مؤسسة الرسالة
[ ٤ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٤
[ ٤ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ٤ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٤ / ٤ ]
الثامن: رد على السيد توهمه لاختصاصه بالذكاء دون المحدثين
التاسع: إن عقائد الأمة كانت صحيحة قبل ممارسة علم الكلام
الثامن: أخبِرنَا ما سببُ توهُّمك لاختصاصك بالذكاء دون المحدثين، هل فَهمُك " للخُلاصة " و" شرح الأصول " أو تبريزُك في علم المعقول على الفحول؟ وإن كان الثاني، فلم يظهر منك آثاره، ولا لاحت عليك أنواره، وإن كان الأوَّل، فهو أمرٌ (١) يسير، والساعي فيه بالتِّيه الكثير غير جدير، والظاهر من أحوال أئمة السنة أنَّهم غير عاجزين عن الانتظام في سلك هذا المعترض، فلتُطالع تراجمهم في " تهذيب الكمال "، و" النُّبلاء " (٢)، وسائرِ تواريخ الرجال، ويُنظر فيما كان لهم (٣) من الذكاء الكثير، والعلم الغزير، فإنَّ المكان (٤) لا يتسع من ذلك لذكر اليسير.
التاسع: أخبرنا ما هذه العقائد التي لا تُدرَكُ إلاَّ بعلوم الكلام، فإنا رأينا أصحاب رسول الله - ﷺ - قد أجمعت الأمة على صحة عقائدهم قبل هذه الممارسة.
فإن قلت: إن هذه العقائد هي اعتقاد الصانع جل وعز، وأنه عالمٌ،
_________________
(١) في (ش): فالأمر.
(٢) " والنبلاء " ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة ش (ش).
(٤) في (ب): كان.
[ ٤ / ٥ ]
قوله: إن العقائد التي لا تدرك إلا بالممارسة، هي قول شيوخكم من المعتزلة
قادرٌ، موصوفٌ بجميع صفات الكمال، غيرُ مُمَثلٍ بشبيه ولا مثال، فقد أمكن الصدر الأوَّل إدراك هذا من غير ممارسة، ولم يَصِمهُم أحدٌ بالبَلَه وجُمود الفطنة ممن هو أذكى منك قلبًا، وأرجحُ لُبًَّا، وأصلبُ دينًا، وأتمُّ يقينًا.
وإن قلت: إنَّ العقائد التي لا تُدركُ إلاَّ بالممارسة، هي قولُ شيوخكم من (١) المعتزلة: إن الله تعالى لا يعلمُ من نفسه إلاَّ ما يعلمونه، وإن الأجسام، والأعراض، والصِّفات غيرُ مقدورة لله تعالى على الحقيقة، وإنَّما مقدورُه شيءٌ يدقُّ تصوُّره، أو لا يُتَصَوَّرُ البتة، وقد سمَّوهُ بالأحوال (٢)، وذلك أن ذات الموجود عندكم غيرُ مقدورة، وصفةُ الوجود كذلك، وكلاهما غيرُ مقدورين عندهم، والمقدورُ عندهم أمر رابع، وهو يُسمَّى حالًا، وهو عندهم كونُ الذات على الصفة، وبإجماعهم أن (٣) هذا الحال لا يُسمَّى شيئًا، فحصل من مجموع هذا أن الله عندهم لا يقدر على شيءٍ، وهم يُصرِّحون أن العالم كله لم يزل ولا يزال، وأنه ثابت فيما لم يزل، ولكنه غير موجود فيه، ويفرِّقون بمجرَّد اصطلاحهم بين الثبوت والوجود، وكل هذا حتى يتعلق علم الله تعالى بالأشياء في الغيب قبل حدوثها بأمورٍ ثابتة مُحقَّقةٍ، فليتهم قَنِعُوا في متعلق علم الله تعالى بمثل ما قَنِعُوا به في متعلق قدرته من كونها لا تتعلق بشيءٍ ثابت مُحقَّقٍ فيما لم يزل، أو ساووا بينهما، فجعلوا متعلَّقهما كُلَّ ما يُسمَّى شيئًا حقيقةً أو مجازًا على عموم ما نطق به القرآن، وقام عليه البرهان.
_________________
(١) " من " ساقطة من (ش).
(٢) في " ش ": الأحوال.
(٣) في (ش): على أن.
[ ٤ / ٦ ]
إن العدم المضاف إلى الموجودات هو الذي يعلم، ويخبر عنه، وفيه نظر لوجهين
ثم صفة الوجود إن (١) كانت عندهم معلومةً لله تعالى قبل خلقِ المخلوقات، فليست بشيءٍ عندهم، لأن كل شيء عندهم ثابتٌ (٢) فيما لم يزلْ، فلو كانت شيئًا، لزم ثبوتُها فيه، وذلك تصريحٌ بقدم العالم، وكذلك الأحوالُ التي هي أَثَرٌ قدرة الله تعالى عندهم إن كانت معلومة لله سبحانه في القِدَمِ، فليست ثابتةً فيه، ولا هي أشياء.
ولذلك قال الرازي في " المُلَخَّص " (٣): وعمدتُهم أنَّ المعدومَ معلومٌ، وكُلُّ معلومٍ ثابت، والكبرى منقوضةٌ بالممتنعات والخيالات، ونفس الوجود إلى قوله: العدم كيف يعلم ويُخبر عنه؟ المشهور (٤) أن العَدَمَ المطلق لا يُعلم، ولا يُخبر عنه، بل العَدَم المضافُ إلى الموجودات هو الذي يُعلم، ويُخبر عنه، وفيه نظر لوجهين.
الأول: قولنا: العَدَمُ المطلق لا يُخبر عنه، إخبارٌ عنه.
الثاني: العَدَمُ (٥) المطلق جزءٌ من المضاف، ولو لم يعرف، لم يُضف، وفي قوله: معلوم (٦)، إشكال، لأنه لا تعيُّن له، ولا ثبوت، ولا امتياز، إلى قوله: فهذا مقامٌ مُشكِلٌ، نسأل الله أن يُوفِّقَنَا للوقوفِ عليه. انتهى.
فإن تعلق بعضُهم بتأويلاتٍ لمعنى علمه سبحانه في القِدَمِ بالصفات
_________________
(١) في (ش): وإن.
(٢) في (ش): ثابت عندهم.
(٣) هو في الحكمة والنطق، وقد شرحه أبو الحسن علي بن عمر القزويني الكاتبي، المتوفى سنة ٦٧٥ هـ شرحًا مبسوطًا، وسماه " المنصص "، " كشف الظنون " ٢/ ١٨١٩.
(٤) في (ش): والمشهور.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): وفي قولنا إنه معلوم.
[ ٤ / ٧ ]
والأحوال، فلمنازعهم أن يتأوَّل علم الله تعالى بالذوات بمثل ذلك، وإن لم تكن هذه الصفات الحادثة والأحوال عندهم معلومة لله تعالى (١) -وهو مذهبُهم-؛ لَزِمهُم (٢) تخصيصُ علمه سبحانه بالذوات، وذلك مع مخالفة (٣) ضرورة الدين مُخالِفٌ لدلالة العقل، فإنَّ الإحكام في أفعاله الذي دلَّ على علمه سبحانه ليس بذاتٍ عندهم، ولا يصحُّ إلاَّ من عالمٍ به، ولا يصحُّ تعلُّقُ العلم بالأحكام بغيره. وقد جوَّد أبو الحسين البصري وأصحابه الردَّ عليهم، وسيأتي طرفٌ منه إن شاء الله تعالى في الوهم الذي بَعْدَ هذا.
وقال الشيخُ مختار في كتابه " المجتبى " في المسألة السادسة من خاتمة أبواب العدل في رد قولهم: إنَّ الصفة لا تُعلم، وإنَّما يُعلم الدَّالُّ (٤) عليها ما لفظه: البرهان الثالث: لو لم تكن الصفة معلومة لتعطلت دلائل صفات الباري وغيره من إفادة العلم، وأنه ممتنع، لا يقال: لو كانت الصفة معلومةً، لانقلبت ذاتًا، لأنا نقول: إنما تنقلِبُ ذاتًا لو انحصرت المعلوماتُ في الذوات، وهو عينُ النزاع على أن هذا يؤدِّي إلى مفاسِدَ تنبو الأسماع عنها، وتنفِرُ الطباع منها.
منها (٥): أن العالِمَ (٦) بجميع المعلومات لا يفعل إلاَّ الوجودَ في الجوهر (٧)، والأعراض، والوجودُ صفةٌ غيرُ معلومةٍ، فيلزم أن لا يعلم الله
_________________
(١) " لله تعالى " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): لزم.
(٣) في (ش): مع مخالفه.
(٤) في (أ) و(ش): تعلم الذات.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): العلم.
(٧) في (ش): الجواهر.
[ ٤ / ٨ ]
تعالى جميع ما يفعلُه، وإنَّما يعلم بعض ما لا يفعله كالذوات، وقد أجبنا عن المدافعة بالملافظة، وأنه بفعل الذوات على الوجود، لأن المراد إن كان أنه (١) بفعلهما، أو بفعل الذات، فهو محال عندهم لاستغناء الذات عن الفاعل، أو بفعل الوجود، فيلزمُ الإلزام الشنيع.
ومنها: أنه يريد وجود الجوهر لا الذات، فيلزمُ أن لا يعلم جميع ما يُريده، وإنَّما يعلم ما لا يُريده.
ومنها: أن لا يكون في العالم معلوم أصلًا، لأن تعريف الذوات بالصفات، وهي غير معلومة.
ومنها: أن لا يعلم الله تعالى قيام الساعة، لأنَّها نفيُ الوجود عندهم (٢) لا الذات.
ومنها: أن لا يعلم الله صفاته وأحواله، مع أنها ثابتةٌ له، وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، إلى آخر ما ذكره.
وكذلك يقولون: إنَّه سبحانه لا يَقدِرَ على شيءٍ من أعيان مقدورات العباد، وإنما يقدرُ على أمثالها مع قولهم في مقدورات العباد: إنها ذواتٌ ثابتة في العدم، فيجوِّزون أن يكون في العدم ذوات ثابتة ممكنة غير مقدورة للقادر على كل شيءٍ، وكل هذا حتى لا يجوِّزوا مقدورًا (٣) بين قادرين. وقد شنَّع أبو الحسين في (٤) ذلك، وسيأتي تمام الكلام فيه في مسألة أفعال العباد.
_________________
(١) في (ب): لأن المراد أنه إن كان.
(٢) في (ش): عنهم.
(٣) في (ش): " مقدور "، وهو خطأ.
(٤) في (ش): عليهم في.
[ ٤ / ٩ ]
وكذلك يقولون: إنَّه ليس في مقدوره سبحانه هداية أحدٍ من المذنبين، ويُخالِفون في ذلك المعقول والمنقول، كما يجيء تحقيقه في آخر الوهم الثامن والعشرين.
وكذلك قولهم: إن الله تعالى غير قادر على إكساب (١) شيءٍ من الموجودات صفةً إلاَّ بواسطة معنى، ولا قادرٍ على إعدامٍ لون، ولا طعم إلا بواسطة طُرُوِّ ضدِّه (٢) على محلِّه، وقد مرَّ قريبًا ذكرُ شيءٌ من ذلك وإبطالُه، وتعويلُهم فيه على القياس على الكلام حيث ذكرت أبياتي التي أولها:
أصولُ ديني كتابُ الله لا العَرَضُ
وأيضًا هو (٣) على خلاف المعقول في نفي الضِّدِّ بطُرُوِّ ضِدِّه عليه كالسواد والبياض، فإن أحدهما لو كان منفيًا بضده، لا بقُدرة الله تعالى من غير واسطةٍ، لكان حين انتفي لا يخلو، إمَّا أن يكون ضدُّه نفاه بعد أن حل في محله أو قبل، والأول يستلزم إجتماع الضدين في محل واحد، وهو محال، وإن كان ضده نفاه قبل أن يحُلَّ في محلِّه، فذلك باطل بالاتفاق، لأنهما لا يتنافيان إلاَّ على اتحاد المحل.
وذكر مختار في " المجتبى " (٤) مثل هذا التمانع في إيجاب المعنى الزائد، لكون المتحرك ساكنًا، فخذه من موضعه، وقد نقلته منه إلى كتابي " ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان " (٥).
_________________
(١) في (ش): " اكتساب "، وهو خطأ.
(٢) في (ش): " ضده وصده " وهو خطأ.
(٣) في (ش): أيضًا وهو.
(٤) " في المجتبى " ساقط من (ش).
(٥) ص ١٠١ - ١١١.
[ ٤ / ١٠ ]
وكذلك قولهم: إن الله تعالى يريد بإرادةٍ موجودةٍ لا في محلٍّ مثل وجود ذاته سبحانه، فأثبتوا عَرَضًا لا في محل.
وكذلك قولهم: إن الله تعالى غيرُ مختارٍ في أحكام الشريعة الخمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحظر (١)، وليس له أن يُرخِّص في فعل حرام (٢)، ولا تركِ واجب، لأنَّ هذه الأحكام تثبت عندهم لأنفسها، والله ﷾ ورسلُه، وأهلُ الفتيا على (٣) سواءٍ في الإعلام بها، والتعريف لها من غير اختيار في المحو والتثبيت.
ومن ذلك قولهم: إن الله تعالى لا يحسُنُ منه أن يتفضَّل على أحدٍ من عباده بمغفرة ذنبٍ واحدٍ، وإنَّه يجب عليه عقابُهُم بكُلِّ ذنبٍ وجوبًا يقبُحُ خلافُه.
وأما قبول التوبة، فذلك واجبٌ عليه عندهم، وكذلك تكفير الصغائر بالطاعة، وإنما كلامنا في مغفرة التفضل التي قبَّحوها حتى لو زادت سيئات المسلم يوم القيامة على حسناته (٤) مثقالَ حبَّةٍ من خردل، لقبُحَ من الله تعالى مسامحتُه فيها (٥)، وتشفيعُ رسول الله - ﷺ -، ووجب (٦) تخليده في النار كتخليد فرعون وهامان، ويردُّون ما تواتر (٧) في الرجاء لأهل التوحيد من الأحاديث الخاصَّة، ويتمسَّكُون ببعضِ الألفاظِ العامة، ويُحافِظُون
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: والحصر.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: أو.
(٣) " على " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): على حسناته يوم القيامة.
(٥) سقطت من (ب).
(٦) في (ش): ووجوب.
(٧) في (ش): ما ورد.
[ ٤ / ١١ ]
على صدق عمومات الوعيد دونَ عموماتِ الوعد، فذلك يُفيدُ (١) القطع معهم، وهذه لا تفيدُ الظنَّ، ولا التجويزَ، ولا الوهم، هذا فِعْلُهم لا اعتقادُهم (٢).
وإذا قيل لهم: إنَّ الخصوص مُقدَّمٌ على العموم، اعتلُّوا بعللٍ باردَةٍ (٣)، ثم إذا جاء العموم عليهم خصَّصُوه.
مثال ذلك: أنهم يحتجون على نفي الشفاعة لعصاة المسلمين بعمومِ قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، ويُقدِّمونه على خصوص قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٦، ٨٧]، وخصوص ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ويتأوَّلون هذه الأدلَّة الخاصة مع ما في السُّنَّة من النصوص التي لا يمكن تأويلها، ويتركون البحث عن السنن حتى يحكموا على المتواتر بالآحاد، ويبالغون في أن العموم لا يتأوَّل في الوعيد، فيردُّ عليهم العموم الذي ورد فيه نفيُ الشفاعة مطلقًا عن المطيع والعاصي كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقوله: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فيتأولونه بما هو أخصُّ منه (٤) فلا تستمِرُّ لهم قاعدةٌ، ولا يستمرون على أصل، ويقطعون في هذا الموضع الظَّنِّي مع كثرة المعارضات، وسَعَةِ (٥) المُبيِّنات المُحكَمَاتِ المُخَصِّصَاتِ قرآنًا وسنة،
_________________
(١) في (ش): فتلك تفيد.
(٢) في (ش): " لاعتقادهم " وهو خطأ.
(٣) في (ب): نادرة، وفي (ش): زائدة.
(٤) سقطت من (ش).
(٥) " وسعة " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٢ ]
واحتمال العمومات على ردِّ المأثور، وتكذيب الثقات معتقدين للتحقيق الذي فات مَن سواهم، والسبق الذي لا يُدرِكُهُ فيه مَن عداهم، وهذا كلام البصرية والبهاشمة (١).
وأما البغداديةُ، فجَحَدُوا الضرورة، وقالوا: العفوُ عن الذنب قبيحٌ عقلًا، ولو لم يصدُر قبلَه وعيدٌ، ولا تهديدٌ، بل أفحشُ من هذا أنهم قالوا: إنَّ الأصلح للعباد واجبٌ على الله تعالى في الدنيا والآخرة حتى التزموا أنَّ خلود أهل (٢) النار فيها أصلحُ ما في مقدرات (٣) الله تعالى للعباد، وأنه واجبٌ على الله، لأنه أصلحُ، وأعجبُ من هذا وأغرب أنهم لم يوجبوا (٤) الثواب، لأنه أصلحُ، وذلك لأن العبادات عندهم شكرٌ على ماضي النعم، وكذلك قالت البغدادية من المعتزلة: إن الله ليس بسميعٍ ولا بصيرٍ ولا مريدٍ حقيقةً، وإنَّما ذلك مجازٌ، وحقيقته أنه عالمٌ لا سوى.
وقالت البغدادية أيضًا: إن جميع أخبار الثقات مردودةٌ ما لم تَواتَرْ، ولا يدرون ما يُؤَدِّي ذلك إليه، ولا يدرون ما في ذلك من المفاسد، ويعتقدون أن ذلك متابعة (٥) لمحض العقل وهو مكابرةٌ لمحض العقل، كما ردَّ عليهم ذلك أبو الحسين، والمنصور، وأبو طالب (٦) وغيرُ واحدٍ.
ومن عجائبهم أنه لا دليل لهم على ذلك إلاَّ أدلة (٧) ظنيَّة من (٨)
_________________
(١) في (ش): والبهشمية.
(٢) " أهل " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): مقدورات.
(٤) في (ش): " أنهم يوجبون " وهو خطأ.
(٥) في (ش): " مبالغة " وهو خطأ.
(٦) في (ش): وأبو طالب، والمنصور.
(٧) في (ش): الأدلة
(٨) في (ش): ومن.
[ ٤ / ١٣ ]
عمومات وَرَدَ فيها ذمُّ الظن، أو قياسٌ عقليٌّ على العمل بالشك المساوي (١)، أو على العمل بالظنِّ المعارض للعلم، أو في موضع القطع، فإن كان الظنُّ حرامًا، حرُمَ عليهم تحريم خبر الواحد بالظن أيضًا (٢)، والظن الذي ذمَّه الله تعالى هو الشكُّ، وهو يُسمَّى ظنًا في اللغة كما نصَّ عليه أئمَّةُ اللغة، وأما (٣) الظنُّ الراجح، فلم يَرِدْ ذمُّه، بل سمَّاه الله علمًا في غير موضع. ومن العجائب أن شيخهم أبا القاسم البلخيَّ (٤) يُجيزُ العمل بالظن في معرفة الله تعالى، لكنه يُسمِّيه علمًا نقله عنه المؤيَّدُ بالله في " الزيادات "، فانظر إلى هؤلاء كيف يمنعون من العمل بالظن في فروع الشرع، ويَخرِقُون (٥) إجماع الصحابة المعلوم، ويرُدُّون ما عُلِمَ ضرورةً (٦) من إرسال النبيِّ - ﷺ - للآحاد إلى المسلمين، كمعاذٍ إلى اليمن، وقبول أهل اليمن (٧) لمعاذ (٨) معلوم، وتقرير النَّبي - ﷺ - له على تبليغهم، ولهم على قبوله، ثم يُجيزون العمل بالظَّنِّ في معرفة الله، ويَدَّعُون أنهم بَلَغُوا في التحقيق مبلغًا عظيمًا، وشأوًا بعيدًا إلى أمثالٍ كثيرةٍ لا يَتَّسَعُ الموضعُ لِذِكرِها.
فإن (٩) كان مُرادُ (١٠) المعترض على أهل السنة بالجمود، وعَدَمِ
_________________
(١) في (ش): المستوي.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): فأما.
(٤) " البلخي " ساقطة من (ب) و(ش).
(٥) في (ج): ويحرفون.
(٦) ساقطة من (ب).
(٧) " وقبول أهل اليمن " ساقط من (ش).
(٨) في (ش): " فمعاذ ". وحديث معاذ إلى اليمن قد تقدّم في ١/ ٢٥٩ و٣٧٨ - ٣٧٩.
(٩) في (ش): وإن.
(١٠) ساقطة من (ش)، و(ب).
[ ٤ / ١٤ ]
قوله: إن أهل الحديث أيضا قد وقعوا في أمثال هذه الشنع
والجواب على ذلك من وجوه
سيلان الأذهان أراد أنهم ما شاركُوا أهل الكلام في هذه العقائد الدقيقة، ولا أُشرِبَتْ قلوبُهم العُجْبَ بهذه المغاصات اللطيفة، فلقد أراد أن يَذُمَّ، فَمَدَحَ، وأن يَفضَحَ، فافتُضِحَ، فلقد صان الله عصابة الإسلام، وركن الإيمان من الصحابة والتابعين، وحملة سنة سيد المرسلين عن سماع هذه الأباطيل، وابتلانا بمعرفتها ومعرفة أهلها، والردِّ عليهم، فإنَّا لله، وإنا إليه راجعون، والسعيد -والله- من لم يَعْرِفُ عُلُومَكم التي سلبت أذهانكم إلى هذا الحدِّ.
فإن قلت: إن أهل الحديث أيضًا قد وقعوا في أمثال هذه الشُّنعِ، وارتكبوا (١) نظائر هذه البدع من الجبر والتشبيه، ونسبةِ القبائح إلى الله تعالى، مثل تكليف ما لا يُطاقُ، والتعذيبِ بغير ذنب.
فالجواب: من وجوهٍ.
الوجهُ (٢) الأول: أنهم منزَّهون من جميع ما ذُكِرَ، وقد مرَّ تنزيهُهُمْ من التشبيه في أوَّل هذا الكلام، وهو الكلام (٣) على الوهم الخامس عشر وسيأتي براءة المتكلمين منهم (٤) عن ذلك في آخر هذا الكلام، وسيأتي أيضًا في الوهم الثامن والعشرين براءتُهم من الجَبْرِ، وفيما بعده براءتُهم من تكليف ما لا يُطاق، والتعذيب بغير ذنبٍ ونحو ذلك بنقل نصوصهم من كُتُبِهم المشهورة الموجودة في ديار الزيدية، ومن كلام علماء المعتزلة والزيدية في بعض هذه المسائل.
_________________
(١) في (ش): وركبوا.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) من قوله: " في أول " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) من قوله: " من التشبيه " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ١٥ ]
الوجه الثاني: أنَّ ذلك إن وجد فيهم، فهو (١) في فِرَقٍ قد أنكروها وردُّوا عليها في وقتهم (٢) كالمطرفية (٣) والحسينية في الزيدية، بل كالباطنية الكفرة في شيعة علي ﵇.
الوجه الثالث: أنَّ ذلك إنما وقع مع بعض من يُنسَبُ إليهم من فيض علومكم هذه التي افتخرتُم بممارستها بسبب الخوض فيها، والتعويل عليها، ومن بَقِيَ منهم على ما كان عليه (٤) السلف الصالح سَلِمَ من جميع ما حَدَثَ من التعمُّق في الأنظارِ والتكلُّف في المذاهب.
الوجه (٥) الرابع: أن شرط المحدث السُّني أن لا يُحدِثَ في العقيدة مذهبًا (٦) لم يكن معروفًا في وقت (٧) رسول الله - ﷺ - بمجرد النظر، فإنَّ الدين قد تمَّ وكَمُلَ بنصِّ كتاب الله تعالى حيثُ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فمن أوجب في العقائد التي هي أصول الإسلام أمرًا لم يكن مذكورًاَ عند السلف، فقد خرج من (٨) أهل السنة ولحق بأهل الممارسة للكلام، والأذهان السَّيَّالَة.
الوجه الخامس: أن المحدِّث إنما يستلزم المُشكل حيث ورد السمع
_________________
(١) في (ش): "وهو" وهو خطأ.
(٢) في (ش): هي فيهم.
(٣) من قوله: " الوجه الثاني " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب): مذهبًا ما.
(٧) في (ش): عهد.
(٨) في (ش): عن.
[ ٤ / ١٦ ]
به قطعًا، وإنما نشأ إشكالُه من جهة (١) الاستبعاد العقلي مثل إثبات القِدَمِ لله تعالى مع عدم تصور العقل لماهيته، ومثل إشكال (٢) إثباتِ الفاعلية لله تعالى في حال القدم، وإشكال إحالة الفاعلية له سبحانه أيضًا.
وكذلك إثباتُ العذاب الأُخروي، ودوامُه على كل مذهب، فالمحدِّثُ لكمال معرفته بالأحوال النبوية يعلم ضروراتها التي جحدُها كُفرٌ، فيؤمن بها، ويَكِلُ المشتبهات (٣) إلى الله تعالى، ويلتزم من محارات العقول، ومستبعداتها ما التزمه رسولُ الله - ﷺ -، وجاء به، فَيَسْلمُ من الكفر.
والمتكلم لبعده عن الاشتغال بعلم النقل رُبَّما يمكن الاستبعاد العقلي معه، فاعتقده علمًا ضروريًا من العقل، ثم اعتقد المعلوم ضرورةً من الدين (٤) آحادًا، لأجل تقصيره في البحث، وشُغله وقته بالنظر، فيقع بذلك من الكفر أو الإثم في أعظمِ خطرٍ، ومعرفةُ هذا وتأمُّلُه بعين الإنصاف هو من أعظم المرجِّحات للاشتغال بعلم الأثر، فإن مدة العمر قصيرة، وقلَّ من جمع الإمامتين في العِلْمَين، ومن ثمَّ قيل: إنَّ عِلْمَ السلف أسلم، والله سبحانه أعلم.
ومن أمثلة ذلك: شكُّ الباطنية في المعاد مع تواتره، وشكُّ كثير من المبتدعة في كثيرٍ من الصفات مع تواترها، كنفي المعتزلة لنفوذ مشيئة الله وإرادته وقدرته على هداية الخلق، ونفي الأشعرية لحكمته سبحانه،
_________________
(١) " جهة " ساقطة من (ش).
(٢) " إشكال " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش) و(ب): المشبهات.
(٤) في (ش): من الدين ضرورة.
[ ٤ / ١٧ ]
العاشر: إن المحدثين هم أهل العناية بحديث رسول الله - ﷺ -
ونفيهم (١) الجميع لحقائق كثيرٍ من أسمائه الحسنى، كالرحمن الرحيم العلى العظيم.
وكل هذا يتعذر اعتقاده على أئمة الأثر، ولا يُتصوَّر صدوره منهم إلاَّ من بُلي منهم بشيءٍ من الكلام، فإن الوسوسة قد ثبتت في الضروريات ضرورةً، مثل وسوسة كثيرٍ في الطهارة، وعكس هذا اعتقاد (٢) أن ما لا أصل له ضرورى من الدين، كاعتقاد الروافض لتواتر النصِّ على اثنيّ عشر إمامًا، وتواتر فسقِ كبار الصحابة أو (٣) كفرهم.
الوجه السادس: أن كلامنا إنما هو في فوائد ممارسة علم الكلام، والمحدِّث إذا ابتدع، فلم يُؤتَ من الجمود، بل من سيلان الذهن واتباع وساوس النظار، فبان لك بمجموع ما نبهتُك عليه وبَالُ هذه الفَيْهَقَة (٤) التي توهمَتها لك، وهي عليك.
العاشر: من الأصل أن المحدثين هم أهل العناية بحديث رسول الله - ﷺ - من أي فرقةٍ كانوا كالنُّحاة والمتكلمين، وهذه للمحدثين صفةٌ شريفة، ورُتبة مُنيفة، وتعليقُك للسخرية (٥) والانتقاص بأهلها دليلٌ على
_________________
(١) في (ج): " ونفي " وفي (أ) و(ش): ونقضهم.
(٢) في (ش): اعتقادات.
(٣) في (ش): و.
(٤) من الفهق، وهو الامتلاء، وفي حديث جابر عند الترمذي (٢٠١٨) بسند حسن: " إنَّ من أحبكم إليّ وأقربكم منّي مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون " قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدِّقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. قال الزمخشري في " الفائق " ٤/ ٦٨: المتفيهق من الفهق، وهو الامتلاء، يُقال: فهق الحوض فَهَقًا وأفهقته: وهو الذي يتوسّع في كلامه، ويملأ به فاه، وهذا من التكبّر والرعونة.
(٥) في (ش): السخرية.
[ ٤ / ١٨ ]
اتصافك (١) أنت بما رميتَهم به (٢) من البله، لأنَّ تعليق الذمِّ على الأوصاف الحميدة تغفيل، فلا يقول الفطناء متى أرادوا الذمَّ والانتقاص لأحد: أنه من بُلْهِ المتقين والمقربين، ونحو ذلك.
ومن العجب أن كلامه ذلك (٣) يقتضي ذمَّ طائفةٍ (٤) كثيرٍ من أهل البيت ﵈، وشيعتهم، لأنَّ من المعلوم أنَّ منهم محدِّثين كما يجبُ أن يكون من كلِّ فرقةٍ (٥) من فرق الإسلام، وقد أوضحتُ أسماء جماعةٍ من أئمة الحديث من الشيعة والمعتزلة في هذا الكتاب، وذكر ابن حزم جماعة من محدثي أهل البيت في " جمهرة النسب "، وكذلك الحاكم في كتابه " علوم الحديث "، بل ذكر ذلك الأمير الحسين في كتابه " شفاء الأوام " فقال في حرب البغاة ابتداءً في غير وقت الإمام (٦) ما لفظه: وهو قول السيد الإمام الحسن بن إسماعيل الجُرجاني قال: وهو الذي ذهب إليه محصلو محدثي أصحابنا. انتهى.
فانظر كيف أثبت لنا أصحابا مُحدِّثين، وجعل منهم مُحصِّلين مجتهدين، ولم يصمهُم بالبَلَه والجُمُود أجمعين بمجرَّد كونهم محدثين، والحمد لله رب العالمين.
وقد خاطب الله تعالى المشركين بأنهم يعقلُون، وأنهم يعلمون، بل
_________________
(١) في (ج): " إنصافك " وهو خطأ.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) فوقها في (ش): منهم.
(٦) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٩ ]
الحادي عشر: إن لأهل كل فن من العلوم الإسلامية منة على كل مسلم توجب توفير أهل ذلك الفن
الثاني عشر: العجب من المعترض كيف يذمهم، وهو محتل بفرائد علومهم
بأنهم ﴿قوم خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]، فكيف يعجِزُ عن ذلك (١) المحدثون مع نور الإيمان، ومعارف السنة والقرآن.
الحادي عشر: أنَّ لأهل كُلِّ فنٍّ من العلوم الإسلامية منَّةً على كل مسلم تُوجِبُ توقير أهل ذلك الفن وشكرهم والدعاء لهم، لما (٢) مهَّدوا من قواعد العلم، وذلَّلوا من صعوبته، وكثَّروا من فوائده، وقيَّدوا من شوارده، وقرَّبوا من أوابِدِه (٣) لا سيما من انتفع بعلومهم، ونظر في حوافِلِ تآليفهم (٤)، والمُعترِضُ ممن قرأ كتب الحديث، ونقل في تواليفه منها، واستند في الرواية إليها فبئس ما جَزَيْت من أحسن إليك بارتكاب ما لا يحِلُّ لد، وترك ما يجب عليك.
ومن (٥) آداب العلماء والمتعلمين أن يبتدئوا القراءة في كل مجلس (٦) بالدعاء لمشايخهم ومعلميهم، وأهلُ كل فنٍّ هم مشايخ العالم فيه، وأدلة المتحير في جوابه (٧).
الثاني عشر: العجب من المعترض كيف يذُمُّهم، وهو متحلٍّ بفرائد علومهم، ومُرتوٍ من موارد تواليفهم، ومتصدِّرٌ للتدريس فيها، وعاشٍ (٨) في تواليفه إلى ضوء أنوارها (٩)، ومُهتدٍ في معارفه بنجوم أئمتها
_________________
(١) في (ش): عن مثل ذلك.
(٢) في (ش): بما.
(٣) وأوابد الكلام: غرائبه، وأوابد الشعر هي التي لا تشاكل جودة.
(٤) في (ب) و(ش): " تواليفهم ".
(٥) الواو ساقطة من (ش).
(٦) " في كل مجلس " ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): منه في خوافيه.
(٨) من عشا فلان إلى النار يعشو عشوًا: إذا رأي نارًا في أول الليل، فيعشو إليها: يستضيء بضوئها، قال الحطيئة: متى تأتِهِ تعشو إلى ضوء نارِه تجدْ خيرَ نارٍ عندها خير موقد
(٩) في (ش): أضواء نوارها.
[ ٤ / ٢٠ ]
لا سيما في تفسيره للقرآن وعلومه، فإنه نَقَلَ فيه منها، ومن " تفسير الفخر الرازي "، ونقل فيه من " الكشاف "، وصاحبُ " الكشاف " ينقُلُ منها مع أنه ليس من الزيدية، ولذلك لا يذكُر فيه خلافهم في الفقه، ولا يذكر أحدًا من أئمتهم إلاَّ من لا يسلم لهم أنه منهم.
وكان اللائق به أن يأنف من استعارة علوم المخالفين ومعارف أهل الجمود والبدع من الناس أجمعين، ويقتَصِرَ على ما في تفسير جده وجدنا الجميع الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم ﵉، وما في تفاسير سائر الأئمَّة، ولا سيما تفسيرُ الحسين بن القاسم، فإنَّه كثير الشواهد اللغوية، مثل ما حثَّ على ترك تواليف غيرهم في سائر العلوم.
فهلاَّ تجنَّب في تفسيره ذِكْرَ القُراء السبعةِ، فإنَّهم ليسوا من أئمَّة الزيدية، وكذلك أئمة النحاة المتكلمون على وجوه القراءات، وأئمة المعاني والبيان الخائضون في لطائف البلاغة، وحفَّاظُ اللغة المعتمدون في نقل اللغات، وعلماء التفسير من التابعين المشحونة بذكرهم جميع التفاسير (١)، الناقلين لأقوال الصحابة، وكذلك علماء التاريخ، فما أعلم في بلاد الزيدية تاريخًا من تأليف أئمتهم، وإنما يعتمدون " تاريخ محمد بن جرير الطبري " (٢)، وفي الأزمنة الأخيرة دخلها " تاريخ عز الدين بن الأثير " (٣)، و" النبلاء " للذهبي.
_________________
(١) في (ش): تفاسير.
(٢) وهو المسمَّى " تاريخ الأمم والمملوك " لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ، وقد طبع هذا التاريخ بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، في عشرة أجزاء، وهو من التواريخ المشهورة، ابتدأ في تاريخه من بداية الخليقة حتى سنة ٣٠٢ هـ؛ فبسط فيه الكلام في الوقائع.
(٣) وهو" الكامل في التاريخ " للشيخ عز الدين علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٣٠ هـ، ابتدأ فيه أول الخلق، وانتهى إلى سنة ٦٢٨.
[ ٤ / ٢١ ]
الثالث عشر: إن جميع أئمة الفنون المبرزين فيها قد شاركوا المحدثين في عدم ممارسة علم الكلام
والخلف والسلف مجتمعون (١) على قبول العلوم من أهلها، والسيدان الإمامان المؤيَّد وأبو (٢) طالب أخذا علم الحديث عن أهله، فأخذا عن غير واحدٍ من أئمتهم ورواتهم كما تقدَّم بيانُ طرفٍ منه (٣) أول هذا الوهم، وأكثر المؤيد بالله عن الحافظ الشهير محمد بن إبراهيم المعروف بابن المقري، والسيد أبو طالب أكثر عن الحافظ الجرجاني (٤) أحمد بن عبد الله بن عديّ صاحب كتاب " الكامل في الجرح والتعديل ".
فمن أين جاء لهذا المعترض الغناء التام عن المُحدثين؟ ومن قال بقولهم من النحاة، واللغويين، والمفسرين، والقراء، والمؤرّخين؟ لا والله ما استغنى عنهم، ولا بَرِحَ كلًاّ عليهم، وما أقبح بالإنسان أن يكون، من كفار النَّعم وأشباه النَّعم ولله من قال (٥):
أقلُّوا عليهم (٦) لا أبا لأبيكُمُ مِنَ الَّلوْمِ أوسُدُّوا المكان الَّذي سدُّوا
الثالث عشر: أنَّ جميع أئمة الفنون المُبرِّزين فيها قد شاركوا المحدثين في عدم ممارسة علم الكلام، وإن لم يُشاركوهم في كراهة الخوض فيه، لكن علة جمودهم، ورميهم بالبَلَه هي عَدَمُ الممارسة، والممارسة لا تحصُلُ بمجرد الاعتراف بفضيلة العلوم، فأخبرنا: هل مارس علم الكلام جميع أئمة الفقه كالشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، والثوري ومن لا يأتي عليه العدُّ، وأئمة النحو كالخليل وسيبويه ونحوهما، وأئمَّةِ القُرَّاء
_________________
(١) في (ش): مجمعون.
(٢) في (ش): " وأبي "، وهو خطأ.
(٣) في (ب): منها.
(٤) تحرف في الأصول إلى " البحراني ".
(٥) هو للحطيئة، وقد تقدَّم في ٢/ ١٠٤.
(٦) في (ش): عليكم.
[ ٤ / ٢٢ ]
واللغويين، وأهل التفسير، وسائر علوم الإسلام؟!
فإن قلت: كلُّ أهل الفنون الإسلامية قد مارسوا الكلام ما خلا (١) المحدثين لم يُستفد إلاَّ إعلامُ الغير بأنك معانِدٌ، وإن اعترفت بعدم ممارسة الأكثرين منهم (٢)، وإن مارس بعضهم فكذلك المحدِّثون قد مارس بعضهم دون الأكثرين منهم، ولم ينفعهم هذا من داء البَلَهِ، وجمود الفطنة، وسوء الأذى، وفُحش السخرية، والكِبْرِ، ويلزمُكَ أن تُشْرِك سائر علماء الإسلام في ذلك الملام ما خلا أهل الكلام، وما أقبح ما يجُرُّ (٣) إليه هذا الجهلُ من الكبر الفاحش (٤)، فإنَّه قد ثبت في الحديث الصحيح " أنَّ الكِبْرَ غَمْصُ الناس " (٥) وهذا غمص (٦) أئمة الناس، فاستعذ بالله من الجمع (٧) بين النقص والكبير فإنَّ تكبُّر النَّاقص أفحشُ من تكبر الكامل، ولهذا كان الفقير المتكبِّرُ من أبغض الخلق إلى الله كما ورد في الصحيح (٨)، فكيف إذا كان كِبْرُهُ على من هو خيرٌ منه، وقد ورد
_________________
(١) في (ش): سوى.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): جَرَّ.
(٤) في (ش): والفحش.
(٥) تقدَّم تخريجه في ٢/ ١٢٩، وغمص الناس -بالصاد المهملة-: احتقارهم، وفي (ش): " غمط "، بالطاء المهملة، وهو بمعنى الغمص، وكلاهما جاءت به الرواية.
(٦) في (ش): غمط.
(٧) في (ب): الجميع.
(٨) أخرج أحمد ٢/ ٤٨٠، ومسلم (١٠٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ثلاثة لا يُكلِّمُهم اللهُ يوم القيامة، ولا يزكّيهم ولا ينظرُ إليهم، ولهم عذابٌ أليم: شيخ زانٍ، وملِكٌ كذاب، وعائلٌ مستكبر ". وفي الباب عن عصمة بن مالك عند الطبراني ١٧/ (٤٩٢)، وعن سلمان عنده أيضًا (٦١١١). قال الهيثمي في " المجمع " ٤/ ٧٨ عن الأول: إسناده ضعيف، وقال عن الثاني: رجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ٢٣ ]
الرابع عشر: تصريح السيد بوصم شيخ الإسلام مالك بن أنس، دليل على أنه الجامد الفطنة
في مطلقِ الكبر وأخَفِّه وأقلِّه أنه يمنع رحمة الله ودخول جنته، ففي الصحيح أنه " لا يشُمُّ رائحة الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر " (١)
الرابع عشر: تصريحك بوصم (٢) شيخ الإسلام، وإمام دار هجرة المصطفى ﵇ مالك بن أنسٍ ﵁ دليلٌ على أنك أنت الجامدُ الفطنة، الكثيرُ البطنة، وأنك لا تدري ما يخرج من رأسك، ولا ما يطيش من دماغك.
ومَنْ جَهِلَتْ نفسُهُ قدْرَهُ رأي غيرُهُ مِنْهُ ما لا يرى (٣)
كأنك لا تدري ما قدر الأمة، ولا مَحَلُّ إجماعها، أو لم (٤) تعرف أن الأمة المعصومة عن الخطإِ أجمعت على أنه أحد المجتهدين المعتبرين،
_________________
(١) أخرج أحمد ١/ ٣٩٩ و٤١٢ و٤١٦ و٤٥١، ومسلم (٩١)، وابن ماجة (٤١٧٣)، وابن أبي شيبة ٩/ ٨٩، وأبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩)، وابن مندة في " الإيمان " (٥٤٠) و(٥٤١) و(٥٤٢)، والطبراني (١٠٠٠٠) و(١٠٠٠١) و(١٠٠٦٦) و(١٠٥٣٣)، والحاكم ١/ ٢٦، وابن حبان (٢٢٤) بتحقيقنا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يدخل الجنة أحدٌ في قلبه مثقال حبة خردل من كِبر، ولا يدخلُ النار من كان في قلبه حبة خردل من إيمان ". قال ابن حبان: أي: لا يدخل النار على سبيل الخلود.
(٢) في (ش): بوهم.
(٣) هو للمتنبي من قصيدته التي يهجو بها كافورًا يقول فيها: وماذا بمصر من المُضحِكات ولكنه ضحكٌ كالبُكَا بها نَبَطيُّ من أهْلِ السَّوادِ يُدَرَّسُ أنسابَ أهل العُلا وأسْوَدُ مِشفَرُهُ نِصْفُه يُقَالُ له أنت بدرُ الدُّجَى وقد شرح العكبري معنى البيت الذي استشهد به المؤلف، فقال: يقول: من أعجب بنفسه، فلم يعرف قدر نفسه إعجابًا وذهابًا في شأنه، خفيت عليه عيوبه، فاستحسن من نفسه ما يستقبحه غيره. " شرح العكبري " ١/ ٤٤.
(٤) في (ش): ولم.
[ ٤ / ٢٤ ]
وأنه شيخ سُنة سيد المرسلين، وأنها خضعت بين يديه كراسي علماء المسلمين (١)، وأنه لا يصح انعقاد الإجماع مع خلافه، دع عنك الكثير الطيب مما في كتب الرجال من جلائل مناقبه، وخصائص فضائله، وقد جاء في الأثر: " أن الرجل كان إذا حفظ الزَّهراوين (٢) جدَّ فينا " وجاء في تعظيم العلماء والمتعلمين ما لا يتَّسِعُ له هذا المكان من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ولو لم يكن في ذلك إلاَّ ما وردَ من بَسْطِ الملائكة أجنحتها لطالب العلم (٣)، فهذا في طالب العلم (٤) فكيف بالعالم، فكيف يا سيَّال (٥) الذهن بشيخ الإسلام، وإمام دار الهجرة النبوية على صاحبها السلام بإجماع العلماء الأعلام، وقد صَحَّ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " وَجَبَتْ "، فيمن أثنى عليه جماعةٌ يسيرة، أي: وجبت له الجنة، وقال: " أنتم الشهداء " (٦)، وفسَّر ذلك بمن (٧) شهد له ثلاثة أو اثنان (٨)، فكيف بمن تطابق على إمامته علماء الإسلام؟! وكيف لم يهتد
_________________
(١) في (ش): الإسلام.
(٢) الزهراوان: البقرة، وآل عمران، أي: المنيرتان، واحدتهما زهراء، والأزهر: الأبيض المستنير. وقوله: جدّ فينا، أي: عظُمَ، وفي (١) و(ب): جَل، والرواية: جد، والأثر في " السند " ٣/ ١٢٠ من حديث أنس.
(٣) حديث حسن. أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (٧٩٥)، ومن طريقه أحمد ٤/ ٢٣٩، وابن ماجة (٢٢٦)، والطبراني (٧٣٥٢) عن معمر، عن عاصم، عن زر، عن صفوان بن عسال المرادي رفعه: " ما من خارج يخرج من بيته يطلب العلم إلاَّ وضعت له الملائكة أجنحتها رضًا بما يصنع ". وصححه ابن خزيمة (١٩٣)، وابن حبان (٨٥) بتحقيقنا. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) جملة " فهذا في طالب العلم " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): سائل.
(٦) تقدم تخريجه في ١/ ١٨٣ ت ٣.
(٧) في (ش): وقيس بذلك من.
(٨) تقدم تخريجه ١/ ١٨٣ ت ٤. ونزيد عليه هنا: وأخرجه أحمد ١/ ٢١ - ٢٢ و٣٠ =
[ ٤ / ٢٥ ]
ذهنُك هذا (١) السيال إلى أنه عارٌ عليك أن تذُمَّ من لا تستفيدُ بذمِّه إلاَّ كشف الغطاء عن حماقتك، وخلع جلباب الحياء عن وجه خلاعتك؟ وانظر (٢) إن بَقِيَ لك مُسْكَةٌ من عقلٍ، أو التفاتٌ إلى تمييز، هل لك مطمعٌ في إجماع الأمة على اجتهادك، والاعتداد بأقوالك، والتعظيم لك، والثناء عليك؟! ومن الذي حَصَلَتْ له هذه المرتبة الرفيعة العُظمى من أعيان الأئمة والعلماء؟ ومن أنت حتى ترفع رأسك إلى القدح في أهل هذه المرتبة العزيزة؟ بل قد بان بكلامك أنك قصرت عن العلم بأنهم فوقك، وكيف تطمع في أنك من أهل مرتبةٍ لم تعرفها، ولم تعرف مكانك في البُعد منها، وما أنصفت (٣) في جوابك عن (٤) الإمام مالكٍ.
أتهجُو ولستَ لهُ بكُفءٍ فشرُّكُما لخيرِ كُمَا الفداءُ (٥)
_________________
(١) = و٤٥ - ٤٦، والبخاري (١٣٦٨) و(٢٦٤٣)، والنسائي ٤/ ٥٠ - ٥١، والترمذي (١٠٥٩)، والطيالسي (٢٣) من طريق أبي الأسود الديلي .. وأخرج أحمد ٣/ ٢٤٢، وابن حبان (٧٤٩)، والحاكم ١/ ٣٧٨ من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: " ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون إلاَّ خيرًا إلاَّ قال الله جلَّ وعلا: قد قبلت علمكم فيه، وغفرتُ له ما لا تعلمون ". قال الحافظ في " الفتح " ٣/ ٢٢٩: والمخاطب بقوله: " أنتم شهداء الله في الأرض ": الصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان. وقال الداوودي: والمعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفسقة، لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأنَّ شهادة العدو لا تقبل.
(٢) في (ش): ذا.
(٣) في (ش): وأيضًا.
(٤) في (أ) و(ش): أنصف.
(٥) في (ش): على.
(٦) البيت لحسان بن ثابت من قصيدة يمدح بها رسول الله - ﷺ -، ويهجو بها أبا سفيان قبل أن يسلم. مطلعها: =
[ ٤ / ٢٦ ]
الرد على طلب الكفرة بمقامين: المقام الأول وجوابه من وجوه:
الوجه الأول: معارضة مشتملة على تحقيق
قال: يقال للمخالف ما تقول: إذا وَرَدَتْ عليك شُبُهَات الملحدين، ومشكلات المُشبِّهَة والمُجبرة المتمردين؟ وقد ساعَدَك الناس إلى إهمال النظر في علم الكلام، وهل هذا إلاَّ مكيدةٌ للدين إلى آخر ما ذكره.
أقول: لا يخلو الكفرة إما أن يطلبوا منا تعريفهم بأدلتنا حتى يُسلِمُوا، أو يُوردوا علينا شُبَهَهُم حتى نترُك دين الإسلام، فهذان مقامان:
المقام (١) الأول: أن يسألونا (٢) بيان الأدلة على صحة الإسلام حتى يدخلوا فيه، والجراب (٣) من وجوهٍ:
الوجه (٤) الأول: معارضة مشتملةٌ على تحقيق، وهي أن نقول للمتكلمين: ما تقولون إذا قال الكفرة: إنَّ أدلَّتكم المُحَرَّرة في علم الكلام شُبَهٌ ضعيفة، وخيالاتٌ باردةٌ كما قد (٥) قالوا ذلك أو (٦) أمثاله؟ فما أجبتم به عليهم بعد الاستدلال والنزاع والخصومة، فهو جوابنا عليهم قبل ذلك كله، فإن قالوا: إنَّه يحسُنُ منا بعد إقامة البراهين (٧) أن نحكم عليهم بالعناد، ونرجع إلى الإعراض عنهم أو إلى الجهاد، وأما أهل الأثر وترك علوم الجدل والنظر، فإنه يقبُحُ منهم ذلك قبل إقامة البراهين (٧).
_________________
(١) = عَفَتْ ذاتُ الأصابع فالجواءُ إلى عَذرَاء منزلُهَا خلاءُ انظر " الديوان " ص ٥٧ - ٦٦ بتحقيق البرقوقي.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ب): " سألونا "، وفي (ش): " سألوا ".
(٤) في (ش): فالجواب.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) " قد " ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): و.
(٨) في (ش): البرهان.
[ ٤ / ٢٧ ]
جواب في أن الحجة لله تعالى قد تمت قبل نصبنا ونصبكم للبراهين
فالجواب: أنَّ الحجة لله تعالى قد تمَّت قبل نَصْبِنَا ونصبكم للبراهين (١) بما خلق (٢) الله لهم من العقول، وأرسل إليهم من (٣) الرسل، فكما إنهم لو ماتوا على كفرهم قبل مناظرتكم (٤) لهم، حسن من الله تعالى أن يعذبهم، فكذلك يحسن (٥) منا قبل المناظرة قتالهم قاطعين بأن الله تعالى قد أقام الحجة عليهم، مقتدين في ذلك برسله الكرام وسائر أئمة الإسلام، ويقال للمتكلمين: هل تحكمون على الكفار قبل مناظرتكم لهم وفي خلالها بأنهم معذورون لا إثم عليهم أو لا؟
إن قالوا بالأول، خالفوا الإجماع، بل ضرورة الدين.
وإن قالوا بالثاني، فالحكم الذي حكمتم به عليهم بعد المناظرة قد كان حاصلًا لهم قبلها، وإن كان (٦) قصدكم بالمناظرة أن تعلموا عنادهم، فهو أيضًا معلومٌ قبلها إذ لو لم يكونوا معاندين، كانوا معذورين، كما قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِر﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وإن كان قصدُكم بمناظرتهم تمكينهم (٧) من معرفة الله تعالى فقد مكنهم الله تعالى من ذلك، وهو غيرُ مُتَّهَمٍ في عدله وحكمته، وإقامة حجته (٨)، وفي الحديث الصحيح أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "ما أحدٌ أحبَّ إليه العُذرُ من الله، من أجلِ ذلك أرسل الرُّسُل
_________________
(١) في (ش): البرهان.
(٢) في (ش): يخلق.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): مناظرتهم.
(٥) في (ش): وكذلك نحن يحسن.
(٦) " كان " ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): تمكنهم.
(٨) في (ش): حجيتهم.
[ ٤ / ٢٨ ]
وأنزل الكتب" أو كما قال، رواه البخاري (١) وغيره، وقال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، إلى أمثال ذلك من النصوص الدالة على أن حجة الله قد وضحت، وقامت على الخلق من قبل مناظرة الدَّرَسَة، وخيالات المبتدعة، ووساوس المتكلمة، وتحكُّمات المتكلّفة، ولكنهم كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِين﴾ [النمل: ١٣]، وقال تعالى حاكيًا عن موسى ﵇ لما قال له (٢) فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١، ١٠٢]، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
وإن كان مرادُكم الفصل بين المختلفين، وجمع كلمة العالمين (٣) أجمعين فذلك غير مقدورٍ عند أهل السنة لأحد من المخلوقين (٤)، ولا يَقْدِرُ عليه عندهم، ولا يفصل بينهم إلاَّ ربُّ العالمين كما قال سبحانه في كتابه المبين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾ [الحج: ١٧]، ولهذا سمَّى الله يوم القيامة يوم الفصل، والعَجَبُ من المعتزلة أنَّ مذهبهم أن هداية الكفار والضلال غير مقدورةٍ (٥)
_________________
(١) (٧٤١٦)، وقد تقدَّم تخريجه ١/ ١٧٠.
(٢) في (ش): قاله.
(٣) في (ب): كلمة رب العالمين، وهو خطأ.
(٤) في (ب): الخلق.
(٥) في (ش): مقدر.
[ ٤ / ٢٩ ]
الوجه الثاني: معارضة أيضا، وهي لبعض المتكلمين ألزم، لأن في المتكلمين من المعتزلة طوائف
لله سبحانه وتعالى عما يقولون (١) عُلُوًّا كبيرًا، ثم يوجبون على المخلوق الضعيف التعرض لهدايتهم.
فإن كانت غير مقدورة له، فهذا لا يجوز إيجابه بالرأي، والنصُّ عليه غير موجود، ومتى انتهى إلى حد المراء، فالنصوص على المنع منه متواترة، وإن كان هداية الكفار مقدورة للعبد، فكيف لا تكون مقدورة لله تعالى؟!.
فإن قلت: هم يلتزمون (٢) أيضًا أن الله سبحانه عن مقالتهم غير قادر على مقدورات العباد، لأن ذلك يؤدي إلى تجويز مقدور بين قادرين.
قلت: نعم، ولكنهم يجوزون قدرته سبحانه على أمثالها دون أعيانها، وسوف يأتي البرهان القاطع على بُطلان كلامهم عند الكلام على أفعل العباد، وأمَّا إلزامنا لهم هنا (٣)، فهو خروجُ قدرة الرب سبحانه عن التعلق بمقدور العباد، وبمثله (٤) أيضًا، فهو أفحش من مذهبهم حاشا أبا (٥) الحسين وأصحابه فإنهم يوافقون أهل السنة في هذه المسألة.
الوجه الثاني: معارضة أيضًا، وهي (٦) لبعض المتكلمين ألزم، وذلك أن في المتكلمين من المعتزلة طوائف لا يوجبون النظر في علم الكلام.
_________________
(١) في (ش): يقول الظالمون.
(٢) في (ش): ملتزمون.
(٣) ساقطه من (ش).
(٤) في (ش): ومثله.
(٥) في (ب): أبي، وحاشا إذا لم يسبقها ما، يجوز في إعراب الاسم الذي بعدها الجر على أنها حرف جر، والنصب على أنها فعل.
(٦) في (ش): "وهو"، وهو خطأ.
[ ٤ / ٣٠ ]
الطائفة الأولى: من قال بأن المعارف ضرورية
الطائفة الأولى: من قال بأن المعارف ضرورية، لقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، ولغير ذلك كما سيأتي، ويجعل النظر (١) شرطًا اعتياديًا (٢) غير مؤثرٍ، وهم أقوى هذه الطوائف حجة لأنهم لم يسقطوا وجوب النظر في الجملة، ولا طرحوا المعلوم من ثمرته بالفطرة، ولا جحدوا المعلوم منه عن سلف الأمة، ومع ذلك، فلم يبتدعُوا القول بوجوب النظر في الدقائق، والطرائق المبتدعة، وإنما يوجبون من النظر ما يوجبه أهل السنة، وهو النظر فيما أمر الله بالنظر فيه، وفيما عُلِمَ من الأنبياء وأصحابهم وخير أسلافهم أنهم اعتمدوه من النظر في المعجزات، والمخلوقات من غير شعورٍ بترتيب المقدمات على الشرائط المنطقيات، وما ذكره الغزالي في " القسطاس " (٣) من كون تلك المقدمات معلومة لجميع العقلاء، واردة (٤) في المعنى في كتاب الله تعالى لا يستلزم وجوب الخوض في المنطق والكلام، بل يوجب الاستغناء عن ذلك بالفطرة كما أن من يعرفُ وزن الشعر بالفطرة، ويقوله على أبلغ الوجوه لا يحتاج إلى قراءة علم العروض، ولا يمتنعُ أن يرد الشرع بالمنع عمَّا يستغنى عنه لحكمةٍ استأثر الله بعلمها، كما ورد بالنهي عن كثيرٍ مما لم يُدرك بالعقل قُبْحُهُ، بل ورد بالنهي عن كثيرٍ ممَّا ظاهِرُهُ قُرْبَةٌ، كصلاة الحائض (٥)،
_________________
(١) " النظر " ساقط من (ش)
(٢) في (ش): اعتباريًا.
(٣) اسمه الكامل " القسطاس المستقيم " ويقع في ٦٠ صفحة، وهو من مؤلفاته المتأخرة، وقد طبع ضمن مجموعة من رسائل الغزالي، وموضوعه توضيح قواعد التفكير الصحيح المفضية إلى معرفة الحقيقة.
(٤) في (ش): ومرادة.
(٥) في حديث عائشة أنَّ النبي - ﷺ - قال لفاطمة بنت أبي حبيش: " فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة ". =
[ ٤ / ٣١ ]
والوِصال في الصوم (١)، والصلاه في الأوقات المكروهة (٢)، وتلاوة الجُنُب للقرآن (٣). وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - نهى عن البدع (٤)، وأمر عند حدوثها بالتعوُّذ من الشيطان، والفَزَعِ إلى القرآن، ولو خُلينا وقضايا
_________________
(١) = أخرجه مالك ١/ ٦١، والبخاري (٣٠٦)، ومسلم (٣٣٣). وفي حديث أبي سعيد الخدري: " أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم ". أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠). وانظر في معناه حديث أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤، ومسلم (٨٠)، والتزمذي (٢٦١٣). وحديث ابن عمر عند أحمد ٢/ ٦٦ - ٦٧، ومسلم (٧٩)، وأبي داود (٤٦٧٩). وفي حديث عائشة عند مسلم (٣٣٥)، والترمذي (٨٨٧) قالت: كنا نحيض عند رسول الله - ﷺ -، ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة.
(٢) كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " إياكم والوصال، إياكم والوصال " قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله! قال: " إني لست في ذاكم مثلكم، إنِّي أبيتُ يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما لكم به طاقة ". أخرجه عبد الرزاق (٧٧٥٤)، والبخاري (١٩٦٦)، ومسلم (١١٠٣) (٥٨).
(٣) فعن عقبة بن عامر الجهني قال: ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهنَّ أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلُعُ الشمسُ بازغة حتى ترتفع، وحين يقومُ قائمُ الظهيرة حتى تميل الشمسُ، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرُبَ. أخرجه مسلم (٨٣١)، وأحمد ٤/ ١٥٢، والنسائي ١/ ٢٧٥ - ٢٧٦، والترمذي (١٠٣٠)، وأبو داود (٣١٩٢)، وابن ماجة (١٥١٩).
(٤) وهو ما رواه الترمذي (١٣١)، وابن ماجة (٥٩٥)، والدارقطني ١/ ١١٦، والبيهقي ١/ ٨٩ من طريق إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: " لا تقرأ الحائضُ ولا الجنبُ شيئًا من القرآن " وإسماعيل بن عياش. ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، وهذا الحديث منها؛ وله طريقان آخران عند الدارقطني وهما ضعيفان، وفي الباب عن علي عند أبي داود (٢٢٩) والترمذي (١٤٦) وابن ماجة (٥٩٤)، وابن الجارود (٩٤) وأحمد ١/ ٨٤ و١٢٤، والدارقطني ١/ ١١٩، والحاكم ١/ ١٥٢ و٤/ ١٠٧، والبيهقي ١/ ٨٨ - ٨٩ من طريق عمرو بن مرة عن عبد الله بن سَلِمَة، عن علي قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا، وصححه غير واحد من الأئمة، وحسَّنه الحافظ في " الفتح "، ولأحمد ١/ ١١٠ والدارقطني ١/ ١١٨ نحوه من طريق آخر وسنده حسن، ورواه غير واحد موقوفًا على عليٍّ.
(٥) تقدَّم في ٣/ ٢٥٧.
[ ٤ / ٣٢ ]
العقول، ما مُنِعْنَا الخوض في لطيف الكلام لأجل تقوية أدلة الإسلام، والنظر في المخلوقات الوارد في الكتاب والسنة لم (١) يُقَيَّدْ بوجهٍ مخصوصٍ، وهو طريقة المتكلمين، بل فُهِمَ منه تعلُّقه بما يُوقِفُ النفس على الحقِّ اليقين، ويُخرجها من ظلمات دعوى المبطين إلى أنوار معارف المُحقِّين، وربما اختلفت الأدوية على حسب اختلاف الأدواء، وكثيرٌ من الأذكياء الذين يقعون في الحيرة والوسوسة لا ينتفعون من النظر إلاَّ بأمرين.
أحدُهُما: توقيف النفس على أنه قد وقع في الشهادة ما لم يكن ليقر به العقل، وكان في الغيب، وهو جود هذا العالم العجيب المحكم على ما أشار الله تعالى إليه، وقد قرره الجاحظ في " العبر والاعتبار " فإنه لو لم يكن مخلوقًا لله تعالى كما جاء به الإسلام، لم يكن بد من القول بالمحارَات، الوقوع في المحالات، فإنه يلزمُ حينئذٍ إمَّا القول بِقَدَمِ العالم، والقِدَمُ بنفسه هو أعظم المحارات، أو القول بحدوثه من غير مُحدِثٍ ولا مُرَجِّحٍ، وذلك من أعظم المحالات، فحينئذ تخضع النفس للاستسلام لبراهين الإسلام.
وثانيهما: تخويف النفس -من الوقوع- في عظيم (٢) العذاب، فإنها كما لا تُؤمن (٣) به، فإنَّها لا تأمن منه، لأن طبيعتها عدم الإيمان بالغيب، وعدم الأمان منه، ولذلك أمر الله تعالى أن يحتج بهذا المعنى على المشركين في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ -إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ [الأحقاف: ١٠]، وسيأتي
_________________
(١) في (ش): ولم.
(٢) في (ش): معظم.
(٣) في (ش): " لا تأمن "، وهو خطأ.
[ ٤ / ٣٣ ]
الطائفة الثانية:: من يقول: إن المعارف ضرورية مطلقا
تقرير هذا في بيان (١) الحكم في تقدير الشرور، وهو من أنفع ما تُكسر به سورة النفس عند نُبُوِّها عما لا تألفه ولا تعرِفُه ممَّا جاءت به النبوات، وهو داخلٌ فيما أمر بأنه (٢) من النظر في ملكوت الأرضين والسماوات.
الطائفة الثانية: من يقول: إنَّ المعارف ضروريةٌ مطلقًا، وذلك بعد تمام العقل وخطورها في الخاطر، وزوال السهو عن تصورها، وهؤلاء لا (٣) يحمِلُون الأمر بالنظر والفكر على مُجرَّد ترك السهو والغفلة، فإنَّ الساهي عن العلم الضروري غير عالم به في حال سهوه عنه، ولذلك شبَّه الله الغافلين بالأنعام، فقال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ [الفرقان: ٤٤]، قالوا: وليس الأمرُ بالنظر يُناقِضُ كونَ المنظور فيه معلومًا بالضرورة، ولذلك شرع الله للمكلفين الفكر في الموت والمرض ونحوه مع أنه معلومٌ بالضرورة، وأجمعت الأمة على استحباب التفكر فيه، وأخبرنا الله تعالى به، بل أدخل المؤكِّدات على الجبرية، فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُون﴾ [المؤمنون: ١٥]، وفيه بحث لطيف، وهو أن المؤكِّدات لا تدخُل على المعلومات (٤)، فلا يحسُنُ أن نقول: والله إن السماء لمرتفعة فوق الأرض، وإنما حَسُنَ ذلك في الآية (٥) لتنزيل المخاطبين لشدة غفلتهم منزلة الجاحدين المنكرين له، كما ذكره علماء المعاني والبيان في قول الشاعر:
_________________
(١) في (ش): شأن.
(٢) في (ش): به.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) من قوله: " فقال سبحانه " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) " في الآية " ساقط.
[ ٤ / ٣٤ ]
جاء شقيقٌ عارضًَا رُمحَه إنَّ بني عمِّك فيهم رِمَاحٌ (١)
وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْن﴾ [التوبة: ١٢٦].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين﴾ [الأنعام: ١١].
وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [الأنعام: ٤٠].
وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦].
وقال: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِه﴾ [الأنعام: ٩٩]، وكثيرٌ ما يَرِدُ في كتاب الله تعالى، وقد يعظُمُ الانتفاع بالنظر في الضروريات حتَّى قال المؤيد بالله ﵇ في كتابه " سياسة المرتدين ": إنَّ الفكر في الموت والقبر والبلى أنفع (٢) من الفكر في عذاب النار وأمثاله (٣)، وعلَّل ذلك بكون الموت وأحواله ضرورية.
وعلى الجملة، فإن الانتفاع باستحضار تصور العلوم الضرورية النافعة، ودوام تصورها معلومٌ بالضرورة، والتضررُ بدوام الغفلة عنها معلومٌ بالضرورة، ولما يفترِقِ الحال بين أهل الصلاح وغيرهم، وتفاوت المراتب إلاَّ بذلك، وعامة ما اشتملت عليه كتبُ الرقائق المُبكية،
_________________
(١) في (ش): جراح. والبيت لحجل بن نضلة، وهو في " البيان والتبيين " ٣/ ٣٤٠ (طبعة عبد السلام هارون)، و" مؤتلف " الآمدي ص ١١٢، و" معاهد التنصيص " ١/ ٧٢ (طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد)، و" دلائل الإعجاز " ص ٣٦٢ (طبعة الخانجي بالقاهرة بتحقيق الأستاذ محمود شاكر).
(٢) في (ب): من أنفع .. وهو خطأ.
(٣) " وأمثاله " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٣٥ ]
والمواعظ المُشجية هو التذكير بالضروريات، بل جاء ذلك في أشعار العرب وعقله من لم يعرف النظر قال مُتمِّمٌ (١):
وقالوا أتبكي كُلَّ قبرٍ رأيتَهُ لِقَبْرٍ (٢) ثَوَى بين اللِّوَى فالدَّكَادِكِ (٣)
فقُلتُ لهم إنَّ الأسى يبعَثُ الأسى دعُونِي فهذا كُلُّهُ قبرُ مالِكِ
ولو بسطتُ هذا المعنى، لجاء في مجلداتٍ، وقد أشار الله تعالى
_________________
(١) هو متمم بن نويرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن يربوع التميمي اليربوعي أخو مالك بن نويرة، شاعر، فحل، صحابي، من أشراف قومه، عده ابن سلام في " الطبقات " ص ٢٠٣ في الطبقة الأولى من أصحاب المراثي. وله في أخيه مالك مراثٍ من غُرر الشعر، لم يقل أحدٌ مثلها، والمقدمة منهنَّ عينيته: لعمري وما دهري بتأبينِ هالكٍ ولا جَزَعٍ ممَّا أصَابَ فأوْجَعا أنشدها صاحب " المفضليات " (٦٧) يقول فيها: وكُنَّا كَنَدْمانَيْ جذيمة حِقْبةً مِنْ الدهرِ حتى قيل لن يَتَصَدَّعا فلما تفرقنا كأني ومالكًا لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا وقد سكن متمم المدينة في أيام عمر، وتزوج بها امرأة لم ترض أخلاقه لشدة حزنه على أخيه. انظر " شرح المفضليات " لابن الأنباري ص ٦٣ و٥٢٦، و" أسد الغابة " ٥/ ٥٨ - ٥٩، و" الإصابة " ٣/ ٣٤٠.
(٢) في (ش): لثاوٍ.
(٣) البيتان في " ديوانه " من قصيدة (٩١)، وهما في " حماسة أبي تمام " ص ٣٩٠، و" حماسة البحتري " ص ٢٥٨، و" الحماسة البصرية " ١/ ٢١٠، و" الزهرة " للأصبهاني ٢/ ٥٣٩، و" العقد الفريد " ٣/ ١٩٣، و" أمالي أبي على " ٢/ ١، و" وفيات الأعيان " ٦/ ١٧، و" فوات الوفيات " ٢/ ٢٩٨، و" معجم البلدان " ٢/ ٤٧٩. وجاء في " معجم ما استعجم " للبكرى ص ٥٥٤ - ٥٥٥: الدكادك -بفتح أوله، على لفظ جمع دَكْداك-: موضع في بلاد بني أسد، قال مُتمم بن نُويرة: فقال أتبكي كُلَّ قبرٍ رأيتَهُ لِقَبْرٍ ثَوَى بين اللِّوَى فالدَّكَادِكِ ويُروى: فالدَّوانِكِ، وهو أيضًا هناك، مجاور الدَّكادك، وكان مالك بن نويرة أخو مُتمم المرثي بهذا الشعر، قتل بالملا وقبره هناك، والملا: في بلاد بنى أسد. قال الأصمعي: قَدِمَ مُتمم العراق، فجعل لا يمُرُّ بقبرٍ إلاَّ بكى عليه، فقيل له: يموت أخوك بالمَلاَ، وتبكي أنت على قبرٍ بالعراق؟ فقال هذه الأبيات. وبعد البيت: فقُلتُ له إنَّ الأسى يبعَثُ الأسى فَدَعني فهذا كُلُّهُ قبرُ مالِكِ
[ ٤ / ٣٦ ]
إلى فضيلة أهل الرِّقَّة والخشوع التي هي من آثار استحضار تصوُّر الضروريات فقال سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون﴾ [المائدة: ٨٢]. ثم وصفهم بالمعرفة، ووصف معرفتهم بما يوجب ملازمة (١) الخشوع العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وهذه صفة معرفة الصالحين لا صفة معرفة الجدليين والمنطقيين وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]، فكيف يقال: إن من اعتقد أن المعارف ضروريةٌ يلزمه إهمال الفكر (٢) والنظير وردُّ القرآن والخبر والأثر.
ولقد صنَّف الجاحظ -وهو من أهل هذه المقالة- كتات " العبر والاعتبار " (٣)، فأتى فيه بما يقضي له بعُلُوِّ القدر في علم النظر من التفكر في عجائب المخلوقات الضروريات.
وكذلك النظر في علم التشريح، وعجيب خِلقة الإنسان والتأمل لما يُدْرَكُ من (٤) ذلك بالتواتر والعيان.
وقد حثَّ الله تعالى على النظير في المشاهدات وهي من
_________________
(١) " معرفتهم " ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): الذكر.
(٣) ذكره ابن النديم في " الفهرست " ص ٢١١، وياقوت في " معجم الأدباء " ١٦/ ١٠٨ باسم " التفكر والاعتبار ".
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٣٧ ]
الضروريات، فقال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِين﴾ [يس: ٧٧].
وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيم﴾ [لقمان: ١٠].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧].
فالحث على النظر في المعلومات معلومٌ، لكن المخالف يقول: إنَّ المراد بالنظر فيها استنباطُ علومٍ غيرها بطريق استدلالية تنبني على مقدماتٍ متركبةٍ تركيبًا مخصوصًا على وجهٍ يُنتج العلم على سبيل الاختيار، وأهل المعارف يقولون: إنَّ المراد بالنظر فيها؛
إمَّا ما يحصُلُ عنده من تعظيم المعبود، والخشوع له، والرِّقة، والإجلال، والخوف والرجاء كما يحصُلُ بذكر الموت ونحوه.
وإمَّا ما يهجُمُ على القلوب بعد ذلك من صرف اليقين ورسوخ
[ ٤ / ٣٨ ]
الطائفة الثالثة: من المعتزلة والشيعة من يجيز أهل الحق
الإيمان من غير اختيار.
وإما مجموعُهُما (١)، ويتفاوت الحاصل من (٢) ذلك تفاوتًا عظيمًا لا يقف على حدٍّ، ولا يجري على قياسٍ على حسب حكمة الله واستحقاق العبد، وربما أبكى، وربَّما أقلق، وربَّما لم (٣) تحتمله القوى البشرية، فيُصعَقُ العبد كما صعق موسى ﵇، وربما زاد على ذلك فقتل، فسبحان من هو على كل شيءٍ قدير، وبكل شيء بصير.
الطائفة الثالثة: من المعتزلة والشيعة من يجيز تقليد أهل الحق، وهو قول شيخ البغدادية أبي (٤) القاسم البلخي الكعبي حكاه عنه السيد الإمام المؤيد بالله ﵇ في " الزيادات "، وذكر أبو القاسم ما يدل عليه في " المقالات " وهو قوله فيها عند ذكر العامة، وقد عدَّهم فرقة مستقلة، وذكر ما يجتمعون عليه من إضافة صفات الكمال إلى الله، وتنزيهه عن صفات النقص أو كما قال، ثم قال بعد ذلك. فهنيئًا لهم السلامة. وهذا القول مرويٌّ عن الإمام القاسم بن إبراهيم ﵇، وصرح به السيد المؤيد بالله ﵇ في آخر كتاب " الزيادات " تصريحًا لا يحتمل التأويل البتة؛ لأنه احتج عليه، فطوَّل (٥) الكلام فيه، بما لا يمكن معه خفاءُ مقصوده، وقد حاول المعترض إنكار ذلك عن المؤيد بالله، وعارضه بقوله في الإفادة بوجوب المعرفة، فأمَّا المعارضة، فجهل، إذ ليس يمتنع أن يكون للعالم قولان صحيحان عنه، وأما إنكار
_________________
(١) في (ش): مجموعها.
(٢) في (ش): في.
(٣) " لم " ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): أبا.
(٥) في (ش): وطوَّل.
[ ٤ / ٣٩ ]
إن لللطف المقرب وجوه
الوجه الأول: وجوبه إما ضروري، وإما إستدلالي
ذلك، وتأويله، فعنادٌ لا يساوي شيئًا، ولا يستفيد مُنكرُه إلاَّ أذى نفسه.
وقد اعتمد المؤيد (١) بالله في " الزيادات " على الدليل المعلوم من فِطَرِ العقول، وهو حُسْنُ العمل بالظن كما ذكره في خبر الواحد كثير من المحققين، منهم أخوه السيد أبو طالب في " المجزي "، والإمام المنصور بالله في " الصفوة "، والشيخ أبو الحسين في " المعتمد " (٢)، وهو دليل قوي، والعلم به فطري أوَّلي كما تقدم في آخر الوظائف.
وقد تمسك من أوجب العلم بوجوه عقلية وسمعية أشفُّها كون العلم بالله تعالى لُطفًا مقربًا إلى طاعته تعالى، ومعنى المقرِّب: ما يكون المكلَّف (٣) معه أقرب إلى أداء ما يجب عليه وترك ما يحرُمُ عليه. وقد ذكر المؤيد بالله في " الزيادات " أنه يحصُلُ بالظن مثل ذلك (٤)، ومن السمع قوله تعالى: ﴿فاعلم أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ﴾ [محمد: ١٩]، وما جاء من ذم الظن والإجماع على تحريم الجهل بالله، بل (٥) على أنه كفر، وللمخالفين فيها أنظار ومعارضات، أمَّا اللطف المقرب فمن وجوه:
الوجه الأول: وجوبه إمَّا ضروريٌّ عند المعتزلة، كوجوب قضاء الدَّين، وردِّ الوديعة، وهذا ممنوع لوجدان التفرقة الضرورية، وعدم منازعة الخصم.
وإمَّا استدلالي، ولا دليل يتصور على ذلك متركب من مقدمتين
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) انظر ٢/ ١٠٦ - ١١٠.
(٣) في (ش): العبد المكلف.
(٤) من قوله: " وقد ذكر " ساقطة من (ب).
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٤٠ ]
الوجه الثاني: أن اللطف المقرب مجرد دعوى
ضروريتين أو منتهيتين إلى ضروريتين، فلم يبق إلاَّ أنه مجرد دعوى أو ظن، فإن كان مجرد دعوى لم تُسمع، وإن كان ظنًا، لم يكن مانعًا من ظنٍّ آخر هو أرجح منه بالنسبة إلى من لم يُسلم رجحانه، وكثيرٌ من أدلة الكلام ودعاوي أهله تنهار إذا اعتبرتها بهذا الاعتبار، وإنما هي (١) أقيسةٌ مبنية على اعتقاد صحة الحصر والسَّبْرِ (٢) والتلازم في الثبوت، والانتفاء، لا على القسمة الدائرة بين النفي والإثبات، وأمثالِها من الضروريات بل قد يعللُ بعضُ المعتزلة بمجرد إمكان التعليل، ويقولون: ما أمكن تعليله بأمرٍ، وجب، وهذا في غاية السقوط.
وقد ذكر الإمام (٣) المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵇ هذه الأشياء أو أكثرها وزَيفَها، وأوضح بطلانها في مقدمة كتابه " التمهيد " (٤)، وهي مردودة عند جميع المنطقيين وأهل التحقيق.
وقد تعرَّض الفقيه يحيى بن حسن القرشي لتصحيحها في أول مصنفه في الكلام، فما أنصف، وهذا عارضٌ، ومن أحبَّ التحقيق فيه، نظر كلام الفريقين في كتبهم الحافلة.
الوجه الثاني: أن اللطف المقرب مجرد دعوى، فلا يخلو إما أن يكون الملطوفُ فيه واقعًا عنده قطعًا (٥) كالداعي الرَّاجح على معارِضِه أو لا.
_________________
(١) " هي " ساقطة من (ش).
(٢) تصحف في (ش) إلى: السير.
(٣) " الإمام " ساقطة من (ش).
(٤) ذكره الشوكاني في " البدر الطالع " ٢/ ٣٣١ في مؤلفاته، وسماه " التمهيد لعلوم العدل والتوحيد " وقال: هو في مجلدين.
(٥) في (ش): واقعًا قطعيًا.
[ ٤ / ٤١ ]
الأول: مسلَّم وجوب تحصيله متى كان مقدورًا، ولكنَّ العلم بالله تعالى ليس كذلك إجماعًا وضرورة، لأنَّ كثيرًا ممَّن يعرِفُ الله تعالى يعصيه.
والثاني: ممنوعٌ وجوبه، لأنه غيرُ مؤثِّر في وجود الفعل كالقدرة ولا شرط في تأثيرها، والفعل يقع مع حصوله تارةً، ولا يقع مع حصوله أخرى، وهو حين وَقَعَ الفعلُ غير مؤثِّر فيه، وحين لم يقع غيرُ مانع منه، فوجودُه وعدمُه على سواءٍ بالنسبة إلى وجود الفعل وعدمه، ولا فائدة بعد تحقق (١) ذلك، لاعتقادنا أنَّ المكلَّف معه أقربُ، فإنَّ مجرد القرب وصفٌ مُلغى مطَّرح ولا فرق (٢) بين وجوده وعدمه مهما لم ينته إلى الرُّجحان المستمر وقوع الفعل عنده.
فإن قلت: يجب تحصيله، لأنه يجوز أن ينضمَّ إليه غيره، فيكون الفعل مع المجموع راجحًا واقعًا مستمرًا.
قلتُ: التجويز لا ينتهضُ (٣) دليلًا على الوجوب.
فإن قلت: يجب، لأنه يُلازمُ الطاعة غالبًا، أو في الأكثر، وعدمه يُلازِمُ الجُرأة كذلك، والظن يتبع الغالب، والأكثر في جلب (٤) المصالح ودفع المضار، ولا يلتفت العقلاء إلى النادر، وإنكار نفع العلم في الغالب، والأكثر خلاف المعلوم عقلًا وسمعًا.
قلت: هذا صحيح، ولكن فيه مباحث، منها ما (٥) يأتي قريبًا في
_________________
(١) في (ش): تحقيق.
(٢) في (ش): مطروح لا فرق.
(٣) في (ش): ينهض.
(٤) في (ش): طلب.
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٤٢ ]
الوجه الثالث: إن اللطف المقرب يمكن حصوله بالظن
مسألة المشيئة في كلام الرازي من عدم ظنِّ القُدرة عليه والتحصيل له.
ومنها أن نظائره لا تجب إجماعًا من ملازمة الزهد، والخلوة، وقوانين علم الرياضة التي عُلِمَ بالتجربة الضرورية أن المكلف معها أقرب إلى الخير غالبًا، وأن نظره معها (١) في العلوم أكثر صوابًا.
ومنها ما يأتي الآن في الوجه الثالث من قيام الظن مقامه في العمل لا سيَّما الظنُّ المقارب للعلم المُسمَّى علمًا في اللغة.
الوجه الثالث: سلَّمنا كون المقرب واجبًا، لكنَّ مثل هذا اللطف يمكن حصوله بالظن، فيقوم مقام العلم، فإنا نعلم بالضرورة أن المكلف مع الظن لثبوت الرَّبِّ (٢) سبحانه وثوابه وعقابه أقرب إلى الطاعة، ولا يجبُ العلم، لكونه معه أشدَّ قربًا، كما لا يجبُ العلم بالأدلة الكثيرة، لأنه معها أشدُّ قربًا من العالم بدليلٍ واحدٍ ونحو ذلك.
وقد ذكر المؤيد بالله ﵇ هذا المعنى في " الزيادات " وذهب إليه، وقد ذكر الفقيه قاسمٌ في تعليق شرح الأصول إشكالًا غيره، وهو: أنه يَلزَمُ أن لا تَجِبَ المعرفةُ في حق من علم الله تعالى أنه لا يعصيه، وإن لم يعرفها بالدليل، وفيه مباحث أكثر من هذا، وقد نبهتُك على أصولها، وإذا كان هذا هو أساسَ علم الكلام، وأصل وجوب الخوض فيه، فما ظنُّك بفروعه!!
وأما قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وسائر الأدلة السمعية فلا يصحُّ عند (٣) المعتزلة الاستدلالُ بها قبل إثبات
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) كتب فوقها في (أ): الله.
(٣) من قوله: " ظنك " إلى هنا سقط من (ب).
[ ٤ / ٤٣ ]
للجواب على من استدل بالآية ﴿فاعلم أنه لا اله إلا الله﴾ وجوه
الصانع وعلمه وحكمته.
والجواب على من استدل بهذه الآية من وجوه:
الأول: أن كون الأمر يُفيدُ الوجوب ظنِّيُّ.
الثاني: أن الظن يُسمى علمًا، وإن مَنَعَ من ذلك مانعٌ (١) فهو ظنّي.
الثالث: أنّ نفي الثاني ممَّا يَصِحُّ الاستدلالُ عليه بالسمع عند المعتزلة، والأشعرية، فيجوز أن يكون العلم المأمور به فيه مستندًا في الدلالة إلى هذا (٢) السمع المنصوص فيه التوحيد كما لو أمره بالعِلم (٣)، بشيءٍ من السَّمعياتِ المحضةِ التي لا تُدركُ بالعقل كعددِ الركعات، حُمِلَ على ذلك.
فإنُ قيل: الآيةُ تدلُّ على أنه لا يحصُلُ العلم بالاحتجاج بالسمع حتى يكون السمع معلومًا.
قلنا: إن أردتُم دلالة المطابقة، فممنوعٌ قطعًا، إذ لم يقُل: اعلم عقلًا، وإن أردتُم دلالة الالتزام، فممنوعٌ احتمالًا، إذ هو مَحَلُّ النزاع، إذ لا مانع من كون الشيء معلومًا ضرورةً من الدين عند العامي مع كون أصل الدين مظنونًا معه، ولا شكَّ أنَّ العلم في موضعٍ مع الظن في غيره، أو في أصله خيرٌ من الظنِّ فيهما معًا.
الرابع: أن الخطاب خاصٌّ بالنبي - ﷺ -، وتعديه إلى غيره بطريق ظني، فأمَّا قولُه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه
_________________
(١) في (ش): مانع من ذلك.
(٢) في (أ): التي هي.
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٤٤ ]
مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤]، فإنها في معنى التأكيد للخبر بكون عجزهم عن المعارضة دليلًا مُفيدًا للعلم بأن القرآن أُنزل بعلم الله، وبصحة ما فيه من توحيد الله، ونفي كل آلهةٍ سواه، وقرينة ذلك وقفه للأمر بالعلم على شرط أن لا يستجيبوا، وذلك كقولك لمن يُناظرك: ائت بمثل كلام الله، فإن عجزت، فاعلم أنَّه حقٌّ، وإن لم تقطع بهذا المعنى يكون محتملًا، وبيان ذلك أن العجز عن المعارضة للقرآن دليلُ إعجازه، فمتى حَصَلَ العجز بعد التحدي، وتحقَّق، حصل العلم، فيكون الأمر حينئذ بتحصيل العلم مجازًا، لأنه لا يصح الأمر (١) بتحصيل الحاصل، وهذا على المختار أن حصول العلم بعد النظر في الدليل على الوجه الصحيح ضروري غير اختياري، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤٩ - ٥٠]، والله سبحانه أعلم.
الخامس: أنه معارض بأدلة المخالفين المتقدمة (٢) فكيف يُستنتج العلم مما ترتَّب على هذه الظُّنون، وحَصَلَت فيه مع ذلك المعارضة؟ وكفي في معارضته بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [الحجرات: ١٤]،
فقد وعدهم بقبول أعمالهم في الإسلام مع عدم الإيمان الصادق الذي
_________________
(١) من قوله: " حينئذٍ " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): المقدمة.
[ ٤ / ٤٥ ]
يُنافي الشكَّ، وإن لم يكن عن أدلة تفصيلية كإيمان كثير من الصالحين والعامة، فكيف مع حصوله من غير خوضٍ في الكلام؟ وهذا إذا لم يُضمِرُوا (١) نقيض الإيمان، فإنَّ ذلك هو النفاق الذي هو شرُّ من الشرك. نعوذ بالله منه.
وإمَّا قولُه في آخر الآيات: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، فإنه لم يُطلق ذلك، بل شرطه (٢) بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [الحجرات: ١٧]، وهذا الشرط لم نعلم نحن حصوله، بل أول الآية نص على عدمه، فكأنه لما نفى ما ادَّعوا من الإيمان: قال وعلى تقدير صدقكم في دعواكم، فالمنَّة لله تعالى في ذلك، فيكون في المعنى كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ [البقرة: ٩٣]، فلم يلزم أن لهم إيمانًا مع قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ (٣)، كذلك لا يلزم أن لأولئك الأعراب إيمانًا مع قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾.
وعلى تسليم أنه إيمانٌ، فيحتمل أن يكون في غيرهم، وأن يكون فيهم، والمنفيُّ عنهم الإيمان الكامل، والمثبت لهم القليل منه، فقد صح اختلافه، وتقدير أقلِّه بمثقال حبةٍ من خردل من إيمان، يوضحه أن القليل منه لو انتفى، لكانوا في حكم المنافقين، وهو أحد القولين، والأول قول الجمهور ذكره ابن تيمية، ويوضِّحه قوله تعالى بعد ذكرهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا -إلى قوله- أُولَئِكَ هُمُ
_________________
(١) تحرف في (ب) إلى: لم يضموا.
(٢) في (ب): شرط.
(٣) من قوله: " فلم يلزم " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ٤٦ ]
الصَّادِقُون﴾ [الحجرات: ١٥]، فدلَّ على أن هذا الإيمان الصادق هو (١) المنفي عن أولئك لا أقل ما يُسمى إيمانًا مما ورد في أحاديث الشفاعة الصحاح أنَّ أهله يخرجون من النار بعد دخولها (٢) والله سبحانه أعلم.
وقد ورد في كتاب الله تعالى ما يدلُّ على زيادة الإيمان ونقصانِه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وكذلك الإسلام يزيد وينقص، وبذلك جمع العلماء بين الآيات المختلفة والأحاديث المتعارضة في تفسير الإيمان والإسلام.
وأما ذمُّ اتباع الظن، فسيأتي الجواب عنه، ويدخُلُ في ضمنه الدليل على أن التمسك بالظن الراجح تقليدًا أو (٣) استدلالًا، ليس يُسمى في اللغة جاهلًا بالله كما لا يُسمى الفقهاء المجتهدون جهالًا بالأحكام الظنية، ولعلَّ المخالفين (٤) أسعد بدعوى إجماع الصحابة والسلف على عدم وجوب الخوض في علوم النظر، ولعلَّ هذا يتكرَّر، وقد مرَّ منه شيء أو سيأتي.
فإن قيل: هذا حسنٌ ولكنه يؤدي إلى حُسن تقليد الكفار لأسلافهم متى ظنوا صحة ما هم عليه، فسيأتي الجواب عن هذا في آخر هذا
_________________
(١) في (ش): وهو.
(٢) ورد ذلك في حديث أنس، وقد تقدم تخريجه ١/ ٢١١.
(٣) في (ش): و.
(٤) في (ش): المخالف.
[ ٤ / ٤٧ ]
الكلام (١)، ونكتَتُه على سبيل الإجمال: أن الله يمنعُ الظن الراجح بذلك في ابتداء التكليف، بما نَصَبَ من القرائن القاضية بنقيضه، وبما بعث من الرُّسل، وأظهر عليهم من المعجزات، بل أوجبت المعتزلة الخاطر الداعي على (٢) الله تعالى، فمتى عاندوا، ورجَّحُوا (٣) المرجوح في الابتداء، جاز أن يُعاقبهم الله تعالى كما لم يُؤمنوا به أوَّل مرة، وهو سبحانه عدلٌ حكيم، وبعباده خبيرٌ بصير، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]، فيخلي سبحانه بينهم وبين الشياطين تؤُزُّهُم أزًّا، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقد أشار سبحانه إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، ونبَّه على ذلك رسولُ الله - ﷺ - في الحديث الصحيح حيث قال: " كل مولودٍ يولد علن الفطرة وإنَّما أبواه يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانه " (٤) وفي هذا أحاديث كثيرة، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات﴾ [فاطر: ٨]، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقد مضى في آخر الوظائف تحقيق الكلام في هذا مبسوطًا، فخُذهُ من هنالك.
_________________
(١) في (ش): المقام.
(٢) في (ش): " إلى "، وهو خطأ،
(٣) في (ش): وأرجحوا.
(٤) تقدم تخريجه في ٣/ ٢٦١.
[ ٤ / ٤٨ ]
وممَّا يُحتج به لأهل هذا القول ما أجمع عليه المسلمون من جواز وقوع الوسوسة في أمر العقائد الدينية، وورد (١) القرآن بذلك في قوله تعالى لخليله ﵇: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقال علماء الاعتزال: إن العلم الاستدلالي لا يرفع الوسوسة.
وقال إمام العلوم العقلية والسمعية الشيخ تقي الدين في " شرح العمدة " (٢): وفي الفرق بين ما يقع من ذلك (٣)، وما لا يقع إشكالٌ. انتهى.
وقيل في جواب ذلك: إنَّ الوسوسة إن كانت في أركان الدليل، كانت شكًّا يُزيلُ العلم، ووجب تجديد النظر، وهو قول أبي هاشم وأصحابه الذين لا يوجبون الانتهاء في النظر إلى المقدمات الضرورية بل يُجيزون (٤) الاقتصار عند سكون النفس بأركان الدليل، ولا يُبالون بالوسوسة إلاَّ فيها. وهذا إن صح عندهم (٥) نازلٌ جدًا، فإنه يستحيل أن تكون أركانٌ الدليل التي هي عبارة عن المقدمات يقينية معلومة لا شكَّ
_________________
(١) في (ش): " وورود "، وفي (ب): " ورد ".
(٢) ذكر ذلك في نهاية شرح حديث صفية بنت حيي ﵂ ٢/ ٢٦١، ونص كلامه: وفي الحديث دليل على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ذلك غير مقدور على دفعه لا يؤاخذ به لقوله تعالى: ﴿لا يكلِّف الله نفسًا إلاَّ وسعها﴾، ولقوله ﵇ في الوسوسة التي يتعاظم الإنسان أن يتكلم بها " ذلك محض الإيمان "، وقد فسّروه بأن التعاظم لذلك محض الإيمان، لا الوسوسة، فكيفما كان ففيه دليل على أن تلك الوسوسة لا يؤاخذ بها، نعم في الفرق بين الوسوسة التي لا يؤاخذ بها وبين ما يقع شكًّا إشكال، والله أعلم.
(٣) في (ج): " ذلك شكّ "، وفي (ش): ذلك شكًّا.
(٤) في (ش): يجوزون.
(٥) سقطت من (ب)، وفي (ش): عنهم.
[ ٤ / ٤٩ ]
فيها، ثم يعرِضُ الشكُّ في النتيجة.
وقد أجمع أهلُ التحقيق من المتكلمين والمنطقيين على بطلان هذا، يوضحه أن البهاشمة (١) يفرقون بين الضروري والاستدلالي بتجوبز ورود الشك والشبهة (٢) على الاستدلالي، وهذا التجويز لا يصحبُ العلم البتة، فإنَّ التجويز في هذا الوقت على المعلوم استدلالًا فيه أنه ينكشِفُ بطلانُه فيما بعد (٣)، شكٌّ تأخَّر في هذا الوقت، وكونُه شكًا ضروري، فكيف خَفِيَ مثل هذا على أئمة علم الكلام من البهاشمة (٤) وجلة المعتزلة؟! وقد زدتُ هذا البحث وضوحًا في " ترجيح أساليب القرآن " (٥).
وإذا كان هذا ميزان معارف (٦) جِلَّة المتكلمين، فما ظنُّك بالموزون به؟ فلو نظرت بعين الإنصاف والوَرَع في كثير من دعاويهم، لانكشف لك العجبُ، ولكنَّك حسنُ الظنِّ بالقوم، ومتى (٧) قطع بصحة أمر لم ينظر فيه، وهذا عارض، فإذا تقرَّر إجماع المسلمين على أنه لا يكفر من عرضت له الوسوسة مع بذله لجهده في النظر، دلَّ على أن الوصول إلى اليقين الموجب لسكون النفس بالأدلَّة القاطعة (٨) ليس بمفروضٍ، أو ليس بمقدورٍ لتخلفه كثيرًا مع توفّر الدواعي إليه، وإنَّما المقدور النظر، والمتولَّد عنه مختلِفٌ.
_________________
(١) في (ش): البهاشمية.
(٢) في (ش): والشبه.
(٣) في (ش): بعده.
(٤) في (ش): البهاشمية.
(٥) ص ٨٤ - ٨٧.
(٦) سقطت من (ب).
(٧) في (ش) و(ب): ومن.
(٨) في (ش): القطعية.
[ ٤ / ٥٠ ]
وأمَّا وقوع النظر على الوجه الصحيح دون غيره، ففي كونه مقدورًا مطلقًا نظرٌ، وإنَّما يقطعُ بذلك حيث يقطع بوجوب معرفة الصواب، واستحقاق المتأوّل للعقوبة قطعًا.
والصحيح أن ذلك لا يقطع به إلاَّ في مخالفة الضروريات من الدين لاسيما العامة، والبُلَدَاء على جميع قواعد أهل النظر المقدمة، وإنَّما العلم من الفضائل والمراتب الرفيعة يؤيِّدُهُ أن العلم من الأعراض التي تزُولُ بالنوم والسهو، ولا يجب تحديدُ النظر في الأدلة عقيب كُلِّ غَفوَةٍ، وكُلِّ غفلة، ومن ادَّعى ذلك، فقد خالف الضرورة الدينية، ويؤيد ذلك ما عُلِمَ بالضرورة من تقرير الأنبياء ﵈ لطَغَامِّ العوام والعبيد والنسوان والجُفاة والبُلداء على قبول الإسلام من غير بحث عن الاستدلال والاختبار لهم ولا بيِّنة.
فإن قيل: هلاَّ جوزتُم في العامة أنهم يعرفون الأدلّة الجُملية وأنَّ الأنبياء علموا ذلك منهم، أو حملوهم عليه، فقرروهم على العلم، لا على الظن، ولا على الجهل؟
فالجواب: أن هذا (١) لا يصحُّ إلاَّ عند من يقولُ: إن المعارف ضرورية أو ظنية.
وأما من يقول: إنها نظرية قطعية، فالجواب عليه ما ذكره الرازي في " المحصول " من أن الدليل إذا تركب من عشر مُقدِّماتٍ استحال من العالم الزيادة فيها، ولم يحصل للجاهل العلم متى قلد في واحدة منها، وهذا ضروري، فدلَّ
_________________
(١) في (ش): ذلك.
[ ٤ / ٥١ ]
على أن العلم الاستدلالي لا يتبغَّضُ وينقسم وكذلك سائر العلوم، بل سائر المعاني البسيطة، وهي التي لا تركيب فيها، وإنَّما الممكن أن يَهَبَ الله تعالى لهم علمًا ضروريًا ابتداءً أو عقيب النظر، أو ظنًا قويًا لا يكاد يتميَّزُ من العلم إلاَّ للخاصة، يحصُلُ لهم معه من الطمأنينعة ما لا يحصُلُ للمتكلم بالاستدلال الذي يجوز معه ورودُ الشكِّ والشبهة، بل العاميُّ والمُحدِّث وأمثالهم من أهل الطمأنينة أسعدُ حالًا من المتكلم، لسلامتهم من تكفيرِ عامَّة المسلمين ومِن التكبّر على عموم المؤمنين، وممَّا يلحقُهُ من العار في وقوعه في الوسوسة مع دعواه لأرفع مراتب المعرفة، وفي عَدَمِ تمييزه بين الظُّنُون الغالبة حتى حَسِبَها علومًا، وبين العلوم اليقينية المنتهية إلى المقدمات الضرورية حتى رفع إلى مرتبتها الظُّنون الغالبة (١)، والتخيلات الكاذبة، ودليل صحة ذلك أنهم من أشدِّ الناس وسوسةً، بل ما عُلِمَ (٢) أنه ارتدَّ عن الإسلام أحدٌ من أئمَّة القرآن والحديث، وقد ارتدَّ من أئمة الكلام غيرُ واحد.
وممَّا يُقوي هذا المذهب ظواهِرُ السمع، كقوله - ﷺ - في غير حديث: (من كان في قلبه مثقالُ حبةٍ من خردل من إيمان) (٣)، وقوله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ [البقرة: ٤٦]، ونحو ذلك.
وأمَّا حملُ العامة على أنهم يَعرِفُونَ الأدلة المَعْرِفَة (٤) التفصيلية فلا
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): أعلم.
(٣) " خردل من " سقطت من (أ) و(ب). وقد تقدَّم تخريج هذا الحديث في ١/ ٢١١.
(٤) في (ب): " المعروفة "، وهو خطأ.
[ ٤ / ٥٢ ]
وأما قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ فالجواب من وجوه
الأول: إن اللغويين نقلوا أن الظن هو الشك
يصحُّ، لأنه عنادٌ لما يعلم عادةً من امتناع ذلك من غير تعلُّم، كما يُعلم امتناعُ معرفة سائر الصناعات الدقيقة، وإتقانُها من غير تعلُّمٍ (١)، بل يُعلمُ امتناعُ معرفة أسهل من ذلك مثل صنعة الطعام المتقنة من غير تَعَلُّمٍ، مع أن الأنبياء ﵈ أنصح الخلق (٢) لخلقه، فكما أنَّ العالم في الكلام المتدين الشفيق على ولده لا يُمكِّنُه على (٣) غِرته وجهله، وهو يرى قرائن أحواله تدُلُّ على الغباوة حتى يمحَضَهُ النُّصح في ذلك، فالرسل ﵈ أولى وأحقُّ بذلك، وكذلك أصحابهم وتابعوهم، ولا يمكن أن تمضي الأعوام، وهم مضربون عن هذا المُهِم الأعظم لو كان مُهمًا حقًا، وهذا يُفيد العلم الضروريَّ العادي (٤) مع التأملِ والإنصاف، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. فالجواب (٥) عند هؤلاء عن ذلك (٦) من وجوه:
الأول: وهو المُعوَّلُ عليه أن اللغويين نقلوا أنَّ الظن في اللغة هو الشكُّ، فثبت (٧) بذلك أنه لفظة مشتركة، فحيث يُذمُّ، يرادُ به الشكُّ المعلوم في فِطَرِ العقول ذمُّ التعويل عليه، وحيث يُمدَحُ يُراد به الراجح المعلوم في فِطَرِ العقول حُسنُ العمل به، وقد أوضح الله تعالى انقسامَهُ،
_________________
(١) من قوله: " كما يُعلم " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) في (ب) و(ش): خلق الله.
(٣) في (ش): لا يمكنه تركه على.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): فالجواب عنه.
(٦) " عن ذلك " ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): فيثبت.
[ ٤ / ٥٣ ]
وعدم تعميم الحكم فيه بقوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم﴾ [الحجرات: ١٢]، والقرآن العظيم (١) يُفسِّرُ بعضه بعضًا، ويُردُّ متشابهه إلى مُحكمِه مع الإمكان، ويوضِّح أنه حيث يُذمُّ يراد به الشَّكُّ المساوي دون الغالب الراجح، قوله تعالى في ذم المشركين: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون﴾ [الأنعام: ١١٦]، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩].
ودلالتُها من وجوه:
أحدها: أن عبادة الحجارة ليست راجحةً في العقل، فتكون مظنونة.
وثانيها: أنه حَصَرَ اتِّباعهُم في الظن، فلو أراد الراجح، لكان فيه تنزيهُهُم من اتِّباع الشكِّ المساوي، وهم إليه أقربُ.
وثالثها: قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون﴾، فإنه من صفات من يتجرأ على محض المباهتة دون من لا يعمل إلاَّ بالظن الراجح، فإنه من صفات أهل الحق لا سيما (٢) وقد قصرهم عليه مبالغةً.
ورابعها: قوله في أول الآية: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فإنَّ أكثر من في الأرض لا يعملون بالظن الراجح، بل الذي يعمل به من العلماء هم أهلُ الورع والتحرّي، ألا ترى أنَّ من (٣) مذاهب العُلماء في مواضِعَ كثيرةٍ التمسك بالأصل، كالطهارة
_________________
(١) في (ش): الكريم.
(٢) في غير (ش): سيما.
(٣) " من " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٥٤ ]
وعدم العمل بظن النجاسة، وهم يستحبون (١) العمل هنا بالظن.
وخامسها: أن الله تعالى قد وصف الأكثرين بما يدُلُّ (٢) على هذا، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فكأنَّه عبَّر عن أهوائهم بالظن تارة، وعبر عن الظن بأهوائهم أخرى، وكذا وصفهم بالسَّفَه والافتراء في قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠].
وسادسُها: أن أفعالهم تدلُّ على ذلك، فإنهم لو توقَّفُوا على الظن الراجح لما قالوا أشياء لا يهتدي إليها العقلُ، ولا وَرَدَ بها شرعٌ، كقولهم: إنَّ الملائكة بنات الله، ومثل إفكِهِم في التحليل والتحريم على ما حكى الله في (٣) البحيرة والسائبة والحام (٤) فهذه الوجوه مع نقل اللغويين لذلك تُوجب ترجيح حمل الآيات على الظن المساوي والمرجوح دون الاصطلاحي الذي يختصُّ بالراجح القوي الذي ثبت (٥) في الكتاب
_________________
(١) في (ش): يستحسنون.
(٢) في (ش): دل.
(٣) في (ش): حكاه في.
(٤) البحيرة: هي الناقة إذا نُتجت خمسة أبطن، والخامس ذكر، نحروه، فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكانت حرامًا على النساء لا ينتفعن بها، ولا يذقن من لبنها، ومنافعها للرجال خاصة، فإذا ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، قاله ابن عباس، واختار ابن قتيبة. والسائبة: هي التي تُسيب من الأنعام للآلهة، لا يركبون لها ظهرًا، ولا يحلبون لها لبنًا، ولا يجزون منها وبرًا، ولا يحملون عليها شيئًا. والحامي: هو الفحل من النعم إذا نُتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهنَّ ذكر، حمي ظهره ولم يُركب، ولم يجزوه، ويُخلى في إبله يضربُ فيها لا ينتفع به بغير ذلك. انظر " زاد المسير " ٢/ ٤٣٦ - ٤٤٠.
(٥) في (ش): يثبت.
[ ٤ / ٥٥ ]
الوجه الثاني:: من الأصل أن الآية في الظن المعارض للعلم
الوجه الثاني: أنها من العموم المخصوص
قوله: هذا تجويز للجهل بالله تعالى
والسُّنَّة والعُرْفِ واللُّغة تسميتُه علمًا ومعرفة، ولذلك قال الله في سورة الأنعام بعد أن حكى كثيرًا من ذلك: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ويُوضِّحُهُ أن الله تعالى قَصَرَهُم على اتباع الظن، ثم قصرهم على الخرص (١)، فلو أراد الظن الراجح، لتناقض، لأن المقصور على الخرص، وهو محضُ الكَذِبِ لا يكونُ مقصورا على العمل بالراجح بالضرورة.
الوجه الثاني: من الأصل أن الآية في الظن المعارض للعلم، وهو ظن المشركين لصحة شركهم بدليل قوله: ﴿لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وهذا (٢) يدلُّ على أنه ظنُّ غير الحق، فكيف يُحتج بذلك على قبحِ العمل بظنِّ الحقِّ الصادر عن الأمارة الصحيحة الموجبة للرُّجحان المقبول في فِطَرِ العُقول الخالي عن المعارضة!.
الوجه الثالث: أنها من العموم المخصوص بمن ورد فيه بدليل قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ [يس: ٢١] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيّ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠].
فإن قلت: هذا تجويزٌ للجهل بالله تعالى.
قلت: كلاَّ، فإنَّ الله تعالى قد سمَّى الظن علمًا، وذلك صحيحٌ
وقد أقرَّ به الزمخشريُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ
_________________
(١) في (ش): الخوض، وهو تحريف.
(٢) في (ش): وهو.
[ ٤ / ٥٦ ]
مُؤْمِنَات﴾ (١) [الممتحنة: ١٠]، وكذلك في قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (٢) [يوسف: ٨١]، وأجمع المسلمون على تسمية فقهاء الفروع علماء، وإن كانت ظنية.
وقال المؤيد بالله في " الزيادات " عن أبي القاسم البلخي: إنَّه يُجيزُ العمل بالظنِّ في معرفة الله، ولكنَّه يُسميه علمًا.
وكذلك ذهب جماعةٌ من الجِلَّة إلى تسمية حديث الثقة الحافظ المتقن معلومًا، وكذلك يقول أهل الفطر العقلية السالمة من الشوائب: علمنا بكذا، إذا جاءهم به خبرٌ مظنونٌ، ويقولُ أحدُهم لصاحبه: أعلمني بما في نفسك، وقد أعلمتُك بما في نفسي، فكيف يُتركُ الكتاب، والفِطَرُ، واللغة لِعُرف بعض المتكلمين؟! فإذا تقرَّر أن هذه الطوائف الثلاث من جِلَّة علماء الكلام، بل من أهل الاعتزال والتشيع خاصةً مع إطباق المخالفين من المعتزلة لهذه الطوائف على (٣) إجلالهم وتوقيرهم، وأنهم من علماء الإسلام، فما بالُهم يعترِضُون على المحدثين، ويُشنِّعُون عليهم في القول بعَدَمَ وجوب النظر في الكلام؟!
فيُقال لصاحب السؤال: ما كان جوابُ مشايخكم هؤلاء المسقطين (٤) للنظر في الكلام على الفلاسفة والمُجبرة والمشبِّهة، فهو بعينه جوابُ المحدثين، فلا تُسرف في التشنيع على أهل الأثَرِ، فقد شاركهم فيما
_________________
(١) في " الكشاف " ٤/ ٩٢: فإن علمتموهنَّ مؤمنات العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظنُّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات.
(٢) انظر " الكشاف " ٢/ ٣٣٧.
(٣) في (ش): من، وهو خطأ.
(٤) في (ب): " المقسطين "، وأثبت فوقها: ط المسقطين.
[ ٤ / ٥٧ ]
شنعتُم به عليهم جماعةٌ من أئمة علم النظر، وهذه كُلُّها معارضات، ويُؤيِّدُ ذلك ما ظَهَرَ من كثير من أئمَّة المعقول، وأعيان المتكلمين، وحُذَّاق الفلاسفة مما يدلُّ على أنَّ العلوم الإلهيات لا تُدرَكُ بالمسالكِ النظريات، وإنما تكون مواهب ربانيات داخلةً في حيِّز الضروريات، أو معارِف ظنيات غير بالغة إلى مراتب الضروريات، ولا مرتبة عندهم بين الظنيات والضروريات، وقد نقل هذا الرازي في " المحصول " (١) عن كثيرٍ من الفلاسفة، فقال في آخر الفصل الثامن: فإن قلت: بل أعرِفُ بضرورة عقلي وجوب النظر عليَّ.
قلت: هذا (٢) مكابرة، لأنَّ وجوب النظر يتوقَّفُ على العلم بأن النظر في هذه الأمور الإلهيَّة يُفيدُ العلم، وذلك ليس بضروري بل نظريٌّ خفيٌّ، فإنَّ كثيرًا من الفلاسفة قالوا: فِكرَةُ العقل تُفيدُ اليقين في الهندسيات والحسابيات، فأمَّا في الأمور الإلهية، فلا تفيد إلاَّ الظن، ثم بتقدير أن يثبُت كونُه مفيدًا للعلم، فلا يجبُ الإتيانُ به إلاَّ لو عَرَف (٣) أن غيره لا يقومُ مقامه في إفادة العلم، وذلك ممَّا لا سبيل إليه إلاَّ بالنظر الدَّقيق، فإذا كان العلم بوجوب النظر موقوفًا على ذَيْنِكَ المقامين النظريين، فالموقوف على النظري أولى أن يكون نظريًا.
قلتُ: وهذا (٤) مما (٥) يدلُّ على أن الرازي يرُدُّ على من يوجب البلوغ إلى العلم في الإلهيات على العامة دون أن (٦) يُجيز لهم العمل في
_________________
(١) في (ش): " محصوله " وانظر ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٢) في (ش): هذه.
(٣) في " المحصول ": فإنَّما يجب الإتيان به لو عرف.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) ساقطة من (ب) و(ش).
(٦) في (ش): من.
[ ٤ / ٥٨ ]
ذلك على الظن، كالمؤيد بالله، وأبي القاسم، وأشار إليه الرازيُّ في وصيته (١)،
_________________
(١) ذكر هذه الوصية ابن أبي أصيبعة في " عيون الأنباء " ٢/ ٢٧ - ٢٨، والذهبي في " تاريخ الإسلام " الطبقة (٦١) وفيات (٦٠٦) هـ، والسبكي في " طبقاته " ٨/ ٩٠ - ٩٢. ونص الوصية: يقول العبد الراجي رحمة ربه، الواثق بكرم مولاه محمد بن عمر بن الحسين الرازي، وهو أول عهده بالآخرة، وآخر عهده بالدنيا، وهو الوقتُ الذي يلين فيه كلُّ قاسٍ، ويتوجَّه إلى مولاه كلُّ آبق: أحمدُ الله تعالى بالمحامدِ التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات شهاداتهم، وأحمده بالمحامد التي يستحقها، عَرَفتُها أو لم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب مع ربِّ الأرباب، وصلاته على الملائكة المقربين؛ والأنبياء، والمرسلين، وجميع عباد الله الصالحين. ثم اعلموا إخواني في الدين، وأخلائي في طلب اليقين أن الناس يقولون: إن الإنسان إذا مات، انقطع عملُه، وتعلُّقُه عن الخلق، وهذا مخصص من وجهين: الأول: إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سببًا للدعاء، والدعاء له عند الله أثر، الثاني: ما يتعلق بالأولاد وأداء المظالم والجنايات. أما الأول: فاعلموا أنني كنتُ رجلًا مُحبًا للعلم، فكنتُ أكتب في كل شيء شيئًا، لأقف على كميته وكيفيته، سواء كان حقًا أو باطلًا، إلاَّ أن الذي نظرته في الكتب المعتبرة أن العالم المخصوص تحت تدبير مدبِّرٍ مُنَزَّهٍ عن مماثلة المتحيِّزات موصوفٍ بكمال القدرة والعلم والرحمة، ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدةً تُساوي الفائدة التي وجدتُها في القرآن، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلالة لله، ويمنع عن التعمُّق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلاَّ للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية، فلهذا اقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده، ووحدته، وبراءته عن الشركاء في القدم، والأزلية، والتدبير، والفعالية، فذلك هو الذي أقولُ به، وألقى الله به. وأما ما انتهى الأمرُ فيه إلى الدقة والغموض، وكلُّ ما ورد في القرآن والصحاح المتعين للمعنى الواحد، فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين، إني أرى الخَلق مطبقين على أنك أكرمُ الأكرمين، وأرحم الراحمين، فلك ما مدَّ به قلمي، أو خطر ببالي، فأستشهد وأقول: إن علمت مني أني أردتُ به تحقيق باطل، أو إبطال حقٍّ، فافعل بي ما أنا أهله، وإن علمت مني أني ما سعيتُ إلاَّ في تقرير اعتقدتُ أنه الحق، وتصورت أنه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي، فذاك جُهدُ المُقِلِّ، وأنت أكرم مِن أن تضايق الضعيف الواقع في زَلة، فأغثني، وارحمني، واستر زلتي، وامحُ حوبتي، يا من لا يزيدُ ملكَهُ عِرفانُ العارفين ولا ينقص ملكُه بخطأ المجرمين، وأقول: ديني متابعة الرسول محمد - ﷺ -، وكتابي القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما، اللهم يا سامع الأصوات، ويا مُجيبَ الدعوات، ويا مُقيلَ العَثَرات، أنا كنتُ حسنَ =
[ ٤ / ٥٩ ]
ويأتي (١) في مسألة الأفعال شيء منها، ومما يدل على أنه مذهبه قوله:
العلمُ للرحمن ﷻ وسواه في جَهَلاتِه يَتَغَمْغَمُ
ما للتُّراب وللعلوم وإنَّما يسعى ليعلم أنَّه لا يعلمُ
وقد أشار إلى توقُّفه في مسألة الأفعال، وتردُّده في " مفاتح الغيب " وتأتي حكاية لفظه في ذلك، ومن ذلك قول ابن أبي الحديد المعتزلي:
طلبتُك جاهدًا خمسين عامًا فلم أحصُل على برد اليقين
فهل بعد الممات يكُ اتصالٌ فأعلَمَ غامِضِ (٢) السرِّ المَصُون
نوى قذفٌ وكم قد مات قبلي بحسرته عليك من القرون (٣)
_________________
(١) = الظن بك، عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت: " أنا عند ظن عبدي بي "، وأنت قلت: ﴿أمَّن يجيبُ المضطر إذا دعاه﴾ فهَبْ أني ما جئتُ بشيء، فأنت الغني الكريم، وأنا المحتاج اللئيم، فلا تخيب رجائي، ولا ترُدِّ دعائي، واجعلني آمنًا من عذابك قبل الموت، وبعد الموت، وعند الموت، وسهِّل علي سكرات الموت، فإنك أرحم الراحمين. وأمِّا الكتب التي صنفتها، واستكثرتُ فيها من إيراد السؤالات، فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف القول السييء، فإني ما أردتُ إلاَّ تكثير البحث، وشحذ الخاطر، والاعتماد في الكل على الله. الثاني: وهو إصلاح أمر الأطفال، والاعتماد فيه على الله. ثم إنه سرد وصيته في ذلك، إلى أن قال: وأمرتُ تلامذتي، ومن لي عليه حق إذا أنا مِتُّ، يبالغون في إخفاء موتي، ويدفنوني على شرط الشرع، فإذا دفنوني قرؤوا عليِّ ما قدروا عليه من القرآن، ثم يقولون: يا كريم، جاءك الفقير المحتاج، فأحسن إليه. قال الذهبي: سمعت وصيته كلها من الكمال عمر بن إلياس بن يونس المراغي، أخبرنا التقي يوسف بن أبي بكر النسائي بمصر، أخبرنا الكمال محمود بن عمر الرازي قال: سمعت الإمام فخر الدين يوصي تلميذه إبراهيم بن أبي بكر، فذكرها.
(٢) في (ش): وسيأتي.
(٣) في (ش): عالم.
(٤) جاء في هامش (ش) ما نصه: وقلت أنا عند الاشتغال بهذا العلم: =
[ ٤ / ٦٠ ]
ومن ذلك قول الشهرستاني في أول " نهايته " (١) يصف المتكلمين:
وقد طُفتُ في تلك المعاهد (٢) كلها وسيَّرتُ طرفِي بين تلك المعالم
فلم أر إلاَّ واضعًا كفَّ حائرٍ على ذَقَنٍ أو قارعًِا سِنَّ نادِمِ (٣)
ومنه قول الشيخ تقي الدين:
تجاوزتُ حدَّ الأكثرين إلى العُلى وسافرت واستبقيتهم في المفاوز
وخُضتُ بحارًا ليس يُدركُ قعرُها وسيَّرت نفسي في قسيم المفاوز
ولجَّجت في الأفكار ثُمَّ تراجَعَ اخـ ـتياري إلى استحسان دين العجائز
رواه الذهبي في ترجمته من " النبلاء " فقال: انشدني الفضل (٤) بن قنديل الغابر من سنوات، قال: أنشدنا إسماعيل بن ركاب، أنشدنا (٥) علم الدين سليمان بن يوسف الواعظ، أنشدني الإمام أبو الفتح ابنُ دقيق
_________________
(١) = وغاية ما حصلته من مباحثي ومن نظري من بعد طول التدبر هو الوقفُ ما بين الطريقين حيرةً فما علمُ من لم يلق غير التحيُّر على أنني قد خضتُ منه غماره وما قنِعت نفسي بغير التبحر كتبه محمد الشوكاني غفر اللهُ له.
(٢) ص ٣، والشهرستاني: هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني شيخ أهل الكلام والحكمة، وصاحب كتاب " الملل والنحل " المتوفى سنة ٥٤٨ قال ابن أرسلان في " تاريخ خوارزم " عالم كيس متفنن، ولولا ميله إلى أهل الإلحاد وتخبطه في الاعتقاد لكان هو الإمام. مترجم في " السير " ٢٠/ ٢٨٦ - ٢٨٩.
(٣) في (ش): المعالم.
(٤) وقد رد على هذين البيتين العلامة محمد بن إسماعيل الأمير صاحب " سبل السلام " فقال: لعلك أهملت الطواف بمعهد الـ ـرسول ومن لاقاه من كُلِّ عالم فما حارَ من يُهدَى بهدي محمَّدٍ ولستَ تراه قارعًا سِن نادم
(٥) في (ش): الفاضل.
(٦) في (ش): قال أنشدنا.
[ ٤ / ٦١ ]
العيد لنفسه الأبيات.
وقال الرازي أيضًا:
نهايات إقدام العقول عِقَالُ وأكثر سعي العالمين ضلالُ (١)
وقال غيره:
وكم في البرية من عالمٍ قويِّ الجدال سديد (٢) الكَلِم
سعى في العلوم فلمَّا يُفِدْ سوى علمه أنه ما علم
وقال ابن الجوزي في كتاب " تلبيس إبليس " (٣) بعد المبالغة في ذم الكلام، ونقل كلام السلف في ذلك: وقد نُقل إلينا إقلاع متقدمي المتكلمين (٤) عما كانوا عليه منه لما رأوا من قُبْح غوائله، ونقل عن الوليد بن أبان الكرابيسي أنه لما حضرته الوفاة، قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام منِّي؟ قالوا: لا، قال: فتتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحابُ الحديث، فإني رأيتُ الحق معهم.
قال: وكان أبو المعالي الجُويني يقول: لقد جرَّبت (٥) أهل الإسلام
_________________
(١) وبعده: وأرواحُنا في وحشةٍ من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبالُ ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا انظر " عيون الأنباء " ٢/ ٢٨، و" وفيات الأعيان " ٤/ ٢٥٠، و" طبقات السبكي " ٨/ ٩٦، و" طبقات ابن شهبة " ٢/ ٨٢، و" شذرات الذهب " ٥/ ٢٢.
(٢) في (ب) و(ش) شديد.
(٣) ص ٨٤ - ٨٥.
(٤) في (ش): المتقدمين.
(٥) في (ش): خبرت.
[ ٤ / ٦٢ ]
وعلومهم، وركبتُ البحر الأعظم، وغُصتُ في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق، والهَرَبِ من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكُلِّ إلى كلمة الحق: " عليكم بدين العجائز " (١)، فإن لم يدركني الحقُّ بلُطف برِّه، فالويل لابن الجويني.
وكان يقول لأصحابه: لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام (٢) يبلغ بي (٣) ما بلغتُ، ما تشاغلتُ به.
وقال أبو (٤) الوفاء بن عقيل (٥) لأصحابه: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا، وما عرفوا الجوهر ولا العَرضَ، فإن (٦) رضيت أن تكون مثلهم فكُن، وإن (٧) رأيت طريق المتكلمين أولى [من طريقة أبي بكر وعمر]،
_________________
(١) يتوهم بعضهم أنه حديث، وليس له أصل بهذا اللفظ، كما قال غير واحد من الحفاظ، وللديلمي من طريق محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر رفعه: " إذا كان آخر الزمان واختلفت الأهواء، فعليكم بدين أهل البادية والنساء ". ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني: قال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٢٦٤: حدَّث عن أبيه بنسخة شبيهًا بمئتي حديث، كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به، ولا ذكره في الكتب إلاَّ على جهة التعجب. وفي " جامع الأصول " برقم (٨٢) عن عمر بن عبد العزيز ينميه إلى عمر بن الخطاب أنه قال: " تُركتم على الواضحة، ليلها كنهارها، وكونوا على دين الأعراب وغلمان الكُتَّاب ". قال ابن الأثير: أراد بقوله: " دين الأعراب والغلمان والصبيان " الوقوف عند قبول ظاهر الشريعة، واتباعها من غير تفتيش عن الشبه، وتنقير عن أقوال أهل الزيغ والأهواء. ومثله: " عليكم بدين العجائز ".
(٢) " فلو عرفتُ أن الكلام " ساقط من (ب).
(٣) " بي " ساقطة من (أ).
(٤) تحرفت في (ب) إلى: " ابن ".
(٥) هو العالم العلامة شيخ الحنابلة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري المتوفى سنة ٥١٣ هـ. مترجم في " السير " ١٩/ ٤٤٣ - ٤٥١.
(٦) في (أ): " فإني "، وهو خطأ.
(٧) في (أ): " وإني " وهو خطأ أيضًا.
[ ٤ / ٦٣ ]
فبئس ما رأيت، وقد أفضى الكلام ببعض أهله (١) إلى الشكوك، وببعضهم إلى الإلحاد تُشمُّ روائحه من فلتات (٢) كلامهم، و(٣) [أصل] ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع، وطلبوا الحقائق، وليس في قوة العقول إدراك ما عند الله من الحكم التي (٤) انفرد بها، ولا أخرج الباري (٥) لخلقه جميع ما علمه من حقائق الأمور.
قال: ولقد بالغتُ في الأصول عمري، ثم رجعت القهقرى إلى مذهب المكتب إلى آخر كلام ابن الجوزي في ذلك.
وكان ابن عقيل من أذكياء العالم، وكبار علماء المعقول والمنقول، جمع بين الإمامة في مذهب الحنابلة والمعتزلة (٦)، وله كتاب " الفنون " (٧) ثلاث مئة مجلد (٨) وغير ذلك.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) " فلتات " ساقطة من (أ).
(٣) في (ب): وإن.
(٤) في (ش): " الذي "، وهو خطأ.
(٥) في (ب): سبحانه من علمه.
(٦) قال الذهبي في " الميزان " ٣/ ١٤٦: هو أحد الأعلام، وفرد زمانه علمًا ونقلًا وذكاء وتفننًا .. إلاَّ أنه خالف السلف، ووافق المعتزلة في عدة بدع، نسأل الله السلامة، فإن كثرة التبحّر في علم الكلام ربما أضرَّ بصاحبه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وقال الحافظ في " اللسان " ٤/ ٢٤٣: وهذا الرجل من كبار الأئمة، نعم كان معتزليًا، ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك، وصحت توبته، ثم صنّف في الرد عليهم، وقد أثنى عليه أهل عصره، ومن بعدهم، وأطراه ابن الجوزي، وعوَّل على كلامه في أكثر تصانيفه. قلت: وقد أورد ابن رجب في " ذيل الطبقات " ١/ ١٤٤ نصَّ براءته من الاعتزال الذي كتبه بخطه سنة ٤٦٥ بحضور جماعة كثيرة من الشهود والعلماء، يقول فيه: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحّم على أسلافهم، والتكثّر بأخلاقهم، وما كنت علقته، ووُجِدَ بخطي من مذاهبهم وضلالاتهم، فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته، ولا تحلَّ كتابتُه، ولا قراءتُه، ولا اعتقادُه.
(٧) تحرف في (أ) إلى " العيون ".
(٨) قال الحافظ ابن رجب في " ذيل الطبقات " ١/ ١٥٥: وأكبر تصانيفه كتاب =
[ ٤ / ٦٤ ]
وأشار إلى ذلك الغزالي حيث قال في " التهافت " (١) أو في " المنقذ مِن الضلال " ما معناه: إنَّ مَنْ وقف على كلام الفلاسفة في علم المنطق، وشرائط إنتاج المقدِّمات، والانتهاء إلى الضرورة فيها، اغترَّ بهم، وظنَّ أن أدلتهم في الإلهيات ونحوها مبنيةٌ على مثل ذلك التحقيق، وليس كذلك. وهذا (٢) عندي من أنفس الكلام لمن كان من العارفين قد غلط في ظن تحقيقهم، فتأمله.
وبالغ الغزالي في كتبه في أن الطريق إلى اليقين من كتب الكلام مُسدَّد (٣)، وأشار إلى أنه حصل له اليقين بعد طلبه من الله تعالى بطريق الموهبة بعد الخلوة والتخلي من الدنيا وشواغلها، والإقبال بالكلية على الله تعالى (٤) وإنما قل (٥) ذكر مثل ذلك في كلام المعتزلة لقنوعهم بالاستدلال الذي يصحبه تجويز ورود الشكِّ والشبهة، واعتقادهم أنه
_________________
(١) = " الفنون " وهو كتاب كبير جدًا، فيه فوائد كثيرة جليلة في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات، وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره ونتائج فكره قيدها فيه. وقال ابن الجوزي: وهذا الكتاب مئتا مجلد، وقع لي منه نحو من مئة وخمسين مجلدة. وقال عبد الرزاق الرسعني في " تفسيره ": قال لي أبو البقاء اللغوي سمعت الشيخ أبا حكيم النهرواني يقول: وقفت على السفر الرابع بعد الثلاث مئة من كتاب " الفنون ". وقال الحافظ الذهبي في " تاريخه ": لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأي منه المجلد الفلاني بعد الأربع مئة. قلت: وقد طبع منه جزء في دار المشرق بلبنان سنة ١٩٦٩، وهي طبعة رديئة يفشو فيها التصحيف والتحريف.
(٢) انظر ص ٢ - ٦، وانظر " المنقذ من الضلال " ص ١٠٦.
(٣) في (ش): وهو.
(٤) في (ب): سدد.
(٥) انظر " المنقذ من الضلال " ص ١٣٨ - ١٤٣.
(٦) في (ش): قل من.
[ ٤ / ٦٥ ]
علم، وذلك مردودٌ عليهم كما مرَّ تقريره، فكأنهم في الحقيقة قَنِعُوا بالظن، وحسبوه علمًا، وقطعُوا باستحالة حصول أكثر منه بخلاف من طلب العلم المستند إلى المقدمات الضرورية، فإنه يحسنُ تفقدُ مطلوبه عند الوسوسة.
وقد تقدَّم قول شيخ الاعتزال أبي القاسم البلخي في العامة: هنيئًا لهم السلامة، وهو من هذا القبيل، بل فيه إشارة إلى وصف أهل النظر بالخطر، وهو كقولهم: إن طريقة (١) السلف أسلم وطريقة (٢) الخلف أعلم، ولا يعدِلُ السلامة شيء، نسأل الله السلامة.
وقال إمام المعقول والمنقول عز الدين عبد العزيز (٣) بن (٤) عبد السلام في أوائل " قواعده " (٥) ما لفظُهُ: وما أشدَّ طمع الناس في معرفة ما لم يضع الله على معرفته سبيلًا كلما (٦) نظروا فيه، وحرصوا عليه، ازدادوا حيرةً وغفلةً، فالحزم (٧) الإضراب عنه، كما فعل السلف الصالح، والبصائر كالأبصار، فمن حرصَ أن يرى ببصره ما وارته (٨) الجبال، لم ينفعه إطالة تحديقه إلى ذلك مع قيام الساتر (٩)، فكذلك تحديق البصائر إلى ما غيَّبه الله تعالى عنها، وستره بالأوهام، والظنون، والاعتقادات
_________________
(١) في (ش): طائفة.
(٢) في (ش): وطائفة.
(٣) " عبد العزيز " ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) ص ١٦.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): والحزم.
(٨) تحرفت في (ب): وراته.
(٩) في (ش): " السائر "، وهو تصحيف.
[ ٤ / ٦٦ ]
الفاسدة، وكم من (١) اعتقادٍ جزم المرء به، بالغ في الإنكار على مُخالفه، ثم تبين له خطؤه وقبحه بعد الجزم بصوابه وحسنه. انتهى بحروفه.
وفيه بيانُ العلة في ترك السلف، ومن اقتدى بهم من الخلف لعلم الكلام، وأنها قلة جدواه، لا قصور أفهامهم عن أفهام أهل البدع والغُلاة.
وقد أشار علي ﵇ في وصيته لولده الحسن ﵇ إلى طلب ذلك من الله تعالى بالدعاء والخضوع، وقد مرَّ طرفٌ منها.
ومنها (٢) قوله: واعلم يا بني أن أحبَّ ما أنت آخذ به (٣) من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك (٤) والصَّالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدَّعوا أنهم نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، وفكَّروا كما أنت مفكِّر، ثم ردَّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمَّا لم يكلَّفُوا، وإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، فليكن طلبُك ذلك بتفهُّم وتعلُّم، لا بتوسُّط الشبهات وعُلوِّ الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك والرغبة إليه في توفيقك، وترك كل شائبةٍ أولجتك في شبهة أو (٥) أسلمتك إلى ضلالةٍ (٦).
فإذا كان هذا المنقول عن أمير المؤمنين الذي أسند (٧) إليه جماعة
_________________
(١) غير موجودة في (ب).
(٢) " ومنها " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): أخذته.
(٤) الواو ساقطة من (ب).
(٥) "أو" سقطت من (ب).
(٦) انظر " شرح نهج البلاغة " ١٦/ ٧٠.
(٧) في (ش): استند.
[ ٤ / ٦٧ ]
الوجه الرابع: من الجواب وهو التحقيق
المتكلمين، ثم عن شيخ الاعتزال أبي القاسم الكعبي (١)، ثم عن أذكى الخائضين في هذا العلم باتفاق العارفين، فما سبب تخصيص المعترض (٢) للمحدثين إلاَّ شدة جهله، وقلَّة تمييزه (٣).
الوجه الرابع: من الجواب وهو التحقيق، وقد مرَّ في الوجه الأول طرفٌ منه، وهو أن نقول: قد أكمل الله الحجة على المكلفين بخلق العقول، وبعث (٤) الرُّسل مبشرين ومنذرين، فتمَّت حُجَّته سبحانه عقلًا وسمعًا، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥].
وقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ﴾ [الأنعام: ١٠٤].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [محمد: ٣٢]. فأخبر عن الكافرين بأنه قد تبين لهم الهدى، وما كفرُوا إلاَّ بعد ذلك.
_________________
(١) هو شيخ المعتزلة الأستاذ أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي الخراساني صاحب التصانيف الكثيرة في الكلام، المتوفى سنة ٣١٩ هـ. وله تصنيف في الطعن على المحدثين يدل على كثرة اطلاعه وتعصبه، اشتمل على الغضِّ من أكابرهم، وتتبع مثالبهم، سواء كان ذلك عن صحة أم لا، وسواء كان ذلك قادحًا أم غير قادح حتى إنه سرد كتاب الكرابيسي في المدلسين، فأفاد أنَّ التدليس بأنواعه عيب عظيم، وحسبك ممن يذكر شعبة فيمن يُعدُّ كثير الخطأ، وعقد بابًا أورد فيه ما يرويه مما ليس له معنى بزعمه، وبابًا فيما يرويه متنًا متناقضًا لسوء فهمه. " لسان الميزان " ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٢) في (ش): تخصيصك أيها المعترض.
(٣) في (ش): شدة جهلك وقلة تمييزك.
(٤) في (ش): وبعثة.
[ ٤ / ٦٨ ]
وفي آية أخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
وقال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨].
وقال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].
فمن قال لنا: إنَّه ما عَرَفَ الدليل ..
قلنا له: انظُر بعقلك في معجزات المرسلين، أو (١) في السماوات والأرضين، وعجائب مخلوقات ربِّ العالمين تعلم صحة ما جاؤوا به من الهُدى والدِّين.
فإن قال: إنِّي قد نظرتُ، فلم أعرف قطعنا على كذبه كما يقطع المتكلمون على ذلك بعد مناظرتهم له وكفره (٢)، وإنما قطعنا بذلك لخبر الله تعالى حيث يقول: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَة﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّة﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥]، أو (٣) قوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وغير ذلك.
فإن قلت: قد يكون في الناس من هو بليد، لا يستطيع النظر إلاَّ
_________________
(١) في (ش): و.
(٢) في (ش): بكفره.
(٣) ساقطة من (ب)، وفي (ش): و.
[ ٤ / ٦٩ ]
قوله: قد يكون في الناس من هو بليد، لا يستطيع النظر إلا بتعليم، فيجب تعليمه
الوجه الأول: لا سبيل إلى العلم القاطع بذلك
الوجه الثاني: الجواب على قوله: قد يكون في الناس أيضا من لا يفهم بالتفهم لشدة غباوته
بتعليمٍ، قيجب تعليمه، فالجواب من وجوه.
الأول: لا سبيل إلى العلم القاطع بذلك، فإن أنواع الأدلة كثيرة، وبعضها أجلى من بعض، والذي لا يفهم الدليل الدقيق لا يفهم الشبهة الدقيقة، فتلك بتلك، ومن فهم الجميع (١)، وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم أنه يُرِي عباده من آياته ما يقع معه لهم البيان، ولا أصدق وعدًا من الرحمن سبحانه (٢) في مُحكم القرآن ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾ [فصلت: ٥٣]. وما أعظم هذا الوعيد الذي ختمت به هذه الآية على من عاند، وادعى أنه لم يتبين له ما أخبر الله أنه بيَّنه، فنعوذ بالله من الخذلان ومصادمة نصوص القرآن.
سلَّمنا، فإنه يجب على الله تعالى عندكم تمكينه وإلهامُه. سلمنا أن ذلك لا يجب، فيجب خلق (٣) العلم الضروري له عند علم الله بعجزه، وبذله جُهده.
سلمنا فمن أين أن الظن الراجح لا يكفيه، وقد تقدم ما فيه من الأدلة.
الوجه الثاني: أن تقول قد يكون في الناس أيضًا من لا يفهم بالتفهم لشدَّة غباوته، فجوابُنا هنالك مثل جوابكم هنا.
فإن قلتم: الأدلة تمنع وجود هذا (٤)، فإن وُجِدَ، فغيرُ مكلَّفٍ.
_________________
(١) في (ش): ومن فَهِمَ الجميع فهم.
(٢) في (ش): فقال سبحانه.
(٣) تحرفت في (ش) إلى "خلو".
(٤) في (ش): ذلك.
[ ٤ / ٧٠ ]
الوجه الثالث: أنا نعلمه ما نعرفه بفطر العقول
فلنا أن نُجيب بمثل ذلك، وقد قال الشيخ مختار في الفصل الثامن من مقدمات (١) كتابه " المجتبى " ما لفظه: وقال شيخنا خاتمة أهل الأصول رُكنُ الدين الخوارزمي ﵀ في " الفائق " في الجواب عن شُبهة العجز (٢): إنهم كُلِّفُوا أن يسمعوا أوائل الدلائل التي يتسارع إلى فهمها كلُّ عاقل، فإن فهموا ذلك، كفاهم علمًا (٣)، ولسنا نُكلِّفُهُمْ تلخيص العبارة (٤)، وذلك مُمكن لكل عاقل، فإن لم يُمكنهم الوقوفُ عليها، فإنهم غير مكلفين بها أصلًا ونصره مختار، وقد أوضحت الحق في ذلك في كتاب " ترجيح أساليب القرآن " (٥) ولله الحمد والمنة.
الوجه الثالث: إنا نعلمه ما نعرِفُه بِفِطَرِ العقول، وما أمر الله تعالى ورسولُه بالنظر فيه، وإن لم يُمارِس علم الكلام، فإن نفعه ذلك، وإلاَّ لم يجب علينا أكثر منه، كما أنَّ المتكلم يعرِضُ على الفلسفي ما حصَّله من النظر والجدل، فمتى سخر منه، واستحقر ما معه أعرض عنه.
وقد حكى الله تعالى عن الهُدهد، وهو من العالم البهيمي أنه وحَّد الله، واحتج بأن (٦) الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض فاحتج بحدوث المطر والنبات، فكيف يقطعُ بعجز عاقلٍ ناطقٍ مكلفٍ عن مثل ذلك؟!
وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع الحُجَّة على بُطلان تأويل ذلك،
_________________
(١) في (ش): مقدمة؛ وهو خطأ.
(٢) في (ش): العجزة.
(٣) في (ش): " علمنا " وهو خطأ.
(٤) في (ش): هذه العبارة.
(٥) انظر ص ٨٩ - ٩١.
(٦) في (ش) و(ب): بأنه.
[ ٤ / ٧١ ]
وهذا الوجه يصلُحُ أن يكون جوابًا مستقلًا لكني (١) تركتُ إفراده، إذ كان المعلوم أن من لم يمخض (٢) في علوم الجدل والمنطق من المسلمين لا يكادُ يوثِّر في كلامهم مع الفلاسفة، وأهل الشُّبَهِ الدقيقة، وإن كان صحيحًا في نفسه نافعًا لمن نظر في معناه دون تراكيبه، فإنه لا يليق بذله إلا حيث يظن نفعه، ومن كان لا ينتفع به، فالصيانة له بالإعراض عن المعجبين بالخذلان والإصرار أولى ولا سيما إذا كان من كتاب الله، ومن سنة رسول الله - ﷺ -، ولذلك " نهى رسول الله - ﷺ - عن السفر بكتاب الله إلى أرض العدُوِّ (٣)، وشرط السلف في عهود أهل الذمة أن لا يتعلَّموا القرآن.
وفي " البخاري " (٤) عن علي ﵇: " لا تُحدثوا الناس بما لا تحتمِلُهُ عقولُهم، أتُحبون أن يُكذبَ الله ورسوله؟ فكَرِهَ ﵇ من العلم ما يعرف أنه يكون سببًا في التكذيب، وإن كان حقًا في نفسه (٥)، وقد قال الله (٦) تعالى في هذا المعنى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم﴾ [الأنعام: ١٠٨].
_________________
(١) في (ش): لكن.
(٢) في (ش): يخفي.
(٣) أخرج مالك في " الموطأ " ٢/ ٤٤٦ من حديث عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. وقال مالك: أرى ذلك مخافة أن يناله العدو. وأخرجه من طريق مالك: البخاري (٢٩٩٠)، في الجهاد، باب: كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، ومسلم (١٨٦٩) في الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم.
(٤) هو في " صحيحه " (١٢٧) في العلم: باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) ساقطة من (أ).
[ ٤ / ٧٢ ]
وقد روي: لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، فينبغي من صاحب القرآن والسنة صيانتهما عن ذكر أدلتهما لمن لا يُنصِفُ من كافرٍ ومبتاع ولا يعرضهما لمن هو أحذقْ منه بالجدل، وأبرعُ في المراء، فقد روى النواس بن سمعان عن النبي - ﷺ - أنه قال: " لا تُجادلوا بالقرآن، ولا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فوالله إن المؤمن ليُجادل بالقرآن فَيُغْلَبُ، وإنَّ المنافق ليُجادلُ بالقرآن فَيَغْلِب " ذكره الذهبي في " تذكرته " (١) في ترجمة أبي اليمان الحكم بن نافع الحمصي (٢) أحد رجال الجماعة الستة، ثم قال: هذا أورده الحافظ أبو موسى المديني في ترجمة
_________________
(١) كذا قال، وقد رجعت إلى ترجمة الحكم بن نافع من المطبوع من " التذكرة " ١/ ٤١٢، فلم أره فيها، والحديث أورده السيوطي في " الجامع الكبير " لوحة ٨٨٨، ونسبه للديلمي من حديث عبد الرحمن بن جبر بن نفير، عن أبيه، عن جده. وحديث ابن عباس ذكره الإمام أحمد بغير إسناد في الرسالة التي بعث بها إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، أوردها أبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٢١٦ - ٢١٩، ونقلها عنه الذهبي في " السير " ١١/ ٢٨١ - ٢٨٢. وحديث ابن عمرو بن العاص أخرجه الطيالسي في " مسنده " (٢٢٨٦) من طريق فليح بن سليمان، عن سالم مولى أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: " لا تجادلوا في القرآن، فإنَّ جدالًا فيه كفر ". وأخرجه أحمد ٢/ ١٧٨ و١٨١ و١٩٥ - ١٩٦، وابن ماجة (٨٥): خرج رسول الله - ﷺ - على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفقأ في وجهه حبُّ الرمان من الغضب، فقال: " بهذا أُمرتُم، أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، بهذا هلكت الأمم قبلكم ". وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد ٢/ ٢٨٦ و٣٠٠ و٤٢٤ و٤٧٥ و٥٠٣ و٥٢٨ وأبو داود (٤٦٠٣) وسنده حسن، وصحَّحه ابن حبان (٧٣)، والحكم ٢/ ٢٢٣، ووافقه الذهبي. وحديث أبي جهيم (وقد تحرف في الأصول إلى جهم) أخرجه أحمد ٤/ ١٧٠، ولفظه: " القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء في القرآن كفر " وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد أيضًا ٤/ ٢٠٤ من حديث عمرو بن العاص.
(٢) تحرفت في (ش) إلى " الحصمي ".
[ ٤ / ٧٣ ]
الجواب الرابع: أن نقول: النظر في ذلك واجب كالصلاة
ابن أبي عاصم.
وقال أبو نُعيم: حدثنا به أبو الشيخ، حدثنا ابن أبي عاصم، حدثنا محمد بن خلف، ثم قال: هذا غريب جدًا مع قوة إسناده.
قلت: وروى أحمد بن حنبل معناه عن ابن عباس موقوفًا، وعن ابن عمرو بن العاص مرفوعًا، وروى حديث (مِراءٌ في القرآن كفرٌ) عن أبي هُريرة، وعن أبي الجهيم يرفعانه، وعن ابن عباس، عن عُمر بن الخطاب بمعنى الحديث الأول موقوفًا، ذكرها الذهبي في ترجمة أحمد من " النبلاء " (١) وما أحسن كلام العلامة القرطبي في شرح " مسلم " في هذا المعنى، وسيأتي طرف منه في المقام الثاني إن (٢) شاء الله تعالى.
الجواب الرابع: أن نقول: النظر في ذلك واجبٌ كالصلاة، وقضاء الدين، والقدرة، والتمكين (٣) شرطٌ في الوجوب (٤). وإن لم يُمَكِّن (٥) الله المكلف، سقط الوجوب، وتبين أنه تعالى غير مؤاخذٍ للعبد بتركه، ولم يرد في (٦) الأدلة العقلية والسمعية دليل على وجوب السعي في تحصيل المكلف لشرط الواجب كالعادم للماء، فإنَّه إذا وجب عليه طلبه للوضوء، لم يجب على المتوضىء أن يُعينه بطلب الماء معه، ليؤدي فرضه.
فكذلك من عرف الله، واطمأنَّ قلبه لا يجب عليه أن يطلب ما يرفع
_________________
(١) ١١/ ٢٨٢ - ٢٨٣.
(٢) في (ش): قريبًا إن.
(٣) في (ش): والتمكن.
(٤) بعدها بياض في (ش) قدر كلمتين.
(٥) تحرفت في (ش) إلى: " يكن ".
(٦) " في " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٧٤ ]
الجواب من وجوه:
الأول: أن ذلك محمول على بيان ما لم يبينه تعالى
الوجه الثاني: أنا نخص هذا العام بفعل رسول الله - ﷺ -
الوسواس عن (١) من ابتُلي به إمَّا عقوبة له على التعنُّت، وتركِ الإيمان بما يوجب الإيمان (٢) أوَّل مرة أو غير ذلك.
فإن قيل: قد وَرَدَ في السمع وجوبُ البيان على العلماء، فالجواب من وجوه:
أحدها: أن ذلك محمولٌ على بيان ما لم يُبينه تعالى من السمعيات. ألا ترى أنَّ ما بيَّنه بعض العلماء لم يجب على الباقين القيام ببيانه؟ فكذلك (٣) ما بينه الله تعالى أولى وأحرى؛ ولأنه تحصيلُ الحاصل، فلا يجِبُ، وغايةُ ما في هذا أنه تخصيصٌ بدليل العقل، فهو جائزٌ، بل التخصيص بالقياس الظني جائز عند كثيرٍ من أهل العلم، منهم أئمَّة الإسلام الأربعة ﵃.
الوجه الثاني: أنا نخصُّ هذا العام بفعل رسول الله - ﷺ -، فإنه لم يشتغل ببيان كيفية النظر في الأدلة، وترتيب المقدمات وتحرير العبارات، بل دعا الناس إلى الإسلام، وقاتلهم عليه، وبلَّغ ما أوحى الله إليه، والعلماءُ ليس هُم بأبلغ من الأنبياء، وقد قال تعالى (٤) في حق الأنبياء: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس: ١٧]. فكذلك العلماء، وإنما العلماء ورثة الأنبياء، وأهل الكتاب والسنة قد قاموا بالوراثة النبوية على التمام والكمال، ورأوا أن الزيادة عليها من قبيل (٥) البدَع، بل من قبيل المنافاة لها، ونسبة التقصير إلى الموروث، عليه أفضل الصلاة والسلام،
_________________
(١) في (ب): على.
(٢) " بما يوجب الإيمان " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): وكذلك.
(٤) في (ش): الله تعالى.
(٥) في (ش): فتنة.
[ ٤ / ٧٥ ]
وقد أجمع النَّقَلَة، وأجمع أهل الملة على أن النبي - ﷺ - لم يطلُب من المؤمنين إظهار الأدلَّة بعد الإقرار، وكذلك المَلَكان في فتنة القبر لم يطلُبَا ذلك؛ رواه البخاريُّ، ومسلمٌ وأبو داود، والنسائيُّ عن أنس (١)، والترمذي (٢) عن أبي هريرة، والبخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي (٣) عن البراء (٤)، وأبو داود وحدَهُ عن البراء (٥) وفيه: " فيقُولان: وما يُدرِيك؟ فيقُولُ: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدَّقتُ " (٦).
وهذه مُعلَّةٌ، لأنها زيادةٌ في حديث البراء، وقد خرَّجه الحفاظ (٧) بغيرها، وخرَّج مسلم (٨) في حديث أنس أنه إذا قال: " كنت أعبُدُ الله وقال: محمد عبدُ الله ورسوله، لم يُسأل عن شيء بعدها ". وهذا يُعارِضُ هذه الزيادة، وعلى تقدير ثبوتها، فليست ممَّا يقول به أهل الكلام، بل هي عليهم، لا لهم، وكُلُّ المؤمنين يستنِدُون في إيمانهم إلى كتاب الله، ومعجزات أنبياء الله جُملة. وإنما قبلت لتمييز (٩) المنافق من
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٣٨) و(١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠)، وأبو داود (٣٢٣١)، والنسائي ٤/ ٩٧ - ٩٨. وانظر ألفاظه في " جامع الأصول " ١١/ ١٧٣ - ١٧٥.
(٢) رقم (١٠٧١) في الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر. وقال: حديث حسن غريب.
(٣) في (ش): والترمذي وأبو داود.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٦٩) و(٤٦٩٩)، ومسلم (٢٨٧١)، والترمذي (٣١٢٠)، وأبو داود (٤٧٥٠) أن النبي - ﷺ - قال: " المسلم إذا سُئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، نزلت في عذاب القبر، يُقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد - ﷺ - ".
(٥) جملة " وحده عن البراء " ساقطة من (ش).
(٦) هو في سنن أبي داود (٤٧٥٣) في السنة، باب: في المسألة في القبر وعذاب القبر، وسنده حسن.
(٧) في (ش): الحافظ.
(٨) ليس هو في مسلم، وإنما هو عند أبي داود (٤٧٥١).
(٩) في (ش): ليتميز.
[ ٤ / ٧٦ ]
المؤمن، بل حكى الله عن الرسل أنهم قالوا لمن قال: إنه شاكٌّ: أفي الله شكٌّ (١)، كما سيأتي.
والمتكلم الجاهل يطلب أن يكون فوق الأنبياء والملائكة، فكذلك فليكن العلوُّ، أجمعوا (٢) على أنَّه - ﷺ - لم يُوجب مناظرة الكفار قبل قتالهم، وإنَّما أمَرَ بدعائهم قبل قتالهم، هذا في أول الإسلام حتى اشتهرت الدعوةُ النبوية، واستفاضت، وقاتل ﵊ قبل الدعاء.
ومِنَ المعلوم أن النبي - ﷺ - لا يعذر الكفار، ولو اعتذروا بعد الدعوة النبوية بعدم وضوح الأدلة العقلية، وجاؤوا بفيلسوفٍ، فناظر عنهم، وطلبوا من النبي - ﷺ - ترك قتالهم حتى يتعلموا (٣) أدلَّة الكلام، ويفهموا الجواب، ولن يفهموا الجواب على ما ينبغي حتى يتعلموا (٤) السؤال، ولو جاز أن يُمهلهم ساعة أو (٥) يومًا جاز شهرًا وعامًا والعمر كله لاختلاف أفهام الناس، ولعذر (٦) المرتد متى توقَّف، وادَّعى شُبهًا عويصة (٧) أوجبت عليه النظر، وأزال التهمة ببيان تلك الشبهة، وعجز الأكثرين عنها، وتعب أفراد (٨) الخواص في معرفة دقيق جوابها.
الجواب الخامس: أنها وردت نصوصٌ تقتضي العلم أو الظن أن
_________________
(١) في (ب): إنه شاك في الله. وهو خطأ.
(٢) في (ش): وأجمعوا.
(٣) في (ش): يعلموا.
(٤) في (ب) و(ش): يفهموا.
(٥) في (ش): و.
(٦) في (ش): ويعذر.
(٧) في (ش): عريضة.
(٨) في (ش): " وتعب أكثر ".
[ ٤ / ٧٧ ]
الخوض في الكلام على وجه التحكيم (١) في الشُّبَهِ (٢)، والإصغاء إليها، والبحث عمَّا لم يعلم (٣) منها، والتقصِّي عن مذاهب (٤) الفلاسفة، وأهل البدَع مضرةٌ عظيمة في الدنيا بما يُوقِعُ فيه من الكُفر أو (٥) الحيرة والبدعة (٦)، ولو في حقِّ الأكثرين، وعضدها ما تواتر من عمل (٧) السلف بمقتضاها، وفي الآخرة بما يقع على ذلك من العقوبة، ودفع المضرة ولو مظنونة واجبٌ عقلًا بإجماع الخصوم.
ويعضد ذلك من النظر الصحيح (٨)، والتجربة أن أوائل الأدلة أقوى من المباحث الغامضة التي زَعَمَ أهلُ الكلام أنها متوقِّفة عليها، ولذلك صحَّح الشيخ محمود، والشيخ مختار وغيرهما من محققي المعتزلة أنه يتسارع إلى فهمها كُلُّ عاقل، ومن لم يفهمها، فليس بمكلفٍ البتة، كما تقدَّم قريبًا في الوجه الثالث، فقد أجمع (٩) الفريقان على أنها قوية صحيحة ممكنة (١٠) في فِطَرِ العقول، فكيف ينبني على وجوب النظر في مداحض الأذكياء وخفيَّات المدارك العميقة التي ضلَّ الأكثرون بسبب البحث عنها.
_________________
(١) في (ش): التحكم.
(٢) في (ش): للشبه.
(٣) في (ب) و(ش): يُعرف.
(٤) في (ش): مباحث.
(٥) في (ب): و.
(٦) من " مضرة " إلى هنا ساقط من (ش).
(٧) ساقطة من (ب).
(٨) " الصحيح " ساقطة من (ب).
(٩) في (ب): اجتمع.
(١٠) في (ب): متمكنة.
[ ٤ / ٧٨ ]
ألا ترى أن تعلُّقَّ أفعالنا بنا بديهي؟ ومتى استدللنا بتوقفها على دواعيها أدَّى إلى البحث عن الدواعي، وإنَّها إن كانت فعلًا لنا، احتاجت إلى دواعٍ (١) أُخر، وأدَّى إلى التسلسل، وإن كانت من فعل الله، خرجنا إلى أنَّ الداعي موجب (٢) و(٣) إلى تفسير الموجب، وتعارض الدواعي حتى نشك في الجليِّ.
وأيضًا فقد انتهى الأذكياء إلى المحارات الغامضة، وقالوا في ذلك الأشعار السائرة كما ذكرته في هذا الكتاب حتى ضل ابن عربي بسبب ذلك، وقال فيه:
صورة (٤) الكون محال، وهو حق في الحقيقة
وذهب إلى تجويز المحال، وخالفت طوائف في العلوم الضرورية، وأوردوا في ذلك الشبه المعروفة، ولم يمكن الرد عليهم بالدليل، لاستحالة الاستدلال على الضروريات، لأنها قواعد النظر التي لا (٥) ينتهي إليها، فرجعوا إلى مثل ما رجع إليه أهل السنة، وورد به الحديث حيث (٦) قال - ﷺ -: " لا يزال (٧) الناس يتساءلون حتَّى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمنْ خَلَقَ الله " الحديث (٨).
_________________
(١) في (أ): " دواعي ".
(٢) في (ش): من جنسه.
(٣) الواو ساقطة من (ب).
(٤) فوقها في (ش): أبيات.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) ساقطة من (ب).
(٧) في (أ): لا زال.
(٨) أخرجه البخاري (٢٩٦)، ومسلم (١٣٦) مرفوعًا: " لن يبرح الناسُ يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟ "، ولفظ مسلم: قال: " قال الله ﷿: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ ".
[ ٤ / ٧٩ ]
الجواب: أن تسمية تجويز المضرة المرجوح خوفا غير مسلم
فإن قلت: ما هذه المضرة المظنونة في الخوض في علم الكلام؟
قلت: هي أمران
وقد بدّله أهل الكلام بأنَّه واجبُ الوجودِ غيرُ معلل، والمعنى واحد فإنَّما كلامهم هذا جمودٌ محضٌ (١)، وهو الذي عابوا (٢).
فإن قالوا: وفي ترك علم الكلام مضرة أيضًا.
فالجواب: أنَّ تسمية تجويز المضرة المرجوح خوفًا غيرُ مسلم، وإلاَّ لسمينا خائفين لسقوط الأبنية القائمة القوية (٣).
سلمنا تسميته خوفًا، لكن ليس الواجب دفع المضرة المخوفة، بل الواجب دفع المضرة المظنونة لا الموهومة المرجوحة، ولا المجاوزة المساوية.
سلمنا أن دفع المضرة المخوفة واجبٌ، وإن لم تكن راجحة، لكن بشرط أن لا تُدفَعَ تلك المضرة المرجوحة بفعل ما يستلزِمُ مضرةً راجحة (٤) قوية مظنونة.
فإن قُلتَ: وما هذه المضرة المظنونة في الخوض في علم الكلام؟
قلتُ: هي أمران: أحدُهُما: ما شهدت به التجارب مع النظر المقدَّم، وضلَّ بسببه اثنتان (٥) وسبعون فرقة من ثلاثٍ وسبعين.
وثانيهما: ما أشار إليه يحيى بن منصور ﵀ في قوله (٦) في
_________________
(١) في (أ): ومحض، وهو خطأ.
(٢) جملة " وهو الذي عابوا " ساقطة من (أ).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش) زيادة، وعبارته: ما يستلزم مضرة مرجوحة مثلها، فكيف بما يستلزم مضرة راجحة.
(٥) في الأصول: " اثنان "، والصواب ما أثبتنا.
(٦) " في قوله " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٨٠ ]
قصيدته المتقدمة:
بل جاء عنه وعنهُمُ مُتواترًا حظْرُ التَّعمُّقِ والغُلُو لِمُبْصِرِ
وهذه الإشارة إلى مجموع أشياء كثيرة:
منها: النَّواهي عن المراء مطلقًا (١).
ومنها: النواهي عن المراء في القرآن خاصة (٢).
ومنها: النواهي عن المراء في القدر خاصة.
ومنها: النواهي عن البدع (٣).
ومنها: النهي عن التفكر في الله.
ومنها: الأوامر عند الوسوسة بما يُنافي الكلام، وطرائق أهله، وفي ذلك خمسةَ عشر حديثًا في " الصحيحين "، و" السنن الأربع "، و" مجمع الزوائد " (٤).
منها (٥): حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خَلَقَ كذا؟ من خَلَقَ كذا (٦)؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟، فإذا بلغه: فليستعذ بالله وليَنْتَهِ " (٧) رواه البخاري
_________________
(١) من قوله: " منها النواهي " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) جملة: " ومنها النواهي عن البدع " ساقطة من (ش).
(٤) من قوله: " ومنها الأوامر " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) في (ش): ومنها.
(٦) " من خلق كذا " ساقطة من (ش).
(٧) أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٥)، وأبو داود (٤٧٢١)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٦٦٢). وقوله: " فليستعذ بالله ولينته " قال الحافظ في " الفتح " ٦/ ٣٤٠ - ٣٤١: أي: عن =
[ ٤ / ٨١ ]
ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وألفاظهم مختلفة، والمعنى متقارب.
وفي الباب عن ابن عباس مرفوعًا رواه الطبراني في " الصغير " (١)
_________________
(١) = الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، ويعلم أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فيبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها. قال الخطابي: وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك، فاستعاذ الشخص بالله منه، وكفَّ عن مطاولته في ذلك، اندفع، قال: وهذا بخلاف ما لو تعرّض أحد من البشر بذلك، فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال: والفرق بينهما أن الآدمي يقع منه الكلام بالسؤال والجواب والحال معه محصور، فإذا راعى الطريقة، وأصاب الحجة، انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجة، زاغ إلى غيرها إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك. قال الخطابي: على أن قوله: " من خلق ربك " كلام متهافت، ينقض آخره أوله، لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقًا، ثم لو كان السؤال متجهًا، لاستلزم التسلسل، وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث، فلو كان هو مفتقرًا إلى محدث، لكان من المحدثات. انتهى. والذي نحا إليه من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر، فيه نظر، لأنه ثبت في مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه في هذا الحديث " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله "، فسوى في الكف عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك من بشر وغيره، وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: سألني عنها اثنان، وكان السؤال عن ذلك لما كان واهيًا، لم يستحق جوابًا، أو الكف عن ذلك نظير الأمر بالكف عن الخوض في الصفات والذات. قال المازري: الخواطر على قسمين: فالتي لا تستقرّ ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالإعراض عنها، وعلى هذا ينزل الحديث، وعلى مثلها ينطلق اسم وسوسة، وأمَّا الخواطر المستقرة الناشئة عن الشبهة، فهي التي لا تندفع إلاَّ بالنظر والاستدلال، وقال الطيبي: إنَّما أمر بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر، ولم يأمر بالتأمل والاحتجاح، لأن العلم باستغناء الله جل وعلا من الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة، ولأنَّ الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلاَّ حيرة، ومن هذا حاله، فلا علاجَ له إلاَّ الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به، وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال عما لا يعني المرء، وعما هو مستغنٍ عنه.
(٢) برقم (١٠٩٠) عن منتصر بن نصر بن منتصر الواسطي، حدَّثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، حدثنا سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي - ﷺ -: إني أجد في نفسي الشيء أن أكون حُمَمَةً أحب إلي من أن أتكلم به، فقال: " ذاك صريح الإيمان ". قال الهيثمي في " مجمع الزوائد ": رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني منتصر. =
[ ٤ / ٨٢ ]
برجال الصحيح، خلا شيخ الطبراني منتصر.
وموقوفًا رواه أبو داود (١) من طريق أبي زميل سماك بن الوليد الحنفي.
ومرفوعًا من طريق أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية (٢).
وعن خُزيمة بن ثابت مرفوعًا من طريق ابن لهيعة (٣).
_________________
(١) = قلت: منتصر ترجمه الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٣/ ٢٦٦. وأخرجه أبو داود (٥١١٢) من طريقين عن جرير، عن منصور، عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه، يُعَرَّضُ بالشيء، لأن يكون حُمَمَة أحبُّ إليه من أن يتكلم به، فقال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة. قال ابن قدامة: " رد أمره " مكان " رد كيده ". وأخرجه أحمد ١/ ٢٣٥ و٣٤٠، والطيالسي (٢٧٠٤)، والنسائي في " اليوم والليلة " (٦٦٨) و(٦٦٩)، والطحاوي في " مشكل الآثار " ٢/ ٢٥١ و٢٥٢، وابن منده في الإيمان (٣٤٥)، والبغوي (٦٠) من طرق عن منصور، به. وصحَّحه ابن حبان (١٤٧).
(٢) " أبو داود " سقطت من (ب) و(ش). وهو في " سننه " (٥١١٠) عن عباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله ﷿: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِك﴾ الآية، قال: فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا، فقل: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكلِّ شيءٍ عليم).
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٧ - ٨، وأبو يعلى (١٣٣) من طرق عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، عن محمد بن جبير بن مطعم أن عثمان قال: تمنيت أن أكون سألت رسول الله - ﷺ - ماذا ينجينا مما يلقي الشيطان في أنفسنا؟ فقال أبو بكر: قد سألته عن ذلك فقال: ينجيكم من ذلك أن تقولوا: ما أمرتُ عمي أن يقوله، فلم يقله. هذا لفظ أحمد. وذكره الهيثمي في " المجمع " ١/ ٣٣، وقال: رواه أبو يعلى، وعند أحمد طرف منه، وفي إسناده أبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وثقه ابن حبان، والأكثر على تضعيفه.
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ٢١٤، والطبراني في " الكبير " (٣٧١٩) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن عماره بن خزيمة، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: =
[ ٤ / ٨٣ ]
وعن عائشة مرفوعًا بثقات (١).
وعنها مرفوعًا من طريق شهر بن حوشب (٢).
وعن أبي بكر مرفوعًا، وفيه أبو الحويرث أيضًا.
وعن أنس مرفوعًا برجال الصحيح (٣).
وعن ابن عمرو (٤) مرفوعًا برجاله خلا شيخ الطبراني أحمد بن محمد بن نافع الطحان (٥).
وعن أُمِّ سلمة مرفوعًا، وفيه سيفُ بن عميرة (٦).
_________________
(١) = " يأتي الشيطان الإنسان فيقول: من خلق السماوات؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، حتى يقول من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله ". وابن لهيعة: سيىء الحفظ، لكن حديثه حسن في الشواهد، وهذا منها.
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢٥٨، وأبو يعلى ٢١٥/ ٢، والبزار (٥٠) من طريق الضحاك بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " إنَّ أحدكم يأتيه الشيطان، فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدُكم، فليقل: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك يذهبه ". وهذا سند قوي على شرط مسلم، وقد تابع الضحاك بن عثمان عليه سفيان الثوري عند ابن السني (٦٢٤).
(٣) هو في " المسند " ٦/ ١٠٦ عن مؤمل، حدَّثنا حماد، عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن خاله، عن عائشة ﵂ قالت: شكوا إلى رسول الله - ﷺ - ما يجدون من الوسوسة، وقالوا: يا رسول الله، إنا لنجد شيئًا، لو أنَّ أحدنا خرَّ من السماء، كان أحبَّ إليه من أن يتكلم به، فقال النبي - ﷺ -: " ذاك محض الإيمان ".
(٤) أورده الهيثمي في " المجمع " ١/ ٣٤، ونسبه إلى أبي يعلى، وقال: ورجاله رجال الصحيح إلاَّ يزيد بن أبان الرقاشي، وجاء في أسفل الصفحة من المطبوع ما نصه: " إلا يزيد بن أبان الرقاشي " زائد في نسخة المؤلف.
(٥) تحرفت في (ش) إلى: عمر.
(٦) أورده الهيثمي في " المجمع " ١/ ٣٤، ونسبه إلى الطبراني في " الأوسط "، و" الكبير " وقال: رجاله رجال الصحيح خلا أحمد بن محمد بن نافع الطحان شيخ الطبراني.
(٧) أخرجه الطبراني في الصغير (٣٥٦) من طريق سيف بن عميرة، عن أبان بن تغلب، حدثنا سماك بن حرب، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أنها سمعت رسول الله صلى الله علي وآله وسلم وسأله رجل فقال: إني لأُحَدِّثُ نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطتُ أجري، فقال: لا يلقى ذلك الكلام إلاَّ مؤمن ". وسيف بن عميرة روى عنه =
[ ٤ / ٨٤ ]
وعن ابن مسعود مرفوعًا بثقات (١).
وعن معاذ مرفوعًا، وفيه انقطاع (٢).
وعن عمارة بن أبي الحسن عن عمه مرفوعًا (٣) بثقات أئمة (٤).
وعن أبي هريرة أيضًا بثقات (٥).
_________________
(١) = جمع، وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: يغرب، وقال الأزدي: يتكلمون فيه.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٣)، والنسائي في " اليوم والليلة " كما في " التحفة " ٧/ ١٠٧ وابن منده (٣٤٧)، والطحاوي في " شرح شكل الآثار " ٢/ ٢٥١، والبغوي (٥٩) من طريق علي بن سعير بن الخمس، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: سئل النبي - ﷺ - عن الوسوسة قال: " تلك محض الإيمان "، وصححه ابن حبان (١٤٩).
(٣) أخرجه الطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٣٦٧) عن علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر قال: سمعت أبي يذكر عن معاذ بن جبل قال: قلت: يا رسول الله - ﷺ -، والذي بعثك بالحق، إنه ليعرض في صدري الشيء، لأن أكون حممة أحبُّ إلي من أن أتكلم به، فقال رسول الله - ﷺ -: " الحمد لله، إن الشيطان قد أيِسَ من أن يعبد بأرضي هذه، ولكنه قد رضي بالمحقرات من أعمالكم ". قال الهيثمي ١/ ٣٤: ذر بن عبد الله راوية عن معاذ، لم يدركه.
(٤) في الأصول: " حسين (وفي (ش): حصين) مرفوعًا، وعن عمرة ".
(٥) وهو في " عمل اليوم والليلة " للنسائي (٦٧٢)، و" مسند البزار " (٤٩) من طريقين، عن أبي داود، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عمارة بن أبي حسن المازني، عن عمه أن الناس سألوا رسول الله - ﷺ - عن الوسوسة التي يجدها أحدهم، لأن يسقط من عند الثريا أحبُّ إليه من أن يتكلم به، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: " ذاك صريح الإيمان، إن الشيطان يأتي العبد فيما دون ذلك، فإذا عصم منه، وقع هنالك ". أبو داود: هو الطيالسي سليمان بن داود، وعمارة بن أبي الحسن: هو الأنصاري المازني المدني، قال الحافظ في " التقريب ": ثقة، يقال: له رؤية، ووهم من عدَّه صحابيًّا، فإن الصحبة لأبيه. وقال الهيثمي في " المجمع " ١/ ٣٥ بعد أن نسبه إلى البزار: ورجاله ثقات أئمة. والمراد بصريح الإيمان: هو الذي يعظم في نفوسهم إن تكلموا به، ويمنعهم من قبول ما يلقي الشيطان، فلولا ذلك، لم يتعاظم في أنفسهم حتى أنكروه، وليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الايمان، بل هي من قبل الشيطان وكيده. وقال الطيبي: أي: علمكم بقبيح تلك الوساوس، وامتناع قبولكم ووجودكم النفرة عنها دليل على خلوص إيمانكم، فإن الكافر يصر على ما في قلبه من المحال، ولا ينفر عنه.
(٦) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٣٢) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، =
[ ٤ / ٨٥ ]
ومنها: أحاديث الإيمان والإسلام المتواترة التي تقتضي قواعدُ الكلام منافاتِهما إلاَّ مَعَ التأويلات المتعسِّفة المستكرهة، وأمثال ذلك.
وعن جُنْدُبٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: " اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه، فقوموا عنه " (١) رواه البخاري ومسلم، والنسائي.
ومن ذلك قصَّة عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم في اختلافهما في القراءة، ورفعها (٢) إلى النبي - ﷺ -، وأمره كل واحدٍ منهما أن يقرأ كما سمع منه - ﷺ -، ونهيه لهما عن الاختلاف الذي هو المناكرة، والمعاداة، رواه الجماعة (٣)، وله طرق جمة عرفت (٤) منها ثماني عشرة (٥) طريقًا عن ثمانية عشر صحابيًا (٦).
وهذه الأحاديث كالشرح، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ وأمثالها ممَّا قدمته في ديباجة هذا (٧) الكتاب، فإن النهي عن التفرُّق نهي عن أسبابه
_________________
(١) = عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. وهو في " سنن أبي داود " (٥١١١) في " عمل اليوم والليلة " (٦٦٤) للنسائي، و" الإيمان " لابن منده (٣٤٣) و(٣٤٤)، وانظر " صحيح ابن حبان " (١٤٥) و(١٤٦).
(٢) تقدم تخريجه ١/ ٢١٦.
(٣) في (ب): " وترافعهما "، وفي (ش): " ورفعهما ".
(٤) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٧. وهشام بن حكيم: هو ابن حزام الأسدي، له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، أخرج له مسلم حديثًا واحدًا مرفوعًا من رواية عروة عنه.
(٥) في (ش): عرف.
(٦) في (ش): ثمانية عشر.
(٧) ذكر منها الحافظ في " الفتح " ٩/ ٢٦ خمسة طرق.
(٨) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٨٦ ]
المقام الثاني: وهو ورود الشبه الدقيقة من الفلاسفة، وغيرهم على علماء القرآن والحديث، وقول السائل: ما تصنعون عند ذلك؟
المجربة، ويشهد لأحاديث الاستعاذة المتقدمة من كتاب الله تعالى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [غافر: ٥٦].
فإذا أمر بالاستعاذة بالله في حقِّ المجادلين، فأولى في وسواس (١) الشياطين، ومن أحب معرفة ذلك، طَالَعَ (٢) كُتُب الحديث الحافلة، مثل " جامع الأصول " لابن الأثير، و" مجمع الزوائد " للهيثمي، فإن أحبَّ التضلُّع (٣) من العلم، نظر الأسانيد، والطرق، والكلام في الرجال، فإنه (٤) يعلم بالضرورة من الدين أشياء كثيرة ليس مع كثير من المتكلمين منها خبر، وهذا مما يحتملُ تأليفًا مستقلًا، وليس القصد (٥) الاستيفاء، وإنما (٦) القصد الإشارة الواقعة من قلب المنفي (٧) موقع الخاطر الذي يُوجبه المعتزلة، والله الهادي.
وأمَّا المقامُ الثاني: هو ورودُ الشُّبَهِ الدقيقة من الفلاسفة وغيرهم على علماء القرآن والحديث، وقولُ السائل: ما تصنعون عند ذلك.
فالجواب من وجهين.
الوجه الأول: معارضة، وهو (٨) أن نقول: ما يصنع الصحابة،
_________________
(١) في (ش): وساوس.
(٢) في (ش): فليطالع.
(٣) في (ش): التطلع.
(٤) في (ش): فإنه بذلك.
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) الواو ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): المتقي.
(٨) سقطت الواو من (ب) و(ش).
[ ٤ / ٨٧ ]
والتابعون وأهل المعارف الضرورية، وأول من ابتكر (١) علم الكلام، فإنه يمكن المحدثين (٢) أن يصنعوا مثلهم،
فإن قالوا: إنه كان في الصحابة، وفي كل من ذكرتم من يتمكن من ذلك من غير تعليمٍ ورياضةٍ في النظر والجدل، وذلك لفرط ذكائهم، وكمال عقولهم.
قلنا: وما المانع أن يكون (٣) في كل عصر من هو كذلك، مثل أوائل مشايخ الكلام، بل أوائل الفلاسفة، والبراهمة (٤)، بل المعروف أنه لا يزال في (٥) الناس كذلك، بل من (٦) لم يكن منطقي الذهن، لم يكن منطقي الفنِّ، والذي يدلُّ على ذلك أن الجمَّ الغفير يشتركون في طلب العلم، وبذل الجهد، فلا ينتفعُ إلاَّ بالقليل، ولا يتميزُ عن الأقرانِ إلا الأفراد.
وبالجملة فليس يفهم مقاصد أهل الكلام على الوجه المرضي بحيث يفهم ما بينها من التفاوت في القوة، والضعف، وعلى ما أثبتت عليه من القواعد، وما يَرِدُ عليها من المعارضات، والمناقضات إلاَّ من هو كذلك، وهذا هو الذي يصلح للرد على الفلاسفة والمبتدعة وغيره، وإن قرأ فما درى، وإن ناظر عن الإسلام، كان أعظم خاذلٍ له، وأكبر ناصرٍ
_________________
(١) تحرف في (ش) إلى: أنكر.
(٢) في (أ) و(ب) و(د): " المحدثون "، وهو خطأ.
(٣) من قوله: " في الصحابة " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) هم قوم ينفون النبوات أصلًا، ويقررون استحالة ذلك في العقول بوجوه ذكرها الشهرستاني في " الملل والنحل " ٢/ ٢٥١، ويقولون بوحدة الوجود، والتناسخ.
(٥) " في " ساقطة من (ش).
(٦) " من " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٨٨ ]
لعدوِّه، وإن أُثيِبَ على نيته.
وما مثل العلماء في علمهم، إلاَّ مثل المجاهدين في جهادهم، فمنهم القوي القلب والبدن، النافع للإسلام، الضارُّ لأعدائه بمجرد ما أعطاه الله تعالى، فإذا انضمَّ إلى ذلك كثرةُ خِبَرةٍ، وطُولُ ممارسةٍ، وتجويد للرياضة في صناعات الرمي، والفراسة، والبَصَر بكيفية الحروب، وما اشتمل عليه علمُ الشطرنج (١)، وإن لم يكن من أهله، وكذلك البصر بأخبار الشجعان ووقعاتهم (٢) وكمال ذلك أن يتمكن من الآلات العظيمة من الخيل الجياد، والسلاح الشاكي، والأتباع، عظمت مضرَّتُهُ للعدو، وذلك بنصر الله وتوفيقه، ومن كان على عكس هذه الصفات، فإنه متى بَرَزَ بين شُجعان الأعادي، لم يزد على أن يكون عارًا على أصحابه، وسببًا لقوة أعدائه، وكان كالباحث عن حتفه بِظِلْفِهِ، والجادع مَارِنَ (٣) أنفه بكفِّه، وكذلك العلماء فتأمَّل ذلك.
واعلم أنَّ أصل الأمور راجعةٌ إلى العطايا الربانية، وأن الله تعالى لا يُخلي عباده وبلاده من قائمٍ لله بحجةٍ على ما أشارت إليه الأخبار (٤)،
_________________
(١) تحرف في (ش) إلى: التشريح.
(٢) في (د): ووقائعهم.
(٣) الحتف: هو الموت، والظلف للبقر والغنم كالحافر للفرس والبغل، والخف للبعير، وهو مثل، وأصله أن رجلًا كان جائعًا بالفلاة القفر، ولم يكن معه ما يذبحها به، فبحثت الشاة الأرض، فظهر فيها مدية، فذبحها بها. يُضرب لكل من أعان على نفسه بسوء تدبيره. والمارِنُ: ما لان من الأنفِ، أو طَرَفُه.
(٤) ثبت ذلك في " صحيح مسلم " (١٩٢٠)، والترمذي (٢٢٣٠)، وابن ماجة (١٠) من حديث ثوبان. وفي البخاري (٣٦٤١) و(٧٣١٢) و(٧٤٦٠)، ومسلم ٣/ ١٥٢٤، وأحمد ٤/ ١٠١ من حديث معاوية.
[ ٤ / ٨٩ ]
وذهب إليه العلماء الأحبار (١)، ولا شك في اختلاف الناس، وتباعد مراتبهم في أمرين:
أحدهما: الفهم.
ثانيهما: حسن التعبير عن المفهوم، ألا ترى ما أحسن فهم زيد بن عمرو بن نُفيل (٢)، وما أحسن تعبيره عما فهم حيث قال في قصيدته التي أوردها ابن إسحاق أول السيرة، وقال ابن هشام (٣): هي لأمية بن أبي الصلت (٤)، والمقصود منها قوله:
_________________
(١) في (ب): " الأخيار "، وفي (ش): " العلماء والأخيار ".
(٢) هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، وكان الخطاب والد عمر بن الخطاب عمه وأخاه لأمه، وهو والد سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة. وكان زيد بن عمرو أحد من اعتزل عبادة الأصنام، وامتنع مِنْ أكل ذبائحهم، وساح في أرض الشام يتطلب الدين القيم، فرأى النصارى واليهود، فكره دينهم، وقال: اللهم إني على دين إبراهيم، ولكنه لم يظفر بشريعة إبراهيم ﵇، ولا رأي من يوقفه عليها، ورأى النبي - ﷺ -، ولكنه مات قبل البعثة بنحو خمس سنوات، وهو من أهل النجاة، فقد شهد له - ﷺ - في خبر مطول صححه الحاكم ٣/ ٢١٦ - ٢١٧، ووافقه الذهبي بأنه " يبعث أمة وحده ". انظر أخباره في " صحيح البخاري " (٣٨٢٦) و(٣٨٢٧)، و" تاريخ الإسلام " للذهبي ١/ ٤٤ - ٤٨، و" سير أعلام النبلاء " ١/ ١٢٦ و٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) ١/ ٢٤٢ - ٢٤٤.
(٤) هو أمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، شاعر جاهلي، حكيم من أهل الطائف، كان قد قرأ الكتب المتقدمة من كتب الله جل وعز، ورَغِبَ عن عبادة الأوثان، وكان يُخبر بأن نبيًا يبعث، قد أظلَّ زمانه، ويؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج رسول الله - ﷺ -، كفر به حَسَدًا. وفي " صحيح مسلم " (٢٢٥٥) عن الشريد (وقد تحرف في " خزانة الأدب " ١/ ٢٤٧ بتحقيق عبد السلام هارون إلى: (الرشيد) بن سويد قال: ردفت رسول الله - ﷺ - يومًا، فقال: " هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " قلت: نعم، قال: " هيه "، فأنشدته بيتًا، فقال: " هيه "، ثم أنشدته بيتًا، فقل: " هيه "، حتى أنشدته مئة بيت، فقال: " إن كاد ليُسلم ". وفي رواية: " فلقد كاد يسلم في شعره ". وفي " صحيح البخاري " (٣٨٤١) و(٦١٤٧) و(٦٤٨٩)، لمسلم (٢٢٥٦) (٣) =
[ ٤ / ٩٠ ]
وأنت الذي من فَضْلِ مَنٍّ ورحمةٍ (١) بعثت إلى مُوسى رسُولًا مُناديا
فقلتَ لموسى اذهب وهارون فادعوا (٢) إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
وقُولا له آأنت سوَّيت هذه بلا وتدٍ حتى اطمأنَّت كما هيا
وقولا له آأنت رفَّعت هذه بلا عَمَدٍ أرفق إذًا بك بانيا (٣)
وقولا له آأنت سوَّيت وسطها مُنيرًا إذا ما جنَّهُ اللَّيلُ هاديا
وقولا له من يُرسِلُ الشمس غُدوةً فيُصبِحَ ما مسَّت من الأرض ضاحيا
وقولا له من يُنبتُ الحبَّ في الثَّرَى فيُصبحَ منه البَقْلُ يهتزُّ رابيا
ويخرُجَ منه حبُّهُ في رُؤُوسه وفي ذاك آياتٌ لمن كان واعيا
وروى الذهبي لزيد ﵀ في ترجمة ولده سعيد (٤) قوله أيضًا:
[و] أسلمتُ نفسي لمن أسلمتْ له المُزْنُ تحمل عذبًا زُلالا
_________________
(١) = من حديث أبي هريرة رفعه: " وكاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم ". وعاش أمية حتى أدرك وقعة بدر، ورثى من قتل بها من المشركين، ولا يختلف أصحاب الأخبار أنه مات كافرًا. قال ابن سلام في " طبقاته " ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣: وكان أمية كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السماوات والأرض، ويذكر الملائكة، وتذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء، وكان قد شام أهل الكتاب. وقال ابن قتيبة في " الشعر والشعراء " ص ٢٢٧: وكان يحكي في شعره قصص الأنبياء، ويأتي بألفاظ كثيرة لا تعرفُها العرب يأخذها عن الكتب المتقدمة، وبأحاديث من أحاديث أهل الكتاب وعلماؤنا لا يرون شعره حجة في اللغة.
(٢) في " خزانة الأدب " ١/ ٢٤٦: سيب ونعمة.
(٣) في " السيرة ": فقلت له يا اذهب وهارون فأدعوا. ورواية البيت في " الخزانة ": وقلت لهارون اذهبا فتظاهرا على المرء فرعون الذي كان طاغيا
(٤) في (ج): " ثانيًا "، وهو تحريف.
(٥) في " السير " ١/ ١٣٢ - ١٣٣، وأنشدها أيضًا له ابن إسحاق في " السيرة " ١/ ٢٤٦.
[ ٤ / ٩١ ]
إذ سُقِيَتْ بلدةٌ من بلا د سيقتْ (١) إليها فسَحَّتْ سِجَالا
وأسلمتُ نفسي لمن أسلمتْ له الأرضُ تحمِلُ صخرًا ثقالا
دحاها فلمَّا استوت شدَّها سواءً وأرسى عليها الجبالا (٢)
على (٣) أن المتكلمين قد يضطرون إلى أشياء ركيكةٍ لا يعجز عن مثلها أهلُ الأثر والجمود، مثل (٤) قولهم: لا نُجيب بلا، ولا نعم، ولا نفي، ولا إثباتٍ في قول خصومهم: إنَّ تقدير ووقوع الأفعال على خلاف علم الله محالٌ، ونحو ذلك.
وقد شنَّع الشيخ مختار في كتابه " المجتبى " عليهم في ذلك، وهو مشهورٌ في كتبهم، قال الشيخُ مختار: ولولا وجوده في كتبهم، ما صُدِّقَ مثل ذلك عليهم (٥)، وأحسن الجواب عن ذلك، والمعارضة بأفعال الله تعالى، فإنها معلومةٌ، ومع كونِها معلومةً لم تخرُج عن كونها مقدورةً ممكنة (٦)، وجوَّد القول في ذلك، وكم لهم أمثال ذلك (٧) من المحارات، ومواقف العقول، وإنَّما بدأ أهل الأثر بما رجع إليه أهل الكلام.
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: " سقيت "، ورواية البيت في " السيرة ": إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبَّت عليها سجالا والسجال: جمع سجل، وهي المملوءة ماء، استعارها لكثرة المطر.
(٢) روايته في ابن هشام: دحاها فلمَّا رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا ودحاها: بسطها، وأرسى: أثبت عليها، وثقلها بها.
(٣) انفردت (أ) بزيادة قبل " على "، ونصها: " الوجه الثاني أن أصولكم تقتضي عدم الخوف من ذلك "، وليس محلها هنا، وستأتي قريبًا.
(٤) تحرفت في (أ) إلى: ثم.
(٥) في (ش): عنهم.
(٦) في (ج): ممكنة مقدورة.
(٧) ساقطة من (أ).
[ ٤ / ٩٢ ]
الوجه الثاني: إن أصولكم تقتضي عدم الخوف من ذلك
الوجه الثاني (١): إنَّ أصولكم تقتضي عدم الخوف من ذلك، إذ كان عندكم أن النظر واجبٌ على العبد، والبيان واللطف واجبان على الله تعالى.
فنقول: لا حاجة على هذا إلى تعلم الكلام، بل يترك الخوضُ فيه حتى ترد الشبهة القادحة، ثم نفعل ما يجب علينا، وهو النظر، والله سبحانه يفعل ما يجب عليه عندكم، وهو البيان لنا، واللطف بنا، ومع ذلك تجلى المشكلات، ونَسْلَمُ من مداحض الشبهات.
فإن قيل: فهل تقولون بقُبح النظر فقد أبطلتم كل النظر ببعضِ النظر، لأن أدلتكم هذه نظرية، وهذا متناقض.
فالجواب: أنه لا سبيل إلى إنكار النظر جميعه، ومعرفة وجوبه عند رجحان الخوف مطلقًا عقليةٌ جلية، وفي (٢) الإسلام، وصدق الأنبياء ﵈ خصوصًا سمعيةٌ ضروريةٌ.
وقول الرازي في " المحصول ": " إن وجوب النظر مبنيٌّ على أنه يفيد العلم في الإلهيات " -وذلك في غاية الدقة- مردودٌ عليه بأن النظر يجب، وإن لم يحصل منه سوى الظن، بل العاقل ينظر مع تجويز أن لا (٣) يحصل له ظن ولا علم، ولكن ليبلغ طاقته في دفع الضرر عن نفسه، وأهل السنة لا ينكرون النظر، بل أهل المعارف الضرورية، وإنما يختلف الناس في النظر النافع دون الضار، فعند أهل السنة أن النظر النافع: هو
_________________
(١) في (أ): " الوجه الثالث "، وهو خطأ.
(٢) "الواو" لم ترد في (ش).
(٣) في (أ): " مع تجويز وإن لم "، وفي (ش): " مع التجويز وإن لا ".
[ ٤ / ٩٣ ]
فيما (١) أرشد الله تعالى إلى النظر فيه من معجزات الأنبياء وبدائع المصنوعات على منهاج الأنبياء وأصحابهم، وهذا القدرُ من النظر نافع بإجماع الأمة من المحدثين والمتكلمين، والذي يختص به أهل الكلام مختلف فيه، والمجمع عليه أولى من المختلف فيه. وقد تقدم الكلام في فائدة النظر عند أهل المعارف، ومن يكتفي بالظن، فخذه من موضعه (٢).
فتلخيص الجواب أن هذا إبطالُ (٣) بعض النظر ببعضه في مواضع القطع ببطلان طرائق المتكلمين، واستغناءٌ (٤) ببعض النظر عن بعض في مواضع في (٥) الوقف في طرائقهم، واستغناءٌ بالوقف عن النظر في مواضع الوقف من محارات (٦) العقول، ومواقفها، وتعارض السمعيات من غير ظهور ترجيح، ولا بُدَّ من هذه الأشياء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأهل الكلام يبطلون بعض الأنظار ببعض، كالأنظار على الوجوه الفاسدة، فإنهم يبطلونها بالأنظار على الوجوه الصحيحة، والوقف في المحارات إجماعُ العُقلاء.
وها هنا حكاية باردة (٧) يستروِحُ كثير من أهل الكلام إليها، ويعتمدون في احتقار علماء السمع عليها، وذلك أنه يروى أن الروم سألوا هارون الرشيد المناظرة، فأرسل إليهم بمُحدِّثٍ، فسألوه الدليل على الصانع،
_________________
(١) في (ش): ما.
(٢) ٤/ ١١٣.
(٣) في (ج): فتلخيص هذا الجواب أنه إبطال.
(٤) في (أ): واستغناء به.
(٥) ساقطة من (د).
(٦) تصحفت في (ج) إلى: مجازات.
(٧) في (أ): نادرة.
[ ٤ / ٩٤ ]
كم من ولي لله تعالى قد ارتوى قلبه من اليقين الصرف، وهو غير بصير بقوانين الجدليين، وذلك يظهر بوجهين
الوجه الأول: أن السائل جهل المقصود بالنبوة
فروى لهم حديث رسول الله - ﷺ - في بناء الإسلام على الشهادتين (١) أو ما يشبهه، فكتبوا إلى هارون يذكرون ذلك، فأرسل إليهم بمتكلم فدسُّوا له من فهمه (٢) قبل وصوله إليهم، فوجدوه على ما يحذرون، فسمُّوه قبل وصوله إليهم، ولهم أمثال هذه الحكاية.
والجواب: عليهم في مثل هذه الأشياء -وإن لم تصح- أن يقال لهم: ما أردتم بذلك؟ فإن أردتم الاستدلال على أنكم أجدل من المحدثين، وأحذق بصناعات الجدليين، فذلك مُسلَّمٌ لكم، بل مُسلَّمٌ لكم أنكم أجدل من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وإن أردتم أنكم أعلم بالله، وأفضل عند الله، فغيرُ مسلَّمٍ، فإنه لا ملازمة بين الحذق بالجدل، والعلم بالله ﷿، فكم من فيلسوف (٣) كافرٍ قديرٍ في علم الجدل، وصار فيه إمامًا للأذكياء، وكم من وليٍّ لله تعالى قد ارتوى قلبه من اليقين الصِّرف، وهو غير بصيرٍ بقوانين الجدليين، وذلك يظهر (٤) بوجهين.
الوجه الأول: أن السائل جهل المقصود بالنبوة، وظن أن الحكمة في بعثة الرسل هي بيان الأدلة على الله وأسمائه (٥)، وجدال المخالفين في ذلك، وإنما بعثوا مبشرين، ومنذرين، ومعلمين للشرائع، بل قد نصَّ
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عمر: البخاري (٨) و(٤٥١٤)، ومسلم (١٦)، والترمذي (٢٦٠٩)، والنسائي ٤/ ١٠٧ - ١٠٨، ولفظه في البخاري: " بني الإسلام على خمسٍ: شهاده أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجِّ، وصوم رمضان ".
(٢) في (د): " يفهمه "، وكتب فوقها: فهمه صح.
(٣) تصحفت في (أ) إلى: فيلفوس.
(٤) في (ش): ظاهر.
(٥) " وأسمائه " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٩٥ ]
الوجه الثاني: إنه لو حضر النبي - ﷺ - وحضرت المهرة من أئمة علوم الفلسفة فإنهم يكونون أحذق في المناظرة من رسول الله
فإن قيل: إنه يلزم أن يكونوا أعلم من رسول الله - ﷺ -
قلنا: معاذ الله
القرآن على أن المراد بهم الإنذار، بل قد قَصَرَهُم على ذلك مبالغةً، والآيات في ذلك لا تحصى، منها قوله تعالى حاكيًا عن محمدٍ - ﷺ -: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، وقد أوضح الله الحجة بخلق العقول، ثم قطع الأعذار بالإنذار على ألسنة الرسل، والعلماء ورثة الأنبياء، وهذه نُكتة نفيسة فتأمَّلها.
الوجه الثاني: أنا نعلمُ وكُلُّ مُنْصِفٍ (١)، أنه لو حضر النبي - ﷺ - وحضرت المَهَرَةُ من أئمَّة علوم الفلسفة، وأهل الدِّرية التامة بدقائق المنطق والكلام، وحضر أئمة علم الكلام من أهل الإسلام، وأرادوا المناظرة في الأدلة: أن أهل (٢) الكلام (٣) من المسلمين يكونون أحذق في المناظرة من رسول الله، وقد ذكر معنى هذا (٤) الإمام يحيى بن حمزة (٥) في بعض كتبه.
فإن قيل: إنه (٦) يلزم من هذا أن يكونوا أعلم من رسول الله - ﷺ -، ومن جميع الأنبياء، وهذا معلوم القُبح والبطلان.
قلنا: معاذ الله أن يكون أحدٌ أعلم بالله، وبالأدلة عليه، وبالعلوم
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: مصنف.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) من قوله: " وحضر أئمَّة " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) في (ج): هذا المعنى.
(٥) " ابن حمزة " ساقط من (ش).
(٦) " إنه " ساقطة من (أ).
[ ٤ / ٩٦ ]
النافعة كلها من رسول الله - ﷺ -، وإنما نقول: إنهم أعلم بالعلم المبتدَع الذي كَرِهَهُ السلف، ومنتهى حال العالم (١) به عند من يُوجبهُ أن يكون توسَّل به للضرورة إلى بعض معارف النبي - ﷺ -، كما يتوسل طالب النحو والإعراب بقراءة كتب النحاة إلى معرفة بعض مقاصده - ﷺ - في كلامه البليغ، ومعلومٌ أن رسول الله وأصحابه لا يُوصفون بمعرفة ما ابتدع النحاةُ من الأسماء الاصطلاحية، ولكن السلف ردُّوا هذا بأنَّ اللغة تغيَّرت، وتحققت الضرورة إلى حفظ اللغة بابتداع عِلْمِ العربية مع ما رُوي (٢) في أصل وضعه عن علي ﵇ (٣) بخلاف علم الكلام، فإن العقول لم تختلَّ، ولو اختلَّت، بَطَلَ التكليف، ولم يمكن وضع قوانين الأدلة، ولا يُنكَرُ أن تكون المبتدعةُ أعرف بما لا فضيلة فيه من الأنبياء، كما أن أهل الصناعات أعرف (٤) بصناعاتهم، والنساء أعرف بما يخُصُّهنَّ من صنعةِ الطعام، وإنما ينكر أن يكونوا أعرفَ بالعلم النافع في تقرير الإسلام، والإيمانِ، والشرائع والأديان، وليس يجهلُ هذا الأمر إلاَّ من جهل أحوال الأنبياء ﵈، أو جهل علم الجدل.
وقد تعرَّض ابن الزِّبَعْري لمناظرة رسول الله - ﷺ -، فأعرض عنه حتى نزل الردُّ عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٥) [الأنبياء: ١٠١].
_________________
(١) في (ش): العلم.
(٢) تحرفت في (ب) إلى: أوى.
(٣) انظر الخبر في " الأغاني " ١٢/ ٢٩٨، و" نزهة الألباء " لابن الأنباري ص ١٨ - ٢٢.
(٤) في (ش): أعلم.
(٥) أخرج الطبراني ١٢/ (١٢٧٣٩) من حديث ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إنَّكم وما تعبدون من دونِ الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ قال عبد الله بن الزِّبَعري: أنا أخصم لكم =
[ ٤ / ٩٧ ]
وكذلك فعل مع أبي سفيان بن حرب يوم إسلامه، كما هو معروف (١).
وكذلك فعل مع الوليد بن المغيرة حين أجاب عليه بتلاوة سورة السجدة (٢).
_________________
(١) = محمدًا، فقال: يا محمد، أليس فما أنزل الله عليك: ﴿إنَّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ قال: " نعم "، قال: فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرًا، وهذه بنو تميم تعبُدُ الملائكة، فهؤلاء في النار؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إنَّ الذين سبقت لهم منَّا الحسنى أولئك عنها مُبعدون﴾. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٣٣٨، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، والضياء في " المختارة "، وأبي داود في " ناسخه "، وابن المنذر. وأورد الخبرَ ابن إسحاق (كما في " سيرة ابن هشام " ١/ ٣٨٤ - ٣٨٦)، ونقله عنه الطبري في " تفسيره " ١٧/ ٩٦ - ٩٧.
(٢) انظر " سيرة ابن هشام " ٤/ ٤٤ - ٤٦، وتاريخ الطبري ٣/ ٥٢ - ٥٤.
(٣) الخبر عند الحاكم ٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧، والبيهقي في " الدلائل " ٢/ ١٩٨ - ١٩٩ من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي - ﷺ -، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عمّ، إن قومك يَرَوْن أن يجمعوا لك مالًا، قال: لِمَ؟ قال: ليُعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له أو أنك كارهٌ له، قال: وماذا أقول، فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيدته مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يُشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إنَّ لقوله الذي يقول حلاوةً، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليحطم ما تحته قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أُفكر فيه، فلمَّا فكر قال: هذا سحرٌ يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. ثم رواه البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: اقرأْ عليِّ، فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال: أعِدْ، فأعاد النبي - ﷺ -، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوةٍ، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدِقٌ، وما يقول هذا بشر. =
[ ٤ / ٩٨ ]
وكذلك فعل مع نصارى نجران حين دعاهم إلى المباهلة (١).
وكذلك فعل جعفر بن أبي طالب مع النجاشي وأصحابه (٢).
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٧، ومن طريقه: أبو يعلى (١٨١٨)، وأبو نعيم في " دلائل النبوة " (١٨٢)، وعبد بن حميد، عن علي بن مُسهِر، عن الأجلح، عن الذيال بن حرملة الأسدي، عن جابر بن عبد الله قال: اجتمعت قريشٌ للنبي - ﷺ - يومًا، فقالوا: انظروا أعلمَكم بالسِّحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرَّق جماعتنا، وشتَّتَ أمرنا، وعابَ ديننا، فليكلِّمهُ ولينظُر ما يرُدُّ عليه. قالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، قالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمدُ أنت خيرٌ أم عبدُ الله؟ فسكت رسول الله، ثم قال: أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله - ﷺ -. قال: فإن كنت تزعُمُ أن هؤلاء خيرٌ منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ، وإن كنت تزعُمُ أنَّك خيرٌ منهم، فتكلَّم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سَخْلَةً قطُّ أشأمَ على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتَّتَّ أمرنا، وعبت ديننا، ففضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلاَّ مثل صيحة الحُبلى بأن يقوم بعضنا إلى بعضٍ بالسيوف حتى نتفانى. أيُّها الرجُلُ إن كان إنَّما بك الحاجة جَمَعنا حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أيَّ نساء قريشٍ شئت، فنُزَوِّجك عشرًا. قال له رسول الله: " أفَرَغتَ؟ ". قال: نعم، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ - ١٣] فقال عتبة: حسبُك حسبُك، ما عندك غيرُ هذا؟ قال: " لا "، فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركتُ شيئًا أرى أنكم تُكَلِّمُونه به إلاَّ كلمتُهُ. قالوا: هل أجابك؟ قال: نعم والذي نَصَبَها بَنِيَّةً ما فهمتُ شيئًا ممَّا قال غير أنه قال: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، قالوا: ويلك، يكلمك رجلٌ بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمتُ شيئًا ممَّا قال غير ذكر الصاعقة. والأجلح من رجال " التهذيب "، وهو صدوق، والذيال بن حرملة روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣ فالسند حسن. وصحَّحه الحاكم ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤ من طريق جعفر بن عون عن الأجلح به، ووافقه الذهبي. وانظر " مجمع الزوائد ٦/ ٢٠، و" المطالب العالية " (٤٢٨٥)، و" تفسير البغوي " ٤/ ١١٠ - ١١١، و" سيرة ابن إسحاق " ص ١٨٧ - ١٨٨. ومن قوله: " وكذلك فعل مع الوليد " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) انظر البخاري (٤٣٨٠) في المغازي، باب: قصة نجران، و" دلائل النبوة " للبيهقي ٥/ ٣٨٢ - ٣٩٣.
(٣) ذكر ذلك ابن إسحاق في " سيرته " ص ١٩٤ - ١٩٧، ومن طريقه أحمد ١/ ٢٠١ - =
[ ٤ / ٩٩ ]
وكذلك قد أرسل النبي - ﷺ - دِحيةَ بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم الروم بكتاب ليس فيه براهين، ولا جدل، وإنما فيه: " أسلم تسلم، وإن لم تسلم، كان عليك إثمُ الأريسيّين "، وفيه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية (١)، مع توجيه هذا الرسول بهذا الكتاب إلى أئمة المنطق والبرهان، ولم يُعَلِّم رسوله ما يُجادِلُهُمْ به، ولا لقَّنَهُ أي شيء يُجيبُ به عليهم، فهو مثل المحدث الذي زعموا أن هارون أرسله إن صح ذلك (٢).
وكذلك سائر (٣) رسل النبي - ﷺ -، فإنه بَعَثَ إلى النجاشيِّ (٤) وإلى
_________________
(١) = ٢٠٣ و٥/ ٣٩٠ - ٢٩٢ في خبر مطول من حديث أم سلمة، وفيه: كان الذي يُكلمه منهم جعفر بن أبي طالب، فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتُم دينَ قومكم، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية، فما هذا الدين؟ فقال جعفر: أيها الملك، كنا قومًا على الشرك، نعبدُ الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار ونستحلُّ المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحلُّ شيئًا ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبيًا من أنفسنا، نعرِفُ وفاءَه وصِدْقَه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبُدَ الله وحده، لا شريك له، ونصِلُ الرحم، ونُحْسِنُ الجوار، ونصلي، ونصوم، ولا نعبدُ غيره، فقال: هل معك شيءٌ ممَّا جاء به؟ وقد دعا أساقفته، فأمرهم، فنشروا المصاحف حوله، فقال له جعفر: نعم، قال: هلم، فَاتْلُ عليَّ ما جاء به، فقرأ عليه صدرًا من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ورواه البيهقي في " الدلائل " ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠ من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى. وقال: وهذا إسناد صحيح. وفي الباب عن ابن مسعود عند الطيالسى (٣٤٦)، والبيهقي في " الدلائل " ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨.
(٢) أخرجه البخاري (٧) و(٢٩٤١) و(٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣)، وأحمد ١/ ٢٦٢، والبيهقي في " الدلائل " ٤/ ٣٧٧ - ٣٨٠ من طرق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس.
(٣) في الحكاية التي نقلها قريبًا، ووصفها بأنها باردة.
(٤) ساقطة من (د).
(٥) أخرجه ابن إسحاق في " السيرة " ص ٢١٠، ومن طريقه الحاكم في " المستدرك " =
[ ٤ / ١٠٠ ]
المقوقِس صاحب الإسكندرية (١)، وبعث أبا عبيدة ﵁ إلى البحرين (٢)، ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن (٣)، وبعث إلى سائر الملوك.
وكذلك كُتُبُه ﵇ التي نَفَّذَهَا إلى الآفاق لم يُضَمِّنْها أشياء (٤) من هذا القبيل الكلامي. فأهل الحديث أشبه المسلمين برسول الله - ﷺ - وبأصحابه.
وقد قالَ القُرطبي في " شرح مسلم " (٥) في ذكر أكثرِ المتكلمين:
_________________
(١) = ٢/ ٦٢٣، والبيهقي في " الدلائل " ٢/ ٣٠٨: قال: هذا كتاب من النبي محمد - ﷺ - إلى النجاشي: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، لم يتُخذ صاحبةً ولا ولدًا، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإنِّي أنا رسوله، فأسلم تسلم، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألاَّ نعبد إلاَّ الله، ولا نُشرِكَ به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنَّا مسلمون، فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك ".
(٢) ذكره البيهقي في " دلائل النبوة " ٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦ من طريق ابن إسحاق، حدثنا الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله - ﷺ - بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى المقوقس، فقبَّل الكتاب، وأكرم حاطبًا، وأحسن نُزلَهُ، وسَرَّحه إلى النبي - ﷺ -، وأهدى له مع حاطب كسوةً وبغلةً بسرجها وخادمتين، إحداهما أم إبراهيم، وأمَّا الأُخرى، فوهَبَهَا رسول الله - ﷺ - لجهم بن قيس العبدي، فهي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر.
(٣) الذي في " السيرة " ٤/ ٢٥٤ أنَّ المبعوث إلى البحرين العلاء بن الحضرمي.
(٤) أخرجه البخاري (٤٣٤١) و(٤٣٤٥)، من حديث أبي بردة مرسلًا وأخرجه مسلم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى الأشعري، وأخرجه الدارمي ١/ ٧٣ من حديث عبد الله بن عمر.
(٥) في (ش): شيئًا.
(٦) هو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر أبو العباس القرطبي المالكي، المحدث، الفقيه، المتوفى بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ، وهو شيخ القرطبي صاحب التفسير، وشرحه هذا -واسمه " المفهم في شرح مسلم "- لما يطبع، ويكثر النقل عنه الإمامُ النووي، والحافظ ابن حجر. منه جزآن في شستربتي (٣٥٩٢) و(٤٩٣٨)، وأربع أجزاء في أوقاف الرباط (٢٥٣) و(٢٥٤) و(٤١) و(٤٢) و(٦٥).
[ ٤ / ١٠١ ]
إنَّهم أعرضوا عن الطرق التي أرشد الله تعالى إليها إلى طُرُقٍ مبتدعةٍ، ومناقشاتٍ لفظية (١) يرِدُ بسببها على الأخذ فيها شُبَهٌ يُعجَزُ عنها، وأحسنُهُم انفصالًا عنها أجدَلُهُم لا أعلمُهم، فكم من عالمٍ بفساد الشُّبهةِ لا يقوى على حَلِّها، وكم من منفصلٍ عنها لا يُدرِكُ حقيقةَ علمِها.
وقد أنصف الحافظ (٢) المحدِّث ابن خزيمة حينَ ناظر جماعةً من المتكلمين، فقال لمنصور الصيدلاني: ما صنعتك؟ قال: عطَّارٌ، قال: تُحسِنُ صنعَةَ الأساكفة؟ قال: لا، قال: تُحْسِنُ صنعة النجارين؟، قال: لا، قال: فإذا كان العطار لا يُحسِنُ غير ما هو فيه، فما تُنكرونَ على فقيهٍ راوي حديثٍ أنه لا يُحسِنُ الكلام (٣).
وكذا رُوِيَ عن الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه أُخبر بما جرى بنيسابور بين ابن خزيمة وأصحابه، فقال: ما له والكلام، إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلَّم فيما لم نتعلمه (٤)، رواه البيهقي في " الأسماء والصفات " (٥).
وذكر الذهبي: في تاريخ " النبلاء " (٦) في الكلام على المِحنَةِ من ترجمة أحمد بن حنبل أنه كان يناظرُ على الكتاب والسنة. قال صالحٌ عن أبيه: فإذا جاء شيءٌ من الكلام ممَّا ليس في الكتاب والسنة؟ قلتُ: ما أدري ما هذا، انتهى.
_________________
(١) تحرفت في (أ) و(د) إلى: لطيفة.
(٢) في (ش): العالم.
(٣) الخبر في " الأسماء والصفات " للبيهقي ص ٢٦٧.
(٤) في (ب) و(ج): لا نعلمه.
(٥) ص ٢٦٩.
(٦) ١١/ ٢٤٩.
[ ٤ / ١٠٢ ]
وما أحسَنَ الاحتجاج على حُسنِ هذا الأدب بقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، فهذا أمر علماء الحديث غير مدعين له، ولا راغبين فيه (١)، والذي ذكره المحدث هو الذي ذكره رسول الله - ﷺ - في كتبه إلى الخصوم، ومحاوراته للكفار، أو قريبٌ منه، وإنما العلماء ورثة الأنبياء، وعلى الوارث أن يحفظ تراث الموروث، وأيُّ عار على قومٍ لو حضر رسول الله - ﷺ - لكانوا أشبه الخلق به وبأصحابه هديًا وعِلْمًا، وفهمًا وحُكمًا.
وكذلك هم أعلمُ الطوائف بأحواله - ﷺ - الضرورية، وأحوال أصحابه لشدة عنايتهم بمعرفة ذلك، وقطع أعمارهم فيه، وهذه (٢) النكتة النفيسة في التضلع من علم الآثار والإمامة فيه، وبها يسلَمُ المُحدِّثُ من أمرين خطيرين (٣) جليين.
أحدهما: جحد المعلوم من الدين ضرورة، والشك فيه.
وثانيهما: اعتقاد ما ليس بضروري من الدين ضروريًا، كما هو عادة كلِّ فرقةٍ من المبتدعة، فإن كل طائفة منهم قد تَلَقَّوا عن أشياخهم، وأهلِ بلدهم أمورًا نسبها خلفُهم عن سلفهم إلى الدين، وهم عدد كثير، فاعتقدوا أنها ضرورية منه (٤)، ولو كان مثل هذا يوجب الضرورة، تعارضت الضرورات لثبوت مثله في كل بدعة، فتأمل ذلك، فإنه نفيسٌ جدًا.
_________________
(١) سقطت من (أ).
(٢) في (ش): " فهذه "، وفي (ج): " وهذه هي ".
(٣) في (ش) و(ج): " خطرين "، وفي (ش): " جليلين " مكان " جليين ".
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٠٣ ]
وقد رأيتُ بعض الباطنية تمسك بهذا بعينه (١)، وهذا ما لا يعجز عنه أحد ولولا علوم الحديث، والسير، والتواريخ، لاختلط حقُّ ذلك بباطله.
وليس يلزم أن لا يكون في المحدثين أذكى من هذا الذي كُذِبَتْ عليه هذه الحكاية، فالمحدثون يتفاضلون كما أن الصحابة يتفاضلون (٢)، بل قد فاضَلَ الله سبحانه بين الأنبياء ﵈ قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال (٣) موسى في أخيه ﵉: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وانظر إلى ما حَكَى الله سبحانه في سورة هود وغيرها من مجادلات الأنبياء للكفار ومراتبها في الوضوح، وانظر هل يَعْجِزُ محدثٌ عن مثلها، بل عن نقلها بلفظها، وهل يقنع الملحدون بذلك، هيهات إن هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضلُّ أولئك هم الغافلون، بل لم ينفع فيهم (٤) مع ذلك علمُ الكلام، وتحريرُ البراهين.
وما أحسن كلام الغزاليِّ حيثُ قال: إن الله لمَّا عَلِمَ أنَّ في الناسِ مَنْ لا ينفعُه الكتابُ الذي أنزله (٥) الله هُدى للناس، أنزلَ مَعَ الكتاب الحديد فيه بأسٌ شديد لعلمِه أنه لا يُخرِجُ المِراءَ (٦) من أدمغة أهل اللَّجاج إلاَّ الحديدُ، أو كما قال (٧).
_________________
(١) في (ش): بهذه الفتنة.
(٢) في (ش): متفاضلون.
(٣) تحرف في (د) إلى: وقالوا.
(٤) في (ش): ينفعهم.
(٥) في (ش): أنزل.
(٦) تحرفت في (ب) إلى: البراء.
(٧) انظر " القسطاس المستقيم " ص ٩٠.
[ ٤ / ١٠٤ ]
واعلم أن العلة (١) في إضراب الأنبياء ﵈ عن علم الجدل، وتعلُّم صناعات أهل النظر، ما هو إلاَّ قلة جدواه، بل قد وَرَدَ ما يدُلُّ على مَضَرَّتِه، فإنَّ النبي - ﷺ - ضَمِنَ لمن تَرَكَ المِرَاءَ -وهو محقٌّ- ببيتٍ في الجنة (٢)، وقد جربتُ مضرَّته وصرفَه عن الحقِّ، وقد قال الله سبحانه في كتابه: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال سبحانه: ﴿قَدْ فَصَّلنَا الآيَاتِ لِقَومٍ يَعلَمُوْنَ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٣) لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٨ - ٦٩] (٤)، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ (٥) اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِين
_________________
(١) تحرفت في (ب): إلى: اللغة.
(٢) أخرجه الترمذي (١٩٩٣)، وابن ماجة (٥١) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من ترك الكذب -وهو باطل- بُني له قصرٌ في رَبَضِ الجنة، ومن ترك المراء -وهو محق- بُني له في وسطها، ومن حسَّنَ خُلقه، بُنِيَ له في أعلاها " وفي سنده سلمة بن وردان راويه عن أنس، وهو ضعيف، لكن له شاهد من حديث أبي أمامة عند أبي داود (٤٨٠٠) بإسناد صحيح يتقوَّى به.
(٣) من قوله: " وقال تعالى " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) من قوله: " وقال تعالى وإن " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) من قوله: " الله ربنا " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٤ / ١٠٥ ]
يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٥ - ١٦].
وما أوضح قوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ في ذلك، فإن (١) كان المجادل معاندًا مماريًا أعرض عنه، فقد مدح الله المعرضين عن الجاهلين، وأمر بذلك، وذكر في غير آية أعظم الزجر عن الطمع في هدايتهم.
فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وقال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩].
وأمثالها، وقال: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦].
وقال تعالى في ذلك: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (٢) وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
وقال: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ
_________________
(١) في (ب): فإذا.
(٢) من قوله: " غيره إنكم إذًا مثلهم " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٤ / ١٠٦ ]
الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦].
وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ
شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
وقال: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٨ - ٦٩].
وقال (١): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي
_________________
(١) " وقال " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٠٧ ]
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٨ - ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٥ - ١٤٦] وأمثالها.
وإن كان ممن يظهر منه طلب (١) الهداية، خُوطِبَ بما ورد في كتاب الله تعالى عن الأنبياء، فإنهم ﵈ قد بلغوا الغاية في ذلك، ومن يُؤمِن بالله يهدِ قلبه، والله بكل شيء عليم، ومن عَلِمَ الله (٢) فيه خيرًا أسمعه كما قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣].
وقد بين الله تعالى الجدال الذي جادل به (٣) رسوله (٤) - ﷺ - خصومه، وكذلك سائر الأنبياء وهو تفسيرٌ للمجادلة بالتي هي أحسن، فإن الجدال قد ورد مطلقًا ومقيدًا بالتي هي أحسن، والعمل بالمقيد في الأوامر (٥) واجب بالإجماع بخلاف النواهي، ففيه خلافٌ مبينٌ في أصول الفقه.
فإذا أردنا أن نعرف الجدال بالتي هي أحسن (٦) باليقين تتبَّعنا كلامات (٧) الأنبياء صلوات الله عليهم، ولا أصح من كتاب الله تعالى،
_________________
(١) في (ش): طالب.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): جادله.
(٤) في (د): رسول الله.
(٥) " في الأوامر " ساقطة من (د).
(٦) من قوله: " والعمل بالمقيد " إلى هنا ساقط من (ش).
(٧) في (ش): كلمات.
[ ٤ / ١٠٨ ]
ولا أصدق من كلامه.
وقد قال تعالى في بيان ذلك ومراده منه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٩ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج: ٦٧ - ٦٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١) [سبأ: ٤٦ - ٤٧].
وقال تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ (٢) تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤٨ - ٥٠].
_________________
(١) من قوله: " وقال تعالى: قل " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) هي قراءة ابن عامر، وأبي عمرو بن العلاء، وابن كثير، ونافع، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (سِحْرَان تظاهرا). انظر " حجة القراءات " لابن زنجلة ص ٥٤٧.
[ ٤ / ١٠٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] الآية (١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].
وقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤].
وقال (٢) تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
_________________
(١) ليست في (ب).
(٢) في (ش): وقوله.
[ ٤ / ١١٠ ]
وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
وقال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩].
وقال تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٣].
وسمى الله سبحانه ذلك حجة بالنسبة إلى كلامهم الذي هو جواب عليه، وذلك يقتضي أنهم خوَّفوه من أربابهم لأجل توحيده، فخوَّفهم من ربه الحق لأجل شركهم، ولذلك قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١].
ونبه الله تعالى على الكثير الطيب من الأدلة العقلية بأوضح عبارة، وأفصح كلام، وأبلغ بيان.
فمن ذلك قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠]. إلى آخر الآيات.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ٩ - ١٠].
[ ٤ / ١١١ ]
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٧ - ١٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧].
والقرآن العظيم مُفْتَنٌّ في أساليب الردِّ عليهم، وتعليم رسول الله - ﷺ - فتارةً يردُّ بالبراهين العقلية القطعية كقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ على ما مرَّ تقريره في اشتراط رُجحان الداعي في وقوع المقدورات، وتارةً يأتي بما يفحم الخصم، ويُلقِمُهُ الحَجَرَ، كقول إبراهيم ﵇ للقائل: أنا أُحيي وأُميت: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا
[ ٤ / ١١٢ ]
مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ إذ كان المتقرر عند الكافر والمسلم حينئذٍ (١) أن الربَّ هو القادر على التصرف في ذلك، فهذا بالنسبة إلى كلام هذا الكافر من أصحِّ الجدل وأجوده، وهو بالنسبة إلى المؤمن، والناظر لنفسه من أصحِّ البراهين على الله تعالى، لأن حال الكواكب يشهد لصانعها (٢)، وذلك أنها متحركة حركةً مستمرةً بالضرورة، فلو لم تكن مسخَّرةً مدبرة ما صحَّ ذلك أبدًا، لأنها إما حيوانٌ أو لا، والحيوان المختار يحترك (٣) مرةً، ويسكن أخرى، ويحتركُ مرةً يمينًا، ومرةً شمالًا، ومرةً حركةً (٤) سريعةً، ومرةً حركةً بطيئة، والجماد لا يحترك البتة إلاَّ بمحرِّكٍ، وقد تحيَّر الفلاسفة في هذا، وأنشد ابن أبي الحديد في كلامهم فيه أبياتًا في شرح (٥) " النهج " أولها:
تحيَّر (٦) أربابُ النُّهي وتبلَّدُوا من الفَلَكِ الأقصى لِماذا تَحَرَّكا
فسبحان من أودع كتابه الكريم أصحَّ البراهين، و(٧) أوضح الآيات.
وتارة ورد بالوعيد كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٩ - ٣٠].
وتارةً جاء بالمباهلة، وهي الملاعنة، ومنه مسألة المباهلة في
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): تشهد بصانعها.
(٣) في (ج): يتحرك
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) " شرح " ساقطة من (ش).
(٦) تصحفت في (ب) إلى: تخير.
(٧) الواو ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١١٣ ]
الفرائض، وهي مسألة العول (١)، أراد ابن عباس أن يُباهل فيها من خالفه، وقد باهل غيرُ واحد، وطلب المباهلة غير واحد، قال الله تعالى في ذلك: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].
وتارة أمره (٢) بمعارضة قولهم بمجرد النص على تكذيبه أو ما يقتضيه مع ما تقدم من حجة المعجزة من غير ذكرٍ للحجة، كقوله لما قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٦ - ١٨].
وتارةً أمره بالصبر من دون أمرٍ آخر، كقوله لما قالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٦ - ١٧].
وتارةً أمره بالاستعاذة بالله كما ورد في الأحاديث المتقدمة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] وأمثال ذلك.
وتارةً وَرَدَ (٣) بالتسلية للنبي - ﷺ -، والنهي له عن الاحتفال بهم،
_________________
(١) العول: هو زيادة في السهام ونقصان في أنصباء الورثة. وأخرج ابن أبي شيبة ١١/ ٢٨٢ من طريق وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: الفرائض لا تعول. وأخرجه الدارمي ٢/ ٣٩٩ من طريق سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: " الفرائض من ستة لا نعيلها ". وانظر " المغني " ٦/ ١٨٤ لابن قدامة المقدسي.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ج) و(د): وورد.
[ ٤ / ١١٤ ]
كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٢ - ٣٥].
وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وقال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٢ - ٥٣].
وقال تعالى (١): ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨ - ٦٠].
فالعالم يتأسَّى برسول الله - ﷺ -، ويتَّعِظُ بمواعظ الله ولا يكبُرُ عليه إعراضُ المعرضين (٢)، ولا يطمع في هداية المعاندين المتمردين إلاَّ من شاء اللهُ ربُّ العالمين.
وانظر كيف حكى الله تعالى إصرارهم على المجاحدة يوم القيامة بما
_________________
(١) " وقال تعالى " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " المعترضين "، وهو خطأ.
[ ٤ / ١١٥ ]
لا يمكن لمتأوله تأويله، وذلك قولهم (١) لجوارحهم حين أنطقها الله: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
فَمَنْ بَلَغَ هذا الحدِّ في العناد واللَّجاج، كيف يطمعُ السُّنيُّ أو الجَدَليُّ أن يهديه ويُفحِمَه ويُقرِّره بالحق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨ - ٦٠].
ولهذا وعد الله بالفصل بين المختلفين يوم القيامة، وسمَّاه يوم الفصل، والمتكلم المغفل يحاول أن يكون الفصل بين الخلق على يديه، وأن يجعل يوم الفصل على زعمه، وأن يُشغل نفسه والمسلمين في غير فائدة، بل ربما ورد السمع بأن فيه مضرة، والحكيم الخبير قد أنبأنا عن عناد كثيرٍ من الخلق بل أكثرهم بما لم نكُن نعرفه لولا تعريفه.
فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١].
_________________
(١) في (ب): كقولهم.
[ ٤ / ١١٦ ]
بل قال تعالى في حق أهل النار بعد مشاهدتها يوم القيامة: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقد تأوَّلها بعض المعتزلة بما أفاد من جهله بالعقل والسمع ما لم يكن يظنه لولا تأويله، وكم من جاهلٍ في كشف ما ستره الله من مساوئه، نسأل الله الستر والعافية.
فالحكمة أن يُوكَلَ الخلقُ إلى خالقهم العالم بسرائرهم، القادر على تصريفهم الذي جعل نفوذ مشيئته فيهم أعظم من قيام القيامة، ومشاهدة كل آيةٍ، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١].
وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
وقال (١): ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].
وقال في الوجه في ترك هداية بعض من تركه، وبيان حكمته في ذلك: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
وقال رسول الله - ﷺ - في الوجه في ترك هداية بعضهم: " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون، فيستغفرون فيُغفرُ لهم " (٢).
_________________
(١) " وقال " ساقطة من (ب) و(ش) و(د).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٤٩)، وأحمد ٢/ ٣٠٤ و٣٠٩، والترمذي (٢٥٢٦)، والحاكم ٤/ ٢٤٦، والبغوي (١٢٩٤) و(١٢٩٥) من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد ٣/ ٢٣٨ من حديث أنس، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٢١٥ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله ثقات. وأخرجه مسلم (٢٧٤٨) من حديث أبي أيوب الأنصاري. =
[ ٤ / ١١٧ ]
وقال الله تعالى في حكمته في كثيرٍ منهم أو في نحوها مُخاطبًا للملائكة ﵈: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وقال تعالى في إقامة الحجة عليهم بخلق العقول، وبعثة الرسل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
فبهذه (١) الآيات وأمثالها يعرف السُّنيُّ ما يأتي وما يذرُ، ويستغني عن علم الكلام، ودقيق النظر، وقد ظهر الآن للمعترض رجوع فيهقتِه (٢) عليه، وخروج الحق من يديه، حيث قال في ترك علم (٣) الكلام: إنه مكيدة للدين، لا والله ما كاد الدين من احتجَّ بالقرآن، وعقل ما فيه من البُرهان، واقتدى برسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي أقسم أصدق القائلين إنه على صراطٍ مستقيم، ولو كان ذلك يا بطَّال (٤) مكيدة للدين، لكان سيد المرسلين أول من كاد الدين (٥)، وكذلك جميع الصحابة والتابعين، وهذا آخر ما أردت الإشارة إليه من جُمَلِ عقائد المحدثين، وهم الطائفة الأولى.
_________________
(١) = وأخرجه البزار (٣٢٥١) من حديث أبي سعيد الخدري. قال الهيثمي ١٠/ ٢١٥: فيه يحيى بن كثير البصري، وهو ضعيف.
(٢) في (ب) و(ش): فهذه.
(٣) تحرفت في (ش) و(د) إلى: فيقهته.
(٤) ليست في (ب).
(٥) " يا بطالُ " ليست في (ج).
(٦) " الواو" ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١١٨ ]
الطائفة الثانية: أهل النظر فى علم الكلام
الطائفة الثانية: أهل النظر في علم الكلام، والمنطق، والمعقولات وهم فرقتان: أحدهما الأشعرية، وكُتُبُهُم مشهورةٌ في ديار الشيعة، وقد نقلتُ جُلَّ كلامهم في مسألة أفعال العباد، والأطفال، وتكليف ما لا يُطاق، والإرادة، ونفي الداعي (١) عن أفعال الله تعالى، وفي التحسين (٢) والتقبيح، وهذا جُلُّ ما يُخالفون فيه.
الفرقة الثانية من المتكلمين منهم الأثرية كابن تيمية (٣) وأصحابه، فهؤلاء من أهل الحديث لا يُخالفونهم إلاَّ في استحسان الخوض في الكلام، وفي التجاسُر على بعض العبارات (٤)، وفيما تفرَّدُوا به من الخوض في الدقائق (٥) الخفيات، والمحدِّثون ينكرون ذلك عليهم؛ لأنه ربما أدى ذلك (٦) إلى بدعةٍ، أو قدحٍ في سُنَّةٍ.
وأنا أُوردُ شيئًا يسيرًا من كلامهم يشير (٧) إلى طريقتهم في النظر، فمن أخصر ما يليقُ بهذا الموضع ألفاظٌ مُختصرةٌ من جواب مسألةٍ لشيخ الحنابلة العلاَّمة المتكلم أحمد بن تيمية الحراني، ﵀، وقد يعرض فيها من الألفاظ الشنيعة ما تعافه نفوسُ المؤمنين، ولكنه لا بأس بذكرها عند أهل الجدل للحاجة مع حُسن القصد كما قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، وكما حكى الله تعالى عن اليهود من نسبة
_________________
(١) في (ش) و(ج): الدواعي.
(٢) في (ج): ونفي التحسين.
(٣) في (ش): منهم ابن تيمية.
(٤) في (ش): الكلام.
(٥) في (ش): دقائق.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) " من كلامهم يشير " ساقط من (ش).
[ ٤ / ١١٩ ]
جواب ابن تيمية على المسألة التدمرية بأصلين
أحدهما: أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض
الولد، ونسبة الفقر إليه، تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، وكما حكى (١) عن (٢) النصارى من التثليث، وعن سائر طوائف الكفر حتى قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، ثُمَّ عاملهم يوم القيامة بالعدل في إحضار الشهود والكتب والميزان.
قال الشيخ العلامة الحافظ شيخ الحديث والكلام (٣) أحمد بن تيمية الحرَّاني الحنبلي في أثناء جواب المسألة المعروفة بالتدمرية (٤) لورودها من تدمر ما لفظه -بعد حذف قطعة من أول كلامه للاختصار-:
ويتبيَّنُ هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين (٥) -ولله المثل الأعلى (٦) - وخاتمة.
أمَّا الأصلان:
فأحدهما: أن يُقال (٧): القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإن كان المخاطبُ ممَّن (٨) يُقِرُّ بأنَّ الله حيٌّ بحياةٍ، عليمٌ بعلم، قديرٌ بقُدرة، سميعٌ بسمعٍ، بصيرٌ ببصر، متكلمٌ بكلام، مريدٌ بإرادة، ويجعل ذلك كلَّه حقيقةً، وينازع في محبته، ورضاه، وغضبه، وكراهته، فيجعل ذلك مجازًا، ويُفسِّرُه إمَّا بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (د).
(٤) يبدأ النقل فيها من ص ٢٠ إلى ص ٩٢.
(٥) " الواو" ساقطة من (ش).
(٦) " ولله المثل الأعلى " ليست في " التدمرية ".
(٧) في (ش): تقول.
(٨) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٢٠ ]
قيل له: لا فرق بين ما نفيتَه وبين ما أثبتَّه.
فإن قلت (١): إنَّ إرادته مثلُ إرادة المخلوقين، فكذلك (٢) محبتُه ورضاه وغضبُه، وهذا هو التمثيل.
وإن قلت: إرادةٌ تليقُ به.
قيل له: وكذلك له محبةٌ، ورضًا، وغضبٌ يليق به.
فإن قال: الغضب غليانُ دم القلب لطلب الانتقام.
قيل له: والإرادة ميل (٣) النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرَّةٍ.
فإن قلت: هذه إرادةُ المخلوق.
قيل لك: وهذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم بالقول (٤) في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقُدرته.
فإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلاَّ ما يختصُّ بالمخلوقين، فيجب نفيُه عنه.
قيل له: وهكذا السمع، والبصر، والكلام، والعلم، والقدرة.
فإن قال (٥): تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل، [الحادث] دلَّ على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دلَّ على العلم، وهذه الصفات مُستلزمة للحياة، والحيُّ لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضدِّ ذلك.
_________________
(١) في (ش): قيل.
(٢) في (ب): وكذلك.
(٣) في (د): ميلان.
(٤) في المطبوع من " التدمرية ": القول.
(٥) في (ش): قيل.
[ ٤ / ١٢١ ]
قال له سائر أهل (١) الإثبات لك جوابان:
أحدهما: أن يُقال: عدم الدليل [المعين] لا يستلزِمُ عدم المدلول المعين، فهب (٢) أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يُثبته، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليلُ كالمثبت، والسمع قد دلَّ عليه، ولم يعارض ذلك معارِضٌ عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض.
الثاني: أن يُقال: يُمكنُ إثبات هذه الصفات: بنظير ما أثبت به (٣) تلك من العقليات -إلى قوله-: وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات (٤)، ويُقِرُّ بالأسماء كالمعتزلي الذي يقولُ: إنه حيٌّ عليمٌ قديرٌ، وينكر أن يتَّصف بالحياة والعلم والقدرة (٥)
قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات، فإنَّك إن قلت: إثبات الحياة، والعلم، والقدرة (٦) يقتضي تشبيهًا أو تجسيمًا لأنَّا لا نجدُ في الشاهد مُتَّصفًا بالصفات إلاَّ ما هو جسمٌ.
قيل لك: ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى: حيٌّ عليم قديرٌ إلاَّ ما هو جسمٌ، فإن نفيت ما نفيت لكونك (٧) لم تجده في الشاهد إلاَّ لجسمٍ فانفِ الأسماء، بل وكُلَّ شيءٍ، لأنك لا تجدُه في الشاهد إلاَّ لجسمٍ (٨)،
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في المطبوع من " التدمرية ": فثبت.
(٣) ساقطة من (د).
(٤) من قوله: " بنظير " إلى هنا ساقط من (ب).
(٥) في (ش): والقدرة والعلم.
(٦) من قوله: " قيل له " إلى هنا ساقط من (ب).
(٧) تحرفت في (ب) إلى: " لك وبك "، وفي (د): إلاَّ لكونك.
(٨) في (ش): " الجسم "، وفي المطبوع من التدمرية: " للجسم ".
[ ٤ / ١٢٢ ]
فكل ما يحتج به من نفي الصفات، يحتجُّ به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا (١) لذلك، كان جوابًا لهذا.
أقول: للمعتزلة كلام في الفرق بين المعاني التي تحتاج إلى محل كالقدرة والعلم، وبين الصفات كالعالم والقادر، وقد نازعهم الرازي في صحة التفرقة بكلامٍ طويلٍ ليس هذا موضع ذكره، وذكر جوابه وتنقيح القوي، وأمَّا ابنُ تيمية فإنما أراد أن يردَّ على من ألزمه التشبيه بإثبات الصفات بالنظر إلى هذا الإلزام من هذا الوجه فقط، ولم يتعرض لسائر أدلة المعتزلة، والله أعلم.
قال ابن تيمية: وإن كان المخاطب من الغُلاة نفاة الأسماء والصفات، وقال: لا أقول: هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي (٢) مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم.
قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.
فإن قال: أنا (٣) أنفي النفيَ والإثبات.
قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنَّه يمتنع أن يكون الشيءُ موجودًا معدومًا (٤)، أو لا موجودًا، و(٥) لا معدومًا.
_________________
(١) في (ش): جوابنا.
(٢) في " التدمرية ": إذ هي.
(٣) في (ش): إنِّي.
(٤) في (ش): ومعدومًا.
(٥) في (أ) و(ب): أو.
[ ٤ / ١٢٣ ]
فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والمَلَكَةِ لا تقابُلَ السلب والإيجاب، فإنَّ الجدار لا يُقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذْ ليس بقابلٍ لهما.
قيل لك: أولًا: هذا لا يصح في العدم والوجود، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء فيلزم (١) من رفع أحدهما ثبوت الآخر، وأمَّا ما ذكرته من الحياة، والموت، والعلم، والجهل، فهذا اصطلاحٌ اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون، والاصطلاحاتُ اللفظية ليست دليلًا على الحقائق العقلية، وقد قال الله (٢) تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم.
وقيل لك ثانيًا: فما لا يقبل الاتصاف (٣) بالحياة والموت، والعمى والبصر ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبلُ الاتصاف (٤) بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما، فأنت فررت (٥) من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات (٦) التي لا تقبل ذلك.
وأيضًا فما لا يقبَلُ الوجود والعدمَ أعظمُ امتناعًا من القابل لهما، ومن
_________________
(١) في (ش): فلزم.
(٢) ساقطة من (د).
(٣) تصحفت في (ب) إلى: الإنصاف.
(٤) تصحفت في (ب) إلى: الإنصاف.
(٥) تحرفت في (ب) إلى: قدرت.
(٦) في (أ): الجامدات.
[ ٤ / ١٢٤ ]
اجتماعهما ونفيهما جميعًا، فما نفيت عنه قبولهما، كان أعظم امتناعًا مما نفيتهما، وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول، كان هذا أعظم امتناعًا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل (١) العدم، هو أعظم الممتنعات (٢) وهذا غاية التناقض والفساد.
وقيل له أيضًا: اتفاق المسمّين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات (٣)، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق فما (٤) يختصُّ بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يجوز أن يَشْرَكَهُ (٥) مخلوق في شيء من خصائصه ﷾.
وأما ما نفيته، فهو ثابتٌ بالعقل والشرع، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهَّال الذين يظنون أن كل معنى سماه مُسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه، ولو شاع هذا لكان كل مُبطلٍ يسمي (٦) الحق بأسماءٍ ينفر عنها بعض الناس ليكذب الناسُ بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقلهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغيِّ والضلالة.
وإن قال نُفاةُ الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيبٌ ممتنعٌ.
_________________
(١) من قوله: " ذلك وأيضًا " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): من الممتنعات.
(٣) في (ش): السمعية والعقلية.
(٤) في "التدمرية": فيما.
(٥) " فيه مخلوق ولا يجوز أن يشركه " ساقطة من (ب).
(٦) في (ش): سمى.
[ ٤ / ١٢٥ ]
الأصل الثاني: أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات
قيل: وإذا قلتم: هو موجودٌ واجب، وعقل وعاقل ومعقول، فليس (١) المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا.
فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تُثبتونه وتسمونه توحيدًا.
فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة، وليس هذا تركيبًا ممتنعًا.
قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيدٌ في الحقيقة، وليس هذا (٢) تركيبًا ممتنعًا، وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لِما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئًا فرارًا (٣) مما هو محذورٌ، إلاَّ وقد أثبت ما يلزمه فيه نظيرُ ما فرَّ منه، فلا بد في آخر الأمر من (٤) أن يثبت موجودًا واجبًا قديمًا (٥) مُتَّصفًا بصفاتٍ تُميِّزُهُ عن غيره، ولا يكون فيها (٦) مماثلًا لخلقه.
فيقال له: هكذا القول في جميع الصفات، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلا بد أن يدل على قدرٍ تتواطأُ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فُهِمَ الخطاب، ولكن يُعلم أن ما اختص الله به، وامتاز به عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال، ويدور في الخيال. وهذا يتبين (٧).
الأصل الثاني: وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في
_________________
(١) في " التدمرية ": أفليس.
(٢) في " التدمرية ": هو.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): وقديمًا.
(٦) تحرفت في (ش) إلى: فيهما.
(٧) تصحفت في (ب) إلى: تبيين.
[ ٤ / ١٢٦ ]
الذات، فإنَّ الله ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذاتٌ حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات (١) متصفة بصفاتٍ حقيقةً لا تُماثِلُ صفات سائر الذوات.
فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟
قيل له: كما قال ربيعةُ ومالك وغيرهما (٢): الاستواء معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عن الكيفية بدعة (٣)، لأنه سؤالٌ عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟
قيل له: كيف هو؟
فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته.
قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابعٌ له، فكيف تُطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تُقِرُّ بأن له ذاتًا (٤) حقيقة ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) ذكره من قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن -أستاذ مالك بن أنس- البيهقيُّ في " الأسماء والصفات " ص ٤٠٨. وأورده من قول الإمام مالك: اللالكائي ٣/ ٣٩٨، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٣٢٥، والدارمي في " الرد على الجهمية " ص ٣٣ والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٤٠٨، وابن حجر في " الفتح " ١٣/ ٤٠٦، وجوَّد ابن حجر أحدَ أسانيده. وأورده من قول أم سلمة. اللالكائي ٣/ ٣٩٧، وفي سنده محمد بن أشرس السلمي وهو متهم في الحديث، تركه غير واحد.
(٤) ساقطة من المطبوع من " التدمرية ".
[ ٤ / ١٢٧ ]
الكمال لا يُماثِلُها شيءٌ، فسمعُه وبصرُه وكلامُه ونزوله واستواؤه هو ثابت في نفس الأمر، وهو مُتصف بصفات الكمال التي لا يُشابهُهُ فيها سمع المخلوقين، وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم، وهذا الكلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا، ونفى شيئًا بالعقل، إذًا أُلزم (١)، فيما نفاه من الصفات (٢) التي جاء بها الكتابُ والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته ولو (٣) طُولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا، لم يجد بينهما فرقًا، ولهذا لا يوجد (٤) لنُفاة بعض الصفات دون بعض الذين يُوجبون فيما نَفَوه إمَّا التفويض وإمَّا التأويل المخالف لمقتضى اللفظ قانونٌ مستقيم.
فإذا قيل لهم: لم تأوَّلتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جوابٌ صحيح، فهذا تناقضُهم في النفي، وكذلك تناقضُهم في الإثبات، فإن (٥) من تأوَّل النصوص على معنىً من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص من المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في المعنى المصروفِ إليه ما كان يلزَمُهم في المعنى المصروف عنه.
فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه، وغضبه وسخطه هو إرادتُه للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظيرُ ما يلزَمُه في الحُبِّ والمَقْتِ، والرِّضا والسخط.
_________________
(١) في (ب): " لزم " وهو خطأ.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) " لو" ساقطة من الأصول، واستدركت من المطبوع من " الرسالة التدمرية " ص ٣٠.
(٤) " لا يوجد " ساقطة من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٢٨ ]
ولو فسر ذلك بمفعولاته، وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب، فإنه يلزَمُه في ذلك نظيرُ ما فَرَّ منه. فإنَّ الفعل المعقول (١) لا بُدَّ أن تقوم أولًا بالفاعل، والثوابُ والعقاب المعقول (٢) إنما يكون على فعل ما يُحبُّه ويرضاه، ويَسْخَطُه ويَبْغَضُه المثيب المعاقِبُ فهُم إن أثبتوا الفعل (٣) على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد، مثَّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات.
وأمَّا المثلان المضروبان -إلى قوله في المثل الأول-: وهو دارُ الآخرة، وما اشتملت عليه مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر (٤)، والله سبحانه لا تُضربُ له الأمثال التي فيها مُماثلةٌ لخلقه، فإن الله لا مِثْلَ (٥) له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك (٦) هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في (٧) قياس شمولٍ يستوي أفراده، ولكن يُستعملُ في حقِّه المثل الأعلى وهو أن كل ما اتصف
_________________
(١) في (ش): المفعول، وسقطت من المطبوع من التدمرية.
(٢) في المطبوع من " التدمرية ": المفعول.
(٣) ساقطة من الأصول، وأثبتت من " الرسالة التدمرية " ص ٣١.
(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري (٣٢٤٤) و(٤٧٧٩) و(٤٧٨٠) و(٨٤٩٨)، ومسلم (٢٨٢٤)، وأحمد ٢/ ٣١٢ - ٣١٣ و٣٦٩ - ٣٧٠ و٤٠٧ و٤١٦ و٤٣٨ و٤٦٢ و٤٦٦ و٤٩٥ و٥٠٦، والترمذي (٣١٩٧) و(٣٢٩٢)، وابن ماجة (٤٣٢٨)، والدارمي ٢/ ٧٢٨ و٧٣١. ولفظ البخاري: " قال الله: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، فاقرؤوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ". وأخرجه من حديث المغيرة بن شعبة: مسلم (١٨٩). وأخرجه من حديث سهل بن سعد الساعدي: مسلم (٢٨٢٥)، وأحمد ٥/ ٣٣٤.
(٥) في المطبوع من " التدمرية ": مثيل.
(٦) في المطبوع: يشرك.
(٧) " في " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٢٩ ]
به المخلوق (١) من كمالٍ فالخالق أولى به، وكل ما يُنَزَّهُ عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزيه (٢) عنه.
فإذا كان المخلوق (٣) مُنَزَّهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن يُنَزَّه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقةٌ في الاسم، وهكذا نقول في المثل الثاني، وهو الروحُ التي فينا، فإنها قد وُصِفَتْ بصفاتٍ ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوصُ أنها تعرُجُ من سماءٍ إلى سماءٍ، وأنها تُقْبَضُ من البدن، وتُسَلُّ منه (٤) كما تُسَلُّ الشعرة من العجين، والناس مضطربون فيها:
فمنهم طوائف من أهل الكلام (٥) يجعلونها جُزءًا من البدن، أو (٦) صفةً من صفاته كقول بعضهم: إنَّها النفس أو الريح الذي يتردَّدُ (٧) في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة، أو المِزَاجُ، أو نفس البدن (٨).
وفيهم (٩) طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، فيقولون: لا هي داخل (١٠) البدن، ولا مباينةٌ له، ولا
_________________
(١) تحرفت في (د) إلى: المخلوقين.
(٢) في (ش): بالتنزه.
(٣) من قوله: " من كمال " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) تحرفت في (ب) إلى: الكتاب.
(٦) في (ش): و.
(٧) في " المطبوع ": " التي تردد "، والريح مؤنثة على الأكثر، وقد تذكر على معنى الهواء، فيُقال: هو الريح، وهبَّ الريحُ، نقله أبو زيد، كما في " المصباح المنير ".
(٨) ساقطة من (ش).
(٩) في المطبوع: ومنهم.
(١٠) في المطبوع: داخلة في البدن ولا خارجة.
[ ٤ / ١٣٠ ]
مداخلةٌ، ولا متحركة، ولا ساكنة، ولا تصعد، ولا تهبِطُ، ولا هي جِسمٌ ولا عَرَضٌ.
وقد يقولون: إنَّها لا تُدرِكُ الأمور المعينة، والحقائق الموجودة في الخارج، وإنَّما تدرك الأمور الكلية المطلقة.
وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له (١)، ولا مداخلة له (٢)، وربما قالوا: ليست داخلةً في أجسام العالم ولا خارجةً عنها مع تفسيرهم للجسم بما يقبلُ الإشارة الحسِّيَّة، فيصفونها بأنه (٣) لا يمكنُ الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع.
وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنعٌ في ضرورة العقل.
قالوا: بل هذا ممكنٌ بدليل أن الكليات موجودة، وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلاَّ في الأذهان لا في الأعيان فيعتمدون في ما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال (٤) الذي لا يخفى فسادُه على غالب الجهال (٥).
واضطرابُ النفاة والمثبتة في الروح كثيرٌ، وسببُ ذلك أن الروح التي تُسمَّى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة ليست هي من جنس هذا البدن، ولا
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في المطبوع: بأنها.
(٤) في الأصول: " الحال "، والمثبت من المطبوع.
(٥) في (ش): " الجُهُّل ". قلت: وفي " القاموس ": جُهْل، وجُهُل، وجُهَّل، جمع جاهل.
[ ٤ / ١٣١ ]
من جنس العناصر والمُوَلَّدات (١) منها (٢)، بل هي (٣) من جنسٍ آخر مخالفٍ لهذه الأجناس (٤)، فصار هؤلاء لا يُعرِّفونها إلاَّ بالسَّلُوب التي (٥) لا يوجبُ مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة وكلا القولين خطأ، وإطلاق القول عليها بأنها جِسْمٌ أو ليست بجسم يحتاجُ إلى تفصيلٍ، فإنَّ لفظ الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غيرُ معناه اللغوي، فأهل اللغة يقولون: الجسمُ: هو الجسدُ والبَدَنُ (٦)، وبهذا الاعتبار فالرُوح ليس جسمًا، ولهذا يقُولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
وأما أهلُ الكلام فمنهم من يقولُ: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المُرَكَّبُ من المادة والصورة، وكل (٧) هؤلاء يقولون: إنَّه مشارٌ إليه إشارةً حسيةً.
ومنهم من يقول: ليس بمركبٍ لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه، ويقال: إنه هنا أو هناك، فعلى هذا إذا كانت الروح مما يشار إليه (٨) ويتبعُهُ بصرُ الميت، كما قال - ﷺ -: "إنَّ الروح إذا خَرَجَ تَبِعَه
_________________
(١) في (ش): المولودات.
(٢) ساقطة من (د).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في الأصول: " الذي "، والمثبت من المطبوع.
(٦) من قوله: " يحتاج إلى تفصيل " إلى هنا ساقط من (ش).
(٧) " الواو" ساقطة من (ش).
(٨) من قوله: " ويقال إنه " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ١٣٢ ]
البَصَرُ" (١) وأنها تُقْبَضُ ويُعرَجُ بها إلى السماء (٢)، كانت الروحُ جسما بهذا الاصطلاح.
والمقصود أنَّ الروح إذا (٣) كانت موجودة (٤) حية عالمة قادرة سميعة بصيرة تصعد وتنزِلُ، وتذهب وتجيءُ ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تُدْرَكُ حقيقتُه إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح مُتَّصفةً بهذه الصفات مع مُماثلتها لما يُشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقُّه من أسمائه وصفاته، وأهلُ العقول أعجزُ عن أن يحدوه أو يُكيفوه منهم عن أن يحُدُّوا الروح أو يكيفوه (٥)، فإذا كان من نفي صفات الروح جاحدًا مُعَطِّلًا لها، ومن مثَّلها بما يُشاهدُهُ من المخلوقات جاحدًا لها، ممثلًا لها بغير شكلها وهي مع ذلك ثابتةٌ بحقيقة الإثبات (٦) مستحقةٌ لما لها من الصفات، فالخالق ﷾ أولى أن يكون من نفي صفاته جاحدًا معطلًا، ومن قاسه بخلقه جاهلًا به (٧) ممثلًا، وهو سبحانه ثابتٌ بحقيقة الإثبات مستحقٌّ لما له من الأسماء والصفات.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٢٠)، وابن ماجة (١٤٥٤)، والبغوي (١٤٦٨) من حديث أم سلمة، بلفظ: " إن الروح إذا قُبِضَ تَبِعَه البَصَرُ ".
(٢) قطعة من حديث مُطوَّل صحيح عند أبي داود (٤٧٥٣)، وأحمد ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨ و٢٩٥ - ٢٩٦ من حديث البراء بن عازب، وصححه الحاكم ١/ ٣٧ - ٤٠، وأقرَّه الذهبي.
(٣) في (ش): إن.
(٤) ساقطة من (د).
(٥) من قوله: " منهم " إلى هنا ساقط من (ج).
(٦) من قوله: " فإذا كانت الروح " إلى هنا ساقط من (ب) و(ش) و(د).
(٧) " به " ساقطة من (د).
[ ٤ / ١٣٣ ]
فصل: الخاتمة الجامعة وفيها قواعد نافعة
القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي
فصلٌ: وأمَّا الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة.
القاعدة الأولى: إن الله سبحانه موصوفٌ بالإثبات والنفي، فالإثبات كإخباره سبحانه أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميعٌ بصير ونحو ذلك.
والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال إلاَّ إذا تضمَّن إثباتًا؛ لأن النفي المحض عدمٌ محضٌ (١)، والعدم المحض ليس بشيءٍ، وما ليس بشيء هو (٢) كما قيل: ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا وكمالًا (٣)، ولأنَّ النفي المحض يُوصَفُ به المعدوم والممتنع، وهما لا يُوصفان بمدحٍ ولا كمالٍ، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدحٍ كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإنه يتضمن كمال الحياة والقيام، وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإنه مستلزم لكمال قُدرته وقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] مستلزم لعلمه بكل ذرة، وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] (٤) مستلزمٌ كمال القدرة ونهاية القوة، وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قال أكثر العلماء، ولم ينف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدحٌ، وإلا لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش) مكان: "وما ليس بشيء هو": "فهو".
(٣) في المطبوع: أو كمالًا.
(٤) من قوله: " مستلزم لكمال " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ١٣٤ ]
في كونه لا يُحاط به وإن رُئي (١)، كما أنه لا يُحاط به، وإن عُلمَ، فكما أنه إذا عُلِمَ لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئيَ لا يُحاطُ به رؤيةً، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفه كمال.
وإذا تأملت، وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يَصِفِ (٢) الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلاَّ بالسُّلوب، لم يُثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا، وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنَّه لا يتكلمُ و(٣) لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباينٍ للعالم، ولا محايثٍ (٤) له إذ هذه الصفات يمكن أن يوصَفَ بها المعدوم، وليست هي مُستلزمةً صفة ثبوت.
ولهذا قيل لمن ادَّعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تُثبتُه، وبين المعدوم.
وكذلك كونه لا يتكلم ليس فيه صفةُ مدحٍ ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيهٌ له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتَّصفُ به إلاَّ المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلاَّ الجماد أو الناقصُ، فمن قال: لا هو مباينٌ للعالم ولا مداخلٌ له، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائمٌ بنفسِهِ ولا بغيره، ولا قديمٌ ولا مُحْدَثٌ، ولا متقدمٌ على العالم ولا مقارنٌ له، ومن قال: إنَّهُ ليس بحيٍّ ولا سميع، ولا بصيرٍ، ولا
_________________
(١) " وإن رئي " ساقط من (ش).
(٢) في (ش): يوصف.
(٣) في " التدمرية ": أو.
(٤) في (ش): مجانب.
[ ٤ / ١٣٥ ]
متكلمٍ، لزمه أن يوصف بنقائضها من الموت والصَّمم والعمى والبكم.
فإن قال: العمى عدم البصر عمَّا (١) شأنُه أن يقبل البصر، وما لم يَقبَلِ البصر كالحائط لا يُقالُ له: أعمى ولا بصير.
قيل له: هذا اصطلاحٌ اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعُجمة، قال الله تعالى في صفة الأصنام: ﴿أمواتٌ غيرُ أحياءٍ﴾ [النحل: ٢١].
وأيضًا فكلُّ موجود يقبلُ الاتصاف بهذه الأمور ونقائِضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيًّا كما جعل عصا موسى حيَّةً ابتلعت الحبال والعِصِيَّ.
وأيضًا فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا ممَّا يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد (٢) الذي لا يوصفُ بالبصر، ولا العمى، ولا الكلام، ولا الخرس أعظم نقصًا من الحيِّ الأعمى الأخرس.
فإذا (٣) قيل: إنَّ الباري لا يمكن اتصافه بذلك لأجل هذه العلة، كان في (٤) ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وُصِفَ بالخرس والعمى
_________________
(١) في (ش): عما من.
(٢) في (ش): والجماد.
(٣) في (ش): فإن.
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٣٦ ]
والصمم، ونحو ذلك، مع أنه إذا جُعِلَ غير قابل لهما كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبلُ الاتصاف بواحدٍ منها، فكيف يُنكِرُ من قال بذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيهٌ بالحي، وليس بتشبيهٍ (١).
وأيضًا فنفسُ نفي هذه الصفات نقصٌ، كما أنَّ إثباتها كمالٌ، فالحياة من حيث هي هي مع قطع النظرعن تعيين الموصوف بها صفةَ كمالٍ.
وكذلك العلمُ، والقدرةُ، والسمع، والبصر، والكلام، والفعل ونحو ذلك، وما كان صفة كمالٍ فهو ﷾ أحقُّ أن يتَّصف به من المخلوقات، فلو لم يتَّصِف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
واعلم أن الجهميَّة المحضة كالقرامطة، ومن ضاهاهم ينفُون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين حتى يقولوا: ليس بموجود، ولا ليس بموجود، ومعلومٌ أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول كالجمع بين النقيضين.
وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليسَ بحيِّ، ولا سميع، ولا بصير، وهؤلاء أعظمُ كفرًا من أولئك من وجه، وأولئك أعظمُ كفرًا من هؤلاء من وجه.
فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت، والصَّمَمِ، والبَكَمِ، قالوا: إنَّما يلزم ذلك لو كان قابلًا لذلك، وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا.
_________________
(١) عبارة " التدمرية ": فكيف من قال ذلك على غيره مما يزعم أنه تشبيه بالحي.
[ ٤ / ١٣٧ ]
القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به
وكذلك من ضاهي هؤلاء، وهم الذين يقولون ليس بداخل العالم ولا بخارجه. إذا قيل لهم: هذا ممتنعٌ في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديمٍ، ولا محدثٍ، ولا واجب، ولا ممكن، ولا قائم بنفسه، ولا قائم بغيره، قالوا: هذا إذا كان قابلًا لذلك، والقبول إنَّما يكونُ من المتحيز، فإذا انتفى التحيُّزُ (١) انتفى قبول هذين المتناقضين.
فيقال لهم: علمُ الخلق بامتناع هذين النقيضين، هو علمٌ مطلقٌ لا يُستثنى منه (٢) موجود، والتحيز المذكور إن أريد به (٣) كونُ الأحياز الموجودة محيطةً به، فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات أي مباين لها متميزٌ عنها، فهذا هو الخروج، فالمتحيز يراد به تارةً ما هو داخل العالم، وتارةً ما هو خارجه، فإذا قيل: ليس بمتحيزٍ، كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه، فهم غيَّروا العبارة، فيتوهم من لا يفهم حقيقة قولهم أنَّ هذا معنىً آخر، وهو المعنى الذي عُلِمَ فسادُه بضرورة العقل، كما فعل أولئك في قولهم: ليس بحيٍّ، ولا ميت، ولا موجود، ولا معدوم، ولا عالم، ولا جاهل.
القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربِّه فإنَّه يجب الإيمان به، سواء عَرَفنا معناه أو لم نعرف، فما جاء في الكتاب والسنة، وجب الإيمانُ به، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، وما تنازع فيه المتأخرون فليس على أحد، بل ولا له أن يُوافِقَ على إثبات لفظٍ أو (٤) نفيه حتى يعرِفَ مراده، فإن أرادَ حقًّا قُبِلَ، وإن أراد باطلًا رُدَّ، وإن اشتمل
_________________
(١) في (ش) و(د): المتحيز.
(٢) في (ش): شيء.
(٣) " به " ليست في الأصول، وهي من " التدمرية ".
(٤) في (ش): و.
[ ٤ / ١٣٨ ]
كلامه على حق وباطل لم يُقبل مطلقًا، ولم يُرَدَّ جميع معناه، بل يوقف اللفظ، ويُفسَّرُ المعنى كما تنازع الناس في الجهة، والتحيز، ونحو ذلك إلى آخر كلامه في نفي حاجة الله سبحانه إلى الجهة المخلوقة، والمنع من ذلك ومن تحيزه في مخلوقاته ﷾.
القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مرادٌ أو ليس بمراد.
فإنه يقالُ له: لفظ الظاهر فيه إجمالٌ واشتراكٌ، فإن كان القائل يعتقدُ أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أنَّ هذا غيرُ (١) مراد، ولكنَّ السلف والأئمة لم يكونوا يُسَمُّون هذا ظاهرها (٢)، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله أحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلاَّ ما هو كفرٌ أو ضلال (٣)، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون (٤) من وجهين:
تارةً يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويلٍ يُخالِفُ الظاهر، ولا يكون كذلك.
وتارةً يرُدُّون المعنى الحق الذي هو ظاهرُ اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل، فالأول كما قالوا: في قوله: " عبدي جعتُ فَلَمْ تُطعِمْني " (٥)، وفي الأثر الآخر "الحجرُ الأسودُ يمينُ الله في الأرض، فمَنْ صافَحَه
_________________
(١) " غير" ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): ظاهرًا.
(٣) في (أ) و(ب) و(ش): " وإضلال "، والمثبت من (د) و" التدمرية ".
(٤) في (ب): " يعطلون " وهو خطأ.
(٥) أخرجه مسلم (٢٥٦٩) من حديث أبي هريرة.
[ ٤ / ١٣٩ ]
وقبَّلَه، فكأنَّما صافَحَ الله وقبَّل يمينه" (١)، وقوله: " قلوبُ العبادِ بَيْنَ أُصبَعَينِ من أصابعِ الرحمنِ " (٢).
فقالوا: قد عُلِمَ أنه ليس في قلوبنا أصابع الحق.
فيقال لهم: لو أعطيتُم النصوص حقَّها من الدلالة لعلمتُم أنها لم تدُلَّ إلاَّ على حق، فقوله: " الحجر الأسود يمينُ الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله، فكأنَّما صافحَ الله وقبَّل يمينه " صريحٌ في أن الحجر ليس هو صفةً (٣) لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: " يمينُ الله في الأرضِ "، وقال: " فمن قبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه " (٤)، ومعلوم أن المشبَّه ليس هو المشبَّه به، ففي نفس الحديث بيان أنَّ مُستَلِمَه ليس مصافحًا لله، وأنه لي هو (٥) هذا الحديث إنما يعرف عن ابن
_________________
(١) أخرجه الحاكم ١/ ٤٥٧ والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٣٣ من حديث عبد الله بن عمرو، بلفظ: " يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان يتكلم عمَّن استلمه بالنية وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه " وفيه عبد الله بن المؤمل وقد ضعفوه. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٣/ ٢٤٢ وقال: رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وقال يخطىء وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه الخطيب في " تاريخه " ٦/ ٣٢٨ من حديث جابر، وفي سنده إسحاق بن بشر الكاهلي كذبه غير واحد، وقال ابن الجوزي: لا يصح.
(٢) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو: أحمد ٢/ ١٦٨ و١٧٣، ومسلم (٢٦٥٤)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٤٠. وأخرجه من حديث أم سلمة: أحمد ٦/ ٣٠٢ و٣١٥، والترمذي (٣٥٢٢). وأخرجه من حديث النواس بن سمعان: ابن ماجة (١٩٩)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٤١. وأخرجه أحمد ٦/ ٢٥١ من حديث عائشة، والترمذي (٢١٤٠) من حديث أنس، والحاكم ٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩ من حديث جابر.
(٣) " هو صفة " ساقط من (ب).
(٤) من قوله: " صريح في " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٤٠ ]
عباس، يعني موقوفًا عليه (١) لم يرفعه إلى النبي - ﷺ -.
وأمَّا الحديث الآخرُ فهو في الصحيح مُفَسَّرًا بقول الله: " عبدي جُعْتُ فلم تُطعمني، فيقول: ربِّ كيف أُطعمُك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمتَ أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمتَه لوجدتَ ذلك عندي، عبدي مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، فيقول: ربِّ كيف أعودُك، وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فُلانًا مَرِضَ، فلو عُدْتَه لوجدتني عندَه "، وهذا صريحٌ في أنَّ الله تعالى لم يمرض، ولم يجُع، ولكن مَرِضَ عبدُه (٢) وجاع، فجعل جوعَه جوعَه، ومرضَه مرضَه مُفَسِّرًا لذلك، بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عُدْتَه لوجدتني عنده، فلم يبقَ في الحديث لفظٌ يحتاجُ إلى تأويل (٣). انتهى (٤).
وأما قوله: " قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن " فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصبع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدي، ما يقتضي مباشرتُه ليديه، وإذا قيل: السحاب المسخَّرُ بين السماء والأرض لم يقتضِ أن يكونَ مماسًّا للسماء والأرض، ونظائرُ هذا كثيرةٌ.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في " مصنفه " (٨٩١٩) موقوفًا بلفظ: " الركن -يعني الحجر- يمين الله في الأرض يصافح بها خلقه مصافحة الرجل أخاه .. "، وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك، وقد تابعه بنحوه ابن جريج بالعنعنة عند عبد الرزاق (٨٩٢٠).
(٢) في (ش): عبده مرض.
(٣) في (ش): التأويل.
(٤) هنا زيادة في (ش) و(د) نصها: ويؤيدُ هذا أنَّ خطاب الله تعالى لعبده بهذا إنَّما يقعُ في دار الآخرة، والعلم فيها بالله تعالى، وامتناع صفات النقص عليه ضروريُّ لا يقعُ فيه شك، ولذلك ظَهَر للمخاطب أنه مسوقٌ بمعنى لطيف، فلم يكن جوابُه إلاَّ بالسؤال بكيف عن تعيين ذلك المعنى المعلوم على سبيل الإجمال، ثم اتَّصَلَ بيانه كاتصال البيان بالاستثناء والشرط.
[ ٤ / ١٤١ ]
وممَّا يُشبِهُ هذا أن نجعلَ اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥]، فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]، فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهًا بقوله: ﴿فبما كَسَبَتْ أيْدِيْكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿لِمَا خلقتُ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَيّ﴾.
وأيضًا هنا ذكرَ نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤]، وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة (١) الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بأَعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤]، وهذا في الجمع نظيرُ قوله: ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، في المفرد، فالله ﷾ يذكر نفسه تارةً بصيغة المفرد مُظهَرًا أو (٢) مُضمرًا، وتارةً بصيغة الجمع كقوله: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًَا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وأمثال ذلك، ولا يذكُرُ نفسه بصيغةِ التثنيةِ قط، لأنَّ صيغةَ الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقُّه، ورُبَّما تدلُّ على معاني أسمائه.
وأما صيغة التثنية، فتدل على العدد المحصور، وهو مقدسٌ عن ذلك، فلو (٣) قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي (٤)، [لما] (٥) كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدينا﴾ [يس: ٧١]، وهو نظيرُ قوله: ﴿بيده
_________________
(١) تحرف في (ش) إلى: صفة.
(٢) في (ش): و.
(٣) في (ج) و(ش): ولو.
(٤) في (أ): يدي.
(٥) ما بين الحاصرتين من " التدمرية ".
[ ٤ / ١٤٢ ]
الملك﴾ و﴿بيدك الخير﴾، ولو قال: لما خلقت بيدي بصيغة -الإفراد- لكان مفارقًا له، فكيف إذا قال: ﴿خلقتُ بِيَديَّ﴾ بصيغة التثنية، هذا مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة، وإجماع السلف على مثل ما دلَّ عليه القرآن، كما هو مبسوطُ في موضعه مثل قوله: " المُقْسِطُون عند الله على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمنِ -وكلتا يديه يمينٌ- الذين يعدِلُون في حُكمِهم وأهليهم وما وَلُوا " (١)، وأمثال ذلك.
وإن كان القائلُ يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنسِ ظاهر النصوص المتَّفق على معناها، فالظاهرُ هو المراد في الجميع، فإن الله لما أخبر أنه بكل شيءٍ عليمٌ، وأنه على كل شيءٍ قديرٌ، واتَّفق أهلُ السنَّة، وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهره مرادٌ، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه مثلَ علمنا، وقدرتُه كقدرتنا.
وكذلك لما اتَّفقوا على أنه حي حقيقةً، عالمٌ حقيقة (٢)، قادرٌ حقيقة لم يكن مرادهم (٣) إنه مثل المخلوق الذي هو حي عالم قادر.
فكذلك إذا قالوا: في قوله: ﴿يُحبُّهُم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللهُ عنهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ استَوَى على العرشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أنه على ظاهره لم يقتضِ ذلك أن يكونَ ظاهرُه استواء كاستواء المخلوق (٤)، ولا حُبًّا كحبه،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٢٧)، والنسائي ٨/ ٢٢١ - ٢٢٢، وأحمد ٢/ ١٥٩ و١٦٠ و٢٠٣، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٢٤، والبغوي (٢٤٧٠) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٢) قوله: " عالم حقيقة " ساقط من (ش).
(٣) في (ب) و(د): مراد.
(٤) في (ش): المخلوقين.
[ ٤ / ١٤٣ ]
ولا رِضًا كرضاه.
فإن كان المستمعُ يظنُّ أنَّ ظاهرَ الصفات يماثلُ صفاتِ المخلوقين، لَزِمَه أن لا يكون شيءٌ من ظاهر ذلك مرادًا، وإنْ كان يعتقد أنَّ ظاهرها هو ما يليق بالخالق، ويختصُّ به، لم يكن له نفيُ هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا إلاَّ بدليل يدُلُّ على النفي، وليس في العقل، ولا في السمع ما ينفي هذا إلاَّ من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكونُ الكلام في الجميع واحدًا.
وبيانُ هذا أن صفاتنا منها ما هو أعيانٌ وأجسامٌ، وهي أبعاضٌ لنا كالوجهِ، واليد (١)، ومنها ما هو معان وأعراض، وهي قائمة بنا كالسمع، والبصر، والعلم، والكلام، والقدرة.
ثمَّ من المعلوم أن الربَّ لما وَصَفَ نفسه بأنَّه حيٌّ، عليم، قدير لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غيرُ مراد، لأنَّ مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، وكذلك (٢) لما وَصَفَ نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يُوجِبْ ذلك أن يكون ظاهرُه غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقِّنا (٣)، بل صفةُ الموصوفِ تُناسبُه.
فإذا كانت ذاتُه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، وصفاته (٤) كذاتِه ليست كصفاتِ المخلوقين، ونسبةُ صفة المخلوق إليه كنسبة (٥) صفةِ
_________________
(١) في (ش): واليدين.
(٢) في (ش): فكذلك.
(٣) من: " وكذلك " إلى هنا مكرر في (ش).
(٤) في المطبوع من " التدمرية ": فصفاته.
(٥) تصحفت في (ب) إلى: كتشبيه.
[ ٤ / ١٤٤ ]
الخالق إليه، وليسَ المنسوب كالممنسوب، ولا المنسوبُ إليه كالمنسوب إليه، كما قال - ﷺ -: " ترون ربَّكُم كما تَرَوْنَ الشَّمْسَ والقَمَرَ " (١) فَشَبَّهَ الرؤيَةِ بالرؤيةِ لا المرئيَّ بالمرئيِّ (٢).
قلتُ (٣): قالوا: الصفات قد تَخَصَّصَتْ بأنواعٍ غيرِ مختلفة، وهي: العلمُ، والقُدرة، فإنَّ العلمَ غيرُ مختلف، وكذلك القدرةُ وسائر الصفات عند هؤلاء.
قلنا: بل هي مختلفةٌ كما يأتي محقَّقًا في القاعدة السادسة، وللزمخشري شعرٌ أشعر فيه بالتجاهُل، والتحامل الكثير (٤) على أهل السنة شنَّع فيه العبارةَ، وأفحشَ في سوء الأدب مع أئمَّة السنة (٥)، بل أئمَّةِ الإسلام، وخَرَجَ فيه عن أساليب العلماء الأعلام، فقال فيه:
لِجَمَاعَةٍ سَمَّوا هَواهُم سُنَّةً وجماعةٍ حُمْرٍ لَعَمْرِي مُوكَفَهْ
قَدْ شَبَّهُوهُ بخلقِه وتَخَوَّفُوا شُنَعَ الوَرَى فَتَسَتَّرُوا بالبَلْكَفَهْ (٦)
وله أجوبةٌ كثيرة منها قولُ بعضهم:
ومُبَلْكِفٍ للذاتِ طالَ تَعَجُّبي من شِدَّة استنكارِه للبَلْكَفَهْ
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٣/ ١٢٥، وسيأتي تخريجه مفصلًا في هذا الجزء.
(٢) تحرفت في (ب) إلى: المرء بالمرء.
(٣) من هنا إلى نهاية الأبيات من كلام المؤلف ابن الوزير، ثم يرجع فينقل عن " التدمرية ".
(٤) في (د): الكبير.
(٥) من قوله: " والتحامل " إلى هنا ساقط من (ب).
(٦) أنشدهما الزمخشري في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ ٢/ ١١٦، وصدرهما بقوله: والقول ما قال بعض العدلية فيهم، أي: في أهل السنة والجماعة. وقوله: " موكفة " من الإيكاف، وهو البرذعة، والبلكفة: قولك: بلا كيف، يقرر مذهبه السيىء في نفي الرؤية.
[ ٤ / ١٤٥ ]
إن كنت تُنِكرُها فكيِّف ذاتَه أيضًا وقُلْ هي كالذَّوات مُكَيَّفه
بل أنت تِثْبِتُها ولا تدري كَمَا لم تدْرِ قطُّ مَنِ الحَمِيرُ المُوكَفَهْ
ولَقَدْ هَجَوتَ وَمَا دَلَلْتَ وإنَّما أبدًا تدُلُّ على الحِمَارِ العَجْرَفَهْ
وقال آخر أيضًا في الجواب عليه:
يا عائبًا من جَهْلِه للبلكفه هي قولُكم في الذَّات دَعْ عنك الصِّفه
واللهُ ليس كمثله شيءٌ وذا هُو ما اعتَرضْتَ به فَدَعْ عنك السَّفه
من لم يقُل بمقالِنا فيها شَرَى بنُصُوصِ وَحْيِ الله رأيَ الفَلْسَفَهْ
ولبعض المغاربة:
لجماعة جعلوا الشرائعَ بدعةً وحماقةً حُمْرٍ لَعَمْري مُوكَفَهْ
قد عطَّلُوا أسماءَه وتبدَّلُوا بنُصُوصِ وَحي الله رأي الفلسفه
كفروا كأهل الشركِ بالرَّحمن إلـ لا في مجازٍ أبدَعُوه زَخْرَفَهْ
وقَضَوا بأنَّ الحقَّ قطعًا نفيُهُ وبأنَّهُ لإلهنا بِئْسَ الصِّفَهْ
في (١) عدِّه عشرين من أسمائه الـ ـحُسْنَى رواها خِزْيَة مُسْتَنْكَفَهْ
أيُذَمُّ ربُّ الحمدِ في الصَّلَوات والـ ـسبْعِ المثاني إنَّ ذا لهُو السَّفَه
واللهُ ليس كمثله شيءٌ وذا هو نفسُ ما قدْ لَقَّبُوْهُ (٢) البَلْكَفَه
تَعِسَ الذي اعتزَلَ الكتابَ وكذَّبَ الـ أسْمَا وبدَّلَهَا بمحْضِ (٣) العَجْرَفَهْ
وجوابُنا لكُم نظيِرُ جوابِكُم لِقَرَامطٍ لا يُثبِتُونَ له صِفَهْ
كفرُوا بكُلِّ اسمٍ له وكفرتُمُ بالبَعْضِ قِسْمَة جُرأةٍ ومُجَازَفَهْ
فإذا أفادَكُمُ المَجَازُ أفادَهُم إن كان بينكُمُ حقاقُ (٤) مُنَاصَفَهْ
_________________
(١) في (ج)، وفوق " في " في (أ): مع.
(٢) في (أ): " لقنوه " وهو تصحيف.
(٣) في (ش): لمحض.
(٤) تحرف في (ش) إلى: حقَّان.
[ ٤ / ١٤٦ ]
القاعدة الرابعة: إن كثيرا من الناس يتوهم في بعض الصفات أنها تماثل صفات المخلوقين
فالكلُّ يعلَمُ من ضرُورةِ دِيْنِنا مَدْحَ الإلهِ بهِ بغَيْرِ مُخَالَفَهْ
قلت:
وكذاكَ يلزَمُ نفعُ كل تجوُّزٍ في ذاتِ خالقِنا وأوجبَ معرِفَه
فتكونُ مُثبَتَةً مجازًا مؤمنًا إيمانَكم في نفي معلُومِ الصِّفَه
وتكفيرُ أهل القبلة خطأٌ، فيصلح البيت الثالث:
انِفُوا من الرَّحمن كالماضينَ إلـ
ولعلَّه أراد كفرًا دونَ كُفر. انتهى (١).
قال: وهذا يتبيَّنُ من:
القاعدة الرابعة: وهي أن كثيرًا من الناس يتوهَّم في بعض الصفات، أو كثيرٍ منها، أو أكثرها، أو كُلِّها أنها تُماثلُ صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فَهِمَه فيَقَعُ في أربعة أنواع من المحاذير.
أحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنَّ (٢) أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك مفهُومها (٣)، وعطَّله (٤)، بقيت النصوصُ معطلةً عمَّا دلَّت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنِّه السيىء الذي ظنَّه بالله ورسوله حيث ظن أن
_________________
(١) من قوله: " ولبعض المغاربة " إلى هنا ساقط من (ب)، وإلى هنا انتهى كلام ابن الوزير الذي أدرجه في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢) في (ش): فدل.
(٣) في (أ) و(ب): مفهومًا.
(٤) تحرفت في (ش) إلى: وغلطه.
[ ٤ / ١٤٧ ]
الذي يُفهَمُ من كلامهما هو التمثيل الباطل، وقد عطَّل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى.
الثالث: أنه (١) ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون مُعطِّلًا لما يستحقُّه الربُّ.
الرابع: أنه يَصِفُ الربَّ بنقيض تلك الصفات من صفات الموات (٢)، والجمادات، أو (٣) صفات المعدومات، فيكون قد عَطَّلَ صفاتِ الكمال التي يستحقُّها الرب جلَّ وعزَّ، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عمَّا دلَّت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمعُ في الله، وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون مُلحِدًا في أسماء الله (٤) وآياته.
مثال ذلك: أن النصوصَ كلها دلَّت على وصف الإله (٥) بالعُلُوِّ والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش.
فأمَّا علوُّه ومباينته للمخلوقات، فيُعلمُ بالعقل [الموافق للسمع].
وأمَّا الاستواء (٦) على العرش، فطريق العلم به هو (٧) السمع،
_________________
(١) في (ش): أن.
(٢) في (ش): " الموت "، وفي " التدمرية ": الأموات.
(٣) في (د): و.
(٤) في (ش): أسمائه.
(٥) في (أ): " الله "، وكتب فوقها " الإله ".
(٦) في (أ): استواؤه.
(٧) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٤٨ ]
وليس في الكتاب والسنة وصفٌ له بأنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباينه، ولا مداخله، فيظنُّ المتوهم أنه (١) إذا وصف (٢) بالاستواء على العرش، كان استواؤُهُ كاستواء الإنسان على ظهور الفُلكِ والأنعام إلى قوله: وليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدَّر فَهَدَى، كما (٣) ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأنَّه بَنى السماء بأيدٍ إلى قوله: فلمَّا قال تعالى: ﴿والسماءَ بَنَيْنَاهَا بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧﴾، فهل يُتوهَّمُ أنَّ بناءه (٤) مثلُ بناء الآدمي المحتاج الذي يحتاج إلى زنبيلٍ، ومجارِفَ، وأعوانٍ، وضرب لبنٍ، وجبلِ طين، ثم قد عُلِمَ أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عالية مفتقرًا إلى سافله، فالهواء والسحاب فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله الأرض، فالعليُّ الأعلى ربُّ كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه، كيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه؟! أو (٥) إلى عرشه!، أو كيف يستلزم علوُّه على خلقه هذا الافتقارَ!؟.
وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] من توهَّم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات فهو جاهلٌ ضالٌّ بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: إنَّ الشمس والقمر في السماء (٦) يقتضي ذلك، فإنَّ حرف " في " متعلقٌ بما
_________________
(١) " أنه " ساقطة من (د).
(٢) من قوله: " له بأنه لا " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) في (ش): وكما.
(٤) في (ش): أنه بناء.
(٥) في (ش): و.
(٦) " في السماء " ساقط من (ش).
[ ٤ / ١٤٩ ]
قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف، والمضاف إليه، ولهذا نُفرقُ بين كون الشيء في المكان، وكونِ الجسم في الحيِّز، وكون العَرَضِ في الجسم (١)، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الوَرَقِ، فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصةً يتميزُ بها عن غيره، وإن كان حرفُ " في " مستعملًا في ذلك.
إلى قوله: ولما (٢) كان قد استقرَّ في نفوس المخاطبين أنَّ الله هو العليُّ الأعلى، وأنه فوق كُلِّ شيء، كان المفهوم من قوله: إنه في السماء، أنه في العُلُوِّ، وأنه (٣) فوق كل شيء.
وكذلك الجارية لمَّا قال لها - ﷺ -: " أين الله؟ "، قالت: في السماء (٤)، إنَّما أرادت العُلُوَّ مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة.
إلى قوله كما قال: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وكما قال: ﴿فسِيْرُوا في الأرْضِ﴾ [النحل: ٣٦]، وكما قال: ﴿فَسِيْحُوْا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، ويقال: فلانٌ في الجبل، وفي السطح، وإن كان على أعلى شيءٍ فيه (٥) إلى أن قال:
القاعدة الخامسة: لقائلٍ أن يقول: لا بُدَّ في هذا (٦) الباب من ضابطٍ يُعرفُ به ما يجوزُ على الله مما لا يجوزُ في النفي والإثبات، إذ
_________________
(١) في (ش): وكون الجسم العرض.
(٢) "الواو" ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): " وأنه كان "، وفي (أ): " وإن كان ".
(٤) تقدَّم تخريجه في ١/ ٣٨٠ و٢/ ١٧٥.
(٥) في (ش): منه.
(٦) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٥٠ ]
الاعتمادُ في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو الإثبات من غير تشبيه ليس بسديدٍ (١)، وذلك أنه ما من شيئين إلاَّ بينهما قدرٌ مشترك، وقدرٌ مميز.
فالنافي إن اعتمد في ما ينفيه على أنَّ هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثلٌ له من كل وجه، فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابهٌ له من وجه دون وجه، أو مشاركٌ له في الاسم، لزِمَكَ هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه، فإنَّه يجوزُ على أحدهما ما يجوزُ على الآخر، ويمتنعُ عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له.
ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا المعنى ممَّا لا يقولُه عاقلٌ يتصورُ ما يقول، فإنَّه يُعلمُ بضرورة (٢) العقل امتناعُه، ولا يلزَمُ من نفي هذا نفيُ التشابه مفسرًا بمعنىً من المعاني، ثم كل من أثبت ذلك المعنى، قالوا: إنَّه مشبه، ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس هو من التشبيه، وقد يُقرنُ بين لفظ التشبيه والتمثيل، وذلك أنَّ المعتزلة ونحوهم من نُفاةِ الصفات يقولون: كل من أثبت للهِ صفةً قديمة، فهو مشبِّهٌ ممثِّلٌ.
فمن قال: إن لله علمًا قديمًا، أو (٣) قدرةً قديمة، كان عندهم مشبهًا ممثلًا، لأنَّ القِدَمَ عند جمهورهم هو أخصُّ وصف الإلة، فمن أثبت له صفةً قديمة، فقد أثبت له مثلًا قديمًا، فيسمونه (٤) ممثلًا (٥) بهذا
_________________
(١) تصحفت في (ش) إلى: بشديد.
(٢) في (ب): ضرورة.
(٣) في (ش): و.
(٤) في (أ): " فيسموه "، وهو خطأ.
(٥) في (ج): مثلًا.
[ ٤ / ١٥١ ]
الاعتبار، ومثبتة (١) الصفات لا يوافقونهم (٢) على هذا، بل يقولون: أخصُّ وصفه ما لا يتَّصِفُ به غيره مثل كونه ربَّ العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، ونحو ذلك، والصفةُ لا توصف بشيء من ذلك.
ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقولون: الربُّ بصفاته قديمٌ.
ومنهم من يقول: هو قديم وصفاته قديمة، ولا تقولُ: هو وصفاته قديمان.
ومنهم من يقول: هو وصفاتُه قديمان، ولكن يقولُ: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإنَّ القِدَمَ ليس من خصائص الذات المجردة، بل هو من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلاَّ فالذات المجردةُ لا وجود لها عندهم فضلًا عن أن يختصَّ بالقِدَمِ.
وقد يقولون: الذاتُ متصفةٌ بالقدم، والصفاتُ متصفةٌ بالقدم (٣)، وليست الصفات إلهًا ولا ربًا، كما أنَّ النبي مُحدَثٌ، وصفاتِه محدثةٌ، وليست صفاتُه نبيًا فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل كان هذا بحسب اعتقادهم الذي يُنَازِعُهم فيه أولئك.
ثم يقول لهم أولئك: هَبْ أنَّ هذا المعنى قد يُسمَّى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم ينفِه عقلٌ ولا سَمْعٌ، وإنَّما الواجب
_________________
(١) في (ش): ومثبت.
(٢) في (ب): توافقهم.
(٣) من قوله: " وقد يقولون " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٤ / ١٥٢ ]
نفيُ ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية، والقرآن قد نفى مُسَمَّى المثل والكفؤ والنِّدِّ ونحو ذلك، ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف، ولا كفؤه ولا نِدَّه، فلا تدخل في النص.
وأمَّا العقلُ فلم ينفِ (١) مسمَّى التشبيه في اصطلاح المعتزلة، وكذلك يقولون: إن الصفات لا تقوم إلاَّ بجسمٍ متحيز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفاتُ للَزِمَ أن يكون مماثلًا لسائرِ الأجسام، وهذا هو التشبيه.
وكذلك يقولُ هذا كثيرٌ من الصفاتية الذين يثبتون الصفات، وينفون عُلُوَّه على عرشه، وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقومُ بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم، فلا يصحُّ إلاَّ إذا كان جسمًا، فلو أثبتنا علوَّه للزم أن يكون جسمًا، وحينئذٍ فالأجسام متماثلة، فيلزم التشبيه، فلهذا تجد هؤلاء يُسمُّون من (٢) أثبت العلو مُشبهًا، ولا يسمون من أثبت السمع، والبصر، والكلام ونحوه مشبهًا، كما يقوله صاحب " الإرشاد " (٣) وأمثاله.
وكذلك يوافقُهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو
_________________
(١) في (ب): " ينفيه "، وهو خطأ.
(٢) من قوله: "جسمًا فلو" إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) ص ٣٩ و٧٢، واسمه الكامل: " الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد " -وهو مطبوع في باريس، والقاهرة، وبرلين- لمؤلفه أبي المعالي عبد الملك بن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية الجُويني، النيسابوري، الشافعي، المعروف بإمام الحرمين، المتوفى سنة ٤٧٨ هـ. مترجم في " السير " ١٨/ ٤٦٨ - ٤٧٧، وقد رَجَعَ إمامُ الحرمين في أواخر سني حياته عن التأويل، وسلك طريق السلف في إثبات الصفات بلا كيف ولا تعطيل وارتضاه رأيًا، كما - صرح بذلك في كتابه " الرسالة النظامية " ص ٢٣.
[ ٤ / ١٥٣ ]
يعلى (١)، وأمثالُه من (٢) مثبتة الصفات والعلو، ولكن (٣) هؤلاء قد يجعلون العُلوَّ صفةً خبرية كما هو أول قولي القاضي أبي يعلى، فيكونُ الكلام فيه كالكلام في الوجه.
وقد يقولون: إنَّ ما تثبتونه لا ينافي الجسم، كما يقولونه (٤) في سائر الصفات، والعاقل إذا تأمَّل، وجد الأمر في ما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فَرْقَ.
وأصلُ كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزمٌ التجسيم، والأجسامُ متماثلة، والمثبتون يُجيبون عن هذا تارة بمنعِ المقدمة الأولى، وتارةً بمنع المقدمة الثانية، وتارةً بمنع كلٍّ من المقدمتين (٥)، وتارةً بالاستفصال، ولا ريبَ أنَّ قولهم: بتماثل الأجسام باطلٌ سواء فسَّروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهُيُولى (٦) والصورة أو نحو ذلك.
أما إذا فسَّروه بالمركب من الجواهر المنفردة، وعلى أنها متماثلة،
_________________
(١) هو الإمام العلامة، شيخ الحنابلة، القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي، ابن الفراء، صاحب التعليقة الكبرى، والتصانيف المفيدة في المذهب، أفتى ودرَّس، وتخرَّج به الأصحابُ وانتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالمَ العراقِ في زمانه مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره، والنظر والأصول، له من الكتب " أحكام القرآن "، و" مسائل الإيمان "، و" الكلام في الاستواء " وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ: " السير " ١٨/ ٨٩ - ٩٢.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) " الواو " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): يقولون.
(٥) في (ب): المقدمتين معًا.
(٦) تحرفت في (ش) إلى: الهيواتي.
[ ٤ / ١٥٤ ]
فهذا ينبني (١) على صحة ذلك، وعلى إثبات الجوهر المنفرد (٢)، وعلى أنه متماثل (٣)، وجمهورُ العقلاء يخالفونهم في ذلك.
والمقصود أنهم يُطلقون التشبيه على ما يعتقدونه (٤) تجسيمًا بناءً على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم كإطلاق الرافضة النصب على من تَوَلَّى أبا (٥) بكر وعمر ﵄ بناءً على أن من أحبهما، فقد (٦) أبغض عليًّا ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي.
وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى، ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين يشتبهان من وجه، ويختلفان من وجه.
وفي (٧) " تاريخِ ابن خلكان " (٨) في حرف الهاء منه في ترجمة البديع الأسطرلابي (٩) أن أصل هيئة الفَلَكِ أن تكون في الكُرة التي هي
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: ينبغي.
(٢) في (ش): الفرد.
(٣) في (ش): تماثلها.
(٤) " على ما تعتقدونه " ساقط من (ش).
(٥) تحرفت في (ب) إلى: " أبي "، وفي (ش) إلى: أبو.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) من هنا إلى قوله: " تمت " إدراج من المؤلف، وليس من كلام ابن تيمية في " التدمرية ".
(٨) المسمى بـ " وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان " لمؤلفه شمس الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الأربلي الشافعي، المتوفى سنة ٦٨١ هـ، أحد الأئمَّة الفضلاء المشهود له بالبراعة في الفقه، والأصول، والعربية، والتراجم، وهو أول من جدَّد في أيامه قضاءَ القضاة من سائر المذاهب، فاشتغلوا بالأحكام بعدما كانوا نُوَّابًا له. انظر ترجمته الحافلة بقلم الدكتور إحسان عباس في أول الجزء السابع من كتاب " وفيات الأعيان ".
(٩) هو أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن يوسف الشاعر المشهور، كان وحيد زمانه في عمل الآلات الفلكية، توفي سنة ٥٣٤ هـ. والنص الذى نقله المصنف هو في " الوفيات " ٦/ ٥٣ نشر دار صادر بتحقيق الدكتور الفاضل إحسان عباس.
[ ٤ / ١٥٥ ]
جسم (١) لأنها تشتملُ على (٢) الطول والعرض والعُمق، وتوجدُ في السطح الذي هو مركبٌ من الطول والعرض بغير عمق، ويوجدُ في الخط الذي هو عبارةٌ عن الطول فقط بغيرِ عرض ولا عمق، ولم يبقَ سوى النقطة، ولا يتصوَّر أن يعمل فيها شيء، لأنها ليست جسمًا، ولا سطحًا، ولا خطًّا، بل هي طرفُ الخط كما أنَّ الخطَّ طرفُ السطح، والسطح (٣) طرفُ الجسم، والنقطةُ لا تُجزَّأُ انتهى.
قلت: الظاهرُ أنَّ النقطة في عُرفِ هؤلاء هي الجوهر في عرف المعتزلة، وأنَّ السطح (٣) عبارةٌ عن الطول والعمق من غير عرضٍ، لأنه سطح (٣) الجسم، والله أعلم، والمعتزلة أخذت من هذه الاصطلاحات أنَّ الجسم هو الطويل العريضُ العميق، وتوهَّم كثير من المتكلمين أن هذا تفسير الجسم في اللغة حتى استشهدوا عليه بقول الشاعر:
وأجسَمُ مِنْ عَادٍ جُسُومُ رجالِهم وأكثرُ إن عُدُّوا عديدًا من التُّرْبِ
والعجبُ ممَّن يدَّعي أنه من أهل النظر، ثم يُجوِّزُ أنَّ أهل الوضع اللغوي يعنون بألفاظهم ما يعلم الجميع أنه لم يخطُر لهم على بال، بل لعلَّ كثيرًا من منتحلي علم الكلام لم يُحرر فهمَه بعد طولِ البحثِ، فالله المستعانُ. تمَّت.
قال الشيخُ (٤): "وأكثرُ العقلاء على خلافِ ذلك، وقد بَسَطْنَا الكلام
_________________
(١) في (ش): الجسم.
(٢) " على " ساقطة من (ش).
(٣) في الأصول: " السطر " في المواطن الثلاثة، والمثبت من " الوفيات ".
(٤) من هنا يبدأ كلام ابن تيمية.
[ ٤ / ١٥٦ ]
على هذا في غيرِ هذا الموضع (١)، وبُيِّن (٢) فيه حُجَجُ من يقولُ بتماثل الأجسام، وحججُ من نفي ذلك، وبُيِّنَ (٢) فسادُ قول من يقول بتماثلها، وأيضًا فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتمادٌ باطل، وذلك إنه إذا ثبت تماثلُ الأجسام فهم لا ينفُون ذلك إلاَّ بالحجة التي ينفون بها الجسم، وإذا ثبت أنَّ هذا يستلزِمُ الجسم، وثَبَتَ امتناعُ الجسم، كان هذا وحده كافيًا في نفي ذلك، لا يحتاجُ نفيُ ذلك إلى نفي مُسمَّى التشبيه، لكن نفي التحيّز يكون مبنيًا على نفي هذا التشبيه بأن يُقال (٣): لو ثبت كذا وكذا، لكان جسمًا، ثم يقال: والأجسام (٤) مثماثلة، فيجب اشتراكها فيما يجبُ، ويجوز، ويمتنع، وهذا ممتنعٌ عليه، لكن حينئذٍ يكونُ من سلك هذا المسلك معتمدًا في نفي التشبيه على نفي التجسيم فيكون أصل نفيه نفي الجسم، وهذا مسلكٌ آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما يُنفى على مجرد نفي التشبيه لا يُفِيدُ، إذ ما من شيئين إلاَّ يشتبهان من وجه، ويفترقانِ من وجهٍ بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك ممَّا هو سبحانه مقدسٌ عنه، فإنَّ هذه الطريقة (٥) صحيحة.
وكذلك إذا أُثبت (٦) له صفاتُ الكمال، ونُفِيَ مماثلةُ غيره له فيها، فإنَّ هذا نفي المماثلة في ما هو مستحقٌّ له، وهذا حقيقة التوحيد، وهو أن
_________________
(١) انظر " درء تعارض العقل والنقل ".
(٢) في المطبوع من " التدمرية ": وبينا.
(٣) في (ش): بأن هذا.
(٤) "الواو" ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): طريقة.
(٦) في (د) و(ش): ثبت.
[ ٤ / ١٥٧ ]
لا يشرَكَهُ (١) شيءٌ من الأشياء فيما هو من خصائصه، وكُلُّ صفةٍ من صفات الكمال فهو متَّصفٌ بها على وجهٍ لا يُماثِلُه فيها أحد.
ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمَّتها إثبات ما وصف الله به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيءٍ من المخلوقات.
فإن قيل: إنَّ الشيء إذا شابَهَ غيره من وجه، جاز عليه من ذلك الوجه ما جاز عليه، أو وَجَبَ له ما وَجَبَ له، أو امتنعَ عليه ما امتنعَ عليه.
قيل: هَبْ أنَّ الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدرُ المشترك لا يستلزمُ إثبات ما يمتنِعُ على الربِّ سبحانه، ولا نفيَ ما يستحقُّه لم يكن ممتنعًا، كما إذا قيل: إنَّه موجودٌ، حي، عليم، سميع، بصير، و(٢) قد سمَّى بعض عباده حيًّا عليمًا سميعًا بصيرًا.
فإن قيل: يلزَمُ أنه يجوزُ عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه حيًا عليمًا سميعًا بصيرًا.
قيل: لازمُ هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على (٣) الربِّ، فإنَّ ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا ممَّا يُنافي صفات الربوبية، وذلك أنَّ القدر المشترك هو مُسمَّى الوجود، أو الموجود، أو الحياة، أو الحيّ، أو العلم، أو العليم، والقَدَرُ المشتَرك مطلقُ كُلِّي لا يختصُّ بأحدهما دون الآخر، فلم يَقَعْ بينهما اشتراكٌ لا في ما يختصُّ بالممكن المحدث، ولا في ما يختص بالواجب القديم، فإنَّ ما يختصُّ به
_________________
(١) في (ش): يشاركه.
(٢) الواو ليست في الأصول، والمثبت من " التدمرية ".
(٣) في (ش): عن.
[ ٤ / ١٥٨ ]
أحدُهما يمتنعُ اشتراكُهما فيه.
فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمالٍ كالوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدُلُّ على شيء من خصائص المخلوقين كما لا يدلُّ على شيء من خصائص الخالق، لم يكن في إثبات هذا محذورٌ أصلًا، بل إثباتٌ هذا من لوازم الوجود، فكُلُّ موجودين لا بُدَّ بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمَهُ تعطيلُ وجودِ كُلِّ موجود.
ولهذا لما اطلعَ الأئمَّةُ على أنَّ هذا حقيقةُ قولِ الجهمية سمَّوهم مُعطَّلةً، وكان جَهْمٌ ينكرُ أن يُسمَّى (١) اللهُ شيئًا (٢)، وربما قالتِ الجهميةُ: هو شيء لا كالأشياء.
فإذا نُفِيَ القدرُ المشترك مطلقًا، لَزِمَ التعطيلُ التام، والمعاني التي يوصف بها الربُّ تعالى كالحياة، والعلم، والقدرة (٣)، بل والوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب له لوازمها، فإنَّ ثبوت الملزوم يقتضي ثبوتَ اللازم وخصائص المخلوق التي يجبُ تنزيهُ الربِّ عنها ليست من لوازم ذلك أصلًا، بل تلك من لوازمِ ما يختص بالمخلوق من وجودٍ، وحياةٍ، وعلمٍ، ونحو ذلك، والله سبحانه مُنَزَّهٌ عن خصائصِ المخلوق، وملزوماتِ خصائصه، وهذا الموضع من فَهِمَه، وتدَبَّرَهُ زالتْ عنه عامةُ الشبهات، وانكشف له غَلَطٌ كثيرٍ من الأذكياء في هذا المقام، وقد بُسِطَ هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها أن القدر المشترك
_________________
(١) في (د): يكون.
(٢) " مقالات الإسلاميين " ص ١٨١ و٥١٨.
(٣) في (ش): والقدرة والعلم.
[ ٤ / ١٥٩ ]
الكُلِّي لا يوجد في الخارج إلاَّ معينًا مُقيَّدًا، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمرٍ من الأمور هو تشابُهها (١) من ذلك الوجه، وأنَّ ذلك المعنى العامَّ يطلق على هذا وهذا إلاَّ أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها (٢) الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله.
ولما كان الأمر كذلك، كان كثير من الناس يتناقضُ في هذا المقام، فتارة يظنُّ أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حَذَرًا من التشبيه، وتارة يتفطَّن أنه لا بد من إثبات هذا على كل تقدير، فيجيبُ به فيما يثبته من الصفات على من احتج به من النفاة (٣).
ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته أو زائدٌ على ماهيته، وهل (٤) لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، أو (٥) بالتواطؤ، أو التشكيك كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟، وفي وجود الموجودات هل هو زائدٌ على ماهيتها أم لا؟
وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات (٦)، فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين (٧)، ويُحكى عن الناس مقالات ما
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: تشابههما.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: أحدهما.
(٣) تحرفت في (ش) إلى " الثقات ".
(٤) تحرفت في (ش) إلى: هذا.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): هذا المقام.
(٧) في (ش): المتنافيين.
[ ٤ / ١٦٠ ]
قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحير، وقد بسطنا من الكلام في هذه المقالات ما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة (١) ما لا تتَّسع له هذه الجمل المختصرة، و(٢) بيَّنَّا أن الصواب هو (٣) أن وجود كل شيء في الخارج هو (٤) ماهيته الموجودة في الخارج بخلاف الماهية التي في الذهن، فإنها مُغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ الذات، والشيء، والماهية، والحقيقة ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها متواطئة.
فإذا قيل: إنَّها مشككة (٥) لتفاضل مقامها (٦) فالمشكك نوعٌ من المتواطىء العام الذي يراعى فيه دلالةُ اللفظ على القدر المشترك سواء كان المعنى متفاضلًا في موارده أو متماثلًا، وبيَّنَّا أن المعدوم شيء أيضًا في العلم والذهن لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به.
وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجودٌ في الأذهان، وليس في الأعيان إلاَّ (٧) الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة، فتتشابه (٨) بذلك وتختلف به.
_________________
(١) في (ش): الفلاسفة.
(٢) "الواو" ساقطة من (ب).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) "في الخارج هو" ساقط من (ش).
(٥) في (ش): تشككه.
(٦) " لتفاضل مقامها " ساقط من (ش). وفي المطبوع: معانيها.
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) تحرفت في (د) و(ش) إلى: متشابه.
[ ٤ / ١٦١ ]
فصل: في ما يسلكه كثير من نفاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر
إن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه:
الوجه الأول: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم
وأمَّا هذه الجمل المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جُملٍ مختصره جامعة من فهمها، عَلِمَ قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكانُ إغلاق باب الضلال، ثم بسطُها وشرحُها له مقام آخر، إذ لكل مقامٍ مقالٌ، والمقصود هنا: أن الاعتماد على هذه الحجة فيما يُنفى عن الرب ويُنَزَّهُ عنه كما يفعله كثيرٌ من المصنفين خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة.
فصل: وأفسدُ من ذلك ما يسلُكُه (١) كثير من نُفَاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجبُ تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحُزنِ والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه تعالى بكى على الطُّوفان حتى رَمِدَ، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا، والذين يقولون بإلاهية بعض البشر، فإن كثيرًا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم (٢) أو التحيز أو (٣) نحو ذلك، وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة نفاة الأسماء والصفات فإن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوهٍ:
الوجه (٤) الأول: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهرُ فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم (٥)، فإنَّ هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء (٦) ما ليس في ذلك، وكفرُ صاحبِ هذا (٧)
_________________
(١) في (ب) و(ش): سلكه.
(٢) في (ش): بنفي التجسيم والصفات.
(٣) في (ش): و.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (د): التجسيم والتحيز.
(٦) " والخفاء " ساقطة من (ب).
(٧) في المطبوع: ذلك.
[ ٤ / ١٦٢ ]
الوجه الثاني: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريق
الوجه الثالث: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون
معلومٌ بالضرورة من دين الإسلام، والدليلُ مُعَرِّفٌ للمدلول (١)، ومبينٌ له، فلا يجوز أن يُستَدَلَّ على الأظهر الأبين بالأخفي كما [لا] (٢) يفعلُ مثل ذلك في الحدود.
الوجه الثاني: أن هؤلاء ينفُون صفات الكمال بمثل هذه الطريق، واتصافُه بصفات الكمال واجبٌ ثابتٌ بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلًا على فساد هذه الطريقة.
الوجه الثالث: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكُلُّ من أثبت شيئًا منهم ألزم (٣) الآخر بما يُوافِقُه فيه من الإثبات، كما أن من نفى شيئًا منهم ألزم (٣) الآخر بما يُوافقُه فيه (٤) من النفي.
فمثبتة الصفات كالعلم، والقدرة إذا قال لهم النفاة المعتزلة: هذا تجسيمٌ، لأن هذه الصفات أعراضٌ، والعرض لا يقوم إلاَّ بالجسم، أو لأنَّا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلاَّ جسمًا، قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حيٌّ عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًا عالمًا قادرًا إلاَّ جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتُّم حيًا بلا حياة، عالمًا بلا علم، قادرًا بلا قدرة، وهذا تناقضٌ يعلم بضرورة العقل.
إلى قوله: ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا لم يسلُكه أحدٌ من السلف والأئمة، فلم يَنْطِق
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: المديون.
(٢) ما بين الحاصرتين من المطبوع من " التدمرية ".
(٣) في المطبوع: ألزمه.
(٤) من قوله: " من الإثبات " إلى هنا ساقط من (ش) و(د).
[ ٤ / ١٦٣ ]
فصل: وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه
أحدٌ منهم في حق الله بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا بالجوهر والتحيز (١) ونحو ذلك؛ لأنها عباراتٌ مجملة لا تُحِقُّ حقًا، ولا تُبْطِلُ باطلًا. ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكر على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع (٢). يعني حين ردَّ (٣) عليهم قولهم: ﴿عزيرُ ابنُ الله﴾ [التوبة: ٣٠]، وكذلك قول النصارى في المسيح، وكذا (٤) قولُ مشركي العرب بإلهية الأصنام، ولمَّا تحاجَّ رسول الله - ﷺ - والنصارى في المسيح، احتجَّ ﵇ عليهم بأن المسيح ﵇ كان يأكل ويشرب والله تعالى لا يأكل ولا يشرب، وكذلك قال الله تعالى في المسيح وأمِّه ﵉: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وأمثال هذا كثيرة (٥) جدًا. قال:
فصل: وأما في (٦) طرق (٧) الإثبات فمعلومٌ أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى ذلك، لجاز أن يُوصَفَ ﷾ من الأعضاء والأفعال بما لا يُحصَى مما هو ممتنعٌ عليه مع نفي التشبيه عنه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجُوزُ عليه مع نفي التشبيه عنه، كما لو وَصَفَه مُفْتَرٍ بالأكل والشرب، وقال: إنَّه يأكُلُ لا كأكل العباد، ويشربُ لا كشربِهِم.
إلى قوله: فإنه يُقالُ لنا في ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها
_________________
(١) في (أ) و(ب): المتحيز.
(٢) من هنا إلى قوله: " فصل " من كلام ابن الوزير.
(٣) تحرف في (ش) إلى: " حتى يرد " وهو خطأ.
(٤) في (ش): وكذلك.
(٥) في (ش): ذلك كثير.
(٦) في (د): وأمَّا ما في.
(٧) في (ج): " طريق "، وتحرفت في (ب) إلى: طرف.
[ ٤ / ١٦٤ ]
من الصفات؛ ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا جعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات، فلا بُدَّ من إثبات فرقٍ في نفس الأمر.
فإن قال: العمدة في الفرقِ هو السمع، فما جاء السمعُ به أثبتُّه دون ما لم يجىء به.
قيل له: أولًا: السمع هو خبرُ (١) الصادق عمَّا الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به، فهو حقٌّ من نفيٍ أو إثباتٍ، والخبرُ دليلٌ على المخبَرِ عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه (٢)، فما لم يَرِدْ به السَّمْعُ يجوزُ أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع.
إلى قوله: فيقال: كل ما نفى (٣) صفات الكمال الثابتة لله تعالى فهو منزهٌ عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر.
فإذا عُلِمَ أنه موجودٌ واجبُ الوجود بنفسه، وأنه قديمٌ واجبُ القِدَمِ، عُلِمَ امتناعُ العدم والحدوث عليه، وعُلِمَ أنه غنيٌّ عمَّا سواه، فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما تحتاج إليه نفسه (٤) ليس موجودًا بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاجُ إليه نفسه (٥)، فلا يوجَدُ إلاَّ به، وهو سبحانه غنيٌّ عن كل ما سواه، فكلُّ ما نافى غناه، فهو مُنَزَّهٌ عنه، وهو سبحانه قديرٌ قويٌّ، فكل (٦) ما نافى قدرته وقوته، فهو منزَّهٌ عنه، وهو
_________________
(١) في (ش): الخبر.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): " بنفسه "، وفي " التدمرية ": " لنفسه ".
(٥) من قوله: " ليس موجودًا " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) في (ش): وكل.
[ ٤ / ١٦٥ ]
سبحانه حي قيوم، فكل ما نافى حياته وقيوميته، فهو منزَّهٌ عنه.
وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى، وصفات الكمال ما قد ورد، فكلُّ ما ضادَّ ذلك فالسمعُ ينفيه كما ينفى عنه المثل والكُفء، فإن إثبات الشيء نفيٌ لضده، ولما يستلزِمُ ضده، والعقل يَعْرِفُ نفيَ ذلك كما يعرفُ إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفيٌ للآخر، ولما يستلزِمُه، فطرق النفي (١) لما تنزَّهَ الرب سبحانه عنه (٢) متسعةٌ لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير الذين تناقضُوا في ذلك، وفرَّقُوا بين المتماثلين حتى إن كل (٣) من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه.
وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، وقالوا: لا يُقالُ: موجود، ولا ليس بموجودٍ، لأن ذلك تشبيهٌ بالموجود أو المعدوم، فلزمهم نفيُ النقيضين، وهذا أظهر الأشياء امتناعًا، ثم إنه يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات أعظم ممَّا فرُّوا منه، وقد تقدَّم أن ما يُنفَى عنه سبحانه يُنفىلِتُضمُّنِ النفي الإثبات، إذ مجرد النفي المحض لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يُشبِهُ الموجود، وليس هذا مدحًا له، بل مشابهةُ الناقص في صفات النقص نقصٌ مُطلقًا، كما أنَّ مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيلٌ وتشبيهٌ يُنَزَّهُ عنه الربُّ ﵎، والنقصُ ضِدُّ
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (أ) و(ب): " عنه سبحانه "، وسقط من (ش): عنه.
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٦٦ ]
الكمال، وذلك مثلُ أنه قد عُلِمَ أنه حي، والموتُ ضدُّ ذلك فهو منزهٌ عنه (١).
وكذلك النومُ والسنَةُ ضدُّه كمال الحياة، فإنَّ النوم أخو (٢) الموت، وكذلك اللُّغوبُ نقصٌ في القدرة والقوة، والأكلُ والشربُ، ونحو ذلك من الأمور فيه افتقارٌ إلى موجودٍ غيره، والسمع قد نفى ذلك في غير موضع، كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] والصمدُ: الذي لا يأكُلُ ولا يشرب ولا جوف له، وهذه السورةُ هي نسبُ الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب. ولهذا كانت الملائكة صمدًا لا تأكلُ، ولا تشربُ، وقد تقدَّم أنَّ كُلَّ كمالٍ، فالخالقُ أولى به، وكلَّ نقص فالخالقِ أولى بالتنزيهِ عنه.
وقد قال سبحانه في حقِّ المسيح وأمه (٣): ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، فجعل ذلك دليلًا على نفي الأُلوهيه، فدلَّ ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى، فهو سبحانه مُنزَّهٌ (٤) عن ذلك، وعن آلاتِه وأسبابِه.
وكذلك البكاءُ والحزنُ هو (٥) مستلزمٌ للضعف (٦) والعجز الذي ينزه الله عنه، إلى قوله: وأيضًا فقد ثبت بالعقل ما بيَّنه السمع من أنه سبحانه
_________________
(١) من قوله: " والنقص ضد الكمال " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) "النوم أخو" ساقطة من (ب).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) في (ش): ينزه.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): الضعف.
[ ٤ / ١٦٧ ]
لا كُفُؤ له، ولا سَمِيَّ له، وليس كمثله شيءٌ، فلا يجوزُ أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات ولا حقيقة شيء من صفاتِه كحقيقة شيء من صفات المخلوقين، فيُعلَمُ قطعًا أنه ليس من جنس المخلوقات لا الملائكة، ولا السماوات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا (١) أبدانهم، ولا أنفُسِهم، ولا غير ذلك، بل نعلمُ أنَّ حقيقته عن مماثلة شيء من المخلوقات أبعد من سائر الحقائق، فإن الحقيقتين إذا تماثلتا، جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، فيلزَمُ أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المُحْدَثِ المخلوق من العدم والحاجة، فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه، غير واجبٍ بنفسه، وذلك جمعٌ بين النقيضين، وهذا مما يُعلَمُ به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بَصَرٌ كبصري ونحو ذلك.
وليس المقصود هنا استيفاء ما ثبت (٢) له، وما تنزّه (٣) عنه، واستيفاء طرق (٤) ذلك، لأنَّ هذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك، وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يُثبتُه ولا ينفيه، سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت (٥) ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكُتُ عن ما لا (٦) نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم. انتهى كلام ابن تيمية.
_________________
(١) "الواو" ساقطة من (أ) و(ب).
(٢) في (د): يثبت.
(٣) في (د): ينزه.
(٤) من قوله: " بصر كبصري " إلى هنا ساقط من (ب).
(٥) في (ب): فثبت.
(٦) في (ب): لم.
[ ٤ / ١٦٨ ]
الفصل الثالث: في الإشارة إلى حجة من كفر هؤلاء
الفصل الثالث: في الإشارة إلى حُجة من كفَّر هؤلاء، وما يَرِدُ عليها واعلم أنه لا يصلُح (١) إيراد الحُجَّة على التكفير إلاَّ بعد معرفة (٢) مذاهبهم، وإيراد الحجة على بُطلان قولهم، لأن التكفير فرع البطلان، وقد تقدم من كلام ابن تيمية ما إذا رآه من ليس له خوض في علم الكلام، ودِرْيَةٌ بفنِّ النظر تطلَّع إلى معرفة الأدلَّةِ من الجانبين، وقد اشتمل كلام ابن تيمية على الإشارة إلى زُبْدَةِ أدلة المعتزلة، والشيعة، والأشعرية، ولكنه على وجهٍ لا يُفِيْدُ إلاَّ الخاصة، ولا يعرِفُه إلاَّ أهل الدِّرية، لكونه أدخل ذلك في ضمن الردِّ عليهم، ولم يُميِّزه عن غيره، ولا شكَّ أن كلام هذه الطوائف العظيمة، أعني: الشيعة والمعتزلة والأشعرية في هذه المسألة هو المشهور في هذه الأعصار، وخاصة في هذه الديار حتى لا يكاد يخفى على أحدٍ، ولا يختص ببلد دون بلد، فلذلك (٣) تركت التطويل بذكره مستوفى خوف الإملال، ولم أُحِبَّ ذكر اليسير منه خشية الإخلال، وإنما ذكرت كلام متكلمي أهل الحديث لغرابته في ديارنا، وظهور جهل صاحب الابتداء به.
وأما معرفة مذاهبهم، فقد تقصَّاها علاَّمة المعتزلة عبد الحميد بن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " لكنه طوَّله تطويلًا كثيرًا، واقتصرت منه على المقصود هنا.
وأقول (٤): قال الشيخ: واعلم أن التكفير المجمع على صحته
_________________
(١) في (ش): يصح.
(٢) في (د): إيراد.
(٣) في (أ): ولذلك.
(٤) في (ب): فأقول.
[ ٤ / ١٦٩ ]
هو تكذيبُ خبر الله ﷿: أو خَبَرِ رسوله (١) - ﷺ - المعلوم لفظه بالتواتر، ومعناه بالنصوصية الجلية، فَمَنْ كفَّرهم جعلهم مكذبين لما هو كذلك عنده من السمع، وهو قوله تعالى: ﴿ليس كمثلِه شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقد تقدم في كلام ابن تيمية في الفصل الثاني جوابهم عن هذا، وإنما أوردته مستوفىً لأجل معرفة هذه النكتة، والمخالفون (٢) يعكسون السؤال على المعتزلة، ويوردون (٣) عليهم ممَّا يخالفونه من الآيات القرآنية ما هو (٤) أكثر من هذه الآية وأصرح، فما أجابت به (٥) المعتزلة أجابوا بمثله.
وقد صنف قاضي القضاة عبد الجبار بن (٦) أحمد المعتزلي كتابًا كبيرًا في تأويل متشابه القرآن، من وقف عليه عَلِمَ كم خالفت المعتزلة منه، وفي ما تقدَّم من كلام ابن تيمية كفايةٌ في هذا المعنى لمن أنصف وفهم معناه وتأمَّله.
وذكر ابن عبد السلام كلامًا نفيسًا في عَدَمِ التكفير، وإعذار الغالطين في كتابه " القواعد " (٧) موضعُه رأسُ الثُّلث الأول من القواعد تقريرًا أو (٨) قبله بقليل ما لفظُه:
_________________
(١) في (ب): رسول الله.
(٢) في (أ): والمخالفين، والتصويب من النسخ الأخرى.
(٣) في (ش): ويروون.
(٤) في (ش): بما.
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) ساقطة من (ب).
(٧) انظر ٧١١ - ١٧٣، وقد تقدمت ترجمة ابن عبد السلام في ٣/ ١٣٥.
(٨) في (ب) و(ش): و.
[ ٤ / ١٧٠ ]
التنبيه على معرفتين:
المعرفة الأولى: أن شرط التكفير بمخالفة السمع أن يكون ذلك السمع المخالف معلوما علما ضروريا من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى
الشرط الأول: اللفظ ولا إشكال فيه
الفصل الثامن فيما اختلف فيه من تقديم حقوق الله تعالى، ومضمونه: أن كل طائفة من المسلمين نفت عن الله تعالى ما يُعتقد أنه نقصٌ، وإنما يكفُرُ من عَكَسَ هذا، وأزيدُ التنبيه على معرفتين:
المعرفة الأولى: أن شرط التكفير بمخالفة السمع أن يكون ذلك السمعُ المخالفُ معلومًا علمًا ضروريًا من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى فأما اللفظ -وهو الشرط الأول-، فلا إشكال فيه، لأنه يمتنع ثبوته على جهة القطع بغير التواتر، والتواتر ضروري.
فأما الأحاديث الظنية في أصلها المجمع على صحتها، فلا خلاف في (١) أنه لا يكفُرُ مخالفها على جهة التأويل، وإنما اختلف أهل العلم في تلقيها من الأمة بالقبول، هل يدل على القطع بصحتها أم لا؟ فذهب الأكثرون والمحققون إلى أنه لا يُفِيدُ العلم القاطع، ممَّن عزا ذلك إلى الأكثرين والمحققين (٢) النواويُّ في كتابه في " علوم الحديث " (٣)، وذهب بعضهم إلى أنه يدلُّ على القطع بصحتها، واختاره ابن الصلاح (٤)،
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): المحققين والأكثرين.
(٣) انظر " تدريب الراوي " ١/ ١٣١ وما بعدها.
(٤) في " مقدمته " ص ٢٤. وقال المؤلف في كتابه " تنقيح الأنظار " ١/ ١٢٣ بعد أن ذكر كلام ابن الصلاح. وقد سبقه إلى نحو ذلك محمد بن طاهر المقدسي، وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، واختاره ابن كثير، وحكى في " علوم الحديث " له أن ابن تيمية حكى ذلك عن أهل الحديث، وعن السلف، وعن جماعات كثيرة من الشافعية والحنابلة، والأشاعرة والحنفية وغيرهم والله أعلم. وقال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ١٨/ ٤٠ - ٤١: وأمَّا المتواتر فالصواب الذي عليه الجمهور: أن المتواتر ليس له عدد محصور، بل إذا حصل العلم عن إخبار المخبرين كان الخبر متواترًا، وكذلك الذي عليه الجمهور أن العلم يختلف باختلاف حال المخبرين به، فربَّ عددٍ قليلٍ أفاد خبرُهم العلم بما يوجب صدقهم، وأضعافهم لا يفيد خبرهم العلم، ولهذا كان =
[ ٤ / ١٧١ ]
وابن طاهر، وأبو نصر.
وسِرُّ المسألة هل تجويز الخطأ في ظن المعصوم (١) لمطلوبه لا لمطلوب الله منه يُناقِضُ العصمة أم لا، والحق أنه لا يُنَاقِضها، كتحري الوقت في الصوم والصلاة، بل كرمي الكُفَّار في الجهاد، والدليل عليه وجوه:
الأول: لو امتنع الخطأ في ظن المعصوم لبَطَلَ كونُه ظنًا، والفرض أنه ظنٌّ، هذا خلفٌ، وفيه بحث، وهو أنَّ الخطأ امتنع في العلم لنفسه، وفي ظن المعصوم لغيره وهو العصمة.
الثاني: قولُ يعقوب ﵇ في شأن (٢) أخي يوسف: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨ و٨٣]، كما قال
_________________
(١) = الصحيحُ أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم. وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث، وإن لم يعرف غيرهم أنه متواتر، ولهذا كان أكثر متون الصحيحين ممَّا يعلم علماء الحديث علمًا قطعيًّا أنَّ النبي - ﷺ - قاله، تارة لتواتره عندهم، وتارة لتلقي الأمة له بالقبول. وخبر الواحد الملتقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري، كالإسفراييني، وابن فورك، فإنَّه وإن كان في نفسه لا يفيد إلاَّ الظن، لكن لما اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق كان بمنزلة إجماع أهل العلم بالفقه على حكم مستندين في ذلك إلى ظاهر أو قياس أو خبر واحد، فإن ذلك الحكم يصير قطعيًا عند الجمهور، وإن كان بدون الإجماع ليس بقطعي، لأن الاجماع معصوم، فأهل العلم بالأحكام الشرعية لا يجمعون على تحليل حرام، ولا تحريم حلال، كذلك أهل العلم بالحديث لا يجمعون على التصديق بكذب، ولا التكذيب بصدق. وتارة يكونُ علمُ أحدِهم لقرائن تَحْتَف بالأخبار توجب لهم العلم، ومن علم ما علموه حَصَلَ له من العلم ما حصل لهم. وانظر هذه المسألة في " علوم الحديث " لابن كثير ص ٣٥ - ٣٦، و" شرح مقدمة ابن الصلاح " للعراقي ص ٢٨ - ٢٩، و" تدريب الراوي " ١/ ١٣١ وما بعدها.
(٢) قوله: " في ظن المعصوم " ساقطة من (ب).
(٣) في (ش): بنيان.
[ ٤ / ١٧٢ ]
ذلك في شأن يوسف.
الثالث: قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاها سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
الرابع: حديث " فمن حكمتُ له بمال أخيه فإنما أقطع له قِطعَةً من نارٍ " (١).
الخامس: ما تواتر وأجمعت عليه الأمة من ثبوت سهو النبي - ﷺ - في صلاته (٢)، فثبت أنه لا يمكن العلم القاطع بشيءٍ من السمع إلاَّ المتواترات، ولكن ها هنا لطيفة: وهي أن المتواترات نوعان:
_________________
(١) أخرجه من حديث أم سلمة: مالك في " الموطأ " ٢/ ٧١٩، والشافعي (٦٢٦) بترتيب السندي، وأحمد ٦/ ٢٠٣ و٢٩٠ و٣٠٧ و٣٢٠، والبخاري (٢٤٥٨) و(٢٦٨٠) و(٦٩٦٧) و(٧١٦٩) و(٧١٨١) و(٧١٨٥)، ومسلم (١٧١٣)، والترمذي (١٣٣٩)، والنسائي ٨/ ٢٣٣، وأبو داود (٣٥٨٣)، وابن ماجة (٢٣١٧)، والبغوي (٢٥٠٦). ولفظ مالك: " إنما أنا بشر، وإنَّكم تختصمون إليَّ، فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضيَ له على نحو ما أسمعُ منه، فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه، فلا يأخُذَنَّ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار ". وأخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد ٢/ ٣٣٢.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: مالك ١/ ٩٣ و٩٤، وأحمد ٢/ ٢٧١ و٢٨٤ و٤٢٣ و٤٥٩ - ٤٦٠، والبخاري (٧١٤) و(٧١٥) و(١٢٢٧) و(١٢٢٨) و(١٢٢٩) و(٧٢٥٠)، ومسلم (٥٧٣)، والدارمي ١/ ٣٥١ - ٣٥٢، والترمذي (٣٩٩)، وابن ماجة (١٢١٤)، والبغوي (٧٥٩) و(٧٦٠). ولفظ مالك: أن رسول الله - ﷺ - انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقَصُرَت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: " أصدق ذو اليدين؟ " فقال الناس: نعم، فقام رسول الله - ﷺ -، فصلَّى ركعتين أُخريين، ثم سلم، ثم كبَّر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبَّر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع. وأخرجه من حديث عمران بن الحصين: مسلم (٥٧٤)، وابن ماجة (١٢١٥)، والحاكم ١/ ٣٢٣، والبغوي (٧٦١). وأخرجه من حديث ابن عمر: ابن ماجة (١٢١٣). وأخرجه من حديث ذي اليدين: أحمد ٤/ ٧٧.
[ ٤ / ١٧٣ ]
المتواترات نوعان:
أحدهما: ما علمه العامة مع الخاصة
ثانيهما: ما لا يعرف تواتره إلا الخاصة
أحدهما: ما عَلِمَهُ العامة مع الخاصة، كمثل (١) كلمة التوحيد، وأركان الإسلام، فيكفُرُ جاحده مطلقًا (٢)، لأنه قد بلغه التنزيل، وإنما رده بالتأويل، وإن لم يعلم هو ثبوت ما جحده من الدين بسبب ما دخل فيه من البدع والشُّبه التي ربما أدت إلى الشك في الضرورات، ودفع العلوم والحجة على التكفير بذلك مع الشكِّ قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالثُ ثلاثةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، والمعلوم أنهم ما قصدوا تكذيب عيسى، بل قصدوا تصديقه، ويدل على هذا التعليل بالبلوغ، وعلى أن الجهل قبله عذرٌ لا بعده قوله تعالى: ﴿ذلك أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مهلكَ القُرى بظُلْمٍ وأهلُها غافلون﴾ [الأنعام: ٩٢] وهي من أوضح الأدلة على ذلك ولله الحمد.
وثانيهما: ما لا يعرف تواتره إلاَّ الخاصة، فلا يُكفرُ مستحلُّه من العامة، لأنه لم يبلُغه، وإنما يكفر من استحلَّه وهو يعلم حرمته بالضرورة، مثل: تحريم الصلاة على الحائض (٣) إلى أمثالٍ لذلك كثيرة، وقد شرب
_________________
(١) في (ب) و(ش): مثل.
(٢) في (ش): قطعًا مطلقًا.
(٣) أخرجه من حديث عائشة: مالك ١/ ٦١، والبخاري (٢٢٨) و(٣٠٦) و(٣٢٠) و(٣٢٥) و(٣٣١)، ومسلم (٣٣٣)، وأبو داود (٢٨١) و(٢٨٢) و(٢٨٣) و(٢٨٤) و(٢٨٥)، والنسائي ١/ ١١٧ و١١٨ - ١١٩ و١٢٠ - ١٢١ و١٢١ و١٢٢ و١٢٣ و١٢٣ - ١٢٤ و١٢٤، والترمذي (١٢٥)، وابن ماجة (٦٢١) و(٦٢٤) و(٦٢٦)، وأحمد ٦/ ٨٣ و١٢٨ - ١٢٩. ولفظ مالك: قالت فاطمة بنتُ أبي حُبيش: يا رسول الله، إنِّي لا أطهر، أفأدعُ الصلاة؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: " إنما ذلك عِرْقٌ، وليست بالحيضة، فإذا أقبلتِ الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدْرُها فاغسلي الدم عنكِ وصلِّي ". وأخرجه من حديث أم سلمة: مالك ١/ ٦٢، وأبو داود (٢٧٤) و(٢٧٥) و(٢٧٨) و(٢٨١)، والنسائي ١/ ١١٩ - ١٢٠، وابن ماجة (٦٢٣). وأخرجه من حديث فاطمة بنت أبي حُبيش: أبو داود (٢٨٠) و(٢٨١) و(٢٨٦)، والنسائي ١/ ١١٦ - ١١٧ و١٢١، وابن ماجة (٦٢٠).
[ ٤ / ١٧٤ ]
الخمر مُستحلًا متأولًا قُدامة بن مظعون الصحابي البدري (١) فجلده عمر، ولم يقتله ويجعل ذلك رِدّةً، وأقرت الصحابة عمر على ذلك (٢)، وكان شبهته في ذلك قوله تعالى بعد آية الخمر في المائدة: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناحٌ فيما طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فدلَّ على أنَّ الشُّبهة قد تدخلُ في بعض الضروريات.
وأصحُّ من حديثِ قُدامة حديث الرجل الذي أوصى أن يُحْرَقَ ويُسْحَقَ ويُذْر حتى لا يَقْدِرَ الله عليه، فإنه إن قدر عليه عذَّبه عذابًا لا يعذبه أحدًا، ثم غَفَرَ الله له لخوفه، متفق على صحته عن أربعة من الصحابة (٣)، وله طرق متواتره ذكرها في "مجمع
_________________
(١) قال الذهبي في " السير " ٤/ ١٦١: قدامة بن مظعون أبو عمرو الجمحي من السابقين البدريين، ولي إمرة البحرين لعمر، وهو من أخوال أم المؤمنين حفصة وابن عمر، وزوج عمتهما صفية بنت الخطاب إحدى المهاجرات توفي سنة ٣٦ هـ.
(٢) أخرج خبره في ذلك مطولًا عبد الرزاق في " المصنف " (١٧٠٧٦) عن معمر عن الزهري أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة -وكان أبوه شهد بدرًا- أن عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: مالك ١/ ٢٤٠، وأحمد ١/ ٣٩٨ و٢/ ٢٦٩ و٣٠٤، والبخاري (٣٤٨١) و(٧٥٠٦)، ومسلم (٢٧٥٦)، والنسائي ٤/ ١١٢ - ١١٣، وابن ماجة (٤٢٥٥)، والبغوي (٤١٨٣) و(٤١٨٤). وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: البخاري (٣٤٧٨) و(٦٤٨١) و(٧٥٠٨) ومسلم (٢٧٥٧)، وأحمد ٣/ ١٣ و١٧ و٦٩ - ٧٠ و٧٧ - ٧٨. وأخرجه من حديث حذيفة: البخاري (٣٤٧٩) و(٦٤٨٠)، والنسائي ٤/ ١١٣، وأحمد ٤/ ١١٨ و٥/ ٣٩٥. وأخرجه من حديث معاوية بن حيدة: الدارمي ٢/ ٧٢٦، وأحمد ٤/ ٤٤٧ و٥/ ٤. وأخرجه من حديث أبي مسعود البدري: أحمد ٤/ ١١٨. وأخرجه من حديث عبد الله بن مسعود: أحمد ١/ ٣٩٨، وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١٩٤ - ١٩٥ وزاد فيه: رواه أبو يعلى (٥٠٥٦) و(٥١٠٥) بسندين ورجالهما رجال الصحيح، ورواه الطبراني بنحوه، وإسناده منقطع، وروى بعضه مرفوعًا أيضًا بإسناد متصل، ورجاله رجال الصحيح غير أبي الزعراء وهو ثقة. =
[ ٤ / ١٧٥ ]
الشرط الثاني: أن يكون معنى المتواتر معلوما بالضرورة
الزوائد" (١) فينبغي التفطن لهذا النوع الذي يختلف العلم به، فلا يقع التكفير به في العقائد، والله أعلم.
الشرط الثاني: أن يكون معنى المتواتر معلومًا بالضرورة على الصحيح كما يأتي في الوجه الثاني من المعرفه الثانية، وهذا الشرط إنما يعتبر في حق من أقر بالتنزيل، وإنما خالف في معناه، أما من كذب اللفظ المنزل، أو جحده (٢)، كفر متى كان ممن يعلم بالضرورة أنه يعلمه بالضرورة، وإنما الكلام في طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنزيل، وخالفوا (٣) في التأويل، فهؤلاء لا يكفر منهم إلاَّ مَنْ تأويلُه تكذيبٌ، ولكنه سمَاه تأويلًا مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجودًا وعالمًا (٤) وقادرًا ونحو ذلك من الصفات التي (٥) علم الكافة بالضرورة أن النبي - ﷺ - جاء بها على ظاهرها.
والدليل على أنه لا يكفُرُ أحدٌ من المخالفين في التأويل إلاَّ من بلغَ هذا الحدَّ في جحد المعاني المعلوم ثبوتُها بالضرورة أنَّ الكُفْرَ: هو تكذيبُ النبيِّ - ﷺ -، إمَّا بالتصريح أو بما يستلزمُه استلزامًا ضروريًا لا
_________________
(١) = وأخرجه من حديث الحسن وابن سيرين مرسلًا: أحمد ٢/ ٣٠٤. وأخرجه من حديث سلمان الفارسي: الطبراني في " الكبير " (٦١٢٢) وذكره الهيثمي ١٠/ ١٩٦. وقال: ورجاله رجال الصحيح غير زكريا بن نافع الأرسُوفي وقد تصحَّف في الطبراني و" المجمع " إلى " الأرسوقي "، والسري بن يحيى، وكلاهما ثقة. وأخرجه من حديث أبي بكر الصديق: أحمد ١/ ٤ - ٥.
(٢) ١٠/ ١٩٤ - ١٩٦.
(٣) في (ش): جحد.
(٤) في (ش): بل وخالفوا.
(٥) "الواو" ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): الذي.
[ ٤ / ١٧٦ ]
استدلاليًا، ومثال ذلك قول هؤلاء وأمثالهم، فإنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم من تصديق النبي - ﷺ -، ثم يقولون: إنه لا يوصف البتة، ويتأولون الصفات الربانية بأن المراد بها الإمام حتى تُوجَّهَ العبادة إلى الإمام، لأن توجيه الصلاة إلى الله يقتضي عندهم (١) التشبيه، إذ كان في التكبير وصفُه بالكبر، وفي الفاتحة وصفُه بالحمد، والرحمة، والربوبية، والمُلك، والعبادة، والإعانة، والهداية، والإنعام، والغضب، وهذا كلُّه عندهم تشبيهٌ، وتمثيلٌ، وكفرٌ، وضلال فأُروا (٢) أن توجيه هذه الصلاة إلى الله (٣) أعظمُ الكفر (٤)، وأوجبُوا توجيهها إلى أئمَّة كُفرِهم، أو (٥) إلى بعض أئمَّة الإسلام الذين هُم أبغضُ الخلقِ لهم تمويهًا على المسلمين، وخديعةً للدين، فأيُّ كفرٍ أعظمُ من كفرهم؟ وأيُّ كيدٍ أضرُّ من كيدهم؟
وأما أهل البدع الذين آمنوا بالله وبرسله وكتبه واليوم الآخر، وإنما غَلِطُوا في بعض العقائد لشُبهَةٍ قَصَرَت عنها أفهامُهم، ولم تبلُغ كشفَها معرفتُهم، فلا دليل على كفرهم، ومن كفَّرهم، فقد اغترَّ في تكفيره من الشبهة بمثل ما اغتروا به في بدعتهم من ذلك.
ألا ترى أنهم يُلزِمُونَ من أقرَّ بالاستواء مع نفيه التشبيه الكفر من حيث إنه جاحدٌ، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وكيف يصح نسبةُ الجحودِ لهذه الآية إليه، وهو يُقِرُّ بها
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): ورأوا.
(٣) " إلى الله " ساقطة من (د).
(٤) في (ش): كفر.
(٥) "إلى أئمة كفرهم أو" ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٧٧ ]
الوجه الأول: أنه لا يكفر بمخالفة الأدلة العقلية وإن كانت ضرورية
بعينها، ولا يتأوّلها ويقول: إنه تعالى يستوي كما أراد، لا كاستواء الأجسام، وأكثر ما يقول: إنَّه جسمٌ لا كالأجسام، فقوله: لا كالأجسام تصديقٌ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وشرطُ الكفر أن يكون تكذيبُه بالآية معلومًا علمًا قاطعًا (١)، وقيل: ضروريًا، وهو الصحيح، وأيُّ قطعٍ على تكذيبه بها، وهو يقول: لا كالأجسام، ويقول: إنها صحيحة المعنى، محكمة غير مأولة (٢)، وهذا الذي اختاره الإمام يحيى بن حمزة في " التمهيد "، وحكى شارح " جمع الجوامع " لابن السبكي عن أحمد بن حنبل أن من قال: جسمٌ لا كالأجسام فهو كافرٌ.
المعرفة الثانية: أن التكفير سمعي محضٌ لا مدخل للعقل فيه، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يكفر بمخالفة الأدلة العقلية وإن كانت ضروريةٌ، فلو قال بعضُ المُجَّان وأهل الخلاعة: إن الكلَّ أقلُّ من البعض لكانت هذه كذبةٌ، ولم يحكم أحدٌ من المسلمين بردته مع أنه خالف ما هو معلومٌ بالضرورة من العقل، وما لا يُوجَدُ في العلوم العقلية أوضح منه.
ولو قال: إنَّ صلاة الظهر أقلُّ من صلاة الفجر، لكفر بإجماع المسلمين، فإن خالف العقل والسمع معًا، مثل قول القرامطة: إنَّ المؤثر في وجود الموجودات يجب أن لا يكون موجودًا ولا معدومًا، كفر (٣) لأجل مخالفة السمع فقط، إذ لو قال بمثل هذه الضلالة فيما لم يَرِدْ به السمع لما كفر، مثل الكلام في الماهيات الكليات الذهنيات كماهية الإنسان التي في
_________________
(١) في (د): قطعًا.
(٢) في (د): متأولة.
(٣) في (ش): ما كفر.
[ ٤ / ١٧٨ ]
الوجه الثاني: أن الدليل على الكفر والفسق لا يكون إلا سمعيا قطعيا
الذهن، فإنَّ من قال: إن لها وجودًا في الخارج، أو لا وجود لها فيه، بل هي معدومةٌ، أو قال: لا يُوصَفُ بواحدٍ منهما، لم يستحق الكفر سواء كان خطأ معلومًا بالضرورة أم لا، ما ذلك إلاَّ لأن السمع لم يرد في ذلك بأمر يكون رادُّه مكذبًا له، فتأمل ذلك.
فإذا تقرَّر ذلك، فاعلم أن أبعَدَ الناس من الكفر من عظَّم السمع وعظَّم الإيمان بما فيه مع (١) البُعد من التمثيل والتشبيه، وإن اطلع أهل الأنظار العقلية على غَلَطِه أو رِكَّةِ بعض أدلته، فقد يكون إيمان بعض المؤمنين صحيحًا مؤمنًا له من عذاب الله، مُقَرِّبًا له من الله، ويكون عليه في تَصَرُّفِه في النظر والاستدلال مؤاخذاتٌ لا سيما في العبارة، وذلك لعدم ارتياضه (٢) على تهذيب العبارات، وقلَّة دريته بتحرير المقدِّمات، لا لضعف إيمانه، ولا لضعف دليله، وقد يوردُ المتحذلِقُ في علم (٣) الجدل الشُّبَهَ، فيكسوها من حسن الترصيف، وجودة الترتيب ما يُموِّهُ به على كثير من المتعاطين لعلم النظر، والمنقطعين في فنِّ الكلام، فإيَّاك والاغترار بذلك، فإن أكثر المعاني المشوَّهة تُسْتَرُ بالعبارات المموّهة.
الوجه الثاني: أنَّ الدليل على الكفر والفِسْقِ لا يكون إلاَّ سمعيًا قطعيًا ولا نزاع في ذلك، وإنَّما النزاع في بعض الأدِلَّةِ على التكفير، هل هو قاطعٌ أم لا؟، وأنت إذا عَرَفْتَ معنى القاطع، عرفتَ الحقَّ في تلك الأدلة المعينة.
واعلم أن القطعَ لا بُدَّ أن يكون من جهة ثبوت النصِّ الشرعي في
_________________
(١) في (ش) و(د): من.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: ارتباطه.
(٣) في (د): لعلم.
[ ٤ / ١٧٩ ]
نفسه، ومن جهة وضوح معناه.
فأمَّا ثبوتُه فلا طريق إليه إلاَّ التواتر الضروري كما تقدم.
وأما وضوح معناه، فهل يمكن أن يكون قطعيًا، ولا يكون ضروريًا؟ في كلام كثيرٍ من الأصوليين ما يقتضي تجويز ذلك، وفي (١) كلام بعضهم ما يمنع من ذلك، وهو القويُّ عندي أن (٢) القطع على معنى النصِّ من قبل (٣) النقل عن أهل اللغة أنهم يعنُونَ باللفظ المعين معناه المُعيَّن دون غيرِه، وهذا (٤) طريقُه (٥) النقل لا النظر، وما كان طريقه النقل لا النظر لم يدخله القطع الاستدلالي، وإنَّما يكون من قبيل المتواترات وهي ضروريةٌ، ويُؤيِّدُ هذا أن شرط القطع، بمعنى النص مع تواتُرِ معناه لغةً القطع ينفي الاشتراك، والتجوز، والإضمار، والمعارضة، والنسخ، والتخصيص، والاستدلال القاطع على عدم هذه متعذرٌ، لأنه لا مستند لذلك إلاَّ عدمُ الوجدان بعد الطلب، وذلك لا يُفِيدُ القطع البتة، ومنتهى ما يفيد الظن لا سوى، كما ذلك مقررٌ في العلوم النظرية بل مقررٌ في العلوم (٦) الفِطرية، فإن كل عاقل يُجَرِّبُ مثل ذلك، فلِمَ يطلب الإنسان الشيء فلا يجده ثم يجده؟.
وقد أورد الرازي هذا السؤال في باب اللغات من " محصوله " (٧)
_________________
(١) "الواو" ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): لأن.
(٣) في (ش): قبيل.
(٤) في (ش): وهذه.
(٥) في (ب): طريقة.
(٦) في (ب): العقول.
(٧) انظر الجزء الأول من ص ٢٦٠، و٢٦٩ و٢٧٩ و٢٩٤ - ٢٩٥.
[ ٤ / ١٨٠ ]
مُهذَّبًا مُطوَّلًا، وأجاب عنه بما معناه: أن العلم بالمقاصد يكون مع القرائن ضروريًا، فإنا نعلم مراد الله سبحانه بالسماوات والأرض بالضرورة (١)، لا بكون (٢) لفظ السماء موضوعًا لِمُسماه، لدخول الاشتراك والمجاز والإضمار في الأوضاع اللغوية.
فإذا تقرَّر هذا، ثبت أن (٣) الدليل القطعى على التكفير ليس هو إلاَّ العلم الضروري بأن هذا القول المعين كفرٌ، وهذا غير موجود إلاَّ في مثل من قدمنا ذكره من القرامطة، ألا ترى أن من أوضح الألفاظ في هذا المعنى لفظ الكفر، وقد جاء بمعنى كفر النعمة، وحَمَلَه على ذلك كثيرٌ من العلماء في أحاديث كثيرةٍ، وجاء في كلام النبي - ﷺ - وصف النساء بالكفر، قالوا: يا رسول الله، يكفرن بالله، قال: " لا، يكفرن العشير " (٤) وهو الزوج، وجاء في الحديث إطلاق الكفر على النياحة والطعن في الأنساب (٥)، والانتساب إلى غير الأب (٦)، ومن ثم اختلف الناس في تكفير قاطع
_________________
(١) في (ش): ضرورة.
(٢) في (ب): يكون.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) أخرجه بلفظ المصنف أحمد ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩ من حديث ابن عباس، وهو بنحوه من حديثه في " الموطأ " ١/ ١٨٦ - ١٨٧، و" المسند " ١/ ٢٩٨. وتقدم تخريجه في ٢/ ١٦٢ من " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وأخرجه من حديث ابن مسعود: أحمد ١/ ٤٢٣ و٤٢٥ و٤٣٣ و٤٣٦، والدارمي ١/ ٢٣٧. وأخرجه من حديث ابن عمر: أحمد ٢/ ٦٦ - ٦٧، وابن ماجة (٤٠٠٣). وأخرجه من حديث أبي هريرة: الترمذي (٢٦١٣). وأخرجه من حديث جابر: الدارمي ١/ ٣٧٧.
(٥) أخرجه مسلم (٦٧)، والبيهقي ٤/ ٦٣ من حديث أبي هريرة بلفظ: " اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت ".
(٦) أخرجه من حديث أبي ذر: البخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١)، وأحمد =
[ ٤ / ١٨١ ]
الصلاة لورود النص بكفره (١).
والقصد التنبيه (٢) على أن لفظ الكفر الموضوع في الشرع لمضادة الإسلام إذا لم يكُن قاطعًا في معناه الشرعي، فكيف بكثيرٍ من الاستخراجات البعيدة والاستنباطات المتكلفة، والإلزامات المتعسفة، والمفهومات المُتخيلة (٣)، وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " (٤)، ولا ملجأ للمسلم إلى التعرُّض لمثل هذا الذنب العظيم، والخطأ في العفو أولى من الخطأ في العقوبة، وتقوى الله نِعْمَ الوازِعُ، نسأل الله أن يجعلنا من المتقين.
وهذا الكلام الذي ذكرته في شرائط التكفير والتفسيق هو على قواعد المعتزلة والشيعة وجُلِّ سائر المتكلمين، وهو عندي صحيح في من يُرادُ القطع بكفره، وأما من لا يراد القطع بكفره ففيه لي (٥) نظر ليس هذا مَوْضِعَ
_________________
(١) = ٥/ ١٦٦ بلفظ: " ليس من رجلٍ ادَّعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلاَّ كفر بالله، ومن ادَّعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوّأ مقعده من النار ".
(٢) أخرجه من حديث جابر: أحمد ٣/ ٣٧٠ و٣٨٩، ومسلم (٨٢)، وأبو داود (٤٦٧٨)، وابن ماجة (١٠٧٨)، والترمذي (٢٦١٨) و(٢٦١٩) و(٢٦٢٠)، والبغوي (٣٤٧). ولفظ مسلم: " إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ". وأخرجه من حديث بريدة: النسائي ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، والترمذي (٢٦٢١)، وابن ماجة (١٠٧٩)، والحاكم ١/ ٦ - ٧. وأخرجه من حديث أنس: ابن ماجة (١٠٨٠). وأخرج الترمذي (٢٦٢٢): عن عبد الله بن شقيق قال: " كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة "، ووصله الحاكم ١/ ٧ عن أبي هريرة. وقال الذهبي: لم يتكلم عليه، وإسناده صالح.
(٣) في (ب): والتنبيه بزيادة الواو، وهو خطأ.
(٤) تحرفت في (ب) و(ش) إلى: المتخلية.
(٥) تقدم تخريجه في ٢/ ٤٣٩.
(٦) في (د): فلي فيه.
[ ٤ / ١٨٢ ]
ذكره، وقد ذكره الفقيه حميد في " العمدة " (١) وقوَّاه وعزاه إلى الإمام المنصور بالله (٢)، والله سبحانه أعلم.
وهذا الكلام كله يتعلق بتكفير المعتزلة أو بعضهم لبعضِ مثبتي الصفات بسبب مخالفة المعلوم من السمع، وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والمعنى المعلوم بالضرورة من الدين في هذه الآية الشريفة المجمع عليه بين المسلمين: هو تكفير من أثبت لله تعالى مثلًا في الربوبية، أو في صفات الربوبية، أو في بعض صفاتها التي هي من خواصِّ الربوبية دون من أثبت سائر صفات الكمال التي يُمْدَحُ الربُّ ﷻ بالاتصاف بها وسماها المثل الأعلى، وتمدَّح بها في قوله ﷿: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] ومدحه بذلك رسول الله - ﷺ -، وجميعُ سلفِ الأمةِ مُتقربين إليه بمدحه بها (٣) وتسميته ووصفِه في صلواتهم، وتلاواتهم، وخُطَبهم، ومواعظهم، ومناجاتهم مجمعين على إطلاقها من غير تأويلٍ، ولا تنبيه على ذلك، كيف وهذا أمير المؤمنين الذي يدَّعي عليه كثيرٌ (٤) من
_________________
(١) هو حميد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد المحلي، النهمي، الوادعي الهمداني، المعروف بالقاضي الشهيد من علماء الزيدية وفضلائها، كان من كبار أصحاب الإمام المهدي أحمد بن الحسين القاسمي، وحضر معه معركة الحصينات بينه وبين المظفر الرسولي يوسف بن عمر، فاستشهد القاضي بها سنة ٦٥٢، قتله الأشراف بنو حمزة. من تصانيفه: " العمدة " في مجلدين، و" العقد الفريد "، و" الحسامُ الوسيط " و" عقيدة الآل "، " والحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية "، وهذا الأخير في مخطوطات المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء. انظر " الفهرس " ص ٦٦١. مترجم في " العقود اللؤلؤية " ١/ ١١٥، و" تراجم الرجال " ص ١٣.
(٢) من قوله: " وقد ذكره " إلى هنا مذكور في هاش (أ) غير واضح.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٨٣ ]
أهل البدع موافقتهم فيها (١).
نقول: فيما رواه السيد الإمام الناطق بالحق أبو طالب الحسني ﵀ في كتابه " الأمالي ": أخبرنا أبي، أخبرنا (٢) عبد الله بن أحمد بن سلام، أخبرنا أبي، أخبرنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا عليُّ بن الخطاب الخَثْعَمي، حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري، عن بشير، عن زيد بن أسلم، أن رجلًا سأل عليًا ﵇ في مسجد الكوفة، قال: هل تَصِفُ لنا ربَّنا؟ فَغَضِبَ وخطب خطبته التي أولها: الحمد لله الذي لا يضره المنع، ولا يُكديه الإعطاء، وفيها دلالة (٣) على معنى ما رُوِيَ عنه ﵇ من أن الله تعالى لا يوصَفُ إن كان صح ذلك عنه، وذلك قوله ﵇ في هذه الخطبة بعد أن وصف الله سبحانه بالصفات الحميدة، ثم قال ﵇: فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته، وتقدَّمَكَ فيه الرسلُ بينك وبين معرفته.
وكذلك وصيتُه ﵇ لولده الحسنِ بن علي ﵉، وما اشتملت عليه من تعظيم القرآن، وما جاءت به الرسل، ووجوب الرجوع إليه، والاعتماد عليه، رواها السيد الإمام أبو طالب الحسني ﵀ في " أماليه "، فقال: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني، أخبرنا محمد بن العباس بن الوليد الشامي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن عقبة الأسدي الكوفي، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم بن إسماعيل القطَّان، أخبرنا إسماعيلُ بن مِهْران، أخبرنا عبد الله بن الحارث
_________________
(١) في (ش): له فيما.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): وفيهما ما يدل.
[ ٤ / ١٨٤ ]
الهمداني، عن جابرٍ الجُعْفي، عن أبي جعفر محمد (١) بن علي الباقر، عن أبيه ﵉، أن أمير المؤمنين ﵇ كتب إلى ابنه الحسن بعد انصرافه من صِفِّين إلى قناصرين (٢): من الوالدِ الفَانِ المُقِرِّ للزمان، وساق جملةً صالحةً من الوصية، ولم يستوفها كلها كما في " النهج " (٣)، وفيما أورده منها قوله ﵇: وَدَعِ القول فيما لا تعرف، والنظر فيما لم تُكَلَّفْ، وأمسك عن طريقٍ إذا خِفْتَ ضلالته (٤)، فإن الوقوف عند حَيْرَةِ الطريق خيرٌ من ركوب الأهوال، وهي معروفة في " نهح البلاغة " وغيره.
وقد تكلم عليها ابن أبي الحديد في " شرحه " (٥) بكلام يستفرغ العجب من صدوره (٦) من مثله، خلاصته: أن عليًّا كرَّم الله وجهه عرف من الحَسَنِ القصورَ عن درك حقائق علم الكلام، فأوصاه بالجُمل، فإنا لله إن كانت ذهبت المعارف، فأين الحياء، أيكون أفضل أهل عصره الذين هم من خير القرون بالإجماع، وإمامُهم المجمع على انعقاد إمامته قاصرًا عن مرتبة ابن أبي الحديد وشيوخه المستأخرين قدرًا وزمانًا بالنصِّ والإجماع عن مراتب ركنِ الإيمان، وعِصَابَةُ الإسلام من رعية سيِّد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله - ﷺ - (٧)، فكيف بإمامهم المقطوع على
_________________
(١) في (ش): عن محمد.
(٢) كذا في الأصول: " قناصرين "، وفي " معجم البلدان ": قاصرين: وهي بلد بالشام بقرب بالس، وبالس: بين حلب والرقة على ضفة الفرات الغربية، وقد تحرفت في " النهج " و" شرحه " ب ١٦/ ٥٣ إلى: حاضرين.
(٣) ص ٥٥٣ - ٥٧٢.
(٤) في (ش): ضلالاته.
(٥) ١٦/ ٩ - ١٣١.
(٦) في (ب): صدور.
(٧) جاء في الحديث المرفوع: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ". أخرجه =
[ ٤ / ١٨٥ ]
إمامته وولايته وعلمه وجلالته؟!، فكيف يفضُلُ (١) عليه في معرفة الله تعالى التي هي أساس الإيمان وأفضلُه (٢) من لم يتخلّص من البدعة، ولم يستضىءْ بنور السنة، بل من اشتدَّ النزاع في حكمه بين كثيرٍ من أهل الملة؟!
ولو كان إثباتُ ما تمدَّح الله به من أسمائه الحسنى أو إثبات بعض ذلك تشبيهًا، لكان الحق قول الباطنية الذين نَفَوْا جميع ذلك، فلمَّا أجمعنا على بُطلان قولهم: إن ذلك تشبيهٌ، كان جواب أهل السنة لمن نسب إليهم التشبيه بسبب إيمانهم بما تمدَّح الله به هو جواب المعتزلة على الباطنية حين نَسَبَتِ (٣) الباطنيةُ التشبيه إلى المعتزلة بسبب وصفهم لله تعالى ببعض ما تمدَّح (٤) به سبحانه، فافهم ذلك. ومما (٥) تقف عليه من كلام أمير المؤمنين وسائر الصحابة والتابعين في الفزع إلى القرآن والاعتقاد أنه أعظم برهان (٦)، والوصف لله تعالى بما وصفه به في (٧) الفرقان، وما (٨)
_________________
(١) = الترمذي (٣٧٦٨)، وأحمد ٣/ ٣ و٦٢ و٦٤ و٨٢ من حديث أبي سعيد الخدري، وصحَّحه الترمذي، وابن حبان (٢٢٢٨)، والحاكم ٣/ ١٦٦. وأخرجه أحمد ٥/ ٣٩١ و٣٩٢ من حديث حذيفة، وحسنه الترمذي (٣٧٨١). وأخرجه من حديث ابن مسعود: الحاكم ٣/ ١٦٧، وصححه، ووافقه الذهبي. وفي الباب عن غير واحد من الصحابة، ذكرها الهيثمي في " المجمع " ٩/ ١٨٢ - ١٨٤. وروى البخاري في " صحيحه " (٣٧٥٣) و(٥٩٩٤) من حديث ابن عمر مرفرعًا: " هما ريحانتاي من الدنيا " وهو في " المسند " ٢/ ٨٥ و١٥٣، والترمذي (٣٧٧٠).
(٢) في (ش): تفضل.
(٣) في (ش): وأفضل.
(٤) في (ش): نسب.
(٥) في (ش): تمدح الله.
(٦) في (ب): وبما.
(٧) "الواو" ساقطة من (ب).
(٨) ساقطة من (د).
(٩) في (ب): وبما.
[ ٤ / ١٨٦ ]
من قال: إن الإجماع قطعي. وهذه غفلة عظيمة لوجوه
الوجه الأول: أن المدعي بالإجماع هو كفر المشبهة
وصَفَتْهُ به رسلُه مما تواتر عنهم في جميع الأديان يُعلم بطلان الوجه الثاني الذي تمسَّك به بعضُ المعتزلة في تكفير بعض الصفاتية الذين (١) افتري عليهم اسمُ (٢) المجسمة، وهو الإجماع، فإنَّ كثيرًا منهم اسْتَرَكَّ الاستدلال على كفرهم بردِّ المعلوم من السمع لأنهم أشدُّ الناس إيمانًا بالسمع، وإنما كفَّرَهُم هؤلاء لشدة ملاحظتهم للسمع، فعرفوا أن طريق (٣) تكفيرهم برد السمع الذي هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ركيكٌ لا سيّما عند من يعرِفُ شروط الأدلَّة القاطعة (٤)، ويعرِفُ أنَّ التكفير لا يكونُ إلاَّ بجحد (٥) معلوم ضروري أو بدليل معلوم قطعي، فعَدَلُوا عن ذلك إلى الإجماع لما شاع بينهم من أن الإجماع قطعي، وهذه غفلة عظيمة لوجوه.
الوجه الأول: أن (٦) المدعى بالإجماع هو كفرُ المُشَبِّهةِ، وهذا صحيح لكن فيه غِلاظٌ خفي، وهو أنه مبنيٌّ على مقدمتين:
إحداهما (٧): أن هؤلاء مُشبِّهةٌ.
وثانيهما: أن المشبِّهَة كفارٌ، وموضع الإجماع هو المقدمة الأولى فسكتُوا من تصحيح الإجماع فيها وأغفلوها، وهي موضعُ النِّزاع (٨)،
_________________
(١) في (ب) و(ش): الذي.
(٢) في (ب): " بعض "، وفي (ش): " لفظ ".
(٣) في (د): شدة.
(٤) في (ش): القطيعة.
(٥) في (ب) و(ش): بحجة.
(٦) ساقطة من (ب).
(٧) في (ب) و(د): أحدهما.
(٨) في (ش): موضع النزاع فيها.
[ ٤ / ١٨٧ ]
الوجه الثاني: أن خصومهم الذين قضوا بكفرهم من الأمة، هم أشبه الأمة بسلفها الصالح
فتأمل ذلك فعند أهل السنة أن نفي التشبيه عن الله تعالى بتعظيم صفاته في كمالها، ونفي كلِّ نقصٍ عنها. وعند الملاحدة أنه ينفيها، والمعتزلة فرَّقوا بينها، ففي بعضها قالوا بقول أهل السنة، وفي بعضها قالوا: بقولِ الملاحده الباطنية، ويشهدُ لقول أهل السنة: ﴿وهو السميعُ البصيرُ﴾ بعد قوله: ﴿ليسَ كمثلِه شيءٌ﴾، وقولُه: ﴿وله المثلُ الأعلى﴾ [الروم: ٢٧]، وما تقدَّم في الوهمُ الخامس عشر (١) و(٢) سيأتي في الكلام على الرؤية.
الوجه الثاني: أنَّ خصومهم الذين قضَوْا بكفرِهم من الأمة، بل الذين هم أشبهُ الأمة بسَلَفِها الصالح المُجْمَعِ على سلامتهم، ولا يشُكُّ في ذلك من يعرفُ أخبار السلف وبُعدَهم من الكلام، فإجماع مخالفيهم على كفرهم إجماعُ بعضِ الأمة لا إجماع الأمة، بل (٣) هؤلاء المدعى كفرُهم بالإجماع يدَّعُون كُفْرَ مكفرِهم بالإجماع، وينقُلُون عن السلف في ذلك ما لا يتَّسِعُ له هذا الموضع، ويعضدُون ذلك بالحديث الصحيح " إذا قالَ المسلمُ لأخيهِ يا كافر، فقَدْ باء بها أحدُهُما ".
وعلى الجَهْدِ (٤) أنَّ مكفِّرَهم يَتَخَلَّصُ من دعوى الإجماع على كفرهم (٥)، ونحن -ولله الحمد-، نرُدُّ على الطائفتين في تكفيرِ كُلِّ طائفة للأخرى.
_________________
(١) " الخامس عشر " ساقط من (ش).
(٢) في (أ) و(ش) أو.
(٣) من قوله: " الذين هم أشبه " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ش): الجملة.
(٥) في (د): كفره، وهو خطأ.
[ ٤ / ١٨٨ ]
فنقول: إنَّه لا يتحققُ تصريحُ أحدٍ من السلف بشيءٍ، من ذلك، فكيف يُدَّعى العلمُ بتصريحِ كلٍّ منهم بذلك، بل لا يتحققُ إجماعُ كُلِّ طائفة من هؤلاء المختلفين على تكفيرِ خصومهم، لأنَّ التنصيصَ على كفرهم إنما كان في الأعصار المتأخرة بعد انتشار الإسلام، وتباعد أقطاره، وتبايُنِ أطرافه، واتِّساع مملكته، وقد مَنَعَ جماعةٌ جِلَّةٌ من المحققين (١) من تَحَقُّقِ الإجماع بعد ذلك، منهم الإمامانِ المنصورُ بالله والمؤيد بالله يحيى بنُ حمزة من أئمَّة الزيدية، والرازيُّ من أئمَّة الأشعرية، والجاحظ من أئمَّة المعتزلة، وأحمدُ بنُ حنبل من أئمة أهل السنة، ومن لا يأتي عليه العَدُّ، واحتجُّوا بما لا يَخْفَى على مميِّزٍ من تَعَذُّرِ العلمِ القاطع بمعرفة أعيانهم فضلًا عن أقوالِهم، وكيف يتصوَّرُ العاقلُ أنه يُمْكِنُه العلمُ القاطع بالإجماع، وهو نَقْلٌ مَحْضٌ لا يدخُلُه الاستدلال، وإنما تدخلُه الضرورةُ، فإذا بَطَلَتْ، كان ظنيًا، والعلم الضروري بالإجماع يحتاجُ إلى العلمِ الضروريِّ بانحصار العلماء، بل بانحصار المسلمين ثم تواتر النصِّ الذي لا يحتملُ التأويلَ عن كلِّ فَرْدٍ منهم، وإنما قلنا: بل بانحصارِ المسلمين (٢) لأنَّ إجماع العُلَماءِ دون العامةِ حجَّةٌ ظنيةٌ مختَلَفٌ فيها بين العلماء، لأنَّ ظاهر أدلَّة الإجماع يشمَلُ العامة، فإخراجُهم إنَّما كان بدليلٍ ظني وهو عَدَمُ علمِهم بالمسألة، وعدمُ تكليفهم بها، ومن أدخلَهم يقول: لهم طريقٌ إلى الموافقة بالتقليد عند الجمهور، وبالاجتهاد عند البغدادية، فإذا لم يُقَلِّدوا وَجَبَ عليهم الاجتهاد، أقصى ما فيه أن يجوز ضلالُ العامة بعدم التقليد، وضلالُ العُلَماءِ بخطأ الدليل،
_________________
(١) في (د): المتكلمين.
(٢) من قوله: " ثم تواتر " إلى هنا ساقط من (د).
[ ٤ / ١٨٩ ]
لكن يجوز أن يكون خطأُ العلماء مغفورًا بالاجتهاد، ولم يدُلَّ الدليل على عصمةِ الأمةِ من الخطأ المغفور، وإنَّما القدرُ المتحققُ عصمتُهم ممَّا يُسَمَّى ضلالةً، مثلُ الكفر، سلَّمنا، فلم يدُلَّ الدليل على عصمة الأمة مفترقة، فيجوز ضلالها كُلِّها حين (١) لا تجتمِعُ، وظاهر بعض الأحاديث يمنع هذا (٢)، لكنَّه ظنيٌّ، ودخولُ العامي في مسائل التكفير أقوى، لأن عند الخصم أنه مكلفٌ بها، متمكنٌ منها.
ولما قَوِيَ هذا السؤالُ، أراد جماعةٌ دَفْعَه، منهم: ابن الحاجب بأنا نعلم تقديمهم للقاطع على الظني، وهذا لا يُساوي سماعه، فإنا لم نعلم ذلك عنهم بنقلٍ، ولكنا نعلم أن كل عاقل يقول ذلك، كما أنا نعلم إجماع من سيوجد على ذلك ممن لم يخلُقْهُ الله الآن، وذلك مثلُ ما نعلم أن كل عاقلٍ يقول: إنَّ العشرة أكثر من الخمسة.
وقد قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان ما لفظه: وأما الكلام في الوجه الثالث وهو نفي دعوى الإجماع في هذه المسألة بمجرد ما يوجد في كتب المتقدمين، أو يُسمعُ من آحاد المجتهدين إلى قوله: وإجماع الأمة فيها غيرُ ممكن، لأنها حَدَثَتْ بعد تباعُدِ أطراف الإسلام، واتِّساع نطاقه، وقد صار طرفُ الإسلام طَرَسُوسَ (٣)، ومضيق
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: حتى.
(٢) وهو: " إنَّ أمتي لا تجتمع على ضلالة ". أخرجه أحمد ٦/ ٣٩٦، والطبراني من حديث أبي بصرة الغفاري، وابن ماجة (٣٩٥٠) من حديث أنس، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٣٧، والحاكم ١/ ١١٥ - ١١٦ من حديث ابن عمر، وأبو داود (٤٢٥٣) من حديث أبي مالك الأشعري. وقد تقدم تخريجه ١/ ١٨٤.
(٣) هي مدينة بثغور الشام شمال غربي حلب تبعد عنها ١٤٠ ميلًا تقريبًا، وهي قرب أذنة، وبها قبر المأمون، وهي تابعة الآن لجمهورية تركيا.
[ ٤ / ١٩٠ ]
قُسطنطينيَّة، وبلد الهند، وفي الشرقِ إلى ما وراء النهر يعني جيحون (١)، فكيف يمكنُ ادعاءُ علمِ ما عندهم مع أنَّ العلماء فيهم كثرة (٢)، وإن شئت أن ترجع إلى أهل البيت، فتشتتُهم كان في أيام عبد الله بن الحسن (٣)، ولحاق إدريس بن عبد الله بالغرب (٤)، وبعضهم بالمشرق (٥)، وتشتتوا تحتَ كُلِّ كوكبٍ، وفيهم العِلمُ ووراثة النبوة، وليس لكل منهم تصنيفٌ مع علمه، وكان أكثرُ ما يُقالُ في ذلك: إنَّا لم نَجِدْ قولًا.
فنقول: إن الذي لم تجدوا أكثر من الذي وجدتُم، أيَّدكم الله تعالى .. إلى قوله: ومِن أين الطَّريقُ لنا إلى العلم بقول كلِّ واحدٍ منهم، والحال هذه وسكوتُه لا يُوَلِّدُ لنا حُكمًا، ولا يُعرِّفُنا له قولًا، لأن من الجائز أن يكون عنده غيرُ ما ظهر، ولا يُظهِرُه لعلمه أنَّ قول غيره، وإن خالف اجتهادَه حقٌّ (٦)، ولا (٧) تَخطُرُ له تلك المسألة ببالٍ. انتهى (٨). ذكره في " المجموع المنصوري "، وقد نُسِبَ إلى مخالفة الإجماع.
وذكر الإمام يحيى بن حمزه مثل كلام المنصور واختاره، وذكر
_________________
(١) كان هذا النهر يعد الحد الفاصل بين الأقوام الناطقة بالفارسية والتركية فما كان في شماله، أي وراءه من أقاليم قد سماها العرب ما وراء النهر. انظر " بلدان الخلافة الشرقية " ص ٤٧٦ وما بعدها.
(٢) في (ش): كثير.
(٣) انظر " البداية والنهاية " ١٠/ ٨٣ - ٨٥.
(٤) هو إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، مؤسس دولة الأدارسة في المغرب، المتوفى سنة ١٧٧ هـ مسمومًا في وليلي، وهو أول من دخل المغرب من الطالبيين. انظر " الأعلام " ١/ ٢٧٩.
(٥) في (ش): بالشرق.
(٦) في (ش): حتى.
(٧) في (د): " أو لا "، وفي (ش): " إذ لا ".
(٨) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٩١ ]
أنه (١) الذي عوَّل عليه أئمة الزيدية وأكثر المعتزلة، ومال إليه أهل الظاهر، وارتضاه الشيخ أبو حامد الغزالي، ثم طوَّل في الاحتجاج عليه (٢)، ذكره في " المعيار ".
وهذه المسألة (٣) ظنيَّةٌ (٤) وربما قيل فيها بالإجماع السُّكُوتي، فكيف بالمسائل القطعية التي يلزَمُ في الاحتجاج بالإجماع فيها ثُبُوتُ نصٍّ لا يحتمل التأويل بالتواتر (٥) في الطرفين والوسط عن كل فردٍ من جميع المسلمين، ومن علمائهم بعد العلم الضروري بانحصارهم، ولعزة الإجماع وتساهُل كثيرٍ من الثقات في نقله لمجرد (٦) توهُّم موافقة الأكثرين لمن تَكَلَّم لمذهبه (٧) فسكتُوا، تجدُ العلماء يتكاذبون في ذلك، فهؤلاء المعتزلة والشيعة مع ثناء بعضهم على بعض، وتوثيق بعضهم لبعض (٨) يتكاذبون في روايات ثقاتهم في الإمامة، فالمعتزلة تروي بأجمعهم إجماع الصحابة على خلافة الثلاثة، والشيعةُ تكذِّبُهم في هذه الدَّعوى. وكذلك الشيعة تدَّعي ثبوتَ (٩) الخلاف في ذلك و(١٠) ترويه، والمعتزلة يكذبونَهم في ذلك وأمثال ذلك ما (١١) في ذلك لا يُحصَى.
_________________
(١) في (أ): أن.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ب): وهذا في مسألة.
(٤) "الواو" ساقطة من (ش).
(٥) " بالتواتر " ساقطة من (ش).
(٦) في (أ): بمجرد.
(٧) في (أ): بمذهبه.
(٨) قوله: " وتوثيق بعضهم لبعض " ساقط من (ش).
(٩) ساقطة من (ش).
(١٠) في (د): أو.
(١١) في (ش): ممَّا.
[ ٤ / ١٩٢ ]
وقد اختار الإمامُ يحيى بن حمزة في كتابه " التمهيد " عدم إكفار أهل القبلة من المُشَبِّهَة والمُجَبِّرة وغيرهم، واحتج على ذلك، ثم ذكر حجج المكفرين للمشبهة والجَبْرِيَّةِ، وجعل الإجماع أحدها، ثم قال: وفي كل واحد من هذه الوجوه نَظَرٌ، ثم قال: حقًّا على كل من تكلم في الإكفار أن يُنْعِمَ النظر فيه، ويتقي الله، فإن موردَه الشرعُ، والخطأ فيه عظيمٌ، وإذا لم يتَّضِحِ الدليل فالوقوف فيه أولى (١) انتهى بحروفه.
وقال الشيخ مختار المعتزليُّ في كتابه " المجتبى " في المسألة التاسعة من التكفير في المشبهة ما لفظه: كَفَّرَهُم شيوخُنا وأكثرُ أهل السنة والأشعرية لأنهم شبَّهُوا الله تعالى بخلقه في الجُلوس والقعود والصعود والنزول (٢) وذلك كفرٌ لأنهم (٣) عنده كَعَبَدةِ الأصنام، لأنه عندَهُم جسمٌ (٤) ذو أبعاد (٥)، وعبادة الصنمِ كفرٌ، ولم يُكَفِّرْهُم صاحب " المعتمدِ " (٦)، وهو اختيار الرازي من الأشعرية، قال: لأنهم عالمون بذات الصانع القديم على الجملة وبصفاته، ومُقِرُّون (٧) به وبصفاته (٨) وبكافة الأنبياء ﵈ والكتب، فجاز أن لا يبلغَ عقابُهم عقابَ الكافر.
وأما المجسمة فإن (٩) عَنَوا بكونِهِ جسمًا كونه ذاتًا قائمة، فلا شكَّ في
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ب) و(ش): والنزول والصعود.
(٣) في (ب): ولأنهم.
(٤) في (ب): جسيم.
(٥) ليس في (أ) و(ج): "ذو"، وفي (ب): " ذو أبعاض ".
(٦) انظر المعتمد: ٢/ ٣٩٨ - ٤٠٠ لأبي الحسين البصري المعتزلي.
(٧) في (أ): ومعترفون.
(٨) قوله: " ومقرون به وبصفاته " ساقطة من (ش).
(٩) تحرفت في (أ) إلى: فإنهم.
[ ٤ / ١٩٣ ]
عدم تكفيرهم، وإن عَنَوْا به جسمًا ذا أبعادٍ، فَهُمْ والمشبهةُ سواءٌ.
وقال في آخره (١): الفقهاءُ وأصحابُنا لا يُكَفِّرونَ من قال: بأنه كان في جهةٍ وليس بجسمٍ ولا شاغلٍ للجهة. انتهى.
وتقدم تنزيهُ ابنِ أبي الحديد لأحمدَ بن حنبل (٢) من التشبيه والتجسيم، وأنه إنما كان يُطلِقُ الآيات ولا يتأوَّلها ويقِفُ على ﴿وما يَعْلَمُ تأويلَه إلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وأن ذلك ليس بتشبيهٍ ولا تجسيمٍ، وأكثرُ ما يلزمُ أهلَ الأثرِ التشبيهُ والتجسيم من ذلك، فاعرِفْ (٣) هذه الفائدة.
وكذا (٤) حكى الشيخ مختار، عن الشيخ أبي الحسين صاحب " المعتمد ": أنه لا يُكَفِّرُ الصفاتية الذين يقولون: إن لله تعالى علمًا وقدرةً وحياة وإرادة قديمة، قال: وادعى مُكَفِّروهُم الإجماع على كُفْرِ من أثبت مع الله قديمًا.
وأجاب الشيخ أبو الحُسينِ عن هذا الإجماع بأنه يحتمل أن أهل الإجماع إنما أجمعوا على كُفر من أثبت مع الله قديمًا واجب الوجود بالذات، لأنه أثبت لله تعالى مثلًا، والصفاتية لا يقُولون بذلك.
قال الشيخ مختار: وهو الحق، لأنهم يقولون: هذه المعاني لا هي الله، ولا غيرُ الله، ولا جزءُ الله (٥) فلم يُثبتُوا قديمًا من الله، قال:
_________________
(١) في (ب): " آخره ما لفظه "، وفي (ش): " آخر هذه ".
(٢) ٣/ ٢٢١.
(٣) في (ب): فافهم.
(٤) في (ش) و(د): وكذلك.
(٥) " ولا جزء الله " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٩٤ ]
والعجب من أبي هاشم وأصحابه فإنهم (١) يثبتون الأحوال، وهي مثل المعاني، بل أشنع، لقولهم: إنَّه لا يعلمُ ما هيته إلى آخره.
فكيف تصحُّ دعوى الإجماع مع (٢) ذلك ومن (٣) خلافِ مثلِ (٤) هذا الإمام الجليل من أئمَّة أهل البيت فإنه نصَّ على عدم تكفير المُشَبَّهة أول الفصل الثاني في طريق معرفة الكفر، واحتج عليه فيه، وفي النظر الثاني في حكم المخالف للحق من أهل القبلة.
ثم بيَّن (٥) الشيخ مختار المعتزلي في كتابه " المجتبى " أن ترك التكفير هنا أولى فقال (٦) في المسألة (١٢): الواجب على المفتي أن لا يُفتي بكفر أحدٍ لم يرد فيه دليلٌ على كُفره، واختلف الناس فيه واشتبه الأمر عليه، وأن يكتب في فتواهُ: لا يكفُر، و(٧) يُجدد الإسلام ثم النكاح لأن الحكم بكفره حكمٌ بسقوط العبادات عنه والحقوق (٨)، والاحتياط في إثباتها، والحكم بتجديد عقد النكاح بعد تجديد الإسلام حكمٌ (٩) بتحريم الفُروج، وحرمة الفُروج يُحتاطُ في إثباتها.
وعن بعض السلف أنه كان يكتب: لا يكفُرُ، وغيري يُخالفني.
_________________
(١) في (ب): إنَّهم.
(٢) في (أ): ومع.
(٣) " ومع " ساقطة من (أ).
(٤) ساقطة من (ب) و(ش).
(٥) تحرفت في (ش) إلى: من.
(٦) في (ش): قال.
(٧) في (ش): " ولا "، وهو خطأ.
(٨) ساقطة من (ب).
(٩) من قوله: " بكفره حكم " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٤ / ١٩٥ ]
وفي " البحر المحيط " (١)، وعن أبي عليٍّ الجُبَّائي، وهو قول محمدٍ والشافعيِّ: إنَّه لا يكفُرُ بشيءٍ من ألفاظ الكُفر التي تبدُرُ من (٢) الإنسانِ إلاَّ أن يعلَمَ المتلفّظ بها أنه يكفُرُ بها. قال الشيخ مختارٌ: وبه نُفْتي (٣).
و(٤) قال في المسألة (١١) بعد الاحتجاج على عدمِ كُفر المُجبرة: فثبت (٥) أنَّه لا (٦) يجوزُ تكفيرُ أحدٍ من أهل القبلة إلاَّ من ثَبَتَ بالتواتر أو الإجماع كفرُه، وقد ذكرتُه (٧) مستوفىً حيث ذكرتُ كفر المجبرة والاختلاف فيه (٨) في المجلد الثالث بعد هذا ..
ويُؤيِّدُ ما اختاره الإمامانِ المنصور بالله، والمؤيَّد بالله يحيى بن حمزة ﵉ من تَعَذُّرِ العلم (٩) بالإجماع في الأعصار الأخيرة سواءٌ كان إجماع الأمة أو العترة، أنا نظرنا في أقربهما إلى الانحصار، وهو إجماع العِترة فوجدناه مُتَعذِّرًا كما ذكره الإمام (١٠) المنصور بالله، ومن أراد
_________________
(١) وهو المشهور بـ " منية الفقهاء " للقاضي فخر الدين بديع بن منصور القُزَبْني الحنفي، إمام فاضل، فقيه كامل، انتهت إليه رياسة الفتوى، تفقَّه على نجم الأئمَّة البخاري، وتفقَّه عليه مختار بن محمود الزاهدي، وكتابه من تصانيفه المعتبرة. " الفوائد البهية " للكنوي ص ٥٤.
(٢) في (د): من ألفاظ.
(٣) في (ش): أفتي.
(٤) "الواو" ساقطة من (ش).
(٥) تحرفت في (ب) إلى: مبعث.
(٦) " لا " ساقطة من (ب).
(٧) في (ش): نقلته.
(٨) ساقطة من (ش).
(٩) ساقطة من (ش).
(١٠) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ١٩٦ ]
معرفة ذلك من غير تقليدٍ، فليطالع كتب تاريخ (١) الرجال، وكتب الأنساب والمُشَجَّرات، فإنه يرى خلقًا كثيرًا منهم ممَّن يُنسبُ إلى العلم، ولا يُعرَفُ لهم مذهبٌ ولا كتابٌ، وقد ذكرتُ منهم جماعةً وافرةً ممَّن لم يعرفهم كثيرٌ من علماء العصر في الرد على السيد، حيث زعم أن الاجتهاد قد انقطع من بعد الشافعي ﵁، وبينتُ هناك (٢) فُحْشَ هذه الدعوى، وأنها تؤدِّي إلى تجهيل القاسم بن إبراهيم، ومن بعده من أئمة العِترة الطاهرة، فإنهم الجميعُ بعد الشافعي، لأنه تُوفي في سنة أربعٍ ومئتين ﵁ من الهجرة النبوية، فذكرت منهم فوق العشرة من أكابر العلماء: أولهم السيد الإمام العلامة الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈ إمام الزيدية في الكوفة، ذكره محمد بن منصور، وإنه مِمَّن أجمعت عليه الفِرَقُ، وله مذاهب في الفروع كلها مذكورٌ في كتاب " الجامع الكافي " على مذهب الزيدية، وهو كثيرُ الموافقة لأهل السنة في الفروع والأصول (٣).
وذكر محمد بن منصور عنه (٤) أنه كان يترحَّمُ على من يُوافِقُه، وعلى (٥) من يخالفه من سَلَفِه، وفي (٦) هذا إشارة إلى اختلافهم، في ذلك العصر وقبله، إلى آخر من ذكرتُ هناك (٧)، وأزيدُ هنا إشارةً مختصرةً إلى
_________________
(١) في (ب): تواريخ.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) انظر ٢/ ١٠٤ فما بعد من هذا الكتاب.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) " في " ساقطة من (ب).
(٧) في (ش) و(د): هنالك.
[ ٤ / ١٩٧ ]
من ذكر منهم العلاَّمة ابنُ حَزْمٍ في كتابه " جمهرةِ النَّسَبِ " (١) مع اختصاره.
فذكر: مِنْ أولاد الحسن بن علي ﵉: الحسن بن زيد بن الحسن بن علي أمير المدينة في أيام المنصور العباسي، ولدُه ثمانية، منهم إبراهيم ولإبراهيم هذا محمدٌ، ومن ولد محمدٍ هذا حفيده محمد بن الحسن بن محمد القائم بالمدينة النبوية، والنقيبُ محمدُ بن الحسن الملقب بالداعي الصغير القائم بالرَّيِّ وطبرستان، وكان بينه وبين الأطروش الحسيني (٢) حروبٌ، والحسن ومحمد (٣) ابنا (٤) زيد الداعيان وعَقْبُ محمدٍ منهما: إسماعيل (٥) بن المهدي بن زيد بن محمد المذكور، وعمُّهُما أحمد بن محمد القائم بالحجازِ المحاربُ لبني جعفر بن أبي جعفر (٦) الشجوي (٧) ابن القاسم بن الحسن بن زيد، وابنُ عمهما أبو لكا بن الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الرحمن الشجوي (٨)، وابن أخيه شراهيكُ بن أحمد بن الحسن بن محمد بن جعفر تَسَمَّوا (٩) بأسماء الدَّيْلَم لمداخلتِهم، ومحمد بن علي بن العباس بن الحسن بن الحسن بن الحسن القائم بالمدينة (١٠) وله عَقْبٌ عظيم جدًا يتجاوزُ المئتين، ولهُم
_________________
(١) ص ٣٩، وقد تقدَّم أيضًا هذا في ٢/ ١١١ من هذا الجزء.
(٢) في (أ) و(ب): الأطروشي الحسني.
(٣) في (ب): والحسن أحمد بن محمد.
(٤) في (أ) و(ش): ابن.
(٥) في (أ) و(ب) و(ج): وإسماعيل.
(٦) في " الجمهرة ": جعفر بن أبي طالب.
(٧) في (ج): الشجري.
(٨) في الجمهرة: الشجوبي.
(٩) في (أ): سموا.
(١٠) في " الجمهرة " ص ٤٣: " محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن القائم بالمدينة " وما ذكره المصنف قائم بخراسان كما ذكر ابن حزم.
[ ٤ / ١٩٨ ]
بالحجازِ ثورةٌ وجموعٌ، ومحمد بن إبراهيم أخو القاسم قام مع أبي السرايا، وللقاسم ﵇ أولادٌ منهم النقيبان أحمد وإبراهيم ابنا محمدٍ النقيب بن إسماعيل بن القاسم.
ومنهم القائمون بصعدة منهم: جعفرٌ الملقبُ بالرشيد، والحسن المنتجب (١)، والقاسم المختار، ومحمد المهتدي (٢) بنو أحمد الناصر، ولهم أخٌ يُسمَّى عبد الله، لكن أمَّه أمُّ ولد، وهو اليماني القائم بمارِدَةَ، المقتول يوم البركة بالزهراء سنة ثلاثٍ وأربعين وثلاث مئة، ولهم أخوةٌ منهم سليمان، ويحيى، وإبراهيم، وهارون، وداود الساكن بمصر، وحمزة، وعبد الله، وأبو الغطمش، وأبو الجحاف، وطارق بنو أحمد الناصر، ولداود منهم الساكن بمصر ولدٌ يقال له: هاشم، ومنهم الشاعر الأصبهاني محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن طباطبا، ولهذا الشاعر ابنان عليٌّ والحسن.
ومن أولاد الحسن بن (٣) جعفر بن الحسن جماعة عجم بناحية متِّيجَة (٤) وسوق حمزة، ومنهم زهيرٌ وعلي ابنا محمد بن جعفر كانت لهما أعمالٌ بالغرب من جهة سوق حمزة (٥).
وأولادُ عبد الله بن الحسن: محمدٌ القائمُ بالمدينة، وإبراهيمُ القائمُ
_________________
(١) في (أ) وكذا في ٢/ ١١٣: المنتجب.
(٢) في (أ) و(ب): المهدي.
(٣) ليست في (أ) و(ش).
(٤) مِتِّيجة وزان سِكِّينة: بلد بالمغرب الكبير، وكذا سوق حمزة منسوب إلى حمزة بن حسن به سليمان بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال ياقوت: وأبوه الحسن بن سليمان: هو الذي دخل المغرب، وكان له من البنين حمزة هذا وعبد الله وإبراهيم وأحمد ومحمد والقاسم وكلهم أعقب هناك.
(٥) من قوله: " ومنهم زهير " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ١٩٩ ]
بالبصرة، ويحيى القائم بالدَّيلم، وإدريس الأصغر القائم بالغرب، وسليمان وموسى وعَقْبُ هؤلاء الثلاثة كثيرٌ جدًا.
ولمحمد بن عبد الله ويلقب الأرقط: عبد الله الأشتر قُتِلَ بكابُل، وله ولدٌ يُسمَّى محمدًا (١)، والعَقْبُ فيه، وللأشتر عَقْبٌ ببغداد وغيرها يعرفون ببني الأشتر.
ومحمد بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن صاحب اليمامة المقيم (٢) بها وهم باليمامة (٣) ودارُ ملكهم بها، وهم بها (٤) قائمٌ بعدَ قائمٍ.
وعبد الرحمن بن فاتك عبد الله بن داود بن سليمان بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن له اثنان وعشرون ذكرًا بالغون سكنوا كلهم أَذَنَةَ إلاَّ ثلاثةً منهم سكنوا أمج (٥) بقرب (٦) مكة.
ومنهم جعفر بن محمدٍ غلبَ على مكة إيام الإخشيديَّة، وولده إلى اليوم ولاة مكة، وهو ابن (٧) محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٨) بن علي بن أبي طالب ﵈ (٩).
_________________
(١) الأصول: محمد.
(٢) (ش): القائم.
(٣) قوله: " المقيم بها وهم باليمامة " ساقطة من (د).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) تحرفت في (أ): إلى " أبج "، وفي (ب): " منج ".
(٦) في (ب): قرب.
(٧) ساقطة من (ب).
(٨) " بن الحسن " ساقطة من (ب) و(ش).
(٩) من قوله: " ولاة مكة " إلى هنا، مكانها في (د): " ولسليمان بن عبد الله بن الحسن بن علي ﵈ ".
[ ٤ / ٢٠٠ ]
ولسليمان بن عبد الله بن الحسن ولدٌ، وهو محمد القائم بالمغرب، وله عقبٌ منهم أبو العيش عيسى بن إدريس صاحب جُرَاوَةَ، وابنه الحسن سكن قرطبة، وإدريس بن إبراهيم صاحب آرسقول، وكان مُنقطعًا إلى الناصر صاحب الأندلس، وأحمد بن عيسى صاحب سوق إبراهيم، والحكم وعبد الرحمن ابنا علي بن يحيى، سكنا قرطبة وأعقبا بها، وأولاد يحيى بن محمد بن إبراهيم (١) دخلوا الأندلس كلُّهم، وكان سليمان منهم رئيسًا في تلك الناحية، ومنهم القاسم بن محمد صاحب تِلِمْسان، ومنهم بطوش بن حنابش (٢) بن الحسن بن محمد بن سليمان، وهم بالمغرب كثيرٌ جدًا، وكانت لهم بها ممالك عدة، ومنهم جُنُّون القائم بالمغرب (٣) أحمد ومحمد ابنا أبي العيش عيسى بن جنون، كانا ملكين بالمغرب (٤)، وإبراهيم لقبُه أبو غبرَةَ كان مَلِكًا بالمغربِ، وكان لجنون منهم عشرون ذكرًا، منهم القاسم الأصغر فنون بن جنون القائم بالمغرب (٥)، وأخوه عليٌّ الأصغر القائم بعده، ومحمد بن جنون القائم على ابنه بالبصرة، والحسن بن جنون الأعور ادعى النبوَّة بتيدلي (٦)، ومنهم الحسن بن محمد بن القاسم الحجام، سُمِّي بذلك لكثرة سفكِه للدماء، ومن ولده القاسم بن محمد بن حسن الفقيه الشافعي بالقيروان المعروف بابن بنت الزيدي، ومنهم إبراهيم بن القاسم صاحب البصرة
_________________
(١) من قوله: " والحكم " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) في " الجمهرة " ص ٤٨: " حنانش ".
(٣) " القائم بالمغرب " ليس في " الجمهرة " و(ب) و(د)، وفي (ش): جنون بن أحمد.
(٤) في (ش): بالغرب.
(٥) في (ش): بالغرب.
(٦) كتب فوقها في (ش): هكذا.
[ ٤ / ٢٠١ ]
كان عمر بن حفصون يخطب لهم (١)، ومنهم المسمَّى بالمأمون، وعلي المسمى بالناصر تَسَمّيًَا بالخلافة بالأندلس، ومحمد بن القاسم صاحب الجزيرة تسمى بالخلافة، وولِيَ الجزيرة (٢) بعده ابنه القاسم ولم يَتَسَمَّ بالخلافة، وكان حَصُورًا لا يقرَبُ النساء، وأخو محمد بن القاسم الحسن بن القاسم تَنَسَّك ولَبِسَ الصوف وحجَّ، وولد الناصر يحيى وإدريس تسميَّا بالخلافة في الأندلس، ومحمد بن إدريس خليفةٌ تسمي بالمهدي، وحارب ابن عمِّه إدريس بن يحيى وكلاهما تسمى بالخلافة، وكان بدء أمرهم سنة أربع مئة، وبَقِيَ أمرُهم ثمانيةً وأربعين سنة.
ومنهم صاحبُ تامدلت (٣)، وصاحب صنهاجة الرِّمال (٤)، وصاحب مِكْناسة.
وذكر من أولاد الحسين ﵇: عبد الله بن علي بن الحسين الأرقط، له ولدان إسحاق ومحمد، لهما عَقْبٌ كثيرٌ، منهم الكوكبي اسمه الحسين، وأحمد (٥) بن محمد بن إسماعيل كان من قُوَّاد الحسن بن زيد بِطَبَرِسْتان.
ومن أولاد عمر بن علي بن الحسين: محمد بن القاسم بن علي بن عمر، و(٦) كان فاضلًا في دينه يميلُ إلى الاعتزال قام بالطَّالَقَان (٧)؛ فلما
_________________
(١) في " الجمهرة ": له.
(٢) من قوله: " تسمى " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) بلد من بلاد المغرب شرقي ملطة. انظر " معجم البلدان " ٢/ ٧.
(٤) في (ب): الزمان.
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) "الواو" ساقطة من (ب).
(٧) الطالقان: بلدتان، إحداهما بخراسان بين مرو الروذ وبلخ، والأخرى: بلدة وكورة بين قزوين وأبهر. انظر " معجم ياقوت " ٤/ ٦ - ٧.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
رأي الأمر لا يَتِمُّ إلاَّ بسفك الدِّماء؛ هَرَبَ واستَتَرَ إلى أن مات.
ومنهم: زيدٌ، وجعفرٌ (١)، ومحمد (٢): بنو الحسن الأُطروش الذي أسلم الدَّيْلَمُ على يديه، وهو ابن علي بن الحسن بن علي بن عمر. وكان للحسن الأطروش من الإخوة: جعفرٌ، ومحمدٌ، وأحمدُ المكنَّى بأبي هاشمٍ، وهو المعروفُ بالصوفي؛ والحسينُ المحدثُ، يَرْوي عنه ابن الأحمر وغيره.
قال ابن حزم: وكان هذا الأُطروش حَسَنَ المذهب، عَدْلًا في أحكامِه، وكان الحسنُ بنُ محمد بن علي، وهو ابنُ (٣) أخي الأُطروش، قد قام بطبرستان وقَتَلَه جيوش (٤) بها (٥) سنة اثنتى (٦) عشرة وثلاث مئة.
وأولاد الحسين بن علي بن الحسين (٧) ستةٌ، كلُّهم أعقبَ عقبًا عظيمًا منهم عبدُ الله يُعْرَفُ بالعقيقي، وَمِنْ ولدِه الذي قَتَلَه الحسن بن زيد صاحب طبرستان.
ومنهم: جعفرُ بنُ عبيد (٨) الله بن الحسين بن علي بن الحسين كانت له شيعة يُسَمُّونَه حُجَّة الله.
ومنهم: حمزة بن الحسن ملك هان (٩) في المغرب، وملك قطيعًا
_________________
(١) " وجعفر " ساقطة من (د).
(٢) " وجعفر ومحمد " ساقطة من (ب).
(٣) ساقطة من (د).
(٤) في (ش): الجيوش.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في " الجمهرة " ص ٥٤: سنة ٣١٦.
(٧) " ابن الحسين " ساقط من (ش).
(٨) في (ش): عبد.
(٩) في " الجمهرة " ص ٥٥: " هاز "، وانظر " صفة افريقيا الشمالية " للبكري ص ١٤٣.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
من صِنهاجة، وإليه يُنسبُ سوقُ حمزة، وولدُه بها كثيرٌ، وكذلك ولد أخويه في تلك الجهة؛ وكان عمُّه الحسن بن سليمان من قُوَّادِ الحسن بن زيد، وهو الذي غَزَا له الرَّيَّ، وكان شاعرًا.
ومنهم المحدث المشهور بمصر ميمون بن حمزة بن الحسين بن محمد بن الحسين (١) بن حمزة (٢).
ومنهم الملقب بمسلم (٣) الذي كان يريدُ مصر أيام كافور، واسمه محمد بن عبد الله بن طاهر بن يحيى المحدث، وابن عمه طاهر بن الحسين بن طاهر الذي مدحه المتنبي بقوله:
أعِيْدُوا صَبَاحي فَهْوَ عِنْدَ (٤) الكَوَاعِبِ (٥)
القصيدة التي قال فيها:
إذا عَلَوِيٌّ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ طاهِرٍ فَمَا هُوَ إلاَّ حُجَّةٌ للنواصِبِ
وأبو مسلمٍ هذا قامَ بالشام بعد كافور، وتسمَّى (٦) بالمهدي، واستنصر بالقرامطة، والحسن بن محمد بن يحيى المحدِّث المذكور تجاوَزَ تسعين سنةً، وكان بالكوفةِ حُمِلَ عنه العلم.
ومنهم محمد بن عبيد الله كان له قدرٌ بالكوفة، ومنزلة
_________________
(١) في " الجمهرة " ص ٥٥: الحسن.
(٢) " بن محمد بن الحسين بن حمزة " ساقط من (ش).
(٣) في (ب)، وفوق " بمسلم " في (أ) و(د): " أبو مسلم ".
(٤) في (ش): غيد.
(٥) وعجزه: وَرُودُّا رُقَادي فهو لَحْظُ الحَبَائِبِ من قصيدة في " ديوانه " بشرح العكبري ١/ ١٤٧ - ١٥٩.
(٦) في (ب): ويسمَّى.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
بالديالمة (١) يُعارضُ بها منزلة بني عمر العلويين بالكوفة وهو الذي مَدَحَه المتنبي بقوله:
أهلًا بِدارِ سَبَاك أَغْيَدُهَا (٢)
انتهى مختصرًا ممَّا ذكرَه ابنُ حَزْمٍ في " جَمْهَرةِ النسب "، وهي مختصرةٌ ليس يذكرُ فيها إلاَّ العيون الأكابر المشاهير.
وجملةُ مَنْ ذكره (٣) الدعاة القائمين غير (٤) دعاة اليمامة قدر ثلاثين داعيًا لا يُعْرَفُ منهم إلاَّ قدرُ خمسةٍ: محمد بن إبراهيم وأولاده (٥)، وأولاد عبد الله بن الحسن، فهؤلاء تُعرفُ (٦) أسماؤهم، ولا تُعرفُ تصانيفهم ولا مذاهبُهم، فكيف بدُعاة اليمامة المستمرين قائمًا بعد قائم، وممَّن أُهمِل من ساداتهم المتفرغين للعلم (٧)، وقد ذَكَرَ منهم أربعةً من أئمة الحديث، وحجة الله الذي تقدم ذكره، وذكر منهم كثيرًا (٨) باسمه، ولم يذكره بالعلم لظنِّه أن اسمه يكفي، لأنه مشهورٌ كالمحدث العقيقي، يروي السيد الإمامُ أبو طالب في " أماليه " كثيرًا عن أبيه عنه.
وجماعةٌ من رواة الحديث رَوَى عنهم (٩) السيد أبو طالب كابنه (١٠)
_________________
(١) في " الجمهرة " ص ٥٦: عند الديالمة.
(٢) وعجزه: أَبْعَدَ ما بانَ عَنْكَ خُرَّدُها انطر " الديوان " بشرح العكبري ١/ ٢٩٤.
(٣) في (ب) و(ش): ذكر.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) " وأولاده " ساقطة من (ب) و(ش).
(٦) في (أ) و(ش): فهؤلاء لا تعرف.
(٧) في (د): " لطلب العلم "، وفي (ش): بالعلم.
(٨) " وذكر منهم كثيرًا " ساقط من (د).
(٩) في (ش): واعنه. وهو تحريف.
(١٠) في (ش): ولابنه.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
الحسين، وحمزة بن القاسم العلوي، وأبي عبد الله محمد بن زيد الحسيني، وأبي محمد الحسن (١) بن حمزة الحسيني، بل تركَ ذكرَ كثيرٍ (٢) من أكابر عُلماء العِتْرة مثل: عمر بن إبراهيم الزيدي، راوي " مجموع زيد بن علي "، ذكره الذهبي في " الميزان " (٣) وأثْنَى عليه، ومثل: مصنف " الجامع الكافي " أبي عبد الله الحسني (٤) من بحور العلم، ومثل العلاَّمة الشجري (٥)، ذكره ابنُ خِلِّكان وغيرهما (٦).
ولقد ذكر العلاَّمة السُّبكيُّ في كتابه " طبقات الشافعية " جماعةً وافرةً من عُلماءِ العترة (٧) ممن كان يُعَدُّ في أتباع الإمام الشافعي لملازمة الدرس في كتب الشافعية، وإن كانوا مِنَ (٨) العلماء المبرزين، فكم في أصحاب الشافعي وأتباعه من منسوب إليه غير (٩) مقلّدٍ في العلم كما في سائر أهل المذهب (١٠).
وقد ذكر الإسنويُّ (١١) مناقِبَهُم وتآليفهم وعُلُومَهم في طبقاته، ومَنْ
_________________
(١) في (ش): ابن الحسن.
(٢) في (ش): ترك كثيرًا.
(٣) ٣/ ١٨١.
(٤) هو محمد بن علي بن الحسن العلوي الحسني، ومن كتابه عدة أجزاء موجودة في المكتبة الغربية بصنعاء. انظر " الفهرس " ص ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٥) هو هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني، المعروف بابن الشجري البغدادي، المتوفى سنة ٥٧٢ هـ. وهو في " وفيات الأعان " ٦/ ٤٥ - ٥٠. وتقدمت ترجمة المصنف له نقلًا عن ابن خلكان - في ٢/ ١٠٩ - ١١٠.
(٦) في (ب): وغيرهم.
(٧) في (ب): طبقات الشافعية وإن كانوا من العترة.
(٨) ساقطة من (ب).
(٩) في (ش): إلى غير.
(١٠) في (ب) و(د): المذاهب.
(١١) هو جمال الدين أبو محمد عبد الرِّحيم بن الحسن بن علي بن عمر الأرموي =
[ ٤ / ٢٠٦ ]
منهم كان قُطبًا (١) في الاجتهاد، وعلى اختصاره.
وكذلك مع كُلِّ طائفةٍ من عُلماء الإسلام من أهل البيت ﵈ علماء بحور، وأئمَّة صدور، لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يدَّعي الإجماع وهو لا يدري بأحوالهم (٢)، كما أشار إليه الإمام (٣) المنصور بالله في مسألةٍ سهلةٍ (٤) ظنية، فكيف (٥) في القطعيات؟، كيف في التكفير؟ الذي هُو أعظمُ القطعيات (٦) خَطَرًا، وأجلُّها في الدين أثَرًا.
وقد قال الأميرُ الحسينُ في " الشِّفاء "، في فصلٍ ذكره في قصد أهل الحرب إلى ديارهم، ما لفظه: وهو قول السيدِ الإمام الحسن بن إسماعيل الجرجاني ﵇ (٧). قال الأمير: قال - يعني: هذا السيد الإمام الجرجاني (٨): وهو الذي ذهب إليه (٩) مُحَصِّلُو محدثي أصحابنا. انتهى بلفظه.
_________________
(١) = الأسنوي، نزيل القاهرة المتوفى سنة ٧٧٢ هـ. كان فقيهًا ماهرًا ومعلمًا ناصحًا، من مصنفاته " زوائد الأصول "، وشرح " المنهاج " للبيضاوي وغيرهما. انظر " البدر الطالع " ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣، و" كشف الظنون " ٢/ ١١٠١. وكتابه في طبقات الشافعية مطبوع في بغداد.
(٢) تحرفت في (ب) إلى: قطعيًا.
(٣) في (ب) و(د): بأقوالهم.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب) و(ش): كيف.
(٧) من قوله: " كيف في التكفير " إلى هنا ساقط من (ش).
(٨) هو أبو عبد الله الحسن بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن جعفر الشجري الجرجاني، متكلم، من تصانيفه: " الاعتبار "، و" سلوة العارفين " وغيرهما، " تراجم الرجال " للجنداري ص ١٢.
(٩) من قوله: " قال الأمير قال " إلى هنا ساقط من (د).
(١٠) ساقطة من (أ).
[ ٤ / ٢٠٧ ]
فأفاد برواية هذا السيد (١) أنَّ (٢) لأصحابنا مُحَدِّثين مجتهدين في تلك البلاد، ولهم مذاهب واختيارات، فلا ينعقد إجماع العترة دون معرفة أقوالهم، بل ليس للزيدية وسائرِ الشيعة نهمة (٣) في تدوين أخبار سادات أهل البيت، وعلماء شيعتهم من أهل مذهبهم، دَعْ عنك غيرهم (٤)، ولا عَلِمْتُ لأحدٍ منهم في ذلك مُصنَّفًا (٥) إلاَّ ما صنفه مسلم اللحجي المطرفي من كتاب " الطبقات "، ولقد أجاد فيه لو استوفى، لكنَّه اقتَصَر على أهل مذهبه، وفي تركهم ترك علومٍ كثيرة، فإنهم أفرغ للعلم من الدُّعاة الذينَ اقتَصَرَتِ الزيديةُ على ذكرِ بعضِهم.
ولقد ذَكَرَ الإمامُ المؤيَّدُ بالله ﵇ في " الزيادات "، أنَّ تقليد ساداتهم الذين لم يشغلهم الجهاد عن التفرغ للعلم أولى، فكيف يُتركُ ذكرُ مثل هؤلاء (٦) حتى لا يُعرفوا؟، فكيف بمذاهبهم (٧)؟، وكيف يُدعى إجماعُ العِتْرة مع هذا؟، وهل قال أحدٌ قطُّ: بأن المعتبر في (٨) الإجماع هم (٩) الخلفاء من العترة دونَ غيرهم؟، ولو قال بذلك قائلٌ، ما ساعدَه الدليلُ خصوصًا في القطعيات (١٠).
_________________
(١) من قوله: " وهو الذي " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ب) و(ج): السيد الإمام أن.
(٣) تحرفت في (أ) إلى: فهمه، وفي (ج) إلى: تهمه.
(٤) من قوله: " من أهل " إلى هنا ساقط من (د).
(٥) في (د): مصنفًا دع عنك غيرهم.
(٦) في (أ) و(ش): مذهبهم.
(٧) " فكيف بمذاهبهم " ساقطة من (ش).
(٨) ساقطة من (ش).
(٩) في (ش): منهم.
(١٠) من قوله: " بل ليس للزيدية " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٠٨ ]
الوجه الثالث: أنا لو سلمنا ثبوت إجماع ظني سكوتي في هذا الموضع، فإنه معارض بثبوت الأخبار الصحيحة المتواتر معناها
واعلم أن رواية الإجماع مثل رواية الحديث عن رسول الله - ﷺ - يجب على المسلم أن يتثبَّتَ فيها، فإنَّه مسؤولٌ عمَّا يرويه وما (١) أكثر التَّساهل في هذا، فنسأل الله السلامة، وهو المستعان.
الوجه الثالث: أنا لو سلَّمنا ثبوت إجماع ظني سكوتي في هذا الموضع، فإنَّه مُعَارَضٌ بثبوتِ الأخبار الصحيحة الصريحة (٢) المتواتر معناها القاضية بإسلام من شَهِدَ أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحجَّ البيت، وصام رمضان، وثبوت ذلك عن رسول الله - ﷺ - الذي يُمْكِنُ معرفةُ أقواله بالطرق الصحيحة أولى وأرجحُ من تخيُّلِ ما لا يمكن من الإحاطة بأقوال الأمة، وظنِّ موافقة (٣) السكوت لمن تكلَّم بغير قرينةٍ صحيحة، والله سبحانه أعلم.
فإن قيل: فما تقول (٤) في مَنْ كفَّر مسلمًا مُتأوِّلًا أو مجترئًا، هل يكفر المكفِّر، لقول النبي - ﷺ -: " إذا قال المسلمُ لأخيه يا كافرُ فقد باء بها أحدُهما "؟
قلت: أما المعتزلة والشيعة، فتمنع من تكفيره (٥)، لأن الحديث ظني، وإن كان صحيحًا، أمَّا أهل الحديث (٦)، فقد قال البخاري في الصحيح (٧): باب: من كفَّر أخاه بغير تأويل، فهو كما قال، واحتجَّ في
_________________
(١) في (ش): فما.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) " وظن موافقة " ساقطة من (ب).
(٤) في (ش) فما تقولون.
(٥) في (ب): تكفير.
(٦) من قوله: " قلت أما المعتزلة " إلى هنا ساقط من (ش).
(٧) في (ب) و(د) بعد هذا: " بعد ثمانين بابًا أو يزيد قليلًا من كتاب الأدب ".
[ ٤ / ٢٠٩ ]
الباب بحديثِ ابن عمر وأبي هريرة (١) المقدم، " فقد باءَ بها أحدهما " وبحديث ثابت بن الضحاك " مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذبًا فهو كما قال " (٢).
ثمَّ قال: باب من لم يَرَ إكفار (٣) من قال ذلك متأوِّلًا، أو جاهلًا، وأورد فيه حديث عمر في قوله لِحَاطِب: إنَّه منافق، وقول النبي - ﷺ - لعُمَرَ: " وما يُدريك " (٤) الحديث.
وبحديث جابرٍ بقولِ معاذٍ للمتجوز (٥) في صلاته خلفه: إنه منافقٌ (٦).
وقول النبي - ﷺ - لمعاذٍ حين قال (٧) ذلك: " أفتانٌ أنت " (٨).
_________________
(١) في (د) و(ش): " بحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة ". وقد تقدم تخريجه في ٢/ ٤٣٩ من هذا الكتاب.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٣ و٣٤، والبخاري (١٣٦٣) و(٦٠٤٧) و(٦٦٥٢)، ومسلم (١١٠)، والترمذي (١٥٤٣)، والنسائي ٧/ ٥ - ٦ و٦ و١٩، وابن ماجة (٢٠٩٨)، والبغوي (٢٤٣٢)، وأبو داود (٣٢٥٧).
(٣) سقطت من (ب).
(٤) تمامه: " وما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال: قد غفرتُ لكم ". أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الأدب، باب: من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا. وأخرجه موصولًا (٣٩٨٣) و(٤٨٩٠) و(٦٩٣٩)، ومسلم (٢٤٩٤)، والترمذي (٣٣٠٥)، وأبو داود (٣٦٥٠) و(٣٦٥١)، وأحمد ١/ ٧٨ - ٧٩ و١٠٥. وأخرجه من طريق ابن عمر: أحمد ٢/ ١٠٩، وكذا من طريق جابر بن عبد الله: ٣/ ٣٥٠.
(٥) في (ش): للمتحول.
(٦) أخرجه مسلم (٤٦٥)، والنسائي ٢/ ١٧٢ - ١٧٣، وابن ماجة (٩٨٦). وأخرجه من حديث أنس بن مالك: أحمد ٣/ ١٢٤.
(٧) في (د): قال له.
(٨) تقدَّم تخريجه في ١/ ٢٥٩.
[ ٤ / ٢١٠ ]
وبحديث أبي هريرة: " من حَلَفَ منكم، فقال في حَلِفِه: باللات والعُزَّى، فليقل: لا إله إلاَّ الله " (١).
وبحديث ابن عمر: " إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالِفًا، فليحلف بالله أو لِيَصمُتْ " (٢) قاله رسول الله - ﷺ -، وقد أدرك ركبًا فيهم عمرُ، وهو يَحْلِفُ بأبيه. انتهى.
قلت: ويدلُّ على هذا أيضًا حديث عتبان بن مالك، وقول الأنصار للنبي - ﷺ - في رجل: إنه منافقٌ، فقال: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله " (٣) الحديث.
ويدل عليه ما في الوجه الثاني المقدَّم.
ويدل عليه: " رُفِعَ عن أُمَّتي الخَطَأ والنِّسيانُ وما استُكرِهُوا عليه " (٤). وما في معناه مِنَ القرآن.
ويدُلُّ عليه الأحاديث التي (٥) احتجُّوا بها على عَدَمِ كُفْرِ الخوارج، مثل حديث " دَعْهُ، فإنَّ له أصحابًا ليست قراءتكم إلى قراءتِهم " (٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٠٩، والبخاري (٦٦٥٠)، ومسلم (١٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٤٧)، والنسائي ٧/ ٧، والترمذي (١٥٤٥)، وابن ماجة (٢٠٩٦)، والبغوي (٢٤٣٣).
(٢) أخرجه مالك ٢/ ٤٨٠، وأحمد ٢/ ١١، والبخاري (٦٦٤٧) ومسلم (١٦٤٦)، والترمذي (١٥٣٤)، وأبو داود (٣٢٤٩)، والنسائي ٧/ ٤، والبغوي (٢٤٣١).
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٤٣ و٤٤ و٥/ ٤٤٩.
(٤) تقدم تخريجه في ١/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٥) في (د): الذي.
(٦) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: أحمد ٣/ ٥٦، والبخاري (٣٦١٠) ومسلم (١٠٦٤)، وفيه: " دعه فإن له أصحابًا يحقِرُ أحدُكُم صلاتَهُ مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآنَ، لا يجاوزُ تراقِيَهُم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السَّهْمُ من =
[ ٤ / ٢١١ ]
وحديث الخارجي الذي قال لعليَّ ﵇ وهو في الصلاة: لَئِنْ أشرَكت لَيَحْبَطنَّ عَمَلُكَ (١)، وقول علي ﵇ له: لكم علينا ثلاث، ومطالبة علي ﵇ لهم بدم ابنِ خباب (٢).
وادَّعى الخطابيُّ (٣) الإجماع على أنهم غيرُ كفارٍ (٤)، وصَنَّفَ ابنُ حزم في عدم تكفيرِ المتأولين مجلدًا ذكره الذهبي في ترجمته من "النبلاء" (٥).
_________________
(١) = الرَّمية يخرُجُون على حين فُرقةٍ من الناس". وأخرج مسلم (١٠٦٦) من حديث علي حين سار إلى الخوارج، قال: أيها الناس، إني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " يخرجُ قومٌ من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتُكم الى قراءتهم بشيء ولا صلاتُكُمْ إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامُكم إلى صامِهم بشيء، يقرؤون القرآن، يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تُجاوز صلاتُهم تراقِيَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمْيَةِ ".
(٢) أخرج ابن جرير ٢١/ ٥٩ عن علي بن ربيعة وقتادة، والحاكم ٣/ ١٤٦، والبيهقي ٢/ ٢٤٥ عن أبي يحيى حكيم بن سعد أنَّ رجلًا من الخوارج نادى عليًّا وهو في صلاة الفجر، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فأجابه علي ﵁، وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٦/ ٥٠٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٣) هو عبد الله بن خباب بن الأرت المدني حليف بني زهرة، أدرك النبي - ﷺ -، وله رؤية، ولأبيه صحبة، قتله الخوارج حين بعث إليهم علي ﵁، فأرسل إليهم علي: أقيدونا بعبد الله بن خباب، فقالوا: كيف نقيدك به، وكلنا قتله، فنفذ إليهم، فقاتلهم: " طبقات ابن سعد " ٥/ ٢٤٥، و" تاريخ البخاري " ٥/ ٧٨، و" الثقات " ٥/ ١١ لابن حبان، و" تاريخ الثقات " ص ٢٥٤ للعجلي، و" تهذيب التهذيب " ٥/ ١٩٦، و" تاريخ الطبري " ٥/ ٨٣.
(٤) هو الإمام العلاَّمة، الحافظ اللغوي، أبو سليمان حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي صاحب التصانيف المنقنة، المتوفى سنة (٣٨٨). مترجم في " السير " ١٧/ ٢٣.
(٥) انظر " معالم السنن " ٤/ ٢٩٥ و٣١١.
(٦) ١٨/ ١٩٥.
[ ٤ / ٢١٢ ]
الفصل الرابع: في ذكر نبذ من سيرة أحمد بن حنبل
الفصل الرابع (١): في ذكر نُبَذٍ (٢) من سيرة أحمد بن حنبل، والتعريفِ بأحواله الشريفة، ومناقبه الغزيرة (٣)، ومحلِّه في الإسلام، وذكر عقيدته، وما ثبت عنه من ذلك، وما لم يثبُت، والقصد بذكر ذلك تعريفُ من وقف عليه بأن هذا الإمام الجليل حريٌّ بالحمل على السلامة، والتثبت فيما يُنْسَبُ إليه، بل حريٌّ بالتعظيم والتجليل.
وقد اخترت لنقل سيرته كتاب " النبلاء " للذهبي لوجهين:
أحدُهما: كونُ الذهبي شافعيَّ المذهب، وليس بحنبلي، فيُتَّهَم بشدة العصبية (٤)، لإمامه الذي نشأ على تعظيمه.
وثانيهما: كون الذهبي معروفًا بتزييفِ ما يمُرُّ عليه من الأشياء الواهية، وأنت إذا قرأت هذه الترجمة عَرَفْتَ ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذا جملة ما ذكره الذهبي في ترجمته في " النبلاء " (٥) قال ما لفظه مع اختصارٍ كبير (٦): هو الإمام حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حَيّان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذُهْلِ الذُّهلي (٧) الشيباني المَرْوَزي ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام. هكذا
_________________
(١) سقط من (ش) ترجمة الإمام أحمد كاملة، وفي هامشها: نعم، قد أسقط من هذه النسخة الفصل الرابع في ترجمة أحمد بن حنبل، من منقولِه من " النبلاء " للذهبي، يعلم ذلك، وقد ندم على إسقاطه، ولا بُدَّ من إثباته إن شاء الله تعالى. كذا في الأم.
(٢) في (د): نبذة.
(٣) في (ب): العزيزة.
(٤) في (ج): التعصب.
(٥) ١١/ ١٧٧. وفي (ج): بالنبلاء.
(٦) في (ب): كثير.
(٧) تحرفت في (ب) إلى: الذهبي.
[ ٤ / ٢١٣ ]
ساق نسبه ولده عبد الله، واعتمده أبو بكرٍ الخطيب في " تاريخه " وغيرُه.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب " مناقب أحمد ": حدَّثنا صالح بن أحمد، قال: وجدت في كتاب أبي نَسَبَه، فساقه كما مَرَّ، وقال: ابن هذيلُ بن شيبان، وهو وَهمٌ، وزاد بقية النسب إلى إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا صالح بن أحمد فذكر النسب، فقال فيه: ذُهل على الصَّواب. وهكذا نقل إسحاقُ الغَسيلي عن صالح.
وأما قول عباس الدوري، وأبي (١) بكر بن أبي داود: إنَّ الإمام أحمد من بني ذُهل بن شيبان فَوَهْمٌ، غَلَّطهما (٢) الخطيبُ، وقال: إنما هو من بني شيبان بن ذُهْلِ بن ثعلبة، ثم (٣) قال: وذُهل بن ثعلبة هو عمُّ ذُهْلٍ بن شيبان بن ثعلبة (٤). فينبغي أن يقال فيه: أحمد بن حنبل الذهلي على الإطلاق، وقد نسبه البخاري إليهما معًا.
وأمَّا ابن ماكولا، فمع بصره بهذا الشأن وَهِمَ أيضًا، وقال في نسبه: مازن بن ذُهل بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وما تابعه على هذا أحدٌ.
وقال صالحٌ: قال لي أبي: وُلِدْتُ سنة أربعٍ وستين ومئة.
وكذا قال أبو داود، عن يعقوب الدَّورقي، عن أحمد.
قال حنبل: سمعتُ أبا عبد الله، يقول: طلبتُ الحديثَ سنة تسعٍ وسبعين، فسمعتُ بموتِ حمادِ بن زيد، وأنا في مجلس هُشيمٍ.
_________________
(١) في الأصول و" السير ": وأبو.
(٢) في (ج): فغلطهما.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) " بن ثعلبة " ساقطة من (د).
[ ٤ / ٢١٤ ]
قال صالح: قال أبي: ثَقَبَتْ أُمي أُذُنيَّ، فكانت تُصيِّرُ فيهما لؤلؤتين، فلمَّا ترعرعتُ، نزعتهما، فكانتا (١) عندها، ثم دَفَعَتْهما إليَّ، فبِعْتُهما بنحوٍ من ثلاثين درهمًا.
فصلٌ في شيوخه:
طلب العِلْمَ وهو ابنُ خمس عشرة سنة، في العام الذي مات فيه مالكٌ، وحمادُ بن زيد.
فسَمِعَ من إبراهيم بن سعدٍ قليلًا، ومن هُشيم بن بشير فأكثر، وجوَّد، ومن عبَّاد بن عباد المهلبي، ومعتمر (٢) بن سُليمان التيمي، وسفيان بن عيينة الهلالي، وأيوب بن النجار، ويحيى بن أبي زائدة، وعليِّ بن هاشم بن البريد، وقُرَّان بن تمَّام، وعمَّار بن محمد الثوري، والقاضي أبي (٣) يوسف، وجابر بن نوح الحِمَّاني، وعلي بن غُراب القاضي، وعمر بن عبيد الطنافسي، وأخويه يعلى، ومحمدٍ، والمطلب بن زياد، ويوسف بن الماجِشَون، وجريرِ بنِ عبد الحميد، وخالد بنِ الحارث، وبشر بن المفضل، وعبَّاد بن العوام، وأبي بكر بن عيَّاش، ومحمد بن عبد الرَّحمن الطُّفاوي، وعبدِ العزيز بن عبد الصمد العمِّي (٤)، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، والنضر بن إسماعيل البجلي، وأبي خالد الأحمر، وعلي بن ثابتٍ
_________________
(١) في (أ) و(ب) والسير: " فكانت "، والمثبت من (د)، وهامش (أ)، وفوق " كانت " في (ج)، و" تاريخ الإسلام ".
(٢) تحرف في الأصول إلى: " معمر "، والتصويب من " السير ".
(٣) في (د): "أبو" وهو خطأ.
(٤) من قوله: " وأبي بكر " إلى هنا ساقط من (د). وذكر بعدها في (أ) و(د): " وعيسى بن يونس "، وفي (ب): " وعيسى بن أبي نواس "، وكلها عليها إشارة حذف.
[ ٤ / ٢١٥ ]
الجزري، وأبي عُبيدة الحداد، وعَبِيدَة بن حميد الحذاء، ومحمد بن سلمة الحرَّاني، وأبي معاوية الضرير، وعبد الله بن إدريس، ومروان بن معاوية، وغُنْدَر، وابن عُلَيَّة، ومَخْلد بن يزيد الحراني، وحفص بن غياث، وعبد الوهاب الثقفي، ومحمد بن فُضيل، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والوليد بن مسلم، ويحيى بن سُلَيْمٍ حديثًا واحدًا، ومحمد بنِ يزيد الواسطي، ومحمد بن الحسن المُزَني الواسطي، ويزيد بن هارون، وعلي بن عاصم، وشعيب بن حرب، ووكيعٍ فأكثر، ويحيى القطان فبالغ، ومسكين بن بُكَير، وأنس بن عِياض الليثي، وإسحاق الأزرق، ومعاذ بن معاذ، ومعاذ (١) بن هشام، وعبد الأعلى السامي (٢)، ومحمد بن أبي عدي، وعبدِ الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن نُمير، ومحمد بن بشر، وزيد بن الحباب، وعبد الله بن بكر، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأبي عاصم، وعبد الرزاق، وأبي نعيم، وعفَّان، وحسين بن علي الجُعفي (٣)، وأبي النضر، ويحيى بن آدم، وأبي عبد الرحمن المقرىء، وحجاج بن محمد، وأبي عامرٍ العَقَدي، وعبد الصَّمَد بن عبد الوارث، وروح بن عبادة، وأسود بن عامر، ووهب بن جرير، ويونس بن محمد، وسليمان بن حرب، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وخلائق إلى أن ينزل في الرواية عن قتيبة بن سعيد (٤)، وعليِّ بن المديني، وأبي بكر بن أبي شيبة، وهارون بن معروف، وجماعة من أقرانه.
_________________
(١) " ومعاذ " ساقطة من (ب) و(ش).
(٢) تصحف في (ب) و(ج) إلى: الشامي.
(٣) تحرفت في (ج) إلى: الحفي.
(٤) تحرف في الأصول إلى سعد.
[ ٤ / ٢١٦ ]
فعدَّة شيوخه الذين روى عنهم في " المسند " مئتان وثمانون ونيِّف.
حدَّث عنه البخاري حديثًا، وعن أحمد بن الحسن عنه حديثًا آخر في المغازي، وحدَّث عنه (١) مسلم، وأبو داود بجملةٍ وافرة، وروى أبو داود أيضًا، والنسائي والترمذي، وابن ماجة عن رجلٍ عنه، وحدث عنه (٢) أيضًا ولداه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق، وشيوخه: عبد الرزاق، والحسن بن موسن الأشيب، وأبو عبد الله الشافعي، لكن الشافعي لم يُسمِّه، بل قال: حدثني الثقة. وحدَّث عنه علي بن المديني، ويحيى بن معين، ودُحيم، وأحمد بن صالح، وأحمد بن أبي الحواري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن الفرات، والحسن بن الصَّبَّاح البزار، والحسن بن محمد بن (٣) الصباح الزعفراني، وحجَّاج بن الشاعر، ورجاء بن المرجَّى، وسلمة بن شبيب، وأبو قِلابة الرقاشي، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن منصور الطوسي، وزياد بن أيوب، وعباس الدوري، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وإسحاق الكَوْسج، وأبو بكر الأثرم، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر المرُّوذي، وأبو زرعة الدمشقيُّ، وبقيُّ بن مَخْلَدٍ، وأحمدُ بنُ أصرمَ المُغَفَّلي، وأحمد بن منصور الرمادي، وأحمد بن ملاعب، وأحمد بن أبي خيثمة، وموسى بن هارون، وأحمد بن علي الأبَّار، ومحمد بن عبد الله مُطَيَّن، وأبو طالب أحمدُ بن حميد، وإبراهيمُ بن هانىء النيسابوري، وولده إسحاق بن إبراهيم، وبَدْرٌ المغازلي، وزكريا بن
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) " بن " ساقطة من (ج).
[ ٤ / ٢١٧ ]
يحيى الناقد، ويوسفُ بن موسى الحربي (١)، وأبو محمد فوران، وعُبدوس بن مالك العَطَّار، ويعقوبُ بن بُختان، ومهنى بن يحيى الشامي، وحمدان بن علي الوراق، وأحمد بن محمد القاضي البِرتي، والحسين بن إسحاق التُّسْتَري، وإبراهيم بن محمد بن الحارث الأصبهاني، وأحمد بن يحيى بن ثعلب، وأحمدُ بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفي، وإدريس بن عبد الكريم الحداد، وعمر بن حفص السدوسي، وأبو عبد (٢) الله محمد بن (٣) إبراهيم البُوشَنْجي، ومحمد بن عبد الرحمن السامي، وعبدُ اللهِ بن محمد البَغَوي، وأممٌ سواهم.
وقد جَمَعَ أبو محمد الخلاَّل جزءًا في تسمية الرواة عن أحمد سمعناه من الحسن بن علي، عن جعفر، عن السِّلفي، عن جعفر السَّرَّاج عنه، فعدَّ فيهم وكيع بن الجراح، ويحيى بن آدم.
قال الخطيب في كتاب " السابق " (٤): أخبرنا أبو سعيدٍ الصيرفي، حدثنا الأصمُّ، حدثنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن يحيى بن سعيد، عن شُعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارقٍ، أن عمر قال: إنما الغنيمة لمن شَهِدَ الوقعة (٥).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرعة أن أحمد أصلُه بصريٌّ،
_________________
(١) تصحفت في (ب) إلى: الجرني.
(٢) تحرفت في (ب) إلى: عبيد.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) ص ٥٥.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٩٦٨٩)، والبيهقي في " السنن " ٩/ ٥٠ من طريق شعبة عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب الأحمسي قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: إنَّ الغنيمة لِمَنْ شَهِدَ الوقعةَ. وقال البيهقي: هذا هو الصحيح عن عمر ﵁. وأخرجه أيضًا البيهقي ٩/ ٥٠ من قول أبي بكر، وعلي.
[ ٤ / ٢١٨ ]
وخِطَّتُه بمرو، وحدثنا صالح سمعت أبي يقولُ: مات هُشيمٌ فخرجت إلى الكوفة سنة ثلاثٍ وثمانين وأول رحلاتي إلى البصرة سنة ستٍ، وخرجت إلى سُفيان سنة سبع، فقدِمْنَا وقد مات الفضيل بن عياض، وحَجَجْتُ خمس حجج، منها ثلاثٌ راجلًا، أنفقت في إحداها ثلاثين درهمًا، وقَدِمَ ابن المبارك في سنة تسعٍ وسبعين، وفيها أول سماعي من هُشيم، فذهبت إلى مجلس ابن المبارك، فقالوا: قد خَرَجَ إلى طَرَسُوس، وكتبت عن هُشيمٍ أكثر من ثلاثة آلافٍ ولو كان عندي خمسون درهمًا، لخرجت إلى جريرٍ إلى الرَّي.
قلتُ: قد سمع منه أحاديث.
قال: وسمعتُ أبي يقول: كتبت عن إبراهيم بن سعد في ألواح، وصليت خلفه غير مرةٍ، وكان يُسلِّمُ واحدةً، وقد روى عنه من شيوخه ابن مهدي.
فقرأتُ على إسماعيل بن الفراء، أخبرنا ابن قُدامة، أخبرنا المبارك بن خضير، أخبرنا أبو طالب اليُوسُفي، أخبرنا إبراهيم بن عمر، أخبرنا عليُّ بن عبد العزيز، حدَّثنا ابن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن سِنان، سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: كان أحمد بن حنبل عندي، فقال: نظرنا فيما كان يُخالِفُكم فيه وكيعٌ، أو فيما يخالف وكيعٌ الناس، فإذا هي نيِّفٌ وستون (١) حديثًا.
ومن صفته: كان شيخًا طُوالًا أسمر شديد السُّمرة (٢).
وقال المَرُّوذيُّ: رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت خاشعًا،
_________________
(١) في الأصول: وستين.
(٢) تصحفت في (ب) إلى: السحرة.
[ ٤ / ٢١٩ ]
فإذا كان بَرًّا (١)، لم يتبين منه شِدَّةُ خُشُوعٍ، وكنتُ أدخل، والجزء في يده يقرأُ.
رحلته وحفظه:
قال صالحٌ: سمعت أبي يقول: خرجت إلى الكوفة، فكنت في بيتٍ تحت رأسي لبنةٌ، فحُمِمْتُ (٢)، فرجعت إلى أمي، ولم أَكُنِ استأذنتُها.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله، يقول: تزوَّجتُ وأنا ابن أربعين سنة، فَرَزَقَ الله خيرًا كثيرًا.
قال أبو بكر الخلال في كتاب " أخلاق أحمد "، وهو مجلد: أملى عليَّ زهير بن صالح بن أحمد، قال: تزوَّج جدي عباسة بنت الفضل من العرب، فلم يُولَدْ له منها غيرُ أبي. وتُوفيت فتزوَّج بعدها ريحانة، فولدت عبد الله عمي، ثم تُوفيت، فاشترى حُسْنَ، فولدت أُمَّ علي زينب، وولدت الحسن والحسين توأمًا (٣)، وماتا بقرب ولادتهما، ثم ولدت الحسن ومحمدًا (٤)، فعاشا حتى صارا من السنِّ نحو أربعين سنة، ثم ولدتْ سعيدًا.
قيل (٥): كانت والدة عبد الله عوراء، وأقامت معه سنين.
_________________
(١) أي: خارج الدار، قال ابن الأثير: وفي حديث سلمان: " من أصلح جوانبه، أصلح الله برانيه " أراد بالبراني: العلانية، والألف والنون من زيادات النسب. كما قالوا في صنعاء: صنعاني، وأصله من قولهم: خرج فلان برًّا، أي: خرج إلى البر والصحراء، وليس من قديم الكلام وفصيحه.
(٢) في " السير ": فحججت.
(٣) في (أ): " توم "، والمثبت من (ب) و(ج).
(٤) الأصول: " ومحمد "، والمثبت من " السير ".
(٥) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
قال المَرُّوذي: قال لي أبو عبد الله: اختلفتُ إلى الكُتَّاب، ثم (١) اختلفتُ إلى الديوان، وأنا ابنُ أربع عشرة سنة.
وذكر الخلالُ حكاياتٍ في عقل أحمد وحياته في المكتب ووَرَعِه في الصِّغر.
حدثنا المرُّوذيُّ: سَمِعْتُ أبا عبد الله، يقولُ: مات هُشيم ولي عشرون سنةً، فخرجتُ أنا والأعرابيُّ -رفيقٌ كان لأبي عبد الله- قال (٢): فخرجنا مُشاةً، فوصلنا الكوفة، يعني: في سنة ثلاث (٣) وثمانين، فأتينا أبا معاوية، وعنده الخلق، فأعطى الأعرابي حَجَّة بستين درهمًا، فخرج وتركني في بيتٍ وحدي، فاستوحشتُ، وليس معي إلاَّ جِرابٌ فيه كتبي، كنت أضعه فوق لبنة، وأضعُ رأسي عليه، وكنت أذاكِرُ وكيعًا بحديث الثوري، وذكر مرة شيئًا (٤)، فقال: هذا عند هُشيمٍ؟ فقلت: لا. وكان ربَّما ذكر العشر أحاديث، فأحفظُها، فإذا قامَ، قالوا لي، فأُمْليها عليهم.
وحدثنا عبد الله بن أحمد، قال لي أبي: خذ أيَّ كتابٍ شئت من كُتُبِ وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أُخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أُخبِرَكَ أنا بالكلام.
وحدثنا عبد الله بن أحمد: قال لي أبي (٥) سمعتُ سفيان بن وكيعٍ،
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) في (ب): ثمان.
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) جملة " قال لي أبي " ساقطة من (أ) و(ب).
[ ٤ / ٢٢١ ]
يقول: أحفظُ عن أبيك مسألةً من نحو أربعين سنةً. سُئل عن الطلاق قبل النكاج، فقال: يروى عن النبي - ﷺ -، وعن عليٍّ وابن عباس ونيِّفٍ وعشرين من التابعين، لم يَرَوْا به بأسًا، فسألتُ أبي عن ذلك، فقال: صَدَقَ، كذا قلت.
قال: وحفظتُ أني سمعتُ أبا بكر بن حماد، يقول: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، يقول: لا يُقَالُ لأحمد بن حنبل: من أين قُلْتَ؟
وسمعت أبا إسماعيل التِّرمِذِيَّ، يذكر عن ابنِ نُمَيْر، قال: كنت عند وَكيعٍ، فجاءه رجلٌ أو قال: جماعةٌ من أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: ها هنا رجل بغدادي يتكلَّم في بعض الكوفيين، فلم يَعْرِفْهُ وكيعٌ، فبينا نحن إذ طلع أحمد بن حنبل، فقالوا: هذا هو، فقال وكيعٌ: ها هنا يا أبا عبدِ الله، فأفرجوا له، فَجَلُوا يذكرون عن أبي عبد الله الذي يُنْكِرُوْنَ، وجَعَلَ أبو عبد الله يحتجُّ بالأحاديث عن النبي - ﷺ -. فقالوا لوكيع: هذا بحضرتِك تَرَى ما يقول؟ فقال: رجلٌ يقول: قال رسول الله - ﷺ -، أيشٍ أقول له؟ ثم قال: ليس القول إلاَّ كما قُلْتَ يا أبا عبدِ الله، فقال القومُ لوكيع: خَدَعَكَ والله البغدادي.
قال عارم: وضعَ أحمدُ عندي نفقته، فقُلْتُ له يومًا، يا أبا عبدِ الله، بَلَغَني أنَّك من العرب. فقال (١): يا أبا النعمان، نحن قومٌ مساكينٌ فلم يَزَلْ يُدَافِعُني حتى خَرَجَ، ولم يقلْ لي شيئًا.
قال الخلالُ: أخبرنا المَرُّوذي: أنَّ أبا عبد الله، قال: ما تَزَوَّجْتُ إلاَّ بعدَ الأربعين.
_________________
(١) في (ج): قال.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
وعن أحمد الدَّوْرَقي، عن أبي عبد الله، قال: نحنُ كتبنا الحديث في ستَّة وجوهٍ و(١) سبعة لم نَضْبِطْهُ، فكيف يضبطه (٢) من كتَبَه من وجهٍ واحد؟!.
قال عبدُ الله بن أحمد: قال لي أبو زرعة: أبوكَ يحفظُ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه، فأخذتُ عليه الأبواب.
فهذه حكايةٌ صحيحة في سَعَةِ علم أبي عبد الله، وكانوا يعُدُّون في ذلك المُكَرَّر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فُسِّر، ونحو ذلك. وإلاَّ فالمتونُ المرفوعة القوية لا تبلُغُ عُشْرَ مِعشارِ ذلك إلى قول الذهبي (٣):
قال صالحُ بنُ أحمد (٤): قَدِمَ المتوكلُ، فَنَزَلَ الشمَّاشِيَّة (٥) يُريدُ المدائن، فقال لي أبي: أُحِبُّ أنْ لا تذهبَ إليهم تُنَبِّهُ عليِّ، فلمَّا كان بَعْدَ يومٍ أنا قاعد، وكان يومًا مطيرًا، فإذا بيحيى بن خاقان قد جاءَ في مَوْكبٍ عظيم، والمطرُ عليه، فقال لي: سبحان الله لم تَصِرْ إلينا حتَّى تُبَلِّغَ أمير المؤمنين السلام عن شيخِك، ثم نَزَلَ خارج الزُّقاق، فجَهَدْتُ به أن يدخُلَ على الدابةِ فلم يفعَلْ، فجعل يخوضُ في المطير. فلمَّا وَصَلَ نزع جُرْمُوقَه (٦)، ودخل، وأبي في الزاوية عليه كِسَاءَ، فسلَّم عليه، وقبَّل
_________________
(١) في (ج): أو.
(٢) من قوله: " أبي عبد الله " إلى هنا ساقط من (د).
(٣) ١١/ ٢٩٢.
(٤) " ابن أحمد " ساقطة من (ج).
(٥) تحرف في الأصول إلى: " الشماسة "، والمثبت من " السير ".
(٦) هو ما يُلْبَسُ فوق الخُفِّ.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
جبهتَه، وسأَلَهُ عن حالِه، وقال: أميرُ المؤمنين يُقرِئُك السلام، ويقول: كيف أنت في نفسك؟ وكيف حالك؟ وقد أَنِسْبُ بقربك (١) ويسألُك أن تدعو له، فقال: ما يأتي عليّ يومٌ إلاَّ وأنا أدعو الله له. ثم قال: قد (٢) وجَّه معي ألف دينار تُفَرِّقُها على أهل الحاجة، فقال: يا أبا زكريا، أنا في بيتٍ منقطعٍ، وقد أعفاني من كل ما أكرهُ، وهذا مما أكره (٣) فقال: يا أبا عبد الله، الخلفاءُ لا يحتملون هذا. فقال: يا أبا زكريا، تلطَّف في ذلك، فدعا له، ثم قام، فلما صار إلى الدار، رجع، فقال: هكذا لو وجَّه إليك بعضُ إخوانك كنت تفعل؟ قال: نعم، فلما صِرنا إلى الدهليز، قال: قد أمرني أمير المؤمنين أدفعها إليك تُفَرِّقُها، فقلت: تكون عندك إلى أن تمضي هذه الأيام.
أحمد بن محمد بن الحسين بن معاوية الرازي، حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، سمعت المِسْعَرَ بن (٤) محمد بن (٥) وهب، قال: كنتُ مُؤدِّبًا للمتوكل، فلمَّا استخلف، أدناني، وكان يسألُني وأُجيبُه على مذهب الحديث والعلم، وإنه جلسَ للخاصة يومًا، ثم قام، حتى دخل بيتًا لَهُ من قوارير، سقفُه وحيطانُه وأرضُه (٦)، وقد أُجري له الماء فيه، يتقلَّبُ فيه (٧). فمن دَخَلَه، فكأنَّه في جوفِ الماء جالسٌ. وجَلَسَ عن يمينِه الفتحُ بنُ خاقان، وعبيد الله بن يحيى بن خاقان (٨)، وعن يسارِه بُغا
_________________
(١) من قوله: " ويقول: كيف " إلى هنا ساقط من (ج).
(٢) في (ب): وقد.
(٣) قوله: " وهذا ممَّا أكره " ساقطة من (د).
(٤) في " السير " ١١/ ٢٩٣: المسعري.
(٥) " بن " ساقطة من (ج).
(٦) في (ج): وأرضه وحيطانه.
(٧) ساقطة من (ب) و(د).
(٨) من قوله. " وعبيد الله " إلى هنا ساقط من (ج).
[ ٤ / ٢٢٤ ]
الكبير، ووصيف، وأنا واقفٌ إذ ضحك، فأرمَّ (١) القوم، فقال: ألاَ تسألوني مِنْ ما ضَحِكتُ؟! إنِّي ذات يومٍ واقفٌ على رأسِ الواثق، وقد قَعَدَ للخاصة، ثم دَخَلَ هنا، ورمتُ الدخول فَمُنِعْتُه ووقفت حيث ذاك الخادمُ واقفٌ، وعنده ابن أبي دُوَاد، وابنُ الزيات، وإسحاقُ بن إبراهيم. فقال الواثق: لقد فكرت فيما دعوت إليه الناس من (٢) أن القرآن مخلوقٌ، وسرعةِ إجابة من أجابنا، وشدة خلاف من خالفنا مع الضرب والسيف، فوجدتُ من أجابنا رَغِبَ فيما في أيدينا، ووجدتُ (٣) من خالفنا معه دينٌ وَوَرَعٌ، فدخل قلبي من ذلك أمرٌ وشكٌّ حتى هممتُ بترك ذلك. فقال ابن أبي دُوَاد: الله الله يا أمير المؤمنين! إن تُميتَ سُنَّةً قد أحييتها، وأن تُبْطِلَ دينًا قد أقمته. ثم أطرقوا، وخاف ابن أبي دُوَاد، فقال: والله يا أمير المؤمنين، إن هذا القول الذي تدعو الناس إليه لهو الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورسله، وبعث به نبيَّه، ولكنَّ الناسَ عَمُوا عن قبوله. قال الواثق: فَبَاهِلُوني (٤) على ذلك. فقال أحمد: ضربَهُ الله بالفالج إن لم يكُن ما يقُولُ حقًا، وقال ابن الزيات: وهو فَسَمَّرَ الله يديه (٥) بمسامير في الدنيا قبل الآخرة إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقًا بأن القرآن مخلوق. وقال إسحاق بن إبراهيم: وهو فأنتن اللهُ ريحَه في الدنيا إنْ لم يكن ما يقولُ حقًا، وقال نجاح: وهو فقَتَلَه اللهُ في أضيق محبسٍ، وقال إيتاخ: وهو فَغَرَّقَهُ الله، وقال الواثق: وهو فأحرق الله بدنه بالنار إن لم يكن ما يقول حقًا من أن القرآن مخلوقٌ، فأضحكُ أنه لم
_________________
(١) أي: سكتوا.
(٢) في (د): في.
(٣) " وجدت " ساقطة من (ج).
(٤) يقال: باهَل بعضُهم بعضًا، وتبهلوا، وتباهلوا، أي: تلاعنوا.
(٥) في " السير ": بدنه.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
يَدْعُ أحدٌ منهم يومئذٍ إلاَّ استُجِيْبَ.
أمَّا ابن أبي دواد، فقد ضربه الله بالفالج، وأمَّا ابن الزيات، فأنا أقعدته في تنُّورٍ من حديد، وسمَّرتُ يديه (١) بمسامير، وأما إسحاق، فأقبل يَعْرَقُ في مرضه عرقًا (٢) مُنْتِنًا حتى هرب منه الحميمُ والقريب، وأما نجاح، فأنا بنيتُ عليه بيتًا ذراعًا في ذراعين حتى ماتَ، وأمَّا إيتاخ، فكتبتُ إلى إسحاق بن إبراهيم، وقد رَجَعَ من الحجِّ فقيَّده وغرَّقه، وأما الواثق، فكان يُحِبُّ الجماع، فقال: يا ميخائيل: أبغني دواء الباه (٣) فقال: يا أمير المؤمنين؛ بدنَك فلا تَهُدَّه، لا سيما إذا تكلَّفُ الرجل الجماع. فقال: لا بدَّ منه، قال: عليك بلحم السبع، يُؤخَذُ رِطْلٌ فيُغلى سبع غليات بِخَلِّ خَمرٍ عتيقٍ. فإذا جلستَ على شُربك، فخذ منه زِنَةَ ثلاثة دراهم، فإنك تَجِدُ بُغيتك. فلها أيامًا، ثم قال: عليَّ بلحم سبعٍ الساعة، فأُخرج له سبعٌ، فذُبح واستعمله. قال: فسُقي (٤) بطنُه، فجُمِعَ له الأطباء، فأجمعوا على أن لا دواء له إلاَّ أن (٥) يُسْجَر له تنورٌ بحطبِ الزيتون، حتى يمتلىء جمرًا، ثم يُكسَحَ ما فيه، ويُحشى بالرُّطبة، ويقعد فيه ثلاث ساعات، فإن طَلَبَ ماءً لم يُسْقَ، ثم يخرجُ، فإنه يَجِدُ وَجَعًَا شديدًا، ولا يُعَادُ إلى التنور إلاَّ بعد ساعتين، فإنه يجري ذلك الماء، ويخرُجُ من مخارج البول، وإن هو سُقِيَ أو رُدَّ إلى التنور، تَلِفَ. فسُجِرَ له التنور، ثم أُخرج الجمرُ، وجُعِلَ على ظهر التنور، ثم
_________________
(١) في " السير ": بدنه.
(٢) ساقطة من (ج) و(د).
(٣) في " السير ": " دواءً للباه "، وفي (أ): دواء لباه.
(٤) يُقال: سُقِيَ بطنُه، وسَقَى بطنُه، واستسقى بطنُه، أي: حصل فيه الماء الأصفر.
(٥) ساقطة من (ج).
[ ٤ / ٢٢٦ ]
حُشِيَ بالرُّطبة. فعُرِّيَ الواثق، وأُجْلِسَ فيه، فصاح، وقال: أحرقتموني، اسقُوني ماءً، فمُنِعَ (١)، فتنفَّط (٢) بدنُه كلُّه، وصارَ نُفاخاتٍ (٣) كالبِطِّيخ، ثم أُخرج وقد كاد أن يحترق، فأجلسه الأطباء فلمَّا شَمَّ الهواء اشتدَّ به الألم، فأقبل يصيحُ ويخورُ كالثور، ويقول: ردُّوني إلى التنور، واجتمع نساؤه وخواصُّه، وردوه إلى التنور، وَرَجَوْا له الفَرَجَ. فلما حَمِيَ، سكن صياحُه، وتفطَّرَت تلك النفاخات (٤) وأُخرج وقد احترق واسوَدَّ، وقضى بعد ساعة.
قلت: راويها لا أعرفه.
وعن جرير بن أحمد بن أبي دواد، قال: قال أبي: ما رأيتُ أحدًا أشدَّ قلبًا من هذا، يعني: أحمد بن حنبل، جعلنا نكلمه، وجعل (٥) الخليفة يكلمه، يسميه مرة ويكنيه أخرى (٦)، وهو يقول: يا أمير المؤمنين، أوجدني شيئًا من (٧) كتاب الله أو سنة رسوله حتى أُجيبَك إليه.
أبو يعقوب القرَّاب: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصَّرَّام، حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدَّثني الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي، قال: دخلتُ أنا والحارث بن مسكين على أحمد (٨) حِدْثَانَ ضَرْبِه، فقال لنا: ضُرِبْتُ فسقطتُ، وسمعتُ ذاك -
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) [و(٤)] في (د): نفاجات، وهو تصحيف.
(٤) في (ب): وجعلنا.
(٥) في (ج): مرة أخرى.
(٦) " من " ساقطة من (ب).
(٧) " على أحمد " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٢٧ ]
يعني: ابن أبي دُوَاد- يقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضالٌّ مُضِلٌّ.
فقال له الحارت: أخبرني يوسف بن عمر، عن مالك، أن الزهري سُعِيَ به حتى ضُرٍبَ بالسياط، وقيل: عُلِّقَتْ كتُبُه في عُنُقِه. ثم قال مالك: وقد ضُرِبَ سعيد بن المسيب، وحُلِقَ رأسُه ولحيتُه، وضُرب أبو الزناد (١)، وضُرِبَ محمد بن المنكدر، وأصحابٌ له في حمَّام بالسياط. وما ذكر مالكٌ نفسه، فأُعجب أحمد بقول الحارث. قال مكيُّ بن عبدان: ضَرَبَ جعفرُ بن سليمان مالكًا تسعين سوطًا سنة سبع وأربعين ومئة.
البيهقي: أخبرنا الحاكم، حدثنا حسان بن محمد الفقيه، سمعت إبراهيم بن أبي طالب، يقول: دخلت على أحمد بن حنبل بعد المحنة غير مرة، وذاكرته (٢) رجاء أن آخذ عنه حديثًا، إلى أن قلت: يا أبا عبد الله، حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: " امرُؤُ القيس قائدُ الشعراء إلى النار " (٣). فقال: قيل: عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، فقلتُ: مَنْ عن الزهري؟ قال: أبو الجهم، فقلت: من رواه عن أبي الجهم؟ فسكت، فلما عاودتُه فيه، قال: اللهُمَّ سلِّم.
_________________
(١) في (د): أبي الزيات.
(٢) تحرفت في (ب) إلى: وذكر أنه.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " ٢/ ٢٢٨، والبزار (٢٠٩١) من طريق هشيم، حدثنا أبو الجهم (وقد تحرف في " المسند " إلى الجهيم)، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأبو الجهم هذا قال عنه أبو زرعة: واهٍ، وقال أحمد: مجهول، وقال ابن حبان: يروي عن الزهري ما ليس من حديثه. وأخرجه أبو عروبة في " الأوائل "، وابن عساكر في " تاريخه " وفي سنده ضعيفان لا يحتج بهما. وأخرجه الخطيب في " تاريخه " ٩/ ٣٧٠ من طريق جنيد بن حكيم الدقاق، عن أبي هفان الشاعر، عن الأصمعي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. وإسناده ضعيف أيضًا.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
قال أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، أخبرنا الفضل بن زياد، سمعت أحمد بن حنبل، يقول: من رد حديث رسول الله - ﷺ - فهو على شَفَا هَلَكَةٍ.
أبو مسلم محمد بن إسماعيل: أخبرنا صالح بن أحمد، قال: مضيت مع أبي يوم جُمعةٍ إلى مسجد الجامع، فوافَقَنا الناسَ قد انصرفوا، فدخل إلى المسجد (١)، فتقدَّم أبي فصلَّى بنا الظهر أربعًا، وقال: قد فَعَلَه ابنُ مسعود بعَلقمة والأسود (٢)، وكان أبي (٣) إذا دَخَلَ مقبرةً، خَلَعَ نعليه، وأمسكَهما بيده.
إبراهيم بن محمد بن سفيان: سمعت عاصم بن عصام البيهقي، يقول: بِتُّ ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بماءٍ فوضَعَه، فلمَّا أصبح، نظر إلى الماء بحالِه، فقال: سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له وِردٌ بالليل.
الطبراني: أنشدنا محمد بن موسى بن حماد لمحمدِ بن عبد الله بن طاهر:
أضحى ابنُ حنبل مِحْنَةً مَرضِيَّةً وَبِحُبِّ أحمدَ يُعْرَفُ المُتَنَسِّكُ
وإذا رأيتَ لأحمدٍ مُتَنَقِّصًا فاعلم بأنَّ سُتُورَه سَتُهَتَّكُ
أحمد بن مروان الدِّينَوَرِيُّ: حدثنا إدريس الحداد، قال: كان
_________________
(١) في (أ): مسجد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (٥٤٥٦) عن الثوري، عن الحسن بن عبيد الله قال: صلَّيت أنا وزر، فأمَّني وفاتتني الجمعة، فسألت إبراهيم، فقال: فعل ذلك عبد الله بعلقمة والأسود، قال سفيان: وربما فعلته أنا والأعمش.
(٣) ساقطة من (د).
[ ٤ / ٢٢٩ ]
أحمدُ بن حنبل إذا ضاق به الأمرُ، أجَّرَ نفسه من الحاكة، فسوَّى لهم، فلمَّا كان أيام المحنة، وصُرِفَ إلى بيته، حُمِلَ إليه مالٌ، فردَّه وهو محتاجٌ إلى رغيف، فجَعَلَ عمُّه إسحاق يحسُبُ ما ردَّ، فإذا هو نحو من خمسِ مئةِ ألف. قال: فقال: يا عمّ، لو طلبناه لم يأتِنا، وإنَّما أتانا لما تركناه.
البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، حدِّثنا الزُّبيرُ بن عبد الواحد الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الواحد البَلَدي، سمعتُ جعفر بن محمد الطيالسي، يقول: صلَّى أحمدُ بن حنبل ويحيى بنُ معين في مسجد الرُّصافة، فقام قاصٌّ، فقال: حدثنا أحمدُ بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن أنس، قال رسول الله - ﷺ -: " من قال: لا إله إلاَّ الله، خلق الله من كل كلمة طيرًا، منقارُه من ذهبٍ، وريشُه من مرجان ". وأخذ في قصةٍ نحوًا من عشرين ورقة (١)، وجَعَلَ أحمدُ ينظرُ إلى يحيى، ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا؟ فيقول: والله ما سمعت به إلاَّ الساعة، فسكتا حتى فَرَغَ، وأخذَ قِطاعه، فقال له يحيى بيده: أن تعال. فجاء مُتَوَهِّمًا لنوالٍ. فقال: من حدثك بهذا؟ فقال: أحمد وابن معين، فقال: أنا يحيى، وهذا أحمد، ما سمعنا بهذا قطُّ، فإن كان ولا بُدَّ
_________________
(١) قال ابن القيِّم في " المنار المنيف " ص ٥٠: فصل: ونحن ننبه على أمور كلية يُعرف بها كون الحديث موضوعًا، فمنها اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله - ﷺ -، وهي كثيرة جدًا، كقوله في الحديث المكذوب: " من قال: لا إله إلاَّ الله، خلق الله من تلك الكلمة طائرًا، له سبعون ألف لسان، لكل لسانٍ سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له "، و" من فعل كذا وكذا، أُعطى في الجنة سبعين ألف مدينة، في كل مدينة سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف حوراء "، وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول - ﷺ -، بإضافة مثل هذه الكلمات إليه.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
والكذب، فعلى غيرنا، فقال: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمعُ أن يحيى بن معين أحمق، ما علمت إلاَّ الساعة، كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل غيركما!! كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين غيركما. فوضع أحمدُ كُمَّه على وجهه، وقال: دَعْه يقومُ، فقامَ كالمستهزىء بهما.
هذه الحكاية اشتهرت على ألسنةِ الجماعة، وهي باطلةٌ. أظن البَلَدِي وَضَعَها، ويعرف بالمعصوب. رواها عنه أبو حاتم بن حبان (١) فارتفعت عنه الجهالة (٢).
ذكر المَرُّوذيُّ عن أحمد، أنه بقى بسَامَرَّاء ثمانية أيام، لم يشرب إلاَّ أقل من ربع سَويقٍ.
أحمد بن بندار الشعار: حدثنا أبو يحيى بن الرازي، سمعت علي بن سعيد الرازي، قال: صِرنا مع أحمد إلى باب المتوكل، فلما أدخلوه من باب الخاصة، قال: انصرِفُوا، عافاكم الله. فما مَرِضَ منا أحدٌ بعد ذلك اليوم.
الكُدَيمي: حدثنا علي بن المديني، قال لي أحمد بن حنبل: إنِّي لأشتهي أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعُني إلاَّ خوفُ أن أمَلَّكَ وتَمَلَّني.
فلمَّا ودعته، قلت: أوصِني، قال: اجعلِ التقوى زادك، وانصِب الآخرة أمامك.
_________________
(١) في " المجروحين " ١/ ٨٥.
(٢) وقال في " الميزان " ١/ ٤٧ في ترجمة إبراهيم بن عبد الواحد البلدي: لا أدري من هو ذا، أتى بحكاية منكرة أخاف أن لا تكون من وضعه، ثم ذكرها، وقال ابن حجر في " اللسان " ١/ ٧٩ بعد أن نقل كلام الذهبي: وهذا الرجل من شيوخ أبي حاتم بن حبان أخرج هذه القصة في مقدمة " الضعفاء " له عنه.
[ ٤ / ٢٣١ ]
قال أبو حاتم: أول ما لقيت أحمد بن حنبل سنة ثلاث عشرة ومئتين، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاة " كتاب الأشربة " (١)، و" كتاب الإيمان " (٢) فصلى، ولم يسأله أحد، فرده إلى بيته. وأتيتُه يومًا آخر، فإذا قد أخرج الكتابين، فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك، لأن كتاب الإيمان أصل الدين، وكتاب الأشربة صرفُ الناس عن الشِّرِّ، فإن كل شرٍّ من السُّكر.
الدارقطني: حدثنا جعفر الخُلْديُّ (٣)، حدِّثنا العباس بن يوسف، حدَّثني عمي محمد بن إسماعيل بن العلاء، حدثني أبي، قال: دعاني رزق الله بن الكَلْوَذَاني، فقدَّم إلينا طعامًا كثيرًا، وفينا أحمد، وابن معين، وأبو خيثمة فَقُدِّمَتْ لوزينج أنفق عليها ثمانين درهمًا. فقال أبو خيثمة: هذا إسرافٌ فقال أحمد بن حنبل: لو أن الدنيا في مقدار لُقمة، ثم أخذها مسلم، فوضعها في فم أخيه، لما كان مُسرفًا. فقال له يحيى: صدقت. وهذه حكاية منكرة.
الخلال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: رأيت كثيرًا من العلماء والفقهاء والمحدثين، وبني هاشم وقريش والأنصار، يُقّبِّلون أبي، بعضُهم يدَه، وبعضُهم رأسه، ويُعظِّمونه تعظيمًا لم أرَهُم يفعلون ذلك بأحدٍ من الفقهاء غيره، ولم أرَهُ يشتهي ذلك، ورأيتُ الهيثم بن
_________________
(١) طبع في بغداد سنة ١٣٩٦ هـ، بتحقيق الأستاذ السيد صبحي جاسم البدري السامرائي، ثم أُعيد طبعه في بيروت سنة ١٤٠٥ هـ.
(٢) ذكره ابن النديم في " الفهرست " ومنه نسخة في المتحف البريطاني، مخطوطات شرقية ٦٢٧٥. انظر " تاريخ التراث العربي " ١/ ٣/٢٢٦ لسزكين.
(٣) هو جعفر بن محمد بن نصير بن القاسم الخواص الخُلدي، أبو محمد، أحد المشايخ الصوفية، صاحب الأحوال والمجاهدات والكرامات الظاهرة. توفي في رمضان ٣٤٨ هـ. انظر " الأنساب " للسمعاني ٥/ ١٦١ - ١٦٢.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
خارجة، والقواريري، وأبا معمر، وعلي بن المديني، وبشارًا (١) الخفاف، وعبد الله بن عون الخرَّاز، وابن أبي الشوارب، وإبراهيم الهروي، ومحمد بن بكار، ويحين بن أيوب، وسريج (٢) بن يونس، وأبا خيثمة، ويحيى بن معين، وابن أبي شيبة، وعبد الأعلى النرسي، وخلف بن هشام، وجماعةٌ لا أُحصيهم، يُعظِّمونه ويُوقِّرونه.
الخلال: أخبرنا المَرُّوذيُّ، سمعت عبد الوهَّاب الورَّاق، يقول: أبو عبد الله إمامنا، وهو من الراسخين في العلم، إذا وقفتُ غدًا بين يدي الله، فسألَني بمن اقتديت، أيَّ شيءٍ أقولُ؟ وأيُّ شيءٍ ذهبَ على أبي عبد الله من أمر الإسلام؟!
قال صالحُ بن علي الحلبي: سمعت أبا همَّام، يقول: ما رأي أحمدُ مثل نفسه.
قال الخلال: بُلينا بقومٍ جُهَّالٍ، يظنون أنهم علماء (٣)، فإذا ذكرنا فضائل أبي عبد الله، يُخرِجُهم الحسد، إلى أن قال بعضُهم فيما أخبرني ثقة عنه: أحمد بن حنبل نبيُّهم.
قال الخلال: أخبرنا المروذي، سمعت أبا عبد الله، يقول: الخوف منعني أكل الطعام والشراب، فما اشتهيته، وما أبالي أن لا يراني أحدٌ ولا أراه، وإني لأشتهي أن أرى عبد الوهَّاب. قل لعبد الوهاب: أخمِلْ ذكرَك، فإني قد بُليتُ بالشهرة.
_________________
(١) في (ب): " وبشار "، وفي (د): " ويسار ".
(٢) تصحفت في (ب) و(ج) إلى: شريح.
(٣) قوله: " يظنون أنهم علماء " ساقط من (د).
[ ٤ / ٢٣٣ ]
الخلال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يزيد الوراق، سمعت أحمد بن حنبل، يقول: ما شَبَّهْتُ الشباب إلاَّ بشيءٍ كان في كُمِّي فسقط.
قال إسحاق بن هانىء: مات أبو عبد الله، وما خلَّف إلاَّ ستَّ قطعٍ في خِرقةٍ قدر دانقين.
وقال عبد الله: سمعت أبي، يقول: ربما أردتُ البكورَ في الحديث، فتأخذُ أمى بثوبي، وتقول: حتى يؤذن المؤذن.
وقال عباس الدوري: سمعت أحمد يقول: أول ما طلبت اختلفت إلى أبي يوسف القاضي.
قال عبد الله: كتب أبي عن أبي يوسف ومحمدٍ الكتب، وكان يحفظُها، فقال لي مُهَنِّا: كنت أسأله فيقول: ليس ذا في كتبهم، فأرجع إليهم، فيقولون: صاحبك أعلمُ منا بالكتب.
قال عبد الله: سمعت أبي يقول: رأيت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، وكان رجلًا صالحًا (١).
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: حدثتنا أمُّ عمر ابنة حسان عن أبيها، قال: دخلت المسجد، فإذا علي بن أبي طالب على المنبر، وهو يقول: إنما مثلي ومثل عثمان كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا
_________________
(١) هو موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي من أهل مدينة الرسول - ﷺ -، وهو أخو محمد وإبراهيم ابن عبد الله ظفر به أبو جعفر المنصور بعد قتل أخويه، فعفا عنه، وسكن بغداد، وقد روى عن أبيه شيئًا يسيرًا، وثقه ابن معين، وعاش إلى أيام الرشيد، وله خبر معه، ونسله كثير. مترجم في " تاريخ بغداد " ١٣/ ٢٥ - ٢٧.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
ما في صُدورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (١) [الأعراف: ٤٣] و[الحجر: ٤٧].
الخلال: أخبرني أبو بكر بنُ صدقة، سمعت محمد بن عبد الرحمن الصيرفي، قال: أتيت أحمد بن حنبل أنا وعبد الله بن سعيد الجمال، وذاك في آخر سنة مئتين، فقال أبو عبد الله للجمال: يا أبا محمدٍ، إن أقوامًا يسألوني (٢) أن أُحَدِّث، فهل ترى ذلك؟ فسكت. فقلت: أنا أُجيبكُ. قال: تكلَّمْ. قلت (٣): أرى لك إن كنت تشتهي أن تُحَدِّثَ، فلا تحدِّث، وإن كنت تشتهي أن لا تحدث فحدث، فكأنه استحسنه.
عبد الله بن أحمد: سمعتُ نوح بن حبيب القُومَسي، يقول: رأيت أحمد بن حنبل في مسجد الخَيْفِ سنة ثمان وتسعين وابن عيينة حيٌّ، وهو يفتي فتوى واسعة، فسلَّمت عليه.
قال عبد الله: سمعت أبي سنة سبع وثلاثين ومئتين (٤)، يقول: قد استخرتُ الله أن لا أُحدِّث حديثًا على تمامه أبدًا، ثم قال: إن الله يقول: ﴿يأيُّها الذين آمنوا أَوْفُوا بالعُقُود﴾ [المائدة: ١]، وإني أعاهد الله أن لا أحدث بحديث على تمامه أبدًا، ثم قال: ولا لك، وإن كنت تشتهي، فقلت له بعد ذلك بأشهرٍ: أليس يُروى (٥) عن شريك، عن
_________________
(١) جاء في " تفسير الطبري " ١٤/ ٣٦ - ٣٧ من طرق متعددة أن الغِلَّ: العداوة، وفيه: حدثنا الحسن قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: حدثنا السكن بن المغيرة قال: حدثنا معاوية بن راشد، قال: قال علي: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
(٢) في (ب): سألوني.
(٣) في (ب): قال.
(٤) " ومئتين " ساقطة من (د).
(٥) في (ب): تروي.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: " العهدُ يمينٌ " (١)؟ قال: نعم. ثم سكت فظننت أنه سيُكَفِّر. فلمَّا كان بعد أيام قلت له في ذلك، فلم ينشط للكفارة ثم لم أسمعه يُحدِّث بحديث على تمامه.
قال المروذي: سمعت أبا عبد الله في العسكر، يقول لولده: قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بالعُقُود﴾ [المائدة: ١] أتدرون ما العقودُ؟ إنَّما هو العهود وإنِّي أعاهد الله جلَّ وعزَّ، ثم قال: والله، والله، والله، وعليَّ عهد الله (٢) وميثاقُه أن لا حدَّثتُ بحديثٍ لقريبٍ ولا لبعيد حديثًا تامًا، حتى ألقى الله، ثم التفت إلى ولده، وقال: وإن كان هذا يشتهي منه ما يشتهي، ثم بَلَغَه عن رجلٍ من الدولة وهو ابن أكثم، أنه قال: قد أردتُ أن يأمرَهُ الخليفة أن يُكَفِّرَ عن يمينه، ويحدث، فسمعت أبا عبد الله يقول لرجل من قبل صاحب الكلام: لو ضربت ظهري بالسياط، ما حدثت.
الخلال: حدثنا محمد بن المنذر، حدثنا أحمد بن الحسن
_________________
(١) إسناده ضعيف، وشريك هو ابن عبد الله القاضي، ويزيد بن أبي زياد هو الهاشمي وكلاهما ضعيف.
(٢) قال الراغب: العهد: هو حفظ الشيء ومراعاته، ومن ثمَّ قيل للوثيقة: عهدة. ويطلق عهد الله على ما فطر علي عباده من الإيمان به عند أخذ الميثاق، ويُراد به أيضًا ما أمر به في الكتاب والسنة مؤكدًا، وما التزمه المرء من قبل نفسه كالنذر. قال الحافظ في " الفتح " ١١/ ٥٤٤ - ٥٤٥: وللعهد معانٍ أخرى غير هذه كالأمان، والوفاء، والوصية، واليمين، ورعاية الحرمة، والمعرفة، واللقاء عن قرب، والزمان، والذمة، وبعضها قد تداخل، والله أعلم. ونقل عن ابن المنذر أن من حلف بالعهد، فحنث، لزمه الكفارة، سواء نوى أم لا عند مالك، والأوزاعي، والكوفيين، وبه قال الحسن، والشعبي، وطاووس وغيرهم، وبه قال أحمد. وقال عطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيدة: لا تكون يمينًا إلاَّ إن نَوَى. وانظر " المغني " ٨/ ٦٩٧ لابن قدامة المقدسي.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
الترمذي، قال: رأيت أبا عبد الله يشتري الخبز من السوق، ويحمله في الزِّنْبِيلِ، ورأيته يشتري الباقلاء غير مرة، ويجعله في خِرْقَةٍ، فيحمله آخذًا بيدِ (١) عبد الله ابنه.
الميموني: قال لي أبو عُبيد (٢): يا أبا الحسن، قد جالست أبا يوسف ومحمدًا، وأحسِبُه ذكر يحيى بن سعيد، ما هِبْتُ أحدًا ما هِبتُ أحمدَ بن حنبل.
قال عبد الله بن محمود بن الفرج: سمعتُ عبد الله بن أحمد، يقولُ: خرج أبي إلى طَرَسُوسَ، ورابط بها، وغزا، ثم قال أبي (٣): رأيت العِلْمَ بها يموتُ.
وعن أحمد، أنه قال لرجلٍ: عليك بالثَّغْر، عليك بقَزوين، وكانت (٤) ثَغْرًا.
الخلال: حدثنا (٥) المَرُّوذيُّ: قلت لأبي عبد الله: قال لي رجلٌ: من هنا إلى بلاد الترك يدعون (٦) لك، فكيف تؤدِّي شكر ما أنعم الله عليك، وما بثَّ لك في الناس؟ قال: اسأل الله أن لا يجعلنا مُرائين.
أخبرنا المسلم بن علاَّن (٧) وغيره كتابةً أنَّ أبا اليُمن الكندي
_________________
(١) في (ب): بيده.
(٢) هو القاسم بن سلام، صاحب كتاب " الأموال " و" غريب الحديث "، و" الغريب المصنف "، و" فضائل القرآن " وغيرها.
(٣) في (د): إنِّي.
(٤) في (د): وكان.
(٥) في (ب) و(د): أخبرنا.
(٦) في الأصول: "يدعو"، والمثبت من " السير ".
(٧) ترجمه الذهبي في مشيخته ورقة ١٦٩/ ١ فقال: المسلَّم بن محمد بن المسلَّم بن =
[ ٤ / ٢٣٧ ]
أخبرهم، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر الخطيب، حدثنا محمد بن الفرج البزاز (١)، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي، حدثنا (٢) جعفر بن شعيب الشاشي، حدثني محمد بن يوسف الشاشي، حدثهم إبراهيم بن أمية، سمعت طاهر بن خلف، سمعت المهتدي بالله محمد بن الواثق، يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل أحدًا، أحضرنا، فأتي بشيخٍ مخضوبٍ مُقَيَّدٍ، فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه، يعني (٣): ابن أبي دُوَاد، قال: فأُدخِل الشيخ، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لا سلم الله عليك، فقال: يا أمير المؤمنين: بئس ما أدَّبك مُؤدِّبوك، فإن الله تعالى يقول: ﴿وإذا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بأحسَنَ منها أَوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]. فقال ابن أبي دواد: الرجل متكلم.
قال له: كلمه، فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ قال: لم يُنصفني (٤)، ولي السؤال قال: سَلْ، قال: ما تقول في القرآن؟ [قال: مخلوق] (٥)، قال الشيخ: هذا شيءٌ عَلِمَه النبي - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر،
_________________
(١) = مكي بن علاف المسند الجليل، الصادق العالم، شمس الدين أبو الغنائم العبسي الدمشقي الكاتب، ولد سنة أربع وتسعين وخمس مئة، وسمع من حنبل جميع " المسند "، ومن ابن طبرزد، والكندي، وابن الريف، وابن الحرستاني، وآخرين، فسمع من الكندي " تاريخ بغداد "، ومن ابن الحرستاني: " صحيح مسلم "، ومن ابن طبرزد: " الزهد " لابن المبارك، والترمذي، وأبا داود، والقطيعيات، وسمع " صحيح البخاري " من ابن مندويه، وأجاز له أبو طاهر الخُشوعي، والقاسم بن عساكر، وأبو سعد الصفار، وعُمِّر دهرًا، وروى " المسند " ببعلبك وبدمشق، ومات في ذي الحجة سنة ثمانين وستمائة، أجاز لي بجميع مروياته، وكان سخيًا سريًا ديِّنًا، ولِي نَظَرَ بعلبك.
(٢) في (ب): " البواب "، وهو تحريف.
(٣) في (ب): أخبرنا.
(٤) في (د): يعني بأصحابه.
(٥) في (ب): تنصفني.
(٦) ساقطة من الأصول، واستدركت من " السير ".
[ ٤ / ٢٣٨ ]
والخلفاء الراشدون، أم شيءٌ لم يعلموه (١)؟ قال: شيء لم يعلموه (٢). فقال: سبحان الله! شىء لم يعلمه النبي - ﷺ -، علمتَه أنت؟ فخَجِلَ. فقال: أَقِلْني، قال: المسألة بحالها. قال: نعم عَلِمُوه، قال: علموه (٣)، ولم يدعوا الناس إليه؟ قال: نعم. قال: أفلا (٤) وسعك ما وَسِعَهم؟ قال: فقام أبي، فدخل مجلسنا (٥)، واستلقى، وهو يقول: شيءٌ لم يعلمه النبي - ﷺ -، ولا أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون، علمته أنت! سبحان الله! شيء علموه، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟! (٦) ثم أمر برفع قيوده، وأن يُعطى أربع مئة دينار، ويُؤذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دواد ولم يمتحن بعدها أحدًا.
هذه قصة مليحة، وإن كان في طريقها من يُجهل ولها شاهد.
وبإسنادنا إلى الخطيب: أخبرنا ابنُ رزقويه، أخبرنا أحمد بن سندي الحداد، حدثنا أحمد بن الممتنع، أخبرنا صالح بن علي الهاشمي، قال: حضرت المهتدي بالله، وجلس لينظر في أمور المظلومين - إلى قوله: قال -يعني المهتدي-: ما زلتُ أقول: إن القرآن مخلوقٌ صدرًا من أيام الواثق، وساق نحوًا من القصة المتقدمة.
قال الذهبي: كان صغيرًا زمن الواثق، والحكاية فمنكرة.
_________________
(١) تصحفت في (ب) إلى: تعلموه.
(٢) " قال علموه " ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): نعم أفلا.
(٤) في " السير ": مجلسًا.
(٥) من قوله: " قال فقام أبي " إلى هنا ساقط من (أ).
(٦) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٣٩ ]
عن الحسين بن إسماعيل، عن أبيه، قال: كان يجتمع في مجلس أحمد زُهاء (١) خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمس مئة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت.
ابن بطة: سمع النَّجاد، يقول: سمعت أبا بكر بن (٢) المطوعي، يقول: اختلفتُ إلى أبي عبد الله، ثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ " المسند " على أولاده، فما كتبت عنه حديثًا واحدًا، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه.
قال حميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسي: يقال: لم يكن أحدٌ من الصحابة أشبه هديًا وسمتًا ودلًا من ابن مسعود بالنبي - ﷺ - (٣)، وكان أشبه الناس به علقمة، وكان أشبه الناس بعلقمة إبراهيم، وكان أشبههم بإبراهيم منصور بن المعتمر، وأشبه الناس به سفيان الثوري، وأشبه الناس به وكيع، وأشبه الناس بوكيع فيما قاله محمد بن يونس الجمال: أحمد بن حنبل.
الخلال: أخبرني محمد بن الحسين، أخبرنا المروذي، قال: قال جارنا فلان: دخلت على الأمير فلان وفلان، ذكر سلاطين، ما رأيت
_________________
(١) في الأصول: " زهاء على ". ففي " اللسان ": زُهاء الشيء وزِهاؤه: قدره، يقال: هم زُهاء مئة وزِهاء مئة، أي: قدرها، وهم قوم ذوو زُهاء، أي: ذوو عدد كثير .. من زهوت القوم: إذا حَزَرتهم.
(٢) " بن " ساقطة من (د).
(٣) أخرجه من حديث حذيفة: أحمد ٥/ ٣٨٩ و٣٩٤ و٣٩٥ و٤٠١ و٤٠٢، والبخاري (٣٧٦٢) و(٦٠٩٧)، والترمذي (٣٨٠٧)، والحاكم ٣/ ٣١٥. ولفظ البخاري: " سألنا حذيفة عن رجل قريب السمت والهدي من النبي - ﷺ - حتى نأخذ عنه، فقال: ما أعرف أحدًا أقرب سمتًا وهديًا ودلًا بالنبي - ﷺ - من ابن أم عبد ".
[ ٤ / ٢٤٠ ]
أهيب من أحمد بن حنبل، صِرْتُ إليه أكلمه في شيء، فوقعت علي (١) الرِّعْدَة من هيبته. ثم قال المروذي (٢): ولقد طرقه الكلبي -صاحب خبر السر- ليلًا. فمن هيبته لم يقرعُوا بابه، ودقوا باب عمِّه.
عبد الله بن محمد الورَّاق: كنت في مجلس أحمد بن حنبل، فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس أبي كُرَيْبٍ، فقال: اكتبوا عنه، فإنه شيخ صالح، فقلنا: إنه يطعن عليك. قال: فأي شيء حيلتي، شيخٌ صالح قد بُلِيَ بي.
ابن المنادي، عن جدِّه أبي جعفر، قال: كان أحمد من أحيى الناس، وأكرمهم، وأحسنهم عشرةً وأدبًا، كثير الإطراق، لا يُسمع منه إلا المذاكرة للحديث، وذكر الصالحين في وقارٍ وسُكونٍ، ولفظ حسن. وإذا لقيه إنسان، بشَّ به، وأقبل عليه. وكان يتواضع للشيوخ شديدًا، وكانوا يعظمونه، وكان يفعل بيحيى بن معين ما لم أره يعمل لغيره من التواضع والتكريم والتبجيل، كان يحيى أكبر منه بسبع سنين.
وقالب الميموني: كان أبو عبد الله حسن الخُلُق، دائم البِشْرِ، يحتمل الأذى من الجار.
علوان بن الحسين: سمعت عبد الله بن أحمد، قال: سُئِلَ أبي: لم لا تصحب الناس؟ قال: لِوحشة الفراق.
ابن بطة: حدثنا محمد بن أيوب (٣)، حدثنا إبراهيم الحربي،
_________________
(١) ساقطة من (د).
(٢) تحرفت في (ب) إلى: المردي.
(٣) في (د): يعقوب.
[ ٤ / ٢٤١ ]
سمعت أحمد بن حنبل، يقول لأحمد الوكيعي: يا أبا عبد الرحمن: إئي لأحبك، حدثنا (١) يحيى، عن ثور، عن حبيب بن عبيد، عن المقدام، قال: قال النبي - ﷺ -: " إذا أحب أحدُكم أخاه، فليُعْلِمْهُ " (٢).
فصل:
قال ابن الجوزي: خلَّف له أبوه طرزًا ودارًا يسكنُها (٣)، فكان يكري تلك الطرز، ويتعفَّفُ بها.
قال ابن المنادي: حدثنا جدي، قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرَعُ هذه الدار، وأُخرجُ الزكاة عنها في كُلِّ سنةٍ. أذهبُ إلى قول عمر في أرض السواد (٤).
قال المرُّوذي: سمعت أبا عبد الله، يقول: الغلَّة ما يكون قوتنا، وإنما أذهب فيه إلى أن لنا فيه شيئًا، فقلت له: قال رجل: لو ترك أبو عبد الله الغلة، وكان يصنع له صديق له، كان أعجب إلي. فقال: هذه طعمة سوءٍ، ومن تعوَّد هذا، لم يصبر عنه. ثم قال: هذا أعجب إلي من غيره، يعني: الغلة. وأنت تعلم أنها لا تُقيمنا، وإنما أخذها على الاضطرار.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) إسناده صحيح، وهو في " المسند " ٤/ ١٣٠، وأخرجه أبو داود (٥١٢٤) في الأدب، باب: إخبار الرجل بمحبته إليه، والترمذي (٢٣٩٣) في الزهد، باب: ما جاء في إعلام الحب، والبخاري في " الأدب المفرد " (٥٤٢)، وصححه ابن حبان (٢٥١٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسكت عليه الحاكم في " المستدرك " ٤/ ١٧١، والذهبي المؤلف.
(٣) في (ب): سكنها.
(٤) انظر " المغني " ٢/ ٧١٦ وما بعدها.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
قال ابن الجوزي: ربما احتاج أحمد، فخرج إلى اللِّقاط (١).
قال الخلال: حدثني محمد بن الحسين، حدثنا المروذي، حدثني أبو جعفر الطرسوسي (٢)، حدثني الذي نزل عليه أبو عبد الله، قال: لما نزل علي، خرج إلى اللِّقاط، فجاء وقد لَقَطَ شيئًا يسيرًا. فقلت له: قد أكلت أكثر مما لقطت، فقال: رأيت أمرًا استحييت منه، رأيتهم يلتقطون، فيقوم الرجل على أربعٍ، وكنت أزحف.
أحمد بن محمد بن عبد الخالق: حدثنا المروذي، قال أبو عبد الله: خرجت إلى الثَّغْرِ على قدمي، فالتقطت، لو قد رأيت قومًا يُفسِدُون مزارع الناس، قال: وكنا نخرج إلى اللقاط.
قلت: وربما نسخ بأجرةٍ، وربما عمل التِّكَكَ، وأجَّر نفسه لجمال. رحمة الله عليه.
فصل:
قال إبراهيم الحربي: سُئل أحمد عن المسلم يقول للنصراني: أكرمَكَ الله. قال: نعم، ينوي بها الإسلام.
وقيل: سئل أحمد عن رجلٍ نذر أن يطوف على أربع، فقال: يطوف طوافين، ولا يطُف على أربعٍ.
قال ابن عقيل: من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجُهَّال، أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه مُحدَّثٌ. قال: وهذا غاية
_________________
(١) في " اللسان " (لقط): اللِّقاط: السُّنْبُل الذى تخطئه المناجل، ويلتقطه الناس، واللِّقاط: اسم لذلك الفعل.
(٢) تحرفت في (ب) إلى الطرسوني.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
الجهل، لأنه له اختياراتٌ بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم، وربما زاد على كبارهم.
قلت: ما أحسِبُهم يظنُّونه مُحدِّثًا وبس (١)، بل يتخيَّلُونه من بابة محدثي زماننا، ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رُتبة الليث، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل، وإبراهيم بن أدهم، وفي الحفظ رُتبة شعبة، ويحيى القطان، وابن المديني، ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره؟!!.
حكاية موضوعة:
لم يستح (٢) ابن الجوزي من إيرادها، فقال: أخبرنا ابن ناصر، أخبرنا ابن الطيوري (٣)، أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسين، أخبرنا القاضي همام بن محمد الأُبُلِّي، أخبرنا أحمد بن علي بن حسين بن الخطيب، حدثنا الحسين بن بكر الوراق، أخبرنا أبو الطيب محمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: لمَّا أُطلِقَ أبي من المحنة، خشي أن يجيء إليه إسحاق بن راهويه، فرحل إليه. فلما بلغ الرَّيَّ، دخل مسجدًا، فجاء مطرٌ كأفواه القِرَبِ. فقالوا له: اخرُج من المسجد لنغلقه، فأبى، فقالوا: اخرُجْ أو تُجَرَّ برجلك، فقلت: سلامًا، فخرجت، والمطر والرعد، ولا أدري أين (٤) أضع رجلي، فإذا رجل قد خرج من داره، فقال: يا هذا: أين تمر؟ فقلت: لا أدري. قال: فأدخلني إلى
_________________
(١) " بس " بمعنى: كفى وحسب، قال في " اللسان ": فارسية.
(٢) في (أ) و(د): لم يستحيي.
(٣) في (ب): " الطنبوري " وهو تحريف.
(٤) في (د): أن.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
بيتٍ فيه كانونُ فحم ولُبُود (١) ومائدة، فأكلتُ. فقال: من أين أنت؟ قلت: من بغداد، فقال: تعرف أحمد بن حنبل؟ فقلت: أنا هو، فقال: وأنا إسحاق بن راهويه.
إنما قال الذهبي: إنها موضوعة، لأن أحمد، وإسحاق صديقان يتعارفان من قبل المحنة، وهذا أمرٌ لا يخفى على مثل (٢) ابن الجوزي، فلعلَّه سها وما تأمل والله أعلم.
قال الذهبي: سعيد بن عمرو البرذعي: سمعت أبا زُرعة، يقول: كان أحمد لا يرى الكتابة عن أبي نصر التَّمار، ولا يحيى بن معين، ولا أحدٍ (٣) ممن امتُحِنَ فأجاب.
أبو عوانة: سمعتُ الميموني، يقول: صحَّ عندي أن أحمد لم يحضُر أبا نصرٍ التَّمار لمَّا مات. فحسبتُ أن ذلك لإجابته في المحنة.
وعن حجاج بن الشاعر، سمع أحمد يقول: لو حدثت عن أحدٍ ممن أجاب، لحدثت عن أبي معمرٍ وأبي كُريب (٤).
قلت: لأن أبا معمر الهذلي نَدِمَ، ومقت نفسه، والآخر أجْرَوْا له دينارين بعد الإجابة، فردهما مع فقره.
أحمد بن علي الأبَّار: حدثنا يحيى بن عثمان الحربي، سمعت
_________________
(١) جمع لِبْد، ولِبْدَة، ولُبٍدة، وهي كل شعر أو صوف متلبد.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): " أحدًا "، وهو خطأ.
(٤) في (ب): كرب.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
بشر بن الحارث، يقول: وددت أن رؤوسهم خُضِبَت بدمائهم، وأنهم لم يُجيبوا.
نقل أبو علي بن البناء، عن شيخٍ (١)، عن آخر، أن هذه الأبيات لأحمد في علي بن المديني:
يا ابن المديني الذي عُرِضت له دنيا فجاد بدينه ليَنَالَهَا
ماذا دَعَاكَ إلى انتحال مقالةٍ قد كنتَ تزعُمُ كافرًا مَنْ قالَها
أمرٌ بَدَا لك رُشْدُهُ فَتَبِعْتَهُ أم زهرةُ الدنيا أردتَ نَوالَهَا
ولقد عَهِدْتُكَ مرَّةً مُتشددًا صعب المقالةِ للتي تُدْعَى لها
إنَّ المُرَزَّى من يُصابُ بدينِه لا من يُرَزَّى ناقةً وفِصَالَها (٢)
قال الذهبي في ترجمة ابن المديني: قيل ليحيى بن معين. ارتدَّ ابنُ المديني؟ فقال: ما ارتدَّ ولكن خاف، فقال: انتهى (٣).
قال الذهبي: قال صالح: قال لى أبي: كانت أُمُّك تغزل غزلًا دقيقًا، فتبيع الأستار (٤) بدرهمين أو نحوها، وكان ذلك قوتنا.
قال صالح: كنَّا ربما اشترينا الشيء، فنستُرُه منه لئلاَّ يُوَبِّخَنا عليه.
الخلال: أخبرنا المروذي، قال: رأيت أحمد بن عيسى المصري ومعه قوم (٥) من المحدثين، دخلوا على أبي عبد الله بالعسكر، فقال له
_________________
(١) " عن شيخ " ساقط من (ب).
(٢) الأبيات غير منسوبة في " تهذيب الكمال " ورقة ٩٨٣، و" تاريخ بغداد " ١١/ ٤٦٩ - ٤٧٠، و" طبقات الشافعية " ٢/ ١٤٨، و" تذهيب التهذيب " ٣/ ٦٩/١. ويستبعد أن تكون للإمام أحمد وفي السنة مجاهيل.
(٣) ١١/ ٥٧.
(٤) في (أ): " الأستان "، وفي (ب): " الأستاب "، والمثبت من " السير ".
(٥) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٤٦ ]
أحمد: يا أبا عبد الله، ما هذا الغم؟ الإسلام حنيفية سمحة، وبيتٌ واسع. فنظر إليهم، وكان مُضطجعًا، فلمَّا خرجوا، قال: ما أريدُ أن يدخل عليَّ هؤلاء.
الخلال: أخبرنا محمد بن علي السِّمسَار، حدَّثني إسحاق بن هانىء، قال لي أبو عبد الله: بكِّر حتى نُعارِضَ بشيءٍ من الزُّهد. فبكَّرتُ إليه، وقلت لأم ولده: أعطيني حصيرًا ومِخَدة، وبسطتُ في الدِّهليز، فخرج ومعه الكتب والمِحْبَرة، فقال: ما هذا؟! فقلت: لتجلس عليه، فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلاَّ بالزهد. فرفعته، وجلس على التراب.
وقال الميموني: كان منزل أبي عبد الله ضيقًا صغيرًا، وينام في الحرِّ في أسفله.
وقال لي عمُّه: ربما قلت له تنام فوق، فلا يفعل. وقد رأيت موضع مضجعه وفيه شاذكونة (١) وبرذعة (٢)، قد غلب عليها الوسخ، وقيل: كان على بابه مِسْحٌ من شعر.
الخلال: حدثنا المروذي، عن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، قال لي الأمير: إذا حلَّ إفطارُ أبي عبد الله، فأرنيه. قال: فجاؤوا برغيفين: خبز وخُبَّازة، فأريته الأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يُعِفُّه.
قال المروذي: قال أبو عبد الله في أيام عيدٍ: اشتروا لنا أمس
_________________
(١) بفتح الذال، وهي ثيابٌ غِلاظٌ مُضَرِّبة تعمل في اليمن. انظر " القاموس المحيط " (الشاذكونة).
(٢) أي: الحِلْس يُلقى تحت الرَّحْلِ.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
باقِلَّى، فأيُّ شيءٍ كان به من الجودة، وسمعته يقول: وجدتُ البرد في أطرافي، ما أراه إلاَّ من إدامي الملح والخَلِّ.
قال أحمد بن محمد بن مسروق. قال لي عبد الله بن أحمد: دخل عليَّ أبي يَعُودني في مرضي، فقلت: يا أبةِ، عندنا شيء مما كان يَبَرُّنا به المتوكل أفأحُجُّ منه؟ قال: نعم. قلت: فإذا كان هذا عندك هكذا، فلِمَ لا (١) تأخذُ منه؟ قال: ليس هو عندي حرام (٢)، ولكن تنزَّهتُ عنه. رواه الخُلدِي (٣) عنه.
فصل:
قال ابنُ الجوزي: كان الإمام لا يرى وضع الكتب، ويَنْهَى عن كتبة كلامه ومسائله. ولو رأي ذلك، لكانت له تصانيفُ كثيرةٌ، وصنَّف " المسند " وهو ثلاثون ألف حديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا " المسند "، فإنه سيكون للناس إمامًا (٤). " والتفسير " وهو مئةٌ
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) كذا الأصول و" السير ".
(٣) تحرفت في الأصول إلى " الخدري "، والتصويب من " السير ".
(٤) قال الحافظ أبو موسى المديني في " خصائص المسند " ص ٢١: وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من حديث كثير، ومسموعات وافرة، فجُعل إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأً ومستندًا " ويبلغ عدد أحاديثه أكثر من ثلاثين ألف حديث. وقال ابن كثير في " الباعث الحثيث ": وكذلك يوجد في " مسند " الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيءٌ كثير مما يوازي كثيرًا من أحاديث مسلم، بل والبخاري أيضًا، وليست عندهما، ولا عند أحدهما، بل ولم يُخْرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة، وهم أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة ". قلت: ولم يتوخَّ الإمام أحمد الصحة في " مسنده " هذا، بل روى فيه الصحيح، والحسن، والضعيف، يُعلم ذلك من دراسة الأسانيد والتخريج. وقد قال ابن الجوزي في =
[ ٤ / ٢٤٨ ]
وعشرون ألفًا، و" الناسخ والمنسوخ "، و" التاريخ "، و" حديث شعبة "، و" المقدَّم والمؤخر في القرآن "، و" جوابات القرآن "، و" المناسك " الكبير والصغير، وأشياء أُخَرَ.
قلت: وكتاب " الإيمان "، وكتاب " الأشربة "، ورأيتُ له ورقةً من كتاب " الفرائض ". فتفسيره المذكور شيءٌ لا وجود له. ولو وُجِدَ، لاجتهد الفضلاء في تحصيله، ولاشتهر، ثم لو ألَّف تفسيرًا، لما كان يكون أزيدَ من عشرة آلاف أثر، ولاقتضى أن يكون في خمس مجلدات.
فهذا تفسير ابن جرير الذي جَمَعَ فيه فأوعى لا يبلُغُ عشرين ألفًا. وما ذكر تفسير أحمد أحدٌ (١) سوى أبي الحسين بن المنادي. فقال في " تاريخه ": لم يكن أحدٌ أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد، لأنه سَمِعَ منه " المسند " وهو ثلاثون ألفًا، و" التفسير " وهو مئةٌ وعشرون ألفًا، سَمِعَ ثلثيه والباقي وِجادة (٢).
_________________
(١) = " صيد الخاطر ": ومن نظر في كتاب " العلل " الذي صنفه أبو بكر الخلال، رأي أحاديث كثيرة كلها في " المسند "، وقد طعن فيها أحمد. ونقلتُ من خط القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء في مسألة النبيذ، قال: إنما روى أحمد في " مسنده " ما اشتهر، ولم يقصد الصحيح ولا السقيم، ويدل على ذلك أن عبد الله قال: قلت لأبي: ما تقول في حديث ربعي بن خِراش عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رَوَّاد؟ قلت: نعم، قال: الأحاديث بخلافه، قلت: قد ذكرته في " المسند "، قال: قصدت في " المسند " المشهور، فلو أردت أن أقصِدَ ما صَحَّ عندي، لم أروِ من هذا " المسند " إلاَّ الشيء بعد الشيء اليسير، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لستُ أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيءٌ يدفعه. قال القاضي: وقد أخبر عن نفسه كيف طريقه في " المسند "، فمن جعله أصلًا للصحة، فقد خالفه، وتَرَكَ مَقصِدَه.
(٢) ساقطة من (د).
(٣) الوِجادة: هي أن يَجِدَ الشخص أحاديث بخط راويها، سواء لَقِيَه أو سَمِعَ منه، أم لم يلقه ولم يسمع منه، أو أن يَجِدَ أحاديث في كتب المؤلفين المعروفين، ففي هذه الأنواع كلها لا يجوز له أن يرويها عن أصحابها، بل يقول: وجدت بخط فلان، إذا عرف الخط، =
[ ٤ / ٢٤٩ ]
ابن السَّمَّاك: حدثنا حنبل، قال: جمعنا أحمد بن حنبل، أنا وصالح وعبد الله، وقرأنا عليه " المسند " ما سمعه غيرُنا. وقال: هذا الكتاب: جمعته وانتقيته من أكثر (١) من سبع مئة ألفٍ وخمسين ألفًا (٢)، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله - ﷺ -، فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلاَّ فليس بحجة.
قلت: في " الصحيحين " أحاديث قليلة، ليست في " المسند "، لكن قد يقال: لا تَرِدُ على قوله، فإنَّ المسلمين ما اختلفوا فيها (٣)، ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما يوجد فيه يكون حجةً، ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسُوغُ نقلُها، ولا يجب الاحتجاج بها. وفيه أحاديثُ معدودة شِبْهُ موضوعة ولكنها قطرةٌ في بحر (٤). وفي (٥) غضون " المسند " زيادات جمّة لعبد الله بن أحمد.
قال ابن الجوزي: وله -يعني: أبا عبد الله- من المصنفات كتاب " نفي التشبيه " مجلدة، وكتاب " الإمامة " مجلدة صغيرة، وكتاب
_________________
(١) = ووَثِقَ منه، أو يقول: قال فلان، أو نحو ذلك، والذي عليه المحققون من أهل العلم وجوب العمل بها عند حصولِ الثقة بما يجدُه القارىء، أي: يَثِقُ بأن هذا الخبر أو الحديث بخطِّ الشيخ الذي يعرفه، أو يَثِقُ بأن الكتاب الذي ينقُلُ منه ثابت النسبة إلى مؤلِّفِه الثقةِ المأمون، وأن يكون إسنادُ الخبر صحيحًا.
(٢) " من أكثر" ساقط من (ب).
(٣) " وخمسين ألفًا " ساقط من (ب).
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) للحافظ ابن حجر رسالة ردَّ بها على من ادعى أنَّ في " المسند " أحاديث موضوعة وسمها بـ " القول المسدد في الذب عن مسند أحمد " وهي مطبوعة في الهند.
(٦) " في " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٥٠ ]
" الرد على الزنادقة " ثلاثة أجزاء، وكتاب " الزهد " (١) مجلد كبير (٢)، وكتاب " الرسالة في الصلاة " -قلت: هو موضوعٌ على الإمام- قال: وكتاب " فضائل الصحابة " (٣) مجلدة.
قلت: وفيه زياداتٌ لابنه عبد الله، ولأبي بكرٍ القطيعي صاحبه.
وقد دوَّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرةً في عدة مجلدات، كالمَرُّوذي، والأثرم، وحرْب، وابن هانىء (٤)، والكوسج، وأبي طالب، وفُوران، وبدرٍ المغازلي، وأبي يحيى الناقد، ويوسف بن محمد الحربي، وعبدوس العطار، ومحمد بن موسى بن مُشَيش (٥)، ويعقوب بن بُختان، ومُهَنَّا الشامي، وصالح بن أحمد، وأخيه (٦)، وابن عمهما حنبل، وأبي الحارب أحمد بن محمد الصائغ، والفضل بن زياد، وأبي الحسن الميموني، والحسن بن ثواب، وأبي داود السِّجستاني (٧)، وهارون الحمال، والقاضي أحمد بن محمد البِرْتي، وأيوب بن إسحاق بن (٨) سافري، وهارون المستملي، وبِشْرِ بن موسى، وأحمد بن
_________________
(١) طبع بمصر.
(٢) : ساقطة من (ب).
(٣) طبع في مجلدين في مؤسسة الرسالة، بتحقيق وصي الدين بن محمد عباس.
(٤) هو إسحاق بن إبراهيم بن هانىء النيسابوري، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، وقد طبعت في جزأين في مجلد في المكتب الإسلامي سنة ١٤٠٠ هـ بتحقيق الأستاذ زهير الشاويش. ونشر أيضًا بتحقيقه " مسائل أحمد " رواية ابنه عبد الله سنة ١٤٠١ هـ.
(٥) في (أ): موسى.
(٦) في " الأصول ": " وأخوه "، والمثبت من " السير ".
(٧) هو الإمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب " السنن "، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، وقد طبعت " مسائل أحمد " بروايته سنة ١٣٥٣ هـ بعناية السيد محمد رشيد رضا ﵀.
(٨) ساقطة من الأصول، ومثبتة من " السير " وغيره.
[ ٤ / ٢٥١ ]
القاسم صاحب أبي عُبيد، ويعقوبَ بنِ العباس الهاشمي، وحُبَيْش بن سِندي، وأبي الصقر يحيى بن يزداد الورَّاق، وأبي جعفر محمدِ بن يحيى الكَحَّال، ومحمد بن حبيب البَرَّاز، ومحمد بن موسى النَّهْرُتيري، ومحمد بن أحمد بن واصل المقرىء، وأحمد بن أصرم المُزَني، وعبدوس الحربي قديمٌ، عنده عن أحمد نحوٌ من عشرة آلاف مسألةٍ لم يُحَدِّث بها، وإبراهيم الحربي، وأبي جعفر محمد بن الحسين بن هارون بن بَدِينا، وجعفر بن محمد بن الهُذيل الكوفي، وكان يُشبهونه في الجلالة بمحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله مُطيَّن (١)، وجعفر بن أحمد (٢) الواسطي، والحسن بن علي الإسكافي، والحسن بن علي بن بحر بن برِّي القطَّان، والحُسين بن إسحاق التُّسْتَري، والحسن بن محمد بن الحارث السِّجِسْتَاني، قال الخلاَّلُ: يقرُبُ من أبي داود في المعرفة وبصر الحديث والتفقه - وإسماعيل بن عمر السِّجزي (٣) الحافظ، وأحمد بن الفُرات الرازي الحافظ. وخلقٍ سوى هؤلاء، سماهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله نَقَلُوا المسائل الكثيرة والقليلة.
وجمع الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد، وفتاويه، وكلامه في العلل، والرجال، والسنة، والفروع، حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرةً. ورحل إلى النواحي في تحصيله، وكتب عن نحوٍ من مئةِ نفس من أصحاب الإمام. ثم كتب كثيرًا من ذلك عن أصحاب
_________________
(١) في (د): " بن مطين " وهو خطأ.
(٢) في (ب): محمد.
(٣) في (ب): الشجري.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
أصحابه، وبعضه عن رجلٍ، عن آخر، عن آخر، عن الإمام أحمد، ثم أخذ في ترتيب ذلك، وتهذيبه، وتبويبه. وعَمِل كتاب " العلم "، وكتابَ " العلل " وكتاب " السنة "، كل واحدٍ من الثلاثة في ثلاث مجلدات.
ويروي في غضون ذلك من الأحاديث العالية عنده، عن أقران أحمد من أصحاب ابن عُيينة ووكيعٍ (١) وبقية مما يشهدُ له بالإمامة والتقدم.
وألَّف كتاب " الجامع " في بضعة عشر مجلدةً، أو أكثر. وقد قال: في كتاب " أخلاق أحمد بن حنبل " لم يكُن أحدٌ علمتُ عني بمسائل أبي عبد الله، ما عُنيتُ بها أنا إلاَّ رجلٌ بهَمْدَان، يقال له: متويه، واسمه محمد بن أبي عبد الله، جَمَعَ سبعين جُزءًا كبارًا.
أولادُه: الحسنُ والحسين ماتا صغيرين، ثم الحسنُ ومحمدٌ عاشا نحو الأربعين، وصالحٌ وعبدُ الله وأمُّ علي زينب.
قال الخلاَّل: حدثنا (٢) محمد بن علي بن بحر، قال: سمعت حُسْنَ أُمَّ ولد أبي عبد الله، تقول: لما ولدتُ حَسَنًا، أعطى مولاتي (٣) كرامةً درهمًا، فقال: اشتري بهذا رأسًا، فجاءت به، فأكلنا. فقال: يا حُسْنُ، ما أملِكُ غير هذا الدرهم. قالت: وكان إذا لم يكن عنده شيء، فَرِحَ يومَه.
وصيتُه:
عن المروذي سمعته يقول: وأشهدَ على وصيته: هذا ما أوصى به
_________________
(١) " ووكيع " ساقطة من (ب).
(٢) في (د): أخبرنا.
(٣) في (ب): مولاي.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وإنَّ محمدًا عبده ورسوله.
ورواها أيضًا ولده عبد الله كذلك.
مرضه:
قال عبد الله: سمعت أبي، يقول: استكملت سبعًا وسبعين سنة، ودخلتُ في ثمانٍ، فحُمَّ من ليلته، ومات اليوم العاشر.
وقال صالح (١): صار الفتح (٢) بن سهل إلى الباب (٣) ليعوده فحجبتُه، وأتى ابنُ علي بن الجعد فحجبتُه، وكَثُرَ الناس. فقال: ما ترى؟ قلت: تأذنُ لهم، فيدعون لك.
قال: أستخير الله، فجعل الناس يدخلون عليه أفواجًا، حتى تمتلىء الدار، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق -إلى قوله- (٤): وجعلَ يُحَرِّكُ لسانه، ولم يَئِنَّ إلاَّ في الليلة التي تُوفي فيها. ولم يزل يُصلي قائمًا، أُمسِكُهُ فيركَعُ ويسجد، وأرفعه في ركوعه. واجتمعت عليه أوجاعُ الحصر، وغير ذلك، ولم يزل عقلُهُ ثابتًا.
قال المَرُّوذي: مَرِضَ تسعة أيام، وكان ربما أذِنَ للناس، فيدخلون عليه أفواجًا، يُسلمون ويرُدُّ بيده، وتسامع الناسُ وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوَكَّل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (د): الفضل.
(٣) " إلى الباب " ساقط من (د).
(٤) " إلى قوله " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٥٤ ]
الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطَّل بعضُ الباعة. وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه، ربما دخل من بعض الدور وطرز (١) الحاكة. ورُبَّما تَسَلَّق.
وجاءه حاجب بن طاهرٍ، فقال: إن الأمير يُقرِئُك السلام، وهو يشتهي أن يراك. فقال: هذا مِمَّا أكرَهُ، وأميرُ المؤمنين قد أعفاني ممَّا أكرَهُ.
وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجَعَلُوا يبكون عليه (٢). وجاء قومٌ من القضاة وغيرهم، فلم يُؤذَن لهم " ودخل عليه شيخ، فقال: اذكر وقوفك بين يديّ الله، فشَهِقَ أبو عبد الله، وسالت دموعُه.
وأدخلت تحته الطَّسْتَ، فرأيت بولَه دمًا عبيطًا. فقلت للطبيب، فقال: هذا رجلٌ قد فتَّت الحُزْنُ والغَمُّ جوفَه.
واشتدَّت علتُه يوم الخميس ووَضَّأتُهُ، فقال: خلِّلْ بين (٣) الأصابع، فلما كان ليلة (٤) الجمعة، ثَقُلَ، وقُبِضَ صدر النهار.
الخلال: أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل، قال: أعطى بعضُ ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله، وهو في الحبس ثلاث شعرات، فقال: هذه من شعر النبي - ﷺ -، فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يُجعل على كل عينٍ شعرةٌ، وشعرةٌ على لسانه. ففُعِل ذلك به عند موته.
_________________
(١) الموضع الذي تُنسج فيه الثياب.
(٢) من قوله: " فقال: هذا ممَّا أكره " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) ليست في " السير ".
(٤) في (ب): يوم.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
الخلال: حدثنا المَرُّوذي، قال: أُخْرِجَتِ الجنازة عند منصَرَفِ الناس من الجمعة.
أحمد في " مسنده ": حدثنا أبو عامر، حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ -، قال: " ما مِن مسلمٍ يموتُ يومَ الجمعة إلاَّ وقاه الله فتنة القبر " (١).
قال صالح بنُ أحمد: فُرِغَ من غَسلِه، وكفَّنَّاه، وحضر نحوُ مئةٍ من بني هاشمٍ، ونحنُ نكفنُه. وجعلوا يُقَبَِّلون جبهته حتى رفعناه على السرير.
قال عبد الله: صلَّى على أبي محمد بن عبد الله بن طاهر، غلبنا على الصلاة عليه، وقد كُنَّا صلينا عليه نحن والهاشميون في الدار.
_________________
(١) هو في " المسند " ٢/ ١٦٩، وأخرجه الترمذي (١٠٧٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وأبي عامر العقدي، كلاهما عن هشام بن سعد، بهذا الإسناد. وقال: هذا حديث غريب، ليس إسناده بمتصل، ربيعة بن سيف إنما يروي عن أبي عبد الرحمن الحُبلي، عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعًا من عبد الله بن عمرو. قلت: ووصله -كما في " المقاصد الحسنة " ص ٤٢٩ - الطبراني وأبو يعلى من حديث ربيعة، عن عياض بن عقبة الفهري، عن عبد الله بن عمرو. وله طريق أخرى عند أحمد ٢/ ١٧٦ من طريق بقية، عن معاوية بن سعيد، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: " من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، وُقيّ فتنة القبر". وفي الباب عن أنس عند أبي يعلى (٤١١٣)، وفي سنده وافد -بالفاء أو القاف- بن سلامة، ويزيد الرقاشي، وهما ضعيفان. وعن جابر عند أبي نعيم في " الحلية " ٣/ ١٥٥ - ١٥٦، وفي سنده عمر بن موسى بن وجيه الحمصي، وهو متروك، وبعضهم اتهمه. وعن علي عند الديلمي في " مسنده " كما في " المقاصد الحسنة " ص ٤٢٩، فالحديث يتقوَّى بهذه الشواهد.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
قال صالح: ولم يعلم الناس بصلاة محمد بن عبد الله بن طاهر عليه، فلما كان في الغد عَلِمُوا، فجعلوا يجيئون، فيُصَلُّون على القبر. ومكث الناس ما شاء الله، يأتون، فيُصلُّون على القبر (١).
الخلال: حدثنا محمد بن حصن، قال: بَلَغني أن أحمد بن حنبل لما مات، فوَصَلَ الخبرُ إلى " الشاش " سعى بعضهم إلى بعض، فقالوا: قوموا حتى نُصلِّي على أحمد بن حنبل كما صلَّى النبي - ﷺ -، على النجاشي فَخَرَجُوا إلى المصلى فَصَلُّوا عليه.
قال الخلالُ: سمعت عبد الوهَّاب الورَّاق، يقول: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية ولا الإسلام مثله -يعني: من شهد الجنازة- حتى بلغنا أن الموضع مُسِحَ وحُزِرَ على الصحيح، فإذا هو نحوٌ من ألفِ ألفٍ وَحَزَرْنا على القبور نحوًا من ستين ألف امرأة، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدُّروب، ينادون من أراد الوضوء. ثم روى الذهبي نحو هذا من سبع طرق.
قال أبو بكرٍ البيهقيُّ: بلغني عن أبي القاسم البغويِّ أن ابن طاهرٍ أمر أن يُحزَرَ الخلقُ، فاتفقوا على سَبْعِ مئةِ ألف.
قال صالح: ودخل عليه سوَّارٌ القاضي، فجَعَلَ يُبَشِّرُهُ ويخبرُه بالرُّخص، وذكر عن معتمر أن أباه، قال له عند موته: حدثني بالرخص.
وفي جزء محمد بن عبد الله بن علم: الذي سمعناه، قال: سمعت عبد الله بن أحمد، يقول: لما حَضَرَتْ أبي الوفاةُ، جلستُ عنده
_________________
(١) من قوله: " ومكث " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وبيدي الخِرقةُ لأفتقد (١) بها لحيته، فجعل يَغرَقُ، ثم يُفيقُ، ثم يفتحُ عينيه، ويقول بيده هكذا (٢) لا بَعدُ لا بعد، ثلاث مرات. فلمَّا كان في الثالثة، قلت له: يا أبة، أيُّ شيء هذا الذي لَهِجْتَ به في هذا الوقت؟ فقال: يا بني، ما تدري؟ قلت: لا. قال: إبليس لعنه الله قائم، بحذائي، وهو عاضٌّ على أنامله، يقول: يا أحمد فُتَّني، وأنا أقول: لا بعد حتى أموت.
فهذه حكاية غريبة، تفرَّد بها ابن عَلم، فالله أعلم.
وقد أنبأنا الثقة، عن أبي المكارم التيمي، أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نُعيم، أخبرنا أبي، حدثنا (٣) أحمد بن محمد بن عمر، قال: سُئِلَ عبد الله بن أحمد: هل عَقَلَ أبوك عند المعاينة؟ قال: نعم. كنا نُوَضِّئُه، فجعل يُشِيُر بيده، فقال لي صالح: أيُّ شيءٍ يقول؟ فقلت، هو ذا يقول: خلِّلوا أصابعي، فخلَّلْنا أصابعه ثم ترك (٤) الإشارة، فمات من ساعته.
وقال صالحٌ: جعل أبي يحرِّك لسانه إلى أن تُوفي.
قال صالح: لم يحضُر أبي عند غَسلِه غريبٌ، فأردنا أن نُكفِّنَه، فغلبنا (٥) عليه بنو هاشم، وجعلوا يبكون عليه، ويأتون بأولادهم فيُكبونهم عليه ويقبلونه.
_________________
(١) في " السير ": لأشُدَّ.
(٢) في (ب): هكذا بيده.
(٣) في (ب): أخبرنا.
(٤) في (ب): فترك.
(٥) في (د): فغلب.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
أقول: هذا دليلٌ على شدة موالاته لأهل البيت، وقيامه بحق القرابة، وقد وصفه بذلك الإمام المنصور بالله، فقال في " المجموع المنصوري " في الدعوة العامة إلى جَيْلان ودَيْلَمان ما لفظُه: وأما أحمد بن حنبل، فيكفيك في الاستقصاء عن أمره أنه ذُكِرَ له الحديث المُطَرَّقُ بعليِّ بن موسى بن جعفر، قال: أخبرني موسى العبد الصالح، عن أبيه جعفر (١) بن محمد الصادق، عن أبيه محمد بن علي باقر علم الأنبياء، عن أبيه عليِّ بن الحسين زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي (٢) سيد شباب أهل الجنة، عن أبيه علي بن أبي طالب سيد العرب، عن رسول الله - ﷺ - سيد الأوَّلين والآخرين، إنه قال: " الإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح ". فذكر هذا السند لأحمد بن حنبل، فقال: لو قُرِىءَ هذا على مجنونٍ لبرأ من جنونه (٣).
_________________
(١) في (ب): " عن أبيه عن جعفر " وهو خطأ.
(٢) " بن علي " ساقطة من (ب).
(٣) أخرجه ابن ماجة (٦٥)، وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " ١/ ١٣٨، والخطيب في " تاريخه " ٥/ ٤١٨ - ٤١٩ و١٠/ ٣٤٣ - ٣٤٤ و١١/ ٤٧ و٥١ من طريق أبي الصلت الهروي عن علي بن موسى الرضا، بهذا الإسناد. ولفظ أبي نعيم: " حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله المعدَّل، حدثنا أبو علي أحمد بن علي الأنصاري، حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال: كنت مع علي بن موسى الرضا قال: حدثني أبي العدل الصالح موسى بن جعفر -إلى- حدثني أبي عليٌّ بن أبي طالب رضوان الله عليهم قال: سألت رسول الله - ﷺ -: ما الإيمان؟ قال: " معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان " وقال أبو علي: قال لي أحمد بن حنبل: إن قرأت هذا الإسناد على مجنونٍ بَرِىء من جنونه، وما عيب هذا الحديث إلاَّ جودة إسناده. وقول الإمام أحمد تارة روي من قول أبي الصلت كما في ابن ماجة، وتارة من قول عبد الله بن طاهر بلفظ: " هذا سعوط المجانين إذا سعط به المجنون برأ " كما في " تاريخ بغداد " ٥/ ٤١٨ - ٤١٩. قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ٦: قلت: أبو الصلت هذا متفق على ضعفه، واتهمه بعضهم، تابعه محمد بن سهل بن عامر البجلي، ومحمد بن زياد السلمي عن =
[ ٤ / ٢٥٩ ]
قال الإمام المنصور بالله ﵇: فهذا يكفيك عن التفتيش عن صحة ولاءه، وذكر موالاة بقية أئمة (١) الفقهاء الأربعة إلى آخر ما ذكره - فهذا عارضٌ ثم نعود إلى سيرته.
قال الذهبي: أخبرنا إسحاق بن أبي بكر، أخبرنا ابن خليل، حدثنا اللبان، عن الحداد، أخبرنا أبو نعيم، سمعت ظفر بن أحمد، حدثني الحسين بن علي، حدثني أحمد بن الورَّاق، حدثني عبد الرحمن بن محمد (ح) وأخبرنا ابن الفراء، أخبرنا ابن قدامة، أخبرنا ابن خُضير، أخبرنا ابن يوسف، أخبرنا البرمكي، أخبرنا ابن مردك، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثني أبو بكر محمد بن عباس المكي، سمعت الوركاني جار أحمد بن حنبل، قال: يوم مات أحمد أسلم (٢) عشرون ألفًا. وفي رواية ظفر: عشرةُ آلاف من اليهود والنصارى والمجوس.
هذه حكاية منكرة، تفرَّد بنقلها هذا المكي عن هذا الوركاني، ولا يعرف، وماذا بالوركاني المشهور محمد بن جعفر الذي مات قبل أحمد بن حنبل بثلاث عشرة سنة، وهو الذي قال فيه أبو زرعة: كان جارًا لأحمد بن حنبل. ثم العادة والعقل تُحيلُ وقوع مثل هذا. وهو إسلام ألوفٍ من الناس بموت وليٍّ لله (٣)، ثم لا ينقُلُ ذلك إلاَّ مجهولٌ لا
_________________
(١) = علي بن موسى الرضا. وأخرجه الخطيب في " تاريخه " ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦ من طريق علي بن غراب، ومحمد بن سهل بن عامر البجلي، و٩/ ٣٨٦ من طريق أحمد بن عامر بن سليمان الطائي، ثلاثتهم عن علي بن موسى بن جعفر، به ..
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): أسلم يوم مات أحمد بن حنبل.
(٤) في (ب) و(د): الله.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
يُعرف. فلو وقع ذلك، لاشتهر وتواتر لتوفُّر الهمم والدواعي على نقل مثله، بل لو أسلم لموته (١) مئة نفس، لقُضي من ذلك العَجَبُ. فما ظنُّك (٢)؟!.
المنامات:
ذكر الذهبي مناماتٍ صالحةً رُؤيت لأحمد بعد موته في قدر أربعِ ورقات في نصف القطع، ثم قال: ولقد جمع ابن الجوزي فأوعى من المنامات في نحوٍ من ثلاثين ورقة، وأفرد ابن البناء جزءًا في ذلك، وليس أبو عبد الله ممن يحتاجُ تقرير ولايتِه إلى منامات، ولكنها جندٌ من جند الله تسُرُّ المؤمن ولا سيما إذا تواترت.
المحنة (٣):
قال عمرو بن حكام، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ونصُّ كلام الذهبي في " تاريخ الإسلام ": وهي حكاية منكرة، لا أعلم رواها أحد إلاَّ هذا الوركاني، ولا عنه إلاَّ محمد بن العباس، تفرَّد بها ابن أبي حاتم، والعقل يحيل أن يقع مثل هذا الحادث في بغداد، ولا ينقله جماعة تنعقد همهم ودواعيهم على نقل ما هو دون ذلك بكثير، وكيف يقع مثل هذا الأمر الكبير ولا يذكره المروذي، ولا صالح بن أحمد، ولا عبد الله بن أحمد، ولا حنبل الذين حكوا من أخبار أبي عبد الله جزئيات كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، فوالله لو أسلم يوم موته عشرة أنفس لكان عظيمًا، ولكان ينبغي أن يرويه نحو من عشرة أنفس، ثم انكشف لي كَذِبُ الحكاية بأن أبا زرعة قال: كان الوركاني يعني -محمد بن جعفر- جار أحمد بن حنبل، وكان يرضاه، وقال ابن سعد، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون: مات الوركاني في رمضان سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين. فظهر لك بهذا أنه مات قبل أحمد بدهر، فكيف يحكي يوم جنازة أحمد ﵀.
(٣) إنَّ الإمام أحمد صار مثلًا سائرًا، يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق، فإنه لم يكن يأخذه في الله لومة لائم، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد، فيقال: قال الإمام أحمد، وهذا مذهب الإمام أحمد لقوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمَّة =
[ ٤ / ٢٦١ ]
ابن عباس، قال رسول الله - ﷺ -: " لا يمنعنَّ أحدكُم مخافة الناس أن يتكلم بحقِّ علمه ". تفرَّد به عمرو، وليس بحجة (١).
وقال سليمان ابن بنت شُرَحبيل، حدثنا عيسى بن يونس، عن سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ، قال رسول الله - ﷺ -: " لا يمنعنَّ أحدَكُم هيبةُ الناس أن يقول بالحقِّ إذا رآه أو سَمِعَهُ " (٢). غريب فرد.
_________________
(١) = يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. فإنه أعطي من الصبر واليقين ما نال به الإمامة في الدين، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها، ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والأمراء والولاة ما لا يحصيه إلاَّ الله، فبعضهم تسلط عليه بالحبس، وبعضهم بالتهديد الشديد، وبعضهم يعده بالقتل وبغيره من الرعب، وبعضهم بالترغيب في الرياسة والمال، وبعضهم بالنفي والتشريد من وطنه. وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون، وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة ممَّا طلبوا منه، وما رجع عمَّا جاء به الكتاب والسنة، ولا كتم العلم، ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله - ﷺ - وآثاره ما دفع به البدع المخالفة لذلك ما لم يتأتَّ مثله لعالم من نظرائه.
(٢) نقل المصنف في " الميزان " ٣/ ٢٥٤ قول ابن عدي: عامة ما يرويه عمرو بن حكام غير متابع عليه، إلاَّ أنه مع ضعفه يُكتب حديثه. ومعنى هذا أن ضعفه خفيف، ويصلح حديثه أن يكون شاهدًا، وهو هنا كذلك.
(٣) رجاله ثقات، وأخرجه أحمد ٣/ ٥ من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، و٥٣ عن يحيى القطان، كلاهما عن سليمان بن طرخان التيمي، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد. وهذا سند صحيح. وأخرجه أحمد أيضًا ٣/ ١٩ و٧١، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجة (٤٠٠٧) من طريق حماد وأحمد ٣/ ٦١ من طريق معمر، كلاهما عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. وأخرجه أحمد ٣/ ٩٢، والطيالسي (٢١٥١) من طريق شعبة عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. وأخرجه أحمد ٤٦ - ٤٧، والطيالسي (٢١٥٨) من طريق المستمر بن الريان عن أبي نضرة - عن أبي سعيد. وأخرجه أحمد ٣/ ٥٠ من طريق جعفر بن سليمان، و٣/ ٨٧ من طريق عباد بن عباد، كلاهما عن المعلى بن زياد القردوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري. =
[ ٤ / ٢٦٢ ]
وقال حماد بن سلمة، ومُعَلَّى بن زياد -وهذا لفظه-، عن أبي غالبٍ، عن أبي أمامة أن رسول الله (١) - ﷺ -، قال: " أحبُّ الجهاد إلى الله كلمة حقٍّ تقال لإمامٍ جائرٍ " (٢).
إسحاق بن موسى الخطمي: حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن محمد بن عبد القاري، عن أبيه، عن جده، أن عمر كتب إلى معاوية: أما بعد، فالزم الحق، يُنزِلك الحق منازل أهل الحق، يوم لا يُقضى إلاَّ بالحقِّ (٣).
وبإسنادٍ واهٍ إلى أبي ذر: أبى الحقُّ أن يترُك لي صديقًا.
الصدع بالحق عظيمٌ يحتاج إلى قوةٍ وإخلاص، فالمخلص بلا قوةٍ يعجِزُ عن القيام به، والقويُّ بلا إخلاص يُخذَل، فمن قام بهما كاملًا، فهو صِدِّيقٌ، ومن ضعُف، فلا أقلَّ من التألم والإنكار بالقلب، ليس وراء ذلك إيمانٌ، ولا قوةٌ إلاَّ بالله.
سفيان الثوري: عن الحسن بن عمرو، عن محمد بن مسلم مولى
_________________
(١) = وأخرجه أحمد من طرق أخرى من حديث أبي سعيد ٣/ ٤٤ و٨٤ و٨٧. وانظر ص ٢٤٦ من هذا الجزء.
(٢) من قوله: " وقال حماد " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) سنده حسن، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٥١ و٢٥٦، وابن ماجة (٤٠١٢). وفي الباب عن طارق بن شهاب عند أحمد ٤/ ٣١٤ و٣١٥، والنسأني ٧/ ١٦١، وإسناده صحيح، وصحَّحه النووي والمنذري. وعن أبي سعيد الخدري عند الترمذي (٢١٧٥)، وأبي داو (٤٣٤٤)، وابن ماجة (٤٠١١)، وأحمد ٣/ ١٩. وعن سمرة عند البزار (٣٣١٣)، وإسنادهما ضعيفان، لكن يتقويان بما قبله، فالحديث صحيح. وانظر ٢/ ٦٨.
(٤) جاء في " كنز العمال " (٤٤٣٨٣) قول عمر: الزم الحق يلزمك الحق، ونسبه إلى البيهقي.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
حكيم بن حزام، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال النبي - ﷺ -: " إذا رأيتُم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم، فقد تُوُدِّعَ منهم " (١).
هكذا رواه جماعة عن سفيان. ورواه النضر بن إسماعيل، عن الحسن، فقال: عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا. ورواه سيف بن هارون، عن الحسن، فقال: عن أبي الزبير: سمعت عبد الله بن عمرو (٢) مرفوعًا.
سفيان الثوري: عن زُبَيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَحْقِرَنَّ أحدكم نفسه
_________________
(١) رجاله ثقات إلاَّ أن محمد بن مسلم مولى حكيم بن حزام مدلس وقد عنعنه، ومع ذلك فقد صححه الحاكم ٤/ ٩٦، ووافقه الذهبي المؤلف. ونقل المناوي في " الفيض " أن البيهقي تعقب الحاكم بأنه منقطع، حيث قال: محمد بن مسلم هو أبو الزبير المكي، ولم يسمع من ابن عمرو، لكن وقع عنده في السند خطأ، وهو قوله: عن محمد بن مسلم بن السائب، وصوابه: محمد بن مسلم بن تدرس، أبو الزبير مولى حكيم بن حزام، كما جاء في أصلنا هذا، فإن الحديث لا يُعرف إلاَّ به، ويغلب على الظن أن الخطأ فيه من النساخ. وأخرجه أحمد في " المسند " ٢/ ١٦٣ من طريق ابن نمير، و٢/ ١٩٠ من طريق سفيان، والبزار (٣٣٠٣) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، ثلاثتهم عن الحسن بن عمرو، عن محمد بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو. وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٦٢: ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البزار أيضًا (٣٣٠٢) من طريق عُبيد الله بن عبد الله الربعي، حدثنا الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو. وقوله: " فقد تودع منهم " بضمِّ التاء والواو، وكسر الدال المشددة، من التوديع. قال الزمخشري في " الفائق ": أي: استريح منهم، وخذلوا، وخلي بينهم وبين ما يرتكبون من المعاصي، وهو من المجاز، لأن المعتني بإصلاح شأن الرجل إذا يئس من صلاحه، تركه ونفض منه يده، واستراح من معاناة النصب في استصلاحه، ويجوز أن يكون من قولهم: تودعت الشيء، أي: صنته في ميدَع أي: فقد صاروا بحيث يتحفظ منهم، كما يتوقى شرار الناس.
(٢) تحرفت في (ب) إلى: عمر.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
أن يرى أمرًا لله فيه مقالٌ، فلا يقول فيه، فيقال له: ما منعك؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: فإيَّايَ كنت أحقَّ أن تخاف" (١).
رواه الفريابي، وأبو نُعيم، وخلاَّد عنه.
حماد بن زيد: عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمَّة المُضِلُّون، وإذا وُضِعَ السيف عليهم، لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة، ولا تزال طائفةٌ من أمتى على الحق ظاهرين، لا يضُرُّهُم من خالفهم أو خَذَلَهم حتى يأتي أمر الله " (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٧ و٧٣ من طريق وكيع، وعبد الرزاق، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٣٨٤ من طريق الفريابي، ثلاثتهم عن سفيان بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٣/ ٩١، والطيالسي (٢٢٠٦) من طريق شعبة، عن عروة بن مرة، به. وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٣٨٤ من طريق الطيالسي بهذا الإسناد إلاَّ أنه قال: عن أبي البختري، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٣٨٤ من طريق يزيد بن سنان عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن مشفعة، عن أبي سعيد. وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٣٨٤ من طريق زهير بن معاوية عن عمرو بن قيس عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد. وأخرجه أحمد ٣/ ٣٠، وابن ماجة (٤٠٠٨) من طريق عبد الله بن نمير، وابن ماجة (٤٠٠٨)، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٣٨٤ من طريق أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، عن عمرو بن مرة به. قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ٢٥٠: هذا الإسناد صحيح، وأبو البختري اسمه سعيد بن فيروز ورواه البيهقي في " السنن الكبرى " ١٠/ ٩٠ من طريق محمد بن عبيد عن الأعمش فذكر بإسناده ومتنه، وقال: تابعه زبيد وشعبة، عن عمرو بن مرة. ورواه عبد بن حميد في " مسنده ": حدثنا محمد بن عبيد فذكره. وانظر حديث " لا يمنعنَّ أحدكم مخافة الناس " في الصفحة السابقة.
(٢) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد ٥/ ٢٧٨ و٢٨٣، ٢٨٤، وأبو داود (٤٢٥٢)، وابن ماجة (٣٩٥٢) من طريق أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله زوى لي الأرض " أو قال: " إن ربي زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها =
[ ٤ / ٢٦٥ ]
الحُسين بن موسى: حدثنا الحسين بن الفضل البَجَلي، حدثنا عبد العزيز بن يحيى المكي، حدثنا سليم بن مسلم (١)، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لله عند إحداث كلِّ بدعة تَكيدُ الإسلام وليٌّ يذُبُّ (٢) عن دينه " الحديث.
هدا موضوعٌ، ما رواه ابن جريج.
كان الناس أمةً واحدة، ودينهم قائمًا في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استشهد قُفْلُ باب الفتنة عمرُ ﵁، وانكسرَ الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبحَ صبرًا، وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين. فظهرت الخوارج، وكفَّرت سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المئتين، فظهر (٣) المأمون الخليفة -وكان
_________________
(١) = ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها. وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض. وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، ولا يسلّط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، أو قال: بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضًا، وإنما أخاف على أمتي الأئمَّة المضلّين. وإذا وضع السيف في أمتي، لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان. وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ". قال ابن عيسى: " ظاهرين " ثم اتفقا: " لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ". وانظر ١/ ١٨٤.
(٢) قال ابن معين: جهمي خبيث، وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أحمد: لا يساوي حديثه شيئًا. ذكر ذلك المؤلف في " ميزانه ".
(٣) في (ب): يذب به الله.
(٤) في (ب): وظهر.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
ذكيًّا متكلمًا، له نظرٌ في المعقول- فاستجلب كُتُب الأوائل، وعرَّب (١) حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخبَّ ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها. وآل به الحال إلى حَمْلِ الأمة على القول بخلقِ القرآن، وامتحن العلماء، فلم يُمهَلُ، وهلك لعامه، وخلَّى بعده شرًّا وبلاءً في الدين. فإن الأمة ما زالت على أنَّ القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله (٢)، لا يعرفون غير ذلك، حتى نَبَغَ لهم القول بأنه كلام الله مخلوقٌ، وأنه إنما يُضافُ إلى الله تعالى إضافه تشريفٍ، كبيت الله، وناقة الله. فأنكر ذلك العلماء -إلى قوله-:
قال صالح بن أحمد: سمعت أبي، يقول: لما دخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة، قرأ علينا كتاب الذي صار إلى طَرَسُوس، يعني: المأمون، فكان فيما قُرِىءَ علينا: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] و﴿هو خالقُ ُكلِّ شيء﴾ [الأنعام: ١٠٢] فقلت: ﴿وهو السميعُ البصير﴾ قال صالح: ثم امتحن القوم، ووَجَّهَ بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم غير أربعة: أبي، ومحمد بن نوح، والقواريري، والحسن بن حماد سجَّادة. ثم أجاب هذان، وبقي أبي ومحمدٌ في الحبس أيامًا، ثم جاء كتابٌ من طرسوس بحملهما مُقَيَّدَيْنِ زميلينِ.
الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبو معمر القطيعي، قال: لما أُحضِرنا إلى دار السلطان أيام المحنة، وكان أحمد بن حنبل قد أُحضِرَ، فلما رأي الناس يُجِيبونَ، وكان رجلًا ليِّنًا، فانتفخت أوداجه،
_________________
(١) تصحفت في (ب) إلى: وعزت.
(٢) في (ب): وتنزيله ووحيه.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
واحمَّرت عيناه، وذهب ذلك اللين. فقلت: إنه قد غضب لله، فقلت: أبشِرْ.
حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن عبد الله بن جُمَيْعٍ، عن أبي سلمة، قال: كان من أصحاب رسول الله - ﷺ -، من إذا أريد على أمرِ دينه، رأيت حمالِيقَ عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون.
أخبرنا عُمَرُ بن القوَّاس، عن الكندي، أخبرنا الكَرُوجي، أخبرنا شيخ الإسلام، أخبرنا أبو يعقوب، حدثنا الحسين بن محمد الخَفَّاف: سمعت ابن أبي أُسامة، يقول: حُكي لنا أن أحمد قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله، أولا ترى الحقَّ كيف ظهر عليه الباطل؟ قال: كلاَّ، إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهُدَى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمةٌ للحق.
قال أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي: حدثنا الفضل بن زياد، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أول يوم امتحنه [إسحاق] (١) لما خرج من عنده، فقعد في مسجده، فقال له جماعةٌ: أخبرنا بمن أجاب.
فكأنَّه ثَقُلَ عليه، فكلَّموه أيضًا، قال: فلم يُجِب أحدٌ من أصحابنا، ولله الحمد. ثمَّ ذكر من أجاب ومن واتاهم على أكثر ممَّا (٢) أرادوا. فقالوا: هو مجعولٌ محدث، وامتحنهم مرةً مرة، وامتحنني مرتين مرتين. قال لي: ما تقول في القرآن؟ قلتُ: كلام الله غير مخلوق، فأقامني وأجلسني في ناحية، ثم سألهم، ثم ردَّني ثانيةً، فسألني وأخذ بي (٣) في
_________________
(١) ساقطة من الأصول، والمثبت من " السير ".
(٢) في " السير ": ما.
(٣) في " السير ": أخذني.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
التشبيه. فقلت: ﴿ليس كمثله شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ﴾ [الشورى: ١١] فقال لي: وما السميع البصير؟ فقلت: هكذا قال الله تعالى.
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنجي: جعلوا يُذاكِرون أبا عبد الله بالرقة في التَّقِيَّةِ وما رُوِيَ فيها. فقال: كيف تصنعون بحديث خبَّاب: " إنَّ من كان قبلَكُم كان يُنشَرُ أحدهم بالمنشار، لا يصُدُّه ذلك عن دينه " (١) فأيسنا منه. وقال: لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلاَّ واحدٌ، ولا قتلًا بالسيف، إنما أخافُ فتنة السوط، فسمعه بعض أهل الحبس، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله فما هو إلاَّ سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سُرِّيَ عنه.
قال: وحدثني من أثِقُ به، عن محمد بن إبراهيم بن مصعب، وهو يومئذٍ صاحب شرطة المعتصم قال: ما رأيت أحدًا لم يُدَاخِلِ السلطان، ولا خالط الملوك، كان أثبت قلبًا من أحمد يومئذٍ، ما نحن في عينه إلا كالذباب.
قال صالح بن أحمد: حُمِلَ أبي ومحمد بن نوح من بغداد مقيدين، فصرنا معهما إلى الأنبار. فسُئِلَ أبي: إن عُرِضْتَ على السيف، تُجِيبُ؟
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ١٠٩ و١١٠ و١١١ و٦/ ٣٩٥، والبخاري (٣٦١٢) و(٣٨٥٢) و(٦٩٤٣) وأبو داود (٢٦٤٩) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألاَّ تدعو لنا؟ فقال: " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاَّ الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ".
[ ٤ / ٢٦٩ ]
قال: لا. ثم سُيِّرا، فسمعتُ أبي يقول: صِرنا إلى الرَّحبة (١)، ورحلنا منها في جوف الليل، فعرض لنا رجل، فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ قيل له: هذا، فقال للجمال: على رِسْلِك، ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل ها هنا، وتدخل الجنة ثم قال: أستودعك الله، ومضى، فسألت عنه، فقيل: رجلٌ من العرب من ربيعة يذكر بخيرٍ.
أحمد بن أبي الحواري: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال أحمد: ما سمعت كلمةً منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمةِ أعرابيٍّ كلَّمني بها في رحبة طوقٍ، قال: يا أحمد، إن يقتلكَ الحقُّ، مُِتَّ شهيدًا، وإن عِشْتَ، عِشْتَ حميدًا. فقَوِيَ قلبي.
قال صالح: قال أبي: فلمَّا صِرْنا إلى أَذَنَة (٢)، ورَحَلْنا منها في جوف الليل، وفُتِحَ لنا بابها، إذا رجلٌ قد دَخَلَ. فقال: البُشرى! قد مات الرجل يعني: المأمون. قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه.
قال صالح: ومات محمد بن نوح، وصلَّى أبي عليه، وصار أبي إلى بغداد مقيدًا.
قال صالح: قال أبي: يُوجَّهُ إليَّ كُلَّ يوم برجلين يناظراني، ثم يُدعى بقيدٍ، فيُزادُ في قيودي، فصار في رجلي أربعة أقياد، فلمَّا كان في الليلة الرابعة، وجَّه -يعني: المعتصم- ببِغُا الكبير إلى إسحاق، فأمره بحملي إليه، وأُدخلت على (٣) إسحاق، وقال لي: يا أحمد إنها
_________________
(١) وهي رَحْبَة مالك بن طوْق، تقع بين الرقة وبغداد على شاطىء الفرات، تبعد عن بغداد مئة فرسخ، وعن الرقة نيفًا وعشرين فرسخًا.
(٢) بفتحات، وهي بلد مشهور من الثغور، قرب المِصِّيصَة.
(٣) في (ب): إلى.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
والله نفسُك، إنَّه لا يقتلُك بالسيف، إنه قد آلى، إن لم تجبه، أن يضربك ضربًا بعد ضربِ، وأن يقتُلك في موضع لا يُرى فيه شمسٌ ولا قمر. أليس قد قال الله تعالى: ﴿إنَّا جعلناه قُرآنًا عربيًا﴾ [الزخرف: ٣] أفيكون مجعولًا إلاَّ مخلوقًا؟ فقلت: فقد (١) قال الله تعالى: ﴿فجعلهم كعصفٍ مأكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] أفخلَقَهم؟ فسكت فلمَّا صِرْنا إلى الموضع المعروف بباب البستان، أخرجت وَجِيءَ بدابةٍ، فأركبت وعليَّ الأقياد، ما معي من يُمسِكُني، فكدت غير مرة أخِرُّ على وجهي لثقل القيود. فجيء بي إلى دار المعتصم، فأدخلت حجرة، ثم أُدخلت بيتًا، وأقفل الباب علي في جوف الليل ولا سراج، فأردت الوُضوء، فمددت يدي، فإذا أنا بإناءٍ فيه ماءٌ، وطستٌ موضوع فتوضَّأتُ وصلَّيتُ.
فلمَّا كان من الغد، أخرجت تِكَّتي، وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي. فجاء رسول المعتصم، فقال: أجب فأخذ بيدي، وأدخلني عليه، وإذا (٢) هو جالس، وأحمد بن أبي دُوَاد حاضرٌ، وقد جَمَعَ خلقًا كثيرًا من أصحابه، فقال لي المعتصم: ادنُهْ ادنُهْ، فلم يزل يُدنيني حتى قرُبتُ منه، ثم قلت: أتأذن في الكلام؟ قال: تكلَّم، قلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هُنيهةً، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، قلت: فأنا أشهد أن لا إله إلاَّ الله، ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قَدِمَ وفد عبد القيس على رسول الله - ﷺ -، سألوه عن الإيمان، فقال: " أتدرون ما الإيمان؟ " قالوا: الله
_________________
(١) في (ب): قد.
(٢) في (ب): فإذا.
[ ٤ / ٢٧١ ]
ورسوله أعلم، قال: " شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا رسول الله (١) وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تُعطوا الخمس من المَغنم " (٢) فقال المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضتُ لك.
ثم قال لهم: ناظِرُوه، كلموه، يا عبد الرحمن بن إسحاق كلِّمه.
فقال: ما تقول في القرآن؟ فقلت: ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قال الله: ﴿الله خالقُ كُلِّ شيءٍ﴾؟ [الرعد: ١٦] والقرآن أليس شيئًا، فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدمَّرَت إلاَّ ما أراد الله؟! فقال بعضُهم: ﴿ما يأتيهم مِنْ ذكرٍ من ربِّهم مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] أفيكون محدثٌ إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] فالذِّكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عِمران بن حصين: " إن الله كتب الذكر " (٣) واحتجوا بحديث ابن
_________________
(١) لفظ الجلالة ساقط من (أ).
(٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٢٨، والبخاري (٥٣) و(٨٧) و(٥٢٣) و(١٣٩٨) و(٣٥١٠) و(٦١٧٦) و(٧٢٦٦)، ومسلم (١٧)، وأبو داود (٣٦٩٢)، والترمذي (٢٦١١)، والنسائي ٨/ ١٢٠.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢، والبخاري (٣١٩١) و(٧٤١٨)، ولفظ البخاري: عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي - ﷺ - وعقلت ناقتي بالباب، فإذا ناس من بني تميم، فقال: " اقبلوا البشرى يا بني تميم "، قالوا: قد بشرتنا، فأعطينا مرتين، ثم دخل عليه ناس من اليمن، فقال: " اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم "، قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقّه في الدين، ونسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض ". وعند أحمد فيه: " وكتب في اللوح ذكر كل شيء ". وفي الباب من حديث بريدة الأسلمي أخرجه الحاكم ٢/ ٣٤١، ولفظه فيه: " وكتب في الذكر كل شيء ".
[ ٤ / ٢٧٢ ]
مسعود: " ما خلق الله من جنةٍ ولا نارٍ ولا سماءٍ ولا أرضٍ أعظم من آية الكرسي " (١). فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يَقَعْ على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب: " يا هَنَتاه تَقَرَّب إلى الله بما استطعت، فإنَّك لن تقرَّبَ إليه بشيءٍ أحبَّ إليه من كلامه " (٢) فقلت: هكذا هو.
وكان يتكلم هذا فأرُدُّ عليه، وهذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقولُ المعتصم: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - حتى أقول به.
قال حنبل: قال أبو عبد الله: لقد احتجوا عليَّ بشىء ما يقوى قلبي، ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار، وما ظننتُهم على هذا حتى سمعته، وجعلوا يُرْغُون، يقول الخصم: كذا وكذا، فاحتججت عليهم بالقرآن بقوله: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تعبُدُ ما لا يسمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] فهذا منكرٌ عندكم؟ قالوا: شبَّه يا أميرَ المؤمنين، شبَّه.
_________________
(١) ذكره السيوطي في " الدر المنثور " ١/ ٣٢٣ ونسبه إلى أبي عبيد، وابن الضريس، ومحمد بن نصر، بلفظ: " ما خلق الله من سماء ولا أرض، ولا جنة، ولا نار أعظم من آية في سورة البقرة: ﴿الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيوم﴾ ". وأخرجه سعيد بن منصور، وابن الضريس، والبيهقي في " الأسماء والصفات " عن ابن مسعود قال: " ما من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من آية الكرسي ".
(٢) أخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٧٧، والحاكم في " المستدرك " ٢/ ٤٤١، وأحمد في " السنة " ص ٢٦ والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢٤١ من طريق منصور بن المعتمر (وقد تحرف في " السنة " إلى: منصور عن المعتمر) عن هلال بن يساف، عن فروة (وقد تحرفت في " الشريعة " إلى: قرة) بن نوفل الأشجعي. ولفظ الحاكم: " قال: كنت جارًا لخباب بن الآرت، فخرجنا مرة من المسجد فأخذ بيدي فقال: يا هناه تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تقرب إليه بشيء أحبُّ إليه من كلامه ". وقال الحاكم والببهقي: إسناده صحيح، ووافق الحاكم الذهبيُّ.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
قال صالح، عن أبيه: فإذا جاء شيءٌ من الكلام ممَّا ليس في الكتاب والسنَّة، قلت: ما أدري ما هذا. فيقولون: يا أمير المؤمنين إذا توجهت (١) الحُجَّةُ علينا، ثبت، وإذا كلَّمناهُ بشيءٍ، يقول: لا أدري ما هذا. فقال: ناظروه، فقال رجلٌ: أراك تذكر الحديث وتنتحِلُه، فقال: ما تقول في قوله: ﴿يُوصيكُم الله في أولادِكم للذكَرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؟ قال: خصَّ الله بها المؤمنين، قلت: ما تقول: إن كان قاتلًا أو عبدًا؟ فسكت، وإنما احتججتُ عليه بهذا، لأنهم كانوا (٢) يحتجون بظاهرِ القرآن. فحيثُ قال لي: أراك تنتحل الحديث، احتججت بالقرآن، يعني: وإنَّ السنة خصَّصتِ القاتل والعبد، فأخرجتهما من العموم - إلى قوله:
فلمَّا كانت الليلة الثالثة، قلت: خليقٌ أن يحدث غدًا من أمري شيءٌ، فقلت للموكِّل بي: أريد خيطًا، فشددت به الأقياد، ورددتُ التِّكَّة إلى سراويلي مخافة أن يحدُثَ من أمري شيء، فأتَعَرَّى. فلما كان من الغد، أُدخلت إلى الدار، فإذا هي غاصَّةٌ، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقومٌ معهم السيوف، وقومٌ معهم السِّياط، وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الأولين كبير أحد (٣) من هؤلاء. فلما انتهيت إليه، قال: اقعُد. ثم قال: ناظِرُوه، فلما طال المجلس، نحاني، ثم خلا بهم، ثم نحاهم، وردَّني إلى عنده، وقال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أُطلِقَ عنك بيدي، فرددتُ عليه نحو ردِّي. فقال: عليك، وذكر اللعن، خذوه
_________________
(١) في " تاريخ الإسلام ": إذا توجهت له.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (د): " كثير أحد "، وتصحفت في (ب): " كثيرًا حد ".
[ ٤ / ٢٧٤ ]
اسحبوه (١) خلِّعوه. فسحبت (٢) وخُلِّعت. وجلس على كرسيٍّ، ثم قال: العُقَابين (٣) والسياط، فجيء بالعُقابين، فمُدَّت يداي، فقال بعض من حضر خلفي: خُذ ناتىء الخشبتين بيديك، وشُدَّ عليهما. فلم أفهم ما قال: فتخلَّعت يداي.
قال صالح: قال أبي فلما جيء بالسياط، نظر إليها المعتصم، فقال: ائتوني بغيرها. ثم قال للجلادين: تقدَّموا، فجعل يتقدم إليَّ الرجل منهم، فيضربني سوطين، فيقول له: شُدَّ، قطع الله يدك! ثم يتنحَّى ويتقدم آخر، فيضرِبُني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شُدَّ، قطع الله يدَك! فلما ضُربتُ تسعة (٤) عشر سوطًا، قام إليَّ، يعني: المعتصم، فقال: يا أحمد، علام تقتُلُ نفسك؟ إنِّي والله عليك لشفيقٌ، وجعل عُجَيْف ينخسُني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وقال بعضهم (٥): يا أمير المؤمنين دمُه في عُنقي، فقال: ويحكَ يا أحمد، ما تقول؟ فقلت: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله أقولُ به. فرجع وجلسَ. وقال للجلاد: تقدم، وأوجع، قَطَعَ الله يدك، ثم قام الثانية، وجعل يقول: ويحك يا أحمد: أجبني إلى شيءٍ فيه (٦) أدنى فرجٍ حتى أُطلِقَ عنك بيديَّ، ثم رَجَعَ، وقال للجلاد: تقدَّم، فجعل يضرِبُني وذهب عقلي، ثم أفقتُ بعد، فإذا الأقياد قد
_________________
(١) في (د): اسجنوه.
(٢) في (د): فسجنت.
(٣) وهما خشبتان يُشْبَحُ الرجلُ بينهما للجلد.
(٤) في " السير ": " سبعة ". وما هنا موافق لما في " تاريخ الإسلام ".
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) في " تاريخ الإسلام ": لك فيه.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
أُطلقتْ عني. فقال رجلٌ ممَّن حضر: كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك بارِيَّة (١) ودُسْنَاكَ! فما شعرت بذلك، وآتوني بسويقٍ، فقالوا: اشرب وتقيَّأ، فقلت: لا أُفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق، فحضرت الظهر، فتقدم ابن سماعه، فصلى! [فلما انفتل من صلاته] (٢) وقال لي (٣): صليتَ والدم يسيل في ثوبك؟ قلتُ: قد صلَّى عمر وجرحه يثعبُ دمًا (٤).
قال صالح: ثم خُلِّي عنه، وصار إلى منزله، وكان لبثه منذ أُخِذَ إلى أن ضُرِبَ، وخُلِّيَ عنه، ثمانية وعشرون شهرًا.
قال حنبل: سمعته يقول: ذهب عقلي مرارًا، فكان إذا رُفِعَ عني الضرب رجعت إليّ نفسي، وإذا استرخيت وسقطت، رُفِعَ الضرب، أصابني ذلك مرارًا.
الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي، حدثنا داود بن عرفة، حدثنا ميمون بن أصبُغ، قال: نزل السراويل إلى عانة أحمد عند الضرب، وانقطعت تِكَّتُه، وكانت حاشية ثوبٍ، فرمى بطرفه إلى السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بَقِيَ السراويل لم ينزل، فدخلت عليه بعد أيام، فسألته ما قال: فذكر دعاءً.
_________________
(١) بكسر الراء، وفتح الياء المشددة: الحصير المنسوج، وهي فارسية الأصل.
(٢) ما بين المعقوفين من " السير ".
(٣) " لي " ساقطة من (ب).
(٤) أخرجه مالك في " الموطأ " ١/ ٣٩ باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه أن المِسْوَر بن مخرمة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها، فأيقظ عمر لصلاة الصبح، فقال عمر: نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى عمر وجرحه يثعبُ دمًا، أي يجري ويتفجر منه الدم.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
قال الذهبي: هذه حكايةٌ منكرةٌ، أخاف أن يكون داود وضعها.
وذكر الذهبي، عن جعفر بن فارسٍ الأصبهاني، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أحمد بن الفرج نحوها. ثم قال: فهذه الحكايةُ لا تَصِحُّ، ولقد ساق صاحب " الحلية " (١) من الخرافات السَّمجة هنا ما يُستحيا عن (٢) ذكره.
فمن ذلك، ذكر بإسناده أن أحمد لما حرك شفتيه حين سقط سراويله، رأيت (٣) يدين خرجتا من تحته، فشدَّتا السراويل، فلما فرغوا من الضرب، سألناه. فقال: قلتُ: يا مَنْ لا يُعلمُ العرش من أين هو، إن كنت على الحقِّ فلا تُبدِ عَورتي.
أوردها البيهقي في " مناقب أحمد "، وما جَسَرَ على توهيتها (٤)، بل روى عن أبي مسعود البَجَلِي، عن ابن جَهْضَم ذاك الكذاب، عن أبي بكر النَّجَّاد، عن ابن أبي العوام نحوًا منها، وفيه فرأيت كفًّا من ذهب خرج من تحت مئزره بقدرة الله، فصاحت العامة.
وعن صالح، عن أبيه: مررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فجعلتُ الميت في حِلٍّ، ثم قال: وما على رجلٍ أن لا يعذِّب الله بسببه أحدًا.
هذه نبذةٌ مختصرةٌ مما ذكره الذهبيُّ - إلى قوله: العجب من أبي
_________________
(١) ٩/ ٢٠٦.
(٢) في (د): من ذكره.
(٣) القائل هو علي بن محمد القرشي.
(٤) في (ب): توهينها.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
القاسم عليِّ بن الحسن الحافظ (١) كيف ذكر ترجمة أحمد مُطوَّلةً كعوائده، ولكن ما أورد من أمر المحنة كلمةً، مع صحة أسانيدها (٢)، فإنَّ حنبلًا ألَّفها في جُزأين، وكذلك صالح بن أحمد وجماعة، ثم رجع إلى ذكر حال أحمد في أيام المتوكل.
واعلم أن من وَقَفَ على تشدُّد أحمد في أمرِ المحنة ممن لم يعرف ما المقصود بقولهم: إن القرآن مخلوقٌ، أو غير مخلوق يطلع إلى معرفة حقيقة ذلك وغائلته التي حملت الفريقين على هذا الأمر العظيم، وقد رأيت أن أختم ترجمة أحمد بذكر كلام الفرق في هذه المسألة من غير تطويل بذكر الحُجَج، وسيأتي ذلك بعد ذكر كتاب أحمد إلى المتوكل، المشتمل على ذكر جملةٍ صالحةٍ من الآيات والآثار في ذلك، وهذا موضعه، ولكن بَقِيَت بقيةٌ من مناقب الإمام أحمد تليق بهذا الموضع (٣):
قال ابن أبي حاتم: قال سعيد بن عمرو: يا أبا زُرعة، أأنت أحفظ أم أحمد؟ قال: بل أحمد، قلت: كيف علمت؟ قال: وجدت كتبه ليس في أوائل الأجزاء أسماء الذين حدثوه، فكان يحفظ كل جزءٍ ممن سمعه، وأنا لا أقدر على هذا.
وعن أبي زرعة، قال: حُزِرَتْ كتب أحمد يوم مات فبلغت اثنيّ عشر حِمْلًا، وعِدْلًا (٤)، ما كان على ظهرِ كتابٍ منها: حديث فلان، ولا
_________________
(١) يريد: الحافظ ابن عساكر مؤلف " تاريخ دمشق ".
(٢) وتمامه فوي " تاريخ الإسلام ": ولعلَّ له نيةً في تركها.
(٣) ١١/ ١٨٧ من " السير ".
(٤) في الأصول: " عِدْل " وهو خطأ، والعِدْل: نِصفُ الحِمْل يكون على أحد جنبي البعير.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
في بطنه (١): حدثنا فلان، كل ذلك كان يحفطه.
وقال حسن بن مُنَبِّه: سمعت أبا زرعة، يقول: أخرج إليَّ أبو عبد الله أجزاءً كلها سفيان سفيان، ليس على حديثٍ منها: حدثنا فلان، فظننتها عن رجلٍ واحد فامتحنت (٢) منها، فلما قرأ ذلك عليَّ جعل يقول: حدثنا وكيع ويحيى، وحدثنا فلان، فعَجِبْتُ، ولم أقدِر أنا على هذا.
قال إبراهيم الحربي: رأيت أبا عبد الله، كأنَّ الله جمع له علم الأوَّلين والآخرين.
وعن رجلٍ، قال: ما رأيتُ أحدًا أعلَمَ بفقه الحديث ومعانيه من أحمد.
أحمد بن سلمة: سمعتُ ابن راهويه، يقول: كنتُ أُجَالِسُ أحمد وابن معين، ونتذاكر، فأقول: ما فقهُهُ؟ ما تفسيره؟ فيسكتون إلاَّ أحمد.
قال أبو بكر الخلاَّل: كان أحمدُ قد كتب كتب الرأي، وحفظها، ثم لم يلتفت إليها.
قال إبراهيم بن شمَّاس: سألنا وكيعًا عن خارجة بن مصعب، فقال: نهاني أحمدُ أن أحدِّث عنه.
قال العباس بن محمد الخلاَّل: حدثنا إبراهيمُ بن شمَّاس، سمعت وكيعًا وحفص بن غياث يقولان: ما قدِمَ الكوفة مثل ذاك الفتى، يعنيان: أحمد بن حنبل.
_________________
(١) في (د): بطنها.
(٢) في " السير " فانتخبت منها.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
وقيل: إنَّ أحمد أتى حسينًا (١) الجُعفي بكتابٍ كبير يشفع في أحمد، فقال: حسين: يا أبا عبد الله لا تجعل بيني وبينك مُنعِمًا فليس تحمَّلُ عليَّ بأحدٍ إلاَّ وأنت أكبر منه.
الخلال: حدثنا (٢) المروذي، حدثنا (٣) خَضِرٌ المروذي بطرسوس سمعت ابن راهويه، سمعت يحيى بن آدم، يقول: أحمد بن حنبل إمامنا.
الخلال: حدثنا محمد بن علي، حدثنا الأثرم، حدثني (٤) بعض من كان يسمع مع أبي عبد الله أنهم كانوا يجتمعون عند يحيى بن آدم، فيتشاغلون عن الحديث بمناظرة أحمد يحيى بن آدم، ويرتفع الصوت بينهما، وكان يحيى بن آدم، واحد أهل زمانه في الفقه.
الخلال: حدثنا المروذي، سمعت محمد بن يحيى القطان، يفول: رأيت أبي مكرِّمًا لأحمد بن حنبل، لقد بذل له كتبه، أو قال: حديثه.
وقال القواريري، قال يحيى القطان: ما قدم علينا مثل هذين أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وما قدم عليَّ من بغداد أحبُّ إليَّ من أحمد بن حنبل.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: شقَّ على يحيى بن سعيد يوم خرجت من البصرة.
_________________
(١) تحرف في (ج) إلى: حسينيًا.
(٢) في (د): حدثني.
(٣) في (د): أخبرنا.
(٤) ساقطة من (د).
[ ٤ / ٢٨٠ ]
عمرو بن العباس: سَمِعتُ عبد الرحمن بن مهدي، ذكر أصحاب الحديث، فقال: أعلمهم بحديث الثوري أحمد بن حنبل. قال: فأقبل أحمد، فقال ابن مهدي: من أراد أن ينظر إلى ما بين كتفي الثوري، فلينظُر إلى هذا.
قال المرُّوذي: قال أحمد: عُنيتُ بحديث سفيان حتى كتبته عن رجلين، حتى كلَّمنا يحيى بن آدم، فكلم لنا (١) الأشجعيَّ، فكانت تخرج (٢) إلينا الكتب، فنكتب من غير أن نسمع.
وعن ابن مهدي، قال: ما نظرتُ إلى أحمد إلاَّ ذكرت به سفيان.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: خالف وكيعٌ ابن مهدي في نحوٍ من ستين حديثًا من حديث سفيان، فذكرت ذلك لابن مهدي، وكان يحكيه عني.
عباس الدوري: سمعت أبا عاصم يقول لرجلٍ بغدادي: من تعُدُّون عندكم اليومَ من أصحاب الحديث؟ قال: عندنا أحمدُ بن حنبل، وابن معين، وأبو خيثمة، والمُعَيْطِي، والسُّويدي، حتى عدَّ له جماعة بالكوفة أيضًا وبالبصرة، فقال أبو عاصم: قد رأيت جميع من ذكرت، وجاؤوا إليَّ، لم آر مثل ذاك الفتن، يعني: أحمد بن حنبل.
قال شجاع بن مخلد: سمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: ما بالمِصْرَيْنِ (٣) رجلٌ أكرم عليَّ من أحمد بن حنبل.
_________________
(١) تحرفت في (د) إلى: فكلمنا.
(٢) في (ج) و" السير ": فكان يخرج.
(٣) أي: البصرة والكوفة. وفي (ب): بالمصر.
[ ٤ / ٢٨١ ]
وعن سليمان بن حربٍ، أنه قال لرجلٍ: سَلْ أحمد بن حنبل ما يقول في مسألة كذا، فإنه عندنا إمامٌ.
الخلال: حدثنا عليُّ بن سهل (١)، قال: رأيت يحيى بن معين عند عفان ومعه أحمد بن حنبل، فقال: ليس هنا اليوم حديثٌ. فقال يحيى: تردُّ أحمد بن حنبل، وقد جاءك؟ فقال (٢): الباب مُقفلٌ، والجارية ليست هنا. قال يحيى: أنا أفتح، فتكلم على القُفلِ (٣) بشيءٍ، ففتحه. فقال عفان: وفشَّاش (٤) أيضًا! وحدثهم.
قال: وحدثنا (٥) المروذي: قلت لأحمد: أكان أُغمي عليك أو غُشِيَ عليك (٦) عند ابن عُيينة؟ قال: نعم في دهليزه (٧) زحمني الناس فأُغمي عليَّ.
وروي أن سفيان، قال يومئذٍ: كيف أُحَدِّثُ وقد مات خير الناس.
وقال مُهَنَّا بن يحيى: قد رأيت ابن عيينة، ووكيعًا، وبقية، وعبد الرزاق، وضمرة، والناس، ما رأيت رجلًا أجمع من أحمد في علمه، وزهده، وورعه، وذكر أشياء.
وقال نوحُ بن حبيب القُومَسي: سلَّمتُ على أحمد بن حنبل في سنة
_________________
(١) في (ب): سهيل.
(٢) من قوله: " ليس هنا " إلى هنا ساقط من (د).
(٣) في (ب): على الباب القفل.
(٤) في " السير ": " أفشَّاشٌ ". يقال: فشَّ القُفل فشًا، أي: فتحه بغير مفتاح.
(٥) في (د): وأخبرنا.
(٦) " أو غُشي عليك " ساقط من (ب).
(٧) " في دهليزه " ساقط من (د).
[ ٤ / ٢٨٢ ]
ثمانٍ وتسعين ومئةٍ بمسجدِ الخَيْفِ، وهو يُفتي فُتيا واسعة.
وعن شيخٍ أنه كان عنده كتابٌ بخطِّ أحمد بن حنبل، فقال: كنا عند (١) ابن عيينة سنة ففقدت (٢) أحمد بن حنبل أيامًا، فدُلِلتُ على موضعه، فجئت، فإذا هو في شبيهٍ بكهفٍ في جياد (٣). فقلت: سلام عليكم، أدخلُ؟ فقال: لا، ثم قال: ادْخُلْ، فدخلت، وإذا عليه قطعة لبدٍ خلقٍ، فقلت: لِمَ حجبتني؟ فقال: حتى استترتُ فقلت: ما شأنك؟ قال: سُرقت (٤) ثيابي، فبادرت إلى منزلي فجئته بمئة درهم فعرضتها عليه، فامتنع، فقلت: قرضًا، فأبى، حتى بلغتُ عشرين درهمًا، ويأبى. فقمت، وقلت: ما يحِلُّ لك أن تقتل نفسك. قال: ارجع، فرجعت، فقال: أليس قد سمعت معي من ابن عُيينة؟ قلت: بلى. قال: تحبُّ أن أنسخه لك؟ قلت: نعم. قال: اشتر لي وَرَقًا. قال: فكتب بدراهم اكتسى منها ثوبين.
الحاكم: سمعتُ بكران بن أحمد الحنظلي الزاهد ببغداد، سمعت عبد الله بن أحمد، سمعتُ أبي يقول: قَدِمْتُ صنعاء (٥) أنا ويحيى بن معين، فمضيت إلى عبد الرزاق إلى قريته، وتخلَّف يحيى، فلما ذهبت أدُقُّ الباب، قال لي بقَّالٌ تُِجاه داره: مَهْ، لا تدُقَّ، فإنَّ الشيخ يُهاب.
فجلستُ حتى إذا كان قبل المغرب، خرج فوثبت إليه، وفي يدي أحاديث
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: عن.
(٢) الأصول: " فقدت "، والمثبت من " السير ".
(٣) موضع بمكة يلي الصفا، وقد ضبطه الذهبي بالكسر، وضبطه ياقوت بالفتح، ويسمَّى هذا الموضع أيضًا أجيادًا، بفتح أوله وسكون ثانيه، وهما أجيادان: كبير وصغير.
(٤) تحرفت في (د) إلى: شرقت.
(٥) في (ب): إلى صنعاء.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
انتقيتُها، فسلمت، وقلت: حدثني بهذه يرحمك الله، فإني رجلٌ غريب. قال: ومن أنت؟ وَزَبَرني. قلت: أنا (١) أحمد بن حنبل، قال: فتقاصر؟ وضمَّني إليه، وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث، وجعل يقرؤها حتى أظلم، فقال للبقال: هلُمَّ المصباح حتى خرج وقت المغرب، وكان عبد الرزاق يُؤخِّرُ صلاة (٢) المغرب.
الخلال: حدثنا الرمادي، سمعت عبد الرزاق، وذكر أحمد بن حنبل، فدَمِعَتْ عيناه، وقال: بلغني أن نفقته نفدت، فأخذت بيده فأقمته خلف الباب وما معنا أحدٌ، فقلتُ له: إنه لا تجتمع عندنا الدنانير، إذا بعنا الغلَّة، أشغلناها في شيء، وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها، وأرجو أن لا تنفقها حتى يتهيَّأ شيء. فقال لي: يا أبا بكرٍ، لو قبلت من أحدٍ شيئًا، لَقبِلتُ منك.
وقال عبدُ الله: قلتُ لأبي: بلغني أنَّ عبد الرزاق عَرَضَ عليك دنانيرَ؟ قال: نعم، وأعطاني يزيدُ بن هارون خمس مئة درهم -أظُنُّ- فلم أقبل، وأعطى يحيى بن معين، وأبا مسلم فأخذا منه.
وقال محمد بن سهل بن عسكر: سمعت عبد الرزاق يقول: إن يَعِشْ هذا الرجل يكُن خَلَفًا من العلماء.
المروذي: حدثني أبو محمد النسائي، سمعت إسحاق بن راهويه، قال: كنا عند عبد الرزاق أنا وأحمد بن حنبل، فمضينا معه إلى المصلى يوم عيد، فلم يكبر هو ولا أنا ولا أحمد، فقال لنا: رأيت مَعْمرًا
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (د): وقت.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
والثوري في هذا اليوم كبَّرا، وإني رأيتكما لم تُكبِّرا، فلم أُكبِّر، فلِمَ لم تُكبِّرا؟ قلنا: نحن نرى التكبير، ولكن شغلنا بأي شيء نبتدىء من الكتب.
أبو إسحاق الجُوزجاني، قال: كان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق، فسها، فسأل عنه عبد الرزاق، فأخبر أنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام شيئًا. رواها الخلال، سمعت أبا زرعة القاضي الدمشقي عن الجوزجاني.
قال الخلال: حدثنا أبو القاسم بن الجَبُّلِي، عن أبي إسماعيل الترمذي، عن إسحاق بن راهويه، قال: كنت مع أحمد بن حنبل عند عبد الرزاق، وكانت معي جارية، وسكنا فوق، وأحمد أسفل في البيت، فقال لي: يا أبا يعقوب: هوذا (١) يُعجبني ما أسمع من حركتكم (٢) قال: وكنت أطلع، فأراه يعملُ التِّكَكَ ويَبيعُها، ويتقوَّتُ بها هذا أو نحوه.
قال المروذي: سمعت أبا عبد الله، يقول: كنت في أزْرِي من اليمن إلى مكة. قلت: أَكْرَيتَ نفسك من الجمالين؟ قال: قد اكتريت (٣) لكتبي (٤)، ولم يقل: لا.
وعن إسماعيل بن عُلَيه: أنه أُقيمت الصلاة، فقال: ها هنا أحمد بن حنبل قولوا (٥) له يتقدَّمُ يُصلِّي بنا.
_________________
(١) في (ج): هذا.
(٢) في الأصول: خرجتكم.
(٣) في (د): أكريتُ.
(٤) تصحفت في (أ) و(د) و(ج): " لكنني "، وفي (ب): " لكني ".
(٥) في (د): فقولوا.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وقال الأثرمُ: أخبرني عبد الله بن المبارك شيخٌ سَمِعَ قديمًا، قال: كنا عند ابن عُلَيَّة، فضَحِكَ بعضُنا، وثم أحمد بن حنبل، قال: فأتينا إسماعيل بعدُ، فوجدناه غضبان (١)، فقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل!
قال المروذي: قال لي أبو عبد الله: كنا عند يزيد بن هارون، فوَهِمَ في شيء، فكلَّمته، فأخرج كتابه، فوجده كما قلتُ، فغيَّره، فكان إذا جلس يقول: يا ابن حنبل، ادْنُ، يا ابن حنبل، ادنُ ها هنا. ومَرِضْتُ فعادَني، فنطحه الباب.
المَرُّوذي: سمعت جعفر بن ميمون بن الأصبغ، سمعت أبي يقول: كنا عند يزيد بن هارون، وكان عنده المُعَيْطي (٢) وأبو خيثمة (٣)، وأحمد، وكان في يزيد ﵀ مداعبة، فذاكره المعيطي (٤) بشيء.
فقال له يزيد: فقدتُك، فتنحنح أحمد فالتفت إليه، فقال: من ذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل، قال: ألا أعلمتموني أنه ها هنا.
قال المروذي: فسمعت بعض الواسطيين يقول: ما رأيت يزيد بن هارون ترك المِزَاحَ لأحدٍ إلاَّ لأحمد بن حنبل.
قال أحمد بن سنان القطان: ما رأيت يزيد لأحدٍ أشدَّ تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل، ولا أكرم أحدًا مثله، كان يُقْعِدُه إلى جنبه ويُوَقِّرُه، ولا يمازحه.
_________________
(١) في (د): غضبانًا.
(٢) تصحفت في (ب) إلى: المعتطي.
(٣) " وأبو خيثمة " ساقطة من (ب).
(٤) تصحفت في (ب) إلى: المعتطي.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
وقال عبدُ الرزاق: ما رأيتُ أحدًا أفقه ولا أورَعَ من أحمد بن حنبل.
قلت: قال هذا (١)، وقد رأي مثل الثوري، ومالكٍ، وابن جريج.
وقال حفص بن غياث: ما قَدِمَ الكوفة مثل أحمد بن حنبل.
وقال أبو اليمان: كنتُ أُشبِّهُ أحمد بأرطاة بن المنذر.
وقال الهيثم بن جميل الحافظ: إن عاش أحمد سيكون حجةً على أهل زمانه.
وقال قتيبة: خيرُ أهل زماننا ابن المبارك، ثُمَّ هذا الشابُّ يعني: أحمد بن حنبل، واذا رأيت رجلًا يُحِبُّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنةٍ، ولو أدرك عصر الثوري، والأوزاعي، والليث لكان هو المقدَّم عليهم. فقيل لقُتيبة: تضُمُّ أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال قتيبة: لولا الثوريُّ لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين، أحمد إمام الدنيا.
قلت: قد روى أحمد في مسنده عن قتيبة (٢) كثيرًا.
وقيل لأبي مُسهر الغساني: تعرف من يحفظ على الأمة أمر دينها؟ قال: شابٌّ في ناحية المشرق، يعني: أحمد بن حنبل.
قال المُزَنيُّ: قال لي الشافعي: رأيت ببغداد شابًّا إذا قال: حدثنا، قال الناس كلهم: صَدَقَ. قلت: ومن هو؟ قال: أحمد بن حنبل.
_________________
(١) " قال هذا " ساقط من (ب).
(٢) " من " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٨٧ ]
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلَّفت بها رجلًا أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وقال الزعفراني: قال لي الشافعي: ما رأيت أعقل من أحمد، وسليمان بن داود الهاشمي.
قال محمد بن إسحاق بن راهويه: حدثني أبي قال (١) قال لي أحمد بن حنبل: تعال حتى أُرِيكَ من لم تر مثله، فذهب بي إلى الشافعي، قال أبي: وما رأي الشافعي مثل أحمد بن حنبل. ولولا أحمد وبذْلُ (٢) نفسه، لذهب الإسلام - يريد المحنة.
وروي عن إسحاق بن راهويه، قال: أحمد حُجَّةٌ بين الله وبين خلقه.
وقال محمد بن عبدويه: سمعتُ علي بن المديني، يقول: أحمد أفضل عندي من سعيد بن جبير في زمانه، لأن سعيدًا كان له نظراء.
وعن ابن المديني، قال: أعزَّ الله الدين بالصِّدِّيق يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة.
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم، وذكر الحكاية.
وقال أبو عبيد: إني لأتدين بذكر أحمد بن حنبل، ما رأيت رجلًا أعلم بالسنة منه.
_________________
(١) زيادة من " السير ".
(٢) في (ب): فبذل.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وقال الحسن بن الربيع: ما شبَّهت أحمد بن حنبل إلاَّ بابن المبارك في سمته وهيبته.
الطبراني: حدثنا محمد بن حسين الأنماطي، قال: كنا في مجلسٍ فيه يحيى بن معين، وأبو خيثمة، فجعلوا يُثْنُون على أحمد بن حنبل، فقال رجلٌ: فبعض هذا، فقال يحيى: وكثرةُ الثناء على أحمد تُستنكر! لو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه، ما ذكرنا فضائله بكمالها.
وروى عباس، عن ابن معين قال: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل.
وقال النُّفيلي: كان أحمد بن حنبل (١) من أعلام الدين.
وقال المروذي: حضرت أبا ثورٍ سُئِلَ عن مسألة، فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا.
وقال ابن معين: ما رأيت من يحدث لله إلاَّ ثلاثة: يعلى بن عبيد، والقعنبي، وأحمد بن حنبل.
وقال ابن معين: أرادوا أن أكون مثل أحمد، والله لا أكون مثله أبدًا.
وقال أبو خيثمة: ما رأيت مثل أحمد، ولا أشد منه قلبًا.
وقال علي بن خَشْرمٍ: سمعت بشر بن الحارث، [يقول] (٢): أنا أسأل عن أحمد بن حنبل، إنَّ أحمد أُدْخِلَ الكِيرَ، فخرج ذهبًا أحمر.
وقال عبدا لله بن أحمد: قال أصحاب بشر الحافي له حين ضُرِبَ
_________________
(١) من قوله: " وقال النفيلي " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) ليست في الأصول.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
أبي: لو أنك خرجت فقلت: إني على قول أحمد، فقال: أتريدون إن أقوم مقام الأنبياء؟!.
القاسم بن محمد الصائغ: سمعت المروذي يقول: دخلت على ذي النون السجن، ونحنُ بالعسكر، فقال: أيُّ شيءٍ حالُ سيدنا؟ يعن: أحمد بن حنبل.
وقال محمد بن حماد الطِّهراني: سمعت أبا ثور الفقيه يقول: أحمد بن حنبل أعلم أو (١) أفقه من الثوري.
وقال نصر بن علي الجهضمي: أحمد أفضل أهل زمانه.
قال صالح بن علي الحلبي: سمعتُ أبا همام السكوني (٢) يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأى هو مثل نفسه.
وعن حجاج بن الشاعر، قال: ما رأيت أفضل من أحمد، وما كنت أُحبُّ أن أُقتل في سبيل الله، ولم أُصَلِّ على أحمد، بلغ والله في الإمامة أكبر من مبلغ سفيان ومالك.
وقال عمرو الناقد: إذا وافقني أحمد بن حنبل على حديثٍ لا أبالي من خالفني.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عليِّ بن المديني، وأحمد بن حنبل، أيُّهما أحفظ؟ قال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه، إذا رأيت من يُحب أحمد، فاعلم أنه صاحبُ سنةٍ.
_________________
(١) في (ب) و(د): و.
(٢) تحرفت في (ب) إلى: السكولي.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
وقال أبو زُرعة: أحمد بن حنبل أكبر من إسحاق وأفقه، ما رأيت أحدًا أكمل من أحمد.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: جعلت أحمد إمامًا فيما بيني وبين الله تعالى.
وقال محمد بن مهران الجمال: ما بَقِيَ غير أحمد.
قال إمام الأئمة ابن خزيمة: سمعت محمد بن سحتويه (١) سمعت أبا عمير بن النحاس الرملي، وذُكِرَ أحمد بن حنبل، فقال: ﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عُرِضَتْ له الدنيا، فأباها، والبدعُ، فنفاها.
قال أبو حاتم: كان أبو عمير من عُبَّاد المسلمين، قال لي: أَمِلَّ عليَّ شيئًا عن أحمد بن حنبل.
وروي عن أبي عبد الله البُوشنجي: قال: ما رأيتُ أجمع في كل شيء من أحمد بن حنبل، ولا أعقل منه (٢).
وقال ابنُ وارة (٣): كان أحمد صاحب فقه، صاحب حفظ، صاحب معرفة.
وقال النسائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث، والفقه، والوَرَعَ، والزهد، والصَّبرَ.
_________________
(١) في الأصول: سحتونة، والمثبت من " السير ".
(٢) من قوله. " وروي عن " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) في الأصول: " ابن دارة "، وهو خطأ.
[ ٤ / ٢٩١ ]
وعن عبد الوهاب الورَّاق: قال: لما قال النبي - ﷺ -: " فردوه إلى عالمه " (١) رددناه إلى أحمد بن حنبل، وكان أعلم أهل زمانه.
وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، ولا يُذكرُ فيها شيءٌ من أمر (٢) الدنيا، ما رأيتُه ذكر الدُّنيا قطُّ.
قال صالح بن محمد جزرة: أفقه من أدركت في الحديث أحمد بن حنبل.
وقال علي بن خلف: سمعت الحميدي، يقول: ما دمت بالحجاز، وأحمد بالعراق، وابن راهويه بخراسان لا يَغْلِبُنا أحدٌ (٣).
الخلال: حدَّثنا محمد بن ياسين البَلَدي، سمعتُ ابن أبي أُويس وقيل له (٤): ذهب أصحاب الحديث، فقال: ما أبقى الله أحمد بن حنبل، فلم يذهب أصحابُ الحديث.
وعن ابن المديني، قال: أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أُحدِّث إلاَّ من كتابٍ.
الحسين بن الحسن أبو معين الرازي: سمعت ابن المديني، يقول: ليس في أصحابنا أحفظ من أحمد، وبلغني أنه لا يحدث إلاَّ من كتاب ولنا فيه أُسوةٌ.
وعنه قال: أحمد اليوم حجة الله على خلقه.
_________________
(١) قطعة من حديث حسن تقدم تخريجه في ٣/ ٢٣٨.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) تحرفت في (ب) إلى: أحمد.
(٤) " له " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٩٢ ]
أخبرنا عمر بن عبد المنعم، عن أبي اليُمن الكندي، حدثنا عبد الملك بن أبي القاسم، أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري، أخبرنا أبو يعقوب القرَّاب، أخبرنا محمد بن عبد الله الجَوْزَقِيُّ، سمعت أبا حامد الشرقي، سَمِعْتُ أحمد بن عاصم، سمعتُ أبا عبيدٍ القاسم بن سلاَّم، يقول: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وإلى ابن أبي شيبة وهو أحفظهم له، وإلى عليِّ بن المديني وهو أعلمهم به، وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له.
إسحاق المنجنيقي: حدثنا القاسم بن محمد المؤدب، عن محمد بن أبي بشر، قال: أتيت أحمد بن حنبل في مسألةٍ. فقال: ائتِ أبا (١) عُبيدٍ، فإن له بيانًا (٢) لا تسمعه من غيره. فأتيتُه فشفاني جوابه.
فأخبرته بقول أحمد، فقال: ذاك رجل من عمال الله نَشَرَ الله رداء علمه (٣)، وذَخَرَ له عنده الزُّلفى، أما تراه مُحببًا (٤) مألوفًا، فبارك الله له فيما أعطاه من الحلم والعلم والفهم، فإنه لكما قيل:
يَزِينُكَ إمَّا غابَ عنك فإنْ دَنَا رأيتَ لهُ وجهًا يَسُرُّكَ مُقبِلًا
ويحسنُ في ذاتِ الإله إذا رأي مَضيمًا لأهل الحقِّ لا يسأمُ البَلاَ
وإخوانُه الأدْنَوْنَ كُلُّ مُوفَّقٍ بَصيرٍ بأمرِ الله لا يسأمُ العُلاَ (٥)
وبإسنادي إلى أبي إسماعيل الأنصاري: أخبرنا إسماعيل بن
_________________
(١) في (ب): " أبي " وهو خطأ.
(٢) في (ج): " ثباتًاَ "، وهو خطأ.
(٣) في هامش (أ) عمله (خ).
(٤) في الأصول: " فحبتًا " والمثبت من " السير ".
(٥) في " السير ": يسمو على العلا.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
إبراهيم، أخبرنا نصر بن أبي نصر الطوسي، سمعت علي بن أحمد بن خُشيش، سمعت أبا الحديد الصُّوفي بمصر، عن أبيه، عن المزني، يقول: أحمد بن حنبل يوم المِحْنَةِ، وأبو بكر يوم الرِّدَّة، وعمر يوم السَّقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليٌّ يوم صِفِّين.
قال (١) أحمد بن محمد الرُّشدِيني: سمعت أحمد بن صالح المصري، يقول: ما رأيت بالعراق مثل هذين أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله بن نمير، رجلين جامعين لم أر مثلهما بالعراق.
وروى أحمد بن سلمة النيسابوري، عن ابن وارة، قال: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح بمصر، وأبو جعفرٍ النفيلي بحرَّان، وابن نُمير بالكوفة، هؤلاء أركان الدِّين.
وقال علي بن الجنيد الرازي: سمعتُ أبا (٢) جعفرٍ النُّفيلي، يقول: كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين.
وعن محمد بن مصعب العابد، قال (٣): لسوطٌ ضُرِبَه أحمد بن حنبل في الله أكبر من أيام بشر بن الحارث.
قلت: بشرٌ عظيمُ القدر كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما الله يعلم ذلك.
قال أبو عبد الرحمن النهاوندي، سمعت يعقوب الفَسَويَّ، يقول: كتبت عن ألف شيخٍ، حجتي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن
_________________
(١) في (د): وقال.
(٢) في (ب): " أبي " وهو خطأ.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٢٩٤ ]
حنبل، وأحمد بن صالح.
وبالإسناد إلى الأنصاري شيخ الإسلام: أخبرنا أبو يعقوب، أخبرنا منصور بن عبد الله الذهلي، حدثنا محمد بن الحسن بن علي البخاري، سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي، وذكر أحمد بن حنبل، فقال: هو عندي أفقَهُ وأفضل من سفيان الثوري، وذلك أن سفيان لم يُمتَحَن بمثل ما امتُحِنَ به أحمدُ، ولا علمُ سفيان ومن تقدَّم من عُلماء الأمصار كعِلم أحمد بن حنبل، لأنه كان أجمع لها (١)، وأبصر بأغاليطهم وصدوقهم وكذوبهم، قال: ولقد بلغني عن بشر بن الحارث أنه قال: قام أحمد (٢) مقام الأنبياء، وأحمد عندنا امتُحِنَ بالسَّرَّاء والضَّرَّاء، وكان فيهما معتصمًا بالله.
قال أبو يحيى الناقدُ: كنَّا عند إبراهيم بن عَرْعَرَةَ، فذكروا علي بن عاصم، فقال رجلٌ: أحمد بن حنبل يُضعِّفُه. فقال رجل: وما يضره إذا كان ثقةً؟ فقال ابن عرعرة: والله لو تكلم أحمد في علقمة والأسود لضَرَّهُما.
وقال الحُنَيْنِي: سمعت إسماعيل بن الخليل، يقول: لو كان أحمد ابن حنبل في بني إسرائيل، لكان آية.
وعن علي بن شعيب، قال: عندنا المثل الكائن في بني إسرائيل، من أنَّ أحدهم كان يُوضَعُ المنشار على مفرِقِ رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه (٣). ولولا أن أحمد قام بهذا الشأن، لكان عارًا علينا أن قومًا سُبكوا
_________________
(١) في (ب): بها.
(٢) في (ب): أحمد بن حنبل.
(٣) تقدم تخريجه في هذا الجزء ص ٢٦٩.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
فلم يخرج منهم أحدٌ.
قال ابن سَلْم: سمعت محمد بن نصر المروزي (١)، يقول: صِرتُ إلى دار أحمد بن حنبل مرارًا، وسألته عن مسائل، فقيل له: أكان أكثر حديثًا أم إسحاق؟ فقال: بل (٢) أحمد أكثر حديثًا وأورع. أحمد فاق أهل زمانه.
قلت: كان أحمد عظيم الشأن، رأسًا (٣) في الفقه، وفي الحديث، وفي التألُّهِ، أثنى عليه خلقٌ من خصومِهِ، فما الظن بإخوانه وأقرانه؟!!
وكان مَهِيبًا في ذات الله، حتى لقال أبو عبيد: ما هِبْتُ أحدًا في مسألةٍ، ما هبت أحمد بن حنبل.
وقال إبراهيم الحربي: عالم وقته سعيد بن المسيب في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه، وأحمد بن حنبل في زمانه.
قرأت على إسحاق الأسدي: أخبركُم ابن خليل، أخبرنا اللبان، عن أبي علي الحدَّاد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا أبو بكر بن مالك، حدثنا (٤) محمد بن يونس، حدثني سليمان الشاذكوني، قال: يُشَبَّه عليُّ بن المديني بأحمد بن حنبل؟ أيهات!! ما أشبه السُّك (٥) باللُّك (٦). لقد
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: المروذي.
(٢) ساقطة من (د).
(٣) في (د): كان رأسًا.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) تصحفت في (ج) إلى: الشك.
(٦) السكُّ: ضرب من الطيب. واللّك -بالفتح-: صبغ أحمر يُصبغ به، -وبالضم-: ثقله أو عصارته.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
حضرتُ من وَرَعِه شيئًا بمكة: أنه أرهن سطلًا عند فامِيَّ (١)، فأخذ منه شيئًا لِيَقوتَه. فجاء، فأعطاه فِكَاكه، فأخرج إليه سطلين، فقال: انظُر أيُّهما سطلُك؟ فقال: لا أدري أنت في حِلٍّ منه، ومما أعطيتك، ولم يأخذه. قال الفامي: والله إنه لسطلُه، وإنما أردت أن أمتحنه فيه.
وبه (٢) إلى أبي نعيم حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الأبار: سمعت محمد بن يحيى النيسابوري، حين بلغه وفاة أحمد، يقول: ينبغي لكلِّ أهل دارٍ ببغداد أن يُقيموا عليه النياحةَ في دورهم.
قلت: تكلَّم الذُّهلي بمقتضى الحُزن لا بمقتضى الشرع (٣).
قال أحمد بن القاسم المقرىء: سمعت الحسين الكرابيسي، يقول: مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل مَثَلُ قومٍ يجيئون إلى أبي قُبَيْسٍ (٤) يُريدون أن يَهدِمُوه بنعالهم.
الطبراني: حدثنا إدريس بن عبد الكريم المقرىء، قال: رأيتُ علماءنا مثل الهيثم بن خارجة، ومُصعبٍ الزُّبيري، ويحيى بن معين،
_________________
(١) أي: بائع الفوم، أي: الحِمّص.
(٢) أي: بالسند السابق، وتحرف في الأصول إلى: " ونسبه ".
(٣) لأن الشرع قد نهى عن النياحة، وعدها من صنيع الجاهلية. فقد أخرج مسلم في " صحيحه " (٦٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت ". وأخرج البخاري (١٢٩٤) و(١٢٩٧) و(١٢٩٨) و(٣٥١٩) من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ليس منَّا من ضَرَبَ الخُدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ". وأخرج مسلم (٩٣٤) من طريق أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قَطِران ودرعٌ من جرب ".
(٤) هو اسم الجبل المشرف على مكة، وهو مواجه جبل قُعَيْقِعَان، وبينهما مكة، أبو قبيس من جهة الشرق، وقعيقعان من جهة الغرب.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
وأبي بكرٍ بن أبي شيبة، وأخيه، وعبد الأعلى بن حماد، وابن أبي الشوارب، وعليِّ بن المديني، والقواريري، وأبي خيثمة، وأبي معمرٍ، والوَرْكاني، وأحمد بن محمد بن أيوب، ومحمدِ بن بكَّار، وعمرٍو الناقد (١)، ويحيى بن أيوب المقابري، وسُريجٍ (٢) بن يونس، وخلف بن هشام، وأبي الربيع الزهراني، فيمن لا أُحصيهم، يُعظِّمون أحمد ويُجِلُّونه ويُوَقرونه ويُبَجِّلُونَه ويقصدونه للسلام عليه.
قال أبو علي بن شاذان: قال لي محمد (٣) بن عبد الله الشافعي: لمَّا مات سعيد بن أحمد بن حنبل، جاء إبراهيم الحربيُّ إلى عبد الله بن أحمد، فقام إليه عبد الله، فقال: تقومُ إليَّ؟ فقال: والله لو رآك أبي، لقامَ إليك، فقال إبراهيمُ: والله لو رأى ابنُ عيينة أباك، لقام إليه.
قال محمد بن أيوب العُكْبَري: سمعت إبراهيم الحربي، يقول: التابعون كلهم وآخرهم أحمد بن حنبل -وهو عندي أجَلُّهم- يقولون: من حلف بالطلاق أن لا يفعل شيئًا ثم فعله ناسيًا، كلهم يُلزِمُونَه الطلاق.
وعن الأثرم، قال: ناظرت رجلًا، فقال: من قال بهذه المسألة؟ قلت: من ليس في شرقٍ ولا غربٍ مثلُه، قال: من؟ قلتُ: أحمد بن حنبل.
وقد أثنى على أبي عبد الله جماعةٌ من أولياء الله، وتبرَّكُوا به، روى
_________________
(١) في (ب): " وعمرو والناقد " وهو خطأ.
(٢) تصحف في (ب) و(ج) و(د) إلى: شريح.
(٣) في (ب): قال أحمد.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
ذلك أبو الفرج بن الجوزي، وشيخ الإسلام (١) ولم يصح سند بعض ذلك.
أخبرنا إسماعيل بن عُمَيرة، أخبرنا ابن قدامة (٢)، أخبرنا أبو طالب بنُ خُضَير، أخبرنا أبو طالب اليُوسُفي، أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، أخبرنا عليُّ بن عبد العزيز، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا أبو زُرعة، وقيل له: اختيار أحمد وإسحاق أحبُّ إليك أم قول الشافعي؟ قال: بل اختيار أحمد وإسحاق، ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحدًا أجمع منه.
في فضلِهِ وتألُّهِهِ وشمائله:
وبه قال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد، قال: دخلت على أبي يومًا أيام الواثق -والله أعلم على أيِّ حال نحن- وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لِبْدٌ يجلِسُ عليه، قد أتى عليه سنون كثيرةٌ حتى بَلِيَ، وإذا تحته كتاب كاغَدٌ (٣) فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضِّيق، وما عليك من الدَّين، وقد وجَّهتُ إليك بأربعة (٤) آلاف درهم على يدي فلانٍ، وما هي من صدقة ولا (٥) زكاةٍ، وإنما هو (٦) شيءٌ وَرِثْتُهُ من أبي. فقرأت الكتاب، ووضعتُه. فلما دخل، قلت: يا أبة، ما هذا
_________________
(١) هو موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالحي، المتوفى سنة ٦٢٠ هـ.
(٢) قوله: " أخبرنا ابن قدامة " ساقط من (ب).
(٣) أي: قرطاس، وهو فارسي معرب.
(٤) في (ب): أربعة.
(٥) في (ب): ولا من.
(٦) في (ب): هو من.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
الكتاب؟ فاحمَرَّ وجهُه، وقال: رفعتُه منك. ثم قال: تذهب بجوابه (١)؟ فكتب إلى الرجل: وَصَلَ كتابُك إليَّ، ونحن في عافيةٍ. فأما الدَّين، فإنه لرجلٍ لا يُرهِقُنا، وأما عيالُنا، ففي نعمة الله. فذهبتُ بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فلما كان بعد حين، ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فرد عليه (٢) بمثل ما ردَّ (٣). فلما مضت سنةٌ أو نحوها، ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها، كانت (٤) قد ذهبت.
وشهدت ابن الجَرَوِيِّ، وقد جاء بعد المغرب، فقال لأبي: أنا رجلٌ مشهور، وقد أتيتُك في هذا الوقت (٥)، وعندي شيءٌ قد اعتدتُه لك (٦)، وهو ميراثٌ، فأُحِبُّ أن تقبله، فلم يزل به. فلمَّا أكثر عليه، قام ودخل. قال صالح: فأُخبرتُ عن ابن الجروي أنه قال: قلت له: يا أبا عبدِ الله، هي ثلاثة آلاف دينار. فقام وتركني.
قال صالح: ووجَّه رجلٌ من الصين بكَاغَدٍ صيني إلى جماعةٍ من المحدثين، ووجَّه بِقِمَطْرٍ (٧) إلى أبي، فردَّه، ووُلِدَ لي مولودٌ فأهدى صديقٌ لي شيئًا. ثم أتى على ذلك أشهرٌ، وأراد الخروج إلى البصرة، فقال لي: تُكَلِّمُ أبا عبد الله يكتب لي إلى المشايخ بالبصرة؟ فكلَّمتُه فقال: لولا أنَّهُ أهدى إليك، كنت أكتب له.
_________________
(١) في " السير ": لجوابه.
(٢) " ذلك فرد عليه بمثل " ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): ورد.
(٤) سقطت من (ب).
(٥) " في هذا الوقت " مكرر في (ب).
(٦) تحرفت في (ب): بلك.
(٧) وهو ما يُصَان فيه الكتب.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
وبه قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، قال: بَلَغني أن أحمد بن حنبل رَهَنَ نعلَه (١) عند خَبَّازٍ باليمن، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه، وعَرَضَ عليه عبدُ الرزاق دراهم صالحة، فلم يقبَلُها.
وَبَعَثَ ابنُ طاهر حين مات أحمد بأكفانٍ وحَنوط، فأبَى صالح أن يقبَلَه، وقال: إنَّ أبي قد أعدَّ كفنَه وحنوطَه، وردَّه (٢)، فراجعه، فقال (٣): إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد الله ممَّا يكرَهُ، وهذا مما يكرَهَهُ (٤)، فلستُ أقبله.
وبه: حدثنا صالحٌ، قال: [قال] (٥) أبي: جاءني يحيى بن يحيى قال أبي: وما أخرجت خُراسانُ بعد ابن المبارك رجلًا (٦) يُشْبِهُ يحيى بن يحيى - فجاءني ابنه، فقال: إن أبي أوصى بِمَبْطَنَة له (٧) لك، قال: يذكرُني بها. قلت: جِيءْ بها، فجاء برُزمةِ ثياب، فقلتُ له: اذهب رَحِمَكَ الله، يعني: ولم يَقْبَلْها.
قلت: وقيل: إنَّه أخَذَ منها ثوبًا واحدًا.
وبه: قال: حدثنا صالحٌ، قال: قلت لأبي: إنَّ أحمد الدَّوْرَقي أُعطيَ ألف دينار، فقال: يا بُني: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
_________________
(١) في المطبوع من " الجرح والتعديل " ١/ ٣٠١: بغلًا له.
(٢) في (ب): فردَّه.
(٣) في (ب): وقال.
(٤) " وهذا ممَّا يكرهه " ساقط من (ب).
(٥) زيادة من " السير ".
(٦) في (ب) و(د): من.
(٧) " له " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٠١ ]
وبه: قال: حدثنا (١) أبي، حدثنا (١) أحمد بن أبي الحواري، حدَّثني عُبيد القاري، قال: دَخَلَ على أحمد عمُّه، فقال: يا ابن أخي، أيش هذا الغَمُّ؟ أيشٍ هذا الحزنُ؟ فرفع رأسه، وقال: يا عمُّ، طُوبى لمن أخملَ الله ذكره.
وبه: سمعتُ أبي يقول: كان أحمد إذا رأيته، تعلمُ أنَّه لا يُظهِرُ النُّسُك، رأيت عليه نعلًا لا يُشْبِهُ نعال القُراءِ، له رأس كبيرٌ معقد، وشِراكُه مُسبَلٌ، ورأيت عليه إزارًا وجُبَّة بُرد مخططة. أي: لم يكن بزيِّ القُرَّاء.
وبه: حدثنا صالح: قال لي أبي: جاءني أمسِ رجلٌ كنت أُحِبُّ أن تراه، بينا أنا قاعدٌ في نحرِ الظهيرة، إذ برجل سلَّم بالباب، فكأنَّ قلبي ارتاح، ففتحتُ، فإذا برجلٍ عليه فَروة، وعلى رأسه خِرقةُ، ما تحت فروه قميصٌ، ولا مَعَه رَكْوةٌ ولا جِراب ولا عُكَّازٌ، لقد لَوَّحته الشمسُ. فقلت: ادخُلْ، فَدَخَلَ الدهليز، فقلت: مِنْ أين أقبلت؟ قال: من ناحية المشرق، أريد الساحل، ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد، نويتُ السلام عليك. قُلتُ: على هذه الحال؟ قال: نعم. ما الزهد في الدنيا؟ قلت: قصر الأمل، قال: فجعلت أعجب منه، فقلت في نفسي: ما عندي ذهبٌ ولا فضة. فدخلت البيت فأخذت أربعة أرغفةٍ، فخرجت إليه، فقال: أوَيَسُرُّك أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله؟ قلت: نعم، فأخذها، فوضعها تحت حِضنه، وقال: أرجو أن تكفيني إلى الرقة (٢). وأستودعك الله. فكان يذكره كثيرًا.
_________________
(١) في (د): أخبرنا.
(٢) "الواو" ساقطة من (د).
[ ٤ / ٣٠٢ ]
وبه (١): كتب إليَّ عَبْدُ اللهِ بن أحمد: سمعتُ أبي (٢)، وذكرَ الدنيا، فقال: قليلُها يجزئُ، وكثيرُها لا يجزئُ، وقال أبي: وقد ذكرَ عنده الفقر فقال: الفقيرُ معَ الخيرِ.
وبه: حدثنا صالح، قال: أمسكَ أبي عن مُكاتبةِ ابن راهَويه، لما أَدخَل كتابه إلى عبدِ الله بن طاهر وقَرأَه.
وبه قال: ذكر عبدُ الله بن أبي عمر البكري، سمعتُ عبد الملك بن عبد الحميد الميموني (٣)، قال: ما أعلم أنِّي رأيت أحدًا أنظفَ بدنًا، ولا أشدَّ تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعرِ رأسه وشعرِ بَدَنه، ولا أَنْقَى ثوبًا بشدة (٤) بياضٍ، من أحمد بن حنبل ﵁. كان ثيابُه بين الثوبين، تَسوَى مَلْحَفَتُه خمسةَ عشر درهمًا، وكان ثوبُ قميصه يُؤخذ بالدينارِ ونحوه، لم يكن له دِقة تُنكر، ولا غِلظُ ينكر، وكانت مَلْحَفَتُه مهذبةً.
وبه حدثنا صالح، قال: ربَّما رأيت أبي يأخذ الكِسر، ينفض الغبار عنها، ويصيَّرها في قَصعةٍ، ويصُبُّ عليها ماءً، ثم يأكلها بالمِلحِ، وما رأيته اشترى رُمَّانًا ولا سفرجلًا ولا شيئًا من الفاكهة، إلاَّ أن يكون بطيخة فيأكلها بخبزٍ وعِنبًا وتمرًا.
وقال لي: كانت والدتك في الغلاء (٥) تغزِل غزلًا دقيقًا، فتبيع
_________________
(١) في (ب): وبه إلى.
(٢) "الواو" ساقطة من (ب).
(٣) تحرفت في (ب) إلى: اليموني.
(٤) في (ب): شدة.
(٥) تحرف في " السير " ١١/ ٢٠٩ إلى الظلام، وجاء على الصواب في ١١/ ٣٢٤، و" الجرح والتعديل " ١/ ٣٠٤.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
الأستار بدرهمين (١) أقلَّ أو أكثر، وكان ذلك قوتنا، وكنا إذا اشترينا الشيء، نستره عنه كيلا يراه، فيُوبِّخُنا (٢)، وكان ربما خُبِزَ له، فيجعل في فخَّارة عدسًا وشحمًا وتمرات شِهريز (٣)، فيجيء الصِّبيان، فيصوِّتُ ببعضهم، فيدفعه إليهم، فيضحكون ولا يأكلون. وكان يأتدِمُ بالخلِّ كثيرًا.
قال: وقال أبي: إذا لم يكن عندي قطعة، أفرح.
وكان إذا توضَّأ لا يدعُ من يستقي له، ورُبَّما اعتللت فيأخذ قدحًا فيه ماء، فيقرأ فيه، ثم يقول: اشرب منه، واغسِلْ وجهَكَ ويديك.
وكانت له قلنسُوةٌ خاطَها بيده، فيها قُطن، فإذا قام بالليل لَبِسَهَا.
وكان ربما أخذ القدوم، وخرج إلى دار السكان، يعملُ الشيء بيده، واعتل فيعالج.
وكان ربما خرج إلى البقَّال، فيشتري الجُرزَةَ الحطب والشيء، فيحملُه بيده.
وكان يتنوَّر في البيت. فقال لي في يوم شتوي: أريدُ أدخلُ الحمامَ بعد المغرب، فقل لصاحب الحمام. ثم بعث إليَّ: إني قد أضربتُ عن الدخول. وتنوَّر في البيت.
وكنث أسمعُه كثيرًا يقول: اللهمَّ سلِّم سلِّم.
_________________
(١) في (ب): بدرهمين أو.
(٢) في (ب): يوبخنا.
(٣) والشهريز - بالضم. والكسر، وبالسين المهملة أو بالشين المعجمة: نوع من التمر.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
وبه حدثنا أحمد بن سنان، قال: بعثت إلى أحمد بن حنبل حيث كان عندنا أيام يزيد جَوْزًا ونَبْقًا (١) كثيرًا، فقَبِلَ، وقال: لي كل هذا؟
قال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبي، وذكر عنده الشافعي ﵀، فقال: ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه، ثم قال عبد الله: كل شيء في كتاب الشافعي أخبرنا الثقة فهو عن أبي.
الخلال: حدثنا المروذي، قال: قَدِمَ رجل من الزهاد، فأدخلته على أحمد، وعليه فروٌ خَلَقٌ، وخُرَيْقَة على رأسه وهو حافٍ في بَرد شديد، فسلَّم، وقال: يا أبا عبد الله، قد جئتُ من موضعٍ بعيد، ما أردت إلاَّ السلام عليك، وأريدُ عبَّادان، وأريد أن أنا رجعت، أسلِّم عليك. فقال: إن قُدِّر. فقام الرجل وسلم (٢)، وأبو عبد الله قاعد، فما رأيت أحدًا قام من عند أبي عبد الله، حتى يقوم هو إلاَّ هذا الرجل، فقال لي أبو عبد الله: ما ترى ما أشبهه بالأبدال، أو قال: إني لأذكر به الأبدال، وأخرج إليه أبو عبد الله أربعة أرغفة مشطورة بكامخ (٣)، وقال: لو كان عندنا شيءٌ، لواسيناك.
وأخبرنا المروذي: قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعي لك! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا، بأيِّ شيء هذا؟ قلت له (٤): قدم رجل من طرسوس، فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هَدَأَ الليل، رفعوا
_________________
(١) النَّبْق: هو ثمر السِّدْر.
(٢) في (ب): فسلم.
(٣) في الأصول: " كافح "، والمثبت من " السير "، وهو بفتح الميم: نوعٌ من الأدْم، معرب.
(٤) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٠٥ ]
أصواتهم بالدُّعاء، ادعوا لأبي عبد الله، وكنا نمُدُّ المنجنيق، ونرمي عن أبي عبد الله. ولقد رُمي عنه بحجرٍ، والعِلج على الحصن متترسٌ بدَرَقَة فذهب برأسه وبالدِّرَقَةِ (١) فتغيَّر وجهُ أبي عبد الله، وقال: ليته لا يكون استدراجًا. قلت: كلا.
وعن رجلٍ قال: عندنا بخراسان يظنُّون أن أحمد لا يُشبِهُ البشر، يظنون أنه من الملائكة.
وقال آخر: نظرةٌ عندنا (٢) من أحمد تعدِلُ عبادة سنة.
قلت: هذا غلوُّ لا ينبغي، لكن الباعث له حبُّ ولي الله في الله.
قال المرُّوذي: رأيت طبيبًا نصرانيًا خرج من عند أحمد ومعه راهبٌ، فقال: إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله.
وأدخلت نصرانيًا على أبي عبد الله، فقال له: إنِّي لأشتهي أن أراك منذ سنين. ما بقاؤك صلاحٌ للإسلام وحدَهم، بل للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحدٌ إلاَّ وقد رَضِيَ بك. قلتُ لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار. فقال: يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه، فما ينفعه كلام الناس.
قال عبد الله بن أحمد: خَرَجَ أبي إلى طرسوس ماشيًا، وحجَّ حجتين أو ثلاثًا (٣) ماشيًا، وكان أصبر الناس على الوحدة، وبِشْرٌ لم يكن يصبر على الوحدة. كان يخرج إلى ذا وإلى ذا.
_________________
(١) في (د): وبدرقة.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): " ثلاث "، وهو خطأ.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
قال عباس الدوري: حدثنا علي بن أبي فزارة (١) جارنا، قال: كانت أمي مُقعدةً من نحو عشرين سنة. فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل، فسله أن يدعو لي، فأتيت، فدقَقْتُ عليه وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ فقلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء. فسمعت كلامه كلام رجلٍ مُغضبٍ. فقال: نحن أحوج أن تدعوا الله لنا، فولَّيت منصرفًا. فخرجتْ عجوز، فقالت: قد تركته يدعو لها. فجئت إلى بيتنا فدقَقْتُ الباب، فخرجت أمي تمشي على رجليها (٢).
هذه الواقعةُ نقلها ثقتان عن عباس.
قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يُصلِّي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة. فلمَّا مَرِضَ من تلك الأسواط، أضعفته، فكان يُصلي كُلَّ يوم وليلة مئةً وخمسين ركعة.
وعن أبي إسماعيل الترمذيِّ: قال: جاء رجلٌ بعشرة آلاف من ربح تجارته إلى أحمد فردَّها. وقيل: إن صيرفيًا بذل له (٣) خمس مئة دينار، فلم يقبل.
ومن آدابه:
وقال المروذي: قال لي أحمد: ما كتبت حديثًا إلاَّ وقد عملت به حتى مرَّ بي أن النبي - ﷺ - احتجمَ وأعطى أبا طيبة دينارًا فأعطيت الحجام
_________________
(١) كذا الأصول، وفي هامش " السير " وهامش (أ): " حزارة خ "، وفوق الكلمة في (ج): حرارة.
(٢) في (د): و" السير ": " على رجليها تمشي ".
(٣) " له " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٠٧ ]
دينارًا حين احتجمتُ (١)
وقال: رأيت أبا عبد الله قد ألقى (٢) لِخَتَّانٍ درهمين في الطست.
وقال عبد الله: ما رأيت أبي حدَّث من غير كتابٍ إلاَّ بأقل من مئة حديثٍ. وسمعت أبي يقول: قال الشافعي: يا أبا عبد الله: إذا صحَّ عندكم الحديث، فأخبرونا حتى نرجع إليه، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبرٌ صحيح، فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا.
قلت: لم يحتج إلى أن يقول حجازيًا، فإنه كان بصيرًا بحديث الحجاز، ولا قال مصريًا، فإن غيرهما كان أقعد بحديث مصر منهما ..
الطبراني: حدثنا موسى بن هارون: سمعت ابن راهويه، يقول: لما خرج أحمد (٣) إلى عبد الرزاق، انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وعرض عليه أصحابه المواساة فلم يأخذ.
_________________
(١) أخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٩٧٤، والبخاري (٢١٠٢) و(٢٢١٠) و(٢٢٧٧) و(٢٢٨١) و(٥٦٩٦)، ومسلم (١٥٧٧) والبغوي (٢٠٣٥)، كلهم من طرق عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: حجم رسول الله - ﷺ - أبو طَيْبة، فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه. وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٧٢، والترمذي (١٢٧٨)، وأبو داود (٣٤٢٤)، وأحمد ٣/ ١٠٠ و١٧٤ و١٨٢ والطحاوي في " شرح معاني الآثار" ٤/ ١٣١. وفي بعض هذه الروايات: " فأمر له بصاع من طعام "، وفي بعضها: " بصاع من شعير " وفي بعضها: " بصاعين من طعام "، ولم يرد فيها أنه أعطاه دينارًا.
(٢) في الأصول: " أكفى "، والمثبت من " السير ".
(٣) في (ب): أحمد بن حنبل.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
أبو نعيم: حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا شاكر بن جعفر، سمعت أحمد بن محمد التستري، يقول: ذكروا أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما طَعِمَ فيها، فبعث إلى صديق له، فاقترض منه دقيقًا، فجهَّزوه بسرعة، فقال: كيف ذا؟ فقالوا: تنَّورُ صالح مُسْجَرٌ، فخبزنا فيه، فقال: ارفعوا، وأَمَرَ بسدِّ بابٍ بينه وبين صالح.
قلت: لكونه أخذ جائزة المتوكل.
قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء ممَّا كان فيه من الخير.
قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يقرأُ كُلَّ يوم سُبعًا، وكان ينامُ بعد العشاء نومةً خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يُصلِّي ويدعو.
وقال صالح: كان أبي إذا دعا له رجلٌ، قال: ليس يحرز الرجل المؤمن إلاَّ حفرته، الأعمال بخواتيمها. وقال لي في مرضه: أخرج كتاب عبد الله بن إدريس، فقال: اقرأ عليَّ حديث ليث: إنَّ طاووسًا كان يكره الأنين في المرض. فما سمعتَ لأبي أنينًا حتى مات .. وسمِعَه ابنه عبد الله يقول: تمنيت الموت: وهذا أمر أشدُّ عليَّ من ذاك، ذاك فتنةُ الضرب والحبس، كنت أحملُه، وهذه فتنةُ الدنيا.
قال أحمد الدورقي: لما قَدِمَ أحمد بن حنبل من عند عبد الرزاق، رأيتُ به شُحوبًا بمكة. ولد تبيّن عليه النَّصبُ والتَّعَبُ، فكلمته، فقال: هيِّن فيما استفدنا من عبد الرزاق.
قال عبد الله: قال أبي: ما كتبنا عن عبد الرزاق من حفظه إلاَّ المجلس الأول، وذلك أنا دخلنا بالليل، فأملى علينا سبعين حديثًا. وقد
[ ٤ / ٣٠٩ ]
جالس مَعْمَرًا تسع سنين. وكان يكتبُ عنه كل ما يقول.
.. قال عبد الله: من سمع من عبد الرزاق بعد المئتين، فسماعه ضعيفٌ.
قال موسى بن هارون: سُئِلَ أحمد: أين نطلب البدلاء؟ فسكت ثم قال: إن لم يكن من أصحاب الحديث فلا أدري.
قال المروذي: كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت، خَنَقَتْه العبرة، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرت الموت، هان على كلُّ (١) أمر الدنيا، إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباس دون لباس، وأيام (٢) قلائل. ما أعدِل بالفقرِ شيئًا. ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكرٌ.
وقال: أريد أن أكون في شِعْبٍ بمكة حتى لا أعرف، قد بُليتُ بالشهرة، إني أتمنى الموت صباحًا ومساءً.
قال (٣) المروذي: وذكر لأحمد أن رجلًا يريد لقاءه، فقال: أليس قد كره بعضهم اللقاء يتزين لي وأتزين له (٤). وقال: لقد استرحت (٥)، ما
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (أ) و(د): " وأنا أيام "، وفي " السير ": " وإنَّها أيام ".
(٣) في (د): وقال.
(٤) اللقاء الذي لم يركب فيه الإمام أحمد هو الذي يراد منه ذيوع الصيت والتكلف، أمَّا لقاء الناس لتعليمهم ما جهلوا من أمر دينهم، وإسداء النصح لهم، وصلة أرحامهم، وزيارتهم في المناسبات المشروعة، فهو ممَّا يرتضيه ويرغب فيه، لأن ذلك ممَّا يحمده الشرع، ويحثُّ عليه. فقد روى الإمام أحمد ٢/ ٤٣، وابن ماجة (٤٠٣٢)، والترمذي (٢٥٠٧) بسند قوي من حديث ابن عمر مرفوعًا: " المؤمن الذي يُخالطُ الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطُ الناس، ولا يصبر على أذاهم ".
(٥) في (ب): أشرحت، وبقية الأصول: " انشرحت "، والمثبت من " السير ".
[ ٤ / ٣١٠ ]
جاءني الفرجُ إلاَّ منذ خلفتُ أن لا أحدِّث، وليتنا نُترَكُ، الطريق ما كان عليه بِشرُ بن الحارث. فقلت له: إنَّ فلانًا، قال: لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها، قال: زَهِدَ في الناس. فقال: ومن أنا حتى أزهَدَ في الناس؟ الناس يريدون أن يزهدوا فيَّ.
وسمعتُه يكرهُ للرجل النوم بعد العصر، يخاف على عقله (١).
وسُئِلَ عن القراءة بالألحان، فقال: هذه بدعةٌ لا تُسمع.
قال الخلال: عن زهير بن صالح: كان لي أخٌ أصغر مني اسمه علي، فأراد أبي أن يَخْتِنه، فاتَّخذ له طعامًا كثيرًا، ودعا قومًا، فوجَّه إليه جدي: إنك قد أسرفت، فابدأ بالضعفاء والفقراء. فلما أن كان من الغد، وحضر الحجَّام، وحضر أهلُنا، جاء جدي، وأخرج صُرّةً، فدفعها إلى الحجام، وقام فنظر الحجَّام في الصُّرَّة، فإذا درهم واحد، وكنا قد رفعنا كثيرًا من الفُرُش.
قال الميموني: كثيرًا ما كنت أسأل أبا عبد الله من الشيء، فيقول: لبَّيك لبيك.
وعن المروذي: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد. كان مائلًا إليهم، مُقصرًا عن أهل الدنيا، وكان فيه حِلْمٌ، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع تَعْلوه السكينةُ والوقارُ. وإذا جلس [في مجلسه بعد العصر] للفُتيا لا يتكلمُ حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدَّر.
_________________
(١) لم يثبت هذا في نص يُعَوَّلُ عليه.
[ ٤ / ٣١١ ]
قال عبد الله: رأيت أبي حرَّج على (١) النمل أن يُخْرَجوا من داره، فرأيت النمل قد خرجن بعدُ نملًا سُودًا، فلم أرهم بعد ذلك.
ومن كرمه:
الخلال: حدثنا عبد الله قال أبو سعيد بن أبي حنيفة المؤدِّب: كنت آتي أباك فيدفع إليَّ الثلاثة دراهم وأقل وأكثر ويقعدُ معي، فيتحدث، وربما أعطاني الشيء، ويقول: أعطيتك نصف ما عندنا. فجئت يومًا، فأطلت القعود أنا وهو. قال: ثم خرج ومعه تحت كسائه أربعة أرغفة.
فقال: هذا نصف ما عندنا. فقلت: هي أحبُّ إليَّ من أربعة آلاف من غيرك.
وقال هارون المستملي: لقيت أحمد فقلت: ما عندنا شيء.
فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها.
قال المروذي: رأيت أبا عبد الله قد وهب لرجل قميصه، وكان ربما واسى من قُوتِه. وكان إذا جاءه أمرٌ يُهِمُّه من أمر الدنيا، لم يُفطر وواصل.
وجاءه أبو سعيد الضرير، وكان قال (٢) قصيدة في ابن أبي دواد، فشكا إلى أبي عبد الله، فقال: يا أبا سعيد، ما عندنا إلاَّ هذا الجَذَع.
فجيء بحمَّال، قال فبِعْتُه بتسعةِ دراهم ودانِقين. وكان أبو عبد الله شديد الحياء، كريم الأخلاق، يُعجِبُه السَّخاء.
قال المروذي: سمعتُ أبا الفوارس ساكن (٣) أبي عبد الله، يقول:
_________________
(١) في (ب): إلى.
(٢) في (د): قد قال.
(٣) في هامش (أ) و(د): يريد ساكن دار أبي عبد الله كذا.
[ ٤ / ٣١٢ ]
قال لي أبو عبد الله: يا محمدُ، ألقى الصبيُّ المقراض في البئر، فنزلتُ فأخرجته. فكتب إلى البقَّال: أعطه نصف درهم. قلت: هذا لا يسوى قيراط. والله لا أخذته. قال: فلما كان بعد، دعاني، فقال: كم عليك من الكِراء؟ قلت: ثلاثة أشهر. قال: أنت في حِلٍّ.
الخلال: حدثنا الميموني ما رأيتُ أبا عبد الله عليه طيلسان قط، ولا رداء (١)، إنما هو إزارٌ صغير.
وقال الفضل بن زياد: ربما لَبِسَ القلنسوة بغير عمامة.
قال أبو داود: كنت أرى إزاره محلولة، ورأيتُ عليه من النعال والخفافِ غيرَ زوجٍ، فما رأيتُ فيه مخصرًا، ولا شيئًا (٢) له قبالان (٣).
الخلال: حدثنا محمد بن الحسين، أن أبا بكر المروذي حدثهم في آداب أبي عبد الله، قال: كان لا يجهل، وإن جُهِلَ عليه حَلُم واحتمل ويقول: يكفي الله، ولم يكن بالحقود ولا العَجُول، كثيرُ التواضع، حسن الخلق، دائم البشر، لينُ الجانب، ليس بِفَظٍّ، وكان يُحبُّ في الله، ويبغضُ في الله، وإذا كان في أمرٍ من الدين اشتدَّ له غضبه، وكان يحتمل الأذى من الجيران.
وسرد الخلاَّل حكاياتٍ فيمن أهدى إلى أحمد، فأتى به بأكثر من هَدِيَّته.
قال الخلال: حدَّثنا أحمد (٤) بن جعفر بن حاتم، حدثني محمد بن
_________________
(١) في (ب) و(د): رداءًا.
(٢) في " الأصول " و" السير ": " ولا شيءٌ ".
(٣) مثنى قِبال، وهو الزمام، أو ما كان قُدَّام عقد الشراك.
(٤) في " السير ": إبراهيم.
[ ٤ / ٣١٣ ]
الحسن بن الجُنيد، عن هارون بن سفيان المستملي، قال: جئت إلى أحمد بن حنبل حين أراد أن يفرق الدراهم التي جاءته من المتوكل، فأعطاني مئتيّ درهم. فقلت: لا تكفيني. قال: ليس هنا غيرها، ولكن هوذا، أعمل بك شيئًا أعطيك ثلاث مئةٍ تُفرِّقُها. قال: فلما أخذتها، قلت: ليس والله أعطي أحدًا منها شيئًا، فتبسم.
قال عبد الله: ما رأيت أبي دخل الحمَّام قَطُّ.
الخلال: حدثنا عبد الله بن حنبل: حدثني أبي، قال [قيل] لأبي عبد الله لما ضُرِبَ وبرىء، وكانت يدُه وَجِعَة، وكانت تضرب عليه، فذكروا له الحمَّام، وألحُّوا عليه، فقال لأبي (١): كلِّم صاحب الحمام يُخليه لي، ففعل ثم امتنع، وقال: ما أريد أن أدخل الحمام.
وقال المروذي: رأيتُ أبا عبد الله يقوم لورده قريبًا من نصف الليل حتى يقارب السحر، ورأيتُه ركع فيما بين المغرب والعشاء.
وقال عبد الله: ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوامٍ بأسمائهم، وكان يكثر الدعاء ويُخفيه، ويُصلي بين العشاءين. فإذا صلَّى عشاء الآخرة، رَكَعَ ركعاتٍ صالحة، ثم يوتر وينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيُصلي. وكانت قراءته لينةً، ربما لم أفهم بعضها. وكان يصوم ويُدْمِنُ، ثم يُفطر ما شاء الله. ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض، فلما رجع من العسكر، أدمن الصوم إلى أن مات.
_________________
(١) في (ب): " أبي " وهو خطأ.
[ ٤ / ٣١٤ ]
تركه للجهات جُملةَ:
عن محمد بن يحيى خادم المُزني عنه، قال: قال الشافعي: لما دخلت على الرشيد، قال: اليمن يحتاج إلى حاكم، فانظُر رجلًا نُوليه، فلما رجع الشافعي إلى مجلسه، ورأي أحمد بن حنبل من أمثلهم، كلمه في ذلك، وقال: تهيَّأ حتى أُدخِلَك على أمير المؤمنين. فقال: إنما جئت لأقتبس منك العلم، وتأمُرني أن أدخل في القضاء، ووبخه. فاستحيا الشافعي.
قلت: إسنادها مظلمٌ.
قال ابن الجوزي: قيل: كان هذا في زمان الأمين.
وأخبرنا ابن ناصر، أخبرنا عبد القادر، أخبرنا البرمكي، أخبرنا أبو بكر عبد العزيز، أخبرنا الخلاَّل، أخبرني محمد بن أبي هارون، حدثنا الأثرم، قال: أخبرتُ أن الشافعي قال لأبي عبد الله: إن أمير المؤمنين، يعني، محمدًا، سألني أن ألتمس له (١) قاضيًا لليمن، وأنت تحب الخروج إلى عبد الرزاق، فقد نِلتَ حاجتك، وتقضي بالحق، فقال للشافعي: يا أبا عبد الله، إن سمعتُ هذا منك ثانية، لم تَرَني عندك.
فظننت أنه كان لأبي عبد الله ثلاثون (٢) سنة، أو سبع وعشرون (٣) سنة.
الصَّنْدلي: حدثنا أبو جعفر الترمذي، أخبرنا عبد الله بن محمد البلخي أن الشافعي كان كبيرًا عند محمد بن زُبَيْدة، يعني: الأمين، فذكر
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في " الأصول " و" السير ": " ثلاثين "، والجادة ما أثبت.
(٣) في غير (ج) " سبعًا وعشرين ".
[ ٤ / ٣١٥ ]
له محمد يومًا اغتمامه برجلٍ يصلح للقضاءِ صاحب سنة. قال: قد وجدت. قال: ومن هو؟ فذكر أحمد بن حنبل. قال: فلقيه أحمد، فقال: أخْمِل هذا وأعفني، وإلاَّ خرجتُ من البلد.
قال صالح بن أحمد: كتب إليَّ إسحاق بن راهويه: إن الأمير عبد الله ابن طاهر وجَّه إليَّ، فدخلتُ عليه وفي يدي كتاب أبي عبد الله.
فقال: ما هذا؟ فقلت: كتاب أحمد بن حنبل، فأخذه وقرأه، وقال: إني أحبه، وأحب حمزة بن الهَيْصَم البُوشنجي، لأنهما لم يختلطا بأمر السلطان. قال: فأمسك أبي عن مكاتبة إسحاق.
قال إبراهيم بن أبي طالب: سمعت أحمد بن سعيد الرِّباطي، يقول: قدمت على أحمد بن حنبل، فجعل لا يرفع رأسه إليَّ، فقلت: يا أبا عبد الله، إنه يُكتب عني بخُراسان، وإن عاملتني بهذه المعاملة رَمَوا حديثي، قال: يا أحمد، هل بُدُّ يوم القيامة من أن يقال: أين عبد الله بن طاهر وأتباعه؟ فانظر أين تكون منه.
قال عبد الله بن (١) بشر الطالقاني: سمعت محمد بن طارق البغدادي، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: أستمِدُّ من محبرتك، فقال: لم يبلُغْ ورعي وورعك هذا، وتبسَّم.
قال المروذي (٢): قلتُ لأبي عبد الله: الرجل يقال في وجهه: أحييتَ السنة، قال: هذا فسادٌ لقلبه.
الخلال: أخبرني محمد بن موسى، قال: رأيت أبا عبد الله، وقد
_________________
(١) في (ب): عبد بن.
(٢) من قوله: " قلت لأحمد " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ٣١٦ ]
قال له خُراساني: الحمد لله الذي رأيتُك، قال: أيُّ شيء ذا؟ من أنا؟
وعن رجل قال: رأيت أثر الغَمِّ في وجه أبي عبد الله، وقد أثنى عليه شخصٌ، وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا. قال: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا. من أنا وما أنا؟!
الخلال: أخبرنا علي بن عبد الصمد الطيالسي، قال: مسحت يدي على أحمد، وهو ينظر، فغضب، وجعل ينفُضُ يدَه ويقولُ: عمَّن أخذتُم هذا.
وقال خطاب بن بشر: سألتُ أحمد عن شيء من الوَرَع، فتبيَّن الاغتمام عليه إزراءً على نفسه.
وقال المروذي: سمعتُ أبا عبد الله وذكر أخلاق الورعين، فقال: أسألُ الله أن لا يَمْقُتنا. أين نحنُ من هؤلاء؟!! ..
قال الأبَّار: سمعتُ رجلًا سأل أحمد، قال: حلفت بيمين (١) لا أدري أيش هي؟ فقال: ليتك إذا دَرَيْتَ دَريْتُ أنا.
قال إبراهيم الحَرْبي: كان أحمد يجيب في العرس والختان، ويأكل. وذكر غيره أن أحمد ربما استعفي من الإجابة. وكان إن رأي إناء فضة أو منكرًا، خرج. وكان يحب الخمول والانزواء عن الناس، ويعودُ المريض، وكان يكرَهُ المشي في الأسواق، ويُؤثِرُ الوَحدة.
قال أبو العباس السراج: سمعت فتح بن نوح، سمعتُ أحمد، يقول: أشتهي ما لا يكون، أشتهي مكانًا لا يكون فيه أحدٌ من الناس.
_________________
(١) في (ب): " يمين "، وفي (أ): " يمين ما ".
[ ٤ / ٣١٧ ]
وقال الميموني: قال أحمد: رأيت الخلوة أروح لقلبي.
قال المروذي: قال لي أحمد: قل لعبد الوهاب: أخمل ذكرك، فإني أنا قد بُليتُ بالشهرة.
وقال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق، يكرَه أن يتبعه أحدٌ.
قلت: إيثارُ الخمول والتواضع، وكثرة الوَجَل من علامات التقوى والفلاح.
قال صالح بن أحمد: كان أبي إذا دعا له رجلٌ، يقول: الأعمال بخواتيمها.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: وددت أني نجوت من هذا الأمر كَفافًا لا عَلَيَّ ولا لي.
وعن المروذي قال: أدخلتُ إبراهيم الحُصري على أبي عبد الله -وكان رجلًا صالحًا- فقال: إن أمي رأت لك منامًا، هو كذا وكذا. وذكرت الجنة، فقال: يا أخي، إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا. وخرج إلى سفك الدماء. وقال: الرُّؤيا تسُرُّ المؤمن ولا تغُرُّه.
قال المروذي: بال أبو عبد الله في مرض الموت دمًا عبيطًا، فأريته الطبيب، فقال: هذا رجل قد فتَّت الغمُّ أو الخوف جوفه.
ورُوي عن المروذي، قال: قلت لأحمد: كيف أصبحت؟ قال: كيف أصبح من ربُّه؟ يُطالبُه بأداء الفرائض، ونبيُّه يطالبه بأداء السنة، والملَكَان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يراقب قبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟!
[ ٤ / ٣١٨ ]
الخلال: أخبرنا المروذي، قال: مررت وأبو عبد الله متوكىء على يدي، فاستقبلتنا امرأة بيدها طُنبور، فأخذته فكسرته، وجعلت أدوسه، وأبو عبد الله واقفٌ منكس الرأس. فلم يقُل شيئًا، وانتشر أمر الطُّنبور.
فقال أبو عبد الله: ما علمت أنك كسرت طُنبورًا إلى الساعة.
قال الميموني: قال لي القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم (١) سَحَرًا.
وعن إبراهيم بن هانىء النيسابوري، قال: كان أبو عبد الله حيث توارى من السلطان عندي. وذكر من اجتهاده في العبادة أمرًا عجيبًا. قال: وكنتُ لا أقوى معه على العبادة، وأفطَرَ يومًا واحدًا، واحتَجَمَ.
قال الخلال: حدثنا محمد بن علي، حدثنا العباس بن أبي طالب: سمعت إبراهيم بن شماس، قال: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلامٌ وهو يُحيي الليل.
قال محمد بن رجاء: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يقول يومًا: ما صليت اليوم غير الفريضة. استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي.
وعن عبد الله بن أحمد، قال: كان في دهليزنا دكانٌ، إذا جاء من يُريد أبي أن يخلو معه، أجلَسه ثمَّ، وإذا لم يُرد، أخذ بعِضَادَتي الباب، وكلَّمه. فلما كان ذات يوم، جاءنا (٢) إنسان، فقال لي (٣): قل: أبو
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (د): " جاءه "، وفي " السير": " جاء ".
(٣) ساقطة من (أ).
[ ٤ / ٣١٩ ]
إبراهيم السائح. قال: فقال أبي: سلَّم عليه، فإنه من خيار المسلمين. فسلمت عليه، فقال له أبي: حدثني (١) يا أبا إبراهيم. قال: خرجت إلى موضع، فأصابتني علة، فقلت: لو تقربت إلى الدير لعلَّ من فيه من الرهبان يُداويني. فإذا بِسَبُع عظيمٍ يقصدني، فاحتملني (٢) على ظهره حتى ألقاني عند الدير. فشاهد الرُّهبان ذلك فأسلموا كلهم. وهم أربع مئة. ثم قال لأبي: حدثني يا أبا عبد الله. فقال: رأيت النبي - ﷺ -، فقال: يا أحمد، حُجَّ، فانتبهت، وجعلت في المِزْوَدِ فتيتًا، وقصدت إلى الكوفة. فلمَّا تَقَضَّى بعضُ النهار، إذا أنا بالكوفة. فدخلت الجامع، فإذا أنا بشابٍّ حسن الوجه، طيب الريح. فسلمت وكبرت، فلما فرغت من صلاتي، قلت: هل بقي من يخرج إلى الحج؟ فقال: انتظر حتى يجيء أخٌ من إخواننا، فإذا أنا برجلٍ في مثل حالي. فلم نزل نسير (٣)، فقال له (٤) الذي معي: رحمك الله، ارفُق بنا. فقال الشاب: إن كان معنا أحمد بن حنبل، فسوف يرفق بنا. فوقع في نفسي أنه خَضِر (٥)، فقلت للذي معي: هل لك في الطعام؟ فقال: كل مما تعرف، وآكل مما أعرف. فلما أكلنا، غاب الشاب. ثم كان يرجع بعد فراغنا. فلما كان بعد ثلاث، إذا نحن بمكة.
هذه حكاية منكرة.
قال أبو يعلى: نقلتُ من خط أبي إسحاق بن شاقْلا: أخبرني عمر
_________________
(١) في (د): حدثنا.
(٢) في (أ): " فحملني "، وفي (ج): " فأنزلني ".
(٣) في (ج) و(د): يزل يسير.
(٤) " له " ساقطة من (ج).
(٥) في " السير ": الخضر.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
بن علي، حدثنا جعفر الرزاز جارنا، سمعت أبا جعفر محمد بن المدني (١)، سمعت عبد الله فذكرها. فلعلَّها من وضع الرزاز.
أنبؤونا عن ابن الجوزي، أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا محمد بن إسماعيل الوراق، حدثنا عبد الله بن إسحاق البَغَوي، حدثنا أبو جعفر محمد بن يعقوب الصفار، قال: كنا عند أحمد، فقلت: ادع الله لنا.
فقال: اللهم إنك تعلم أنك لنا على (٢) أكثر مما نحِبُّ، فاجعلنا لك على ما تحبُّ. اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾ [فصلت: ١١]. اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلاَّ إليك، ومن الذل إلاَّ لك.
رواتها أئمةٌ إلى (٣) الصفار، ولا أعرفه. وهي منكرة.
أخبرنا عمر بن القوَّاس، عن الكندي، أخبرنا الكرُوخيُّ، أخبرنا شيخ الإسلام الأنصاري، أخبرنا أبو يعقوب، أخبرنا زاهر بن أحمد، حدثنا علي بن عبد الله بن مُبَشِّر: سمعت الرمادي، سمعت عبد الرزاق، وذكر أحمد، فدمعت عينه. وقال: قدم وبلغني أن نفقته نَفِدَتْ، فأخذت عشرة دنانير، وعرضتُها عليه، فتبسم، وقال: يا أبا بكر، لو قبلت شيئًا من الناس، قبلت منك. ولم يقبل مني شيئًا.
الخلال: أخبرني أبو غالب علي بن أحمد، حدثني صالح بن أحمد، قال: جاءتني حُسْن، فقالت: قد جاء رجل بتلِّيسة (٤) فيها فاكهة
_________________
(١) في السير: المولى.
(٢) ساقطة من (د).
(٣) في (أ): إلاَّ.
(٤) وعاء يسوى من الخوص.
[ ٤ / ٣٢١ ]
يابسة، وبكتاب. فقمت فقرأت (١) الكتاب، فإذا فيه: يا أبا عبد الله، أبضعت لك بضاعة إلى سمرقند، فربحت، فبعثت بذلك إليك أربعة آلاف، وفاكهة أنا لقطُتها من بستاني ورِثته من أبي. قال: فجمعت الصبيان ودخلنا، فبكيتُ وقلتُ: يا أبة، ما ترِقُّ لي من أكل الزكاة؟ ثم كشف عن رأس الصبية، وبكيت. فقال: من أين علمت؟ دع حتى أستخير الله الليلة. قال: فلما كان من الغد. قال: استخرتُ الله، فعزم لي أن لا آخُذَها. وفتح التلِّيسة ففرَّقَها على الصبيان. وكان عنده ثوبٌ عُشاري، فَبَعَثَ به إلى الرجل، وردَّ المال.
عبد الله بن أحمد: سمعت فوران، يقول: مَرِضَ أبو عبد الله، فعاده الناس، يعني: قبل المئتين. وعاده عليُّ بن الجَعْد، فترك عند رأسه صُرَّة (٢)، فقلت له عنها، فقال: ما رأيت. اذهب فردَّها إليه.
أبو بكر بن شاذان: حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب، حدثتني فاطمة بنت أحمد بن حنبل، فقالت: وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد تزوج بغنية، فحملوا إليه جهازًا شبيهًا بأربعة آلاف دينار، فأكلته النار فجعل صالح، يقول: ما غمَّني ما ذهب إلاَّ ثوبٌ لأبي. كان يصلي فيه أتبرَّك به وأُصلِّي فيه. قالت: فطُفِىء الحريق، ودخلوا فوجدُوا الثوب على سرير قد أكلت النار ما حولَه وسَلِم.
قال ابن الجوزي: وبلَغَني عن قاضي القضاة علي بن الحسين الزينبي أنه حكى أن الحريق وقع في دارهم، فأحرق ما فيها إلاَّ كتابًا كان
_________________
(١) في (د): وقرأت.
(٢) ساقطة من (د).
[ ٤ / ٣٢٢ ]
فيه شيء بخطِّ الإمام أحمد. قال: ولمَّا وقعَ الغرق ببغداد في سنة ٥٥٤ (١)، وغرقت كتبي، سَلِمَ مجلدٌ فيه ورقتان بخط الإمام.
قلت: وكذا استفاض وثبت أن الغرق الكائن بعد العشرين وسبع مئة ببغداد عام على حفائر (٢) مقبرة أحمد، وأن الماء دخل في الدِّهليز عُلُو ذِراعٍ، ووقف بقدرة الله، وبقيت الحصر حول قبر الإمام بغُبارها، وكان ذلك آيةً.
أبو طالب: حدثنا المروذي: سمعت مجاهد بن موسى، يقول: رأيت أحمد، وهو حدث، وما في وجهه طاقة، وهو يُذكَرُ.
وروى حَرَمِي بن يونس، عن أبيه: رأيت أحمد أيامَ هُشيمٍ وله قَدْر.
قال أحمد بن سعيد الرِّباطي سمعت أحمد بن حنبل، يقول: أخذنا هذا العلم بالذُّلِّ فلا ندفعه إلاَّ بالذل.
محمد بن صالح بن هانىء: حدثنا أحمدُ بن شهاب الإسفراييني: سمعتُ أحمد بن حنبل، وسُئِلَ عمَّن نكتب في طريقنا، فقال: عليكم بهَنَّاد، وبسفيان (٣) بن وكيع، وبمكة ابن أبي عمر، وإيّاكم أن تكتُبوا، يعني: عن أحدٍ من أصحاب الأهواء، قليلًا ولا كثيرًا. عليكم بأصحاب الآثار والسُّنن.
عبد الله بن أحمد: كتب إليَّ الفتحُ بن شَخْرَف (٤) أنَّه سمع
_________________
(١) في الأصول: " أربع وخمس مئة "، والمثبت من " السير "، وهو الصواب.
(٢) في " السير ": مقابر.
(٣) في (ب): وسفيان.
(٤) في (أ) و(د): شحرب.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
موسى بن حِزام الترمذي، يقول (١): كنت أختلفُ إلى أبي سليمان الجوزجاني في كتب محمد، فاستقبلني أحمد، فقال: إلى أين؟ قلت: إلى أبي سليمان. فقال: العجبُ منكم! تركتُم إلى النبي - ﷺ -، يزيد عن حُميد، عن أنس، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة، ﵀. أبو سليمان، عن محمد، عن أبي يوسف، عنه! قال: فانحدرت إلى يزيد بن هارون.
ابن عدي: أخبرنا عبد الملك بن محمد، حدثنا صالح بن أحمد: سمعت أبي، يقول: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولَوَدِدْتُ أني أنجو كفافًا.
الحاكم: حدثنا أبو علي الحافظ: سمعت محمد بن المسيب، سمعت زكريا بن يحيى الضرير، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يكون مُفتيًا؟ يكفيه مئة ألف حديث؟ فقال: لا. إلى أن قال: فيكفيه خمس مئة ألف حديث؟ قال: أرجو.
تقدم قول الذهبي في قول أبي زرعة: إن محفوظ أحمد كان ألف ألف حديث، كانوا يعُدُّون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي وما فسر، ونحو ذلك، وإلاَّ فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عُشْرَ معشار ذلك انتهى.
ثم ذكر الذهبي سيرة أحمد في الفتنة، وما جَرَى معه مع (٢) المأمون من الحبس قليلًا، ثم مات المأمون قبل امتحان أحمد، ثم وَلِيَ
_________________
(١) من قوله: " كتب الي " إلى هنا كتب مكانها في (ج): قال.
(٢) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٢٤ ]
المعتصم، وضَرَبَه الضرب الشديد، حتى ظنَّ أنه يموت، فأخرجه لكي لا يموت في حبسه، فتثُور عليه العامة، ثم وَلِيَ الواثق فَنَهَى أحمد أن يُساكِنَه بأرضٍ، فاختفي مُدَّة حياته، ثم وَلِيَ المتوكِّلُ، وقد اختصرت (١) ما ذكره الذهبي في المحنةِ لطوله، فإنَّه ساقه في ست عشرة (٢) ورقة، وإن كان فيه أعظمُ دليل على شِدَّةِ وَرَعِ هذا الإمام وتقواه، وبذله للروح فما دونه في مرضاةِ الله.
وقال الذهبي بعد ذلك: العجب من أبي القاسم علي بن الحسن الحافظ، كيف ذكر ترجمة أحمد مطوَّلةً كعوائده، ولكن ما أورد من أمر المحنة كلمةً مع صحة أسانيدها، فإنَّ حنبلًا ألَّفها في جزأين، وكذلك صالح بن أحمد وجماعة.
فصلٌ في حال (٣) أحمد في دولة المتوكل
قال حنبل: وَلِيَ المتوكل جعفرٌ، فأظهر الله السُّنَّة، وفرَّج عن الناس، وكان أبو عبد الله يحدثنا ويُحدِّث أصحابه في أيام المتوكل.
وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا.
إلى أن قال:
فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوسٌ بباب الدار، إذ بيعقوب أحد حجاب المتوكل قد جاء، فاستأذن على أبي عبد الله، فدخل، ودخل أبي
_________________
(١) في (ب): فاختصرت.
(٢) في (أ) و(ب) و(د): " ستة عشر "، والتصويب من (ج).
(٣) في (ج) و(د): حالة.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
ومع بعضِ غلمانه بَدْرَةٌ (١)، ومعه كتابُ المتوكل. فقرأه على أبي عبد الله: فأبى أن يَقْبَل المال، وقال: ما لي إليه حاجة. فقال: اقبل من أمير المؤمنين، فإنه خيرٌ لك عنده، فإنَّه إن رددتَه (٢)، خِفتُ أن يظن بك سُوءًا. فحينئذٍ قَبِلَها، فلما كان من الليل، إذا أُمُّ ولد أبي عبد الله تدُقُّ (٣) علينا الحائط، فخرجنا، فدخلنا عليه، فقال: يا عم، ما أخذني النوم، لأجل هذا المال، وجعل يَتَوَجَّعُ لأخذِه، وأبي يُسكِّنُه (٤) ويُسهِّلُ عليه.
وقال: حتى تُصبح، وترى فيه رأيك. فإن هذا ليل، والناس في المنازل، وخرجنا. فلما كان من السحر، وجَّه إلى عبدوس بن مالك، وإلى الحسن ابن البزار وحضر جماعةٌ، منهم: هارون الحمال، وأحمد بن منيع، وابنُ الدَّوْرَقي، وأبي، وأنا، وصالح، وعبد الله.
فجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل السِّتْرِ والصلاح ببغداد والكوفة، فوجَّه منها إلى أبي كريب، وللأشج وإلى من يعلمون حاجته، ففرَّقها كلها ما بين الخمسين إلى المئة وإلى المئتين، فما بقي في الكيس درهم.
فلما كان بعد ذلك، مات الأمير إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد. ثم ولي بغداد عبد الله بن إسحاق، فجاء رسوله إلى أبي عبد الله، فقرأ عليه كتاب المتوكل، وقال له: يأمرك بالخروج يعني: إلى سامَرَاء. فقال: أنا شيخٌ ضعيفٌ عليل. فكتب بما ردَّ عليه، فردَّ جواب الكتاب: أن أمير المؤمنين يأمره بالخروج. فوجَّه عبد الله أجنادًا، فباتوا على بابنا أيامًا،
_________________
(١) البَدْرة: كيس فيه ألف، أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار.
(٢) في (ب): رددت.
(٣) في (أ): يدق.
(٤) في (ب): سكنه.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
حتى تَهَيَّأ أبو عبد الله للخروج، فخرج ومعه صالح وعبد الله وأبي زُمَيْلَة (١).
قال صالح: كان حمل أبي إلى المتوكل سنة سبعٍ وثلاثين. ثمَّ [و] (٢) إلى أن مات أبي قلَّ يومٌ يمضي إلاَّ ورسول المتوكل يأتيه.
قال حنبل: فأخبرني أبي، قال: دخلنا إلى العسكر، فإذا نحن بموكبٍ عظيم مُقبل، فلما حاذى بنا، قالوا: هذا وصيفٌ، وإذا بفارس مقبل، فقال لأبي عبد الله: الأمير وصيفٌ يُقرئُك السلام، وقال: إن الله قد أمكنك من عدوِّك، يعني: ابن أبي دُوَاد، وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تَدَعْ شيئًا إلاَّ تكلمت به. فما رد عليه أبو عبد الله شيئًا. وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين ولوصيف. ومضينا، فأُنزلنا في دار إيتاخ، قال: حوَّلوني، اكترُوا لي دارًا. قالوا: هذه دارٌ أنزلَكَها أمير المؤمنين، قال: لا أبيتُ ها هنا. ولم يزل حتى اكترينا له دارًا. وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل والثلج والفاكهة وغير ذلك، فما ذاق منها شيئًا، ولا نظر إليها. وكان نفقة المائدة في اليوم مئةً وعشرين درهمًا.
وكان يحيى بن خاقان، وابنه عبيد الله، وعليُّ بن الجهم (٣) يختلفون إليه برسالةِ المتوكل. ودامت العلة بأبي عبد الله، وضعف شديد. وكان يواصل، ومكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب، ففي الثامن دخلت عليه، وقد كاد أن يُطفَأ، فقلت: ابن الزبير كان يواصلُ سبعة أيام، وهذا لك ثمانية أيام. قال: إني مُطيقٌ. قلت: بحقي عليك.
_________________
(١) الزُّمْلَة -بضم الزاي وسكون الميم-: الرفقة، فالظاهر أن هذا تصغيرها.
(٢) من " السير ".
(٣) تحرفت في (ب) إلى: الجهضم.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
قال: فإنِّي أفعل. فأتيته بسويق فشَرِبَ. ووجَّه إليه المتوكل بمال عظيم، فرده، فقال له عبيد الله بن يحيى: فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك (١). قال: هم مستغنون، فردَّها عليه [فأخذها] (٢) عبيد الله، فقسمها على ولده، ثم أجرى المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف. فبعث إليه أبو عبد الله: إنهم في كفاية، وليست بهم حاجة (٣). فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لولدك، فما لك ولهذا؟ فأمسك أبو عبد الله، فلم يزل يُجري علينا حتى مات المتوكل.
وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي كلام كثير. وقال: يا عم، ما بقي من أعمارنا. كأنك بالأمر قد نزل. فالله الله، فإن أولادنا إنَّما يريدون أن يأكلوا بنا، وإنما هي أيامٌ قلائل، وإنما هذه فتنة. قال أبي: فقلت: أرجو أن يَؤمِّنك الله مما تحذر. فقال: كيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم؟ ولو تركتموها، لتركوكم. ما ننتظر إنما هو الموت. فإما إلى جنةٍ، وإمَّا إلى نار. فطُوبى لمن قَدِمَ على خير. قال: فقلت: أليس قد (٤) أمرت ما جاءك من هذا المال من غير إشراف (٥) نفس، ولا مسألةٍ إن تأخذه؟ قال: قد أخذت مرة بلا إشراف نفس، فالثانية (٦) والثالثة؟ ألم تستشرف نفسُك؟ قلت: أفلم يأخذ ابن عمر وابن عباس؟ فقال: ما هذا وذاك! وقال: لو أعلمُ أن هذا المال يُؤخذُ من وجْهِه، ولا يكون فيه ظُلمٌ
_________________
(١) ساقطة من (د).
(٢) زيادة من " تاريخ الإسلام ".
(٣) ساقطة من (د).
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) مكانها بياض في (ب).
(٦) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٢٨ ]
ولا حَيْف لم أُبالِ.
قال حنبل: ولمَّا طالت عِلَّةُ أبي عبد الله، كان المتوكلُ يبعث بابن ماسويه المتطبِّب، فيصفُ له الأدوية، فلا يتعالج. ويدخل ابن ماسويه، فقال: يا أمير المؤمنين ليست بأحمد عِلَّةٌ، إنما هو من قلة الطعام، والصيام والعبادة، فسكت المتوكل.
وبلغ أمَّ المتوكل خبر أبي عبد الله، فقالت لابنها: أشتهي أن (١) أرى هذا الرجل، فوجَّه المتوكل إلى أبي عبد الله، يسألُه أن يدخل على ابنه المعتز، ويدعو له ويسلم عليه، ويجعله في حجره. فامتنع، ثم أجاب رجاء أن يُطلَق، فوجه إليه المتوكل خِلْعَةً، وأَتَوه بدابةٍ يركبها فامتنع، وكانت عليه مِيثرَةَ نُمُورٍ. فقدم إليه بغلٌ لتاجر، فركبه (٢)، وجلس المتوكل مع أمه في مجلسٍ من المكان، وعلى المجلس سِترٌ رقيق.
فدخل أبو عبد الله على المعتز (٣)، ونظر إليه المتوكل وأمه. فلما رأته، قالت: يا بني، الله الله في هذا الرجل، فليس هذا ممن يريد ما عندكم، ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله، فائذنْ له ليذهب، فدخل أبو عبد الله على المعتز، فقال: السلام عليكم، وجلس، ولم يسلم عليه بالإمْرَة ققال مؤدِّبه: أصلح الله الأمير، هذا هو الذي أمره (٤) أمير المؤمنين يُؤدِّبُك ويعلِّمك؟ فقال الصبي: إن علمني شيئًا، تعلمتُه! قال أبو عبد الله: فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره، وكان صغيرًا.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) من قوله: " خلعة " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) من قوله: " وعلى المجلس " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٢٩ ]
ودامت علة أبي عبد الله، وبلغ المتوكل ما هو فيه، وكلمه يحيى بن خاقان، وأخبره أنه رجلٌ لا يريد الدنيا، فأذن له في الانصراف، فانصرف.
وكان ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده، فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار، امتنع من ذلك حتى لقد وُصِفَ له في علته قرعة تُشوى، فشُويت في تنُّور صالح، فعلم، فلم يستعملها ومثل هذا كثير.
وقد ذكر صالح قصة خروج أبيه إلى العسكر، وتفتيش بيوتهم على العَلَوي، وورود يعقوب بالبَدْرَة، وأن بعضها كان مئتى دينار، وأنه بكى، وقال: سلِمْتُ منهم، حتى إذا كان في آخر عمري، بُليتُ بهم.
وذكر أنه فرق (١) الجميع، ونحن في حالةٍ، الله بها عليم. فجاءني ابنٌ لي فطلب درهمًا، فأخرجت قطعة، فأعطيته، فكتب صاحب البريد: إنه تصدَّق بالكل ليومه حتى بالكيس.
قال عليُّ بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد تصدَّق بها (٢)، وعلم الناس أنه قَبِلَ منك، وما يصنع أحمد بالمال؟! وإنما قُوتُه رغيفٌ. قال: صدقت.
قال صالح: ثم أخرج أبي ليلًا ومعنا حراسٌ، فلمَّا أصبح، قال: أمعك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم. وجعل يعقوب يسير معه، فقال له: يا أبا عبد الله، ابن الثلجي بلغني أنه كان يذكرك. قال: يا أبا يوسف، سَلِ الله العافية. قال: يا أبا عبد الله، تريدُ أن نؤدِّيَ عنك
_________________
(١) في " السير " فرق.
(٢) في (ب): بالكل.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
رسالةً إلى أمير المؤمنين؟ فسكت، فقال: إن عبد الله بن إسحاق أخبرني أن الوابِصِيَّ (١)، قال له: إني أشهد عليه أنه قال: إن أحمد يعبُدُ ماني (٢)! فقال: يا أبا يوسف يكفي الله، فغضب يعقوب، والتفت إلي فقال: ما رأيت أعجب مما نحن فيه. أساله أن يُطلَق لي كلمةً أُخبِرُ بها أميرَ المؤمنين، فلا يفعل!!
قال: ووجَّه يعقوب إلى المتوكل بما عمل، ودخلنا العسكر، وأبي منكسُ الرأس، ورأسهُ مُغطَّى. فقال له يعقوب: اكشف رأسك، فكشَفَه. ثم جاء وصيفٌ يريد الدار، ووجَّه إلى أبي بيحيى بن هَرْثَمَة (٣)، فقال: يُقرِئُك أمير المؤمنين السلام، وقال: الحمد لله الذي لم (٤) يُشمِّتْ بك أهل البِدَع، قد علمت حال ابن أبي دواد، فينبغي أن تتكلَّم (٥) فيه بما يجبُ لله.
إلى قوله: وجعل يعقوب وغياث يصيران إليه، ويقولان له: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دُوَاد وفي ماله فلا يجيبُ بشيءٍ إلى قوله:
_________________
(١) هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن صخر، من ولد وابصة بن معبد وكان يتولَّى قضاء بغداد. مات سنة ٢٤٩ هـ. له ترجمة في تاريخ بغداد ١٤/ ٥٢ - ٥٣، و" التهذيب " ٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٢) ماني هو أحد نبهاء الفرس، وقد ظهر في القرن الثالث الميلادي في إيران، وانتقل إلى الهند للتبشير بمذهبه، إلاَّ أن ملك الهند سابور الثاني قام بإعدامه. ومذهبه مزيج من معتقدات الزرادشتية والنصرانية والبوذية، كالإيمان بالصراع بين إلهين اثنين: إله الخير والنور، وإله الظلمة والشر، وإباحة نكاح الأخوات والبنات ولقد انتشرت المانوية في فارس، والهند، والتيبت، والصين، وتركستان، حيث بقيت حتى القرن الحادي عشر الميلادي.
(٣) في (أ) و(ج): أبي يحيى بن هزيمة، وهو تحريف.
(٤) " لم " ساقطة من (أ).
(٥) في (ب): تكلم.
[ ٤ / ٣٣١ ]
ثم قال يعقوب: إن لي ابنًا أنا به مُعجب، وإنَّ له في قلبي مَوْقِعًا، فأُحِبُّ أن تُحَدِّثَهُ بأحاديث، فسكت. فلما خرج، قال: أتراه لا (١) يرى ما أنا فيه؟!! ..
وكان يختم القرآن من جمعة إلى جمعة، فلمَّا كان غداة الجمعة، وجَّه إليَّ وإلى أخي. فلمَّا ختم، جعل يدعو ونحن نؤمِّن. فلما فرغ (٢)، جعل يقول: أستخير الله مراتٍ. فجعلت أقول: ما تريدُ؟ ثم قال: إني (٣) أُعطي الله عهدًا، إن عهده كان مسؤولًا، وقال (٤) تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] إني (٥) لا أحدِّث بحديثٍ تمامٍ أبدًا حتى ألقى الله، ولا أستثني منكم أحدًا، فخرجنا، وجاء عليُّ بن الجهم فأخبرناه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقال: إنما تريدون أحدِّث، ويكون هذا البلد حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أُعطوا فقبلوا، وأُمروا فحدَّثوا، والله لقد تمنيتُ الموت في هذا وذاك.
إن هذا فتنة الدنيا، وذاك فتنة الدين، ثم جعل يضُمُّ أصابعه، ويقول: لو كانت تفسي في يدي لأرسلتها [ثم يفتح أصابعه] (٦).
وكان المتوكل يُكثرُ السؤال عنه، وفي خلال ذلك يأمر لنا بالمال، ويقول: لا يُعلَمُ شيخُهم فيَغْتَمَّ، ما يريد منهم؟ إن كان هو لا يريد الدنيا، فلِمَ يمنعهم؟!
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) قوله: " ونحن نؤمن، فلما فرغ " ساقط من (ب).
(٣) في (د): أبي.
(٤) في (أ): فقال.
(٥) في (ب): وإني.
(٦) ما بين حاصرتين من " تاريخ الإسلام ".
[ ٤ / ٣٣٢ ]
وقال للمتوكل: إنه لا يأكل طعامك، ولا يجلسُ على فِراشك، ويُحرِّم الذي تشرب. فقال: لو نُشر لي المعتصم، لقال فيه شيئًا، لم أقبل منه.
ثم ذكر الذهبي من شدة منعه لأولاده من قبول الأموال شيئًا عجبًا (١) إلى قوله: أنبؤونا عمَّن سمع أبا علي المُقرىء، أخبرنا أبو نعيم (٢)، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: كتب عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى أبي يخبره أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن القرآن، لا مسألة امتحان، لكن مسألة معرفة وتبصرة. فأملى عليَّ أبي: إلى عُبيد الله بن يحيى، بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودفع عنك المكاره برحمته، قد كتبتُ إليك، رضي الله عنك، بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن بما حضرني، وإني (٣) أسال الله أن يُديمَ توفيق أمير المؤمنين، فقد كان الناس في خوضٍ من الباطل، واختلافٍ شديد ينغمسون فيه (٤)، حتى أفضَتِ الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفي الله به كلَّ بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس (٥). ووقع ذلك من المسلمين موقعًا عظيمًا، ودَعُوا الله لأمير المؤمنين [وأسأل الله أن يستجيب في أمير
_________________
(١) في (ب): عجيبًا.
(٢) صاحب " حلية الأوياء "، والخبر فيه ٩/ ٢١٦ - ٢١٩، ورواها ابن الجوزي في " المناقب " ص ٣٧٧ - ٣٧٩ بإسناده لأبي نعيم، ولكن اختصرها، ولم يسق نصها كاملًا.
(٣) في (د): وأنا.
(٤) قوله: " ينغمسون فيه " ساقطة من (ب).
(٥) في " الحلية ": " ضيق المجالس "، وما هنا موافق لابن الجوزي.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
المؤمنين صالح الدعاء، وأن يُتمَّ ذلك لأمير المؤمنين] (١) وأن يزيد في نيته، وأن يُعْينَه على ما هو عليه. فقد ذكر عن ابن عباس أنه قال: لا تَضرِبُوا كتاب الله بعضه ببعضٍ، فإنه يُوقِعُ الشك في قلوبكم.
وذُكِرَ عن عبد الله بن عمرو، أن نفرًا كانوا جلوسًا عند باب النبي - ﷺ -، فقال بعضُهم: ألم يقل [الله] (٢) كذا، وقال بعضهم، ألم يقل الله كذا (٣)؟ فسمع ذلك رسول الله - ﷺ -، فخرج كأنما فُقِىءَ في وجهه حَبُّ الرُّمان، فقال: " أبهذا أُمِرتُم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلَّت الأمم قبلكم في (٤) مثل هذا، انظروا الذي أُمِرتُم به، فاعملوا به، والذي نُهِيتُم عنه، فانتهوا عنه " (٥).
ورُوي عن أبي هُريرة عن النبي - ﷺ -، قال: ["مراءٌ في القرآن كفرٌ" (٦)
_________________
(١) ما بين حاصرتين من " تاريخ الإسلام "، و" الحلية ".
(٢) الزيادة من " تاريخ الإسلام ".
(٣) ساقطة من (د).
(٤) في (ب): من.
(٥) تقدم تخريجه ٣/ ٢٣٨.
(٦) أخرجه أحمد ٢/ ٢٨٦ و٣٠٠ و٤٢٤ و٤٧٥ و٥٠٣ و٥٢٨، وأبو داود (٤٦٠٣) في السنة: باب النهي عن الجدال في القرآن، والآجري في " الشريعة " ص ٦٧ وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٢١٥ وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٧٣)، والحاكم ٢/ ٢٢٣، ووافقه الذهبي. واختلفوا في تأويل هذا الحديث، فقيل: معنى المراء: الشك، كقوله ﷾: ﴿فلا تَكُ في مِرْيةٍ﴾، أي: في شك. وقيل المراء: هو الجدال المشكك، وذلك أنه إذا جادل فيه، أداه إلى ما يرتاب في الآي المتشابهة منه، فيؤديه ذلك إلى الجحود فسماه كفرًا باسم ما يُخشى من عاقبته، إلاَّ من عصمه الله. ومن حق الناظر في القرآن أن يجتهد في التوفيق بين الآيات برد المتشابهات إلى المحكمات، والجمع بين المختلفات ظاهرًا ما أمكنه، فإنَّ القرآن يصدِّق بعضه بعضًا، فإن أشكل عليه شيء من ذلك، ولم يتيسَّر له التوفيق، فليعتقد =
[ ٤ / ٣٣٤ ]
وروي عن أبي جهيم عن النبي - ﷺ -، قال:] (١) " لا تَمَارَوْا في القرآن، فإنَّ مراءٌ فيه كفر " (٢).
وقال ابن عباس: قدم رجلٌ على عمر، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أُحِبُّ أن يسارعوا يومهم في القرآن هذه المسارعة. فزَبَرَني عُمر، وقال: مه. فانطلقت إلى منزلي كئيبًا حزينًا، فبينا أنا كذلك، إذ أتاني رجلٌ، فقال: أجِبْ أميرَ المؤمنين. فخرجت، فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذَ بيدي، فخَلاَ بي، وقال: ما الذي كرهتَ؟ قلت: يا أمير المؤمنين، متى يتسارعوا هذه المسارعة، يحتَقُّوا (٣)، ومتى
_________________
(١) = أنه من سوء فهمه، وليكله إلى عالمه، وهو الله ورسوله. وتأوله بعضهم على المراء في قراءته، وهو أن ينكر بعض القراءات المروية، وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرف، فتوعدهم بالكفر لينتهوا عن المراء فيها، والتكذيب بها، إذ كلها قرآن منزل يجب الإيمان به، ويشهد لهذا التفسير حديث أبي جهيم الآتي. وقيل: إنما جاء هذا في الجدال بالقرآن من الآي التي فيها ذكر القدَر والوعيد وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل، دون ما كان منها في الأحكام وأبواب الإباحة والتحريم، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ -، قد تنازعوها فيما بينهم، وتحاجُّوا بها عند اختلافهم، في الأحكام. ويشهد لهذا التفسير حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، فقد وقع عند أحمد ٢/ ٢٩٦، وابن ماجة (٨٥) أن تنازعهم كان في القدر.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، وهو من " السير "، و" السنة " ص ٢٢.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٧٠ من طريق أبي سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني يزيد بن خُصَيْفَة، أخبرني بسر بن سعيد قال: حدثني أبو جهيم أن رجلان اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول الله - ﷺ -، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله - ﷺ -، فسألا النبي - ﷺ - فقال: " القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تُماروا في القرآن، فإنَّ مراءً في القرآن كفر "، وإسناده صحيح. وفي الباب عن عمرو بن العاص عند أحمد ٤/ ٢٠٤. وعن زيد بن ثابت في الطبراني ٥/ (٤٩١٦). وقال الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٥٧: ورجاله موثقون. وعن عبد الله بن عمرو عند الآجُري في " الشريعة " ص ٦٨.
(٤) أي: يقول كل منهم: الحق في يدي ومعي.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
يحتَفُّوا (١) يختصموا، ومتى يختصِمُوا يختلفوا، ومتى ما اختلفُوا يقتتلوا.
قال: لله أبوك، والله إن كنتُ لأكتُمها الناس، حتى جئت بها (٢).
ورُوي عن جابر، قال: كان النبي - ﷺ -، يعرض نفسه على الناس (٣) بالموقف، فيقول: " هل مِنْ رجُلٍ يحمِلُني إلى قومه، فإنَّ قريشًا قد منعُوني أن أُبَلِّغ كلام ربِّي " (٤).
ورُوي عن جُبَير (٥) بن نُفَير، قال رسول الله - ﷺ -: " إنَّكُم لن ترجعوا إلى الله بشيءٍ أفضَلَ ممَّا خَرَجَ منه " يعني: القرآن (٦).
_________________
(١) قوله: " يحتقوا ومتى " ساقطة من (ب).
(٢) أخرج الخطيب في " الجامع " ٢/ ١٩٤ من طريق محمد بن الحسن القطان، أخبرنا دَعْلَج بن أحمد، أخبرنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، أخبرنا سعيد بن منصور حدثهم قال: حدثنا هُشيم، أخبرنا العوَّام بن حوشب، حدثنا إبراهيم التميمي قال: خلا عمر بن الخطاب ذات يوم، فجعل يُحَدِّث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس قال: كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنما أُنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيمَ نزل، وإنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن، ولا يعرفون فيمَ نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قومٍ فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا، اقتتلوا، فزبَرَه عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعد، فعرف الذي قال، ثم قال: إيهِ، أعِدْ عليَّ. وذكره صاحب " الكنز " (٤١٦٧) وزاد نسبته إلى " سنن سعيد بن منصور "، و" شعب الإيمان " للبيهقي.
(٣) في (د): على الناس نفسه.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجة (٢٠١)، والحاكم ٢/ ٦١٢ - ٦١٣ وأحمد ٣/ ٣٩٠ من طرق عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر. وإسناده صحيح. وقال الترمذي: هذا حديث غريب صحيح.
(٥) تحرف في (د) إلى جابر.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٩١٢)، وأحمد في " الزهد " ص ٣٥ وفي " السنة " ص ٢٦ من طريق عبد الرَّحمن بن مهدي، عن معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، ورجاله ثقات، وأعلَّه البخاري في " خلق أفعال العباد " ص ٩٩ بالإرسال والانقطاع. =
[ ٤ / ٣٣٦ ]
ورُوي عن ابن مسعود، قال: جرِّدوا القرآن، لا تكتبوا فيه شيئًا إلاَّ كلام الله (١).
وروي عن عمر أنه قال: هذا القرآن كلام الله، فضَعوهُ مواضعه (٢).
وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنِّي إذا قرأتُ كتاب الله، وتدبَّرته، كِدتُ أن أيأسَ، وينقطعَ رجائي، فقال: إن القرآن كلام الله، وأعمالُ ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر (٣).
_________________
(١) = قلت: ووصله الحاكم ١/ ٥٥٥ من طريق أحمد في حنبل، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير عن أبي ذر الغفاري. و٢/ ٤٤١ ومن طريق عبد الله بن صالح عن معاوية في صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر الجهني. وقال: هما صحيحا الإسناد، ووافقه فيهما الذهبي. وفي الباب عند الخطيب في " تاريخه " ٧/ ٨٨ و١٢/ ٢٢٠ من طريق في ليث بن أبي سليم، عن زيد بن أرطاة، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما أَذِنَ الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما، وإنَّ البِرَّ ليُذَرُّ على رأس العبد ما دام في صلاته، وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه " يعني: القرآن، وذكره صاحب " الكنز " (٢٣٦٦) ونسبه إلى ابن السني.
(٢) أخرجه ابن أبي داود في " المصاحف " ص ١٥٤ - ١٥٥ من طرق عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله: " جردوا القرآن، ولا تلبسوا به ما ليس منه "، ومنها بلفظ: " جردوا القرآن ولا تخلطوا به ما ليس فيه "، وآخر بلفظ: " جردوا القرآن ولا تلبسوا به شيئًا ".
(٣) أخرجه البيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢٤٢ - ٢٤٣ وأحمد في " السنة " ص ٢٧، والشريعة ص ٧٧ من طريق أبي الزعراء (وقد تحرف في البيهقى إلى: الزهراء) عبد الله بن هانىء، ومجاهد، والزهري قالوا: قال عمر: " القرآن كلام الله ". وزاد الآجري: " فلا تضربوه على آرائكم ".
(٤) أخرجه أحمد في " السنة " ص ٢٩، من طريق هارون بن عبد الله أبي موسى عن عبد الأعلى بن سليمان الزراد، عن صالح المري قال: أتى رجلٌ الحسن فقال له: يا أبا سعيد وأخرج البيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢٤٤ - ٢٤٥ من طريق أبي الحسن المقري عن أبي عمرو الصفار، عن أبي عوانة الإسفراييني عن عثمان بن خرزاد، عن معاوية الغلابي =
[ ٤ / ٣٣٧ ]
وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنتُ جارًا لخبَّاب، فخرجتُ يومًا معه إلى المسجد، وهو آخذٌ بيدي، فقال: " يا هَنَاه، تَقَرَّب إلى الله بما استطعتَ، فإنَّك لن تتقرَّب إليه بشيءٍ أحبَّ إليه من كلامه" (١).
وقال رجلٌ للحَكَمَ: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات.
وقال معاويةُ بن قُرَّة: إياكم وهذه الخصومات (٢)، فإنها تحبط الأعمال.
وقال أبو قِلابة: لا تُجالسوا أهل الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات. فإنِّي لا آمَنُ أن يَغمِسوكم في ضلالتهم (٣)، ويُلبِسوا عليكم بعض ما تعرفون.
ودخل رجلان من أصحاب (٤) الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثُك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا. لَتَقومانِّ عني، أو لأقومَنَّهْ، فقاما. [فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأ عليك آية؟ قال ] (٥). وقال (٦):
_________________
(١) = عن صالح المري قال: سمعت الحسن يقول: القرآن كلام الله تعالى إلى القوة والصفاء، وأعمال بني آدم إلى الضعف والتقصير.
(٢) تقدم تخريجه في هذا الجزء ص ٢٧٣ ت ٣.
(٣) من قوله: " وقال معاوية " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) في (ب): ضلالهم.
(٥) في (ب): أهل.
(٦) ما بين الحاصرتين من " تاريخ الإسلام ".
(٧) في (ب) و(د): فقال:
[ ٤ / ٣٣٨ ]
خَشِيتُ أن يقرأ آية فيحرفاها (١)، فَيَقَرَّ ذلك في قلبي.
وقال رجُلٌ من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر أسألُك عن كلمة؟ فولَّى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة.
وقال ابن طاووس لابنٍ له يكلمه رجلٌ من أهل البدع: يا بُني أَدْخِلْ
أصبعيْك في أُذُنيك حتى لا تسمع ما يقُول. ثم قال: اشْدُد اشدد (٢).
وقال عمر بن عبد العزيز: مَن جعل دينه غرضًا (٣) للخصومات، أكثر التنقل.
وقال إبراهيم النَّخَعي: إن القوم لم يُدَّخَرْ عنهم شيء خُبِّىء (٤) لكم لفضلٍ (٥) عندكم.
وكان الحسنُ يقول: شرُّ داءٍ خالط قلبًا، يعني: الأهواء.
وقال حذيفةُ: اتَّقُوا الله، وخُذوا طريق مَنْ كان قبلكم، والله لئِنِ استَقَمْتُمْ، لقد سَبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتُموه يمينًا وشمالًا، لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا، أو قال: مبينًا.
قال أبي: وإنما تركت الأسانيد لما تقدم من اليمين التي حَلَفْتُ بها مما قد علمه أمير المؤمنين، ولولا ذاك، ذكرتها بأسانيدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
_________________
(١) في الأصول و" السير ": فيحرفانها، والتصويب من " السنة " ص ٢٤.
(٢) في الأصول: " اسدُد اسدد " والمثبت من " السير " و" السنة ".
(٣) في الأصول: عرضًا، والمثبت من " السير " و" السنة ".
(٤) ساقطة من (ب)، وفي (ج) و(د): " حتى "، وهو تحريف.
(٥) في (ب): " الفضل "، وهو خطأ.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
كتاب " الرد على الجهمية " الموضوع على أحمد بن حنبل، وظواهر الوضع
[التوبة: ٦]. وقال: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فأخبَرَ أن الأمر (١) غيرُ الخلق. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. فأخبر أن القرآن من عِلْمه. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. إلى قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. فالقرآن من علم الله.
وفي الآيات دليلٌ على أن الذي جاءه هو القرآن. وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق (٢)، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلاَّ ما كان في كتاب الله، أو في حديثٍ عن رسول الله - ﷺ -، أو عن أصحابه، أو عن التابعين. فأما غير ذلك، فإن الكلام فيه غير محمود (٣).
فهذه الرسالة إسنادُها كالشمس، فانظر إلى هذا النَّفَس النوراني، لا " كرسالة الإصطخري " (٤)، ولا " كالرد على الجهمية " الموضوع على
_________________
(١) في (ب): " الخلق " وهو خطأ.
(٢) انظر " الأسماء والصفات " للبيهقي ص ٢٤٣ - ٢٥٨، و" السنة " للإمام أحمد ص ٢١.
(٣) نص الرسالة كاملة في " السنة " للإمام أحمد ص ٢١ - ٢٦.
(٤) هو أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي الإصطخري. ورسالته هذه المتضمنة لمذاهب أهل العلم ومذاهب الأثر، رواها عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل. وقد ذكرها بتمامها القاضي أبو الحسين في " طبقات الحنابلة " ١/ ٢٤، ٣٦، وفيها من العبارات ما يخالف ما عليه السلف، ممَّا يستبعد صدوره من مثل هذا الإمام الجليل، كقوله =
[ ٤ / ٣٤٠ ]
أبي عبد الله (١)، فإن الرجل كان تقيًا ورعًا لا يَتَفَوَّه بمثل ذلك. وكذلك رسالة المُسيء (٢) في الصلاة باطلةٌ، وما ثَبَتَ عنه أصلًا وفرعًا، ففيه كفاية.
ومما ثبت عنه مسألة الإيمان، وقد صَنَّفَ فيها.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: الإيمان قول
_________________
(١) = فيها: " وكلم الله موسى تكليمًا من فيه " و" ناوله التوراة من يده إلى يده ". وربما كان ذلك مدعاة للمؤلف أن يطعن في صحة نسبتها إلى الإمام أحمد. ونص كلام المؤلف في " تاريخ الإسلام ": " قلت: رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد بالله أنه أملاها على ولده، وأما غيرها من الرسائل المنسوبة إليه كرسالة الإصطخري، ففيها نظر. والله أعلم ".
(٢) يرى الذهبي المؤلف أن كتاب " الرد على الجهمية " موضوع على الإمام أحمد. وقد شكك أيضًا في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد بعض المعاصرين في تعليقه على " الاختلاف في اللفظ، والرد على الجهمية " لابن قتيبة. ومستنده أن في السند إليه مجهولًا، فقد رواه أبو بكر غلام الخلال، عن الخلال، عن الخَضِر بن المثنى، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه والخضر بن المثنى هذا مجهول، والرواية عن مجهول مقدوح فيها، مطعون في سندها. وفيه ما يخالف ما كان عليه السلف من معتقد، ولا يتسق مع ما جاء عن الإمام في غيره مما صح عنه وهذا هو الذي دعا الإمام الذهبي هنا إلى نفي نسبته إلى الإمام أحمد. ومع ذلك، فإن غير واحد من العلماء قد صححوا نسبة هذا الكتاب إليه، ونقلوا عنه، وأفادوا منه، منهم القاضي أبو يعلى، وأبو الوفاء بن عقيل، والإمام البيهقي، وابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وتوجد من الكتاب نسخة خطية في ظاهرية دمشق، ضمن مجموع رقم (١١٦)، وهي تشتمل على نص " الرد على الجهمية " فقط، وهو نصف الكتاب، وعن هذا الأصل نشر الكتاب في الشام، بتحقيق الأستاذ محمد فهر الشقفة. ومما يؤكد أن هذا الكتاب ليس للإمام أحمد أننا لا نجد له ذكرًا لدى أقرب الناس إلى الإمام أحمد بن حنبل ممن عاصروه وجالسوه، أو أتوا بعده مباشرة وكتبوا في الموضوع ذاته كالإمام البخاري ت ٢٥٦ هـ، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة ت ٢٧٦ هـ، وأبي سعيد الدارمي ت ٢٨٠. والإمام أبو الحسن الأشعري قد ذكر عقيدة الإمام أحمد في كتابه " مقالات الإسلاميين "، ولكنه لم يشر إلى هذا الكتاب مطلقًا، ولم يستفد منه شيئًا.
(٣) يغلب على الظن أنه يريد الرسالة الموسومة بـ " الصلاة "، وقد طبعت في مصر بتحقيق حامد الفقي. وكثير من الأئمة الذين ينتمون إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ينقلون عنها، ويحتجون بما فيها.
[ ٤ / ٣٤١ ]
موضوع خلق القرآن وأقوال العلماء
وعمل، ويزيد وينقص، البِرُّ كله من الإيمان، والمعاصي تنقص الإيمان.
أقول: هذا لفظُ الذهبي، ونصه بحروفه من خطه (١) المعروف، لكن فيه شيء مصلح بغير خطه، وأحسبُه لبعض المبتدعة، وقد حذفتُه، وهو ما لفظه: " ولعله قاله " صلَّحه عقيب قول الذهبي، فإن الرجل كان تقيًا، ورعًا، لا يتفوَّهُ بذلك، وكان مكان هذا اللفظ المصلح لفظ غيره بخط الذهبي، وبدله بما يناقض كلام الذهبي، وما خَفِيَ ذلك ولله الحمد لوجوه:
أحدها: الكشط الواضح.
وثانيها: الخط المخالف.
وثالثها: المعنى المناقض لما قبله، ولما بعده، ولما تكرر من نحو ذلك في غير هذا الموضع.
من ذلك قول الذهبي بعد هذا بقليل.
أنبؤونا عن محمد بن إسماعيل، عن يحيى بن مندَة الحافظ أخبرنا أبو الوليد الدَّرْبَنْدي سنة (٢) أربعين وأربع مئة، أخبرنا (٣) أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الأسود بدمشق، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر النَّهاوَنْدي، حدثنا (٤) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن زُوران لفظًا، حدثنا (٤)
_________________
(١) في (ب): خط.
(٢) مكررة في (د).
(٣) من قوله " عن محمد بن إسماعيل " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) في (د): أخبرنا.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
أحمدُ بن جعفر الإصطخري (١)، قال (٢): قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: هذا مذهب أهل العلم والأثر، فمن خالف شيئًا من ذلك أو عاب قائلها، فهو مُبتدع. وكان قولهم: إن الإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ، وتمسكٌ بالسنة، والإيمان يزيد وينقصُ، ومن زعم أن الإيمان قول، والأعمال شرائع، فهو جهميٌّ، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان، فهو مُرجىء، والزنى والسرقة وقتل النفس، والشرك (٣) كلها بقضاءٍ وقدرٍ من غير أن يكون لأحد على الله حجة. إلى أن قال: والجنة والنار خُلِقَتا، ثم خلق الخلقُ لهما، لا تفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدًا. إلى أن قال: والله تعالى على العرش، والكرسيُّ موضعُ قدميه. إلى أن قال: وللعرش حَمَلَة. ومن (٤) زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي. ومن لم يكفِّره، فهو مثله. وكلم الله موسى تكليمًا من فيه. إلى أن ذكر أشياء من هذا الأنموذج المنكر، والأشياء التي -والله- ما قالها الإمام. فقاتل اللهُ واضعَها. ومن أسمجِ ما فيها قوله: ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا يُقلِّد دينه أحدًا، فهذا قول فاسقٍ عدو لله. فانظر إلى جهل المحدثين كيف يروون هذه (٥) الخُرافة، ويسكتون عنها (٦).
_________________
(١) هذه هي الرسالة التي أشار الذهبي إلى بطلانها كما في الصفحة السابقة، وهي مذكورة في " طبقات الحنابلة " ١/ ٢٤ - ٣١.
(٢) ساقطة من (د).
(٣) في الأصول: " والترك "، والمثبت من " السير ".
(٤) في (د): إلى أن قال: ومن.
(٥) في (د): مثل هذه.
(٦) رحم الله الإمام الذهبي، وجزاه عن الإسلام خيرًا، فهو كما وصفه تلميذه الصلاح الصفدي ٢/ ١٦٣ بأنه لم يكن عنده جمود المحدثين، ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه، له دِرْية بأقوال الناس، ومذاهب الأئمَّة من السلف، وأرباب المقالات فهو لا يكاد يمر على حديث أو خبر في سنده ضعف أو في متنه نكارة حتى يعلق عليه، ويبين ما فيه بأسلوب علمي متزن.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
انتهى كلام الذهبي بنصِّه، وحروفِه، فقد بان لك تَصَلُّب هذا الحافظ المطَّلعِ على القطع بتنزيه هذا الإمام من هذه الحموقات، والمنكرات مع عدم مُداهنته، وسطعه بالحق حتى في مثالِبِ الأصدقاء، ومناقب الأعداء، فما رأيتُ له شبيهًا في ذلك، والله يُحِبُّ الإنصاف.
فإن قلت: ومن أين عَلِمَ صحة نفي ذلك عن أحمد حتى حَلَفَ عليه، والشهادة على النفي لا تَصِحُّ.
قلت: مثل ما يَعْلَمُ الزيديُّ كَذِبَ ذلك، لو وَجَدَهُ مسندًا إلى أئمته، وكذلك المعتزلي.
فإن قلت: إنَّ لأئمَّةِ الشيعة والمعتزلة من النصوص على ذلك ما يوجب القطع على براءتهم عن مثل هذا لو لُطِخُوا به.
قلت: هل تُريدُ أن كُلَّ أحدٍ من المكلفين يعلم براءتهم من ذلك وإن لم يشتغل بعلومِهم، ويُطَالِعْ كتبهم، ويَعْرِفْ نصوصَهم فهذا ممنوعٌ، أو تريد أن كل من اشتغل بمعرفة علومهم، ومطالعة كتبهم عرف ذلك، فهذا مسلمٌ، ولكن للذهبي في معرفة مذاهب الفقهاء، والمعلوم منها، والمظنون مثل ما لكم في معرفة مذاهب أئمتكم، ألا تراه حكى أن لأحمد بن حنبل كتابًا في نفي التشبيه في مجلدة، ثم ذكر سائر تواليفه، ومن رواها، وما يَصِحُّ منها عنه، وما لا يَصِحُّ إلى أمثال ذلك ممَّا يُفِيدُ شِدَّة العناية بمعرفة أحواله، فلا ينكر بمن بالغ في معرفة أمر أن يختصَّ فيه بما لا يعرفه سواه، لأن قرائن الأحوال إذا كثُرت، أفادت علومًا ضرورية لا يمكن التصريح بمستندها، كما تُميِّزُ حُمْرَةُ الخجل وصفرة الوَجَل (١) من غيرهما
_________________
(١) في (ب) و(د): المرض.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
بالقرائن ونحو ذلك.
ولو لم يكن في ذلك من القرائن إلاَّ ما في قصة المِحنة لمن تأملها مما يدل على براءته من هذه العظائم، فإنهم حبسوا الإمام أحمد، وضربوه، وعذبوه على مسألة القرآن، وهي أسهل من مسائل التشبيه.
وكان ابن أبي داود عَدُوَّ أحمد يتمنى ما يُشَنِّعُ به عليه، فكيف يكون في عقل عاقل: قد تظاهر أحمد بالتشبيه الفظيع، ثم ما ضربوه عليه ولا عاقبوه من أجله مع تعرُّضِهم لذلك فيما هو أهونُ منه، ثم إنه عَرَضَ في مناظرتهم ذكر التشبيه، فألزموه ذلك، كما يُلزَمُ المنكرُ الممتنع، وذلك يفيدُ العلمَ بعدم ظهوره عنه، لا يُقالُ أنه ترك إظهار ذلك تَقِيَّةً، لأن من عرف أمرَ المحنة، عَلِمَ أنه لو كان مُتَاقيًا لتاقى (١) في مسألة القرآن، فقد خاف القتل فيها، بل توعَّده المعتصم به غير مرة، وظن ذلك أحمد، بل كان أحبَّ إليه من التعذيب، فهذا مع ما تقدَّم من تأليفه في (٢) نفي التشبيه، وروايات ثقات أهل مذهبه، وثناءِ من يُكفِّرُ المشبهة عليه من سائر أهل المذاهب أوضح دليل على براءته.
وأما الشهادة على النفي، فبابُ الشهادات غير ما نحن فيه، ولها أحكامٌ أُخَرُ.
وأما أحكامُ المسلمين فإنَّما يُرجَعُ فيها إلى الظواهر، ومتعلق القطع والظن فيها هو الظواهر غالبًا، ويجوز القطعُ بالنفي في باب الحمل على السلامة، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا
_________________
(١) في (د): " متأتيًا لتأتى " وهو تحريف.
(٢) " تأليفه في " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٤٥ ]
أي فرق بين الخلق والحدوث حتى يكفر القائل بأحدهما دون الآخر؟
الوجه الأول: معارضة
سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [النور: ١٦] وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].
ويلحق بهذا (٢) فائدةٌ تتعلق بيان مقاصدهم في القرآن، فإن المغرب عنها إذا وقف على ما ذكرنا عنهم، قال بلسان الحال، أو بلسان المقال (٣): كيف يَصِحُّ إنكارُهم لخلق القرآن، وقِدَمِه؟ وكيف كَفَّرُوا من قال: بخلقه؟ ولم يُكَفِّرُوا مَنْ قال: بحدوثه!! وهل (٤) هذا إلاَّ محض الجهل ونقصانُ العقل؟!
ومن بلغ به الجهل إلى هذا الحد لم يكن معدودًا من العلماء ولا مذكورًا في (٥) " النبلاء "، وكيف يمكن سلبُ الخلق والقِدَم معًا وهو يستلزم سلب النفي والإثبات وارتفاعهما عن الشيء الواحد وذلك من المحالات الضرورية، وأيُّ فرقٍ بين الخلقِ والحدوث حتى يكفر القائل بأحدِهما دون الآخر.
والجواب: من وجهينِ معارضةٌ وتحقيق:
أمَّا المعارضة، فللمعتزلة من المتكلمين مثل ذلك، فإن أبا (٦) هاشم (٧)، يقول: إن إرادة الله حادثةٌ غير مخلوقة، ولا قديمة، والبغدادية تقول مثل ذلك في جميع أفعال العباد، لأنَّ المخلوق عندهم ما فُعِلَ بغير
_________________
(١) كذا الأصول، والآية الي بعدها كان يجب أن تذكر قبل هذه.
(٢) من ص ٢١٣ إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) في (ب): بلسان المقال أو بلسان الحال.
(٤) في (ش): فهل.
(٥) في (ش): من.
(٦) في (ش): أبو.
(٧) هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب. تقدمت ترجمته في ٢/ ٣١٨.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
الوجه الثاني: تحقيق
آلة، وكذا أفعالُ الله عند أبي عبد الله، لأن الخلق عنده الفكر.
الوجه الثاني: أنهم ما جَهِلُوا هذه العلوم الضرورية، والمعارف الأولية، التي لا يخلو مُكلَّفٌ من معرفيها، وإن كانوا ما حفظوا (١) اصطلاح أهل العقول في مجرد أسمائها الاصطلاحية، ولو كانوا مِمَّن يجهل جليات العقليات، ما صحَّ منهم استنباطُ الخفيات في الفقهيات (٢)، فإليهم (٣) المنتهى في الذكاء، وصفاء الأذهان، ومعرفة البرهان، وحفظ السنة والقرآن، ولكن العبارات مختلفةٌ منها: لغوية، واصطلاحية، وفصيحة، وركيكةٌ، وبسيطة، ووجيزة، وحقيقةٌ، ومجاز، وعامة، وخاصة (٤)، وعامة (٥) يُرادُ بها الخصوص، وخاصةٌ يُراد بها العموم، وجميع ذلك عربي شهير مستعملٌ كثير، بل اللغات عربية وعجمية، ومعربة وملحونة، ولكل أهل فنٍّ عُرْفٌ واصطلاح كما ذلك لكلِّ أهل زمنٍ (٦) وبلد.
وما أحسن قول العلاَّمة القرطبي في " شرح مسلم ": إن أكثر (٧) المتكلمين أعرَضُوا عن الطرق (٨) التي أرشد الله إليها إلى طرقٍ مبتَدَعةٍ (٩)، ومناقشاتٍ لفظيةٍ يَرِدُ بسببها على الأخذِ فيها شُبَهٌ يُعجَزُ عنها، وأحسنهم انفصالاَّ عنها (١٠) أجدلُهم، لا أعلَمُهم، فكمْ من عالمٍ بفساد الشُّبهة لا
_________________
(١) في (ب): عرفوا.
(٢) في (ش): العقليات.
(٣) في (ش): فإنهم.
(٤) في (ب): وخاصة وعامة.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): زمان.
(٧) في (ش): جميع.
(٨) في (ب): الطريق.
(٩) تحرفت في (ش) إلى: مبينة.
(١٠) " انفصالًا عنها " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٣٤٧ ]
كلام في الجدال وفي علم المنطق
يَقوَى على حلِّها، وكم مِن منفصلٍ عنها لا يُدرك حقيقة علمها.
ونحو هذا كلام الذهبي في " زغلِ العلم " (١) حين ذكر علم المنطق والجدل، وفي كلامه ما معناه: أنها علوم يتمكن الماهر فيها من نُصرة الباطل، وترجيجه على الحقِّ، وإن كان يعلمُ أنه مبطلٌ.
قلت: و(٢) ذلك بالنسبة إلى بعض الناس ممَّن يُصغي إلى الوِسواس، فلا فرق بين وسواس الشيطان، وشُبَهِ اليونان، إلاَّ أن هؤلاء شياطين الإنس، وأولئك شياطين الجن يُوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القول غُرورًا.
وَرَوَى الذهبي في " الميزان " (٣) في ترجمة أبي اليمان الحكم بن نافعٍ الحمصي، عن النواس بن سمعان مرفوعًا: " لا تُجادلوا بالقرآن، [ولا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض] (٤) فوالله إن المؤمن ليُجَادل بالقرآن فيُغلَبُ، وإن المنافق ليُجَادِلُ بالقرآن فيَغْلِبُ " (٥). ثم قال: غريبٌ جدًا مع قُوةِ إسناده.
قلت: وهذا بغير شكٍّ في بعض المؤمنين، لقوله: ﴿وجَادِلْهُمْ بِالتي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وغير ذلك.
وإذا كان هذا في الجدال بالقرآن، فكيف بعلوم اليونان، فيجب
_________________
(١) زغل العلم ص ٤٣ (طبعة مكتبة الصحوة الإسلامية) في الكويت.
(٢) "الواو" ساقطة من (ب).
(٣) ١/ ٥٨١.
(٤) ما بين حاصرتين من " الميزان ".
(٥) أخرجه الديلمي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن جده، كما ذكر في " الكنز " (٢٨٥٩).
[ ٤ / ٣٤٨ ]
على من لا يُحْسِنُ الجدالَ عن الحق تركُه.
فإذا تقرَّر هذا، فاعلم أنَّ أصل الخلاف في مسألة القرآن في زمن التابعين، وذلك أن المسلمين ما زالوا على أنَّ الله تعالى متكلمٌ (١)، وأن له كلامًا (٢) على ظاهر ذلك (٣) من غير تأويلٍ ولا تشبيهٍ (٤)، تصديقًا للنُّصوص القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بعضٍ منهُم مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] برفع الله، أي: من كلَّمه الله (٥)، وهي من أبين الآيات في الفرق بين الوحي والكلام، لأن الله أوحى إلى كُلِّ نبيٍّ، وخصَّ بعضهم بالتكليم (٦)، وفضَّله بذلك.
وقوله تعالى: ﴿وإنْ أحدٌ من المشركين استجارَكَ فأجِرْهُ حتى يسمَعَ كلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤].
_________________
(١) في (ب): تكلم.
(٢) في (ش): كلام.
(٣) في (ب): ظاهره.
(٤) في (ش): شبه.
(٥) " أي من كلمه الله " ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): بالمتكلم وفضله بالتكليم.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
وقال في الذين يشترون بعهد الله ثمنًا قليلًا نحو ذلك.
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وذكر في غير آيةٍ من كتاب الله ما كلَّم به موسى مثل قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤].
وقال تعالى: ﴿يسمعون كلام الله (١) ثم يحرِّفونه﴾ [البقرة: ٧٥].
وقال: ﴿يُريدُونَ أن يبدِّلوا كلامَ الله﴾ [الفتح: ١٥].
وقال: ﴿اتلُ ما أُوحِيَ إليكَ مِنْ كِتابِ ربِّكَ لا مُبدِّل لكلماتِه﴾ [الكهف: ٢٧]، وقال: ﴿لا تبديلَ لكلمات الله﴾ [يونس: ٦٤].
وقال: ﴿ويُريدُ الله أن يُحِقَّ الحقَّ بكلماتِه ويقطعَ دابرَ الكافرين﴾ [الأنفال: ٧]، وقال: (ويُحِق الله الحقَّ بكلماته ولو كَرِهَ المُجرمُون﴾ [يونس: ٨٢].
وقال: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربيِّ لَنَفِدَ البحرُ قبل أن تنفَدَ كلماتُ ربِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال: ﴿ولو أنَّ ما في الأرضِ
_________________
(١) هنا زيادة في (ش): لا يشك عاقل أن المراد بنحو (حتى يسمع كلام الله) هو المسموع من كلام رسول الله - ﷺ - المتلو الذي أجمع الصحابة على تدوينه وكتابته في المصاحف.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يمُدُّهُ مِنْ بعدِه سبعةُ أبحُرٍ ما نَفِدَتْ كلماتُ الله﴾ [لقمان: ٢٧].
وقال: ﴿ولكن حقَّت كلمةُ العذابِ على الكافرين﴾ [الزمر: ٧١]، وقال: ﴿إنَّ الذين حقَّت عليهم كلمةُ ربِّك لا يُؤمنون ولو جاءتهُم كُلُّ آية حتى يَرَوُا العذابَ الأليم﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وقال: ﴿وتمَّت كلمةُ ربِّك لأملأنَّ جهنَّم﴾ [هود: ١١٩]، وقال: ﴿وتمَّت كلمةُ ربِّك الحُسنَى على بني إسرائيلَ بما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وجاء في الأخبار النبوية، والآثار الصحابية من هذا ما لا يُحصى، وتكرَّر وشاع بين الخاصة والعامة، فاقتضى العلم الضروري بأنه على ظاهرِهِ بهذه القرينة، كما ثَبَتَ في نظائره، وكذلك نسبة القول إلى الله، وهو والكلامُ عبارتان عن معنىً واحدٍ، فمنه قوله سبحانه: ﴿قال اللهُ يا عيسى﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿فالحَقُّ والحقَّ أقُولُ﴾ (١) [ص: ٨٤]، وقال: ﴿ولكن حَقَّ القولُ مني﴾ [السجدة: ١٣]، وقال: ﴿لقد حَقَّ القولُ على أكثرِهم﴾ [يس: ٧].
وقال: ﴿ومَن أصدقُ مِنَ اللهِ قيلا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال: ﴿ومَن أصدَقُ مِنَ اللهِ حديثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وقال: ﴿سلامٌ قولًا من ربٍّ رحيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، وقال: ﴿قولُهُ الحقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿وإذْ قالَ ربُّك للملائكةِ﴾ [البقرة ٣٠]، ﴿وقُلنا يا آدمُ اسكُنْ أنت وزوجُك الجنةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
_________________
(١) في (ب): ﴿فالحقُّ والحق أقول لأملأنَّ جهنم﴾.
[ ٤ / ٣٥١ ]
وذُكِرَ في غير موضعٍ ما كلَّم الله به ملائكته (١) ورسله وعباده، وقال الله تعالى حاكيًا عن الملائكة: ﴿قالوا ماذا قال ربُّكُم قالوا الحقَّ وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣].
وقال: ﴿يومَ يجمَعُ الله الرُّسُل فيقولُ ماذا أُجِبْتُم﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقال: ﴿ويومَ يُناديهم فيقولُ ماذا أجبتُمُ المُرسَلينَ﴾ [القصص: ٦٥] وفي هذه الآية لفظ المناداة (٢).
وكذلك لفظ السؤال قد ورد في قوله تعالى: ﴿فلنسألنَّ الذين أُرسِلَ إليهم ولنسألنَّ المُرسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
وكذا ما ورد في القرآن على صيغة ﴿يا عبادِ لا خوفٌ عليكم اليوم﴾ (٣) [الزخرف: ٦٨]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (٤) [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١].
بل قال تعالى في الاحتجاج على بطلان ربوبية عِجْلِ السامري: ﴿أفلا يَرَوْنَ أن لا يَرْجِعَ إليهِمْ قولًا ولا يملِكُ لهُم ضَرًّا ولا نَفْعًَا﴾ [طه: ٨٩]، فدلَّ ذلك على أن من صفات الله الواجبة أن يكون متكلمًا كلامًا حقيقيًا، فكيف يَجِبُ عكس ذلك، ويُكَفَّرُ مَنْ قاله.
وقال: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا
_________________
(١) في (ش): الملائكة.
(٢) في (ش): المباداة.
(٣) في (ش): ﴿ اليوم ولا أنتم تحزنون﴾.
(٤) " يا أيُّها النبي " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٥٢ ]
هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣ - ٦٧].
وفيها أن من لا ينطق كمن لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع، وأنه لما نبَّهَهُم (١) على ذلك عرفوا أنه حقٌّ ﴿فقالوا إنَّكُم أنتُم الظالمون ثم نُكِسُوا﴾ فجحدوا الحُجَجَ الواضحة، أشار إليه الزمخشريُّ (٢).
إلى سائر ما وَرَدَ في الأخبار والآثار من ذلك مما (٣) قد أشار (٤) أحمد بن حنبل إلى بعضه في كتابه المُقدَّم إلى المتوكل، وذكر البيهقي منه طَرَفًا صالحًا في كتاب " الأسماء والصفات " (٥)، فآمن المسلمون (٦) ولم يعتقدوا فيه المجاز، ولا التشبيه، كلما آمَنوا بكلام الجمادات من غير تَجَوُّزٍ ولا تشبيهٍ، فإنه ليس للجمادات من أدوات الكلام ما للإنسان.
فإذا صحَّ الكلام في الجماد (٧) بالنصِّ والإجماع من الصدر الأول، والمحققين من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم مع عدم شبهه (٨) للإنسان في أدوات الكلام، وكان ذلك حقيقةً غير مجاز، لم يمتنِعُ مثلُه في حقِّ الله تعالى، ويكون كلامه سبحانُه مُخالِفًا لكلام جميع المخلوقات، كما أنَّ إرادته عند كثيرٍ من المعتزلة فعلٌ له تعالى لا تُوصَفُ بأنها قديمةٌ، ولا
_________________
(١) في (ب): " ينههم ".
(٢) انظر " الكشاف " ٢/ ٥٧٧.
(٣) في (ش): ما.
(٤) في (ش): أشار إليه.
(٥) انظر " الأسماء والصفات " ص ١٨١ - ٢٠٨ و٢١٦ - ٢٢٢.
(٦) تحرف في (ش) إلى: من المسلمين.
(٧) في (ب): الجمادات.
(٨) في (ش): الشبهة.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
مخلوقة، وتُوجِبُ له صفة، ويختصُّ به، ولا توجد في غيره، ولا تُوصَفُ بالحلول فيه، وهي حقيقةٌ غير مجاز، ممن قال بذلك أبو هاشم.
فما المانع من مثل ذلك في كلامه؟ وما الفرق الضروري من الدين بين كلامه في الإرادة، وكلام الظاهرية في القرآن حتى يكفروا به؟
قال الله تعالى في كلام الجمادات: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿وسخَّرنَا مع داودَ الجبالَ يُسَبِّحنَ والطيرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا دَاوُدَ مِنَّا فضلًا يا جبالُ أوبي معه والطير﴾ (١) [سبأ: ١٠].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥].
ومثل كلام الجمادات كلام الأعضاء التي ليست لها أدواتٌ، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢١].
والحجة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامةٌ في الجماد وغيره.
_________________
(١) من قوله: " وقال تعالى ولقد " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ٣٥٤ ]
وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥].
فكان المسلمون في زمن رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، وصدرًا من زمن التابعين يُؤمنون بجميع هذه الأشياء على حقائقها مع علمهم باختلاف الكلام والمتكلمين (١)، فليس كلام الإنسان الناطق باللسان مثل كلام الجمادات، والأعضاء، ولا كلام ربِّ العالمين مثل كلام (٢) شيء من خلقه أجمعين.
فلمَّا حدثت بدعة الكلام والنظر على أساليب الفلاسفة والمشي وراء الخيالات العقلية، قالت المعتزلة وكثيرٌ من المتكلمين: إنَّ جميع ما تلوناه من كتاب الله تعالى من إضافة الكلام إليها، وكذلك القول وما في معناهما من المناداة، والسؤال، كله تشبيه لله تعالى بخلقه، وذمٌّ له ﷿، وقدحٌ في ربوبيته، وكفرٌ به، وإلحادٌ في أسمائه إلاَّ أن يُتَأوَّل على ما لا تُساعِدُ عليه قواعدُ التأويل، ولا تبقى معه جلالة صوادع التنزيل، وسبحان الله أيكون أحدٌ أعرف بالله وأكره لما لا يليق به من رسول الله - ﷺ - وأهله وأصحابه وتابعيهم. فكيف يسمعون ما ظاهره الكفر والإلحاد في أسماء الله والتشبيه له بخلقه، ولا يُنَبِّهُون (٣) على تأويله أحدًا من المتعلمين، ولا من المسلمين أجمعين. والعلمُ الضروريُّ يقتضي في كل ما شاع مثل هذا في أعصارهم، ولم يذكُرْ أحدٌ منهم (٤) له تأويلًا البتة أنه على ظاهره على (٥)
_________________
(١) في (ش): والمتكلم.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): ينهون.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ب): في.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
حسبِ ما يليقُ بجلال الله من غير تشبيهٍ كعلم الله وقدرته، فإنهما صفتا كمالٍ بالإجماع.
ولو قلنا: إنهما كعلم الخلق وقُدرتهم كان تشبيهًا قبيحًا، وكفرًا صريحًا (١)، ومع ذلك فلا يَجِبُ تأويلُ ما ورد في الشرع من وَصْفِ الله تعالى بأنه عالمٌ قادر، ونحو ذلك من الحي السميع البصير.
فتأمَّل هذه القاعدة التي ذكرتها لك فيما استفاضَ على عهد رسول الله - ﷺ - استفاضةً متواترةً شائعةً (٢)، ولم يُذكر له تأويل البتة، فإنها تميز لك الصحيح من العقائد من المُبتدَعِ الفاسد.
وقال: من اعتقد استحالة الكلام من الله تعالى، أنه سبحانه لا يوصف بالقدرة على صدوره من ذاته، ولا تُضافُ إليه إلاَّ إضافة تشريفٍ كبيتِ (٣) الله، وناقةِ الله، فاعتقد المجاز (٤) في قوله تعالى: ﴿وكلَّم اللهُ موسى تَكلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، واعتقدَ أن الحقيقة أن الله تعالى خَلَقَ الكلام في الشجرة المباركة التي ذكرها الله في كتابه، وأن الكلام صَدَرَ منها لا يصح غيرُ ذلك، وكانت النصوص القرآنية على عصر (٥) التابعين على جلالتها لم تتبدَّل بكثرة التأويل، فعظُمَ على التابعين أن يكون ظاهرُ قول الله: ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا﴾ قبيحًا وضلالًا مع أن الله سبحانه نسبه إلى ذاته المقدسة، واحتج على بطلان ربوبية العجل
_________________
(١) " وكفرًا صريحًا " ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): للتشريف ككتب.
(٤) في (ش): الكلام المجاز.
(٥) في (ش): عهد.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
والأصنام بعدمه، لا بعدم القدرة على خلقه في غيرها.
وكذلك بقوله: ﴿تكليمًا﴾ مع ما شَهِدَ (١) لصحته من سائر الآيات والآثار وإجماع الصحابة على وصف الله تعالى بأنه متكلمٌ، وله كلامٌ من غير إشعارٍ بتأويل، فجَهَرُوا بتكفير من قال ذلك، إما لاعتقادهم أنه مُكَذِّبٌ (٢) لهذه الآيات، أو أن كلامه يؤولُ إلى التكذيب، ولم يكُن قد عَرَضَ في زمن الصحابة و(٣) التابعين ذكر الكلام النفسي وقدمه، فلم يذكر أحدٌ منهم هذه المسألة، وإنما كان كلامهم في اللفظيِّ الذي لم يقُل بقِدَمِه طائفةٌ من طوائِفِ المسلمين البتة، وإن شذَّ بذلك بعض المحدثين كما شذَّ أبو علي الجُبَّائي شيخ الاعتزال، فإنه قد شارك هذه الطائفة المخالفة للضرورة في شُبَهِهِم، ووقع من الرِّكَّة في مثلِ ركتِهم حيث قال: إن حكايته لكلام الله تعالى هي كلامه المبتدأ المعجِزُ، ثم انتهى به التدقيق إلى أن المسموع من القارىء شيئان.
أحدهما: كلامه.
والثاني: كلام الله تعالى، فأثبت حرفين مسموعين غير الصوت، حكاه عنه ابنُ متويه في " تذكرته " (٤).
فإذا كان هذا ضلال إمام النظارين، فأيُّ ملامةٍ على شواذِّ (٥)
_________________
(١) في (ب): يشهد.
(٢) في (ش): مكذوب.
(٣) في (ش): أو.
(٤) هو أبو محمد الحسن بن أحمد بن متويه، له كتب مشهورة " كالمحيط في أصول الدين "، و" التذكرة في لطيف الكلام ". انظر " باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل في شرح الملل والنحل " لأحمد بن يحيى بن المرتضى ص ٧١.
(٥) في (ش): سواد.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
المحدثين مع أنَّ كلام المنصور بالله يقتضي اختيار قوله في أن التلاوة هي المتلوُّ.
وكذا ذَهَبَ أبو عليٍّ إلى بقاء الكلام في الكتابة، وكمونه (١) فيها، وأنه غيرُ الصوت، فإذا قارَنَه الصوتُ سُمِعَ، وإلاَّ كَمَنَ وبَقِيَ غيرَ مسموع.
فقد بان لك الآن أن من أنكرَ قِدَمَ القرآن وخلقه، فلم يَقْصِدْ رفع النفي والإثبات، ولا جهلَ الضرورات، وإنما قَصَدَ أن الكلام الذي سَمِعَه موسى هو كلام الله على الحقيقة لا كلام الشجرة، فإنه لو كان مخلوقًا في الشجرة، كان كلام الشجرة على الحقيقة، وإنْ كان خلقًا لله، كما أنَّ الأعضاء لمَّا أنطقها الله يوم القيامة بدليلِ قولها: ﴿أنطَقَنَا اللهُ الذي أنْطَقَ كُلَّ شيءٍ﴾ [فصلت: ٢١] كان ذلك كلامَها لا كلام الله، فلذلك استشهدَها الله، ونسبَ (٢) الشهادة إليها، وقال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِم سمعُهُم وأبصَارُهُم﴾ [فصلت: ٢٠].
ومن قال بقِدَم القرآن فلم يقصِد قِدَمَ الأصوات والحروف المتعاقبة، وإنما قَصَدَ قدم الكلام النفسي الذي المرجعُ به عند المعتزلة إلى الإرادة أو العلم، كما ذلك مقررٌ في كُتُبِ الكلام.
وقد روى الذهبي عن اللالكائي في " السنة " (٣): حدثنا المخلصُ، حدثنا أبو الفضل شعيبُ بن محمد، حدثنا علي بن حرب بسام، سمعتُ شُعيبَ بن حرب، يقول: قلت لسفيان الثوري: حدِّث بحديثٍ في السنة
_________________
(١) في (ش): وبكونه.
(٢) في (ش): فنسب.
(٣) ٢/ ١٥١.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
هل القول بخلق القرآن كفر على الحقيقة أم لا، وفي هذا خلا ف العلماء
ينفعني الله به، فإذا وقفتُ بين يديه، وسألني (١) عنه، قلت: يا رب، حدثني بهذا سفيان، فأنجو أنا، وتُؤخذ (٢). قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غيرُ مخلوق، منه بدأ وإليه يعودُ، مَن قال غير ذلك فهو كافرٌ.
وقال الذهبي: هذا ثابتٌ عن سفيان، وشيخ المخلص ثقة، ذكره في ترجمة الثوري من " التذكرة " (٣).
وفي " الجامع الكافي " نحو هذا عن الإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵇ إمام الزيدية في الكوفة فإنه قال: قال و(٤) الله ﴿يا موسى إنَّني أنا اللهُ لا إله إلاَّ أنا فاعبُدني﴾ [طه: ١٤] فمن زعم أن الداعي إلى عبادته غير الله فقد ضل .. انتهى. وسيأتي مع أقوال سائر أهل البيت ﵈.
وهذا الجنس هو المعروف عن التابعين، وأئمة السنة من دون اعتقادٍ للقِدَمِ، كما ذكر الذهبي في ترجمة أحمد بن حنبل من " النبلاء " (٥)، وابن تيمية في " منهاج السنة النبوية ".
ولا شَكَّ أن القول بخلق القرآن بدعةٌ، وأمَّا (٦) أنه كفرٌ فقد أطلقه جماهيرُ أئمة السنة وجِلَّتهم، وبعضُ أئمةِ أهل البيت كما سيأتي. ثم
_________________
(١) في (ب): وسئلت.
(٢) في (ش): " وتؤخر "، وفي " السنة " للالكلائي: " وتؤاخذ ".
(٣) " تذكرة الحفاظ " ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٤) "الواو" ساقطة من (ش).
(٥) كما تقدم في محنته.
(٦) " أما " ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٣٥٩ ]
اختلفوا: هل هو كفرٌ على الحقيقة أم لا؟
قال البيهقي في " الأسماء والصفات " (١) بعد حكاية أقوال السلف في تكفير من قال بخلق القرآن: ورُوِّيناه في كتاب القَدَر عن جماعةٍ منهم أنهم كانوا لا يَرَوْنَ الصلاة خلف القَدَري ولا يُجيزون شهادته، وحكينا عن الشافعي ﵀ في كتاب " الشهادات " ما دلَّ على قبول شهادة أهل الأهواء، ما لم تبلُغُ بهم المعصيةُ مبلغَ العداوة، فحينئذٍ تُرَدُّ بالعداوة.
وحكينا عنه في كتاب " الصلاة " أنه قال: وأكرَهُ إمامة الفاسق والمُظْهِرِ البدع، ومن صلَّى خلف واحدٍ منهم أجزأتْهُ صلاته، ولم يكن عليه إعادةٌ إذا أقام (٢) الصلاة.
وقد اختلف علماؤُنا في تكفيرِ أهل الأهواء، منهم من كفَّرهم على تفصيلٍ ذكرَهُ في أهوائهم، ومنهم من لم يُكفرْهم، وزَعَمَ أن قول الشافعي في تكفيرِ مَنْ قال بخلق القرآن أراد به كُفرًا دون كفر، كقول (٣) الله ﷿: ﴿ومَنْ لَمْ يحكُم بما أنزَلَ اللهُ فأولئِكَ هُمُ الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤]، ومن قال بهذا جرى (٤) في قبول شهادتهم، وجواز الصلاة خلفهم مع الكراهية، على ما قال الشافعي ﵀ في أهل الأهواء، والمُظهِرِ البِدَع.
ثمَّ حكى (٥) عن الخطابي أنهُ لا يكفِّرُ من الخوارج والروافض (٦) إلا
_________________
(١) ص ٢٥٧.
(٢) في (ش): إذا قام.
(٣) في (ب): لقول.
(٤) " بهذا جرى " ساقط من (ش).
(٥) أي: البيهقي في " الأسماء والصفات ".
(٦) في (ش): النواصب.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
من كفَّر الصحابة. ولا من القدرية إلاَّ من كفَّرَهُ.
قال: وكانت المعتزلة في الزمان الأول على خلاف هذه الأهواء، وإنما أحدثها بعضهم في الزمان المتأخر. انتهى كلام البيهقي.
وفي " المعالم " للخطابي: الميل إلى ترك (١) التكفير مُطلقًا، فإنه مال إلى عدم تكفير الخوارج، بل ادَّعى الإجماع عليه، مع تصريحهم بتكفير خلق كثير من الصحابة، بل تكفير خيرهم في عصره بالإجماع.
وأقول: إن المختار ما أشار إليه الشافعي ﵀، لأنه لا بد من دليل على الكفر، ولا دليل هنا، لأن أدلة الكفر منحصرةٌ في ثلاثة أشياء، وهي: النصُّ، أو (٢) التكذيب، أو ما يؤول إلى التكذيب على اختلافٍ فيما يؤول إلى التكذيب.
أمَّا النصُّ فغير موجودٍ وفاقًا، أنا في القرآن فواضحٌ، وأما السنة فقد رُوِيَ في ذلك حديثٌ، اتَّفق أهل الحديث على أنه موضوعٌ، لا أصل له، ومتنه: من زعم أن القرآن مخلوقٌ فقد كفر (٣).
_________________
(١) في (ش): تركه.
(٢) في (ب) و(د) و(ش): و.
(٣) رواه الخطيب في " تاريخه " ٢/ ٣٨٩ من حديث جابر، وفي سنده محمد بن عبد بن عامر، قال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٦٣٣: معروف بوضع الحديث، وقال الدارقطني: كان يكذب ويضع الحديث. ورواه أيضًا ١٣/ ١٤٢ من حديث أنس بن مالك، وفي سنده محمد بن يحيى بن رزين قال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٣١٢: دجَّال يضع الحديث لا يحل ذكره في الكتب إلاَّ على سبيل القدح فيه. ورواه ابن عدي ١/ ٢٠٣ من حديث أبي هريرة، وفي سنده أحمد بن محمد بن حرب، وهو ممَّن يتعمد الكذب، وشيخه فيه محمد بن حميد بن حبان الرازي قال البخاري: فيه نظر، وكذبه أبو زرعة. =
[ ٤ / ٣٦١ ]
قال البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " (١): ونُقل إلينا عن أبي الدرداء مرفوعًا: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ. ورُوِيَ أيضًا ذلك (٢) عن معاذ بني جبل، وعبدِ الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله مرفوعًا. ولا يصح شيء من ذلك، أسانيدُه (٣) مظلمةٌ لا ينبغي أن يحتجَّ بشيء منها، ولا يُستشهد بشيءٍ منها (٤). انتهى بلفظه.
وذكر الحافط زين الدين أبو حفص عمر بن بدر الموصِلِّيُّ (٥) في كتابه " المغني عن الحفظ من الكتاب " بقولهم: لم يصح شيءٌ في هذا الباب ما لفظه: كلام الله قديمٌ غير مخلوق، وَرَدَ فيه أحاديث ليس فيها شيءٌ
_________________
(١) = ورواه الخطيب ١/ ٣٦٠ من طريق أبي القاسم طلحة بن علي بن الصقر الكتاني، عن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، عن محمد بن أحمد بن المهدي أبي عمارة، عن أبي نافع أحمد بن كثير، عن جعفر بن محمد العابد، عن أبي يعقوب الأعمى، عن إسماعيل بن معمر، عن محمد بن عبد الله الدغشي عن مجالد بن سعيد، عن مسروق، عن ابن مسعود. وقال: هذا الحديث منكر جدًا، وفيه مجاهيل. وقال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٤٥٦: محمد بن أحمد بن مهدي أبو عمارة قال الدارقطني: ضعيف جدًا، وقال أيضًا: متروك، ونقل عن الخطيب قوله: في حديثه مناكير وغرائب، ثم أورد هذا الخبر من طريقه، وقال: هو موضوع على مجالد. وقال السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص ٣٠٤: الحديث باطل من جميع طرقه. وقال الشوكاني في " الفوائد المجموعة " ص ٣١٣ - ٣١٤: وقد أورده صاحب اللآلىء في أول كتابه، وذكر له شواهد، وأطال في غير طائل، فالحديث موضوع، تجارًا على وضعه من لا يستحي من الله تعالى عند حدوث القول في هذه المسألة في أيام المأمون، وصار بذلك على الناس محنة كبيرة، وفتنة عمياء صمَّاء، والكلام في مثل هذا بدعة ومنكرة، لم يرد به في الكتاب ولا في السنة حرف واحد، ولا صحَّ عن السلف في ذلك شيء.
(٢) ص ٢٣٩.
(٣) في (ب): ذلك أيضًا.
(٤) في (ش): أسانيد.
(٥) قوله: " ولا يستشهد بشيء منها " ساقطة من (ب).
(٦) تقدمت ترجمته ١/ ١٨٧.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
ثابت. وقال: قاله ابن الجوزي، نقل ذلك ابن النحوي في تلخيصه (١) لكتاب زين الدين المذكور.
فهذه كلمة إجماعٍ بين حفاظ الحديث الأُمناء عليه، ومن العجب أن المعتزلة ترويه، وتؤوله بالمكذوب، وأئمة الحديث يُزَيِّفُونَه كما هو عادتُهم فيما كُذِبَ لهم، وذلك أعظم شاهدٍ لهم على أنهم أمناءُ الله على حديث رسول الله - ﷺ -، يَنْفُون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما ورد ذلك مرفوعًا في صفة حملة العلم (٢).
وأما الإجماع فهو أيضًا منتفٍ لما تقدَّم من تعذُّر العلم بالإجماع القاطع، ولأن الاختلاف في ذلك منقولٌ عن أئمة أهل السنة، كما ذكر البيهقيُّ.
ولقد نقل الذهبي في " النبلاء "، و" الميزان "، و" الكاشف " (٣) عن الحافظ علي بن الجعد أنه قال: من قال القرآن مخلوقٌ لَمْ أُعَنِّفْهُ.
فهذا عليُّ بن الجعد يقول: إنَّ القرآن غير مخلوق، كقول أهل الحديث، ومع ذلك خالف في تعنيف من قال: إنه مخلوقٌ.
وقد حكى الذهبي الوقف عن جماعةٍ وافدة، فالمتوقف غيرُ مكفِّرٍ للمخالف، فمنهم من وقف وقف حيرةٍ وشَكٍّ، ومنهم من وَقَفَ وقف حَيْطَةٍ وَوَرَعٍ.
_________________
(١) تقدم التعريف به ١/ ١٨٧.
(٢) تقدم تخريجه في ١/ ٣٠٨ - ٣١٣.
(٣) " النبلاء " ١٠/ ٤٦٥، و" الميزان " ٣/ ١١٦، و" الكاشف " ٢/ ٢٨٠، و" تذكرة الحفاظ " ١/ ٤٠٠.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
قال الذهبي في " النبلاء " (١) في ترجمة إسحاق بن أبي إسرائيل، أحدِ الواقفة: هو الإمام الحافظ الثقة.
قال شاهين بن السَّمَيْدَع: سمعت أحمد بن حنبل، يقول فيه (٢): واقفيٌّ مشؤومٌ إلاَّ أنه كَيِّسٌ صاحبُ حديث.
وقال السَّاجي: صدوقٌ، تركوه لموضع الوقف.
قال (٣): معنى قوله تركوه: أعرضُوا عن الأخذ عنه، لا أن حديثه في حيِّز المتروك المطَّرَح، قلت: أدَّاهُ وَرَعُه وجموده إلى الوقف، وقد ناظره (٤) مصعب الزبيري، فقال: لم أقُل على الشكِّ، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي.
قال الذهبي: والإنصاف فيمن هذا حاله أن يكون باقيًا على عدالته.
وحكى ابن عبد ربه في " العقد " (٥) في المجلد الرابع منه في كتاب الجوهرة في الأمثال في بيان قولهم في القرآن ما لفظه: كتب المريسي إلى أبي السري (٦) منصور بن محمد: أكتب إلي: القرآن خالقٌ أو (٧) مخلوقٌ؟ فكتب إليه: عافانا الله وإياك من كل فتنة وجعلنا وإياك من (٨) أهل السنة (٩)، ومن لا يرغب بنفسه عن الجماعة، فإنه إن يفعل فأعْطِمْ بها
_________________
(١) ١١/ ٤٧٦.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في الأصول زيادة " الذهبي "، وليست في " السير ".
(٤) في الأصول: ناظر.
(٥) ٢/ ٣٣٥، وهو في كتاب الياقوتة في العلم والأدب، لا كما ذكر في الجوهرة.
(٦) في " العقد ": إلى أبي يحيى.
(٧) في (ش): أم.
(٨) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، وهو من " العقد ".
(٩) في الأصول: الشبه.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
مِنَّةً، وإن لا يفعل فهي الهلكةُ، وليس لأحدٍ بعد المرسلين (١) على الله حجةٌ، ونحن نقول: إن الكلام في القرآن بدعةٌ، يتكلَّفُ المجيبُ المحسن ما ليس عليه، ويتعاطى السائل ما ليس له، وما نعلم خالقًا إلاَّ الله، وما سوى الله تعالى مخلوقٌ، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك إلى أسمائه التي سمَّاه الله بها فتكون من المهتدين، وذر الذين يُلحِدُون في أسمائه سيُجزون ما كانوا يعملون، ولا تُسَمِّ القرآن باسمٍ من عندك، فتكون من الظالمين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مُشفقون.
فهذا فيه إشارةٌ بينةٌ إلى شبهتهم (٢)، وتقدم جوابُها حيث أجبنا على المعتزلة إحالتهم تجرُّد القرآن عن الخلق والقِدَمِ معًا، ومراد الواقفية نحو هذا، وهو أنهم لا يسمونه إلاَّ بما سماه الله أو رسوله - ﷺ -، ولم يكن يوصف بأنه غير مخلوق، كما لم يكُن يوصف بأنه مخلوق (٣) فسكَتُوا عن ذلك، وعن الطائفتين.
فبان بهذا أنه لا يصح التمسك بالنص في تكفيرهم، لا نصِّ الكتاب ولا السنة، ولا الإجماع.
وأمَّا التمسك بأنهم مكذبون لقوله تعالى: ﴿وكلَّم اللهُ موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، فيُعارِضُه أنهم يُقِرُّون (٤) بكلام الله وتكليمه، ولكنهم يجعلونه مجازًا. وربما قال منهم قائلٌ بصحته على معنى
_________________
(١) في (ب): الرسل.
(٢) في (ش): شبههم.
(٣) من قوله: " كما لم " إلى هنا مكرر في (ش)، وفيه: " بأنه غير مخلوق ".
(٤) في (ش): يقولون.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
الخلق حقيقة، وقد تكلَّم الأصوليون من أجل هذا في مسألة في اشتقاق اسم الفاعل، وهل مِن شرطه أن يكون المعنى المشتق منه قائمًا (١) بالفاعل أم لا؟
وأجازت المعتزلة أن لا يكون قائمًا بالفاعل ليصحَّ لهم تسميته (٢) تعالى مُتكلمًا بكلامٍ غير قائم بذاته، ولا صادرٍ منها، واحتجُّوا بتسميته (٣) خالقًا، ومنعت ذلك جماعةٌ (٤) من الأشعرية، وطوَّلها ابن الحاجب في " مختصر المنتهى " (٥)، وأدقها، وهي لغويةٌ لا تحتملُ تلك الدِّقَّة التي تعلق (٦) بها.
وقد مال الرازي إلى تصحيح كلام المعتزلة، واحتج بصحة النسب، فإن قولنا في الرجل: مكي ومدني مشتقٌّ من مكة والمدينة (٧).
والحق أن هذه المسألة لغوية ليس فيها نظرٌ، ولا قياسٌ، وقد يشتقُّون مما ليس بقائمٍ بالفاعل مثلما ذكر الرازيُّ، ومثل: لابن، وتامر ولكن ما هذا مطردًا ولا قياسًا بإجماع اللغويين، ولذلك لا يُسمَّى الله لابِنًا وتامِرًا مع ورود اللغة بكذلك في من يَملِك اللبن، والتَّمر، ولذلك لا يُسمَّى حجَّارًا ومُتربًا لكونه خلق الحجار والتراب، ولا متحركًا ولا ساكنًا لمثل
_________________
(١) في (أ): " قائم "، وهو خطأ.
(٢) في (ب): تسمية الله.
(٣) في (ب): بتسمية.
(٤) في (ش): جملة.
(٥) انظر " المختصر " بشرح العضد ١/ ١٨١ - ١٨٢.
(٦) في (ش): تعلو.
(٧) " المحصول " ١/ ٣٤٤.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
الوجه الثالث: وهو التكفير بمآل المذهب
ذلك، فدلَّ على أن مسألة الكلام مستقلةٌ بنفسها لا ينقل الكلام فيها إلى غيرها.
وكذلك كل لفظية (١) لغوية، فإذا نظرنا في متكلمٍ لم نجد أهل اللغة يطلقونه على من قام الكلام بغيره.
وكذلك نَسَبَ الله كلام الأعضاء يوم القيامة إليها حقيقةً (٢) لا إليه، وعلى كلام المعتزلة: هو له حقيقة ولها مجاز، وهذا نازلٌ (٣) جدًا فإنه لا يحسُنُ أن يُستشهد بكلامه على مثل هذه الصفة، ولكنَّ اشتراط قيام (٤) المعنى المشتق منه بالفاعل في هذه المسألة، ليس مما عُلِمَ (٥) ضرورة من الدين حتى يكفر من أخطأ في ذلك قطعًا، ويُعَدَّ مُكَذِّبًا لكلام الله، وللتأويل، وللشبهة في هذا مجال نعوذ بالله من الشُّبَه والضلال، ويُقَوِّي هذا المعنى أنهم إنما قصدوا المحافظة على تصديق قوله سبحانه: " ليس كمثله شيءٌ " ومن قصد المحافظة على تصديق بعض السمع، فتأوَّل بعضه لتصديق بعضه لم يُسَمَّ مُكذِّبًا بما أوَّلَهُ، بخلاف القرامطة الذين تأوَّلوا السمعَ (٦) كُلَّه قاصدين لتبديله كلِّه، وتحريفه جميعه.
وأما الوجه الثالث: وهو التكفير بمآل المذهب، ويُسمَّى التكفير بالإلزام، فقد ذَهَبَ إليه كثيرٌ، وأنكره (٧) المحققون، منهم: محمد بن
_________________
(١) في (ب): لفظة.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): نادر.
(٤) في (ب): " كلام "، وساقطة من (ش).
(٥) في (ش): يعلم.
(٦) من قوله: " فتأوّل بعضه " إلى هنا ساقط من (ب).
(٧) في غير (ش): واستركه.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
إن العمل بالظن لا يمتنع إلا بقاطع، ولا قاطع، والجواب أن ذلك الظن غير حاصل لوجوه
الوجه الأول: إن التكفير بالإلزام، وقال المذهب رأي محض لم يرد به السمع
منصور الكوفي الشيعي العلامة، وألَّف في إنكاره كتابًا سمَّاه كتاب " الجملة والأُلفة " وحكى اختياره عن أكابر أئمَّة أهل البيت ﵈ وكبار المعتزلة، كما سيأتي بحروفه (١).
ومنهم الشيخ تقيُّ الدين في شرح " العمدة " (٢)، والرازي، والغزالي في " التفرقة " (٣)، وغير واحد، وعليه مدار أكثر التكفير، وهو عندي في غايه الضعف لما تقدَّم من اشتراط القطع في التكفير عند المعتزلة والشيعة، وطوائف من الأمة، وهو كذلك في حقِّ من أراد القطع بالكفر.
فإن قيل (٤): إنه ينزل عن هذه المرتبة إلى مرتبة الظنِّ الراجح المستند إلى السمع الواضح، والعمل بالظن لا يمتنع إلاَّ بقاطعٍ، ولا قاطع (٥)، فالجواب أن ذلك الظنَّ غير حاصلٍ أيضًا لوجوهٍ.
الوجه الأول: أن التكفير بالإلزام، ومآل المذهب رأيٌ محضٌ لم يرد به السمعُ لا تواتُرًا، ولا آحادًا (٦) ولا إجماعًا، والفرض أن أدلة التكفير والتفسيق لا تكون إلاَّ سمعيةً، فانهدَّت القاعدة، وبَقِيَ التكفير به (٧) على غير أساس.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) هو" عمدة الأحكام " للإمام عبد الغني المقدسي، شرحه تقي الدين ابن دقيق العيد بكتاب " إحكام الأحكام ".
(٣) هو" التفرقة بين الإيمان والزندقة "، وقد طبع في القاهرة سنة ١٣١٩ هـ بعنوان " رسالة في الوعظ والعقائد "، وطبعت في الهند في مجموع رسائل سنة ١٢٨٣ هـ.
(٤) في (ش): قيل له.
(٥) قوله: " ولا قاطع " ساقط من (ش).
(٦) في (ش): أحاديًا.
(٧) " به " ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٦٨ ]
الوجه الثاني: لو سلمنا أنه دل على ذلك دليل سمعي خفي لكان معارضا بما هو أوضح منه
الوجه الثالث: أنا نعلم بالضرورة منهم ضد ما ألزموهم
الوجه الرابع: أنا لو كفرنا بذلك لأمكن المعتزلة، والشيعة والظاهرية تكفير من لم يقل بحدوث القرآن
الوجه الثاني: لو سلَّمنا أنه دلَّ على ذلك دليلٌ سمعي خَفِي لكان معارضًا بما هو أوضح منه مما تقدمت الإشارة إليه في المنع من تكفير مُثبتي الصفات، وذلك ما ورد من النصوص المجمع على صحتها من أن الإسلام هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، إلى آخر الحديث (١)، وأمثاله، وشواهده.
الوجه الثالث: إنا نعلم بالضرورة منهم ضِدَّ ما ألزموهم، فكيف يصح لنا أن نُلزمهم التكذيب، ونحن نعلم منهم التصديق؟! فهذا الإلزام إن لم يوجب العلم لم يُعارِض علمنا بتصديقهم، ولا يصِحُّ أن نوجب العلم، لأن علمنا بتصديقهم ضروريٌّ، والعلوم (٢) لا تعارض (٣).
الوجه الرابع: أنا لو كفرنا بذلك لأمكن المعتزلة، والشيعة، والظاهرية تكفير من لم يقُل بحدوث القرآن لتأويله لقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ [هود: ١٧] ونحو ذلك.
الوجه الخامس: أن النصوص قد تواترت بمروق الخوارج، ومع ذلك، فما كفَّرهم كثيرٌ من أهل السنة.
وادعى الخطابي في " معالم السُّنن " الإجماع على عَدَمِ كفرهم، وجاءت أحاديث تدلُّ على ذلك، من ذلك: حديث أبي سعيدٍ الثابت في " الصحيحين " في قول عبد الله بن ذي الخُويصرة: اعْدِلْ يا رسول
_________________
(١) تقدم تخريجه في هذا الجزء ص ٩٥.
(٢) في (ب): والمعلوم.
(٣) في (ش): لا تتعارض.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
الوجه السادس: ما جاء في المتأولين من قوله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾
الوجه السابع: أنه قد ورد من الأدلة السمعية ما يعارض ذلك الظن
الله! فقال: " ويلُك، ومن يعدلُ إذا لم أعدِلْ؟ فقال عمر ﵁: ائذن لي فأضربُ عُنُقه! فقال: " دعه، فإن له أصحابًا يحقِرُ أحدُكُم صلاته مع صلاتِهِم " (١) الحديث.
ومن ذلك ما رواه أبو القاسم البغوي، عن عليِّ بن الجعد، عن شريكٍ القاضي، عن عمران بن ظبيان، عن أبي تحيى، قال: صلَّى عليٌّ ﵇ صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه عليٌّ في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] (٢).
الوجه السادس: ما جاء في المتأوِّلين من قوله تعالى (٣): ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ربنا لا تُؤاخِذنَا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وحديث: " رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهُوا عليه " (٤)، ولا شكَّ أن ترك التكفير أسلم، والخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في العُقوبة.
الوجه السابع: أنه قد ورد من الأدلة السمعية ما يُعارضُ ذلك الظن لكفر أهل التأويل مما هو أرجح منه (٥)، وذلك مثلُ حديث أنسٍ، قال:
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (١٨٦٦٩)، والبخاري (٣٦١٠) و(٥٠٥٨) و(٦١٦٣)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٨)، والبغوي في " شرح السنة " (٢٥٥٢).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢١٢ من هذا الجزء.
(٣) عبارة " من قوله تعالى " لم ترد في (ش).
(٤) تقدم تخريجه في ١/ ١٩٢ - ١٩٦.
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٣٧٠ ]
وأما قول من يقول: ما الفرق بين الخلق، والجعل، والحدوث
الجواب على ذلك
قال رسول الله ﵌: " ثلاثٌ من أصل الإيمان: الكفُّ عمن قال: لا إله إلاَّ الله، لا نُكفِّرُهُ بذنب، ولا نُخرِجُهُ من الإسلام بعَمَلٍ، والجهاد ماضٍ منذُ بعثني الله إلى أن تقاتل آخرُ أمتي الدَّجَّال، لا يُبطلُهُ جورُ جائرٍ؛ والإيمان بالأقدار " (١) رواه أبو داود (١)، وحكاه أحمد في رواية ابنه (٢) عبد الله.
فالظن الحاصل بهذا وما في معناه من الحديث أقوى من ظنِّ التكفير المستند إلى القياس.
وقد صنَّف العلامة أبو محمد بن حزم الفارسي (٣) مصنَّفًا حافلًا في المنع من تكفير أهل القِبلَة، وعقد البخاري بابًا في " صحيحه " في ذلك (٤)، وقد بسطتُ هذا في غير هذا الموضع في هذا الكتاب، والله الهادي وله الحمد والمنة.
وأما قول من يقولُ: ما الفرق بين الخلق، والجعل، والحُدُوث حتى كفَّر أحمد بن حنبل وغيرُه من قال بخلق القرآن، ولم يُكفِّرُوا من قال بحدوثه من الظاهرية؟
فالفرق: أن من قال: بخلق القرآن (٥)، إنَّما صاروا إلى ذلك لاعتقادهم أنه مستحيل (٦) على الله تعالى أن يكون متكلِّمًا على الحقيقة كما
_________________
(١) رقم (٢٥٣٢) وفي سنده يزيد بن أبي نُشبة راويه عن أنس، وهو مجهول.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) تصحفت في (ش) إلى: " الفاسي "، وكتابه المشار إليه هو: " الرد على من كفَّر المتأولين من المسلمين " ذكره الذهبي في " النبلاء " ١٨/ ١٩٥ ضن مؤلفاته.
(٤) باب " من كفَّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال " ١٠/ ٥١٤ بشرح " الفتح ".
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب) و(ش): يستحيل.
[ ٤ / ٣٧١ ]
تقدَّم، وذلك عند المكفِّرين لهم يقتضي ردَّ القرآن المعلوم، وتكذيبه، أو يؤول إلى ردِّه وتكذيبه بخلاف قول الظاهرية بحدوث القرآن وجعله، فإنهم لم يُخالفوا في كون الله تعالى متكلِّمًا على الحقيقة، وإنما قالوا ما قالوه لقوله تعالى: ﴿ومن قبله كتابُ موسى﴾ [هود: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكرٍ من ربِّهم مُحدثٍ إلاَّ استمعوه وهم يلعبون﴾ (١) [الأنبياء: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]. فقوله (٢): ﴿مُحْدَثٍ﴾ نكرة في سياقِ النفي، وذلك يُفيد العموم، والقرآن ذِكرٌ بدليل قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾ [الأنبياء: ٥٠].
واحتجُّوا -أيضًا- بما في فِطَرِ العقول من حدوثِ الأصوات، والحروف المتعاقبة؛ فإنها حجة عقلية ضرورية، وأهل السنة والظاهرية، وإن بعُدُوا من المباحث الكلامية، وبدعوا من خاض فيها، فإنهم (٣) يعنون ما دقَّ الأمر فيه (٤)، ولم يُؤمنْ أن يجُرَّ إلى بدعةٍ، وأما ما كان جليًا، فلا يمنعون من الاحتجاج به، فإنه لا بد من ذلك، ولولا ذلك، ما عرفنا صدق الأنبياء، كما أن المجنون لا يعلم صدق الأنبياء بالسمع.
ولهذا تكلم البخاري، ومسلم، والبيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " في مسألة اللفظ بالقرآن والتلاوة له، كما قرر ذلك الذهبي.
وصنف البخاري في أن اللفظ مخلوق كتاب " أفعال العباد " (٥) مع
_________________
(١) من قوله: " وقوله تعالى " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) ساقط من (ش).
(٣) في (ش): فإنما.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) ردّ فيه على الجهمية والمعطلة، وقرر فيه عقيدة أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وأن أفعال العباد مخلوقة، وهو من منشورات مؤسسة الرسالة.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
إمامته، وجلالته، ومبالغته في النَّهي عنِ البدع.
وذكر البيهقي في " الأسماء والصفات " (١): اتفاق أهل السنة على ذلك في المعنى، وأن المخالف فيه إنما أساء العبارة. هذا أو (٢) معناه، وقاله الغزالي في أول كتاب " الاقتصاد في الاعتقاد " (٣) وقد ذكر أهل الذَّكاء والفطنة من أهل (٤) البدع في الفرقة الرابعة ما لفظه -مع اختصار-: فهؤلاء يجب التَّلطُّف بهم في استمالتهم إلى الحقِّ، لا في معرِض اللَّجاج والتَّعصبُّ، فإن ذلك يُهيِجُ بواعث التمادي والإصرار، وأكثر الجهالات إنما رسخت بتعصُّبِ جماعةٍ من أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين النَّحس والإزراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة، وتعسَّر على العلماء المتلطفين (٥) محوها، حتى انتهى التعصُّب بطائفةٍ إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة، ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد، والتَّعصُّب. لما وُجِد (٦) مثلُ هذا الاعتقاد مستقرًَّا (٧) في قلب مجنون، فضلًا عن قلب عاقل.
وقال الغزالي في " القدسية ": ومن لم يعقله عقلُه، ولا نَهاه نُهاهُ عن أن يقول: لساني حادثٌ، ولكن ما يحدُثُ فيه بقدرتي (٨) الحادثة قديم، فاقطع عن عقله طمعك، وكُفَّ عن خطابه لسانك، ومن لم يفهم أن القديم
_________________
(١) ص ٢٦٤ - ٢٦٧، وعنى بالمخالف محمد بن إسحاق بن خزيمة.
(٢) في (ش): و.
(٣) ١/ ١٩٦، وهو الفصل الأول من " الإحياء ".
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ب): المحقين، وفي (ش): اللطفين.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) في (ش): بقدر في.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
عبارةٌ عمَّا ليس قبلهُ شيءٌ، وأنَّ الباء قبل السين في قوله: بسم الله، فلا يكون السِّين المتأخِّرُ عن الباء قديمًا، فنزِّه عن الالتفات إليه قلبك. انتهى.
وقد بالغ الذهبي في قُوَّة هذا مع مبالغته في النهي عن الكلام، لكن ليس من نهى عن علم الكلام، فقد نهى عن فِطَرِ العقول، كما قدمتُ في عقيدة أهل السنة، وإنما كرهوا الخوض فيما لا يُعلمُ، كما روى البيهقي في " الأسماء والصفات " (١) في هذه المسألة، عن الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرَّازي، أنه أُخْبِرَ بما جرى بنيسابور بين (٢) ابن خُزيمة وأصحابه، فقال: ما له والكلام، إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلم فيما لم (٣) نتعلَّمْهُ.
وكذا روى البيهقي (٤)، عن ابن خزيمة: أنه خرج يومًا، فقال لمنصورٍ الصَّيدلاني: ما صنعتك؟ قال: عطَّارٌ، قال: أتحسن (٥) صنعة الأساكفة؟ قال: لا، قال: أتحسن (٥) صنعة النَّجَّارين؟ قال: لا، فقال: إذا كان العطَّارُ لا يحسن غير ما هو فيه، فما تُنكِرون على فقيهٍ، راوي حديثٍ أنه لا يحسن الكلام. انتهى.
قلت: لا نَكارة عليه في عدم حِذْقِ الجدليين، ولكن عليه أن يتأدب بقوله تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ويصنع كما صنع الإمام أحمد يوم المحنة، فإن المتكلمين كانوا إذا راجعوه بعلمهم، قال: هذا شيءٌ لا أعرفه، ولا أدري ما هو، وإذا راجعوه بشيءٍ من كتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله ﵌ خاضَ معهم خوض العارفين، فكذلك فليكن السَّنِّيُّ.
_________________
(١) ص ٢٦٩.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في الأصول " لا "، والمثبت من " الأسماء والصفات ".
(٤) تقدم في ص ١٥١ من هذا الجزء.
(٥) في (ب)، " والأسماء والصفات ": تحسن.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
فإن قلت: ما الذي منع أحمد بن حنبل من موافقة الظاهرية على حدوث القرآن مع أنه ظاهر الآيات
الوجه الأول: أنهم رأوا للحدوث معنيين: حدوثا نسبيا، وحدوثا مطلقا
وأما الهجوم على الجزم باعتقاد أحد الأقوال في مسائل الخلاف النَّظريَّة من غير نصٍّ من كتاب الله تعالى، ولا سنَّةٍ (١) صحيحةٍ من مُحَدِّثٍ جامد، فيُعَرَّض للخزي في الدنيا والآخرة. نسأل الله السلامة.
فإيَّاك أيُّها السُّنِّيُّ، وطول اللجاج، وشِدَّة الشَّكيمة في مسألة اللفظ (٢)، وفي مسألة الحدوث، وفي مسألة القِدَمِ، واقتصر على أن القرآن كلامُ الله حقيقةً، وأنه كلَّم موسى ﵇، وكلَّم من شاء من أنبيائه، كما قال: منهم من كلم الله [البقرة: ٢٥٣] مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيءٌ، وسمِّ القرآن بما سمَّاه الله تعالى من الأسماء الشريفة، وكِلْ حُكْمَ من تعدِّى ذلك من المختلفين إلى الله تعالى.
فإن قلت: ما الذي مَنَعَ أحمد بن حنبل وغيره من أهلِ الحديث من مُوافقةِ الظاهريَّة على حدوث القرآن مع أنه ظاهر الآيات، ومع أنه (٣) لا يقتضي ردَّ قوله تعالى: ﴿وكلَّمَ اللهُ مُوسى تكليمًا﴾ وأمثالها، ومع كونهم لا يرون (٤) تأويل الظواهر بالرأي، والتمحُّل (٥) البعيد بغير موجبٍ؟
قلت: الذي فهمته مِنْ تكرارِ النظر في عباراتهم ومقاصدهم أحد وجهين، أو كلاهما:
الوجه الأول: أنهم رأوا للحدوث معنيين: حدوثًا نسبيًّا، وحدوثًا مُطلقًا، فالحدوث النسبي (٦) بالنظر إلى نزوله، ومجيء رسول الله ﵌، وجبريل ﵇، كقوله تعالى: ﴿إنَّه لَقَوْلُ
_________________
(١) في (ش): سنة رسول الله - ﷺ -.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ب): كونه.
(٤) في (أ) و(ج) و(د) و(ش): " يروون "، والمثبت من (ب).
(٥) في (ب): " التحمل "، وهو تحريف.
(٦) في (ب): فالنسبي هو حدوثه.
[ ٤ / ٣٧٥ ]
رسولٍ كريمٍ﴾ [التكوير: ١٩] أي حكايته، والمَحكِيُّ كلام الله لقوله: ﴿حتَّى يسمَعَ كلاَمَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦].
والحدوث المطلق حدوثُ ذاته، فتركوا الخوض في حدوث الذات لما اختلف أهل الكلام في حقيقة ذات الكلام، هل هي (١) الصوت المقطع حروفًا مفهومةً؟ أو هي المعنى الذي في النفس الذي جعل اللفظ عبارةً عنه؟ فلمَّا شوَّش أهل الكلام عليهم معرفة الذات، ورأوا الحدوث النِّسبي صحيحًا بالإجماع والنص، اقتصروا على موضع الإجماع مع لطيفة نظرية (٢)، وهي أن البلاغة تقتضي أن لا يَرِدَ اللفظ البليغ إلاَّ لإفادة معنى مُهِمٍّ أو خفيٍّ، أو ردٍّ على خصمٍ، ولا يَرِدُ بتعريف المعرَّفات، وكان حدوث الأصوات معلومًا في عهد (٣) رسول الله - ﷺ -، ولم يكن يومئذٍ من يعتقِدُ قِدَمَ الأصوات فيعرف حدوثها، أعني القدم الاصطلاحيَّ الذي معناه نفيُ الأوَّليَّة، ولا مجرَّدُ الحدوث صفة مدحٍ، فيُمدحُ به القرآن، كما مُدِحَ بكونه ضياءً وشفاءً، وهدىً، ونُورًا، فلا بُدَّ من وجه لذكره، وأقربُ ما يكون أن (٤) ذكر حُدوثه ردًّا لقول المشركين: إنَّه إفكٌ قديمٌ، وإنه أساطير الأولين، فقُوبل الإفك بالذكر، والقديمُ بالمحدث.
فكان المراد بهذا الحدوث نقيضَ القِدَم (٥) الذي أراده المشركون، ولا شكَّ أنهم أرادوا أنه أساطير الأولين اكتتبها (٦) كما صرح به القرآن (٧) لا القِدم الاصطلاحي، فكان المراد بهذا الحدوث هو حدوث نزوله ومجيئه مِنْ
_________________
(١) في (ب): هي في.
(٢) في (أ) و(ش) و(د): النظرية.
(٣) في (ب): وقت.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): " العدم "، وهو خطأ.
(٦) في (ب): التي اكتتبها.
(٧) كما في الآية (٥) من سورة الفرقان.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
عند الله تعالى في زمن (١) رسول الله - ﷺ - دون من تقدمه من الرسل. وحدوثه بهذا المعنى هو الحدوثُ النسبي المُجمَعُ على صحته، وفيه مع ذلك تشريفٌ لرسول الله ﵌، حين (٢) كان هو المختصَّ بالمجيء به، وتبرئةٌ (٣) له مما رَمَوْهُ به من اكتتاب أساطير الأوَّلين، واستراق محاسن المتقدِّمين، وهذا بيِّنٌ في سورةٍ الأحقاف في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ [الأحقاف: ١١ - ١٢]، فقابل (٤) وصفهم له بالقِدَم بتقديم (٥) كتاب موسى عليه، وبالإفك بتصديقه كتاب موسى الذي استقرَّ أنه إمامٌ ورحمةٌ، فرأوا الاقتصار على تفسيره بهذا أسلم، وإن كان غيره أعلم، لكنه (٦) على تسليم هذا وصحَّته لا يمنع (٧) من وصفه بالحدوث المطلق، أقصى ما فيه، أن يكون حدوث نزوله (٨)، ومجيئه هو مدلول المطابقة، وهو اللُّغويُّ الوضعي، وحدوث ذاته هو مدلول الالتزام، وهو الذهني العقلي كما هو مذكور في علم المعاني والبيان، وعلم أصول الفقه، لكنه شوَّش هذا عليهم سماعهم شدَّة اختلاف المتكلمين في حقيقة ذات الكلام، كما قدمته، حتى قال شيخ الاعتزال أبو علي الجُبَّائي: إن كلام الله تعالى باقٍ (٩) لا يجوز أن
_________________
(١) في (ش): زمان.
(٢) في (ب): حيث.
(٣) في (ش): وتنزيه.
(٤) في (ش): وقابل.
(٥) في (ب) و(ش): بتقديم.
(٦) في (ش): لكن
(٧) ساقطة من (ب).
(٨) في (أ): فردٍ له.
(٩) في الأصول غير (ج): باقي.
[ ٤ / ٣٧٧ ]
يَفنى، وأنه يحُلُّ في الخطِّ المكتوب، ويظهر مع الصَّوت، وهو غير الصوت. حكى هذا (١) عنه الشيخ ابن مثَّوَيه في كتابه " التَّذكرة ".
فقد وافق أبو عليٍّ الأشعرية على تفسير كلام الله تعالى بأنه غير الصوت المسموع، فلما دق النظر في باب (٢) الكلام تركه المحدثون على عادتهم في ترك أمثاله، وتركوا ما يترتَّب عليه، وإن كان الأمر في هذا قريبًا (٣)، ورأوا الحزم البُعد من مواضع التَّكفير، وإن نُسِبُوا في ذلك إلى الجهل فقد قيل: إن طريقة السلف، أسلَمُ، وطريقة الخلف أعلم، فالسعي في السلامة أولى من دعوى العلم، ومسألة الكلام (٤) سهلة، ولكن هوَّلها المتكلِّمون بتجاسُرهم على تكفير المخالف فيها. فالله المستعان.
وقد عوَّل البيهقي في " الأسماء والصفات " على هذا المعنى، وحام عليه ولم يقع، ولم تخلُص (٥) له تلك النُّكتة اللَّطيفة في وجه ذِكْرِ حدوث القرآن، وسبب وروده فقال البيهقي (٦): المراد بالذِّكر المُحْدَثِ ذكر القرآن لهم، وتلاوته عليهم، وعلمهم به، كل ذلك مُحْدَثٌ، والمذكور المتلوُّ المعلوم غير مُحْدَثٍ، كما أن ذِكْرَ العبد لله تعالى مُحْدَثٌ، والمذكور -سبحانه- غير مُحْدَثٍ.
_________________
(١) في (ب): ذكر ذلك.
(٢) في (ب) و(ش): ذات.
(٣) في (أ): " قريبًا من "، وفي (ش): " قريبًا وسهله "، وكتب فوقها: كذا في الأم، وفي (ب): " قريبًا سهله ".
(٤) من قوله: " فرأوا الحزم " إلى هنا أتى في نسخة (ب) بعد قوله الآتي: " فالله المستعان ".
(٥) في (أ) و(ج) و(د): يلخص.
(٦) ص ٢٢٩.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
وقال أيضًا: وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١]، يريد (١) والله أعلم: أنا أسمعناه (٢) المَلَكَ، وأنزلنا الملك بما سمع. وقوله: ﴿إنا نحنُ نزَّلنا الذكرَ وإنا لهُ لَحَافظون﴾ [الحجر: ٩] يريد حفظ رسومه وتلاوته.
قلت: تأويل النزول لازمٌ على مذهب المعتزلة، لأن العَرَضَ عندهم لا يُوصف بالنزول وحده، ولا بُدَّ أن يحُلَّ في جسم، وهو (٣) فيه، هذا في الأعراض الباقية، كالألوان، وأما الكلام عندهم (٤)، فإنه يزول في الوقت الثاني إلاَّ أبا عليٍّ الجُبَّائي، فإنه يقول ببقائه كما تقدم.
ويأتي في كلام الإمام الحسن بن يحيى بن الحسن (٥) بن زيد بن عليٍّ ﵈ نحو كلام البيهقيِّ هذا (٦)، فإنه ذكر أن القرآن مُحدَثٌ، ثم قال: قال الله تعالى: ﴿ما يأتِيهِمْ مِنْ ذِكرٍ من ربِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، فأحدث في قلوب العباد بالرُّسل من تنزيل الكتاب ما لم يكونوا يعلمون. انتهى بحروفه، والله أعلم بمراده.
قال البيهقيُّ: وأما الإنزال بمعنى الخلق، فغيرُ معقولٍ (٧).
قلت: صحيحٌ، ولكن تحقيقه ما ذكرته في مسألة الأفعال من أن الخلق لا يُطلق على كل فعلٍ، وهو قول البغدادية. وقد أوضحتُ الدليل
_________________
(١) في " الأسماء والصفات ": يريد به.
(٢) في (ش): سمعناه.
(٣) في (ب) و(ش): ينزل الجسم وهو.
(٤) في (ب): فإنه عندهم.
(٥) في (ب): الحسين.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) " الأسماء والصفات " ص ٢٣٠.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
عليه في موضعه مِنْ مسألة أفعال العباد في هذا الكتاب، وهذا يدل على موافقة البيهقي لما اخترتُه هنالك؛ لأن الإنزال فعل الله بغير شك، ومع هذا اعترف (١) البيهقي أنه لا يُسمى خلقًا في اللغة.
وقال البيهقي (٢) في قوله تعالى: ﴿إنَّا جعلناهُ قُرآنًا عربيًا﴾ [الزخرف: ٣]: أي (٣): سميناه، كقوله: ﴿وجَعَلُوا الملائكة الذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحمن إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، أي: سموهم، وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] إلى قول البيهقي: وأما النسخ، والإنساء والنسيان، والإذهاب، والترك، والتبعيض، فكلُّ ذلك راجعٌ إلى التلاوة والحُكم المأمور به (٤).
واحتجَّ البيهقيُّ على القِدَمِ، بقوله تعالى: ﴿لله الأمرُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: ٤] قال: وظاهره (٥) يدل على أن أمره قبل كلِّ شيءٍ، وهو معنى القديم، وبقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وبقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، قال: فأخبر أنه كان موجودًا مكتوبًا قبل الحاجة إليه (٦) في أمِّ الكتاب، وبقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، فأخبر أنه كان في اللوح المحفوظ، يريد مكتوبًا فيه، وذلك قبل الحاجة إليه، وإذا ثبت أنه كان موجودًا قبل الحاجة إليه،
_________________
(١) في (ب): اعتراف.
(٢) ص ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٣) في (ب): إنا.
(٤) " المأمور به " ساقطة من (ش).
(٥) في " الأسماء والصفات ": فظاهره.
(٦) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٣٨٠ ]
ثبت أنه لم يزلْ (١).
قلت: هذا يصلحُ حُجَّةً على المعتزلة الذين يمنعون ثُبوته قبل الحاجة إليه (٢)، أما من مَنَعَ القِدَمَ، كقدماء أهل السنة، والظاهرية والواقفية - لم يصلح هذا حجة عليه، وكلامه يُشعِرَ بتفسير الأمر في قوله ﴿لله الأمرُ﴾ بقول الله: ﴿أقيموا الصَّلاة﴾ ونحوه، وليس كذلك، وإنما الأمر هنا مثله في قول القائل: إن صاحب الأمر فلانٌ، أي صاحب الحلِّ والعقد، وهو قريبٌ من معنى الملك.
واحتج البيهقي بقوله تعالى: ﴿مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فجعل الخلق مسخرًا بالأمر، وبقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فإن أراد البيهقي الاحتجاج على قدم اللفظ، وعلى من لا يقول به من المعتزلة، وأهل السنة - كالبخاري ومسلمٍ، فضعيفٌ، خصوصًا مع مراعاة القطع بذلك، ولا سيّما متى عُورِضَ بأدلة الحدوث العقلية والسمعية، وقد ذكر الغزاليُّ أنه ضروري -أعني: حدوث اللَّفظ كما تقدم- وعبَّر عن ذلك بأحسن عبارةٍ وأجلاها.
وإن أراد البيهقي قِدَمَ الكلام النفسي، فالخوض فيه من بدَع عِلمِ الكلام، ولا يليق بالسُّنِّيِّ الخوض فيما لا يعرفه كما سيأتي، وكما مضى، مع أن الخلاف فيه يرجِعُ إلى العبارة، فإن المعتزلة لم تنكره، وإنما قالوا (٣): المرجع به إلى العلم، أو إلى الإراده، والله سبحانه عالم في القِدَمِ بالاتفاق، وهو مريدٌ عند الجمهور من المعتزلة، وعند
_________________
(١) " الأسماء والصفات " ص ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٣٨١ ]
الوجه الثاني: أنهم لما رأوا القول بخلقه شعار المعتزلة المنكرين لصحة الكلام من الله تعالى، رأوا لفظ الحدوث يقارب لفظ الخلق ويوهمه
الأشعرية، لكنهم يختلفون في إرادته: هل تُوصَفُ بالقِدَم؟ وليس في السمع فيها نصٌّ قاطعٌ، والخوض في أسماء الله تعالى، ونعوت جلاله بالرأي مما لا يرتضيه أهل السنة، ولا مُلجىء إلى ذلك.
وقد استوفيت كلام البيهقي للإفادة، وخرجتُ عن المقصود الأول، وهو ذِكْرُ الوجه في ترك كثيرٍ من أهل الحديث للقول بحدوث ذات القرآن.
الوجه الثاني: أنهم لما رأوا القول بخلقه شعار المعتزلة المنكرين لصحة الكلام من الله تعالى، رأوا لفظ الحدوث يقارب لفظ الخلق ويُوهِمُه، وإن كان لفظ الحدوث صحيحًا في نفسه عند النظر المميز بينهما، بدليل أنه امتنع مِنْ وصف القرآن بالحدوث من لم يَصِفْهُ بالقدم، كأحمد بن حنبل، وأهل الجمود على ما نقله الذهبي عنهم، وعن أحمد في ترجمة أحمد من " النبلاء "، وكذا نقل هنالك عن قدماء أهل السنة أنهم لم يَصِفُوا القرآن بأنه قديمٌ، كما لم يصفوه بأنه مخلوقٌ، واختار ذلك لنفسه.
وأما الأشعرية، فلم يصفوا (١) اللفظ بالقِدَمِ قطُّ، ونسبوا من وصفه بالقدم إلى الجهل الفاحش، وجحد الضرورة، كما تقدم في كلام الغزالي، وإنما قالوا بِقِدَم الكلام النفسي، والآية ليست من الكلام النفسي في شيءٍ، فإنه لا يُوصف بالإتيان.
فدلَّ على أن منعهم مِنْ وصف القرآن بالحدوث مع اعتقادهم
_________________
(١) من قوله: " القرآن " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٤ / ٣٨٢ ]
لحدوث اللفظ، لأنه قد صار في عُرفهم في ذلك العصر يفيد معنى محظورًا عندهم، أو يُوهِمه، أو يجري عليه، وقد يُنهى (١) عن اللفظ الصحيح لمثل ذلك، كما قال تعالى: ﴿لا تقولوا رَاعِنَا وقُولوا انظُرنا﴾ (٢) [البقرة: ١٠٤] فمنع مِن قولهم: ﴿رَاعِنا﴾ وهو لفظٌ صحيح المعنى لما تعلَّقت به مفسدةٌ يسيرةٌ، فكيف (٣) بما نحن فيه؟!
وقد صحَّ، أو تواتر، النهيُ عن أن يقول المسلم: نسيت آية كذا، بل هو أُنسِيَها لنحو ذلك (٤)، وكل هذا صحيحٌ صريحٌ في منع بعض
_________________
(١) في (د): نهى.
(٢) قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية ١/ ٢١٣: نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه ثورية لما يقصدونه من التنقص، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولون: راعِنا، يُورون بالرُّعونة كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ويقول القاسمي ﵀ في تفسيرها ٢/ ٢١٥ - ٢١٦: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا﴾ للنبي - ﷺ - (راعنا) التي تقصدون بها الرعاية والمراتبة لمقصد الخير وحفظ الجانب، فاغتنمها اليهود لموافقة كلمة سيئة عندهم، فصاروا يلوون بها ألسننهم، ويقصدون بها الرعونة، وهي إفراط الجهالة، فنهاهم عن موافقتهم في القول منعًا للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح، وعوضهم منها ما لا يتطرّق إليه فساد، فقال: وقولوا انظرنا فأبقى المعنى وصرف اللفظ أي: انظر إلينا بالحذف والإيصال أو انتظرنا على أنه من نَظَرَه، إذا انتظره. وانظر " جامع البيان " ٢/ ٤٥٩ - ٤٦٩.
(٣) في (ش): كيف.
(٤) أخرج البخاري (٥٠٣٢) و(٥٠٣٩)، ومسلم (٧٩٠)، وأحمد ١/ ٣٨٢ و٤١٧ و٤٢٣ و٤٢٩ و٤٣٨ - ٤٣٩، والترمذي (٢٩٤٢)، والنسائي ٢/ ١٥٤، والطبراني ١٠/ (١٠٢٣) و(١٠٤١٥) و(١٠٤٣٦) و(١٠٤٣٧) و(١٠٤٤٩)، والحاكم ١/ ٥٥٣، والبغوي في " شرح السنة " (١٢٢٢) من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: " بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيتُ آية كيت وكيت، بل هو نُسِّيَ واستذكروا القرآن، فإنَّه أشدُّ تَفَصِّيًّا من صدور الرجال مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِها ". =
[ ٤ / ٣٨٣ ]
العبارات الصحيحة لِمَانِعٍ يقترِنُ بها.
وهذا أقوى من الوجه الأول، وقوّته توقَّفُ على قُوَّة هذه العِلَّة، وهي خوفُ المفسدة التي هي ظنُّ السامع في المتكلِّم أنه يعتقد أن الله غير قادرٍ على أن يتكلَّم، أو يكلِّمَ أحدًا في الدنيا والآخرة.
وهذا أمرٌ يختلف بحسب اختلاف العرف بحسب البلدان والأزمان، وهو أظهرُ في مقاصدهم، كما أنه ظهر هذا المعنى مِن أحمد وغيره في منعهم ممَّا أجازه البخاري ومسلم وغيرهما، من قول القائل: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، ولم يمنعوا من ذلك شكًّا في قِدَمِهِ، فقد منعوا أيضًا من قول القائل: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ، ونصوا على المنع منهما، كما رواه البيهقيُّ في " الأسماء والصفات " (١) عن أحمد بن حنبل، والذهبي في " النُّبلاء " في ترجمة أحمد بن حنبل عنه أيضًا. قال البيهقي (٢). وقد تكَّلم محمد بن مسلم (٣) الطوسي في ذلك بعبارة رَدِيَّة، يعني: توهم قِدَمَ صوت القارىء، قال: وأخذه منه (٤) ابن خزيمة، قال: وعندي أن مرادهم نفي الخلق عن المتلوِّ، لكن لم يُحْسِنُوا العبارة، ولا تلخص (٥) لهم الفرق بين التلاوة والمتلوِّ -إلى قوله (٦): - وقد رجع محمد بن
_________________
(١) = وفي لفظ للطبراني: تعاهدوا القرآن فإنَّه وحشي، فلهو أسرعُ تَفصِّيًّا من صدور الرجال من الإبل من عُقُلها. وأخرج البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١) من حديث أبي موسى الأشعري رفعه: " تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده، لهو أشدُّ تفلُّتًا من الإبل في عُقُلِها ".
(٢) ص ٢٦٥.
(٣) نفس المصدر ص ٢٦٧.
(٤) في " الأسماء والصفات ": أسلم.
(٥) في " الأسماء والصفات ": عنه.
(٦) في (ب): تخلص.
(٧) ص ٢٦٩.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
فإن قيل: ما يقول أهل السنة في قوله تعالى: ﴿خالق كل شيء﴾ فقد احتجت به المعتزلة على خلق القرآن
أما المعتزلة
إسحاق، يعني: ابن خزيمة - إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال.
قلت: وهو يدل على ما قال البيهقي: أنهم أخطؤوا في العبارة، فمن بان له منهم معناها (١)، رجع عنه؛ لأنه خلافُ الضرورة، فلا يُخالِف فيه بعد معرفة معناه (٢) عاقلٌ، أما المتأوِّل، فظاهرٌ، وأما غيره، فلما يعرف مِنَ الاستهزاء به، فأمَّا الأئمة الذين نهوا عن ذلك وضده -كأحمد بن حنبل، وإضرابه- فإنما (٣) نهوا عنه كراهيةً لما يُلبِسُ على عوامِّ المسلمين، ويُضارع ألفاظ أهل البدع، ويتولَّد منه المِراء والتشويش.
فإن قيل: ما يقول أهل السُّنة في قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شيءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، فقد احتجت به (٤) المعتزلة على خلق القرآن، لأنه شيءٌ.
قلنا: يقولون: إن عمومها مخصوصٌ بإجماع الفريقين.
أمَّا المعتزلة، فيُخرجون منها جميع أفعال العباد، وجميع الذوات الثابتة عندهم في حال العدم، بل قد ألزمهم أهل السنة أن الله -على مذهبهم- ما خلق شيئًا قطُّ، لأن قدرته -عندهم- لا تَعلَّقُ بالذَّوات، وإنما يُكسب (٥) الذوات صفة الوجود، وصفة الوجود التي هي أثَرُ قدرته ليست بشيءٍ عندهم (٦) كما سيأتي (٧) محقَّقًا في مسألة أفعال العباد من هذا الكتاب.
_________________
(١) في (ش): معناه.
(٢) في (ب): معرفته لمعناه.
(٣) في (ب): فإنهم.
(٤) في (ب): " احتجت بها "، وفي (ش): احتج به.
(٥) في (ب): تكسب.
(٦) من قوله: " لا تعلق " إلى هنا ساقط من (ش).
(٧) في (ش): يأتي.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
وأما أهل السنة، فمعنى الآية عندهم: أن الله تعالى خالقُ كلِّ شيء من عالم الخلق، لا من عالم الأمر، فإنه لا يُسمَّى مخلوقًا، لقوله تعالى: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وهي أبينُ آيةٍ في هذا، لأنه قسَّم المسميات فيها إلى قسمين مختلفين متغايرين:
أحدهما: الخلق، وهو أخصُّهما، ولذلك قدَّمه.
وثانيهما: الأمر، وهو أعمُّهما، ولذلك أخره؛ لأن الخلق نوع من جنس الأمر يدخل تحته، بدليل قوله تعالى: ﴿وإليه يَرْجِعُ الأمرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، فدخل فيه الخلق والأمر، ولذلك قال ﷾: ﴿إنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقُولَ لَهُ كُنْ فيكُوْنُ﴾ [يس: ٨٢]، فلو كانت " كُنْ " مخلوقةً من جملة عالم الخلق، ما كانت (١) سببًا لخلق المخلوقات، ولكانت محتاجةً إلى أن يُقال لها (٢) ذلك، ويؤدي (٣) إلى التسلسل.
وسيأتي في مسألة خلق الأفعال أنه لم يَرِدْ في اللغة تسمية (٤) كلِّ شيءٍ مخلوقًا، وإن كان الخلق والأمر كلاهما لله تعالى، فَلِكُلِّ واحد منهما اسمٌ يخصه.
ومن هنا اختصَّ الوعيد بالمصوِّرين المتعرِّضين لما سمَّى (٥) خلقًا، وقيل لهم: " فليخلُقُوا حبةً أو شعيرةً " وقال ﵌:
_________________
(١) في الأصول: " كان "، والمثبت من (ب).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ب): وذلك يؤدي.
(٤) في (ب): تسميته.
(٥) في (ب): يسمَّى.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
فإن قيل: هذا الكلام خلاف إجماع أهل البيت؛ لأنهم قد أجمعوا أنه مخلوق
" أشدُّ الناسِ عذابًا يوم القيامة الذين يُضَاهُونَ بخلقِ الله "، وفي حديثٍ: " الذين يُشبِّهون بخلق الله " (١)، ولم يدخل في هذا الكلام؛ لأنه لا يُسمَّى مخلوقًا، ولا يقال يوم القيامة: اخلقُوا كلامًا، ولا يقول أهل اللغة: خلقتُ كلامًا، ولا أمرًا، ولا نهيًا إلاَّ الخلق الذي بمعنى الكذب، وليس من هذا في شيءٍ، فثبت أن كلام الله من أمر الله، لا من خلقه.
فإن قيل: هذا الكلامُ (٢) خلاف إجماع (٣) أهل البيت ﵈، لأنهم قد أجمعوا على أنه مخلوقٌ، فصرَّحوا بذلك، وردُّوا على من ادَّعى خلافه.
فالجواب: أنَّ هذا غير صحيحٍ على (٤) الإطلاق؛ لأن أهل البيت ﵈ متقدِّمون ومتأخرون.
فأما الصدر الأول من المتقدمين، فمنهم من صرَّح بمثل مذهب أهل الأثر، ومنهم من لم يُنقل عنه في ذلك نفيٌ ولا إثباث.
وأما المتأخرون منهم، فقد صار في كل فرقةٍ، وقُطر مِنْ فِرَقِ الإسلام وأقطاره منهم طائفةٌ فيهم العلم ووراثة النبوة، كما يعرف ذلك من طالع تواريخ الرجال. وقد تقدم في هذا الكتاب طرفٌ صالحٌ من ذكر
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة أحمد ٦/ ٣٦ و٨٣ و٨٥ و٨٦ و٢١٩، والبخاري (٥٩٥٤)، ومسلم (٢١٠٧) (٩١) و(٩٢)، والنسائي ٨/ ٢١٤، والبغوي في " شرح السنة " (٣٢١٥). وانظر " جامع الأصول " ٤/ ٧٩٥ - ٧٩٧ الطبعة الشامية.
(٢) في (ب): كله.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): عن.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
وأنا أورد ما يثلج الصدر، ويقطع الريب في ذلك من نصوصهم من كتبهم المشهورة
بعضهم في الكلام على سُهولة الاجتهاد وتعسُّره، وتقدم كلام الإمامين (١) المنصور بالله، والمؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵉ في تعذُّر معرفة إجماعهم، على أن الإجماع بعد الخلاف -لا سيما الكثير- لا يصح، كما هو مقرَّرٌ في الأصول.
وأنا أُورد ما يُثْلِج الصَّدر، ويقطع الرَّيب في ذلك من نصوصهم من كتبهم الشهيرة الموجودة في خزائن أئمتهم ﵈.
فأقول (٢): قال السيد الشريف الإمام أبو عبد الله، محمّد بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن عبد الرحمن العلوي الحسني في المجلد السادس مِن تأليفه المسمَّى " بالجامع الكافي في فقه الزيدية " ما لفظه: الكلام في خلق القرآن، قال محمد، يعني: ابن منصور الكوفيّ الشّيعي محبّ أهل البيت، وراوية مذاهبهم (٣) في كتاب أحمد: ذاكرت عبد الله بن موسى قول من يقول: القرآنُ مخلوقٌ، فقلت: أدركت (٤) أحدًا من أبائِك يقول به؟ قال: لا.
قال محمد: وكان عبد الله يكره الكلام فيه، وفي غيره (٥)، مِمَّا أحدث الناس، وكان عبد الله إذا ذُكِرَ له رجلٌ ممن يتكلم فيما أحدث الناس من الكلام، قال: اللهم أمتنا على الإسلام ويُمْسِكُ.
قال محمد في كتاب " الجملة ": رأيت أحمد بن عيسى يترحَّمُ (٦)
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): مذهبهم.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ب): وغيره.
(٦) في (ش): ترحّم.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
على من يقول بخلق القرآن، ومن لا يقول به، وكان عنده (١) الأخذ بالجمل (٢) محمودٌ (٣)، وترك ما فيه الفرقة، وهو عنده الاتِّباع للسلف.
قال محمد: حدثني عليُّ بن أحمد الباهلي، أنه ذاكر (٤) أحمد بن عيسى اختلاف الناس في خلق القرآن، فقال أحمد: كلا الفرقتين (٥) مخطئة في إقدام بعضهم على بعض بالبراءة.
وقال أحمد، فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد، عنه، وذكر اختلاف الناس، وتفرُّقهم في الدِّين، فقال: إني لخائفٌ على إمام لو قام (٦)، فإنه إن ذهب، توهّم (٧) كلّ فرقةٍ أنهم على حق (٨)، كان أول من يُهْلِكُ نفسه، وإن صار إلى فرقةٍ، أفسد الباقين (٩) على نفسه.
وأخبرنا محمد بن علي بن أبي الجرَّاح، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا (١٠) إسحاق بن محمد، قال: حدثني حمدان (١١) بن علي بن أيوب، قال: أخبرني بنين العطار، قال: قدم رجل كان يقدَمُ على
_________________
(١) في (ب): عند.
(٢) في (ب) و(ش): بالجملة.
(٣) ساقطة من (ب) و(ش).
(٤) في (ب): ذكر.
(٥) في الأصول " الفريقين "، والمثبت من (ش).
(٦) في (ب): قام به.
(٧) في (ب): يوهم.
(٨) في (ب): الحق.
(٩) في (ش): الباقي.
(١٠) في (ش): أخبرنا.
(١١) في (ب): " أحمد "، وفي (ش): أحمدان.
[ ٤ / ٣٨٩ ]
أحمد بن عيسى من أصحاب الكلام فيُناظره (١)، قال: فقدم البصرة، وهو مريض، فقمتُ عليه، فلم يزل عندي حتى مات، فكتبتُ إلى أحمد بن عيسى، أنه قَدِمَ عليَّ (٢) فلانٌ، وأنه لم يزل عندي عليلًا حتى مات، وكنت أفعل به، وأفعل (٣) حتى مات (٤) ﵀، وغفر له، ورضي عنه.
فكتب إليَّ أحمد: أمَّا قولك: إنِّي قمتُ عليه وفعلتُ به، فلعمري إنَّ هذا يجب، وأمَّا قولك: ﵀، ورضي عنه، وغفر له، فإنما أردت بذلك تُرضيني أن الرجل كان يلقاني فيُناظرُني، وكنت أملُّه، فلمَّا مات، انقطعت عصمتُه. قال: وكان الرجل يقول: القرآنَ مخلوقٌ.
قال الحسنيُّ (٥): حدثنا أبو حازم محمد بن علي الوشَّاء، قال: حدثنا إسحاق بن محمد المقرىء، قال: حدثنا (٦) عليّ بن الحسين بن كعب، قال: حدثنا يحيى بن حسن بن فرات، ومحمد بن جميل (٧)، ومحمد بن راشد، قالوا: سألنا عبد الله بن موسى بن عبد الله (٨)، فقلنا له: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: مَنْ زعم أنَّ القرآن مخلوقٌ، فهو كافرٌ، لأن الله ﷿ يقول (٩): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ
_________________
(١) في (ب): فناظره.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (أ) و(د): فأفعل.
(٤) عبارة " حتى مات " سقطت من (ش).
(٥) في (ش): الحسن.
(٦) في (ش): أخبرنا.
(٧) في (ش): حنبل.
(٨) " بن عبد الله " ساقطة من (ب).
(٩) في (ش): قال.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
الله﴾ [التوبة: ٦].
حدثنا محمد بن جعفر بن النجار، وأبو طالب بن (١) الصباغ، وزيد بن مصاية (٢)، عن علي بن عبد الرحمن بن ماتي، عن علي بن الحسين بن كعب بمثله.
حدثنا ميمون بن حميد، قال: حدثنا إسحاق بن محمد، قال: حدثنا عبيد بن كثير، قال: حدثنا عبَّاد بن يعقوب، ويحيى بن حسن بن فرات، قالا: سمعنا عبد الله بن موسى بن عبد الله، يقول: القرآن (٣) كلام الله ليس بمخلوق.
حدثنا الحسين بن محمد البجلي (٤) المقرىء، قال: حدثنا عليُّ بن بشير بن يعقوب، قال: حدثنا سعدان بن محمد بن سعدان، قال: سمعت الحسين بن الحكم بن مسلم يحدِّثُ أن القاسم كتب إلى عبد الله بن موسى بن عبد الله (٥) بن الحسن، يسأله عن القرآن، فكتب إليه عبد الله: نحن نرى أن الكلام في القرآن بدعةٌ، اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلَّف المجيبُ ما ليس عليه، فانتَهِ بنفسك (٦) والمختلفون في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها تكُن (٧) من المهتدين، ولا تُسَمِّ القرآن بأسماءٍ من عندك، فتكون
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ج): مضاية.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): البلخي.
(٥) من قوله: " بن موسى " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) في (ب): نفسك.
(٧) في (د): تكون.
[ ٤ / ٣٩١ ]
من الذين يلحدون في أسمائه، سيُجزون ما كانوا يعملون.
حدثنا ميمون بن علي بن حميد، قال: أخبرنا إسحاق بن محمد المقرىء، قال: حدثنا الحسن بن أبي جعفرٍ المقرىء، قال: حدثنا إبراهيم بن مبشِّر، قال: قلت لعبد الله بن موسى: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله وكتابه، فقلنا (١): إنَّ عندنا قومًا يقولون: مخلوق، ويقولون: من (٢) لم يقل: إنه مخلوقٌ فهو كافرٌ! قال: هم أولى بالكفر.
وقال محمد في كتاب (٣) " الجملة ": وسألت القاسم بن إبراهيم عن القرآن؟ فقال: كلام الله ووحيُه وتنزيله، لا يجاوز هذا إلى غيره، وهكذا كان أسلافُنَا.
قال محمد: وكان يقولُ بخلق القرآن، يُضمِرُ ذلك.
وقال لي القاسم: يقال للذين يقولون: القرآنُ مخلوق (٤)، أليس قد عَلِمَ الله أنه مخلوق، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: أليس قد عَلِمَ الله أنه مخلوقٌ، واجتزأ، مِنَ الخليقة أن قال لهم: مجعولٌ، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فلمَ لا تجتزئون مِنْ خلق الله بما اجتزأ (٥) الله به لخلقه؟
قال محمد: وذلك حثٌّ منه على القول بالجمل وترك الاختلاف والفرقة. حدثنا ميمون بن حميد، عن إسحاق بن محمد التَّمَّار، عن قاسم بن عبيد، عن بنين بن إبراهيم، قال: قلت للقاسم (٦) بن إبراهيم:
_________________
(١) في (ب) و(ش): فقلت.
(٢) في (ب) و(ش): إن من.
(٣) في (ش): كتابه.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): أخبر.
(٦) في (ب): لقاسم.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
قال لي ابن منصور عنك: إنَّك قلت: من زعم أن القرآن مخلوقٌ فقدِ ابتدع، فقال (١): نعم هما بدعتان، لم يبلغنا أنهم قالوا: مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ، ولكنا نقول: كلام الله ووحيه.
حدثنا الحسن بن أحمد بن القطان، قال: حدثنا زيد بن محمد بن أبي اليابس، قال: حدثنا قاسم بن عُبيد، قال: حدثنا أحمد بن سلام، قال: سألت: القاسم بن إبراهيم عن القرآن؟ وأخبرته بما رُوِيَ عن زيد بن علي: إنَّا لا نُشَبِّهُ بالله أحدًا، ولا نقول لكلام الله مخلوقٌ. فقال (٢): هكذا أقول (٣).
وقال محمد: حدثنا أبو الطاهر، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب (٤) عن الزُّهري، عن علي بن الحسين، أنه سُئِلَ عن القرآن، فقال: كلام الله وكتابه (٥)، لا أقول غير ذلك.
وحدثني حربُ بن حسن الطَّحَّان، عن أحمد بن مفضل، عن معاوية بن عمَّار، قال: سألتُ جعفرَ بن محمدٍ عن القرآن: خالق أو مخلوقٌ؟ قال (٦): لا خالقٌ ولا مخلوقٌ، ولكنه (٧) كلام الخالق.
_________________
(١) في (ب): قال.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) هنا زيادة في (ش) نصها: إنما قال ذلك زيد بن علي ﵇، لأن من ادَّعى أن القرآن مخلوق التشبيه من (كذا) قال: إنه غير مخلوق، فأوضح ﵇ أنه لا مانع من الجمع بين نفي التشبيه عن الله ﷿، ونفي الخلق عن كلامه سبحانه، كما يأتي قريبًا في تأويل قول الإمام القاسم إن أخاه الإمام محمدًا كان يقول بشيء من التشبيه، قال محمد بن منصور: وذلك عندهم أنه كان لا يقول بخلق القرآن.
(٤) تصحفت في (ش) إلى: ذؤيب.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): فقال.
(٧) في (ش): لكن.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
وقال محمد في كتابه (١) " الجملة "، وذكر اختلاف الناس وإكفار بعضهم بعضًا، وإقدامَ بعضهم على بعضٍ بالبراءة والتَّضليل، فقال: رأيتُ المتفرِّقين، وعاشرتُ المختلفين في المقالات من الخاصَّة والعامَّة من علماء آل الرَّسول، وأهل الفضل منهم، وغيرهم من أهل العلم والفضل مِنَ (٢) الشيعة الموجبين لإنكار المنكر وحياطة الدِّين، فما رأيتهم يُكَفِّرُ بعضُهم بعضًا، ولا يستحلُّون ذلك، ولا تبرَّأ بعضهم من بعضٍ، بل قد رأيتُ بعضهم يتولَّى بعضًا، ويترحَّم عليه بعد المعرفة منهم لمخالفة بعضهم لبعضٍ في المقالات، سمعت القاسم بن إبراهيم ذكر أخاه محمد بن إبراهيم، فقال: رحمة الله عليه ورضوانه، إنِّي لأرجو أن يكون له يوم القيامة موقفٌ يُغبطُ به، على أنه كان يقول بشيءٍ من التشبيه، وذلك عندهم أنه لا يقول بخلق القرآن، وكان يُكثِرُ التَّرحُّم عليه ما لا أُحصيه، ورثاه بأبياتٍ كتبتُها عنه.
ومِنْ ذلك أن عبد الله بن موسى ذاكرته هذا الأمر، وذكرت له القاسم بن إبراهيم، فقال عبد الله: وددِتُ أنَّه فعل حتى أكون أوَّل من يضع يده في يدِه.
قال عبدُ الله: وقد (٣) بلغني أنه يقول بخلق القرآن، ولم أسمع منه.
قال محمد: وحضرتُ عبد الله بن موسى ﵇، وجماعة من أهل بيته مجتمعين عند القاسم بن إبراهيم في منزله، فتذاكروا هذا الأمر،
_________________
(١) في (ب) و(ش): كتاب.
(٢) في (ش): ومن.
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٤ / ٣٩٤ ]
وكان منهم فيه (١) جِدُّ، أين يكون؟ وكيف التأتي له؟ وكاد القاسم أشدهم فيه ذكرًا، وكانوا يُومؤون إلى عبدِ الله بن موسى، فقال عبد الله بن موسى: أنا ليس في شيءٍ، قد ضعفت عنه (٢)، ولكن من الذي يقوم بهذا، فهذه يدي له، وكأنَّه أومأ إلى القاسم بن إبراهيم قال محمد: وكلُّ (٣) واحدٍ منهم يتولَّى صاحبه، ويدين له بالطاعة، ويؤهِّلُه لهذا الأمر الذي ليس فوقَه غايةٌ من تقليد الأحكام، والحلال والحرام، والدِّماء، والمواريث، وهذا غاية الولاية أن جعله بينه وبين الله في دينه يُحِلُّ به (٤) ويُحَرِّمُ، يُحِلُّ به الجمعة ركعتين، ويُحرِّمُ به الظهر أربعًا في وقت الجمعة.
قال محمد: وكان عمرو بن الهيثم المُراديُّ من كبار أصحاب سليمان بنِ جرير، وكان يقول: القرآن مخلوق، ويُشَدِّدُ (٥) في ذلك، وسمعته يقول: لا رَحِمَ الله ابن أبي دُوَاد (٦)، كان الناسُ على جملةٍ تُؤدِّيهم إلى الله ﷿، فطرح بينهم الفُرقة، يعني: حين أظهر المحنة في القرآن.
قال محمد: وكان عمرو بن الهيثم، وبِشْرُ بن الحسن، ومحمد بن يحيى الحجري دُعاةً لعبد الله بن موسى، ومذهبهُم واحدٌ، بعني: كانوا
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ب) و(ش).
(٤) " يحل به " ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): شدّد.
(٦) تحرف في (أ) و(ش) إلى " داود "، وهو أحمد بن أبي داود، تقدمت ترجمته ١/ ٣٥٦.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
يقولون بخلق القرآن، وكان عبد الله بن موسى قد بعث ابنيه -أو أحدهما- مع بشر بن الحسن إلى طاهر بن الحسين يدعوه إلى هذا الأمر مع معرفة عبد الله بقول بشرٍ، ومعرفة بشرٍ لعبد الله.
وقوله " بالجمل ": فلم أر أحدًا من هؤلاء دان بالبراءة مِمَّن خالفه بالمقالة (١).
قال محمد: وذكر عبد الله بن موسى، محمَّد (٢) بن يحيى الحُجري، فقال: كان أصدق أهل الكوفة لي.
قال محمد: وسمعت القاسم بن إبراهيم يقول: ما رأيت كِلْمَانِيًّا (٣) قطُّ له خشوعٌ، ثم قال: الجمل الجمل.
قال محمد: وقال لي محمد بن عبد الله الإسكافي (٤)، وكان يقول بخلق القرآن: إذا كان هذا الأمرُ، كَتَبْنَا على الأعلام: لا إله إلاَّ الله، محمدٌ رسولُ الله، القرآن كلامُ الله. يريدُ بذلك الأُلْفَةَ واجتماع الكلمة، وترك الاختلاف والفُرقةِ.
قال محمد: وقد عاشرتُ المعتزلة (٥)، ومن لا أُحصي مِنْهُم مِمَّن يقول بهذا القول، منهم: جعفر بن حرب (٦)، وجعفر بن مبشِّر
_________________
(١) في (ب) و(ش): في المقالة.
(٢) في (ب): موسى بن محمد.
(٣) في (ب): كلمانيًا.
(٤) هو أبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي أحد المتكلمين من المعتزلة، توفي سنة ٢٤٠ هـ. انظر ترجمته في " تاريخ بغداد " ٥/ ٤١٦.
(٥) في (ب): رؤساء.
(٦) هو أبو الفضل جعفر بن حرب الهمذاني المعتزلي العابد، كان مِنْ نُسَّاك القوم، وله تصانيف، توفي سنة ٢٣٦ هـ. مترجم في " السير " ١٠/ ٥٤٩ - ٥٥٠.
[ ٤ / ٣٩٦ ]
القصبيّ (١)، ومحمد بن عبد الله الإسكافي، فما سألني أحدٌ منهم قطُّ (٢) عما يختلِفُ الناس فيه من أمر القرآن، والاستطاعة، ولا كشفوني عن شيءٍ من ذلك.
وأخبرني أبو سهل (٣) الخراساني أنه كان رسول سهلِ (٣) بن سلامة، وهُوَ من كبار المعتزلة وعُبَّادهم - إلى عبد الله بن موسى يدعوه إلى أن يتقلَّد هذا الأمر، ويكون سهل (٣) عونًا له عليه.
قال محمد: فهذا غيرُ سبيلُ المنتحلين اليوم للدِّين، وغير ما أظهروا وشرَّعوا من التباين، والبراءة، والتَّكفير، وهذا هو الفرقة والاختلاف الذي نهى الله عنه في القرآن بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩].
فأخبر سبحانه أن اختلافهم بغيٌ من (٤) بعضهم على بعضٍ، وأخبر ﷿ أن في (٥) الفُرقة الضَّعف والفَشَلَ عن العدو، فحذَّر من ذلك بقوله: ﴿ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، يقول الله ﷿: فتذهب هَيْبَتُكُمْ.
_________________
(١) هو أبو محمد جعفر بن مبشر الثقفي المعتزلي. قال الذهبي: كان مع بدعته يوصف بزهد وتألُّه وعِفَّة، وله تصانيف جمة، وتبحّر في العلم. انظر ترجمته في " السير " ١٠/ ٥٤٩.
(٢) في (ش): قط منهم.
(٣) في (ش): سهيل.
(٤) في (ش): عن.
(٥) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٩٧ ]
فهذا ما ندب الله إليه مع ما رأينا عليه السلف الصالح المتقدِّم الذين (١) يصلحُ أن نجعلَهم بينا وبين الله تعالى، لأنهم لا يخلُون من (٢) إحدى منزلتين:
إما أن يكونوا علموا أنَّ الديانة فيما بينهم وبين الله تعالى القول ببعض هذه المقالات التي تنازع الناس فيها حقٌّ واجبٌ لازمٌ، فأجزأهم من ذلك الإضمار، ورأوا الصَّواب والرُّشد في الإمساك عَنِ الإظهار لما فيه مِنَ (٣) الفُرقة والاختلاف الذي نهى الله عنه، فرأوا الجمل والقول بظاهر القرآن كافيًا مُؤدِّيًا للعباد إلى الله ﷿، فتمسَّكُوا بذلك، فينبغي لِمَنْ أمَّ الدِّين، وقصد (٤) إلى الله الاقتداء بهم، والتَّمسُّك بسبيلهم.
أو يكونوا لم يعتقدوا في ظاهر الأمر وباطنه إلاَّ القول بظاهر القرآن، والجُمَلِ المجمع (٥) عليها، فقد يجبُ الاقتداء بهم أيضًا (٦) في ذلك.
قال محمد: وهذا أحمد بن عيسى قد اجتمع عليه المختلفون، واتَّخذ من يَشْرَكُه في أمره جماعة من المتفرِّقين.
وقد كتب إليه عبد الله بن محمد بن سليمان يسأله عن القرآن، وغيره باختلاف الناس فيه (٧). فكان فيما كتب إليه أحمد بن عيسى: ذكرت اختلاف الناس في القرآن، ولم يختلفوا أنه من عند الله.
_________________
(١) في (د) و(ش): الذي.
(٢) في (ش): بين.
(٣) وردت في (ب): فقط.
(٤) في (ش): وقصدوا.
(٥) في (ب) و(ج) و(د): المجتمع.
(٦) سقطت من (ش).
(٧) في (ش): عنه.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
فهذا من أحمد دليلٌ على أن الأخذ بظاهر القرآن، والجُمَل المجمع (١) عليها مجزىءٌ مؤدٍّ (٢) إلى الله تعالى، وقد علمت أن رجال أحمد بن عيسى الذين كان يُوجِّهُهم في أموره مختلفون (٣)، منهم: حسن بن هُذيل على مذهب أبي الجارود، ومنهم: عبد الرحمن بن معمر، وهو يظهر القول بخلق القرآن (٤) لا يستتر بِهِ، ومخول بن إبراهيم، وأمثالُهم كثيرٌ من المختلفين، فلم نره بان بِفرقة يُفَارِق (٥) فيها أخرى، وقد كان رحمة الله عليه عالمًا بما يَضِيقُ عليه من ذلك، وما يتَّسع له في أمر دينه، ولو ضاق عليه ذلك لم يفعله.
وهذا الحسن بن يحيى، أنا متَّصلٌ به منذ (٦) أربعين سنةً أو قريبًا من ذلك يُعاشِرُ ضُروبًا من المتدينين مختلفين في المذاهب (٧)، فما رأيته مع قوله بالجملة، وكراهية (٨) للفرقة امتحن أحدًا، ولا كشفَ له عن مذهبٍ، بل قد رأيتُه يعُمُّهم بالنَّصيحة، ويُحْسِنُ لهم العِشْرَةَ، ويترحَّمُ (٩) على مَنْ مضى من سلفه، وأهل بيته ممَّن يوافقُه في المقالة ويخالفه، هذا مع جلالة سنِّه، وكثرة علمِه، ومعرفته، بما يلزم في ذلك ويجب عليه.
قال محمد في كتاب " الجملة ": وأخبرني من أثِقُ به مِنْ آل
_________________
(١) في (ب) و(ج) و(د) و(ش): المجتمع.
(٢) في الأصول: " مؤدي "، والمثبث من (ج).
(٣) جاء في هامش (ج) و(د): " في الأصل: مختلفين ".
(٤) في (أ) و(ج) و(د): يظهر القول بالقرآن.
(٥) في (ش): مفارقة.
(٦) سقطت من (ش).
(٧) " في المذاهب " لم ترد في (ش).
(٨) في (ش): وكراهته.
(٩) في (ش): وترحم.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
الرسول (١) - ﷺ -، عن محمد بن عبد الله، أنه أوجب على من قام بهذا الأمر الدُّعاء لجميع الدِّيانين، وقَطْعَ الألقاب التي (٢) يُدعى بها فرقُ المصلين، وغلق الأبواب التي في فَتْحِ مثلِها يكون عليهم التَّلفُ (٣)، والإمساك عمَّا شتَّت الكلمة، وفرَّق الجماعة، وأغرى بين الناس فيما اختلفوا فيه وصاروا به أحزابًا، والدعاء لطبقات الناس من حيث يعقلون (٤) إلى السبيل الذي (٥) لا ينكرون، وبه يُؤَلَّفون، فيتولَّى بعضهم بعضًا، ويدينون بذلك، فإنَّ اجتماعهم عليه إثباتٌ للحق، وإزالةٌ للباطل.
قال محمد: وكذلك سمعنا عن إبراهيم بن عبد الله، أنه سُئل عن بعض ما يختلف النَّاس فيه من المذاهب، فلم يُجِبْ فيه، وقال: أعينوني على ما اجتمعنا عليه حتى نتفرَّغ لما اختلفنا فيه.
حدثنا أبو الحسن محمد بن جعفر بن محمد النحوي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: قال لي القاسم بن إبراهيم: أخبرني بعض (٦) من أثِقُ به من آل رسول الله - ﷺ -، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، أنه قال: يجب على من قام بهذا الأمر الدعاء لجميع الناس، وقطعُ الألقاب التي يدعى بها فرقُ المصلين، وذكر مثل هذا الكلام.
_________________
(١) في الأصول كلها ما عدا (أ): آل رسول الله.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: " الذي ".
(٣) تحرفت في (ش) الى: " التالف ".
(٤) في (ش): لا يعقلون.
(٥) في (ب) و(ج) و(د): التي.
(٦) " بعض " لم ترد في (أ).
[ ٤ / ٤٠٠ ]
ولسنا نقول: القرآن خالق ولا مخلوق، ولكنا نسميه بالأسماء التي سماه الله بها في محكم كتابه
قال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله - ﷺ - (١) على أن الله خالقُ كل شيءٍ، والقرآن (٢) كلام الله ووحيه وتنزيله، يُسَمَّى بما سمَّاه الله به في كتابه، لا يجاوزُ ذلك إلى غيره.
وقال الحسن -وسُئِلَ عن القرآن-: قد وجدنا الله سبحانه سمى القرآن بأسماءٍ في كتابه لم يُرِدْ من خلقه أن يتكلَّفوا للقرآن أسماء غير ما سماه الله به، وقَبِلَ ذلك من أهل الإسلام في عصر نبينا ﵇، ومن القرون التي كانت من بعده، حتى تكلم المتكلمون بالرأي، وتراقَوْا في دينهم رجمًا بالغيب إلى صفة ما لا يُدْرِكُونَه من نعت خالقهم، وحتى نحلوا القرآن أسماء برأيهم لم نجدُه منصوصًا في آيةٍ محكمةٍ يُستغنى بها عن التَّأويل، واحتجوا بأنهم لم يجدوا للمجعول (٣) معنى يصرفونه إليه إلاَّ مخلوقًا، فسمَّوا القرآن -برأيهم- مخلوقًا (٤)، ولو سمَّوه مجعولًا، كما قال - ومُنَزَّلًا ومُحْدَثًا، كما قال الله ولم يَتَرَاقَوْا رجمًا بالغيب إلى تحديد القرآن من ذات الله ﵎ عن أن يُدْرِكَه الواصفون إلاَّ بما وصف به نفسه في كتابه بلا تحديدٍ ولا تشبيه ولا تناهي.
ومعنى قوله: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرآنًا عَرَبيًّا﴾ [الزخرف: ٣]: صيَّرناه (٥)، قال الله تعالى: ﴿يا داوُدُ إنَّا جعلنَاكَ خَلِيفَةً في الأرضِ﴾ [ص: ٢٦]، يعني: إنَّا صيرناك خليفةً في الأرض.
ولسنا نقول: إن القرآن خالقٌ ولا مخلوقٌ، ولكنا نسمِّيه بالأسماء
_________________
(١) من قوله: " عن محمد بن عبد الله بن الحسن " إلى هنا ساقط من (ج).
(٢) في (ب): وأنَّ القرآن.
(٣) في (ش): للمجهول.
(٤) من قوله: " فسمّوا " إلى هنا ساقط من (ب).
(٥) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٤٠١ ]
التي سمَّاه الله بها في مُحكم كتابه، قال الله تعالى: ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تَكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ [الشورى: ٥١] وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. فمن زعم أنَّ الداعي لموسى إلى عبادته غير الله، فقد ضلَّ، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ [الشورى: ٥١].
فقد بيَّن لنا كيف (١) جهة كلامه، فكلامٌ (٢) من كلامه أرسل به جبريل إلى الرسول - ﷺ -، ومن كلامه وحيٌ بلا رسول (٣)، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. فقد أوحى بلا رسول، ومنه الوحي إلى الرسل في النوم، ومنه (٤) كلامه لموسى ﵇ بلا كيفية، فليس لنا أن نُكَيِّفَ ما لَم يُكيِّفِ الله تعالى، ولا نَحُدّ ما لم يَحُدّ الله، فمَنْ حدَّد ما لم يحد (٥) الله، فقد اجترأ على تأويل علمِ الغيب بلا حُجَّةٍ.
والقرآن (٦) كلامُ الله ووحيُه، وتنزيلُه، وكتابُه، وقال: ﴿قُرْآنٌ مجيدٌ في لوحٍ محفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، وقال: ﴿قُرْآنٌ كَرِيمٌ
_________________
(١) في (أ): كشف.
(٢) في (ب): " بكلام "، وفي (ج): " وكلام ".
(٣) من قوله: " فيوحي بإذنه ما يشاء فقد بين لنا " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (أ) و(ب): " ومن "، وهو خطأ.
(٥) في (ش): يحدد.
(٦) تحرف في (ب) إلى: وألفوا أن.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
في كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨]، وقال: ﴿لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وقال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥].
فأحدث في قلوب العباد بالرسل من تنزيل الكتاب ما لم يكونوا يعلمون، وإنَّا وجدنا الله تعالى يقول في كتابه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
فإذا كان القرآن يكونُ بـ " كُنْ " (١) وتكون " كن " بـ " كن "، فمتى يتناهي علمُ مَنْ رجم بالغيب في معرفة كينونة القرآن من ذات الله؟ وقد قال عليٌّ ﵇: يا بَرْدَهَا على الكَبِدِ (٢) إذا سئل المرء عمَّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم.
حدثنا زيد بن حاجب، عن ابن وليد (٢)، عن جعفر بن الصَّيدلاني، قال: أخبرني يحيى بن أبي عطاء البراد، أنه سمع (٢) الحسن بن يحيى، يقول: ليس بمخلوقٍ، يعني: القرآن.
_________________
(١) في (ب): أيكون كن.
(٢) من قوله: " علي " إلى قوله: " الكبد "، ومن قوله: " حدثنا زيد " إلى قوله: " وليد "، ومن قوله: " أخبرني يحيى " إلى قوله: " سمع " ساقط من (ب).
[ ٤ / ٤٠٣ ]
وقال الحسن فيما روى ابنُ صباح عنه، وهو قول محمدٍ في المسائل، وسُئِلا عمَّن يقول: القرآن مخلوقٌ أو غيرُ مخلوق، فقالا: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، نقولُ في ذلك ما قال الله، ولا نتعدَّى ذلك إلى غيره، والله خالقُ كل شيءٍ، الأول قبلَ كُلِّ شيء وخالقه، والباقي بعد كُلِّ شيءٍ (١) ووارثُه، وكلُّ ما كان دون الله (٢)، فهو مخلوق.
وقال أبو جعفر محمد بن علي ﵇: الزم ما اجتمع عليه المتفرِّقون. قال محمد: فاكتفِ بما لا اختلاف فيه، ولا فُرقَةَ من الجملة التي دلَّ عليها الكتاب (٣)، وما اجتمع عليه مِنَ الخبر عن رسول الله - ﷺ -، فإن المحنة عندنا في القرآن بدعةٌ.
فأمَّا من يقول: إنَّ الله تعالى لم يُكَلِّم موسى تكليمًا، فإن هذا رادٌّ لتنزيل القرآن، بل نقول كما قال الله ﷿: ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤] على معنى ما أراد، لسنا نُكيِّفُ ذلك. وقد علمنا أن الكلام من الله ﷿ على وجوه شتَّى، وكذلك الوحي منه على وجوه شتَّى، قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
فهذه حالات الأنبياء، وقوله: ﴿إلاَّ وَحْيًَا﴾ في النوم، وكذلك
كان (٤) أمرُ النبيِّ ﵇ خمس سنين أنه يرى في النوم الوحيَ، ثمَّ
_________________
(١) من قوله: " وخالقه " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) في (ش): من دون ذلك.
(٣) في (ش): الكتاب والسنة.
(٤) في (ش): كذلك وكان.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
ظهر له جبريل بعد ذلك (١)، وأما قوله: ﴿أو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فكما كلَّم موسى ﵇. وأمَّا قوله: ﴿أو يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، فهو جبريل.
قال محمَّد، وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ [يس: ٨٢]، فقال: نقول في ذلك ما قال الله تعالى، ولا نكيفه، ويقال -والله أعلم-: إن لوحًا بين عيني إسرافيل، فإذا أراد الله أمرًا، أقرأه (٢) إسرافيلَ في ذلك اللوح.
تمَّ بعونه تعالى الجزء الرابع من العواصم والقواصم
ويليه إن شاء الله
الجزء الخامس وأوله: الوهم السادس عشر: قال: وقد نسب إلى الشافعي القول بالرؤية
_________________
(١) في خبر عائشة المطول في البخاري (٣): أول ما بدىء به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاَّ جاءت مثل فَلَقِ الصبح وانظر " الفتح " ١/ ٢٧.
(٢) في (د): قرأه.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط