى الجلال المقدس من تقدير إضافتها إليه، ولكن خالفوا في مَدْرَكِ القبح، ومعناه كما قال قبل هذا الكلام، فإنه ذكر قبله أنهم لا يُخالفون في قُبح إظهار المعجزة على الكاذب عقلًا، ولكنهم يفسِّرون ذلك الاستقباح بالمُنافرة، وبكونه
_________________
(١) في (ج) و(د) و(ش): بمجرد.
(٢) هو محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي، قطب الدين الشيرازي الشافعي، كان ذا مروءة وأخلاق حسان وذكاء، وكان كثير المخالطة للملوك، ويكثر الشفاعات عندهم، له مؤلفات في الفقة والأصول والطب والفلك والرياضيات. توفي سنة ٧١٠ هـ. انظر ترجمته في " الدرر الكامنة " ٤/ ٣٣٩ - ٣٤١، و" بغية الوعاة " ٢/ ٢٨٢، و" البدر الطالع " ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٣) قوله: " سؤال المعتزلة وجوابه ما لفظه " ساقط من (ب) و(ش).
(٤) في (أ): عن.
(٥) في (د): يحسن.
(٦) من قوله: " أن صدور " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٥ / ٢٥٩ ]
صفة نُقصانٍ - يعني والذي خالفوا فيه تفسير الاستقباح باستحقاق الذمِّ عاجلًا والعقاب آجلًا على فعل ما هو صفة نقصٍ بمجرد العقل، فتحقيق مذهبهم: أنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة في القطع بامتناع صفة النقص -كالكذب وتصديق الكاذب-، لكن اختلفوا في العلة، فعند المعتزلة: أن العلة استحقاق الذمِّ به عقلًا في حق الله تعالى لو قُدِّرَ صدوره عنه، وعند الأشعرية: العلة كونه صفة نقصٍ عقلًا، وصفة النقص مُحالة عليه، فلو فعله لم يستحق الذمَّ عقلًا عند الأشعرية، لكن فعله عليه محالٌ. ومستند الأشعرية في الوجوب وجوب كمال واجب الوجود، وكمال غناه لقدمه، وصفات (١) النقص إنما تكون بداعية الحاجة والافتقار، وهو محالٌ في حقِّ من سبق وجوده الموجودات غنيًا عنها، وإذا قد ثبت باتفاق الفريقين أن وجود الرب متقدم تقدم وجوب على جميع الموجودات، وأنه في حال تقدُّمه هذا غنيٌّ عنها، فلا يصحُّ أن يكون وجودها بعد غناه عنها فيما لا نهاية له من القِدَمِ مُوجبًا لحاجته إليها، لأن وجود الحوادث لا يُغيِّرُ القديم في ذاته ولا صفاته الواجبة، وإذا لم تُغَيِّر لم يغيِّر غناه عنها. ولعل هذا هو المدرك الآخرُ الذي أشار إليه ابن الحاجب في " مختصر المنتهى ".
وقد نقل الزركشي في " شرحه لجمع الجوامع " للسُّبكي عن قوم أنهم توسَّطوا. فقالوا: قبحُ القبائح ثابتٌ بالعقل، وكذلك الذمُّ عليها، وأما العقاب، فبالشرع. قال: وهو الذي ذكره سعد (٢) بن علي الزَّنْجَاني من الشافعية، وأبو الخطاب (٣) من الحنابلة، وذكرَتْهُ الحنفية، وحكوه عن أبي حنيفة، قال: وهو
_________________
(١) في (ش): وصفة.
(٢) في الأصول: " أسعد "، وهو أبو القاسم الزنجاني سعد بن علي الحافظ الثقة المتقن القدوة الزاهد، نزيل الحرم، وجار بيت الله، المتوفى سنة ٤٧١ هـ. مترجم في " العبر " ٣/ ٢٧٦، و" طبقات الشافعية " للسبكي ٤/ ٣٨٣، و" العقد الثمين " ٤/ ٥٣٥، و" البداية والنهاية " ١٢/ ١٢٧، و" شذرات الذهب " ٣/ ٣٣٩.
(٣) هو الشيخ الإمام العلامة الورع شيخ الحنابلة محفوظ بن أحمد بن حسن الكلواذاني، درس الفقه على أبي يعلى الفرَّاء، وصار إمام وقته وشيخ عصره، وصنَّف في المذهب، =
[ ٥ / ٢٦٠ ]
المنصور (١) لقوَّته من حيث الفطرة، وآيات القرآن المجيد، وسلامته من الوهن والتناقُض. وسيأتي تمام القول في هذه المسألة في الوهم الثاني والثلاثين، آخر المجلد الثالث إن شاء الله تعالى (٢).
ومن أهل النظر من أهل السنة من احتج على أنَّ الله تعالى غنيٌّ عن الكذب بقدرته على كلِّ شيءٍ، لأن الكذب ليس بمشتهى لذاته بالضرورة، وإنما يتوصَّل إليه العاجز عند الاحتيال إلى دَرْكِ ما عَجَزَ عنه مع الصدق، وقد ثبت بالأدلة العقلية، واتفاق الفريقين أنه ﷿ على كل شيء قدير، فيثبت (٣) غناه عن الكذب، فوجبَ صدقه عقلًا. وقد أخبرنا الصادق أنه غنيٌّ عن كل شيء، فصحَّ الاحتجاج بالسمع على مطلق الغنى بعد الاحتجاج بالعقل على الغنى الخاص عن الكذب وحده. وهذه طريقة صحيحة عند الفريقين من الأشعرية والمعتزلة، وعند فريق أهل السنة لجلائها وتنبيه السمع عليها، حيث نبَّه على امتناع ما لا داعي إليه بقوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] وقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَق﴾ [المائدة: ١٨] وأمثالهما.
وسيأتي لهذا مزيد بيانٍ في مسألة الدواعي. وقد مرَّ في الاحتجاج بالقرآن على أصول الدين شيءٌ منه، وهذا الذي خالفوا فيه مَدْرَكٌ خفيٌّ غير ضروري، سواءٌ كان الحق قولهم أو قول المعتزلة، فلا يقطع على المخالف فيه بالعناد وتعمُّد (٤) الباطل والفساد، كما توهَّم السيد (٥).
_________________
(١) = والأصول، والخلاف، والشعر الجيد، توفي سنة ٥١٠ هـ. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٩/ ٣٤٨.
(٢) في (ش): المتصور.
(٣) انظر ٨/ ٣.
(٤) في (د): فثبت.
(٥) في (ب): وتوهم.
(٦) وقع هنا في نسخة (ج) ترجمة مطولة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم ترد في سائر النسخ، فرأيت أن أثبتها في الهامش بنصها، مع أنه قد وقع في سطورها نقص ينقطع الكلام =
[ ٥ / ٢٦١ ]
قف على ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية من "سير أعلام النبلاء"
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بسببه، وقد أشرت إليه بإثبات النقط، وإنما أثبتها هنا، لأن المجلد الذي فيه هذه الترجمة من " سير أعلام النبلاء " -وهو الأخير- لم يطبع، لأننا لم نجد نسخة منه صالحة للنشر. ونصها: وهذه ترجمة الإمام العلامة ابن تيمية من " النبلاء " للذهبي، نقلتها إلى هنا، لأني قد أكثرت عنه النقل في هذا الكتاب خاصة في هذا المجلد. قال أبو عبد الله الذهبي فيه: الشيخ الإمام، العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط، تقي الدين أبو العباس أحمد بن العالم المفتي شهاب الدين عبد الحليم بن الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام مؤلف " الأحكام " (يعني كتاب المنتقى) ابن عبد الله بن أبي القاسم الحراني .. إلى قوله: سمع من فلان وفلان وخلق كثير، وأكثر وبالغ وقرأ بنفسه على جماعة، ونسخ عدة أجزاء و" سنن أبي داود "، ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر مع التدين، والتألُّه، والذكر، والصيانة، ثم أقبل على الفقه ودقائقه وقواعده، وحججه، والإجماع، والاختلاف، حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل، ويرجح، ويجتهد، وحُق له ذلك، فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحدًا أسرع انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا لمتون الأحاديث صحيح أو إلى المسند .. كأن الكتاب والسنن نصب عينه، وعلى طرف لسانه بعباره رشيقة آيات الله في التفسير والتوسع فيه لعله .. الديانة ومعرفتها ومعرفة أحوال الخوارج والروافض والمعتزلة المبتدعة، فكان لا يسبق فيه غباره، ولا يلحق شأوه هذا من الكرم الذي لم يشاهد مثله، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ عن ميلان النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية، ولقد سارت بتصانيفه في فنون من العلم وألوان بعد تواليفه وفتاويه (كذا) في الأصول، والفروع، والزهد، واليقين، والتوكل، والإخلاص، وغير ذلك تبلغ ثلاث مئة مجلد، لا بل أكثر، كان قوَّالًا بالحق نهَّاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة للأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه، ومن نابذه وخالفه ينسبنى إلى التغالي مع أني لا أعتقد فيه العصمة، كلا، فإنه مع سعة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين، بشر من البشر تعتريه حدة في البحث، وغضب يزرع له عداوة في النفوس ونفورًا عنه، وإلا والله فلو لاطف الخصوم، ورفق بهم، ولزم =
[ ٥ / ٢٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المجاملة، وحسَّن المكالمة، لكان كلمة إجماع، فإن كبارهم وأئمتهم خاضعون بعلومه وفقهه، معترفون بشنوفه، وكأنهم مقرون بندور خطئه. لستُ أعني بعض العلماء الذين شعارهم وهجِّيراهم الاستخفاف به، والازدراء بفضله، والمقتُ له، حتى استجهلوه وكفروه ونالوا منه من غير أن ينظروا في تصانيفه، ولا فهموا كلامه، ولا لهم حظ تام من التوسع في المعارف، والعالم منهم قد يُنصفه بعلم، وطريق العقل السكوت عما شجر بين الأقران، رحم الله الجميع. وأنا أقل من ينبه على قدره كلمي، أو أن يوضح بناءه قلمي، وأصحابه وأعداؤه خاضعون بعلمه، مقرون بسرعة فهمه، وأنه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، وأن جوده حاتمي، وشجاعته خالدية، ولكن قد ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا منصفهم فيها مأجور، ومقتصدهم فيها معذور، وظالمهم فيها مأزور، وغالبهم مغرور، وإلى الله ترجع الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، والكمال للرسل، والحجة في الإجماع، فرحم الله أمرأً تكلم في العلماء بعلم، وأمعن في مضايق أقاويلهم بتؤدة وفهم، ثم استغفر لهم، ووسع نطاق المعذرة، وإلا فهو ممن لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، وإن أنت عذرت كبار الأئمة في معضلاتهم، ولم تعذر ابن تيمية في مفرداته، فقد أقررت على نفسك بالهوى وعدم الإنصاف، وإن قلت: لا أعذره لأنه كافر، عدو لله ورسوله، قال لك خلق من أهل العلم والدين: ما علمناه والله إلاَّ مؤمنًا، محافظًا على الصلاة والوضوء وصوم رمضان، معظمًا للشريعة ظاهرًا وباطنًا، لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخَّار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومناقضتهم، ولا هو يتفرد بمسائل بالتشهي، ولا يفتي بما اتفق، بل مسائله المفردة يحتج لها بالقرآن أو بالحديث وبالقياس، ويبرهنها ويناظر عليها، وينقل فيها الخلاف، ويطيل البحث أسوة من تقدمه من الأئمة، فإن كان قد أخطأ فيها فله أجر المجتهد من العلماء، وإن كان قد أصاب فله أجران، وإنما الذم والمقت لأحد رجلين: رجل أفتى في مسألة بالهوى ولم يُبْدِ حجةً، ورجل تكلم في مسألة بلا خميرة من علم، ولا توسُّع في نقل، فنعوذ بالله من الهوى والجهل، ولا ريب أنه لا اعتبار بذم أعداء العلم، فإن الهوى والغضب يحملهم على عدم الإنصاف، والقيام عليه، ولا اعتبار بمدح خواصه والغلاة فيه، فإن الحب يحملهم على تغطية هناته، بل قد يعدونها له محاسن، وإنما العبرة لأهل الورع والتقوى من الطرفين الذين يتكلمون بالقسط ويقومون لله، ولو على أنفسهم، وآبائهم، فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالًا ولا جاهًا بوجه أصلًا، =
[ ٥ / ٢٦٣ ]
الوهم الثامن والعشرون: أن أهل السنة ينكرون أن لنا أفعالا وتصرفات، والجواب عن ذلك وبيانه بطريقين
الوهم الثامن والعشرون: وَهِمَ وفَّقه الله أن أئمة السنة الأثبات يُنكرون أن لنا أفعالًا وتصرفاتٍ، واستخرج من ذلك أنهم كفار تصريحٍ لإنكارهم -في زعمه- العلوم الضروريات، وفَرَّعَ على ذلك تحريم ما استند إليهم من الروايات في علوم الديانات إلى سائر ما ذكره من الإلزامات.
وهذا وهم شنيعٌ، وغلطٌ فاحشٌ فظيع، ولم يختصُّ به المعترض، بل قد شاركه فيه كثيرٌ من المعتزلة مع اعترافهم في بعض مصنفاتهم بخلاف ذلك في بعض المواضيع وقد تقدم ما يلزم المعترض بجرحه لأئمة الحديث والمتأوِّلين من
_________________
(١) = مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوبًا له مغفورة في سعة كرم الله، وصفحة مغموره في بحر علمه وجوده، فالله يغفر له ويرضى عنه، ويرحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه، مع أني مخالف له في مسائل أصلية وفرعية، فقد أبديت آنفًا أن خطأه فيها مغفور، بل يثيبه الله فيها على حُسن قصده وبذل وسعه، والله الموعد، مع أني قد أوذيت لكلامي فيه من أصحابه فحسبي الله. وكان الشيخ أبيض، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، كأن عينيه لسانان ناطقان، رَبْعَة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحًا، سريع القراءة، تعتريه حدة، ثم يقهرها بحلم وصفح، وإليه كان المنتهى في فرط الشجاعة والسماحة وقوة الذكاء، ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله، وكثرة توجهه. وقد تعبت بين الفريقين، فأنا عند محبه مقصر، وعند عدوه مسرف مكثر، كلا والله. توفي إلى رحمة الله معتقلًا بقلعة دمشق بقاعة بها بعد مرض جدّ أيامًا في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، وصُلي عليه بجامع دمشق عقيب الظهر، وامتلأ الجامع بالمصلين كهيئة يوم الجمعة حتى خرج الناس لتشييعه من أربعة أبواب البلد، وأقل ما قيل في عدد من شهده خمسون ألفًا، وقيل أكثر من ذلك، وحمل على الرؤوس إلى مقابر الصوفية، ودُفن إلى جانب أخيه الإمام شرف الدين رحمهما الله تعالى وإيانا. وقد صنف جماعة من الفضلاء له تراجم مطولة، ورُثي بقصائد كثيرة، انتهى. وللذهبي له ترجمة مختصره مجودة في " تذكرة الحفاظ " ٤/ ١٤٩٦، والحمد لله وحده.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
الطريق الأولى: النقل لذلك عن المعتزلة والشيعة فإن ذلك يوجد في كلامهم
الإلزامات الشنيعة، والجهالات الفظيعة، والإشكالات الوسيعة التي زادت على مئتي إشكالٍ مع ما تقدَّم له من التفريع على وصمِهم بالبَلَه، والكشف لهذا الخيال، ولم يبق هنا إلاَّ الذبُّ عنهم فيما نَسَبَ إليهم من الكفر الصريح، والجبر، وادَّعى عليهم من التصريح وعدم التأويل فيهما معًا.
والجواب: أن هذا مجرد دعوى عليهم من غير بينةٍ، بل جحدٌ للمعلوم بالضرورة عند العارفين من نصوصهم البينة، والسبب في ذلك جهل العامة، وتجاهل بعض الخاصة لمراد أهل السنة في قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة، ونحن نُبين إن شاء الله تعالى مرادهم، فإنهم مع إطلاق ذلك مجمعون على إثبات الاختيار، ونفي الإجبار، وإن مذهب قدماء أهل البيت والزيدية في خلق الأفعال ونفي الجبر هو مذهبُ أهل السنة، ولنا في بيان ما ادعيناه طريقان.
الطريق الأولى: طريق النقل لذلك عن المعتزلة والشيعة، فإن ذلك يوجد في كلامهم عند حاجتهم إليه في إلزام الأشعرية لبعض المناقضات، مثل ما رواه عنهم السيد المتكلم أحمد بن أبي هاشم المعتزلي، الشيعي، مصنف (١) " شرح الأصول الخمسة " لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، وهذا الشرح عمدة الشيعة في بلاد الزيدية في اليمن، ولذلك اخترتُ النقل منه لعلم
_________________
(١) أي: علقه عن مؤلفه قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المتوفى سنة ٤١٥ هـ، كما جاء في عنوان النسخة الخطية الموجودة في مكتبة أحمد الثالث في استنبول المنسوخة سنة ٧٥٦ هـ. وقد طبع هذا الشرح بتحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان ﵀ سنة ١٩٦٥ هـ. وأحمد بن أبي هاشم هذا: هو أحمد بن الحسين بن أبي هاشم الحسيني الإمام المستظهر بالله، ويعرف بما نكديم، ومعناه: وجه القمر لحسن وجهه، من ذرية عمر الأشرف، لا من ذرية زيد بن علي كما زعمه غالط، وهو إمام المتكلمين ورئيس المخلصين وعدتهم، عده في الأئمة المهدي، وأهمله آخرون. أخذ على المؤيد بالله، وكان من أصحابه، وهو الذي صلى على المؤيد يوم مات توفي بالري سنة نيف وعشرين وأربع مئة. " تراجم الرجال " للجنداري ص ٣.
[ ٥ / ٢٦٥ ]
الخصم بما فيه.
قال فيه مصنفه المذكور في أوائل الفصل الثاني في العدل: وقد احتج على ثبوت التحسين والتقبيح في العقل بأن أحدنا إذا خُيِّرَ بين الصدق والكذب، ولم يكن له داعٍ خاصٌّ إلى أحدهما اختار الصدق لا محالة.
ثم قال بعد هذا المعنى ما لفظه: فإن قالوا هذا بناء على أن الواحد منا مخيرٌ في تصرفاته، ونحن لا نُسلِّمُ ذلك، فإن مذهبنا أنه مُجبرٌ عليه في هذه الأفعال، وأنها مخلوقة، ثم أجاب بأربعة أجوبة.
قال في الثالث منها ما لفظه: وبعد، فلا خلاف بيننا وبينكم في أن هذه التصرفات محتاجةٌ إلينا، ومتعلِّقةٌ بنا، وأنا مختارون فيها، وإنما الخلاف في جهة التعلق أكسبٌ أم حدوثٌ، فعندنا أن جهة التعلُّق إنما هو الحدوث، وعندكم أن جهة التعلق إنما هو الكسب. انتهى لفظه.
وهو رد صريح (١) لقول من يقول: إنهم ينكرون أن لنا أفعالًا وتصرفاتٍ، وقد توهَّم بعضُ مَنْ لا يعرفُ مذهبهم أن ظاهر كلام صاحب الشرح لا يصح، فتأوله بأن معنى قوله: إنه لا خلاف أنا مختارون في أفعالنا، أي لا خلاف في أنا مُريدون لها، وهذا التأويل باطلٌ لوجوه:
الأول: أنه لا موجبَ له، وتجويز التأويل من غير موجب يفتح باب الجهالات، ويُبْطِلُ الانتفاع بنقل أهل المقالات.
فإن قيل: الموجبُ له اختلاف النقل عنهم:
فالجواب: أنه ليس بأولى من تأويل نقلِ من نقل نفي الاختيار عنهم، ثم إن الفِرَق فيهم كثيرة، وأهل السنة منهم أربعُ فِرَقٍ ليس منهم من ينفي الاختيار ألبتة (٢) كما يأتي بيان ذلك.
_________________
(١) في (ش) وهذا صريح الرد.
(٢) من قولهم: " عنهم " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٥ / ٢٦٦ ]
وقد نقل الشيخ مختارٌ المعتزلي مذهبهم على الصواب في كتابه " المجتبى " لما كان تام المعرفة بمذهبهم، فقال ما لفظه: وذكر شيخنا صاحبُ " المعتمد " (١) أن جهمَ بن صَفْوان ذهب إلى أن الله خالقٌ لأفعال العبيد فيهم وهم ليسوا بمحدثين ولا مكتسبين لها، وذهب النجارُ و(٢) الأشعري إلى أن الله خالقٌ لأفعال العبيد، وهم يكتسبونها. قال: وهذا هو المشهور من مذهبهم، وبه قال أكثر أهل السنة، فنُفْرِد لكل واحدٍ من الجبرية الخالقية والكَسْبية مسألة على حدة.
قال: والحاصل أن المخالفين بأسرهم قالوا بقدرة العبد، لكن الفلاسفة زعموا أن القدرة هي علة (٣) الفعل مع الداعي.
والإسفرايينيُّ (٤) زعم (٥) أنها جزءُ علة الفعل لوجوده بالقدرتين.
والباقلاني زعم أنَّها عِلَّةُ الكسب.
والجهم زعم أنها معنى لا تأثير له في الفعل أصلًا لكنه يُوجدُ متعلقًا (٣) به.
انتهى بحروفه.
وسيأتي بيان تفاصيل هذا النقل، وتفاوت مراتب المبتدعة، وأن الخصم نسب قول الجهم إلى جميع أهل الكلام من الأشعرية: الإسفراييني والبَاقِلاَّني والجُويني وغيرهم، بل إلى أهل السنن والآثار المنكرين لعلم الكلام (٦). ولا شكَّ أن نسبة ذلك إليهم باطلةٌ بالضرورة بشهادة جميع أهل العلم بمقالات المختلفين.
_________________
(١) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المتوفى ببغداد سنة ٤٣٦ هـ.
(٢) الواو ساقطة من (ش). والنجار: هو الحسين بن محمد بن عبد الله النجار الرازي، رأس الفرقة النجارية من المعتزلة. انظر " مقالات الإسلاميين " ص ٥٦٦، و" الفهرست " لابن النديم ص ٢٢٩، و" اللباب " لابن الأثير ٣/ ٢٩٨، و" الملل والنحل " ١/ ٨٨ - ٩٠.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: والأشعريين.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) تحرفت في (ش) إلى: مطلقا.
(٦) في (ش) زيادة: على أهله.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
والنقل للجبر المحض صحيحٌ، ولكن عمن ليس له سلفٌ ولا خَلَفٌ، وأهل السنة أشدُّ نكيرًا عليه من المعتزلة، وليس ينبغي أن يُطْرَحَ على السواد الأعظم من المسلمين قول من شذَّ عنهم، كما لا يُطرَحُ على المعتزلة قول من يقول: إن الله تعالى لا يعلم الغيب من نُفاة القدر، ولا يُطرَحُ على الزيدية قول (١) الحسينية: إن الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله - ﷺ -، وإنه حيٌّ (٢) لم يمت، ولا قولُ المطرفية في تأثير (٣) الطبائع وغير ذلك، ولا يطرح على الشيعة القول بالرفض، ولا على الروافض مذاهب الباطنية الملاحدة، ولا قول الإسحاقية بربوبية علي بن أبي طالب ﵇.
وما أحسن قول الذهبي في " ميزانه " (٤) في ترجمة إمام هذه الطائفة (٥) المخذولة وهو إسحاق بن محمد النخعي الأحمر - قال الذهبي: كان يقول: إن عليًا هو الله، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا، وإليه تنسب الإسحاقية بالمدائن.
قال ابن الجوزي: كان من الغلاة في الرفض (٦).
قال الذهبي: حاشا غُلاة الرفض أن يقولوا في علي هو الله، فمن وصل إلى هذا، فهو كافرٌ لعين من إخوان النصارى. انتهى كلام الذهبي.
فما أحسن بالعلم أن لا يطرح على من يُبغِضُه ما لم يقله، ولا يتساهل في عباره تُوهِمُ ذلك.
_________________
(١) في (ش): بقول.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): في نفي تأثير.
(٤) ١/ ١٩٦ - ١٩٨.
(٥) في (ش): الفرقة.
(٦) في (ش): الغلاة الروافض.
[ ٥ / ٢٦٨ ]
وقد ميَّزَ (١) القاضي أبو بكر بن العربي الفقيه المالكي بين الفِرقِ المجتمعة في الاسم، المفترقة في المعنى، وبيَّنها على التفصيل في كتاب " المشكلين "، وعلى التجميل في " عارضة الأحوذي في شرح (٢) الترمذي " (٣) فقال: إن الروافض عشرون فرقةً من النيف والسبعين، منهم فرقةٌ واحدةٌ ليست من فرق الإسلام، والقدرية عشرون فرقة، منهم فرقتان ليستا (٤) من فرق الإسلام.
فثبت أنه لا موجب لتأويل كلام صاحب الشرح فيما (٥) نقل عن الأشعرية أنهم يُثبتون الاختيار للعباد، وهم أقرب فرق أهل السنة إلى الجبر كما يأتي، فكيف (٦) بغيرهم من أهل الحديث والآثار!
الوجه الثاني: أن هذا التأويل الركيك يُبْطِل كون ما ذكره صاحب الشرح جوابًا ثالثًا على الأشعرية غير الجوابين الأولين عليهم، فإنه أراد بهدا الجواب نقض قولهم: إنهم مُجْبَرُون لا فِعْلَ لهم، وردَّ دعواهم أن هذا مذهبهم إن فرضنا أنهم ادعوا ذلك، فلو كان غرضه أنا مريدون غير مختارين، لم يكن نقضًا لدعواهم المقدرة في أن مذهبهم الجبر، وهذا قاطعٌ جليٌّ لا يمكن المتأول دفعه، فإن إرادتنا من غير اختيارٍ لا تغني عنا شيئًا، فالمريض قد يريد العافية، ولا يقدر على تحصيلها باختياره، والهارب من السبع عند الاضطرار يريد الهرب ولا يقدر على تركه باختياره عند الجميع.
الوجه الثالث: أن الاختيار والإرادة لفظان مختلفان، وقد ثبت أحدهما (٧) مع انتفاء الآخر كما ذكرنا في المُضْطَرِّ إلى الهرب من السبع، وسيأتي بيان ذلك على مذهب المعتزلة والأشعرية في المرتبة الخامسة في الفرقة الأولى.
_________________
(١) في (ش): عبَّر.
(٢) تحرف في (ش) إلى: شيوخ.
(٣) ١٠/ ١٠٩ - ١١٠.
(٤) في (ش): ليست.
(٥) في (ش): حيث.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): وقد ثبت أن أحدهما.
[ ٥ / ٢٦٩ ]
الطريق الثانية: النقل عن أهل السنة ومتكلميهم
الطريقة الثانية: النقل عن أهل السنة ومتكلميهم، وذكر نصوصهم المتواترة الصريحة من كتبهم الشهيرة.
واعلم أن القدر المجمع عليه بينهم هو أن العبد غير فاعلٍ على سبيل الاستقلال والاستغناء عن ربه ﷿، بل يقولون: إن الخلق (١) مُستمدٌّ والحق مستبدٌّ، ثم أطلقوا الخلق على أفعال العباد وعَنَوْا (٢) به أمرين:
أحدهما: تقديرها في سابق علم الله وقضائه وقدره، وسيأتي تفسيرهما، وهو يُسمى خلقًا باتفاق أهل (٣) اللغة، وهذا هو القدرُ الذي أجمعوا عليه (٤).
وثانيهما: قول كثير منهم، وهو إيجاد ذواتها التي تعتقد المعتزلة أنها ثابتة في الأزل، وأنها غير مقدرة (٥) لله تعالي، ولم يَعْنُوا خلق القدر المقابل بالجزاء من أفعال العباد على تفصيلٍ يأتي بيانه في ذلك في المرتبة الخامسة إن شاء الله تعالى.
وفي غلاة المتكلمين من الأشعرية القليل (٦) يُطلقون الجبر في أفعال العباد، ويُفسِّرونه بوجوب وقوع الراجح مع بقاء الاختيار، كما تقولُه المعتزلة في وجوب اختيار الرب ﷿ لفعل الواجب وترك القبيح، بل في وجوب اختيار جميع الخلق للصدق على الكذب عقلًا عند استواء الدواعي الزائدة على الداعي إلى الصدق والصارف عن الكذب كما يأتي في مسألة التحسين العقلي وغيرها إن شاء الله تعالى.
وقد قبَّح أهلُ السنة عليهم تسمية ذلك جبرًا، بل فيهم من يُطلِقُ الجبر ويُفسِّرُه بمعنىً مُتَّفَقٍ عليه، وهو الجبر الأول على أسباب التكليف وشروطه عند المعتزلة ..
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): وأرادوا.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (أ): " اجتمعوا " ودون " عليه ".
(٥) في (ش): مقدورة.
(٦) ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٢٧٠ ]
الكلام فيما هو كالأساس للقول بخلق الأفعال وأنه منحصر في خمس مراتب:
ونحن نتكلم على جميع مقاصدهم في ذلك، ونبدأ بما هو كالأساس للكلام في خلق الأفعال عندهم، وينحصر ذلك إن شاء الله تعالى في خمس مراتب:
الأولى: تكليف المكلَّفين من غير اختيارهم للتكليف.
الثانية: نفوذ (١) مشيئة الله تعالى في الكائنات.
الثالثة: الكلام على الدواعي (٢) والصوارف.
الرابعة: الكلام على القضاء والقدر والحكمة في ذلك.
الخامسة منها: الكلام في مسألة الأفعال نفسها.
المرتبة الأولى: المعنى الصحيح بالاتفاق، وإن اختلفت العبارة عنه، وذلك إقدار المكلفين وخلقهم مُمْتَحَنين عُقلاء مختارين. وقد صرَّح الشهرستاني في " نهاية الإقدام " بالجبر، وفسره بهذا المعنى (٣) كما سيأتي عند ذكر مذهب الجويني، وإنه إنما حمله عليه الفرار من ركاكة الجبر، وذلك في الكلام على الفرقة الرابعة في المرتبة الخامسة، وهذا معنى صحيح لكن فيه إيهام (٤) الجبر في الأفعال الاختيارية، فتسمية (٥) ذلك جبرًا قبيحٌ، وإن كان قد اعترف الزمخشري (٦) وهو من رؤوس المعتزلة بصحة هذه العبارة، فقال في تفسير سورة (٧) الحشر في تفسير اسمه الجبّار جلَّ وعزّ أنه الذي جبر الخلق على ما أراد، ووافقه الخطابي على هذا التفسير، رواه البيهقي عن الخطابي في " الأسماء والصفات " (١) وأنه على وجه لا يُوهم الجبر في التكاليف الاختيارية، والخلق بهذا المعنى مجبورون مقهورون مربوبون مقسورون.
_________________
(١) في (ش): تفرد.
(٢) في (ش): المرتبة الثالثة في الدواعي.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (أ): " لكن إبهام "، وهو خطأ.
(٥) في (أ): " بتسمية "، وهو خطأ.
(٦) ٤/ ٨٥.
(٧) ساقطة من (أ).
(٨) ص ٣١.
[ ٥ / ٢٧١ ]
المرتبة الثانية: إطلاق أهل السنة وجواب الأفعال بالنظر إلى نفوذ مشيئة الله تعالى مع بقاء الاختيار بالنظر إلى القدرة والمقدور
ولا يرد عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] فإن أقصى ما تدل عليه من هذا المعنى أنه خُيِّر في بعض صور التكليف كتحمُّل الأمانة بعد أن خُلِق مُكَلَّفًا مختارًا، فاختياره الأول الذي اختار به التكليف الخاصَّ جَبْرٌ لم يثبت باختياره، وإن سلمنا أن الآية تقتضي أنه خُيِّر في مطلق التكليف، فغير واردٍ لوجوه.
الأول: أنه لا يصح منه اختيار التكليف حتى يخلق عاقلًا مختارًا من غير اختياره، وهذا هو الجبرُ الأول المتفق عليه.
الثاني: أنها خاصةٌ بآدم ﵇، لأن المعلوم ضرورةً أن غيره غير مُخَيَّرٍ فيه.
الوجه الثالث: أنه لا يحسُنُ من الرب ﷿ عند المعتزلة التخيير في الدخول في التكليف، بل الرب ﷿ عن قولهم غير مختار في إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات عندهم على ما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
فالآية عندهم متأولة، وتفسير الجبر بهذا المعنى أجنبيٌّ مما نحن فيه لولا إرادة التقصِّي لمعانيه في إطلاقاتهم وخشية أن يستدركه علي مستدركٌ ما ذكرته، وقد جعلته أوّل المراتب لوضوحه والاتفاق على معناه، وقلة الكلام فيه.
المرتبة الثانية: إطلاقهم وجوب الأفعال بالنظر إلى نفوذ مشيئة الله تعالى مع بقاء الاختيار بالنظر إلي القدرة والمقدور، والأصل في ذلك أنها تواترت النصوص في كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - بعموم قدرة الله تعالى على كل شيء، وبنُفوذ إرادة الله ومشيئته في جميع الكائنات من غير موجب للتأويل ولا قرينةٍ ظنية، بل تَطَابَقَ العقل والنقل على صحة ذلك، وسيأتي (١) بيانه إن شاء الله تعالى مع ورود النصوص أيضًا بأن الله تعالى لا يحب الفساد، ولا يرضى (٢)
_________________
(١) في (ش): كما سيأتي.
(٢) من قوله. " أيضًا " إلى هنا بياض في (أ).
[ ٥ / ٢٧٢ ]
فرق أهل الحديث بين الإرادة والمشيئة والمحبة والرضى وذكر الأدلة
لعباده الكفر، وأنه (١) يرضى الشكر، وقال تعالى بعد ذكر (٢) كثيرٍ من القبائح ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] وقد أجمعت (٣) الأمة على أن المعاصي تُسمى مكروهةً ومسخوطةً، ثم لم يرد شيء من الكتاب والسنة معارض لهذه الآيات في (٤) الجانبين مُعارضةً صريحةً (٥) تقتضي أن الله تعالى يريد ما يعلم أنه لا يكون، أو تقتضي أنه يحب شيئًا من القبائح، أو يكره شيئًا من الحسنات، فالمُتَّجه (٦) في الجمع بينهما أن ما أحبه الله ﷿ من الأعمال، فإنما الواجب أن يقع منه ما أراد وقوعه عند أهل السنة كمن (٧) أحب من العاملين، وما كَرِهَ من الأعمال، فالواجب أن لا يقع منه ما أراد عدم وقوعه دون ما لم يُرِدِ العصمة عنه لحكمة، كمن سَخِطَ من العاملين، فإنه يلزم من إرادته وجودهم لحكمة أن يحبهم وأن لا يسخطهم، وسيأتي زيادة بيانٍ لذلك.
فلذلك فرّق أهل الحديث والأثر وأتباع السنن بين الإرادة والمشيئة، وبين المحبة والرضا، وقرَّروا النصوص في عموم نفوذ المشيئة والإرادة، وخصوص تعلُّق المحبة والرضا وهو الصواب كما يتضحُ إن شاء الله تعالى، ويتضح أن هذا كلمة إجماع بين أهل البيت ﵈ في القرون الثلاثة التي هي خيرُ القرون مع إجماع أهل السنة عليه من أهل البيت وغيرهم إلى الآن، ولا يزالون على ذلك إلى يوم القيامة، كما ورد في البُشرى (٨) النبوية الصادقة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
_________________
(١) في (أ) " فإنه.
(٢) مكان قوله: " وقال تعالى بعد ذكر " بياض في (أ).
(٣) في (ش): واتفقت.
(٤) في (ش): من.
(٥) في (أ): صحيحة.
(٦) في (ش): فالمتخير.
(٧) في هامش (ش): ممن.
(٨) يشير إلى الحديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " لفظ مسلم (١٩٢٠) من حديث ثوبان.
[ ٥ / ٢٧٣ ]
وهذه جملةٌ صالحةٌ من النصوص المشار إليها، قال الله تعالى في نفوذ إرادته في هداية العُصاة وغيرها: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١].
وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
وقال تعالى: ﴿ولو شاءَ الله لجمعَهُمْ على الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿ولوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرضِ كُلُّهم جميعًا﴾ [يونس: ٩٩].
وقال تعالى: ﴿ولو شاء ربُّك لجعل الناسَ أمَّةً واحدةً﴾ [هود: ١١٨].
وقال تعالى: ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾
[ ٥ / ٢٧٤ ]
[الأنعام: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿إنَّك لا تهدي من أحبتْتَ ولكِنَّ الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾ [الشورى: ٨].
وقال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١].
وقال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقال تعالى: ﴿تُؤتي المُلكَ من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿يُؤتي الحكمة من يشاء﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقال تعالى حاكيًا عن يوسف ﵇: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) [الأنعام: ١٢٥].
وقال تعالى: ﴿إن ربَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧].
وقاله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَة﴾ [آل عمران: ١٧٦].
_________________
(١) من قوله: " وقال تعالى حاكيًا عن يوسف " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٥ / ٢٧٥ ]
وقال تعالى: ﴿إنْ كان اللهُ يُرِيدُ أن يُغوِيكُم﴾ [هود: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
وقال تعالى: ﴿وما أصَابَكُم يوم التقى الجَمْعَانِ فبإذنِ الله﴾ [آل عمران: ٦٦].
وقال تعالى: ﴿ومَا كان لِنَفْسٍ أن تُؤمِنَ إلاَّ بإذنِ اللهِ﴾ [يونس: ١٠٠].
وجاء مثل هذه النصوص في نسبة الهدى والضلال إلى الله تعالى، وأنَّه لا يهدي من يُضِلُّ، وبَيَّن الله سبحانه ما أجمله من ذلك كقوله: ﴿وما يُضِلُّ به إلا الفَاسِقينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وبقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠].
وجاءت السنة النبوية المتواترة بنحو هذه الآيات ولا سبيل إلى استقصاء ما ورد من السنة في ذلك، ولا حاجة إلى ذكره مع هذه الآيات الكريمة، فدلَّ جميع ذلك مع الدلائل العقلية على قدرة الله تعالى على هداية الخلق أجمعين، وأنه سبحانه إنما لم يَهْدِ الأشقياء لحكمةٍ بالغةٍ وإن لم تدركها العقول.
وسيأتي ذكر بعض الحكم التي دلَّ عليها السمع في ذلك في المرتبة الثالثة في الدواعي، وفي المرتبة الرابعة في وجه تقدير الشرور، ويأتي في هذه المرتبة أيضًا شيء من ذلك. وخالفت المعتزلة في معنى الآيات، وزعمت إلاَّ القليل منهم أنه ليس في معلوم الله تعالى، ولا في مقدوره هداية عاصٍ في ذنب واحد على جهة الاختيار، وقالوا: إن المراد بالآيات أنه سبحانه لا يُكْرِهُ الخلق على الإيمان إكراهًا يبطُلُ معه التكليف، والذمُّ، والمدح، والأمر، والنهي، والثواب، والعقاب، والابتلاء، وجعلوا هذا تفسير الهداية التي تمدح الله ﷿ بقدرته عليها، ورَكِبُوا كُلَّ صعبٍ وذَلُول في تأويل القرآن، وتعسَّفوا في وجوهٍ التأويل تعسُّفًا يرُدُّه البرهان كما نُبين ذلك إن شاء الله تعالى أوضح بيان، ولا بُدَّ من إيراد
[ ٥ / ٢٧٦ ]
الدليل الأول: أنه لا بد لله تعالى من حكمة في خلق من علم أنه من أهل النار
أدلة (١) الطائفتين.
فأمَّا أهل السنة، فأدلتهم على ذلك كثيرةٌ، والذي حَضَرني منها ثلاثة:
الدليل الأول: أنه (٢) لا بد لله تعالى من حكمةٍ في خلق من عَلِمَ أنه من أهل النار عند الجميع كما يأتي إن شاء الله تعالى، والذي عيَّنته المعتزلة وجهًا للحكمة في ذلك هو إرادة الحكيم إلى تحصيل ما علم أنه لا يكون، وذلك يستلزِمُ توجيه إرادة الحكيم إلى تحصيل ما يمنع علمه الحق بالغيوب من إرادة حصوله، وذلك خلاف المعقول والمنقول كما سنوضِّح ذلك إن شاء الله تعالى، ونوضِّح ما اعتذر به بعضهم من توجيه إرادته تعالى إلى مجرد التعريض إلى تحصيل ما عَلِمَ أنه لا يحصُلُ، ويأتي بُطلان هذا العذر، فلا بد من الرجوع إلى الإيمان (٣) بأن لله تعالى حكمةً في ذلك، وإن لم تُدركها العقول، كما صرح بذلك حُذَّاقُهُم، منهم الزمخشري في " الكشاف " (٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿إنِّي أعلَمُ ما لا تعلمُون﴾ [البقرة: ٣٠] فإنه قال ما لفظه: فإن قلت: هلاَّ بيَّن لهُم تلك المصالح؟ قلت: كفي العباد أن يعلموا أن أفعال الله كلها حسنة وحكمةٌ (٥)، وإن خَفِيَ عليهم وجهُ الحُسْنِ والحكمة.
وأوضحُ من هذا وأصرحُ: ما ذكره الزمخشري (٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِن﴾ [التغابن: ٢] فإنه قال فيه ما لفظه: فإن قلت: نعم إن العباد هم الفاعلون للكُفْرِ، ولكن قد سَبَقَ في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلاَّ الكفر، ولم يختاروا (٧) غيره، فماذا دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم، وهل خلقُ القبيح وخَلْقُ فاعل القبيح إلاَّ واحدٌ؟! وهل مثله إلاَّ مثل منْ وَهَبَ سيفًا باترًا لمن شُهِرَ بقطع السُّبل وقتل النفس
_________________
(١) في (ش): نص.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (أ): " الإتيان " وهو خطأ.
(٤) ١/ ٦٢.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) ٤/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٧) في (ش): " ولم يجاوزوا " وهو خطأ.
[ ٥ / ٢٧٧ ]
المُحرَّمة، فقتل به مؤمنًا، أما يُطْبِقُ العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه والدَّقِّ في فَرْوَتِه كما يذُمُّون القاتل، بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد.
قلت: قد علمنا أن الله حكيمٌ عالمٌ بقُبح القبيح، عالمٌ بغناه عنه، فقد علمنا أن أفعاله كُلَّها حسنةٌ، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسنًا، وأن يكون له وجه حسن، وعَدَمُ عِلْمِنِا لا يقدح في حُسِنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلُنا بداعي الحكمة إلى (١) خلقها. انتهى بحروفه (٢).
وفي قوله: ما دعا الحكيم (٣) إلى خلقهم مع علمه بما (٤) يكون منهم، إشارةٌ إلى قول أهل السنة: إن الإرادة لا يَصِحُّ توجُّهُها إلى تحصيل ما منع منه علم الغيب من حصوله.
فإن ادَّعت المعتزلة أن وجه الحكمة في خلق من سبق العلم بأنهم من أهل
_________________
(١) في (أ): " وخلقها "، وهو خطأ.
(٢) قال الإمام ناصر الدين أحمد بن المنير في " الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال " ٤/ ١١٣ معقبًا عليه: لقد ركب عمياء، وخبط خبط عشواء، واقتحم وعرًا، السالك فيه هالك، والعابرُ فيه عاثر، وإنما ينصب إلى مهاوي الأراك، ويحوم حول مراتع الأشراك، ويبحث، ولكن على حتفه بظلفه، ويتحذق وما هو إلاَّ يتشدَّق، ويتحقق وما هو إلا يتفسق، وهب أنه أعرض عن الأدلة العقلية والنصوص النقلية المتضافرة على أن الله تعالى خالق كل شيء، واطرد له في الشاهد ما ادعاه، ومن مذهبه قياس الغائب على الشاهد، قد التجأ إلى الاعتراف بأن الله خالق العبد الفاعل للقبيح، وأن خلق العبد الفاعل للقبيح بمثابة إعطاء السيف الباتر للرجل الفاجر، وأن هذا قبيح شاهدًا، ولا يلزم أن يكون مثله قبيحًا في خلق الله تعالى، أفلا يجوز أن يكون منطويًا على حكمة استأثر الله تعالى بعلمها، فما يؤمنه من دعوى أن أفعال العبد وإن استقبحها العقلاء مخلوقة لله تعالى، وفي خلقها حكمة استأثر الله بعلمها، وهل الفرق إذا إلاَّ عين التحكم ونفس اتباع الهوى هذا ودون تمكنه من اتباع هده القواعد أن يمكن من القتاد اختراط، ومن الجمل أن يلج في سم الخياط.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): ما.
[ ٥ / ٢٧٨ ]
الكُفر جليٌّ، ظهر عنادهم.
وإن تطلَّبوا له وجهًا خفيًا لطيفًا كما يأتي أمكن مثلُه في الإرادة من غير تأويلٍ كما يأتي أيضًا. وإن خصُّوا ظواهر آيات المشيئة بالتقبيح مع تجويزهم مثل ما دلَّت عليه مما لا تقبله العقولُ من خلق من المعلوم من حال (١) أنه من أهل الكفر والفساد في الأرض، ومن أهل النار في الآخرة، وتمكينه من الكفر والفساد ليكون من أهل الصلاح عاجلًا، ومن أهل الجنة آجلًا (٢) مع العلم عند قصد الإحسان إليهم بذلك أنه لا يحصُلُ منهم إلاَّ نقيضه، ولا يَقَعُون إلاَّ في ضِدِّه، ثم قبَّحنا (٣) العفو عنهم مع قطعنا بأن الإحسان إليهم هو القصد الأول، وأن علم الغيب بما يقعُون (٤) فيه من المضَارِّ بسبب هذا (٥) والقصد (٦) سابقٌ له ومقارن، كنا قد وقعنا من مخالفة قضايا العقول في مثل ما مَنَعْنَاه من ظواهر آيات المشيئة كما يأتي مقررًا أوضح من هذا وأبسط.
هذا الذي يؤمن به أهل السنة (٧) في الابتداء والانتهاء، ويمتنع (٨) منه أهل البدعة في الابتداء، ثم يرجعون إليه في الانتهاء، ولكن المبتدع لا يرجِعُ إلى الإيمان الجملي إلاَّ بعد الحكم بتقبيح أكثر الظواهر من الآيات والأخبار، والخبط في التأويل المتعسِّف بغير علم ولا موجبٍ صحيح، ثم يقعُ في مثل ما مَنَعَ، ويلتزم أرك مما أنكر في زعمه وأشنع، ويجعل (٩) إيمانه الجملي فيما انتهى إليه رأيه، وحار فيه عقله، ووقفته عليه شيوخه.
والسُّنيُّ يؤمِنُ بآيات الله تعالى، وأحاديث رسول الله - ﷺ - من أول الأمر، ولا
_________________
(١) " من حال " ساقطة من (أ).
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (ب): مع تقبيحنا.
(٤) في (ش): يفعلون.
(٥) في (أ) مكان " هذا " بياض.
(٦) في (ش): " القصد " دون واو.
(٧) من قوله: " كما يأتي " إلى هنا ساقط من (ش).
(٨) في (ش): ويمنع.
(٩) في (ش): ويحصل.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
يقفُو ما ليس لَهُ به علمٌ من التأويل، ويجعلُ إيمانه الجملي في مواقع (١) النصوص الشرعية، وموافقة الآيات القرآنية.
والسني (٢) آمن بكلام الله وإن أنكر العقل ظاهره لعلمه بثبوت حكمة الله تعالى في تأويله الباطن، ونعني بالتأويل ها هنا الحكمة في الشيء مع بقائه على ظاهره كتأويل استخلاف آدم وذريته في الأرض، وتأويل ما أنكره موسى من الخَضِرِ ﵉، ولم يَزَلْ ذلك سُنَّة المؤمنين، بل سنة المرسلين كما خرَّجه مسلمٌ في " الصحيح "، وأحمد في " المسند "، والترمذي من حديث ابن عبَّاس في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ (٣) [البقرة: ٢٨٤].
وسببُ نزول آخر السورة خرجه أحمد من حديث عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس (٤) وهذا إسنادٌ على شرط الجماعة، وفي حُميدٍ الأعرج خلافٌ لا يضُرُّ (٥) خصوصًا، وقد خرَّج مسلمٌ وأحمد من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة (٦)
_________________
(١) في (ش): مواضع.
(٢) في (ش): فالسني.
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٣٣، ومسلم (١٢٦)، والترمذي (٢٩٩٢)، والنسائي في التفسير كما في " التحفة " ٤/ ٣٩١، والطبري (٦٤٥٧) و(٦٥٣٧)، وابن حبان (٥٠٦٩)، والواحدي في " أسباب النزول " ص ٦٠، والحاكم ٢/ ٢٨٦، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢١٠ - ٢١١ من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وسيذكر المؤلف نصه.
(٤) أخرجه أحمد ١/ ٣٣٢. وأخرجه الطبري (٦٤٦١) من طريق عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، بهذا الإسناد.
(٥) في (ش): قريب.
(٦) أخرجه أحمد ٢/ ٤١٢، ومسلم (١٢٥)، وأبو عوانة ١/ ٧٦ و٧٧، والطبري (٦٤٥٦) و(٦٥٣٨)، وابن حبان (١٣٩) من طرق عن العلاء، بهذا الإسناد. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ١٢٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي داود في " ناسخه "، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
[ ٥ / ٢٨٠ ]
نحو حديث ابن عباس.
ولفظ ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٨٤] دخل في قلوبهم منها شيءٌ لم يدخل في قلوبهم من شيء، فقال النبي - ﷺ -: " قولوا سمعنا وأطعنا وسَلَّمنا " (١) قال: وألقى الله (٢) الإيمان في قلوبهم (٣)، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال: قد فعلتُ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ قال: قد فعلتُ.
أخرجه مسلم (٤).
ولفظ حديث أبي هريرة: أنها لما نزلت أتوا رسول الله - ﷺ - ثُمَّ بَرَكُوا على الرُّكَبِ، وقالوا: كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نُطيقُها، قال: " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " فلما اقترأها القوم وذلَّت بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك، نسخها الله، فأنزل ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم (٥) ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ قال: نعم.
_________________
(١) من قوله: " فقال النبي - ﷺ - " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) زيادة من مصادر التخريج.
(٣) مكان قوله: " وألقى " بياض في (أ).
(٤) رقم (١٢٦).
(٥) قوله: " قال: نعم " ساقط من (ش).
[ ٥ / ٢٨١ ]
وخرَّج الترمذي (١) بعضه مختصرًا من حديث علي ﵇.
وخرجه البخاري (٢) كذلك مختصرًا من حديث بعض (٣) أصحاب النبي - ﷺ -.
والعَجَبُ من المعتزلة أن الذي حملهم على تأويل آيات المشيئة الفرار من الإيمان بالمتشابه في العقل إلى (٤) المحكم فيه، ثم زعموا أن الله تعالى ما خلق أهل النار إلاَّ للأصلح لهم في الأخرة، وليُحسن إليهم بالخلود في الجنة على أبلغِ الوجوهِ أو للتعريض لذلك، والتمكين منه.
فالتعريض عندهم هو الغَرَضُ، والأصلح الذي هو ثمرته غرض الغرض كما سيأتي.
لكن لم يكن في مقدوره تبليغهم ذلك على تلك الصفة البليغة مع اعترافهم أنه قادر على إدخالهم الجنة على حالٍ دون تلك الحال البليغة بأن يلْطُف بهم لُطفًا يختارون معه فعل الخير على حدِّ اختيار الربِّ ﷿، وذلك بأن يُعرِّفَهم قُبحَ القبائح، ولا يجعل لهم إليها داعيًا، وأنه لو فعل هذا، لاستحق الثناء العظيم استحقاقًا واجبًا على أبلغ الوجوه كما يستحقُّه الرب تعالى، ولَسَلِمُوا من استحقاق الذمِّ والعقاب، ولَصَلَحوا مع ذلك للتفضُّل عليهم بالخلود في الجنة، وما فاتهم إلاَّ كونُ هذا الخلود غيرَ مستَحَقٍّ لهم بأعمالهم على جهة الوجوب على الله تعالى.
_________________
(١) برقم (٢٩٩٠).
(٢) برقم (٤٥٤٥) و(٤٥٤٦) من طريق شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: أحسبه ابن عمر (وفي الرواية الأخرى: وهو ابن عمر): (إن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه) قال: نسختها الآية التي بعدها.
(٣) من قوله: " علي " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ش). ورده إلى.
[ ٥ / ٢٨٢ ]
وزعمت المعتزلة أن الأصلح لأهل النار من هذا كُلِّه خلقُ دواعٍ إلى القبائح بعلم الله تعالى علمًا لا يقع خلافه ألبتة أنه (١) سبحانه متى (٢) خلقها لهم وقعت القبائح دون الطاعات، واستحقَّ فاعلوها العقاب الشديد الدائم والذم وأعظم المضار، ووفعوا في ذلك، وخُلِّدُوا فيه أبدًا، وأن الله تعالى إنما فعل دواعي الشر هذه مع علمه الغيب بما يكون من عاقبة أهلها في العذاب الدائم إرادةً منه سبحانه لدخول أهل النار الجنة، وقصدًا لما هو الأصلحُ في آخرتهم.
بل قالت المعتزلة: إن الله تعالى قادرٌ على أن يبني الكفار والشياطين مثل بنية الملائكة والأنبياء، ولو فعل ذلك لآمنوا (٣) كما يأتي، ويأتي (٤) الدليل على صحته. ومع هذا قطعوا أن الله أراد بخلقهم على بِنيةٍ علم أن من خُلِقَ عليها يختارُ الكفر، ولا يقبل اللُّطف ألبتة أن يُؤمنوا ويَسْعَدُوا في الآخرة، ويكون ثوابهم في أعظم المراتب، أو لتعرضهم إلى ذلك بالتمكين (٥) كما سيأتي أنه يؤول إلى معنى واحدٍ.
فيا عجباه إن أحكم الحاكمين، وأقدر القادرين أراد عندهم الإحسان إلى أهل النار بالجنة، أو ما يُصَيِّرُهم إليها على أتم الوجوه، فلم يَقْدِرْ على ذلك عندهم، ولا وَسِعَتْ قدرتُه وألطافُه أن تبلُغَ ذلك.
ثم يا عجباه أحين عُلِمَ أن ذلك لا يدخُلُ تحت مقدوره عند المعتزلة مع أنه غاية مقصوده الذي خلق العوالم كلَّها له، كيف لم يعدل عن تحصيله على أتم الوجوه إلى تحصيله على أنقص من الأتَمِّ، فيدخلهم الجنة على أحد صور.
إما بأن يخلقُهَم على بِنْيَةٍ مثل بنية المعصومين على قول من يقول منهم: إن الله قادر على ذلك، بل هو قولهم الجميع كما سيأتي.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): حين.
(٣) في (ش): لاستووا.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٢٨٣ ]
أو بأن لا يخلق لهم الدواعي إلى القبيح على ما تقدم. أو بمجرد (١) عفوه عن ظلمهم أنفسهم، فإنهم ما ظلموه ﷿ ولكن ظلموا أنفسهم (٢) كما قال سبحانه، وقد علَّق الوعيد بشرط المشيئة في غير آية، وذلك يُخرجه عن الخُلْفِ والكذب.
ولو قدرنا أن (٣) الوعيد قد ورد على صورةٍ يقبُحُ العفوُ منها (٤). فعلم الغيب السابق أن وعيد العُصاة يكون سببًا لقُبح العفو عنهم كان يقتضي عدم الوعيد على هذه الصورة المانعة من العفو، فإن من له إرادةٌ في الإحسان إلى غيره بأمر من الأمور، إن علم أنه لا يتمكن من ذلك الأمر (٥) على أبلغ الوجوه عَدَلَ إلى تحصيله بدون ذلك، وترك كُلَّ ما يعلم أنه سيكون سببًا في بطلان ما أراده، كما قيل:
إن الكريم على الإحسان يحتالُ
وكان ذلك (٦) أولى من فوات جميع مقصوده بالضرورة وفي الأمثال: إن للشرِّ خيارًا (٧).
وقالوا:
حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أهونُ مِنْ بعضِ (٨)
_________________
(١) في (ش): لمجرد.
(٢) من قوله: " فإنهم " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) في (ش): ولو قدر بأن.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) يضرب عند تفاوت ما بين الشرين حتى يكون الأدنى خيرًا بالقياس إلى الأعلى. انظر " فصل المقال " للبكري ص ٢٤٤، و" زهر الأكم في الأمثال والحكم " للحسن اليوسي ١/ ١٣٨.
(٨) عجز بيت لطرفة، صدره: أبا مُنْذِرٍ أفنَيْتَ فاستَبْقِ بعضَنا أنظر " ديوانه " ص ٤٨، و" الكتاب " لسيبويه ١/ ٣٤٨، و" المقتضب " للمبرد =
[ ٥ / ٢٨٤ ]
فأمَّا أنه أولى من حصول ضدِّ غاية مقصوده، ونقيض منتهى مراده فمما لا يختلف فيه، أفما كان علمه الغيب بما يصيرون إليه من عظيم المضارِّ الدائمة مع قصده زيادة الإحسان إليهم بخلق دواعي الشرور يكفيه صارفًا يقاوم داعي الإحسان إليهم بمجرد التعريض، ويعارضه حتى يَرُوحوا كَفَافًا لا لهم ولا عليهم. وما فائدة علم الغيب السابق إذا كان صاحبه يَقَعُ في نقيض مقصوده؟ تعالى الله عن ذلك.
وقد قال تعالى حاكيًا (١) عن رسوله - ﷺ -: ﴿لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] فاحتجَّ على انتفاء العجز بمجموع صفتي العلم والقدرة، لأن القادر متى كان جاهلًا، فقد يفوته مراده بسبب جهله، والعالم متى كان عاجزًا، فاته مراده بسبب عجزه، ومن جمع تمام العلم وتمام القدرة، استحال أن يفوته مراده قطعًا عقلًا وسمعًا.
فدلَّ القرآن والبرهان على أن عالم الغيب كما لا يَمَسُّه السوء، كذلك لا يمسُّ من أراد نجاته من السوء، وكيف لا ينجو من السُّوء (٢) من أراد له عالم الغيب بلوغ أبلغ مراتب الفوز بالرضوان، والدوام في الجنان.
ويرد على اعتذارهم عن ذلك بوجوب العذاب لوجوب الصدق في الوعيد مع ما تقدم في ذلك من وجهٍ آخر جيدٍ جدًا، وذلك أن الوعيد (٣) لم يَصدُر حتى
_________________
(١) = ٣/ ٢٢٤، و" معجم مقاييس اللغة " لابن فارس ٢/ ٢٥، و" دلائل الإعجاز " للجرجاني ص، و" اللسان " (حنن)، وابن يعيش ١/ ١١٨، و" التصريح على التوضيح " ٢/ ٣٧، و" الهمع " ١/ ١٩٠، و" المستقصى في أمثال العرب " للزمخشري ٢/ ١٠، و" زهر الأكم " ١/ ١٩٧.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (أ): أسوأ السوء.
(٤) من قوله: " مع ما تقدم " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٥ / ٢٨٥ ]
أراد الله عذاب العصاة، وأراد عدم العفو عنهم قبل الوعيد، وإرادته هذه على تقدير أنه مريدٌ بالتكليف لهم الإحسان إليهم يناقض ذلك، فإن العفو عنهم من غير تقدُّم إرادة الإحسان إليهم أفضل وأرجح، فكيف مع إرادة (١) الإحسان وإرادة المرجوح مرجوحة، والمرجوح وإرادته لا يصح أن يقعا من الحكيم العالم بأنه مرجوحٌ، الغني عنه لولا أن لله تعالى حكمة (٢) بالغة غير ما ذكروه، فتعيينهم لها في ذلك الوجه الضعيف جنايةٌ منهم على حكمة الله تعالى البالغة، وحجته الدامغة، وعلمه الغيوب، وحكمه الذي لا مُعَقِّب له ﷾، وأعظم من هذا (٣) اعتقادُ المعتزلة لوجوب دوام تعذيب العباد على الرب الذي أوجبوا عليه في الابتداء إرادة الأصلح لهم في آخرتهم، فما أبعد ما أوجبوه في الابتداء من مناسبة ما أوجبوه في الانتهاء حتى قطعوا بتقبيح العفو من الرب الغنيِّ الحميد، وقَضَوْا باستحقاقه لو عفا عنهم - الذم واللائمة العظيمة.
ولقد عظُمت غفلتُهم حين أوجبوا في الابتداء ما (٤) هو غيرُ مقصود لنفسه من التكليف بعد خلق العقول، بل مقصودٌ لتمام النعيم في الانتهاء، ثم أوجبوا بطلان المقصود لنفسه في الانتهاء، وهو تمام النعيم، بل أوجبوا ضده وهو العذاب الدائم.
وأبعد من هذا وأفسد قول البغدادية من المعتزلة بوجوب دوام العذاب مُعلِّلين لذلك بأنه الأصلحُ للعباد، وعدم وجوب شيء من الثواب مع أنه أصلح لأهل الجنة.
فإذا ضممت هذه الأقوال إلى ما عُلِمَ بالضرورة من العقلاء من أن المقصود في الأمور هو عواقبها لا سيما العواقب الدائمة، وأن الوسائل والمبادىء
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (أ): أن الله وهو خطأ.
(٣) من قوله: " وعلمه " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ش): بما، وهو خطأ.
[ ٥ / ٢٨٦ ]
والمقدمات غيرُ مقصودة في أنفسها، وأن من علم عدم تمام أمرٍ لم يشرع في (١) مقدماته، ولا يشتغل بمبادئه وإن فعل ذلك مع علمه ببطلانِ مقصوده في العاقبة عُدَّ عابثًا، بل وجوب ذلك ممتنع عقلًا وشرعًا وإجماعًا عند (٢) العقلاء كما يأتي في مسألة الدواعي بيانه، فكيف بمَنْ علم أن مقصوده في العاقبة منعكس عليه.
ويكفيك وضوحًا في بطلان قول المعتزلة في هذه المسألة أنه يستلزم أن الله تعالى عَمِلَ بغير علمه، بل عمل على ما يُضادُّ العمل بعلمه.
وقد أجمع أهل العلم والعقل على ذم العمل بغير العلم، وعلى أن ثمرة العلم وسبب شَرَفِه وفضله هو العمل به، ولا سيما العلمُ بالعواقب، وما يتمُّ من المراد منها، وما لا يتم.
وقد عبَّر الحكماء عن ذلك بقولهم: إن أول الفكرة آخرُ العمل، وبقولهم: إنَّ الخير هو المقصود الأول في فعل كل حكيم. وهذا هو المراد لنفسه، والشر لا يكون في فعل الحكيم إلاَّ وسيلةً إلى غيره كالحجامة وسيلة إلى العافية، والعافية هي المقصود الأول المراد لذاته، والحجامة وهي الشرُّ هي المقصود الثاني المراد لغيره، أي للخير، ولا يدخُلُ الشرُّ المحضُ في فعل الحكيم، ولا يريده لنفسه ألبتة.
فوضَحَ بهذا أن المعتزلة حافظوا على رعايةِ التحسين العقلي حين أخلُّوا بصفة القدرة الربانية، وتأوَّلوا آيات المشيئة القرآنية، وانعكس عليهم مقصودهم في رعاية التحسين العقلي بالكلية مع سوء ما ارتكبوا في التوصل إليه من توهين (٣) القدرة والمشيئة.
فما أقبح ما توصَّلوا به، وما أفسد ما انتهوا إليه، وأقبح من هذا قول من نفي
_________________
(١) من قوله: " والمقدمات " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): من.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: تهوين.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
بحث للمعتزلة في قولهم: إن الله خلق المكلف ليعرضه على الخير
حكمة الله تعالى ظاهرًا وباطنًا كما سيأتي بيانه مطوَّلًا مستقصىً.
وإنما حكمة الله تعالى في الدنيا ما نصَّ عليه تعالى في كتابه من إقامة حجته وعدله عند العقاب، وظهور رحمته وفضله قبل ذلك، وغير ذلك من تمييز الخبيث من الطيب، وبلوى خلقه أيُّهم أحسن عملًا، ونصر المؤمنين، والانتقام للمظلومين، وما (١) لا يعلمه إلا هو كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
وقد عَلَّلَ الربُّ تعالى تركه بسط الرزق لكونه مفسدة لجميع المخلوقين عُمومًا، فثبت أنه تعالى لا يفعل مفسدةً لهم، وأن أفعاله معلَّلَةٌ بالمصالح وإن خَفِيَتْ علينا كما سيأتي مبسوطًا.
وربما استقبحوا هذه العبارة، فقالوا: إنما خلقهم ليعرضهم لذلك لا سوى، لا ليدخلوا الجنة، فيلزمُهم مذهبُ أهل السنة في امتناع تعلُّق الإرادة بما (٢) علم الله أنه لا يقع، إذ لا قُبْحَ في إرادة الإحسان إليهم بدخول الجنة، وإثابتهم بها عند استحقاقهم ذلك، واستجماع شرائط حسنةٍ كما يحسُنُ منه ذلك في خلق من عَلِمَ أنه يؤمن ويدخُلُها، ولا قُبْحَ في إرادة ذلك.
وإنما يمتنع ذلك (٣) حيث يصادم العلم الإرادة، وقد غَلِطَ من ظَن (٤) تقدُّم الإرادة لذلك من قبيل تعظيم من لا يستحق التعظيم، لأن إرادة المقدمات فرع إرادة ما هي وسيلة إليه.
ولذلك قيل: أول الفكرة آخر العمل، على أن التعريض لو سُلِّم أنه المراد، لما كان مُرادًا لنفسه كما زعم المعتذر (٥) بذلك منهم، وإلا لما وَجَبَ اللطفُ، ولا قَبُحَتِ المفسدة، ولا حَسُنَ العقاب خصوصًا حيث لا ثمرة له تعودُ عليهم بالصلاح، كعقاب الآخرة الدائم، إنَّ التعريض قد حَصَلَ، ولا يستحقُّ العقابُ عقلًا بتركه.
_________________
(١) في الأصلين: ولما.
(٢) في (ش): لما.
(٣) في (ش): من ذلك.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): " المعتزل "، وهو خطأ.
[ ٥ / ٢٨٨ ]
ولو سلمنا أن الانتفاع به حسنٌ لنفسه فذلك بشرط أن لا يعاقبه الله تعالى على عدم الانتفاع به، وأن لا يعلم فاعل التعريض وهو الله سبحانه أنه يكون سببًا في العذاب الأكبر.
فمتى عَلِمَ ذلك، كان تركه أرجح بالنسبة إلى النظر لمن قصد (١) الإحسان إليه بذلك التعريض.
وقد أحتجت المعتزلة على وجوب اللُّطف بأن تركه يدلُّ على مناقضة قصد تاركه لما دعاه إليه الداعي من الإحسان إلى الملطوف به، وكذلك يناقضه علمه بالعواقب المضادة لمراده.
وقد ضَعَّفَ الشيخ مختار في كتابه " المجتبى " كلام أصحابه المعتزلة في الاعتذار بالتعريض، وقال ما لفظه: قوله: لا نُسَلِّمُ بأن غرضه استحقاق الجنة.
قلنا: إنه غرضه أو غرض غرضه لأن الغرض من التمكين إنما هو الاستحقاق.
انتهى بحروفه من المسألة التاسعة عشرة في زيادة شهوةٍ تلازمها المعصية (٢) في خاتمة أبواب العدل.
ويدلُّ على ذلك من السمع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون﴾ [الأنفال: ٢٣] وهي حجة واضحة على أن مجرد التعريض الذي سبق في العلم أنه لا يُقبل مما لا يُتشاغل به.
وكذلك يدلُّ على حسن الإعراض عن طلب حصول ما سبق في العلم أنه لا يحصُلُ.
وأما قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] فليس فيه أن المقصود من إنذار من كان مُسْرِفًا هو التعريض، بل
_________________
(١) في (ش): قصده.
(٢) في (ش): العصمة.
[ ٥ / ٢٨٩ ]
الواجب (١) حملُه على ما صرَّح القرآن به من إقامة الحجة كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥] فتأمَّل ذلك.
وأيضًا فقد سَمَّى الله الرسل مُبَشِّرين ومنذرين، بل قَصَرَهُم على ذلك، ولم يُسَمِّهِم مُعَرِّضين، وذكر الابتلاء والإنذار والعُذْرَ، وعلَّل بها ولم يذكر التعريض ولا علَّل به، وهكذا المبتدعة يتركون المنصوص ويأتون بما يخالف العقل والسمع.
ويعضُدُ ذلك من السمع مثل قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١٠ - ١١] الآية، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُون﴾ [يونس: ١٠١] وما في هذا المعنى، وهو كثير، وهو واضحٌ في أن المراد إقامة الحجة عليهم لا وقوع المطلوب منهم، المعلوم أنه لا يَقَعُ.
ويُشبه ذلك منعهم من الإضلال، تأويلُه بالخِذْلان ولا فرق في المعنى.
وقد أخطأتِ المعتزلة في هذه المسألة وأمثالها في وجهين:
الأول: القطع بتقبيح ظواهر القرآن والسنة من غير موجِبٍ، وترجيحُ ما لا يَحْتَمِلُ التأويل على ما يحتملُه.
بيانه أنه دار الأمر بين عدم قدرة الرب -﷾ عن ذلك- على هداية العُصاة، وبين إضلالهم، لكن أهل السنة رَأوْا قُبْحَ الإضلال يحتمل التأويل لخفاء وجه الحكمة، وكونه مُحتملًا عقلًا كما خَفِي على موسى تأويل الخَضِرِ، وهذا مجال مُتَّسِعٌ لأربابِ (٢) النظر، كيف لعلام الغيوب الذي تَقِلُّ البحار أن تكون مِدادًا لكلماته؟!
_________________
(١) " بل الواجب " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): لأهل.
[ ٥ / ٢٩٠ ]
وأما نفي القدرة فإنه (١) صفة نقص لذاته، وليس يَحتمل أن يكون الله غير قادر لوجه حسن مثل ما يحتمل أن يكون (٢) مضلًاّ لوجهٍ حسن كما نبَّه عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] وأمثالها.
وقد أجمعُوا على جواز المتشابه الذي يدخله التأويل دون صفات النقص المَحضَةِ التي لا يُمكنَ مثل ذلك فيها، على أنه سوف يقوم الدليل على قدرة الله تعالى على هداية العُصاة اختيارًا على قواعد المعتزلة من جهة تغيير البِنْية وترك الأسباب المضلةِ الزائدة على أصل التكليف، وغير ذلك كما يأتي بيانه بعون الله.
وثانيهما: تكلُّف تعيين ما أراده الله من ذلك بغير حجةٍ وذلك خطأ عقلًا وسمعًا.
أما العقل، فلأن المتأوِّل إما أن يقطع على أن تأويله هو مراد الله (٣)، وأنه لا يَصِحُّ تأويل سواه، فهذا خطأ، لأنه لا دليل على نفي ما عداه من التأويل.
وأقصى ما في الباب أنه طلب سواه فلم يَجِدْ، لكنَّ عدمَ وجدان الطالب لا يستلزم عدم المطلوب في نفس الأمر عند الله، وكم من طالبٍ لأمرٍ لا يجدُه المدة الطويلة، ثم يجدُه هو أو غيره، وإن لم يقطع على أن تأويله هو مراد الله، ولا على انتفاء غيره من التأويلات، فمجرد الاحتمال ليس بتفسير ولا معنى للظن في مسائل الاعتقاد الجازم لا سيما مع الموانع السمعية منه إلاَّ ما خصَّه الإجماع وغيره من العمل بالظن في غير مواضع القطع، ولأنهم تأوَّلوا آيات الإضلال والمشيئة بالتعجيز، وهو خطأ لوجهين:
أحدهما: أن التعجيز شرٌّ منه كما مضى تقريره.
وثانيهما: أنه لا يزول معه التقبيحُ العقلي، لأن العقل يستقبح طلب حصول ما
_________________
(١) في (ش): فهو.
(٢) من قوله: " الله غير قادر " إلى هنا ساقط من (أ).
(٣) في (ش): المراد لله.
[ ٥ / ٢٩١ ]
المنع من القول في القرآن بالرأي
المعلوم أنه لا يحصُلُ، وإن كان مقدورًا ويمنع من إمكان إرادته، فوَجَبَ الإيمان بحكمةٍ مجهولةٍ إلاَّ أن يدُلَّ السمعُ عليها.
وأما السمع فقوله تعالى: ﴿ابتغاءَ الفِتنَةِ وابتغاءَ تأويلهِ﴾ إلى قوله: ﴿وما يعلَمُ تأويلَه إلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٧] ويأتي تقريرها إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وفي ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " من قال في القرآن بغيرِ علمٍ، فليتبوَّأ مقعَدَهُ من النَّار ".
وفي رواية: " من قال في القرآن برأيه، فليتبوَّأ مقعده من النار ". أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسنٌ، والنسائي (١).
قال المِزِّيُّ في " أطرافه " (٢). رواه الترمذي في التفسير عن محمود بن غَيْلانَ، عن بِشْر بن السري، عن سفيان عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس (٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٩٥٠) و(٢٩٥١)، والنسائي في " فضائل القرآن " (١٠٩) و(١١٠). وهو في " سنن أبي داود " برواية أبي الحسن العبدي كما في " تحفة الأشراف " ٤/ ٢٣، وليس هو في رواية اللؤلؤي المطبوعة المتداولة. وأخرجه أحمد ١/ ٢٣٣ و٢٦٩ و٣٢٧، والطبري في " جامع البيان " (٧٣) و(٧٤) و(٧٥). ومداره عند الجميع على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وقد ضعفه أحمد وأبو زرعة وابن سعد، والدارقطني، وقال ابن عدي: يحدث بأشياء لا يتابع عليها، وقال النسائي. ليس بالقوي، ويكتب حديثه، ومع ذلك فقد حسن الترمذي حديثه هذا، كما نقله المؤلف عنه.
(٢) ٤/ ٤٢٣.
(٣) من قوله: " عن عبد الأعلى " إلى هنا ساقط من (أ).
[ ٥ / ٢٩٢ ]
وعن سفيان بن وكيع، عن سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة.
ورواه أبو داود في كتاب العلم عن مسددٍ عن (١) أبي عوانة (٢)، عن عبد الأعلى به.
ورواه النسائي في " فضائل القرآن " عن عبد الحميد بن محمد، عن مخلد ابن يزيد.
وعن أحمد بن سليمان، عن أبي نعيم ومحمد بن بِشْر.
وعن بُندار، عن يحيى بن سعيد أربعتهم عن سفيان مثل الأول.
وعبد الأعلى ضعيفٌ، ولكن يتقوى بحديث جُندب، وعموم القرآن والنظر، وشرط الترمذي فيما قال (٣): حسن، أن يأتيَ من غير وجهٍ (٤).
وعن جندب أن رسول الله - ﷺ - قال: " من قال في كتاب (٥) الله برأيه فأصاب فقد أخطأ " أخرجه أبو داود والترمذي وقال: غريبٌ، والنسائي (٦).
_________________
(١) في (أ): " و"، وهو خطأ.
(٢) من قوله: " عن أبي عوانة " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) في (ش): قاله.
(٤) نص كلامه في كتاب " العلل ": وما ذكرنا في هذا الكتاب: " حديث حسن " فإنما أردنا به حسن إسناده، عندنا كل حديث يُرى لا يكون في إسناده مُتَّهم بالكذب، ولا يكون حديثًا شاذًا ويُروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن.
(٥) في (أ): القرآن.
(٦) أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٩٥٢)، والنسائي (١١١). وأخرجه الطبري (٨٠). وفي سنده عندهم سهيل بن أبي حزم -واسمه مهران، ويقال: عبد الله- القطعي البصري. قال البخاري: لا يتابع في حديثه، يتكلمون فيه، وقال مرة: ليس بالقوي عندهم، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أحمد: روى أحاديث منكرة، وقال النسائي: ليس بالقوي.
[ ٥ / ٢٩٣ ]
قال المزي (١): رواه أبو داود في العلم عن عبد الله بن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن إسحاق الحَضْرمي (٢) المقرىء، عن سُهيل بن مِهْران -وهو ابن أبي حَزْم القُطَعي- عن عبد الملك بن حَبيب أبي (٣) عمران الجَوْني البصري، عن جُندب.
ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حُميد، عن حَبَّان بن هلال، عن سُهيل به، وقال: غريبٌ. وقد تكلم بعض أهل العلم في سُهيل.
والنسائيُّ في فضائل القرآن عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن يعقوب به. انتهى.
قال ابن مَعينٍ في سُهيل: إنه صالح (٤)، وصحح له الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك ".
وأما قول أبي بكر ﵁ في " الكلالة ": أقولُ فيها برأيي (٥)، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه قال فيها بمقتضى لُغتهم في " الكلالة " كما قد صحَّ ذلك الذي قاله في النقل عن أهل اللغة، وليس ذلك هو المفهوم من الرأي في الأعصار الأخيرة، وإنما سماه رأيًا على عادتهم في الورع من تفسير القرآن بغير النصوص النبوية لما يدخُلُ التفسير باللغة من احتمال الاشتراك والتخصيص
_________________
(١) " تحفة الأشراف " ٢/ ٤٤٤.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: الحضري.
(٣) في (ش): " ابن "، وهو خطأ.
(٤) قال هذا في رواية إسحاق بن منصور، وقال في رواية أحمد بن زهير: ضعيف. وقد تقدم تضعيفه عن غير واحد من الأئمة.
(٥) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٥٢.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
قول بعضهم: إن إرادة القبيح لحكمة لا يعلمها إلا الله .. والجواب عن ذلك
والمجاز ونحو ذلك. ولذلك كَرِهَ عمر ﵁ السؤال (١) عن الأب (٢) مع أنه بحثٌ لغويٌّ مَحْضٌ.
وكذلك تحرَّوْا في بعض الأخبار الآحاد، وطلبوا التوابع والشواهد حتى كاد عمر يستريبُ في حديث عمار في التيمُّم (٣)، كل ذلك طلبًا للظنِّ الأقوى، أو العلم اليقين إن أمكن.
وثانيهما: أن ذلك في العمليات، ولا نزاع فيها لمكان الضرورة.
قال بعضهم: تجويز إرادة القبيح لحكمةٍ لا يعلمها إلاَّ الله يستلزم تجويز الكذب، وبعثه الكذابين بالمعجزات لحكمةٍ لا يعلمها إلاَّ الله سبحانه، فيجب تعيينها.
قلنا: هذا ممنوعٌ من وجوهٍ:
أولها: أن تجويز إرادة القبيح ممنوعٌ عند أهل السنة والأشعرية، وقد نصَّ الشهرستاني على ذلك في " نهاية الإقدام " واحتجَّ عليه وجوَّد الكلام كما يأتي قريبًا، وما يوجد من خلاف ذلك في كلامهم، فإنه مجازٌ، حقيقته إرادة أفعال الله الحسنة المتعلقة بأفعال العباد القبيحة، بل منعوا من تعلُّق إرادته تعالى
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) أخرجه ابن سعد ٣/ ٣٢٧، والطبري ٣٠/ ٥٩، والحاكم ٢/ ٥١٤ من طرق عن أنس، ولفظه: قرأ عمر: (عبس وتولى) حتى أتى على هذه الآية: ﴿وفاكهةً وأبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٨/ ٤٢١ و٤٢٢ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردوية، والبيهقي في " شعب الإيمان " والخطيب، وابن الأنباري في " المصاحف ".
(٣) تقدم تخريجه ١/ ٤٥٠.
[ ٥ / ٢٩٥ ]
بطاعات العباد إلاَّ على تلك الصفة كما يأتي نصُّهم على ذلك وحجتهم فيه.
وثانيها: أن ذلك إنما يجوز فيما تقبيحُ العقل له (١) ظاهرٌ ظنيٌّ، أو وهمٌ غَلَطي.
وأما ما عُلِمَ قُبْحُه بضرورة العقل، فلا يجوز ذلك فيه، ولا شكَّ أن اختيار الكذب وبعثة الكذابين بالمعجزات على الصدق، وبعثة الصادقين مرجوحٌ قبيح على كُلِّ تقدير.
أما إن لم يُجوَّزْ في ذلك خير ولا حكمة، فظاهر.
وأما إن يُجَّوز (٢) فيه شيء من الخير النادر، فلا شك أن الصدق وبعثة الصادقين أكثر دفعًا للفساد والمفاسد وجلبًا للصلاح والمصالح، وتجويز خلاف ذلك يؤدي إلى أن لا يوثَقَ لله تعالى بكلامٍ، ولا لأحدٍ من رسله الكرام لا في دينٍ، ولا في دنيا، ولا جِدٍّ، ولا هَزْلٍ، ولا وعدٍ، ولا وعيدٍ، ولا حلالٍ، ولا حرامٍ، ولا عهدٍ، ولا عَقْدٍ، ولا [يوجد] أعظم فسادًا مما يؤدي إليه هذا بالضرورة.
ونحن لم نقل بتجويز جهل العقل والعقلاء لمثل هذه الأمور الضروريات الجليات، وإنما جوَّزنا جهله للحِكم الخفيات، ولا شك أن المملكة لا يصلُحُ أهلها مع كثرتهم، واختلاف طبائعهم إلاَّ بأن يكون الملك عزيزًا مهيبًا كريمًا حليمًا تُخافُ وقائعُه، وتُرجى (٣) صنائعه، له السطواتُ والبأسُ الشديد، والجُودُ العام لجميع الرعايا والعبيد، فهو مرجوٌّ مخوفٌ ودودٌ رؤوفٌ، فكيف يُنْكَرُ أن يكون لمالك الملوك والممالك، ورب العوالم من هذا الكمال أعظمه، ولن يكون كذلك إلا بالوعد والوعيد، والترغيب والتهديد، وجهل العبيد لخواتمهم، وتواضعهم لمكان علمهم بجهلهم وعجزهم.
_________________
(١) في (ش): فيه.
(٢) في (ش): جوز.
(٣) في (ش): كما ترجى.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
وكيف يُجعَلُ وجود الشر والأشرار مع ذلك خليًّا عن الحكمة الخفية، والغايات الحميدة؟!
أو كيف يُنظم مثل ذلك في سلك (١) القبائح الضرورية، والمفاسد الجلية، وكم بين الحق والباطل، والظلمات والنور.
وإنما لو عَلِمَ الخلق بالحكمة في خلق الأشقياء على التفصيل، لفسدوا، كما أنه لو بسط الرزق، لفسدوا، أو رفعه هلكوا، ولو قنطُوا، أو قَطَعُوا بالأمان لفسدوا ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقد تشوَّفَ رسول الله - ﷺ - إلى رؤية جبريل على خِلْقَتِه، فرآه كذلك فخرَّ مغشيًّا عليه (٢)، بل قال الله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨].
وصحَّ في الحديث " أن الكافر لو يعلم بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار " (٣).
وقد اعترفت المعتزلة بأن التقبيح العقلي ينقسم إلى ضروري عقلي كتقبيح الكذب الضار، واستدلاليٍّ كتقبيح الكذب النافع، فهذا الاستدلاليُّ يقع فيه
_________________
(١) في (ش): تلك.
(٢) أخرجه ابن المبارك في " الزهد " (٢٢١) عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب أن رسول الله - ﷺ - سأل جبرئيل أن يتراءى له في صورته، فقال جبرئيل: إنك لن تطيق ذلك، فقال: " إني أحب أن تفعل "، فخرج رسول الله - ﷺ - إلى المصلى في ليلة مقمرة فأتاه جبرئيل في صورته، فغشي على رسول الله - ﷺ - حين رآه وهذا مرسل عن ابن شهاب الزهري، ومرسلاته عند يحيى بن سعيد القطان شبه الريح.
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٣٤ و٣٩٧ و٤٨٤، والبخاري (٦٤٦٩)، ومسلم (٢٧٥٥)، والترمذي (٣٥٤٢)، وابن حبان (٣٤٥) و(٦٥٦)، والبغوي في " شرح السنة " (٤١٨٠) من طريقين عن أبي هريرة.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
الوهم والخطأ، والصحيح والسقيم، والخلاف بين العقلاء (١) كسائر الاستدلاليات، ولا شكَّ بأن المنفعة التي تُحسنُه عند بعض العقلاء هي المنفعة الراجحة الخالية عن المعارض الراجح.
وأما لو نَزُرَتِ المنفعة وعَظُمت المفسدة، كان من القسم الأول القبيح بالضرورة، مثالة: من يعرفُ أنه إذا كذب حصل له درهمٌ، وضُرِبَتْ عُنُقُهُ، أو (٢) هُتِكَتْ حُرْمتُه.
وثالثهما: أن قُبْحَ ذلك ضروري إن لم يُتَوَسَّل به إلى غرضٍ راجح على ما فيه من المفاسد غير مقدور عليه إلاَّ بواسطة الكذب، وبعثة الكذابين.
وقد ثبت أن الله على كل شيء قدير عقلًا وسمعًا وإجماعًا، فكيف يجوز عليه أن يتوسَّل إلى مرادٍ له بما لم تُجَوِّز المعتزلة على أحد من العقلاء؟! فإنهم قطعوا على كل عاقل أنه يختار الصدق ويُرجحه إذا قيل له: إن صدقت فلك درهم، وإن كذبتَ فلك درهم، بل عَقَلَتِ العربُ ذلك في جاهليتها (٣) وأنشد علماء المعاني فيما يدل على ذلك:
والعيشُ خيرٌ في ظِلا لِ الجهلِ ممَّن عاشَ كَدّا
أي: مع العقل ليقع التعارض الخفي الذي يحسن الخير عنده (٤) والاختبار، فأما تفضيل (٥) العيش والعقل مجتمعين على الجهل والكَدِّ مجتمعين فلا يحسن الخبر به والاختبار، لأنه بمنزلة الخبر بأن الكل أكثر من البعض.
فاعرف ذلك.
ولا شكَّ (٦) أن المُهَوِّنَ لقبح القبائح هو العجز وتحقق الضرورة أو مقارنتها،
_________________
(١) في (ش): العقلي.
(٢) في (ش): و.
(٣) في (ش): بل عقله العرب في جاهليتها.
(٤) ساقطة من (أ).
(٥) في (أ): تفضل.
(٦) في (أ) مكانها بياض.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
ولهذا (١) كان أبغض الناس إلى الله ثلاثة:
أحدهم: الملك الكذَّاب كما ورد ذلك في الحديث الصحيح (٢)، وذلك لاستغنائه بالقدرة عن الحيلة بالكذب، فكيف يجوز ذلك على ملك الملوك، ورب الأرباب الذي إذا أراد شيئًا، فإنما يقول له: كن فيكون.
وخرج الطبراني في " أوسط معاجمه " من حديث الفضل بن عيسى الرَّقاشي، عن الحسن البصري، قال: خطبنا أبو هريرة على منبر رسول الله - ﷺ -، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " ليَعذِرَنَّ الله إلى آدم يوم القيامة ثلاث معاذير، يقول: يا آدم لولا أني لعنتُ الكذابين، وأبغضتُ الكذب والحَلِفَ وأوعدتُ عليه لرَحِمْتُ اليوم ولدك أجمعين " (٣).
ورابعها: أن العلم بقصد تصديق (٤) الرسول عَقِبَ (٥) المعجز ضروري عند الأشعرية كما هو مقرَّرٌ في كتبهم، بل المعارف كلُّها ضرورية عند جماعة من شيوخ الاعتزال، وكثير من أهل السنة كما مرَّ تقرير ذلك، وذكر الأدلة عليه في الوهم الخامس عشر من هذا الكتاب.
_________________
(١) في (ش): " فلذا إن "، وهو خطأ.
(٢) قطعة من حديث، ولفظه: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذَّاب، وعائل مستكبر ". أخرجه مسلم (١٠٧)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ١٠/ ٨٤، والبيهقي ٨/ ١٦١، والبغوي (٣٥٩١) من حديث أبي هريرة. وأخرجه بلفظ: " الإمام الكذاب ": أحمد ٢/ ٤٣٣، والنسائي ٥/ ٨٦، وابن حبان (٤٤١٣).
(٣) ضعيف. آفته الفضل بن عيسى الرقاشي، وقد اتفقوا على ضعفه. وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٤٧ - ٣٤٨ بأطوال مما هنا، ونسبه إلى الطبراني في " الأوسط "، وأعله بالفضل بن عيسى الرقاشي، فقال: هو كذاب. قلت: لم أجد أحدًا اتهمه بالكذب.
(٤) في (ش): بفضل الرسول.
(٥) في (أ) عقيب.
[ ٥ / ٢٩٩ ]
وخامسها: أنه يلزَمُهم استحالة أن يكون الربُّ أعلم بالحكم، والمصالح، والمُرَجِّحات الخفية، وقد علم تفاضل علماء النظر في ذلك إلى شأوٍ بعيدٍ، فكيف بالملك الحميد المجيد؟! بل العالم يعلم اختلاف أحوال نفسه في ذلك، ومَنْ فوقه ومَنْ دونه.
وسادسها: أن قصة الخَضِرِ وموسى مانعةٌ ما (١) ذكروه منعًا قاطعًا، لأن موسى ﵇ لم يعلم وجهًا مُحسنًا لما فعله الخضِرُ لا جُملةً ولا تفصيلًا، ولذلك سماه أمرًا نُكرًا، وقد علم الله من وجوه الحكمة في ذلك ما لم يعلمه موسى ﵇، بل علم الخضر فيه (٢) ما لم يعلم موسى ﵉، بل قال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلاَّ كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر (٣). بل قال الله تعالى: ﴿فلا تَضْرِبُوا لله الأمثالَ إنَّ الله يعلمُ وأنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤] وهي من أنفع آية في هذا المعنى.
وسابعها: قصة الملائكة حيث قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فهذا قاطع بأنهم ما عرفوا وجه الحكمة في ذلك على التفصيل، بل ولا أعلمهم الله في جوابه عليهم بالكلية حيث قال: ﴿إنِّي أعلمُ ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠].
فيا عجبًا للمعتزلي كيف لم يقنع بما قنعتْ به الأنبياء والملائكة، ومن لم يقنع بما قنعوا كيف يقنع بكلام أئمة السنة، ويُنَاظِرُ مناظرة السلف الصالح، وهو جديرٌ بأن يلحق بالذين قالوا لجوارحهم يوم القيامة: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
وثامنها: أنهم لم يجدوا وجهًا تفصيليًا (٤) صحيحًا مُرضيًا في هذه المسألة كما مر بيانه.
_________________
(١) في (ش): مما.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) قصة الخضر مع موسى أخرجها بطولها البخاري (٤٧٢٥).
(٤) في (أ): تفصيلًا.
[ ٥ / ٣٠٠ ]
وقد صرح الزمخشري في " كشافه " بصحة العلم الجملي في هذا الباب، واضطر إلى ذلك، وهو من أئمة الاعتزال، ولم ينقِم ذلك عليه أحدٌ مع كثرة رجوعهم إلى تفسيره، وتعظيمهم له.
وكذلك الشيخ مختار المعتزلي العلامة اختار ذلك في " المجتبى " وأورد السؤال المقدم بتحريرٍ آخر، وجوّد الجواب عنه، فقال في السؤال:
فإن قيل على الوجه الإجمالي: لو كان هذا التكليف حكمة، فإما أن تكون (١) موافقةً للعقل، أو مخالفة للعقل.
فإن كانت مخالفة للعقل لا تكون حكمة، وتكون واجبة الرد.
ولو كانت موافقة للعقل، لعقلناه عند التأمل والتفكر كسائر العلوم العقلية.
وقال في الجواب بعد منع الحصر: لا نُسلِّمُ أنها إذا كانت موافقة للعقل عقلناها، وكم من أشياء توافق العقل ولا يعقلها العقلاء إلاَّ بعد التعريف، ألا ترى أن خرق الخضر السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار كانت موافقة للعقل، ولم يعقلها موسى ﵇ إلاَّ بعد التعريف.
وكذا خلق الخليفة في الأرض كان مُوافقًا للعقل، ولم تعقله الملائكة ﵈.
وكذا الأعمال الهندسية والحسابية، ودقائق أكثر الحِرَفِ، والصناعات وأفاعيل الأغذية والأدوية.
وكذلك خلقُ مَنِ المعلوم منه أنه يكفُرُ أو يفسق يشتمل على حكمةٍ توافق العقل لو علمها العقلاء بدلالة صدوره من الحكيم.
ثم أورد الشُّبه التي في الباب والجواب عنها، ثم عقَّب ذلك بقوله: ثم
_________________
(١) في الأصلين: كانت.
[ ٥ / ٣٠١ ]
الدليل الثاني على عموم قدرته تعالى على كل شيء ونفوذ إرادته ومشيئته في جميع الكائنات
اعلموا أن هنا أصلًا جليلًا لو تحققه العاقل سَهُلَ عليه حل أمثال هذه الشبه، وهو أن من الأفعال والأحكام ما يَنْفِرُ (١) عنه الطبع وينكره العقل أشدَّ الإنكار في الظاهر، فإذا ظَفِرَ بالحكمة ووجه المصلحة، عاد إنكاره استحبابًا، واستقباحه استحسانًا.
ألا ترى أن كليم الله موسى مع كمال فطنته، ووفور علمه أنكر خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار أشد الإنكار، فلما علم الحكمة الخفية فيها استحسنها إلى قوله: - فإذا جاز أمثال هذا في من استُهدِفَ للخطأ والنسيان ألا يجوز في أفعال أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين حِكَمٌ كامنة، ومصالح باطنة، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠] جوابًا لقول الملائكة: ﴿أتجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدِّماءَ﴾ إلى قوله: - وايمُ الله إن هذه الشُّبَه كانت تُقلِقُني في شبابي، فلما تحقَّقتُ هذا الأصل الجليل، اطمأن قلبي، وأضحى في مواطن (٢) الحكم ومجازاتها مكينًا رصينًا حتى لو كُشِفَ الغطاء ما ازددت يقينًا. انتهى بحروفه.
فدل على أنهم يعترفون بمذهب أهل السنة عند حاجتهم إليه.
وكذلك قال ابن الملاحمي في كتابه " الفائق ": إن الله خلق الكفار على بِنْيَةٍ يعلم أنه لا لُطف لمن خُلِقَ عليها، مع قدرته على أن يخلقهم على بِنيةٍ قابلةٍ للُّطفِ، بل على مثل بِنية الأنبياء والأولياء لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو، وهو من كبار شيوخ الاعتزال. وقد تقدم كلام الزمخشري منقولًا بلفظه، وسيأتي كلام ابن الملاحمي.
الدليل الثاني: وهو المعتمد أن كثرة هذه النصوص، وتَرْداد تلاوتها بين السلف (٣)
_________________
(١) في (ش): ينبو.
(٢) في (ش): " مواقف ".
(٣) في (ش): بين السلف والخلف.
[ ٥ / ٣٠٢ ]
من غير سماع تأويلٍ لها، ولا تحذير جاهلٍ عن اعتقاد ظاهرها، ولا تنبيهٍ على ذلك حتى انقضى عصر النبوة والصحابة، يقضي بالضرورة العادية أنها غير متأولة، وإلى هذا الوجه أشار قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [الأحقاف: ٤] ويا لها من حجة قاطعة للمبتدعة لمن تأملها في هذا الموضع، وفي الكلام في الصفات وفي أمثال ذلك، لأنه لا يجوز في العادة أن يمضي الدهر الطويل على إظهار ما يقتضي بظاهره نسبة القبيح إلى الله وسبَّه ونفي حكمته على زعم المعتزلة، وله تأويلٌ حسن، فلا يذكر تأويله ألبتة، وسواءٌ كان ذكره واجبًا أو مباحًا، بل العادة تقتضي أنه لو كان حرامًا (١) وإليه داعٍ لفعله بعض الناس كما يُعلم ضرورة أنه لا يكون في المستقبل عصرٌ لا يوجد فيه عاصٍ في دار التكليف والابتلاء ما دامت أحوال المكلفين على ما هي عليه، ولا سيما إذا كان الأمر المسكوت عن تأويله من المحارات مثل هذه المشكلة عند المخالف، فإنه يلزمه أن العادة تقضي بالخوض فيها ضرورة، ولذلك كثُر خوضهم في مسألة الأقدار التي مسألة المشيئة إحدى أركانها، وتواتر كثرة سؤالهم عن ذلك لعظم إشكاله، وتواتر أن رسول الله - ﷺ - ألزمهم العمل والإيمان بالقدر.
وقد ذكرت في هذا فيما يأتي أكثر من مئتي حديث مع ما ذكرت فيه من الآيات الكريمة، وفي جميع تلك الأحاديث لم يُذكر في ذلك تأويل ألبتة.
وقد ذكر الرازي بحثًا طويلًا في اللغات من كتاب " المحصول " (٢) في المنع من إفادة السمع القطع بسبب ما يَعْرضُ في (٣) الألفاظ المفردة ثم في تراكيبها من الاحتمالات التي وردت بها اللغة مثل الاشتراك والمجاز والحذف ونحوها، وذكر أنه لا دليل على عدمها إلاَّ عدم الوِجدان بعد الطلب وأنه دليل ظني، وذكر
_________________
(١) في (ش): جوابًا.
(٢) ١/ ١/٣٦٣ و٣٦٦ و٥٤٧ و٥٧٣ و٥٧٥ - ٥٧٦. وانظر بحثي الاشتراك والمجاز ص ٣٥٩ فما بعدها.
(٣) في (ش): من.
[ ٥ / ٣٠٣ ]
قول المعتزلة: إن ظاهر هذه الأيات قبيح، جناية عظيمة على كتاب الله تعالى
كثرة الاختلاف في المحذوف من (١) " بسم الله الرحمن الرحيم "، ثم أجاب بما محصوله أن المعَوَّل عليه في مواضع (٢) القطع في الكتاب والسنة هو القرائن التي يضطر إلى قصد المتكلم مع تواتر معاني الألفاظ في المواضع القطعية.
وكلامه هذا يدلُّ على مثل (٣) ما ذكرت في معنى آيات المشيئة، ولولا ذلك لتمكنت الملاحدة، وأعداء الإسلام من التشويش على المسلمين أجمعين في كثير من عقائدهم السمعية القطعية.
ويؤيد هذا قول بعض المعتزلة (٤) المحققين: إن كل قطعي سمعي ضروري (٥)، وله وجهٌ جيد، ليس هذا موضع ذكره.
وقول المعتزلة: إن ظاهر هذه الآيات قبيحٌ، جنايةٌ عظيمةٌ على كتاب الله تعالى، فإنه لا يشكُّ منصفٌ أنه جاء في كتاب الله تعالى على جهة التمدح من الله تعالى بكمال قُدرته، ونفوذ مشيئته، فجاءت المعتزلة بالداهية العُظمى، فجعلوا ما تمدح الرب به سبحانه يقتضي بظاهره غاية الذم والسب، ونفي الحكمة، فتعالى الله عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا.
وليس يرضى بمثل هذا عاقل أن يكثر التمدح مما ظاهره النقصُ لنفسه، والقدح في عرضه، كيف الملك الحميد الذي صح عن أعلم الخلق به أنه لا أحد أحب إليه المدح منه (٦) سبحانه؟ من أجل ذلك مدح نفسه.
فكيف يكون أظهر المعاني من كلامه، وكلام رسله (٧) الذي المقصود منه هو التمدُّح يقتضي نقيض المقصود مع أنه أبلغ الكلام، والبلاغة تقتضي بلوغ المتكلم لمراده (٨) على أبلغ الوجوه؟!
_________________
(١) في (ش): في.
(٢) في (أ): المواضع.
(٣) في (ش): معنى.
(٤) ليست في (أ).
(٥) في (ش): فهو ضروري.
(٦) تقدم تخريجه في ص ٥٨.
(٧) في (ش): رسوله.
(٨) في (ش): المراد.
[ ٥ / ٣٠٤ ]
فكيف يستكثرُ من لا أحد أحبُّ إليه المدح منه مما ظاهره الذم ويكون ما ذلك (١) ظاهره متلوًّا في الصلوات الخمس (٢) ومحافل الجماعات؟!
وقولهم: إن الداعي إلى ذلك ما زعموه من تعريض المكلفين إلى درك الثواب العظيم بالنظر في تأويله، مردودٌ بوجوهٍ:
أولها: ما تقدم من أن ذلك لو كان هو المقصود لكان رسول الله - ﷺ - وأصحابه وتابعوهم بإحسان هم السابقين إلى تأويله كما سبقوا إلى كل خير، وسكوتهم جميعًا عن (٣) التأويل في المُدَدِ (٤) الطويلة يقضي عادة باعتقاد الظواهر.
وثانيها: أن هذا الداعي الذي زعموه لا يصح تقريره فيما مورده إظهار المحامد، وبيان الممادح، لأنه يُغيِّر وجوه محاسنها، ويُكَدِّر ورود مشارعها، وإنما يكون مثل ذلك في موضع الابتلاء مثل: آيات الأوامر والتكاليف، كأمر بني إسرائيل بذبح بقرة حين سألوا (٥) عن تعيين قاتل صاحبهم، ونحو ذلك.
وثالثها: أنه لو كان المقصود ما ذكروه، لورد السمع بما ظهره القبح الضروري المجمع عليه من نسبة الظلم، والولد، والشريك وسائر النقائص في الظاهر، ولها معانٍ حسنة يُثاب أهل النظر بتأملها، فإنه يُمكن تكلف التجوز والعلائق المجازية في هذه الأشياء مثل ما تكلفوه في تلك كما زعم الزمخشري (٦) أن ظاهر قوله تعالى: ﴿أمرنا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها﴾ [الإسراء: ١٦] الأمر بالفسق، وجَعَلَهُ من المجاز، وغَلِطَ في ذلك كما سيأتي.
فإن قيل: وجود المعارض يغني عن الخوض في التأويل، وهو موجود كما يأتي في شبه المعتزلة، فالجواب من وجهين:
_________________
(١) من قوله: " مما " إلى هنا ساقط من (أ).
(٢) ليست في (أ).
(٣) في الأصلين: من.
(٤) في (ش): المدة.
(٥) في (ش): سألوه.
(٦) ٢/ ٤٤٢.
[ ٥ / ٣٠٥ ]
أحدهما: أنه غير موجود كما يأتي في الجواب عن شبههم.
وثانيهما: أن وجوده لو سُلِّم، لا يغني عن الخوض في ذلك خاصة من عامتهم بل يزيد الدواعي قوةً إلى البحث، والخوض الكثير كما هو معلومٌ بالضرورة من عادات العقلاء، فعدم خوضهم في ذلك أدلُّ على عدم التعارض عندهم، وعند من بعدهم إلى أوان البدع، ولو سلَّم الجميع، فلا معارض بالضرورة في عموم قدرة الله وأنه على كل شيءٍ قدير. ومذهبُ المعتزلة يستلزم أن لذلك معارضًا ويقتضي أنه تعالى غير قادر على هداية العصاة تعالى عن ذلك، وسيأتي تقرير ذلك، ونقض شُبَهِهِم فيه.
فإن قيل: فهل القرآن كله محكمه ومتشابهه عندكم على ظاهره ما لم يُنقَل تأويله بنصٍّ صحيح أو إجماع.
قلنا: إن عنيتم بظاهره ما فَهِمَ السلف وأهل السنة من تنزيل ذلك على ما يقتضي المدح والثناء والكمال، وعلى قوله: ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهو كله على ظاهره إلاَّ ما خصَّه نصٌّ صحيحٌ أو إجماع.
وإن عنيتم بظاهره ما ظننتم من أن ظاهره قبيحٌ، وسبٌّ لله تعالى وكفر به، فليس على ظاهره، لكنا نمنع من كون ذلك ظاهره، وقد مر ذلك مُحقَّقًا في الصفات ولله الحمد.
فإن قيل: فما الفرق بين المحكم والمتشابه؟
قلنا: إن المحكم ما لا تأويل له محجوبٌ عن العقول، والمتشابه ما له تأويل لا يعلمه إلا الله، وإنما نقول ما حكاه الله عن الراسخين: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران: ٧ - ٨].
فهذه قرائن نضطر إلى أن المراد منها ما ظهر وفَهِمَه السلف والخلف، ومن لم يُغَيِّر فطرته التي فطره الله عليها.
[ ٥ / ٣٠٦ ]
النصوص عن أهل البيت الدالة على أن مشيثة الله نافذة
ولذلك كان اعتقاد جميع المسلمين حتَّى المعتزلة والشيعة إلاَّ مَنْ تَلَقَّن الكلام، ومَرِضَ قلبه بدائه أن مشيئة الله نافذة، وأنه سبحانه لا يشاء أمرًا من هداية عاص أو غيرها إلاَّ وقع مراده على ما أراده، ومن شك في هذا فليختبر، وليُجَرِّب، وليسأل كل مسلم لم يعرف علم الكلام عن ذلك، وهذا دليل بثبوت ذلك متواترًا ينقله (١) الخلف عن السلف، وفي كلام أهل البيت ﵈ لتقرير ذلك نصوصٌ خاصة لا يمكن تأويلها وعمومات ظاهرة.
أما النصوص، ففي موضعين: الموضع الأول في تراجم قدمائهم في كتب الرجال، والثاني: في تصانيف سائر علمائهم المخالفين لأهل الاعتزال.
أما الموضع الأول فكثير ممن روى ذلك عنهم الإمام العلامة جمال الدين المِزِّي في كتاب " تهذيب الكمال في معرفة الرجال " (٢)، ولو تتبع ذلك لطال، ولنقتصر مما في كتب الرجال على المنقول عن الإمام المقَلَّد المقتدى به منهم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، فقد روى عنه المزي المذكور، والذهبي في " تذهيب التهذيب " (٣) كلاهما من طريق مُطَّلِب بن زياد الكوفي، وقد وثَّقه أحمد بن حنبل، وأبو داود (٤)، وابن معين، قال: جاء رجلٌ إلى زيد بن علي، فقال له: أنت الذي تزعم أن الله تعالى أراد أن يُعْصَى؟ فقال زيد بن علي: أفَيُعْصى عُنْوةً؟!
_________________
(١) في (ش): ثبوت ذلك متواتر بجملة.
(٢) وهو من منشورات مؤسسة الرسالة، وقد تم طبع ما يقرب من ثلثيه في عشرين مجلدًا، والباقي قيد الطبع.
(٣) لم يرد هذا النص عند المزي في " تهذيب الكمال " كما توهم المؤلف، وإنما هو مما زاده الإمام الذهبي في " تذهيب التهذيب ". انظر المجلد الأول الورقة ٢٥٤/ب منه.
(٤) في " تهذيب التهذيب " وغيره: قال أبو داود: هو عندي صالح، ووثقه أيضًا العجلي وعثمان بن أبي شيبة، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وكذا ابن شاهين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وعن أبي داود قال: رأيت عيسى بن شاذان يضعفه، وقال: عنده مناكير، وضعفه ابن سعد جدًا، وقال ابن عدي له أحاديث حسان وغرائب، ولم أر له منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به.
[ ٥ / ٣٠٧ ]
فهذا صريح مذهب (١) أهل السنة، وكلامه هذا وإن كانت المعتزلة والزيدية المتأخرون (٢) يتأولونه، ولا يمكنهم تأويله، فإنه لا تُساعدهم قرينة الحال، فإنه أورده جوابًا على من أنكر صريح مذهب أهل السنة.
وليس يستطيع من يدعي أنه على مذهبه من متأخري الزيدية أن ينقل عنه ما يعارض هذا النقل، بل منتهى حاصلهم الاشتغال بتكذيب النقل الثابت من غير موجبٍ، بل ولا مسوِّغٍ. فقد صحَّ النهي عن تكذيب اليهود فيما نقلوه من المحتملات أو التأويل لذلك من غير موجب أيضًا (٣)، فإنه إن كان صوابًا فتأويله حرام وِفاقًا، وإن كان خطأ، فهو كذلك على الصحيح، إذ لو جاز تأويل كلام من أخطأ من المختلفين لم يصح نقل المقالات عن أهلها، ولم تكن الزيدية بتأويل نصوص أئمة أهل البيت ﵈ على ما يوافقهم أولى من غيرهم.
فتأمل ذلك.
وأما ما نقله محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر المعروف بالشهرستاني في كتابه " الملل والنحل " (٤) من كون زيد بن علي ﵇ قلَّد واصل بن عطاء،
_________________
(١) في (ش): كلام.
(٢) في الأصل: " المتأخرين "، وهو خطأ.
(٣) أخرجه من حديث أبي نملة الأنصاري: عبد الرزاق (٢٠٠٥٩)، وأحمد ٤/ ١٣٦، وأبو داود (٣٦٤٤)، وابن حبان (٦٢٥٧)، والفسوي في " المعرفة والتاريخ " ١/ ٣٨٠، والطبراني ٢٢/ (٨٧٤) و(٨٧٥) و(٨٧٦) و(٨٧٧) و(٨٧٨) و(٨٧٩)، والبيهقي ٢/ ١٠، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٦/ ٣١٥ والمزي في " تهذيب الكمال " في ترجمة أبي نملة، ولفظه أنه بينا هو جالس عن النبي - ﷺ - جاءه رجل من اليهود ومُر بجنازة، فقال: يا محمد، هل تكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: " الله أعلم "، فقال اليهودي: إنها تكلم، فقال رسول الله - ﷺ -: " ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلًا لم تُصَدِّقوه، وإن كان حقًا لم تكذبوه ". وأخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري (٤٤٨٥) و(٧٣٦٢) و(٧٥٤٢).
(٤) ١/ ١٥٥.
[ ٥ / ٣٠٨ ]
وأخذ عنه مذهب الاعتزال تقليدًا، وكانت بينه وبين أخيه الباقر ﵉ مناظراتٌ في ذلك، فهذا من الأباطيل بغير شكٍّ، ولعله من أكاذيب (١) الروافض، ولم يورد له الشهرستاني سندًا ولا شاهدًا من رواية الزيدية القدماء، ولا من رواية علماء التاريخ، ولا الشهرستاني ممن يُوثَقُ به في النقل، وكم قد روى في كتابه هذا من الأباطيل المعلوم بطلانها عند أئمة هذا الشأن؟ وكيف يُقَلِّده زيد مع أن زيدًا أكبر منه قدرًا وسنًا، فإن واصلًا وُلِدَ سنة ثمانين، وزيد ﵇ تُوفي سنة مئة؟! ولو كان الشهرستاني كامل الصرفة والإنصاف لذكر مع ما ذكره ما هو أشهر منه في كتب الرجال، وتواريخ العلماء، وأئمة السنة، وفي " الجامع الكافي " ثم ذكر الراجح من النقلين، وقواه بوجوه الترجيح.
والظاهر أنه اقتصر على نقل كلام بعض الروافض ولم يشعر بغيره. والله أعلم.
ومما يدل على عدم تحقيقه في معرفة الرجال أنه عدَّ زيد بن علي من أتباع المعتزلة، ثم ذكر بعد ذكر الإمامية جماعةً جِلَّة من أئمة السنة ورواة الصحاح (٢)، وعدَّهم من أتباع زيد بن علي، وسمَّاهم زيدية، بل عدَّهم من مصنفي كتب الزيدية منهم: شعبة (٣)، ووكيع، ويحيى بن آدم، ومنصور بن الأسود، وهارون بن سعد (٤) العِجْلي، وعُبيد الله (٥) بن موسى، والفضل بن دُكَين، وعلي بن صالح، ويزيد (٦) بن هارون، والعلاء بن راشد، وهُشَيْمُ بن بَشير (٧)، والعَوَّام بن حَوْشَب، ومُسْتَلِم بن سعيد، وجعلهم كلهم مثل أبي خالد الواسطي في الدعاء إلى مذهب الزيدية، والتأليف فيه (٨).
_________________
(١) في (ش): أباطيل أكاذيب.
(٢) في (ش): الصحيح.
(٣) ليس في المطبوع من " الملل والنحل ".
(٤) في الأصلين: " إسماعيل "، وهو خطأ، والتصويب من " الملل ".
(٥) تحرفت في الأصلين إلى: " عبد الله "، والتصويب من " الملل ".
(٦) تحرفت في (ش) إلى: وزيد.
(٧) تحرفت في الأصلين إلى: " سكين "، والتصويب من " الملل ". وزيد بعده في الأصلين: " وهارون بن إسماعيل "، وهو خطأ، وقد تقدم على الصواب.
(٨) انظر " الملل والنحل " ١/ ١٩٠.
[ ٥ / ٣٠٩ ]
فكيف يصح مع هذا أن يكون مذهب زيد والزيدية هو مذهب المعتزلة، وفي هؤلاء رؤوس خصوم المعتزلة لولا عدم معرفته وتحقيقه في أحوال الرجال؟
وقد شرط الذهبي على نفسه (١) أن يذكر في " الميزان " من قُدِحَ عليه (٢) بحقٍّ أو باطل، فذكر واصل بن عطاء، ولم يذكر فيه زيد بن علي ﵇ لبراءة ساحته من ذلك (٣).
ويدل على ما ذكرتُه من بطلان ذلك أنه ذكره الشهرستاني على وجهٍ يستلزم الانتقاص لزيد ﵇ حتى جعله مُقَلِّدًا لواصل، لا مُوافِقًا بالنظر والاستدلال، وحتى أشار إلى أن الذي حمله على ذلك إرادة الصلاحية للخلافة وحبُّ الرئاسة، وحتى عاب عليه تقليد واصل مع قدحِ واصل في جدِّه علي بن أبي طالب ﵇.
وأما الموضع الثاني: فكثيرٌ أيضًا، وفي كلام القاسم ﵇ في الجواب على الملحد ما يدل على اعتقاده لنفوذ مشيئة الله تعالى ولله الحمد.
وقد ذكر السيد الشريف الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني العلوي في كتابه " الجامع الكافي " (٤) في مذهب الزيدية عن قُدماء أهل البيت ﵈ ما يدل على إجماع قدماء أهل البيت ﵈ في المئة الأولى والثانية وأكثر الثالثة، وهي القرن الثالث على صريح مذهب أهل السنة والحمد لله على وجود ذلك في كتب الزيدية، وخزائن أئمتهم، ورواية ثقاتهم.
وقد نقلت ذلك من نسخة الإمامين اللذَيْن عاصرتهما: الناصر محمد بن علي، والمنصور علي بن محمد ﵉، وهي النسخة التي أخرجها السيد الشريف العالم أحمد بن أمير الجيلاني إلى اليمن، وعليها خطه
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) ليست في (ش).
(٣) في (ش): جميع القوادح.
(٤) تقدم ذكره ٢/ ١٠٦.
[ ٥ / ٣١٠ ]
المعروف وقفها (١) للهِ تعالى، وعليها صفات السماع، والتصحيح الكثير على عادة حفاظ الحديث المتقنين، والإجازات من كثير من أهل البيت ﵈ وشيعتهم، وهي في الخزانة الإمامية إلى (٢) الآن، حرسها الله تعالى.
وقد ذكر الإمام المؤيد بالله ﵇ هذا الكتاب المسمى " بالجامع " باسمه، ذكره في كتابه " الإفادة " في أواخره، فلله الحمد والمنة، في ذكر: حي على خير العمل، فإنه روى الحديث في ذلك، وقال: رواه محمد بن منصور الكوفي في كتاب " الجامع " بسنده، وقد عدت تصانيف محمد بن منصور ثلاثين مصنفًا في أول هذا الكتاب، وليس فيها ما يسمى الجامع فيشتبه بهذا والله أعلم.
قال مصنفه ﵀ في المجلد السادس منه في كتاب " الزيادات " (٣) باب القدر والمشيئة والإرادة، قال محمد، يعني ابن منصور في كتاب أحمد: قلت لأبي عبد الله أحمد بن عيسى (٤): هل (٥) المعاصي بقضاء وقدر، قال: نعم، حكم الله أن سيكون ما سبق في علمه من أفعال العباد، وكان أحمد يثبت القدر خيره وشره، ويقول: الإيمان من منة الله تعالى على أوليائه وتوفيق وعصمة لتصديق علمه السابق الذي لا يبطل بعد الحجة بصحة العقل، وبما مثله تفهم المخاطبة، فإن لم يفهم، فهو مقطوع العذر لكمال خلقته وسلامتها من الآفات المانعة.
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: إن قومًا يزعمون أن علم الله لا يضر ولا ينفع، فقال: بلى والله، إن علم الله السابق ليضر وينفع، وذكر فيه كلامًا، وشرحًا لم أحفظه، وذكر فيه آيات من القرآن ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وذكر النبي - ﷺ - واختيار الله إياه.
_________________
(١) في (ش): وقفه.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) تقدم التعريف به ١/ ٢١١.
(٤) تقدمت ترجمته ٣/ ٤٥٨.
(٥) في (ش): فعل.
[ ٥ / ٣١١ ]
وقال أحمد فيما حدثنا علي، عن أبي هارون، عن سعدان، عن محمد، قال: سألت أحمد بن عيسى عن القدر الذي نُهِيَ عنه ما هو؟ فقال: من زعم أن المشيئةَ إليه.
وقد سُئِلَ علي عن ذلك، فقال: من زعم أن الله شاء (١) لعباده الطاعة فلم تنفذ مشيئة الله، وشاء لهم إبليس المعصية فنفذت مشيئةُ إبليس، فقد وهَّنَ الله في مُلكه، وجوَّره في حكمه، وبَرِئْنا إلى الله منه يوم القيامة.
وقرأت في كتاب إبراهيم ومحمد ابني فرات وسماعهما من محمد بن منصور، قال: كان أحمد بن عيسى يُثْبت القدر خيره وشرَّه، ويقول: لا يقال: شاء للعباد فيكون شِبْهَ اختيار، ولكن شاء أن يَعْصُوه.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله - ﷺ - أنه من أحسن، فلله عليه المِنَّة، ومن أساء، فلله عليه الحجة في إساءته، وغير معذور في معصيته، ولن يخرج الخلق من قدرة الله وتدبيره وملكه.
وقال الحسن ومحمد: إن الله سبحانه خلق العباد، وعَلِمَ ما هم عاملون قبل أن يعملوا، وعرَّفهم طاعته، وأمرهم بها، وأعانهم عليها، وعرَّفهم معصيته، ونهاهم عنها، وأغناهم عنها.
قال الحسن: فليس أحدٌ يصير إلى طاعة الله إلاَّ بنعمة الله وفضله ورحمته، وليس أحدٌ يصير إلى المعصية إلاَّ بنعمة الله، والحجة لله على المطيع وعلى العاصي.
وقال محمد في موضعٍ آخر: إن الله خلق العباد جميعًا لعبادته، وأمرهم بطاعته، وأعانهم عليها، ومدحهم عليها، ونهاهم عن معصيته، وأغناهم عنها، وذمَّهم على فعلها، وجعل لهم السمع، والأبصار، والأفئدة، والجوارح السليمة
_________________
(١) في (ش): يشاء.
[ ٥ / ٣١٢ ]
من الآفات، وأقام عليهم الحجة، وندبهم إلى المَحَجَّة بما أنزل في القرآن، وجعل فيه من البيان، وركَّب فيهم من الجوارح التي بها يعملون، وبها يحاسبون ويُسألون، ثم أخذ بجميع نواصي العباد فلم يدع شيئًا من مشيئتهم وإرادتهم إلا بمشيئته وإرادته استدلالًا على الربوبية، وتعبُّدًا للخلائق بالقدرة، فإذا نوى عبد من عبيده خيرًا اختار عليه في نيته، فإن شاء أمضاه له بعدله وتوفيقه، وإن شاء حال بينه وبينه ببعض بلائه، وما دعا الله إليه، فقد جعل له سبيلًا، وما نهى عنه، فقد جَعَلَ منه بُدًَّا، فمن تم منه الإقرار، وأحسن في الأعمال كان في أهل الجنة، ومن تم منه الإقرار، وأساء في الأعمال، حَكَمَ عليه الدَّيَّان في أفعاله، إن غفر له فبفضله، وإن عذبه فبذنبه، وما الله بظلاَّمٍ للعبيد.
قال محمد: فمن عَلِمَ الله منه الطاعة، وقبول أمره، والإنابة إليه، فله من الله الهداية والمنُّ والتوفيق.
وقال محمد في موضعٍ آخر: فمن قبل أمر الله، وآثر طاعته، وعَلِمَ اللهُ منه صدق النية في ذلك كله، كان له من الله العون، والمنُّ الزائد، والتوفيق الزائد، وبذلك سعد، ومن علم الله منه المعصية، وركوب ما نهاه عنه، وإيثار هواه على طاعة الله، استوجب من الله الخذلان والترك، وبذلك شَقِيَ، ولم يكن له على الله هدايةٌ ولا منٌّ ولا توفيق.
قال: ولله أن يَمُنَّ على من يشاء من عباده، ويتفضل عليه بتوفيقه ويهديه، قال الله ﷿: ﴿ولو عَلِمَ الله فيهم خيرًا لأسمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُم﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء﴾ [آل عمران: ٧٤]، وقال: ﴿ولولا فَضْلُ الله عليكم ورحمتُه لكنتم من الخاسرين﴾ [البقره ٦٤٠]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاء﴾ [النور: ٢١]، وقال الله ﷿: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]،
[ ٥ / ٣١٣ ]
وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ [الإسراء: ٢١]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فأخبر لا شريك له أنه خلق العباد جميعًا لعبادته، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وقد تقدم الكلام في مثل هذا.
قال الحسن ومحمد في كتاب " الجملة ": فليس أحد ينال طاعة الله إلا يبدي امتنانه وفضله ورحمته، وليس أحدٌ أعلى عند الله منزلةً من نبيه محمد - ﷺ - ﴿قُلْ لا أملِكُ لنفسي نَفْعًا ولا ضَرًَّا إلاَّ ما شَاءَ الله﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وقال شُعيبٌ: ﴿وما توفيقي إلاَّ بالله﴾ [هود: ٨٨]، وقال نوحٌ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقال يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]، وقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال أهل الجنة: ﴿وما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هَدَانا الله﴾ [الأعراف: ٤٣].
قال الحسن بن يحيى: وقال أهل النار: ﴿ربَّنا غَلَبتْ علينا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وقالوا: ﴿لو هدانا الله لَهَدَيْنَاكُم﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقال إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، وقال الله تعالى لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ [الحجر: ٤٢].
وقال محمد: وقد نَسَبَ الله الأعمال إلى العباد، فقال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقد أقدرهم عليها بالآلة والأداة، وتسليم الجوارح.
[ ٥ / ٣١٤ ]
وقال الحسن ومحمد: وللعباد أفعالٌ وإرادات نسبها الله إليهم، وعِلْمُ الله وإرادته ومشيئته محيطٌ بإرادتهم، ومشيئتهم، فلا يكون منهم إلاَّ ما أراد وعلم أنه كائنٌ منهم، وقد أراد خلقهم، وخَلَقَهم بعد علمه بما هو كائنٌ منهم، وأنه لا يكون منهم إلاَّ الذي كان، وقد سبق في علمه أنه يكون منهم مؤمن وكافر، ومُطيع وعاصٍ، وشقيٌّ وسعيد، وفريق في الجنة، وفريق في السعير، وقد أراد أن يتم كون ما علم أنه كائن، وقد أراد ﵎ أن تكون الدنيا دار بلوى واختبار.
قال محمد: وقد شاء الله أن يَسْعَدَ أهلُ طاعته، ويشقى أهلُ معصيته، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] وليس ما سبق في علم الله بعذرٍ لأحد في ترك ما أمر به، وركوب ما نهى عنه.
قال الحسن ومحمد: فمِنَ العباد من أوجب الله له الجنة والنار بسبب البلوى والاختبار، ومنهم من أراد أن يدخله الجنة بسابق علمه فيهم بلا بلوى ولا اختبار كمَنْ لم يلزمه من الله حجة نحو المعاتيه والبُلْهِ والأطفال.
قال الحسن: وكذلك حورُ العين منًّا منه وفضلًا ورحمة، فمن منَّ الله عليه بالعقل، والسمع، والبصر، والسلامة، والفهم، لما جاءت به الرسل، فقد وَجَبَت عليه الحجة، واتباع ما جاءت به الرسل.
قال محمد: ومن ألزمه الله ﷿ بالعقل، والفهم والسمع، والبصر، والقوة، والسلامة من الآفات المانعة لقبول ما جاءت به الرسل، فذلك المحجوب لا عُذْرَ له في إضاعة شيءٍ مما كَلَّفه الله، قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيم﴾ إلى قوله: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم (١)
_________________
(١) بالألف وكسر التاء على الجمع، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي: " ذُرِّيَّتَهُم " على التوحيد " حجة القراءات " ص ٣٠١ - ٣٠٢، و" زاد المسير " لابن الجوزي ٣/ ٢٨٤.
[ ٥ / ٣١٥ ]
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [القصص: ٦٨].
وقال الحسن: وقد أدخل الله النار ولدان المشركين الذين سبق في علمه أنهم لا يؤمنون (١)، فقال لنوحٍ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَن﴾ [هود:
_________________
(١) المذهب الصحيح المختار عند المحققين من أهل العلم أن أطفال المشركين الذين يموتون قبل الحنث هم من أهل الجنة. وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فإذا كان لا يُعذب العاقل بكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى. وبما أخرجه البخاري في " صحيحه " (٧٠٤٧) من حديث سمرة، وفيه: " وأما الرجل الطويلُ الذي في الروضة، فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطره، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: وأولاد المشركين ". وبما أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة رفعه: " كل مولود يولد على الفطرة (والفطرة هنا الإسلام) فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". وفي مستخرجات البرقاني على البخاري من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال: " كل مولود يولد على الفطرة " فقال الناسُ: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: " وأولاد المشركين ". وأخرج ابن أبي حاتم فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير في " تفسيره " ٨/ ٣٥٧، عن أبي عبد الله الطهراني -وهو محمد بن حماد- حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار ففد كذب، يقول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت﴾ قال: هي المدفونة. وأخرج أحمد ٥/ ٥٨ من طريق حسناء بنت معاوية بن صريم، عن عمها قال: قلت: يا رسول الله؟ مَنْ في الجنة؟ قال: " النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والمؤودة في الجنة ". وحسن الحافظ إسناده في " الفتح " ٣/ ٢٤٦. =
[ ٥ / ٣١٦ ]
٣٦]، فقال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
وأهلك الولدان في زمان عاد بالصيحة، ولا ذنب لهم ولم يبلُغوا الحُلُم والاختيار.
وقتل الخَضِرُ الغلام ولم يبلُغُ الحُلُم، فبلغنا في الحديث أنه وُجِدَ في كَتِفِه: كافرٌ خِلْقَةٌ (١)، ولله أن يُضِلَّ من شاء من عباده، ولا يظلمهم لأنهم عبيده، وملكه، يفعل فيهم ما يشاء بسبب البلوى والاختبار، وبغير سبب البلوى والاختبار كما يشاء، ثم لا يكون ذلك ظلمًا منه لعبده، بل له أن يفعل ما يشاء، وليس لأحدٍ أن يدخل على الله في علمه، ولا يسأله عما يفعل وهم يُسألون.
وقال محمد في كتابه " الجملة ": والعباد عباد الله جميعًا في مَلَكَتِه ومشيئته وقدرته وسلطانه يُفضل بعضهم على بعض كما يشاء، وكيف يشاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وقال لا شريك له: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات﴾ [الزخرف: ٣٢]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]، وقالت الرسل: ﴿إنْ نحنُ إلاَّ بَشَرٌ مثلكُم ولكنَّ الله
_________________
(١) = وأخرج ابن أبي حاتم فيما ذكر ابن كثير في " تفسيره " عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن قرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: الموؤدة في الجنة " قال ابن كثير: هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله. وانظر " طريق الهجرتين وباب السعادتين " ص ٥١٢ - ٥١٦، وانظر أيضًا الجزء السادس من هذا الكتاب.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما أخرج مسلم (٢٣٨٠) (١٧٢) و(٢٦٦١)، وأبو داود (٤٧٠٥) و(٤٧٠٦)، والترمذي (٣١٥٠)، وأحمد ٥/ ١١٩ و١٢١، والطبري ١٦/ ٣، وصححه ابن حبان (٦٢٢١) من حديث أُبي بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الغلام الذى قتله الخضر طُبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا ".
[ ٥ / ٣١٧ ]
يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ [إبراهيم: ١١]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] أي: يجعل فيه نورًا يقبل به الإسلام، ويُحَبِّبُه إليه ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فمن لم يكن له من الله نورٌ فما له من نورٍ، وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ [الأنعام: ١١٠] يقال في التفسير: نقلِّبُ أفئدتهم وأبصارهم على الكفر عقوبة كما لم يؤمنوا به أوَّل مرة.
وقال محمد في المسائل: إن الله خلق الخلق بقدرته، وجعل بينهم التفاضل بعلمه، وجعل منهم عبادًا اختارهم لنفسه ليحتجَّ بهم على خلقه، قال الله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿ولقدِ اختَرنَاهُم على عِلْمٍ على العَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]، وقال ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ [الأحزاب: ٧] وكان فضل الله عليهم ورحمته قبل طاعتِهم إيَّاه.
وقال الحسن ومحمد في وقتٍ آخر: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، فيُحَبِّب إليه الإيمان، ويجعل في قلبه نورًا يقبل به الإسلام، ويُخْطِرْ على قلبه الخير، ويُزَيِّن في قلبه التقوى مَنًَّا منه على عباده ورحمةً وفضلًا، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصَّعَّد في السماء فمن لم يكن له من الله نورٌ فما له من نُور، قال الله ﷿: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ [الأنعام: ١١٠].
قال الحسن: وقال سبحانه: ﴿ولو أنَّنا نَزَّلنا إليهم الملائكةَ وكلَّمهم الموتى
[ ٥ / ٣١٨ ]
وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُون﴾ [الأنعام: ١١١].
وقال الحسن في موضعٍ آخر: فإذا أراد الله بعبدٍ إرادةً في الامتنان والتوفيق، ألهمه التقوى، وحبَّب إليه الإيمان، وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ووفَّقَه للعمل الصالح منًَّا من الله ورحمة يختص بها من يشاء من عباده، ويُفَضِّلُ بعضهم على بعض كيف يشاء من غير استحقاق، وأعطى الأنبياء من خزائن رحمته وتفضُّله ومَنِّه وتوفيقه، وخصَّهم برسالته، ورفعهم على خلقه منًَّا منه ورحمةً وفضلًا، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ولله ملك السماوت والأرض وما فيهما، فهم في ملكَتِه، والقدرة محيطة بهم، يفعل في عبيده ما يشاء، ويملك حياتهم، وموتهم، وأرزاقهم، وحركتهم، ومنطقهم، وشهوتهم، وقلوبهم، وأسماعهم، وأبصارهم، فليس يتحرك متحركٌ، ولا يطرِفُ طارفٌ ولا ينطِقُ ناطقٌ إلاَّ وهو في ملكته والقدرة محيطة بهم، وعلم الله وتقديره ومشيئته سابقة فيهم قبل خلقهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١] فالحجة من الله على المطيع والعاصي، وما يتفَضَّل به على العباد من العفو أكثرُ من العقوبة، قال الله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال: ﴿ويَعْفُو عن كثيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤].
وليس للعباد على الله سبحانه أن يخلقهم، ولا لهم عليه أن يَهْدِيَهم، فكُلُّ خيرٍ ناله العباد من الله، فإنما هو بمنِّ الله وفضله، وإنما خلق الله العباد عبيدًا مماليك يملِكُهم، ويملِكُ جميع ما حولهم، وبالخلق إلى الله الحاجة في كل وقت، والله الغني عنهم وهم الفقراء إليه، وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] وقال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾ [الأنبياء: ٢٣].
[ ٥ / ٣١٩ ]
وسُئل الحسنُ عن السعيد والشقي متى يكون سعيدًا وشقيًا؟ فقال: السعيد في علم الغيب عند الله سعيد قبل أن يُخلق، ولا يكون من فعل العبد، وما يُختم له به إلاَّ بعمل السعادة حتى يجعله الله سعيدًا بعمله برحمةِ الله له، ويكون فعله موافقًا لما سبق في علم الغيب فيه.
والشقيُّ في علم الله شقيٌّ قبل أن يُخلق، ولا يكون من فعله وخاتمة عمله إلا عمل الأشقياء حتى يكون عمله وما يختم له به موافقًا لما سبق في علم الله أنه شقي. نسأل الله أن يَمُنَّ علينا بالسعادة ولا يجعلنا من الأشقياء برحمته، فإنه ولي ذلك، والقادر عليه، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين﴾ [يونس: ٩٩]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] أي: للرحمة، وقال: ﴿ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْس﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، وقال: ﴿وما كُنَّا مُعَذِّبين حتى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] فأخبر الله سبحانه أنه لم يُعَذِّبْ من عصاه إلاَّ بعد البيان والحجة، والإعذار إليهم، فكان عذابه لهم عقوبةً إذْ عصوه.
وقال محمد في المسائل: وسألتَ عمَّن يقول: إن الله لم يخلق شقيًّا ولا سعيدًا. فإنا نقول: قد خلق الله الشقيَّ والسعيد، فلن يزول عن الشقي أن يكون شقيًّا، ولا عن السعيد أن يكون سعيدًا، وهو الذي سبق في علم الله أن يُسْعِدَ
[ ٥ / ٣٢٠ ]
أولياءه، ويُشقي أعداءه. قال الله ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨].
قال الحسن فيما رواه ابن صباح عنه، وهو قول محمد في المسائل وسُئلا عن القدر، ومن قال: وإن الله خلق شقيًا وسعيدًا، وإن القضاء قد سبق؟ فإنا نقول في ذلك بجمل من الكتاب، وآثارٍ بَلَغَتْنا عن رسول الله - ﷺ - لا نتجاوزُ ذلك إلى غيره: إن الله خلق العباد وعلم أعمالهم قبل أن يعملوها، وعلم ما هم صائرون إليه، وقد عرَّفهم الطاعة وأمرهم بها، وعرَّفهم المعصية ونهاهم عنها بعد علمه بما يعملون من ذلك ويختارون، فما كان للعباد من طاعة فلله فيها المِنَّة، وما كان منهم من معصيةٍ، فلله فيها الحجة، فهذا ما أجمع عليه المختلفون من أمة محمد - ﷺ -، وهو مؤدٍّ إلى الله ﷿.
وقد أمر الله بالألفة والاجتماع، ومدح أهلها عليها، ونهى عن الفُرقة والاختلاف وذم أهلها عليها، قال الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وقال الحسن ومحمد: ومن قال: إن الله لم يُقَدِّر في خيرٍ ولا شرٍّ فإن قوله هذا جُرأة على الله وبدعة وجهل ومن قال بالإجبار وحمل ذنوبه على الله وما تنزَّه الله عنه، وذمه في الكتاب، فإنه جريء جاهل، ولا يقول بواحدة من المقالتين، يعني: الجبر ونفي القدر.
قال محمد: ومن قال: إن الله لم يُقَدِّر في خير ولا شر فإنا ننسبه إلى الغلو في القدر الذي نهى عنه، ونقول: إن الله قد قدَّر الخير والشر على ما أراد، فجعل الخير خيرًا، وجعل الشرَّ شرًا، ومشيئة الله محيطة بمشيئة العباد.
قال الحسن ومحمد في كتاب " الجملة ": وبلغنا عن علي صلى الله عليه،
[ ٥ / ٣٢١ ]
كلام أمير المؤمنين علي في جواب السائل عن القدر
أن رجلًا سأله عن القدر؟ فقال: طريقٌ مظلم فلا تسلُكْه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في القدر؟ فقال: بحرٌ عميق فلا تَلِجْهُ، قال: فسكت الرجل ساعة، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في القدر؟ فقال: سِرُّ الله فلا تُفْشِه.
قال الحسن بن يحيى: ثم إن أمير المؤمنين صلى الله عليه قام فأحدث طهورًا، ثم قال: أين السائل عن القدر؟ فقال الرجل: أنا يا أمير المؤمنين، فقال أمير المؤمنين: أخبرني عنك، أخلقك الله كما شاء أن يخلقك أو كما شئت؟ قال: كما شاء، قال: فأخبرني عما تأتي به يوم القيامة من عملٍ بما شاء الله أو بما شئت؟ قال: بما شاء الله، قال: فأخبرني عما تصير إليه يوم القيامة إلى ما شاء الله أو إلى ما شئت؟ قال: إلى ما شاء، قال: فهل ترى لأحدٍ شيئًا من المشيئة؟!
وروى محمد بإسناده إلى النبي - ﷺ - أنه قال: " أعمال العباد كلُّها على مشيئة الله وإرادته " (١).
وعن النبي - ﷺ - أنه قال في خطبته: " إنَّ الله حَدَّ حُدودًا فلا تعتدُوها، وفرض أشياء، فلا تُضيعوها، وحرَّم محارم فلا تَنْتَهِكُوها، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نِسيانًا، فلا تكلفُوها رحمةً من الله فاقبلُوا " (٢).
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، ولكن ورد من حديث عمران بن حصين قال: قيل: يا رسول الله، أعُلِمَ أهلُ الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم "، قيل: فما يعمل العاملون؟ قال: " كلٌّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له ". أخرجه أحمد ٤/ ٤٣١، والبخاري (٦٥٩٦) و(٧٥٥١)، وفي " خلق أفعال العباد " ص ٥٣، ومسلم (٢٦٤٩)، وأبو داود (٤٧٠٩)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٦٩١)، والآجري ص ١٧٤، والطبراني ١٨/ (٢٦٦) و(٢٦٧) و(٢٦٨) و(٢٦٩) و(٢٧٠) و(٢٧٢) و(٢٧٣) و(٢٧٤)، وابن حبان (٣٣٣)، والبيهقي في " الاعتقاد " ص ٩٤ و٩٥. وفي الباب عن علي، وجابر، وعبد الرحمن بن قتادة السلمي. انظر تخريجها في " صحيح ابن حبان " (٣٣٤) و(٣٣٥) و(٣٣٦) و(٣٣٧) و(٣٣٨) بتحقيقنا.
(٢) حديث حسن قد تقدم تخريجه ١/ ٤٥٣ - ٤٥٤ و٢/ ١٤٣ - ١٤٤.
[ ٥ / ٣٢٢ ]
قال الحسن ومحمد: " ومن كان له جارٌ قدريٌّ، أومن ينادي بذلك ويمتحن عليه الناس، ويُعادى على ذلك فلا حقَّ له كحرمة المسلم، وإن كان إنما يومىءُ إليه بذلك ولا ينادي به، فله ما للمسلمين في الجملة.
قال محمد: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١)، قال: حدثنا عمر أبو حفص القَزَّاز، عن جعفرٍ، عن أبيه، عن أبائه ﵈، عن عليٍّ، قال: قال رسول الله - ﷺ - (٢): " سبق العلم، وجفَّ القلم، ومضى القضاء وتم القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل، وما العباد عاملون، وبالسعادة من الله لمن آمن واتقى، وبالشقاء من الله لمن كذَّب وكَفَر، وبالولاية من الله للمؤمنين، وبالبراءة من المشركين ". ثم قال رسول الله - ﷺ -: "أروي حديثي عن الله سبحانه، قال الله ﵎: و(٣) بمشيئتي كنتَ أنتَ (٣) الذي تشاء لنفسك ما تشاء (٤) وبإرادتي كنتَ أنت الذي تُريدُ لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي قَوِيتَ على معصيتي، وبعصمتي وبعافيتي وبقوتي أدَّيْتَ إليّ فرائضي، أنا أولى بإحسانك منك، وأنت أولى بذنبك مني، لأن الخير بما أوليتُك مني بدًّا (٥)، والشرَّ مني بما جَنَيْتَ حدًّا، وبكثير من تسليطي انطويت على طاعتي، وبسوء ظنِّك بي قنطْتَ من رحمتي، لي الحمد والحجة عليك بالبيان، ولي السبيل عليك بالعصيان، ولك الجزاء الحسن عندي بالإحسان، يا ابن آدم لم أدَعْ تحذيرك، ولم آخُذْك عند غِرَّتِك، ولم أُكَلِّفْكَ فوق طاقتك، ولم أُحَمِّلْكَ من
_________________
(١) ذكره الحافظ ابن حجر في " اللسان " ٢/ ٢١٨ - ٢١٩ وقال: يروى عن وكيع وأبي نعيم، وعنه الحسن بن سفيان. قال ابن حبان في " الثقات ": مستقيم الحديث إذا لم يكن في إسناد خبره ضعيف. قلت: وقال أبو زرعة: صدوق.
(٢) من قوله: " وجوره في حكمه وبرئنا إلى الله منه يوم القيامة " ص ٥٣ إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) " ما تشاء " ليست في (أ).
(٥) في (ش): أبدًا.
[ ٥ / ٣٢٣ ]
الأمانة إلاَّ ما أقررتَ على نفسك، ورضايَ لنفسي منك ما رضيتَ لنفسك مني" (١).
وروى الحسن بن يحيى بعض هذا الحديث بلا إسنادٍ، وقال: قال أميرُ المؤمنين: ألا إن أبغض خلق الله إلى الله عبدٌ وَكَلَهُ الله إلى نفسه (٢).
وروى محمد، عن علي بن الحسين أنه لما حضرته الوفاة بكى، فقال له ابنه أبو جعفر ﵈: يا أبتاه تبكي وقد طلبت الله طلبًا (٣) ما طلبه أحد؟ قال: يا بُني إنه ليس أحدٌ يشهَدُ القيامة إلاَّ وله زَلَّةٌ لله فيه المشيئة إن شاء رَحِمَه، وإنْ شاء عَذَّبَه.
وسُئل محمد عمن يقول: كل شيءٍ بمشيئة الله، فلولا مشيئة الله ما قَدِرَ أحدٌ أن يفعل شيئًا؟ يقول: (٤) بلغنا عن النبي - ﷺ - قال: يقول الله سبحانه: " يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء " وذكر الحديث.
مسألة: قال محمد في المسائل: سألت القاسم بن إبراهيم (٥) يعني. عمَّنْ يقول: من قُتِلَ مات بلا أجلٍ ولو لم يُقتل ما مات، وذكرتُ له قول من يقول: إنه لما قتله، قَطَعَ أجله؟ فعاب القاسم هذا القول، وأقدم على من يقول به المكروه (٦).
وسألته عمن يقول به؟ فقال: هالكٌ.
_________________
(١) هذا خبر لا يصح، وليس هو في شيء من دواوين السنة المعتبرة. وعمر أبو حفص القزاز لم أجد له ترجمة، وإذا كان المراد من قوله في السند: عن آبائه علي بن الحسين، فإنه لم يسمع من جده علي، فهو منقطع.
(٢) من قوله: " قال أمير المؤمنين " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) من قوله: " كل شيء " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) في (ش): " أبا القاسم " وهو خطأ.
(٦) في (ش): بالمكروه.
[ ٥ / ٣٢٤ ]
وقال الحسن: وأما ما سألت عنه من قولهم: إنَّ من قتل إنسانًا فلا يكون ملكُ (١) الموت قابضًا لروحه، فقد ردُّوا قول الله ﵎: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الموتِ الذي وُكِّلَ بكم﴾ [السجدة: ١١]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقةُ الموتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْت﴾ [الزمر: ٤٢].
فقد أخبرنا الله أنه يتوفي الأنفس حين موتها، وأن ملك الموت يتوفَّى عن أمره، وقال: قال الله ﷿: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
وقد قال في يحيى بن زكريا: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] وإنما قُتل يحيى بن زكريا قتلًا.
وقال: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] وإنما كان الموت بالقتل.
وسألت عمَّن يقول: إن الذئب إذا وثَبَ على الشاة فأخذها إنه هو الذي رزق نفسه، وليس خالقه الذي رزقه؟ فهذا القول ردّ حكم [آيات] الكتاب البينة المنصوصة، قال الله: ﴿وما مِنْ دابةٍ في الأرضِ إلاَّ على اللهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ [العنكبوت: ٦٠]، وقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ [فاطر: ٣]، وقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات﴾ [الزخرف: ٣٢] فجعل بعضهم أقوى من بعض، وبعضهم يُحسن صناعة لا يُحسنها غيره، حتى
_________________
(١) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٢٥ ]
إن الكنَّاس -وهو أدناهم منزلةً في الدنيا- ليأخُذُ رزقه من أعلاهم منزلةً في الدنيا، لأن الله سبحانه جعل ذلك سببًا من أسباب أرزاقهم لا يمتنعون منه، ولو كان اكتسابُ الرزق إلى العباد، لكان الشديدُ البطش، الكاملُ العقل، البارعُ البيان والحجة أكثرَ رزقًا من الأحمق الضعيف، ولكن الله سبحانه احتج على عباده أنه المُنَزِّلُ لأرزاقهم، المالك لخلقهم وأمورهم، فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال محمد في المسائل: وسألت عمن يقول: من قُتِلَ مات بلا أجلٍ، ولو لم يُقتل ما مات؟
وهذا قول سوءٍ سيِّءٌ رديءٌ، ولكنه وافق أجله وقت القتل، ولو لم يقتله مات في ذلك الوقت (١) وقد سُئل الحسن البصري عن ذلك، فقال: يا لُكَع (٢) فمن يأكُلُ رِزْقَه!
وسألت عمن يقول: لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يؤمن بالخير والشر، فمعناه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكُن لِيُخطِئَه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وسألت عمن يقول: إن الله قد خلق الأشياء، وفرغ من جميع خلقه وأحكمه؟
فإن كان يريد بقوله: إن الله خلق الأشياء، وأحكم خلقها، يريد علمها، وأتقن علمها (٣)، فهو كما قال.
وأما قوله: " خلق " فإن الله قد خلق ما أراد خلقه، وهو خالقٌ ما يريد خلقه.
_________________
(١) قوله: " في ذلك الوقت " ساقط من (ش).
(٢) قال ابن الأثير: يريد يا صغيرًا في العلم، وقال الأصمعي: هو العَيِيُّ الذي لا يتجه لمنطق ولا غيره.
(٣) " واتقن علمها " ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٢٦ ]
وسألت عمن يقول: إن الله شاء لخلقه (١) أن يكونوا عالمين بأمر الله، ولكن تركوا ذلك بقول: لو شاء الله أن يجعلهم مجبولين على ذلك لفعل، ولم يخرجوا عن (٢) ذلك، ولكن شاء جلّ وعزَّ أن يأمرَهُم بعد البيان، واتخاذ الحجة أن يكونوا عالمين عاملين بأمر الله، والمنُّ والتوفيق من الله لمن قَبِلَ أمره، قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وقال لا شريك له: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] فقد شاء أن يكونوا قوَّامين بالقسط شهداء (٣).
قلت: يعني: بمشيئة الأمر كما يدل عليه أول كلماته (٤) وآخرها، وكما مرَّ في قوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ ليَعْبُدونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقال ﵇: وقد قال سبحانه: ﴿ولو شِئنا لآتينا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقال سبحانه: ﴿لو يشاءُ الله لهَدَى الناسَ جميعًا﴾ [الرعد: ٣١]، وقال: ﴿وَلَوْ شاء ربُّك لآمَنَ مَنْ في الأرضِ كلُّهم جميعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقال: ﴿ولَوْ شاءَ الله لَجَمَعَهُم على الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] وهو كما قال ﷿، ولكن الله شاء أن يأمُرَهُم وينهاهم بعد البيان ليتخذ عليهم الحجة.
وقال: ﴿وما كُنَّا مُعذِّبينَ حتَّى نبعثَ رسولًا﴾ [الإسراء: ١٥] شاء الله أن يُكرم أهلَ طاعته، ويُهينَ أهلَ معصيته.
وسُئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِه﴾ [فاطر: ٢]، فقال: ذلك المطر يُغاثُ به العباد، فهو من رحمة الله تعالى لا مُرْسِلَ له غيره، وإن يُمْسِك، فلا مرسل له غيره. وكذلك كل ما أنعم الله به على خلقه، فعلى هذا السبيل.
_________________
(١) في (ش): إن يشأ لخلقه.
(٢) في (أ): من.
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) في (أ): كلاماته.
[ ٥ / ٣٢٧ ]
وسُئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِه﴾ [يونس: ١٠٧]، فقال: هو حسب (١) ما أجبت به في المسألة التي قبلها.
وسُئل عن قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] يعني يقول: خلقنا لها كثيرًا من الجن والإنس، وهم أهل الكفر (٢) والضلال.
وسألت عن قوله تعالى: ﴿وما تَشاؤون إلاَّ أنْ يشاءَ الله﴾ [التكوير: ٢٩] بلغنا أنها (٣) لما نزلت ﴿إنَّ هذه تذكرةٌ فمنْ شاءَ اتَّخَذَ إلى ربِّه سبيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩]، قال أبو جهل: قد جعل الله المشيئة إلينا، فنزلت ﴿وما تشاؤون إلاَّ أنْ يشاءَ الله﴾ [الإنسان: ٣٠].
وسُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿وإذا أرادَ اللهُ بقَوْمٍ سُوءًا﴾ [الرعد: ١١] في الدنيا مِن نكالٍ أو قتلٍ أو عقوبات، فلا رادَّ لأمر الله، وكذلك في الآخرة إذا أراد الله بأعدائه العذاب والعقاب فلا رادَّ لأمر الله.
وسألت عن قوله: ﴿وتُعِزُّ مَنْ تشاءُ وتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] شاء الله أن يُعِزَّ أهل طاعته، ويُذِلَّ أهل معصيته.
وسألت عن قوله: ﴿تُؤتي المُلكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] هذا كما قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك﴾ [البقرة: ٢٥٨] هذا على الإقدار والتمكين.
قال محمد: وسُئِلَ عن حَدِّ الخير والشرِّ؟ فقال: حدُّ الخير: كلُّ ما قرَّبَ إلى الله، وحدُّ الشر: كل ما باعد من الله، والحق: كل ما أمر الله به ونَدَبَ إليه، والباطل: كل ما نهى عنه وذم عليه. انتهى ما نقلته بحروفه من " الجامع الكافي "
_________________
(١) في (ش): هو على حسب.
(٢) في (أ): " الجن "، وهو خطأ.
(٣) في (ش): أنه.
[ ٥ / ٣٢٨ ]
في هذه المسألة العظمى، وقد مَرَّ في مسألة القرآن في آخر الكلام في الصفات في الوهم الخامس عشر مثلُ هذا في موافقة السلف وأهل علم الأثر، والحث على الجمل، والنهي عن الخوض في علم الكلام (١).
وصنَّف محمد بن منصور ﵀ في ذلك كتاب " الجملة والأُلفة " وسيأتي في مسألة الأفعال في المرتبة الخامسة من جواب هذا الوهم طرفٌ منه، وكذلك في مسألة الأطفال.
وذكر السيد المرتضى (٢) في كتابه " الغُرَر " مثل كلام هؤلاء الأئمة في تقرير المشيئة والقدر على ما وَرَدَ به السمع عن أبي القاسم البَلْخي، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، وسيأتي ذكره بلفظه في القدر.
وخالف المعتزلة في أيجاب كل لطفٍ عَلِمَه الله غير من ذكرنا من أهل البيت، ودانوا بقدرته سبحانه على هداية من يشاء اختيارًا منهم: الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة (٣)، ذكره في " التمهيد " في أوائل الباب السابع في النبوات،
_________________
(١) انظر ٣/ ٣٣٢ فما بعد.
(٢) هو أحمد بن يحيى بن المرتضى بن مفضل، الإمام الكبير المصنف في جميع العلوم، وُلد في ذِمار سنة ٧٧٥، قرأ في علم العربية والكلام والفقه وغيرها، وصنف التصانيف، ولما اشتهرت فضائله، وكثرت مناقبه، بايعه الناس بالإمامة بعد موت الناصر سنة ٧٩٣، ولقب المهدي لدين الله، وبويع في اليوم نفسه للمنصور علي بن صلاح الدين، فنشبت فتنة انتهت بأسر المهدي وحبسه في قصر صنعاء، ثم خرج منه خلسة، فعكف على التصنيف حتى توفاه الله سنة ٨٤٠ بالطاعون الكبير الذي مات منه أكثر الأعيان. ومؤلفه هذا اسمه: " غرر الفوائد شرح نكت الفرائد في علم الملك المبدىء العائد " وعند الشوكاني: " .. في معرفة الملك الواحد " منه نسختان في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء برقم (علم الكلام ٧١ و٧٢). انظر " الفهرس " ص ١٩٦، و" البدر الطالع " ١/ ١٢٢ - ١٢٦.
(٣) تقدم التعريف به في ١/ ٢٨٧ و٤/ ١١٩.
[ ٥ / ٣٢٩ ]
واحتبئ عليه وأطال وأجاد، وسيأتي كلامه بحروفه.
ومنهم: الإمام الناصر (١) ﵇ ذكر ما يدل عليه في كتابه الذي جمعه في شرح التوابع، وموضعه منه شرح قول الزمخشري: لم يبق في الناس وَدَكٌ شرٌّ من الضحاك ووَدَك (٢).
_________________
(١) قلت: هو الإمام الناصر محمد بن علي بن محمد بن علي المشهور بصلاح الدين، ولد سنة ٧٣٩، واشتغل بالعلم حتى تأهل للإمامة وبرز في فنون، وقيل: بلغ فوق رتبة الاجتهاد. بايع له علماء الزيدية بعد موت أبيه، وملك غالب اليمن، وعظمت دولته. توفي سنة ٧٩٣ في قصر صنعاء. انظر " البدر الطالع " ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٢) قال الطبري في " تاريخه " وهو يؤرخ للفرس ١/ ١٩٤: ذكر بيو راسب وهو الأزدهاق: والعرب تسميه الضحاك، فتجعل الحرف الذي بين السين والزاي في الفارسية ضادًا، والهاء حاء، والقاف كافًا، وإياه عنى حبيب بن أوس بقوله: ما نالَ ما قَدْ نالَ فرعونٌ ولا هامانُ في الدنيا ولا قارونُ بل كان كالضَّحَّاكِ في سَطَواتِه بالعالمين وأنت أفْريدُونُ وهو الذي افتخر بادعائه أنه منهم الحسن بن هانىء في قوله: وكان مِنَّا الضحاك يعبدُه الـ ـخابلُ والجن في مَسَارِبها قال: واليمن تدَّعيه. حدثت عن هشام بن محمد بن السائب -فيما ذكر من أمر الضحاك هذا- قال: والعجم تدَّعي الضحاك، وتزعم أن جما كان زوَّج أخته من بعض أشراف أهل بيته، وملَّكه على اليمن، فولدت له الضحاك. قال: واليمن تدَّعيه وتزعم أنه من أنفسها، وأنه الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج، وأنه ملَّك على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج، وهو أول الفراعنة، وأنه كان ملك مصر حين قدمها إبراهيم خليل الرحمن ﵇. أما الفرس فإنها تنسب الأزدهاق هذا غير النسبة التي ذكر هشام عن أهل اليمن، وتذكر أنه بيوارسب بن أرونداسب بن زينكاو بن ويرَوْشك بن تاز بن فرواك بن سيامك بن مشا ابن جيومَرْت. ومنهم من ينسبه هذه النسبة غير أنه يخالف النطق بأسماء آبائه، فيقول: هو الضحاك =
[ ٥ / ٣٣٠ ]
ومنهم: الإمام المنصور بالله (١) ﵇ سمعتُه منه غير مرةٍ، فهذا ما عرفته مع قلة معرفتي من نصوص أئمة أهل البيت الخاصة.
وأما ما يوجدُ من كلام أهل البيت ﵈ من العمومات الدالة بظواهرها على موافقة ظواهر القرآن والسنة، ومذهب السلف وأهل الأثر، وربما كانت قاطعة بتعليلها وقرينة الحال فيها، فذلك مثل ما أجمعوا عليه من الاحتجاج على فضلهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] لولا نفوذ إرادته قطعًا لم يكن ذلك حجة، فعند المعتزلة أن الله إنما يريد مثل ذلك من جميع العصاة، لكن العُصاة امتنعوا من فعل ما أراد الله سبحانه.
فإن قيل: إنما صح الاحتجاج بها، لأن إخباره بذلك يدل على أنه عَلِمَ أنهم يقبلون هدايته لهم، ولطفه بهم في الهداية.
قلنا: لا يصح ذلك لوجهين.
أحدهما: أنه لا ملازمة بين خبر الله عن مراده، وبين علمه بوقوع مراده على أصولهم، ولا بين الإخبار بإرادته والإخبار بعلمه على أصول الجميع، لأن خبره
_________________
(١) = بن أندرماسب بن زنجدار بن وندريسج بن تاج بن فرياك بن ساهمك بن تاذي بن جيومرت. والمجوس تزعم أن تاج هذا هو أبو العرب، ويزعمون أن أم الضحاك كانت ودك بنت ويونجهان، وأنه قتل أباه تقرُّبًا بقتله إلى الشياطين، وأنه كان كثير المقام ببابل، وكان له ابنان يقال لأحدهما: سرهوار، وللآخر: نفوار. وانظر بقية خبره في " تاريخ الطبري ".
(٢) هو الإمام المنصور علي بن محمد الناصر صلاح الدين بن علي المهدي (٧٧٥ - ٨٤٠) صاحب صنعاء، دفع أهل الظلم، وأحسن إلى العلماء، وقمع رؤوس البغي، واشتغل بالمعارف العلمية في خلافته حتى فاق في كثير منها. ولقد أثنى عليه المؤلف (ابن الوزير) ثناءً طائلًا في مصنف سماه " الحسام المشهور في الذب عن دولة الإمام المنصور ". انظر " البدر الطالع " ١/ ٤٨٧.
[ ٥ / ٣٣١ ]
عن إرادته لذلك لا يستلزم وقوعه عند المعتزلة، كما في قوله تعالى: ﴿وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ ليعبُدونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فإنها عندهم مثلها، ولا يستلزم وقوع ذلك عندهم، فحجَّتُهُم على التأويل هي غير مذهبهم المدعى، وتأويلهم يحاول صرف الآية عن معناها، وذلك أنها واردةٌ في تخصيصهم بالإرادة المتعلقة بتطهيرهم (١) المنسوب إلى الله ﷿، وهم يريدون أن يكون معناها الخبر عن علم الغيب بما يكون منهم في المستقبل منسوبًا إليهم.
وهذان أمران متباعدان يزيده بيانًا أنهم إما أن يلتزموا أن الإرادة من الله تعالى لا (٢) تَعَلَّقُ بخلاف معلومه أو لا؟
الأول: هو مذهب أهل السنة الذي فرُّوا منه، وهو الذى يتمشى عليه تأويلُهم على رِكَّتِه على كل مذهب.
والثاني: يرفع السؤال.
وثانيهما: أنه يؤدي إلى أنه لا أثَرَ لإرادة الله تعالى في تطهيرهم، ولو كان كذلك لم يكن لتعليق إرادة الله بتطهيرهم (٣) معنىً، لأنَّ الإرادة لا تَعَلَّقُ إلا (٤) بفعل المريد، كما يأتي بيانه بخلاف المحبة.
ولو كانوا كما قالوا لنُسِب التطهير إليهم لا إليه، ولما كان لهم مَزيَّةٌ على سائر المتقين، والقطع بقبح ظاهر هذه الآية، وتعيين مراد الله في الخبر (٥) عما عَلِمَ أنه يكون منهم، والقطع على أهل البيت أنهم أرادوا ذلك بالاحتجاج بها قَطْعٌ بغير تقدير، وجنايةٌ على الكتاب المنير، على أنه لا عُذرَ لهم على أصولهم في تأويل احتجاج آحاد الأئمة، فإن أصولهم تقضي بتحريم تأويل كلام الآحاد من الأئمة، لا سيما والقرينةُ قائمةٌ على ذلك.
_________________
(١) في (ش): بتطهير.
(٢) ليست في (ش).
(٣) في (ش): في تطهيرهم.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) تصحفت في (ش) إلى: الخير.
[ ٥ / ٣٣٢ ]
فإن الأئمة ﵈ لو استشعروا أن الآية بظاهرها تخالف مذهبهم في أُصول الدين، وأن احتجاجهم بها يلزمهم في الظاهر نقضُ أصولهم، لأشاروا إلى ذلك ولم تَقْصُرْ عنه أفهامهم ولا عباراتهم، ولكنَّ المتأخرين من كل فرقة يُغلُون غُلُوًَّا لا يناسب مقالاتِ أوائلهم كما ذكره الخطابي عن المعتزلة، وكما يعلمُه من قرأ كتب أئمة أهل البيت ﵈ القدماء مثل: " علوم آل محمد - ﷺ - " المعروف بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، وهو تأليف محمد بن منصور الكوفي المُرادي الشيعي.
وأبسط منه وأجمع وأنفع منه وأمتع كتاب " الجامع الكافي على مذهب الزيدية " (١) تأليف السيد العلامة أبي عبد الله الحسني ﵀.
وبهذا يُعرف أنه قد كَثُرَ من المبتدعة محاولة جَحْدِ المعلومات، ورفع الضرورات والمتواترات عن سلف الأمة عمومًا، وعن (٢) أسلافهم خصوصًا.
وهذه المسألة، وهي نفوذ مراد الله تعالى من أشهر أصول دين الإسلام، بل هي مما اتَّفق عليه جميع الأديان.
قال الحافظ البيهقي في كتابه في " الأسماء والصفات (٣) ": حدثنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو حامد بن بلال، حدثنا محمد بن يزيد (٤) السلمي، حدثنا المُؤمَّل (٥) بن إسماعيل البصري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو سنان، سمعت وهب بن مُنبه يقول: كنت أقول بالقدر (٦)، حتى قرأت بضعًا وسبعين من
_________________
(١) هنا في (ش) زيادة " الأوائل ".
(٢) في (ش): على.
(٣) ص ١٧٢.
(٤) تحرفت في الأصلين إلى: " زيد "، والمثبت من " الأسماء والصفات ".
(٥) تحرفت في الأصلين إلى: المعتمر، والمثبت من " الأسماء ".
(٦) تحرفت في (ش): بالقدرة.
[ ٥ / ٣٣٣ ]
كُتُبِ الأنبياء في كلِّها: من جعل شيئًا من المشيئة إلى نفسه، فقد كفر، فتركتُ قولي.
وأخبرنا أبو محمد (١) بن يوسف الأصبهاني، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى الزهري القاضي، حدثنا أبو يحيى بن أبي مَيْسرة، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصَّنْعاني، حدثنا عبد الصَّمد بن مَعْقِلٍ، قال: سمعت وهب بن مُنَبِّه يقول: قرأت لله تعالى سبعين كتابًا، كلها نزل (٢) من السماء، في كل كتاب منها: من أضاف إلى نفسه شيئًا من المشيئة، كفر.
وعن ابن عباس قال: لما بُعِثَ موسى ﵇ وكلَّمه ربُّه، قال: اللهم إنك ربٌّ عظيم لو شئتَ أن تُطاع لأُطِعْتَ، ولو شئتَ أن لا تُعْصى ما عُصيتَ، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تُعصى، فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: ﴿لا يُسألُ عمَّا يَفْعَلُ وهُم يُسْألُونَ﴾ فانتهى موسى. رواه البيهقي والطبراني (٣)
_________________
(١) في الأصلين: " أبو حامد محمد " وهو تحريف. وهو عبد الله بن يوسف بن أحمد بن بامويه، الإمام المحدث الصالح أبو محمد الأردستاني المشهور بالأصبهاني نزيل نيسابور أكثر عنه البيهقي، وحدث عنه خلق. توفي سنة ٤٠٩ هـ عن أربع وتسعين سنة. مترجم في " السير " ١٧/ ٢٣٩.
(٢) في (أ): نزلت.
(٣) أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠٦٠٦)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ١٧١ عن أبي مسلم الكشي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا مصعب بن سوار عن أبي يحيى القتات، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس. وهذا سند ضعيف، مصعب بن سوار: لا يُعرف، وأبو يحيى القتات مختلف في اسمه، ضعفه أحمد وابن معين في رواية، والنسائي، وابن سعد، وقال البزار، ويعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال ابن معين في رواية الدارمي: ثقة، وقال ابن حبان: فحش خطؤه وكثر وهمه حتى سلك غير مسلك العدول في الروايات، وقال الحافظ في " التقريب ": لين الحديث. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٩ - ٢٠٠ وقال: رواه الطبراني وفيه أبو يحيى =
[ ٥ / ٣٣٤ ]
الدليل الثالث على نفوذ مشيئة الله في جميع الكائنات وهداية العصاة وغير ذلك
وزاد فيه زيادةً يأتي ذكرها عند ذكر أسانيده قريبًا بهذه المسألة (١).
الدليل الثالث: ما يأتي من تعذُّر (٢) تأويل كثير من آيات المشيئة مع مراعاة قرائن (٣) القوانين العربية والنظرية حين نذكُرُ الدليل على قدرة الرب ﷿ على هداية من شاء من الخلق أجميعن إن شاء الله تعالى، على أن التأويل الممكن في هذه المسألة، وترك الظواهر حرامٌ قطعًا، إذ لا موجب له من السمع ولا مِنَ العقل، لأن العقل يمنع من تعلُّق الإرادة بخلاف المعلوم كما مرَّ وكما يأتي.
واعلم أنه لا شك في حُسن القول بنفوذ مشيئة الله تعالى بالنظر إلى التمدح لكمال القدرة وتمام العزة، وإنما حمل المعتزلة على المخالفة (٤) في ذلك ظنهم أن ذلك يُناقضُ ما تقرر في العقل والسمع من قُبح إرادة الشر لنفسه، أي لكونه شرًّا لا حكمة (٥) فيه.
قالوا: وكونُ العذاب هو مراد الله الأول بأهله يستلزم إرادة الشر لنفسه، وهذا ينفي قواعد معلومةً من ضرورة العقل والدين، أو من مجموعهما.
منها: كون الله (٦) ﷿ أرحم الرحمين.
ومنها: كونه تعالى أحكم الحاكمين.
ومنها: كونه سبحانه أكرم الأكرمين.
_________________
(١) = القتات، وهو ضعيف عند الجمهور، وقد وثقه ابن معين في رواية، وضعفه في غيرها ومصعب بن سوار لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وسيرد عند المؤلف بإسناده ٣٥١.
(٢) من قوله: " عند ذكر " إلى هنا ساقط من (أ).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) ساقطة من (أ).
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) في (ش): لا لحكمة.
(٧) في (ش): الرب.
[ ٥ / ٣٣٥ ]
وقد عظَّم حقَّ المساكين في كتابه الكريم، وقرَنَه بالإيمان به، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤] ومَدَح على إطعام الأسير وهو كافرٌ، وأمثال ذلك مما لا يُحصى.
ولقد تنزَّه الربُّ سبحانه غاية التنزه من العَبَث، ونصَّ على نزاهته منه في كتابه العزيز، والعبثُ: اسم لما لا نفع فيه ولا ضرر، بل قال تعالى فيمن جوَّز ذلك عليه: ﴿ذلك ظَنُّ الذين كَفَروا﴾ [ص: ٢٧] فكيف بإرادة تعذيب أكثر الخلائق أبدَ الأبدين من غير حاجةٍ ولا حكمةٍِ فيه.
والجواب عليهم أن ما ذكروه من سَعَةِ رحمة الله، وبالغ حكمته، ونزاهته عن العبث وكل نقصٍ في الصفات والأسماء والأفعال حقٌّ لا ريب فيه ولا شكَّ، ولكنهم وهموا في أمرين جليَّين:
أحدهما: وهموا أن مذهبهم سالمٌ من المناقضة في ذلك.
وثانيهما: وهموا أن مذهب أهل السنة يستلزم نفي ذلك، وليس كما وهموا في الجانبين جميعًا (١)، ووهمُهم في ذلك يتبينُ بذكر أربعة وجوهٍ تشتمل على معارضةٍ جدلية، وموعظةٍ خطابية، وحجةٍ جُملية بُرهانية إجماعية، ونافلةٍ تفصيلية خلافية.
أما الوجه الأول. وهو المعارضة الجدلية فبأمرين:
أحدهما: أنهم لم ينفصلوا من الاعتراض الذي حسبُوه لازمًا لأهل السنة إلا بالتزام (٢) أشدَّ منه في البطلان كما مر تقريره.
وذلك أنهم زعموا أن المراد تحصيل ما عَلِمَ الله أنه لا يحصل، أو التعريض لذلك، وهذا لا يَصِحُّ عقلًا وسمعًا كما مرَّ بعضُه ويأتي بقيته، وإن
_________________
(١) في (ش): معًا.
(٢) " إلاَّ بالتزام " ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٣٣٦ ]
صح، فلا يفيد شيئًا قطعًا، فالتشاغُل به هو من العبث الذى لا يجوز على الله تعالى، خصوصًا متى كان القصد بذلك هو الإحسان في العاقبة الدائمة إلى من علم أنه يخلُدُ في العذاب الدائم بسبب تعريضه (١) لذلك الإحسان، والقاطع بالعلم (٢) بقبح هذا عقلًا أنه يعلم بالضرورة من كل عاقلٍ أنه لا يختار بنفسه، ولا لمن يُحبُّه، ولا لمن (٣) يحب الإحسان إليه والرفق به.
وثانيهما: أن مذهبهم أن عذاب الآخرة من الله تعالى بمنزلة المباح منَّا، الذي ليس فعلُه أرجح من تركه، وهذا هو العبث الذي لا يجوز على الله تعالى، بل قال الفقيه حميد (٤)، من متأخري متكلمي الزيدية: إنه من الله بمنزلة المكروه، لأن العفو أفضل، وهذا كله خطأ وقبيحٌ ممَّن قاله كما سيأتي وجهه (٥) عند إبطال قول من ذهب إليه من غُلاة الأشعرية في الوهم الثلاثين، وقد مرَّ قريبًا شيءٌ من بيان مناقضاتهم في ذلك.
الوجه الثاني: الموعظة الخطابية، وذلك أن منشأ هذه الإشكالات (٦) هو مجموعٌ جهالاتٍ وضلالاتٍ.
منها: عُجْبُ أهل الكلام بعلومهم، وعقولهم، وآرائهم (٧)، ولو أنصفوا، أو نظروا في نسبة ما علموا إلى ما جَهِلُوا لانحسمَتْ هذه المادة بالكلية، ولو أن
_________________
(١) في (ش): تعرضه.
(٢) في (ش): في العلم.
(٣) في (أ): من.
(٤) هو حميد بن أحمد بن محمد المحلي الهمداني الصنعاني الفقيه العلامة الشهيد، أنفق عمره في العلم والعمل، والرد، على المخالفين لأهل بيت رسول الله - ﷺ -، وله المصنفات الفائقة، والمعلقات الرائقة، والرسائل التي هي بالحق ناطقة، منها " الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية ". توفي سنة ٦٥٢ هـ. انظر " طبقات علماء الزيدية " ورقة ٤٥ - ٤٦ لإبراهيم بن القاسم بن المؤيد بالله. و" فهرس المكتبة الغربية بجامع صنعاء " ص ٦٦١.
(٥) تحرفت في (ش) إلى: وجهد.
(٦) في (ش): المشكلات.
(٧) في (ش): ورأيهم.
[ ٥ / ٣٣٧ ]
اعتراف الفلاسفة كما نقله الرازي عنهم بأن كلامهم في الإلهيات مجرد ظن
العبد علم نصف معلومات الله، لجُوز أن يكون حكمة الله في هذه الأشياء في النصف الأخير، كيف والله يقول: ﴿وَمَا أُوتيتُم مِنَ العلم إلاَّ قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، والملائكة تقول: ﴿لا عِلْمَ لنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢].
وقد صح أن علم موسى والخضر ﵉، وعلم جميع الخلائق في علم الله كما أخذه طائرٌ بمنقاره (١).
وما أحسن أدبَ البُوني حيث يقول: إن نسبة عِلمنا إلى علم الله كنسبة لا شيءَ إلى ما لا نهاية له.
ومنها: الشَّرَهُ في العلم، ومع أهل كُلِّ فنٍّ منه طَرَفٌ، ومعظمه وأضرُّه مع عُلماء الكلام، وذلك أن مِنْ طبع البشر حب العلم، وحب الممنوع، ولذلك يختلفون في دقائق صفات الرب سبحانه وغير ذلك اختلاف من لا يعلم، ويحتجُّ كل منهم بما لا يفيد العلم، ويقدح كلٌُّ منهم بما يُبطِلُ قول خصمه، ويُطَوِّلون في ذلك حيث لا حاجة إليه كتطويلهم في الروح ونحوه.
وقد نقل الرازي عن الفلاسفة الاعتراف بأن كلامهم في الإلهيات مُجرَّد ظنٍّ، لأنهم لم يروا الربَّ ﷻ ولم يروا شبيهًا له، فيحكموا عليه بالقياس.
وإذا نظرت في كلِّ الفنون وجدت في كل منها علومًا جَلِيَّاتٍ (٢) صحاحًا، ودعاوى خفيَّات ضِعافًا.
وأمارةُ ما ذكرته أن الجليات مواضعُ الإجماع، والخفيات مواضع الخلاف، وهذا موجودٌ حتى في كتب الحديث إذا لم يجدوا في الباب حديثًا في أرفع مراتب الصحة المُتَّفق عليها رووا فيه الموجود، وإنْ نَزَلَ عن شرطهم.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ١١٩ - ١٢١، والبخاري (٣٤٠١) و(٤٧٢٦) و(٤٧٢٧) من حديث أُبي بن كعب الطويل في قصة الخضر مع موسى ﵉.
(٢) من قوله: " ولم يروا " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٥ / ٣٣٨ ]
وقد يُصَرِّحُ بعضهم بذلك حتى يتفاحش ضَعْفُ ما رَوَوْه، لكنهم أحسن الناس حالًا في ذلك لأنهم يُبينون (١) تلك الطريق الضعيفة، ولا يخفى ضعفها على صاحب البصيرة، ويفعلون ذلك للاحتياط في العمل الذي يُحتَاجُ إليه، لورود التكليف به، ولذلك كان السلف أقل الناس خوضًا في المشكلات لِكمالِ علمهم، لا لنقصانه كما ظنه بعض المتأخرين.
وما أحسن قول العلامة ابن عبد السلام في كتابه " القواعد ": إن العالم هو من يَعْرِفُ البَيِّنَ والشُّبْهَة، وليس في مقدوره أن يجعل الشُبْهَة من البينات، والبينات من المتشابهات.
ولا شكَّ أن تَطَلُّب علم ما لا يُعْلَمُ، والشَّرَهَ في ذلك وتحكيم بادىء الرأي فيه، وتقديمه على النصوص هو أساس كلِّ فسادٍ، ولذلك نسبه الله في القرآن إلى السُّفهاء، فقال تعالى: ﴿سيقولُ السفهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُم عَنْ قِبلتِهمُ الَّتي كانُوا عَليْها﴾ إلى قوله: ﴿وإنْ كانتْ لكبيرةً إلاَّ على الذينَ هَدى الله﴾ [البقرة: ١٤٢ - ١٤٣]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢] ونحوها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١].
_________________
(١) تصحفت في (ش) إلى: يثبتون.
[ ٥ / ٣٣٩ ]
وفي " الصحيحين " من طرقٍ كثيرة عن أنس (١) وأبي موسى (٢) أنهم سألوا النبي - ﷺ - حتى أحْفَوْهُ، فصَعِدَ المِنْبَرَ، فقال: " لا تسألوني عن شيءٍ إلاَّ بَيَّنْتُه لكم " فلما سمعوا ذلك أرمُّوا ورَهِبُوا أن يكون ذلك بين يدي أمرٍ قد حَضرَ. قال أنس: فجعلتُ أنظر، فإذا كلُّ رجلٍ لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي.
وفي لفظ: فلما أكثروا عليه غَضِبَ، ثم قال: " سلوني عمَّا شِئْتُم ".
فثبت أن السؤال عن كثيرٍ من الأمور من بواعث غضب الله ورسوله، وموجبات العقوبة أو التشديد، ومن ثَمَّ قال الله: ﴿لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] فلو كان بيان الجميع محتاجًا إليه ما أخَّر البيان عن وقت الحاجة، فذلك لا يجوز إجماعًا، فثبت أن المبتدعة يتعلمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم، ويتطلَّبُون ذلك أجارنا الله منه.
وعن ابن عباس مما خرجه الحاكم في " المستدرك " (٣) في سبب نزول قوله
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٧٩٦)، وأحمد ٣/ ١٠٧ و١٦٢، والبخاري (٩٣) و(٥٤٠) و(٦٣٦٢) و(٧٠٨٩) و(٧٠٩٠) و(٧٠٩١) و(٧٢٩٤)، ومسلم (٢٣٥٩)، وأبو يعلى (٣١٣٤) و(٣١٣٥) و(٣٦٠١)، وابن حبان (١٠٦) و(٦٤٢٩)، والبغوي في " شرح السنة " (٣٧٢٠). وقوله: " أحفوه " أي: أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه، يقال: أحفى وألحف وألحَّ، بمعنى. وقوله: " أرمُّوا " أي: سكتوا، وأصله من المَرَمَّة، وهي الشفة، أي: ضمُّوا شفاههم بعضها على بعض فلم يتكلموا، ومنه: رمت الشاةُ الحشيش: ضمته بشفتيها.
(٢) أخرجه البخاري (٩٢) و(٧٢٩١)، ومسلم (٢٣٦٠).
(٣) ٤/ ١٤١ - ١٤٢. وأخرجه النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٤/ ٤٤٠ وابن جرير الطبري في " جامع البيان " (١٢٥٢٢)، والطبراني في " الكبير " (١٢٤٥٩) والبيهقي ٨/ ٢٨٥ - ٢٨٦ من طرق عن حجاج بن منهال، عن ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ١٥٨ - ١٥٩، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه. =
[ ٥ / ٣٤٠ ]
تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] قال ابن عباس: قال ناسٌ من المُتَكَلِّفين: هي رِجْسٌ، وهي في بطن فلانٍ قُتِلَ يوم بدر، وفلان قُتِلَ يوم أحد.
وخرَّج الحاكم (١) أيضًا عن ابن مسعود، أن الذين قالوا ذلك اليهود، وقال: صحيح الإسناد.
وفي هذا بيان المذمومين بابتغاء تأويل المتشابه الذي نص الله على ذمهم بذلك (٢) بعينه في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
فجعل ابتغاء تأويل المتشابه على العقول كابتغاء الفتنة، وسَمَّى الذي يُنقِّرون عنه سُفهاء. وفيه بيان أن الراسخين في العلم هم أهل الجُملِ الذين علموا مقادير عقولهم كما وصفهم بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ كما تقدم في الصفات.
_________________
(١) = وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨ وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) ٤/ ١٤٣ - ١٤٤. وأخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠٠١١). وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ١٧٢ - ١٧٣ وزاد نسبته إلى ابن مردويه. ولفظه: لما نزل تحريم الخمر قالت اليهود: أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟ فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ قال رسول الله - ﷺ -: " فقيل لي إنك منهم ". وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨ وقال: قلت: في الصحيح بعضه، رواه الطبراني ورجاله ثقات. وأخرجه مسلم (٢٤٥٩)، والترمذي (٣٠٥٣)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٧/ ١٠٢، والطبري (١٢٥٣١) وذكره السيوطي في " الدر " ٣/ ١٧٤ وزاد نسبته إلى ابن مردويه وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. ولفظه: لما نزلت هذه الآية قال لي رسول الله - ﷺ -: قيل لي: أنت منهم.
(٣) في (ش): فذلك.
[ ٥ / ٣٤١ ]
ولذلك قرأ ابن عباس: ﴿ويقولُ الرَّاسِخُون في العلمِ آمَنَّا بهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ رواه الحاكم وصححه (١).
ورواه الزمخشري (٢) عن أُبَيِّ بن كعبٍ سيد (٣) القراء.
وروى الزمخشري (٤) عن ابن مسعود نحو ذلك بغير لفظه، ولم يُضعِّفهما، بل رواهُما معًا بصيغة الجزم قراءتين لا من جهة التأويل.
وقد أوضحتُ الحجة في أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه في غير هذا الموضع، وكفي في ذلك حجة بأن موسى الكليم الوجيه المقرَّب ﵇ ما علم تأويل المتشابه في علم الخضر، وكان سبب إنكاره لأفعال الخضر زيادة علم الخضر على علمه، فكيف بعلم الله وكلماته التي نصَّ على أن البِحار تَقِلُّ أن تكون مِدادًا لها؟!
ويوضح ذلك ما عُلِمَ بالضرورة من أن الكفَّ عن الخوض في هذا هو حال خيار المؤمنين كما تقدم في تفسير ﴿آمن الرسولُ بما أُنزِلَ إليه من ربِّهِ والمُؤمنونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وما ورد في سبب نزولها.
بل هذا هو حالُ الأنبياء كما ذكرتُه في قصة موسى والخضر، وحال الملائكة كما حكى الله عنهم في سؤالهم عن الحكمة في خلق آدم وذريته.
_________________
(١) أخرجه الطبري في " جامع البيان " (٦٦٢٧)، والحاكم ١/ ١١٢ من طريقين عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ١٥٠ وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن الأنباري في كتاب " الأضداد ".
(٢) في " الكشاف " ١/ ٤١٣. وانظر " تفسير الطبري " ٦/ ٢٠٤.
(٣) تصحفت في (أ) إلى: بسند.
(٤) في " الكشاف " ١/ ٤١٣. وانظر " المصاحف " لابن أبي داود ص ٦٩ والطبرى ٦/ ٢٠٤ ولفظ قراءته: " وإن حقيقة تأويله إلاَّ عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ".
[ ٥ / ٣٤٢ ]
وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -: " اتركُوني ما تركتُكُم، فإنما أهلَكَ من كان قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " (١).
وفيهما من حديث عائشة عنه - ﷺ -: " فإذا رأيتم الذين يَتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله فاحذرُوهم " (٢).
وقد بَسَطْتُ الأدلة على أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه في كتاب " ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان " وجوَّدتُ القول بحمد الله، فليراجع من موضعه (٣).
ومنها: الإعراض عن تدبُّر كتاب الله، والرجوع إليه، والاكتفاء بمجرد الخيالات الكلية، والتعادي والتكاذب، وقد نقم الله ذلك على من كان قبلنا في كتابنا فلم تعتبر به (٤) المبتدعة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣] فنبَّه بقوله: ﴿وهُم يتْلُونَ الكتابَ﴾ على ذمِّهم حيث لم يرجعوا إليه، وخوَّفهم حين تركوا ذلك بما وعد به من الحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
وقد تقدم في الصفات كيفيةُ جدال الأنبياء، ورجوعهم (٥) إلى ما أنزل إليهم من ربهم ﷿، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وما اختلفَ الَّذين أُوتوا
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٢١٩. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١٨) و(١٩) و(٢٠) و(٢١).
(٢) أخرجه الطيالسي (١٤٣٢)، وأحمد ٦/ ٤٨ و٢٥٦، والدارمي ١/ ٥٥، والبخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٣) و(٢٩٩٤)، وابن ماجه (٤٧)، والطحاوي في " مشكل الآثار " ٣/ ٢٠٧ و٢٠٨، وابن حبان (٧٣) و(٧٦)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٥٤٥.
(٣) ص ١٢١ فما بعدها.
(٤) ساقطة من (أ).
(٥) في (ش): برجوعهم.
[ ٥ / ٣٤٣ ]
الكتابَ إلاَّ مِنْ بعدِ ما جاءَهُم العلمُ بغْيًا بيْنَهُم﴾ [آل عمران: ١٩] وأراد بالعلم ما بيَّنه (١) لهم في الكتاب، ولذلك وصفَه بالمجيء.
ألا تراه قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٩ - ٢٠].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات﴾ [آل عمران: ١٠٥] ولذلك خصَّ الله الذين أُوتوا الكتاب بالاختلاف بعد العلم بأنهم اختلفوا بغيًا بينهم بخلاف من لم يعرف كتابًا، فإن اختلافهم قبل العلم، وقبل البَيِّنات، يوضحه قوله تعالى: ﴿وما كُنَّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبْعَثَ رسولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥] وأمثال ذلك.
الوجه الثالث: الحجة الجملية البرهانية، وذلك أنه لم يَرِدْ في كتاب الله، ولا سنة رسول الله - ﷺ -، ولا إجماع أهل السنة أنَّ عذاب أهل النار هو مراد الله الأول، ولا أنه مرادٌ لنفسه، وإنما الذي ورد في هذه الأصول أن العذاب مراد لله (٢) متوقِّفٌ على مشيئته، وأنه تعالى غير مغلوبٍ عليه، ولا على أسبابه، وأن له فيه الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، وأنه تعالى يعلم ما لا يعلم، وأنه لا يُطلعُنا على الغيب، ومن اعترف بحكمة الله تعالى في الجملة، كيف يلزمه نفيها إذا أقرَّ بقُصور علمه عن معرفة تعيُّنِها كما أقرَّت بذلك الملائكة حيث قالت: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا﴾.
بل قال الله تعالى في المتشابه: ﴿وما يَعْلَمُ تأويلَه إلاَّ اللهُ﴾ فبطل وهم المعتزلة أن مذهب أهل السنة يؤدي إلى أن الله تعالى يريد الشر لنفسه، فلا مانع عندهم من أن العذاب مرادٌ لحكمةٍ بالغة خفيَّة هي تأويل المتشابه المحجوب عن الخلق، لا لكونه شرًّا، وتلك الحكمة هي المسماة بالمراد الأول
_________________
(١) في (ش): يبينه.
(٢) في (ش): الله.
[ ٥ / ٣٤٤ ]
عند أهل العقليات، والعذاب وسيلة إليها، فالعذاب مراد الله لأجل الحكمة، لا لكونه شرًا محضًا، وهذه الأولية في الرتبة (١) دون الزمان على قول من يعتقد بِقِدَمِ الإرادة الإلهية.
وأما من يُجيز حدوثها فإنه يجيز أن تكون الأولية هنا في الزمان، ومعنى الأولية في الرتبة دون الزمان (٢) مثل سبق الذات للصفات في الرتبة مع عدم حدوث الجميع، ومثل سبق حركة الأصبع لحركة الخاتم في الحوادث.
ولقد رَجَعَتِ المعتزلة إلى مثل هذا الإيمان الجملي بحكمة الله تعالى بعد الخبط في التأويل، وإنكار الآثار، ومخالفة السلف كما تقدم بيانه بيانًا شافيًا.
وتلخيص الجواب في هذا الوجه: أن الله خلق الكفار لحكمٍ كثيرة شاهدة له سبحانه بالنزاهة من الظلم والعَبَثِ، بل شاهدة له سبحانه بالحكمة البالغة، والنعمة السابغة، والحجة الدامغة، فمن قال: إن الله خلق (٣) الكُفَّار للعذاب دون غيره أو كانت عبارتُه تُوهِمُ ذلك، فما أصاب الحق، ومن أراد إصابة الحق على التفصيل تتبَّع متفرقات الحكم والنصوص وجمعها، والذي حضرني منها سبعة أمور خلق الله الكفار لها، منها: لفظية منصوصة، ومنها: معنوية معقولة، وإن رجَعَ المجموع إلى أقل من ذلك، فتأمل في كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، وواضحات (٤) أدلة العقول التي لم تعارضها النصوص السمعية.
فأقول وبالله التوفيق: إن الله سبحانه خلق الكفار لعبادته بالنظر إلى أمره ومحبته كما أوضحتُه في الكتاب في تفسير قوله: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ ليَعْبُدونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، والابتلاء بالنظر إلى عدله وحجته كما أوضحتُه
_________________
(١) في (ش): هما الأولية في المرتبة.
(٢) من قوله: " فإنه يجيز " إلى هنا ساقط.
(٣) في (ش): " ما خلق " وهو خطأ.
(٤) تصحفت في (ش) إلى: وأصحابه.
[ ٥ / ٣٤٥ ]
أيضًا في (١) تفسير قوله تعالى: ﴿ليبلُوَكُمْ أيُّكُم أحْسَنُ عملًا﴾ [تبارك: ٢]، ولما يوجب عليهم شكره على سابق (٢) مواهبه بالنظر إلى تكليفهم بشكر نعمته، وللعذاب على كفر نعمته، وجحد حُجته بالنظر إلى علمه، وجبره، وقدره (٣)، وكتابته، وللحكمة المرجِّحة فيهم لعقابه التي هي تأويل المتشابه بالنظر إلى حكمته ومشيئته وإرادته، ولما شاء مطلقًا بالنظر إلى ملكه وقدرته، ولما لا يحيط بجميعه إلاَّ هو سبحانه بالنظر إلى سعة علمه ورحمته.
فصل: وقد قيل على هذا الجواب الجملي: إنه يمكن أنَّ الله تعالى علم أن في تعذيب أهل النار مصالح، وغاياتٍ حميدةً إمكانًا لا يقطع به، ولا يقبح العذاب دونه كما سيأتي ذكره، وكما وَقَعَ في تأويل الخضر للشرور التي أنكر موسى ﵇ ظاهرها الذي هو شرٌّ، ولم يعلم تأويلها الذي هو خيرٌ، حتى لو وقع أهلُ النار في تلك الآلام التي فيها بغير ذنوبٍ ألبتة، لكان ذلك حَسَنًا، كما أجمع المسلمون على تحسين ذلك في آلام الأطفال والبهائم، ومَنْ يُبتلى من الأنبياء والأولياء من غير عقوبة.
كما صح مثله في البرزخ كضَمَّة اللحد الذي لا ينجو منها أحدٌ، فقد ضُمَّ سعد بن مُعاذ الذي صحَّ وتواتر أن العرش اهتزَّ لموته (٤)، وصح أن الله أهبطَ
_________________
(١) من قوله: " وما خلقت " إلى هنا ساقط.
(٢) في (ش): سوابق.
(٣) في (ش): وقدرته.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٤٧)، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٤٢، وسعيد بن منصور (٢٩٦٣)، وأحمد ٣/ ٢٩٦ و٣١٦ و٣٤٩، والبخاري (٣٨٠٣)، ومسلم (٢٤٦٦)، والترمذي (٣٨٤٨)، وابن ماجه (١٥٨)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ٣٧٦، وابن سعد ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤، وابن حبان (٧٠٢٩) و(٧٠٣١)، والطبراني (٥٣٣٥) و(٥٣٣٦) و(٥٣٣٧) و(٥٣٣٨) و(٥٣٣٩)، والبغوي (٣٩٨٠) من حديث جابر. وأخرجه أحمد ٣/ ٢٣٤، ومسلم (٢٤٦٧) من حديث أنس. وأخرجه أحمد ٣/ ٢٤، وابن سعد ٣/ ٤٣٤، والنسائي في " فضائل الصحابة " =
[ ٥ / ٣٤٦ ]
لموته سبعين ألفًا من الملائكة (١)، وصح أنه - ﷺ - قال: " لو نجا أحدٌ من ضَمَّةِ القبر لنجا منها هذا العبدُ الصالح " (٢).
وسيأتي في مسألة الأطفال، وعذاب الميت ببكاء أهله عليه (٣) ما ورد في الحديث من ذلك، وذكر إجماع أهل السنة أنه يجوز وقوع الامتحان في البرزخ كما يقع في الدنيا.
وقد جاء في الحديث: " أن رجلًا عبدَ الله في جزيرةٍ في البحر خمس مئة سنة، فإذا كان يومُ القيامة، قال الله تعالى: أدْخِلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقولُ العبد: بل بِعَمَلي، فيقول الله: حاسِبُوا بيني وبينَ عبدي فلا تَفِي عبادتُه بنعمة البَصَرِ، ويبقى (٤) عليه شكرُ بقيةِ نعمه، فيقول الله تعالى: اذهَبُوا بعبدي إلى النار حتى يقول العبد: يا ربِّ أدْخِلْني الجنة برحمتك، فيقول الله تعالى: أدخلوه الجنة برحمتي، فنعم العبدُ كان ". أو كما ورد.
_________________
(١) = (١٢١)، والحاكم ٣/ ٢٠٦ من حديث أبي سعيد الخدري. وأخرجه ابن سعد ٣/ ٤٣٣، والحاكم ٣/ ٢٠٦ من حديث ابن عمر. وأخرجه أحمد ٤/ ٣٥٢، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٤٢، وابن سعد ٣/ ٤٣٤، والطبراني (٥٥٣) و(٥٣٣٢)، وابن حبان (٧٠٣٠) من حديث أسيد بن حضير.
(٢) أخرجه النسائي ٤/ ١٠٠ - ١٠١، وابن سعد ٣/ ٤٣٠، والطبراني (٥٣٣٣)، والبيهقي في " الدلائل " ٤/ ٢٨، وفي " إثبات عذاب القبر " (١٠٩) من طريق عبد الله بن إدريس، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: " هذا الذي تحرك له العرش -يعني سعد بن معاذ- وفُتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُم ضمة، ثم فُرِّجَ عنه ". وهذا إسناد صحيح. وسقط من المطبوع من " إثبات عذاب القبر " في الإسناد: " عُبيد الله بن عمر، عن نافع ".
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٦/ ٥٥ و٩٨، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٢٧٣) و(٢٧٤) و(٢٧٥) من حديث عائشة. وذكره الذهبي في " السير " ١/ ٢٩١ وقال: إسناده قوي. وانظر الاختلاف في إسناده في " شرح مشكل الآثار " ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩. وشاهده حديث ابن عمر السالف، وانظر أيضًا " صحيح ابن حبان " (٧٠٣٤).
(٤) صحيح وقد تقدم تخريجه في ١/ ٤٢٨.
(٥) في (ش): وبقي.
[ ٥ / ٣٤٧ ]
وهذا مختصر من قصته وحديثه، وهو أطول من هذا، خرجه الحاكم في " المستدرك " (١) وصححه.
وهو يشهد لجواز ما ذكرته، إذ لم يذكر في الأمر بتعذيبه أنه على ذنبٍ غير التقصير في الشكر إلاَّ أن يكون ذنبه هو قوله: " بعملي يا رب "، وإلا فقد صحَّ أن كل أحد يَرِدُ القيامة وله ذنبٌ إن شاء الله عذَّبه عليه كما تقدم من غير وجه، وما شَهِدَ له من القرآن، والله سبحانه أعلم.
وبالجملة فالمسلمون مجمعون (٢) على حسن ذلك من الرب بغير ذنب لحكمةٍ وإن خفيَتْ في كل ألمٍ منقطع في دار الإمتحان، بل العقلاء من المسلمين وغيرهم مُجمعون على حُسن تحمُّل كثير من الشرور لدفع أعظم منها، بل لجلب منافع في فواتها شرورٌ أعظم مما تحمَّلُوه، وما أعلم أن أحدًا من العقلاء قبَّح النكاح عقلًا لما يؤول إليه من ألم الولادة وسوابقها وتوابعها لا في حق النساء لِعِظَم مضرَّتهن بذلك، ولا في حق الرجال لكونهم الوسيلة إليه، فيمكن في آلام أهل النار وعذابهم مثل ذلك.
ولكن الله ﷿ علم أن وقوع تلك الآلام على جهة العقوبة المستحقة بالمعاصي الاختيارية أكثر صلاحًا، فقدَّر مقادير تقع (٣) معها تلك الاختيارات على وجهٍ يستحقُّ معه العقاب، وتقومُ معه الحجة، وينقطع معه عذر العبد
_________________
(١) ٤/ ٢٥٠ وفي سنده سليمان بن هَرِم، قال الأزدي: لا يصح حديثه وقال العقيلي: مجهول، وحديثه غير محفوظ. وقال الإمام الذهبي في " تلخيص المستدرك " متعقبًا قول الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد: لا والله، وسليمان غير معتمد، وقال في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٢٢٨ بعد أن أورده بطوله في ترجمة سليمان بن هرم: لم يصح هذا والله تعالى يقول: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولكن لا ينجي أحدًا عملُه من عذاب الله كما صح، بلى أعمالنا الصالحة هي من فضل الله ومن نعمه لا بحول منا ولا بقوة، فله الحمد على الحمد له.
(٢) في (ش): مجتمعون.
(٣) في (ش): ترتفع.
[ ٥ / ٣٤٨ ]
العاصي، فلذلك سمَّى رسول الله - ﷺ - إنزال الكتاب، وإرسال الرسل عُذْرًا إلى الخلق، حيث قال في الحديث الصحيح: " لا أحد أحبُّ إليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل ". رواه مسلم من حديث ابن مسعود وأصله في " الصحيحين " معًا (١).
ولهما من حديث المُغيرة نحوه، ولفظه: " من أجل ذلك بعث الله المنذرين والمبشرين " (١).
وقال الله تعالى في مثل ذلك: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥ - ٦]، وقال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦].
وحكى الله عن صالحي بني إسرائيل أنَّهم سَمَّوْا نهيهم لمن لا ينتهي معذرةً إلى ربِّهم، ألا تراهم ما سموها معذرةً إلاَّ حيث كانت غير نافعةٍ لهم، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ [يس: ١٠] وإنما أُنْذِرُوا عذرًا إليهم وحجة عليهم، ولذلك قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر﴾ [يس: ١١] أي: الإنذار النافع المراد به النفع (٢) لمن بلغه.
ومثل ذلك في المعنى وإن لم يَرِدْ بلفظ العذر قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّة﴾ [البقرة: ١٥٠] وذلك أن اليهود كانوا فرحوا بكون رسول الله - ﷺ - استقبل بيت المقدس في أول الأمر (٣)، وهو قبلتهم
_________________
(١) تقدم تخريجهما في ص ٥٨ من هذا الجزء.
(٢) تحرفت في (ش): ليقع.
(٣) أخرجه الطبري في " تفسيره " (١٨٣٣) و(٦١٦٠) و(٢٢٣٦)، والبيهقي ٢/ ١٢ - ١٣ من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان أول ما نُسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله ﷿ أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله - ﷺ - بضعة عشر شهرًا، فكان رسول الله - ﷺ - يحب قبلة إبراهيم =
[ ٥ / ٣٤٩ ]
واحتجُّوا عليه بذلك، ومَوَّهوا به على جهلة المشركين، فجعل الله تعالى في نسخ ذلك باستقبال الكعبة قطع حجتهم مع ما كان فيه من امتحان الناس، وظهور نفاق المنافقين، فسمَّى ذلك حجة لكون اليهود احتجوا به، وليس بحجةٍ على الحقيقة.
فكذلك ما قطع الله يوم القيامة من حُجَج المُبطلين إنما هي أعذار منهم كما قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]، وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧].
وفي حديث الحسن عن أبي هريرة وأبي موسى عن النبي - ﷺ -: " يُعرضُ الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمَّا عرْضتان فجِدالٌ ومعاذيرُ " (١) رواه
_________________
(١) = ﵇، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﵎: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ إلى قوله: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾، فأنزل الله ﷿: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾، وقال: ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾. علي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس ولم يره. لكن له طريق أخرى يتقوى بها عند أبي عبيد في " الناسخ والمنسوخ " فيما ذكر ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٢، والحاكم ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨، والبيهقي ٢/ ١٢ من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس مختصرًا. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأخرج الطبري (٢٢٣٤) عن القاسم، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا فذكر نحوه.
(٢) تمامه: " وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ". أخرجه أحمد ٤/ ٤١٤، وابن ماجه (٤٢٧٧) من طريق الحسن، عن أبي موسى، وأخرجه الترمذي (٢٤٢٥) من طريق الحسن، عن أبي هريرة. قال الترمذي: ولا يصح هذا الحديث من قِبَلِ أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وأبي موسى.
[ ٥ / ٣٥٠ ]
الترمذي (١).
وقال أحمد في " المسند " حدثنا ابن نُميرٍ، قال حدثنا عبيد الله، عن عبد الله بن عبد الله (٢) بن معمر الأنصاري، عن نَهارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن أحدَكم ليُسْألُ يوم القيامة حتى يكون فيما يُسألُ عنه أن يقال: ما مَنَعَكَ أن تُنْكِرَ المُنْكَرَ إذْ رأيتَه قال: فمن كفاه الله ﷿ حُجَّته، قال: ربِّ رَجَوْتُك وخِفْتُ الناس " (٣).
ورواه العلامة القرطبي في " تذكرته "، وهو الحديث الثالث عشر من مسند أبي سعيد الخدري من " جامع المسانيد " لابن الجوزي، وفي " طبقات الذهبي " (٤): نهار العبدي، عن أبي سعيد الخدري: ثقة، وفي " الميزان " (٥): تابعي مدني صدوق، ولم أجد عبد الله بن عبد الله بن معمر الأنصاري (٦) في " الميزان " ولا في رجال الكتب الستة، وخلوُّ الميزان منه أمارةُ صلاحه.
_________________
(١) تحرفت في (أ) إلى: النهدي.
(٢) كذا في (أ)، وهي ساقطة من (ش)، والصواب: " عبد الرحمن "، وهذا الخطأ وقع للمصنف، وليس هو من النساخ بدليل ما سيذكره بأنه بحث عن عبد الله بن عبد الله في " الميزان " وفي تراجم الكتب الستة فلم يظفر به.
(٣) حديث صحيح. ابن نمير: هو عبد الله، وعبيد الله: هو ابن عمر بن حفص العمري، ونهار: هو العبدي. وأخرجه الحميدي (٧٣٩)، وأحمد ٣/ ٢٧ و٢٩ و٧٧، وابن ماجه (٤٠١٧). وأبو يعلى (١٠٨٩) و(١٣٤٤)، وابن حبان (٧٣٦٨)، والبيهقي ١٠/ ٩٠. وصحح إسناده البوصيري في " مصباح الرجاجة " ٣/ ٣٤٤.
(٤) يعني " الكاشف " ٣/ ١٨٥.
(٥) ٤/ ٢٧٤.
(٦) ذكرت قبل قليل أن المصنف ﵀ أخطأ في اسم أبيه، فقال: عبد الله، وأن الصواب: ابن عبد الرحمن، وعبد الله بن عبد الرحمن هذا مترجم في " التهذيب " وهو ثقة، روى له أصحاب الكتب الستة.
[ ٥ / ٣٥١ ]
كلام في أن لله تعالى في عذاب المستحقين حجتين
وروى الطبراني من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي في " أوسط معاجمه " (١) عن الحسن أيضًا قال: خطبنا أبو هريرة على منبر رسول الله - ﷺ -، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لَيَعْذِرَنَّ الله تعالى يوم القيامة إلى آدم ثلاث معاذير، يقول الله تعالى: يا آدم لولا أني لعنت الكاذبين، وأبغضت الكذب والخُلْف، وأوعدتُ عليه لرحِمْتُ اليوم ولدَكَ أجمعين من شِدَّة ما أعددت (٢) لهم من العذاب، ولكن حق القول مني لِئِنْ كُذِّبَتْ رُسُلي، وعُصِيَ أمري لأملانَّ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ويقول الله ﷿: يا آدم، لا أُدخِلُ النار أحدًا، ولا أعَذِّب منهم أحدًا إلاَّ من (٣) علمت بعلمي أني لو رددته إلى الدنيا، لعاد إلى أشرِّ ما كان فيه، لم يرجع ولم يَعْتَبْ، ويقول الله تعالى ﷿: يا آدم قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذُريتك، قُم عند الميزان فانظر ما يُرفعُ إليك من أعمالهم، فمن رَجَحَ منهم خيره شره مثقال ذرَّةٍ، فله الجنة حتى تعلم أني لا أُدخلُ النار منهم إلاَّ ظالمًا ".
ويأتي حديث أنس وأبي هريرة في هذا المعنى، وكلاهما في الصحيح، فقد أعدَّ الله تعالى بعد علمه الحق بحكمته الراجحة في العذاب لهذه المعاذير الباطلة ما يُقابِلُها من أعذار الحق والحُجج الصحيحة، وذلك لحكمته البالغة، وكمال عَدْله في الباطن والظاهر، فالباطق بعلمه الحق، والظاهر بقدره الحق.
فقد ذَكَرَ أهل اللغة أن المُعتَذِرَ يكون مُحقًا وغير مُحقٍّ، ممن ذكره ابن الأثير في " نهايته " (٤) فعلى هذا كل عذر من الله فهو حق، وكل عذر من الخلق، فقد يكون حَقًّا، وقد يكون باطلًا، فتلخَّص أن يكون لله تعالى في عذاب المستحقين حجتان، ويحتمل أن كُلَّ واحدةٍ (٥) منهما محسنة للعذاب، ولكن الجمع بينهما أقوى في التحسين وأولى.
_________________
(١) ذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٤٧ - ٣٤٨ وقال: وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو كذاب.
(٢) في (ش): ما أعتدت.
(٣) في (أ): لمن.
(٤) ٣/ ١٩٧.
(٥) في الأصلين: " واحد "، والجادة ما أثبت.
[ ٥ / ٣٥٢ ]
إحداهما: ما يناسب عقول البشر وعاداتهم من أعذار الحقِّ التي يعتقدون براءة المُعتذر بها من الملامة، وصحتها واضحة على أصول الجميع.
أما أهل السنة، فلورود السمع بذلك.
وأما المعتزلة فلوجوب إزاحة الأعذار عقلًا (١) عندُهم مع ورود السمع بذلك، ولا شكَّ أن ما لا يتمُّ الأمر (٢) والمقصود إلاَّ به يكون له حكمُه في اللزوم، وهذه الحجة المجمع عليها لا تتمُّ إلاَّ بتقدير اختيار العباد لأعمالهم، وتقدير أسباب الاختيارات فلذلك كان القول بسبق القدر مقتضى العقل والسمع عند التحقيق، وهذه الحجةُ وقاعدتها هي ما قدره الله تعالى من اختيار العباد لأعمالهم التي مكنهم منها بإقداره لهم عليها غير مجبورين مع كثرة الأعذار، وتطاوُل الإمهال، والزيادة في البيان. وفي الحديث: " لقد أعذَرَ الله إلى من بلغ به في العمر ستين سنة " ذكره ابن الأثير في " نهايته " (٣)، وقد أخرجه البخاري في " الصحيح " من حديث أبي هريرة مرفوعًا " أعذَرَ الله إلى رجلٍ أخَّرَ أجله حتى بلغ ستين سنة " (٤).
وقال ابن الأثير: لم يُبْقِ له موضعًا للإعذار (٥). وهذه (٦) أعذارُ حَق وإن جاز أن يكون للهِ حكمةٌ باطنة أحقُّ منها.
_________________
(١) من قوله: " أما أهل السنة " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ٣/ ١٩٦.
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ٢٧٥ و٣٢٠ و٤٠٥، والبخاري (٦٤١٩)، وابن حبان (٢٩٧٩)، والرامهرمزي في " الأمثال " ص ٦٤، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٤٢٤)، والحاكم ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨، والبيهقي ٣/ ٣٧٠، والخطيب في " تاريخه " ١/ ٢٩٠، والبغوي (٤٠٣٢).
(٥) في النهاية: " للاعتذار " وقال الحافظ في " الفتح " ١١/ ٢٤٤: الإعذار إزالة العذر، والمعنى أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مد لي في الأجل، لفعلت ما أمرت به، يقال: أعذر إليه: إذا بلغه أقصى الغاية في العذر، ومكنه منه.
(٦) في (ش): وهذا.
[ ٥ / ٣٥٣ ]
مثال ذلك ما خرجه مسلم في " الصحيح " من حديث فضيل، عن الشعبي، عن أنس، قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - فضحك، فقال: " هل تدرون مما أضحك "؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا ربِّ ألم تُجرني من الظلم؟ يقول: بلى، فيقولُ: إني لا أُجيزُ اليوم على نفسي شاهدًا إلاَّ مني، فيقول: كفي بنفسك اليوم عليك شهيدًا وبالملائكة الكرام عليك شهودًا، فيُختم على فيه، ويُقالُ لأركانه: انطقى، فتنطق بأعماله، ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لَكنَّ وسُحقًا فعَنْكُنَّ كنتُ أُناضلُ " (١).
فهذا عذرٌ حَقُّ من الله ﷿ يقابل العذر الباطل من العبد، وإلا فعلم العبد الضروري بأنه كاذبٌ أقوى حجة في باطن الأمر، وعلم الرب ﷿ أقوى من علم العبد الضروري.
وهذا الحديث وإن كان حديثًا واحدًا، فالقرآن يشهد له حيث قال حاكيًا عنهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء﴾ [فصلت: ٢١] مع أن الحديث الظني في هذا المقام من أرفع ما يحتج به، لأن القصد في هذا المقام بيان مجرد احتمال الحكمة، وقطع قول من أحالها فيه، أو عيَّنها في وجهٍ باطل.
وقد وَرَدَ من الحديث الصحيح نحو هذا، وصُرِّح فيه بلفظ العذر عن أبي هريرة في بعض رواياته في حديث الرؤية، قال: " فيلقى العبد فيقول: أيْ فُلْ: ألم أُكرمك وأسوِّدْك؟ فيقول: بلى، فيقول: أظننتَ أنك مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني إلى قوله في المنافق: "فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرُسُلِك، وصُمْتُ، وتَصَدَّقتُ، ويُثني بخيرٍ ما استطاع، فيقول: ها هنا إذًا، قال: فيقال: الآن نبعثُ شاهدًا عليك، ويتفكر في نفسه من الذي يشهدُ عليَّ، فيُختَمُ على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذُه ولحمه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٦٩)، وأبو يعلى (٣٩٧٥) و(٣٩٧٧)، وابن حبان (٧٣٥٨)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢١٧ - ٢١٨.
[ ٥ / ٣٥٤ ]
وعظامُه، وذلك ليُعْذِرَ من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه" لفظ مسلم عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (١).
وثانيهما: ما يختص الرب سبحانه بعلمه في ثلاثة أشياء:
أولها: داعي الحكمة الأول الداعي إلى تقدير خلق الأشقياء وإقامة الحجة عليهم، وقطع أعذارهم.
وثانيها: الداعي إلى تكليف السعداء، والمن عليهم بالهداية والمغفرة، وبيان المِنَّة لهم باختصاصهم بذلك، وتقرير السنة عليهم بالعفو بعد الحساب على الصغيرة والكبير، وترجيح ذلك على الإحسان إليهم بذلك ابتداءً، وتعريفهم بالمنة من غير هذه الوسائط. وسيأتي في مرتبة الدواعي الإشارة إلى ما تفهمه العقول، وما أشارت إليه الآيات والأخبار في هذين الأمرين، ويأتي طرفٌ منه في ذكر الحكمة في تقدير الشرور في مرتبة (٢) الأقدار.
وثالثها: تأويل ما اشتبه على العقول من تفاصيل الحكمة في ترجيح العقوبة على العفو في بعض الذنوب، والأشخاص، والأزمان دون بعض، ومن تأويل الاستثناء من دوام العذاب، فربما كان إعلامهم بذلك مفسدةً لهم أو لبعضهم، أو لم يكونوا يحتملونه أو بعضهم.
_________________
(١) أخرجه الحميدي (١١٧٨)، ومسلم (٢٩٦٨)، وأبو داود (٤٧٣٠)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٤٥)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٥٢ - ١٥٣ و١٥٤ و١٥٥ و١٥٦، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٢٢٨) و(٢٢٩) و(٢٣١)، والآجري في " التصديق بالنظر " (٢٧)، وابن منده في " الإيمان " (٨٠٩)، واللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " (٨٢٣). وانظر " صحيح ابن حبان " (٧٤٤٥). وقوله: " ليعذر " أي: ليُزيل الله عذره من قِبَل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه، بحيث لم يبق له عذر يتمسك به.
(٢) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٥٥ ]
وقد قال تعالى في تكثير القليل: ﴿تَرَوْنَهُم (١) مِثْلَيْهم رأيَ العينِ﴾ [آل عمران: ١٣] الخطاب فيهما لليهود. رواه أبو داود عن ابن عباس (٢).
وقال تعالى في تقليل الكثير: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] فترك الله تعالى إراءَتَهم كثرة عدوِّهم (٣) وكتَمَ ذلك عنهم (٣)، وهو حقٌّ لما عَلِمَ فيه من المفسدة، وشبَّههم لهم قلةً، كما شبَّه لقتلة عيسى في زعمهم شِبْه عيسى حتى قتلوه، وكل ذلك في اليقظة كما نصَّ عليه القرآن، وسيأتي وجهه وبيانه في القدر، وبين قوله (٤): ﴿يتعلمون ما يضُرُّهُم ولا يَنْفَعُهم﴾ [البقرة: ١٠٢]، أن من العلوم ما
_________________
(١) (ترونهم) بالتاء، وهي قراءة نافع. وقرأ الباقون: " يرونهم " بالياء، قال الفراء في " معاني القرآن " ١/ ١٩٥: ومن قرأ: " ترونهم " ذهب إلى اليهود، لأنه خاطبهم، ومن قال: (يَرَوْنَهُمْ) فعلى ذلك، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وإن شئت جعلت (يَرَوْنَهُمْ) للمسلمين دون اليهود. وقال الطبري في " جامع البيان " ٦/ ٢٣٢: اختلفت القرأة في قراءة ذلك، فقرأته قرأة أهل المدينة: (ترونهم) بالتاء بمعنى: قد كان لكم أيها اليهود آية في فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله، والأخرى كافرة، ترون المشركين مِثْلي المسلمين رأي العين، يريد بذلك عِظتهم، يقول: إن لكم عبرة أيُّها اليهود فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم بهؤلاء مع كثرة عددهم. وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة والبصرة وبعض المكيين ﴿يرونهم مثليهم﴾ بالياء، بمعنى: يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله، الجماعة الكافرة مثلي المسلمين في القدْر، فتأويل الآية على قراءتهم: قد كان لكم يا معشر اليهود عبرة ومتفكر في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم، هؤلاء المشركين في كثرة عددهم.
(٢) أخرجه ابن إسحاق في " السيرة " ٣/ ٥٠ - ٥١، ومن طريقه أبو داود (٣٠٠١)، والطبري في " تفسيره " (٦٦٦٦)، والبيهقي في " الدلائل " ٣/ ١٧٣ - ١٧٤ عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس. ومحمد بن أبي محمد هذا مجهول.
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) في (ش): بقوله.
[ ٥ / ٣٥٦ ]
يضر البشر ولا ينفعهم.
ويوضح ذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤] ولم يقل: لظلمناهم.
ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] فقد تقدمت إرادته هلاكهم المستحق بعلمِه الحق قبل بعث الرسل المعبَّر عنه بقوله: ﴿أمَرْنا مُتْرَفيها﴾، وتقدَّمت فسقهم الواقع بعد الأمر المُوَجَّه عذابهم إليه دون الموجب للإرادة السابق لها في الحكم، سواء سبق في الزمان، كقول المعتزلة، أو لم يسبق فيه، كقول الأشعرية، فلا شكَّ في أنه سابق في الرتبة والحكم، كسبق حركة الأصبع لحركة الخاتم.
وأما ما تقدم الأمر من كفرهم، فالعقوبة غير مُوجَهَّة إليه لقوله تعالى في أول هذه الآية: ﴿وما كُنَّا مُعَذِّبين حتَّى نَبْعَثَ رسولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فلو كان سبب الإرادة سابقًا لها على زعمِ المعتزلة، لكانت العقوبة قد وَقَعَتْ عليه قبل بعثة الرسل.
وقد ثبت أنهم غير معاقبين في تلك الحال لكمال فضل الله وعدله في الظاهر والباطن، ويشهدُ لذلك حديث أنس المُخرَّج في " صحيح مسلم " وفيه: " ألمْ تُجِرُني يا ربِّ من الظُّلْم " كما تقدم قريبًا، فسمَّاه ظُلمًا وأقر على ذلك، وأُقيمت عليه الحجة بشهادة أركانه عليه، وهذا شاهدٌ حسنٌ لهذا الوجه، ولله الحمد.
وأما قوله تعالى: ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]، فليس فيه أن الظلم بترك الذكرى بالنصوصية (١)، ونظيرُها قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُم
_________________
(١) في (ش): النصوصية.
[ ٥ / ٣٥٧ ]
وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ [الروم: ٩]، ولو سُلِّم، فالظلم غير متعيَّن في هذا المعنى الاصطلاحي، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣].
وفي " ضياء الحلوم " (١) أن أصله وضع الشيء في غير موضعه، يقال: أخذوا في الطريق، فما ظلموه يمينًا ولا شمالًا، أي: لم يعدلوا عنه.
ويقال: من أشبه أباهُ فما ظلم.
ويقال: ظَلَمَ الوادي إذا بلغ سيلُه موضعًا لم يكن بلغه من قبلُ.
وظلم القوم إذا سقاهم اللبن قبل أن يروبَ.
وظلم الرجل سقاءه إذا سقى منه قبل أن يروبَ.
وقال:
وصاحب صدقٍ لم تَنْلني شكاتُه ظلمتُ ولي في ظلْمِه عامدًا أجرُ (٢)
يريد سقاء سَقَى أصحابه منه قبل أن يَرُوب.
والأرض المظلومة التي لم تكُنْ حُفرتْ قطُّ فحُفرتْ.
وظلم البعير إذا نَحَرَه من غير داءٍ.
قال:
أبو الظلامة ظلاَّمون للجُزُرِ (٣)
_________________
(١) تقدم التعريف به في ٢/ ١٦٦.
(٢) في " اللسان " (ظلم): أنشد ثعلب: وصاحب صدقٍ لم تَرِبني شكاتُه ظلمتُ وفي ظلْمِه عامدًا أجرُ
(٣) عجز بيت في " مقاييس اللغة " (ظلم)، و" اللسان " (هرت) و(درر) و(شقق) و(ظلم)، ونسبه صاحب " اللسان " إلى ابن مقبل، وروايته عندهما: =
[ ٥ / ٣٥٨ ]
انتهى بحروفه من " الضياء " وهو من كتب الخصوم في علم اللغة، وهذا معنى مشهور.
وقد ذكر ابن الأثير في " النهاية " (١) ما ورد فيه من الحديث والآثار. وليس الظلم بهذا المعنى من صفات النقص القبيحة عقلًا وشرعًا كالكذب، فيجوز أن تعذيب (٢) من لا ذنبَ له لحكمةٍ خَفِيَتْ عليه مما يُسميه الجاهل بالحكمة ظُلمًا، وتنزَّه الرب ﷿ عن ذلك، وإن لم يكن قبيحًا عقلًا كما يتزَّه من خلف الوعيد من غير تأويل لِشَبهِه بخُلف الوعد مع أنه في الوعيد يُسمَّى حسنًا عقلًا، وانعقد الإجماع على استحبابه شرعًا فيمن حلف على (٣) يمين، فرأي غيرها خيرًا منها، وقد قرَّرت ذلك في غير هذا الموضع.
ولو سلم، فمفهوم (٤) ممكن حمله على عوائدهم وتسميتهم ذلك ظلمًا في أفعال أمثالهم ممن لم يتميَّز بعلم غيبٍ ولا زيادة حكمة، ألا تراه ﷿ لا يُسَمَّى ظالمًا بإيلام من لا ذنب له من الصغار والبهائم، وله المثل الأعلى.
ويوضحه قوله: ﴿وما كُنَّا مُهلِكي القُرى إلاَّ وأهْلُها ظالمون﴾ [القصص: ٥٩] وهذا في هلاكها في الدنيا والذي (٥) يحسن من الله تعالى بغير ذنب بالإجماع.
فدلَّ على أن الله ﷿ يحبُّ زيادة الحجة والعذر في الأمر الحسن ليزيده حُسْنًا في عُرف الخلق، ويقطع به أعذار الجاهلين.
وأوضح منها في هذا المعنى وأصرح قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض
_________________
(١) = عادَ الأذِلَّةُ في دارٍ وكان بها هُرْتُ الشَّقاشقِ ظَلاَّمونَ للجُزرُ ودار: اسم موضع.
(٢) ٣/ ١٦١ - ١٦٢.
(٣) في (ش): يعذب.
(٤) في (٤): عن.
(٥) في (أ): " فمفهوم "، وهو خطأ.
(٦) في (أ): الذي.
[ ٥ / ٣٥٩ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ [العنكبوت: ٤٠].
ألا ترى أن الصيحة تحسن من الله بغير ذنب عند الخصوم كالنفخ في الصور المُفزع، بل المهلك لأهل السماوات والأرض إلاَّ من شاء لله.
وكذلك الغَرَقُ في الماء قد (١) يقع فيه من لا ذنب له من الطير والبهائم، ومن هو مرضيٌّ عنه من عباد الله، ويمكن أنما سمَّاه ظلمًا كما سمَّى استقبال بيت المقدس حجة في قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يكُونَ للنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]. كما مر تقريره والله أعلم.
ومثلها: ﴿لئلاَّ يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥] يمكن أن المراد معاذير يجادلون بها جمعًا بين الأدلة والله أعلم.
ويوضح ما ذكرناه ما سيأتي في مسألة الأطفال من أنهم يُكَلَّفون يوم القيامة ويمتحنون بما يقطع به عذرهم (٢) كما فعل الله مع البالغين في الدنيا.
وقد رد الله تعالى على المشركين قولهم: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُون﴾ [السجدة: ١٢]، بحجتيه (٣) معًا وبدأ بالحجة السابقة المشتملة على الحكمة الباطنة وهي قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾ [السجدة: ١٣] ثم أردفها بالحجة الثانية (٤) الظاهرة المناسبة لعقولهم، فقال: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ [السجدة: ١٤].
وإنما بدأ بالحجة السابقة والحكمة الباطنة لما في عباراتهم من الإشعار باعتراض الحجة الظاهرة حيث ظنوا أن المراد بخلقهم هدايتهم إلى العمل
_________________
(١) ليست في (ش).
(٢) في (ش): أعذارهم.
(٣) في (ش): بحجتين.
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٦٠ ]
الصالح، وهذا غرضٌ مستدرك، فأخبرهم ﷿ بما معناه أنه لم يَعْجَزْ عن هذا في الابتداء حتى يستدركه في الانتهاء، ولكنه حق منه القول في الابتداء بدخولهم النار لحكمةٍ راجحةٍ، ثم ضمَّ إليها الحجة بالعمل زيادة في العذر والعدل، كما كتب الأعمال، وأشهد الملائكة، ونصب الموازين، وعلمه الحق ثم علمهم مغنٍّ عن جميع ذلك.
وقد كرر الله حجته الباطنة، وأكدها في الابتداء كثيرًا، وفي الانتهاء بنحو ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨]، وكذلك ما تقدم من الآيات التي في سورة الإسراء إذا تأمَّلتها من أولها وجدتها جامعةً للحجتين، حيث قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أي: ما عَمِلَ من خيرٍ أو شرٍّ، وقيل: حظه المقضي له من خير أو شر، وهذا هو القدر، وهو الحجة الأولى السابقة، ووجه الاحتجاج به أنه فعل حُكمه (١)، ثم أتبعه بالحجة الظاهرة، فقال: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٥] ثم بين الحكمة في الرسل في حق من علم هلاكه، فعقَّب ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].
ثم بيَّن بعد هذا (٢) أن علمه بذنوب عباده أبلغ كافٍ لكنه زاد ذلك لقطع العُذر وزيادة الحجة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧].
والجمع بين الحجتين كثيرٌ في كتاب الله تعالى لمن تأمله فلله الحمد والمشيئة والحكمة والحجة.
وقد كنت أظن أنه لم يسبقني أحدٌ إلى ذكر (٣) هاتين الحجتين، لأني لم أزلْ
_________________
(١) في (أ): فعل حكيم.
(٢) في (ش): بعدها.
(٣) ليست في (أ).
[ ٥ / ٣٦١ ]
أطلب ذلك في مقدار أربعين سنة، فما وقفتُ عليه مع طولِ الطلبِ حتى جاوزت الستين سنة، وراجعتُ شابًّا لم تَنْبُتْ لحيتُه من أهل حضرمَوْت في مسألة الأفعال، وجعلت أفهمه مذهب الأشعرية، والفرق بينه وبين مذهب الجبرية خوفًا عليه من اعتقاد الجبرية، وأنا أظنُّ فيه بُعد الفَهم، فجاءني بهذه اللطيفة، وقال: إنهم يذكرون أن لله تعالى حُجتين: حجة باطنة، وحجة ظاهرة، فالباطنة في الأقدار، والظاهرة في الأعمال. فعجبت من ذلك كثيرًا وعَلِمتُ (١) أن الفضل بيد الله يُؤتيه من يشاء.
ومما يوضح ذلك ما ثبت من تقديره تعالى لمقادير وقع معها (٢) خروج آدم من الجنة على جهة العقوبة بذنبه (٣) الذي اختاره، ولا عُذْر له فيه، وإنما خرج لما (٤) لله تعالى في خروجه بذنبه من الحِكمة، وإلا فذنوب الأنبياء صغائر مغفورة، وقد تاب آدم، وتاب الله عليه مع كون ذنبه صغيرًا قبل التوبة مع أن الله تعالى قد كان قدَّر أن آدم خليفة في الأرض، وخلقه لذلك، كما أخبر به الملائكة في نص القرآن.
يوضحه أن الذنوب لا تصلُحُ على انفرادها في العقل [أن تكون] موجبة للعذاب في حق الرب سبحانه، وإن كان يصلح لذلك في حق غيره، كما هو مذهب البغدادية من المعتزلة، لأن حسن العذاب عليها من قبيل (٥) الإباحة المستوية الطرفين، بل المرجوحة إذا خَلَتْ عن الحكمة، لأن العفو أفضل بضرورتي المعقول والمنقول، فلولا أن فيه حكمةً بالغة سابقة لتقدير الذنوب ما فعله أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين بمجرد كونه مستحقًا مُباحًا مع تطابق شرائعه وأوامره على ترجيح العفو والصبر، وكظم الغيظ، وتلك الحكمة هي التأويل الذي لا يعلمه إلاَّ الله.
_________________
(١) ليست في (ش).
(٢) في (ش): " بعضها "، وهو خطأ.
(٣) في (ش): على الذنب.
(٤) في (ش): بما.
(٥) في (ش): قبل.
[ ٥ / ٣٦٢ ]
وأما غضبُه تعالى على الكافرين وعداوته لهم، فذلك أبعد من قواعد المعتزلة، ولا بُدَّ من تأويله عندهم، وفي الإجادة في ذلك ما ليس في غيرها، ومما في ذلك (١).
وجمهورهُم قد أوَّلُوه لأنه أذىً مُؤلِمٌ والربُّ ليس بآلمِ
ولستُ أرى التأويل فيه بقائمٍ ولا ألمَ المعبود فيه بلازمِ
ولكن له منه الكمالُ بلا أذى وليس لأوصافِ الوَرَى بملائِمِ
كذا كُلُّ الأسماء نصُّها وخفيُّها كمُحكمِها حتى قديرٍ وعالمِ
وهذا الجواب الحقُّ عن كلِّ محكمٍ ومشتبهٍ في الله ربِّ العوالمِ
فمن قال فيه: مستوٍ كاستوائنا كمَنْ قال فيه: عالمٌ مثل عالمِ
كذلك أفعالُ الإله نُصِحُّها بلا حركاتٍ في الجهات لوازمِ
لذلك نزَّهناه في الذات ثم في الصفات (٢) وفي الأفعال ربِّ العوالمِ
ولم نجعل الفَعَّال في حقِّ ربنا مجازًا كذا في سُخْطِهِ والمراحمِ
ومحتملٌ تقديرُ موجب سُخْطِه ليحلمَ حُبًّا لاجتلاب المكارم
وتعجيزه عن أن يُقَدر موجبًا لذلك للتعظيم غيرُ ملائمٍ
ومن ثمرات السُّخط خوفُ جَلالِه ونَعْتُ الجلال من أجل اللوازمِ
فسبحان من حاز الكمال ولم يُحِطْ به حائزٌ في نعتِه المتقادمِ
وذكر ابن قيم الجوزية أن للناس في غضب الله قولين:
أحدهما: أنه فعلٌ له قائم به كسائر أفعاله.
وثانيهما: أنه مفعولٌ منفصل عنه، وفي هذا إشارةٌ إلى الإجماع على تأويله، وأنه ليس بصفةٍ له كالرحمة، والذي يدلُّ على ذلك أن ما كان صفة له كان ذاتيًا دائما سابقًا قديمًا، ولا قائل بقدم غضبه. والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) في (ش): ومما فيها في ذلك.
(٢) في (أ) في الذات والصفات.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
ولما ضعف ذلك المعنى في حق المؤمنين لاعترافهم بفضل الله وعدله وحكمتِه، صرح رسول الله - ﷺ - بذلك في حقِّ جزاء أعمالهم، وأخبرهم أنهم لا يدخلون الجنة إلاَّ برحمة الله، وهي الحكمة السابقة، وقطع بنفي تأثير أعمالهم في ذلك في حقيقة الأمر، كما اتفق أهل علم الحديث على صحته، وشهد له من القرآن آياتٌ كثيرة، كما يأتي في آخر هذه المباحث في الوهم الثلاثين.
وبالغ رسول الله - ﷺ - في هذا المعنى حتى صرح أنه ﵊ لا يدخل الجنة بعمله إلاَّ أن يتغمَّدَه الله برحمته (١).
ومن ثم (٢) جاءت أحاديث (٣) كثيرة مصرحة بأن كل أحد يأتي يوم القيامة وله ذَنْبٌ، إن شاء الله عذبه، وإن شاء عَفي عنه. سيأتي ذكرها وطرقها قريبًا.
ويشهد له ما في حديث الشفاعة في " الصحيحين " من غير وجهٍ أن كل نبي غير رسول الله - ﷺ - يعتذر بذنبه، ويخاف على نفسه، ويقول: نفسي نفسي إلا رسول الله - ﷺ - لِمَا ثبت من الغُفران المطلق له فيما تقدَّم وتأخر (٤).
ويشهد لذلك حديث عائشة عنه - ﷺ -: " من حُوسِبَ عُذِّبَ " أخرجاه (٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٢٥٦ بلفظ: " قاربوا وسددوا .. ".
(٢) في (ش): ثمت.
(٣) في (ش): الأحاديث.
(٤) أخرجه من حديث أنس: البخاري (٤٤٧٦) و(٦٥٦٥) و(٧٤١٠) و(٧٥١٠) و(٧٥١٦)، ومسلم (١٩٣). وأخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري (٣٣٤٠) و(٣٣٦١) و(٤٧١٢) ومسلم (١٩٤). وجاء أيضًا من حديث أبي بكر، وحذيفة، وابن مسعود. وانظر للتوسع في تخريجها " صحيح ابن حبان " (٦٤٦٤) و(٦٤٦٥) و(٦٤٧٦).
(٥) أخرجه أحمد ٦/ ٤٧ و٤٨ و١٠٨ و١٢٧ و٢٠٦، والبخاري (١٠٣) و(٤٩٣٩) و(٦٥٣٦) و(٦٥٣٧)، ومسلم (٢٨٧٦)، وأبو داود (٣٠٩٣)، والترمذي (٧٣٢٦) و(٧٣٧٠) و(٧٣٧١) و(٧٣٧٢)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٣٣٨)، والحاكم ١/ ٥٧ و٢٥٥ و٤/ ٢٤٩، والبغوي في " شرح السنة " (٤٣١٩)، وفي " تفسيره " ٤/ ٤٦٤.
[ ٥ / ٣٦٤ ]
وكذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون﴾ [النحل: ٦١].
وكذا قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه﴾ [عبس: ٢٣].
وكذلك حكايته لذنوب أشرف الأنبياء في القرآن، وإن خصَّتهم (١) فإنها تدل على موم البلوى بالذنوب عقلًا.
وفي هذا المقام سؤالٌ دقيقٌ مفيد، وسيأتي إن شاء الله تعالى مبسوطًا في مرتبة الدواعي في مسألة الأطفال، وهذه هي سر العمل مع القدر (٢) كما ستأتي الإشارة إليه في فائدة مستقلة في القدر.
وقد جوَّد الغزالي الكلام في هذا المعنى، وقطع على أن الله تعالى لا يريد أن يريد الشر لنفسه، أي لكونه شرًا فحسب، وعلى أنه لا يجوز أن يكون الشر هو مراد الله الأول، لأنه يستلزم أن يريد الشر لنفسه، واحتج بالحديث المتفق على صحته في سبق رحمة الله ﷿ لغضبه، خرجه البخاري ومسلم وغيرهما (٣)، وبما ثبت في القرآن الكريم من كون الرب سبحانه أرحم
_________________
(١) في (ش): بما خصهم.
(٢) من قوله: " وسيأتي " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: همام في " صحيفته " (١٤)، وأحمد ٢/ ٢٤٢ و٢٥٩ - ٢٦٠ و٣١٣ و٣٨١ و٣٩٧ و٤٣٢ و٤٦٦، والبخاري (٣١٩٤) و(٧٤٠٤) و(٧٤١٢) و(٧٤٥٣) و(٧٥٥٣) و(٧٥٥٤)، ومسلم (٢٧٥١)، والترمذي (٣٥٤٣)، وابن ماجه (٤٢٩٥)، والطبري في " تفسيره " (١٣٠٩٦)، وابن حبان (٦١٤٣) و(٦١٤٤) و(٦١٤٥)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٩٥ - ٣٩٦ و٤١٦، والبغوي في " شرح السنة " (٤١٧٧)، وفي " معالم التنزيل " ٢/ ٨٧.
[ ٥ / ٣٦٥ ]
الراحمين، ذكر معنى ذلك في شرح (الرحمن الرحيم) من كتاب " المقصد الأسْنى في شرح الأسماء الحسنى " (١) وذكر بعد ذلك أن تحته سرًا لم يأذن الشرع بإفشائه. قلت: وفي كلامه هذا البحث نظر لم أذكره لعدم الحاجة إلى ذكره (٢).
الوجه الرابع: وهو النافلة التفصيلية الخلافية بعد أنواع الأجوبة الثلاثة المعروفة عند أهل هذا الشأن، وذلك أن كثيرًا من علماء الإسلام قد خاضوا هذه الغمرة، وذكروا في تفصيل الحكمة في العذاب ما هو داخلٌ في الإمكان على قدر عقول البشر وقُواهم، وتقريب ذلك لبيان (٣) بطلان ظن من حسب أن وجود الحكمة في عذاب الآخرة في العقول من قبيل المحالات لا من قبيل المحارات (٤).
وسيأتي ذكر ذلك مجملًا مختصرًا، ومفصلًا ومطولًا في مجلد مفرد موضعه من هذا الكتاب في الفائدة الخامسة في آخر المرتبة الرابعة التي في ذكر القضاء والقدر، وبيانه ما ورد في السمع من حكمة الله تعالى في تقدير الشرور، ولا ينبغي إيراد القليل (٥) من ذلك هنا لأجل الحاجة إليه، إنه لا يكفي، ولا يفي بالمقصود، ولا يشفي، فتأخيره إلى موضع البسط أولى، والله الموفق.
فتلخَّص أن المعتزلة فرُّوا في نفوذ (٦) مشيئة الله تعالى مما ظاهره القُبح العقلي، وليس كذلك، وباطنه الحق الذي تأويله حسنٌ عقلًا على سبيل الإجمال على الصحيح، وشرعًا على سبيل التفصيل عند الله ﷿ فوقعُوا فيما ظاهره وباطنُه القبح عَقْلًا وشرعًا وهو أمران:
أحدهما: تعجيز الربِّ عن هداية عاصٍ واحد من جميع خلقه، والعجز صفة
_________________
(١) ص ٦٢ - ٦٣، نشر مكتبة القرآن بالقاهرة بتحقيق محمد عثمان الخُشْت.
(٢) في (ش): إليه.
(٣) في (ش): بيان.
(٤) قوله: " لا من قبيل المحارات " ساقط من (ش).
(٥) من قوله: " وبيانه " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) في (ش): تفرد.
[ ٥ / ٣٦٦ ]
نقصٍ لذاته، ولا يُمكنُ أن يحسُنَ العجز لوجه حكمةٍ خفي، وهذه رتبة يرتفع عنها أكثر الوُعَّاظ من العباد العجزة، كيف القادر على كل شيء الذي إذا أراد إيجاد أعظم المخلوقات، فإنما يقول له: كن فيكون، فكيف يعجز عن تقليب قلوب عباده؟! وقد صح أنه يقلِّبُها كيف شاء، حتى استعاذ رسول الله - ﷺ - من تقليب قلبه الكريم، وكان يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " (١).
فيا عجباه كيف أمكن تقليب خير القلوب إلى الشر الذي هو ضِدُّ الفطرة التي فُطِرَ الناس عليها، ولا يمكن تقليبها إلى الفطرة، وأيُّ عقل أو سمع دل على هذا دلالة قاطعة، أو أشار إليها إشارةً خفية، فالله المستعان.
وما أشبه اعتذار المعتزلة للرب بتعجيزه تعالى عن ذلك باعتذار القدرية للرب بتجهيله ﷿ عما يقولون عُلُوًَّا كبيرًا، وكان يلزم المعتزلة مثل مقال القدرية، نعوذ بالله من الخذلان.
وثانيهما: إيجاب إرادة حصول ما علم الله أنه لا يحصُلُ علمًا قاطعًا، ومن جَوَّز هذا على الرب الحكيم لزمه أن يجوز عليه الأماني التي أجمع المسلمون على أنها لا تجوز على الله تعالى لأنها عبارةٌ عن إرادة ما يعلم أنه لا يكون. وقد أجمع العقلاء على ذمِّ التشاغُلِ بها، وسمَّوها بضائع الحمقى.
وقال الحكيم:
مَنْ كان مَرْعَى عَزْمِه وهُمُومِه رَوْضَ الأماني لم يَزَلْ مَهْزُولا (٢)
بل هذا أقبحُ من الأماني، لأن المتمني قد عصمه عقله من الطمع في حصول مُناه، فكيف إذا تضرَّر بسببه سواه؟! وحصل بسببه نقيض رجواه؟! وكان ذلك كله معلومًا له ﷾ فأصبحوا كما قيل:
_________________
(١) تقدم تخريجه ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢.
(٢) هو لأبي تمام حبيب بن أوس بن الحارث الطائي. وهو في " ديوانه " و" زهر الأكم " لليوسي ٣/ ١٩٣.
[ ٥ / ٣٦٧ ]
كالمستجير من الرَّمضاء بالنار (١).
لا بل كالمستبدل الظلماتِ بالنور، والمشتري الضلالةَ بالهُدى.
وتلَخص أيضًا أنهم حافظوا على تعيين وجه الحكمة في المتشابه، ولم يرد الشرعُ بالأمر بذلك، بل لم يأذن فيه، بل ذم متبعيه كما يأتي في آخر الأقدار.
وأهل السنة حافظوا على أمرٍ ورد الشرع بتعظيم المحافظة (٢) عليه، وهو
_________________
(١) عجز بيت صدره: المستجير بعمرو عند كربته قال البكري في " فصل المقال " ص ٣٧٧: أصل هذا المثل، وأول من نطق به التِّكلام الضبعي، وذلك أن جساس بن مرة لما طعن كليبًا -وهو كليب بن وائل- استسقى عمرو بن الحارث ماء، فلم يسقه، وأجهز عليه، فقال التِّكلام في ذلك. المستغيثُ بعمرٍو عند كربته كالمستغيث من الرمضاء بالنار وربما أنشدوه: كالمستغيث من الدعصار بالنار والدعصار: الأرض السهلة المستوية تصيبها الشمس فتحمى، فتكون رمضاؤها أشد حرًّا من غيرها. قال الرمخشري في " المستقصى " ٢/ ١٩ في شرح المثل: " تجاوزت الأحصّ وشبيثًا ": هما ماءان، وأصله أن جساس بن مرة لما ركب ليحق كليبًا، أردف خلفه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان، فلما طعنه وبه رمق، قال له: أغِثْني يا جساسُ منك بشربةٍ تعود بها فضلًا عليَّ وأنعمِ فقال له جساس: " تجاوزت الأحص وشبيثًا " أراد: إنك تباعدت عن موضع سقياك، ثم نزل عمرو، فحسب أنه يسقيه، فلما علم أن نزوله للإجهاز عليه، قال: المستجير بعمرٍو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار قلت: يضرب هذا المثل لمن فر من خَلَّةٍ مكروهة، فوقع في أشد منها، ومثله قولهم: فر من المطر، فوقع تحت الميزاب.
(٢) في (ش): بالمحافظة.
[ ٥ / ٣٦٨ ]
الإيمان بعموم قدرة الرب ﷿، ولا أعظم في الدلالة على ذلك من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وكذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢ - ٤].
كل هذه الآيات استدلالٌ على عظيم قدرته وعمومها ليدخُلَ في ذلك ما شك فيه المشركون من قدرته على الإعادة، كما احتجَّ بهذه الأشياء في آخر سورة يس على ذلك، فأمَّا حكمة الله في الجملة، فلم تَخْتَص المعتزلة بالمحافظة عليها.
فصل: ولما تواترت هذه النصوص الشرعية كما مر، وكما يأتي في مسألة الأقدار، افترق أهل الملة ثلاث فِرَقٍ.
الفرقة الأولى: الذين أقروا بالآيات والأخبار على ما وردت، ولم يتأوَّلُوا ما وصف الله به نفسه من المحبة والرضا، ولا من نفوذ الإرادة والمشيئة، وقضوا بأنه سبحانه يحب الطاعات كلها، محبة حكمةٍ لا شهوة، ولذلك لا يقع منها إلا ما دعتِ الحكمة إلى وقوعه، وأنه تعالى يكره المعاصي كلها كراهة حكمة بالنظر إلى الوجه الذي قَبُحتْ من جهته، لا كراهة عجزٍ بالنظر إلى الوجه الذي لو شاء لمنعها، ولطف بأهلها من جهته، ولذلك لم (١) يقع منها ما لم يُرِدْ سبحانه هداية فاعله الخاصة لما سيأتي ذكره من حكمه التي بين منها كثيرًا، واختص منها (٢) بعلم ما شاء.
_________________
(١) " لم " ساقطة من (أ).
(٢) من قوله: " سبحانه " إلى هنا ساقط من (ش)، وفيه: ما لم يرد وقوعه.
[ ٥ / ٣٦٩ ]
وقد تستعمل الإرادة في موضع المحبة والعكس، وقد يصح ذلك مجازًا فيحتاج إلى القرينة، أو حقيقة عرفية فلا يحتاج إلى القرينة، وقد لا يصح ذلك بحسب المتعلقات وسياق الكلام، بل قد تُعَلق المحبة والكراهة بالشيء الواحد فيكون محبوبًا مكروهًا باعتبار الجهتين، كما أجمع الكل عليه في اليمين الغموس الكاذبة حين تَجِبُ على المنكر شرعًا، فيحسُنُ من صاحب الحق والقاضي إرادتها من حيث أنها حق للمدعي على المنكر، ويجب على المدعي من حيث يعلم أنها زور كراهتها من حيث هي معصية مع إرادته لها من حيث هي واجبة. وسيأتي ذلك مع نظائره.
وفي هذا المقام الدقيق تختلف عبارات أهل السنة وربما لزم من ظاهر بعضها ما لم يقصده قائله (١)، كما يكون ذلك في كلام كل فرقة.
فقد رأينا العلماء والبُلغاء متى أرادوا تحقيق أمرٍ واحد (٢) وتمييزه عن غيره قَلَّ من يُصيب المقصود من ذلك على ما ينبغي، وكثُرتِ الإشكالات على مَنِ ادَّعى تجويد الحدِّ، وتحقيق التمييز.
هذا مع استشعارهم للحذر مِنَ (٣) الغلط في ذلك، وبذل الجهد في ترك فَضَلاتِ الكلام، والتجوُّز في العبارات، لأن ذلك كله معيبٌ في الحدود.
ولقد اشتد خلاف الأذكياء في حدِّ العلم.
فقال بعضهم: لا يُحَدُّ لجلائه (٤).
وقال بعضهم. لا يُحَدُّ لعسره.
وقالت طائفة: لا بد من تحديده. ثم اختلفوا في حدِّه أشد الاختلاف، فهذا مع أن العلم هو الذي تُعْرَفُ به الدقائق والجليات، وهو مُدْرَكٌ بالفطرة،
_________________
(١) في (ش): ما لم يقصدوا تأويله.
(٢) في (أ): وحده.
(٣) " للحذر من " ساقط من (ش).
(٤) في (ش): " بجلاله "، وهو خطأ.
[ ٥ / ٣٧٠ ]
حاصل مذهب أهل السنة على التقريب
إذ هو من الأمور الوجدانيات كالألم والجوع والغضب والرضا، فكيف بالتعبير في محارات العقول في (١) مسألتي المشيئة والأقدار متى وقع ممَّن لم (٢) يتدرب في الحدود والجَدَل، ولا أشعر نفسه الحزم من النقاد والحَذَرَ مما لا يكاد يُصيب شاكلة الرمي ويطبقُ مَفْصِلَ الإجادة إلاَّ من (٣) مَلَّكَه الله أزمة الإصابة والسعادة.
وحاصل مذهب أهل السنة على التقريب، وإن أخطأته عبارة بعضهم هو ما ذكرته من تعميم نفوذ (٤) مشيئة الله تعالى بما تعلقت به تعظيمًا لقدرته ﷻ من القصور عن كل مقصود (٥) ومقدور مع اختصاص محبته بالطاعات، وكراهته بالمعاصي المُقَبِّحات.
وفي مقام التعبير عن الكتاب والسنة والآثار تَزِلُّ الأقدام، وتفاوت الأفهام، ويتصعَّب المرام، وقلَّ من ينجو بسلام، والذي أحبُّه وأرتضيه للسني ترك العبارات المولدة والتكلُّفات (٦) الحادثة، وإن نطق بها بعض أهل السنة ظنًّا منه بأنه يترجم (٧) بها عن القرآن والحديث، ولو تَفَطَّن لم يُجاوِزْ عبارات القرآن والحديث، فإنها أفصحُ الكلام، وأصحُّه وأبينه، وأوضحه ولم يرد إلاَّ بما يقتضي كمال قدرة الله تعالى، وهو التمدح بنفوذ (٨) مشيئة الله في كل شيءٍ.
وهذا وصفٌ جليل جميل يختصُّ به الرب سبحانه، ويليق بجلاله، ويعجز عنه كل قادرٍ سواه بخلاف مجرد إرادة القبيح الذي ظن بعض أهل السنة أنها مرادفة لذلك الوصف الجليل الجميل، وكيف يُرادِفُه وهو من خصائص ربِّ العزة ﷻ؟
وإرادة القبيح مجرّدةً عن ذلك صفةٌ عريَّةٌ عن الثناء بالمرة يقع من
_________________
(١) في (ش): ومسألتي.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): ممن.
(٤) في (ش): تفرد.
(٥) في (ش): لقدرته ﷻ عن المقصود.
(٦) في (ش): والتكليفات.
(٧) في (أ): مترجم.
(٨) في (ش): بتفرد.
[ ٥ / ٣٧١ ]
الخلاف بين المعتزلة والأشعرية هل الأمر بالشيء يستلزم إرادته أم لا؟
الضعيف، والعاجز، والخبيث، والأحمق، وسائر الشياطين وأعداء ربِّ العالمين.
ومتى تعلَّقتْ بالقبيح لأجل الوجه الذي قُبِّحَ منه، وجب تنزيه الربِّ سبحانه منها بالمرة كما يتنزَّه عن كل عيب وذم، كما قال تعالى: ﴿وما اللهُ يُريدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، وفي آيةٍ ﴿للعالمين﴾ [آل عمران: ١٠٨] كما سيأتي بيانه واختصت بشرار خلقه، ﴿ولله الأسماءُ الحُسنى فادعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وما أحسن عبارة موسى كليم الله سبحانه، حيث قال: " اللهم إنك ربٌّ عظيم لو شئت أن تُطاع لأُطِعْتَ، ولو شئت أن لا تُعصى ما عُصيتَ، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تُعصى فكيف هذا يا رب ".
وسيأتي تحقيق الفرق بين العبارات الربانية والنبوية، وبين العبارت المحدثة المبتدعة في الدعوى الثانية وقبلها، ثم في الجواب عن أدلة المعتزلة.
وقد شَغَبَ أهل الكلام على أهل الأثر في تجويز المحبة والغضب على الله بأمورٍ سهلة تقدم بيانها في الصفات.
الفرقة الثانية: المعتزلة وغالب مذهبهم مشهورٌ لم يغلط عليهم فيه، وسيأتي ذكر أدلتهم والجواب عنها في الفرقة الثالثة.
وفيهم طائفة يَنفُون إرادة الله تعالى، ولا يُثبتون معنىً زائدًا على كونه عالمًا، ويتأولون كونه مُريدًا بكونه فاعلًا، وهو عالم غير ساهٍ ولا مُكْرَهٍ، ومعنى إرادته لأفعال غيره عندهم أمره بها، حكاه الزمخشري (١) في تفسير: ﴿ماذَا أرادَ اللهُ بهذا مثلًا﴾ [البقرة: ٢٦] وأهل المقالات يروُون ذلك عن البغدادية منهم.
الفرقة الثالثة: الأشعرية، ولم تُحَرِّر المعتزلة نقل مذهبهما على الصواب،
_________________
(١) ١/ ٢٦٦.
[ ٥ / ٣٧٢ ]
فرأيت نقله من كُتُبِهم محققًا، ويدخل في ضمن كلامهم تحقيق مذهب المعتزلة.
قال الشهرستاني في كتابه " نهاية الأقدار ": قالت المعتزلة: كلُّ آمر بالشيء، فهو مريدٌ له، والباري آمرٌ عباده بالطاعة، فهو مريدٌ لها، إذ من المستحيل أن يأمُرَ عباده بها، ثم لا يريدها، والجمع بين اقتضاء الطاعة وطلبها بالأمر بها، وبين كراهة وقوعها جمعٌ بين (١) نقيضين، وذلك بمثابة الأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة، إذ لا فرق بين قول القائل: آمرُك (٢) بكذا وكرهُ منك فعله، وبين قوله: آمرُك بكذا، وأنْهاك عن فعله، وإذا كان الآمرُ بالشيء مريدًا له، كان الناهي عنه كارهًا له.
والذي يحقِّقُ ذلك أن الأمر يقتضي من المأمور حصول الفعل، والإرادة تقتضي تخصيص المأمور به بالوجود، ومن المُحال اقتضاء الحصول لشيء، (٣) واقتضاء ضد ذلك منه.
ويخرج على هذه القاعدة أستر وأحكم إلى العلم، فإنه يجوز أن يأمر بخلاف المعلوم، لأن العلم ليس فيه اقتضاء وطلب، وإنما يتعلق بالمعلوم على ما هو به بخلاف الإرادة، فإنها مقتضية، فيرد الأمر على خلاف العلم، ولا يَرِدُ على خلاف الإرادة.
قالت الأشعرية: لسنا نُسَلِّم أن كُلَّ آمر بالشيء مريدٌ لحصوله، بل نقول: كل آمر بالشيء عالمٌ بحصوله، أو مجوِّز، فهو مريدٌ له حصولًا، وكل آمر بشيء يعلم حصول ضده لا يكون مريدًا لحصوله، فإن الإرادة على خلاف العلم تعطيل لحكم الإرادة، وتغيير لأخصِّ وصفها، وقد بينا أن أخص وصفها التخصيص، وحكمُها أنها إنما تتعلق بالمتجدد من المقدورات أو من المتخصص منها.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): أمرتك.
(٣) في (ش): للشيء.
[ ٥ / ٣٧٣ ]
فإذا عَلِمَ الآمرُ بأن المأمور به لا يحصلُ قطعًا، ولا يتجدَّدُ ولا يتخصص، فيستحيل أن يُريده، فإنها تُوجد حينئذٍ ولا متعلق بالممكن (١) لها، وتتعلق ولا أثر لتعلقها، وذلك مُحالٌ، ولو كانت الإرادة من خاصيتها أن تتعلق بالممكن فقط كالقدرة، لكان جائزًا أن تتعلق بخلاف المعلوم.
ومن العجب أنَّ متعلق القدرة أعمُّ من متعلق الإرادة، فإن الممكن الجائز هو (٢) جائز متعلق بالقدرة، والمتجدد من جملة الممكنات متعلق الإرادة، والمتجددُ أخصُّ من الممكن.
قلت: بيان ذلك أن الأصل أن يكون الأمر غير مخالف للعلم ولا للإرادة، لكن قد ورد بخلاف العلم إجماعًا، وهو خلاف الأصل.
فإن قيل: فما الوجه في وروده على خلافِ الأصل حيث يكون على خلاف العلم والإرادة؟
قلت: الوجه أن الأمر في الغالب يكون طلبًا لحصول المأمور به كأمر من عَلِمَ الله تعالى أنه يمتثل فيجب أن يكون على وَفْقِ العلم والإرادة، وقد يكون الأمرُ (٣) على جهة الابتلاء وإقامةِ الحجة، وهو نوعان:
أحدهما: وهو الأقل أمر من علم الله أنه يُطيعُ ليبتلى بالعزم على ذلك لا (٤) ليفعله، مثل أمر الخليل ﵇ بذبح ولده ﵇ على أصحِّ القولين، وهو مقرَّرٌ في الأصول.
وقد قيل: إن منه أمر النبي - ﷺ - ليلة الإسراء (٥) بخمسين صلاة، ونُسخَ ذلك عنه قبل التمكُّن من فعله.
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) في (أ): ممن هو.
(٣) في (أ): العلم.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): ليلة أسرى به.
[ ٥ / ٣٧٤ ]
ومنه أمر من علم موته قبل التمكن من امتثاله، أو نسخُ المأمور به قبل ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] فإنه روي أنها نُسخت قبل أن يعمل بها أحد إلاَّ عليًا ﵇ (١).
فإن قيل: فلماذا قال في الأمر بذبحِ إسماعيل: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وفي حديث: فرض خمسين صلاة هي خمس وهي خمسون لا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ (٢) فإنه مشكلٌ على كلا المذهبين؟
_________________
(١) أخرجه الطبري ٢٨/ ٢٠، وابن الجوري في " نواسخ القرآن " ص ٤٧٩ من طرق عن ليث، عن مجاهد، عن علي. وليث: -وهو ابن أبي سليم- فيه ضعف، لكنه توبع، فقد أخرجه الحاكم ٢/ ٤٨٢ من طريق منصور، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بن أبي طالب. وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٨/ ٨٤ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن راهويه، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٨١ - ٨٢، وعبد بن حميد في " المنتخب " (٩٠)، والترمذي (٣٣٠٠)، وأبو يعلى (٤٠٠)، وابن جرير الطبري ٢٨/ ٢١، وابن حبان (٦٩٤١) و(٦٩٤٢)، وابن عدي في " الكامل " ٥/ ١٨٤٧ - ١٨٤٨، والعقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٢٤٣، والنسائي في " خصائص علي " (١٥٢)، وابن الجوزي في " نواسخ القرآن " ص ٤٧٨، والنحاس في " الناسخ والمنسوخ " ص ٢٧٠ من طريق سفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنماري، عن علي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه. ولفظه: " لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال لي النبي - ﷺ -: ما ترى دينارًا؟ قال: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد، قال: فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية. قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة.
(٢) أخرجه من حديث الإسراء الطويل عن أبي ذر، وابن عباس، وأبي حبَّة الأنصاري: البخاري (٣٤٩) و(١٦٣٦) و(٣٤٣٢)، ومسلم (١٦٣)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٩/ ١٥٦، وأبو عوانة في " مسنده " ١/ ١٣٣ - ١٣٥، والدارمي في "الرد على =
[ ٥ / ٣٧٥ ]
قلت: لا يبعُدُ أنه (١) في مرتبة اختيار الأحسن على الحسن لأن الله تعالى لا يفعلُ المرجوح وإن كان حَسَنًا مع وجود الأحسن الراجح (٢)، وذلك أن الأمر يُشبه الخبر بالوجوب، كما قد أتى بلفظ الخبر ﴿ولله على الناسِ حِجُّ البيتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ونحوها، فبَعُدَ بالتأويل عن شبه الخُلف (٣) والبداء كما تنزَّه عن خُلْفِ الوعيد كذلك مع حسنه عقلًا وسمعًا.
وثانيهما: وهو الأكثر أمر من علم الله سبحانه أنه لا يُطيع لإقامة الحجة، كما أذكره في الحكمة في الأمر مع القدر في آخر الكلام في الأقدار، وما فيه من الآيات الصريحة بأن العلة في أمره إقامة الحجة عليه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [يونس: ٢٥]، فَعَمَّ بالدعوة حجة على من علم أنه لا يجيبُ، وخص بالهدى منه على من عَلِمَ أنه يُنيبُ.
ثم إن الحجة تارة تكون مع إرادة المغفرة كما يأتي في أحاديث " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم "، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٦] ولم يكن الرب ﷿ مُريدًا لسكون آدم وزوجته في الجنة دائمًا بدليل قوله قبل عصيانهما: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وبدليل أنه لو أراد ذلك غفر ذنبهما ولم يُخرجهما به من الجنة، أو أخَّر عقوبتهما إلى (٤) الآخرة كما يقتضيه مذهبُ المعتزلة، فإنه لا يجوز عندهم تقديم (٥) العقوبة في دار التكليف، بل ذنوب الأنبياء صغائر عند المعتزلة والجمهور، والصغائرُ مغفورةٌ لا يعاقب الله ﷿
_________________
(١) = الجهمية" ص ٣٤، وابن حبان (٧٤٠٦)، والآجري في " الشريعة " ص ٤٨١ - ٤٨٢، وابن منده في " الإيمان " (٧١٤)، والبغوي (٣٧٥٤).
(٢) في (أ): أن.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) تصحفت في (ش) إلى: الخلق.
(٥) في (ش): في.
(٦) في (ش): تقدم.
[ ٥ / ٣٧٦ ]
عليها، وظاهرُ أمره بسكناهما الجنة الدوام بدليل قوله في الشيطان: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه﴾ [البقرة: ٣٦] فنسب الإخراج إليه لما كان سببًا فيه، ولم يكن السببُ الظاهر انتهاء مدة الإرادة لإقامتهما في الجنة.
وتارةً من غير إرادةٍ للمغفرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤].
ونحوها ﴿لِئَلاَّ يكونَ للناس على الله حُجَّةٌ بعد الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥].
وأخصُّ من هذه الآيات، وأنسبُ بمسألتنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] أي أمرناهم أن يطيعوا، كما تقول: أمرته فعصاني، أي: أن يُطيعني، والقرينة في مثله مُغنيةٌ عن تقدير المحذوف من جنس المذكور كما زعم الزمخشري (١)، فالآية بينةٌ في أن الأمر لهم لم يكونوا (٢) ليطيعوا، لأنه كان بعد إرادة عذابهم بما قد علم الله فيه من الحكمة، وإنما كان أمرهم قطعًا لعُذْرِهم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر﴾ [يس: ١١] يعني الإنذار النافع.
وأما ما تقدم الأمر من كفرهم، فلا يجوز تعليق الإراده لعذابهم به، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ونحوها ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُون﴾ [النمل: ٨١]، وقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم﴾ [يس: ١٠].
ولذلك قد يخصُّون بالأمر في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] وهو كثير، بل قد يستثنى الكافر من المؤمن المأمور حيث يراد بالأمر وقوع (٣) المأمور به، ونجاة الممتثل له، كقوله
_________________
(١) ٢/ ٤٢٢.
(٢) في (ش): يكن.
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٧٧ ]
تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُم﴾ [هود: ٨١].
وقد يريد الله تعالى بالأمر الوجهين معًا بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
فهذه الآيات وأمثالُها مما يكثر إيراده شاهدةٌ على أن أمر من عَلِمَ الآمر أنه يُعصى غير ملازم لإرادة امتثاله (١) مع ما يدركُه العقل من ذلك، وهذان النوعان واردان في الشرع ورودًا كثيرًا، ولا يمنع العقل من ورودهما، ولكنهما نادران في عاداتِ الناس، إذْ كانت العادات جارية بأن الأمر قرينة تدل على حاجة الآمر إلى مطلوبه، وذلك دليل على إرادتِه ما أمر، ولما قَلَّ في العادة الأمر من غير إرادة غفل عنه المعتزلي وظنه محالًا، وليس بمحال، وإنما المحال ما جوَّزه المعتزلي من إرادة حصول ما جَزَم الآمر، وعلم أنه لا يحصُلُ أبدًا، ولذلك جاء على أبلغ صيغ الإنكار في قوله ﷿: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨]. فلم ينكر هذه الإرادة لِقُبح ما تعلَّقت به وهو الهُدى، لأنه حسن قطعًا، وإنما أنكرها لتعلُّقها بما علم أنه لا يقع، ولذلك خصَّ ذوي الألباب بإرادة التذكر في قوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وأمثالها كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ [النحل: ٦٤].
وقوله ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾ [النحل: ٨٩].
_________________
(١) تحرفت في (أ) إلى أمثاله.
[ ٥ / ٣٧٨ ]
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢].
ولو كان ذلك الذي زعموه ممكنًا، لأمكن من أحدنا أن يريد من الله تعالى أن يفعل له ما يعلم أنه لا يفعله من أن يرفعه إلى السماء، أو يُحيي له من مات من أهله، أو يرُدَّ له أيام الشباب بعد الهرم. فذلك ممكنٌ مقدور لله تعالى، وإنما استحالتْ إرادة ذلك من العقلاء لعلمهم أنه لا يقع، ولأمكنت إرادة القبيح والمضارِّ التي لا داعي إليها، كنكاح الأمهات وقتلها.
ولما قَبُحَ عند الخصوم إعلام المُكَلف بأنه من أهل النار، وقد قبَّحوا ذلك، بل قَبَّحوا الإعلام بصغار (١) الذنوب مع بقاء الداعي إلى تركها، وهو استحقاق الثواب عليه، والصارِف (٢) عن فعلها، وهو فواتُ الثواب بسببه.
وأما ما نجدُ من شهوةِ ما لا يكون وتمنيه (٣)، فليس من الإرادة في شيء، وقد يُعَبِّرُ عن تلك الشهوة بالإرادة، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [السجدة: ٢٠] وليس من قبيل الإرادة الاختيارية، لأنهم غير قادرين على إرادة البقاء في النار، على أن علمهم حين (٤) أرادوا ذلك بعدم (٥) وقوعه ممنوعٌ بدليل سؤالهم ذلك في قولهم: ﴿ربَّنا أخْرِجْنا مِنْها﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وقولهم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك﴾ [الزخرف: ٧٧] وذلك واضح.
وذكر بعض أهل السنة أشياء في الاستدلال على أن الأمر قد يفارق الإرادة وهذا الذي ذكرته أصحُّ، ولا يخلو ما ذكروه من نظر من ذلك الدعاء في صلاة الاستسقاء حيث لا يُسقَون، وشفاء المرضى حيث لا يُشْفَون، وببقاءِ الأنبياء والأولياء، وطلب طول أعمارهم.
_________________
(١) في (ش): بصغائر.
(٢) في (ش): فالصارف.
(٣) في (ش): وتمكينه.
(٤) في (ش): حيث.
(٥) في (ش): لعدم.
[ ٥ / ٣٧٩ ]
ويشبهه من وجه الأمر بقتل كثير من الحيوان الذي أراد الله حياته (١) كالفواسق الخمس والوَزَغ، بل كالكفار، والأمر بقتلها وطلبها (٢) في جميع الأوقات، وذلك عند المعتزلة يستلزم أن الله تعالى مريدٌ لِقتلها، ومريدُ قتلِ الحي لا يريد حياته، وإنما يَصِحُّ ذلك باعتبار الجهات المختلفة عندهم.
وكذلك يقول أهل السنة في مسألة الإرادة، وفي متعلقاتها، فيلزمها الموافقة في أحد الموضعين.
ومنه إرادة التعجيز كقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠].
ومنه ما رُوي عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " مَنْ تحلَّم بحُلمٍ لم يَرَهُ كُلِّفَ أن يعقِدَ بينَ شعيرتين ولن يَفْعَلَ " (٣) خرجه البخاري.
وخرج الترمذي (٤) من حديث علي ﵁ نحوَه.
وفي أحاديث المُصَوِّرين أنه يُقالُ لهم يوم القيامة: " أحْيُوا ما خَلَقْتُم " (٥) وهي
_________________
(١) قوله: " الذي أراد الله حياته " ساقط من (أ).
(٢) في (أ): وطلبه.
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٢١٦ و٢٤٦ و٣٥٩، والبخاري (٧٠٤٢)، والترمذي (٢٢٨٣)، وأبو داود (٥٠٢٤)، وابن ماجه (٣٩١٦).
(٤) برقم (٢٢٨١) و(٢٢٨٢).
(٥) أخرجه من حديث عائشة: مالك في " الموطأ " ٢/ ٩٦٦، والطيالسي (١٤٢٥)، وأحمد ٦/ ٧٠ و٨٠ و٢٢٣ و٢٤٦، والبخاري (٢١٠٥) و(٣٢٢٤) و(٥١٨١) و(٥٩٥٧) و(٥٩٦١) و(٧٥٥٧)، ومسلم (٢١٠٧)، والنسائي ٨/ ٢١٥ - ٢١٦، وابن ماجه (٢١٥١)، والطحاوي ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣ و٢٨٤، وابن حبان (٥٨٤٥)، والبيهقي ٧/ ٢٦٦ - ٢٦٧ و٢٦٧ و٢٧٠. وأخرجه من حديث ابن عمر: أحمد ٢/ ٤ و٢٠ و٢٦ و٥٥ و١٠١ و١٢٥ - ١٢٦ و١٣٩ و١٤١، والبخاري (٥٩٥١) و(٧٥٥٨)، ومسلم (٢١٠٨)، والنسائي ٨/ ٢١٥. =
[ ٥ / ٣٨٠ ]
كلام الشهرستاني في عدم تعلق إرادة الله بأفعال العباد
شهيرةٌ صِحاحٌ، ويأتي ذكرُها في الكلام على تنزيه أهل السنة من القول بتكليف ما لا يُطاق.
قال الشهرستاني: ثم يقولُ مَنْ رأي أن الآمر بالشيء لا يكون مُريدًا له من حيث إنه مأمور به فقط، سواء كان المأمور به طاعة وقد عَلِمَ الآمر حصولها، أو كان الأمر بخلاف ذلك، فإن جهة المأمور به هو كسبُ المأمور، وسيأتي أن ذلك أخص أوصاف الفعل، سُمِّي به العبد عابدًا، ومُصليًا، وصائمًا وأمثال ذلك.
والفعل من هذا الوجه لا يُنسبُ إلى الباري تعالى، فلا يكون مُريدًا له من هذا الوجه، بل يُنسب إليه من حيثُ التجدد والتخصيص، وما لم يكن الفعلُ فعلًا (١) للمريد لا يكونُ مرادًا، فما كان من جهة العبد الذي سمَّيناه كسبًا وقع على وفق العلم، والأمر كان مُرادًا مرضيًا، أعني مرادًا بالتجدد والتخصص (٢) الذي هو أثرُ قدرة الله تعالى مرضيًّا بالثناء والثواب والجزاء.
وما وقع على وَفْقِ العلم وخلاف الأمر كان مُرادًا غير مرضي، أعني مُرادًا بالتجدد، وغير مرضي بالذمِّ والعقاب، وهذا هو سر هذه المسألة، ومن اطَّلَع عليه، استهان بتهويلات القدرية، وتمويهاتِ الجبرية.
قلت: هذا كلامٌ صحيح المعاني، قويُّ المباني، وإنما يتجلَّى بمعرفة مذهبهم في خلق الأفعال، وتمييز ما هو أثر قدرة الرب عما هو أثر قدرة العبد، فمن أراد تحقيق هذا، جمع إلى النظر فيه أمرين:
أحدهما: النظر في مسألة الأفعال كما يأتي في المرتبة الخامسة.
وثانيهما: النظر في امتناع تعلق الإرادة بفعل غير المريد، وهو صحيح،
_________________
(١) = وأخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد ٢/ ٣٨٠.
(٢) من قوله: " فلا يكون " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) في (ش): التخصيص.
[ ٥ / ٣٨١ ]
كلام الجويني ومن معه في إطلاق رضى الله تعالى بالمعاصي
ولا بمشيئة، لأن المحبة تعلَّق بفعل الغير، ويلتبس الفرق بين المحبة والإرادة على من لم يتأمل، وكثيرًا ما يُسَمَّى أحدهما باسم الآخر مجازًا.
ومن الدليل على أن الإرادة لا تعلق بفعل الغير أن العزم والنية لا يتعلقان به مع أنهما من أنواع الإرادة، وفي هذا بيان غلطِ من صَحَّح إطلاق محبة الله تعالى ورضاه (١) على المعاصي المراد وقوعها مجازًا واهمًا أنه لا فرق بين المحبة والإرادة كما نقله الجُويني (٢) عن بعض مُتكلمي الأشعرية وقوَّاه هو، نقله عنه النواوي وسيأتي إن شاء الله تعالى.
ومن الفروق: بين المحبة والإرادة غير (٣) ما مضى أن المحبة غير اختيارية، والإرادة اختيارية، وأن المحبة لا تعلق بالمكروه في الطبيعة كشرب الأدوية الكريهة، وقطع العضو الفاسد، والقَوَدِ في توبة القاتل بخلاف الإرادة، وأن المحبة قد تعلق بما لا يتمكن وما يعلم أنه مُحالٌ كعود أيام الشباب، وإنما ما كان لم يكن بخلاف الإرادة.
وبعدُ فإن ذلك مجمعٌ عليه ضروري في الشاهد، وإنما وقع الاختلاف في حقِّ الله تعالى كما تقدم في الصفات، فخُذْه من هناك.
قال الشهرستاني: فعلى هذه القاعدة لم يكن الباري تعالى مُريدًا للمعاصي والقبائح والشرور من حيث إنها معاصي وقبائح وشرور، ولا مريدًا للخيرات والطاعات والمحاسن من حيث إنها كذلك، بل هو مريدٌ لكل ما تجدَّدَ وحدث في العالم من حيث إنها متخصصة بالوجود دون العدم، ومتقدرة بأقدارٍ دون أقدار، ومتوقتة بأوقات دون أوقات، ثم إن ذلك الموجود قد يقع منتسبًا إلى استطاعة العبد كسبًا على وفق الأمر فيُسمى طاعة مرضية، أي: مقبولة بالثناء
_________________
(١) من قوله: " والنية " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في " الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد " ص ٢٣٨ فما بعدها.
(٣) ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٣٨٢ ]
ناجزًا، والثوابِ آجلا، وقد يقع على خلاف الأمر، فيسمى معصية، غير مرضية، أي مردودة بالذم ناجزًا والعقاب آجلًا. فالأفعال كلها من حيث تخصصها وتجدُّدها مُرادة لله تعالى كلها، وهي متوجهة إلى نظام في الوجود، وصلاح (١) للعالم وذلك هو الخير المحض.
قلت: ويحسنُ أن يحتج هؤلاء على مذهبهم هذا بما خرجه مسلم في " الصحيح " من حديث علي ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول في التوجه في الصلاة: " الخير في يديك، والشرُّ ليس إليك " (٢). فيزول الإشكال عن معنى الحديث.
وفي قوله: وهي متوجهةٌ إلى نظام في الوجود، وصلاحٍ للعالم، وذلك هو الخير المحض إشارة إلى مثل كلام الغزالي، وابن تيمية ومن تابعهما في أن الشر لا يراد لنفسه، وإن كان الشهرستاني مُظهرًا لموافقة الأشعرية في نفي الحكم، فهذه الإشارة تُنافي ذلك، ولعلَّها معتقده والله أعلم.
ويحتمل أن مراده ما سيأتي من أن فعل الله خيرٌ، لكنه لم يفعله لأنه خير، وسيأتي تعليله لذلك والرد.
_________________
(١) في (ش): وإصلاح.
(٢) أخرجه الطيالسي (١٥٢)، والشافعي في " المسند " ١/ ٧٤ و٧٧، وعبد الرزاق (٢٥٦٧) و(٥٩٠٣)، وأحمد ١/ ٩٤ و١٠٢ و١٠٣، وابن أبي شيبة ١/ ٢٣٢، ومسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠) و(٧٦١)، والترمذي (٢٦٦) و(٣٤٢١) و(٣٤٢٢) و(٣٤٢٣)، والنسائي ٢/ ١٢٩ و١٣٠، والدارمي ٢/ ٢٨٢، وابن الجارود (١٧٩)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ١٩٩ و٢٣٩، وفي " شرح مشكل الآثار " ١/ ٤٨٨، وابن خزيمة في " صحيحه " (٤٦٢) و(٤٦٣) و(٤٦٤) و(٧٤٣)، وأبو عوانة ١/ ١٠٠ و١٠١ و١٠٢، وابن حبان (١٧٧١) و(١٧٧٢) و(١٧٧٣) و(١٧٧٤)، والدارقطني ١/ ٢٩٦ و٢٩٧ - ٢٩٨، والبيهقي ٢/ ٣٢ و٣٣ و٧٤، والبغوي (٥٧٢). وانظر لزامًا الباب الحادي والعشرين في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر، من كتاب " شفاء العليل " للعلامة ابن قيم الجوزية ص ١٧٨ - ١٨٥.
[ ٥ / ٣٨٣ ]
قال: وكلُّ ما ورد في القرآن من إرادة الخير المتعلِّق بأفعال العباد، فهو محمولٌ على أحد معنيين: إما ثناءٌ ومدحٌ في الحال، وإما ثوابٌ ونعمة في المآل، وإلا فالإرادة الأزلية لا تتعلَّقُ إلاَّ بما هو متجدِّدٌ من حيثُ هو كذلك، ولا متجدِّد إلاَّ وهو فعلُ الله تعالى من حيث هو كذلك، وذلك لا يُنْسَبُ إلى العبد كما بينا في (١) خلق الأفعال.
واختصت الإرادة بأفعال الله تعالى على الحقيقة دون الوجوه التي لا تُنْسَبُ إلى الحق سبحانه، فلم يجب تلازم الأمر والإرادة إلى قوله: وأما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] ونحوها محمولٌ على كلمةٍ ذكرها الصادق جعفر بن محمد ﵁، فقال: إن الله تعالى إذا أراد بنا، وأراد منا، فما أراد بنا، أظهره لنا، وما أراده منا طواه عنا، فما لنا لا نشتغل بما أراده منا عما أراده بنا.
ومعنى ذلك أنه أراد بنا ما أمرنا به، وأرادَ منا ما عَلِمَه، فكانت الإرادة واحدة، يختلف حكمها باختلاف وجه تعلقها بالمراد، وهي إذا تعلقت بثوابٍ سُميت رضا ومحبةً، وإدا تعلقت بعقاب سُميت سُخْطًا وغضبًا.
كذلك إذا تعلقت بالمراد على وجه تعلُّق العلم، قيل: أراد منا ما عَلِمَ، وإذا تعلقت بالمراد على وجهِ تعلق الأمر، قيل: أراد به ما أمر، وإذا تعلقت بالصنع مُطلقًا بتخصيص وتعيين من غير التفات إلى كسب العبد حتى يكون أراد منه، أو أراد به، قيل: أراد الكائنات بأسرها، ولم يقل: أراد منها ولا بها، بل أرادها على ما هي عليه من التخصيص بالوجود دون العدم.
فإذًا فأفعال العباد من حيث إنها أفعالهم إما أن يقال: تعلق الإرادة بها على الوجه الذي انتسب إلى العباد، بل على الوجه الذي انتسب إلى الخالق إيجادًا
_________________
(١) (فراش): سيأتي.
(٢) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٨٤ ]
فصل في أن الإرادة قسمان: قسم بمعنى الطلب من الغير، وقسم ليس بمعنى الطلب
أو (١) تخصيصًا.
وإما أن يقال: تعلقت الإرادة بها على الوجهين المذكورين بأنه أراد بنا أو أراد منا، أراد بنا ما أمرنا به دينًا وشرعًا واعتقادًا ومذهبًا، وأراد منا ما علم سابقة، وعاقبة وفاتحة وخاتمة. انتهى.
فصل: وأقول: إن السابق إلى الأفهام غير ما ذكره، وهو أن يكون قوله: " أراد منه " يطلق على ما وافق الأمر من الإرادة.
وقولُنا: " أراد به " لما وافق العلم، ويدل عليه أن الإرادة قسمان: قسم بمعنى الطلب من الغير، وقسم ليس بمعنى الطلب.
والقسم الأول نوعان:
الأول: معنوية حقيقية، وهي التي يكون معها الرضا والطلب، وهي إرادةُ الطاعة ممن علم الله تعالى امتثاله للأمر (٢)، وهذه تُسمى إرادةً في الحقائق الثلاث: اللغوية والعرفية والشرعية. قال الزمخشري في أوائل " الكشاف " (٣) في الإرادة اللغوية: هي مصدر أردتُ الشيء إذا طلبته نفسك، ومال إليه قلبك، وفي حدود المتكلمين معنى يوجب (٤) للحي حالًا لأجلها وقع منه الفعل على وجهٍ دون وجه.
والنوع الثاني: الإرادة اللفظية، وهي إرادة ما يطلبه الله بالأمر ويرضاه ويحبه ممن علم أنه لا يمتثل الأمر (٥) فهذه يطلق عليها اسم الإرادة لفظًا، وليست إرادة في الحقيقية، لكن محبة المطلوب والحكمة فيه الحاملة على الطلب تسمى إرادة ومشيئة.
_________________
(١) في (أ): و.
(٢) ليست في (ش).
(٣) ١/ ٢٦٦.
(٤) في (ش): يورث.
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٨٥ ]
وهذه التسمية إما حقيقةٌ عُرفية أو مجاز شائع كثير سبق بأدنى قرينةٍ إلى الفهم، وأول كل حقيقة عرفية (١) مجاز كذلك، وهو كثير، ومنه قول الشاعر، وهو قيسُ بن الخطيم الأوسي، والبيت في الحماسة في أبيات له:
يريدُ المرءُ أن يُعْطَى مُناه ويَأْبَى الله إلاَّ ما يشاء (٢)
فالإرادة في هذا البيت بمعنى المحبة من غير شكٍّ، لأنها تعلَّقت بما ليس من فعله، ولا يقدر عليه، ولأنها لم تُعَلَّقْ بتخصيص الحادث المتجدد بوقتٍ دون وقتٍ، ولا قدرٍ دون قدر، ولا وجهٍ دون وجه، وذلك لازمٌ للإرادة الحقيقية في اللغة.
وهذان القسمان من الإرادة مُلازمان للطلب والمحبة، وقد يعبر عنهما معًا، وعن المحبة وحدها بالإرادة حقيقةً عُرفية أو مجازًا.
فمن هنا كانت الإرادة والمحبة تُعديان هنا بحرف " من " دون " الباء " وذلك لأن الطلب يعدى بمن التي لابتداء الغاية، تقول: طلبتُ من الله تعالى، كما تقولُ: سألت منه، وأردتُ منه، قال الله تعالى: ﴿ما أُريدُ منهم مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٧] فعداها بمن لأنها بمعنى ما أطلب منهم.
والعجب ممن يقول: إن الله تعالى يريد المعاصي من العصاة، ثم يقول:
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) هو في " ديوانه " ص ٩٦، و" الحماسة " بشرح المرزوقي ١١٨٧، و" خزانة الأدب " ٧/ ٣٦، و" زهر الأكم في الأمثال والحكم " ١/ ١٥٩. وقيس بن الخطيم: هو ابن عدي بن عمرو الأوسي أبو يزيد، شاعر الأوس، وأحد صناديدها في الجاهلية، عرض عليه رسول الله - ﷺ - الإسلام وهو في مكة، فاستنظره قيس حثى يَقْدَمَ رسولُ الله - ﷺ - المدينة، ولنكايته في الخزرج في حربها مع الأوس تواعدوا على قتله بعد أن هدأت الحرب، فقتل على كفره قبل قدوم النبي - ﷺ - المدينة. انظر " الأغاني " ٣/ ١ - ٢٦، و" الخزانة " ٧/ ٣٧.
[ ٥ / ٣٨٦ ]
إن معاصي العصاة من الله، ويعترفُ ببطلان الجبر مع ذلك، وهذه مناقضات واضحة، وخطأ في العبارة ممن ينفي الجبر.
وإنما يقال: إن المعاصي من العبد صادرة باختياره مع تقديرٍ من الله سابقٍ، وتمكينٍ للعبد لاحقٍ كما سيأتي بيانه في آخر مسألة الأفعال، ونقلُ نصوص الكتاب والسنة والصحابة والسلف على ذلك.
القسم الثاني: ما لم يكن يعني (١) الطلب من الغير، ولا يحسُنُ تقدير الطلب في هذا القسم مع الإرادة، ولا يعبر بأحدهما عن الآخر حقيقة ولا مجازًا، وذلك حيث يكون أحد مفعولي الإرادة كالعلة في مفعولها الآخر تتعدى (٢) بالباء وباللام على حسب المواقع اللائقة بذلك في اللغة.
كقوله تعالى: ﴿ماذا أرادَ الله بهذا مثلًا﴾ [البقرة: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿وإذا أرادَ الله بقومٍ سُوءًا فلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]، وقول رسول الله - ﷺ -: " مَنْ يُرِدِ الله به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين " (٣). حديث صحيح شهير من غير طريق.
وروى الطبراني من حديث أبي هريرة أنه - ﷺ - قال: " إنَّ هذه الأخلاق من الله، فمن أراد الله به خيرًا مَنَحَه خُلُقًا حَسَنًا، ومن أراد الله به سوءًا منحَه خُلُقًا سيئًا ". أخرجه الهيثمي في باب حسن الخلق من " مجمع الزوائد " (٤) وفي سنده مسلمة بن علي.
_________________
(١) في (ش): بمعنى.
(٢) في (ش): فيعدى.
(٣) تقدم تخريجه في ١/ ٣١٣ - ٣١٤.
(٤) ٨/ ٢٠ وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه مسلمة بن علي، وهو ضعيف. قلت: قال أبو حاتم: لا يشتغل به، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. وفي الباب عن عائشة أورده السيوطي في " الجامع الكبير " ١/ ٢٨٢، ونسبه إلى العسكري في " الأمثال ".
[ ٥ / ٣٨٧ ]
فمفعولُ الإرادة الأوَّل في الآية هو " ماذا " على أنها اسمٌ واحدٌ، ومفعولها الثاني المشار إليه بلفظ " هذا " في الآية، وتفسير " ماذا " هو العلة والحكمة في إنزاله، وذلك هو ما بينه الله تعالى جوابًا عليهم بقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين﴾ [البقرة: ٢٦]، ومفعولها الأول في الحديث هو الخيرُ المسبَّب عن التفقيه، ومفعولُها الثاني هو الفقهُ في الدين.
وتلخيصُ ذلك أن الإرادة تُعَدَّى إلى مفعولٍ واحد بنفسها من غير حرف، وهو المتجددُ المتخصص الذي يجبُ أن يكون (١) فعلًا للمريد، وقد يُعَدَّى إلى مفعولٍ ثانٍ، فلا يجب أن يكون فعلًا للمريد، وإن جاز أن يكون فعلًا له في بعض الصور. وهذا القسم ينقسم:
فحين يكون المفعول الأول مطلوبًا بالأمر من الثاني تعدى الإرادة إلى الثاني بمن كما يتعدى الطلب بها كما مرَّ مثاله.
وحين يكون المفعول الثاني هو العلة في إرادة المفعول الأول يكون الثاني كالمفعول لأجله، وتعدَّى الإرادة إليه (٢) تارة بالباء الموحدة، كقول رسول الله - ﷺ -: " من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ". ومرةً باللام كقولك: أردت الخير لزيدٍ، ولذلك قال أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈: لا يقال شاء للعباد، فيكون شبه اختيار، ولكن يُقال (٣) شاء أن يَعْصوه. وقد تقدَّم سنده عنه ﵇.
فعلى هذا لا تُعَلَّق إرادة الله بفعل العبد حَسَنًا كان أو قبيحًا حيث يقول: أراد به أو له (٤) ثوابًا أو عقابًا، لأن مفعولها الأول هو الثواب أو العقاب على جهة الجزاء، وهو فعل الله تعالى ومفعولها الثاني هو العبد المستحق لذلك، والعلة في ذلك هي الحكمة، إما الاستحقاق وحده أو مع غيره.
_________________
(١) هنا في (ش) زيادة: " فيه ".
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٨٨ ]
بحث في قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾
وعلى هذا التفصيل يجوز أن يُحمل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] على المعنى الذي تُعدَّى فيه الإرادة بحرف " من " لأنه لا يتعلَّقُ بأفعال العباد من أقسامها غيره.
وهو حيث يكون بمعنى الطلب بالأمر فيكون المعنى لإرادة أن يعبدوني، لأن الإرادة هنا بمعنى المحبة والرضا المصاحبين للأمر، ويكون تسمية المحبة إرادةً حقيقة عرفية أو لغوية كما تقرَّر ذلك من تفسير الزمخشري لها، ودلالة بيت قيس بن الخَطِيم عليه، وهو عربي حُجَّة. وقد تقدم، أو مجازًا كثيرًا قريبًا يحسن مع أدنى قرينة.
وقد بيَّنَّا أن المحبة عند أهل السنة تلازم الأمر، وتسمى إرادةً، ولا يجب أن تقع من متعلقها ما لم يُرِدِ الله وقوعه لبعض الحِكَمِ التي يستأثر الله بعلمها، ويأتي بيان بعضها.
فجاز على أصول أهل السنة، وصحَّ أن يكون التقدير ما خلقتهم إلاَّ لإرادة أن يعبدوني، أي: محبته لهم، لأنه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبه مطلقًا كما تقدم، ولا يُريده لهم دينًا وشرعًا يتقرَّبون به إليه ﷿.
والعجب من المعتزلة أنهم يُنكرون على أهل السنة تأويلهم هذه الآية على إرادةِ الأمر، ولا يُنكرون على نُفاة الإرادة منهم تأويلها بالأمر، بل كل إرادة من الله تعالى تُعَلَّقُ (١) بأفعال العباد عند البغدادية منهم، فإن معناها الأمر من غيرِ إرادةٍ ألبتة لا للآمرِ، ولا للمأمور به.
وأما من لا يُجيز المحبة على الله من الأشعرية، فإنَّه يتأوَّل الإرادة في هذه الآية بالأمر مثل ما تأولها بذلك بعض المعتزلة مطلقًا، فيكون المعنى عندهم: ما خلقت الجن والإنس إلاَّ لطلب أن يعبُدوني، لأنَّ " لام كي " تُستعمل للطلب كما تستعمل للغرض.
_________________
(١) ساقطة من (أ).
[ ٥ / ٣٨٩ ]
وكذلك تقدير الطلب والمحبة والرضا يُمكنُ مع كُلِّ ما تُقدِّرُ المعتزلة فيه الإرادة، أو تستدلُّ به عليها مثل " لعل " في قوله تعالى في حق فرعون: ﴿لَعَلَّه يتذكَّر أو يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وغير ذلك.
فهذا من أنْفَسِ ما يعرفه السنيُّ مع أنه يُمْكِنُ أن يكون قد حصل لفرعون ما يُطلق عليه اسم التذكُّر أو الخشية، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] فإنه جعل حدوث الذكر من غير تقوى مقصودًا مستقلًا.
وقيل: إنّ " لعلَّ " هنا للتقريب أيضًا، وإنه أحدُ معانيها اللغوية، ويجوز أن تكون الآية الشريفة - وهي قوله تعالى. ﴿إلاَّ لِيَعْبُدونِ﴾ محمولةً على الإرادة الحقيقية العُرفية على مذاهب أهل السنة على أحد وجوه.
الوجه الأول: أن يكون خلق الجميع ليعبده العابدون منهم، وليس في هذا إلا تخصيصُ الضمير الذي في " يعبدون " والموجب لتخصيصه أنواع:
منها: ما يأتي من آيات المشيئة نحو: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَستقيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، ﴿وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠].
ومنها: ﴿لِيَبْلُوَكُم أيُّكُم أحسَنُ عملًا﴾ [الملك: ٢].
ومنها: ﴿وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ لِيُطاعَ بإذن الله﴾ [النساء: ٦٤].
ومنها: المفعول لامتناع إرادة وقوع ما عَلِمَ المريد أنه لا يقع، وسيأتي تقرير ذلك كله على التفصيل إن شاء الله تعالى.
ولا بد من تخصيص الضمير على مذهب المعتزلة خصوصًا في الأعيان والأزمان.
أما الأعيان: فلخروج الصِّبيان والمجانين.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
وأما الأزمان: فلخروج أكثرها وهو ما بعد الموت.
وهذا الوجه أيضًا هو قول البغدادية منهم، وتلخيصه: أن الله تعالى خلق الكافر لما عَلِمَ في خلقه من حصول عبادة المؤمن، واللُّطفِ له، لأنهم لو عَلِمُوا أنه لا يخلق إلاَّ أهل الجنة، كان مفسدةً بينةً كما يأتي بيانه مُفصَّلًا في الدواعي.
فكأنه قال: ما خلقت الجميع إلاَّ لما في خلقِهم من حصول عبادتي من أهلها على أحسنِ الوجوه التي من أعظمها وأحبِّها إلى الله تعالى الجهاد، لأنه أحبُّ الأعمال إلى الله تعالى. ولذلك خلق الأضداد: كالقلوب والنفوس، والعقول والشهوات، والملائكة والشياطين، والمسلمين والكافرين.
وأيضًا فإنه سبحانه في الجهاد يَمِيزُ الخبيث من الطيب كما صرح بذلك، ويُمَحِّصُ المؤمنين، ويتخذ منهم شهداء، وقد أنكر خلاف هذا على من طَمِعَ فيه، حيث قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] وأشار إليه في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] على ما يأتي تقريره في مسألة الدواعي من أن المقصود ظهور الأحسن لا الأقبح، وإن وقع الأقبح، فليس هو المقصود الأول المعبَّر عنه بالمراد لذاته ولنفسه، وإنما هو المراد لغيره، وذلك الغير هو الأحسن كما أشارت إليه الآية الكريمة، ويأتي في ذلك حديث كُرْزِ بن علقمة (١) في منتهى الإسلام، وأن
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٧٤٧)، والحميدي (٥٧٤)، وأحمد ٣/ ٤٧٧، والبزار (٣٣٥٣) و(٣٣٥٤) و(٣٣٥٥)، والطبراني ١٩/ (٤٤٢) و(٤٤٣) و(٤٤٤) و(٤٤٥) و(٤٤٦) من طرق عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن كرز بن علقمة الخزاعي قال: قال رجل: يا رسول الله، هل للإسلام من منتهى؟ قال: " أيُّما أهل بيتٍ -وقال في موضع آخر: قال: نعم، أيما أهل بيت- من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرًا أدخل عليهم الإسلام " قال: ثم مه؟ قال: ثم تقع الفتن كأنها الظُّلَلُ " قال: كلا والله إن شاء الله، قال: " بلى والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها أساود صُبًّا يضرب بعضكم رقاب بعض ". وقوله: " أساود صبًا " قال ابن الأثير: والأسود أخبث الحيات وأعظمها وهو من الصفة =
[ ٥ / ٣٩١ ]
مُنتهاه الفتن تقع كأنها الظُّلَل مع محبة الله تعالى لأولئك المفتونين، وإرادته لهم الخير.
الوجه الثاني: أن يكون المراد وجود نوعٍ من العبادة إذ لم يقُم أحدٌ من المسلمين، ولا من الصالحين بجميع حقوقها على ما يجبُ وينبغي على الدوام، وقد ثبت أن قول: لا إله إلاَّ الله أفضلُ العملِ كما في " الصحيح " (١).
_________________
(١) = الغالبة حتى استعمل استعمال الأسماء. وجُمع جمعها. والصُّب: جمع صبوب على أن أصله صُبُب، كرسول ورُسُل، ثم خفف كرُسْل، فأدغم وهو غريب من حيث الإدغام. قال النضر: إن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع، ثم انصب على الملدوغ. وأخرجه أحمد ٣/ ٤٧٧، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٤/ ٤٦٩ من طريقين عن الأوزاعي، حدثنا عبد الواحد بن قيس، حدثنا عروة، حدثنا كرز بن علقمة الخزاعي قال: أتى النبي - ﷺ - أعرابي، فقال: يا رسول الله، هل لهذا الأمر من منتهى؟ قال: نعم، فمن أراد الله به خيرًا من عرب، أو عجم أدخله عليه، ثم تقع فتن كالظلل يضرب بعضكم رقاب بعض، فأفضل الناس يومئذٍ معتزل في شعب من الشعاب، يتقي ربه، ويدع الناس من شره. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٣٠٥ وفال: رواه أحمد والبزار والطبراني بأسانيد، وأحدها رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرج الترمذي (٣٣٨٣). والنسائي في " اليوم والليلة " (٨٣١)، وابن ماجه (٣٨٠٠)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ١٠٥، وفي " شعب الأيمان " ٢/ ١/١٢٨، والبغوي (١٢٦٩)، والخرائطي في " فضيلة الشكر " ص ٣٥ من حديث جابر رفعه: " أفضل الذكر لا إله إلاَّ الله، وأفضل الدعاء الحمد لله "، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٨٤٦)، والحاكم ١/ ٤٩٨ و٥٠٣. وأخرج مالك ١/ ٤٢٢ عن طلحة بن عُبيد الله بن كريز أن رسول الله - ﷺ - قال: " أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له " وسنده صحيح، لكنه مرسل. ويتأيد بما أخرجه الترمذي (٣٥٨٥) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - فذكره وسنده حسن في الشواهد. =
[ ٥ / ٣٩٢ ]
وقد ثبت أن الجميع قالوها يوم أخرجهم الرب تعالى على صور الذَّرِّ من صلب آدمَ في النشأة الأولى، كما ذكره ابن عبد البر في تفسير قوله تعالى: ﴿ولَهُ أسلَمَ مَنْ في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] كما يأتي ذكره في مسألة الأطفال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ (١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وستأتي طرق ذلك في مسألة الأطفال، وجوابُ ما يَرِدُ عليه من الأسئلة، وهذا الوجه مأثورٌ كما يأتي، ويتقوَّى على مذهب ابن تيمية خصوصًا، ومن له من سلف وخلف كما هو مقرَّرٌ في موضعه.
الوجه الثالث: ما رُوي عن ابن عباس أن معنى الآية: ما خلقتُ الجن والإنسَ إلاَّ لِيَعْرِفُوني (٢)، ويعضُده قوله ﷾: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].
_________________
(١) = وفي الباب عن أبي هريرة في " الموطأ " ١/ ٢٠٩، والبخاري (٦٤٠٣)، ومسلم (٢٦٩١) رفعه بلفظ: من قال: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه.
(٢) هي قراءة نافع وابن عمر وأبي عمرو، وقرأ الباقون: " ذريتهم " انظر " حجة القراءات " ص ٣٠١ - ٣٠٢.
(٣) هذا التفسير نسبه البغوي في " معالم التنزيل " ٤/ ٢٣٥ إلى مجاهد، ونسبه ابن كثير في " تفسيره " ٤/ ٢٥٥ إلى ابن جريح، ولم يذكره أحد فيما وقفت عليه عن ابن عباس.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
وقال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِين﴾ [النحل: ٣٩].
ولا شك أن هذا المقصود حاصلٌ للجميع ولو في الآخرة، وليس في هذا إلا تسمية المعرفة عبادة وهو قريب، ولو مجازًا، لأن العبادة مشتقةٌ من التعبيد الذي هو التذليل. ذكره في " الضياء "، يقال: عبَّدَه، أي: ذلَّلَه، وطريق معبَّد، أي: مذلَّل.
وقال الجوهري (١): التعبيد: التذليل، وأصل العبودية الخضوع والذل.
وقال البغوي (٢): العبادة: الطاعة مع التذلل والخضوع.
ولا شك أن المعرفة لله تعالى سبب للذل له، ولذلك قال: ﴿إنما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِه العُلماءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وفي حديث المعراج: " لمَّا انتهينا إلى السماء، رأيتُ جبريل ﵇ كالحِلْسِ البالي، فعرفت فضلَ علمِه بالله على علمي " أو كما وَرَدَ (٣).
_________________
(١) في " الصحاح " ٢/ ٥٠٣.
(٢) في " معالم التنزيل " ٤/ ٢٣٥.
(٣) أخرجه الطبراني في " الأوسط " كما في " المجمع " ١/ ٧٨ من حديث جابر بلفظ " مررت ليلة أسريَ بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية الله "، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. وفي الباب عن أنس عند المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٨٨٣)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩، وفي سنده الحارث بن عبيد الإيادى، وهو ضعيف، يكتب حديثه للمتابعة، وهذا منها. وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٦٢١) من طريق عروة بن مروان، حدثنا عُبيد الله بن عمرو، وموسى بن أيمن، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر. وعروة بن مروان: روى عنه جمع، وقال الدارقطني: كان أميًا ليس بقوي الحديث، وأورده ابن أبي حاتم ٦/ ٣٩٨، فلم يذر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ومن فوقه ثقات.
[ ٥ / ٣٩٤ ]
منع الأشعرية من تعلق إرادته تعالى بأفعال العباد خيرها وشرها
ولأن السمع ورد بتعليل الأعمال بالإيمان، كما قال بعد آية الظِّهار: ﴿ذلك لِتُؤمِنُوا بالله ورسوله﴾ [المجادلة: ٤]، وقال بعد ذكر الحجِّ أو بعض مناسكه نحو ذلك.
قالت المعتزلة: لا فرق بين الرضا والمحبة، والإرادة والمشيئة في حق الله تعالى، فيلزم من تجويز إرادته تعالى لوقوع المعاصي تجويزُ محبته لها، ورضاه بها، والنصوص تأباه وتمنعه، والعقل كذلك، وهذا أكثر ما حمل المعتزلة على تأويل آيات المشيئة.
والجواب: أن هذا غير لازمٍ على جميع المذاهب.
أما الأشعرية: فقد تقدم أنهم قد منعوا من تعلُّق إرادته تعالى بأفعال العباد خيرها وشرِّها، وقالوا: إنَّ محبته ورضاه لا تُعَلَّقُ إلاَّ بالطاعات، وإن معناهما هو الإرادة لا سوى، ومتعلقها فعله سبحانه الذي هو الثناء والثوابُ والأمر والوعد، وكراهته وغضبه وسخطه لا تعلق إلاَّ بالمعاصي، وهي ترجع إلى الإرادة أيضًا، ومتعلقها فعله سبحانه الذي هو الذم والعقاب والنهي والوعيد كما مر تقريره.
وقد يجيب من يجهل هذا التحقيق بأجوبة أخر، كما يأتي في كلام الجُويني (١)، والتعرض لذكرها يُطيلُ اللجاج، ويُوَسِّعُ دائرة الحجاج، وهذا أنفعُ الأجوبة وأقطعها، وأوجعها للخصوم وأنجعُها.
وقد مرَّت الحجة على امتناع تعلق الإراده بفعل الغير، وأن التي تُعَلَّقُ بذلك هي المحبة لا الإرادةُ.
والحجة على ذلك عقليةٌ جليةٌ، وليس في السمع ما يُعارضُها لأن مفعول المشيئة في الآيات محذوف، وتقديره. غير متعين، مثاله: قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] فيمكن
_________________
(١) انظر " الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد " ص ٢٣٧ فما بعدها.
[ ٥ / ٣٩٥ ]
أن مفعولَ مشيئة الله تعالى هو ما فعل الله تعالى بالإجماع من أسباب مشيئتهم للاستقامة التي أقامها مقام مشيئة الاستقامة.
وتلك الأسباب هي المعبر عنها في العقليات بالدواعي الراجحة، وفي السمعيات تارةً بالقدر والقضاء والكتابة، ومرة بالتيسير وشرح الصدر والهداية، ومرة بالمشيئة والقصد والإرادة على تقدير حذف المضاف، وهو سبب مشيئة العباد.
فإن قيل: ولِمَ تعلَّقَتْ إرادة الله تعالى بأسباب المعاصي، وقد عَلِمَ أن المعاصي تقع عندها.
فالجواب: من وجهين:
أحدهما: أن هذا مشترك الإلزام (١)، لأن إرادة أسبابها كلمة إجماع من المسلمين، ولا يجب عند المحققين من جميع فرق المسلمين معرفة العباد لذلك على التفصيل، ويكفينا التصديق بأنه سبحانه حكيم عَدْلٌ، وكل ما يفعله أو يتركه على العموم، والإيمان في هذه المسألة خصوصًا بنحو قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْم﴾ [الجاثية: ٢٣] أي: باستحقاقه للإضلال.
وقد اختار الزمخشري (٢) هذا الجواب على غُلُوِّه في الاعتزال في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].
الوجه الثاني: من الجواب أنه يصح ويحسن في العقل والسمع أن يكون للشيء جهتان يحب بالنظر إلى أحدهما، ويُكرَهُ بالنظر إلى الآخر (٣)، كما ذكرناه في اليمين الغموس.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في " الكشاف " ٤/ ١١٣.
(٣) في (أ): الأخرى.
[ ٥ / ٣٩٦ ]
وكما قاله العلماءُ في الصلاة في الدار المغصوبة، وهي من دقائق المسائل، وقد طَوَّلها الأصوليون وحقَّقُوها في كُتُبهم، فلا حاجة إلى التطويل بذكرها.
على أنا نجدُ الجزم بمحبة قتل كثير من كُبراء المشركين، وإن كان قاتلُه قَتَله سُمعةً ورياءً، وإن كُنَّا نكرهُ الرياء والسمعة.
ولا يختلف العلماء في صحة ذلك في المحبة والكراهةِ لعدم اتحاد متعلقهما، وإن اختلفوا في الصلاه في الدار المغصوبة، فإنما هو لاتحاد محلِّها ومحل المعصية عند من يقولُ بفسادها.
ألا ترى أن من يقول بذلك يُجيز محبة العاصي لخَصْلةِ خير مع حُسن كراهته عندهم، وعلى ذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] وذلك لعارض، وإلا فإنه تعالى يحب الانبعاث مع رسوله - ﷺ -، ولذلك أمر به، ولكن على غير الوجه الذى اقترن به بانبعاث المنافقين.
وكذلك ما حكاه الله ﷿ عن كليمه ﵇ من قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم﴾ [يونس: ٨٨] مع أنه ﵇ كان شديد الحرص على إيمانهم حتى استحَقُّوا عظيم العقوبة، فكره وقوع الإيمان منهم لما يستحقونه من العقوبة، لا لكون الإيمان حَسَنًا في نفسه، مطلوبًا لله تعالى.
ومن ذلك قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٨] مع أن هذا الخروج كان من أقبحِ الذنوب المسخوطة، لأنه كان لأجل محاربة موسى وأصحابه، وبنيَّة قتلهم واستئصالهم، لكنه لما كان الله تعالى قدَّره في سابق علمه لإغراق فرعون وقومه نَسَبَه إلى نفسه الكريمة من هذه الجهة كما ينْسِبُ الأفعال المحبوبة إليه ﷾ مع أنه منسوبٌ
[ ٥ / ٣٩٧ ]
إلى فرعون وقومه من جهة نيتهم فيه واختيارهم له بذلك (١) السبب نسبة القبائح، كما قال تعالى: ﴿فأتْبَعُوهُم مُشْرِقينَ﴾ [الشعراء: ٦٠].
ومنْ ذلك حديث الذي أخبر رسول الله - ﷺ - أنه من أهلِ النار، وكان قد أبلى في الجهاد بلاءً حسنًا فيما يرون، فارتاب بعض المسلمين، فقتل الرجلُ نفسه جزعًا من جراحٍ اشتدَّ به، فاشتدَّ بعض الصحابة، فبُشِّرَ النبي - ﷺ -، فكبَّر النبي - ﷺ -، وقال: " أشهد أني رسول الله " (٢) أو كما ورد.
وللحديث طرقٌ كثيرة وألفاظه مختلفة، وسيأتي في أحاديث القدر، فقد سُرَّ المسلمون ورسول الله - ﷺ - بقتله نفسه لما تضمنه من صدق رسول الله - ﷺ - مع كراهتهم لذلك لكونه معصيةً.
فإن قلت: وما تلك الوجوه التي يجوز في العقل أن (٣) يريدها الله تعالى بوقوع المعاصي؟
قلت: هذه العبارة في السؤال قبيحةٌ وغيرُ صحيحة كما مر تقريره، وسيأتي
_________________
(١) في (ش): فتنهم واختيارهم بذلك.
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٠٣)، ومسلم (١١١) والبيهقي ٨/ ٩٧، والبغوي (٢٥٢٦) من حديث أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله - ﷺ - حُنَيْنًا فقال لرجل ممن يدعي بالإسلام: " هذا من أهل النار " فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفًا: " إنه من أهل النار " فإنه قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات، فقال النبي - ﷺ -: " إلى النار "، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من الليل لم يصبرْ على الجراح فقتل نفسه، فأُخبر النبي - ﷺ - بذلك، فقال: " الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسولُه " ثم أمر بلالًا فنادى في الناس، " إنه لا يدخل الجنة إلاَّ نفسٌ مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". وأخرجه البخاري (٤٢٠٢)، ومسلم (١١٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(٣) قوله: " ويجوز في العقل أن " ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٣٩٨ ]
بيانُ كثيرٍ من حكم الله في التخلية وعدم العصمة في المرتبة الثالثة في الدواعي مع ما استأثر الله تعالى بعلمه من التأويل الذي لا يعلمه إلاَّ هو ولا يحيطون بشيءٍ من علمه إلا بما شاء.
فإذا تقرَّر ذلك فينبغي أن يعلم عذر من جوَّز هذه العبارة، وتأمَّل ما عوَّلوا عليه من الفرق بين المعاصي أنفسها، وبين وقوعها على بعض الوجوه.
فأمَّا المعاصي فإن الله تعالى يكرهها بالنصِّ القرآني، ولا تُعَلَّقُ بها محبته ولا رضاه بوجهٍ من الوجوه كما لا يتعلق بها أمره ولا ثوابه، وسيأتي ذلك مبينًا.
وأما وقوعها على بعض الوجوه فيجوز أن تُعَلَّقَ بها كراهة الله تعالى وإرادته معًا باعتبار الجهتين، كما مر تقريره في اليمين الواجبة شرعًا على المُنكرِ لما هو حق عليه في معلوم الله تعالى، ويمينه على جحده قبيحة كبيرة، ومع ذلك يحسُنُ إرادتها لغير الوجه الذي قبحت لأجله وهي من أوضح أمثلة ذلك كما تقدم، وكما يأتي.
أما كراهته لذلك، فلقُبحه، وذلك واضح.
وأما إرادته، فلوجهٍ حسنٍ مثل ما تقدم في اليمين، ومثل عقوبة من اشتد غضبُ الله عليه، كما تقدم عن موسى ﵇، ومن أوضح الأمثلةِ في ذلك (١) يعرفها المُحَدِّث، ومن لا يُمارس الكلام أمران:
أحدهما: الفرق بين الحكاية والمحكي مثل قول النصارى: ﴿إنَّ الله ثالثُ ثَلاثةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ونحو ذلك، فإن المحكي كفر (٢) صريح بخلاف الحكاية، ولو كانت كفرًا مثل المحكي لكَفَرَ كلُّ حاكٍ لذلك وأمثاله.
وثانيهما: التلاوة والمَتْلُو، فإنَّ تلاوة الجُنب للقرآن قبيحة والقرآنُ غير قبيح، فمن هنا فرَّق البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين بين التلاوة والمتلوِّ في
_________________
(١) زاد في (ش) بعد " ذلك ": " التي ".
[ ٥ / ٣٩٩ ]
الخَلْقِ والحدوث، وصنَّف البخاري في ذلك كتاب " أفعال العباد ".
وذكر البيهقي أن المخالف لهم في ذلك محمول على أنه لم يفهم مرادهم، لأن صحة مقصدهم بعد فهمه ضرورية والله أعلم.
ومنه قضاء رسول الله - ﷺ -، وأئمة العدل بالظاهر وإن خالفَ حكم الله الباطن لقوله - ﷺ -: " فمن قضيتُ له بمال أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار " متفق على صحته.
وهو يدلُّ على التفرقة بين القضاء الذي يجب الرضا به، والمقضى به الذي لا يحل بالقضاء.
وأما كراهة انبعاث المنافقين، فيحتمل أنه لأجل المفسدة ويحتمل أنه لأجل العقوبة، وقد يريد الله تعالى وقوع الذنب ليغفره كما صرَّحت به النصوص النبوية الصحيحة الشهيرة، وستأتي مبسوطة، وقد يريد الله لما يستأثر بعلمه من وجوه الحكمة.
فإذا تقرَّر هذا جاز أن الله تعالى أراد وقوع أسباب المعاصي لا أنه (١) تعالى أراد وقوع المعاصي لوجوهٍ حسنة، وليس في هذه أنه لا يكره وقوعَ المعاصي لوجوه قبيحة، بل هي مكروهة من كل وجه.
وأما وقوعها، فمكروه وجوبًا من وجهٍ لا بُدَّ من كراهته من أجله، ويجوز من غير وجوب إرادته لوجه حسن، أو وجوه حسنة، فحيث طَبَّقَ أهل السنة إرادته من أجل ذلك ظن خصومُهم أن الوقوع غير مكروه من غير وجه، وأنه محبوبٌ من كل وجه، بل ظنوا أنه يلزمهم محبةً الواقع نفسه، والله لا يحبُّ الفساد، ولا يريد لمًا للعباد كما قال ﷾.
واعلم أن هذا التحقيق لا يقف على أن الوجود هو الموجود، لأن المحبة
_________________
(١) في (أ): " لأنه "، والمثبت من (ب) وهامش (أ).
[ ٥ / ٤٠٠ ]
تشنيع المعتزلة على أهل السنة بمخالفة السمع
والكراهة يجوز خلقهما (١) بالأوصاف الإضافية غير الحقيقية، فإن الجميع من المتكلمين لم يقل أحدٌ منهم: إن وجوه الحسن والقبح التي هي متعلقاتُ هذه الأشياء صفاتٌ حقيقيةٌ، ولذلك تُعَلَّق المحبة والإرادة بعدم المضار، وبالتروك، وبنية الصوم وبنحو ذلك مما في بعضه خلاف دون بعض.
وهذا الجواب إنما هو على أصول أهل السنة، وأمَّا غلاة الأشعرية، فإنهم يُجيبون بجوابهم المعروف في نفي الحكم عن أفعال الله تعالى مُطلقًا، ونفي التحسين فيها عقلًا.
واعلم أن المعتزلة تُشَنِّع على أهل السنة بمخالفة السمع من نحو قوله تعالى: ﴿والله لا يُحِبُّ الفساد﴾ [البقرة: ٢٠٥] ومن العجب أنه لا يقرر هذه الآية وأمثالها على الظاهر من غير تأويل إلاَّ أهل السنة، ولا بُدَّ للمعتزلة وغيرهم من المبتدعة من تأويلها على بعض الوجوه.
بيانه أنا قدمنا أن أهل السنة يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه من محبة الطاعات وأهلها دون سائر الفرق لما مر تقريره في الصفات.
فقوله تعالى: إنه لا يحب الفساد، لا يلائم مذهب المعتزلة إن مفهومه أن صفة المحبة جائزةٌ على الله تعالى، وإنَّما لم يُعَلَّق بالفساد لقبحه، ومفهومه أنه تعالى يُحب الصلاح والصالحين كما صرح به القرآن، لكن المعتزلة لا تجيز صفة المحبة على الله تعالى، ويقولون: إنها صفة نقصٍ، وإنه يجب تأويلها بالإرادة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا يَرْضَى لِعبادِه الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] متى كان الرضا بمعنى المحبة.
وأما قوله: ﴿كُلُّ ذلك كان سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مكروهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] فإن المعتزلة وافقت أهل السنة على تقرير الكراهة على ظاهرها، وهذا يُلزمهم
_________________
(١) في (ش): تعلقهما.
[ ٥ / ٤٠١ ]
الموافقة على تقرير المحبة من غير تأويل.
وهم ظنوا أن المحبة تستلزم الشهوة، وأن الكراهة لا تستلزم النفرة، وهذا كلُّه تحكم، فإنهم إن رجعوا إلى قياس الخالق على المخلوقين، لَزِمَهم منعُ الكراهة لأنها في المخلوقين تستلزم النفرة بل منع الإرادة قول البغدادي منهم، لأنها في المخلوقين (١) تستلزم الحاجة وتلازمها، إذ لا يريد الملخوق شيئًا إلا لحاجته إليه في العاجل أو الآجل، بل منع صفات الكمال كلها من كونه تعالى عالمًا قادرًا حيًا سميعًا بصيرًا، لأنه لا يكون كذلك في الشاهد إلاَّ من كان جسمًا مركبًا من البنية المخصوصة، لا سيما صفة الحي عند المعتزلة، فإن شرط صحتها عندهم في الشاهد البنية المخصوصة.
وإن تركنا هذا القياس الفاسد على الشاهد، والخيال الناشىء عن العوائد، ورجعنا إلى ما نطق به الكتاب، ودلت عليه الألباب من مزية ربِّ الأرباب عن مشابهة من خلقه من التراب، وأقذار نُطَفِ الأرحام والأصلاب، سلَّمنا (٢) لعلام الغيوب جل وعز ما وصف به نفسه الكريمة، وذاته القديمة، وعلمنا أنَّ محبته وإرادته وكراهته وسائر صفاته المنصوصة في أشرف كتبه وعلى ألسنة رسله عليهم الكلام ليست مثل صفاتنا، مثل ما أن ذاته تقدست أسماؤه ليست مثل ذواتنا، وقد تقدم تقريرُ ذلك في الصفات فلا نُطوِّل بإعادة الأدلة عليه.
وأما ما نقله النواوي في الوريقات التي سمَّاها كتاب " القواعد " عن الجويني (٣) فإنه مع كونه خلافًا لفظيًا كما سيأتي مخالف لمذهب أهل السنة قاطبة، ولمذهب المحققين من الأشعرية، وذلك أنه قال ما لفظه: مذهب أهل الحق الإيمان بالقدر وإثباته، وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله وقدره وهو مريدٌ لها، ويكرَهُ المعاصي مع أنه مريدٌ لها لحكمةٍ يعلمها ﷾.
_________________
(١) من قوله: " تستلزم " إلى هنا ساقط من (أ).
(٢) في الأصلين: وسلمنا.
(٣) في " الأرشاد " ص ٢٣٧.
[ ٥ / ٤٠٢ ]
تصريح الجويني بأن الله تعالى يريد الكفر ويحبه ويرضاه
وهل يقال: يرضى المعاصي ويُحبها؟
فيه مذهبان لأصحابنا المتكلمين حكاهما إمامُ الحرمين وغيره.
قال إمام الحرمين في " الإرشاد " (١) مما اختلف أهل الحق في إطلاقه المحبة والرضا، وقال بعض أئمتنا: لا يطلق القول بأنَّ الله تعالى يحب المعاصي ويرضاها لقوله تعالى: ﴿ولا يَرْضى لعباده الكفر﴾ [الزمر: ٧].
قال: ومن حقَّق ما قال أئمتنا لم يلتفت إلى تهويل المعتزلة بل الله تعالى يريد الكفر ويُحبه ويرضاه، والإرادة والمحبة والرضا بمعنى واحد، وقوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ المراد العباد الموفقون للإيمان وأُضيفوا إلى الله تشريفًا لهم، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْربُ بها عبادُ الله﴾ [الإنسان: ٦] أي خواصهم لا كلهم. انتهى بحروفه.
وهو كلامٌ نازل جدًا، بل باطلٌ قطعًا، وإنَّما وقع فيه الإمام الجويني مع جلالته في العلم لأمرين:
أحدهما: ما ذكره من أن معنى المحبة والإرادة والرضا عنده واحدٌ، وتعلقه إنما هو بأفعال الله تعالى كما مر تحقيقه، وأفعاله تعالى مرضية محبوبة مجازًا عنده، لأنه لا يُجيزهما على الله تعالى حقيقة.
وثانيهما: ما تقدم من تجويز تعلُّق محبة الله تعالى ورضاه بالوقوع دون الواقع، والوجود دون الموجود حقيقة عند أهل السنة ومجازًا عند الإمام الجويني كوجود الكافر، فإنه تعالى يحب وجوده وليس ذلك يستلزم أنه يحب وجود الذنب منه، ولا يستلزم ذلك محبة الذنب نفسه، ولا أنهما سواء.
وهذا بناء على تلازم الإرادة والمحبة، وهو بحثٌ نظري لم يرد به نص شرعي (٢)، فينبغي من السني الأثري ترك هذه العبارات الكلامية، وعدمُ
_________________
(١) ص ٢٣٨ - ٢٣٩ و٢٥٠.
(٢) في (ش): سمعي.
[ ٥ / ٤٠٣ ]
اعتقادها، وإنما هي من محارات الأشعرية للمعتزلة.
والغرض بذكرها وأمثالها هنا بيان الوجه في ترك تكفير الخائضين في ذلك، وقبول الرواية من ثقاتهم، وإنما قطعنا ببطلان كلام الجويني، لأن الكفر هو متعلِّق الكراهة والسخط والغضب، فلا يصح أن يكون هو متعلق الرضا والمحبة، لأن هذه الألفاظ إما أن تكون حقيقةً أو مجازية، إن كانت حقيقية كما هو مذهب أهل الحديث والأثر، استحال اتحادُ متعلقها ضرورة، وإن كانت مجازية (١) استحال اتحادُ لوازمها وعلائقها.
أما لوازمها فإن الذم والعقاب يلازم الكراهة والسخط والغضب، والثناء والثواب يلازم المحبة والرضا كما حققه الشهرستاني أولًا، بل كما يشهد به المنقول والمعقول، ويستحيل تخلُّف الملزوم عن لازمه فيؤدى إلى اجتماع الذم والثناء، والثواب والعقاب من كل وجه.
وأما علائقها فإن علماء اللسان أجمعوا أنه لا يصح المجاز إلاَّ بعلاقة ظاهرة، فلا يصح تسمية الجبان أسدًا بغير علاقة، ولا تسمية الأبخر أسدًا بالعلاقة الخفية، لأن كل شيئين مشتركين في أمرٍ، وفي الشيئية لا يجوز أن يُسَمَّى أحدهما باسم الآخر لمثل هذا إجماعًا.
فتسمية الطاعة المرادة مرضية محبوبة إنما صحَّ مجازًا، لأنها اشبهت الأمورَ المرضية المحبوبة في الثناء والثواب، وهذا الشبهُ الذي صح معه التجوز هنا لم يحصُل في المعصية، وإن قدرنا أنها مرادة فلا تسمى مرضية محبوبة.
وأما اشتراكهُما في أن كل واحد منهما يُسمى إرادة فلا يكفي في استعارة اسم كل منهما للأخرى، كما لا يكفي اشتراكُ العلم والإرادة في أنهما عرضان، يوضح ذلك أن اشتراكهما في اسم الإرادة لو كان يُصحح التجوز بكل منهما عن الآخر، لوجب أن يصح تسمية الطاعة مكروهة مسخوطة مجازًا
_________________
(١) في (ش): وإن كان مجازيًا.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
وحقيقة، ذلك أنها مرادةٌ لا سوى، فكما أن هذا يمتنع لفقد قرينة التجوُّز وهي النهي، وفقد ملزوم هذه الألفاظ وهو الذم والعقاب، فكذلك العكس.
وأوضح من هذا أنه يصح عند الأشعرية تسمية المؤمن محبوبًا مجازًا يرجع في الحقيقة عندهم إلى الإرادة، ولا يصح أن يسمى مسخوطًا مجازًا، وعكسه الكافر يسمى مسخوطًا مجازًا، ولا يسمى محبوبًا مجازًا مع أن هذه الألفاط كلها راجعة إلى الإرادة، ولكن تختلف أسماؤها لاختلاف معانيها ومتعلقاتها.
ولو صح تسمية الكفر محبوبًا لله مرضيًّا مجازًا، لصحَّ تسمية الكفار أولياء الله وأحباءه مجازًا، لأنه أراد وجودهم لحكمة كما أراد وجود أسباب معاصيهم لحكمة.
وقد صح بالنصوص النبوية الصحيحة الشهيرة أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، وأنه أشدُّ فرحًا بها من العبد إذا وجد راحلته عليها متاعهُ وسِقاؤه بعد أن أضلَّها في أرض فلاةٍ، وأيس من وجدانها، وألقى نفسه ليموت، فبينا هو كذلك إذا أقبلت راحلته عليها متاعه وسقاؤه، فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من ذلك براحلته (١).
وبالإجماع يمتنع التجوز بمثل هذا في فرحه بمعصيته، وفرح الرب ﷿ هذا لا يدل على تقدم عجزٍ عن هداية العبد كما ظنته المعتزلة، ولا بد للمعتزلة من تأويله كما يتأولون الغضب والمحبة، وأهل السنة يثبتونه كما ورد من غير تشبيه، والعبد العاجز يفرح بحسنته، ولا يلزم من فرحه تقدم عجزه، فكيف يلزم ذلك من فرح القادر على كل شيء ﷾.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم ٢٧٤٧١) من حديث أنس بن مالك. وأخرجه البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤)، والترمذي (٢٤٩٧) و(٢٤٩٨) من حديث ابن مسعود. وأخرجه مسلم (٢٧٤٦) من حديث البراء بن عازب.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
وكما أن هذا يُفْحِمُ من ذهب إليه من الأشعرية، فإنه أيضًا يفحم المبتدعة من المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى تلازم الإرادة والمحبة، وإرادة الله تعالى متعلقة بالكفار وجودًا دون محبته، مع أن محبته عند المعتزلة ترجع إلى الإرادة أيضًا، ولكن مُتعلَّقها لا يصح إتحاده عندهم كما هو الصحيح عند الأشعرية.
فإيَّاك أيها السُّني والاغترار بكلام الجويني هذا، فإنه خلاف الكتاب والسنة والفطرة، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ من عصمه الله من الأنبياء والمرسلين.
على أن الإمام الجويني من أقرب الأشعرية إلى المعتزلة حتى عَدُّوه من الغُلاة في أثر قدرة العبد، فإنه جوَّز تأثيرها في إيجادِ الذوات، وزاد في ذلك على المعتزلة كما يأتي بيانه.
وما أحسن قول معاذ في سياق أثر عنه طويل: واتقِ زيغة الحكيم، قال الراوي: فقلت له: يرحمك الله وما زيغةُ الحكيم (١)؟ قال: هي التي يقال ما هذه ما هذه. خرجه أبو داود في آواخر كتاب السنن (٢).؟
فإن قلت: هلا جوزت تسمية القبيح المقدر محبوبًا من الوجه الذي قُدِّرَ لأجله، فإنه قدر لمصلحة راجحة ولم يكن تقديره عبثًا ولا سُدى، ولا يمنع من ذلك كونه مكروهًا لوجه قبحه لاختلاف الجهتين كما ذكرته في الوقوع، فلم منعته في الواقع ولو مجازًا مع ظهور العلاقة، وهي تقدير الحكيم له.
_________________
(١) في (أ): وما حسن قول زيغة الحكيم.
(٢) (٤٦١١) في السنة: باب لزوم السنة. وإسناده صحيح. ولفظه: فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال: قلت لمعاذ: ما يدريني -رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه ..
[ ٥ / ٤٠٦ ]
قلت: لأن كلامنا إنما هو في تسميته محبوبًا من فِعْلِ العبد وكسبه، وليس له من هذه الجهة وجهٌ يُرضى ويُحبُّ، لأنه قُدِّرَ مكروهًا.
وأما وجه حسن تقديره، فهو راجع إلى فعل الله، وفعله سبحانه محبوب مرضي حقيقة عند أهل السنة، ويستحيل تعلُّق الغضب به من حيث هو فعله.
وهذا هو الجواب على من قال: كيف قبحُ الذنب من المعاصي مع حسن تقديره من الله لحكمةٍ راجحة؟
ومن هذا الوجه يجب الرضا بالقضاء بالشرور، والقبائح مع كراهتها كما قاله الغزالي وغيره، وذلك مثل الرضا بقضاء رسول الله - ﷺ - دون المقضي به، حيث قال: " إن أحدكُم يكون ألحن بحجته فأقضي له، فمن قضيتُ له بمال أخيه، فإنما أقطع له قطعةً من النار " (١) أو كما ورد، وهو متفق على صحته.
والتمثيل به تقريبٌ لفهم البليد، وإلا فالبَوْنَ بين القضاءين بعيدٌ، فإن أراد ذلك الإمام الجويني فصحيح، ولا ينبغي أن يختلف فيه أهل الحق، لكن يختلفون في جواز إطلاقه لأنه يُوهم الخطأ، وهو كون المعاصي مرضية من جهة كسب العبد. فافهم ذلك.
فإن قلت: قد صدَّرت الجواب على المعتزلة بأن ما (٢) ألزموه أهل السنة من كون المعاصي محبوبةً غير لازم على جميع أقوالهم، ثم حكيت عنهم الاختلاف في ذلك، ونسبته إلى إمامهم الجويني، وهذا تناقض!
قلت: لم يختلفوا في أنها محبوبة قطعًا، إنما اختلفوا في صحة إطلاق هذه العبارة مجازًا، وذلك يقتضي منع حقيقتها، فتأمل ذلك.
وقد أوضحت المنع من إطلاق ذلك مجازًا عند أهل السنة وجماهير أهل الكلام، ولله الحمد.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٢/ ٢٩١.
(٢) ساقطة من (ش).
[ ٥ / ٤٠٧ ]
بحث مع المعتزلة في قولهم: إرادة القبيح قبيحة
قالت المعتزلة: إرادة القبيح قبيحة على كل وجهٍ، والله تعالى عندكم مريد للقبيح.
قلت: الدعوتان ممنوعتان معًا.
أما الدعوى الأولى: وهو أن إرادة القبيح قبيحة على كل وجهٍ فممنوعة.
بيانه: أنها ليست بقبيحة لذاتها، ولا لذات القبيح عند المعتزلة، لأنها لو قبحت لذاتها (١)، قبحت كل إرادة، وقبحت إرادة الحسن، ولو قبحت لذات القبيح، كان القبيح قبيحًا لذاته، ولو كان قبيحًا لذاته، قبح الحسنُ أيضًا، لأن ذات القبيح والحسن واحدة، وهي الحركة والسكون، بل المرجعُ بهما عند المعتزلة والأشعرية إلى مُجَرَّد لبث الجسم في الجهة، كما هو مقرَّرٌ في الكلام، وقد مر في ذمِّ الكلام.
فثبت أن قبح إرادة القبيح عند الخصوم أمرٌ عارض يجوز خلوها عنه، ويبدلها بعارض آخر يحسن معه.
ونظيره إرادة الحسن، فإنها حسنة لتعلُّقها بوجه حُسنه، ومتى عَرَضَ لها عارض يقتضي القبح، قبحت.
ولذلك أمثلة كثيرة، منها متفق عليه، ومنها مختلفٌ فيه، ومن أحسنها إرادة اليمين الواجبة شرعًا، وكراهتُها تجب من الوجه الذي قبحت منه عقلًا وشرعًا.
ولا يقال: إن هذه الصورة غير ما نحن فيه، لأن اليمين في هذه الصورة قد ورد الأمرُ بها، والمحبة بخلاف المعاصي، لأنا نقول: إذا جاز تعلق الأمر والنهي والمحبة والكراهة بأمرٍ واحد لاختلاف وجوهه وعوارضه ولوازمه، جاز تعلق الإرادة والكراهة بذلك وبأمثاله أولى وأحرى.
وكذلك الأمرُ باللعان.
_________________
(١) في (ش): بذاتها.
[ ٥ / ٤٠٨ ]
وكذلك قول موسى ﵇ للسحرة: ﴿ألْقُوا ما أنْتُم مُلْْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠].
وكذلك ما ثبت في " الصحيح " من استحباب سؤال القتل في سبيل الله، وأن من سأل ذلك صادقًا، أُعطي فضل الشهادة (١).
وكذلك ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة (٢)، وعُبادة (٣) وأبي هريرة (٤)، وأبي موسى (٥) عنه - ﷺ -: " مَنْ كَرِهَ لقاء الله كَرِهَ الله لقاءه ".
وتفسير ذلك أن الكافر لا يموت حتى يعلم أنه من أهل النار، فيكره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، والمؤمن لا يموت حتى يُبَشَّر بالجنة، فيحب الموت، فيحب الله لقاءه.
وفي ذلك أن الله تعالى قد يريد وقوع ما يكره لحكمة مثل لقاء الكافر، والنكتة العقلية في ذلك أن الله لما كان لا يريد الشر، فإن قدره، فلحكمةٍ هي خير، وهي المراد به كما قَدَّر القِصاص للحياة، واليمين الغموس لاستيفاء الحقوق.
فكان التحقيق أن المراد هو ذلك الخير، ولذلك لم يأتِ نصٌّ بأن شيئًا من
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٠٨) من حديث أنس. ولفظه: " من طلب الشهادة صادقًا أُعطيها وإن لم تُصِبْه ".
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٨٤) و(٢٦٨٥)، والترمذي (١٠٦٧)، والنسائي ٤/ ١٠، وابن ماجه (٤٢٦٤)، وأحمد ٦/ ٤٤ و٥٥ و٢٠٧ و٢١٨ و٢٣٦.
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣)، والترمذي (١٠٦٦)، والنسائي ٤/ ١٠، والدارمي ٢/ ٣١٢، وأحمد ٥/ ٣١٦ و٣٢١.
(٤) أخرجه مالك في " الموطأ " ١/ ٢٤٠، والبخاري (٧٥٠٤)، ومسلم (٢٦٨٥)، والنسائي ٤/ ١٠، وأحمد ٢/ ٤٢٠.
(٥) أخرجه البخاري (٦٥٠٨)، ومسلم (٢٦٨٥).
[ ٥ / ٤٠٩ ]
الشرور مرادٌ لله، لأن المراد به غيره، ولأنه يوهم أنها إرادة طلب ورضا، وأنه مرادٌ لذاته.
ومن أهل السنة من تجاسر على تسميته مُرادًا، وإن كان قبيحًا، وإن كان مُرادًا لغيره، والأولى تركُ ذلك لإيهامه، ولعدم النصِّ فيه.
ومن أمثلته المجمع عليها عند الخصوم، جواز كراهة المعاقب لعقاب نفسه المستحق، لكونه مَضَرَّة لنفسه، لا لكونه حسنًا مع إرادة الله له وحسنها وحسنه.
ومن أمثلته عند أبي الحسين من المعتزلة: أن المكروه يجوز أن يسمى بذلك، لأن الله يكرهه من جهة نقصه لا من جهة حُسنه. ذكره في " المعتمد ".
ويعبر أهل علم المعقولات عن ذلك بإرادة الشر لأجل الخير كالحجامة، فالخيرُ هو المقصود الأول، وهو الذي يُراد لذاته، والشر هو المقصود الثاني، وهو الذي يُرادُ لغيره، كالحجامة ترادُ وسيلة للعافية، ولا يريد الحكيم الشر بمجرد كونه شرًا قطعًا.
ومن أمثلة ذلك ما جرى من الخَضِرِ ﵇ مما ينكره العقل والشرع في بادىء الرأي قبلَ كشفِ أسرار الأقدار.
وكذلك جميع المقدورات المقبَّحة في العقل والشرع، بل من ذلك إرادة موت الأنبياء ﵈ والصالحين، فإنها تحسنُ من الله تعالى عند المعتزلة، لأنها متعلقة بداعي حكمة، مع أنها تقبُحُ من الشياطين وأعداءِ الإسلام حيث يُريدون ذلك لأغراض قبيحة.
وكذلك تمكين الكُفار من حرب الأنبياء وقتلهم يحسُنُ عند المعتزلة من الله تعالي، ولا يحسن من غيره لاختلاف الوجوه، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم حيث قال في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
[ ٥ / ٤١٠ ]
وروى الزمخشري (١) في تفسيرها: أنها لم تدلُّ على التحريم، وأنها لما نزلت شَرِبَ الخمر ناسٌ، وتركها آخرون.
وروى الحاكم (٢) عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّبٍ أن عمر ﵁ قال: " اللهُمَّ بيِّن لنا في الخمر، فنزلت: ﴿لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وأنْتُم سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فقال: اللهُمَّ بيِّنْ لنا في الخمر، فنزلت: ﴿فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس﴾ فكأنها لم تواقق من عمر الذي أراد، فنزل ﴿إنَّما الخمر والمَيْسِرُ﴾ إلى ﴿فهل أنتم مُنتهُون﴾ [المائدة: ٩٠] ققال عمر: انتهينا يا رب. قال الحاكم: صحيح.
قلت: وخرَّجه النسائي (٣) من غير طريق الحاكم إلى أبي إسحاق، عن أبي ميسرةَ، عن عمر بنحوه.
ورواه أبو داود، والترمذي (٤) عن عمر، وقال الترمذي: حديث صحيح.
وخرج أبو داود (٥) عن ابن عباس أن آية المائدة نسخت ﴿لا تقربُوا الصلاةَ وأنْتُم سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿قُلْ فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناس﴾ [البقرة: ٢١٩].
_________________
(١) في " الكشاف " ١/ ٣٥٨.
(٢) في " المستدرك " ٤/ ١٤٣.
(٣) ٨/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٤) أبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩) من طريق أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب. وأخرجه أحمد ١/ ٥٣، والطبري (١٢٥١٢)، والبيهقي ٨/ ٢٨٥. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ١/ ٦٠٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في " ناسخه " وأبي الشيخ، وابن مردويه، والضياء المقدسي في " المختارة ".
(٥) رقم (٣٦٧٢) وإسناده حسن.
[ ٥ / ٤١١ ]
ويوضحه أن الخمر لم تحرَّم إلاَّ مرة واحدة، وأن تحريمها كان بآية المائدة، فقد صحَّ معنى ذلك، وفيه أوضح دليلٍ على جواز تعلُّق الإرادة والكراهة بأمر واحد لاختلاف الوجوه والاعتبارات.
والتحقيق أنه لما كان قبح القبيح غير ذاتي، وإنما نشأ من تعلُّق إرادة فاعله بإيقاعه على وجهٍ مخصوص، كان الوجه في قبح إرادته هو تعلقها بذلك الوجه المخصوص، لأن قبحها تبعٌ لقبح القبيح، فكان منشأ قبحها من جهة واحدة، وتلك الجهة عند الأشعرية هي مخالفة الأمر، وعند المعتزلة وكثير من أهل السنة هي الوجه المخصوص الذي وقع الفعل عليه، وكان علةً في التحريم الشرعي، وليست الإرادة تؤثر في قُبح القبيح عند المعتزلة كما يأتي في مسألة الأفعال.
فثبت أن هذه العوارض التي قُبح الفعل وإرادته لأجلها منفصلة عن إرادة الله تعالى لو قدرنا ما ليس بصحيح من خلق إرادة الله بعين ما هو فعل العبد.
بيانه: أن فعل العبد يقعُ منه تارة أمتثالًا لله تعالى، وإرادة لطاعته ﷿ بداعي الرغبة أو الرهبة أو المحبة، فيوصف بأنه طاعة وعبادة، وتتعلق به حينئذ محبة الله ورضاه، وأمره ووعيده، وثناؤه وثوابه حقيقة، وإرادته ومشيئته مجازًا.
وتارة مخالفة للأمر ضعفًا وعجزًا، أو شهوةً أو نفرة، فيوصف بأنه معصية وسيئة.
وتارة مخالفة للأمر استهانة وجحدًا، فيوصف بأنه كفر.
ولا يصح أن يريد الله تعالى وقوعه ممن لم يستحق العقوبة على وجه من هذه الوجوه على جهة الإضلال ابتداء لقوله: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦].
وإنما يجوز عقلًا أن يريد وقوعه ابتداء قبل استحقاق العبد لعقوبته ابتلاء، ولا يُسمى إضلالًا لما لا يُحيط بعلم جميعه إلاَّ هو سبحانه و﴿لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا﴾ [البقرة: ٣٢] كما قالت الملائكة، ﴿ولا يُحيطونَ بشَيْءٍ من عِلمِه إلاَّ
[ ٥ / ٤١٢ ]
بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] كما قال في أفضل آية في أشرف كتبه الكريمة.
وفائدة هذا التجويز العقلي هو الإيمان بما وردت به النصوص من ذلك إن وردت بشيءٍ منه، لأنا ندعي أنها قد وردت بذلك، إنما ورد ما يدلُّ عليه بلفظ آخر، فنؤمن بذلك اللفظ، ولا نبدله بلفظ منا، لأن لفظ الشرع إن كان جليًّا فيما فهمنا، فهو أبركُ وأقطع للنزاع، وإن كان خفيًا، لم نأمَنِ الخطأ في تبديله، ولم يُعنَّف من خالفنا في تأويله.
والفرق بين هذا وبين قول المعتزلة أنهم يقطعون بنفي قدرة الله على اللطف بالعصاة، ونحن نقطع على قدرته على ذلك.
وإنما وقفنا في متعلق إرادته هل هو أفعاله سبحانه التي علم أن (١) أفعال العباد تقع عندها، كما هو قول الأشعرية المحققة، أو هو الواقع، والوقوع من الطاعات دون الواقع من غيرها؟
فهذا موضعٌ مُشكِلٌ دقيق، وحظُّنا فيه ومنتهانا الإيمان بالنصوص على ما أراد الله، وعدم تبديلها بعبارةٍ أُخرى، والراجح عقلًا أن إرادته تعالى لا تُعَلَّق (٢) إلا بأفعاله، والله سبحانه أعلم، فينظر في السمع وما فهَّمناه سبحانه من ذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ - محبة (٣) ظهور حلمه وعفوه ونعمه في الدنيا على جميع خلقه من أهل السعادة والشقاوة، وفي الآخرة خالصًا لأهل السعادة، وزيادة الحجة على الأشقياء في الدارين، وذلك بمجموع أدلة:
منها: ما روى مسلم في " الصحيح " عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: " لو لم تُذْنِبُوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم ".
وفي رواية: " يُذنبُون كي يغفر لهم " وهو حديث صحيح مشهور.
_________________
(١) من قوله: " ومن أحسنها " ص ١٥٩ إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): تتعلق.
(٣) في (ش): إرادة.
[ ٥ / ٤١٣ ]
خرجه مسلم في كتاب التوبة، وأحمد بن حنبل في " المسند " من حديث جماعة من الصحابة.
ورواه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١) من حديث أنس، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي أيوب الأنصاري.
وهذه طرق مسلم: حدثني محمد بن رافع (٢)، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جعفر الجزري -هو (٣) ابن برقان- عن يزيد بن الأصمِّ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون الله فيغفرُ لهم " (٤).
قال المزي في " الأطراف " (٥): زاد أبو مسعود (٦) وحده: أن عبد بن حميد تابع محمد بن رافع، عن عبد الرزاق.
ورواه أحمد (٧) من حديث زهير بن محمد التميمي (٨)، عن سعدٍ أبي مجاهد الطائي، عن أبي مُدِلَّة مولى عائشة، عن أبي هريرة مرفوعًا به.
_________________
(١) ١٠/ ٢١٥.
(٢) تحرفت في (أ) إلى: نافع.
(٣) في (أ): (عن)، والتصويب من (ش).
(٤) رقم (٢٧٤٩)، وأخرجه البغوي في " شرح السنة " (١٢٩٤) و(١٢٩٥).
(٥) ١٠/ ٤١٩.
(٦) في (ش): " سعيد "، وهو خطأ.
(٧) في " المسند " ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥ و٣٠٦. وأخرجه الطيالسي (٢٥٨٣)، وابن حبان (٧٣٨٧) من طريق زهير، به. وأخرجه الترمذي (٢٥٢٦) من طريق حمزة الزيات، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن المبارك في " الزهد " (١٠٧٥) من طريق حمزة إلاَّ أنه قال: عن رجل عن أبي هريرة.
(٨) كذا الأصلان، وهو خطأ، صوابه زهير بن معاوية بن حُديج أبو خيثمة الجعفي.
[ ٥ / ٤١٤ ]
وخَرجه الحاكم في التوبة من " المستدرك " (١) من طريقٍ أُخرى عن الربيع ابن سليمان، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن درَّاجٍ، عن ابن حُجيرة (٢)، عن أبي هريرة، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
فهذه ثلاث طرق عن أبي هريرة وحده.
قال مسلم (٣): حدثنا قتيبة بن سعيدٍ، حدثنا ليثٌ، عن محمد بن قيس قاصِّ عمر بن عبد العزيز، عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب، أنه قال حين حضرته الوفاة، قال: كنت كتمتُ عنكم شيئًا سمعته عن رسول الله - ﷺ -، وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لولا أنَّكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون فَيغْفِرُ لهم ".
حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، هو عبد الله، حدثني عياضٌ، وهو ابن عبد الله الفهري، قال: حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن محمد بن كعب القُرظي، عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري، عن رسول الله - ﷺ -، قال: " لو أنكم لم يكن لكم ذنوبٌ يغفرها الله لجاء الله بقوم لهم ذنوبٌ يغفرها لهم ".
وخرجه الترمذي (٤) في الدعوات عن قتيبة بإسناده المتقدم وقال: حسن غريب.
قال المِزِّي (٥): رواه عبد الرحمن بن أبي الرِّجال، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، كلاهما عن عمر مولى غُفرة، عن محمد بن كعبٍ، عن أبي أيوب (٦).
_________________
(١) ٤/ ٢٤٦.
(٢) في (أ): " أبي حجير "، وفي (ش) و" المستدرك ": ابن حجير "، وكلاهما خطأ، وهو عبد الرحمن بن حجيرة.
(٣) رقم (٢٧٤٨).
(٤) رقم (٣٥٣٩).
(٥) في " تحفة الأشراف " ٣/ ١٠٢ و١٠٨.
(٦) أخرجه من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجال: الترمذي (٣٥٣٩).
[ ٥ / ٤١٥ ]
ورواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن محمد بن قيس، عن محمد بن كعب، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب.
قال المزي: وهو أشبهُ بالصواب ممن أسقط منه محمد بن كعب.
قلت: ولهذا قال الترمذي: إنه حديثٌ حسن غريب، يعني: بإسقاط محمد بن كعب، وإلا فهو حديثٌ صحيح شهير.
وحديث أبي أيوب متفقٌ على صحة قواعده بالإسناد الأول، لم يختلف في توثيق رجاله ليس فيهم إلاَّ عِياضٌ، وقد وُثِّق، وهو حسن الحديث، وإبراهيم بن عبيدة: وثَّقه أبو زرعة ولم يُعارض بتضعيفٍ، وهارون بن سعيد: فقيه ثقة لم يختلف فيه، فثبت الحديث في الكتب الستة أربع طرق طريقان على شرط الصحاح المتفق عليها، وطريقان على شرط الحسان مع ما له من الشواهد في سائر المسانيد عن الصحابة الذين ذكرناهم أولًا (١).
فقد رُوي من غير وجهٍ عن رسول الله - ﷺ -.
منها: عن أنس، رواه أحمد (٢) وأبو يعلى، وقال الهيثمي (٣): رجالُه ثقات.
ومنها: عن ابن عباس (٤) رواه أحمد، والطبراني في المعجمين " الكبير " و" الأوسط "، ورواه البزار وفي إسناده يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري وهو ضعيف وقد وثق، وبقيتهم ثقات.
ومنها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٥)، رواه الطبراني في معجمه " الكبير " و" الأوسط "، والبزار، ورجالُه ثقاتٌ، وفي بعضهم خلافٌ.
_________________
(١) تحرف في الأصل إلى: وإلاَّ.
(٢) ٣/ ٢٣٨.
(٣) في " المجمع " ١٠/ ٢١٥.
(٤) أخرجه أحمد ١/ ٢٨٩، والطبراني في " الكبير " (١٢٧٩٤)، والبزار (٣٢٥٠).
(٥) أخرجه البزار (٣٢٤٧) و(٣٢٤٨)، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٢٠٤، والحاكم ٤/ ٢٤٦.
[ ٥ / ٤١٦ ]
ورواه الحاكم في التوبة شاهدًا لحديث أبي هريرة المتقدم من طريق أبي بلجٍ يحيى بن سليم، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عمر.
ومنها: عن أبي سعيد رواه البزار (١)، وفيه يحيى بن كثير (٢) صاحب البصري ضعيف.
وفي هذه الأحاديث الشريفة تنبيهٌ على حكمة واحدة من حِكَمِ الله تعالى في تقدير المعاصي، وهو ظهورُ كثير من آثار أسمائه الحسنى من فضله وعفوه ولطفه وحلمه، ونحو ذلك بسبب تخليته سبحانه بين العبد والذنب.
فأيُّ قُبح في محبة الرب ﷻ لظهور آثار أشرف محامده، وهي الإحسان بعد الإساءة، والحلم بعد العلم بالعظائم، بل بعد طلب أهلها لتعجيل العذاب تكذيبًا لمن توعدهم به، كما حكى الله سبحانه عنهم في قوله تعالى: ﴿ويَستعْجِلونَك بالعذاب﴾ [الحج: ٤٧]، [العنكبوت: ٥٣].
ولهذا قيل في محامد الرب سبحانه: الحمد لله على حلمه بعد علمه، وعلى إحسانه بعد إساءتنا.
ولذلك عدَّ رسول الله - ﷺ - ذلك أفضل البر، بل جعل الإحسان قبل الإساءة كلا إحسان بالنظر إليه بعدها.
ففي " صحيح البخاري " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص " ليس الواصِلُ بالمكافيء، الواصل من إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها ".
وخرجه أبو داود والترمذي، ولفظ أبي داود " انقطعت رحمُه " (٣).
_________________
(١) رقم (٣٢٥١).
(٢) في (أ): " سعد "، وفي (ش): " سعيد "، وكلاهما خطأ، والمثبت من " كشف الأستار " و" مجمع الزوائد ".
(٣) البخاري (٥٩٩١)، وأبو داود (١٦٩٧)، والترمذي (١٩٠٨).
[ ٥ / ٤١٧ ]
وفي الباب عن أبي هُريرة خرَّجه مسلم (١)، وطرق ذلك في الكتب الستة معروفةٌ وشواهدها كثيرة شهيرة.
وعن علي رضوان الله عليه، قال: قال لي النبي - ﷺ -: " ألا أدُلُّك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة: أن تصل من قطعك، وتُعطي من حرمك، وأن تعفو عمَّن ظلمك ". رواه الطبراني " في " المعجم الأوسط " من طريق الحارث بن عبد الله الهمداني (٢).
وعن عقبة بن عامر: لقيت رسول الله - ﷺ - فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال؟ فقال: " صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرِضْ عمن ظلمك ".
وفي رواية: " واعفُ عمَّن ظلمك " رواه أحمد والطبراني، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات (٣).
وعن كعب بن غُجرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -. " ألا أدُلُّكُم على خير أخلاق الدنيا والآخرة: من وصل من قطعه، وعفا عمن ظلمه، وأعطى من حرمه " رواه الطبراني مسندًا ومرسلًا. وفي المسند: محمد بن جابر السُّحيمي مقارب الحديث (٤).
_________________
(١) رقم (٢٥٥٨) ولفظه: أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهلون علي، فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهُم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك ".
(٢) ذكره الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٨٨ - ١٨٩، وقال: وفيه الحارث، وهو ضعيف.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٨ و١٥٨، والطبراني ١٧/ (٧٣٩) و(٧٤٠). ذكره الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٨٨.
(٤) أخرجه الطبراني في " الكبير " ١٩/ (٣٤٣) من طريق محمد بن جابر، عن أبي إسحاق، عن أبي الحسين، عن كعب بن عجرة. وقال عقبه: وروى أبو الأحوص عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي الحسين قال: قال رسول الله - ﷺ - ولم يذكر كعب بن عجرة. =
[ ٥ / ٤١٨ ]
وعن مُعاذ بن أنس عنه - ﷺ -: " أفضل الفضائل أن تَصِلَ من قطعك، وتُعطي من حرمك، وتصفح عمَّن شتَمك " رواه الطبراني، وإسناده حسن (١).
وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا نحو ذلك (٢).
وعن أُبي بن كعب مرفوعًا نحو ذلك (٣).
ويشهدُ لمعناه من كتاب الله مثل قوله: ﴿ويَدْرَؤونَ بالحسنةِ السيئةَ﴾ [الرعد: ٢٢]. ﴿وما يُلقَّاها إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥].
وفي " جامع الأصول " (٤)، و" البخاري " في تفسير قوله تعالى في حم السجدة: ﴿ادفَعْ بالتي هِيَ أحسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] عن ابن عباس قال: الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فَعَلُوه عصمهم الله، وخضع لهم عدوهم. ذكره البخاري بغير إسناد (٥)، ولم يُسنده ابن حجر، لكنه بصيغة
_________________
(١) = وذكره الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٨٩ فقال: رواه الطبراني وفيه محمد بن جابر السحيمي، وهو متروك. ورواه مرسلًا وفيه من لم أعرفه.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٨، والطبراني ٢٠/ (٤١٣) و(٤١٤) من طريق زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه مرفوعًا. وزبان بن فائد: ضعيف، كما ذكر الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٨٩.
(٣) أخرجه البزار (١٩٤٧) وقال الهيثمي في " المجمع ": وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب. وذكره الهيثمي من طريق أخرى، وقال: رواه الطبراني، وفيه أبو أمية بن يعلى، وهو ضعيف.
(٤) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٥٣٤)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط "، وفيه أبو أمية بن يعلى، وهو ضعيف.
(٥) ٢/ ٣٤٥.
(٦) علقه البخاري ٨/ ٥٥٦ في تفسير سورة حم السجدة (فصلت)، عن ابن عباس، ووصله الطبري في " تفسيره " ٢٤/ ١١٩، والبيهقي في " السنن " ٧/ ٤٥، وابن حجر في "تغليق =
[ ٥ / ٤١٩ ]
الجزم. ويشهدُ له: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥].
فإذا تقرَّر هذا، فإن الرب ﷾ يحب من كل خير، وفضل، وبِرٍّ، ومعروف، وإحسان، وعفو، وتكرُّم أعظمه، وأكمله، وأتمه، وأفضله، وأحسنه، وأجمله، قال الله تعالى في نحو ذلك بعد ذكر من لا يُهدى أبدًا: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨] فسمى الله تأخير العذاب مغفرة ورحمة، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [الجاثية: ١٤]، وقال تعالى: ﴿فاعفُوا واصفحوا﴾ [البقرة: ١٠٩].
وفي هذه الآيات والآثار دلالةٌ على أن المغفرة في الدنيا بعد الذنوب مما أراده الله سبحانه، وتمدَّح به، وأمر به المؤمنين، وندبهم إليه، ثم إذا لم يلتطِفْ عبد السوء بالرحمة والعطف، ولم ينتفع بالرفق واللطف، أذاقه الله تعالى من العذاب الأدنى تارة على جهة التكفير، كما جاء فيم حدود المسلمين وآلامهم، وتارة على جهة التذكير، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١] ثم بعد ذلك يعاودُ الإمهال، وإقامة الحجة بكثرة النعم، ثم بعد ذلك ينتقم منهم للمؤمنين، ويجعلهم موعظة للمتقين كما وردت به النصوص إلى غير ذلك من الحكم والغايات الحميدة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الأنعام: ٤٣ - ٤٥].
_________________
(١) = التعليق" ٤/ ٣٠٣ من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. قلت: علي بن أبي طلحة روايته عن ابن عباس مرسلة، فإنه لم يره. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٧/ ٣٢٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٥ / ٤٢٠ ]
فأشار بقوله: ﴿والحمدُ للهِ ربِّ العالمين﴾ إلى استحقاقه الحمد على ذلك، لما يصحبهُ من الحجة الدامغة، والحكمة البالغة في نصر المؤمنين، والانتصاف للمظلومين، وغير ذلك، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الزمر: ٧٥].
بيان ذلك أنه لما كان موجب كمال صفات الله تعالى وملكه الحق يقتضي أن يكون ملكًا عزيزًا مخوفًا مَهيبًا يُخاف ويُهاب، ويُخشى ويُتَّقى مثلما يُسترحمُ ويُستعطف، ويُسأل ويُرتجى كما سيأتي في آخر مسألة الأفعال في ذكر اسمه الضار النافع، وبيان أن ضره عدلٌ ونفعٌ وحكمة، كان من موجب كماله في الملك والربوبية، وموجب صفاته التي يستحيل تعطيله عنها، ويستحيل تخلُّف آثارها عنها، وسلبُ أحكامها منه، أن عبد السوء متى أصرَّ على عصيانه، وتعدى حدوده وتجبَّر على أوليائه، ولم يشكر النعمة في إمهاله، وإقاله عثرته، ولا قبل ما عَرضَه له من غُفرانه، وعلم الله سبحانه إصراره على مثل ذلك لو عاد له بالإمهال، جاز أن يُبَدِّلَ تلك الرحمة بالسخط والرفق بالعُنف، والنعمة بالعقوبة، والتيسير لليسرى بالتيسير للعسرى لما يأتي من وجوه الحكمة في تقدير الشرور والعقوبات، وله في ذلك الحكمة البالغة، والحجة النيرة.
قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [البقرة: ٢١١].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَة﴾ [آل عمران: ١٧٦].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
[ ٥ / ٤٢١ ]
وقال ﷿: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوه﴾ [التوبة: ٧٧] الآية.
وحكى الله تعالى عن كليمه ﵇ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم﴾ [يونس: ٨٨].
وحكى عن خير ابني آدم أنه قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَك﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِك﴾ [المائدة: ٢٨ - ٢٩].
وتقدم في آيات المشيئة من هذا طرف وهو قرآنيٌّ معلوم، وتأويله ممنوعٌ، لمثل ما تقدم من المنع من تأويل آيات المشيئة، حتى جاء في كتاب الله تعالى استنكارُ خلافه في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [آل عمران: ٦٨ - ٨٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
فقوله: ﴿على عِلمٍ﴾ إشارة إلى ما علم الله من استحقاقه الإضلال عقوبة
[ ٥ / ٤٢٢ ]
والله أعلم.
ثم أن العقوباتِ لا تخلو من الحكم والغايات المرجِّحة الحميدة، المرجحة لها على العفو كالانتقام لأولياء الله تعالى مرةً، والموعظة لهم أخرى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]، وآخرها مثل قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٦ - ٢٧].
وهذا تخصيصٌ لعموم مفهوم ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِم﴾ كما خصه الله في آخرها بقوله: ﴿إلاَّ الَّذين تابُوا﴾، وفي قوله: ﴿والله عليمٌ حكيم﴾ تعليل التخصيص بالحكمة والعلم لا بمجرد الاتفاق كما ذلك يعلل به في آخر آية المُرْجَين لأمر الله في سورة التوبة [١٠٦].
وقال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِين﴾ [البقرة: ٦٦] وهذا يعمُّ عقوباتهم كلها سواء كانت بالحرب في الدنيا، أو بالأمراض، أو بعذاب الآخرة، أو بالإضلال المُؤدي إلى ذلك، وهو مشهورٌ في كلام علماء الإسلام حتى في كلام أئمه الزيدية، ففي كلام المنصور بالله ﵇ مع شدته في الرد على الجبرية ما لفظه في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، والعقوبة يجوز إنزالها بالمستحقين ويجوز تقديم شيءٍ منها في الدنيا كما فعل بالمستهزئين (١).
وكذلك قوله (٢) تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] قال: فالمراد بذلك تنزيهُها (٣)
_________________
(١) في (أ): بالمنتقمين.
(٢) في (ش): وكذلك قال في قوله.
(٣) في (أ): بتنزيهها.
[ ٥ / ٤٢٣ ]
تلخيص في متعلق كراهة الله وإرادته
من خوف العذاب وغمِّ الآلام لمجاهدتهم له بالمعاصي، وذلك جائزٌ واللاَّئمة عليهم دونه تعالى. ذكر ذلك في " الأجوبة الشافية عن الأسئلة (١) الشافية " في " المجموع المنصوري ".
وقال فيه في " رسالة الإيضاح لمعجمة الإفصاح ": الكلام على ذلك أن الله تعالى إذا أراد خذلان عبده وكَلَه إلى نفسه، وسلبه توفيقه عقوبة له على فعله.
وقال في الجزء الثالث في جواب كتاب من القاضي علي بن نشوان (٢) وقد ذكر سبهم له: وهذا خذلانٌ نعوذُ بالله منه، لأن الله تعالى إذا أراد خذلان عبده وكله إلى نفسه، وسلبه توفيقه إلى قوله: ولكن هذه سنة الله في مُعَارِضِ الحق عمدًا أن يسلُبَه الله التوفيق والصواب فيما هو فيه. انتهى بحروفه.
وتقدم عن قدماء أهل البيت ﵈ النصُّ على مثل قول أهل السنة في المشيئة والقدر، والتصريح به كما ذكره في " الجامع الكافي "، وفي الرسالة المنسوبة إلى الحسن البصري تصريح بمثل كلام المنصور بالله ﵇، واحتجاج بقوله: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] وأمثالها.
فتلخص أن كراهة الله تعالى تُعَلَّقُ (٣) بالوجوه التي قَبُحت القبائح لأجل قُبحها (٤) مجردًا عن النظر إلى تلك الوجوه، وإرادته تُعَلَّق بما هو فعله سبحانه، وليس من أفعال العباد، ولكنه يلابس أفعال العباد ملابسة لا تُمَيَّزُ لكثير من
_________________
(١) في (ش): المسائل.
(٢) هو علي بن نشوان بن سعيد الحميري، شاعر مؤرخ يماني تولى أعمالًا كبيرة، وجمع " سيرة الإمام المنصور بالله " وله شعر في أجزاء، وصنف لكثير من مشاهد المنصور وحروبه، ومنه ما حض به قبائل همدان على الجهاد مع المنصور، توفي بجهة خولان. " الأعلام " ٥/ ٢٩.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): التي قبحت لأجلها القبائح لا لأجل قبحها.
[ ٥ / ٤٢٤ ]
الكلام في معنى الدعوى الثانية للمعتزلة: أن أهل السنة يعتقدون أنه تعالى مريد لقبائح أفعال العباد
الناس، إما ذواتها على قول أو أسبابها ومقاديرها على قول (١).
وإن كان متعلق الإرادة والكراهة لفظًا إضافيًّاَ عدميًا، فإنه يَصِحُّ إرادة ذلك، كما يصحُّ إرادة التروك ونية الصوم، وإرادة عدم المضارِّ.
ويُشبه هذا تعلق كراهته تعالى وعداوته بالكفار مع تعلق (٢) إرادته ومشيئته بهم، لكن المتعلق مختلف، فإن متعلق كراهته صفات أفعالهم التي قبحت لأجلها، ومتعلق بُغضه، وغضبه وسخطه وعداوته عند المتكلمين ذمهم وعقابهم، ومتعلق إرادته ومشيئته وجودهم وبقاؤهم، وقد توصف الذوات بالحسن والقُبح عُرفًا، وتتعلق بها الإرادة والكراهة في ظاهر اللفظ توسُّعًا شائعًا (٣) حتى صار حقيقة عرفية مفهومة من غير قرينة ولا مشاحة في العبارات مع إرشاد القرائن إلى المقصود، فكيف مع نصوص أهل السنة على مقاصدهم؟ فوضح منع الدعوى الأولى، وهي (٤) قبحُ (٥) إرادة القبيح على جميع الوجوه مُطلقًا من غير تقييد.
وأما الدعوى الثانية: وهي أن أهل السنة يعتقدون أنه تعالى مريدٌ لقبائح أفعال العباد لأجل قبحها ووقوعها على الوجوه التي قَبُحت لأجلها، فدعوى باطلةٌ ممنوعة أيضًا، لأنا قد بَيَّنَّا أنهم ما عَنَوْا أنه يحبها ولا يرضاها ولا يريدها منهم إرادة الطلب التي تلازم الأمر، ويعدى بحرف " من " كما مضى مقررًا في تفسير كلام جعفر الصادق ﵇ الذي رواه عنه الشهرستاني، وكلام أحمد بن عيسى بن زيد الذي رواه صاحب " الجامع الكافي ". وبيَّنَّا هناك أن الإرادة تختلف معانيها بحسب تعديها بنفسها (٦) إلى مفعولها الأول، وتعديها بحرف جرٍ إلى مفعولها الثاني، وأن ذلك الحرف إن كان " من " دلَّ على ملازمة الإرادة للطلب والأمر كقوله تعالى: ﴿ما أُريدُ منهم من رزقٍ﴾ [الذاريات:
_________________
(١) " على قول " ليس في (أ).
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) من قوله: " وتتعلق " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (أ): هو.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): بلفظها.
[ ٥ / ٤٢٥ ]
٥٧]. وعلى هذا لا يجوزُ أن يقال: إن الله تعالى أراد المعاصي من العباد، لأنه يستلزِمُ أنه طلبها منهم، وعليه يُحملُ قوله تعالى: ﴿ما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنس إلا لِيَعْبُدون﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: لطلب ذلك منهم، وأمرهم به، ومحبة شرع ذلك لهم دينًا يتقربون به، وقد يُسمى هذا الطلب والمحبة إرادة كما مضى.
وإن كان الحرف (١) هو الباء الموحدة أو اللام كانت الإرادة ملازمة للعلم، وكان المفعول الثاني (٢) كالعلة في الأول غالبًا، ودلَّ تخلُّفه على عدم قُدرةِ من أراده.
وعلى هذا قال أهل السنة: إن الله تعالى ما أراد بالكفار الطاعة والجنة، ولا أراد ذلك لهم، لأنه لو أراد ذلك بهم ولهم، كان كما أراد، ولو لم يكن كما أراد استلزم عقلًا وسمعًا ما لا يجوزُ على الله تعالى من العجز، لأن معنى أرادها بهم ولهم: أراد أن يَهديَهم لها، ولذلك قالت المعتزلة: إنه لا يَقْدِرُ على هدايتهم ﷿ عن ذكر ذلك، وجمع ذلك، فإن الله تعالى يكره المعاصي ولا يحبها، ولا تناقض بين ذلك لاختلاف الجهات التي تعلقت بها إرادته وكراهته.
وسيأتي جواز تعلق المحبة والكراهة بالشيء الواحد باعتبار جهتين، وقد مرَّ أيضًا وما أحسب فيه خلافًا.
وهذا التفصيل والتلخيص قلَّ من يعرفه، بل ما تلخصَ لي إلاَّ بلُطفِ الله بعد تكرار النظر مدة طويلة، فالحمد لله.
وقد يخالفهُ عبارة بعض أهل السنة، فيقولون: إن الله تعالى أراد المعاصي من العباد، ولا يعنُون إرادة الطلب قطعًا، بل يعنون: أرادها لهم وبهم لما يأتي من وجوه الحكمة، لا لأجل قبحها، فإنه يجب القطعُ بأنه لا يريدها من حيث قبحت كما قال: ﴿وما الله يُريدُ ظُلْمًا للعبادِ﴾ [غافر: ٣١]، وفي آيةٍ
_________________
(١) في (ش): الجواب.
(٢) في (ش): الثاني المفعول.
[ ٥ / ٤٢٦ ]
﴿للعالمين﴾ كما سيأتي بيانه في رد أدلة المعتزلة، وبيان مقاصد أهل السنة.
وإنما أخطؤوا في العبارة وحَسِبُوها تدل على عدم الطلب كما صرح الشهرستاني بذلك كما مضى تقريره في كلام جعفر الصادق، والأولى تجنبُ هذه العبارة، لأنها توهم أنه يأمُرُ بالمعاصي ويُحبها من حيث هي معاصٍ، وليس كذلك قطعًا كما يأتي.
بل الذي أُحبُّه وأرتضيه للسني أن لا يتجاوز ألفاظ القرآن والسنة، فإنها لم تَرِدْ إلاَّ بما يقتضي به كمال قدرة الله تعالى من التمدح بنفوذ المشيئة في كل شيء، وهذا وصف عظيم يختص به الرب، ويعجز عنه كل قادر سواه بخلاف مجرد إرادة القبيح، فإنه قد يَقَعُ من الضعيف والعاجز، ومتى تعلقت إرادة القبيح بالوجه الذي قبح لأجله تنزه الرب تعالى عنها بالمرَّة كما يتنزه عن كل عيب وذمٍّ كما قال تعالى: ﴿وَمَا الله يُريدُ ظُلمًا للعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، وإن كان سياقها يقتضي أن المراد: وما الله يريد أن يظلِمَ العباد كما سيأتي، فإن العلة قبح إرادة القبيح بغير شك، واختصت بشرار خلقه، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها.
وما أحسن عبارة موسى كليم الله ﵇ حيث قال: اللهم إنك رب عظيم لو شِئْتَ أن تطاعَ، لأُطِعْتَ، ولو شئتَ أن لا تُعصى، ما عُصيت، وأنت تُحبُّ أن تطاع، وأنت في ذلك تُعصى فكيف هذا يا رب؟ وسيأتي إسناده (١).
وفيه إشارةٌ إلى ما استنكرته المعتزلة من تعلُّق محبته بالطاعات، وعدم إرادته لوقوعها باعتبار الجهتين (٢)، ولولا ذلك ما قال موسى ﵇: فكيف هذا يا رب؟
فكذلك فلتكن عبارة السُّنِّي، فإن احتاج إلى ذكر إراده الله تعالى للمعاصي في تعليمٍ أو جدال بالتي هي أحسنُ توسُّعًا في العبارة وتمسُّكًا بالإباحة حيث
_________________
(١) سيأتي ص ١٨٦.
(٢) في (ش): الوجهين.
[ ٥ / ٤٢٧ ]
تصريح أئمة الأشعرية بأن إرادة الله تعالى لأفعال العباد حيث يطلق مجاز
لم يرِدْ نصٌّ بتحريم ذلك، لم يوردها موهمةً لقبيح، وبَيَّن أن الله تعالى يكره المعاصي، ولا يريدها إرادة الأمير والطلب والمحبة، وإنما يُريدُ تقديرها لحكمةٍ بالغة استأثر بها، فهو يريدُها من ذلك الوجه الحسن فقط، ويكرهها من الوجه الآخر الذي قَبُحت منه، كما يُريدُ اليمين الواجبة شرعًا وإن كان الحالف فاجرًا فيها مع قُبحها، بل مع كونها من أكبر الكبائر، لكن إرادتها من الوجه الذي وَجَبَتْ وشُرعت له، لا من الوجه الذي قَبُحت له، وكذلك كل قبيح مقدر كما مر تقريره.
والسر في ذلك أن المرادات كلها قسمان: خيرٌ وشر، فالخير مُرادٌ لنفسه، والشر مُرادٌ لغيره، والخير المراد لنفسه هو الأصل في المرادات كلها، ولذلك لم يصح أن يكون الشر مرادًا حتى ترجع إرادته إلى إرادة الخير، فكان الشر غير مرادٍ كألم الحجامة يُراُد من أجل العافية.
ولذلك كان الخير والطاعات هي الغالبة، وكانت الشرورُ والمعاصي هي النادرة، وذلك أنا ننظر إلى جميع المخلوقات من الملائكة، والروح، وجميع أجناس الحيوانات والناميات، ويخلق ما لا تعلمون، ولا عبرة بكثرة العصاة في الجن والإنس لأنهم أقل المخلوقات كما بينتُه في " الإجادة " وغيرها.
وإذا تقرَّر ذلك لم يحسن أن تُطلق العبارة بأن الله سبحانه أرادَ المعاصي، لأنه يوهم أنه تعالى أرادها لكونها معاصي إرادة محبةٍ ورضا وأمر، وإنما يقول: لو شاء لم تكن المعاصي لما له في تقديرها من الحكمة، وما أحسن البيت:
فالخيرُ بالذات مَقْصُودٌ وشرهُمُ قضى ولكن لا مِنْ غيرهم شَرٌّ (١)
بل قد مرَّ تصريح أئمة الأشعرية بأن إرادة الله تعالى لأفعال العباد حيث يطلق مجازٌ، وأن ظاهرها خطأ، وتأويلها إرادة أفعاله تعالى التي تعلق بأفعال
_________________
(١) ورد البيت في (أ) و(ف): فالذات مقصود وشرهم قضى ولكن لأمرٍ غير شرهم ..
[ ٥ / ٤٢٨ ]
العباد من الثواب والعقاب والأمر والنهي ونحو ذلك.
ولا يقال: إنه لا معنى لهذا الحديث (١) لعدم تنصيص الأئمة عليه، لأن أئمة الكلام نصوا عليه أو على نحوه كما مرَّ، وأئمة الحديث لم ينصوا على خلافه، بل نصوا (٢) على صحة قواعده، فإنهم كرهوا الرواية بالمعنى في الحديث المتعلق بالعمليات، وحرَّمه كثير منهم، وهو الأولى إلاَّ لضرورة العمل في نحو ترجمة الشريعة للعَجَم، ولولا هذه الضرورة ما جوَّزه أحد فيما أحسِبُ لما يؤدي إليه من المفسدة، فإن من جوَّزه شرط أن يكون من عبَّر بالمعنى عالمًا بما يُحيل المعاني، وكل أحدٍ حَسَنُ الظن بنفسه، وكم من قاطعٍ بصحة أمر ينكشف خلافه، وهذا في العمليات الظنيات.
وأما الصفات الربانيات فالخطر فيها عظيم، وقد بالغ صاحب " الوظائف " (٣) على مذهب السلف وأهل السنة، ومنع من أن يقال: إن الله تعالى مُستو على العرش أو يستوى عليه، قال: وإنَّما يقال: ثم استوى كما قال، وقد مر ذلك في الصفات.
ولا شكَّ أن متكلمي أهل السنة، والأشعرية، والشيعة، والمعتزلة، جميع أهل العقليات قد أجمعوا على أن قولنا: أراد الله المعاصي متأولة، وأنها على غير ظاهرها، ومع ذلك لم يرد بها نصٌّ سمعي، فيجب تجنبها حيث توهم الخطأ، وينبغي التبدل بها حيث لا توهم بألفاظ كتاب الله تعالى ورسله المعصومين ﵈.
وكذلك كل كلمةٍ تقترن بها مفسدة، فقد قال الله تعالى في نحو ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وعُدَّ من حُسنِ
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) قوله: " على خلافه بل نصوا " ساقط من (أ).
(٣) انظر ٣/ ٣٣٣ من هذا الكتاب.
[ ٥ / ٤٢٩ ]
بيان السبب في النهي عن تكلف القدر الذي هو سر الله تعالى
أدب خليل الله ﵇، وحُسنِ خطابه قوله: ﴿وإذا مَرِضْتُ فهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه مع أن الكل من الله.
ومنع العلماء من أن يقال: يا رب الكلاب والخنازير، وإن كان هو ربَّها، فإنه (١) إنما يُخصُّ بالمعظمات كربِّ العرش العظيم، وإلا وجب التعميم كرب كل شيء، ومن أحسن ما يدل على ذلك ما تكرر بمدح الرب ﷿ به من أنه تعالى بيده الخير، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير، ولم يرد في كتاب الله تعالى التصريحُ بعكس ذلك، وهو مدحُهُ بأن بيده الشر وهو على كل شيء قدير، كراهة لإضافة الشر خصوصًا (٢) إليه إلاَّ داخلًا في عموم كل شيء، لأنه حينئذ يفيد صفة الربوبية لكلِّ شيء.
والوجه في ذلك أن كل شر واقع من الله تعالى فإنه وسيلة إلى الخير، وليس بشرٍّ بالنظر إلى حكمته، كما ذكره النواوي في أحد الوجوه في تفسير قوله - ﷺ - (٣): " والشر ليس إليك " ذكره في شرح مسلم (٤) وغيره.
وما زال أهل القرب والرسوخ في العلم على مذهب أهل السنة في نفوذ إرادة الله ومشيئته، وعدم التعرض لما في ذلك من خَفِيِّ (٥) حكمته، ولم تختلف في ذلك النبوَّات والكتب السماويات.
وقد قال الإمام البيهقي ﵀ في " الأسماء والصفات " (٦): أخبرنا أبو
_________________
(١) في (ش): لأنه.
(٢) في (ش): بخصوصه.
(٣) في (ش) زيادة: الخير بيديك.
(٤) ٦/ ٥٩ ولفظه: والشر ليس شرًا بالنسبة إليك، فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. والحديث تقدم تخريجه ص ١٣١.
(٥) في (ش): نفي.
(٦) ص ١٧١ من طريق مصعب بن سوار، عن أبي يحيى القتات، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس.
[ ٥ / ٤٣٠ ]
عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا أبو مسلم، حدثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا مُصْعَبُ بن سوَّار، عن أبي يحيى القتات، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس لما بعث الله موسى وكلَّمه، قال: " اللهم أنت ربٌّ عظيم ولو شئت أن تُطَاعَ لأُطِعْتَ، ولو شِئْتَ أن لا تُعصى ما عُصٍيتَ، وأنت تحب أن تُطاع وأنت تُعصى، فكيف هذا يا رب؟! " فأوحى الله تعالى إليه: " إني لا أُسألُ عما أفعل وهم يُسألون، فانتهى موسى ".
رواه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١) وعزاه إلى الطبراني، وزاد فيه: " فلما بعث الله تعالى عُزَيرًا، وأنزل عليه التوراة بعد ما كان رفعها على بني إسرائيل، حتى قال: من قال: إنه ابن الله، قال: إنك ربٌّ عظيم " وساق مثل كلام موسى، ومثل جواب الرب ﷿ عليه ثلاث مرار، فقال الله تعالى له: " أتستطيعُ أن تصُرَّ صُرَّةً من الشمس؟ قال: لا، قال: أفتستطيع أن تأتي بمكيالٍ من الريح؟ قال: لا، قال: أفتستطيعُ أن تجيء بمثقال أو قيراطٍ من نورٍ؟ قال: لا، [قال:] فهكذا لا تقدر على ما سألت عنه، أما إني لا أجعل (٢) عقوبتك إلا أن أمحو اسمك من الأنبياء فلا تُذْكَر فيهم، فمَحى اسمه من الأنبياء، فليس يُذكر فيهم وهو نبي، فلما بعث الله عيسى ورأي منزلته من ربه، وعَلَّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، سأل مثل سؤال موسى، فأجيب مثل جوابه، وقال الله تعالى له: لئن لم تنته لأفعَلَنَّ بك كما فعلت بصاحبك بين يديك، فجمع عيسى من معه فقال: القدر سرُّ الله فلا تَكَلَّفُوه ".
رواه الطبراني (٣) من حديث أبي يحيى القتَّات، واسمه زاذان فيما قال ابن
_________________
(١) ٧/ ١٩٩ - ٢٠٠ وقال: رواه الطبراني وفيه أبو يحيى الفتات، وهو ضعيف عند الجمهور، وقد وثقه ابن معين في رواية، وضعفه في غيرها. ومصعب بن سوار لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) في (ش): أهل.
(٣) في " الكبير " (١٠٦٠٦).
[ ٥ / ٤٣١ ]
عدي (١)، وقال العقيلي (٢): اسمه عبد الرحمن بن دينار، وقيل غير ذلك، وهو لا يُعرف إلاَّ بكنيته وهو من رجال أبي داود، والترمذي، وابن ماجة مختلف فيه لكن وثَّقه ابن معين (٣)، ولحديثه شواهد.
قال البيهقي (٤): أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي (٥)، حدثنا أحمد بن سلمان، حدثنا جعفر بن محمد الخُراساني، حدثنا قتيبة، حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عِمران الجَوْني، عن نوف (٦)، قال: قال عزيز فيما يُناجي ربه " يا ربِّ تخلق خلقًا فتُضِلُّ من تشاء، وتهدي من تشاء " قيل له: " يا عزير أعْرِضْ عن هذا " فعاد، فقيل (٧) له: " يا عزير أعرض عن هذا وكان الإنسان أكثر شيءٍ جدلًا " قال: فعاد، فقال: " يا عزير لتُعْرِضَنَّ عن هذا أو لأمحونك من النبوة، إني لا أُسأل عما أفعل وهم يُسألون " (٨).
هذا شاهد لما قبله، وليس على شرط الصحيح.
_________________
(١) في " الكامل في الضعفاء " ٣/ ١٠٩٢.
(٢) في " الضعفاء الكبير " ٢/ ٣٢٩.
(٣) قلت: وضعفه في رواية كالجمهور.
(٤) في " الأسماء والصفات " ص ١٧١.
(٥) هو بضم الحاء وسكون الراء وكسر الفاء، هذه النسبة كانت تطلق ببغداد على البقال ومن يبيع الأشياء التي تتعلق بالبذور والبقالين. وفي " الأسماء والصفات " المطبوع: الحربي، وهو صحيح أيضًا، فإنه نسبة إلى الحربية التي هو من أهلها، وهي محلة كانت في شمال غربي بغداد. وعبد الرحمن هذا مترجم في " السير " ١٧/ ٤١١.
(٦) تحرف في (ش) إلى: عوف.
(٧) في (ش): فقال.
(٨) إسناده ضعيف. عبد الرحمن بن عبيد الله: صدوق، إلاَّ أن سماعه في بعض ما رواه عن أحمد بن سلمان -وهو أبو بكر النجاد- كان مضطربًا. وجعفر بن محمد الخراساني: قال الدارقطني والخطيب: مجهول، ونوف -وهو ابن فضالة الحميرى البكالي- ربيب كعب الأحبار، يكثر من الإسرائيليات.
[ ٥ / ٤٣٢ ]
ويشهد لذلك ما حكاه الله تعالى في كتابه الكريم عن الملائكة ﵈ حيث قالوا: ﴿أتَجعَلُ فيها من يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ الدماء ونحنُ نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك قال إنِّي أعلَمُ ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠].
ووجهُ المشابهة بينهما أن الكل سؤال عن وجه الحكمة، وفيما تحيَّرت فيه العقول من ذلك، وأن الله أجاب على من سأل عن تعيين الحكمة فيه (١) بردِّه إلى علمه، وهذا شأن المتشابه كلِّه الذي أخبر الله تعالى أنه لا يعلم تأويله إلاَّ هو.
فالعجب ممن يدعي معرفة الراسخين له، وهم فيه أكثر الناس وقفًا وحَيْرةً كما روى الطبراني عن وهبٍ، عن ابن عباس أنه سُئِلَ عن القدر؟ فقال: وجدت أصول الناس فيه حديثًا أجهلهم (٢) به، وأضعفهم فيه حديثًا أعلمهم به، ووجدت الناظر فيه كالناظر في شُعاعٍ، كلما ازداد فيه نظرًا ازداد فيه تحيُّرًا. انتهى.
فلو عَلِمَه الراسخون، لعلَّمُوه المسلمين، إذ لا يصحُّ أن يستحيل على المسلمين تعلُّم ما عند الراسخين.
تم بعونه تعالى الجزء الخامس من
العواصم والقواصم
ويليه الجزء السادس وأوله
قالت المعتزلة: القول بأن أهل النار
_________________
(١) في (ش): في ذلك.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: أجملهم.
[ ٥ / ٤٣٣ ]
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط