مؤسسة الرسالة
[ ٧ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٧
[ ٧ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ٧ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٧ / ٤ ]
المرتبة الخامسة: الكلامُ في أفعال العباد.
وإنما قدمت (١) الكلام في المراتب الأربع، لأنها أساس الكلام فيها (٢)، وهي من فضلات المسائل وفروعها، والأصل المُعتَمَد في الباب مسألة الإرادة، ولذلك أهمل الغزالي مسألة الأفعال والخوض فيها في كتابه " الاقتصاد " فأصاب.
ومن اعتقد نفوذ مشيئة الله تعالى، وأن العبد فختار، وأنه غير مُستَقِلٍّ بنفسه، فقد استغنى عن الخوض فيه، عدا ذلك.
وإنما تكلمتُ على مسألة الأفعال لِغَلَطِ المعتزلة على أهل السنة فيها، وجهل كثيرٍ من أهل السنة بمذهب (٣) أئمتهم فيها، فيجب الإمساك عن الخوض فيها، والتحقيق (٤) في البحث عنها، وأكثر الناس لا يصبر عن الخوض فيما لا يعنيه، ولا يتكلم بتحقيق ما يخوض فيه، وهذا هو الذي أفسد الدِّين والدنيا، فرحم الله من تكلَّم بعلم، أو سكت بحِلْمٍ.
واعلم أنه لا خلاف بين المسلمين أن للعباد أفعالًا مضافةً إليهم يسمون بها مطيعين وعصاة، ويثابون على حَسَنِها، ويستحقون العقاب على قبيحها (٥)، وأن الله تعالى قد أقام الحجة عليهم، وله الحجة البالغة لا عليه، وأن عقابه لمن
_________________
(١) في (ش): قدمنا.
(٢) في (ش): فيهما، وهو خطأ.
(٣) في (أ): لمذاهب، والمثبت من (ش).
(٤) في (أ): أو التحقيق، والمثبت من (ش).
(٥) في (ش): قبحها.
[ ٧ / ٥ ]
عاقبه (١) منهم عدل منه لا جَوْرَ فيه ولا ظلم. وعلم جميع (٢) هذا ضرورة من الدين (٣).
وأجمعوا على أن أفعال العباد اختيارية غير اضطرارية، وأن الفرق بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب ضروري، إلاَّ من لا يُعْتَدُّ به في الإجماع مِنْ سَقَطِ المتاع الذين لم يرجعوا (٤) إلى تحقيق في النظر، ولا إلى حسن في الاتباع، ولا لهم في ذلك سَلَفٌ ماضٍ، ولا خَلَفٌ باقٍ، وهؤلاء هم الجَبْرِيَّة.
فالجبرية الخالصة، منهم الذين لا يثبتون للعبد قدرة أصلًا، والجبرية المتوسطة، منهم من يثبت للعبد قدرة، ولكن غير مؤثرة أصلًا. ذكرهما الشهرستاني في " الملل والنِّحَل " (٥).
قال: فأما من أثبت (٦) للقدرة الحادثة أثرًا ما في الفعل (٧)، وسمى ذلك كسبًا، فليس بجبري.
ثم اختلف القائلون بالاختيار وتأثير قدرة العبد في العبارات اختلافًا متباعدًا في المعنى.
والأصل في ذلك أن من ترجم عن أصول الأشياء ورجوعها إلى الله تعالى في الابتداء والانتهاء، وكونها بتقديره وتدبيره، أوجبت (٨) عبارته نفي الاختيار.
ومن ترجم عن كمال حجة الله على عباده وتمكينهم وبيانه لهم، أوهمت عبارته استقلالهم بأنفسهم، واستبدادهم بحولهم وقوتهم.
_________________
(١) قوله: " لمن عاقبه " سقط من (ش).
(٢) لفظة: " جميع " لم ترد في (ش).
(٣) تحرف في (ش) إلى: البين.
(٤) في (ش): لا يرجعون.
(٥) ١/ ٨٥.
(٦) في (أ) و(ف): يثبت، والمثبت من (ش).
(٧) قوله: " في الفعل " لم يرد في الأصول، وأثبته من كتاب " الملل والنحل ".
(٨) في (أ) و(ف): أوجب، والمثبت من (ش).
[ ٧ / ٦ ]
ومن (١) قصد من الطائفتين شيئًا من ذلك، فقد ضلَّ وابتدع، وخالف دليل العقل والسمع وإجماع السلف.
والذي أجمعت عليه فِرَق أهل السنة أن العبد غير مستقل بنفسه، وذلك لما يجده العاقل من الضرورة والفطرة العقلية من شدة الحاجة إلى إعانة ربه ﷿ ومالكه له في كل أمر مع علمه الضروري بالتمكين وطلب الاستعانة من ربه فيه، وعدم الهم والعزم فيما لم يُقدره الله عليه (٢)، وعدم الطلب للاستعانة (٣) عليه.
ومن هنا قال الله تعالى في فاتحة الكتاب التي يقرأ بها كل مصلٍّ في فرائضه سبع عشرة مرة في كل يومٍ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٥ - ٦] فطلب الإعانة والهداية أوضح دليلٍ على عدم الاستقلال والكفاية، وعلى أن للعبد فعلًا يستعين بالله عليه، ويحتاج في تمامه إليه، ولا يمنع من ذلك ورود الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].
فقد قال تعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ بالله﴾ [النحل: ١٢٧] فأمر سبحانه بالصبر، ومنع استقلال أكمل عباده به.
وعلى ذلك نبَّه القرآن الكريم في قراءة " المخلَصين " بفتح اللام وكسرها في السبع المتواترة في غير آية من كتاب الله ﷿ وأمثال ذلك كما مضى في مرتبة الأقدار (٤).
واعلم أن مراد أهل السنة بخَلْقِ الأفعال المبالغة في تنزيه الرب سبحانه من الشرك في الخلق لقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله﴾ [فاطر: ٣] وليس غرضهم نفي حجة الله.
_________________
(١) في (أ) و(ف): إن، والمثبت من (ش).
(٢) في (ش): فيما لم يقدر عليه.
(٣) في (ش): طلب الاستعانة.
(٤) في (ش): الأفعال.
[ ٧ / ٧ ]
بحث في إثبات الذوات في العدم
وكذلك تُثبِتُ كل طائفة منهم أمرًا يستحق عليه العبد الجزاء كما سيأتي.
وهذه نكتة نفيسة جدًا، فهذا القدر هو الذي أجمع أهل السنة عليه في الجملة، ثم اقتصر أهل الحديث عليه، ومَنْ تجاوزه، فقد دخل في علم الكلام على قدر مجاوزته.
واختلف أهل الكلام منهم في تفصيل (١) هذه الجملة وتعيين أثر قدرة الرب ﷿، وأثر قدرة العبد، وتمييز أحد الأثَرَيْنِ على الآخر، وانتهى الأمر في ذلك إلى الدِّفَّة والغموض على كل مذهب، حتى قالت المعتزلة: إن الذوات ثابتةٌ في الأزل (٢)، وهي غير مقدورةٍ لله ﷿، والوجود حال غير مقدور له سبحانه ولا لخلقه.
وقالت الأشعريةُ لهم: إذا كان كذلك، كان التكليف بالإيجاد تكليفًا بالمحال، لأن الوجود والموجود عند المعتزلة غير مقدورين.
فأجابت المعتزله بأن المقدور الذات على صفة الوجود، لا كل واحد منهما منفردًا.
قالت الأشعرية: هذه عبارة لا طائل تحتها، لأن المراد بذلك إما الذات (٣) وحدها، أو الوجود وحده، أو مجموعهما، وليس في العقل قسمةٌ وراء ذلك، وعندكم الأقسام الثلاثة غير مقدورة، فيكون التكليف بتصوُّر القسم الرابع محالًا فضلًا عن التكليف بتحصيله.
ومن المعتزلة من ألجأه هذا الالتزام (٤) بأن المقدور هو الوجود لا الموجود، ويحتاج إلى إقامة برهان قاطع على تغايرهما، وبين أذكياء العقلاء في هذا نزاعٌ كثير، ومباحث غامضة.
_________________
(١) لفظة: " تفصيل " لم ترد في (ش).
(٢) في (ش): العدم.
(٣) في (ش): الذوات.
(٤) في (ش): الإلزام.
[ ٧ / ٨ ]
واعلم أن الذي ألجأ المعتزلة إلى إثبات الذوات في العدم استبعاد أن يتعلق العلم بغير شيءٍ حقيقي في الأزل، وقد اضطرهم ذلك إلى أبعد منه وهو تعليقهم القدرة بغير شيء حقيقي فيما لم يزل (١)، لأن الأشياء الحقيقية تثبت عندهم في الأزل لتعلق العلم بها، فلَيتَهم قَنِعوا في متعلق العلم بنحو ما قَنِعوا به في متعلق القدرة، وعكسوا مذهبهم في المسألتين كما فعل أهل السنة، بل كما فعل أصحابهم أصحاب أبي الحسين (٢) الذين سَلِموا من هاتين الشَّناعَتَيْن.
وفي هذا من الرِّكَّة والدقة ما ترى، وإنما قدمته لك قبل مذاهب الأشعرية حتى لا تستنكر ما ترى في بعضها من الدقة أو الركة، فإن أركها لا يزيد في الضعف على هذا، ولا يلزم منه أفحش مما يلزم من هذا.
فطوبى لأهل الحديث والأثر، وهنيئًا لهم السلامة ولذة الخشوع والتلاوة والمناجاة، واتباع الرسل (٣) عليهم الصلاة والسلام، ولولا محبتهم ومحبة الذَّبِّ عنهم (٤)، وعن علمهم الذي ورَّثَه الرسول - ﷺ - ما رَضِيتُ أن أرسم من هذا لفظة، ولا أُفرِّط لأجله في لحظة، ولولا مشاركة الأشعرية لهم (٥) في رواية الحديث والتفسير، وقدح المعترض في السنة النبوية بروايتها عمن يخالف المعتزلة، وتعرُّضُه (٦) لتكفير الرواة وتحريم الرواية عنهم، ما احتجت إلى تحقيق مذاهبهم، وتلخيص مقاصدهم.
وإنما قصدتُ إيضاحها ليظهر عدم ما ادَّعاه من أنهم تعمدوا جحد المعلوم
_________________
(١) من قوله: " وقد اضطرهم " إلى هنا، سقط من (ش).
(٢) هو محمد بن علي البصري المعتزلي، المتوفى سنة (٤٣٦ هـ)، صاحب كتاب " المعتمد " في الأصول.
(٣) في (أ) و(ف): الرسول، والمثبت من (ش) وهو الصواب.
(٤) في (ش): عليهم، وهو خطأ.
(٥) في (أ) و(ش) و(ف): ولولا شاركهم الأشعرية في
(٦) في (أ) و(ش) و(ف): تعرض.
[ ٧ / ٩ ]
افتراق الأشعرية والمعتزلة في ذلك إلى عشر فرق
ضرورةً من الدِّين، وربما حصل للسني (١) برؤية الأمور الاعتبارية، والاغتباط بعلمه، فإن من لم يعرف علم الكلام ربما جوَّز أنهم على حقائق قد فازوا بمعرفتها دون الخلق، فلا بأس عندي بالنظر فيه لذلك ممن هو كامل الإيمان من غير تحكيمٍ للرأي على السنة والقرآن، ولا يوجد في النصوص الصحيحة ما يُحرِّم هذا القَدْرَ (٢)، والله أعلم.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن الأشعرية والمعتزلة قد افترقوا في ذلك عشر فِرَقٍ أو أكثر من ذلك.
الفرقة الأولى من المعتزلة: ذهبت إلى أن فعل العبد جعل الذات الثابتة عندهم في العدم على صفة الوجود، فإن تلك الذات غير مقدورةٍ ولا الوجود ولا مجموعهما كما مر ذكره.
الفرقة الثانية منهم: جعلوا الوجود هو مقدور العبد وأثر قدرته، وهو عندهم صفة أو حال وليس بشيءٍ حقيقيٍّ، ذكرهما عنهم ابن المُطَهِّر الحِلِّي في شرح " منتهى السُّول " (٣) في الكلام على الاشتقاق لاسم الفاعل.
الفرقة الثالثة منهم: قالت: لا فعل للعبد إلاَّ الإرادة، منهم: الجاحظ وثُمامة (٤)، وسيأتي أنه مثل قول بعض الأشعرية: إنه لا فعل له إلاَّ الاختيار.
_________________
(١) في (أ): للشيء، وهو خطأ، والمثبت من (ش).
(٢) لفظة: " القدر " لم ترد في (ش).
(٣) ابن المطهر الحلِّي مر التنبيه على ترجمته في الجزء الثاني ص ١٢٣ من هذا الكتاب، وشرحه لكتاب " منتهى السول " سماه " غاية الوضوح وإيضاح السبل في شرح منتهى السول والأمل " قال ابن كثير عنه في " البداية والنهاية " ١٤/ ١٢٥: رأيت له مجلدين في أصول الفقه على طريقة " المحصول " و" الإحكام "، فلا بأس به، فإنه مشتمل على نقل كثير، وتوجيه جيد.
(٤) هو ثُمامة بن أشرس أبو معن النُّميري البصري المتكلم، من رؤوس المعتزلة شيخ الجاحظ، توفي سنة ٢١٣ هـ. انظر ترجمته في " سير أعلام النبلاء " ١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٦.
[ ٧ / ١٠ ]
الفرقة الرابعة منهم: ذهبت إلى أن أفعال العباد حوادث لا مُحدِثَ لها.
وهذان المذهبان معروفان في كتب المعتزلة ونقلهم، وسيأتي بيانهما في ضِمْن بيان مذهب الأشعرية.
الفرقة الخامسة: ذَكَرَتْ أن أفعال العباد لا تَعَدَّى محل القُدرة، وما تعدَّاه فعل الله، وأنها حركاتٌ كلها، والسكون حركة اعتمادٍ، والعلوم والإرادات حركات النفس. حكاه الشهرستاني عن النظام قال: ولم يُرِد بالحركة النقلة، وإنما الحركة عنده مبدأ تغيُّرٍ ما، كما قالت الفلاسفة. ذكره في كتاب " الملل والنحل " (١).
الفرقة السادسة: قالت إن تأثير قدرة العبد في الحركة والسكون، وإنهما صفةٌ إضافية لا ذاتٌ حقيقيةٌ.
وهو قول الشيخ أبي الحسين وأصحابه وأتباعهم، ويَنَوْه على أن المعدوم ليس بشيء (٢).
وإلى نحو مذهبهم ذهب الجويني من الأشعرية، إلاَّ أنه يقول: إن الأكوان ذواتٌ، كما سيأتي تحقيق مذهبه.
الطائفة السابعة: يقولون: إن المتولَّدات أفعالٌ لا فاعل لها.
الطائفة الثامنة: يقولون: إن ما عدا الإرادة من أفعال العباد أحداثٌ لا مُحدِثَ لها، وحكاهما الشهرستاني (٣) عن ثُمامَة، وربما يُوجَدُ في كتب المقالات غير هذه الأقوال عن المعتزلة وحدهم.
وأما الأشعرية فافترقوا في ذلك أربع فرقٍ:
_________________
(١) ١/ ٥٥.
(٢) في (أ): لشيء، والمثبت من (ش).
(٣) في " الملل والنحل " ١/ ٧١.
[ ٧ / ١١ ]
الكلام في أن فعل العبد بنفسه الذي اثرت فيه قدرته هو بعينه مخلوق لله تعالى
الفرقة الأولى: قالوا (١): إن فعل العبد بنفسه الذي أثَّرت فيه قدرته هو بعينه مخلوقٌ لله تعالى على الحقيقة، وإن الشيء الذي خلقه الله تعالى، والشيء الذي فعله العبد من ذلك، هو شيء واحد مقدورٌ بين قادرين.
وقد روى هذا الإمام أحمد بن عيسى بن زيد ﵈ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، حكاه عنه صاحب " الجامع الكافي في مذهب الزيدية " كما يأتي نصُّه، وكما تقدم معناه، وأنه قول أهل ذلك العصر الأول من أهل البيت وشيعتهم، كما تقدم في مسألة المشيئة مبسوطًا.
ويأتي النص على هذا المعنى عن محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى ﵇ مذهبًا له، وروايةً عن علي ﵇ آخر هذه المسألة.
وهذا هو ظاهر عبارات من لم يَخُض في دقيق الكلام من أهل الحديث والأثر، وهو ظاهر اختيار أبي نصر بن السُّبْكيِّ في كتابه " جَمْع الجوامع ".
وهو ظاهر عباره الغزالي في " الإحياء " فإنه نص على خلق الله للاختيار، وعلى بطلان الجبر، وادعى الضرورة في بطلانه. ذكره في " الإحياء " (٢) في الرسالة القُدْسِيَّة منه.
ويشبه أن يكون هذا قول أبي إسحاق الإسفراييني (٣)، كذا وجدته بخطي فيما علَّقْتُه من كتب الرازي، وأظنه قاله في كتاب " الأربعين "، وأما في " نهاية العقول "، فجعل قول أبي إسحاق كقول الجُوَيني كما يأتي.
_________________
(١) لفظة: " قالوا " سقطت من (أ)، وأثبتها من (ش).
(٢) ١/ ١١١، والرسالة القدسية، سميت كذلك لأنه كتبها في القدس، وقد تقدمت الإشارة إليها في الجزء الثالث من هذا الكتاب، ص ٤٣٨.
(٣) هو الإمام العلامة الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الإسفراييني الأصولي الشافعي، الملقب ركن الدين، أحد المجتهدين في عصره، وصاحب التصانيف الباهرة. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٧/ ٣٥٣ - ٣٥٦.
[ ٧ / ١٢ ]
قال الشهرستاني في " نهايته " عن الأستاذ أنه قال: كل ما وقع على التعاون، فهو كسب للمستعين، وحقيقة الخلق هو وقوع الفعل بقدرته مع صحة انفراده به.
قال: وهذا أيضًا شرحٌ لما قاله الأستاذ أبو بكر: إن الكسب هو تعلق القدره به على وجهٍ ما، وإن لم يتعلق به من جميع الوجوه، والخلق إنشاءُ العين وإيجادها من العدم.
ولا فرق بين قوليهما وبين قول القاضي -يعني الباقِلاَّني- إلاَّ أن ما سمياه (١) وجهًا واعتبارًا سمَّاه القاضي صِفةً وحالًا.
انتهى بحروفه من كلام الشهرستاني، وهو نقلٌ مُفِيدٌ لتضمنه نسبة وقوع الفعل على الوجوه التي يقبُحُ لوقوعه عليها إلى قدرة العبد على إنفرادها كما يأتي واضحًا في كلام الباقلاني.
وتحقيق مذهب هذه الفرقة الأولى يضاد معنى الجبر ويُنافيه، وذلك أن الذي ألجأهم إلى هذا اعتقادهم إن العبد بانفراده لا يقدر على شيء ألبتة إلاَّ بإعانة ربِّه ومالكه.
وعندهم أن الله قد خلق لعبده قدرة تؤثر في حدوث أفعاله، ولكن بشرط إعانة الله، كالعاجز الذي يحاول حَمْلَ الثقيل ويستعين عليه، فصارت إعانة الله عندهم هي شرطٌ في تمكين العبد واختياره، لا رافعة لذلك.
كما لو قال الله تعالى لعبدٍ ضعيف: احمل هذا الجبل العظيم، فقال:
إني لا أقدِرُ، فكيف تأمُرُني يا رب بما لا أقدر عليه؟ فقال الله تعالى: احمل وأنا أُعينُك، فإنه إن لم يحمل كان عاصيًا، وإن حمل، كان مُطيعًا، ولم يكن حملُ الجبل فِعلَه وحدَه إلا مع حَمْلِ الله له معه.
_________________
(١) في (ش): سميناه، وهو خطأ.
[ ٧ / ١٣ ]
ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿واصبِرْ ومَا صَبْرُك إلاَّ بالله﴾ [النحل: ١٢٧]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ٢]، وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] مع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
ومن ذلك قوله: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٦ - ٥٧].
وما علمنا من دعائه بقولنا: وقنا عذاب النار ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٦٥]، ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر: ٩] مع قوله: ﴿قُوا أنْفُسَكُم وأهْلِيكُم نارًا﴾ [التحريم: ٦].
وكذلك أجمع المسلمون على حمد الله تعالى على النِّعَم التي على أيدي عباده، وعلى حمدِ الله بعدَ حمدِ الله.
وستأتي أيضًا النصوص القرآنية الجَمَّة على حمد الله على الإيمان وسائر أفعال الخير، وعلى التَّسَلِّي بقضاء الله في القتل وسائر المظالم مع تنزيهه عن الجَبْر عليها وجميع ما يُوجِبُ الملامة، ومنه الآية والحديث.
أما الآية: فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وأما الحديث: حديث خبر (١) آدم وموسى في آخر المجلد الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى (٢).
_________________
(١) لفظة: " خبر " لم ترد في (ش).
(٢) وقد تقدم تخريجه في هذا الكتاب ١/ ٢١٨.
[ ٧ / ١٤ ]
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإنْ قَاتَلُوكُمْ فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] أمر بالقتل، وهو غير مقدورٍ للعبد بغير إعانةٍ من الله، وإنما يَقْدِرُ على الجرح دون إخراج الروح من البدن، وأمثال ذلك كثيرٌ جدًا.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] لما خفَّف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر. رواه البخاري (١).
وفيه أنهم لو صبروا على ما أُمِرُوا به من قتال الواحد عَشَرة لطوِّقُوا ذلك، وصبروا عليه.
وهو من أحسن الأمثلة الواقعة لمذهب هذه الطائفة، فإن الواحد من المسلمين -ولو من أقواهم- لا يقدر على عشرةٍ من المشركين -ولو من أضعفهم- إلاَّ بإعانة الله تعالى مع ورود الأمر بذلك إجماعًا ونصًّا.
بل الواحد لا يقدر على الاثنين إلاَّ بإعانة الله كما قال: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، لا يقال: ليس المراد الأمر بمغالبتهم (٢).
قلنا: إن أردتم في (٣) المطابقة فمُسَلَّمٌ، وإن أردتم في (٣) الالتزام، فممنوعٌ، وإلا كان يستلزم الأمر بإلقاء النفس إلى التهلكة، لأن إلقاء النفس من الشواهق لا يزيد على بروز رجل ضعيفٍ لعشرةٍ من أقوياء أعدائه، وتجويز السلامة في الموضعين حاصلٌ، والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) في " صحيحه " (٤٦٥٣)، وتكملة الحديث بعد قوله " من الصبر ": بقدر ما خُفِّف عنهم. وأخرجه أبو داود (٢٦٤٦)، والطبري في " جامع البيان " (١٦٢٨٠)، والنحاس في " ناسخه " ص ١٨٩، والبيهقي ٩/ ٧٦.
(٢) في (ش): بمغالبتكم، وهو خطأ.
(٣) لفظة: (في) لم ترد في (ش) في الموضعين.
[ ٧ / ١٥ ]
ويُشَيِّدُ (١) ذلك ما خرجه الحاكم في تفسير سورة الحح عن ابن عباس: أن الله أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، قال: ربِّ وما يبلُغُ صوتي؟ قال: أذِّنْ وعليَّ البلاغ (٢)، قل: يا أيها الناس كُتِبَ عليكم حجَّ البيت بيت الله العتيق. فسمعه مَنْ بين السماء والأرض، وقال: صحيح الإسناد (٣).
وخرَّج في المغازي من حديث الخليل، عن عمروٍ، عن (٤) جابرٍ، عنه - ﷺ -: " لا تَمَنَّوْا لقاء العَدُوِّ، وسَلُوا الله العافية، فإنكم (٥) لا تدرون ما تُبتَلُون منهم (٦)، فإذا لقيتموهم فقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم، ونواصينا ونواصيهم بيدك (٧)، وإنما تقتلهم أنت، ثم الزموا الأرض " الحديث (٨).
_________________
(١) في (ش): وسنده ما أخرجه.
(٢) في (أ): التبليغ، والمثبت من (ش) و" المستدرك ".
(٣) المستدرك ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩، ووافقه الذهبي على تصحيحه. ولفظه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: ربِّ قد فرغت، فقال: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعلي البلاغ، قال: رب كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس، كُتب عليكم الحج، حج البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يُلَبُّون؟ وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ١١/ ٥١٨، وابن جرير الطبري ١٧/ ١٤٤، والبيهقي ٥/ ١٧٦، وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٦/ ٣٢ وزاد نسبته إلى ابن منيع، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وهو حديث موقوف حسن.
(٤) في (أ) و(ف): وعن، وهو خطأ.
(٥) قوله: " وسلوا الله العافية فإنكم " لم يرد في (أ) و(ش)، وأثبته من " المستدرك ".
(٦) في " المستدرك ": معهم.
(٧) قوله: " ونواصينا ونواصيهم بيدك " من " المستدرك ".
(٨) هو في " المستدرك " ٣/ ٣٨، وسنده ضعيف، فيه الخليل -وهو ابن مرة- والجمهور على تضعيفه. عمرو: هو ابن دينار. وأخرجه أيضًا الطبراني في " الصغير " (٧٩٠) من طريق الخليل بن مرة، به. قال الهيثمي في " المجمع " ٦/ ١٥٢ بعد أن نسبه إلى الطبراني: وفيه الخليل بن مرة قال أبو زرعة: شيخ =
[ ٧ / ١٦ ]
وفيه قصةُ علي ﵇ في خيبر وحديثُ الراية (١).
وعن ابن عباس في قصة موسى أنه إنما وجد النصب بعد مجاوزته الموضع الذي أمر الله تعالى به (٢).
فكل فعلٍ عندهم من غير إعانة الله مثل حمل الجبل على الضعيف، وقتال الواحد الضعيف لعشرة أقوياء، فإعانة الله تعالى للمؤمن واضحة، ويسمى عند هؤلاء خلقًا وتمكينًا ومشاركة في الفعل وإعانةً عليه.
وأما العاصي، فلا يُسمى الله تعالى بذلك القدر مُعِينًا له، إنما يسمى عندهم خالقًا ومُمَكِّنًا ومُبْتَلِيًا وممتَحنًا.
ونحو ذلك قوله تعالى فيما فعله آل فرعون: ﴿وفي ذلِكُم بَلاءٌ مِن ربِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩].
ومنه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
_________________
(١) = صالح، وضعفه جماعة. قلت: لكن في الباب ما يشُدُّهُ عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " لا تمنَّوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا ". أخرجه أحمد ٢/ ٥٢٣، ومسلم (١٧٤١)، والنسائي في السير من " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ١٠/ ٢٠١، والبيهقي ٩/ ١٥٢، وعلقه البخاري (٣٠٢٦). ورواه أحمد ٢/ ٤٠٠ من طريق آخر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تمنوا لقاء العدو، فإنكم لا تدرون ما يكون في ذلك ". وعن عبد الله بن أبي أوفى عند أحمد ٤/ ٣٥٣، والبخاري (٣٠٢٥)، ومسلم (١٧٤٢) (٢٠)، وأبي داود (٢٦٣١)، والبيهقي ٩/ ١٥٢.
(٢) انظر قصة خيبر وحديث الراية في " صحيح ابن حبان " بتحقيقنا (٦٩٣٢) وما بعده، عن عدة من الصحابة.
(٣) هذا قطعة من حديث ابن عباس الطويل في قصة موسى والخَضِر ﵉، وانظر تخريجها في " صحيح ابن حبان " (٦٢٢٠).
[ ٧ / ١٧ ]
ولأن الإعانة في العُرْفِ إنما تكون على محبوب المعين دون المسخوط، والمعاصي مسخوطةٌ غير محبوبةٍ لله تعالى، كما مر تحقيقه في مسألة الإرادة.
أو لأنَّ الإعانة عبارةٌ مُوهِمةٌ للرضا والمحبة، ولم يَرِدْ بها إذنٌ شرعي، وخَلْقُ الله لمعصية العباد عند هؤلاء مثل خلق القدرة على المعصية عند المعتزلة، لأن شرط التكليف التمكين، والتمكين عند هذه الفرقة من الأشعرية لا يصح مع استقلال العبد حتى يشاركه الله في فعله، فيكون فعلًا لفاعلين، لكنه يُسَمَّى بالنظر إلى قدرة الله تعالى مخلوقًا ومفعولًا، وبالنظر إلى قدرة العبد مفعولًا ومكسوبًا، كما ذكرناه في أول المسألة بالتمثيل بحمل الجبل.
وقريبٌ منه بالنظر إلى ما يُسَمَّى إعانة من المحبوبات لله سبحانه، وما لا يُسمَى إعانةً من المكروهات له سبحانه ما فعله لعيسى صلوت الله عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكْمَه والأبْرَص، وساغ نسبته إلى عيسى ﵇ حيث قال: إني أخلُقُ وأُبرِىء، مع قوله: بإذن الله، فيُسَمَّى الله في مثل هذا مُعِينًا عليه، ومُحِبًّا له، وراضيًا به.
وقد تُنسَبُ الطاعة والخير كله إلى الله تعالى وحده مبالغةً في تعظيمه وحمده عليه، وتضعيف العبد وتقليل أثره كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] وأمثال ذلك، وذلك الذي ينبغي من العبد كقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧].
ولما ثبت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال [فيما روى عن الله ﵎ أنه قال:] " فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه ".
[ ٧ / ١٨ ]
رواه مسلم في " الصحيح " (١) من حديث أبي ذرٍّ ﵁.
وعن أبي الدراء ﵁، عن (٢) زيد بن ثابت عنه - ﷺ - أنه علمه دعاء وأمره أن يتعاهد (٣) به أهله كل يوم، وذكره، وفيه: " وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تَكِلْني إلى ضيعةٍ وعورةٍ وذنبٍ وخطيئةٍ، وأنِّي لا أثِقُ إلاَّ برحمتك ". رواه أحمد والحاكم في " صحيحه " (٤).
بخلاف ما تُفَرِّقُ به السحرة بين المرء وزوجه، وإن كان بإذن الله كما نصَّ عليه بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٥)، فالتأثير في الفرقة على الحقيقة من خلق النُّفرة الضرورية هو فعلُ الله بالإجماع.
وهذا التفريق قد أضافه الله تعالى إلى السحرة وذمَّهم به لما كان مسبَّبًا عن اختيارهم كما أن الموت فعل الله، ويُذَمُّ به القاتل لما كان سببًا فيه.
وهذا قول أبي هاشمٍ والأشعري والجُوَيْني وسائر أهل السنة في المسببات، كما يأتي في مسألة تكليف ما لا يُطاقُ.
_________________
(١) (٢٥٧٧) في البر والصلة والآداب: باب تحريم الظلم. وانظر تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٦١٩) بتحقيقنا.
(٢) في (أ): وعن، وهو خطأ، والتصويب من (ش) ومن مصادر الحديث.
(٣) في (أ) و(ش) و(ف): يعاهد، والمثبت من مصادر الحديث.
(٤) " مسند أحمد " ٥/ ١٩١، والحاكم في " المستدرك " ١/ ٥١٦ - ٥١٧، لكن الحاكم لم يذكر في سنده أبا الدرداء، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي بقوله: أبو بكر (وهو ابن أبي مريم أحد رواة الحديث) ضعيف، فأين الصحة؟ وأخرجه أيضًا الطبراني في " الكبير " (٤٨٠٣) و(٤٩٣٢)، ولم يذكر في الموضع الثاني منه أبا الدرداء، وقال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١١٣: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله وُثِّقوا (قلت: أشار إلى الموضع الثاني، على أن فيه عبد الله بن صالح، كاتب الليث، وهو سيىء الحفظ)، وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.
(٥) من قوله: " كما نص عليه " إلى هنا، سقط من (ش).
[ ٧ / ١٩ ]
وكذلك من ألقَاهُ العباد في الماء والنار عُدوانًا، فإن إثمه عليهم لكونهم سبب موته، وموته فعل الله، ولو شاء لأنجاه، ففِعْلُ الله عندهم في هذا الجنس يسمى ابتلاءً وامتحانًا، ولا يُسمَّى إعانةً ولا محبةً ولا رضًا.
ويجب أن يضاف القدر المتعلِّق بقدرة العبد من هذه القبائح إلى العبد وحده، تحقيقًا لتنزيه الله تعالى وكمال تقديسه عن القبائح، وكمال عدله وحكمته فيما ابتلى به من تقدير وقوعها وأسبابها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّما النَّجْوَى من الشَّيطان﴾ [المجادلة: ١٠]، وقوله: ﴿إنَّما ذلِكُمُ الشيطانُ يُخَوِّفُ أولياءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقوله: ﴿ومَا يَجْحَدُ بآياتنا إلاَّ الكَافِرونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧]، وفي آيةٍ: ﴿إلاَّ الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وفي آية: ﴿إلاَّ كلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥].
ومنه: قول الكليم عليه أفضلُ الصلاة والتسليم: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] وقول يوسف: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقول أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] وسيأتي ذلك مبسوطًا مُطَوَّلًا في آخر هذه المسألة، وما ورد فيه من إجماع السلف والخلف.
وكذلك قد تجتمع كلمة المسلمين على نسبة الأمر إلى الله تعالى من جهة، وإلى العبد من جهةٍ كما يقولون في كثير من الأرزاق، وهي التي توقف على أفعال العباد واختيارهم كالصدقات وقضاء الديون، وما يُثَابُ عليه العبد كأنها من جهة اختيار العبد فيها وثوابُه عليها منسوبة إليه.
وليست المعتزلة تقول: إنها منسوبةٌ إليه من كل وجهٍ بحيث لا يُشْكَرُ الله عليها، بل هي مع ذلك رِزْقٌ من الله حلالٌ، منسوبةٌ إلى الله من سائر الجهات.
وكذلك يقول خُصُومُ المعتزلة في جميع الأفعال.
[ ٧ / ٢٠ ]
فتأمل في ذلك النظائر والأمثال، فانظر الآن بعين التحقيق" هل حَمْلُ الله تعالى للجبل مع الضعيف إن أمره بحمله مُبْطِلًا لتكليفه وتمكينه واختياره، أو مُصَحِّحًا له؟
ولو كان قولهم: إن فعل العبد مخلوقٌ لله تعالى يبطل كونه فعلًا للعبد، ويوجب الجبر كما زعمت المعتزلة، لم يكن أولى من العكس: وهو أن فعل العبد لما هو خلقٌ لله يبطل كونه خلقًا لله، وينفي عنهم الجبر.
ولكن المعتزلة يُستخرَجُ من كلامهم ما هو عليهم، ولا يُستخرج عنه ما هو لهم، كما قال الشاعر:
وعَينُ الرِّضا عن كلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ولكنَّ عين السُّخْطِ تُبدِي المساوِيَا (١)
_________________
(١) البيت من قصيدة لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أوردها المبرد في " الكامل " ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، والحصري في " زهر الآداب " ١/ ٩٣ - ٩٤، وابن الشجري في " حماسته " ١/ ٢٥٢ قالها في الفضيل بن السائب بن الأقرع الثقفي، حين لم ينهض بحاجته، وهي: رأيتُ فُضيلًا كان شيئًا مُلَفَّفًا فكشفه التمحيصُ حتى بدا لِيا أأنت أخي ما لم تكن لي حاجةٌ فإن عَرَضَتْ أيْقَنْتُ أنْ لا أخا لِيا فلا زادَ ما بيني وبينَكَ بعدَما بلَوْتُك في الحاجاتِ إلاَّ تَمادِيا فلستَ براءٍ عيبَ ذي الوُدِّ كلَّه ولا بعض ما فيه إذا كنت راضِيا فعينُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ولكنَّ عينَ السُّخْطِ تُبدي المساويا كِلانا غنيٌّ عن أخيه حياته ونحن إذا مُتْنا أشدُّ تغانِيا وذكر صاحب " الأغاني " ١٢/ ٢١٤ و٢٣٣ أنه لعبد الله بن معاوية يقوله للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فيما نقله عن مصعب الزبيري، ونقل عن مُؤَرِّج -وقال: وهو الصحيح- أنه في صديق له يقال له: قُصي بن ذكوان. وقال الذهبي في " تاريخ الإسلام " ٥/ ٩٧: كان عبد الله جوادًا ممدَّحًا شاعرًا من رجال العلم وأبناء الدنيا، خرج بالكوفة وجمع خلقًا، ونزع الطاعة، وجرت له أمور يطول شرحها، =
[ ٧ / ٢١ ]
قول أبي علي الجبائي في القرآن
فإن جَحَدتَ هذا المعنى، وأنكرت تصوره في العقول، جحدتَ الضرورة، وإن أقررت به ولكن قلت: ما الذي ألجأهم إلى هذا؟ وقلت: مقدورٌ بين قادِرَيْنِ غير صحيح في العقل.
فالجواب: أن هاتين مسألتان غير الجبر، فأما الجبر، فقد تخلصوا منه، ومن جميع ما يترتب عليه من الشَّناعَات، وسوف يظهر ذلك بذكر ما يَرِدُ عليه، ويُجيبون به.
وأما هاتان المسألتان، فهما من دقيق المسائل التي لم تُعْلَمْ من ضرورة العقل، ولا من ضرورة الدين، فإن أصابوا فيهما، أجادوا، وإن أخطؤوا فيهما، فقد أخطأ في مثلهما وفي أجْلَى منهما أئمة العلوم المعقولة والمنقولة لأسبابٍ لا يعرفها إلاَّ من خاض الغَمَرات التي خاضوها، أو راض نفسه مع معاناة الدقائق كما راضوها.
وكفى لهم أسوةً في هذه المسألة شيخ الاعتزال، وعنترة فوارس الجدال إذا دُعِيَ في محافِلِه نزال، الشيخ أبو علي الجُبَّائي المتكلم الشهير، فإنه التجأ في مسألة القرآن إلى القول بأن تلاوة التالي المسموعة كلامان اثنان حقيقيان:
أحدهما: كلام الله تعالى، تكلم به في لسان التالي عند تلاوته.
وثانيهما: كلام التالي، تكلم به مع كلام الله تعالى، فالسامع له سامعٌ لله وسامعٌ من الله على الحقيقة، وعلى الحدِّ الذي سمع منه موسى بن عمران ﵊.
وكذلك قال: إن كلام الله باقٍ، وإنه يَحُلُّ في الخط المكتوب، ويظهر مع الصوت وهو غير الصوت.
_________________
(١) = ثم لَحِق بأصبهان، وغلب على تلك الديار، ثم ظفر به أبو مسلم الخراساني فقتله، وقيل: بل سجنه إلى أن مات في حدود الثلاثين.
[ ٧ / ٢٢ ]
حكى هذا عنه ابن مَتَّوَيه في " تذكرته " وهو من أئمة الاعتزال تلميذٌ لقاضي القضاة عبد الجبَّار، وحكاه عنه الشهرستاني في " نهايته ".
فالذي ألجأ أبا عليٍّ الجُبَّائيَّ إلى ذلك مع غوصه على دقائق الكلام الحذر من مخالفة إجماع المسلمين على أن القرآن المتلُوَّ بالألسنة، المكتوب في المصاحف كلام الله تعالى، فحمله خوفه مخالفة السمع الدالِّ على أن الإجماع حُجَّة على هذا القول المعلوم بطلانه عقلًا وسمعًا، كما يَعرِف ذلك أدنى المميِّزين مع جلالة أبي علي في علم النظر، ما ذلك إلاَّ لخوف الابتداع وخوف مخالفة الإجماع، فلم تنتقصه المعتزلة، ولا ذمَّته بسقوط المنزلة.
وكذلك أئمة الحديث والأثر، وكثيرٌ من أهل الكلام والنظر، لما سمعوا ظواهر القرآن والسنن تقضي بأن الله تعالى خالق كل شيءٍ، وأن إرادته ومشيئته أساس كل شيء، حتى قال لنبيِّه - ﷺ -: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، وذمَّ الذين أقسموا لَيَصْرِمُنَّ جنتهم (١) مصبحين ولا يَستثنون، وأمر أكمل عباده بالاعتراف بذلك في قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨]، مع ما قرروه في كتبهم الكلامية من الأنظار العقلية، قضوا بذلك.
على أن هذه الفرقة التي جعلوا فعل العبد وخلق الرب شيئًا واحدًا، ولم يفرقوا بينهما، هم أقل فِرَق أهل النظر من أهل السنة، كما أَوضحه إن شاء الله تعالى.
بل لا يكاد يتحقَّقُ القائل به من أئمة النظر منهم، ولكنه أكثر ما يلزم من إطلاق عباراتهم، وقد يقول به ولا يبحث عن دقائق الكلام لجلائه، فإن صحة المقدور بين قادرين مما يعقله الكافَّة، ولا يعجز عن فهمه أحدٌ من العامة (٢).
_________________
(١) في (ش): ليصرمنّها.
(٢) قوله: " أحد من العامة " سقط من (أ).
[ ٧ / ٢٣ ]
فإن قيل: فإذا لم يفعل المكلَّف الواجب، لزم أن لا تقوم عليه الحجة، لأنه لم يُعِنْه (١) الله تعالى حين لم يخلقه، ولو خلقه، ما قَدَرَ العبد على تركه، وهذا حقيقة الجبر ونفي الاختيار.
قلنا: لم يختلفوا في أن الاختيار إلى العبد، وأن الله تعالى (٢) يخلق عند اختياره ما اختاره العبد، حتى صرَّح بذلك الأشعري والرازي اللذان نُسِبَ إليهما أفحشُ الجَبْرِ الصريح، وتكليف ما لا يطاق كما يأتي.
وإنما خلاف هذه الفِرقة الأولى لسائر فِرَق الأشعرية أثبتوا تأثير قدرة العبد في عين ما أثَّرَتْ فيه قدرة الرب ﷿ من وجود الذات وإخراجها من العدم بمعونة الله تعالى، كما هو قول بعض الفرقة الرابعة وهو الإمام الجويني كما يأتي، ويأتي الفرق بينهم، وأما أكثر الأشعرية، فإنهم منعوا تأثير قدرة العبد في إخراج الذات من العدم إلى الوجود.
وأما الاختيار، فلم تختلف فرقهم الأربع في إثباته للعبد، وصلاحية قدرته فيه، سواء تعلَّقَ بالترك أو بالفعل، كما يأتي تحقيقه، ولكنه لا يكون اختياره إلا تابعًا وموافقًا لما سبق من مشيئة الله تعالى أن يفعل العبد مختارًا، كما لم يختلفوا هم والمعتزلة في أن الاختيار وضع الأمر لما سبق به علم الله تعالى وكتابه، كما تقدم تحقيق ذلك في الكلام على الأقدار، وبيان عدم التناقض في الجمع بين القول بنفوذ القدر والمشيئة والاختيار، بل الاختيار عند هذه الفرقة مقدور بين قادِرَيْنِ.
وقد حاوَلَتِ المعتزلة الرد على هؤلاء والتكفير لهم.
فأمَّا الرد عليهم، فلست أتعرَّض لنَقْضِه، بل هو عندي حقٌّ وصواب، ولكن ما هو من مقصود كتابي هذا، فإن سائر طوائفِ أهل السنة الثلاث الآتية ترُدُّ على
_________________
(١) في (ش): يعبد، وهو تحريف.
(٢) من قوله: " ما قدر العبد " إلى هنا سقط من (ش).
[ ٧ / ٢٤ ]
مدار تكفير المعتزلة للقائلين من الأشعرية بأن فعل العبد مقدور بين قادرين
هذه الطائفة الأولى كما ترد عليهم المعتزلة، وكما يرد بعض المعتزلة على بعضٍ في تفاصيل مذاهبهم.
والمختار عندي من مذاهب أهل السنة ما درج عليه السلف، ولزمه أهل الحديث والأثر من اتباع السنن، ولُزُومُ مناهج الأنبياء والأولياء، وترك رد الشرائع المعلومة عن المعصومين إلى ما يلائم خيالات الأذكياء المتكاذبين، وظنون العقلاء المتخالفين.
وكيف يرد الأقوى إلى الأضعف، ومن لم يعترف بعلو مرتبة الأنبياء على الأذكياء، فما أنصف، وكفى فارقًا بينهم بعد ما خصَّهم الله تعالى به من المعجزات شدة الاختلاف بين الأذكياء التي تستلزم بالضرورة جهل بعضهم، كما يمنع بالضرورة علم جميعهم، فما اختلف في القطعيات عالمان قط، ولا يصح الاختلاف إلاَّ بين جاهلين، أو بين عالمٍ وجاهل إلاَّ ما كان مرادًا لله تعالى مثل اختلاف سليمان وداود ﵉، وسائر المجتهدين في الفروع، والله أعلم.
وقد عصم الله رسله الكرام عن هذه النقيصة، فما زالت كلمتهم واحدة، الأول يُبَشِّرُ بالآخر، والآخر يوجب الإيمان بالأول، وسيأتي طَرَفٌ من حجة هذه الفرقة عند ذكر ما يروى منه، وبيان القدر القوي الجَلِيِّ من مذهبهم.
وأما تكفير المعتزلة لهم، فإن رده هو مقصود كتابي هذا، وقد احتج من زعمه بأمورٍ مدارها على أنهم قد نسبوا القبائح إلى الله تعالى لقولهم بمشاركته سبحانه لعباده في فعلها، وما قبح من العباد من العقليات قَبُحَ من الله تعالى عند المعتزلة.
والجواب عليهم من وجوهٍ:
الوجه الأول: أن نقول: ما مُرادُكم بأن نسبة القبيح إليه تعالى كفرٌ؟ هل نِسبَتُه ممن يعتقد قُبحه أو لا؟ الأول: مُسَلَّم ولا يَضُرُّ تسليمه، لأنهم يعتقدون
[ ٧ / ٢٥ ]
حُسْنَ ذلك من الله تعالى، ويمنعون قُبحَه من الله تعالى.
والثاني: ممنوعٌ لأمورٍ:
أولها: أن من نسب إلى الله تعالى الحُسْنَ، وهو يعتقد أنه قبيح، كفر إجماعًا، لأنه قصد انتقاص الرب تعالى، فدل على أن الحكم للاعتقاد لا لمطابقته المعتقد، فيلزم في من اعتقد في أمرٍ قبيح أنه حَسَنٌ، ثم نسبه إلى الله تعالى، أنه لا يكفر، لأنه قصد مدح الرب ﷿ بكمال القدرة ونفوذ المشيئة، مع تصريحه بأن لله الحجة البالغة، عرفها أو لم يعرفها.
وكم يقع للمعتزلة مثل هذا كثيرًا، فإنهم اختلفوا في آلام الأطفال والبهائم ومن لا ذنب له.
فمنهم من قال: يحسن مع العِوَضِ وحده.
ومنهم من قال: مع الاعتبار وحده.
ومنهم من قال: هي مع العوض وحده عَبَثٌ، لإمكان التفضل (١) بالعوض من دون ألمٍ، ومع الاعتبار وحده ظلم في حق الصغير والعَجْماوات، لأن المعتبر غير الأليم.
وهذا (٢) هو المختار عندهم، فيجب في الألم أن يكون جامعًا بين العوض والاعتبار، ومع هذا فلم يُكَفِّروا من جوَّزه بأحدهما، ويجعلوه بمنزلة من أجاز العبث أو الظلم على الله تعالى.
وكذا تقدم أن قاضي القضاة منع من تكليف من عَلِمَ أن لُطْفَه في فعلٍ قبيحٌ، وقال: إنه غير مُزَاحِ العلة، ولم يُكَفِّرِ الشيوخ لتجويزهم على الله تعالى تكليف من هو كذلك، وأمثال هذا بينهم كثيرة، مثل قول أبي القاسم البَلْخِي والبغدادية: إن تكليف الكافر لمصلحة المؤمن تجوز على الله تعالى، وهذا ظلمٌ عند سائر المعتزلة.
_________________
(١) في (ش): الفضل.
(٢) في (ش): فهذا.
[ ٧ / ٢٦ ]
وكذلك اختلافهم في بعض صفات الله تعالى، ثم لا يُكَفِّرُ بعضهم بعضًا بذلك، وإذا خالفهم السني في شيءٍ منها، تَمَحَّلوا تكفيره بأنه قد عبد غير الله.
والقصد بهذا تنبيه الغافل على ما بين الفِرَقِ من العصبية لعله يتقي الله تعالى في التقليد في التكفير والتفسيق، ويرجع إلى النظر الصحيح والتحقيق.
الوجه الثاني: -وهو المعتمد- أن التكفير سَمْعِيٌّ قطعي عند المعتزلة، والصحيح أن كل قطعي من الشرع فهو ضروري، والمعلوم ضرورةً أو قطعًا من السمع إنما كفر من اعتقد في أمرٍ أنه قبيح ثم نسبه إلى الله تعالى، ومن ادَّعى كُفْرَ من أخطأ في استحسان قبيحٍ وتجويزه على الله تعالى لحسنه عنده من الله تعالى، احتاج إلى دليلٍ قاطعٍ، بل ضروي من السمع، وهذا غير موجودٍ قطعًا.
الوجه الثالث: أن قدرة الله تعالى عند هؤلاء إنما أثَّرَتْ في مجرد الذات الحقيقية، وهي: الحركة والسكون، بل (١) المرجع بهما عند المعتزلة والأشعرية إلى مجرد اللبث في الجهة مع شروط عدميةٍ وإضافيةٍ مثل شرط النُّقلة في (٢) الحركة، وشرط البقاء في السكون.
ولا شك أن لبث الجسم في حَيِّزٍ إما فعل الله، لأن العبد لا يقدر على الانفكاك من ذلك القدر الذي هو حقيقة الذات في الأفعال عندهم، وإنما يكون اختيار العبد في صفات ذلك اللبث وأحواله التي يقبح بسببها ولم تُعَلَّقْ قدرة الرب بها.
وأما الذات التي تعلقت قدرة الرب بها، فإنها لا تُوصَفُ بقُبْحٍ باتفاق الفريقين من المعتزلة والأشعرية، وإنما تَقْبُحُ عند الجميع لوقوعها على بعض
_________________
(١) في نسخة (ش) ضرب على لفظة " بل "، وكتب بدلًا منها بخط مغاير " اللذين " وأشير عليها برمز " صح ".
(٢) في (أ) و(ف): والحركة، وكتب فوق الواو (ظ: في)، وهي كذلك في (ش).
[ ٧ / ٢٧ ]
الوجوه والاعتبارات الإضافية، وهي لا تقع على تلك الوجوه بقدرة الرب عند الفريقين أيضًا، لأن تلك الوجوه ليست بأشياء حقيقيةٍ عند الجميع، والمضاف إلى قدرة الله تعالى في أفعال العباد إنما هو إخراج ذوات الأفعال التي هي أشياء حقيقيةٌ من العدم إلى الوجود، وقدرة العبد تؤثر في وقوع ذوات الأفعال على تلك الوجوه المختلفة، ولأجل وقوعها بقدرة العبد وحده على تلك الوجوه استحقت أسماءً لا يصح إطلاقها على الله تعالى مثل: العبادة والطاعة والمعصية، فلو وقعت تلك الوجوه بقدرة الله سبحانه لزم أن يُسَمَّى مطيعًا وعابدًا وعاصيًا ومُصَلِّيًا وصائمًا، ونحو ذلك.
فلما كانت هذه الأسماء لا تطلق عليه، إنما يطلق عليه أنه الخالق الموجد المبدع، دلَّ على أن متعلق قدرته سبحانه هو ما اشتق له منه الأسماء الحسنى، وأن الاشتقاق من الفعل الواحد يختلف بحسب اختلاف وجوهه.
كما أن إيلام اليتيم ذاتٌ واحدة، وأسماؤه وصفاته تختلف، فحين يكون تأديبًا له ممن له ذلك يُسَمَّى تأديبًا وإحسانًا وإصلاحًا وقربةً وطاعةً، وحين يكون على ضد ذلك يُسمى معصيةً وظلمًا وعدوانًا، وحين يكون من الله تعالى يستحيل فيه اسم المعصية والطاعة والظلم والقبح، ويبقى اسم الإحسان والإصلاح والتأديب.
فهذا شيء واحد اختلفت أسماؤه لوقوعه على الوجوه المختلفة، فكذلك سائر الذوات الموصوفة بالقبح، متى استحقت اسم القبح لوجهٍ وقعت عليه بقدرة العبد لا يستحقه لعدم ذلك الوجه حين تقع تلك الذات منسوبةً إلى قدرة الرب.
وبالجملة فإن المعتزلة والأشعرية اتفقوا على أن المعاصي والطاعات كلها ليست هي الذوات المُخْرَجة بالقدرة من العدم إلى الوجود، وإنما هي وجوهٌ تقع الذوات عليها، وجهاتٌ لاستحقاق الذمِّ والعقاب، والثناء والثواب، وتلك الوجوه لا نحتاج إلى قدرة الله لتُؤَثِّرَ فيها على انفرادها، لأنها ليست بأشياء.
[ ٧ / ٢٨ ]
مثالٌ لبعض (١) ذلك: التروك، فإنها توصف بالتحريم متى كانت تُروكًا للواجبات ويستحق عليها الذم والعقاب، وتوصف بالوجوب متى كانت تُروكًا للمحرمات ويستحق عليها الثناء والثواب، مع أن التروك عند جماهير المعتزلة عدمٌ محضٌ، وإنما هي جهةٌ لاستحقاق الذم والعقاب، أو الثناء (٢) والثواب.
ومن قال منهم: إنها كفُّ النفس، وأن الكفَّ أمرٌ ثبوتي كالبَلْخِي والجُبَّائي، قال: إن الحُسْنَ والقبح الذي في التروك عَدَمِيٌّ إضافي، لأن الترك الواحد قد يكون كفًّا عن الواجب والحرام معًا، مثل من ترك الصلاة والظلم واشتغل بالمباح، فإن المباح عند هؤلاء واجب بالنظر إلى كفه عن الحرام، وحرام بالنظر إلى كفه عن الواجب.
فلو كان الوجوب والتحريم حقيقِيَّيْنِ كالسواد والبياض لم يجتمعا، فدل على أن الحسن والقبح ليسا بشيء حقيقي، وأن جميع الطاعات والمعاصي ليست بذواتٍ وأشياء تحتاج إلى قدرة الرب تعالى عند الجميع.
وقد يظن أن الجويني وأبا الحسين يخالفان في هذا، وليس كذلك، كما سيأتي مُحَقَّقًا إن شاء الله تعالى.
ومن أدَقِّ ذلك الكلام في الكذب، فإنه لا يجوز أن يضاف الكذب إلى الله تعالى عند أهل السنة، لأنه لم يكن كذبًا لذاته التي أثَّرت فيها قدرة الله تعالى، بل الصحيح عند المعتزلة أيضًا أنه لا يكون كَذِبًا إلاَّ كذلك بحيث إنه عندهم إذا جُرِّدَ عن نسبة بعضه إلى بعض بالقصد لم يُوصَفْ عندهم بانه صدق ولا كذب.
فإن قلت: وما ذاتُه الموجودة بقدره الله تعالى عند أهل السنة؟
قلت: أحد أمرين: إما مجرَّد الصوت، لأنه من المُتَولَّدات عن الاعتماد، والمتولدات عندهم كلها فعل الله لعدم اختيار العبد فيها بعد وجود سببها كسواد
_________________
(١) في (ش): بعض.
(٢) في (ش): والثناء.
[ ٧ / ٢٩ ]
كلام الشيخ مختار المعتزلي في عدم جواز تكفير أحد من أهل القبلة
المِدَاد بعد خلط العَفْصِ (١) وماء الزاج (٢) ونحو ذلك.
وإما الحروف مع الصوت (٣) إن كانت أشياء زائدةً عليه، والموجود (٤) منها بقدرة الله تعالى ليس إلاَّ حرفٌ واحد، وهو لا يوصف بالكذب ولا بالصدق قطعًا، فدل على أن الموصوف بالكذب جملة الحروف المعدوم منها والموجود (٥)، وهو حرف واحد، وذلك أوضح دليلٍ على أن وصفها بالكذب وصفٌ عدمي إضافي، ونسبة مثل هذا الوصف العدمي إلى قدرة العبد وحدها من غير مشاركة الرب صحيحٌ عند جميع فرق أهل السنة، كما سيأتي بيانه عند الكلام على مذهبهم في الكسب وتحقيقه، إن شاء الله تعالى (٦).
وقد تقدم أن هذه الوجوه والاعتبارات غير محتاجةٍ إلى قدره الرب، وإنما هي جهاتٌ لاستحقاق الذم والعقاب.
وقد قال الشيخ مختارٌ المعتزلي في كتابه " المُجْتَبى " في المسألة الحادية عشرة في كُفْرِ المُجْبِرَة ما لفظه: ولم يكفِّرْهُم صاحب " المعتمد "، وبه قال الرازي لِمَا مرَّ، يعني من تصديقهم جميع الأنبياء والكتب والقيام بأركان الإسلام المنصوصة.
قال: وأما نسبتهم القبائح إلى الله تعالى فيقولون: إنه لا يَكذِبُ في الشهادة
_________________
(١) العَفْص: هو من جنس الشجر العِظام ومن أنواع البلُّوط، له ثمر في قدر الجوز أو أقل. انظر " حديقة الأزهار " ص ٢١٠ لأبي القاسم الغساني، و" شرح القاموس " (عفص) للزبيدي.
(٢) الزَّاج: ملح، وقال الليث: يقال له: الشب اليماني، وهو من الأدوية، وهو من أخلاط الحبر. " شرح القاموس " ٢/ ٥٥ (زوج).
(٣) في (ش): ووضع الصوت.
(٤) في (أ) و(ف) فوق الواو: فا.
(٥) في هامش (ف): لأن المعدوم لا يصح وصفه بصفة حقيقية.
(٦) عبارة: " إن شاء الله تعالى " لما ترد في (أ).
[ ٧ / ٣٠ ]
على الأنبياء، فتقبُحُ طريق معرفة النبي لهم، نعم إنهم جاؤوا خطأً فاحشًا، وتخبَّطُوا تخبُّطًا عظيمًا، لكن لما أقروا بذات الله وصفاته الذاتية، فيجوز أن لا يبلغ عقابهم عقاب الكفرة.
فإن قيل: إنهم كعبدة الأصنام، لأنهم يعبدون إلهًا فاعلًا للمعاصي والمنكرات، مُرِيدًا للقبائح والسيئات، ومثله غير الله، وعبادة (١) غير الله كفرٌ.
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنهم اعتقدوا صانِعًا للعالم غير جسمٍ واجب الوجود لذاته، قادرًا عالمًا حيًّا، لم يزل ولا يزال سميعًا بصيرًا، وأقرُّوا به، فجاز أن يَنقُصَ عقابهم عن عقاب الكَفَرة.
والثاني: أن هذه الاختلافات ثابتةٌ في صفاته وصفات أفعاله بين أئمة العدل والتوحيد، وبين السنية وبين الأشعرية، وبين المرجئة وبين الخوارج وبين الشيعة، وكل واحدٍ من أرباب هذه المذاهب يعتقد أن ما يعتقده مخالفه غير الله تعالى.
فلو لزم من هذا تكفيرهم لزم تكفير هذه الطوائف الإسلامية بأسرها، وأنه شنيع وممتنع عقلًا وسمعًا وإجماعًا.
ألا ترى إمام المعتزلة أبا عليٍّ ينفي الأحوال، وابنه أبو هاشم يُثْبِتُها، والبغدادية ينفون الصفات والأحوال وقالوا بالأحكام، وكل واحدٍ يعتقد أن ما يعتقده مخالفه غير الله، أيحسُنُ تكفير أولئك الأئمة أو واحدٌ منهم.
فثبت أنه لا يجوز تكفير أحد (٢) من أهل القبلة إلاَّ من ثبت (٣) بالتواتر والإجماع كفره والله أعلم. انتهى ذلك (٤) بحروفه.
_________________
(١) في (أ): عباد، وهو خطأ، والمثبت من (ش) وهامش (أ).
(٢) في (ش): واحد.
(٣) في (ش): يثبت.
(٤) " ذلك " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ٣١ ]
تحقيق ما اشترك فيه أهل الكسب والفرقة الأولى من الأشعرية في تأثير قدرة العبد في وجوه الحسن والقبح
وقد مرَّ للمؤيد بالله ﵇ نحو ذلك في " الزيادات "، وللإمام يحيى بن حمزة ﵇ نحوه في كتبه منها " التمهيد " ومنها " التحقيق " وغيرهما.
فهذه الفرقة الأولى، وقد شاركها أهل الكسب في تأثير قدرة العبد في وجوه القبح والحسن، فلو لم تؤثر قدرة العبد في ذلك عندهم، بطل التكليف قطعًا، بل هي مؤثرة فيها عند الجميع، ولكن زاد هؤلاء على أهل الكسب أمرين:
أحدهما: جواز (١) تأثير قدرة العبد في وجود الذات مع الله تعالى لا على جهة الاستقلال.
وثانيهما: تسمية ما أثَّرت فيه قدرة العبد مخلوقًا، وهو بعينه من غير تأويلٍ بخلاف أهل الكسب، فإن المخلوق متميز (٢) عندهم عن فعل العبد عند التحقيق كما (٣) يأتي.
وقد صرح الشهرستاني بما ذكرته من اتفاقهم على تأثير قدرة العبد في وجوه القبح والحسن، كما تقدم ذكره من نصِّه، على أن المرجع بقول الأستاذ أبي بكر وأبي إسحاق إلى قول القاضي أبي بكر الباقِلاَّني بعينه، إلاَّ أن ما سمياه (٤) وجهًا واعتبارًا أسماه القاضي صفةً وحالًا. ولا شك أن الأستاذ وأبا إسحاق هما صاحِبَا هذه المقالة، وإمامًا أهلها.
فإن قلت: فهلاَّ كان تأثير قدرة العبد في وجوه الحسن والقبح مشروطًا بمشاركة قدرة الله تعالى في ذلك كالذوات، فإنه يلزم من استقلال العبد بالتأثير في ذلك أن يستقل دون الله تعالى بشيء من الأشياء، وهذا لا يجوز بإجماع أهل السنة.
فالجواب: أن وجوه الحسن والقبح عندهم ليست بشيء البتَّة، حتى يكون
_________________
(١) " جواز " ليست في (ش).
(٢) في (ش): مميز.
(٣) في (أ): وكما.
(٤) في (أ) و(ش): سميناه.
[ ٧ / ٣٢ ]
العبد متى استقل بها، كان مستقلًاّ (١) بشيء، وإنما هي جهاتٌ للاستحقاق مثل تروك الواجبات، وتروك المحرمات عند المعتزلة، وما لم يكن شيئًا لم يحتج إلى ذلك.
فإن قيل: وهل يصح التكليف وتوابعه بغير شيء؟
قلنا: إن أردت بغير شيء لُغَويٍّ، أو بغير شيء شرعي، أو بغير شيء معقولٍ أنه يُطلب ويُستحق عليه الجزاء فلا يصح التكليف بغير شيء.
وإن أردت بغير شيء اصطلاحي، وهو الذات الذي يصح تصورها، ويعلق العلم بها منفردةً، فلا يصح بإجماع المعتزلة أيضًا.
فإن قلت: فإن الاختيار شيء، وقدرة العبد لا تؤثر فيه إلاَّ مع قدرة الرب.
قلت: السؤال مردود، فإن الاختيار ليس بشيء حقيقي، وإلا لزم المعتزلة ثبوته في العدم وهو محال، بل هو عدميٌّ إضافي.
ولا يُعلَمُ أحدٌ (٢) من المعتزلة -دع عنك أهل السنة- نص على أنه شيءٌ وجودي نصًّا، بل عند المعتزلة بأسرهم إلاَّ أبا الحسين أن الأشياء كلها ثابتة في الأزل، وأنه يستحيل تأثير قدرة الله تعالى فيها كيف إلاَّ قدرة العبد.
وإنما تؤثر عندهم قدرة الله وقدرة العبد في الأحوال التي ليست بأشياء، فكيف ينكرون على أهل السنة قولهم: إن الذي أثرت فيه قدرة العبد وحدها هو الاختيار وحده، وليس بشيء.
وقد احتج الرازي في " النهاية " -على أن الاختيار ليس بشيء حقيقي- أنه لو كان كذلك، لكان من جملة أفعال العبد المحتاجة في ثبوتها إلى الاختيار، فيحتاج كلُّ اختيارٍ يفعله العبد إلى اختيار آخر يختاره به، ويتسلسل إلى ما لا
_________________
(١) من قوله " فالجواب " إلى هنا، سقط من (ش).
(٢) في (أ): ولا نعلم أحدًا.
[ ٧ / ٣٣ ]
كلام الرازي أن العبد يفعل الاختيار عند الداعي الراجح من غير جبر
نهاية له، وذلك محال، وكذلك ما أدى إليه وهو القول بأن الاختيار شيء ثُبوتيٌّ.
ثم ذكر الرازي أن العبد يفعل الاختيار عند الداعي الراجح من غير جبرٍ كما يفعل الله تعالى الواجب في حكمته عند المعتزلة وجوبًا من غير جبرٍ.
قال: ولا يصح للمعتزلة أن تلزم الجبر بذلك لوجهين:
أحدهما: أن الداعي عند المعتزلة غير موجب.
قلت: بل هو كذلك عند الجميع، فهذا الرازي من الغُلاة فيه قد نص في " النهاية " على بقاء الاختيار مع الداعي الموجب كما يأتي.
قال الرازي: وثانيهما: أنهم يقولون بمثل ذلك في حق الله تعالى، ولم يقتض أنه عندهم غير مختار.
وبهذا يعرف خطأُ الغزالي على أهل السنة حيث نسب خلق الاختيار إلى من يقول بالكسب، وينفي الجبر في الرسالة القدسية في أوائل كتاب " إحياء علوم الدين " (١)، إلاَّ أن يكون أراد بالاختيار التمكن، كما قال الجويني في مقدمات " البرهان " (٢): لا يُكلف إلاَّ المتمكِّن، ولا يصح التكليف إلاَّ بالممكن. فلا شكَّ أنا خُلِقنا متمكِّنين مختارين بغير اختيارنا، كما تقدم في المرتبة الأولى من هذه المسألة.
فهذا الرازي والبيضاوي والشهرستاني المقدمون في هذا الفن، المعوِّلون عليه في جميع أعمارهم لم يَنْسِبوا إلى أحدٍ من فرق السنة شيئًا من ذلك، وقرروا القول بأن الاختبار أثرُ قدرة العبد لا أثر قدرة الله تعالى.
وحقق ذلك الرازي بأنه ليس بشيء حقيقي، واحتج على ذلك موضحًا أن
_________________
(١) ١/ ١١١.
(٢) ١/ ١٠٥ بتحقيق الدكتور عبد العظيم الديب.
[ ٧ / ٣٤ ]
ما كان شيئًا حقيقيًا، فهو الذي يختص بقدرة الله تعالى وحدها على قولٍ، أو بالإعانة منه تعالى على القول الآخر.
وأما قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] فذكر الواحدي في " أسباب النزول " (١) أنها نزلت جوابًا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أخبر تعالى أنه لا يبعث الرسل على اختيارهم، رواه الواحدي في " أسباب النزول " ونسبه إلى أهل التفسير ولم يَسْتَثْنِ منهم أحدًا، فصار هذا راجحًا، ولو لم يكن إلاَّ مُحتملًا مرجوحًا، لكان القاطع مقدمًا عليه كيف الضروري. وكذا قال البغوي (٢)، وقال: هو كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكونَ (٣) لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. انتهى.
وقد ظهر أن هذا من الاختيار الذي هو الاصطفاء والاجتباء والانتقاء، لا من (٤) الاختيار الذي هو نقيض الاضطرار وليس فيه تأويل، بل هو من المشترك،
_________________
(١) ص ٢٢٩، والواحدي: هو العلامة الأستاذ أبو الحسن، علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي، إمام علماء التأويل، توفي سنة (٤٦٨ هـ). مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤٢.
(٢) هو في تفسيره المسمى " معالم التنزيل " ٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣، والبغوي: هو الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ، شيخ الإسلام محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي المفسِّر، صاحب كتاب " شرح السنة "، المطبوع بتحقيقي في خمسة عشر مجلدًا، توفي سنة (٥١٦ هـ). مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٩/ ٤٣٩ - ٤٤٣.
(٣) هكذا قرأ هذا الحرف غيرُ الكوفيين: بالتاء المثناة من فوق لتأنيث " الخيرة "، وأما الكوفيون فقد قرؤوها بالياء، لأن تأنيث " الخيرة " غير حقيقي وهي معنى الخيار، وحجتهم إجماع الجميع على قوله (ما كان لهم الخِيَرة) ولم يثبتوا علامة التأنيث في " كان ". انظر " حجة القراءات " ص ٥٧٨، و" النشر في القراءات العشر " ٢/ ٣٤٨.
(٤) في (ش): لأثر، وهو تحريف.
[ ٧ / ٣٥ ]
كلام في الاختيار والإرادة والفرق بينهما
ومادة هذا من علم الغيوب، لقوله تعالى: ﴿وكُنَّا به عالِمينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، ﴿وأضَلَّهُ الله على عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، " وأستخيرك بعلمك " رواه البخاري (١)، ومادة الثاني من القدرة.
فإن قيل: قد أجمعوا على أن الإراده أمر ثُبوتي وجودي، والاختيار هو الإرادة.
قلنا: هذا ممنوع باتفاقهم، أما الأشعرية فظاهرٌ كما نص عليه الرازي، واحتج عليه في " نهاية العقول " كما ذكرته أول هذا الكلام.
وأما المعتزلة فقد ذكر ابن متَّوَيه في " تذكرته ": قد ثبتت حيث ينتفي الاختيار، والاختيار قد يثبت حيث تنتفي الإرادة.
مثال الأول: إرادة المُلْجَأِ إلى فعل ما يدعوه الداعي إليه كالهارب من السبع، فإنه يضطر إلى الهرب ويريده ولفعله وليس بمختارٍ فيه.
ومثال الثاني: أنه متى حصلت القدرة والداعي وقع الفعل بهما وإن منع الله تعالى الإرادة، بل وإن خلق الكراهة. انتهى كلامه.
وذكر في موضعٍ آخر منها، وذلك في أواخر فصول الإرادة: أن الإرادة إذا قارنت الفعل ووقع بها على وجهٍ سُمِّيَتْ نِيَّةً، ودلَّت على ما في الضمير، وذلك لا يوصف بها الله تعالى. وأما ما يتعلق منها بالحدوث فلا يُسمى نية، قال: وكذا ما يتعلق منها بالكلام يُسَمَّى قصدًا، حتى قال: ويشبه بالقصد قولنا: إيثارٌ واختيارٌ.
فدل على أن هذه الأسماء قد تُطلق على الإرادة عند تعلُّقاتٍ مخصوصةٍ، ووجوهٍ مختلفةٍ، تقع عليها الإرادة فتميز تلك الوجوه بعضها من بعض باختلاف
_________________
(١) هو قطعة من حديث الاستخارة، وقد تقدم تخريجه، وانظر " البخاري " (١١٦٦)، و" صحيح ابن حبان " (٨٨٦) و(٨٨٧).
[ ٧ / ٣٦ ]
هذه الأسماء، فخالفوا بين هذه العبارات لتدل على تلك المعاني المختلفات.
فدلَّ على أن الاختيار غير الإرادة، وعلى أن الاختيار قد يُطلق عليها (١) عند وقوعها على وجهٍ مخصوص، فهو في بعض اعتباراته وصفٌ من أوصافها، أو حالٌ من أحوالها.
فالإرادة بنفسها من غير نظرٍ إلى تعلقها بشيء، هي ذاتٌ حقيقية، ووجودها غير متعلقةٍ صحيحٌ عند المعتزلة، والعبد مكلف بتعليقها بوجوه الحسن دون القبح، وتخصيص الفعل بوقتٍ دون وقت، وقدرٍ دون قدر، وهذا التعليق والتخصيص هو بالاختيار لا بالإرادة، بل الإرادة فعلٌ للعبد يقع بالاختيار (٢) فَافْتَرقا.
ولا يُنْقَضُ هذا بقول البيهقي في " الأسماء والصفات " (٣): وأما الاختيار، فقد قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] وهو عند الأشعري يرجع إلى إرادته إكرام من يشاء [من عبيده بما يشاءُ من لطائِفِه]، وهو عند غيره من صفات الفعل، فلا يكون معناه راجعًا إلى الإرادة بمعنى، بل يكونُ راجعًا إلى فعل الإكرام. انتهى بحروفه.
والجواب: أنه لا يُنَاقِضُ ذكرنا عن الأشعرية، فإن الاختيار غير الإرادة على الحقيقة، ولكن الأشعري تأول الاختيار في حق الله تعالى بالإرادة على سبيل المجاز، كما تأول الغضب والسُّخط في حقه تعالى بإرادته الذم والعقاب، وتأول المحبة والرضا بإرادة الثناء والثواب، وهذا عنده في حق الله تعالى.
وأما في حق المخلوقين فلا يجب تأويل شيء من ذلك، بل تُستَعْمَلُ الإرادة، والاختيار، والغضب، والبُغْضُ، والمقت، والسخط، والمحبة،
_________________
(١) " عليها " لم ترد في (ش).
(٢) في (ش): بالإحسان، وهو تحريف.
(٣) ص ٥٠٤.
[ ٧ / ٣٧ ]
والرضا (١)، كل واحدٍ في مدلوله الحقيقي اللغوي، لأنه لا مانِعَ عنده من استعمالها في حقائقها في المخلوقين.
وهذا التأويل الذي ذكره البيهقي عن الأشعري هو مذهب المعتزلة أجمعين في حق الله تعالى.
واعلم أنه لا يُفَرِّقُ بين هذه الأمور ويميزها (٢) إلاَّ من عرف علم اللطيف، وهو فنٌّ مستَقِلٌّ من فنون الكلام، وللمعتزلة فيه " تذكرة " ابن متويه، وللأشعرية فيه " الملخص " للرازي.
وقد ذكر الغزالي في " المنقذ من الضلال " (٣) تقصير المتكلمين فيه، لأنه ليس من مقصودهم الأول، وإنما عنى أن مقصودهم الذب عن الإسلام، ثم اضطروا إلى الكلام في بعضه، وإنما هو من مقصود علوم (٤) الفلاسفة. فإذا كان المتكلمون قد قصروا فيه، فما ظنُّك بمن ليس من النظر في شيء إذا تعرض للخوض فيه، وإنما حملني على التنبيه على هذه الجمل (٥) اليسيرة قَرْعُ أسماع الغافلين الخائضين في التضليل والتكفير بغير هُدَىً ولا كِتابٍ مُنِيرٍ.
فيا عَجَبَاهُ ممن يُكفر طوائف من المسلمين ولم يعرف ما قالوا، ولا هو أهلٌ لفهم ما قصدوا، ولا فهم ما خافوا وحَذِرُوا
ومن البَلِيَّةِ عَذْلُ من لا يَرْعَوِي عَن غَيِّهِ وخِطابُ مَنْ لا يَفْهَمُ (٦)
_________________
(١) من قوله " الإرادة والاختيار " إلى هنا، سقط من (ش).
(٢) في (ش): وغيرها.
(٣) انظر ص ٩٢ - ٩٣ منه.
(٤) في (ش): علم.
(٥) في (ش): الجملة.
(٦) البيت للمتنبي وهو من قصيدة يهجو بها إسحاق بن إبراهيم الأعور ابن كيغَلَغ، وهي في " ديوانه " ٤/ ١٢١ - ١٣٢ بشرح أبي البقاء العكبري، ومطلعها: لِهَوى النفوس سريرةٌ لا تُعْلَمُ عَرَضًا نَظَرتُ وخِلتُ أني أسلمُ قال الصفدي في " الوافي بالوفيات " ٨/ ٤٠١: وكان إسحاق هذا قد ولاّه المقتدر ساحل الشام، وكان جوادًا ممدَّحًا شاعرًا محسنًا، توفي في حدود العشرين وثلاث مئة.
[ ٧ / ٣٨ ]
فإن قيل: فكيف يصح من العبد أن يختار أمرًا وذلك الأمر مخلوقٌ لله ﷿، والمخلوق لله تعالى كائن قطعًا.
والجواب من وجهين: معارضة وتحقيق (١):
الوجه الأول: وهو المعارضة بالعلم الذي تُقِرُّ به المعتزلة، فإنه يقال لهم: كيف يصح اختيار العبد في معلوم الله تعالى؟ فما أجابوا به، فهو جواب أهل السنة.
الوجه الثاني: وهو التحقيقُ أن اختيار العبد سابقٌ لخلق الرب سبحانه سَبْقَ الشرط للعلة المؤثِّرَة كما سيأتي.
وهذا السؤال قد تكرَّر وتكرَّر جوابه، فلا يُضْجَرُ منه، فإنه لا يخلو من فائدة أو زيادة وضوحٍ وبيان، وذلك وإن تكرر وطال خيرٌ من الجهل بمذاهب الرجال.
وقد ذكر الرازي هنا معارضاتٍ للمعتزلة، قصد بها بيان أن مذهب المعتزلة ليس بأوضح من مذهبهم لاستلزام كل مذهبٍ في هذه المسألة للجبر ونفي الاختيار، لولا انفصال كل فِرقةٍ عن ذلك بالأنظار الدقيقة والاعتبارات اللطيفة، وقد مضى شيءٌ من ذلك عند ذكر مذهب المعتزلة أول المسألة.
فإن قيل: إن المؤثِّر في قبح القبائح هو الإرادة، يوضحه الحديث المتفق عليه وعلى حُكْمِه " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىءٍ ما نوى " (٢) والنية:
_________________
(١) عبارة " معارضة وتحقيق " سقطت من (ش).
(٢) أخرجه البخاري (١) و(٥٤) و(٢٥٢٩) و(٣٨٩٨) و(٥٠٧٠) و(٦٦٨٩) و(٦٩٥٣)، ومسلم (١٩٠٧)، وأخرجه أيضًا مالك في " الموطأ " ص ٤٠١ برواية محمد بن الحسن، والطيالسي في " مسنده " ص ٩، وأحمد ١/ ٢٥ و٤٣، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، والنسائي ١/ ٥٨ - ٦٠ و٦/ ١٥٨ - ١٥٩ و٧/ ١٣، وابن ماجه (٢٤٢٧)، وابن منده في " الإيمان " (١٧) و(٢٠١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٤٢، وفي " أخبار أصبهان " ٢/ ١١٥ و٢٢٢، والبغوي في " شرح السنة " (١).
[ ٧ / ٣٩ ]
هي الإرادة بعينها، وإذا كانت الإرادة (١) هي المؤثِّرة، لزم (٢) نسبة القبيح إلى الله لأنها أثَرُ قدرته.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: أنه لا يصح عند الجميع تأثير الإرادة في ذلك، بل ولا الاختيار، لأنهما يوصفان بالقبح، فلو كان القبح يستلزم ذلك احتاج قبح الإرادة وقبح الاختيار إلى إرادةٍ واختيارٍ سابقين، ويتسلسل إلى ما لا نهاية له.
ذكر ذلك ابن متَّويه في " تذكرته " في " الإرادة " دون الاختيار، وذكر وُجُوهًا أُخَر في الإرادة غير مؤثرة في ذلك.
منها: أن المُرِيد لو مُنِعَ من القصد، وهو عالمٌ بقبح القبيح يتمكن من التحرُّز منه، لكان إذا فعله يقبُحُ ذلك منه، ويستحق به الذم ولا إرادة هناك.
فإن قلت: فما المؤثِّر في ذلك، فإنه لا بد من مؤثرٍ معقول (٣)؟ قلت: هذه غفلةٌ عظيمة، فإنا قد (٤) قررنا أن الحسن والقبح ليسا بشيء البتَّة، فكيف يحتاج ما ليس بشيء حقيقي إلى مؤثِّرٍ حقيقي، وقد بينا أنهما يتعلقان بالتروك العدمية المحضة، والعدم يستحيل التأثير فيه، وإنما سُمِّيَ الوجه الذي نشأ منه الحسن والقبح مؤثِّرًا فيهما على سبيل المجاز، وذلك الوجه هو الحال الذي وقع الفعل عليه فاستحق به اسم الحسن والقبح ولوازمهما، وهو أمرٌ دقيق.
وقد اشتد اختلاف المتكلمين في الأحوال: منهم من أثبتها كأبي عليٍّ الجُبَّائي من المعتزلة، والباقِلاَّني من الأشعرية.
ومنهم من نفاها. وقد طوَّل الشهرستاني في ذلك، وأَفْرَدَ الكلام فيه في
_________________
(١) لفظ " الإرادة " سقط من (ش).
(٢) " لزم " سقطت من (ش).
(٣) " معقول " سقطت من (ش).
(٤) " قد " لم ترد في (أ).
[ ٧ / ٤٠ ]
مسألةٍ مستقلةٍ جعلها من مهمات كتابه، ويأتي في بيان الكسب إشارة يسيرة إلى معناها.
ومنهم من نفاها وجعلها مجرد عبارة، فإن صح ثبوت الأحوال وأنها أمور معقولة، فهو منشأ الحسن والقبح في الأفعال، وهي تُسمى موثرة فيهما مجازًا، وإن لم يصح ذلك كان الحسن والقبح معلومين بالإجماع، بل من ضرورة الدين وضرورة العقل عند المعتزلة وبعض أهل السنة، ولم يكونا مُعَلَّلَيْنِ، فليس كل معلوم معلَّلًا بمؤثرٍ متصورٍ في الذهن بالاتفاق كالتُّروك.
وقد دقَّ الأمر في هذا على المعتزلة كما دق على الأشعرية، ونُسِبَ إلى بعض أوائل المعتزلة أن القبيح قبيحٌ لذاته (١) والحسن كذلك، وهو قولٌ مرذولٌ عند المعتزلة، وللأشعرية عليه ردود ضرورية ذكروها في الكلام على التحسين والتقبيح العقليين.
ولذلك عوَّلت الأشعرية في هذه المسألة على السمع دون العقل، إلاَّ في صفة النقص كالجهل والكذب، وصفة الكمال كالعلم والصدق، واعترفوا بدَرْكِ العقل لها من دون أن يُدْرِك استحقاق الذم والعقاب على صفة النقص، ولا الثناء والثواب على صفة الكمال، فلا يعرف ذلك إلاَّ بالسمع عندهم، خلافًا للمعتزلة فإنهم جعلوا ذلك من المدارك العقلية، وليس اختلافهم إلاَّ في هذه النكتة على ما حققه الرازي.
الوجه الثاني: أن ابن متويه ذكر في " تذكرته " أن الإرادة إذا قارنت الفعل، ووقع الفعل بها على وجهٍ سُمِّيت نية، فأما تعلق الإرادة بمجرد (٢) الحدوث فلا يسمى نية، لأن النية مفيدةٌ للضمير، فلهذا لا يصح استعمال هذه اللفظة في الله تعالى.
_________________
(١) كتبت في (أ): لذلك، وفوقها: لذاته، وهي كذلك في (ش): لذاته، وهو الصواب.
(٢) في (ش): فأما ما تعلق بمجرد.
[ ٧ / ٤١ ]
قال: وأما القصدُ، فيجب أن يكون مقارِنًا للمراد، وأن يكونا معًا من فعل فاعلٍ واحدٍ، فلا يقع من أحدنا قصدٌ إلى فعل الغير، ولهذه (١) الطريقة تُسَمَّى الإرادة التي يقع بها الكلام خبرًا قصدًا، ولا يُسَمَّى ما يؤثر في كونه أمرًا لمن هو أمر له مُسَمَّاه بأنها قصد هذا (٢) التفصيل، ويشبه القصد من هذا الوجه قولنا: إيثارٌ واختيارٌ، لأن حكمهما حكمه (٣) سواء. انتهى بحروفه.
واشتراطه في القصد (٤) أن يكون فاعله فاعل المقصود، إن أردنا بالقصد الإرادة نفسها، فهي مسألة خلافٍ بين المعتزلة يأتي بيانها في الوجه الثالث إن شاء الله تعالى.
فإن أراد بالقصد وجهًا من وجوه تعلق الإرادة، فمُسَلَّمٌ وهو ظاهر مراده، وهذا الكلام يدل على أن للإرادة (٥) تعلُّقاتٍ مختلفةً، بعضها: يتعلق بالحدوث، يتخصص الحدوث لأجله بوقتٍ دون وقت، وقَدْرٍ دون قدرٍ، فيسمى إرادةً ولا يُسمى نيةً، وبعضها: يتخصَّص بالوجوه المختلفة المُقتضية للحسن أو القبح، فتميز من بين سائر أقسام الإرادة بهذا المعنى، ويختص لأجل تميزه بهذا باسمٍ مُفرَدٍ: وهو النية التي توثر (٦) في الأعمال، وهذا مطابِقٌ لما ورد به النص المتفق على صحته نقلًا ومعنىً وعملًا.
وهذا التعلق المخصوص الذي ميز هذا النوع من الإرادات هو أثر قدرة العبد وحدها، فلذلك نُسَمِّيه ناويًا وليس بمتعلِّقٍ بقدرة الله تعالى، ولذلك لم يصح إطلاق الناوي على الله تعالى، كما اعترف بذلك ابن متويه، وكما سيأتي تقريره في كلام الباقِلاَّني في تعريف معنى الأحوال.
وفي هذا جواب قول السائل: إن النية هي الإرادة، وبيانُ غَلَطِه في ذلك بإجماع المعتزلة والأشعرية بسبب افتراق العبد والرب في وجوه تعلق الإرادة.
_________________
(١) في (ش): وبهذه.
(٢) في (ش): ففيه هذا.
(٣) " حكمه " لم ترد في (ش).
(٤) في (أ): القصر، وهو تحريف.
(٥) في (أ): الإرادة.
(٦) في (ش): لا تؤثر، وهو خطأ.
[ ٧ / ٤٢ ]
صح أن يُشتق للعبد ما لا يشتق للرب من اسم المُطيع والعابد والعاصي والكافر والمؤمن والمتقرِّب وما لا يُحصى، فكذلك الظالم وفاعل الظلم والقبيحِ ونحو ذلك.
وقول ابن متويه: ويشبه القصد في هذا الوجه قولنا: إيثارٌ واختيارٌ يعني أنهما من أسماء الإرادة عند تعلقها ببعض الوجوه المخصوصة، وأنهما لا يتعلقان بفعل الغير كالقصد، فيجب أن يكونا وما تعلقا به من فعل فاعلٍ واحدٍ، كما هو قول الأشعرية في الإرادة، فالإيثار اسم لإرادة الإحسان إلى الغير ممن ليس له غيرُ ما أعطى، والاختيار هنا هو في معنى النية بزيادة شرط المقارنة والقدرة، فهو اسمٌ للإرادة على هذه الشروط المخصوصة.
الوجهُ الثالث: أن الشيخ أبا هاشمٍ، وهو شيخ الاعتزال، قد جوَّر أن تؤثِّر الإرادة في الخطاب، وإن كانت من فعل الله تعالى والخطاب من فعلنا، فيكون خبرًا أو إنشاءً بها، ويُنْسَبُ كونه خبرًا أو إنشاءً إلينا، كما أن العلم الضروري بالصناعات المحكمة التي هي فِعْلُنا تؤثِّر في أحكامها، وتنسب الأحكام إلينا، مع أن العلم الضروري المؤثر في صحة الأحكام من فعل الله تعالى، وهذا كلامٌ صحيحٌ.
وقد اعترضه ابن متويه بأنها لو أثرت، وهي من فعل الغير، لكان أحدنا إذا أوجد (١) الكلام ووجدت هذه الإرادة خرج عن الاختيار في جعل كلامه خبرًا، ومعلومٌ أن كونه خبرًا مضافٌ إلى الفاعل، ولا يمكن التسوية بينها وبين العلم، لأن مع وجود العلم تصح أحكام الفعل، ويبقى الاختيار له فيه، سواء كان العلمُ من فعله أو من فعل غيره.
والجواب على ابن متويه: أنه قد اعترف في " تذكرته " أنه يصح وجود الإرادة غير متعلقةٍ، وهو مذهب أبي هاشم وغيره، فيمكن أن يقول: إن الله تعالى
_________________
(١) في (ش): وجد.
[ ٧ / ٤٣ ]
يُوجِدُها في المتكلم غير متعلقةٍ بكون كلامه خبرًا أو إنشاءً، ثم يُعَلِّقُها المتكلم بأحدهما باختياره.
بيانه: أنه قد ثبت أن للإرادة بالمراد تعلُّقاتٍ شتى، فبالنظر إلى حدوثه يسمى إرادةً، وبالنظر إلى كونه خبرًا وصدقًا وكذبًا يُسَمَّى قصدًا، فلأبي هاشمٍ أن يجعل هذا التعلق المختص باسم القصد من فعلنا واختيارنا، وإن كانت الإرادةُ في ذاتها من فعل الله، وهي تسمى مؤثرة في الخطاب في الحقيقة العُرفية. وإن كان التأثير على التحقيق لهذا التعلق الخاص، لا سيما، وقد نصَّ ابن متويه في الكلام الذي مضى في الوجه الثاني على هذا المعنى، وهو أن المؤثر في الكلام هو نوع من الإرادة يختصُّ باسم القصد، فإنه إنما اختص بذلك الاسم لوقوع الكلام به على وجهٍ.
وذكر في فصل آخر أن القبيح لا يقبُحُ بالإرادة في وجه القبح مثل كون الخبر كَذِبًا، لأنه إنما يصير خبرًا بالإرادة.
قلت: ومعنى هذا أنها مُصَحِّحَةٌ لوقوع الكلام خبرًا كاذبًا، والمؤثِّر في قبحه وقوعه (١) كذلك لا بالإرادة، فليست هي المؤثرة، ولكنها مصححةٌ للوجه المؤثر.
وكلامه ها هنا (٢) لا يناقض ما قدمه من أن الكلام لا يصير خبرًا إلاَّ بالقصد، لأن القصد نوعٌ من الإرادة، كما أن النية نوعٌ منها، والأنواع لا يتميز بعضها من بعض، ولا تتميز هي من أجناسها إلاَّ لوقوعها على الوجوه المختلفة، كما ذكر في تقاسيم الإرادة، حتى قسمها إلى: عَزْمٍ ونية وقَصْدٍ وإيثارٍ واختيارٍ ومحبةٍ وحَسَدٍ وغِبْطَةٍ ومُوالاةٍ ومُعاداةٍ، وكل هذه الأقسام يتميَّز بعضها من بعض بوجه مفهوم يقع الفعل عليه باختيار المختار، فيتغير اسم الإرادة ليدل تغييره وتبديله على المعاني المختلفة، وهذا التفصيل بمنزلة التقييد.
وقوله في غير هذا الفصل: إن الكلام يصير خبرًا بالإرادة بمنزلة المطلق
_________________
(١) في (ش): هو وقوعه.
(٢) في (ش): فكلامه هذا.
[ ٧ / ٤٤ ]
كلام في الملجىء للقائلين بصحة مقدور بين قادرين
المُتَجوَّز فيه، وإنما عنى بالإرادة حيث أطلق تأثيرها في الكلام، فعلى هذا القصد الذي بُيِّن في هذا التفصيل أن الإرادة (١) تسمى به حين تختص بالتأثير في الكلام.
فعلى هذا لو سلَّم أهل السنة أن الإرادة فعل الله وحده في العبد والاختيار إلى العبد، جاز أن يوقع الفعل به على الوجه القبيح، ويكون القبيح منسوبًا إلى العبد دون الله تعالى، كما أن الله لما أوجد فيه العلم والقدرة المؤثرين في الإحكام، ووقع الإحكام باختياره، كان الإحكامُ منسوبًا إلى العبد.
على أنا لو سلمنا ضعف كلام أبي هاشم في ذلك، فقد عرفت مما ذكرته أن الأمر قد انتهى في هذه المسائل على الدقة الكبيرة (٢)، فمن بنى مذهبه على مثل هذا وشاركه في أساس مذهبه مثل أبي هاشم وأتباعه كان خليقًا عند المعتزلة بعدم التكفير، بل بعدم التشنيع والتحقير، وكل ما بُنِي على التدقيق، فهو دقيقٌ بلا خلاف بين أهل التحقيق، فيرتفع بذلك التكفير والتفسيق، وتَنسَدُّ إليه عند الإنصاف الطريق.
فإن قيل: فكلام هذه الفرقة ينبني على صحة القول بمقدورٍ بين قادرين، وتجويز فعلٍ واحدٍ لفاعلين، فما الذي ألجأهم إلى هذا؟
قلت: أمران عقلي وسمعي:
أما العقلي: فالفِرار من تعجيز الله ﷿، فإن من قال بإحالة ذلك استلزم القول بأن الله ﷿ لا يقدر على أعيان مقدوراتِ العباد، حتى أفعال ما ضربه الله تعالى مثلًا في الضعف والحقارة من البعوضة والذباب والعنكبوت، وقد التزمت هذا المعتزلة إلاَّ أبا الحسين، حتى قالت البهاشمة من المعتزلة: إن في العدم ذواتٍ مُمكِنَة الوجود، وهي غير مقدورةٍ لله تعالى، وهي جميع مقدورات العوالم والحيوانات.
_________________
(١) في (ش): فعلى هذا القصد بين في هذا التفصيل لأن الإرادة.
(٢) في (أ): الكثيرة.
[ ٧ / ٤٥ ]
وقد أُلزِمُوا (١) التكفير في هذا، واعتذروا عنه بحيلتهم المعروفة في تسميته مُحالًا، وتفسير المحال بأنه لا شيء، والمنع من القدرة على لا شيء.
وبهذه الحيلة احتال كل عدوٍّ للإسلام في تعجيز الرب ﷻ عن كثير من الممكنات، حتى اعتذر بذلك من منع من معاد الأجساد من الزنادقة.
ومن العجب أن الذي ألجأ المعتزلة إلى هذا القول الساقط أمرٌ قريب، وهو قولهم: إن أحد القادِرَيْن لو أراد إيجاد مقدوره، وأراد الآخر خلافه، أدى إلى أحد باطِلَيْن: إما وجودُ مقدور القادر من غير إرادته، وإما عدمه عندها (٢).
وجوابه واضحٌ: وهو أن مقدوره إنما يكون مقدورًا له بشرط عدم المانع، ومع وجود المانع ليس بمقدورٍ، والقادران إن كانا مِثْلَيْنِ كالعبد مع العبد جاز أن يتمانعا حين يستويان، وأن يغلب أحدهما الأضعف حين يتفاضلان، وإن لم يكونا مثلين كالعبد مع الرب ﷿ كان في مقدور الله تعالى واقعًا مطلقًا متى أراد، ومقدور العبد مشروطًا بعدم منع الرب ﷿ له، وليس في هذا دِقَّةٌ، فمعذرتهم في هذا غلطةٌ داحِضَةٌ لا شبهةٌ غامضةٌ.
ولولا كثرة التجرُّؤ على ذي العزة والجلال ما أقدموا على تعجيزه سبحانه بمثل هذا الخيال، ولكن ليس يلزم من القول بقدرة الرب تعالى على أفعال العباد القطع بأنه سبحانه قد شاركه في فعلها، فإنه سبحانه موصوفٌ بالقدرة التامة على ما يفعل وعلى ما لا يفعل، وهذا هو مذهبُ طوائف أهل السنة الثلاث الآتي ذكرها، وهو أوسط الأقوال وأعدلها.
وأما الأمر السمعي، فهو نوعان: عمومٌ وخصوصٌ.
أما العموم: فكثيرٌ شهير، مثل قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿إنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله: ﴿وخَلَقَ كُلَّ
_________________
(١) في (أ): التزموا، وكتب فوقها: ألزموا، وهي كذلك في (ش): ألزموا.
(٢) في (ش): عند وجودها.
[ ٧ / ٤٦ ]
شيءٍ فقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وهو أشهر وأكثر من أن يُذْكَرَ ويُحصر، غير أنهم اختلفوا في تفسير الخلق والخالق.
فمنهم من فهم أنه المؤثر في الذات علي جهة الاستقلال من غير معين، فجوز أن يؤثر العبد في الذات، وهو غير مستَقِلٍّ، وهؤلاء اعتبروا الاستقلال دون مجرد التأثير، وهم الفرقة الأولى.
ومنهم من اعتبر مجرد التأثير في وجود الذات، وهم أهل الكسب الأشعري وأتباعه، وأما الجُوَيني وأصحابه فسيأتي تحقيق مذهبهم في الفرقة الرابعة.
النوع الثاني: الخصوص (١) الوارد في ذلك، وهو قليلٌ ومحتمل لما في تفسيره من الخلاف بين أهل السنة، كما سيأتي في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦].
وحديث حذيفة بن اليمان، قال رسول الله - ﷺ -: " إنَّ الله يصنعُ كلَّ صانعٍ وصَنْعَتَهُ ".
رواه البيهقي في " الأسماء والصفات " (٢) وغير ذلك، وسيأتي ذلك مستقصى ويُبين اختلاف أهل السنة في الاحتجاج بهذه الحجج الخاصة والصحيحُ من أقوالهم إن شاء الله تعالى.
الفرقة الثانية: الذين يُنْسَبُ إليهم الجبر المحض، وأنه لا تأثير لقدرة العبد في فعله، ولا في صفةٍ من صفات فعله، بل يقولون: إن الله تعالى يخلق الفعل بقدرته، ويخلق للعبد قدرةً متعلِّقَةً به، مقارنةً له (٣) في الوجود، غير سابقةٍ عليه (٤) ولا مؤثِّرةٍ فيه، ولا تصلُحُ لتركه ولا لضِدِّه ولا لغيره.
_________________
(١) في (ش): المخصوص.
(٢) ص ٢٦ و٢٦٠ و٣٨٨، وهو حديث صحيح، وسيأتي تخريجه ص ١١٦.
(٣) " له " سقطت من (ش).
(٤) " عليه " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ٤٧ ]
وهذا (١) قول الأشعري، وقد شَذَّ به ولم يُتابَعْ عليه، ورد عليه أصحابه هذا كما ردَّ به المعتزلة، وذلك واضحٌ في كتبهم.
وأهل هذا القول على رِكَّتِه وتصريحهم بما يُفهم منه الجبر الصريح، قد صرَّحوا بما يخرجهم عن صريح الجبر، وجحد الضرورتين العقلية والشرعية، فروى عنهم الرازي في " نهاية العقول " واللفظ له، والبيضاوي في " مطالع الأنوار " (٢)، والشهرستاني في " نهاية الإقدام " أنهم يقولون: إن الاختيار إلى العبد، فإن اختار الطاعة خلقها الله تعالى فيه عقيب اختياره لها، وإن اختار المعصية خلقها الله تعالى فيه عقيب اختياره لها.
قال الرازي: ولهذا يحسن عندهم توجيه الأمر والنهي إليه.
قلت: وقد تقدم الكلام على الاختيار، وأنه وصفٌ إضافي وليس بشيء حقيقي وما يترتب عليه من الكلام سؤالًا وانفصالًا.
وتحقيق مذهب هؤلاء أن اختيار العبد شرطٌ عادي (٣) في الحركة والسكون، كما أن فعله عند المعتزلة شرطٌ عادي (٣) في تأثير السحر وفي خلق الولد من النطفة وسائر المسبِّبات ففعل العبد على هذا مرتبطٌ بالعبد وبالرب من جهتين
_________________
(١) في (ش): وهذا هو.
(٢) كذا سماه المؤلف ﵀ " مطالع الأنوار "، والمعروف المتداول أنه " طوالع الأنوار " وهو مطبوع. والبيضاوي: هو القاضي أبو الخير أو أبو سعيد، ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي، صاحب التصانيف البديعة المشهورة في التفسير والفقه وأصوله، كان إمامًا مبرِّزًا نظّارًا صالحًا متعبدًا زاهدًا، والبيضاوي نسبة إلى مدينة البيضاء، وهي مدينة مشهورة بفارس قرب شيراز، توفي سنة (٦٨٥ هـ) في مدينة تبريز. انظر ترجمته في " الوافي بالوفيات " ١٧/ ٣٧٩، و" طبقات الشافعية " للسبكي ٨/ ١٥٧ - ١٥٨، و" البداية والنهاية " ١٣/ ٣٢٧.
(٣) الجادة أن يقال: " المعتاد " لأن العادي في لغة العرب هو القديم.
[ ٧ / ٤٨ ]
مختلفتين، فارتباطه بالعبد من أجل اختياره ارتباط المشروطات بشروطها، وارتباطه بالرب من أجل قدرته ارتباط المعلولات بعِلَلِها، ولهذا الارتباط يصح أن يُسمى (١) العبدُ فاعلًا، والربُّ فاعلًا، وليس هذا من تجويز مقدورٍ بين قادِرَيْنِ، وفعلٍ بين فاعلين في شيء على التحقيق.
وإن كان صاحب " الخارقة " (٢) قد أطلق ذلك عليه فقال ما لفظه: وأما قوله: لا (٣) يصح مقدورٌ بين قادرين، وكذا فعلٌ بين فاعلين، فنقول: إذا كانا فاعلين لمعنى (٤) واحد، وقادرين بمعنى واحدٍ، فذلك هو الممتنع، وأما إذا كانا على وجهين مختلفين فلا يمنع.
وبيانه: أن الآدمى محلٌّ لفعل الله تعالى ومحلٌّ لمقدوره، ولا تمانُعَ بين الله وبين عبده لأن الله تعالى فاعلٌ مُخترعٌ، والأدمي محل لذلك، فأين التمانع؟
وهذا كما تقول: قتل الأمير فلانًا، وتقول: قتله الجلاد، ولكن (٥) الأمير قاتلٌ بمعنى، والجلاد قاتل بمعنى آخر.
وذلك أنه تعالى خلق في العبد القدرة، وارتبطت القدرة بالإرادة، والحركة بالقدرة ارتباط الشرط بالمشروط، وارتبطت بقدرة الله تعالى ارتباط الشرط بالمشروط، وارتبطت بقدرة الله تعالى ارتباط المعلول بالعلة، وكل ما له ارتباط بقدرة، فإن محلَّ القدرة يسمى فاعلًا كيفما كان الارتباط كما يسمى الجلاد
_________________
(١) في (ش): اسم، وهو تحريف.
(٢) هو عالم الأشعرية عبد الرحمن بن منصور بن أبي القبائل الهمذاني، وكان حيًا سنة ٦٠٨ هـ، وهي رسالة صدرها باسم " الخارقة لأستار القدرية المارقة " وقد رد عليه فيها الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بكتاب سماه " الشافي ". انظر " فهرس المخطوطات بالجامع الكبير بصنعاء " ١/ ١٧٣ - ١٧٦.
(٣) في (ش): فلا.
(٤) في (ش): بمعنى.
(٥) في (ش): وذلك.
[ ٧ / ٤٩ ]
قاتلًا، والأمير قاتلًا، لأن القتل ارتبط بقدرتيهما، ولكن على جهتين مختلفتين. انتهى.
وفيه بيان أنه ليس من المقدور بيان قادرين في شيء، بل هذا مقدوران بين قادرين، فمقدور العبد مجرد الاختيار لا سوى، ومقدور الرب ما سوى ذلك.
فهؤلاء اعتقدوا أن كل موجودٍ من جسمٍ عَرَضٍ، ومن مُحْكَمٍ وغير محكم يسمى مخلوقًا، وكل مخلوق فلا يطلق على الحقيقة إلاَّ فيما خلقه الله تعالى، واحتجوا بنحو قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله﴾ [فاطر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
فلم يجيزوا مقدورًا بين قادرين، لأنه يقتضي أن يشترك العبد والرب في إيجاد الشيء المخلوق، وإن كان العبد غير مستقلٍّ، بخلاف الطائفة الأولى فأجازوا ذلك مع إعانة الله تعالى لعبده وإذنه، ولا يسمى خالقًا إلاَّ المستقل، وسيأتي الكلام على هذه الآيات في الكلام على الفرقة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
وأما الاختيار فليس عند هؤلاء شيئًا حقيقيًا، فلا يستحق الدخول في عموم خلق كل شيء، فلذلك نَسَبُوه إلى قدرة العبد.
ولبعض المعتزلة قول شبيه (١) بهذا، وهو قول الجاحظ وثُمامة بن الأشرس: إنه لا فعل للعبد إلاَّ الإرادة، لكن المعتزلة يتعافَوْنَ البدع فيما بينهم حتى يقول بها غيرهم، وألزموه الكفر، وأخرجوه من الإسلام، وإلا فأيُّ فرقٍ بين قول الأشعري وثمامة والجاحظ.
فأما كون الإرادة شيئًا حقيقيًا بخلاف الاختيار، فلا أثر لذلك، لما مضى من تقرير إجماع المعتزلة على أن الحسن والقبح لا يتعلَّق بذوات الأشياء
_________________
(١) في (أ): يشبه.
[ ٧ / ٥٠ ]
عدم الخلاف بين الأشعرية في إثبات الاختيار للعبد وتفسير الجبر عند الرازي
الحقيقية، فالحسنُ والقبحُ اللذان في الإرادة مثل الحسنِ والقبحِ اللذين في الاختيار عند المعتزلة، والذنوب والحسنات، إنما نشأت من ذلك لا من الذوات عندهم، بل قول الأشعريِّ أبعد من الجبر من قولهما.
إن قالا: ليس للعبد فعلٌ إلاَّ الإرادة من دون الاختيار لزم الجبر، وكانت كإرادة المريض للعافية عند (١) حصول العافية، فإن مقارنة الإرادة للعافية لا توجب أن العافية فعلٌ للعبد (٢).
وإن قالا: إن الاختيار للعبد مع الإرادة، فالذي (٣) أخرجهما من الجبر هو القول بأن الاختيار إلى العبد، وقد شاركهما في ذلك الأشعري، على أن للأشعري أن يُفَسِّر الاختيار بالإرادة، وينازع في كونها ذاتًا حقيقية، ويذهب مذهب أبي الحسين في الأكوان، ولا يمنعه من ذلك ضرورةٌ عقلية ولا شرعية.
واعلم أنه لا خلاف بين فرق الأشعرية في إثبات الاختيار للعبد، حتى إن الرازي في " نهاية العقول " صرَّح بأن الحق هو الجبر، ثم يُفَسِّر الجبر بوقوع الفعل عند الرجحان قطعًا مع بقاء الاختيار، وهذا تصريح بأن تسميته لذلك جبرًا خلاف في مجرد العبارة، إلا أن الرازي وحده كثير التَّلوُّن في تصرفاته، وليس من جنس الأشعرية، وله في " المحصول " هفواتٌ قلَّ من يُدْرِكُ غَوْرَها.
فمنها: أنه صرح فيه (٤) بنفي الاختيار، وناقض نصوصه المتكررة في " النهاية "، كأنه تكلم في " النهاية " عن المذهب، وفي " المحصول " عن اختياره هو في نفسه، وذلك أنه يتحامى مخالفة أصحابه (٥) في علم الكلام دون أصول الفقه، ولذلك حكى كلام الفلاسفة في كتابه " الأربعين " في الوصف العدميِّ في المسألة الأولى منه، ثم قال بعده: وهذا سؤالٌ قويٌّ، ثم أجابه وقرَّر الجواب على الصواب ومضى.
_________________
(١) " عند " سقطت من (ش).
(٢) في (ش): العبد.
(٣) في (ش): والذي.
(٤) انظر " المحصول " ٥/ ٢٥٥.
(٥) في (ش): وذلك يتحابى أصحابه.
[ ٧ / ٥١ ]
ولما تكلَّم في " المحصول " على الوصف العدمي في باب القياس ذكر كلام الفلاسفة واختاره تصريحًا، وذكر الجواب الذي رد به عليهم في " الأربعين "، ثم نَقَضَهُ في " المحصول ".
وتراه في " النهاية " يتلوَّن، ففي مسألة حدوث العالم قال: لا جواب على الفلاسفة إلاَّ بمذهب المعتزلة في ترجيح الفاعل لأحد مقدوريه من غير مرجحٍ.
وفي مسألة خلق الأفعال أبطل قول المعتزلة في هذه المسألة بعينها.
وكذلك صرَّح فيما أحسِبُ بنفي الاختيار في مقدمات " المحصول " في أصول الفقه في الاحتجاج على نفي التحسين العقلي، وجوّد ابن الحاجب الرد عليه في " المنتهى " كما نقلته في هذا الكتاب في آخر هذه المسألة.
واضطرب الرازي في " مفاتح الغيب " فقال: إن إثبات الإله يُلجِىءُ إلى القول بالجبر، وإثبات الرسل يُلجِىءُ إلى القول بالقدر (١)، ثم قال: بل هنا سر آخر وهو فوق الكل، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول، وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجَّح أحدهما على الآخر إلا بمرجح، وهذا يقتضي الجبر، ونجد أيضًا تفرقةً بديهيةً بين الحركات الاختيارية والاضطرارية، وجزمًا بديهيًا بحُسْنِ المدح والذم والأمر والنهي، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة.
فكأن هذه المسألة وقعت في حيِّز التعارض بحسب العلوم الضرورية، وبحسب العلوم النظرية، وبحسب تعظيم الله تعالى نظرًا إلى قدرته، وبحسب تعظيمه نظرًا إلى حكمته، وبحسب التوحيد والنُّبُوَّة، وبحسب الدلائل السمعية.
_________________
(١) كتب في (أ) و(ف) فوق لفظة " بالقدر ": بالاختيار، ثم حشِّي علبها في الهامش: هكذا في بعض كتب الفن منقولًا عن الرازي.
[ ٧ / ٥٢ ]
كلام الذهبي في الفخر الرازي
فلهذه المآخذ التي شرحناها، والأسرار التي كشفنا عن (١) حقائقها، صَعُبَتِ المسألة وغَمُضَتْ، فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق. انتهى كلامه.
وإنما أوردته ليعرف أنه ليس كل ما (٢) وُجِدَ نُسِبَ إلى طائفة الأشعرية، فكيف بمن يَنْسِبُ مثل ذلك إلى أهل الحديث والأثر.
وقد قال الذهبي في كتابه " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " (٣) ما لفظه: الفَخْرُ بن الخطيب، صاحب التصانيف، رأس في الذكاء والعقليات، لكنه عريٌّ عن الآثار، وله تشكيكاتٌ على مسائل من دعائم الدين (٤) تُورِثُ حَيْرةً، نسأل الله أن يُثَبِّتَ الإيمان في قلوبنا، وله كتاب " السر المكتوم في مخاطبة النجوم " (٥)
_________________
(١) في (أ): على.
(٢) في (أ): كما، وهو خطأ.
(٣) ٣/ ٣٤٠.
(٤) " التي " لم ترد في " الميزان " ولا في (ش).
(٥) جاء في " كشف الظنون " ص ٩٨٩: " السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم " للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ. وقيل: إنه مختلق عليه، فلم يصح أنه له، وقد رأيت في كتاب أنه للحرالي أبي الحسين علي بن أحمد المغربي، المتوفى سنة ٦٣٧ هـ، والله ﷾ أعلم. وقال اللكنوي في " الفوائد البهية " ص ١٩٢: كتاب " السر المكتوم في علم النجوم " ليس من مؤلفات فخر الدين، وإنما هو من وضع بعض الملاحدة نسبه إليه ليروِّجَه بين الناس، وقد تبرّأ الرازي نفسه من هذا الكتاب في بعض مصنفاته، فالطاهر أنه نسب إليه وهو حي. وقال السبكي في " طبقاته " ٨/ ٨٧: وأما كتاب " السر المكتوم في مخاطبة النجوم " فلم يصح أنه له، بل قيل: إنه مختلق عليه. وقال ابن خلدون في " المقدمة " ص ١١٥٤: وذكر لنا أن الإمام الفخر بن الخطيب وضع كتابًا في ذلك (أي: في السحر والطلسمات) وسماه بالسر المكتوم، وأنه بالمشرق يتداوله أهلُه، ونحن لم نقف عليه، والإمام لم يكن من أئمة هذا الشأن فيما نظن، ولعل الأمر بخلاف ذلك. وقال ابن قاضي شهبة في " طبقات الشافعية " ٢/ ٨٤: ومن تصانيفه على ما قيل كتاب " السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم " على طريقة من يعتقده، ومنهم من أنكر أن يكون من مصنفاته.
[ ٧ / ٥٣ ]
سِحرٌ صريح، فلعله تاب منه إن شاء الله تعالى. انتهى.
فمن تشكيكاته ما تراه يصنع في المعجزات، فإنه في الكلام على التحسين والتقبيح من " المحصول " نفى الاختيار، ثم أورد من أدلة المعتزلة ما يلزم من نفي التحسين والتقبيح بطلان النبوة، وقرر ذلك أبين تقريرٍ، ثم إنه اقتصر في جوابه على المعتزلة بأن لهم من القواعد ما يقتضي بطلان النبوة أيضًا، ثم أورد ذلك وأوضحه وقرَّره أبين تقريرٍ، ثم ترك ذلك في كتابه على هذه الصفة.
وما يزيد أعداء الإسلام على ما صنع شيئًا، بل لا يستطيع أعداء الإسلام مثل هذا، فإن كُتُبَهم مهجورةٌ، وهذا جعل هذا مقدمةً لأصول الفقه، أحد أركان علوم الإسلام، وصدر من أحد علماء الإسلام، وأخرجها مخرج الرد على المبتدعة، فنفوس أهل السنة قبل التأمُّل تميل إليها، وإذا تأملت، وجدته قرَّر بطلان النبوات على كلا المذهبين، تقريرًا يعلم أنه يصعب على أكثر المسلمين الانفصال عنه.
فما هذا صُنْعَ المعتزلة والأشعرية، فإن الجميع يَسْعَوْنَ في تقرير النبوَّات، كما صنع القاضي عياض في كتابه " الشِّفا في التعريف بحقوق المصطفى "، وذكر الذهبي في ترجمة الجاحظ من " النبلاء " أنه جود الكلام في النبوات فرحمه الله (١).
وكذلك فليكن علماء الإسلام، وكذلك هذا الكلام الذي ذُكِرَ عن الرازي آنفًا فيما أودعه تفسيره قوله: إن مسألة الجبر والقَدَرِ وقعت في حيِّز التعارض بالنظر إلى العلوم، فإنه مما لا يخفى على مثله فساده، لأن استحالة التعارض بين العلوم مطلقًا، ثم بين العلوم الضرورية خاصة مما يعرفه المبتدىء في العقليات، وهو يمرض القلوب من كلا الطرفين، ويُشوِّش على أهل المذهبين، ويستلزم مذهب أهل التجاهل، وأنا لا ندري ولا يدري أنا لا ندري، وإذا
_________________
(١) بعد هذا في (أ) و(ش) بياض بقدر ثلاث كلمات، وكلام الذهبي هذا الذي أشار إليه المؤلف ليس في المطبوع من " النبلاء "!
[ ٧ / ٥٤ ]
مقالة الرازي في وصيته
تأمَّلت، وجدته مخالفًا لإجماع المسلمين، ولم ينف الاختيار أحدٌ من أئمة الدِّين.
وقد حاف الرازي وما أنصف في دعواه التعارض بالنظر إلى العلوم الضرورية، فما علمنا أحدًا ادعى ثبوت الجبر بالضرورة، بل الجَمُّ الغفير من الأشعرية وأبو الحسين وأصحابه من المعتزلة ادَّعوا الضرورة في ثبوت الاختيار، كما تأتي ألفاظهم في ذلك إن شاء الله تعالى.
وكما أقرَّ الرازي مع الجماعة ثم انفَرَدَ وحده، وشذَّ عن الجماعة، وادَّعى معارضة هذه الضرورة التي قد أقر بها مع الناس، ومن حق الضرورة أن يشترك فيها جميع الناس.
فأما قوله: إن الممكن لا يترجَّح إلاَّ بمرجِّحٍ، فإن هذا ضروري، فمُسَلَّمٌ له ذلك.
وأما قوله: إن ذلك يقتضي الجبر، فغيرُ مُسَلَّمٍ، بل ولا صحيح في النظر كما يأتي، وكما أقر به في " النهاية "، وسيأتي لفظه في ذلك.
فانظر كيف أوهم الضرورة في هذا القدر، وأدرجه في العلم الضروري بأن الممكن لا يترجَّح إلاَّ بمرجِّحٍ، وله أمثال هذا كثيرٌ.
والقصد التحذير مما في مصنفاته من هذا القبيل ونسبته (١) إلى طائفة الأشعرية، وأهل السنة، وليس القصد إساءة الظنِّ به، فإن بركات العلم والإسلام قد أدرَكَتْهُ، ولله الحمد، فتاب عن جميع ذلك، وقال في وصيَّتِهِ ﵀ ما لفظه (٢): وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض، فعلى (٣) ما ورد في
_________________
(١) " ونسبته " سقطت من (أ).
(٢) انظر وصيته مع اختلاف يسير، في " تاريخ الإسلام " للذهبي في الطبقة الحادية والستين ص ٢١١ - ٢١٥، طبع مؤسسة الرسالة، و" طبقات الشافعية " للسبكي ٨/ ٩٠ - ٩٢، و" عيون الأنباء " لابن أبي أصيبعة ٣/ ٤٠ - ٤٢.
(٣) في " تاريخ الإسلام " و" الطبقات ": وكل، وفي " العيون ": فكل.
[ ٧ / ٥٥ ]
الكلام في أن الكسب معقول
القرآن والأخبار الصحيحة المتَّفَقِ عليها بين الأمة المتعين فيها المعنى الواحد والذي لم يكن كذلك، فأقول: يا إله العالمين، إني أرى الخلق مُطْبِقين على أنك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وكلُّ ما مَرَّ بقَلْبِي، أو خطر ببالي، فأشهد وأقول: كل ما علمت مني أني أريد به تحقيق باطلٍ أو إبطال حقٍّ، فافعل بي ما أنا أهله، وإن علمت أني ما سعيتُ إلاَّ في تقرير ما اعتقدت أنه الحق وتصورتُ أنه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي فذلك جهدُ المقل، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في الزلة، فأغثني وارحمني يا من لا يزيدُ ملكه عرفانُ العارفين، ولا ينقص بخطأ المجرمين، وأقول: ديني متابعةُ محمد سيِّدِ - ﷺ -، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما. إلى آخر كلامه في هذا المعنى.
وإنما أوردته هنا ليَحْسُنَ فيه ظنُّ الواقف على ما في مصنفاته مما ذكرته، ومن أمثاله على أنه يمكن أنه لم يُرِدْ بالجبر نفي الاختيار، وإنما أراد وجوب وقوع الراجح بالنظر إلى الداعي كما هو مذهب أبي الحسين المعتزلي، بل ذلك هو الظاهر من تصرُّفات الرازي، فإنه صرح في " نهاية العقول " ببقاء الاختيار مع وجوب وقوع الراجح، وسمَّى ذلك الوجوب فيها جبرًا كما سيأتي بحروفه في ذكر الفرقة الرابعة، فيكون الحمل عليه في تسميته بهذا الاسم، لما فيه من إيهام القول الباطل بالجبر المحض الذي يستلزم إفحام الرسل، وتقبيح الأمر والنهي والمدح والذم، والثواب والعقاب، وما عُلِمَ بالضرورتين العقلية والشرعية، كما اعترف بذلك هو، والله سبحانه أعلم.
الفرقة الثالثة: أهل الكسب، وهم جمهور الأشعرية، وقد طال اللَّجَاجُ بينهم وبين المعتزلة وبعض من يخالفهم من الأشعرية في أن الكسب معقولٌ أو غير معقولٍ، والإنصاف يقتضي أنه معقولٌ، كما عقله الشيخ مختارٌ المعتزلي في كتابه " المجتبى " وبيَّن الجواب عنه، بل هو واضحٌ جليٌّ كما يظهر لك إن شاء الله تعالى.
[ ٧ / ٥٦ ]
قال الشيخُ مختارٌ في " المجتبى ": وأما معنى الكسب عندهم، فقال بعضهم: إنه تعالى يخلُقُ الفعل، ويخلق قدرته في العبد مستَقِلَّةً بالفعل مقارِنَةً له غير مؤثِّرةٍ فيه.
زاد الرازي: إن الله عنذهم إنما يفعل ذلك عند اختيار العبد لذلك كالمسببات عند المعتزلة.
قال الشيخ مختار: وقال بعضهم: أصل الحركة بقدرة الله تعالى وتعينها بقدرة العبد وهو الكسب.
وقال بعضهم: إن الفعل بالله تعالى وصفته بالعبد، وهو قريبٌ من الثاني. انتهى.
وقد رأيت أن أُورِدَ كلام الأشعرية بنصِّه لعدم التفات المعتزلة إلى تحقيقه فيما رأيت من مشهور مصنفاتهم، فاقول: قال الشهرستاني في " نهاية الإقدام ": قال القاضي -يعني الباقِلاَّني-: الإنسان يُحِسُّ من نفسه تفرقةً ضرورية بين حَرَكَتَي الضرورة والاختيار، كحركة المرتعش، وحركة المختار، والتفرفة لم تَرْجِعْ إلى نفس الحركتين من حيث الحركة، لأنهما حركتان متماثلتان، بل إلى أمرٍ زائدٍ على كونهما حركتين، وهو كون أحدهما مقدوره ومراده، ثم لا يخلو الأمر من أحد حالتين:
فإما (١) أن يُقال: تعلَّقت القدرة بأحدهما، كتعلق العلم من غير تأثيرٍ أصلًا، فيؤدي ذلك إلى نفي التفرقة، فإن نَفْيَ التأثير كنفي التعلق فيما يرجع إلى ذاتي الحركتين، والإنسان يجد التفرقة بينهما وبينهما لا (٢) في أمر زائد على وجوديهما وأحوال وجودهما، ثم لا يَخْلُو الحال:
إما أن يرجع التأثير إلى الوجود والحدوث.
_________________
(١) في (ش): إما.
(٢) في (ش): وبينها إلا.
[ ٧ / ٥٧ ]
وإما أن يرجع إلى صفةٍ من صفات الوجود، والأولُ (١) باطل لما ذكرنا من أول لو أثرت في الوجود، لأثرت في كل موجودٍ، فيتعين أنه يرجع التأثير إلى صفةٍ أخرى، وهي حالٌ زائدة على الوجود.
قال: وعند الخصم قادرية (٢) الباري تعالى لم تؤثر إلاَّ في حالٍ هو (٣) الوجود، لأنه أثبت في العدم سائر صفات الأجناس من الشيئيَّة (٤) والجوهرية والعَرَضية والكونية، إلى أخصِّ الصفات من الحركة والسكون والسواديَّة والبياضية، فلم يَبْقَ سوى حالةٍ وهي الحدوث، فليأخذ منا في قدرة العبد مثله.
قلت: قد تقدم أن بعض المعتزلة لا يجعلون الحال الذي هو الوجود مقدورًا على الحقيقة عند المناقشة، وإنما المقدور جعل الذات عليها، وقد تقدم (٥) ما عليهم في ذلك من الإشكال.
ثم ذكر الشهرستاني قول المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية في نفي الكسب، وأنه غير معقولٍ.
ثم قال في الجواب: ألسنا أثبتنا وجوهًا واعتباراتٍ للفعل الواحد، وأضفنا كل وجهٍ إلى صفةٍ أثَّرت فيه مثل الحدوث، فإنه من آثار القدرة، والتخصيص ببعض الجائزات فإنه من آثار الإرادة، والإحكام، فإنه من دلائل العلم، وعند الخصم كون الفعل واجبًا ومندوبًا وحلالًا وحرامًا وحسنًا وقبيحًا صفاتٌ زائدةٌ على الوجود، بعضها ذاتية للفعل، وبعضها من آثار الإرادة.
وكذلك الصفات التابعة للحدوث، مثل كون الجوهر متحيِّزًا وقابلًا للعرض، فإذا جاز عنده إثبات صفاتٍ هي أحوالٌ أو وجوهٌ واعتباراتٌ زائدة على الوجود (٦) لا يتعلق بها القادرية وهي معقولة ومفهومة، فكيف يُستَبْعَدُ إثبات وجه
_________________
(١) في (ش): الأول.
(٢) في (ش): فإن ربه، وهو تحريف.
(٣) " هو" لم ترد في (ش).
(٤) في (أ): الشيئة، وفي (ش): التشبيه.
(٥) في (أ): وتقدم.
(٦) في (ش): الذات.
[ ٧ / ٥٨ ]
أثرِ القُدرة الحادثة معقولًا ومفهومًا.
ومن أراد تعيين ذلك الوجه الذي سمَّيناه حالًا، وأثبته أثرًا، فطريقه أن يجعل حركة إما (١) اسم جنسٍ يشمل (٢) أنواعًا وأصنافًا، أو اسم نوعٍ يتمايز بالعوارض واللوازم، فإن الحركة تنقسم إلى أقسامٍ، فمنها ما هو كتابةٌ، ومنها ما هو قولٌ، ومنها ما هو صناعة باليد، وينقسم كل قسمٍ أصنافًا، فتكون كونها حركة كتابةً، وكونها صناعة متمايزين، وهذا التمايز راجعٌ إلى حالٍ في إحدى الحركتين يُمَيِّزُها (٣) عن الثانية، مع اشتراكهما في كونهما حركةً.
وكذلك الحركة الضرورية والحركة الاختيارية فتضاف تلك الحال إلى العبد كسبًا وفعلًا، ويُشْتَقُّ له منها اسمٌ خاص مثل: قام وقعد، وقائِمٌ وقاعدٌ، وكتب وقال، وكاتبٌ وقائلٌ، ثم إذا اتصل به أمرٌ ووقع ذلك على وفق الأمر سُمِّي عبادةً وطاعةً، فإذا اتصل به نهيٌ ووقع على خلاف الأمر سُمِّي جريمةً ومعصيةً، ويكون ذلك الوجه هو المكلَّف به، وهو المقابل بالثواب والعقاب كما قال الخصم: إن الفعل يقابل بالثواب والعقاب لا من حيث إنه موجودٌ، بل من حيثُ إنه حسنٌ وقبيحٌ، فالحسن والقبح حالتان زائدتان (٤) على كونه فعلًا، وعلى كونه موجودًا، والخصم أبعد من العدل، فإنه أضاف إلى العبد ما لم يُقابَلْ بثوابٍ ولا عقابٍ، وقابَلَ بالثواب والعقاب ما لم يكن من آثار قدرة العبد.
والقاضي الباقِلاَّني عيَّن الجهة التي لا تقابل عنده بالجزاء وهي الوجود، فأثبتها فعلًا للرب سبحانه، وعيَّن الجهة التي هي تُقابَلُ بالجزاء وهي كونُ ذلك الوجود طاعةً أو معصيةً، فأثبتها من فعل العبد وكسبه، ثم قابلها بالجزاء، وذلك هو العدل. إلى آخر ما ذكره من تقرير هذا المذهب، وهو كلامٌ طويلٌ.
_________________
(١) في (أ) و(ف): ما، وهو خطأ.
(٢) في (ش): يشتمل.
(٣) في (أ): بتميزها، وكتب فوقها " يميزها: ط "، وفي (ش): يتميز بها.
(٤) في (أ): زائدان، وهو خطأ.
[ ٧ / ٥٩ ]
وفي هذا القدر كفايةٌ مع ما يَرِدُ من ذكر الشهرستاني لمذاهب المعتزلة والجواب عنه.
ثم ذكر أن كلام المعتزلة ينحصر في مسلكين (١): أحدهما: مَدْرَكُ العقل (٢)، والثاني: مَدرَكُ السمع.
قال: أما الأول: فهو أن الإنسان يُحِسُّ (٣) من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي والصوارف، فإذا أراد الحركة تحرَّك، وإذا أراد أن يَسْكُنَ سكن، ومن أنكر ذلك، فقد جحد الضرورة، ولولا صلاحية القدرة الحادثة لإيجاد ما أراد لما أحس (٤) من نفسه ذلك، قالوا: وأنتم توافقونا على إحساس التفرقة بين حركتي الضرورة والاختيار، ولم يَخْلُ من أحد أمرين:
إما أن يرجع إلى نفس الحركتين من حيث إن إحداهما واقعةٌ بقدرته، والأخرى واقعة بقدرة غيره.
وإما أن يرجع إلى صفةٍ في القادر من حيث إنه قادرٌ على أحدهما أو غير قادر (٥) على الآخر، وإن كان قادرًا فلا بد من تأثيرٍ ما في مقدوره، ويجب أن يتعين الأثر في الوجود، ولأن حصول الفعل بالوجود لا بصفةٍ أخرى تقارن الوجود، وما سميتموه كسبًا فغير معقولٍ، فإن الكسب إما أن يكون شيئًا موجودًا أم لا، فإن كان شيئًا موجودًا فقد سلَّمْتُمُ التأثير في الوجود، وإن لم يكن موجودًا، فليس بشيء فلا تأثير.
وأكدوا هذا بقولهم: إثبات (٦) قدرةٍ لا تأثير لها كنفي القدرة، فإن تعلقها بالقدرة كتعلق العلم بالمعلوم، ولا يجد الإنسان تفرقة بين حركتين في أن
_________________
(١) في (ش): مسألتين.
(٢) في (ش): الفعل، وهو خطأ.
(٣) في (أ): يحسن، وهو خطأ.
(٤) في (أ): أحسن، وهو خطأ.
(٥) في (ش): وهو قادر.
(٦) في (ش): إن إيثار، وهو تحريف.
[ ٧ / ٦٠ ]
إحداهما (١) معلومةٌ، والثانية مجهولةٌ، ويجد التفرقة بينهما في أن إحداهما (١) مقدورةٌ، والثانية غير مقدورةٍ.
قال الشهرستاني في الجواب مع اختصار بعضه: ما ذكرتُموه من التفرقة بين الحركتين، إما الوجدان فمُسَلَّمٌ، ولكن ما قلتم من أنها راجعةٌ إلى أن إحداهما (٢) موجودةٌ بالقدرة الحادثة فغيرُ مُسَلَّمٍ، وأحال إلى ما تقدم من البيان، ثم عطف بنحو ما تقدم.
إلى أن قال: فالوجود من حيث هو وجود (٣) إما خيرٌ مَحْضٌ، وإلا لا خيرٌ ولا شرٌّ انتسب (٤) إلى الله سبحانه إيجادًا وإبداعًا (٥) وخلقًا، والكسب المنقسم إلى الخير والشر منتسبٌ إلى العبد فعلًا واكتسابًا، وليس ذلك مخلوقًا بين خالقين، بل مقدورٌ بين قادرين من جهتين مختلفتين، أو مقدورين متمايزين، ولا يُضاف إلى أحد القادرين ما يضاف إلى الثاني.
إلى أن قال: المسلك الثاني لهم في إثبات الفعل للعبد (٦) ايجادًا قولهم: التكليف متوجِّهٌ إلى العبد بافْعَلْ، أولا تفعلْ، فلم يَخْلُ الحال من أحد أمرين: إما أن لا يتحقق من العبد فعلٌ أصلًا، فيكون التكليف سَفَهًا وعَبَثًا، ومع كونه سفهًا يكون متناقضًا، فإن تقديره: افعَلْ يا مَنْ لا يفعلُ.
وأيضًا فإن التكليف طلبٌ، والطلب يستدعي مطلوبًا ممكنًا من المطلوب منه، وإذا (٧) لم يُتصوَّر منه فعلٌ بَطَلَ الطلب.
وأيضًا فإن الوعد والوعيد مقرونٌ بالتكليف، والجزاء مقدر (٨) على الفعل
_________________
(١) في (أ): أحدهما، وهو خطأ.
(٢) في (أ): أحدهما، وهو خطأ.
(٣) في (ش): فالوجود ممن هو موجودًا، وهو خطأ.
(٤) في (ش): ينسب.
(٥) في (ش): ابتداعًا.
(٦) " للعبد " سقطت من (ش).
(٧) في (ش): وإن.
(٨) في (ش): مقدور.
[ ٧ / ٦١ ]
والتَّرك، فلو لم يحصل من العبد فعلٌ ولم يتصور ذلك بَطَلَ الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، فيكون التقدير: افعل وأنت لا تفعل، ثم إن فعلتَ ولم تفعل فيكون لك الثواب أو العقاب على ما لم تفعل، وهذا خروجٌ عن قضايا الحِسِّ، فضلًا عن قضايا العقول، حتى لا يبقى فرقٌ بين خطاب الإنسان العاقل، وبين خطاب الحمار، فلا فصل بين أمر التَّسخير والتعجيز، وبين أمر التكليف والطلب.
قالوا: ودَعِ التكليف الشرعي، أليس المتعارف منا، والمعهود بيننا مخاطبة بعضنا بعضًا بالأمر والنهي، وإحالة الخير والشر على المختار، وطلب الفعل الحسن، والتحذير عن الفعل القبيح، ثم تُرَتَّبُ المجازاة على ذلك.
فمن أنكر هذا فقد خرج عن حد العقل خروج عناد، فلا يُناظَرُ إلاَّ بالفعل كمناظرة السُّوفِسْطائِيَّة (١) فيُشتَم ويُلطَمُ، فإن غضب من الشتم وتألم من اللطم، وتحرك للدفع والمقابلة (٢) فقد عرف بأنه رأى من الفاعل شيئًا يوجب الجزاء والمكافأة، وإلا فما له غَضِبَ منه، وأحال الفعل عليه.
والجواب من وجهين: أحدهما: الإلزامات على مذهبهم، والثاني: التحقيقُ على مذهبنا.
الأول: نقول: عَيِّنُوا لنا ما المُكَلَّفُ به، فإن القول بأن التكليف متوجِّهٌ على العبد ليس يُغني في تقدير أثر القدرة الحادثة وتعيينه.
فإن قلتم: المكلَّف به هو الوجودُ من حيث هو وجودٌ، لا من حيث كونه قبيحًا وحسنًا، ومن المعلوم أن المطلوب بالتكليف (٣) مختلف الجهة، فمنه: واجبٌ مطلوبٌ فِعْلُه، ومنه: حرامٌ مطلوبٌ تَرْكُهُ.
وإن قلتم: المكلَّف به هو جهة الوجود، وهو الذي يستحق المدح والذم
_________________
(١) في (أ): السوفصطائية.
(٢) في (ش): والمقاتلة.
(٣) في (ش): أن المكلف به.
[ ٧ / ٦٢ ]
عليه، فمُسَلَّمٌ، وذلك الوجه ليس (١) يندرج تحت القدرة عندكم، بل هو صفةٌ تابعةٌ للحدوث، فيا هو المكلف به حقيقةً لم يندرج تحت القدرة، وما اندرج تحت القدرة لم يكن مكلفًا به.
فإن قيل: المقدور هو وجود الفعل، إلاَّ أنه يلزمه وجود ذلك الوجه المكلف به لا مقصودًا في الخطاب.
قيل: وما يُغنيكم هذا الجواب، فإن التكليف لو كان مُشعِرًا بتأثير القدرة في الوجود، لكان المكلَّف به هو الوجود من حيث هو وجودٌ لا غير، ولكان تقديرُ الخطاب أوجد الحركة التي إذا وُجِدَتْ وُجِدَ (٢) معها كونها حسنةً وعبادةً وصلاةً وقُربَةٌ، فما هو مقصودٌ بالخطاب غير موجودٍ بإيجاد العبد، فيعود الإلزام عكسًا عليكم: افعل يا من لا يفعل.
فليت شعري أي مكلفٍ به يندرج تحت قدرة المكلف، ولا يندرج تحت قدرة غيره، وبين مكلفٍ به يندرج تحت قدرة المكلف ولا يندرج (٣) من جهة ما كُلِّفَ به، والمندرج تحت قدرة غيره من جهة ما لم يُكَلَّف به، أليست القضيتان لو عُرِضَتا على محل العقل، كانت الأولى أشبه بالخبر.
إلى قوله: لزمهم (٤) الأعراض التي اتفقوا على أنها حاصلةٌ بإيجاد الله تعالى، وقد ورد الخطاب بتحصيلها وتركها، وتوجه الثواب والعقاب عليها، وهي أيضًا مما يتعارفه الناس ويتداولونه مثل بعض الألوان والطعوم، واستعمال الأدوية والسموم والجراحات المُزْهِقَةِ للرُّوح، والفهم عقيب الإفهام، والشِّبَع عقيب الطعام، إلى غير ذلك، فإن هذه كلها حاصلةٌ بإيجاد الباري، وقد ورد الخطاب بتحصيلها عقيب أسبابٍ يُباشِرُها العبد، ووجهُ الإلزام أن الخطاب يتوجَّهُ بتحصيل أعيانها مقصودًا، ولذلك يُعاقَبُ عليه ويُمدَحُ.
_________________
(١) " ليس " سقطت من (ش).
(٢) " وجد " سقطت من (ش).
(٣) " ولا يندرج " سقطت من (ش).
(٤) في (ش): لنا إلزامهم.
[ ٧ / ٦٣ ]
ومن المعلوم أن من استأجر صبَّاغًا ليُبَيِّضَ ثوبه فسوَّدَه غَرِمَ، ومن قتل إنسانًا بالسُّمِّ، استَوْجَبَ القَوَدَ، ومن أحرق ثوب إنسانٍ، أو غرَّق سفينة، أو فتح نقبًا حتى هلك زرعٌ أو خَرِبَتْ دارٌ، عُوقِبَ على ذلك وضَمِنَ وغَرِمَ، فمورِدُ التكليفِ غير ما اندرج تحت القدرة، وما اندرج تحت القدرة غير مَورِدِ التكليف.
والجوابُ عن السؤال من حيث التحقيق: أنا قد بيَّنَّا وجه الأثر الحاصل بالقدرة الحادثة، وهو وجهٌ أو حالٌ مثل ما أثبتوه للقادرية والأزلية، فخذوا من العبد ما يُشابِهُ فعل الخالق عندكم، ولينظر إلى الخطاب بافعَلْ أو لا تفعل (١)، أو خُوطِبَ أوْجِدْ أو لا تُوجِد، أو خوطِبَ: اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، فجهة العبادة التي هي أخصُّ وصف الفعل حاصلٌ بتحصيل العبد مضافٌ إلى قُدرته، فما ضرَّكم (٢) إضافة أخرى يعتقدها وهي مثل ما اعتقدتموه تابعًا.
فالوجود عندنا كالتابع أو كالذاتي الذي كان ثابتًا في العدم عندكم، والفرقُ بيننا أنا جعلنا الوجود متبوعًا وأصلًا، وقلنا: هو عبارةٌ عن الذات والعين، وأضفنا إلى الله تعالى وجميع ما يلزمه من الصفات، وأضفنا إلى العبد ما لا يجوز إضافته إلى الله تعالى، حيث لا يقال: أطاع الله وعصى الله، وصام وصلَّى وباع واشترى ومشى، فلا تتغيَّرُ صفاته بأفعاله، بخلاف ما يضاف إلى العبد، فإنه يُشتَقُّ له وصفٌ واسمٌ من كل فعلٍ يباشره وتتغير ذاته وصفاته بأفعال، ولا يجحد العلماء بجميع (٣) وجوه اكتسابه وأعماله، وهذا معنى ما قاله الأستاذ أبو إسحاق: إن العبد فاعلٌ بمعنى، والرب سبحانه فاعلٌ بمعنى.
ثم ذكر الشهرستاني الجواب على أصل الأشعري والجبرية الخُلَّص بنحو ما تقدم من قول الرازي عنهم، إلى أن قال: ومما يُوضِحُ الجواب غاية الإيضاح أن التكليف بافْعَلْ ولا تفعل، ورد بالاستعانة بالله تعالى في نفس المكلف به كقوله: ﴿اهْدِنا الصِّرَاطَ المستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا
_________________
(١) في (أ): أو يفعل، وهو خطأ.
(٢) في (ش): يضركم.
(٣) مكان قوله: " ولا يجحد العلماء " في (ش) بياض.
[ ٧ / ٦٤ ]
بَعدَ إذْ هَدَيتَنا﴾ [آل عمران: ٨].
وأوضح من هذا كله قوله تعالى: ﴿واصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلاَّ باللهِ﴾ [النحل: ١٢٧] لأنه قصر إمكان المأمور به على إعانة الله تعالى، وحصره فيها.
قال: وسواءٌ كانت الهداية بنفسها المسؤولة بالدعاء أو الثبات عليها، فلا شك أن العبد لو كان مستقلًاّ بإنشائها بقدرته مستندًا بالثبات عليها، كان مستغنيًا عن هذه الاستعانة، ثم الله سبحانه يمُنُّ على من يشاء من عباده بأن هَدَاهُمْ إلى الإيمان، وعند الخصم هو محمولٌ على خلق القدرة، وهي صالحة للضدين جميعًا على السواء، وذلك يبطل قضية الامتنان بالهداية، قال الله تعالى: ﴿بَلِ الله يَمُنُّ عليكُمْ أنْ هَدَاكُمْ للإيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧].
وتحقيق ذلك من غير حَيْدٍ عن الإنصاف أن العبد كما يُحِسُّ من نفسه التمكن من الفعل يُحِسُّ الافتقار والاحتياج إلى مُعِينٍ في كل ما يتصرف ويجد في استطاعة، وفِقدان الاستقلال والاستبداد بالفعل في كل ما يأتي ويَذَر، ويُقَدِّمُ ويؤخر من تصرفات فِكْرِهِ نظرًا واستدلالًا، ومن حركات لسانه قِيلًا وقالًا، ومن تردُّدَات يديه يمينًا وشمالًا، فيُحِسُّ الاقتدار على النظر، ولا يُحِسُّ الاقتدار على عدم العلم بعد حصول النظر، فإنه لو أراد أن لا يحصل العلم لم يتمكن منه، ويُحِسُّ من نفسه تحريك لسانه بالحروف، ولو أراد أن يُبَدِّلَ المخارج ويغير الأصوات حَسَّ (١) ذلك، ويُحِسُّ تحريك يده وأَنْمَلَتِه، ولو أراد تحريك جزءٍ واحدٍ من غير تحريك (٢) الرِّباطات المتصلة لم يتمكن من ذلك.
وعند الخصم القدرة صالحةٌ للأضداد والأمثال وهي متشابهة في القادرين، والعبد مستقلٌّ بالإيجاد والاختراع وليس لله من هذه الأفعال إلاَّ خلق القدرة، واشتراط النية وهو من أضعف ما يُتصور، والحق في المسألة تسليم التمكن والتأنِّي والاستطاعة على الفعل على وجهٍ يُنْسَبُ إلى العبد معه وجهٌ من الفعل
_________________
(١) في (ش): من.
(٢) " تحريك " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ٦٥ ]
يليق بصلاحية قدرته واستطاعته وإثبات الافتقار والاحتياج إلى الله تعالى، ونفي الاستقلال والاستبداد، فيجد في التكليف موردًا إلى موردي الخطاب فعلًا واستطاعةً، ويصادف في الجزاء تفضُّلًا ومقابلة، والله أعلم، وهو الموفق سبحانه.
انتهى كلام الشهرستاني في " نهاية الإقدام "، وبعضه يحتاج إلى شرحٍ لمن لم يَتَدَرَّبْ في علم الكلام، ولكن قد طال الكلام، والزيادة على هذا تُورِثُ السَّآمة والملل.
وقد أوجز الرازي العبارة في تفسير الكسب، فقال في كتاب " الأربعين ": إن الله تعالى يخلق الحركة المطلقة بقدرته سبحانه، والعبد بقدرته يجعل تلك الحركة صلاةً وظلمًا، أو كما قال.
وقال الرازي في " النهاية " والشيخ مختار في (١) " المجتبى " في تفسير طريقة الباقِلاَّني في الكسب: هي أن القدرة الحادثة وإن لم تكن مؤثِّرَةً في وجود الفعل، لكنها مؤثرة في وجود صفةٍ له، وهي كونه طاعةً ومعصيةً. انتهى.
قلت: وبعض المتكلمين من الأشعرية كإمام الحرمين وأصحابه وبعض المعتزلة كأبي هاشم وأصحابه شَنَّعُوا على أهل الكسب في قولهم: إنه غيرُ معقولٍ، فإن معنى " غير معقول " (٢) أنه يستحيل تصوُّرُه في الذهن وتفهمه، وإذا استحال ذلك، استحال الجواب المعين عليه بالبطلان، وهذا غلوٌّ في العصبية فاحش وليس كذلك (٣)، ولا في معناه شيء من الغموض والدقة، فإن الكسب هو فعل العبد بعينه الذي هو الطاعات والمعاصي والمباحات وسائر التصرفات، وهذا شيءٌ ليس فيه دقةٌ، وإنما اختاروا تسمية فعل العبد بالكسب دون الفعل،
_________________
(١) " في " سقطت من (أ).
(٢) عبارة " فإن معنى غير معقول " ليست في (أ) و(ف).
(٣) " وليس كذلك " لم ترد في (أ).
[ ٧ / ٦٦ ]
ومعناهما واحدٌ عندهم، لأن الكسب يختص بفعل العبد دون فعل الرب، ولا يجوز أن يسمى الله تعالى كاسبًا بخلاف الفعل فإنه مُشتَرَكٌ، فيجوز أن يُسَمَّى الله تعالى فاعلًا، وأن يُسَمَّى العبد فاعلًا، ثم الله تعالى يختص باسم الخالق المبدع المخترع، والعبد يختص باسم المطيع والعاصي وسائر أنواع الأفعال.
ولما كان الكسب يعُمُّ الطاعة والمعصية، ويختص بفعل العبد دون فعلِ الرب ﷿، اختاروه (١) في التعبير عن فعل العبد كما اختاروا الخلق في التعبير عن فعل الرب ﷿ مع اعترافهم أن الفعل والكسب صادرٌ (٢) عن العبد، وأنهما مترادفان، وله يُنْكِروا أفعال العباد، ولكن خصَّصُوها لتميز بعض أسمائها (٣) الصحيحة لغة وشرعًا ونصًّا وإجماعًا وهو الكسب.
فإن كان المعتزلي لم يعرف ما الكسب، فليبحث كتب اللغة والتفسير، وليسأل ما معنى قول الله تعالى: ﴿لها مَا كَسَبَتْ وعَلَيها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وتَشْهَدُ أرجُلُهم بما كانوا يكسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] وأمثال ذلك.
فإن قال: هو أعمال العباد من الواجبات والمحرمات، ترك مذهبه وأقرَّ بما قاله أهل الكسب، وإن فسَّره بتفسير المعتزلة ومذهبهم، وهو أمرٌ رابع ليس هو ذات الشيء ولا وجوده ولا كليهما (٤)، فقد جاء في (٥) المثل: رمتني بدائها وانسَلَّتْ (٦)، وأين الكسب وجلاؤه ووضوحه من إثبات الذوات في الأزل،
_________________
(١) في (ش): اختاره، وهو خطأ.
(٢) في (أ): صادرة.
(٣) في (ش): أسبابها، وهو خطأ.
(٤) في (أ) و(ش): كلاهما، وهو خطأ.
(٥) " في " لم ترد في (أ) و(ف).
(٦) يقال لمن عيَّر صاحبه بعيب هو فيه، وقصة المثل أن سعد بن زيد مناة بن تميم كان تزوج رُهْمَ بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن كلب بن وبرة، وكانت من أجمل النساء، فولدت له مالك بن سعد، وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن لها: يا عفلاء، فشكت ذلك إلى =
[ ٧ / ٦٧ ]
غلط بعض متكلمي المعتزلة على أهل الكسب من الأشعرية في مواضع
ودعوى الفرق بين الثبوت والوجود، والقِدَمِ والأزل، والقديم والأزلي مع عدم معرفة أهل اللغة للفرق بينها، وإذا جاز لهم أن يصطلحوا في ذلك على ما لا يعرفه غيرهم، فما الذي حصر الاصطلاح على المجهولات عليهم، وحَظَرَهُ على غيرهم.
وقد حكى صاحب " شرح الأصول الخمسة " (١) عن الجاحظ أنه يقول: إن المؤثِّر في أفعال العباد هو الطبع.
وحكى عن ثُمامة بن الأشرس أنه يقول: إنها حوادث لا مُحْدِثَ لها (٢)، فلم تَنْسُبِ المعتزلة إليهما من الجبر والتشنيع نحو ما نسبته إلى أهل الكسب، فبهذا (٣) يعرف أن فيهم أهل هوى، وإن لم يشعر بعضهم.
وقد غَلِطَ بعض متكلِّمي المعتزلة عليهم في مواضع:
الموضع الأول: ذكروا عن أهل الكسب أنهم يقولون: لا فاعل في الشاهد، وهذا غلطٌ فاحش، وقد تقرَّر في كلامهم الذي نقلته (٤) عنهم أنهم يُسمون الكسب فعلًا، والمكتسب فاعلًا، وإنما يمنعون إطلاق الخلق والإيجاد والإبداع والاختراع متى كانت تُفيِدُ إخراج المعدوم إلى الوجود، وإنشاء عين (٥) الذات الأزلية عند المعتزلة، مع أنهم لا يمنعون إطلاق هذه الأشياء في الشاهد
_________________
(١) = أمها، فقالت: إذا ساببنك، فابدئيهن بعَفَالِ سُبِيتِ، فسابَّتها بعد ذلك امرأةٌ من ضرائرها، فقالت لها رُهم: يا عفلاء -كما وضحتها أمها- فقالت لها السابَّة: " رمتني بدائها وانسلَّت "، فأرسلتها مثلًا. انظر " مجمع الأمثال " ١/ ١٠٢ و٢٨٦، و" المستقصى في أمثال العرب " ٢/ ١٠٣، و" فصل المقال " ص ٩٢ - ٩٣، و" لسان العرب " ١١/ ٤٥٧، و" زهر الأكم " ٣/ ٦٠ - ٦١.
(٢) " الخمسة " لم ترد في (أ)، وصاحب الكتاب هو قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، وانظر حكاية قول الجاحظ فيه ص ٣٨٧.
(٣) " شرح الأصول " ص ٣٨٨.
(٤) في (ش): بهذا.
(٥) في (أ) و(ف): نقله.
(٦) في (ش): غير.
[ ٧ / ٦٨ ]
على غير هذا المعنى، فإنه يجوز نسبة الخلق إلى العبد متى صُرِفَ عن ذلك المعنى إلى معنى التقدير، كما قال تعالى عن عيسى ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وكما قال سبحانه: ﴿فتبارَكَ الله أحْسَنُ الخَالِقينَ﴾ [المومنون: ١٤].
وكذلك الخلق بمعنى الكذب، قال الله تعالى: ﴿وتَخْلُقون إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، وأما الخلق الذي يختص بالله تعالى هو إنشاء عين الذات، وعلى هذا قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غيرُ الله﴾ [فاطر: ٣] وأمثالها.
الموضع الثاني: ذكروا عنهم أنهم لا ينسبون الاختيار إلى الفاعل من العباد، وأنهم ينسبونه إلى الله تعالى، وهذا لم يصح عن الجبرية الأشعرية كما تقدم، فكيف بأهل الكسب؟
وقد تقدم تصريحهم بخلاف ذلك، وتكذيبهم في حكايتهم لمذاهبهم حرامٌ بالإجماع، ولو فتحنا باب التكذيب لأهل المذاهب لم تكن فِرقةٌ أولى به من فرقةٍ، ولانسَدَّ باب نقل المقالات عن أربابها.
الموضع الثالث: ذكروا عنهم أنهم يقولون: قدرة العبد على الكسب مقارنةٌ لمقدورها، فلا تؤثر فيه، ولا يخرجهم القول بالكسب عن الجبر. وهذا جحدٌ لصريح ردهم على الأشعري في قوله: قدرة العبد متعلقةٌ بفعله غير مؤثرةٍ فيه.
وقد تقدم تصريحهم بالرد عليه كما في كلام الباقلاني (١) الماضي، وسيأتي ردُّ ابن الحاجب عليه في مواضع من " مختصر المنتهى ".
وقد ذمَّ صاحب " الخارقة " منهم صاحب " الرادة " بأنه يرمي أهل الكسب بمذاهب أهل الجبر، ونص على أن الكسب غير معقولٍ، ويجتزىء بهذا القدر في إبطاله، وعابَه بهذا أشد العيب، وتمثل في الرد عليه بقول الشاعر:
_________________
(١) في (ش): بالرد عليه كالباقلاني، وهو خطأ.
[ ٧ / ٦٩ ]
أتانا أن سهلًا ذمَّ جهلًا علومًا (١) ليس يعرفهنَّ سهلُ
ولو لم يخلُ منها ذَبَّ عنها ولكن الرضا بالجهل سهلُ
فإن قيل: كيف يصح القول بالكسب وهو مبنيٌّ على أن الله تعالى يوجبُ ذات فعل العبد، وأن العبد أكسب تلك الذات صفة الحسن والقبح، وليس يصحُّ أن تكون الذاتُ لفاعلٍ، وصفتها لفاعلٍ آخر.
فالجواب أن من (٢) أورد هذا السؤال، فقد عقل ماهية الكسب، وبطل دعواهُ أنه غير معقولٍ، ودعواه أنه قولُ الجبرية، ودعواه أنه كفرٌ، فإنه يؤدي إلى تلك الشناعات، ولم يبق إلاَّ أنه صوابٌ أو خطأ، وهذا سهلٌ، فإن المعتزلة عشرُ فِرَقٍ، وبين أبي علي وأبي هاشم والبصرية والبغدادية وأصحاب أبي الحسين من الاختلاف في القطعيات ما هو أكثر من هذا، وهذه المسألة بعينها مما اختلفوا فيه.
وقد جوَّز أبو (٣) الحسين ما منعه السائل من كون الذات الجسمية فعلًا لله تعالى، وصفتها الكونية في الجهات فعلًا للعبد، وكفى وشفى في الرد على من منع ذلك، ومن أحبَّ ذلك فليطالع كتبه وكتب أصحابه مثل محمود بن الملاحِمِي (٤)، وصاعد، ومختار صاحب " المجتبى "، والإمام يحيى بن حمزة.
ومن أرَكِّ (٥) ما جاءت به البهاشمةُ في منع ذلك أنهم احتجوا بكلامنا وكلام الغير، قالوا: فإنا لما (٦) قدرنا على ذات كلامنا، قدرنا على جعله على جميع صفاته من كونه خبرًا أو إنشاءً، ولما لم نقدر على كلام الغير لم نقدر على
_________________
(١) في (ش): أمورًا.
(٢) " من " سقطت من (أ).
(٣) في (أ) و(ش): أبي، وهو خطأ.
(٤) في (أ): محمود الملاحمي، ومحمود بن الملاحمي هذا ذكره أحمد بن يحيى بن المرتضى في " المعتزلة " ص ٧١ فقال: ومن تلامذة أبي الحسين البصري الشيخ النِّحرير محمود بن الملاحمي مصنف " المعتمد الأكبر ".
(٥) في (ش): أدرك، وهو تحريف.
(٦) " لما " سقطت من (ش).
[ ٧ / ٧٠ ]
جعله على شيء من تلك الصفات، فدارت العلة على القدرة على الذات وجودًا وعدمًا.
فنقض أبو الحسين ما ذكروا بأنه (١) ليس لكلامنا بكونه خبرًا أو إنشاءً صفةٌ حقيقية، لأنه لا يوصف بالخبر والإنشاء من الكلام إلاَّ الجُمَلُ، ويستحيل وصف الحرف الواحد بذلك، مع أنه لا يصح عند الخصم أن يوجد (٢) من الكلام إلا الحرف بعد الحرف، والمعدوم لا يصح وصفه بصفةٍ حقيقيةٍ.
سلمنا أن كلامهم في هذه المسألة هو الصحيح دون كلام أبي الحسين، وأن كلام الشيخ أبي الحسين مع البهاشمة يختص بصفات الأجسام التي هي باقيةٌ دون التي لا بقاء لها كما يشير إلى ذلك كلام الشيخ مختار في " المجتبى " في الرد على من قال بالكسب، فإنه لا يلزم أهل الكسب منه شيء، لأن كلامهم في الكسب إنما هو إكساب (٣) الذات صفات الحسن والقبح، وهي إضافيةٌ لا وجود لها، بدليل أنا نصف التروك بها، وليست التروك بأشياء على المذهب الصحيح وهو مذهب البهاشمة.
ولو سلمنا أن التروك أشياء، فالقول بأن الوجوب والتحريم ونحوهما ليست بأشياء حقيقيةٍ وإنما هي أوصافٌ إضافية كلمة إجماعٍ بين المتكلمين، ولو كانت أعراضًا وجوديةً، لوجب قيامُ العَرَض بالعَرَض، فإن الصلاة عَرَضٌ، فلو كان وجوبها عرضًا آخر وهي متصفة به، لكان العرض قد حل العرض.
وخلاصة مذهبهم أن الهَمَّ بالفعل اختيار وقوعه على الوجوه من أثر قدرة العبد، وذلك سابقٌ على حدوثه الذي هو قدرة الله، فلما كان الله يخلق حدوث الفعل في العبد بعد همِّ العبد واختياره المؤثر في حسن كسب العبد وقبحه (٤)،
_________________
(١) في (ش): به أنه، وهو تحريف.
(٢) في (ش): يؤخذ، وهو خطأ.
(٣) في (ش): اكتساب، وهو خطأ.
(٤) في (أ): وكسبه، وهو خطأ، والمثبت من (ش)، وقد كتبت على الصواب فوق الكلمة في (أ).
[ ٧ / ٧١ ]
وتسميته بأخصِّ أسمائه لم يمنع ذلك لتقدم اختيار العبد في نيته من فعل الله تعالى لشعوره به قبل وقوعه وحال وقوعه (١)، فإنه إنما وقع على جهة الامتحان عندهم، كما يؤثر الله في التفريق عند السحر عند الجميع على جهة الامتحان، وكما يؤثر سبحانه في قبض الأرواح عند فعلنا لسبب ذلك.
وكذلك سائر المسبَّبَات عند الجميع فتؤثر نية العبد في المسببات إجماعًا مع عدم استقلاله في ذلك إجماعًا، والتشاغلُ بمثل هذا يحتاج إلى الاعتذار.
ولولا أن القصد بذكره أن يكون وسيلةً إلى ترك التكفير لمن غَلِطَ في هذه الدقائق التي لا تُعْلَمُ ضرورة من الدِّين، فإني ما قصدت إلاَّ هذا، ولم أقصد تصحيح القول بالكسب دع عنك الجبر، فإن المختار عندي قول أبي الحسين وأصحابه من المعتزلة، وابن تيمية وأصحابه من أهل السنة، فإنهم قد صححوا أن الحركة والسكون وَصْفَانِ إضافيان تابعانِ للذات، ولهم ردودٌ قوية على من زعم أن الأكوان ذواتٌ ثُبوتيةٌ، وأين من يعرف ما قالوا كيف الأمر برده بالبراهين القاطعة (٢).
ولو ذهب ذاهب من أهل الكسب إلى مذهبهم لجوز تأثير قُدرة العبد في الأكوان، ونزَّلَها أنفسها منزلة الوجوه والاعتبارات عند الباقلاني، وهو مذهبٌ صحيح الاعتبار، قوي الأساس على قواعد النظار.
وإذا ضمه الجويني إلى ما اختار، لم يبق عليه غُبار، ومنتهى ما يلزم أهل الكسب أن يكون فعل العبد، وخلق الرب سبحانه مقدورين مختلفين معنىً، متلازمين وجودًا، بين قادرين غير متمانعين، ولا ماء من ذلك قاطعٌ بحيثُ يمنع قدرة الله تعالى عن أن يشرك العبد في فعله هذه المشاركة، بل منتهى ما فيه مقدورٌ واحدٌ بين قادرين، وقد جوزه أبو الحسين وأصحابه من المعتزلة وجماهيرُ الأشعرية، وليس فيه كفرٌ ولا فسوقٌ ولا عصيان ولا مُروق.
_________________
(١) " وحال وقوعه " لم ترد في (أ)، و(ف).
(٢) في (أ): وإن من يعرف ما قالوا كيف من يرده بالبراهين القاطعة.
[ ٧ / ٧٢ ]
ومتى كان الخطأُ متوقِّفًا على مثل هذه الدقائق لم يكن التكفير فيه بلائقٍ، وهدا هو مقصودي (١) بوُلُوج هذه المضايق والبحث عن الحقائق، والله تعالى عند لسان كل ناطقٍ، وسريرة كل كاذبٍ وصادقٍ، لأن هذا الكتاب إنما صُنِّفَ في الذب عن السنة النبوية لا في الذب عن الجبرية، ولا عن الأشعرية، لكن الذي أنكر صحة السنن النبوية وصحة التمسك بها توسَّل إلى ذلك بأن رُواتها أو كثيرًا منهم جبرية كفار تصريحٍ، متعمِّدُون للكذب على الله تعالى ورسوله، وجعل الأشعرية وخصومهم من أهل الحديث والجمود (٢) من جملة الجبرية الخالصة الغلاة (٣)، فقصدت تمييز بعضهم من بعض، لأنه كما ذكره الشيخ مختار المعتزلي في " المجتبى "، فإنه ميَّز أهل الكسب من غُلاة الجبرية الخالصة، وقال: إنه المشهور من مذهبهم، وإنه قول أكثر أهل السنة فنُفْرِد لكل واحد من المُجْبِرةِ الخالصة والكسبية مسألةً على حَِدَةٍ. انتهى كلامه بحروفه.
وقد أوضحت في المجلد الأول (٤) إجماع الأمة والعترة على قبول أهل التأويل من طرقٍ عديدة من طريق العترة والشيعة والمعتزلة وأهل السنة، وإنما كلامي هنا في بيان الوجه في قبول أهل الإجماع لأهل التأويل، وبيان دقة الأمر الذي تأولوا فيه، وبيان مراتب البدع، كل ذلك حتى لا يلزم انطماس السنن والآثار التي هي تفسير القرآن، وعليهما (٥) عمل جميع أهل الإسلام والإيمان، وقد تقدم أنه يلزم مُنكِرُ ذلك أكثر من مئتي إشكال لما (٦) يؤدي إليه من الضلال والإضلال، والله المستعان.
الفرقة الرابعة من أهل السنة: الذين قالوا: إن فعل العبد واقع بقدرته
_________________
(١) في (أ) و(ف): مقصر، وهو تحريف، وقد كتبت فوقها على الصواب، وفي (ش): مقصدي.
(٢) في (ش): والجحود، وهو خطأ.
(٣) في (ش): العداة.
(٤) انظر الجزء الثاني بتقسيمنا ص ٣١٦ وما بعدها.
(٥) في (ش): عليها.
(٦) في (ش): بما.
[ ٧ / ٧٣ ]
لتمكين الله تعالى له ذلك، وسابق مشيئته وتقديره وتيسيره، والتأثير عندهم لقدرة العبد المخلوقة من غير استقلال العبد بنفسه، ولا استغنائه طَرْفَةَ عين عن ربه، لتوقُّف تأثير قدرته على ما سبقها من مشيئة ربه ﷿ وتقديره وتيسيره، وهذه الفرقة طائفتان:
الطائفة الأولى: الذين يقولون إن الأكوان التي هي أفعال العباد كالحركة والسكون ليست ذواتًا حقيقيةً، وإنما هي صفاتٌ إضافيةٌ. ومثال الصفات الإضافية: القبلية والبعدية، فإن اليوم " قَبْلٌ " بالنظر إلى غدٍ، و" بعدٌ " بالنظر إلى أمس، وليس له بذلك وصفٌ حقيقيٌّ كالسوادية والبياضية.
وهذا القول أعدل الأقوال كلِّها وأقواها، وهو المختار لمن سبح في هذه الغمرات، ولم يَقِفْ مع أهل الحديث والأثر في ساحل النجاة. وإنما كان أقوى هذه الاختيارات، لأنه سلم من جميع التكلُّفات، وساعدت عليه قواطع البراهين العقليات، والنصوص السمعيات، أخذ من قول أهل السنة: تأثير القدرة الحادثة في مجرد الأمور الإضافيات، وعدم تأثيرها في وجود الأشياء التي هي ذوات حقيقيات، وسَلِمَ من جميع ما تُورِدُه المعتزلة ويورده بعض الأشعرية على بعضهم من الإشكالات (١).
ولم يبق الخلاف بين أهله وبين سائر أهل المقالات إلاَّ في أن الأكوان صفاتٌ لا ذواتٌ، والدلالة على ذلك من أوضح الدلالات، وقد تقدم ما قلته في ذلك وشرحتُهُ من الأبيات.
وقد توافق على هذه المسألة جماعةٌ جِلَّةٌ من أمراء علم المعقولات والمنقولات، مثل شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية وأصحابه من متكلِّمِي أهل الحديث والأثر، والإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة من أئمة أهل البيت ﵈، وشيخ الاعتزال أبي الحسين البصري وأصحابه، وهم
_________________
(١) في (ش): على بعض الإشكالات.
[ ٧ / ٧٤ ]
رجالُ المعتزلة كما قاله الفخر الرازي، وفي كتب هؤلاء من نُصْرَةِ هذا (١) المذهب ما يُغني عن التطويل بذكره ها هنا.
الطائفةُ الثانية: من يقول بأن الأكوان أشياءُ حقيقيةٌ وجوديةٌ، وذلك إمام الحرمين (٢) أبو المعالي الجُوَيني وأصحابه، وعزاه الرازي في " النهاية " إلى الشيخ أبي إسحاق، قال الرازي في " النهاية ": صرح به الجويني في كتابه " النِّظامي "، ورواه الإمام يحيى بن حمزة في " التمهيد " عن الجويني، وصرح به الجويني في مقدمات كتاب " البرهان " له بأن القول بالكسب (٣) تمويه بهذه العبارة، وقال فيه: وأما سِرُّ ما يعتقده في خلق الأفعال، فلا يحتمله هذا الموضع. انتهى بحروفه.
ثم إني لم أقف على قوله في ذلك منصوصًا في كتبه، لكن قال أبو نصرٍ السبكي في " جمع الجوامع " (٤) له ما لفظه: وقال إمام الحرمين: خلق الطاعة.
وقال شارح " جمع الجوامع ": قال الشهرستاني في " نهاية الإقدام ": وغلا إمام الحرمين حيث أثبت للقدرة الحادثة أثرًا هو الوجود، إلاَّ أنه لم يثبت للعبد استقلالًا بالوجود ما لم يستند إلى سببٍ آخر، ثم تسلسل الأسباب في سلسلة الترقِّي إلى البارىء تعالى، وهو الخالق المُبْدعُ المستقِلُّ بإبداعه من غير احتياج إلى سبب، إلى قوله: وإنما حمله على تقرير ذلك الاحترازُ عن (٥) رَكَاكَةِ الجبر.
قلت: لكنه ﵀ وقع في ركاكة تأثير قدرة العبد في إخراج الذوات من العدم إلى الوجود، فلو قال: بما (٦) اخترناه من أن الأكوان إضافيةٌ كالطائفة الأولى
_________________
(١) في (أ) و(ف): أهل، وكتب فوقها تصحيحًا لها: هذا، وهو الصواب، وهي كذلك في (ش): هذا.
(٢) من قوله " من يقول " إلى هنا سقط من (ش).
(٣) في (ش): بأن الكسب.
(٤) انظر " جمع الجوامع " مع حاشية العطار ٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠.
(٥) في (ش): من.
(٦) في (ش): كما.
[ ٧ / ٧٥ ]
سَلِمَ من الرَّكاكتينِ في كِلْتا المقالتين.
قال الشهرستاني بعد قوله " إن الجويني فر من ركاكة الجبر ": والجبر لازِمٌ في كل تقديرٍ حتى الاختيار على المختار جبر.
قلت: هذا معنىً صحيحٌ، وقد قدمت ذكره في المرتبة الأولى، ولكنها عبارة مبتدعةٌ مكروهةٌ لأنها توهم خلاف الصواب، وهذا وَلَعٌ شديد بتسمية العبد مجبرًا وإن لم يكن تحت هذه التسمية في الاختيار، كما ذلك دَأْبُ الرازي يطلقُ المجبر وهو يعني به المختار، ويقول: الصحيحُ هو الجبرُ، ويفسِّره بالاختيار (١)، وهذه مراغَمَةٌ للمعتزلة، وفيها مفسدةٌ بَيِّنَة، فإنها تُوهِمُ خلاف الصواب في اعتقاد أهل السنة، ويكون عُذرًا للغالط عليهم في مذهبهم، وهذا وأمثاله هو الذي شبَّ نار الاختلاف، وبهَّج منار الاعتساف، وقد جوَّد الغزالي التحذير من هذا وأمثاله في مقدمة كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد " فليطالع، فإنه مفيدٌ جدًا.
وما الذي ألجأ الشهرستاني إلى القول بلزوم (٢) الجبر على كل تقدير، وهو الذي أبطل مذهب الجبر، وادعى الضرورة في فساده، وصرَّح بأن من وقف على كلامه في الإرادة هانت عليه تمويهاتُ الجبرية بهذه العبارة كما تقدم.
واعلم أن الأساس الذي ينبني عليه قول هذه الفِرقة الرابعة في عدم استقلال العبد بنفسه، هو القول بأن الداعي الراجح موجبٌ لوقوع ما دعى إليه بالاختيار لذلك من الفاعل. وهذا القول مُجْمَعٌ عليه عند البحث، وإن كان يروى فيه الاختلاف الشديد فإنما (٣) هو في العبارة كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى، وهو قول من قدمته من هاتين الطائفتين، وحكاه الرازي في " الأربعين " عن جمهور الفلاسفة، وهو اختيار الرازي.
وإنما ادعيت أن الخلاف فيه لفظي لأن القائمين بحرب أهله وتَعْفِيَة رسمه
_________________
(١) من قوله " ويقول: الصحيح " إلى هنا سقط من (ش).
(٢) في (أ): يلزم.
(٣) في (ش): وإنما، وهو خطأ.
[ ٧ / ٧٦ ]
هم المعتزلةُ غير أبي الحسين وأصحابه، ومع غُلُوِّ المعتزلة في إنكاره قد صرَّحوا بتصحيحه في أربع مسائل مهمةٍ:
المسألة الأولى قالت المعتزلة: إن الله تعالى قادرٌ على فعل القبيح مع أنه لا يفعله قطعًا، ما ذلك إلاَّ لرجحان الداعي إلى تركه، وبطلان الصارف المعارض للداعي، ومن قال: إن الداعي مُوجِبٌ لم يزد على ذلك شيئًا، فإن الرازي -وهو من الغلاة في إيجاب الداعي- صرح في " النهاية " إنه لم يرد بالإيجاب نفي الاختيار، وأن القول بذلك خروجٌ عن الإسلام.
المسألة الثانية: احتجوا على أن أفعالنا لنا لا لله تعالى بوقوعها على حسب قصورنا ودواعينا، وانتفائها على حسب كراهتنا وصوارفنا، وهذا الدليل لا نسلم صحته إلاَّ مع القطع باستمرار هذا التلازم بين رُجحان الداعي (١) ووجود الفعل على وجهٍ لا يجوز وقوع (٢) خلافه في الخارج، إذ لو صح أن تكون أفعالنا في بعض الأحوال غير متوقِّفةٍ على دواعينا، لبطل الاستدلال، ومع تسليم استمرار التلازم يزول النزاع، فإنه الذي أراد من قال بأن الداعي موجبٌ.
المسألة الثالثة: احتجتَّ المعتزلة على ثُبوت التحسين والتقبيح عقلًا بأن من خُيِّرَ بين الصدق والكَذِب مع استواء الدواعي من كل وجهٍ إلاَّ أن أحدهما صِدْقٌ، فإن العاقل يختار الصدق ويفعله دون الكذب قطعًا بمُجَرَّد ترجيحه للصدق على الكذب (٣) المرجوح بمجرد قدرته عليه، وهذا هو عين مذهب الأشعرية.
المسألة الرابعة: احتجت المعتزلة وسائر (٤) المسلمين أن المشركين إنما لم يعارضوا القرآن الكريم لعجزهم عن المعارضة لا استحقارًا له، ولمن جاء به، ولذلك فإن (٥) العقلاء إذا دُعُوا إلى أمرٍ يكرهونه ويهون عليهم لدفعه وإبطاله بَذْلُ
_________________
(١) في (ش): الدواعي.
(٢) " وقوع " لم ترد في (ش).
(٣) من قوله " قطعًا بمجرد " إلى هنا سقط من (ش).
(٤) في (ش): على سائر، وهو خطأ.
(٥) في (أ) و(ش) و(ف): إن.
[ ٧ / ٧٧ ]
اتفاق المعتزلة والأشعرية على بقاء الاختيار مع القول بإيجاب الداعي
أموالهم وأنفسهم، وكان من يدعوهم إلى ذلك يدعوهم بحجة يُبْرِزُها، وكانوا متمكنين من إيراد ما يدحضها من غير ضررٍ عليهم، ولا مشقة عظيمةٍ تلحقهم، فلا بد أن يأتوا بها، ومتى لم يأتوا بها (١) دل على أنهم غير متمكنين من الإتيان بها (١).
قال الجاحظ، ثم الإمام المؤيد بالله: ألا ترى أن واحدًا لو جاء وادَّعى النبوة في قومٍ وهم له كارهون، ولتكذيبه مجتهدون، فقال لهم: معجزي أن من كلمته منكم في هذا اليوم لا يمكنه أن يجيبني بكلمةٍ، ثم أخذ يكلمهم طول النهار من غير أن يجيبه أحدٌ منهم مع قوة دواعيهم إلى توهين أمره، وتوهين أصحابه عنه بإظهار كذبه، دلَّنا ذلك على أن جوابه قد تعذر عليهم وأن ذلك حجة له، وهذا مما لا يختلُّ على أحد أنصف من نفسه على ما قلنا.
وجملة هذا الباب أن كل من علمنا من حاله أنه لا يفعل فعلًا ما مع وفور الدواعي إليه، وقوة البواعث عليه، ومع ارتفاع الموانع عنه، وفَقْدِ الحواجز دونه، يعلم أنه لم يفعله إلاَّ لتعذُّره عليه، لولا ذلك لم يكن لنا طريقٌ من جهة الاكتساب يُتوصَّل به إلى العلم بتعذر شيء على أحد. انتهى بحروفه من كتاب الإمام المؤيد بالله في إثبات النبوات الذي أخذه من كلام العترة والشيوخ، ولا سيما كتاب الجاحظ المستجاد (٢) في هذا الباب، وفيما جمعه الإمام المؤيد بالله من ذلك عن العترة والشيوخ وسائر علماء الإسلام ما يطيب ويكثر، ويكاد يخرج عن الحصر من اجتماع الكلمة منهم على الاستدلال بتلازم الدواعي في الأفعال على ما نحققه هنا، ولكنا نقتصر على هذه الأربع المسائل على أن الواحدة منها كافيةٌ، فإن قليل البراهين العلمية في القوة مثل كثيرها. فهذه الأربع المسائل دلت على موافقة جميع المعتزلة في إيجاب الداعي مع بقاء الاختيار.
وأما موافقةُ الأشعرية على بقاء الاختيار مع القول بوجوب الداعي (٣)،
_________________
(١) في (أ) و(ف): به، وهو خطأ.
(٢) في (أ): السجاد، وهو خطأ.
(٣) في (ش): الدواعي.
[ ٧ / ٧٨ ]
فنصوصهم الصريحة المتواترة، بل صرح الرازي ببقاء الاختيار في المعنى مع لزوم الجبر في اللفظ كما مضى (١).
وقد قصدت تكثير النقل لألفاظ الأشعرية في إثبات الاختيار ليُقابَلَ جحد بعض المعتزلة لذلك، وقد تقدم طرفٌ من ذلك، وأُرِدفُه هنا وفيما بعد بما يوجب الاضطرار إلى العلم باتفاق مقاصدهم على ذلك.
أما هنا فأُورِدُ كلام الرازي في " نهاية العقول "، لأنه من الغُلاة في تصحيح الجبر والمصرِّحين به، ومع ذلك فقال في مسألة خلق الأفعال من " النهاية " ما لفظه: قوله: الممكن يحتاج إلى المرجِّح في حق القادر أم في حق غيره؟
قلناة على الإطلاق، إلى أن قال: قوله: الهارب من السَّبُعِ يختار أحد الطريقين لا لمرجِّحٍ.
قلنا: لا نُسلِّمُ، بل الله تعالى يخلق فيه إرادةً ضروريةً لسلوك أحد الطريقين دون الآخر، فأما إن لم يخلقها فيه توقَّف، كما أنا توافقنا على أن الله تعالى لو خلق فيه صارِفًا عن العدو، فإنه يترك العدوَّ والفِرار.
إلى أن قال في تجويز أسئلة المعتزلة: قلنا: هذا الكلام يقدح في كون الله تعالى فاعلًا مُوجِدًا، بيانه: أن صدور الفعل عن قادريَّتِه إما أن يتوقف على داعٍ مرجح أو لا، فإن لم يتوقف فلم لا (٢) يجوز مثله في العبد، وإن توقف، فإما أن يكون حصول ذلك الفعل واجبًا مع ذلك المرجِّح أو لا، فإن كان واجبًا، لزم من قدم إرادته قِدَمُ مُرادِهِ، فيكون ذلك قولًا بقدم العالم، ولأن أفعال العباد من جملة مراداته عندكم، فيلزم قدم أفعال العباد، وذلك معلوم الفساد بالبديهة، وإن لم يكن حصول الفعل في حقه تعالى واجبًا مع ذلك المرجح، فلم لا يجوز مثله ها هنا، إلى قوله في وجوب هذا.
_________________
(١) في (ش): في الدليل الذي مضى.
(٢) " لا " ساقطة من (أ) و(ش).
[ ٧ / ٧٩ ]
قوله: هذه (١) الحجة تنفي كون الله تعالى مُوجِدًا.
قلنا: لا نُسَلِّمُ.
قوله: إما أن تكون أفعاله واجبةً، أو لم تكن.
قلنا: بل هي واجبة، فإن الله تعالى كما إرادته واجبةٌ، وصفاته واجبةٌ، فتعلُّقات صفاته بمتعلقاتها واجبة (٢).
فعلى هذا نقول: تعلق إرادة الله تعالى بإيقاع الحادث المتعيِّن في الوقت الفلاني واجبةٌ، ولما كان ذلك التعلق (٣) واجبًا، استغنى عن مرجِّحٍ آخر، فلما كانت الصفة متعلِّقةً بتخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت المخصوص لا جَرَمَ، لم (٤) يلزمنا قدم العالم وقدم سائر الحوادث.
لا يُقال: لما كان تعلق إرادته سبحانه بإيجاد بعض الأشياء على بعض الوجوه واجبًا، وتعلقها بإيجاد تلك الأشياء على بعض الوجوه واجبًا، وتعلقها بإيجاد تلك الأشياء على غير تلك الوجوه مُحالًا، لم يكن البارىء ﷾ مختارًا قادرًا، بل كان عِلَّةً موجبة، وذلك خروج عن الإسلام، لأنا نقول: إن كون الفاعل بحالٍ يجب أن يكون فاعلًا لبعض الأشياء لا تخرجه عن الفاعلية، ألا ترى أن عند المعتزلة الإخلال بالواجب يدل إما على الجهل أو الحاجة، فإذا وَجَبَ على الله تعالى الثواب، استحال إخلاله به لاستحالة مما يلزمُ من ذلك الإخلال في حقه وهو الجهل أو الحاجة، وإذا استحال منه أن لا يفعل، وجب أن يفعل، ففي هذه الصورة وجوب صدور الثواب عن البارىء تعالى واستحالة إلا صدوره عنه لا محالة تكون لأجل وجوب الداعي إلى الفعل، واستحالة حصول الداعي إلى الترك، ولا يُنَافي كونه قادرًا، لأنه في ذاته بحالةٍ لو لم تكن
_________________
(١) " قوله هذه " ليست في (ش).
(٢) في (ش): فتعلقات صفاتها واجبة.
(٣) في (ش): المتعلق.
(٤) في (ش): لا.
[ ٧ / ٨٠ ]
هذه الإراداتُ واجبةً، بل لو حصلت له إراداتٌ أُخَر، لكان هو تعالى عند تلك الإرادات قادرًا على عين (١) ما أحدثه الآن.
واعلم أنه لا خلاص للمعتزلة عن هذا الإشكال إلاَّ إذا قالوا: إن تركه تعالى للواجب لا يُؤَدِّي إلى محالٍ، أو (٢) لا يقولون: إنه يؤدي إليه أو لا يؤدي إليه، بل يُمْسِكُون عن القولين، ولكن هذا الجواب ركيكٌ، لأنهم إن (٣) عنوا بذلك أن أحد القسمين حقٌّ في نفسه، ولكن لا ينطقون به، فذلك مما لا يُفِيدُهم، لأنه ليس المقصود من الإلزام أن ينطقوا به، وان عَنَوْا بذلك فساد طَرَفَي النقيض، فهو معلومٌ البطلان بضرورة العقل.
إلى أن قال: قوله: القادر هو الذي يمكنه الفعلُ والترك، فلو كان كذلك لم تحصل المكنة في شيء من الأحوال.
قلنا: إن عنيتم بقولكم " القادر: هو الذي يكون متمكِّنًا من الفعل والترك " أنه الذي يمكنه الإتيان بكل واحدٍ منهما بدلًا عن الأخر من غير مرجِّحٍ، فلا يمكن دخول هذه الحقيقة في الوجود، فإن النزاع ما وقع إلاَّ فيه.
وإن عنيتم أنه الذي يمكنه الإتيان بكل واحدٍ بدلًا عن الآخر عند حصول الدواعي المختلفة (٤) فذلك حاصِلٌ، واعتبار الدواعي لا ينافي ما ذكرنا.
إلى أن قال: قوله: لم لا يجوز أن يقال: حصول أحد المقدورين عند حصول الداعية يصير أولى بالموجود، ولكن لا تنتهي تلك الأولوية إلى حد (٥) الوجوب؟
قلنا: لوجوهٍ:
الأول: أنه يلزم (٦) أن يكون كلُّ واحدٍ من الأمرين معقولًا ممكنًا، وكلُّ
_________________
(١) في (ش): غير.
(٢) في (أ) و(ش): و.
(٣) " إن " سقطت من (ش).
(٤) " المختلفة " سقطت من (ش).
(٥) " حد " لم ترد في (أ)، و(ف).
(٦) في (ش): لا يلزم.
[ ٧ / ٨١ ]
ممكنٍ فإنه لا يلزم من فرض وقوعه محالٌ (١) وإلاَّ لكان أيضًا محالًا، لأن ما لا يوجد إلاَّ عند وقوع المحال فهو محال. إلى آخر ما ذكره.
انتهى ما أردتُ من نقل كلامه، وهو صريحٌ في أنه ما عنى بوجوب الفعل وإحالة الترك ما يخرج عن القدرة والاختيار، ويُبْطِلُ معنى الفاعلية، وإنما عنى الذي عنته المعتزلة في فعل الله تعالى لما يجب في حكمته والاحتجاج به كثير في كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]. فهدا الرَّدُّ عليهم مبنيٌّ على أنه لا يقع من الأفعال ما لا داعي إليه، وإن كان مُمكِنًا في نفسه بالنظر إلى القدرة، وإنما لم يقع مثل ذلك، لأنه لا داعي إلى عذاب الولد والحبيب وإن كانا مذنبين، فإن الداعي إلى العفو عنهما موجود، والصارف مفقود، وحينئذ يجب وقوع العفو ويترجَّح على العقاب.
ومن ذلك قوله تعالى لمن ادعى ذلك منهم: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوتَ إنْ كُنتُم صادِقينَ﴾ [البقرة: ٩٤] وإنما ألزمهم تَمَنِّيه لوجوب الداعي الراجح لو صحَّت دعواهم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] فإنه قطع على نفي تمنِّيهم لذلك، وعَلَّله بوجود الصارف الراجح، وذلك الصارف هو علمهم بما قدَّمت أيديهم وما يستَحِقُّون عليه من العقوبة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١]. ووجه الاحتجاج بذلك أن الكذب لا يقع إلاَّ لداعٍ أو جهلٍ بقبحه، وقد تبين نزاهة الرسل في الأمرين معًا، إذ (٢) كانوا مهتدين لا يجهلون قبحه غير سائلين لأجرٍ، فلا (٣) يُتَّهَمُونَ بالحيلة بالكذب على تحصيل المال، والكذب لا
_________________
(١) في (ش): بحال، وهو خطأ.
(٢) في (ش): إذا، وهو خطأ.
(٣) " فلا " سقطت من (ش).
[ ٧ / ٨٢ ]
يجب لمجرد كونه (١) كذبًا، ولا نفع (٢) لذلك عند جميع العقلاء، فيجب في من هذه حاله اعتقاد صدقه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية [الزخرف: ٣٣] وذلك يدلُّ على أن الداعي إلى الكفر لو كان راجحًا للجميع، لوقع من الجميع.
ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ولو بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِه لبَغَوا في الأرضِ﴾ [الشورى: ٢٧].
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُم إنْ شَكَرتُم وآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
ومن ألطفه قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤] فإنه مع بنائه على أن المرجوح لا يقع مبنيٌّ على لطيفةٍ أخرى: وهي أن تفضيل الذكور على الإناث عقلي لما يلزم الذكور من المنافع الراجحة، والخصال الحسنة المحمودة.
ومثلها قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. وقد كانت العرب تعرف هذا ومن لا يعرف النظر الدقيق، ولهذا قال علماء المعاني في قول الشاعر (٣):
_________________
(١) في (ش): لكونه، وهو خطأ.
(٢) في (ش): يصح.
(٣) هو الحارث بن حِلِّزة اليشكري، شاعر قديم مشهور، من المقلِّين، وهو صاحب الجاهلية السائرة: آذنَتْنا بِبَيْنِها أسماءُ رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ يقال: إنه ارتجلها بين يدي عمرو بن هند ارتجالًا في شيء كان بين بكر وتغلِب بعد الصلح. وهو آخر بيت من قصيدة مطلعها: مَنْ حاكمٌ بيني وبيـ ـن الدَّهرِ مالَ عليَّ عَمْدا =
[ ٧ / ٨٣ ]
والعيشُ خيرٌ في ظِلا لِ الجهل مِمَّنْ عاشَ كَدَّا
إن معناه: ممن عاش كدًّا مع العقل، حتى يمكن الترجيح، إذ لو اجتمع العيش مع العقل لم يصح من عاقلٍ أن يفضِّل عليه العيش مع الجهل.
ومع ذلك جميع ما تقدم في مسألة الإرادة من التيسير لليسرى والعسرى، ومن آيات المشيئة التي لا يمكن حَمْلُها على الإكراه، لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] على ما تقدم تقريره.
فثبت بهذه الجملة أن الراجح واقعٌ، والمرجوح ممتنعٌ، وأن الاختيار مع ذلك ممكنٌ كما مضى تقريره (١)، وكما سيأتي.
وهذا القسم هو المسمى بالممكن لنفسه، الممتنع لغيره، والتكليف به جائز بالإجماع مثل تكليف من عَلِمَ الله أنه لا يؤمن ومع توقُّف الفعل على الدواعي والصوارف وتوقُّفِهما على خلق الله لها، فأجمعت فِرَقُ الإسلام، بل العقلاء على أنه لا تأثير لها في وجود الفعل.
ممن ذكر الإجماع على ذلك الشهرستاني في " نهاية الإقدام " أن العلم لا يؤثر في المعلوم إجماعًا، ومما يدل على ذلك وجوه:
_________________
(١) = أنشدها صاحب " الأغاني " ١١/ ٤٩ - ٥٠، ونقل عن النضر بن شميل أنه كان يستحسنها ويستجيدها. وقد استشهد أصحاب المعاني بهذا البيت على الإيجاز المخلِّ، إذ هو يريد أن العيش الناعم في ظل الجهل أو النَّوك خير من العيش الشاق في ظل العقل، وألفاظ البيت لا تفي بهذا المعنى. انظر " معاهد التنصيص " ١/ ٣٠٨. ورواية البيت في " الشعر والشعراء " ١/ ١٩٨ لابن قتيبة: والنَّوك خيرٌ في ظِلا لِ العيش مِمَّنْ عاشَ كدّا
(٢) في (أ) و(ف) مكان قوله " ممكن كما مضى تقريره " بياض.
[ ٧ / ٨٤ ]
الوجه الأول: أن العلم (١) لو كان يؤثر، وكذلك سائر الدواعي، لَزِمَ نفيُ القدرة والاختيار عن الرب ﷿، فإن ما علم الله وجوده أو كان راجحًا، استحال عدمه، وما علم عدمه أو كان مرجوحًا استحال وجوده، ولو كانت هذه الاستحالة إلى ذات المعلوم (٢) رَفَعَتِ القدرة والاختيار، فثبت أنه لا استحالة بالنظر (٣) إلى الذات، وإنما تُطلَقُ الاستحالة هنا مع إطلاق الإمكان باعتبار الجهتين كما مر في أول مسألة الأقدار.
الثاني: أنه يلزم أن يكون العلم (٤) مُغْنِيًا عن القدرة وكذلك الرجحان، فيكون ما علم الله وجوده أو ترجَّح وُجِدَ، سواء كان من علم أو من ترجَّح له قادرًا أو لا، وفي ذلك انقلاب العلم والدواعي قدرة، وهذا مُحالٌ.
الثالث: أنه يلزم أن يحسن من الله تعالى الاحتجاج على العباد بمجرد سبق العلم بأنه يعذِّبُهم من غير ذنب ولا حجة، ورجحان الداعي وإن لم يكن داعي حكمةٍ كما تقدم في مسألة الإرادة، والسمع بريءٌ من مثل هذه الحجة، والعقل يدرك رِكَّتها إدراكًا ضروريًا، ولو كان في ذلك حجة، لم يقل الله ﷾: ﴿لئلاَّ يكونَ لِلنَّاسِ على الله حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وقد حكى الله تعالى، وحكت عنه أنبياؤه كيفية إقامة حُجَجِه على عباده يوم القيامة، ولم يكن في شيء منها أنه احتج على أحد من خلقه بمجرد سَبْقِ علمه بتعذيبه بغير ذنبٍ ولا حجةٍ، وفي " الصحيح ": أنه " ما أحدٌ أحبَّ إليه العذر من الله " (٥) فسبحان من له الحجة والحكمة والعزة والمشيئة.
الوجه الرابع: أنه كان يلزم أن لا يتعلق العلم بالرب القديم سبحانه، لأنه
_________________
(١) بعد هذا في (أ) عبارة " لا يؤثر في المعلوم إجماعًا "، والصواب إسقاطها كما في (ش).
(٢) " المعلوم " سقطت من (ش).
(٣) في (ش): له بالنظر.
(٤) " العلم " سقطت من (ش).
(٥) تقدم تخريجه في هذا الكتاب ١/ ١٧٠.
[ ٧ / ٨٥ ]
يستحيل التأثير فيه، فلما علمنا تعلُّق علمه وعلمنا بذاته المقدَّسة، علمنا أن تعلق العلم بالمعلوم لا يؤثر فيه ألبتة، وهذا الوجه ذكره الجويني في مقدمات كتابه " البرهان " (١).
الوجه الخامس: ما تقدم في غير موضع من الاحتجاج في هذه المسألة بالسمع المعلوم لفظه ومعناه بالضرورة مثل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نفسًا إلاَّ وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، بل عُلِمَ من الدِّين الامتنان على العباد بالسماحة من الممكنات، وأن التكليف ورد باليُسْرِ دون العسر، وبَذْلِ السهولة ونفي الحرج، وسمع ذلك جميع العقلاء من المسلمين وغيرهم، فلم يعترضه أحد.
وكذلك من سمعه من العقلاء، علم صدقه، إلاَّ من مَرِضَ قلبه بداء الكلام، وهذا يدل على أنه الفِطرة، وعلى أن التوغُّل في الكلام يُغَيِّرُ الفطرة، ولهذا لا يوجد من ينكر العلوم كلها إلاَّ في المشتغلين بالمعقولات كالسُّوفِسطَائِيَّة وأمثالهم (٢).
الوجه السادس: ما ذكره ابن الحاجب من أن ذلك يؤدي إلى أن التكاليف كلها محالٌ، قال: وهو خلاف الإجماع مع ما تقدم من الحجج العقلية من وِجْدان الفَرْقِ الضروري بين الحركتين الاختيارية والاضطرارية، والعلم الضروري بحسن الأمر والنهي في أفعالنا، واستحقاق المدح والذم فيها دون أجسامنا وألواننا. وقد أقرَّ بهذا الرازي، ولكن ادعى أنه معارض بعلم ضروري مثله، فأوهم (٣) أن العلوم الضرورية تتعارض، وذلك يستلزم بطلان العلوم، ولم يقل بذلك أحد.
وأما قوله: إن الممكنين لا يقع أحدهما دون الآخر إلاَّ بمرجِّحٍ وإن ذلك ضروري فمُسَلَّم، لكن لزوم نفي الاختيار من هذا غير ضروري، بل ولا نظريٌّ، بل وهميٌّ باطل.
_________________
(١) ١/ ١٠٥.
(٢) " وأمثالهم " لم ترد في (أ) و(ف).
(٣) في (ش): فأفهم، وهو خطأ.
[ ٧ / ٨٦ ]
فانكشف أن قوله: إن الضرورتين تعارضتا، تمويهٌ نازل منزلة قول القائل: إن النفي والإثبات قد اجتمعا، وإن النقيضين قد صدقا، ولو كان مثل ذلك يصح لم يكن إلى صحته طريق، لأن ذلك يبطل الثقة بالعلوم، ومعرفة الصحة والبطلان لا يكون إلاَّ مع بقاء العلوم.
وإنما يصح أن يقال: تعارض المذهبان المستخرجان من هاتين الضرورتين فدلَّ (١) على فساد أحد الاستخراجين، وهو استخراج نفي الاختيار من وجوب وقوع الراجح، ووجوب احتياج الممكن إلى مرجِّحٍ، لأن هذا الوجوب وجوب أولويةٍ واستمرارٍ، لا وجوب عجزٍ واضطرار، كما أقر به الرازي في حق البارىء تعالى، وقال: إن خِلافه خروجٌ من الإسلام كما مرَّ (٢).
وقد قطعنا بعدم تأثير الدواعي، فنقطع أيضًا بتوقف تأثير القدرة عليها وتوقف الجميع على الاختيار، فإنا نقطع بقدرة أحدنا على ما لا يفعله قطعًا من التردِّي من الشواهق بغير موجبٍ، وشرب السموم، وقتل الأولاد، ومع قطعنا بأنا لا نفعل ذلك، فإنا نجد فرقًا ضروريًا بين تركنا لذلك بسبب الصارف عنه، وبين ترك ذلك عند العجز عنه بالمنع بالغلِّ والقيد، وأن الداعي الراجح هنا لو دعا إلى الفعل ما صدر منا، وإذا دعا الداعي الراجح إلى الفعل في الصورة الأولى وقع لا محالة.
وبهذا الفرق الضروري، جميع ما تقدم، يندفع الجبر ويثبت الاختيار، وتقدم في مسألة الأقدار وفي أول الكلام على الأفعال تحقيق ذلك على حسب وُسْعِ البشر، ومدارك العلوم (٣) والنظر.
واعلم أنه ليس للمعقول (٤) وراء هذا مَدْرَك، وكل ما ذكرناه من إحساس الاختيار ووقوع الراجح قطعًا، وحاجة الممكن إلى الراجح ضروري في فِطَرِ
_________________
(١) في (ش): تدل، وكذلك أثبت فوق (أ) و(ف).
(٢) " كما مر " لم ترد في (ش).
(٣) في (ش): العقول.
(٤) في (ش): للعقول.
[ ٧ / ٨٧ ]
بيان المراد من قول أهل السنة: إن أشعال العباد مخلوقة
بيان المعاني التي يطلق عليها لفظ الخلق
العامة، وإنما استفاد الخائضون فيه تحرير العبارات، وإثارة العداوات، وتطويل الخصومات، واستراح أهل الحديث والأثر حين غَلَّقوا هذه الأبواب، وقنعوا بما في أوَّليَّات الفِطَنِ والألباب، وأيَّدُوها بمعارف السنة والكتاب.
فصل: وإذ قد تم الكلام على فِرَق أهل السنة ومقالاتهم وتقريراتهم من نفي (١) الاختيار، بقي تفسيرُ قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة، وقولهم: لا خالق إلا الله تعالى، فإن أكثر الغالطين عليهم في مذاهبهم ما غلطوا إلاَّ بسبب قلة الفهم لمرادهم في هاتين المسألتين.
وأنت إذا تأملت ما تقدم من كلامهم، عرفت ذلك، ولكني أحببت زيادة البيان لقوة عصبية المعتزلة عليهم في ذلك.
ولنبدأ بقولهم: إنه لا خالق إلاَّ الله تعالى، وهذا إجماعُ أهل السنة، ونصوص القرآن دالَّةٌ عليه، غير أن هذا الإجمال يحتاج إلى تفصيل مُرادهم، وإيضاح مقصدهم، وعلى معرفته تركيب (٢) معرفة مرادهم بخلق أفعال العباد، وذلك أن " الخلق " لفظةٌ مشتركةٌ بين ثلاثة معانٍ، والألفاط المشتركة يتعرَّض الجدليُّ للتشغيب فيها إن لم يتبين المراد بالنص الجلي، ولا يُكتفى فيها بمجرد القرائن.
فقد يكون الخلقُ بمعنى التقدير، مثل تقدير الخَرَّازين للجلود أنطاعًا وأسقيةً، ونعالًا، والخلق بهذا المعنى يطلق على العباد بشرط دلالة (٣) القرينة عليه، والله سبحانه أجَلُّ من أن يَتَمَدَّح بالتفرد بهذا، قال الله تعالى بهذا (٤) المعنى حكايةً عن عيسى - ﷺ -: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿فَتَبارَكَ الله أحسنُ الخَالِقينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
_________________
(١) في (ش): بقاء.
(٢) في (ش): تركب.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: الأدلة.
(٤) عبارة " قال الله تعالى بهذا " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ٨٨ ]
وقال الجوهري في " صحاحه " (١): يقال: خلقتُ الأديم، إذا قدَّرتَهُ (٢)، قال زهير (٣):
ولأنت تفري ما خلقتَ وبعـ ـضُ القوم يخلُقُ ثم لا يَفْرِي
وقال الحجاج: ما خلقتُ إلاَّ فريتُ، ولا وعدتُ إلاَّ وَفَّيتُ. انتهى كلام الجوهري.
والخلق بهذا المعنى يطلق على العباد مع القرائن الدالة عليه، وذلك من جملة أفعالهم التي مَكَّنهم الله تعالى منها بمشيئته وأقداره وسابق علمه وتقديره، على ما مضى من شرح ذلك وتقريره.
المعنى الثاني: الخلق بمعنى الكذب، قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقون إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧].
وقال في حكاية كلام الكفار: ﴿إنْ هذا إلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] وهو كثير شهير.
والله تعالى مُنَزَّهٌ عن إضافة الخلق بهذا المعنى بإجماع المسلمين، ومن تأوَّل في تجويز هذا على الله تعالى، فهو من المُلحدين.
المعنى الثالث: الخلق بمعنى إنشاء الموجودات من العدم وتصوير العوالم والصور، وتركيبها وتدبيرها على ما اشتملت عليه كتب التشريح، ثم على ما شاهده (٤) كلُّ ذي نَظَرٍ صحيح.
_________________
(١) ٤/ ١٤٧٠ - ١٤٧١ (خلق).
(٢) زاد في " الصحاح ": قبل القطع.
(٣) من قصيدة يمدح بها هَرِمَ بن سنان ومطلعها: لمن الديارُ بقُنَّةِ الحِجْرِ أقْوَيْنَ من حِجَجٍ ومن دهرِ والفَرْي: القطع، يقول: فأنت إذا تهيّأت لأمرٍ مضيت له. انظر " شرح شعر زهير بن أبي سلمى " ص ٨٢، صنعة أبي العباس ثعلب.
(٤) في (ش): يشاهده.
[ ٧ / ٨٩ ]
والخلق بهذا المعنى هو الذي تفرَّد الرب ﷿ به كله دِقِّهُ وجِلِّهُ، صغيره وكبيره، وعظيمه ويسيره، وهو الذي تمدَّح الرب سبحانه بالتفرد به، والذي أراد أهل السنة بنسبته إليه وقصره عليه، ولا يجوز إطلاق الخلق على غير الله تعالى -وإن أُريد به التقدير- إلاَّ مع القرينة الدالة على ذلك كالربِّ، فإنه لفظة مشتركة يقال: رَبُّ الدار، ورب المال، بهذه القيود والقرائن، ومتى تجرد (١) عنها لم يَجُزْ إطلاقه إلاَّ على الله تعالى، وهذا هو محل النزاع بين أهل السنة وبعض المعتزلة، ففي المعتزلة من يسلِّمُ مذهب أهل السنة وهم البغدادية، فقد حكى ابن متويه في " تذكرته ": أن المخلوق عندهم بغير إلهٍ.
ومن المعتزلة من جعل الخلق على الحقيقة للعباد فلا يطلق على الله تعالى إلا مجازًا، وذلك لمخالفته في معناه، لا أنه جعل المعنى الذي ينسبه أهل السنة إلى الله تعالى مقصورًا على العباد: منهم أبو عبد الله البصري (٢) ذهب إلى أن الخلق بمعنى الفكر، والفكر لا يجوز على الله تعالى، وهذا ما لا أصل له إلا أن يكون استخرج ذلك من قول اللغويين: إن الخلق بمعنى التقدير، وظن أن الفكر بمعنى التقدير، وغفل عن كون صفات الله تعالى لا تشبه صفات المخلوقين.
فلو ذهبنا هذا المذهب، عطَّلناه سبحانه عن (٣) جميع صفاته، فإن الإرادة فينا تستلزم الحاجة، وصفة العلم والقدرة والحياة تستلزم الجسمية والبنية المخصوصة، وقد تقدم ذلك.
والعجبُ من الزمخشري مع تَضَلُّعه في (٤) علم اللغة واشتغاله بتفسير القرآن
_________________
(١) في (ش): تجردت، وهو خطأ.
(٢) هو أبو عبد الله الحسين بن علي البصري، الملقب بالجُعَل، الفقيه المتكلم صاحب التصانيف، قال الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٢٢٤: من بحور العلم، لكنه معتزلي داعية، وكان من أئمة الحنفية، توفي سنة (٣٦٩ هـ). وانظر أيضًا " ذكر المعتزلة " ص ٦٢ - ٦٣ لابن المرتضى.
(٣) في (ش): من.
(٤) في (ش): من.
[ ٧ / ٩٠ ]
والحديث، وتصنيفه فيهما " الكشَّاف " و" الفائق "، كيف اختار هذا المذهب الباطل، وزَعَم في " أساس البلاغة " (١) أن قولنا: خلق الله الخلق من المجاز.
والذي يدلُّ على بطلان كلامه ومن تابعه من المعتزلة أن أهل اللسان العربي والمعاصرين (٢) لرسول الله - ﷺ - من المسلمين وغيرهم استعملوا هذه اللفظة مضافةً إلى الله ﷿ ومقصورةً عليه، وشاع ذلك وذاع، وتواتر واستفاض، وصدعت به النصوص، وتداوله العموم والخصوص، وكان السابق إلى الأفهام من غير قرينةٍ.
وأجمع أهل علم التفسير من التابعين وتابعيهم بإحسانٍ على أن نسبة الخلق إلى الله تعالى من المحكم الذي لا يحتاج إلى التأويل، ولا علامة للحقائق في جميع اللغة إلاَّ مجرد الاستعمال الذي لا يبلغُ أدنى أدنى أدنى (٣) مراتب هذا الاستعمال المتواتر المعلوم من الضرورات كلها: ضرورة اللغة وضرورة القرآن، وضرورة السنن والآثار، وضرورة إجماع المسلمين.
ولو كُلِّفَ الزمخشري أن ينقل مثل هذا الاستعمال العظيم في كل لفظةٍ زعم أنها حقيقة لغصَّ بريقه، بل لو كُلِّفَ بهذه اللفظة بعينها، وهي أن الخلق بمعنى التقدير أن ينقُل مثل (٤) ذلك أو قريبًا منه لانقطع، وليس المجاز شيئًا (٥) يختصُّ به الزمخشري، فعلامته معروفة: وهو ما لا يسبق الفهم إليه إلاَّ بقرينة، وهذا يَفُتُّ في عَضُدِ دعواه.
وأقلُّ أحوال هذه اللفظة أن يكون إطلاقها على الله حقيقةً عُرفيَّةً أو شرعيَّةً، وهما أقوى من الحقيقة اللغوية كما قال علماء الإسلام في لفظة الصلاة وسائر ألفاظ الشرع.
_________________
(١) ص ١٧٣.
(٢) في (ش): المعاصرين، بلا واو.
(٣) في (ش): أدنى، مرة واحدة.
(٤) من قوله " هذا الاستعمال " إلى هنا سقط من (ش).
(٥) في (أ) و(ش): شيء، وهو خطأ.
[ ٧ / ٩١ ]
وعلى كلام الزمخشري اسمه الخالق واسمه الخلاَّق وهما من أسمائه الحسنى، متى أُطلِقا وتجرَّدا عن القرائن سبق الفهم إلى أن المراد بهما بعض الخرَّازين ومن يُستَخْبَثُ ذكره من أخسِّ أهل المهن من صُنَّاع النعال ومُصلِحي ما تخرَّقَ، ولا ينصرف إلى الله تعالى إلاَّ مع القرينة كما هو حق المجاز.
بل أخبث من هذا أنه يلزمه نفي هذين الاسمين الشريفين عن الله تعالى من غير قرينةٍ، كما هو علامة المجاز (١)، فإنه لا يجوز لك أن تصف الرجل الشجاع بأنه أسد وتسميه بذلك إلاَّ مع القرينة، ويجوز لك أن تنفي عنه اسم الأسد بغير قرينة باتفاق علماء المعاني والبيان، وإلا لزم الحاجة إلى القرينة في الحقيقة والمجاز معًا، ولم يقل بذلك قائل.
فعلى كلام الزمخشري يجوز للمسلم أن (٢) يقول: إن الله تعالى ليس بخالقٍ ولا خلاَّقٍ من غير قرينةٍ ولا بيانٍ لمراده.
ويوضح بطلان ما توهَّمه أنه بنى (٣) ذلك على أن حقيقة الخلق (٤) التقدير، وحقيقة التقدير عنده يستلزم الفكر، وذلك يستلزم النقص، فوجب أن لا يُنْسَبَ إلى الله تعالى إلاَّ مجازًا.
والجواب عليه أن كل ما استلزم (٥) النقص لا يُنسَبُ إلى الله تعالى لا حقيقةً ولا مجازًا، والأسماء الحسنى أرفع مرتبةً من ذلك عند أهل الحق، على ما بَسَطْتُهُ في الصفات، ثم في الإرادة، ولله الحمد.
وهذا المُسَمَّى منهم بالعلامة، فكيف بشيوخ الكلام منهم الذين وصفهم الزمخشري بضيق العَطَنِ والمسافرة عن علم البيان مسافة أعوام، ذكره في تفسير
_________________
(١) من قوله " بل أخبث " إلى هنا سقط من (ش).
(٢) " أن " لم ترد في (أ).
(٣) في (أ): بنى على، وهو خطأ.
(٤) في (ش): الخالق، وهو تحريف.
(٥) في (ش): يستلزم.
[ ٧ / ٩٢ ]
﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ (١) [المائدة: ٦٤].
وهاك أيها السني ما يُقِرُّ عينك في هذه المسألة من نصوص الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد.
والوارد في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - أقسام:
القسم الأول: المُجْمَعُ على صحة الاحتجاج به عند فِرَقِ أهل السنة.
والقسم الثاني: المختلف في صحة الاحتجاج به بين علمائهم.
أما القسم الأول فهو أنواع:
النوع الأول: النصوص الدالة على تمدُّح الرب ﷿ بالتفرد بالخلق والاختصاص به دون غيره، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيرُ اللهِ﴾ [فاطر: ٣]، وقوله سبحانه: ﴿أفَمَنْ يَخلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرونَ﴾ [النحل: ١٧] وقوله تعالى: ﴿ألاَ لَه الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
النوع الثاني: العامُّ المُعَلَّل بما يمنع جواز التخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
فقوله: ﴿قُلِ الله خالِقُ كُلِّ شَيء﴾ وإن (٢) خرج مخرج العموم، والعمومُ يحتمل التخصيص، فإن تعليلها يوجب القطع على منع تخصيصها، وذلك من وجهين:
الأول: أن الكلام خرج مخرج التمدُّح بالتفرُّد بمُسَمَّى (٣) الخلق.
وثانيهما: أنه خرج مخرج الإنكار على من أثبت هذه المِدْحَةَ لغير الله
_________________
(١) لم أقف عليه في المطبوع من كتابه في هذا الموضع، فلعله ذكره في غيره.
(٢) في (ش): فإن.
(٣) في (ش): لمنشىء.
[ ٧ / ٩٣ ]
تعالى، فلو كان المراد بالعموم خلق بعض الأشياء لحَسُنَ من العباد مشاركته في مثل هذا التمدح بخلق كل شيء، وهم يريدون تقدير بعض الأشياء من النِّعال والأنطاع ونحو ذلك، ولا أعظم جنايةً على كتاب الله تعالى من تطريق مثل هذا إلى مماح آياته السنية، وصرائح نصوصه الجلية.
النوع الثالث: العام من غير تعليل، وهو كثير جدًا، مثلُ قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كلِّ شَيءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿إنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله: ﴿وخَلَقَ كلَّ شيءٍ فقَدَّرَه تَقديرًا﴾ [الفرقان: ٢] وهو كثير جدًا.
وفي هذه الآية مع عمومها دليلٌ على بطلان دعوى الزمخشريِّ لقَصْرِ الخلق في الحقيقة على التقدير، لأن الله تعالى نصَّ على المغايرة بينهما، حيث عطف التقدير على الخلق في قوله: ﴿وخَلَقَ كلَّ شيءٍ فقَدَّرَه تَقديرًا﴾ [الفرقان: ٢] فدل على أن الخلق في المعنى الذي نص عليه أهل السنة من إنشاء العين من العدم.
ومن الدليل على ذلك من السنة الصحيحة ما لا يُحصى، مثلُ حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " قال الله ﵎: ومن أظلم ممن ذهب يخلُقُ كخلقي، فليخلُقُوا ذَرَّةً، وليخلقوا حبَّةً أو شَعِيرةً ". خرجه البخاري آخر " الصحيح " (١).
وفي " الصحيحين " (٢) من حديث عائشة ﵂، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " إن أصحاب الصُّوَرِ يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحْيُوا ما خلقتم ".
_________________
(١) (٥٩٥٣) و(٧٥٥٩)، وصححه ابن حبان (٥٨٥٩).
(٢) البخاري (٢١٠٥) و(٣٢٢٤) و(٥١٨١) و(٥٩٥٧) و(٥٩٦١) و(٧٥٥٧)، ومسلم (٢١٠٧) (٩٦)، وصححه ابن حبان (٥٨٤٥). وقد فاتنا أن نعزوه في تخريجنا لابن حبان إلى البخاري، وأحمد ٦/ ٧٠ و٨٠ و٢٢٣ و٢٤٦، وابن ماجه (٢١٥١)، فيستدرك من هنا.
[ ٧ / ٩٤ ]
وفي " الصحيحين " (١) أيضًا من حديث عائشة ﵂، عن رسول الله - ﷺ -: " أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ".
وفي روايةٍ " الذين يُشَبِّهُون بخلق الله ".
وفي هذا وفي حديث أبي هريرة تفسير قوله: " أحيوا ما خلقتم " أي ما شبَّهتُم بخلق الله تعالى، وادَّعيتم من خلقه ما لستم له بأهل، فلو كان الخلق لله تعالى مجازًا وللعباد حقيقةً، لم يحرم عليهم معلَّلًا بهذه العلة، التي هم عند الزمخشري أحقُّ بها من الله تعالى، بل هي لهم دونه.
ولما كانت الحياة ونحوها من الأعراض تُسَمَّى مخلوقة لأنه لا تقدير فيها، ويحتمل في مجرد التقدير والتصوير لما ليس فيه روح أن يسمى خلقًا، سواء كان من فعل الله تعالى أو من فعل العباد، بخلاف إيجاد الأعيان وإنشائها من العدم، وذلك لقول عيسى ﵇: ﴿أَنِّي (٢) أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا (٣) بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، ولِما ثبت في " الصحيحين " أنه يقال للمصوِّرين: " أحيوا ما خلقتم " أي: ما صوَّرتم، فسمى التصوير خلقًا، كما سماه عيسى ﵇.
يوضحه: أن ليس القصد إضافة كل خلقٍ إلى الله تعالى، ولا تفرُّدَه
_________________
(١) البخاري (٥٩٥٤) و(٦١٠٩)، ومسلم (٢١٠٧) (٩١) و(٩٢)، وصححه ابن حبان (٥٨٤٧).
(٢) قرأ نافع: " إني " بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرأ الباقون (أني) بالفتح، قال الزجاج: " أني " في موضع جر على البدل من (آية).
(٣) فرأ نافع (طائرًا) على واحد، كما تقول: رَجْلٌ وراجل وركب وراكب، قال الكسائي: الطائر واحد على كل حال، والطير يكون جمعًا وواحدًا، وحجته أن الله أخبر عنه أنه كان يخلق واحدًا، ثم واحدًا. وقرأ الباقون (طيرًا) وحجتهم: أن الله جل وعز إنما أذن له أن يخلق طيرًا كثيرة، ولم يكن يخلق واحدًا فقط. " حجة القراءات " ص ١٦٤.
(٤) في (أ): شيء.
[ ٧ / ٩٥ ]
سبحانه لكل ما يُسمى خلقًا، لأن الكذب يسمى خلقًا، ولا يجوز إضافته إليه سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وتَخْلُقُون إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿إنْ هذا إلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧].
وإنما القصد تفرُّدُه سبحانه بالخلق الذي هو إنشاء الأعيان من العدم الذي لا يقدر عليه سواه، وتفرده بالقدره على خلقِ كل مخلوقٍ، كما دلت عليه الكتبُ السماوية والنصوص النبوية.
وإذا عرفت معاني الخلق، وأن أهل السنة ما قصروا على الله تعالى منها إلا إنشاء العين من العدم، عرفت معنى قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة، وأخذته من نصوصهم البَيِّنَة في تلخيص مذاهبهم، كما تقدم في الفرق الأربع، وعرفت حينئذ أنهم إنما عنوا بالمخلوق أعيان الذوات المُخرَجَة من العدم، التي يصح عليها تحقيق الاتصاف بالوجود التي هي عند المعتزلة ثابتةٌ في العدم، والتي لا تصح عند المعتزلة أن تعلق بها قدرة الرب ﷿، كيف إلاَّ العبدُ الضعيفُ؟
وأما ما يقع عليه الجزاء بالذم والعقاب، والثناء والثواب، من الأمور العدمية والإضافية، التي ليست بشيء حقيقي أصلًا كالتروك على الصحيح، وإنما هي جهات استحقاقٍ مثل تروك الواجبات، وتروك المحرمات عند الخصوم، فليست عند أهل السنة مخلوقةً كما يأتي (١) الدليل عليه قريبًا من وجوه ثلاثة قرآنية.
وكيف يصح عندهم وصف ما ليس بشيء في الحقيقة بالحق، وإن كانت تُسمى أشياء في العرف كما أن التروك تسمى فيه أشياء، ولا (٢) عبرة بالألفاظ.
وقد مر تقدير أن الثواب والعقاب لا يستلزمان أن يكونا على أشياء حقيقية عند المعتزلة (٣)، فإن الثواب يُستحق بترك الحرام، والعقاب يُستحق بترك الواجب، والعقل يُدرِكُ ذلك بالفطرة، والعقلاء أجمعون (٤) عليه، فإنهم يذُمُّون
_________________
(١) في (ش): مر، وهو خطأ.
(٢) في (ش): فلا.
(٣) " المعتزلة " سقطت من (ش).
(٤) في (ش): والعقال مجمعون.
[ ٧ / ٩٦ ]
من ترك قضاء الدين، وترك رد الودائع، ولا يُرَاعُون في ذلك القطع بأن التروك أمر وجودي، له حقيقة في الخارج كما له حقيقة في الذهن، بحيث لا يجزم عاقل على ذم من ترك قضاء الدين، ورد الوديعة، حتى يكون من ذلك على بصيرة، فجمهور النقلة لمذهب أهل السنة من خصومهم جهلوا أو (١) تجاهلوا مذهب أهل السنة وغَلِطُوا على جميع فرقهم.
فأما الفرقتان الأولتان، فإنهم وإن اتفقوا على أن أفعال العباد المقابلة بالجزاء مخلوقةٌ أنفسها، فإنهم متفقون على بقاء اختيار العبد لها، وأن اختياره لوجودها شرط في وجودها سابق على الوجود، وإن الاختيار ليس بشيء حقيقي، فلا يصح وصف الخلق بذلك كما مر تحقيقه.
ولا يلزمهم الجبر إلاَّ بنفي الاختيار، كما لم يلزم الجبرُ إمامي الاعتزال الجاحظ وثُمامة بن الأشرس وأتباعهما مع قولهما: إن قدرة العباد غير مؤثرةٍ في أفعالهم، وإنه ليس لهم فعل إلاَّ الإرادة، ثم اختلفا (٢):
فقال الجاحظ: إن المؤثر في أفعال العباد هو الطَّبْعُ الضروري الراجع إلى قدرة الله وخلقه.
وقال ثمامة: إن أفعال العباد حوادث لا مُحدِثَ لها،
وهذا شرٌّ من قول هاتين الطائفتين، لأنه يستلزم جواز استغناء الحوادث عن مُحدِثها جل وعز، ومع ذلك فلم يَعُدَّهُما أحد من المعتزلة من الجبرية.
وأما الفرقتان الآخرتان، فإنهما لم يَنْسُبَا إلى الله تعالى التفرد بالخلق إلاَّ في إنشاء العين الثُّبوتية وإخراجها من العدم إلى الوجود، ولم ينسبوا إلى الله تعالى خلق ما ليس بشيء حقيقي من الإضافات والوجوه والأحوال والاعتبارات التي
_________________
(١) في (ش): و.
(٢) في (ش): اختلفوا. وقد تقدم حكاية قول الجاحظ وثمامة عند المؤلف ص ٦١٩.
[ ٧ / ٩٧ ]
تختلف بها أسماء الذوات، فإن ذات (١) الحركة المخلوقة واحد، ثم تختلِفُ أسماؤها باختلاف أحوالها، فتُسَمَّى طاعةً ومعصيةً وكتابةً وصناعةً، وأجمعوا هم والجمهور أن المخلوق من مُسَمَّى الصلاة والعبادة والطاعة والمعصية ذواتها التي هي مُطلَقُ الحركة دون الوجه المخصوص الذي سُمِّيَتْ به (٢) طاعة ومعصية.
وأما القدر المقابل بالجزاء، فليس هو مرادهم بقولهم: إن الله خالق كلِّ شيء، لأنه ليس بشيءٍ حقيقي، والخلق لا يصح أن يطلق على غير شيء، والله ﷿ إنما تمدح بأنه خالق كل شيء لا خالق لا شيء، لأن المراد كل شيء يُسَمَّى مخلوقًا، والقدر المقابل بالجزاء لا يسمى مخلوقًا لوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿ربَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] فلو كان الله تعالى خالق الباطل الذي فعله العباد لم يتنزه عن خلق الحق في حالِ كونه باطلًا، لأن خلق الباطل أشدُّ قبحًا من خلق غيره في حال كونه باطلًا، كما أن من فعل الكفر لم يَتنَزَّه (٣) عن ترك الضلال كفرًا.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩] فلو كان الله خالق تغييرهم، لكان خلقًا آخر لا تغييرًا لخلق الله، كما أن الشيب في الشعر خَلْقٌ آخر بعد السواد لا تغييرُ خلق الله، ولقال الله: ثم أنشأناه خلقًا آخر، كما قال في تغيير النطفة إلى العلقة، ثم (٤) قال في آخر التغييرات: ﴿فتبارك الله أحسنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] ولم يقل: أحسن المغيِّرِين.
وكذلك لعن رسول الله - ﷺ - الواشمات المغيرات خلق الله (٥)، ولم يجعل تغييرَهُنَّ خلقًا منه آخر كما خلق النطفة علقةً، وخلق الشيب بعد الشباب.
_________________
(١) في (ش): فإرادة.
(٢) في (ش): له.
(٣) في (أ): ينزه.
(٤) في (أ): حين.
(٥) أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٥٥٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود، وانظر تخريجه فيه.
[ ٧ / ٩٨ ]
الإشكال على قول الجويني وأصحابه بخلق الأفعال
الثالث: قوله تعالى: ﴿الذِي أحسَنَ كلَّ شيءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أي على حسب ما أراد، فوجب وصف جميع مخلوقات الله بالحسن، فلو كان القدرُ المقابل بالجزاء من أفعال العباد مخلوقًا، لم تُوصَفْ معاصيهم بالقبح، ووجب وصف قبائحهم بالحسن، وهذا باطلٌ بالإجماع.
وعلى أن في أهل السنة من يقول: إن الحركة المطلقة وصفٌ إضافيٌّ لا شيءٌ حقيقي، وإن الشيء الحقيقي المخلوق هو المتحرِّك نفسه، لا مجرَّد حركته، وهو القوي الصحيح كما تقدم.
وأما الإمام الجويني وأصحابه، فيقولون بخلق الأفعال كما يقوله أهل السنة، ولكن توجيه ذلك يُشكِلُ عليهم جدًا مع قولهم: إن الحركة شيءٌ حقيقيٌّ، وإنها أثر قدرة العبد حتى يتأمل مقصدهم وزال الإشكال.
والإشكال عليهم من وجهين:
الوجه الأول: أنه يلزم أن لا يصح وصفهم لفعل العبد بأنه مخلوق.
والجواب ما ذكره الشهرستاني حيث قال: " وغلا إمام الحرمين حيث أثبت للقدرة الحادثة أثرًا هو الوجود، إلاَّ إنه لم يُثْبِتْ للعبد استقلالًا بالوجود ما لم يستند إلى سبب آخر، ثم تسلسل الأسباب في سلسلة الترقِّي إلى البارىء تعالى وهو الخالق المبدىء المستقل بإبداعه من غير احتياجٍ إلى سبب.
وقد أشار الشهرستاني بهذا إلى موافقة الجويني لأهل السنة في مسألتين:
أحدهما: توقُّفُ الأفعال على الدواعي مع أن الدواعي من فعل الله تعالى.
وثانيهما: توقُّف الأفعال على سبق (١) مشيئة الله تعالى وقضائه وقدره على ما مر تحقيقه.
_________________
(١) " سبق " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ٩٩ ]
فإن القول بذلك هو الفاروق ما بين السني والبدعي، وإن بقية الاختلاف إنما أكثرُهُ في العبارات.
فتأمل هذه الفائدة العظمى وأيقِظْ بها قلبك، وشُدَّ بها يديك، فهي من نفائس علوم الخاصة، وما يعقلها إلاَّ العالمون.
فمن هنا أطلق إمام الحرمين وأصحابه على أفعال العباد أنها مخلوقة، ويحتجون على صحة هذه التسمية بما ذكرناه من أدلة السمع الخاصة والعامة المُتَّفَقِ عليها بينهم، والمختلف فيها على حسب رأيهم في المختلف فيها.
وقد أشار الغزالي في مقدمات " الإحياء " (١)، بل صرح أن الحامل على تسمية أفعال العباد مخلوقة إنما هو الإيمان بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كلِّ شيء﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وصرَّح فيها ببطلان الجبر، وأن بطلانه ضروري للفرق بين الحركة الاختيارية والضرورية ضرورةً، والله أعلم.
الوجه الثاني: أن يقال: يلزمهم أن يوصف العبد بأنه خالقٌ لأفعاله.
والجواب عنهم في ذلك أنه لا يلزم في كل شيء أن يسمى مخلوقًا في اللغة لوجهين:
أحدهما: أن تسمية كل شيء بذلك يحتاج إلى نقل صحيح عن أهل اللغة وهو معدوم، ولم يُعهَد عن أحدٍ من أهل اللغة أنه يقول: خَلَقتُ قيامًا (٢) ولا صيامًا ولا حلالًا ولا حرامًا.
الوجه الثاني: أنه يُفهَمُ من كثيرٍ من الكتاب والسنة وكلام البُلَغاء أن ذلك يختص ببعض الأمور دون بعض.
من ذلك قوله: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] فعطف الهدى المتعلِّق بالأفعال على الخلق المتقدم لها، وظاهره المغايرة
_________________
(١) ١/ ١١٠ و١١١.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: فتأمل.
[ ٧ / ١٠٠ ]
في التسمية، وإن كان الكل بمشيئته سبحانه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وهي أبينُ آيةٍ في هذا، لأنه قسَّم المسمَّيات فيها إلى قسمين مختلفين متغايرين:
أحدهما: الخلق، وهو أخصُّهما ولذلك قدمه.
وثانيهما: الأمر، وهو أعمُّهما ولذلك أخَّره، لأن الخلق نوع من جنس الأمر يدخل تحته بدليل قوله تعالى: ﴿وإلَيْهِ يَرجِعُ الأمرُ كُلُّه﴾ [هود: ١٢٣] فدخل فيه الخلق والأمر.
فإن قالت المعتزلة: يخرج منه التكاليف، لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَاعْبُدْه وتَوكَّلْ عليه﴾ [هود: ١٢٣] فأمره بالعبادة، وما كان إلى الله لم يأْمُر به.
قلنا: هذا ممنوع لقوله تعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ باللهِ﴾ [النحل: ١٢٧] بأبلغ صيغ المبالغة، وهي الحصر بالاستثناء بعد النفي العام، وقد تقدم تقرير ذلك عقلًا وسمعًا مع منع الجبر قطعًا عقلًا وسمعًا.
وكذلك خصَّ رسول الله - ﷺ - الوعيد فيمن تعرَّض لمثل ذلك الجنس المُجْمَعِ على تسميته خلقًا، وقيل للمصوِّرين: " فليخلقوا حبَّةً أو شعيرةً " وقال - ﷺ -: " أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُضَاهُون بخلق الله، والذين يُشَبِّهُون بخلق الله " (١) ولم يقل لهم: اخلقوا قيامًا ولا قعودًا، ولا قيل لمن قام وقعد: إنه ضاهى بخلق الله.
وكذلك في " الصحيح " (٢) ذم الواشمات بتغيير خلق الله وتسميتهن المغيرات خلق الله، ففرَّق بين كسبهن الحادث وبين الخلق. ويشهد له من القرآن قوله تعالى: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ [النساء: ١١٩].
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا أيضًا.
[ ٧ / ١٠١ ]
ويدل على ذلك حديث رِفاعة بن رافع، وسيأتي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿والله خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُون﴾ [الصافات: ٩٦].
وهذه أحاديث صحاحٌ، وفيها شهادة على الفرق المعلوم من الدين والعقل بين خلق الرب سبحانه وفعل العبد الضعيف، وأن بينهم من التمايز والتباين العظيم ما أوجب (٢) على العبد تحريم تشبيهه لكسبه الراجع إلى الوجوه الإضافية العدمية، الموقوف على سائر القَدَرِ والتيسير والمشيئة بخلق ربه ﷿.
بل هذه مذاهب الأشعرية في جميع أفعال العباد إلاَّ ما كان تقديرًا وتصويرًا في الأجسام، فإنه يُسَمَّى خلقًا بمعنى آخر، أي: تقديرًا.
وأما سائرُ أفعال العباد (٣)، فعند أهل السنة كلهم أنها من حيث نُسِبَتْ إلى العباد لا تسمى خلقًا، وإنما تُسمى كسبًا وعملًا وفعلًا. فالوجه عندي في ذلك فيها واحدٌ، وهو أن أهل اللغة سَمَّوْها بذلك فَرْقًا بينها وبين إيجاد الأجسام من العدم وتصويرها، لا (٤) لأنها أفعالُ العباد خاصة، بل هذا مذهب البغدادية من المعتزلة: أن الخلق اسمٌ لما يوجده الله بغير مباشرةٍ.
وبعد اعتراف الأشعرية بأسمائها هذه، بقي (٥) تسميتها خلقًا مجرد دعوى تحتاج إلى دلالةٍ تقطع الخلاف.
ولأمرٍ ما اختلفت العباراتُ عن أفعال الله تعالى أيضًا فعبَّر سبحانه عن بعضها بالخلق، وعن بعضها بأخصِّ أسمائه كإنزال المطر، ورفع السماء، فإن المطر والسماء يُسَمَّيَان مخلوقين، والإنزال والرفع لا يُسَمَّيَان مخلوقين بل مفعولين.
_________________
(١) ص ١١٥ من هذا الجزء.
(٢) في (ش): يوجب.
(٣) من قوله " إلاَّ ما كان تقديرًا " إلى هنا سقط من (ش).
(٤) " لا " سقطت من (ش).
(٥) تصحفت في (أ) إلى: نفى.
[ ٧ / ١٠٢ ]
وكذلك قال الله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُم وفِيها نُعِيدُكُم﴾ [طه: ٥٥] ولم يُسَمِّ الإعادة إلى الأرض خلقًا، لأنها عبارة عن الدَّفْنِ الذي هو من جنس أفعال العباد.
وأوضح من هذه الآية ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
ولذلك فرَّق أئمة السنة بين الخلق والجعل في مسألة القرآن كما مضى تقريره في مسألة القرآن.
وقد يجوز في بعض ما عُدِلَ به عن لفظ الخلق إلى اسمه الخاصِّ به أن يسمى خلقًا مثل قوله: ﴿وَمِنْها نُخرِجُكم تَارةً أُخرى﴾ [طه: ٥٥] فإن الإخراج هذا (١) يجوز أن يسمى خلقًا إن كان ترجم به عن الخلق، وإن كان إنما أراد الإخراج من حيث هو إخراجٌ، ولم يُشِرْ به إلى الخلق، فلا يظهر تسميته خلقًا على انفراده، فقد يستدل الجويني ومن وافقه من أصحابه ومن معتزلة بغداد بهذه الأمور على أن الخلق في اللغة يختص بالمعاني التي قدمنا ذكرها، فيجبُ قَصْرُه عليها، وتفسيرُ ﴿خالق كلِّ شيء﴾ بما (٢) يُسمى خلقًا، ولا يلزم من قال بهذا من أهل اللغة محذورٌ، ولا مخالفةٌ لمذهب أهل السنة وحقيقته، لأنهم إنما يقولون:
الأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق من الأمر لا من الخلق، فرقًا بين مجرد (٣) التسمية مع اعترافهم بأن الخلق والأمر، كلاهما لله (٤) وحده لا شريك له، على أنهم لم يصرحوا بهذا، وإنما هو منتهى ما يلزمهم (٥) عند التحقيق، ولهم أن يوافقوا على ما أجمع عليه السلف الصالح منهم من تسمية
_________________
(١) في (ش): هنا.
(٢) في (ش): إنما.
(٣) في (ش): مجرى.
(٤) في (ش): مع اعترافهم بأنهما لله تعالى.
(٥) في (ش): يلزم.
[ ٧ / ١٠٣ ]
الأفعال مخلوقةً: أي: مقدَّرةً لأن تسميته بذلك بهذا المعنى تسميةٌ صحيحةٌ باتفاق أهل اللغة.
فعلى هذا التلخيص أن الله خالق كل شيء بمعنى التقدير، وخالق كل شيء بمعنى الإيجاد، وما بمعنى الثاني -وهو الإيجادُ- يختص بالأشياء الحقيقية وهي الذوات، ويكون معناه: خالق كل مخلوق، ويخرج منه الأمر مع كونه لله وإلى الله (١) وحده لا شريك له، ولذلك لم يدخل القرآن في قوله تعالى: ﴿خالِقُ كلِّ شيء﴾ [الأنعام: ١٠٢] عند فرق أهل السنة القائلين بقِدَمِه والمانعين من ذلك، على ما مر تحقيقه في مسألة القرآن في آخر الكلام في الصفات، مع أنهم مُجمِعُون مع اختلافهم في القِدم على أن القرآن ليس بمخلوقٍ، وأن القول بأنه مخلوق، ولذلك أنكر ذلك قدماء أهل البيت ﵈ كما ثبت في " الجامع الكافي " على مذهب الزيدية، وقد تقدم في مسألة القرآن.
وثبت بهذا أنه لا حجة في العمومات على أن أفعالنا مخلوقةٌ، لأن معنى: إن الله خالق كل شيء، أي: كل شيء يسمى مخلوقًا، ولذلك خرج القرآن من ذلك، لأن الكلام لا يسمى في اللغة مخلوقًا إلاَّ (٢) بمعنى المكذوب، وكذلك لا تسمى أفعالنا بذلك.
فثبت أن كل شيء يسمى مخلوقًا من الأجسام وصورها والطعوم والألوان والروائح وسائر ما في العوالم من نحو ذلك، داخلٌ في أن الله خالق كل شيء، وما لم يثبت أنه يسمى مخلوقًا كأفعالنا لا يدخل في ذلك بمرَّة (٣).
ولو سلمنا أنه يدخل فيه لغةً جاز تخصيص القبائح منه، كما هي مخصوصةٌ من قول سليمان ﵇: ﴿وأُوتينا من كلِّ شيءٍ﴾ [النمل: ١٦] بل من قوله تعالى في بلقيس: ﴿وأُوتِيَتْ من كلِّ شيء﴾ [النمل: ٢٣].
_________________
(١) عبارة " وإلى الله " لم ترد في (ش).
(٢) " إلا " سقطت من (ش).
(٣) في (أ): ثمرة، وهو تصحيف.
[ ٧ / ١٠٤ ]
ألا ترى أنها لم تُؤْتَ ملك سليمان، ولو أُوتِيَتْ ذلك ما قهرها وغلبها، ولو دخلت في هذا القبائح كانت زانيةً بَغِيَّةً، مسافِحَةً مجاهرةً، ولو كانت كذلك ما تزوجها ﵇.
يوضحه: أن الله يعلمُ كلَّ شيء، ولا يلزم أن يعلم عدم موجودٍ، ولا سعادة شقيٍّ، ولا كذب صادقٍ، لأن المعنى: يعلم كل شيء معلوم، فكذلك هو خالقُ كل شيء، وكذلك لم يدخل شيء في ذلك من كلمات الله تعالى التي تَقِلُّ البحار عن أن تكون مِدادًا لها.
فليلخص (١) من هذا أن أهل السنة وإن أجمعوا على أن أفعال العباد تُسَمَّى مخلوقةً، فلم يعنوا بذلك أمرًا يُوجِبُ الجبر وينفي الاختيار، واختلف تفسيرهم لهذه العبارة بما تقوم معه لله ﷾ على عباده الحجة البالغة، والحمد لله رب العالمين.
القسم الثاني: من أدلة أهل السنة على خلق الأنعال: ما اختلفوا في صحة الاحتجاج به، وتفرَّد به الفرقتان الأوَّلتان، ومَنَعَ من الاحتجاج به الفرقتان الآخرتان: آيتان وحديثان.
الآيةُ الأولى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمَى﴾ [الأنفال: ١٧] احتج بها من قال بخلق الأفعال أنفسها، وأجاب الآخرون بأنها مَسُوقَةٌ لبيان إعانة الله تعالى لرسوله - ﷺ - في أثر تلك الرمية، أو تولِّيه سبحانه لأثرها كله، وليس في الآية ما يدلُّ على أن الله تعالى هو المتفرِّدُ بكل ما فعل (٢) العبد من جميع الوجوه، وكيف يصح ونص الآية شاهدٌ بإثبات فعل العباد حيث قال: ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ فالله تعالى أثبت الرمي في نص الآية منسوبًا إلى النبي - ﷺ -، ونفاه عنه في نصها أيضا، فوجب تأويلُ ذلك على كل مذهب، وتنزيله منزلة قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] مع قوله تعالى: ﴿لَيسَ على الأعمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
_________________
(١) في (ش): فتلخص.
(٢) في (ش): بخلق أفعال.
[ ٧ / ١٠٥ ]
والوجه في الآية أنها نزلت في رَمْيَةٍ (١) مخصوصة، وقع لها أثرٌ (٢) عظيمٌ لا يقع مثله في الرمي الذي يكون مصدره من قدر العباد وقواهم، فأثبت الله تعالى الرمي منسوبًا إلى رسوله - ﷺ - لِمَا كان منه في ذلك من الكسب اليسير، ونفاه عنه، لأن أثره العظيم منفيٌّ عنه، فنَزَّلَ الله تعالى رَمْيَ رسوله - ﷺ - منزلة المنفي عنه المعدوم بالنسبة إلى ذلك الأثر العظيم.
ودلَّ على ذلك التجوُّز في نفي الرمي عنه مطلقًا بنصِّه (٣) على نسبة الرَّمْيِ إليه - ﷺ - في صريح الآية عقلًا وشرعًا من ثبوت عمى الأبصار، على نحو ما ذكرنا في تأويل الرمي أنه من كون مَضرَّة عَمَى الأبصار كَلاَ شيءٍ بالنسبة إلى مضرَّةِ عمى البصائر.
وأما أولُ آية الرمي. وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقتُلُوهم ولكِنَّ الله قَتَلَهم﴾ [الأنفال: ١٧] فيحتمل أنها على الحقيقة كذلك، لأن الإماتة فعلُ الله تعالى، وجميع المسببات عند أهل السنة فعل الله، وهي عند المعتزلة مختلفةٌ، بعضها فعل الله كالإحراق بالنار وصبغ الثياب بالألوان، وبعضها يخالفون فيه، وليس هذا موضع تفصيل (٤) هذا.
وقد تقدم في كلام الشهرستاني في الكسب إشارةٌ إلى ما يسمى فعلًا للعبد، ويدخله الأمر والنهي عرفًا، وهو مجمَعٌ على أنه من (٥) أثر قدرة الله عند أهل السنة والمعتزلة، وعدَّ منه إزهاق الأرواح، فما كان من هذا القبيل لم يحتج إلى تأويل نسبته إلى الله تعالى، بل ينعكس الأمر، ويجب تأويل نسبته إلى العباد، فنقول: معنى القتل المنسوب إلى العباد أسباب القتل، وفي بعضها نفيٌ، بل كلها نفي للقتل عنهم، وإثباته لله تعالى.
_________________
(١) في (ش): قصة، وهو خطأ.
(٢) في (ش): بها أمر.
(٣) في (أ) و(ف): بنصه، هكذا رسمت، ويمكن قراءتها هكذا: بتبقيه أو لعلها محرفة عن كلمة " بنصّه ".
(٤) " تفصيل " لم ترد في (ش).
(٥) " من " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ١٠٦ ]
وأما آيةُ النفي فتعارض فيها النفي والإثبات، فاستحقَّتِ التأويل، ولو لم نتأولها وجرينا على ظاهر نفي الرمي عن الرسول - ﷺ -، لم يكن ظاهرها يجري على مذهب أحدٍ من فرق أهل السنة الأربع، فإنهم يجمعون على نسبة أفعال العباد وإن كانت مخلوقةً، ويكون ظاهرها محتاجًا إلى التأويل بالإجماع.
ولذلك احتج بظاهرها ابن عربي الطائي في " فصوصه " (١) على الاتحاد، وظن أن ظاهرها كلها (٢) تساعده على ذلك، وليس كذلك، فإنه إن ساعده ظاهرُ شطرها، نافره ظاهرُ الشطر الثاني، وكفى بذلك تعارُضًا يوجب ترك الظاهر والعدول إلى سائر الآيات المُحكَمَات الدالة على إثبات أفعال العباد، ونفي ما توهَّمَهُ من الاتحاد، وبطلانُ جميع ذلك أوضح من أن يعين الاحتجاج عليه دليل، فإنه معلوم (٣) من ضرورة الدين والعقل، والمُعَوَّل عليه في مثل هذه المعلومات هو القرائن الضرورية القاضية بالعلم، والعقول المفطورة على الفهم، التي لولا هي، لم يصح الخطاب، ويُخصَّ (٤) به ذوو الألباب في نصوص الكتاب.
ولآية الرمي سببٌ نزلت عليه، فَلْتَتِمَّ الفائدةُ في الإشارة إليه، قال الواحدي في " أسباب النزول " (٥): أكثر أهل التفسير أن الآية نزلت في رمي النبي - ﷺ - القبضة من حصى (٦) الوادي يوم بدرٍ حين قال للمشركين: " شاهت الوجوه " ورماهم بتلك القبضة، فلم تَبْقَ عينُ مشرك إلاَّ دخلها منه شيء.
قال حكيم بن حزام: لمَّا كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حَصَاةٍ وَقَعَتْ في طَشْتٍ، ورمى رسول الله - ﷺ - تلك الحصيات، فانهزمنا، فذلك قوله تعالى: ﴿ومَا رَمَيْتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رَمى﴾ [الأنفال: ١٧].
_________________
(١) ص ١٨٥.
(٢) " كلها " ليست في (ش).
(٣) " معلوم " سقطت من (ش).
(٤) في (ش): يختص.
(٥) ص ١٥٦ - ١٥٧.
(٦) في " أسباب النزول ": حصباء.
[ ٧ / ١٠٧ ]
ورُوي غير هذا في أسباب النزول، وهذا أشهره.
وفي " المستدرك " (١) من حديث سعيد بن المسيب، عن أبيه: أن الآية نزلت في طعن رسول الله - ﷺ - لأُبَيِّ بن خلفٍ. وقال على شرطهما.
الآية الثانية: قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦].
وقد احتج بها الطائفتان الأوَّلَتَان من أهل السنة، منهم أبو عبيد، ومنع ذلك الآخرون منهم ابن قتيبة، فإنه رد على أبي عُبيدٍ في " مشكل القرآن ".
ولأجل اختلاف أهل السنة في ذلك قال ابن كثيرٍ في أول " البداية والنهاية " (٢) في قصة إبراهيم - ﷺ -: وسواء كانت " ما " مصدرية، أو بمعنى الذي، فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون والأصنام مخلوقةٌ، فكيف يعبد مخلوقٌ لمخلوقٍ. انتهى.
فأشار إلى القولين ولم يتعرض لنصرة أحدهما على الآخر لاختلافهم في ذلك.
ووجه كلام المُحتَجِّين بها هو ما يُتَوهَّم قبل التأمل من أن ظاهرها يقتضي ذلك، ووجه كلام المانعين من أهل السنة المنع من ظهور ذلك في الآية، ثم دعوى ظهور خلافه، فهذان مقامان.
_________________
(١) ٢/ ٣٢٧. وأخرج ابن جرير الطبري في " جامع البيان " (١٥٨٢٩) عن الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ قال: جاء أُبي بن خلف الجمحي إلى النبي - ﷺ - بعظم حائل فذكر الخبر. وأورد هذين الخبرين الحافظ ابن كثير في " تفسيره " ٣/ ٥٧٢ إلاَّ أنه جعل حديث الحاكم في " مستدركه " عن سعيد بن المسيب ولم يرفعه إلى أبيه! وصحح إسناده. ثم قال: وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة .. والله أعلم.
(٢) ١/ ١٣٧.
[ ٧ / ١٠٨ ]
المقامُ الأول: المنع من ظهور معناها فيما زَعَمُوا، وذلك أن المنع يترتب على ظهور الاشتراك الذي يمنع تحقيقه من الظهور، وبيان الاشتراك الذي فيها ما في لفظة " ما " من الاحتمال المعلوم عند أهل علم البيان (١) ونُقَّاد هذا الشأن، فإنها مُحتَمِلَةٌ لمعنيين:
الأول: أن تكون موصولةً بمعنى: الذي، مثل قوله تعالى: ﴿أتَعْبُدونَ ما تَنْحِتونُ﴾ [الصافات: ٩٥].
الثاني: أنها مصدريةٌ بمعنى: وعملكم. وعلى تقدير أنها موصولةٌ تكون أيضًا محتملةً لمعنيين:
أحدهما: أن المراد بالذي تعملونه الأصنام، أي تعملون أشكالها ومقاديرها، كما يقال: صنع النجار الباب، وهذا السيف صنعه فلانٌ، وتسميتُها معمولة حقيقة وعملًا مجازًا، أو حقيقة (٢) عُرفِيَّة شائعة.
ومنه حديث رفاعة بن رافع البدري ﵁، وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال لهم حين دعاهم إلى الإسلام: " من خلق السماوات والجبال؟ " قلنا: الله، قال: " فمن عمل هذه الأصنام التي تعبدون؟ " قلنا: نحن، قال: " فالخالق أحق بالعبادة أم المخلوق وأنتم عملتموها؟ والله أحق أن تعبدوه من شيءٍ عملتموه ".
رواه الحاكم في أول كتاب البر من " المستدرك " (٣) وصحَّحَه، كما يأتي بإسناده وتمام متنه، وهو ظاهر كلام المفسرين.
قال البغوي (٤): وما تعملون بأيديكم من الأصنام. هذا وهو من أهل السنة، وممن ظن مع هذا أن الآية تدل على خلق الأعمال.
_________________
(١) في (أ) و(ف): اللسان.
(٢) في (أ): وحقيقة.
(٣) ٤/ ١٤٩، وسيأتي عند المؤلف ص ١١٥، فانظر الكلام عليه هناك.
(٤) تمام نصه في " تفسير البغوي " ٤/ ٣١: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
[ ٧ / ١٠٩ ]
الثاني: أن يكون المرادُ: وما تعملونه من أعمالكم، وعلى هذا التقدير فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد من أعمالكم مُطلقًا، فيدل على خلق الأفعال كالمصدرية.
وثانيهما: أن يكون المراد من أعمالكم في الأصنام وهو صنعتها (١) أصنامًا، وعلى هذا يكون المعنى: وما تعملون فيه.
وذلك أن الفعل قد يُطْلَقُ على المصدر، وهو الذي في مَحلِّ القدرة: مثل حركة اليد عند تصوير الأصنام، وقد تُطلَقُ على الأثر المتعدِّي عن محلِّ القدرة (٢) وهو التصوير الباقي (٣) بعد فراغ الفاعل من حركته، وهذا المتعدِّي هو الذي أنكره ثُمامة والمطرِّفِيَّةُ من الزيدية أن يكون فعلًا للعبد، وسَمَّوْهُ مفعولًا لا فعلًا.
والمراد في هذا الوجه الثاني: والله خلقكم والذي تعملون فيه عملكم، أي: والأصنام التي تصورون فيها تلك التصاوير.
والاحتمال الأول معناه: وخلق الأجسام التي هي عملكم، أي: مَعمُولكم، ومع وضوح الاحتمالات، بل الاحتمال الواحد يبطل ظهور الآية فيما ادَّعَوْا، ويبقى في حيِّز الاحتمال حتى يقضي الترجيح الصحيح لما ادَّعوه، لكنه قاضٍ عليهم لا لهم كما يظهر في المقام الثاني، وهو ظهورُ خلاف ما فهموه.
وذلك أن المعوَّل عليه في مثل هذه المشكلات هو ترك العناد والعصبية أولًا، ثم ترك القرائن العقلية النظرية واللغوية العادية تعمل عملها، وتطلب أثرها، ولا شك أنها تقضي بأن المراد بما تعملون الأصنام أنفسها كما ثبت ذلك
_________________
(١) في (ش): صنعها.
(٢) من قوله " وقد تطلق على الأثر " إلى هنا سقط من (ش).
(٣) في (ش): الثاني، وهو تحريف.
[ ٧ / ١١٠ ]
في حديث رفاعة الصحيح، وذلك لوجوهٍ:
الوجه الأول: أن الله تعالى ساق الآية للاحتجاج على بطلان عبادة الأصنام، وليس في كون أعمال العباد مخلوقةً حجةٌ على بطلان عبادة الأصنام، وفي كون الأصنام مخلوقةً لله تعالى أوضح برهانٍ على بطلان عبادتها لوجهين:
أحدهما: أن الله تعالى نصَّ على هذا المعنى في غير آيةٍ، والقرآن يُفسر بعضه بعضًا، وذلك في قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وقال في سورة النحل: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ (١) مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠].
وثانيهما: أن المشركين حينئذ يُنَبِّهون على أنهم مثلها في كونهم مخلوقين، وليس ينبغي أن يكون العبد والرب من جنسٍ واحد، لا سيما والعابد منهما هنا (٢) أشرف من المعبود بالضرورة من جهتين:
الجهة الأولى: أنه حيٌّ ومعبودُهُ جمادٌ.
والجهة الثانية: أنه الذي صوَّره المعبود، وعلى الهيئة التي كانوا يستحسنون معها العبادة، فإنهم لم يكونوا يستحسنون عبادة الحجر المطموس الذي لا شَكْلَ له، حتى يكونوا هم الذين يُشَكِّلُونه ويضاهون بصورته خلق الله تعالى، وهو من هذه الجهة يسمى معمولًا لهم ومفعولًا، كما يقال في السيف: إنه عَمَلٌ، ونحوه، وكذلك سائر الحُلِيِّ التي هي من تصرُّف الصُّنَّاع في خلق الله، وهذه التسمية حقيقةٌ عُرفِيَّةٌ، وكذلك سائر المسببات كالمِدَاد وسائر الأصباغ.
_________________
(١) هكذا قرأ جمهور القراء بالتاء المثناة من فوق، وحجتهم ما تقدم قبل الآية وما تأخر: فما تقدم ﴿وإن تَعُدُّوا نعمةَ الله﴾، وما تأخّر ﴿إلهُكم إلهٌ واحد﴾، وقرأ عاصم: ﴿والذين يَدعُون مِن دون الله﴾ بالياء، إخبارًا عن المشركين. انظر " حجة القراءات " ص ٣٨٧، و" زاد المسير " ٤/ ٤٣٧.
(٢) " منهما هنا " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ١١١ ]
وهذه معصيةٌ أخرى تضمنها تصويرهم للحجارة، وهي من أدل دليلٍ على (١) عِظَمِ الجهالة، إذ مجرد تشكيل الصورة من غير حياةٍ غير مميِّزٍ للجماد بمَزِيَّةٍ يشرف بسببها على غير المصوِّر فجمعوا من جهالاتهم (٢) في ذلك ظُلُماتٍ بعضها فوق بعض. وهذا الوجه قوي جدًا، لأن مقدماته معلومةٌ ضرورية (٣)، فإنا نعلم بالضرورة أن الآية مسُوقَةٌ لإقامة الحجة على بطلان ربوبية الأصنام، ونعلم ضرورةً أن الحجة بما ذكرناه أقوم وألزم، وأنها على تقدير أن المراد خلق أعمال العباد خَفِيَّةُ المعنى، والله سبحانه أعلم.
الوجه الثاني: أن قرينة الحال وصنعة البيان تقتضي أن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ في آخر الآية موافقٌ (٤) لقوله: ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ في صدرها، لأنه صَدَّرَ الآية الكريمة بإنكار عبادة المنحوت في حال خلق الله له، لكن سمَّاه معمولًا، تجنُّبًا للتكرار، فإن الواو حاليَّةٌ في قوله: ﴿والله خَلَقَكُم﴾ والحال هذه العجيبة (٥) القاضية تَبْرَأُ منكم في الجهل إلى هذه الغاية البعيدة. وأنت إذا نظرت في طِبَاقِ الكلام وسياقه لم يحسن أن يكون المعمول غير المنحوت، ووجب أن يكون هو إيَّاهُ.
أما إن الأول لا يحسن (٦)، فلأنَّ الجملة الحالية تقتضي في مثل هذا الموضع زيادة شدة النكارة معها، كما تقول: أتسُبُّ فلانًا وهو أخوك؟! أتَجْفُوهُ وهو أبوك؟! ولو كان المعمول غير المنحوت لم يكن الشرك معه أقبح، ألا ترى أن الشرك على تقدير خلق الأعمال ليس بأقبح من الشرك مع خلاف ذلك.
وأما إنه يجب أن يكون المنحوتُ هو المعمول، فلما في ذلك من زياده قُبْحِ الشرك، لأنه لا يَخْفَى على عاقلٍ أن أقبح الشرك أن يجعل لله شريكًا وهو خلقه وملكه.
_________________
(١) " على " سقطت من (ش).
(٢) في (ش): جهالات.
(٣) في (ش): ضرورة.
(٤) في (أ) و(ش) و(ف): موافقًا، وهو خطأ.
(٥) في (أ): العجبية، وهو خطأ.
(٦) " لا يحسن " سقطت من (أ).
[ ٧ / ١١٢ ]
فدلَّ على أن قوله تعالى: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾ كِنايةٌ عن قوله: ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ خالف بين لفظهما من اتحاد معناهما، لِمَا في ذلك من حُسْنِ السَّبْك وعدم التَّكرار، على ما يعلمه أهل اللسان من أئمة البديع والبيان.
الوجه الثالث: حديث رفاعة عن رسول الله - ﷺ -، على ذلك كما سيأتي الآن.
الوجه الرابع: النصُّ على أن أعمالهم مخلوقةٌ لله تعالى يُنافي توبيخهم والاستنكار الشديد لصدوره عنهم.
ولذلك قضى جمهور أهل السنة في الخلق الذي تَمَدَّح الرب سبحانه بالتفرد به أنه خلق الأعيان وإنشاؤها (١) من العدم وتشكيل (٢) الصوره التي ورد الوعيد لمن ضاهاه من العبيد.
فكيف إذا ورد ذكر الخلق في مثل هذه الصورة احتمل (٣) مثل هذه الاحتمالات؟ أليس توجيهه إلى خلق الأعيان المُنْشَأة من العدم أسبق إلى الأذهان، وأقوم في البرهان، وأجْدر أن يفسر به القرآن، وأولى بنص المعاني والبيان!
ويؤيِّدُ (٤) مذهب هذه الطائفة من أهل السنة قول إبراهيم الخليل - ﷺ - فيما حكى الله سبحانه عنه في غير هذه الآية في سورة العنكبوت: ﴿إنَّمَا تَعبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أوْثانًا وتَخْلُقُون إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] فنسب إليهم الخلق الذي بمعنى الكذب، وذمَّهم به لما كان من أفعالهم الاختيارية المحرمة عليهم، وإن كانوا مع ذلك تحت مشيئة الله وعلمه وقضائه وقَدَرِهِ.
ولا شك أن لأفعال العباد عند جميع فِرَق أهل السنة جهتين مختلفتين: جهة يدخلها الحسن والقبح، ومنها تُنْسَبُ الأفعال إلى العباد.
_________________
(١) في (أ) و(ش): وأنشاها.
(٢) في (أ): أو تشكيل.
(٣) في (ش): هذه الآية إلاَّ احتمل.
(٤) في (ش): ويؤكد.
[ ٧ / ١١٣ ]
وجهة لا يدخلها القبح ويدخلها الحسن وحده دون القبح، ومنها تُنسَبُ كل الكائنات إلى الله تعالى، ولكن المجادل لا يحسن منه أن يُلَقِّنَ خَصْمَه شُبهةً وإن كانت باطلةً.
ولا شك أن نسبة الأفعال إلى الله تعالى من شُبَهِ الكفار، ولذلك احتجوا بأقلِّ (١) شبهةٍ منها فيما حكى الله عنهم، وقالوا: ﴿لَو شَاءَ الله ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقد مَرَّ الجواب عليهم مُستوفىً ولله الحمد والمنة في آخر مسألة المشيئة.
فلم يكن الخليل ﵇ لِيُلَقِّنَهم أعظم من هذه الشبهة التي قد (٢) لَهِجُوا بها ودَقَّتْ (٣) على خلائق من علماء المِلَّة (٤) الإسلامية كيف إلاَّ عبَّاد الحجارة الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غِشَاوةً مع ما أُوتِيَ الخليل ﵇ من وضوح الحجة، وحُسْنِ العبارة حتى في الدعاء إلى الله تعالى، وحسن الثناء عليه.
ومن ألطف ذلك قوله ﵊: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهُو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله، وإن كانا معًا فِعْلَ الله بإجماع المسلمين، لأن سبب المرض قد يكون منه إما بتناول ما يضُرُّه، وإما بذَنْبٍ يرتَكِبُهُ، والشفاء لا يُضَافُ إلاَّ إلى الله تعالى، وإن كان العبد سببه، لأنه على كلِّ تقديرٍ من نِعَمِ الله تعالى التي يجب شكرها، وأقل الشكر الاعتراف بها.
فمن عرف مثل هذه المباحث، وتمكن من معرفة الراجح، وإلا فلا يَفُتْهُ العمل على قوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
على أن الحاكم قد روى حديثًا يصلح إيراده في تفسير هذه الآية الكريمة،
_________________
(١) في (ش): لأقل.
(٢) " قد " لم ترد في (ش).
(٣) في (ش): ودق.
(٤) لفظة " الملّة " سقطت من (أ) و(ف).
[ ٧ / ١١٤ ]
ذكره في أول كتاب البر والصلة من " المستدرك " وصححه فقال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد المقرىء الشَّجَرِيُّ، حدثني أبي، عن عبيد (١) بن يحيى، عن مُعاذ بن رفاعة بن رافع الزُّرَقي، عن أبيه رفاعة بن رافع، وكان قد شَهِدَ بدرًا مع رسول الله - ﷺ - فإنه خرج وابن خالته معاذ بن عفراء حتى قَدِما مكة، فلما هبطا من الثَّنِيَّة رَأَيَا رجلًا تحت الشجرة -إلى قوله- قلنا: من أنت؟ قال: " انْزِلُوا " فنزلنا، فقلنا: أين الرجل الذي يدعي ويقول ما يقول؟ فقال: " أنا " فقلت: فاعرض فعرض علينا الإسلام، وقال: " من خلق السماوات [والأرض] والجبال؟ " فقلنا: الله، فقال: " من خلقكم؟ " قلنا: الله، قال: " فَمَنْ عَمِلَ هذه الأصنام التي تعبدون؟ " قلنا: نحن، قال: " فالخَالِقُ أحقُّ بالعبادة أم المخلوق فأنتم أحق أن يعبدوكم وأنتم عملتموها والله أحق أن تعبدوه من شيء عملتموه " إلى قوله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢).
قلت: فقال - ﷺ -: " فمن عَمِلَ هذه الأصنام التي تعملون " مقرِّرًا للحجة عليهم، ولم يقل: فمن خلق عملكم لهذه الأصنام.
وأصرح من ذلك قوله: " والله أحق أن تعبدوه من شيءٍ عملتموه " ولم يقل: من شيءٍ خلق الله عملكم فيه وعبادتكم له.
وفي تفسير كتاب الله تعالى بالرأي وعيدٌ شديد ليس هذا موضِعَ ذكره،
_________________
(١) في المطبوع من " المستدرك ": عبد، وهو خطأ.
(٢) " المستدرك " ٤/ ١٤٩ - ١٥٠، قلت: وفي تصحيح الحاكم لإسناده نظر، فقد تعقبه الذهبي في " تلخيصه " بقوله: يحيى الشجري -والد إبراهيم- صاحب مناكير، قلت: وابنه إبراهيم لين الحديث، وعبيد بن يحيى مجهول، لم يرو عنه غير يحيى بن محمد الشجري هذا، ولم يوثقه غير ابن حبان ٧/ ١٥٨، وذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٦/ ٧، وابن أبي حاتم ٦/ ٥ ولم يأثرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقد وقع في هذه المصادر الثلاثة في ترجمته " معان بن رفاعة " بالنون، وهو تحريف.
[ ٧ / ١١٥ ]
ونرجو أن لا يكون العمل بمقتضى القرائن اللغوية والفِطْرية من ذلك إن شاء الله تعالى، وما (١) كَثُرَ فيه الإشكال، ودَقَّ فيه الاحتمال، فأعوذ بالله من الخوض فيه بآراء الرجال، وهذا المستند الذي معي قد أبْدَيْتُ صفحته للناظرين، فمن عرف خيرًا منه وأوضح وأبيَنَ فَلْيَتَّبِع الهدى، ولا يَمِلْ عن الأقوى، فإن ذلك صنيع أهل الأهواء، وما أصبت فيه فبحمد الله ومشيئته وحُسْنِ توفيقه، وما أخطأت فيه فبسُوء اختياري، والله سبحانه من ملامته بريءٌ كما صح عن أبي بكرٍ وعمر أنهما قالا ذلك كما سيأتي بيانه.
وكما صح عن ابن مسعود أنه قال مثل ذلك في قصة بَرْوَعَ بنت واشِقٍ وهو المُجَارُ على لسان محمد عليه أفضل الصلاة والسلام كما يأتي بيان صحة ذلك ونظائره في آخر خاتمة هذه المسألة الجليلة إن شاء الله تعالى، وبيان تواتر نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصدر الأول على صحة هذه العبارة وحسنها، وعلى مطابقته لقواعد فِرَقِ أهل السنة الجميع، ولله الحمد.
وأما الحديثان النبويَّان:
فالحديث الأول: ما حكى البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " (٢) عن الإمام الحافظ أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى أنه روى -يعني في غير " الصحيح "- فقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي (٣) الهيثم المُطَّوَّعي ببخارى، أخبرنا محمد بن يوسف الفِرَبْرِي، قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري (٤) يقول: حدثنا علي بن عبد الله -يعني: ابن المديني- حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك، عن رِبْعِيِّ بن حِرَاش، عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله يصنع كل صانع وصنعته " وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿والله خَلَقَكُم ومَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] (٥).
_________________
(١) في (ش): ومتى.
(٢) ص ٢٦٠.
(٣) " أبي " سقطت من (أ) و(ش).
(٤) في " خلق أفعال العباد " (١١٧).
(٥) إسناده صحيح. أبو مالك: هو سعد بن طارق الأشجعي. وأخرجه الخطيب =
[ ٧ / ١١٦ ]
ذكره البيهقي في باب الفرق بين التلاوة والمَتْلُوِّ.
وقال في باب بدء الخلق من " الأسماء والصفات " (١) أيضًا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد الفقيه (٢)، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن رِبْعي بن حِرَاش، عن حذيفة، عن رسول الله - ﷺ - بالحديث كما تقدم.
انتهى ما أورده البيهقي رحمه الله تعالى.
وخرج البزار هذا الحديث في " مسنده " (٣) ولفظه: " خلق الله كل صانعٍ وصنعته ". قال الهيثمي (٤) ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن عبد الله أبي الحسين بن الكردي، وهو ثقةٌ.
ومعنى هذا الحديث معنى صحيح، يشهد له ما نصَّ الله سبحانه عليه من تعليمه بالقَلَمِ، ومنَّ (٥) بذلك على عباده، وهو نصٌّ في أنه سبحانه المعلِّمُ لصنعة
_________________
(١) = البغدادي في " تاريخه " ٢/ ٣٠ - ٣١ عن محمد بن علي بن أحمد المقرىء، عن محمد بن عبد الله النيسابوري أبي عبد الله الحافظ، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٣٥٨)، والبزار (٢١٦٠)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢٦ من طرق عن مروان بن معاوية الفزاري، به. وأخرجه ابن أبي عاصم (٣٥٧)، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ٢٠٤٦، والحاكم ١/ ٣١ - ٣٢ من طريق الفضيل بن سليمان، عن أبي مالك الأشجعي، به. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٢) ص ٣٨٨، وهو في " المستدرك " للحاكم ١/ ٣١، وأخرجه عنه البيهقي أيضًا في " الاعتقاد " ص ١٤٤.
(٣) في " المستدرك ": محمد بن يوسف الفقيه، ويوسف جده. انظر: " سير أعلام النبلاء " ١٥/ ٤٩٠ - ٤٩٢.
(٤) (٢١٦٠) " كشف الأستار ".
(٥) في " المجمع " ٧/ ١٩٧.
(٦) في (أ): وما، وهو خطأ وقد كتبت فوقها على الصحيح، وفي (ش): وامتن.
[ ٧ / ١١٧ ]
الكتابة، وليس فيه حجةٌ على خلق الأفعال، إذ ليس كلُّ فعلٍ يسمى صنعةً، فإن الصنعة اسمٌ لُغَوي تختصُّ بما يحتاج إلى علاجٍ ويُفهَمُ، بحيث يختص به بعض العقلاء في الحقيقتين اللغوية والعُرفية، وهي مقدَّمةٌ على اللغوية، ومنتهى الأمر أن هذا محتملٌ، والقطع ببطلانه في الظنِّيَّات حرامٌ إلاَّ بدليلٍ، كيف في القطعيات؟!
الحديث الثاني: عن عائشة ﵂، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " إن الله تعالى حين يريد أن يَخْلُقَ الخلق يبعث ملكًا فيدخُلُ الرحم، فيقول: يا رب ماذا؟ فيقول: غُلامٌ أو جاريةٌ، فيقول: يا رب، شقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقول: شقيٌّ أو سعيدٌ، فيقول: يا رب، ما أجله ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا، فما من شيءٍ إلاَّ وهو يُخْلَقُ معه في الرحم " (١).
قال الهيثمي (٢): رواه البزار ورجاله ثقات.
قلت: فيه الاشتراك في لفظة الخلق، فقد تكون بمعنى التقدير ومعناه هنا (٣) صحيحٌ ولا نزاع فيه، وقد تكون بمعنى الإيجاد ولا يَصِحُّ هذا المعنى، لأن العمل غير موجودٍ في الرحم، ولأن سياق الحديث يدلُّ على ذلك من أوله، وانما ذكر الخلق في آخره ليُتَرجِمَ عما تقدم في أوله من الأمور التفصيلية، فكأنه قال: ما مِنْ شيءٍ من الذُّكورة (٤) والأُنُوثة، والرزق والأجل، والسعادة والشقاوة، إلا يُخلَقُ في الرحم.
فهذان الحديثان أقوى ما عرفت في ذلك، ولم يذكروا منهما إلاَّ حديث حُذيفة، ولعلهم إنما تركوا حديث عائشة لظهور الأمر (٥) فيه، وأن الخلق فيه بمعنى التقدير.
_________________
(١) أخرجه البزار (٢١٥١)، ونسبه الحافظ المزي في " تهذيب الكمال " ٥/ ١١٠ إلى أبي داود في " القدر ".
(٢) في " المجمع " ٧/ ١٩٣.
(٣) في (ش): هذا.
(٤) في (أ): الذكور.
(٥) في (ش): الأثر.
[ ٧ / ١١٨ ]
وأما ما رواه الطبراني (١) عن ابن عباسٍ، عن النبي - ﷺ - " أنه قال: قال الله ﷿: أنا خلقت الخير والشر، وطوبى لمن قَدَّرْتُ على يديه الخير، وويلٌ لمن قدَّرْتُ على يده الشر " فلا حجة فيه لوجهين:
أحدهما: أن فيه مالك بن يحيى النُّكري، وهو ضعيف، وتكلم فيه ابن حبان (٢)، وقال البخاري: في حديثه نظر (٣)، ولم أعلم أن أحدًا وَثَّقَه.
وثانيهما: أن الخير والشر المنصوص في الحديث إنهما مخلوقان ليسا عبارةً عن الأعمال بدليل قوله: " فطُوبى لمن قَدَّرْتُ على يده الخير ". فالتقدير على اليد هو العمل، وعلى تقدير أن الخير والشر هما العمل نفسه، فإن لفظة " الخلق " مشتركة، وأحد معانيها: التقدير، وأحد معانيها: إيجاد العين، ولا يجوز القطع على أن المراد أحدُ المعنيين إلاَّ بدليل، ولا الظن إلاَّ بقرينةٍ، والقرينة هنا تدل على أنه بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد، وتلك القرينة هي قوله: فطوبى لمن قَدَّرتُ " فإن هذا أمرٌ نِيطَ بقوله: " خَلَقْتُ " وهو كالترجمة عنه، وذلك مُدرَكٌ بالذوق عند أهل اللسان، ومنتهى ما فيه أنه محتَمَلٌ، فلا يصح القطع بأنه غير مرادٍ.
ومما يصلح أن يحتج به الفرقتان الأوَّلتان من أهل السنة قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
_________________
(١) أورده السيوطي عنه في " الجامع الكبير " (١٢٧٩٧). وقال الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٩٢ بعد أن نسبه للطبراني: وفيه مالك بن يحيى النكري وهو ضعيف.
(٢) في " المجروحين " ٣/ ٣٧، قال: منكر الحديث جدًا، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد عن الثقات بالمفاريد التي لا أصول لها.
(٣) نقله عنه العقيلي في " الضعفاء " ٤/ ١٧٤، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ٢٣٧٩، ولم أره في " التاريخ الكبير " ولا في " الصغير " وكلاهما للبخاري، والمؤلف نقل كلام البخاري وابن حبان فيه من " الميزان " للذهبي ٣/ ٤٢٩.
[ ٧ / ١١٩ ]
دعوى الإجماع من السلف على خلق الأفعال والرد عليها
وتفسيرها في حديث: " كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطرة، وإنما أبواه يُهوِّدانِهِ ". الحديث (١).
وفيه ما تقدم في حديث عائشة وابن عباسٍ من الاحتمال الناشىء من الاشتراك في معنى الخلق، ويُوضِحُه أن الخلق هنا راجعٌ إلى الفِطْرَةِ.
وقد دلَّ حديث رسول الله - ﷺ - المتفق على صحته، أنها العقل القابل للإسلام حتى يخالفه الأبوان، يوضحه ما تقدم من امتناع تفسير الخلق بإيجاد الأعمال، لعدم وجودها في ذلك الوقت بالضرورة، وهذا منتهى ما عَرَفْتُ في هذه المسألة الجليلة.
وقد ادعى بعض الفرقتين الأُولَيَيْنِ الإجماع على ما اختاره، ولم يُسَلِّمْ لهم ذلك الآخرون.
والحق عندي في دعوى الإجماع في ذلك من السلف ﵃ أنه يُمكِنُ أنها صحيحةٌ على وجهٍ دون وجهٍ، وذلك أن الخلق لفظةٌ مشتركة بين التقدير ويين إيجاد الرب ﷿ للذوات، ولا شكَّ أن أفعال العباد مخلوقةٌ بالمعنى الأول: أي مُقَدَّرةٌ معلومةٌ مكتوبةٌ، مقطوعٌ بوقوعها منهم باختيارهم على جهةٍ تُوجِبُ الحجة عليهم وتقطع أعذارهم، من غير جَبْرٍ ولا سَلْبِ اختيارٍ، وفي الآثار في (٢) " الجامع الكافي " عن قدماء أهل البيت ما يكفي ويشفي.
وأما المعنى الثاني ففي دعوى الإجماع عليه بخصوصه بُعْدٌ كثيرٌ مع شهرة هذا النزاع بين متكلمي أهل السنة، فكيف بغيرهم من سائر متكلمي أهل الإسلام؟! فكيف بالسلف الذين كانوا أبعد الناس عن الخوض في مثل هذا والتنصيص عليه؟! وسيأتي قريبًا كلام القاضي عياض، والنَّواوي، وابن الحاجب في اختلاف أهل السنة في ذلك، مع ما مضى من ذلك.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الثالث ص ٣٨٧.
(٢) في (أ) و(ش): والآثار وفي، وهو خطأ، وقد نبَّه على الصواب في (أ) بخط مغاير.
[ ٧ / ١٢٠ ]
والظاهر أنه يتعذَّر نقلُ نصٍّ واحدٍ عن رجل واحدٍ منهم في ذلك بطريقٍ صحيحةٍ بل لا أعلم مثل ذلك نُقِلَ عن أحدٍ منهم بطريق ضعيفةٍ إلاَّ ما رُوِيَ عن علي ﵇ من طريق أهل البيت ﵈، وهي من أحسنِ الطُّرُق، لكنها مُنقَطِعَةٌ غير مُسنَدَةٍ، ذكرها في " الجامع الكافي " عن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي، عن علي ﵇ قال: سُئِلَ عليٌّ ﵇، فقال -يعني في أفعال العباد-: هي من الله خَلْقٌ، ومن العباد فِعْلٌ، لا يسأل عنها أحدٌ بعدي.
قال أحمد: إنما يعذب الله العباد على فعلهم، لا على خلقه.
وقال أحمد: إنها من الله خَلْقٌ، ومن العباد فعلٌ، لا أن خلق الله تقدم فعل العباد، ولا فعل العباد تقدم خلق الله. روى الجميع عنه محمد بن منصور الكوفي المرادي في كتاب أحمد، وقد تقدم من توعِير معرفة الإجماع ما يُزهِّدُ في كثيرٍ من دعاويه، فمن أشفِّ ما اعتمدوه من دعوى الإجماع أمران:
أحدهما: قول أبي عبد الله البخاري ﵀ (١)، سمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقةٌ. انتهى.
قلت: البخاري وشيخه عبيد الله بن سعيد، وشيخُه يحيى القَطَّان ﵏، أئمةٌ أثباتٌ من أجِلاَّء ثقات المسلمين لا ريب في صدقهم، لكن القطَّان كان في الطبقة السادسة، فإنه وُلِدَ سنة عشرين ومئةٍ، وتُوفِّيَ سنة ثمانٍ وسبعين ومئة، وذلك قريبٌ من رأس المئتين. وقد قال الذهبي في آخر الطبقة الرابعة من " التذكرة " (٢) وهو ما بعد المئة الأُولى إلى الخمسين ومئةٍ ما لفظه: وفي هذا الزمان ظهر بالبصرة عمرو بن عُبيد العابد، وواصل بن عطاء الغَزَّال، ودعوا إلى
_________________
(١) في " خلق أفعال العباد " (١٢٥). وأورده عن البخاري: البيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢٦٠، وفي " الاعتقاد " ص ١٠٩ - ١١٠، والخطيب في " تاريخه " ٢/ ٣١.
(٢) ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
[ ٧ / ١٢١ ]
الاعتزال " والقول بالقدر "، وظهر بخُراسان الجَهْمُ بن صفوان ودعا إلى تعطيل الرب ﷿ وخَلْقِ القرآن، وظهر في قُبَالَتِه مقاتل بن سليمان المفسِّر وبالغ في إثبات الصفات حتى جَسَّمَ، وقام على هؤلاء علماء التابعين وأئمة السلف، وحذَّرُوا من بِدَعِهم. اننهى.
وهو يدُلُّك (١) على أن القطان وشيوخه الذين سمع منهم ما (٢) حكاه عنهم من خلق الأفعال قد كانوا بعد زوال أَلفَة الأمة، وانشقاق (٣) عصا الإجماع، وظهور الاختلاف والابتداع، فإن حملنا كلامه على ظاهر قول أصحابنا، وهو أنهم الذين يوافقونه في العقيدة من أئمة الحديث والأثر فصحيحٌ، وقد ذكرت في الفرقة الأولى أن غالب المحدِّثين على ذلك، فقد ذكر ابن الحاجب في " المنتهى " أن القول بتكليف ما لا يُطاقُ نُسِبَ إلى الأشعري لقوله بخلق أفعال العباد.
وقد نقل النواوي في كتاب الجُمُعة من " شرح مسلم " (٤) والقاضي عياض ما يدل على اختلاف بين مُتَكلِّمي أهل السنة في ذلك دع عنك غير أهل الكلام منهم، فقال في تفسير الختم على القلوب المنسوب إلى الله، دع عنك أفعال العباد (٥): قال القاضي: اختَلَفَ المتكلِّمُون في هذا اختلافًا كثيرًا، فقيل: هو إعدامُ اللُّطف وإعدام أسباب الخير، وقيل: هو خلق الكفر في صدورهم، وهو قول أكثر متكلِّمي أهل السنة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل: هو علامةٌ جعلها الله تعالى في قلوبهم لتعرف بها الملائكة من تَمدَحُ ومن تذُمُّ. هذا بعد أن ذكر أن الختم بمعنى الطبع والتغطية، ومثله الرَّيْنُ، وقيل: الرَّين اليسير من الطبع، والطبع اليسير (٦) من الإقفال، والإقفال أشدُّها. انتهى كلامه.
_________________
(١) في (أ) و(ش): بذلك، وهو خطأ.
(٢) في (أ) و(ش): من، وهو خطأ، وقد نبه على الصواب في (أ).
(٣) في (أ): واشتقاق، وهو تحريف.
(٤) ٦/ ١٥٣.
(٥) عبارة " دع عنك أفعال العباد " لم ترد في (ش).
(٦) في (أ): أيسر، والمثبت من " شرح مسلم ".
[ ٧ / ١٢٢ ]
وتفريقه بينها يدلُّ على تفسيره بغير الخلق، لأن الخلق لا يكون بعضُهُ أشدَّ من بعضٍ، فثبت أن القول بخلق الأفعال على الجملة صحيحٌ عن (١) كثيرٍ من أهل السنة، شهيرٌ بينهم في العصر الذي ذكره البخاري، ولكن لا يكون ذلك روايةً لإجماع الأمة بغير شكٍّ.
وكذلك إن أراد إجماع أهل السنة على أن أفعال العباد مخلوقةٌ على الجملة، مع ما بيَّنَّاهُ من اختلافهم في تفسير ذلك صحيحٌ أيضًا.
وكذلك إن حملنا كونها مخلوقةً على كونها مقَدَّرةً بقدرٍ أن يختاروها غير مجبرين صحيح أيضًا.
وأما إن حملنا كلامه (٢) على أنه أراد بأصحابنا أهل الإسلام، وأن الخلق هو فِعلُ الله، وأن المخلوق من أفعال العباد هو القدر المقابل بالجزاء بلا خِلافٍ في ذلك فغير واضحٍ، ولا يَصِحُّ لأحدٍ أن يروي عن أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا عن قدماء التابعين في ذلك نَصًّا ولا ظاهرًا.
ولو كان شيءٌ من ذلك يصح لدوَّنَتْهُ الأئمة في دواوين الإسلام من الصِّحاح والسنن والمسانيد والتواريخ، كما دوَّنُوا كلام يحيى القطان هذا عن أهل عصره الذين لا يُوازنون عندهم صحابيًا واحدًا، وأين آثار الصحابة الصحاح فهي ثابتةٌ [ثبوت] النصوص النبوية، ولذلك دوَّنَها أهل السنة لما عُلِمَ من سلامة أذهانهم من ظلمات الشُّبَهِ وبُعْدِهم عن التكليف لتعريف العقل ما لا يعرفه، والتعرُّض لعلم ما لا يعلم، والتعاطي للدعاوي الباطلة على العقول وعلى الإسلام، وثباتهم على الفطرة التي فطر الله عباده عليها، وتركهم ما لا يعنيهم، وحفظهم لما علموه بالضرورة من نبيهم صلوات الله عليه وسلم، بل لم يذكر ذلك الإمام مالكٌ في " الموطأ "، وقد ذكر في أواخره (٣) أمثال ذلك، مثل ما ذكر ما جاء في
_________________
(١) في (ش): عند.
(٢) في (أ): كلامك، وهو خطأ.
(٣) ٢/ ٩٠٠.
[ ٧ / ١٢٣ ]
القدر ونحوه، وكذلك أمثال ذلك ممن صنَّف في ذلك العصر وتكلم في الاعتقاد، ولا ذكره من يليهم.
الأمر الثاني: ما رُوِيَ من ذلك في العقيدة الشهيرة التي رواها أبو الحسن الأشعري في كتاب " مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين " (١) وهي التي أولها: جُملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله.
قال الذهبي في ترجمة زكريا بن يحيى (٢) المعروف بالساجي في الطبقة العاشرة من " التذكرة " (٣): إن الأشعري أخذ عن السَّاجي تحرير مقالة أهل الحديث والسلف.
قال الذهبي: قال ابن بَطَّةَ: حدثنا أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي قال: قال أبي: في القول في السنة التي رأيت عليها أهل الحديث الذين لَقِيتُهم، إلى آخرها.
قال الذهبي في " الميزان " (٤) في ترجمة زكريا بن يحيى الساجي: راوي الإجماع عن أهل السنة على هذه العقيدة التي ذكر فيها إجماعهم على خلق الأفعال.
قال أبو الحسن بن القطان: إنه مُختَلَفٌ فيه في الحديث وَثَّقَه قومٌ وضعَّفه آخرون.
قلت: فبطل الاحتجاج بروايته، إذ لا قائل بتقديم التوثيق على الجرح
_________________
(١) ص ٢٩٠ - ٢٩٧.
(٢) في (أ) و(ش): يحيى بن زكريا، وهو خطأ.
(٣) ٢/ ٧٠٩.
(٤) ٢/ ٧٩، لكن من قوله " راوي الإجماع " إلى قوله " خلق الأفعال " ليس في النسخة المطبوعة منه!
[ ٧ / ١٢٤ ]
المتساويين (١)، على أنه إنما حكى عمن رأى من المحدِّثين، وليس ذلك من عبارات الإجماع (٢) في شيء، وعلى أن رواية الإجماع تحتاج إلى استفسارٍ لشدة الخلاف في كثيرٍ من صُوَرِهِ.
فمن الناس من يرى إجماع أهل مذهبه حجةً، بناءً على أنهم أهل الحق، وأنهم المُعتَبَرُون في الإجماع، وهذا كثيرٌ.
ومن الناس من يرى عدم علمه بإنكار القول بعد إنتشاره دليلًا على إجماع الباقين على موافقة المتكلم، وهذا كثيرٌ أيضًا.
على أن في هذه العقيدة التي أخذها الأشعري عن الساجي ما لفظه: ويقرون أن الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيدُ وينقُصُ، ولا يقولون: مخلوقٌ ولا غيرُ مخلوقٍ، مع قوله فيها: وعلى أن أعمال العباد يَخلُقُها الله.
فهذا يدل على ما رواه الرازي والشهرستاتي والبيضاوي أن الأشعري لا يجعل الأعمال المخلوقة هي مَورِدُ التكليف، ويجعله ما ليس بمخلوقٍ، إذ لا يمكن حمله على التناقض الصريح في كلامٍ واحدٍ متقاربٍ، مع أن الرجل من أئمة النظر وأهل الحِذْقِ بالكلام والجدل.
أو يكون أراد بالخلق الذي أثبته التقدير، وبالخلق الذي لم يُثْبِتْهُ الفعل، فلا شكَّ في خلق الأفعال بمعنى تقديرها فيهم، وعبارة من ادَّعى الإجماع محتملةٌ لذلك، والله سبحانه أعلم.
وكذلك عقيدة أهل السنة التي رُوِيَتْ عن حرب بن إسماعيل الكَرْمَاني صاحب أحمد بن حنبل عن أهل السنة، ليس فيها ذِكْرُ خلق الأعمال البتة، وإنما فيها ذكر مشيئة الله تعالى، وذلك يُفَسِّرُ القدر، وبين المسألتين فَرْقٌ كما مرَّ تقريره في تفسير القدر في آخر مسألة المشيئة في المرتبة الثانية.
_________________
(١) في (ش): المساويين.
(٢) في (أ): الإيمان، وكتب فوقها الصواب كما هو مثبت، وفي (ش): الإثبات.
[ ٧ / ١٢٥ ]
على أن الذهبي نصَّ في " النبلاء " (١) في ترجمة أحمد على وضع تلك العقيدة على الإمام أحمد ﵀، فقال بعد أن أسندها وذكر شيئًا من ألفاظها، ما لَفْظُه: إلى أن ذكر بهتًا (٢) من هذا الأُنمُوذَج المنكَر، والأشياء التي والله ما قالها الإمام أحمد، فقاتَلَ الله واضِعَها، فانظر إلى جهل المحدِّثين يروون مثل هذه الخُرافة ويسكُتُون. انتهى كلام الذهبي.
وقد ذكرته في الذبِّ عن أحمد رحمه الله تعالى، وأعدته هنا لعلَّ المحدِّثين يتنَبَّهُون لمثل ما كان الذهبي ﵀ يَتَنَبَّهُ له من هذه البواطل التي تشتهر ولا أصل لها.
وبعد أن نقل الإجماع واحدٌ فقد ينقله خلقٌ كثير مستندين إلى ذلك الواحد كما نقله أبو محمد بن حزم في كتابه " الإجماع "، ونقله عنه الفقيه جمال الدين الرَّيْمِي (٣) في كتابه في " الإجماع " فلا تفيد كثرة النَّقَلَةِ من المتأخِّرين قوَّة الظن بسبب ذلك.
وهذا آخر ما وعدت بذكره في القسم الثاني من أدلة أهل السنة على خلق الأفعال التي اختلفوا فيها، واختص بها الفرقتان الأوَّلَتَان منهم من أصحاب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (٤)، ولم يحتج إليها جمهورُ الأشعرية أصحابُ
_________________
(١) ١١/ ٣٠٣.
(٢) في (أ): هنا، وفي " السير ": أشياء.
(٣) هو محمد بن عبد الله بن أبي بكر الحُثَيثي الصردَفي جمال الدين الريمي، فقيه شافعي، اشتغل بالعلم وتقدم في الفقه، وصنف التصانيف النافعة، منها " شرح التنبيه " و" المعاني الشريفة " و" بغية الناسك في المناسك " و" خلاصة الخواطر " و" اتفاق العلماء " -وهو الذي أشار إليه المصنف وسماه " الإجماع "- توفي سنة ٧٩٢ هـ. والصردفي والريمي نسبة إلى ناحيتين في اليمن. انظر ترجمته في " إنباء الغمر " ٣/ ٤٧ - ٤٨، و" الدرر الكامنة " ٣/ ٤٨٦، كلاهما لابن حجر، و" العقود اللؤلؤية " للخزرجي ٢/ ٢١٨، و" شذرات الذهب " للعماد ٦/ ٣٢٥.
(٤) في (أ) و(ش): الأشعري، وهو خطأ، وقد كتبت على الصواب في (أ) فوق الكلمة الأولى.
[ ٧ / ١٢٦ ]
بحث في إيراد النصوص عن أهل السنة على ثبوت الاختيار
الكسب أتباع القاضي أبي بكر الباقلاني، وأصحاب ابن تيمية وإمام الحرمين، وما قصدتُ بجميع ما ذكرته إلاَّ نصيحة المسلمين، وبراءة أئمة السنة من نفي الاختيار.
ثم أختِمُ الكلام في هذه المسألة العظمى بما يُؤيِّدُ ما ذكرتُه من براءتهم عن نفي الاختيار بذكر فصلٍ أُورِدُ فيه جُملةً شافيةً مما وقفت عليه من نصوصهم الدالة على تواتر ذلك لاختلاف أهلها بُلدانًا وأزمانًا وأسبابًا (١)، ولا أُمَيِّزُ من هو من الفرقة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة في هذا الفصل، وبالله التوفيق.
فمن ذلك قول صاحب " الخارقة " في أوائلها: خلق الله الفعل (٢) في عبده لا يؤدي إلى الإجبار، كما أن علمه بوجوده ووقوعه في محلٍّ مخصوص ووقتٍ مخصوص لا يؤدي إلى الإجبار، وإلا فما الفرق بين الأمرين، إذ ما عُلِمَ، فلا بُدَّ من وجوده، وما خُلِقَ فلا بد من حدوثه إلى قوله: فليت شعري، أي الأمرين أسلم، أنُصَدِّقُ الله تعالى فيما قال، ونَرجِعُ على أنفسنا باللوم والتعيير فيما خالفنا فيه الشريعة؟ أم نقول: نحن مُستَبِدُّون بخلق أفعالنا ولا يقدر الله تعالى على خلق شيء منها؟
إلى قوله: فقد بان أنَّ مقالة المُجْبِرَةِ: إن الإنسان مُجبَرٌ على جميع أفعاله، مُلجَأٌ إليها، مُضطَرٌّ إلى فعلها، وأنه لا فعل له أصلًا، تجويرٌ للبارىء وإبطالٌ للتكليف (٣)، وحَسْمٌ لباب الثواب والعقاب، ومَقالَةُ القدرية تجهيلٌ للبارىء بأمر خلقه، وتعجيزٌ له عن تمام مشيئته فيهم، وكلا الصِّفَتَيْنِ لا تليق بمن وصف نفسه بأنه أحكم الحاكمين، وأقدر القادرين.
فظهر لك أن أهل السنة والجماعة قد سَلَكُوا طريقةً سليمةً من شناعة المقالتين،
_________________
(١) في (أ): وإنسانًا، وهو تحريف.
(٢) " الفعل " لم ترد في (أ)، وقد أُلحقت في (ش) إلحاقًا بخط مغاير.
(٣) في (أ): التكليف.
[ ٧ / ١٢٧ ]
مُنتَظِمَةً لكل واحدٍ من الطرفين، ارتفعت عن تقصير الجبربة، وانحطت عن غُلُوِّ القدرية.
إلى قوله: وقد رُوِيَ عن جعفر بن محمد عليه وعلى آبائه السلام أن رجلًا قال له: العباد مجبُورُون؟ فقال: الله ﷿ أعدَلُ من أن يُجبِرَ عبده على معصيته، ثم يُعَذِّبَه عليها، فقال له السائل: فهل أمرُهم مُفَوَّضٌ إليهم؟ فقال: الله أعزُّ من أن يُجَوِّزَ في مُلكِهِ ما لا يريد، فقال له السائل: فكيف ذاك إذًا؟ قال: أمرٌ بين الأمرين، لا جَبْرٌ ولا تفويضٌ.
فبنى أهل السنة تفريع مقالتهم هذه على أصل الغَرَض منه أن لله تعالى علم غيبٍ سَبَقَ بكلِّ ما هو كائن قبل كونه، ثم خلق الإنسان فجعل له عقلًا يُرشِدُه، وقدرةً يصح بها (١) تكليفه، ثم طوى علمه السابق عن خلقه، وأمرهم ونهاهم، وأوجب عليهم الحجة من جهة الأمر والنهي الواقعين عليهم، لا من جهة علمه السابق فيهم، فهم يتصرفون بين مطيع وعاصٍ، وكلهم لا يعدو علمه السابق فيهم (٢)، وليس في علم الله الأمور إجبارٌ على ما توهَّمَه المُجبِرُون، ولا تَتِمُّ الاستطاعة على ما يهُمُّ به من الأمور إلاَّ بأن يُعينه الله عليه، فإن عصمه مما يَهُمُّ به من المعصية، كان فضلًا، وإن وَكَلَه إلى نفسه، كان عدلًا، فإذا اعتبرت حال العبد من جهة الإضافة إلى علم الله السابق فيه، وجدته في صوره المُجْبَر، وإذا اعتبرت حاله من جهة الإضافة (٣) إلى الاستطاعة المخلوقة له، والأمر والنهي الواقعين عليه وجدته (٤) في صورة المُفَوَّض، وليس هناك إجبار مُطلَق، ولا تفويضٌ مُطلَق، إنما هو أمرٌ بين أمرين يَدِقُّ عن أفكار المُعَبِّرِين، ويُوِلهُ أذهان المتولِّهين، وهذا (٥) ما أشار إليه أهل السنة من قولهم: إن العبد لا مُوثَقٌ ولا مُطلَقٌ.
_________________
(١) في (ش): بهما.
(٢) " فيهم " سقطت من (ش).
(٣) من قوله " إلى علم الله السابق " إلى هنا سقط من (أ) و(ف).
(٤) في (أ): وجد.
(٥) في (ش): وهذا معنى.
[ ٧ / ١٢٨ ]
ولأجل هذا الإشكال والدِّقة رأى المشيخةُ من أهل السنة وجِلَّة العلماء الوقف عن الكلام في ذلك، وترك الخوض فيه، لقوله - ﷺ -: " إذا ذُكِرَ القضاء فأمْسِكُوا " (١).
فكان هذا المذهب أحسن (٢) المذاهب لمن أراد الخلاص والسلامة، لكن عند الضرورات تُباح المحظورات. انتهى بحروفه.
ومن ذلك قول البيضاوي في كتابه " طوالع (٣) الأنوار " وقد ذَكَرَ احتجاج المعتزلة بالآيات الدالة على أن أفعال الله ﷿ لا تتصف بصفات أفعال العباد من الظلم ونحوه، قال ما لفظه: أجيب بأن كونه ظلمًا اعتبار تعرُّض بعض الأفعال بالنسبة إلينا لقُصُور ملكنا واستحقاقنا، وذلك لا يمنع صدور أصل الفعل عن البارىء تعالى مجردًا عن هذا الاعتبار.
واعلم أن أصحابنا لما وجدوا تَفْرِقَةً بديهيةً بين ما يزاوله وبين ما يُحِسُّه من الجمادات ورادَّهم قائم البرهان عن إضافة الفعل إلى العبد قطعًا، جمعوا بينهما وقالوا: الأفعال واقعةٌ بقدرة الله تعالى وكسب العبد، على معنى أن العبد إذا صمَّم العزم فالله يخلق الفعل، وهو أيضًا مُشْكِلٌ، ولصعوبة هذا المقام أنكر السلف على المناظرين (٤) فيه. انتهى بحروفه.
ومن ذلك قول ابن الحاجب في كتابه " مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل " وهو كتاب مُتداوَلٌ في أيدي الزيدية في هذه الأعصار، فأحببتُ أن أستكثر النقل منه، ليتَوَضَّحَ لهم غَلَطُهم على أهل السنة في النقل، وقد ذكر ما يدل على ذلك في مواضع:
منها: نَقْضُه في مسألة التحصين والتقبيح استدلال بعض الجبرية على
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء السادس.
(٢) في (ش): آخر.
(٣) " طوالع " لم ترد في (أ).
(٤) في (ش): الناظرين.
[ ٧ / ١٢٩ ]
بطلان التحسين والتقبيح بما معناه: أن العبد غير مختارٍ، بدليل أن الفعل مع الرجحان واجبٌ، ومع عدم الرجحان ممتنع، فإن قُدِّرَ تخلُّفُه مع الرجحان ووقوعه مع عدمه، فهو اتفاقي، وأكثر من تَلَهَّجَ بهذه الرازي، لكنه رجع في " نهاية العقول " إلى أن ذلك لا يوجب نفي الاختيار كما تقدم.
قال ابن الحاجب في " المنتهى " في رد هذه الشبهة ما لفظه: وهذا ضعيفٌ، فإنا نُفَرِّقُ بين الاختيارية والضرورية ضرورةً، ويلزم عليه فعل البارىء، وأن لا يوصف بحُسْنٍ ولا قبحٍ شرعًا، والتحقيق أنه يترجح بالاختيار. انتهى كلامه.
وهو نصٌّ لا يحتمل التأويل في نفي الجبر.
ومنه قوله في المحكوم فيه، وهو من أفعال العباد ما لفظه (١): شرط المطلوب الإمكان، ونُسِبَ خلافه إلى الأشعري، ثم ذكر احتجاج من قال بذلك بأمرين:
أحدهما: أن القدرة مقارِنَةٌ للمقدور (٢).
وثانيهما: أن الأفعال مخلوقةٌ.
ثم أجاب عن الوجهين معًا بأن ذلك يستلزم أن التكاليف كلها تكليفٌ بالمستحيل، وهو باطلٌ بالإجماع.
هذا نصُّ ابن الحاجب، وفيه أوضح دليلٍ على مخالفتهم للأشعري في معنى خلق الأفعال، وفي مقارنة القدرة على ما تقدم تقريره.
وإنما قال: نُسِبَ خلافه إلى الأشعري، على صيغة ما لم يُسَمَّ فاعله، لأن الأشعري لم يَنُصَّ على التكليف بغير الممكن، ولا هو لازِمٌ له قطعًا لما تقدم
_________________
(١) انظر " مختصر ابن الحاجب مع حاشية التفتازاني " ٢/ ٩ و١١.
(٢) في (ش): لوجود المقدور.
[ ٧ / ١٣٠ ]
من نَقْلِهم عنه أنه يرى أن التكليف غير مُتَوجِّهِ إلى الفعل المخلوق عنده، وإنما هو متوجِّهٌ إلى الاختيار، وليس الاختيار عنده بمخلوقٍ إذ ليس بشيء حقيقيٍّ.
ولكن ألزمه القول بجواز التكليف بالمحال من وقف على ظاهر قوله: إن الأفعال مخلوقةٌ وإن القدرة مقارنة، وقد تقدم أنه لم يَقُلْ بذلك في مورد الطلب والتكليف، لأن المقارنة غير مؤثرةٍ ألبتة، ولا يصح أن تقارن ما وقع بها من الاختيار، وإنما تقارن المخلوق بقدرة الله تعالى.
وقال ابن الحاجب في هذه المسألة (١): لو كُلِّفُوا بعد علمهم لانتفت فائدةُ التكليف، ومثله غير واقعٍ.
وقال في المسألة الثانية (٢): لو صحَّ لأمكن الامتثال.
وقال في المسألة الثالثة في معنى الترك (٣): لا تكليف إلاَّ بفعلٍ، لنا: لو كان لكان مُستدعىً حُصُولُه منه، ولا يُتَصَوَّرُ، لأنه غير مقدورٍ له، وأُجِيبَ بمنع أنه غير مقدورٍ له كأحد قولي القاضي.
وقال في المسألة الرابعة (٤): قال الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعلٍ حال حدوثه، ومَنَعه الإمام والمعتزلة، فإن أراد الشيخ أن تعلُّقه لنفسه فلا ينقطع بعده، وإن أراد أن تنجيز التكليف به باقٍ، فتكليفٌ بإيجاد الموجود، وهو محال، لامتناع إتيان المكلَّف به (٥)، ولعدم صحة الابتلاء، فتنتفي فائدة التكليف قالوا: مقدورٌ حينئذٍ باتفاقٍ، فيصح التكليف به. قلنا: بل يمتنع (٦) بما ذكرنا.
ففي هذا التصريحُ بمخالفتهم للأشعري، والتصريح بأن الأشعري يُعَلِّلُ صحة التكليف بكونه مقدورًا، وذلك يدل على صحة ما ذكره الرازي
_________________
(١) ٢/ ١١.
(٢) ٢/ ١٢.
(٣) ٢/ ١٣.
(٤) ٢/ ١٤.
(٥) عبارة " لامتناع إتيان المكلَّف به " ليست في المطبوع من " المختصر ".
(٦) في (أ): يمنع، وفي (ش): ممتنع، والمثبت من " المختصر ".
[ ٧ / ١٣١ ]
والشهرستاني عنه من إثبات الاختيار.
وقال ابن الحاجب (١) في المحكوم عليه: الفهم شرط التكليف، لنا: لو صحَّ، لكان مُستدعىً حصوله منه طاعةً كما تقدم.
وقال فيه (٢): يصح التكليف بما عَلِمَ الآمر انتفاء شرط وقوعه من الإرادة، قالت المعتزلة: لو صح لم يكن الإمكان شرطًا فيه، وأُجيب بأن الإمكان المشروط فيه أن يكون مما يتأتَّى فِعلُه عادةً عند وقته واستجماع شرائطه كما لو جَهِلَ الآمر، وهو اتفاق.
قالوا: لو صح لصحَّ مع علم المأمور، أُجِيبَ بانتفاء فائدة التكليف وهو (٣) يطيع ويعصي بالعزم والبشر والكراهة.
وقال في البيان والمبين (٤): تأخير البيان عن وقت الحاجة مُمتنِعٌ. إلى آخر كلامه في المسألة.
وكذلك توجيهُه للصلاة في الدار المغصوبة باعتبار الجهتين، وكلامه في الواجب المخَيَّر وفي ما لا يَتِمُّ الواجب إلاَّ به، وأمثال ذلك.
كل ذلك يدل على مراعاتهم للعقل والشرع في منع المحالات، ولو تعرَّضْتُ لشرح كلامه وبيان مقاصده لطال، وبيان مأخذي من مقاصده، لطال وأمَلَّ، فمن أحبَّ ذلك فليطالع شروح كتابه.
والذي يدل على ما أنا بصدده أن شرَّاح كتابه من الأشعرية يقرِّرون ما ذكره في هذا، ولا يقدحون عليه، ولا ينسبونه إلى التفرُّد باختيار شيء، كما قد يكون من الرازي، ثم كتاب الأصل الذي مختصر المنتهى راجعٌ إليه هو تأليف السَّيف الآمديِّ، أحد أئمَّتهم في الكلام، وكتابه أحد كتبهم المشهورة، وهذه الأمورُ تفيد العلم الضروري بأنهم لا ينفون الاختيار.
_________________
(١) ٢/ ١٤.
(٢) ٢/ ١٦.
(٣) في " المختصر ": ولهذا.
(٤) ٢/ ١٦٤.
[ ٧ / ١٣٢ ]
فالعجب ممن استخرج لابن الحاجب نفي الاختيار وصريح الجبر من قوله في شرح مقدمة " الكافية " في الإعراب في المفعول به من المنصوبات في قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] أنه يفيد العموم في المخلوقات، وهذا ظن من لم يعرف مذهبهم في الشيء الحقيقي الذي يوصف بأنه مخلوقٌ.
فإن قلت: قول الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعلٍ حال حدوثه، وقوله بمقارنة القدرة صريح في التكليف بالمحال.
قلت: كلاَّ، بل فيه أقوى قرينةٍ على أنه ما أراد ذلك، فإنه لو أراد ذلك، وخَلَعَ رِبْقَةَ النظر في التمييز بين الممكن والمحال، لم يقيده بحال حدوثه ولا يشترط قدرةً مقارنةً، ولقال: إنه يصح التكليف بالفعل بعد حدوثه أبدًا، ومن غير قدرةٍ أصلًا، ولكن قد اشتهر بين أهل النظر أن العبارة قد تُوهِمُ غير مقصد العالم، لا سيما فيما كَثُرَ غموضه ولَطُفَت دِقَّتُه، ولذلك يكثر اعتراض النُّظَّار للحدود، فلا يكاد تصح عبارة مع صحة المقصود، وربما (١) تعذرت العبارات. بالمرة، وحُكِمَ بالخطأ على كل عبارةٍ كما زعم بعضهم في تحديد العلم.
والذي أحسِبُ أن الأشعري أراد به ما أراد به المعتزلة في التكليف بالمسبَّبَات بعد فعل أسبابها، وبُطلان الاختيار فيها، فإن التكليف قد يُطلَقُ ويراد به تنجيز الفعل، وليس هذا مقصودًا هنا، وقد يطلق ويراد الحكم على الفاعل باستمرار حكم الطاعة والعصيان (٢) من غير طلبٍ لتنجيز الفعل، وهذا قد يُتَصَوَّر وقوع الاختلاف فيه لدقته وغموضه، وقد وقع شيخ المعتزلة أبو هاشم في مثل هذا.
قال الجويني في " البرهان " (٣): مسألة: من تَوسَّط أرضًا مغصوبةً على علم، فهو متعدٍّ، مأمورٌ بالخروج عن الأرض المغصوبة، ثم الذي ذهب إليه أئمتنا أجمعون أنه إذا افتتح الخروج (٤) واشتد أقرب المسالك، وأخذ [فيه]
_________________
(١) في (ش): لما، وهو خطأ.
(٢) في (ش): أو العصيان.
(٣) ١/ ٢٩٨ - ٣٠٢.
(٤) " الخروج " سقطت من (أ).
[ ٧ / ١٣٣ ]
على مبلغ الجهد، فليس هو مع التَّشمير واجتناب التقصير ملابِسًا عدوانًا، بل هو منسلك في سبيل الامتثال (١).
وقال أبو هاشم: هو إلى الانفصال عاصٍ، وعَظُمَ النكير عليه من جهة أن من فيه الكلام لا يألوا جهدًا (٢) في الامتثال، وإذا كانت حركاته امتثالًا، استحال أن تكون محتسبةً عليه عدوانًا، وهذا المسلك ناءٍ عن طريق القول في الصلاة في الدار المغصوبة، فإن العدوان في تلك المسألة غير (٣) مختصٍّ بالصلاة وحكمها، فانفصل مقصود الصلاة عن مقتضى النهي عن الغصب، كما سبق مقررًا.
والأمر بالخروج فيما نحن مدفوعون إليه مباين للعُدوان على حكم المضادَّة، فكان الحكم (٤) للخارج بمُلابسة الامتثال في جهة ترك العدوان مناقضًا لاستصحاب حكم العدوان عليه، وهذا يَلزَمُ أبا هاشمٍ جدًّا، من حيث إنه جعل أكوان الغاصب خارجةً عن وقوعها طاعةً في جهة الصلاه، ورأى تقرير ذلك تناقضًا، فكيف يحكم على الخارج بالامتثال مع استمرار حكم العدوان عليه؟
والذي هو الحق عندي أن القول في ذلك معروضٌ على مسألةٍ من أحكام المظالم، وهي أن من غصب ما لا وغاب به، ثم ندم على ما تقدم وتاب (٥)، فالذي ذهب إليه المُحَصِّلُون أن سقوط ما يتعلق بحق (٦) الله يتنجز إما مقطوعًا به على رأيٍ، أو مظنونًا على رأي، وأما ما يتعلق بمطالبة الآدميِّين، فالتوبة لا تبرئُهُ منها، ولست أعني بها الغُرْمَ، وإنما أعني بها الطلبة الحاقة في القيمة.
_________________
(١) تحرفت في (أ) إلى الأمثال.
(٢) " جهدًا " ليست في (أ) و(ش)، وهي من " البرهان ".
(٣) " غير " سقطت من (أ).
(٤) في (ش): الحاكم، وهو خطأ.
(٥) في " البرهان ": وثاب، وفيه بعدها عبارة " واسترجع وآب، وأتى بتوبته على شرطها ".
(٦) " بحق " سقطت من (أ)، و(ف).
[ ٧ / ١٣٤ ]
فأما المغارم، فقد ثبتت من غير انتساب إلى المآثم، كالذي يجب على الطفل بسبب ما جنى، والسبب في بقاء المظلمة مع حقيقة الندم، وتصميم العزم على استفراغ كُنْهِ الجهد في محاولة الخروج عن حق الآدمي، أن (١) الذي تورط فيما يندم عليه، فلا (٢) ينجيه الندم ما لم يخرج عما خاض فيه.
فإذا وضح ذلك (٣) انعطفنا على عرض المسألة قائلين: من تخطى (٤) أرضًا مغصوبةً، نظر، فإن اعتمد ذلك متعدِّيًا، فهو مأمورٌ بالخروج، وليس خارجًا عن العدوان والمظلمة، لأنه كائنٌ في البقعة المغصوية والمعصية مستمرة، وإن كان في حركاته في صوب الخروج ممتثلًا للأمر، وهذه تلتفت على (٥) مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، فإنها تقع امتثالًا من وجه، وعصيانًا (٦) واعتداءً من وجهٍ، وكذلك الذاهب إلى صوب الخروج ممتثلٌ من وجهٍ، عاصٍ ببقائه من وجهٍ.
فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه متلقّىً من ارتكابه نهيًا، والإمكان مُعتَبَرٌ في المنهيات اعتباره في المأمورات، فكيف الوجه في إدامة معصيةٍ فيما لا يدخل في وسعه الخلاص منه؟
قلنا: تسبُّبُه إلى ما تورَّط فيه آخرًا سبب معصيته، وليس هو عندنا منهيًّا عن الكون في هذه الأرض مع بذله المجهود في الخروج منها، ولكنه مرتبك في المعصية مع انقطاع (٧) تكليف النهي عنه، هذا تمام البيان.
_________________
(١) في (أ) و(ش) و(ف): أنه، والمثبت من " البرهان ".
(٢) في (أ) و(ش): ولا، والمثبت من نسختين من " البرهان ".
(٣) في (أ) و(ش): لك، والمثبت من " البرهان ".
(٤) في (أ) وش و(ف): تعطا، والمثبت من " البرهان "، وقد كتبت على الصواب في (أ) فوق الكلمة تصحيحًا لها.
(٥) في " البرهان ": وهذا يلتفت إلى.
(٦) " وعصيانًا " ليست في (أ) و(ش) و(ف).
(٧) في (أ) و(ف): ارتكاب، والمثبت من (ش) و" البرهان ".
[ ٧ / ١٣٥ ]
ويظهر الغرض منه بمسألةٍ ألقاها أبو هاشم حارت فيها عقول الفقهاء، وأنا ذاكرها ومُوضحٌ ما فيها: وهي أن من توسط جمعًا من الجرحى، وجثم على صدر واحدٍ منهم، وعلم أنه لو بقي على ما هوعليه، لهلك من تحته، ولو انتقل عنه، لكان في انتقاله هلاك من انتقل إليه، فكيف حكم الله عليه؟
وهذه المسألة لم أتحصَّل فيها من قول الفقهاء على ثَبَتٍ، والوجه المقطوع به سقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سُخط الله عليه.
أما وجه سقوط التكليف، فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يُطِيقُه، ووجه استمرار حكم العصيان عليه تسبُّبُه إلى ما لا تخلُّصَ منه. انتهى كلام الجويني.
وفيه ما ترى من الإنصاف، فإنه لم يُعنِّف (١) عدوَّهم أبا هاشم، ويؤاخذه بظاهر العبارة، ويلزمه الجبر وتكليف ما لا يُطاق، بل غاص فكره اللطيف في غَمْرَةِ هذه المشكلة حتى استخرج العذر لأبي هاشم.
وكذلك يجب من المعتزلي أن يستخرج عذر أبي الحسن الأشعري كما يستخرجه حُذَّاق أتباعه، ولو فعل الفريقان هكذا لذهب عنهم نصب الشيطان، والله المستعان.
إذا عرفت كلام الجويني في مراد أبي هاشم، فاعلم أن منهم من يُسمِّي بقاء حكم العصيان تكليفًا، وإن لم يكن فيه اقتضاء فعلٍ وطلب تنجيزه، فيَنْسُبُ إليه أن يقول بتكليف المحال، ومن ذلك قول الأشعري: " لا ينقطع التكليف بفعلٍ حال حدوث " أراد استمرار الحكم من غير طلبٍ، وإنما صح استمرار الحكم عنده، لأن اختياره كان سبب خلق الله تعالى لذلك ووقوع العبد فيه، وانقطاع اختياره فيه حينئذٍ غير عُذرٍ له، لأن اختياره أوَّلًا هو كان سبب انقطاع اختياره ثانيًا، كالرامي يتُوبُ قبل أن يُصيب، ثم يصيب سهمه ويقتل، والمُلْقِي لغيره في النار يندَمُ عقيب إلقائه.
_________________
(١) في (أ) و(ش) و(ف): يغنم.
[ ٧ / ١٣٦ ]
وهذا هو معنى تكليف ما لا يطاق عند من أجازه (١) من غير طلبٍ لوقوع ما لا يطاق ممن لا يطيقه، كما سيأتي ذلك عند الكلام عليه بخصوصه، ولذلك قال ابن الحاجب فيما تقدم: إن القول بخلق الأفعال ومقارنة القدرة يؤدي إلى أن التكاليف كلها تكليفٌ بالمحال، قال: وذلك خلاف الإجماع.
ففي حكايته للإجماع هذا دِلالةٌ على أن من جوَّز ذلك جوَّزه في صورةٍ نادرةٍ، ومع نُدُور ذلك، فإنما خلاف المخالف فيه في تسمية ذلك الذي لا طلب فيه تكليفًا، كما أن من جوَّز تكليف من (٢) لا يفهم إنما أراد بذلك تنفيذ طلاق السكران، والاقتصاص منه إذا جنى، وإيجاب الأرش عليه والغرامة، وسمى ذلك تكليفًا له، ولم يُرِدْ أن الله أراد تفهيمه ما لا يفهم في حال سكره، فيجب على الوَرِعِ المتَّقي أن يَتَثَبَّت في النقل، ولذلك لم يجزم ابن الحاجب بنسبة تكليف المحال إلى الأشعري.
ومن ذلك كلام قطب الدين الشيرازي (٣) أحد أئمة المعقولات منهم، فإنه قال في شرح كلام ابن الحاجب المتقدم في بعض شبهة الراجح والمرجوح في نفي التحسين والتقبيح ما لفظه: وتوجيه الاعتراض الأول أن نقول: ما ذكرتم من الدليل تشكيكٌ في الضروريات، فلا يستحِقُّ الجواب، لأنا نُفرِّقُ بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية بالضرورة، ونُدرِكُ أن أفعالنا اختياريةٌ.
ويمكن توجيهه بوجهٍ آخر: وهو دلالة البديهة على أن البعض ليس اضطراريًا مع استلزام دليلكم كون الكل كذلك. إلى آخر كلامه في شرح بقية الحُجَجِ الثلاث المقدمة.
_________________
(١) في (ش): اختاره.
(٢) في (ش): ما.
(٣) هو العلامة محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي قطب الدين الشيرازي الشافعي، ولد بشيراز سنة ٦٣٤، له " شرح مختصر ابن الحاجب "، و" شرح المفتاح " للسكاكي، و" شرح الكليات " لابن سينا، و" شرح الإشراق " للسهروردي، وغيرها، وتوفي سنة ٧١٠. انظر " طبقات السبكي " ١٠/ ٣٨٦، و" الدرر الكامنة " ٤/ ٣٣٩ - ٣٤١.
[ ٧ / ١٣٧ ]
فانظر كيف تواتَرَتْ (١) عنهم النصوص البَيِّنَة على دعوى الضرورة في أن أفعالنا اختياريةٌ لنا، وهذا أبلغ من قول المعتزلة، فإنهم قالوا: إن علمنا بذلك استدلاليٌّ يُنسب المُنكِرُ له إلى التأويل، ويحتاج إلى المناظرة.
وإذا كان مثل هذا من المنصوص في كتبهم المتداولة في بلاد الزيدية والمعتزلة، فكيف يحسُنُ بمن يدعي العلم والتُّقى أن ينسب إليهم كما فعله هذا المعترض، وكما يفعله كثير من المعتزلة والشيعة في مصنفاتهم.
ومن ذلك قول قطب الدين الشيرازي في " شرح مختصر ابن الحاجب " في مسألة التحسين والتقبيح ما لفظه: والتحقيق في هذه المسألة أن فعل العبد جائزٌ صدوره ولا صدوره، ويترجح وجوده بالاختيار (٢).
قوله -يعني صاحب الشبهة-: الفعل مع المرجح إن كان لازمًا كان اضطراريًا، ممنوعٌ، لأن وجود الشيء بشرط الغير لا ينافي القدرة عليه، وإلاَّ لَزِمَ نفي قدرة الله تعالى لوجوب صدور المعلومات عنه بشرط إرادته الجازمة .. إلى آخر ما ذكره.
وقال الجويني في مقدمات " البرهان " (٣):
فإن قيل: ما عَلِمَ الله أنه لا يكون، وأخبر عن (٤) وَفْقِ علمه أنه لا يكون، فلا يكون، والتكليف بخلاف المعلوم جائزٌ.
قال الجويني: قلنا: إنما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدورٌ في نفسه، وليس امتناعه بالعلم (٥) بأنه لا يقع، ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه في نفسه، فالعلم يتعلق به على ما هو عليه، والعلم (٦) بالمعلوم لا يغيِّرُه ولا يوجبه، بل يتبعه في النفي والإثبات، ولو كان العلم يُؤَثِّرُ في المعلوم، لما تعلق العلم بالقديم
_________________
(١) في (أ): توارت، وهو خطأ.
(٢) في (أ) الاختيار.
(٣) ١/ ١٠٥.
(٤) في " البرهان ": على.
(٥) في " البرهان ": للعلم.
(٦) في " البرهان ": وتعلّق العلم.
[ ٧ / ١٣٨ ]
﷾، وتقريرُ ذلك في الكلام.
وقال الشهرستانيُّ في " نهايته ": ولذلك اتفق المتكلِّمون بأسرهم على أن العلم يَتْبَعُ المعلوم، فيتعلق به على ما هو عليه، ولا يُكْسِبُه صفةً، ولا يكتسب عنه صفةً.
وقال ابن عبد السلام في أواخر " قواعده " (١) في فصلٍ ذكره في البدع وأقسامها، إلى قوله: وللبِدَع المُحَرَّمة أمثلةٌ، منها: مذهب القدرية، ومنها: مذهب الجبرية، ومنها: مذهب المرجئة، ومنها: مذهب المُجَسِّمَة، والرَّد على هؤلاء من البدع الواجبة. انتهى بحروفه.
وهو يكفي في تأويل ما يخالفه من الظواهر في كتابه " القواعد "، وهذا وإن كان له عبارةٌ رَدِيَّةٌ في بعضه تُوهم أن الله تعالى عذَّب العصاة على نفس ما خلقه فيهم بغير سببٍ آخر، وهذا خطأ منه، وشرُّ عبارةٍ مع اعترافه بنفي الجبر وثبوت الاختيار، فإن المقابل بالجزاء هو غير الأمر المخلوق في السمع والعقل، ولكنهما اتَّحدا في الذات على قول، وتمايزا (٢) فيها على القول الآخر، كما مر تحقيقه، وإلا أدَّى إلى (٣) القول بالجبر الذي صح تزييفه (٤)، فتأمل ذلك.
وقال البغوى (٥) في تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]: اختلف العلماء في إسناد الختم إلى الله تعالى، فقيل: هي (٦) علامةٌ جعلها الله تعالى على قلوبهم تعرفهم الملائكة، وقيل غير ذلك،
_________________
(١) ص ١٧٣.
(٢) في (أ): ربما يرا، وهو تحريف.
(٣) " إلى " سقطت من (أ).
(٤) في (ش): ترهيقه، وهو خطأ.
(٥) " معالم التنزيل " ١/ ٤٩، ونص كلامه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أي: طبع الله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا تعي خيرًا ولا تفهمه، وحقيقة الختم: الاستيثاق من الشيء كي لا يدخله ما خرج منه، ولا يخرج عنه ما فيه، ومنه الختم على الباب. قال أهل السنة: أي حكم على قلوبهم بالكفر لما سبق من علمه الأول فيهم، وقال المعتزلة: جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها.
(٦) في (ش): هو.
[ ٧ / ١٣٩ ]
وقال أهلُ السنة: ختم الله على قلوبهم بالكفر.
وقال الشيخُ الصالح العارف شهاب الدين السُّهْرَوَرْدِي الصوفي في كتابه " عوارف المعارف " (١) في الباب الثامن والعشرين ما لفظه: ومن أولئك قوم يزعمون أنهم (٢) يغرقون في بحار التوحيد، ولا يثبتون لأنفسهم حركةً ولا فعلًا، ويزعمون أنهم مجبورون على الأشياء، وأن لا فعل لهم مع الله تعالى، ويسترسلون في المعاصي، ويركنون إلى (٣) البطالة والاغترار بالله تعالى، والخروج عن الملة، وترك الحدود والأحكام والحلال والحرام.
وقد سُئِلَ سَهلٌ عن رجلٍ يقول: أنا كالباب لا أتحرك إلاَّ إذا حُرِّكْتُ، فقال: هذا لا يقوله إلاَّ صِدِّيقٌ أو زنديق، لأن الصِّدِّيق يقول هذا (٤) إشارةً إلى أن (٥) قِوام الأشياء بالله مع إحكام الأُصول، ورعاية حقوق العبودية، والزنديق يقول ذلك إحالةً للأشياء على الله تعالى، وإسقاط اللائمة عن نفسه، وانخلاعًا من الدين ورسمه.
وقد تقدم كلام الخطابي في تفسير القضاء والقدر، وتصريحه فيه بنفي الجبر، وقد نقله عنه بلفظه النواوي في " شرح مسلم " (٦)، وابن الأثير في " جامع الأصول " (٧).
وقد بالغ شيخ الإسلام العلامة أبو العباس أحمد بن تيمية الحنبلي ﵀ في ذم الجبرية في جميع مصنفاته التي يعرض فيها ذكرهم، ومن أخصِّ ما له في ذلك كلامه في رسالته المعروفة "بالفرق بين الأحوال الربانية والأحوال
_________________
(١) ص ٧٢، وهو في الباب التاسع منه.
(٢) " يزعمون أنهم " سقطت من (أ) و(ش) و(ف)، واستدركت من " العوارف ".
(٣) " إلى " سقطت من (أ) و(ش)، وقد تصحف فيهما " ويركنون " إلى: ويركبون.
(٤) في (أ): هذه.
(٥) " أن " لم ترد في (أ) و(ش) و(ف).
(٦) ١/ ١٥٤ - ١٥٥.
(٧) ١٠/ ١٠٤ - ١٠٥.
[ ٧ / ١٤٠ ]
الشيطانية" (١) وهو قوله: ومن ظن إن القدر حجة لأهل الذنوب (٢) فهو من جنس المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الذين أشركوا لو شاء الله ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ قال الله ردًّا عليهم (٣): ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩].
ولو كان القدر حجة لم يعذب الله المكذبين للرسل، وتكلم في حديث مُحاجَّة آدم وموسى في هذه الرسالة المذكورة بكلامٍ نفيس يأتي عند الكلام على الحديث إن شاء الله تعالى.
وكذلك رفيقه في السماع وتلميذه ابن كثيرٍ رد على الجبرية بما يأتي ذكره عند الحديث.
وقال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي المعروف بابن قيم الجوزية في كتابه " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي " (٤) بعد ذكره لأنواع الشرك في الفصل الثاني الذي ترجم عليه بأنه يكشف سر المسألة ما لفظه: وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده بما لا يفعله العبد ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب ﷻ، فعاقب عبده على فعله وهو سبحانه الذي جبر العبد عليه، وجبره سبحانه على الفعل أعظم من إكراه المخلوق [للمخلوق]، فإذا كان من المستقر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعلٍ، أو ألجأه إليه، ثم عاقبه عليه، لكان قبيحًا، فأعدل العادلين، وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعلٍ لا صنيع له فيه ولا تأثير، ولا هو واقعٌ بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثم يعاقبه عليه عقوبة
_________________
(١) " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " ص ١٠٤.
(٢) " لأهل الذنوب " لم ترد في " (أ) و(ش) و(ف)، وهي من " الفرقان ".
(٣) عبارة " ردًا عليهم " من " الفرقان ".
(٤) ص ١٦٤ - ١٦٥ و١٦٦.
[ ٧ / ١٤١ ]
الأبد، تعالى عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا، وقول هؤلاء شرٌّ من قول أشباه المجوس والطائفتان (١) ما قدروا الله حق قدره.
وكذلك لم يقدُرُه حق قدره من قال: إنه يجوز أن يُعذِّب أولياءه، ويُنَعِّمَ أعداءه عقلًا، وإنما الخبر (٢) المحض جاء عنه بخلاف ذلك، فمنعناه للخبر لا لمخالفة حكمته وعدله، وقد أنكر سبحانه على من جوَّز عليه ذلك غاية الإنكار، وجعل الحكم به من أسوإِ الأحكام.
وقال في هذا الكتاب وقد ذكر أنواع المغرورين نحوًا من ذلك وأخصر (٣).
وقال في كتابه " حادي الأرواح " (٤) وقد ذكر الحديث الصحيح الذي فيه " الخير بيديك والشر ليس إليك " ما لفظه: ولم (٥) يقف على المعنى المقصود من قال: الشر لا يُتَقَرَّبُ به إليك، بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجهٍ من الوجوه، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه، فإن ذاته لها الكمالُ المطلق من جميع الوجوه، وصفاته كلها صفات [كمال] يُحمَدُ عليها ويثنى [عليه] بها، وأفعاله كلها خيرٌ ورحمة وعدلٌ وحكمة لا شر فيها بوجهٍ ما، وأسماؤه كلُّها حسنى، فكيف يضاف إليه الشر، بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصل عنه إذ فعله غير مفعوله، ففعله خيرٌ كله، وأما المفعول المخلوق ففيه الخير والشر، وإذا كان الشر مخلوقًا منفصلًا، فهو لا يضاف إليه، والنبي - ﷺ - لم يقل: وأنت لا تخلق الشر، حتى يُطلَبَ تأويل قوله، وإنما نفى إضافته إليه وصفًا وفعلًا واسمًا. انتهى.
وقد فسَّره رسول الله - ﷺ - بالحديث الآخر الذي خرجه مسلم في " الصحيح " من حديث أبي ذر ﵁، عن رسول الله - ﷺ - في الأثر الشريف الإلهيِّ الذي فيه: "يا عبادي، إنما هي أعمالُكُم أُحْصِيها عليكم، فمن وجد خيرًا،
_________________
(١) في (أ): والطائفتين، وهو خطأ.
(٢) في (أ): الجبر، وهو تصحيف.
(٣) انظر ص ٢١ وما بعدها من " الجواب الكافي ".
(٤) ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٥) في (ش): ولا، وهو خطأ.
[ ٧ / ١٤٢ ]
بحث في الاعتذار لأهل السنة عما يوهم نسبة الجبر ونفي الاختيار إليهم
فليحمد الله، ومن وجد شرًا فلا يَلُومَنَّ إلاَّ نفسه" (١).
وفيه إشارةٌ إلى ما تقدم من حكمة الله سبحانه في خلق الشُّرور الدنيوية والأخروية، وبعض أسباب الشرور الدينية، وأن فعل الله تعالى وخلقه في ذلك حَسَنٌ لوقوعه في حسان (٢)، وإن لم يُحِطِ البشر بجميع وجوه حكمته في بعض أفعاله ولا شيءٌ منها في بعضها، فالله ﷾ له الحجة الدامغة، والحكمة البالغة، والإراده النافذة، والقدرة القاهرة، والكمال المطلق، وقصورُ العبد الظلوم الجهول عن معرفة أعيان الحكم على التفصيل لا ينتهض معارضًا للبراهين القاطعة الدالة على ثبوت أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، ومن أُشْرِبَ قلبه صفو الإيمان أغناه هذا الإجمال، ومن أصابه الشيطان بشيء من شؤم الكلام، والبدع، فليراجع ما تقدم في المرتبة الرابعة في حكم الله تعالى في تقدير الشرور، وما ذكرناه في المرتبة الثانية في الحكمة في عدم هداية الجميع.
خاتمةٌ: ومما أوهم على أهل السنة أنهم يقولون بالجبر ونفي الاختيار أنهم فِرَقٌ مختلفةٌ كما تقدم في مسألة الأفعال، ومنهم من يخوض في علم الكلام ويُعَبِّرُ بعباراتٍ مبتدعةٍ، ولا يتوقف على عبارات الكتاب والسنة والسلف الصالح السالمة من الشناعة، وإيهام ما لم يُقصد.
ولنذكر من ذلك عبارةً واحدةً في كتب بعض المتكلمين من الأشعرية كالغزالي ومن تابعه من المتأخرين: وهي أن الكفر وأنواع القبائح والفواحش من الله تعالى، وأن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح مع تصريحه قبل هذا في " الإحياء " بنفي الجبر المحض، وإثبات الكسب للعبد الذي يختص باسم الكفر والقبائح (٣).
_________________
(١) تقدم ص ١٩.
(٢) في (ش): في الحكم إحسان.
(٣) في (ش): وأنواع القبائح.
[ ٧ / ١٤٣ ]
وكيف يصحُّ له مع هذا قوله: إن ذلك الكسب الذي هو كفر وكذب وفجور وظلم من الله ﷾.
بيانه: أن الكفر والمعاصي إن كانت على زعمه من الله وحده ولا أثر فيها من العبد، فهذا محض الجبر الذي اعترف ببطلانه، ففيه أيضًا نفيُ الكسب الذي اعترف بثبوته وأنه لا بد منه، وإن اعترف أن ذلك من الله ومن العبد معًا، فإما أن يقول بتمييز ما هو من الله عما هو من العبد، كقول الأشعرية بالكسب، فالذي من العبد عندهم يُسَمَّى كسبًا، والذي من الله عندهم يسمى خلقًا، لا كسبًا ولا كفرًا ولا معصيةً، والذي من العبد هو الكسب الذي هو كفرٌ ومعصيةٌ.
وكذلك إن اختار تمييز الخلق من الكسب، وقال: مقدورٌ بين قادرين، فإنهم فرَّقوا في المعنى والاسم كما تقدم تحقيقه، ولو كانت المعاصي من الله كان عاصيًا، وقد تمدح سبحانه بالمغفرة، ولا يصح لمن ليست المعاصي منه قطعًا، وإلا كان غافرًا لنفسه ﷾.
وما الملجىء إلى هذه العبارة المُوهِمَة للجبر الذي قد اعترف ببطلانه مع براءة الكتاب والسنة وعبارات السلف منها، بل مُضَادَّةٌ لذلك كله لها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وإن كانت ذهبت العلوم فأين الأدب والعقول، فيالها من زلةٍ قبيحةٍ، ونسبةٍ إلى أهل السنة غير صحيحة، بل فيها تمكينٌ لأعدائهم من التشنيع عليهم، وجنايةٌ عليهم بالتنفير عنهم، وتجهيلٌ لعوامِّهم لاعتقادهم من ظاهرها أن العبد مُجْبَرٌ غير مختارٍ، بل إنه لا فعل له ألبتة لا اختياري ولا اضطراري، لمصادمته لما جاءت به الشرائع، وعُلِمَ من الكتاب والسنة من إضافة أفعال العباد إليهم بهذه العبارة بعينها وسائر العبارات كما أُوضِحُه إن شاء الله تعالى.
ومع وضوح الخطأ في هذه العبارة على أهل السنة فقد قلَّد المُبتَدع لها كثيرون، على ظن أنها عقيدة أهل السنة.
[ ٧ / ١٤٤ ]
فإن كان المتكلم بهذا أراد الترجمة عن أوائل الخلق فإن الله تعالى خلق الكافر وقدرته والداعي له، ولم يمنعه بمانعٍ ضروريٍّ، ولا مانعٍ اختياريٍّ، ووكله إلى نفسه ليَبْلُوَه ويُقيم عليه حجة عدله، لما له في ذلك من الحكمة البالغة على ما أشار إليه قوله تعالى في أهل السعادة: ﴿وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله﴾ [التكويرة ٢٩]، وقوله تعالى في أهل الشقاوة: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وسائر ما تقدم في ذلك فهذا أمرٌ متفق عليه.
وهذه العبارة لا تدل عليه بل تُضَادُّه، لأن الله تعالى علم وقوع المعاصي من العاصي باختياره حجة عليه، وما قَدَّر الله أنه من غيره، لم يكن من الله، وإلا لكان قد انعكس عليه مراده في القدر، والقَدَرُ سَبَق بأن الحجة لله، والذنب من المذنب واقعٌ بالاختيار على وجهٍ يكون حجة عليه في علم الله وعقول العقلاء.
وقد قدمت الكلام في تسلسل الأمور وتدريجها بالحكمة البالغة إلى قدر الله وقضائه في المرتبة الأولى، وأن ذلك إجماع من يُعْتَدُّ به من المسلمين، لم يخالف فيه إلاَّ من نفى علم الغيب.
وإن كان المتكلم أراد بذلك الجبر ونفي الاختيار رد عليه بالتفرقة الضرورية بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب كرهًا كما مضى، وبالنصوص الصَّادِعَة: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢] وهو نصٌّ جليٌّ لا يمكن مدافعته البتة، ولله سبحانه الحجة البالغة.
ومن ذلك قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ومنه قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ
[ ٧ / ١٤٥ ]
سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣]، وقوله: ﴿عَلِمَتْ نفسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ إلى: ﴿يَعْلَمونَ ما تَفْعَلونَ﴾ [الانفطار: ٥ - ١٢]، وأمثال ذلك، ولا حاجة إلى التطويل فيه لعدم ظهور المنازع، وفي كتب الأشعرية مِنْ رد الجبر مثل ما في كتب المعتزلة.
وإن كان المتكلِّم بذلك أراد الترجمة بذلك عن مذهب أهل السنة أجمعين فقد فَحُشَ خطؤه، وقد مضى بيان افتراق مذاهبهم (١) وإجماعهم على نفي الجبر وإثبات الاختيار.
وإنما صواب العبارة عن مذهبهم الذي لا يفترقون فيه: أن الكفر وجميع القبائح من العباد باختيارهم بقَدَرٍ من الله سابقٍ، وتمكينٍ للعباد لاحقٍ، لما (٢) في الجمع بين التقدير والتمكين من الجمع بين حكمة (٣) الله البالغة، وحجته (٤) الدامغة، وعِزَّتِه القاهرة، ومشيئته النافذة، ومطابقة آياته الكريمة وحسنى أسمائه الشريفة، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، ومن أُمَّهاتها: الملك الحميد.
فاقتضى تفرده بكمال الملك والعزة، وعلم الغيوب، والقدرة على كل شيء، والكمال الأعظم في ذلك كله، نفوذ المشيئة وسبق القضاء، كي لا يفوت عليه مرادٌ فيما يتعلق بالعباد مثل مالا لا يتعلق بالعباد.
وهنا خالفت طوائف المبتدعة من المعتزلة والقدرية، ويكفيك في هذا المقام أن تؤمن بأن الله على كل شيء قدير، وبما ورد من آيات المشيئة مثل قوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله﴾ [التكوير: ٢٩] وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاها﴾ [السجدة: ١٣] ونحو ذلك.
وتؤمن مع ذلك بأنه حكيم في جميع ذلك، له الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، وزياده السُّنِّيِّ على هذا القدر يوقعه في نفي التقديس والتسبيح، فافهم
_________________
(١) في (ش): مذهبهم.
(٢) " لما " سقطت من (أ).
(٣) في (ش): حِكَمِ.
(٤) في (ش): حججه.
[ ٧ / ١٤٦ ]
ذلك، وكن منه على عظيم الحذر.
واقتضى تفرده بكمال الحمد والعدل والثناء والتسبيح والتقديس أوْفَرَ نصيبٍ لأفعاله الشريفة الحميدة العادلة السديدة من التنزيه والتعديل، والحكمة والترجيح، والتسبيح والتقديس، ولو على جهة الإيمان الجملي بالتأويل الذي لا يعلمه إلاَّ الله، وذلك لكمال الحجة لله تعالى على خلقه بالتمكين والإقدار والاختيار، وخلق العقول والأسماع والأبصار، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] في آيات كثيرة زاد سبحانه على ذلك القدر، فقطع كثيرًا مما لا يجب في عرف العقلاء قطعه من أعذار الجاهلين، حتى لم يَقْضِ يوم القيامة بعلمه الحق، مع حُسْنِ ذلك لو فعله، حتى أضاف إليه ما يعتاده أهل العدل وأهل العقول من الخلق من إحضار الكتب والموازين والشهود العدول، حتى أشهد الأيدي والجلود حين يَعْرِضُ المنافقون للقدح في ملائكته الشهود (١) الكرام، كما ثبت في الحديث الصحيح.
وفي نحو ذلك لقول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، فلم تمنعه عِزَّتُه القاهرة من لطيف الحكمة كما هو عادة الجبابرة، بل جمع كمال اللُّطف في العدل إلى كمال العز في الملك، وكان بذلك حميدًا مجيدًا: حميد النعوت والأسماء والأفعال، مجيد الملك والجلال والكمال، ولذلك قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وثبت في " الصحيحين " عن أعلم الخلق به محمد - ﷺ - أنه قال: " لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب " (٢).
وثبت في " صحيح مسلم " في الحديث الجليل الرَّبَّاني، الذي عَظَّمَهُ علماء
_________________
(١) " الشهود " لم ترد في (ش).
(٢) تقدم تخريجه في الجزء الخامس ص ٥٨.
[ ٧ / ١٤٧ ]
بحث في أن الاختلاف بين المعتزلة والجبرية وأهل السنة راجع إلى ثلاثة أقوال
السنة من حديث أبي ذرٍّ ﵁، أن الله تعالى يقول: " إنما هي أعمالكم أُحصيها عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد شرًا، فلا يَلُومَنَّ إلاَّ نفسه " (١).
فكيف يحسُنُ نسبتُها إلى الله تعالى من جميع الوجوه على الإطلاق، أو يحسن إيراد ما يوهم ذلك من العبارات، والله تعالى يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، و﴿تَعالَى عَمَّا يقولون﴾ [الإسراء: ٤٣] فكيف يقال فيما تعالى عنه، وسبَّح نفسه العزيزة: إنه منه.
وقد أشار الغزالي إلى هذا المعنى بعبارة أخرى في كتاب محبة الله من " الإحياء " في السبب الرابع منه.
واعلم أن جميع الاختلاف والتطويل هنا يرجع إلى ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا (٢) مشيئة، لا قبل مشيئة الله ولا بعدها، وهو قول الجبربة.
الثاني: أنه لا مشيئة لله ولا قدرة ولا أثر في فعل العبد إلاَّ الواجب عليه بعد التكليف عندهم، وهو قول المعتزلة.
وثالثها: أن للعبد مشيئةً واختيارًا وفعلًا بتيسيره (٣)، وهو قول أهل السنة.
فالمعتزلة احتجوا بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُم أنْ يَستَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨].
وأهل السنة احتجوا بقوله بعد ذلك: ﴿وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله﴾ [التكوير: ٢٩]، وكذلك: " لا حول ولا قوة إلاَّ بالله " وفي الكهف: ﴿لا قُوَّةَ إلاَّ بالله﴾ [٣٩]، وفي ن: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ١٨]، وذلك كثيرٌ معلومٌ ضرورةً.
_________________
(١) تقدم ص ١٩.
(٢) في (أ): ولا.
(٣) في (أ): وتيسيره.
[ ٧ / ١٤٨ ]
والجبرية احتجوا بقوله (١): ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨]، ﴿وما تشاؤون﴾ وترك الاستثناء فيها، فهم أَرَكُّ الفرق الثلاث. وأهل السنة أعدلهم وأوسطهم، فإنهم جمعوا بين المُطْلَق والمقيَّد، فقدموا الاستثناء المنطوق المنصوص على الإطلاقين: التخيير الذي تمسَّكت به المعتزلة، وإطلاق التعجيز الذي تمسكت به الجبرية.
وبذلك يجب العمل عند علماء الأصول في المطلق والمقيد، وعليه اجتمعت الفرق المختلفة في مسائل لا تُحصى، حيث لا عصبيَّةَ ولا هوى، وإنما أُتِيَ أهل السنة من عبارات مبتدعةٍ قبيحةٍ صَدَرَتْ من كثيرٍ من أهل الكلام منهم تُوهِمُ الجبر، وتُضادُّ الحق.
وكذلك توسَّط أهل السنة في نظر العقول، فاعترفوا بالاختيار الضروري الفارق بين حركة المختار والمفلوج والمسحوب، مع الاعتراف بالافتقار إلى الله تعالى في كل طرفة عينٍ، وعدم الاستقلال كما قال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فدل على ثبوت الاختيار والافتقار، والجبرية أنكروا الاختيار الضروري من العقل والدين، والمعتزلة أنكروا الاحتياج (٢) إلى الله ﷿ في الأفعال بعد تعلق القدرة، وما يجب عندهم من اللطف الذي يقدر على تركه منه، وذلك خلاف المعروف بين المسلمين والمعلوم من دين المؤمنين، فالله المستعان.
وقولهم: لو قَدَرَ عليه ولم يفعله كان قبيحًا، كقول الفلاسفة: لو قدر على أحسن من هذا العالم ولم يبادر بالجود به، كان بخيلًا، تعالى الله عن قول المبطلين عُلُوًّا كبيرًا.
وبالجملة: فالمعلوم من العلوم الضرورية العقلية والشرعية أن الأنبياء والكتب الربانية، وجميع الأديان، ما وردت بنفي الأفعال عن العباد، ولا بنفي المشيئة عنهم، وإنما وردت بتوقف أفعالهم ومشيئتهم على مشيئة الله وتقديره عند
_________________
(١) في (أ): بقولهم، وهو خطأ.
(٢) في (أ): الاحتجاج، وهو خطأ.
[ ٧ / ١٤٩ ]
أهل السنة، وعلى تخلية الله بينهم وبين نفوسهم على قول المعتزلة.
وكما قال أهل السنة تواردت النصوص كتابًا وسنةً، كما مرَّ وكما لا يُحصى، نحو قوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله﴾ [التكوير: ٢٩]، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
ومن ذلك الحديث المشهور في النهي عن أن يقال: " ما شاء الله وشاء فلانٌ " بل يقال: " ما شاء الله ثم شاء فلان " (١).
وكذلك قال الله: ﴿وما تشاوون إلاَّ أن يشاء الله﴾ [التكوير: ٢٩]، و﴿لا قُوَّةَ إلاَّ بالله﴾ [الكهف: ٣٩] والإجماع منعقدٌ على ذلك، فقد أجمع أهلُ السنة على وجوب كراهة الكفر والقبيح من الجهة التي صار منها كفرًا وقبيحًا، لأنه من تلك الجهة غير منسوبٍ إلى الله، بل هو منها منسوبٌ إلى كسب العبد فكيف يُنْسَبُ من حيث سُمِّيَ كفرًا وقبيحًا إلى الله تعالى وهو يجب علينا (٢) الرضا بأفعاله سبحانه، فلو صح الجميع لوجب التناقض.
وقد اجتهد أهل السنة في التبرُّؤ من الجبر، وافترقوا على فِرَقٍ كثيرة تقدم بيانها، كل منهم بين ما يتعلق بقدرة العبد أهل الكسب وغيرهم، ولولا فرارهم من الجبر، ما ذكروا الكسب (٣)، والأدلَّة عليه، وهذه العبارة تلزمهم الجبر،
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٤ و٣٩٤ و٣٩٨، وأبو داود (٤٩٨٠)، والنسائي في " اليوم والليلة " (٩٨٥)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٢٣٦) بتحقيقنا، من طرق عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن عبد الله بن يسار الجهني، عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان ". وهذا إسناد صحيح. وفي الباب عن جابر بن سمرة وقتيلة بنت صيفي الجهنية، كلاهما عند الطحاوي (٢٣٧) و(٢٣٨) و(٢٣٩). فانظر تخريجهما فيه.
(٢) في (أ): بحيث علمنا.
(٣) من قوله: " وغيرهم ولولا " إلى هنا سقط من (أ).
[ ٧ / ١٥٠ ]
وتُبطِلُ عنايتهم في التبرُّؤ منه، فثبت أنها جِنايةٌ عليهم.
يوضحه: أنها عبارةٌ توافق مذهب الجبرية الباطل بالضرورة عند أهل السنة وبالوفاق، فكيف تكون مع ذلك موافِقَةً لمذهب السنة ومُترجمةً عنه، وعن الجبر الذي هو نقيضه، فتأمَّل ذلك.
وأهلُ السنة ما أنكروا على المعتزلة إثبات أفعال العباد، ولا نِسبتها إليهم، ولا اختيارهم فيها، بل نسبوا من جحد ذلك من الجبرية إلى مخالفة الضرورة، وزادوا في دعوى الضرورة في ذلك على جمهور المعتزلة.
وإنما أنكر أهل السنة في هذه المسألة على المعتزلة، أو على أكثرهم قولهم: إن إرادة الله فيما يتعلق بهداية العباد غير نافذةٍ، وإن أفعالهم غير مقدورةٍ لله تعالى بأعيانها، مبالغةً في المنع من مقدورٍ بين قادرين، وإن الذوات غير مقدورةٍ لله ﷿ لثبوتها في الأزل، وتعجيز الرب ﷻ عن هداية العصاة واستلزام مذهبهم لذلك، وإن منعت المعتزلة من تسميته تعجيزًا مع تسميتهم له غير مقدورٍ كما مرَّ بيانه.
وأما قول أهل السنة: إن أفعال العبادِ مخلوقةٌ لله مفعولةٌ للعباد، فقد تقدم بيان مرادهم بذلك مبسوطًا، وأنه لا يقتضي سقوط حجة الله على عباده إلا الجبرية الغُلاة، أما على (١) قول الجويني وأصحابه من أهل السنة، فلأنَّ كونها مخلوقةً مُفَسَّرٌ عندهم بكونها مقدرة، لأن التقدير أشهر معاني الخلق، ولذلك ادعى فيه أنه الحقيقة دون غيره، وقد تقدم مبسوطًا، وأما بقيتهم، فلأن الخلق من الله عندهم من فعل العبد بمنزلة تمكين العباد من المسببات كلَوْنِ المداد ونحوه عند المعتزلة، فهو بمنزلة خلق القدرة والقادر، لا أنه القدر المقابل بالجزاء كما مرَّ محقَّقًا.
وقد أجمعت على تنزيه الله سبحانه من الظلم، بل من العبث واللعب،
_________________
(١) " على " سقطت من (أ).
[ ٧ / ١٥١ ]
الغلو أساس البدعة
جميعُ الشرائع السمعية والبراهين العقلية، كما اجتمعت على تعظيم جلاله، وعزته في نفاذ مشيئته، وعموم قدرته وبطلان قول المعتزلة في خلاف ذلك.
وقد بالغ أئمة الكلام من الأشعرية في نفي الجبر وتزييفه كالشهرستاني في " نهاية الإقدام "، والجويني في كتبه في الأصول والكلام، كما مضى قريبًا في مسألة الأفعال بحمد الله تعالى.
وظهر من ذلك أن الجبرية في الأفعال مثل الاتحادية في التوحيد، وذلك أن أهل الاتحاد سمعوا تعظيم المقربين لله ونسيان ما عداه، حتى جرى على ألسنتهم: أنه لا موجود سواه، أي في قلوبهم، فحسبوهم جحدوا الضرورة في وجود المخلوقات فقالوا: إن الله -تعالى عن قولهم- هو خلقه، ليصح لهم بزعمهم حقيقة التوحيد، ولا يكون مع الله سواه، فصوَّبوا عبادة الأصنام لذلك إلاَّ (١) في مجرد تحقيقها.
وكذلك الجبرية لما سمعوا تعظيم إلى ملف لمشيئة الله تعالى وتأثيرها أنكروا أن يكون لغيره سبحانه مشيئةٌ أو فِعلٌ (٢)، وجعلوا ذلك مُحَالًا وعجزًا، والرب يتعالى عنه (٣)، فلم يثبتوا قدرةً لله تعالى على أن يجعل أحد عباده قادرًا فاعلًا مختارًا.
فرجع تعظيمهم لقدرة الله تعالى إلى تهوينها، ونسبة القبائح إليه، ولم يعلموا أن مشيئة العباد وأفعالهم متى ثبتت بمشيئة الله، كان أعظم لإجلال الله وتقديسه، فاحذر مواقع الغُلُوِّ، فإنها أساس البدعة، نسأل الله السلامة.
وبعد هذا كله يجب على العبد أن ينظر فيما يحبه سيِّدُه ومولاه ثم يقصده ويتحرَّاه، وقد نظرنا في كتاب الله تعالى، فوَجَدْنا الله ﷾ يحبُّ التنزه
_________________
(١) أثبت فوقها " لا " في (ف).
(٢) في (أ): فعلًا، وهو خطأ.
(٣) العبارة في (أ) هكذا " وجعلوا ذلك محالًا ولا عجزوا الرب تعالى عنه " وفيها خلل بيّن، وكانت هكذا في نسخة (ش) لكنها صححت من قِبل قارىء النسخة.
[ ٧ / ١٥٢ ]
الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أن الكفر وكل قبيح هو من العباد
عن قبائح الأسماء والأفعال، ويحب الاتصاف بالعدل والحكمة وإقامة الحجة وإعذار الخلق (١)، وإزاحة العِلَل الباطلة وكثيرٍ من أعمال المُبْطِلين، ولولا ذلك ما كَلَّفَهم، ولا نَصَبَ لهم حِسابًا وموازين، وبعث رُسُلَهُ، وأنزل كتبه، وكتب أعمالهم، وأشهد ملائكته عليهم، فلمّا لم يقبلوهم أشهد جلودهم.
فنظرنا: هل المناسِبُ لهذا أن تُنْسَبَ ذنوبُهم إليه، ونقول: هي منه؟ أو إليهم، ونقول: هي منهم؟ فلا يشك عاقل أن القول بأنها منهم أنسب لما يحب ربُّنا لو لم يَنُصَّ على أنها منهم، كيف وقد نص عليه نصوصًا جمة كما أُوضحه الآن.
ثم قد أرشدنا إلى الأدب في العبارة فيما أنزل في كتابه على رسوله، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ومعناهما واحدٌ، لكن لما تعلق بأحدهما بعض المفاسد اللفظية كيف إلاَّ ما يُوهِمُ تَوْهِينَ حُجَجِ الله وحكمته التي شرع جميع ما ذكرنا لتقويتها وبيانها، حتى تسمى بالحق المبين ليكون آخر كلام الخلائق يوم الدِّين ﴿الحمدُ للهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠] كما جاء في الكتاب المبين.
وهذه مقدمةٌ أحببتُ تقديمها تمهيدًا لما أُورِدُه من الأدلة على بطلان هذه العبارة التي ظنَّ المغتَرُّ بها أنه ترجم بها عن مذاهب السلف وأهل السنة، بل ظن أنه ترجم بها عن الكتاب والسنة، فعَظُمَ خطؤه، وفَحُشَ في ذلك.
والأدلة على ذلك لا تُحصى، وقد رأيت أن أجعلها أنواعًا، كل نوعٍ يشتمل على الإشارة إلى أدلةٍ جَمَّةٍ.
النوع الأول: ما يَدُلُّ على أن الكفر وكُلَّ قبيح من العباد بلفظ " من " المسمى بحرف الجر الذي معناه الابتداء من غير استقصاء، فلنذكر هنا نَيِّفًا وعشرين آية من كتاب الله تعالى، من ذلك:
_________________
(١) في (أ): الحق، وهو خطأ.
[ ٧ / ١٥٣ ]
قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فجعل الظلم منهم بالنصِّ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] فجعل الكفر منهم بالنص.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].
بل قال تعالى في عقوبة الذنوب: ﴿قُل هُوَ مِنْ عِنْدِ أنفُسِكُم﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال تعالى في ذلك: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فأما قوله قبلها: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ الله﴾ بعد قوله: ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾، ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [النساء: ٧٩] فلأن المراد عقوبات الذنوب التي من فعلِ الله بالاتفاق، ولذلك قال: ﴿مَا أَصابك﴾ ولو كانت للذنوب، لقال: ما أصبت، وإنما رد عليهم بقوله: ﴿قُلْ كلٌّ من عِنْدِ الله﴾ [النساء: ٧٨] لأنهم تشاءموا برسول الله - ﷺ - فنسبوا إليه (١) عقوبات الله لهم على تركها (٢). فلا نسبوها إلى خالقها ﷾، ولا إلى فاعل سببها.
ومنه قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
ومنه قول إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
_________________
(١) في (أ): إليهم، والمثبت من (ش)، وقد أشير إلى صوابها في (أ).
(٢) في (ش): تركهم الإسلام.
[ ٧ / ١٥٤ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] ففرق بين ما هو من الله وما هو من الناس، وإن كان الكل بقدرٍ سابقٍ، فلا يقال في الجميع: إنه من الله.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا في الحلال كيف في الحرام؟!
ومنه قوله (١): ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣].
ومنه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].
ومنه قوله تعالى: ﴿ولكِنْ يَنالُه التَّقْوى مِنْكُم﴾ [الحج: ٣٧]، وهذا في طاعة الله تعالى التي يحسن إضافتها إلى فضله، ويجب حمده عليها، فكيف بمغضباته التي حرَّمها وقبَّحها، ولام فاعلها ولعنه وأعد له عقوبته.
ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
ومنه: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥].
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩].
ومنه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]
ومنه ما حكى الله عن موسى من قوله: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ﴾ [القصص: ١٥].
_________________
(١) " ومنه قوله " لم ترد في (أ).
[ ٧ / ١٥٥ ]
ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]. وقوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] وهاتان الآيتان مُصَدَّرَتان بإنما التي تقبل الحصر، وقصر ذلك على الشيطان لعنه الله.
وفي القرآن الكريم كثيرٌ من هذا بغير لفظ " من "، ومعناه معناها كقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ومن ذلك حديث أبي هريرة وأبي سعيد قالا معًا عن النبي - ﷺ - أنه قال: " إنه اصطفى من الكلام أربعًا " إلى قوله: " ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قِبَلِ نفسه كُتِبَ له ثلاثون حسنةً، وحُطَّ عنه ثلاثون سيِّئَةً " رواه النسائي واللفظ له، والحاكم في " المستدرك " بمعناه وقال: صحيح على شرط مسلم (١).
قلت: وله شاهد في كتاب الله، وهو قوله تعالى: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾
_________________
(١) النسائي في " عمل اليوم والليلة " (٨٤٠)، والحاكم ١/ ٥١٢. وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ٣١٠ و٣/ ٣٥ و٣٧، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٢٨، والطبراني في " الدعاء " (١٦٨١) عن أبي هريرة وأبي سعيد. ولفظ الحديث بتمامه مرفوعًا " إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كُتِبَ له عشرون حسنة، وحُطَّت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر، فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلاَّ الله، فمثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كُتِب له ثلاثون حسنةً، وحُطَّت عنه ثلاثون سيئة ". وأخرج أوله بنحوه النسائي (٨٤١)، وابن حبان (٨٣٦) عن أبي هريرة وحده قال: قال رسول الله - ﷺ -: " خير الكلام أربعٌ، لا يضرك بأيهنَّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ". وأخرجه كذلك أحمد ٤/ ٣٦، والنسائي (٨٤٢) من طريق أبي صالح السمّان، عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، مرفوعًا. وعلقه البخاري ١١/ ٥٧٥ في الأيمان والنذور: باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم، ولم يسم صحابيًا للحديث. وفي الباب عن سمرة بن جندب عند ابن حبان (٨٣٥)، انظر تخريجه فيه.
[ ٧ / ١٥٦ ]
[البقرة: ٢٦٥]، وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: " يا ابن آدم، ما أنصفتني، الخير منِّي إليك هابِطٌ، والشر منك إليَّ صاعدٌ " أو كما ورد، وبه يخطب خطباء المسلمين في جُمَعهم وجماعاتهم ولا ينكره مسلم.
وفي مراسيل [أبي داود] عن أبي رجاء محمد بن سيف الأزديِّ أنه سأل الحسن عن النُّشْرَةِ؟ فقال: ذكر لي عن النبي - ﷺ -[أنه قال:] " إنها من عمل الشيطان " (١).
_________________
(١) " المراسيل " (٤٥٣) بتحقيقي، عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن أبي رجاء، به. وهذا سند رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي رجاء -وسماه المزي في " التحفة ": محمد بن سيف الأزدي الحداني- فقد روى له أبو داود في " المراسيل " والنسائي، وهو ثقة. وأخرجه موصولًا الحاكم ٤/ ٤١٨ من طريق مسكين بن بكير، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: سألت أنس بن مالك عن النُّشرة، فقال: ذكروا عن النبي - ﷺ - أنها من عمل الشيطان. وقال: هذا حديث صحيح، وأبو رجاء هو مطر الورّاق (كذا سماه)، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وفي الباب ما يشهد له عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن النشرة، فقال: " هو من عمل الشيطان " أخرجه أحمد ٣/ ٢٩٤، وأبو داود (٣٨٦٨)، وسنده قوي. قال البغوي في " شرح السنة " ١٢/ ١٥٩: النشرة: ضرب من الرقية يعالج بها من كان يُظن به مس من الجن، سميت نُشرة، لأنه يُنشر بها عنه، أي: يحل عنه ما خامره من الداء، وكرهها غير واحد، منهم إبراهيم وقال سعيد بن المسيب: لا بأس بها. قال البغوي: والمنهي من الرقى ما كان فيه شرك أو كان يذكر مردة الشياطين، أو ما كان منها بغير لسان العرب، ولا يدرى ما هو، ولعله يدخله سحرًا وكفرًا. فأما ما كان بالقرآن أو بذكر الله ﷿، فإنه جائز مستحب، فإن النبي - ﷺ - كان ينفث على نفسه بالمعوذات، أخرجه البخاري (٥٧٣٥)، ومسلم (٢١٩٢) وقال - ﷺ - للذي رقى بفاتحة الكتاب على غنم: " من أين علمتم أنها رقية؟ أحسنتم اقتسموا واضربوا لي معكم بسهم " أخرجه البخاري (٢٢٧٦) وقال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله " أخرجه البخاري (٥٧٣٧) وكان رسول الله - ﷺ - يعوِّذُ الحسن والحسين: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " أخرجه البخاري (٣٣٧١). وقال جبريل - ﷺ -: "بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد =
[ ٧ / ١٥٧ ]
ومنه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فإنها تدل على أنه لا يضاف إلى الله ما فيه نقصٌ ولا قُبْحٌ.
ومنه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فدل على أن حكم الجاهلية ليس حكمًا من الله، فكذلك كل حكمٍ قبيحٍ.
ومنه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢].
ومنه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢].
ومنه: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] ففرَّق بينهما، والكل بقَدَرٍ سَبَقَ من الله، وأمثالُ ذلك كثير.
وهذا أيضًا في الأحاديث وفي آثار السلف كثيرٌ شهير، وقع في محافلهم المحشودة بجماعاتهم من غير نكيرٍ، واشتملت عليه دواوين الإسلام، وتواليفُ علماء السنة والإسلام، من غير مُناكرةٍ ولا تأويلٍ ولا معارضةٍ، فكان إجماعًا من ذلك الصدر، إذ لا يُنْقَلُ شيءٌ من إجماعاتهم إلاَّ على هذه الصفة، أو على ما هو دونها، مع إجماعهم (١) على عدم تأويل ما ذكرته من آيات القرآن الكريم، والعادة (٢) تقتضي العلم في مثل ذلك، كما تقدم في آيات المشيئة، فتأمل ذلك.
فمن ذلك ما خرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين " وأبو داود والترمذي وغيرهما من أئمة السنة من حديث أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " التَّثَاؤُبُ من الشيطان، يضحك منه إذا قال: ها ".
_________________
(١) = الله يشفيك بسم الله أرقيك" أخرجه مسلم (٢١٨٥). وروي عن عوف بن مالك الأشجعي: كنا نرقي في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: " اعرضوا علي رقاكم، فإنه لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " أخرجه مسلم (٢٢٠٠).
(٢) في (ش): اجتماعهم.
(٣) في (ش): والعبادة، وهو تحريف.
[ ٧ / ١٥٨ ]
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١)، وسيأتي كلام أئمة السنة في تفسيره.
وخرج الجماعة من حديث أبي قتادة " الرؤيا الصالحة من الله، والحُلُمُ من الشيطان " (٢).
ولمسلم مثله عن (٣) أبي هريرة، عنه - ﷺ - (٤).
وروى البخاري والترمذي والنسائي عن أبي سعيدٍ كذلك، وقال: " إنما هي من الشيطان " (٥) بالحَصْرِ.
وخرج ابن ماجه وابن عبد البر في " التمهيد " مثل حديث أبي هريرة من حديث عوف بن مالك، عن النبي - ﷺ - (٦).
وإنما تواترت النصوص في الرؤيا، لأنه يُتَوهَّمُ أنه يشتبه الأمر فيها ولا يتميَّزُ إلا بالنص.
وخرج البخاري ومسلم والأربعة وغيرهم أيضًا حديث أبي هريرة في سجود
_________________
(١) وانظر " صحيح ابن حبان " (٢٣٥٧) و(٢٣٥٨).
(٢) وصححه ابن حبان (٦٠٥٩). وانظر تخريجه فيه.
(٣) في (أ) و(ش): وعن، وهو خطأ.
(٤) " صحيح مسلم " (٢٢٦٣)، ولفظه: " إذا اقترب الزمانُ لم تكد رؤيا المسلم تكذب " إلى أن قال: " والرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدِّث المرء نفسه ". وأخرجه أيضًا أبو داود (٥٠١٩)، والترمذي (٢٢٨٠)، والنسائي في " اليوم والليلة " (٩١٠).
(٥) البخاري (٦٩٨٥) و(٧٠٤٥)، والترمذي (٣٤٥٣)، والنسائي في " اليوم والليلة " (٨٩٣)، وفي الرؤيا من " الكبرى " كما في " التحفة " ٣/ ٣٧١. واستدركه الحاكم ٤/ ٣٩٢ على الشيخين وتابعه الذهبي، فوهما!
(٦) ابن ماجه (٣٩٠٧)، وابن عبد البر في " التمهيد " ١/ ٢٨٦، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٦٠٤٢) بتحقيقنا، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٧ / ١٥٩ ]
السهو، وفيه: " إن أحدكم إذا قام يُصَلِّي جاءه الشيطان، فلَبَّسَ عليه، حتى لا يدري كم صلَّى " (١).
وفي ذلك نسبة سبب النسيان إلى الشيطان، وتخصيصه بذلك ذمًّا له، كما شهد له قوله تعالى: ﴿وما أنْسَانِيهُ إلاَّ الشيطان﴾ [الكهف: ٦٣].
وكذلك ثبت في " الصحيحين " (٢) عن عائشة، عنه - ﷺ - أن الالتفات في الصلاة اختلاسٌ يَخْتَلِسُه الشيطان من صلاة العبد.
وثبت عن ابن عمر ﵄ أنه قال في صلاة الجمعة: إنَّ تقليب الحَصَى من الشيطان (٣)، رواه مسلم في " الصحيح " وإماما أهل السنة مالك وأحمد، وأبو داود والترمذي والنسائي وذا لفظه وأحمد به.
وخرَّج أحمد في " المسند " وأبو داود، والنسائي، والحاكم في " المستدرك " من حديث أبي ثعلبة الخُشَنِي عنه - ﷺ - أنه قال: " إن تَفَرُّقكم في الشِّعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان " (٤).
_________________
(١) البخاري (١٢٣٢)، ومسلم (٣٨٩)، وأبو داود (١٠٣٠)، والترمذي (٣٩٧)، والنسائي ٣/ ٣١، وابن ماجه (١٢١٦) و(١٢١٧)، وصححه ابن حبان (٢٦٨٣).
(٢) كذا نسبه المؤلف إلى الصحيحين، وهو سبق قلم، فليس هو في " صحيح مسلم "، فقد أخرجه البخاري في " صحيحه " (٧٥١) و(٣٢٩١)، وصححه ابن حبان (٢٢٨٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) هو قطعة من حديث صحيح، أخرجه أحمد ٢/ ١٠، والنسائي ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ و٣/ ٣٦. وأخرجه من غير هذه القطعة مالك في " الموطأ " ١/ ٨٨ - ٨٩، ومن طريقه أحمد ٢/ ٦٥، ومسلم (٥٨٠) (١١٦)، وأبو داود (٩٨٧)، والنسائي ٣/ ٣٦ - ٣٧. قلت: وعزو قول ابن عمر: " إن تقليب الحصى من الشيطان " إلى هذه المصادر جملة ذهول بين كما هو واضح من التخريج، وكذلك في عزوه إلى الترمذي، فإنه لم يخرج هذا الحديث.
(٤) أحمد ٤/ ١٩٣، وأبو داود (٢٦٢٨)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " =
[ ٧ / ١٦٠ ]
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وهو كما قال، خرجه أبو دواد، والحاكم في الجهاد، والنسائي في السير.
وخرَّج الترمذي من حديث سهل بن سعد (١) مرفوعًا " الأناة من الله، والعجلة من الشيطان ". وقال: حديث حسن غريب أخرجه في كتاب البر (٢).
ومن ذلك حديث أبي هريرة المتفق على صحته " كل مولودٍ يولد على الفِطْرَة، وإنما أبواه يهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانه " (٣).
ومن ذلك حديث المستحاضة وقوله - ﷺ - فيه: " إنما ذلك رَكْضَةٌ من الشيطان " خرجه أبو داود والترمذي وأحمد، وصححاه من حديث حَمْنَةَ بنت جحشٍ (٤).
_________________
(١) = ٩/ ١٣٣، والحاكم ٢/ ١١٥، وصححه ابن حبان (٢٦٩٠).
(٢) تحرف في (أ) إلى: سعيد.
(٣) رقم (٢٠١٢). وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس بن سهل متفق على ضعفه. قلت: وفي الباب عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: " التأنِّي من الله، والعجلةُ من الشيطان " أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٤٢٥٦)، والبيهقي ١٠/ ١٠٤. وفيه سعد بن سنان وهو مختلف فيه، لكن حديثه يصلح في الشواهد والمتابعات. وأورده الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٩ وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح! كذا قال، مع أن سعد بن سنان لم يخرج له واحد منهما في " الصحيح "، والبخاري أخرج له في " الأدب المفرد " فقط. وزاد نسبته ابن حجر في " المطالب العالية " ٣/ ٣٥ إلى أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، والحارث بن أبي أسامة، وقال البوصيري في " إتحاف المهرة " ٢/ ١٤٧: رواته ثقات. وله شاهد من حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال لأشجِّ عبد القيس: " إن فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلم والأناة " أخرجه مسلم (١٧) (٢٥)، وصححه ابن حبان (٧٢٠٤). وعن الأشج العَصَري عند ابن حبان (٧٢٠٣)، وانظر تخريجه فيه.
(٤) تقدم مرارًا.
(٥) أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وأحمد ٦/ ٤٣٩، وقال الترمذي: حديث =
[ ٧ / ١٦١ ]
وقال ابن الأثير في " النهاية " (١): المعنى أن الشيطان قد وجد بذلك سبيلًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها. ذكره في حرف الراء مع الكاف.
وفي " المسند " عن ابن عباس وأبي هريرة عنه - ﷺ -: " لا تأكل الشريقة (٢)،
_________________
(١) = حسن صحيح، وكذا نقل عن أحمد أنه قال: هو حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه أيضًا الدارقطني ١/ ٢١٤، والحاكم ١/ ١٧٢ - ١٧٣، والبيهقي ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩. قال الخطابي في " معالم السنن " ١/ ٨٩ - ٩٠: أصل الركض: الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة، وتصيب برجلها، ومعناه -والله أعلم- أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها، ووقت طهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وإضافة النسيان في هذا إلى فعل الشيطان كهو في قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، وكقول النبي - ﷺ -: " إن نساني الشيطان شيئًا من صلاتي فسبحوا " أو كما قال، أي: إن لبس عليَّ.
(٢) ٢/ ٢٥٩.
(٣) كذا نقل المؤلف عن " جامع المسانيد " لابن الجوزي، وهو تصحيف صوابه " الشريطة " كما في " المسند " و" سنن " أبي داود و" مستدرك " الحاكم و" سنن " البيهقي. قال ابن المبارك: والشريطة أن يخرج الروح منه بشرطٍ من غير قطع الحلقوم. وقال الخطابي في " معالم السنن " ٤/ ٢٨١: إنما سمى هذا شريطة الشيطان من أجل أن الشيطان هو الذي يحملهم على ذلك ويحسن هذا الفعل عندهم، وأُخذت الشريطة من الشرط: وهو شق الجلد بالمبضع ونحوه، كأنه قد اقتصر على شرطه بالحديد دون ذبحه والإتيان بالقطع على حلقه. وقال الزمخشري في " الفائق " ٢/ ٢٣٣: " نهى - ﷺ - عن شريطة الشيطان " هي الشاة التي شُرِطت: أي أثر في حلقها أثر يسير كشرط الحاجم من غير فَرْي أوداج ولا إنهار دمٍ، وكان هذا من فعل أهل الجاهلية يقطعون شيئًا يسيرًا من حَلْقها، فتكون بذلك ذكية عندهم، وهي كالذبيحة والذكية والنَّطيحة. وقال ابن الأثير في " النهاية " ٢/ ٤٦٠: وفيه " نهى عن شريطة الشيطان " قيل: هي الذبيحة التي لا تقطع أوداجها، ويُستقصى ذبحها وهو من شرط الحجَّام، وكان أهل الجاهلية يقطعون بعض حَلْقها ويتركونها حتى تموت، وإنما أضافها إلى الشيطان، لأنه هو الذي =
[ ٧ / ١٦٢ ]
فإنها ذبيحةُ الشيطان" (١) وهي التي تشرق بالماء فتموت، وهو الحديث (٣٥٥) من مسند ابن عباس من " جامع " ابن الجوزي.
وقد أجمعت الأُمة إجماعًا ضروريًا أنه يجب الرضا بما كان من الله تعالى، والتحسين له، والثناء به، وأنه يجب كراهة المعاصي وسخطُها والتقبيح لها، فلو كانت المعاصي من الله لتناقض الإجماعان، واتحد محلُّ السخط والرضا.
والعجب من الغزالي أنه صرح في كتبه " منهاج العابدين إلى الجنة " وغيره أنه يجب الكراهة للمعاصي، ويجب الرضا بأفعال الله تعالى، ومع ذلك قال: إن المعاصي من الله، وقال أيضًا: إن الجبر باطلٌ بالضرورة، فما الفرق بين القول بالجبر، والقول بأن المعاصي من الله ﷾.
ومن ذلك حديث ابن عباس: ماتت زينب بنت رسول الله - ﷺ - فبكت النساء، فجعل عمر يَضْرِبُهُنَّ بسوطه، فأخذ رسول الله - ﷺ - بيده، وقال: " مهلًا يا عمر، إنه ما كان من العين والقلب فمن الله، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان ".
رواه أحمد وابن تيمية في " المنتقى " (٢).
_________________
(١) = حملهم على ذلك، وحسَّن هذا الفعل لديهم، وسوَّله لهم. قلت: ولم يتنبه إلى هذا التصحيف ابن الجوزي، فقال في " غريب الحديث " ١/ ٥٣٤: ولا أحسبها إلاَّ التي تَشْرَق بالماء فتموت، وأخذه عنه ابن الأثير في " نهايته " ٢/ ٤٦٥، فتبعهما ابن الوزير على ذلك.
(٢) أخرجه أحمد في " المسند " ١/ ٢٨٩، وأبو داود (٢٨٢٦)، وابن حبان (٥٨٨٨)، والحاكم ٤/ ١١٣، والبيهقي ٩/ ٢٧٨، وصحح الحاكم إسناده ووافقه الذهبي! مع أن فيه عمرو بن عبد الله بن الأسوار اليماني، وهو ضعيف.
(٣) تحرف في (أ) و(ش) إلى: المنتهى، وقد كتبت على الصواب في (أ) فوقها. والحديث في " مسند أحمد " ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨ و٣٣٥ وفي سنده علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف. وانظر " نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار " ٤/ ١٤٩. =
[ ٧ / ١٦٣ ]
فهذه خمسة عشر حديثًا، عن أبي هريرة منها ست، وعن ابن عباس حديثان، وبقيتُها عن ابن عمر بن الخطاب وعائشة وأبي ثعلبة، وسهل بن سعد، وأبي قتادة، وأبي سعيدٍ، وعوف بن مالك، وحَمْنَة بنت جحش من غير استقصاءٍ، ومن غير الآثار الموقوفة على (١) الصحابة كما نذكره الآن عن ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وأبي بكر الصدِّيق، وعلي ﵇.
قال الإمام الحافظ أبو داود في " سننه، (٢) المشهورة، التي هي أحد دواوين الإسلام، في كتاب النِّكاح في باب من تزوج ولم يفرض صداقًا: حدثنا عُبيد الله (٣) بن عمر هو القواريري، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن خِلاَس وأبي حسان، كلاهما عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود أنه أُتِي في مسألةٍ فاختلفوا إليه شهرًا، أو قال: مراتٍ، قال: فإني أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان (٤).
_________________
(١) = وأخرجه ابن سعد في " الطبقات " ٨/ ٣٧، إلاَّ أنه قال في روايته " رقية بنت رسول الله " بدل " زينب "، وفيه أيضًا علي بن زيد بن جدعان.
(٢) في (أ): عن.
(٣) (٢١١٦).
(٤) في (أ) و(ش): عبد الله، وهو خطأ.
(٥) إسناده صحيح على شرط الشيخين، غير أن أبا حسان -وهو الأعرج- أخرج له مسلم فقط، ورواية يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط. قلت: وقد فات المزي أن يذكره في " تحفة الأشراف " في ترجمة عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمه عبد الله بن مسعود، ويظهر أن النسخة التي اعتمدها من " السنن " لم يكن فيها هذا الحديث، بدليل أنه لم يرمز بـ " د " على رواية خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة بن مسعود في تراجم الثلاثة من كتابه " تهذيب الكمال ". وأخرجه أيضًا أحمد ١/ ٤٤٧ عن محمد بن جعفر، والبيهقي ٧/ ٢٤٦ من طريق عبد الوهَّاب بن عطاء، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ٤/ ٢٧٩ عن أبي داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن خلاس وحده، به.
[ ٧ / ١٦٤ ]
وقال إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل في مسند الجَرَّاح بن أبي الجراح من " مسنده " (١): قرأتُ على يحيى بن سعيدٍ، عن هشام قال: حدثنا قتادة بالحديث المتقدِّم ولفظه: " فإن أصَبْتُ فالله ﷿ يُوفِّقُني لذلك، وإن أخطأتُ فهو مِنِّي ".
وفي الباب عن علي ﵇ وأبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ﵃.
أما عليٌّ فهو إمام التنزيه لله تعالى، وهو في كلامه كثيرٌ غير قليلٍ، وذكر ابن حجر أن هذه العبارة قد وُجِدَتْ في كلامه ﵇ في حكم أم الولده، ولم أقف عليها بنصِّها.
وأما أبو بكر، فإنها مشهورة عنه في الكلالة فإنه قال فيها: أقول فيها برأيي فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني وأستغفر الله.
رواه ابن حجر في " التلخيص " (٢) في كتاب القضاء (٣)، وذكر سنده عن عبد الرحمن (٤) بن مهدي، عن حماد بن زيدٍ، عن سعيد (٥)، عن محمد بن سيرين قال: لم يكن أحدٌ أهيب لِمَا لم يُعلَم من أبي بكرٍ، فإنها نزلت به فريضةٌ لم يجد لها في كتاب الله أصلًا، ولا في السنة أثرًا، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني، وأستغفر الله.
_________________
(١) هذا سبق قلم من المؤلف ﵀، فهذا الحديث بهذا السند أخرجه أحمد ١/ ٤٣٠ - ٤٣١ في مسند عبد الله بن مسعود، وليس في مسند الجراح، وهو في مسند الجراح ٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠ من طرق أخرى.
(٢) ٤/ ١٩٥.
(٣) في (أ) و(ش): النص، وهو تحريف.
(٤) في (أ) و(ش): عبد الله، وهو خطأ، والتصوبب من " التلخيص ".
(٥) " عن سعيد " سقطت من (أ) و(ش)، واستدركت من " التلخيص "، وسعيد هذا: هو ابن أبي صدقة البصري.
[ ٧ / ١٦٥ ]
إجماع الصدر الأول على تنزيه الله تعالى من إضافة الخطأ إليه
قال ابنُ حجر: وأخرجه قاسم بن محمد في كتاب " الحُجَّة والرد على المقلِّدين " (١).
وروى ابن حجر في كتابه هذا أيضًا (٢) أن البيهقي روى من طريق الثوري، عن الشيباني (٣)، عن أبي الضُّحى، عن مسروق قال: كتب كاتبٌ (٤) لِعُمَرَ: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين، فانتهره عمر، وقال: اكتب: هذا ما رأى عمر، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن عمر (٥).
قال ابن حجر: إسناده صحيح.
قلت: وروى الذهبي في ترجمة عَمَّار من " النبلاء " (٦) مثله عن عُمَرَ في قصةٍ أخرى من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، وهما من رجال الجماعة.
فدلَّ ذلك على إجماع الصدر الأول على تنزيه الله تعالى من إضافة الخطأ إليه، كيف الكفر وجميع المعاصي والفواحش والكذب والرذائل؟! تعالى الله عمَّا يقول الكاذبون عليه (٧) عُلُوًّا كبيرًا، بل ما زال هذا إجماع من يُعتَدُّ به من المسلمين، فقد ذكر الذهبي في " الميزان " في ترجمة محمد بن علي (٨) بن عطية
_________________
(١) زاد في " التلخيص ": وهو منقطع. قلت: وجه الانقطاع فيه أن محمد بن سيرين لم يدرك أبا بكر.
(٢) ٤/ ١٩٥.
(٣) تحرف في (أ) و(ش) إلى: سفيان. والشيباني: هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان.
(٤) في (أ): كنت كاتب، وكان في أصل (ش): كتب كاتب، بالرفع فصححها قارئها إلى " كاتبًا "، وهو خطأ.
(٥) " سنن البيهقي " ١٠/ ١١٦.
(٦) " سير أعلام النبلاء " ١/ ٤٢٣.
(٧) " عليه " لم ترد في (ش).
(٨) في (أ) و(ش): علي بن محمد، وهو خطأ وقد كتب على الصواب فوق الاسم في (أ). وهو في " الميزان " ٣/ ٦٥٥.
[ ٧ / ١٦٦ ]
أبي طالب المكي أنه وعظ في بغداد (١)، فقال: إنه لا أضرَّ على المخلوقين من الخالق، فبدَّعوه (٢) وهجروه.
وهذا في الضُّرِّ وسيأتي الكلام عليه، كيف في جميع القبائح الخبيثة؟!
وهذا إشارةٌ إلى كلام (٣) أهل السنة، فدَلَّ على أنهم أبرياء من هذه البِدعَةِ، وإن تكلم بها بعض من ينتسب إليهم، ثم ساق بعض هذا الكلام في أثر عبد الله بن مسعود إلى آخره وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ النسائي في " سننه " التي هي أصح السنن بعد " الصحيحين " عند أئمة هذا الشأن في كتاب النكاح، في إباحة التزويج بغير صداق: حدثنا علي بن حُجْرٍ، حدثنا عليُّ بن مُسْهِر، عن داود بن أبي هندٍ، عن الشَّعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود بنحوه ولفظه: فاختلفوا إليه فيها شهرًا قال: سأقول فيها بجَهْدِ رأيي، فإن كان صوابًا فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأً فمِنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه براءٌ (٤).
ورواه النسائي أيضًا (٥) من طريق زائدة بن قُدَامة، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود كلاهما عن ابن مسعود ولفظه: " فإن كان صوابًا فمِنَ الله " وقد تفرَّد زائدة بذكر الأسود.
وذكر ذلك أبو السَّعادات ابن الأثير في كتابه الجليل المعروف بـ "جامع
_________________
(١) في (أ) و(ش): في مكة، وهو خطأ، والتصويب من " الميزان " و" تاريخ بغداد " ٣/ ٨٩.
(٢) في (أ): فبدعونه، وهو خطأ، وكتبت فوق الكلمة على الصواب.
(٣) " كلام " ليست في (أ) و(ش)، لكنها أضيفت إلى (ش) بخط مغاير.
(٤) إسناده صحيح على شرط مسلم. وهو في " السنن " ٦/ ١٢٢ - ١٢٣، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢ عن ابن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، بهذا الإسناد. وصححه ابن حبان (٤١٠١) لكن ليس فيه " ومن الشيطان ".
(٥) ٦/ ١٢١، وصححه ابن حبان (٤١٠٠).
[ ٧ / ١٦٧ ]
الأصول" (١) في الفرع الأول من الفصل الثاني من كتاب الصَّداق من حرف الصاد، وعَزَاه إلى أبي داود والنسائي.
وذكره الحافظ أبو الحَجَّاج المِزِّي الشافعي في كتابه الجليل المسمى " تحفة الأشراف في علم الأطراف " (٢) في مسند معقل بن سنان.
وذكره إمام الشافعية في عصره صاحب كتاب " البدر المنير " في الكلام على أحاديث الرافعي الكبير في كتاب الصداق منه، فقال ما لفظه، وقد أورد طرقه المختلفة فيه: وهو المسند كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال (٣) الحافظ ابن النحوي: هذا حديثٌ صحيح، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وابنُ حِبَّان في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك " من رواية معقل بن سنان، وقال الحاكم: على شرط مسلم.
وقال ابن حزم في رسالته الكبرى في إبطال القياس: لا مَغْمَزَ فيه لصحة إسناده.
ونقل الرافعي عن صاحب " التقريب " (٤) أنه صحَّح الحديث وأنه قال:
_________________
(١) ٧/ ١٧ الطبعة الشامية بتحقيق صاحبنا العلامة الشيخ عبد القادر الأرنؤوط نفع الله به.
(٢) ٨/ ٤٥٦.
(٣) في (أ): وقال.
(٤) هو الإمام الجليل القاسم بن محمد بن علي الشاشي، ولد الإمام الجليل القفَّال الكبير، وكتابه " التقريب " شرحٌ على " المختصر " للمزني، وهو شرح جليل استكثر فيه من الأحاديث ومن: نصوص الشافعي، بحيث إنه يحافظ في كل مسألة على نقل ما نص عليه الشافعي فيها في جميع كتبه، ناقلًا له باللفظ بحيث يُستغنى به غالبًا عن جميع كتب الشافعي. انظر " تهذيب الأسماء واللغات " ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩، و" طبقات الشافعية " للسبكي ٣/ ٤٧٢ - ٤٧٧، و" طبقات ابن قاضي شهبة " ١/ ١٨٢ - ١٨٣، و" طبقات ابن هداية الله " ص ١١٧ - ١١٨، وذكر صاحب " هدية العارفين " ١/ ٨٢٧ أن القاسم بن محمد توفي في حدود سنة ٤٠٠ هـ.
[ ٧ / ١٦٨ ]
الاختلاف في الراوي لا يَضُرُّ الصحابة، لأنهم عُدُولٌ كلهم، ويحتمل أن بعضهم نسب الراوي إلى أبيه، وبعضهم إلى جَدٍّ قريب أو بعيد، وبعضهم إلى قومه.
وقال البيهقي في " سننه " (١) بعد أن نقل كلام الشافعي في الوقف في صحة المرفوع: لكن عبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة الحديث، رواه وذكر إسناده ثم قال: هذا إسنادٌ صحيح ورُواته ثِقَات (٢)، ومَعْقِل بن سِنان صحابي مشهور.
قال -يعني البيهقي في " سننه "-: ورواه يزيد بن هارون، وهو أحد حُفَّاظ الحديث مع عبد الرحمن بن مهدي بإسنادٍ صحيح، وذكر سنده.
ثم ساقه البيهقي باختلاف طُرُقه، ثم قال: وهذا الاختلاف لا يُوهِنُ الحديث، فإن جميع هذه الروايات أسانيدها صحاح، وفي بعضِها ما دَلَّ على (٣) أن جماعةً من أشجع شَهِدُوا بذلك، فكأن بعض الرواة سمَّى منهم واحدًا، وبعضهم سمى اثنين، وبعضهم أطلق ولم يُسَمِّ، وبمثل ذلك لا يُرَدُّ الحديث، ولولا ثقة من رواه عنه، يعني عن النبي - ﷺ -، لما كان لِفَرَحِ عبد الله بن مسعود بروايته معنى، ثم ساقه من طريق فراس، [عن الشعبي، عن مسروق]، عن عبد الله، عن مَعْقِلِ بن سِنان، إلى قوله حكايةً عن الحاكم: فصار هذا الحديث على شرط الشيخين.
وذكر الشيخُ تقي الدين بن دقيق العيد في كتاب " الاقتراح " (٤) في القسم الرابع: في أحاديث رواها من أخرج له الشيخان في " صحيحيهما " ولم يُخَرِّجا تلك الأحاديث.
وخالف الحفَّاظَ كُلَّهم أبو بكر بن أبي خَيْثَمة، فقال في ترجمة معقِل بن سنان (٥): هذا حديثٌ مختلفٌ فيه.
_________________
(١) ٧/ ٢٤٥.
(٢) " ورواته ثقات " لم ترد في " السنن ".
(٣) " على " لم ترد في (أ).
(٤) ص ٤٣٠ - ٤٣١.
(٥) " بن سنان " لم ترد في (أ).
[ ٧ / ١٦٩ ]
قال أبو سعيد: ما خلق الله مَعْقِل بن سنان، ولا كانت بَرْوَع بنت واشق!
قال النواوي: هذا غلطٌ منه، وجهالةٌ لما عليه الحُفَّاظ، والصوابُ أنه حديث صحيح. وإنما ذكرت هذا، لأنبِّه (١) على بُطلانه، لئلاَّ يراه من لا يعرف حاله فيتوهَّمُه صحيحًا.
ولقد أحسن صاحب " التقريب " من أصحابنا حيث صحَّح الحديث كما تقدم نقله.
وعبَّر الشيخ نجم الدين (٢) في كتابه " المطلب شرح الوسيط " عن كلام صاحب " التقريب " بأن قال: يحتمل أن يكون يَسارًا أبوه، وسِنانًا جدُّه، وأشجع قبيلَتُه، فنسبه أحد الرواة لأبيه، والآخر لجدِّه، والآخر لقبيلته. انتهى ما ذكره ابن النحوي.
وفي " الترمذي " (٣) أن الشافعي ﵁ رجع إلى القول به بمصر، وأنه حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، ورُوِي عن ابن مسعودٍ من غير وجهٍ. انتهى.
_________________
(١) في (أ): لأنه، وهو تحريف، وقد كتبت على الصواب فوقها تصحيحًا لها، وقد سقطت من (ش).
(٢) هو الشيخ الإمام أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن صارم بن الرِّفعة، نجم الدين أبو العباس، ولد بمصر سنة ٦٤٥ هـ، كان إمامًا في الفقه والخلاف والأصول، واشتهر في الفقه إلى أن صار يضرب به المثل، وكتابه " المطلب " في نحو أربعين مجلدًا، قال ابن قاضي شهبة: هو أعجوبة من كثرة النصوص والمباحث، ومات ولم يكمله، بقي عليه من باب صلاة الجماعة إلى البيع. وكان ابن الرفعة قد نُدب لمناظرة ابن تيمية، وسئل ابن تيمية عنه بعد ذلك، فقال: رأيت شيخًا يتقاطرُ فقه الشافعية من لحيته، توفي سنة ٧١٠ هـ ودفن بالقرافة. " طبقات السبكي " ٩/ ٢٤ - ٢٧، و" طبقات ابن قاضي شهبة " ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٦، و" الدرر الكامنة " ١/ ٢٨٤ - ٢٨٧، و" طبقات ابن هداية الله " ص ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٣) ٣/ ٤٥١ في النكاح: باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها.
[ ٧ / ١٧٠ ]
واعلم أن متن الحديث: أن ابن مسعود قضى في المرأة التي تزوجها رجلٌ ولم يفرض لها صداقًا، ثم مات قبل أن يدخل بها، أن لها صداق نِسائِها لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العِدَّةُ ولها الميراث، فقام مَعقِلُ بن سِنَان الأشجعي فشَهِد أن رسول الله - ﷺ - قضى بذلك.
وفي رواية: معقل بن سنان، وفي رواية: جماعة من أشجع، وفي رواية: اثنان، فاختلف الحُفَّاظُ في صحة المرفوع إلى رسول الله - ﷺ - بسبب ذلك.
وأما فتوى ابن مسعود، وقوله: إن أخطأتُ فمِنِّي ومن الشيطان، فلا خلاف في صحته وشُهرَتِهِ وعدالة رواته، وأنهم رجال الحديث وأئمة الإسلام كما تقدم بيانهم حين ذكرت الأسانيد، كابن مسعود الذي قال فيه (١) رسول الله - ﷺ -: " رضيتُ لأُمَّتي ما رَضِيَ لها ابن أُمِّ عَبْدٍ " (٢)، وقال فيه: " إنَّ الله عَصَمَه من الشيطان " (٣) وأجمعت الأمة على فضله وإمامته وعِلْمِه واجتهاده وجلالته في الإسلام.
أفَتَراهُ حين نَسَبَ الخطأ إلى نفسه وإلى الشيطان، ونَزَّهَ منه ربه ﷾ إنه (٤) معتزليٌّ، أو أنه يُنكِرُ الأقدار وهو راوي حديث الصادق المصدوق
_________________
(١) في (أ): الذين قال فيهم، وهو خطأ.
(٢) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ١/ ٣٢٥.
(٣) لم أقف على شيء من هذا لابن مسعود في المصادر المتيسرة، وقد ثبت ذلك لعمار، فقد أخرج البخاري في " صحيحه " من طريق إبراهيم، قال: ذهب علقمة إلى الشام، فلما دخل المسجد، قال: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا، فجلس إلى أبي الدرداء، فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة، قال: قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله على لسان نبيه - ﷺ - يعني من الشيطان، يعني عمارًا، قلت: بلى
(٤) في (أ): فقال إنه.
[ ٧ / ١٧١ ]
"وإنَّ أحدَكُمْ يُجْمَعُ في بَطنِ أُمِّهِ" (١) كما مضى مقرَّرًا في أحاديث الأقدار.
أو ترى أن أهل ذلك العصر يُتَّهَمُون بهذه البدع حيث لم ينكروا عليه؟ أو أن علقمة والأسود وعبد الله بن عُتْبَة بن مسعود التابعين الأجلاَّءِ الرواة لذلك عن ابن مسعود اتُّهِمُوا بذلك؟ أو اتُّهِم بذلك من لم ينكر عليهم من التابعين وتابعيهم؟
وكذلك سائر رواية النبلاء الكبرى مثل إبراهيم، والشعبي، وإبراهيم التيمي، ومنصور بن المعتمر، وزائدة بن قُدامة، وهشامٍ، ويحيى بن سعيد القَطَّان، ويزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وخِلاس بن عمرو، وأبي حسان، وداود بن أبي هند، وعليِّ بن مُسهِر، وعليِّ بن حُجْر، وعثمان بن أبي شيبة، وسفيان، وشعبة، وغُنْدَر، وبُنْدَار، وعبد الرزاق، كل هؤلاء من رجال البخاري وسائر أئمة الإسلام الستة وغيرهم، وحديثهم في جميع دواوين الإسلام إلاَّ اثنين منهم، فانفرد مسلمٌ بإخراج حديثهما دون البخاري: وهما أبو حسان، وداود بن أبي هند وقد خرَّج له تعليقًا، ولم يخرِّج الترمذي لعثمان، وكذا أبو داود وابن ماجه لم يخرِّجا (٢) لعليِّ بن حُجْر، واحتج بهما الباقون، وقد رواه هؤلاء كلهم وحسبك بهم، وخلقٌ غيرهم.
فقد قال المِزِّيُّ في " أطرافه " (٣) رواه أبو داود في النكاح عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق (٤)، عن ابن مسعود.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري وغيره، وصححه ابن حبان (٦١٧٤) وانظر تخريجه فيه.
(٢) كان في (أ) بعد قوله " تعليقًا ": وخرَّج النسائي لعثمان ولا وخرج ابن ماجه لعلي بن حجر، وفي (ش): وخرج النسائي لعثمان وكذا خرج لعلي بن حجر، وكلتا العبارتين فيهما اضطراب وخطأ، ويغلب على ظني أن ما أثبته هو الصواب إن شاء الله.
(٣) ٨/ ٤٥٦ في مسند معقل بن سنان.
(٤) في (أ) و(ش): علقمة، وهو خطأ، والتصويب من " الأطراف ".
[ ٧ / ١٧٢ ]
وعن عثمان، عن يزيد بن هارون وابن مهدي، كلاهما عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، علقمة.
ورواه النسائي فيه عن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن فراس نحوه.
وعن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، وعن أحمد بن سليمان، عن يزيد بن هارون، كلاهما عن سفيان، عن منصور به.
وعن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن زائدة بن قدامة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود معًا عن ابن مسعود.
وعن علي بن حُجر [عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله]، وعن شعيب بن يوسف (١) النسائي، عن يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن الشعبي، عن الأشجعي، عن ابن مسعود.
وعن محمد بن بشار (٢)، عن محمد - يعني غُدر-، عن شعبة، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن مسعود.
وعن أحمد بن (٣) عبد الله بن الحكم المصري، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سيَّار (٤)، عن الشعبي، عن ابن مسعود.
وعن أحمد بن سليمان الرُّهَاوي، عن يعلى بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ابن مسعود.
_________________
(١) مكان كلمة " يوسف " في (أ) و(ش) بياض، والمثبت من " الأطراف ".
(٢) في (أ): ت عن ابن يسار، وفي (ش): كذا عن ابن يسار، وكلاهما خطأ، والتصويب من " الأطراف ".
(٣) كان هنا بعد " بن " في (أ): سليمان، وهو خطأ.
(٤) في (أ) و(ش): يسار، وهو تحريف.
[ ٧ / ١٧٣ ]
ورواه الترمذي ببعضه عن محمود بن غيلان، عن زيد (١) بن حُباب، وعن الحسن بن علي الخَلاَّل، عن يزيد بن هارون وعبد الرزاق، ثلاثتهم عن سفيان به، وقال: حديث حسن صحيح.
كل هؤلاء وغيرهم رَوَوْهُ، ودوَّنُوه، واحتَجُّوا به، وعَمِل به أئمة الحديث كالثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، كلهم رووه وعملوا به، وهم أئمة السنة وأعداء البدعة، فما أنكر أحدٌ منهم هذا اللفظ على ابن مسعود، ولا على أحدٍ ممن رواه، ولا حذَّر من اعتقاد ظاهره، ولا ذكر له تأويلًا ألبتة.
وروى البغوي في تفسيره للكلالة، لكنه قدمه إلى آخر باب المواريث من سوره النساء (٢)، والدَّامغاني في رسالته في المذاهب مثل لفظ ابن مسعود في نسبة الخطأ إلى نفسه دون الله تعالى، عن الشعبيِّ، عن أبي بكر الصديق ﵁ حين تَكَلَّم في الكلالة برأيه ﵁، ولم يُنكِرْه البغوي ولا تأوَّلَه، وهو من كبار أهل السنة.
وعن ابن عباس نحو ذلك في قوله: إن الشيطان سَرَقَ كذا وكذا آيةً -يعني بسم الله الرحمن الرحيم- في أول كل سورة (٣) يعني أنه سرق ذلك على من أسقطه من أوائل السور.
رواه أبو عبيد القاسم بن سَلاَّم (٤) بإسناد جيد، ولفظه: أغفلها الناس. ورواه البيهقي، ذكره ابن كثير في حديث " المنتهى ".
_________________
(١) في (أ) و(ش): يزيد، وهو تحريف.
(٢) ١/ ٤٠٣.
(٣) أخرجه البيهقي في " السنن " ٢/ ٥٠ بنحوه من طريق محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن ابن عباس أنه قال: إن الشيطان استرق من أهل القرآن أعظم آيةٍ في القرآن " بسم الله الرحمن الرحيم ". وقال: هو منقطع.
(٤) في " فضائل القرآن " ورقة ٥٣/ ١، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث -وهو ابن أبي سليم- على مجاهد، عن ابن عباس قال: آية في كتاب الله أغفلها الناسُ "بسم الله الرحمن =
[ ٧ / ١٧٤ ]
وذكر الشيخ العارف السُّهْرَوَرْدِي في كتابه " عوارف المعارف " (١) في الباب التاسع أن الجبري زنديق إلى قوله: فأما من كان مُعتَقِدًا للحلال والحرام، والحدود والأحكام، معترفًا بالمعصية إذا صدرت منه (٢)، فهو سَلِيمٌ صحيحٌ، فصَرَّح بأن المعصية من العبد العاصي.
وقال في الباب الستين في ذكر المَقَامات من قولهم في الرضا (٣): وقال يحيى -يعني ابن معاذ-: يرجع الأمر كله إلى هذين الأصلين: فعل منه بك، وفعل منك له، فترضى بما عَمِلَ، وتُخْلِصُ فيما تَعمَلُ. انتهى بحروفه، وهو صريحٌ فيما ذكرتُ.
وقال الأنصاري في المحاسبة (٤): إنها تمييز ما للحق عليك مِما لك ومنك.
وهؤلاء من كبار أئمة المعرفة والصلاح.
وفي " نهاية غريب الحديث " (٥) تأليف أبي السَّعَادات بن الأثير صاحب " جامع الأصول في أحاديث الرسول " وهي عُمْدَةُ أهل السنة في تفسير الحديث، وهو أحد علماء أهل السنة بلا نِزَاع، قال في كتابه هذا في تفسير " التثاؤب من الشيطان " كما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما عن النبي - ﷺ - ما لفظه: إنما جَعَله (٦) من الشيطان كراهةً له، وإنما يكون من ثِقَلِ البَدَنِ، وميله إلى الكسل
_________________
(١) = الرحيم". وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم، وقول المصنف ﵀: " إسناد جيد " ليس بجيد!
(٢) ص ٧٢ - ٧٣.
(٣) بعد هذا في " العوارف ": معتقدًا وجوب التوبة منها.
(٤) ص ٢٣٨.
(٥) انظر " مدارج السالكين " ١/ ١٧٣ لابن القيم، والأنصاري: هو الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي، شيخ خراسان، وهو من ذرية صاحب النبي - ﷺ - أبي أيوب الأنصاري. انظر السير ١٨/ ٥٠٣ - ٥١٨.
(٦) ١/ ٢٠٤.
(٧) في (أ) و(ش): فعله، والمثبت من " النهاية ".
[ ٧ / ١٧٥ ]
والنوم، فأضافه إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى إعطاء النَّفْس شَهْوَتَها، وأراد به التحذير من السبب الذي يتولَّد منه، وهو التوسُّع في المطعم والشِّبَع فيَثْقُلُ عن الطاعات، ويَكْسَلُ عن الخيرات. انتهى بحروفه.
فانظر إلى عبارات أئمة السنة واعترافهم بصحة إضافة القبائح إلى أهلها بحرف " مِنْ "، فإنه لم يجعل ذلك موضع الإكسال فتناوله، وإنما جعل موضعه أن التثاؤب قد يكون ضروريًا من فعل الله، لكنه حينئذٍ يكون سببه اختياريًا من فعل الشيطان، فأُضيف السبب والمُسَبَّبُ إلى الشيطان، كما قال أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، وكما قال موسى كليم الله ﵇: ﴿هذا من عَمِلِ الشيطان﴾ [القصص: ١٥].
وأما فعل القبيح الاختياري الذي هو التوسع في المطعم فلا إشكال في أنه من الشيطان بغير تأويلٍ، ولو نقلنا جميع ما لأهْلِ السنة في هذا لطال وأدَّى إلى الإملال.
وفي معنى كلامهم: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠].
وكذا قال الفقهاء في المغصوب: إذا زاد إما أن يكون من الخالق أو المخلوق. ذكره ابن رشد (١) في الغصب من " نهايته " (٢) مطولًا.
وكل ذلك يدل على شهرة نسبة القبائح والفضائح والرذائل والفواحش إلى من اختارها لنفسه من شرار العباد من أهل الغَيِّ والفساد، ومتى نُسِبَتْ إلى تقدير العزيز العليم الذي قَدَّرَ وُقوعها بحكمةٍ بالغةٍ، وحُجَّةٍ دامغةٍ، نُسِبَتْ إلى ذلك بالعبارات التي ارتضاها ربُّ العباد لنفسه، واصطفاها في كتابه، وانتقاها في كلامه، فقال: إنها ابتلاءٌ من الله وتمحيصٌ، كما قال ﷾ بعد ذكر
_________________
(١) في (ش): رشيد، وهو تحريف.
(٢) " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " ٢/ ٣١٧.
[ ٧ / ١٧٦ ]
آيات قرآنية تدل على أن المضاف إلى الله يختص بصفة الحق ولا يجوز أن يكون باطلا
فرعون: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] ولم يقل: إنه من ربِّكم بالإطلاق، لأنه قبيحٌ، والبلاء الذي فيه من الله تعالى حَسَنٌ.
وبذلك جاء القرآن والسنة، وبه عَبَّرَت الصحابة والتابعون، فما نُقِلَ عن أحدٍ منهم بسندٍ صحيح ولا ضعيفٍ إنه قال: الكفر والفسوق والقبائح والفواحش والفضائح من الله، ولا تَفَوَّهَ أحدٌ منهم، ولا من أهل السنة القدماء بهذا، حتى تفاحَشَ الغُلَوُّ في علم الكلام والجدال، وفَشَا التقليد في ذلك، وابتُدِعَتْ عبارات أهل الجبر وأهل الاعتزال، وتَرْجَمَ عن الحق وأهله من لم يشتغل بتأمل القرآن والسنة، ويتوقَّفُ عليهما وعلى آداب السلف الصالح.
النوع الثاني: قريبٌ من هذا الأول، لكن (١) دلالته بالمفهوم الصحيح الواضح، لا بالنُّصُوصِيَّة، من ذلك قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، وفي آية أخرى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، وقوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] إلى أمثالٍ لذلك كثيرة.
ففي هذه الآيات الكريمة أوضح دلالةٍ على أن المضاف إلى الله يختصُّ بصفة الحق، ولا يجوز أن يكون باطلًا، ولو كان كما زعم المخالف لَمَا كان لتخصيص الحق بذلك معنى ألبتة، ومن هنا تَسَمَّى بالحق، وكان قوله الحق، وحكمه الحق، وهو الحق اسمًا ومعنىً، وقضاءً وقَصَصًا، وفعلًا وقولًا، وخلقًا وأمرًا، وعدلًا وفضلًا، وابتداءً وانتهاءً، ودنيا وآخرةً، وتفاصيل ذلك ما لا يُحصِيه الكتاب، ولا يجمعه الكتاب، وجُملَتُها يَجْمَعُها الحقُّ المبين، الحق في نفسه، المبين لكونه حقًا بأفعاله وعجائب مخلوقاته، وعظيم نِعَمِهِ، فلم يكن سبحانه باطلًا منفِيًّا، ولا حَقًّا خَفِيًّا، بل جمع أسباب (٢) الكمال، وتَنَزَّهَ من النقائص عن أدنى أدنى أدنى احتمالٍ.
_________________
(١) في (ش): ولكن.
(٢) في (أ): أشتات.
[ ٧ / ١٧٧ ]
ولذلك ثبت في " البخاري " أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في مناجاته في قيام الليل: " أنت الحقُّ، ووعدك الحق، ولِقَاؤُك الحَقُّ، وقولك حقٌّ " (١).
ولذلك قال الله تعالى في حق من أنكره: ﴿قُتِلَ الإنسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، فكذلك من أنكر اختصاصه بالحق دون الباطل من جميع الوجوه كما قدَّمْتُه، وكما يأتي في تفسير: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وما في معنى ذلك.
النوع الثالث: قوله تعالى حكايةً عن كليمه موسى ﵇: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].
وقال تعالى في نحو ذلك: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] يعني المعاصي المتعلقة بها من أفعال العباد، ولذلك قال بعد ذلك: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ومنه: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠].
ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن رسوله أيوب ﵇ حيث قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، فأضاف ما أصابه إلى الشيطان، وإن كان من فعل الله، لأنه عقوبةٌ على ذَنْبِهِ الذي هو من الشيطان، والله تعالى منه بريء، مبالغةً في الأدب، وعملًا بسنة الله في ذلك حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وفي قراءة: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٢)، وقوله:
_________________
(١) " صحيح البخاري " (١١٢٠) و(٦٣١٧) و(٧٣٨٥) و(٧٤٤٢) و(٧٤٩٩) من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٢٥٩٧) و(٢٥٩٨) و(٢٥٩٩)، وانظر تخريجه فيه.
(٢) هي قراءة الجمهور، وقرأ نافع وابن عامر: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ بغير فاء. انظر "حجة =
[ ٧ / ١٧٨ ]
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨]، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] وأمثال ذلك كما يأتي في موضعه.
فاخبرني أيها السُّنِّيُّ على الإنصاف: من أعلم بأقدار الله، والفرق (١) بين ما يضاف إلى الخلق وإلى الله: كبار أنبيائه ورسله، أو أصاغِرُ الأشاعرة المترجمون في دعواهم عن أهل السنة؟ وأيُّ كتابٍ أصدق من كتاب الله؟ وأي عبارةٍ أفصحُ منه؟
النوع الرابع: أنه ثبت بالنصوص والاجماع أن نسبة القبائح بالإضافة إلى الله تعالى لا يجوز ولا يصدق، أعني بصيغة الإضافة، فلا يقال في الذنوب: إنها ذنوب الله، ولا في الكفر: إنه كُفْرُ الله، فكذلك لا يقال: إنها منه، لأن ما كان منه أُضِيفَ إليه، قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] فثبت أنه منهم حين حَسُنَتْ إضافته إليهم، وقَبُحَتْ إضافته إلى الله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
وقوله حكايةً عن خليله ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] أضاف الخطيئة إلى نفسه، والمغفرة إلى ربه، ولم يجعلهما معًا من ربِّه.
ومنه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]، ومنه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ومنه: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، ومنه: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١]، ومنه: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
يوضحه: أن الله تعالى ساوى (٢) بين الإضافة بصيغتها والإضافة بمن،
_________________
(١) = القراءات" ص ٦٤٢، و" زاد المسير " ٧/ ٢٨٨.
(٢) " والفرق " سقطت من (ش).
(٣) في (ش): سوى.
[ ٧ / ١٧٩ ]
وعَطَفَها عليها في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] فجعل إضافة الصدِّ عن سبيل الله إليهم بصيغة الإضافة كإضافة الظلم إليهم بحرف " مِنْ "، وساوى بينهما في ذَمِّهم بهما، فوجب امتناعهما معًا في حَقِّهِ سبحانه.
النوع الخامس: قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وقال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].
وهذا نصٌّ على الفرق بين الوعدين، فإن وعد الله موصوفٌ بالصدق، واجب الرُّكون إليه والإيمان به، وَوَعْدُ الشيطان على العكس من ذلك كله.
وعلى قول الخصم: إنهما معًا من الله، فأيُّ مُسلمٍ يرضى لنفسه أن يقول: إن وعد الشيطان وعدٌ من الله كاذِبٌ؟ وأيُّ عارفٍ بلُغَة العرب لا يقطع على فساد هذه العبارة إن كانت ترجمةً عن (١) اعتقاد أهل السنة والسلف الصالح، أو على خُسْران قائلها إن كان مُترجِمًا عن مذهب الجبرية مختارًا له.
النوع السادس: أنه يلزمه أن يقول: إن الأمر بالفحشاء من الله، لأن الله قد أخبر أن الشيطان يأمُرُ بالفحشاء، وحكى أنه قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، وقد التزم الخصم أن كل (٢) ما كان من الشيطان وغيره، فهو من الله.
قلنا له: صادمت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]. وإنْ قال: إنه من الله أمْرٌ، وهو لا يأمُرُ به، ناقض وقال ما لا يَعرِفُ.
وكذلك إن قال: هو من الله، وليس هُو منه أمرٌ، فإن اعترف أن الأمر بالفحشاء من الشيطان كما دَلَّ عليه كتاب الله، فكذلك الكفرُ بالله وسائر القبائح.
_________________
(١) " عن " لم ترد في (أ).
(٢) " كل " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ١٨٠ ]
النوع السابع: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وهذا وعيدٌ شديدٌ بالإجماع، فلو كانت أفعال العباد من الله لكان حرب المشركين للمسلمين حربًا (١) من الله للمسلمين، وهذا خلاف الإجماع، ولو كان كذلك، كانوا خارجين من ولاية الله، فدل على أن الفساد جاء من هذه العِبارة المُبتَدَعَة المُتَكَلَّفَة المُختَرَعَة المُتَعَسّفة.
النوع الثامن: ما جاء بصيغة الحَصْرِ والقَصْر على غير الله، نحو قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ومنه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥].
ومنه: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ومنه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧]، وفي آيةٍ: ﴿إلاَّ الظَّالِمونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وفي آيةٍ: ﴿إلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
ومنه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠].
فكيف يضاف (٢) إلى الله بحرفٍ مما قصره الله على الشيطان، وحَصَرَه بهذا الحرف ذَمًّا لهم، ومقتًا ولومًا، وهل أوضح من ذلك دلالة على أن إضافة القبيح بهذا الحرف إلى الفاعل المختار صيغة ذمٍّ ولومٍ يجب تنزيه الله تعالى عنها.
النوع التاسع: ما لا يصح في اللغة أن يكون إلاَّ من اثنين فصاعدًا مثل الاقتتال، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فأضاف إليه المشيئة الدالة على التفرُّد بالملك، وأضاف (٣) إليهم الاقتتال الدالَّ على الضعف المستلزِم في كثيرٍ من الأحوال للقبح.
_________________
(١) في (أ) و(ش): حرب، وهو خطأ،
(٢) تحرفت في (ش) إلى: يصار.
(٣) في (أ): فأضاف.
[ ٧ / ١٨١ ]
وأما قوله في آخر الآية: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فمعناه: من المشيئة النافذة الدالة على العزة والملك، لا من الاقتتال الذي يناقض العزة والملك، ولا يصح إلاَّ من العباد الضعفاء المتضادِّين المتغالبين المتكاذبين في الدعاوي، فلو كان ذلك من الله وحده، كان مُغَالِبًا لنفسه، تعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا، وإنما يقع ذلك من عباده بينهم، وله العِزَّةُ والحكمة والمشيئة والحُجَّة والكمال في كل شيءٍ، لا إله إلاَّ هو.
ومن أوضح هذا النوع قوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] فكيف تكون مُشاقَّتُه تعالى منه، فيكون هو مُشَاقًّا (١) لنفسه.
ومنه: ﴿واللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ [المجادلة: ١].
ومنه: ﴿مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَماسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
ومنه: ﴿وَشَاوِرْهُم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فإن قلت: عند (٢) الخصم لا يُسَمَّى بذلك التقاتل والتنازع ونحوه من الوجه الذي يُنْسَبُ إلى الله.
قلنا: وكذلك هو عندهم لا يسمى من ذلك الوجه كفرًا ولا قبيحًا ولا معصيةً.
ومن أوضحه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فلو كان الله سبحانه هو خالق أفعال العباد من كل وجهٍ، ولا اختيار لهم ولا فعل، لم يكن مُحتاجًا إلى الأمر فيما وحده وهو منه لا من سواه.
_________________
(١) في (ش): فيكون ميثاقًا، وهو تحريف.
(٢) في (ش): إنه عند.
[ ٧ / ١٨٢ ]
إجماع أهل السنة وغيرهم على أن الفعل من حيث يسمى كسبا لا ينسب إلى الله
النوع العاشر: ما جاء من الأفعال مُقَيَّدًا بصفة ذمٍّ لازمةٍ له، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠] فإنه يتعذر أن يكون فعله عدوانًا وظلمًا من الله، لأنه يلزم أن يكون من الله عدوانًا وظلمًا، وهو من الله حَسَنٌ عنذ الخَصْمِ، وتَجَرُّدُه عن هذه الصفة القبيحة لا يمكن، لأن الله قد قيَّده بها وهو أصدق القائلين.
ومنه: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]، ومنه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] فالرَّجْمُ بالغيب، والرَّهبة والرَّغبة مُحالةٌ (١) في حق الله تعالى، ونظائره كثيرةٌ.
النوع الحادي عشر: ما كان من أفعال العباد بلفظ الكسب، مثل قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فإن أهل السنة وغيرهم أجمعوا على أن الفعل من حيث يسمى كسبًا لا يُنْسَبُ إلى الله، لأن مفهوم هذا اللفظ لا يصح في حقه تعالى، وإنما ذكر أهل السنة أنه يُنْسَبُ إلى الله وحده من الجهة التي يُسَمَّى منها خلقًا وإبداعًا وإيجادًا من العدم.
وهذا سبب تخصيص أهل السنة للعبد بالكسب، وما كان عندهم كسبًا للعبد، فهو فعلٌ له أيضًا، وإنما خَصُّوه باسم الكَسْبِ، لأنه لا يصحُّ نسبته إلى الله بهذا الاسم، كما لا تصح نسبته إلى العبد باسم الخلق الذي هو إيجادُ الذات المعدومة، وأما الفعل، فإنه يصح أن يُنسَبَ إلى الله تعالى وإلى العبد، فتركوا التعبير به لاشتراكه، لا لأن كسب العبد ليس بفعلٍ له، فافهم هذه اللطيفة.
ولذلك نص شيخ الأشاعرة الشهرستاني في " نهاية الإقدام " على أن لِفِعْلِ العبد اسمًا من الجهة التي هي فعلٌ له يختصُّ بها العبد ويُسمى بها: كالكسب والعبادة والصلاة والصوم والمعصية والطاعة، ويُسمى بها كاسِبًا وعابدًا ومُصلِّيًا وصائمًا ومطيعًا وعاصيًا.
_________________
(١) في (أ): مخالفة، وهو تحريف.
[ ٧ / ١٨٣ ]
قال: ولو كان الله فعل ما فعل العبد من جهةٍ واحدةٍ لا يستحق هذه الأسماء ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وقد تقدَّم كلامه ووجهه، ولذلك قال: إن من عرفه هانَتْ عليه تهويلات القدرية، وتمويهات الجبرية، وعِلْمُ ما حققه يجب الجزم به عقلًا ببُطلان هذه العبارة، كما يأتي في الوجوه النظرية.
النوع الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿وإنَّ الشياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيَائِهم﴾ [الأنعام: ١٢١] فيلزم أن يكون وحي الشياطين وحيًا من الله، ويلزم من ذلك أحد باطلين: إما أن يكون حقًا، وإما أن يكون وحي الله منقسمًا إلى حقٍّ وباطلٍ.
النوع الثالث عشر: قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وقالت الملائكة ﵈: ﴿أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفسِدُ فيها﴾ [البقرة: ٣٠]، فلو كان الفساد الذي من الخلق من الله ما استنكرتِ الملائكة أن يَخْلُقَ من يُفسِدُ، بل لكان مفسدًا في المعنى، سبحانه عن ذلك وتعالى علوًا كبيرًا.
وإن كان الخصم يقول: إنما لا نسميه بذلك، لأن الشرع منع منه، وليس كما زعم لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان كذلك، لكان امتناعنا من ذلك بالقهر، وليس المدح أن يمتنع عبيد الملك من ذمه بما فيه من النقائص خوفًا من عقوبته، فإن كثيرًا من ملوك الأرض الناقصين كذلك، وإنما المدح أن يكون مُنَزَّهًا حقًا عن النقائص، ومع ذلك لا ينقصه أن يخلي بعض عبيده يذُمُّه وينقصه كَذِبًا منه وزُورًا، ثم يحلم عنه ولا يُؤاخِذُه أو يعاقبه على ذلك بحق وعدل.
الوجه الثاني: أنه لو كان كذلك، لكان استحقاقه ﷿ لأضداد تلك الأسماء غير صادقٍ، وهذا أفحشُ من الأول.
فإن قلت: أليس الله تعالى خلق المفسدين، وقدَّر وقوع الفساد ولم يمنع منه مع قدرته؟
[ ٧ / ١٨٤ ]
قلت: بلى، ولكنه فعل ذلك بالحق وللحق، والطبيب الذي يُؤلِمُ العليل بالفِصَاد والحِمْيَة والأدوية الكريهة لا يُسَمَّى ظالمًا ولا مفسدًا، ولا يسمى بشيء من أسماء اللوم البتة، بل هو مُحسِنٌ مُحِقٌّ ساعٍ في الخير، مُتوسَّلٌ إليه مُثْنٍ بكل خير عليه، فكيف بالله العليم الحكيم الرحمن الرحيم، الذي له المثلُ الأعلى والأسماء الحسنى، لا مِثْلَ للطف حكمته الخفية، وغايات تدبيره الحميدة؟!
أما قولنا: إنه فعل ذلك بالحق، فحيث يكون عقوبةً على الذنوب مثل ما دلَّت عليه الآيات وغيرها كما تقدَّم.
وأما قولنا: إنه فعله للحق، فلأنه سبحانه لا يعاقب العبد إلاَّ لحكمةٍ خفيةٍ، ومصلحةٍ راجحةٍ، هي تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله، ولولا ذلك لما اختار العقوبة على العفو، وقصور العقول عن ذلك لا يَضُرُّ علام الغيوب.
وقد صرَّح الغزالي بهذا في " المقصد الأسنى " (١) في شرح الرحمن الرحيم، وفي مقدمات " إحياء علوم الدين " في كتاب العلم.
وأشار إليه النواوي في " شرح مسلم " (٢) وفي " الأذكار " (٣) في شرح قوله عليه أفضل الصلاه والسلام: " الخير بيديك، والشر ليس إليك " فإن في أحد تأويلاته أنه ليس بِشَرٍّ بالنظر إلى حكمتك فيه. انتهى.
وإنما تلزم الشناعة بنفي الحكمة عن الله باطنًا وظاهرًا، ولهذا موضعٌ يُبْسَطُ فيه القول غير هذا، وقد كشفت الغطاء عن هذا السر قصة موسى والخَضِر، فكل جاهلٍ بتأويل الخضر يعُدُّه متعدِّيًا، وكل عالمٍ بتأويله يعدُّه مُحسِنًا، فكيف بغلاَّم الغيوب البريء من النقائص والعيوب؟!
النوع الرابع عشر: قال الله تعالى في السبع المثاني التي اختارها للصلوات
_________________
(١) ص ٦٢ - ٦٣.
(٢) ٢/ ٥٩.
(٣) ص ٩٣ باب ما يقوله بعد تكبيرة الإحرام.
[ ٧ / ١٨٥ ]
الواجبات المفروضات من جميع كتبه المُنزلات، وكلماته الطيبات المباركات: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فالاستعانة من العبد بالله، ولا يصح أن تكون الاستعانة إلاَّ بين اثنين، لأن المستعين لا يكون إلاَّ مفتقرًا محتاجًا، والمستعان به لا يكون إلاَّ غنيًا حميدًا كريمًا عليمًا قديرًا لطيفًا رحيمًا، فكيف يصح أن تكون الاستعانة له منه؟! فيجتمع فيه الفقر والغِنى، والعجز والقدرة.
وقد احتج بهذه الآية الكريمة شيخ الأشاعره الشهرستاني في " نهاية الإقدام " على القدرية والجبرية، فقال ما معناه: إن العبد لو كان مستقلًاّ بنفسه وقُدرته ومشيئته لم يحتج إلى الاستعانة، ولو لم يكن له فعل يتوقف على اختياره وجهده لم يحتج إلى الاستعانة أيضًا، فإنك لا يصح في لغة العرب التي نزل عليها كتاب الله أن تستعين الله على أفعاله المَحْضَةِ، فلا تستعينه على أن يغفر لك أو يُطِيلَ عُمرَك، بل تسأله أن يفعل ذلك لا أن يُعِينَك عليه.
قال: وكل مُنْصِفٍ يجد من نفسه ذلك، فإنه يهتم بما يقدر عليه، وتجد الداعي الباعث لك على أن تفعله وتُحسِنَ الاقتدار على الاحتراك فيه، ولا تجدُ اقتدارًا على التمام وبلوغ أقصى المرام من أفعالك حتى تجد القدرة على الرَّمْي دون الإصابة، وعلى الكتابة دون التجويد الذي تَمَنَّاه، وعلى التساوي بحيث لا يختلف، وعلى الصلاة دون كمال الخشوع الذي لا نسيان فيه ولا غفلة ولا شيء من أنواع النقص.
وقد نبَّه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، ولذلك ورد الوعيد بالتَّخْلِيَة بين العبد وبين نفسه عند الغضب على العبد والمؤاخذة والاستعاذة من ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
النوع الخامس عشر: ما جاء على جهة الشرط والجزاء لفظًا أو معنىً، أو ما يقارب ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوني أَذْكُرْكُم﴾ [البقرة: ١٥٢] فإن الذكر الأول قُربَةٌ من العبد إلى الله، صدرت على نية التعبُّد والتذَلُّل لِعِزَّة الله، والذِّكر
[ ٧ / ١٨٦ ]
الثاني فَضْلٌ عظيم من الله الرحمن الرحيم، فكيف يُجْعَلان معًا من الله وبينهما أبعد مما بين السماء والأرض من التفاوت، وأين ذِكْرُ العبد الحقير الذليل من ذكر الرب العزيز الجليل، ولو كانا معًا من الله لاستويا قَدرًا، إذ لم يكن أحدهما عبادةً، والآخر ثوابًا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمّا زَاغُوا أزاغَ الله قُلُوبَهم﴾ [الصف: ٥] فالآية واضحة الدلالة على أن إزاغة قلوبهم من الله عقوبةٌ مُستَحَقَّةٌ بمحض العدل الحق على ما تقدم منهم من الزَّيْغِ الأول الواقع بتخلية الله بينهم وبين نفوسهم ليبلوهم أيهم أحسن عملًا كما بيَّنه الله في كتابه الكريم.
فمن شفاه ذلك وكفاه لَحِقَ بالصحابة والتابعين والسلف الصالحين، ومن تَوَغَّل في الدقائق الكلامية، وخالجه ما خالجهم من تركيب شكوكٍ على نصوص كتاب الله تعالى مقتضاها التَّطَلُّع إلى حكمة الله الخفيَّة في ذلك الابتلاء، فقد طلب أن يُعْطَى أكثر مما أُعطِيَ رسل الله ملائكته ﵈، فقالت الرسل: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقالت الملائكة: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢].
والجواب عليه الحق أن الغاية القصوى في هذا المقام أنه لا يعلم تأويل ذلك إلاَّ الله ﷾، فلا حرج في وِجدان النكارة في القلب، إنما الحرج في الإخلاد إليها، واعتقاد الجاهل أن ما لا يعلمه فإنه يبعُدُ أن يعلمه الله، وهذا ليس ينبغي منه اعتقاده في عالمٍ آخر من أبناء جنسه، كيف إلاَّ رب العالمين علاَّم الغيوب؟!
فإذا تقرَّر هذا، فكيف يُتَصَوَّرُ في مثل هذا أن يكون الذنب والعقوبة معًا من الله، ولو كان كذلك لنصَّ على ذلك في كتبه الكريمة، فإن الملك العزيز الذي لا يخاف من أحدٍ ولا يَتَّقيه، ولو شاء لخلق الخلق في النار ابتداءً ولم يحتج إلى تمكينٍ وتكليفٍ وكتبٍ ورسلٍ وبَعْثٍ وحُكمٍ وعدلٍ وشهود عدولٍ وموازين، فحين عدل عن ذلك إلى هذا علمنا أن مراده أن يوصف بالعدل، وأن لا يُنْسَبَ
[ ٧ / ١٨٧ ]
إليه ما عابه على عباده من قبائحهم وفضائحهم، والعلمُ بذلك ضروريٌّ لمن هو سيلم العقل، ونسبة الذنب والعقوبة عليه إلى الله سبحانه يُضَادُّ مراده بهذه الأمور كلها، فتأمَّل ذلك.
ومن ذلك: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وإنما قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ليُبَيِّنَ أنه صَدَرَ منه على وجهٍ حَسَنٍ، وهو مجازاتهم بخلاف مَكْرِهمُ القبيح الذي لا أقبح منه، حيث وضعُوه موضع الشكر الواجب عليهم، وإنما سمَّى فعله مكرًا على جهة المقابلة كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وهو أيضًا من هذا القبيل.
وأما قوله: ﴿أفَأَمِنُوا مَكْرَ الله﴾ [الأعراف: ٩٩] فسماه مكرًا استعارةً لأخذ العبد من حيث لا يَشْعُرُ كقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] وهذا جزاء مكرهم وإن لم يتقدم ذكره لما عُلِمَ وتقرَّر من سنة الله في جزاء الشيء بمثله في قوله: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ الله﴾ وفي ما لا يُحصَى، فهو من المطابَقَةِ في المعنى، ولذلك قيَّد المكر المذموم بوصف الشيء حيث قال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] فتقرر بهذه الآية أن المكر في نفسه غيرُ قبيحٍ لذاته، بل لوقوعه على وجهٍ قبيح، وهذا بَيِّنٌ ولله الحمد.
وفي " صحاح " الجوهري (١) ما يدل على ذلك، فإنه فَسَّرَ المكر بالخديعة، ثم فَسَّرَ الخديعة في بابها (٢) بأن يريد به المكروه من حيث لا يعلم، وهذا معنى صحيحٌ، فإن الله إنما يريد المكروه لمن يستحقه.
ومنه قوله: ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢] وقد فُسِّرَ ذلك بالقدرة على المُجَازَاة مع علم الأعمال كلِّها والإمهال.
ومن هذا النوع: ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيها بِكُفْرِهم﴾ [النساء: ١٥٥].
ومنه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
_________________
(١) ٢/ ٨١٩.
(٢) ٣/ ١٢٠١.
[ ٧ / ١٨٨ ]
بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] فكيف يحسُنُ أن يكون المعنى: حتى يُغَيِّرَ الله ما بأنفسهم، وكيف يصح أن لا يُغيِّرَ حتى يُغَيِّرَ، وكيف يُجعَلُ هذا هو معنى كلام الله على الحقيقة، فإلى هذا يَؤُولُ النَّظَرُ الصحيح.
ومنه: ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦].
ومنه: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠].
ومنه: ﴿ادْعُونِي أَستَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
النوع السادس عشر: أن الله وهو أصدق القائلين بأنه الغفور الغفار واسع المغفرة، فإما أن يكون الذنب من غيره والمغفرة منه، فذلك المعقول، أو يكون الذنب والمغفرة منه، فذلك المعقول، أو يكون الذنب والمغفرة منه معًا، فيكون غافرًا لنفسه، وهذا شيءٌ لم يُعقَلِ التمدح به قط.
النوع السابع عشر: قول يونس ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وما أعظم أدبه وألطفه ﵇ حيث قَدَّمَ التسبيح قبل أن يُجْرِيَ ذِكرَ ظُلمه لنفسه، ناسِبًا للظلم إلى نفسه دون رَبِّه، فما نَزَّهَ ربه إلاَّ في ذكر الظلم في خطابه لربه غير منسوب إلى ربه، كما نقول للملك العادل: إن الظلم -حاشاك من ذِكرِهِ- شِعارُ غيرك.
ومن أدبه ﵇ تقديم التسبيح على ذِكْرِ الظُّلم المنفيَّ عن الله، كأنه استقتح أن يتقدم ذكر الظلم في خطاب الله تعالى حتى يتقدمه تنزيه الله وتقديسه من مجرد مرور ذلك على لسانه في خِطَابِ الملك القدوس السُّبُوح، ربِّ الملائكة والروح.
فكيف ترى مع ذلك تَحْسُنُ إضافة الظلم إلى الله بحرف " مِن " الدالة على الاختصاص، ولدلالتها على الاختصاص قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أنفُسِكُم﴾ [آل عمران: ١٦٥]، فهذا في العقوبات لِلعُصاةِ التي خلقها وحده
[ ٧ / ١٨٩ ]
سبحانه، فكيف بمعاصيهم الخاصة بهم التي أضافها إليهم، وذمهم بها، وعاقبهم عليها.
النوع الثامن عشر: قال الله ﷿: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَه﴾ [السجدة: ٧] فكُلُّ ما كان من الله، فهو مخلوقٌ له، وكلُّ مخلوقٍ له، فهو حَسَنٌ بالنص والمعقول.
أما النص فهذه الآية الكريمة، وأما المعقول فلأنَّه حكيمٌ ولا يجوز عليه الظلم، ولا العَبَثُ ولا اللَّعِبُ، فوجب الحُكْمُ على جميع أفعاله بالحسن، بخلاف معلوماته ومقتضياته المنسوبة إلى عباده شرعًا وعقلًا.
ومن هنا أجمعت فِرَق أهل السنة على أنه لا بد من أثرٍ لقدرة العبد، فلا يجور أن يقال: الكفر من الله بهذا الاعتبار أيضًا، لأن الكفر مذمومٌ عقلًا وسمعًا وإجماعًا، وكذلك سائر المعاصي.
النوع التاسع عشر: القول الكاذب من أقوال الكافرين، سواءٌ حكاها الله عنهم، كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤ - ٢٥] أو لم يَحْكِهَا عنهم فإن القول بأنها من الله تصريحٌ بأن الكذب من الله، ولا فرق بين ذلك وبين تسميته منه، وذلك ممنوعٌ بالإجماع، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
النوع المُوفي عشرين: قوله تعالى: بعد ذكر تكليف العشرين بمئتين، والمئة بألف: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].
ووجه الدليل من الآية الكريمة أن أفعال العباد لو كانت من الله تعالى، لما صحَّ تعليل التخفيف بضعفهم، لأن التعليل بذلك يقتضي أن الضعف وصفٌ لمن صدر منه الفعل الذي هو مغالبة (١) الكُفرَيْنِ، ولو كان ذلك الفعل صادرًا من
_________________
(١) في (ش): مقابلة، وهو تحريف.
[ ٧ / ١٩٠ ]
الله لَزِمَ أن يكون ضعيفًا، تعالى عن ذلك وعن ذكره عُلُوًَّا كبيرًا. فهذا بالنظر إلى أفعال المؤمنين الغالبين.
وكذلك لو كان فعل الكافرين المغلوبين من الله لزم منه محذوران فاحشان: أحدهما: أن يكون المؤمنون مُغالِبِين لربهم ﷾، وأن يكون آمِرًا لهم بذلك.
وثانيهما: أن يكون تعالى موصوفًا بأنه مغلوبٌ، تعالى عن ذلك.
النوع الحادي والعشرون: قوله تعالى: ﴿إلاَّ تَنْصُروهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ [التوبة: ٤٠] فكيف يكون عدم نَصْرِهِ من الله ونصره من الله (١)، وأمثال ذلك.
النوع الثاني والعشرون: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا والله يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾، [الأنفال: ٦٧] فكيف تكون الإرادتان معًا منه.
النوع الثالث والعشرون: قال الله تعالى في قصة موسى ﵇ مع فرعون والسحرة: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١١٩] فكيف يُتَصوَّرُ الحق والباطل من جهةٍ واحدة؟ أو أن الغالب والمغلوب، والعزيز والصَّاغِرَ كذلك؟ فيكون الله تعالى كالمُغَالِبِ لنفسه، والمناقض لأمره أو حُكمِهِ، تعالى عن ذلك.
النوع الرابع والعشرون: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) يَكَادُ (٢) السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٠].
_________________
(١) عبارة " ونصره من الله " سقطت من (ش).
(٢) هذه قراءة نافع والكسائي " يكاد " بالياء، لأن السماوات جمع قليل، والعرب تذكر فِعل المؤنث إذا كان قليلًا كقوله ﴿فإذا انسَلخَ الأشهرُ الحرُمُ﴾ ولم يقل: انسلخت، وقوله ﴿وقال نسوةٌ﴾ ولم يقل: وقالت، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم " تكاد " بالتاء، لتأنيث السماوات. " حجة القراءات " ص ٤٤٨، و" زاد المسير " ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
[ ٧ / ١٩١ ]
تطابق القرآن والسنة والإجماع والعقول على حسن اعتراف المذنب بذنبه، وأنه من أسباب المغفرة
وهذا عند جميع المفسرين، بل العقلاء أجمعين، لشدة كراهة الله وبراءته منه وغضبه على مرتكبه، ولو كان قولهم هذا العظيم القبح من الله، وهو مرادٌ له محبوب مرضيٌّ، لم يُستفصح ولا يُستبلغ هذا الكلام ولا حَسُنَ هذا المذكور من هذه المخلوقات المطيعات الموافِقات لمولاهُنَّ.
النوع الخامس والعشرون: قال الله تعالى: ﴿وآخَرونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهم﴾ [التوبة: ١٠٢]. وثبت في الحديث الصحيح " أن سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلاَّ أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت " (١).
أجمع العلماء على أن تفسير أبوء بذنبي: أُقِرُّ وأعترف، نص على ذلك أهلُ السنة كالنواوي في " الأذكار " و" رياض الصالحين " و" شرح مسلم "، وابن الأثير في " النهاية " و" جامع الأصول ".
فثبت أن القرآن والسنة والإجماع والعقول تطابقت على حُسْنِ اعتراف المذنب بذنبه، وأنه من أسباب المغفرة، وإنما بقي الكلام في تفسير الاعتراف: هل معناه اعتراف المذنب أن الذنب منه، أو اعترافه أنه ليس منه؟
فإن قال الخصم بالأول (٢) انقطع النزاع، واجتمعت الكلمة على تقبيح القول بأن الكفر من الله.
وإن قال: إنَّ الاعتراف في لغة العرب التي نزل عليها كتاب الله، وكانت لغة رسول الله - ﷺ - هو قول المذنب: إن الذنب ليس منه، عرفنا أنه معانِدٌ لا يستحق المناظرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠٦) و(٦٣٢٣) وغيره من حديث شداد بن أوس، وصححه ابن حبان في " صحيحه " (٩٣٢) و(٩٣٣)، وانظر تخريجه فيه.
(٢) " بالأول " سقطت من (أ).
[ ٧ / ١٩٢ ]
فإن ادَّعى إنه يمكنه إيرادُ أدلةٍ من القرآن والسنة ولغة العرب أن الاعتراف بالذنب هو الانتفاء منه، فليأت بها منسوبةً إلى مواضعها المعروفة كما فعلنا في أدلَّتِنا، فمرحبًا بالوِفَاقِ، فإنه ليس بين المسلم وبين الحق عداوةٌ، والله تعالى عند لسان كل قائل، وهو الهادي إلى الصواب، لا إله إلاَّ هو.
فإن رجع إلى أن العاصي وقدرته من الله، وأمثال ذلك، قلنا: هذا صحيح ومُجْمَعٌ عليه، ولكن ليس شيءٌ من ذلك يُسَمَّى ذنبًا للعبد، وإنما كلامنا في القدر المختص بقدرة العبد عند أهل السنة المُسَمَّى ذنبًا وكفرًا وقبيحًا وفاحشةً، وأقل من هذا يكفي المُنْصِفَ، وأكثر منه لا يكفي المتعسِّف (١).
وليس يَصِحُّ في الأذهان (٢) شيءٌ متى (٣) احتاج النهارُ إلى دليلِ (٤)
وقد كنت بسطت في هذه المسألة أكثر من هذا حتى سَئِمْتُ مع نشاطي، فظَنَنْتُ أن غيري أكثر سآمةً للتطويل مني، فاقتصرت خوف التنفير، وهذه الوجوه تُرَجِّحُ للسني قول الإمام المتفق على إمامته لفظًا ومعنى أبي المعالي الجويني، أحد أئمة أهل السنة، فإنه اختار أن فعل العبد أثر قدرته بمشيئة الله تعالى لتمكينه وسابق تقديره وتيسيره بالدواعي المقرونة بالحكمة والعدل، كما هو مُحقَّقٌ في موضعه من هذا الكتاب.
ومما قلتُ في ذلك:
_________________
(١) في (أ): التعسف، وهو خطأ.
(٢) رواية " الديوان ": في الأفهام.
(٣) في (ش) و" الديوان ": إذا.
(٤) البيت لأبي الطيب المتنبي من مقطوعة تشتمل على سبعة أبيات وهي في ديوانه ٣/ ٩٠ - ٩٢ بشرح العكبري، قالها وقد حضر مجلس سيف الدولة الحمداني وبين يديه أترج وطَلْع، وهو يمتحن الفرسان، فقال لابن شيخ المصيصة: لا يتوهم هذا للشرب، فقال أبو الطيب هذه القصيدة وأولها: شديدُ البعد من شرب الشَّمُولِ تُرُنجُ الهند أو طَلْعُ النخيلِ
[ ٧ / ١٩٣ ]
الآيات القرآنية المرشدة إلى حسن العبارة فيما يضاف إلى الله تعالى من النعمة وكشف الضر
تَنَكَّبْ عن طريق الجبر واحذر غَوَائِل مُبْدَعَاتِ الاعتزال
وسِرْ وَسطًا طريقًا مستقيمًا كما سار الإمام أبو المعالي
بأفْعالِ العِبَادِ غَدا إمامًا رِضا عندَ التفرُّق غير غالي
تكميلٌ يناسِبُ هذه الخاتمة: قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
وكذلك قال في سورة الناس، وكذلك قال في سورة آل عمران: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] ولم يجعل الشر بيده مُسَمّى باسمه، ولذلك نظائر كثيرةٌ في كتاب الله تعالى.
منها قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
فانظر إلى ما في هذه الآية من الإرشاد إلى حسن العبارة فيما يُصاف إلى الله تعالى من النعمة وكشف الضُّرِّ اللَّذَيْنِ يسمى بهما مُنعِمًا وكاشف الضُّرِّ، دون الضر نفسه، وإن كان من فعله، لأنه ليس بضُرٍّ بالنسبة إلى حكمته.
ألا ترى أن إنزاله الضر بالظالم هو عين المنع للمظلوم، فهو يسمى به عادلًا بالنظر إلى الظالم، نافعًا محسنًا بالنظر إلى المظلوم، ولذلك كثر مثل هذا في كتاب الله، وفي كلام أنبياء الله مثل إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] أضاف المرض إلى نفسه، لأنه قد يكون
[ ٧ / ١٩٤ ]
عقوبةً على ذنبٍ كما في قصة أيوب، وقد يكون بأكل الإنسان بما يضُرُّه في العادة، وأضاف الشِّفاء إلى الله تعالى.
وكذلك قال أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] كما تقدم.
وقال الله تعالى في الزمر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨].
وفيها أيضًا: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩].
وفي آخر السجدة: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٤٩ - ٥٠] وبعدها: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].
وفي آخر حم عسق: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨].
وفي هذه الآية الكريمة التصريح بالسبب في عدم إضافة ذلك إلى الله مع كونه فعله، وذلك بين قوله: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيدِيهِم﴾ [البقره: ٩٥] فهو مثلُ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
وقال الله تعالى في سورة يونس: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال تعالى في هود: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ
[ ٧ / ١٩٥ ]
لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩ - ١٠].
وقال تعالى في بني إسرإئيل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال تعالى في الروم: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣].
وفي الروم أيضًا: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦].
وهذه أيضًا مُوضحَةٌ للعلة في ذلك، مع ما فيه من النصوص كقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨] الآيات في الزمر.
وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] مع ما جاء في تفسيرها من الأحاديث.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤].
ويقارب هذه الآيات في المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧].
لكن هاتان وأمثالهما في ترك (١) بعض الخير لما علم (٢) فيه من الشرِّ، وما
_________________
(١) في (ش): تركه.
(٢) في (ش): يعلم.
[ ٧ / ١٩٦ ]
تقدم في إنزال (١) الضر لدفع المعاصي لطفًا أو للعقوبة عليها.
وربما جاء القرآن الكريم بلفظ إرادة السوء ولا يجيء بغيرها، لأنه يُشْتَقُّ لله منها اسم المريد كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧] ولم يقل: وإذا أساء إلى قوم، ولا أساء إليكم لوجهين:
أحدهما: أنه لو قال ذلك، لسُمِّي مُسِيئًا، وذلك لا يجوز قطعًا، إنما يسمى عادلًا حكيمًا في جميع عقوباته.
وثانيهما: أن إرادة الله تعالى لم تُعلق إلاَّ بالسوء -بضم السين- الذي معناه هو المكروه في الطبيعة، وهذا يسمى محسنًا كيف مريد؟
ولا أعلم شيئًا من الأول صريحًا إلاَّ ما يحتمل التأويل من قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] مع أن الجزاء حَسَنٌ لا سَيِّىءٌ، لكن سمَّاه باسم السيئة الأولى على جهة المطابقة، وهي أحد أنواع البديع.
وهذا لما سمَّاه ضُرًّا في أول الآية حيث وقع مرادًا أضافه إلى نفسه بذلك الاسم المتقدم، مع القطع بأنه بالنَّظَرِ إلى حكمته عدلٌ وحكمة، وأن ما كان عدلًا وحكمةً لا يستحق أن يسمى ضرًا حقيقة كما لا يُسَمَّى فِعلُ الطبيب بالمريض ضُرًّا.
وكذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨] فيه صرفٌ لاسم الضُّرِّ عن الله حيث قال: ﴿يَمْسَسْكَ بِضُرِّ﴾، وفي آخر يونس مثلها ولم يقل: يَضُرُّكَ.
_________________
(١) في (أ): وإنزال، وهو خطأ.
[ ٧ / ١٩٧ ]
بيان القول: أنه لا يجوز إفراد الضار عن النافع في الأسماء الحسنى
وهنا تنبيهٌ على نقض الحكم فيه بقوله: ﴿فلا كاشف له إلاَّ هو﴾ وذلك أنه نَبَّه بذلك على الرجوع فيه في كشفه، وذلك من الدواعي إلى إنزاله، وفي آخر الآية إشارةٌ إلى أن المراد التمدُّح بكمال القدرة والملك، فسُمِّي الله بهذه الأسماء، ويُشتَقُّ له من ذلك أحسن الأسماء لا حَسَنُها، وهي هذه الأربعة: القدير، القاهر، الحكيم، الخبير.
ولذلك اختار الله تعالى للقِصاص اسم الحياة، لأنها هي المقصودة به، فقال: ﴿وَلَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ولم يسمه ضُرًّا.
لذلك سلمنا أنه يسمى ضرًا، فلا نُسَلِّمُ أنه يسمى بذلك ضارًّا، فقد جاء في كتاب الله سبحانه أن الله يهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، ولم يرد في الأسماء الحسنى أنه المُغْوِي المضل، وإنما ورد فيها أنه النور الهادي، وذلك أنه لا تُسَمَّى إلاَّ الحسنى توقيفًا كما نصَّ على ذلك: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] فكان ذلك منه عدلًا لِحكمةٍ بالغة يسمى بها عادلًا لا مُضِلًاّ، وديَّانًا عزيزًا خَفِيَّ الحكمة، لا ظالمًا ولا لاعبًا، فافهم هذا، فإنه يفتح لك باب الفهم في أسماء الله الحسنى.
ولذلك قال غير واحدٍ من العلماء: إنه لا يجوز إفراد الضارِّ عن النافع في الأسماء الحسنى، لأن مضرته للظالم هي عين منفعته للمظلوم، فهو نافعٌ بعين ما هو ضارٌّ، بل اسم النافع أولى به في ذلك الضرِّ، لأنه إنما أراد النفع بذلك الضُّرِّ لا الضُّرَّ، فمراده بضرر الظالم هو منفعة المظلوم لا مضرَّةُ الظالم، ولذلك أمر المظلوم بالعفو عن الظالم في كتابه وعلى لسان رسوله، وحثَّهُ على ذلك، ووعده عليه العفو والمثوبة.
فلو كان مُراده بالعدل والانتصاف مضرَّة الظالم حَرَّمَ العفو عنه ولم يأمر به، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] بضم الكاف وكسر الفاء، وهو نوحٌ ﵇.
فكان الداعي إلى جزاء الكافرين ما فيه من المثوبة للأنبياء والمؤمنين، وفي
[ ٧ / ١٩٨ ]
ذلك آياتٌ كثيرة ذُكِرَتْ في غير هذا الموضع في ترجيح عقوبة الكافرين على العفو عنهم، ولا مُوجِبَ لقَصْرِ قوله: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ على أقرب مذكورٍ، بل الظاهر أنه تعليل لجميع ما قبله من هلاك قومه ونَجاتِهِ، كقوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].
فثبت أن مراده بمضرَّة الظالم منفعة المظلوم، وهو يسمى بذلك نافعًا ومُحسِنًا وعادلًا، ولذلك قلتُ في ممادحه تعالى:
تبارك من أدنى مَمَادِحِهِ العَدْلُ ومُوجِبُهُ منه المحامِدُ والفَضْلُ
فقد عاد منه العَدْلُ فضلًا وكَمْ به لأضْدَادِ سُبلِ الحمدِ قد جُمِعَ الشَّمْلُ
والمعنى في البيت الثاني أنه لم يَعْدِلْ من الفضل إلى العدل إلاَّ لحكمةٍ راجحةٍ هي تأويل المتشابه الذي لو عُلِمَ، لظهر أن ذلك العدل مُشتَمِلٌ على ما يُصيِّرُهُ فضلًا راجحًا في الغاية الحميدة التي يجب الإيمان بها في جميع أفعاله، فإنه سبحانه لا يجوز عليه على الصحيح فعل المباح المتساوي الطرفين لأنه هو اللعب والعيب، وهو مُنَزَّهٌ عنهما.
واعلم أنهم إنما نصُّوا على أنه لا يجوز إفراده عن النافع، لأنه وحده ليس باسمٍ حَسَنٍ (١) مُشتَمِلٍ بنفسه على الحمد والثناء، ولو كان كذلك، لأُفْرِدَ ولم يجب أو يُستَحَبَّ ضَمُّه إلى النافع، وقد نبَّه الله تعالى على الذم للضُّرِّ الذي لا نفع عليه حيث قال: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣].
فإن قيل: إن عذاب الآخرة من الله تعالى، وهو أعظم المضارِّ (٢).
_________________
(١) " حسن " لم ترد في (ش).
(٢) في (ش): الإضرار.
[ ٧ / ١٩٩ ]
قلت: ليس عذاب الآخرة منسوبًا إلى الله تعالى من كل جهةٍ، بل من جهةٍ دون جهةٍ، كالكسب عند الأشعرية سواء، فإنه منسوبٌ إلى العبد لكونه جزاء ذنوبه، ومُتَفَرِّعًا عليها ومتولِّدًا عنها، فهو من العبد ظُلمٌ لنفسه وضَرٌّ لها، ومن الله عدلٌ وحكمةٌ لا ظلمٌ ولا ضَرٌّ، وذلك لقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وفي آية: ﴿ذُوقُوا ما كُنتُم تَكسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] سمَّاه كسبًا لهم وعملًا، وقوله: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧] وأمثالها، ولقوله: ﴿ومَا ظَلَمُونا ولَكِنْ كانوا أنْفُسَهم يظلمون﴾ [البقرة: ٥٧]، [الأعراف: ١٦٠].
ولو كان العذاب من الله تعالى ضرًّا (١) محضًا من كلِّ وجهٍ لم يوصف بأنه كسبهم، وأنه ظُلمٌ من العبد لنفسه، ولا قال الله: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمَّا كانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، ولا قال: ﴿مَا أصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، ولا قال أيوب ﵇ في عقوبة الله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].
فالعدل فيه بَيِّنٌ، حيث كان جزاءً وفاقًا وقع بعد (٢) التمكين والتقدم بالإنذار والقطع للأعذار، وإشهاد العدول والوزن بموازين الحق، والحكمة فيه من حيث إن له تأويلًا لا يعلمه إلاَّ الله، ولولا ما فيه من الحكمة الخفية التي اختصَّ بعلمها ربنا ﷾ ما احتاج إلى التأويل الذي لا يعلمه إلاَّ الله، وتمامُ هذا مذكورٌ في مسألة الحكمة في الشُّرور، والله الموفق.
وحيث لم يصح أن الضَّرَّ في نفسه اسمٌ حَسَنٌ (٣)، كيف يدخل في الأسماء الحسنى، وإنما معنى الأسماء الحسنى ما يفيد أحسن المدح الحَسَنِ، والوصف الجميل الحميد اللاَّئِق بالمَلِكِ المجيد، لأن الحسنى أحسن الأسماء لا حَسَنها، ولهذا قال العلماء: لا يقال: يا ربَّ الكلاب والخنازير، وإنما يقال:
_________________
(١) " ضرًا " سقطت من (أ).
(٢) " بعد " سقطت من (ش).
(٣) تحرفت في (ش) إلى: جنس.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
يا ربَّ كلِّ شيء، أو يقال: يا رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، فافهم المعنى في الأسماء الحسنى.
بل قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، ولم يقل: إني أنا المعذِّب المُؤْلِم، فجعله من مخلوقاته لا من أسمائه الحسنى.
فلو قيل: إنه مُنزِلُ الضر أو مُقدِّرُه أو خالقه، سلَّمنا أنه يسمى ضرًا، فلا نسلِّم أنه يسمى بذلك ضارًّا، كان أنسب (١)، على أن اسم الضار مقرونًا بالنافع لم يرد في " الصحيح " مع رواية البخاري ومسلم أوَّله، وهذا أشدُّ في العِلَّةِ فيه، وإنما رواه الترمذي (٢) ولم يُصَحِّحْهُ ولم يُحَسِّنْه أيضًا، بل نص على أنه ليس له إسنادٌ صحيحٌ.
وحسَّنه النواوي (٣) وصححه الحاكم (٤) وتُعُقِّبا بأنه لم يُرْوَ إلاَّ من طريق صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
_________________
(١) في (ش): السبب.
(٢) (٣٥٠٧) وقال بعده: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلاَّ في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح.
(٣) في " الأذكار " ص ٥٤ - ٥٥.
(٤) " المستدرك " ١/ ١٦ من طريق موسى بن أيوب وصفوان بن صالح، كلاهما عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي (٣٥٠٧)، وابن حبان (٨٠٨)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٥، والبغوي (١٢٥٧) من طريق صفوان بن صالح، به. وانظر الكلام عليه في " صحيح ابن حبان " بتحقيقنا.
[ ٧ / ٢٠١ ]
تفرَّد به صفوان، عن الوليد، وصفوان ثقةٌ ولكن الوليد مدلس مكثر من التدليس حتى عن الكذابين، وتَعانَى تدليس التسوية فلا ينفع قوله: حدثنا ولا سمعت، لأن معنى تدليس التسوية أنه قد سمع من شيخه شعيبٍ، ثم أسقط شيخ شعيبٍ الذي بينه وبين أبي الزِّناد، فيحتمل أن يكون في الإسناد ساقطٌ ضعيفٌ، بل كذَّابٌ، فكيف يَحسُنُ الحديث مع هذا، مع أنه قد رواه الثقات الحفَّاظ عن أبي الزناد بغير ذكر الأسماء.
وقد رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن ابن عيينة، عن أبي الزناد بغير ذكر الأسماء (١).
ورواه البخاري والنسائي من حديث شعيب بغير ذكرها.
ورواه البخاري عن أبي اليمان الحكم بن نافع، والنسائي عن علي بن عياش كلاهما عن شعيب بغير ذكر الأسماء (٢).
ولذلك ذكرتُ أن صفوان لم يتابع على ذلك، عن الوليد (٣)، ولم يتابع الوليد على ذلك عن (٤) شعيب، كما لم يُتَابَعْ شعيبٌ على ذلك عن أبي الزناد، ولو صَحَّ شعيب.
وأما قول الحاكم: إنه لا خلاف أن الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلمُ وأجلُّ من أبي اليمان، وبِشر بن شعيب، وعلي بن عياش، فما يُغْنِي ذلك شيئًا مع ما ذكرنا من التدليس الفاحش عنه وتدليس التسوية، فما يصح له مع ذلك حديثٌ
_________________
(١) البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧) (٥)، والترمذي (٣٥٠٨).
(٢) البخاري (٢٧٣٦) و(٧٣٩٢)، والنسائي في النعوت من " سننه الكبرى " كما في " التحفة " ١٠/ ١٧٤.
(٣) بل تابعه موسى بن أيوب النصيبي عند الحاكم كما تقدم في تخريجه.
(٤) عبارة " الوليد ولم يتابع الوليد على ذلك عن " ليست في (أ) و(ش)، ولا يستقيم لمعنى إلاَّ بها.
[ ٧ / ٢٠٢ ]
الكلام في أن سرد الأسماء الحسنى إنما هو مدرج في الحديث وإنما جمعوها من القرآن
إلا أن يَخْلُوَ الإسناد عنه، وعمن فوقه من العنعنة ونحوها منه إلى الصحابي على أقل الأحوال، ولم يحصل ذلك.
وقد قال الحاكم: إن الوليد بن مسلم تفرد بسياقه، وإن ذلك هو العلة فيه عند البخاري ومسلم (١). فهي عِلَّةٌ قوية.
وأما قول الحاكم: إنه قد وُجِدَ الحديث عند عبد العزيز فهو ابن حُصَيْن، وثَّقَهُ الحاكم، وقال ابن حجر في " تلخيصه " (٢): بل هو متفقٌ على ضعفه.
وذكر ابن كثير له شاهدًا من طريق زهير بن محمد، عن موسى بن شعيب (٣)، عن الأعرج. وزعم أن ابن ماجه روى ذلك، وطَلَبْتُه في كتاب " الأطراف " عن المِزِّي فلم أجده، ولا ذكر ابن ماجه شيئًا في هذه الترجمة، فيُحَرَّرُ ذلك.
ثم قال: وقال ابن كثير في " إرشاده " (٤) في كتاب الأيمان منه ما لفظه: والذي عوَّل عليه جماعةٌ من الحُفَّاظ المُتقنين أن سَرْدَ الأسماء في هذا الحديث مُدرَجٌ فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم، وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمدٍ أنه بلغه عن غير واحدٍ من أهل العلم أنهم قالوا
_________________
(١) تعقب ابن حجر في " فتح الباري " ١١/ ٢١٥ كلام الحاكم هذا بقوله: ليست العلة عند الشيخين تفرُّد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه، واحتمال الإدراج.
(٢) ٤/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٣) كذا وقع للمؤلف عن ابن كثير " موسى بن شعيب " وهو خطأ، والصواب " موسى بن عقبة "، وهو في " الأطراف " للمزي ١٠/ ٢٢٠ في ترجمته عن الأعرج عن أبي هريرة. وهو في " سنن ابن ماجه " (٣٨٦١) عن هشام بن عمار، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد التميمي، عن موسى بن عقبة، به. قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ٢٤٠/ ٢: إسناده ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني.
(٤) هو" إرشاد الفقيه إلى أدلة التنبيه -للشيرازي في فقه الشافعية- " منه نسخة في مكتبة فيض الله الملحقة بالسلمانية في اسطنبول، رقمها ٢٨٣.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
ذلك: أي أنهم جمعوها من القرآن كما رُوِيَ عن جعفرٍ الصادق (١) بن محمد، وسفيان بن عيينة، وأبي زيدٍ اللغوي (٢). انتهى بحروفه. وهو عندي قويٌّ جدًا.
فإذا كان كذلك لم يسلم لمن استنبط ذلك إدخال الضَّارِّ في الأسماء الحسنى بالرأي، فإنه شبيهٌ بالمُضِلِّ المُغْوِي المقابل لاسم (٣) النور الهادي، وهو غير مناسب لما قدمت ذكره من الآيات، بل يسمى إضلال الفاسقين المستحقين لذلك عادلًا لإخفاء الحكمة ديانًا مبتليًا عزيزًا ونحو ذلك.
وكيف يوصف باسم الضارِّ على جهة المدح من مدحه رسول الله - ﷺ - بأنه:
" لا يَضُرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم " فيما خرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وهو من حديث عثمان بن عفان ﵁ (٤).
وهو يعُمُّ جميع أسماء الله الحسنى، لأن تخصيصه لبعضها تحكُّمُ، وهو يصلح لإرادة العموم مع اسم الضار النافع أيضًا على ما يأتي، مع أنهما معًا في معنى مالك الضر والنفع، وذلك في قوة مالك الملك، لكن شرط صحته ورود السمع بذلك.
وتلخيص الدلالة في الحديث أن من تمدح بأنه لا يضر مع اسمه شيء لا يصح أن يكون اسمه ضارًا، ومن لا يصح أن يكون اسمه ضارًّا (٥) لا يصح أن
_________________
(١) " الصادق " ليست في (أ).
(٢) تحرف في (أ) إلى: ابن زيد البغوي.
(٣) في (أ): كاسم، وهو خطأ.
(٤) أبو داود (٥٠٨٨) و(٥٠٨٩)، والترمذي (٣٣٨٨) ولفظه " من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مراتٍ، لم تُصِبه فجأةُ بلاءٍ حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مراتٍ لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي " وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٨٥٢) و(٨٦٢)، وانظر تمام تخريجه في الموضع الأول منه.
(٥) عبارة " لا يصح أن يكون اسمه ضارًّا " الثانية، سقطت من (أ).
[ ٧ / ٢٠٤ ]
يكون ذاته ضارًا ولا فعله -كما ذكره ابن قيم الجوزية، ويأتي كلامه الآن- مُصَادِمٌ للحديث الصحيح عن علي ﵇، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال في التوجه في الصلاة: " الخير بيديك، والشر ليس إليك ". رواه مسلم، وإسناده على شرط الجماعة، لأنه من حديث عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عُبيد الله بن أبي رافع عنه به (١).
وروى الحاكم (٢) في تفسير سورة بني إسرائيل نحو ذلك من حديث حُذيفة بن اليمان، وقال: على شرط الشيخين، وذكر أنه - ﷺ - أدخل ذلك في الثناء على الله تعالى في المقام المَحْمُود الذي فتح الله عليه فيه أحبَّ الثناء إليه، فما كان رسول الله - ﷺ - يختص التوجه إلى الله في الصلاة، والتوسُّل إليه في ذلك المقام المحمود، إلاَّ بأحب المحامد إليه، وأكرَمِها عنده، وأعزِّها عليه، فكيف يكون نقيضها في الأسماء الحسنى؟ فتأمل ذلك.
وقد تقدم (٣) قول النواوي في " الأذكار " و" شرح مسلم ": إن معنا. ليس بشرٍّ بالنظر إلى حكمتك فيه.
وقد وقع لي مرةً أن من حِكَمِ الله التي لا تُحْصى في تقدير الشرور أن النِّعَمَ قسمان: جلبُ نفعٍ أو دَفْعُ ضررٍ، وأعظمهما (٤) موقعًا في قلوب البشر، وأقواهما أثرًا في إيقاظ الغافلين عن الشكر: هو دفع الضر، حتى لا تجد النعمة محل موقعها إلاَّ إذا كان فيها خروجٌ من ألمٍ وشدةٍ كالشرب بعد شدة الظَّمإ، والأمانِ بعد شدة الخوف، والوِصال بعد طول المهاجرة، وبلوغ الرجاء بعد اليأس،
_________________
(١) مسلم (٧٧١)، وهو في " صحيح ابن حبان " (١٧٧١) و(١٧٧٢) و(١٧٧٣) و(١٧٧٤)، وانظر تخريجه فيه.
(٢) في " المستدرك " ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤، وفيه " فينادى محمد، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك " وهو موقوف على حذيفة. وقد تقدم تخريجه في الجزء السادس ص ٣١٩.
(٣) ص ١٨٥.
(٤) في (أ) و(ش): وأعظمها.
[ ٧ / ٢٠٥ ]
وحتى قال بعضُ علماء الكلام: إن اللذة هي الخروجُ من الألم.
وإذا تقرر ذلك لم يمتنع (١) أن يكون من حِكَم الله في الشرور أن يكون له الشكر على كِلتا (٢) النِّعمتين، وذلك على مقتضى الحديث الصحيح أنه " لا أحد أحبُّ إليه الحمد من الله " ويكون لأوليائه من مراتب الصبر الرفيعة ما (٣) يكون لخالص الذهب عند إخلاصه، ثم يكون لهم من الثناء والثواب ما يقتضي (٤) اسمه الشكور سبحانه، ومن ثَمَّ قال في حق خليله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠].
فتارة يبتلي بمجرد الخوف، ثم ينجي من الوقوع في المخافة بعد حصول الرجوع إليه بالدعاء، ومعرفة الإجابة (٥) وقوة اليقين.
وتارة يبتلي بوقوع الضر، ثم يكشفه عن العبد بعد ذَوْقِ العبد الذلة (٦) والضرورة، وتضرعه إلى سيده ومولاه، ومعرفته له بكشف الضّرِّ عقيب دعائه، فيكون لله تعالى من ذلك اسم كاشف الضر، ومجيب الدعاء، والمغيث والمعين، ونِعْمَ المُستغاثُ والمستعان، وأمثال ذلك كما نبَّه القرآن عليه فيما ذكرته من الآيات.
ثم وجدت هذا منصوصًا في حديث خلق آدم، وفيه: " أن الله تعالى أخرج ذرِّيَّتَه وأَرَاهُ إيَّاهُم، فرأى فيهم الغني والفقير، والصحيح والسقيم، فقال: يا رب، هلاَّ سوَّيت بين ذريتي، فقال تعالى: فعلتُ ذلك لتشكر نعمتي ". رواه ابن كثير
_________________
(١) في (ش): يمنع.
(٢) في (أ) و(ش): كلا، والجادة ما أثبت.
(٣) في (أ): من، وكتب فوقها " ما " على الصواب، وهي كذلك في (ش): ما.
(٤) في (ش): يقتضيه.
(٥) كتب فوقها في (أ) و(ف): ظ الإنابة.
(٦) في (أ) و(ف): اللذة، وهو تحريف.
[ ٧ / ٢٠٦ ]
كلام ابن القيم في معنى قوله - ﷺ -: "والشر ليس إليك"
من طرقٍ في أول " البداية والنهاية " (١).
وقال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي، وهو ابن قَيِّم الجوزية في كتابه " حادي الأرواح " (٢): ولم يقف على المعنى المقصود من قال: إن المعنى: والشر لا يُتقرَّبُ به إليك، بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجهٍ من الوجوه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه، فإن ذاته لها الكمال المُطلَقُ من جميع الوجوه، وصفاته كلها (٣) يُحمد عليها، ويُثنى بها، وأفعاله كلها خيرٌ ورحمةٌ وعدلٌ وحكمةٌ لا شر فيها بوجهٍ، وأسماؤه حسنى، فكيف يضاف إليه الشر، إذ الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصلٌ عنه، إذ فعله غير مفعوله، ففعله خيرٌ كله، وأما المفعول المخلوق ففيه الخير والشر، وإذا كان الشر مخلوقًا منفصلًا (٤) فهو لا يضاف إليه، والنبي - ﷺ - لم يقل: ولا أنت تخلق الشر (٥)، حتى نطلب تأويل قوله، وإنما نفى إضافته إليه وصفًا (٦) وفعلًا واسمًا. انتهى ذلك.
فمن اعتقد صحة حديث الأسماء وتَعْدادها على مذهب المتساهلين في التصحيح، وعدم النظر إلى إعلالها بمخالفة الحفاظ الثقات، أو قَلَّد من صحح واستأنس بمتابعة الأكثر على القبول، فليعتقد في معنى ذلك أمرين:
أحدهما: أنه تعالى الضارُّ النافع بضره، المحسن فيه، العادل به، المحمود عليه، المانُّ به، المستحق أن يسمى ضره نفعًا ومِنَّةً وفضلًا ونعمةً ورحمةً، بالنظر إلى ما فيه من الحكمة، وأن يسمى هو سبحانه بسببه نافعًا عادلًا محسنًا محمودًا، واستُحِبَّ له أن يتلفظ بذلك أو أكثر منه. ألا ترى إلى قول
_________________
(١) ١/ ٨١، وقد تقدم تخريج الحديث في الجزء السادس ص ٣٢٢.
(٢) ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٣) بعد هذا في " الحادي ": صفات كمال.
(٤) بعد هذا في " الحادي ": غير قائم بالرب سبحانه.
(٥) في " الحادي ": أنت لا تخلق الشر.
(٦) في (ش): قولًا.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
الضار النافع اسم مركب من كلمتين كعبد الله
رسول الله - ﷺ - في الحديث الصحيح: " إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحَة، وَلْيُحِدَّ أحدُكم شفرته وَلْيُرِحْ ذبيحته " (١). فهذا في أفعال عباده، فكيف أفعال الحميد المجيد؟!
ولذلك كان رسول الله - ﷺ - يقول: " الحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار " رواه الترمذي وابن ماجه (٢).
وفيه تنبيهٌ على أن الله تعالى يستحق الحمد على الإطلاق في الدَّارَيْن على العقوبة والمثوبة، وما حلا أو مَرَّ، أو نفع أو ضر، لكنه - ﷺ - استعاذ مما لا يطاق الصبر عليه، كما سأل العافية وأمر بسؤالها.
ومن ذلك قيل في محامده تعالى: الحمد لله الذي لا يُحْمَدُ على المكاره سواه.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤]، وبعد قوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
كما قرَّره ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية في " حادي الأرواح إلى دار الأفراح " وتقدم منه ما يكفي آخر الكلام في الأقدار، ولكني أفردتُه في جزء والحمدُ لله.
وثانيهما: أن اسم الضار لا يجوز إفراده عن النافع، وحينئذ يصيران معًا كالاسم الواحد المركَّبِ من كلمتين كعبد الله، فلو نطقت بأحدهما وحده لم
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) الترمذي (٣٥٩٩)، وابن ماجه (٣٨٠٤) و(٣٨٣٣)، وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وليس في نسخة الترمذي التي اعتمدها المزي في " التحفة " ١٠/ ٣٢٠ لفظة " حسن "، وهو الصواب.
[ ٧ / ٢٠٨ ]
يكن اسمًا مستقلًاّ للمسمى به، فلا يكون الضارُّ اسمًا مستقلًا، بل الاسم: الضار النافع، لأنه في معنى: مالك الضر والنفع، بل في معنى: مالك الملك، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وهذا معنى مناسبة الأسماء التي بهذا الاعتبار، ومتى أفْرَدْتَ الضَّارَّ لم يُناسِب ذلك البتة، فليلزم هذا المعنى في قلبه ولسانه كل من أطلق هذا الاسم على الله تعالى وظن صحته، وقد نص على هذا غير واحدٍ من أهل العلم، ويدل (١) على ما اخترته ما تقدم من نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] إلى آخر السورة، وتواترت الأحاديث بنحو ذلك، ولم ترد الاستعاذة من شرِّ الله أبدًا، بل من شر الشيطان وشركه، كما روى أبو بكر الصديق ﵁ أنه قال: يا رسول الله، مُرني بكلماتٍ أقولُهُنَّ إذا أمسيت وإذا أصبحت، قال: " قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ربَّ كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلاَّ أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشِرْكِهِ " رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٢).
وروى أبو مالك مثل حديث أبي بكر الصديق ﵁، وفيه: " نَعُوذُ بك من شرِّ أنفسنا، وشر الشيطان الرجيم وشركه، وأن نقترف سوءًا [على أنفسنا]، أو نَجُرَّه إلى مسلمٍ " رواه أبو داود (٣).
وفي حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -: " أعوذ بك من شرِّ كلِّ شيءٍ أنت آخِذٌ بناصيته " (٤).
_________________
(١) في (ش): فدل.
(٢) أبو داود (٥٠٦٧)، والترمذي (٣٣٩٢)، وصححه ابن حبان (٩٦٢) بتحقيقنا.
(٣) رقم (٥٠٨٣)، وهو حديث حسن، وأبو مالك: هو الأشعري.
(٤) حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢٧١٣) وغيره، وصححه أيضًا ابن حبان (٩٦٦) وانظر تخريجه فيه.
[ ٧ / ٢٠٩ ]
وعن علي رضوانُ الله عليه، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول عند مضجعه:
" اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التَّامَّات من شر كل دابةٍ أنت آخذٌ بناصيتها " رواه أبو داود (١).
وروى بُرَيدة أن خالد بن الوليد شكا إلى رسول الله - ﷺ - أنه لا ينام الليل من الأرَقِ، فعلَّمه يقول إذا أوى إلى فراشه: " اللهم رب السماوات السبع وما أظَلَّتْ، والأرضين وما أقَلَّتْ، والشياطين وما أضَلَّتْ، كُنْ لي جَارًا من شَرِّ خلقك كُلِّهم جميعًا أن يفرُط عليَّ أحدٌ أو يبغي عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك " رواه الترمذي (٢).
ورواه الإمام مالك في " الموطأ " (٣) ولفظه: "أعوذ بكلمات الله التامة من
_________________
(١) رقم (٥٠٥٢)، وأخرجه أيضًا النسائي في النعوت كما في " التحفة " ٧/ ٣٥٢، وفي " اليوم والليلة " (٧٦٧)، وابن السني (٧١١)، والطبراني في " الدعاء " (٢٣٧) و(٢٣٨)، وفي " المعجم الصغير " (٩٩٨). وصحح إسناده النووي في " الأذكار "، وتعقبه ابن حجر في " نتائج الأفكار " كما في " الفتوحات الربانية " ٣/ ١١٢ بقوله: حديث حسن .. وفي سنده علتان تحطُّه من مرتبة الصحيح.
(٢) رقم (٣٥٢٣)، وقال بعد أن أخرجه: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، والحكم بن ظهير -أحد رواة الحديث- قد ترك حديثه بعض أهل الحديث، ويُروى هذا الحديث عن النبي - ﷺ - مرسلًا من غير هذا الوجه. قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٦٥، والطبراني في " الكبير " (٣٨٣٩) من طريق عبد الرحمن بن سابط، عن خالد بن الوليد، مثله. قال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١٢٦: رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله رجال الصحيح، إلاَّ أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من خالد بن الوليد، ورواه في " الكبير " بسند ضعيف بنحوه.
(٣) ٢/ ٩٥٠ عن يحيى بن سعيد، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله - ﷺ -: إني أُرَوَّعُ في منامي، فقال له رسول الله - ﷺ - فذكره. قلت: وقد روي مثله سواء عن الوليد بن الوليد أخي خالد، فقد أخرج ابن أبي شيبة ٨/ ٦٠ و١٠/ ٣٦٢ - ٣٦٣ عن عبد الرحيم بن سليمان، وابن السني في " اليوم والليلة " (٦٣٨) =
[ ٧ / ٢١٠ ]
غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون".
فانظر كيف جَنَّبَ غَضَبَه وعقابه اسم الشر لَمَّا كانا مقرونين بالعدل والحكمة.
وروى الترمذي نحوه من حديث عبد الله بن عمرو (١).
وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: " يا أرضُ رَبِّي وربك الله، أعوذ بالله من شَرِّكِ وشَرِّ ما خلق فيك، وشر ما يدُبُّ عليك " رواه أبو داود (٢).
_________________
(١) = من طريقة شعبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان أن الوليد بن المغيرة المخزومي شكا إلى رسول الله - ﷺ - فذكر مثله. وهذا إسناد منقطع محمد بن يحيى بن حبان لم يدرك الوليد بن الوليد.
(٢) الترمذي (٣٥٢٨) عن علي بن حُجر، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا فَزِعَ أحدُكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامَّات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره " قال: وكان عبد الله بن عمرو يعلِّمُها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ منهم كتَبَها في صكٍّ ثم علَّقها في عنقه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قلت: وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ١٨١، وأبو داود (٣٨٩٣)، والنسائي في " اليوم والليلة " (٧٦٥)، وابن أبي شيبة ٨/ ٣٩ و٦٣ و١٠/ ٣٦٤، والحاكم ١/ ٥٤٨ من طرق عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. وصحح الحاكم إسناده، مع أن فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد عنعن. وأخرجه النسائي (٧٦٦) من طريق أحمد بن خالد، عن ابن إسحاق، به. إلاَّ أنه ذكر فيه فزع خالد بن الوليد، وأن رسول الله - ﷺ - علمه هذا الدعاء.
(٣) رقم (٢٦٠٣). وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ١٣٢ و٣/ ١٢٤، والنسائي في " اليوم والليلة " (٥٦٣)، وصححه الحاكم ١/ ٤٤٦ - ٤٤٧ و٢/ ١٠٠ ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر كما في " الفتوحات الربانية " ٥/ ١٦٤.
[ ٧ / ٢١١ ]
وفي سيد الاستغفار: " أعوذ بك من شر ما صنعتُ " رواه البخاري (١).
ولذلك ترجمةٌ يطول تقصِّيها، وجملتها معلومةٌ، ومعلومٌ تنزيه رسول الله - ﷺ - للربِّ تقدَّسَتْ أسماؤه من إضافة اسم الشر وما يُرادِفُه إلى الله تعالى.
وأما الاستعاذة: فهي الاستجارة، ولا يُجِيرُ على الله سواه كما قال.
وقد أوجب العلماء العمل بالراجح في أحكام المعاملات الدنيوية، فكيف لا يجب المصير إليه، والنُّصرة له في أسماء الله الحسنى، التي هي أعز ما في كتاب الله سبحانه، الذي هو أعز ما في الوجود بعد الله ﷿.
ولقد غيَّر (٢) رسول الله - ﷺ - حتى سَمَّى شِعْبَ الضلال شِعْبَ الهدى. رواه أبو داود (٣).
وغَيَّرَ - ﷺ - مِثْلَ حَرْبٍ وحَزْنٍ من أسماء أصحابه (٤)، فكيف بأسماء الله الحسنى؟!
وذمَّ الله تعالى الذين يجعلون لله ما يكرهون، فلا ينبغي التسامُحُ فيها، والقنوع بأدنى تأملٍ، والتقليد من غير ترجيحٍ، ولا يثبت التصحيح على من أطلق ذلك فلم يُرِدْ إلاَّ الخير، ولكن الأولى أن يجمع بين طيب العبارة وطِيبِ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٩٢ من هذا الجزء.
(٢) في (أ): عنى، وكتبت فوقها على الصواب، وهي كذلك في (ش): غير.
(٣) أورده أبو داود في " سننه " ٥/ ٢٤٣ لكنه لم يذكر له إسنادًا، تركه اختصارًا في جملة أشياء.
(٤) أما تغيير اسم حرب، فقد أورده أبو داود بغير سند للاختصار فقال في " سننه " (٤٩٥٦): وسمَّى حَرْبًا سِلْمًا. وأما تغيير اسم حزن فقد أخرج البخاري (٦١٩٠)، وابن حبان (٥٨٢٢) وغيرهما من طريق سعيد بن المسيب، عن أبيه، أن أباه جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: " ما اسمُك؟ " قال: حَزْن، قال: " أنتَ سَهْلٌ قال: لا أُغيِّرُ اسمًا سمَّانِيه أبي. قال سعيد: فما زالت الحُزُونةُ فينا بعد. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان ".
[ ٧ / ٢١٢ ]
كلام الغزالي في شرح الضار النافع
المعنى، وبلوغ الغاية القصوى في ذلك.
ومنه جاء ذكر يمينه في القرآن دون شماله، وفي الحديث: " كِلتا يديه يمينٌ " (١)، ولم نُرِدْ بتجَنُّب هذا الاسم في الأسماء الحسنى ما أراد من نفي سبق المقادير، أو ضعف مشيئة من هو على كل شيء قدير، وإنما أردنا أنه لا يصح اشتقاق هذا الاسم له من تلك المقدورات (٢) المخلوقات الضارة لحكمته فيها البالغة، وإرادته فيها ما لا نعلمه من المنافع والعدل والدفع واللطف والاعتبار، كما أن الطبيب مع قطعه بعض الأعضاء، وكَيِّهِ بالنار لبعضها، لا يسمى ضارًا للأليم بالإجماع، فكذلك أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. ألا تراه خلق الظلمات والنور جميعًا، ويُسَمَّى النور لا الظلام، وخلق الشرَّ ولا يُسمَّى الشِّرِّيرَ (٣)، ونحو ذلك.
وكذلك اسم الضارِّ مع عدم الاتفاق على صحة وُرُودِ ذلك في السمع، فتأمل ذلك، واحذر كل الحذر من ظنِّك أنا قلنا (٤): إن الله ليس بخالقٍ للضرِّ ولا مريدٍ ولا مُقدِّرٍ، وإنما قلنا: إنه خلقه ليُسَمَّى بسببه كاشف الضر، والنافع الدافع له. ألا ترى أن الحُمَّى حَظُّ المؤمن من النار، والحدود كفارات لأهلها مع تسمية الله لها نَكالًا وعقابًا، والكافر يُلْقَى في النار فِداءً للمسلم، ويُقتَلُ في الدنيا ليَشْفِيَ الله صدورَ قومٍ مؤمنين ويُذهِبَ غيظ قلوبهم.
وقد بُسِطَ هذا في الحكمة في عذاب الكفار في الآخرة.
وأما قول الغزالي في شرح هذا الاسم في " المقصد الأسنى " (٥): فلا تظنَّنَّ
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٢/ ١٦٠، ومسلم (١٨٢٧)، والنسائي ٨/ ٢٢١، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٢٤ من حديث عبد الله بن عمرو رفعه " إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولُوا ".
(٢) في (أ): المقدرات.
(٣) في (ش): الشر.
(٤) في (ش): نريد.
(٥) ص ١٢٩.
[ ٧ / ٢١٣ ]
أن السُّمَّ يَضُرُّ بنفسه، وقوله: إن الأمور الضارة في حق الرب سبحانه كالقلم للكاتب (١). إلى آخر كلامه في تحقيق نسبة الضرِّ إلى الله وإن كان على الجن والإنس والشياطين.
وتلخيص ذلك فما أوجب ضمه إلى ما قرره في هذا الكتاب بنفسه، وفي مقدمة " إحياء علوم الدين " فإنه كشف الغطاء عن هذه الشبهة فقال في " المقصد الأسنى " (٢) في شرح الرحمن الرحيم ما لفظه: سؤالٌ وجوابه، لعلك تقول: ما معنى كونه تعالى رحيمًا وأرحم الراحمين، والدنيا طافحةٌ بالأمراض والمِحَنِ والبلايا، وهو قادرٌ على إزالة جميعها، وتاركٌ عباده مُمتَحَنِينَ.
فجوابه: أن الطفل المريض قد تَرقُّ له أمُّه، فتمنعه من الحِجَامَةِ، والأبُ العاقل يَحمِلُه عليها قهرًا، والجاهل يظن أن الرحيم هو الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب بالحِجامة من كمال رحمته، وأن الأم عَدُوٌّ له في صورة صديق، فإن ألم الحجامة القليل إذا كان سببًا لِلَّذَّة الكثيرة لم يكن شرًا، بل كان خيرًا.
والرحيم يريد الخير بالمرحوم لا محالة، وليس في الوجود شرٌّ إلاَّ وفي ضِمْنِهِ خيرٌ، ولو رُفِعَ ذلك الشر لبطل ذلك الخير الذي في ضمنه، وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمن ذلك الخير.
قلت: وما أبين هذا المعنى وأوضحه في كتاب الله تعالى كما مضى قريبًا، ولو لم يَرِدْ في ذلك إلاَّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، وقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] وقوله: ﴿وَعَسى أنْ تَكرَهُوا شَيئًا وهُوَ خَيرٌ لَكُمْ
_________________
(١) نص قوله في المطبوع من " المقصد ": وجملة ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في اعتقاد العامي.
(٢) ص ٦٢.
[ ٧ / ٢١٤ ]
وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
قال الشيخ (١): واليد المتآكلة قطعها شرٌّ في الظاهر، وفي ضمنها الخيرُ الجزيل، وهو سلامة البَدَنِ، ولو تُرِكَ قطعها لحصل هلاك البدن، ولكن قطعها لسلامة البَدَن شرٌّ، وفي ضمنه خيرٌ، لكن المراد الأول السابق إلى نظر القاطع هو السلامة التي هي خيرٌ محضٌ، وهي مطلوبةٌ لذاتها ابتداءٌ، والقطع مطلوبٌ لغيره ثانيًا لا لذاته، فهما داخلان تحت الإرادة، لكن أحدهما مُرادٌ لذاته والآخر لغيره، والمراد لذاته قبل المراد لغيره، ولأجل ذلك قال الله تعالى: " سبقت رحمتي غضبي " (٢) فغضبه إرادته الشر، والشر بإرادته، ورحمته إرادته الخير، والخير بإرادته، ولكن إرادة الخير للخير نفسه، وإرادة (٣) الشر لذاته، يعني لكونه شرًا، بل لما في ضمنه من الخير، فالخير مقتضى بالذات، والشر مقتضى بالعرض (٤) وكلٌّ بقدرٍ، وليس ذلك مما يُنافي الرحمة أصلًا.
والآن إن خَطَر لك نوعٌ من الشر لا ترى فيه خيرًا، أو خطر لك أنه كان يمكن حصول (٥) ذلك الخير لا في ضمن الشر، فاتهم عقلك القاصر في أحد الطرفين (٦):
إما في قولك: إن بعض (٧) الشر لا خير تحته، فإن هذا مما تقصُرُ العقول عن معرفته، مثل أمِّ الصبي التي ترى الحِجامة شرًا مَحْضًا، ومثل الغبيِّ الذي يرى القتل قِصاصًا شرًا محضًا، لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول، وأنه في حقه شر محضٌ، وذَهَلَ عن الخير العامِّ الحاصل للناس كافةً، ولا يدري
_________________
(١) أي الغزالي، وهو في " المقصد الأسنى " ص ٦٢ - ٦٣.
(٢) تقدم تخريجه في الجزء الخامس ص ٢٧٥.
(٣) في " المقصد " في الموضعين: أراد.
(٤) في " المقصد ": لغيره.
(٥) في " المقصد ": تحصيل.
(٦) في " المقصد ": الخاطرين.
(٧) في " المقصد ": هذا.
[ ٧ / ٢١٥ ]
أن التوصل بالشر الخاصِّ إلى الخير العام خيرٌ محضٌ، لا ينبغي لحكيمٍ (١) أن يُهْمِلَه.
واتهم خاطِرَك الثاني وهو قولك: إنه يمكن تحصيل ذلك الخير لا في ضمن ذلك الشر، فإن هذا أيضًا دقيق [غامض]، فليس كلُّ مُحالٍ ومُمْكنٍ مما يُدرَك إمكانه واستحالته بالبديهة، ولا بالنظر القريب، بل يُعرف ذلك بنظرٍ غامضٍ دقيقٍ يَقْصُرُ عنه الأكثرون.
فاتَّهِمْ عقلك في هذين الطرفين، ولا تشكَّ أصلًا في أنه أرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمته غضبه، ولا تَستَرِيبنَّ (٢) في أن مريد الشر للشر لا للخير غير مستحق اسم الرحمة، وتحت هذا سر منع الشرع من إفشائه، فاقنع بالإيماء (٣) ولا تطمع في الإفشاء، ولقد نَبَّهت بالإيماء والرمز إن كنت من أهله فتأمل.
لقد أسمعتَ لو نَادَيْتَ حَيًّا ولكِنْ لا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي (٤)
هذا حكم الأكثرين.
وأما (٥) أنت أيها المقصود بالشرح، فلا أظنك إلاَّ مستبصرًا بسِرِّ القدر، مستغنيًا عن هذه التحويمات (٦) والشبهات. انتهى بحروفه.
وهو قريبٌ من مذهب البغدادية، أو هو هو، وقد نصره شيخُ الإسلام الحَرَّاني إمام المعقولات والمنقولات، وجوَّد تلميذه ابن قيِّم الجوزية ذلك في
_________________
(١) في " المقصد ": للخير.
(٢) في " المقصد ": تسترب.
(٣) في " المقصد ": بالإيمان، وهو خطأ.
(٤) البيت غير منسوب في " الأمثال والحكم " للرازي صاحب " مختار الصحاح "، و" زهر الأكم " ٢/ ٢٤٩ لليوسي وهو آخر بيت من قصيدة أنشدها عز الدين المقدسي في كتابه " كلام الطيور والأزهار " على لسان الغراب انظرها في " حياة الحيوان " ٢/ ١٠٤ للدميري.
(٥) في (أ): فأما.
(٦) في (أ) و(ش): التخويفات، والمثبت من " المقصد ".
[ ٧ / ٢١٦ ]
كتابه " حادي الأرواح " وأفْشَى هذا السرَّ كما يأتي في مسألة دوام العذاب، ولم يَرَوْهُ سرًا (١)، بل ذكروه (٢) عن جماعةٍ وافرةٍ من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، واحتجوا عليه بالكتاب والسنة، وإن كان الوقف عما تجاسروا عليه أحوط في الدين وأولى بمن يحب اتباع السلف الصالحين، لكنه خير من الرمز بالأسرار في أمور الإسلام لما يؤدي إليه من سوء الظنون.
مع أنه يمكن أن الغزالي أراد ما ثبت النهي عنه من إظهار (٣) الرحمة والرجاء لمن يخاف عليه الفساد، وقد اختلفت الآثار في هذا المعنى، واستقرَّ الأمر على جواز رواية الأخبار في ذلك، كما يجوز تلاوة الآيات المُقتضية لذلك، ومن عصى الله تعالى بسبب ذلك، فما أُتِيَ إلاَّ من سوء اختياره (٤)، إذ قد سمع تلك البِشَارات خلقٌ كثيرٌ من السلف الصالح ومن بعدهم، فشكروا عليها، وازدادوا نشاطًا، فالعاصي (٥) بذلك كالعاصي بسماعه أن الله غفور رحيم، والله سبحانه أعلم.
وأما قول الغزالي: إنه لا يمكن خلو الخير من الشر، فإن أرادَ في أنظار العقول، فذلك يُمكِنُه دعواه، والتشكيك فيه، والتجويز البعيد له، ولعل مراده في بعض مدارك العقول على سبيل المعارضة للشبه الفلسفية (٦) بمثلها، وأما بالنظر إلى البراهين السمعية، فإنه معلومٌ ضرورة إمكان تحصيل كل خير بقدرة الله تعالى خالصًا من الشرور، ولكن لا يعلم أن ذلك أرجح بالنظر إلى حكمته التي هي تأويل المتشابه.
فإن نازَعَ في هذا المقام منازِعٌ رَدَدْناه إلى السؤال الأول، وكم بين نعيم
_________________
(١) في (أ): شرًا، وهو خطأ.
(٢) في (أ) و(ش): ذكره، والصواب ما أثبته.
(٣) " من إظهار " سقطت من (أ).
(٤) في (ش): فما أتي إلاَّ من جهة نفسه، وقد.
(٥) في (ش): والعاصي.
(٦) في (ش): لشبه الفلسفة.
[ ٧ / ٢١٧ ]
الجنة بعد مقاساة مصائب الدنيا وضروراتها وهمومها، وبين لَذَّتِها لو خُلِقَ أهلها فيها قبل ذلك؟! كما أنه لا يخفى أن لذة شرب الماء العذب بعد العطش الشديد أعظم منها قبله، وقد أوضحت هذا في مرتبة الدواعي، فيراجع (١) منها.
وقد تواتر خَرْقُ العادات في المعجزات، ونطق القرآن بأن عيسى كان يُحيي الموتى، ويُبْرِىءُ الأكمه والأبرص، وأجابه الله في إنزال المائدة كما أجاب سليمان ﵇ في إعطائه ذلك الملك العظيم الخارق لعادات ملوك المخلوقين أجمعين. وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج: ٤٠ - ٤١] في آياتٍ كثيرةٍ في هذا المعنى دالةٍ على أن لله تعالى حكمةً في خلق المذنبين، مع قدرته على تبديلهم بخيرٍ منهم، لولا ما سبق في حكمته وحق من كلماته (٢).
وقال تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] مع أنه تعالى لم يفعل ذلك في حقِّ أهل الأُخدود، فدل على شمول قدرته، وغموض حكمته، وقد تواتر الأمر بسؤال العافية في الدَّارَيْنِ، وأجْمَعَ المسلمون على ذلك.
وقال الغزالي أيضًا في كتاب العلم من " إحياء علوم الدين " (٣) في أقسام العلوم الباطنة ما لفظه: القسم الثاني من الخفيات التي منع الأنبياء والصِّدِّيقون من ذِكْرِها: ما هو مفهومٌ في نفسه لا يَكِلُّ الفهم عنه، ولكن ذِكْرُه يَضُرُّ بأكثر المستمعين، ولا يَضُرُّ بالأنبياء والصدِّيقين، وسرُّ (٤) القدر الذي منع أهلُ العلم به من إفشائه من هذا القسم (٥)، فلا (٦) يبعد أن يكون ذكر بعض (٧) الحقائق مُضِرًّا
_________________
(١) في (ش): فليراجع.
(٢) في (ش): كتابه.
(٣) ١/ ١٠١ في كتاب قواعد العقائد في الفصل الثاني منه، لا كما أشار إليه المصنف ﵀ أنه في كتاب العلم.
(٤) في (أ) و(ش): وهو سر، والمثبت من " الإحياء ".
(٥) عبارة " من هذا القسم " لم ترد في (أ) و(ش).
(٦) في (أ) و(ش): ولا.
(٧) " بعض " سقطت من (أ).
[ ٧ / ٢١٨ ]
ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش، وكما يضر ريح الورد بالجُعَل، وكيف يبعد هذا؟!
وقولنا: إن الكفر والزنى والمعاصي والشرور (١) بقضاء الله وإرادته ومشيئته حقٌّ في نفسه، وقد أضر سماعه (٢) بقوم إذا أوهم ذلك عندهم أنه (٣) دلالةٌ على السَّفَهِ، ونقيضُ الحكمة، والرضا بالقبيح والظلم، وقد ألحد (٤) ابن الرَّاوَنْدِي وطائفةٌ من المخذولين بمثل ذلك.
وكذلك سر القدر إذا أُفشِيَ أوهم عند أكثر الخلق عجزًا إذ تقصُرُ أفهامهم عن درك (٥) ما يُزيل هذا الوهم (٦).
ولو قال قائل: إن القيامة لو ذُكِر ميقاتها وأنها بعد ألف سنةٍ أو أكثر أو أقل لكان مفهومًا (٧)، ولكن لم يذكر لمصلحة العباد وخوفًا من الضرر، فلعلَّ المدة (٨) إليها بعيدةٌ فيطول الأمد (٩)، وإذا استبطأت النفوس وقت العقاب قل اكتراثها، ولعلها كانت قريبةً في علم الله، ولو ذُكِرَت لعَظُمَ الخوف، وخَرِبَتِ الدنيا، وأعرض الناس عن الأعمال، فهذا المعنى لو اتجه وصح، لكان مثالًا لهذا القسم. انتهى.
وفي كلامه هذا والكلام المُقَدَّم قبله المنصوص في " المقصد الأسنى " ما يدل على أنه كان يُضمِرُ القول بوجوب الاعتراف بحكمة الله وتعليل أفعاله وأقداره كلِّها بالغايات الحميدة، والحِكَمِ البالغة في تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله تعالى، كما أوضحه الله تعالى في قصة موسى والخَضِرِ عليهما
_________________
(١) في (أ) و(ش): إن الكفر والشر.
(٢) في (أ): ذلك.
(٣) " أنه " ليست في (أ) و(ش).
(٤) في (أ) و(ش): وألحد.
(٥) في " الإحياء ": إدراك.
(٦) في " الإحياء ": ذلك الوهم عنهم.
(٧) " لكان مفهومًا " ليست في (أ) و(ش).
(٨) بعدها في نسخة (أ): وإن كانت!
(٩) في (أ) و(ش): الأمر، والمثبت من " الإحياء ".
[ ٧ / ٢١٩ ]
السلام، وأشار إليه في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، وفي قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦]، ولم يَرِدِ العكس من ذلك ولا يجوز أن يرد. بل قد صرح الغزالي بذلك في أوائل " إحياء علوم الدين " في كتاب العلم في ذكر علوم المكاشفة منه، فإنه قال: إن مَنْ عَلِمَ علوم المكاشفة، عرف حكمة الله تعالى في خلق الدنيا والآخرة.
وقد أوضحتُ هذا المعنى في آخر مسألة الأفعال، ولعل هذا هو الذي أشار إليه الغزالي، أو بعض ما أشار إليه في خطبة (١) " المقصد الأسنى ": وكيف لا وللبَصِير عن هذه الغَمْرَة صارِفان، إلى قوله:
والثاني: أن الإفصاح عن كُنْهِ الحقِّ فيه (٢) يكادُ يُخالِفُ ما سبق إليه (٣) الجماهير، وفِطَامُ الخلق عن العادات، ومألوفات المذاهب عسيرٌ، وجَنَابُ الحق يَجِلُّ عن أن يكون مشرعًا لكلِّ واردٍ، وأن يَطَّلِع عليه إلاَّ (٤) واحدٌ بعد واحدٍ، ومهما عَظُمَ المطلوب قلَّ المُسَاعِد، ومن خالط الخلق جديرٌ أن يتحامى، ولكن من أبصر الحق عسيرٌ عليه أن يتعامى، ومن لم يعرف الله، فالسُّكوت عليه حَتْمٌ، ومن عرفه، فالسكوت له حَزْمٌ. انتهى.
فإذا عرفت هذا من مذهبه، فينبغي أن يُجمَعَ بينه وبين ما يظن الغبي أنه يخالِفُه، وكان من تمام الصنعة أن يذكر كلامه في تفسير (٥) الرحمن الرحيم بعد كلامه في تفسير الضار النافع، أو يشير إليه كي لا يتوهم الجاهل أن نسبة الضر إلى الله تعالى مع بقاء اسمه ومعناه، وليس كذلك، لأن مفهومه في اللغة: ما هو شرٌّ بلا نَفْعٍ، وذلك ما لا يدخل في فعل أحكم الحاكمين سبحانه
_________________
(١) " خطبة " لم ترد في (أ).
(٢) " فيه " لم ترد في (أ) و(ش)، وأثبتها من " المقصد الأسنى " ص ٢٣.
(٣) " إليه " لم ترد في (أ).
(٤) في " المقصد ": وأن يتطلع إليه إلا.
(٥) " تفسير " لم ترد في (أ).
[ ٧ / ٢٢٠ ]
وتعالى، فإنه ﷾ تَمَدَّحَ بأنه الذي يُجيبُ المضطرَّ إذا دعاه، ولم يتمدح (١) بأنه الذي يضطرُّ، وإن كان هو خالق الضرورات، لأنه خلقها ليَسُوقَ العباد إلى دعائه، فيُجيبهم، فيعرفونه ويشكرونه، قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٣]. وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
وفي " عوارف المعارف " للسُّهْرَوَرْدِي: إن الضرورات للعبد بمنزلة السوط للدابة، لا تُضْرَبُ به حتى تَتْرُكَ السير، أو تسير في غير الطريق.
ومن هنا وجب شكر الله على ما نفع وضر، وحلا ومرَّ، وكان رسول الله - ﷺ - يقول: " الحمد لله على كل حالٍ، وأعوذ بالله من حال أهل النار " رواه الترمذي وابن ماجه (٢).
فإذا تقرَّر في الشرور التي خلقها الله تعالى وحده، وليس للعباد فيها كسبٌ، ولا لقدرتهم بها تعلُّقٌ، لا تضاف إليه إلاَّ مُغَيَّرَة الاسم، مُعتَقَدًا فيها أنها خيرٌ وبركةٌ ورحمةٌ وحكمةٌ، فكيف يضاف إلى الله تعالى ذنوبُ العباد وفواحِشُهم من الوجه الذي هي منه كفرٌ وفجورٌ مستحقةٌ لجميع الأسماء القبيحة، والمعاني الخَسِيسَةِ.
وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] أن في ذلك تنبيهًا على أنه لا يُشتَقُّ لله تعالى أسماءٌ من مخلوقاته الضارة، لأنه لم يقل: إني المعذِّب المؤلم، كما قال: إني أنا الغفور الرحيم.
وذلك تعليمٌ لحسن الأدب والتعبير عن مختلفات أفعاله التي دارَتْ على
_________________
(١) في (أ): بمدح.
(٢) تقدم تخريجه في هذا الجزء ص ٢٠٨.
[ ٧ / ٢٢١ ]
الحِكَم والغايات (١) الحميدة، وهذا هو مذهب أهل السنة.
وكذلك ذكر الذهبي أنهم بَدَّعوا أبا طالبٍ المكيَّ حيثُ قال في وعظه: إنه ليس شيءٌ أضَرَّ على المخلوقين من الخالق. ولو مشينا على ظاهر تفسير الغزالي اسم الضار، ولم يُضَمَّ إليه تأويله المذكور في شرح الرحمن الرحيم، لكان (٢) كلام الغزالي في شرح الضار مثل هذا الكلام المنكر أو أقبح. ذكر ذلك في ترجمته من " الميزان " (٣) واسمه محمد بن علي بن عطية.
فإن قلت: هل ورد في القرآن اسمٌ لله ﷿ يناسب ما وقع من المصائب والبَلاوِي؟
قلت: نعم، وهو المُبْتَلِي، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠]، وقال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥]، وقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وهو من أسمائه الحسنى، لأن الابتلاء من فعل الحكيم، لِيَمِيزَ الخبيث من الطيب، فالحكمة فيه ظهور طيب الطيب، وإبانته ورَفْعُ منزلته، لا ظهورُ خبث الخبيث، ولكن المحاسن لا تُعرَفُ إلاَّ بأضدادها.
والحجة الواضحة على أن ذلك المراد لا عَكسُه قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولم يقل: أيُّكم أقبح عملًا، ولذلك قال العارفون: إن الخلق كلهم مثل شجرةٍ، ثمرتها المقصود بها أهل الخير منهم.
وفي الحديث: " لما دعا الخليلُ على من رآه يعصي، قال الله له: إنَّ قَصْرَ عبدي مني إحدى ثلاثٍ: إما أن يتوب فأتوب عليه، أو يستغفرني، فأغفر له،
_________________
(١) في (أ): والعنايات، وكتب فوقها " والغايات "، وهي كذلك في (ش): والغايات.
(٢) في (أ): لكن، وهو خطأ.
(٣) ٣/ ٦٥٥.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
بحث في أنه هل يدخل اسمه المانع في معنى الضار
أو أُخرِجَ من صلبه من يعبدني" رواه الطبراني (١)، ومعنى قَصْره: منتهاه.
وربما عبَّر عن المبتلي بالعزيز المقتدر، كقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢]، كما أشار إليه في سورة الشعراء حيث قال بعد كل قصةٍ فيها تعذيب أعدائه الكافرين، ورحمة أوليائه المؤمنين: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩] حتى تكرَّر ذلك ثمان مرارٍ بعد ثمان قصصٍ، فكان فيه تنبيهٌ لنا على تسمية العزيز القدير بالنظر إلى انتقامه (٢) من الكافرين، وإنزاله بهم المضار والعقوبات، وتسميته بالرحيم بالنظر إلى المؤمنين كقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وكذلك قد يُسمَّى بالدَّيَّان أو الحكيم أو خَفِى الحكمة في هذه المواضع، ونحو ذلك مما وَرَدَ به السمع واستُعمِلَ في الثناء، والله أعلم.
فإن قلت: فهل يدخل اسمه المانع في معنى الضار فيُستَحَبُّ اجتنابه في الأسماء الحسنى؟
قلت: كلا، فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: " لا مانِعَ لما أعطيت ولا مُعطِيَ لِما مَنَعْتَ " (٣).
وقيل: إن معناه المانع (٤) من المخاوف، والمنجي من المهالك، والله تعالى مانعٌ من الكفر وسائر المحرمات والقبائح والمذامِّ بالتحريم لها، والنهي عنها، والوعيد عليها.
على أن الطبيب إذا منع المريض من شهواته الضارة لا يُسَمَّى ضارًّا في
_________________
(١) في " الأوسط " كما في " المجمع " ٨/ ٢٠١، قال الهيثمي: وفيه علي بن أبي علي اللهبي وهو متروك.
(٢) في (أ): انتفائه، وكتب فوقها " انتقامه " على الصواب، وهي كذلك على الصواب في (ش).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) " المانع " سقطت من (أ).
[ ٧ / ٢٢٣ ]
اللغة ولا في العُرْف، وإن سُمِّي مانعًا.
وقد يمنع الله العبد من إجابة بعض ما يدعو به من مضرَّةِ العبد، فيعيضه به ما هو خيرٌ له كما ورد مرفوعًا.
وفي الحديث: " إن الله يحمي عبده المؤمن الدنيا كما يحمي أحدُكم مَرِيضَه الماء " (١) أو كما ورد.
وفيه: " إن أمر المؤمن كله عجيبٌ: إن سرَّه كان خيرًا له، وإن ساءه كان خيرًا له ". روى أحمد معناه (٢).
وروى ابن أبي الحديد في " شرح النهج " أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: أن قل لعبادي المتسَخِّطِين برزقي يَحْذروا أن أسْخَطَ عليهم، لأفْتَح عليهم الدُّنيا.
وفي كتاب الله تعالى ما يشهد لصحة هذا، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧].
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٨ من طريق أبي سلمة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد رفعه. " إن الله ﷿ يحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه " وأخرجه الحاكم ٤/ ٢٠٨ وصححه ووافقه الذهبي من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو بهذا الإسناد إلاَّ أنه زاد فيه: عن أبي سعيد الخدري، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا ٤/ ٢٠٧ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان مرفوعًا بلفظ: " إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء ".
(٢) هو في " المسند " ٤/ ٣٣٢ و٣٣٣ من حديث صهيب ﵁، ورواه مسلم في " صحيحه " (٢٢٩٩)، وصححه ابن حبان (٢٨٩٦) وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٧ / ٢٢٤ ]
وكذلك المميت لقوله تعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقول الخليل: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١]، ولأنه في معنى القهار، وذلك لأن الموت لقاءٌ، وقد ثبت في " الصحيح " أن رسول الله - ﷺ - قال: " من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كَرِهَ لِقَاء الله كره الله لِقاءه " فقالوا: كلُّنا يَكرَهُ الموت. قال: " إنَّ المؤمن لا يَمُوتُ حتى يُبَشَّرَ، فيُحب الموت " (١).
ورُوي أن الخليل ﵇ قال: يا ربّ، أيُحِبُّ الخليلُ موت خليله؟ فقال الله تعالى: " هل يكره الخليلُ لقاء خليله؟! " قال: لا يا ربّ (٢).
وبالجملة: فقد ورد القرآن بالتمدُّح بفعل الخير، والقدرة على كل شيء من خيرٍ وشر، ومثوبةٍ وعقوبةٍ، وذلك بَيِّنٌ في قوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ٤٠]، وفي آية: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وفي آية: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠].
وذلك لأن مُوجِبَ كماله وملكه الحق يقتضي أن يكون ملكًا عزيزًا مَخُوفًا مهيبًا، يُخافُ ويُهابُ ويُخشى ويُتَّقى مثل ما يُستَرحَمُ ويُستَعطَفُ ويُسألُ ويُرتَجى، فيكشف السوء كما يُعطِي السُّؤل، ويمنع المخوف، كما يُبَلِّغُ المأمول.
وفي هذه الآيات الثلاث إشارةٌ إلى ما قدَّمْتُه من أنه سبحانه يسمى بالنظر إلى فضله بالغفور الرحيم ونحو ذلك، ويُسَمَّى بالنظر إلى عدله في عقوباته بالقدير والمقتدر، والعزيز والقهَّار والمتكبِّر والجبار، ونحو ذلك مما ورد به السمع المعلوم الصحيح، والمدح المعقول الصريح.
وكذلك يجوز أن يُنسَبَ الخير والشر معًا إلى قدرته وملكه وخزائنه، ولا يُفرد
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الخامس ص ١٢٧.
(٢) أورة الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ١١/ ٣٦١ ولم يعزه إلى أحد، لكن قال: وقد ذكر بعض الشراح أن إبراهيم ﵇ قال لملك الموت لما أتاه لِيقبض روحه: هل رأيت خليلًا يميت خليله؟ فذكر نحوه.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
الشرُّ بذلك إذا صحَّ حديث ابن مسعود الذي فيه مرفوعًا: " اللهم إني أسألك من كل خيرٍ خزائنه بيديك، وأعوذ بك من كل شرٍّ خزائنه بيديك " (١).
وقد ذكر صاحب " سلاح المؤمن " أن ابن حبان والحاكم أخرجاه، واللفظ للحاكم وصححه وقال: على شرط البخاري.
وهذا يُؤذِنُ بأنه ليس على شرط مسلم، وقد يختلفان في الرجال مثلَ اختلافهما في توثيق عكرمة عن ابن عباس، وأبي (٢) الزبير عن جابر، الأول شرط البخاري، والثاني شرط مسلم. ويُمكِنُ في مثل هذا الانتقاد فيُحرَّر ذلك، لكن يشهد له عموم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ الآية [الحجر: ٢١].
وعلى كل تقديرٍ، فإن كون الشر في خزائنه مثل كونه تحت قدرته، ولا معنى له سوى ذلك، وكونه تحت قدرته اسم مدحٍ وِفاقًا، لأنه من كمال الملك الذي يلزمه الخوف والرجاء، ولا يلزم منه أن يُسَمَّى شرِّيرًا قطعًا، وكذلك اسم الضارِّ ولم يلزم من كونه تحت قدرته ومشيئته.
وأين هذا من قول سيد الرسل المترجم عن محامده ﷿ بقوله في الأحاديث الصحاح المتقدمة: " الخير بيديك، والشر ليس إليك " ولو لَزِمَ أن
_________________
(١) أخرجه الحاكم ١/ ٥٢٥ من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الصهباء، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود، وصححه على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بقوله: أبو الصهباء لم يخرج له البخاري. قلت: وعبد الله بن صالح سيىء الحفظ فالسند ضعيف وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٩٣٤) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن العلاء بن رؤبة التميمي، عن هاشم بن عبد الله بن الزبير أن عمر بن الخطاب أصابته مصيبة، فأتى رسول الله - ﷺ - وفي آخره " وأسألك من الخير الذي هو بيدك كله "، وليس فيه: " وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيديك " ورجاله ثقات غير العلاء بن رؤبة وشيخه هاشم، فلا يعرفان بجرح ولا تعديل.
(٢) في (أ): وابن، وهو تحريف.
[ ٧ / ٢٢٦ ]
يشتق له اسمًا مما كان تحت قدرته وتقديره، لزم مناقشة أسمائه الحسنى تعالى عن ذلك.
فأين هذا من اسمه القُدُّوس السُّبُّوح ربِّ الملائكة والروح، وأين من يعرف ذلك حتى يعرف ما يُضادُّه من الأسماء، ويعرف أن السمع لا يَرِدُ بالتناقض والتضاد فيما دون هذا، فالله المستعان.
وما أحسن قول الغزالي في هذا المقام في تفسير القدوس فلنختم به هذا المعنى فنقول: قال في " المقصد الأسنى " (١) في شرح هذا الاسم الشريف ما لفظه: ولستُ أقول: إنه مُنَزَّهٌ عن العيوب والنقائص، فإنَّ ذِكر ذلك يكاد يَقْرُبُ من ترك الأدب، فليس من الأدب أن يقول القائل: مَلِكُ البلد ليس بحائِكٍ ولا حَجَّام، فإن نفي الوجود يوهم إمكان الوجود، وفي ذلك الإيهام نقصٌ، بل أقول: القدوس: هو المنزه عن كل وصف من أوصاف كمال المخلوقين الذي يظنه أكثر الناس كمالًا في حقهم، لأن الخلق أولًا نظروا إلى أنفسهم، وعرفوا صفاتهم، وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمالٌ ولكن في حقهم مثل علمهم وقدرتهم وسائر صفاتهم، ووضعوا هذه الأسماء بإزاء هذه المعاني، وقالوا: هذه الأسماء هي الكمال، فإذا أثنوا على الله تعالى، وصفوه بما هو أوصاف كمالهم، وهو منزه عن أوصاف كمالهم، كما هو منزَّهٌ عن صفات نقصهم، بل كُلُّ صفة متصوَّرةٍ للخلق، فهو منزه مقدس عنها وعما يشبهها، ولولا ورود الرخصة والإذن بإطلاقها لم يَجُزْ إطلاق أكثرها (٢). انتهى.
وهو نصٌّ صريح في معنى ما ذكرت من وجوب التحري في تصحيح الإذن الشرعي في اسم الضار ونحوه، وأن الواجب أن لا يطلق من ذلك ما في صحته خلافٌ بين أئمة السنة وعلماء الأثر، ونُقَّاد التصحيح، وحسبك بترك البخاري ومسلم لذلك مع رواية أولِ الحديث.
_________________
(١) " المقصد الأسنى ": ص ٦٥.
(٢) في (ش): ذكرها.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
وإنما حملهم على تعداد الأسماء الطمع في الإحاطة بالتسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة، وذلك أمر لا يمكن القطع بحصوله، ولا يُتَوَصَّلُ إليه إلاَّ بتوفيق الله، فإن لله تعالى أسماء كثيرة غير مُحصاةٍ، وهذه التسعةُ والتسعون من أسمائه وليست جميع أسمائه، لِما ثبت في حديث ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: " اللهم إني أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " الحديث (١).
فدلَّ على أن تمييز التسعة والتسعين يحتاج إلى نص متفق على صحته، أو توفيقٍ رباني، وقد عُدِمَ النص المتفق على صحته في تعيينها، فينبغي في تعيين ما تعين منها على ما ورد في كتاب الله منها بنصه، أو ما ورد في المتفق على صحته من الحديث.
واعلم أن الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن، لا جمع الحسن، فإن جمعه حِسان وحَسَنَةٌ، فأسماء الله التي لا تحصى كلها حسنةٌ، أي: أحسن الأسماء، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] أي: الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه ونُعُوته، فلذلك وجب أن تكون أسماؤه أحسن الأسماء لا (٢) أن تكون حسنةً وحِسانًا لا سوى، وكم بين الحَسَنِ والأحسن من التفاوت العظيم عقلًا وشرعًا ولغةً وعُرفًا.
وما أحسن قول من قال في الإشارة إلى ما تضمنه حديث ابن مسعودٍ من كثرة أسماء الله الحسنى:
وعلى تفنُّن واصِفِيهِ بِوَصْفِه يفنى الزمانُ وفيه ما لم يُوصَفِ
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد ١/ ٣٩١ و٤٥٢ وغيره، وصححه ابن حبان (٩٧٢)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) في (أ) و(ش): إلا، وهو خطأ.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
سرد أسماء الله القرآنية
وهذا آخر هذه الخاتمة المباركة، ختمت بها مسألة الأفعال التي هي المرتبة الخامسة من الكلام على الوهم الثامن والعشرين، وقد طال الكلام فيه طولًا خرق عوائد المتوسِّعين، وذلك على الحاجة الداعية إلى ذلك، فإن الغرض في ذلك إيضاح الحق على حسب استتاره (١)، وذلك لا يتقدَّر بميزانٍ ولا مكيالٍ، بل يقف على مقتضى الحال، والحمد لله الذي بلّغ أقصى المراد، ووفَّقَ للاقتصاد في الاعتقاد أحب الحمد إليه، وأرضاه لديه، والحمد لله حمدًا كثيرًا (٢) طيبًا مباركًا فيه.
وهذه الأسماء القرآنية:
هو الله الذي لا إله إلاَّ هو، الإله، إله الناس، الواحد، الأحد، الرحمن، الرحيم، ذو الرحمة الواسعة، الغني، ذو الرحمة، الغفور ذو الرحمة، الذي كتب على نفسه الرحمة، أرحم الراحمين، خير الراحمين، الواسعُ كل شيءٍ رحمةً وعلمًا، الغافر، الغفور، الغفار، واسع المغفرة، أهل التقوى وأهل المغفرة، الذي يغفر الذنوب جميعًا، ولا يغفر الذنوب إلاَّ هو، الحاكم، الحكم، الحكيم الأحكم، أحكم الحاكمين، خير الحاكمين، العالم، العليم، الأعلم، علام الغيوب، الواسع كل شيءٍ رحمة وعلمًا، الرب البَرُّ، رب الفلق، رب الناس، رب كل شيءٍ، ربُّ العالمين، رب العزة، رب العرش العظيم، الواسع، المُوسِعُ، واسع المغفرة، واسع كلِّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، الملك، المليك، المالك، ملك الناس، الرازق، الرزاق، خير الرازقين، الخالق، الخلاق، أحسن الخالقين، الناصر، نعم النصير، خيرُ الناصرين، الحافظ، الحفيظ، خير الحافظين، القويُّ الأقوى، ذو القوة المتين، العليُّ، الأعلى، المتعالي، القادر، القدير، المقتدر، العزيز، الأعزُّ، رب العزة، الشاكر، الشكور، قابل التوب، التواب، القريب، الأقرب، الحي، القيوم، القائم على كل نفس، الفاعل، الفَعَّال لما يريد، الوارث، خير الوارثين، الكريم، الأكرم، فالق الإصباح، فالق الحبِّ والنوى، العظيم،
_________________
(١) في (ش): " استيساره " وهو خطأ.
(٢) من قوله " والحمد لله " إلى هنا سقط من (ش).
[ ٧ / ٢٢٩ ]
الأعظم، نعم المولى (١)، الشاهد، الشهيد، الكبير، الأكبر، القاهر، القهار، نعم القادر، نعم الماهِدُ، نعم الوكيل، الصمد، المتين، الخبير، المُبْرِمُ، الغني، الحميد، المجيد، الوهاب، الجامع، المحيط، الحسيب، المقيت الرقيب، كاشف الضر، الفاطر، المبتلي، اللطيف، الصادق، الحق، الودود، الحَفِيُّ، المستعان، الفتاح، نور السماوات والأزض، رفيع الدرجات، المنتقم، الزارع، الأول، الآخر، الظاهر الباطن، القدوس، السلام، المؤمن المهيمن، الجبار، المتكبر، البارىء، المصوِّر، مخرج الميت من الحي، جاعل الليل سكنًا، خير الفاصلين، أسرع الحاسبين، خير المنزلين، المتِمُّ نوره، البالغ أمره، الغالب على أمره، ذو الطول، ذو المعارج، ذو الفضل العظيم، ذو العرش العظيم، ذو الجلال والإكرام، الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، وسِعَ كرسيُّه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما، لم يكن له كُفُوًَا أحدٌ، ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار وهو يُدْرِك الأبصار، ليس بظلاَّمٍ للعبيد، لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، ولا يُبَدَّل القول لديه، ولا يُخْلِفُ الميعاد، الذي يُجيرُ ولا يُجَارُ عليه، ولا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذُّلِّ، له الحجة والحكمة، والمشيئة والنعمة والمِنَّة، والرحمة والرأفة، والملك والحمد، والخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير، الم، الم، المص، الر، الر، المر، الر، الر، كهيعص، طه، طسم، طس، طسم، الم، الم، الم، الم، يس والقرآن الحكيم، ص، حم، حم، حم، حم عسق، حم، حم، حم، حم، ق، ن.
زاد الترمذي (٢) مما لم أجده بنصه في القرآن ثمانية وعشرين اسمًا، وهي:
القابض، الباسط، المُعِزُّ، المذل، الخافض، الرافع، العدل، الجليل، المُحْصِي، المُبدىء، المعيد، المُحيي، المُميت، الواحد، الماجد، المقدم، المُؤَخِّر، الوالي، المُقْسِط، الغني، المُغني، المانع، الضار، النافع،
_________________
(١) في (ش): الولي نعم المولى.
(٢) (٣٥٠٧).
[ ٧ / ٢٣٠ ]
الهادي، الكافي، الرشيد، الصبور.
وليس في " البخاري " (١) منها إلا: المقدِّم المؤخِّر.
وزاد الحاكم في " المستدرك " (٢): الحَنَّان، المنان، الكافي، الدائم، المولى، الجميل، الصادق، القديم، الوِتْرُ، المُدَبِّرُ، الشاكر، الرفيع. زادها على الترمذي.
وزاد عليه مما في القرآن: الإله، الرب، الفاطر، المليك، المالك، الأكرم.
وزاد ابن حزم مما في " الصحيح ": الوِتْرُ، السيد، السُّبُّوح، الدَّهرُ.
وزاد مما لم أعرف من خرَّجه: المحسن، المعطي، المُجِلُّ.
لكن تسميته سبحانه الدهر في الحديث محتملةٌ للمحاز، بل ظاهرة فيه، لتفسيره في متن الحديث أنه سبحانه مُقَلِّبُ الليل والنهار ومصرِّفُهُما (٣).
وأما المشتقات من أفعاله سبحانه، فلا تحصى، وقد جمع بعضهم منها ألف اسمٍ: مثل: كاتب الرحمة على نفسه، المحمول، العادل، المعبود، المُحْكِم، المنعم، المحسن، متمُّ النعمة، المُطعم، المُقَدِّرُ، القاضي،
_________________
(١) (١١٢٠) و(٦٣١٧). وانظر ابن حبان (٢٥٩٧) و(٢٥٩٩).
(٢) ١/ ١٦.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: " مشرفهما " وقال القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ في " الفتح " ١٠/ ٥٦٦: زعم بعض من لا تحقيق له أن " الدهر " من أسماء الله، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا، أو فعله لما قبل الموت. وقد تمسك الجهلة من الدهرية بظاهر هذا الحديث، واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم، لأن الدهر عندهم حركات الفَلَك، وأمد العالم، ولا شيء عندهم ولا صانع سواها وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث: " أنا الدهر أقلب ليله ونهاره " فكيف يقلب الشيء نفسه، تعالى الله عن قولهم عُلُوًّا كبيرًا.
[ ٧ / ٢٣١ ]
الوهم التاسع والعشرون: الكلام في تكليف ما لا يطاق
المدَبِّر، المحق، الشافي، الباري، الماحي، المُثبّتُ، المريد، الكافي، العاصم، القاصم، المدافع، المُمْلِي، الآخِذُ، المجير، المُزَكِّي، الموفق، المُصَرِّف، المُمَكِّن، مقلب الليل والنهار، الصانع، الواقي، المتكلم، المريد، المرجُوُّ، المَخُوف، المَخَشْيُّ، المرهوب، السابق، الدَّيَّانُ، المستجار، المُستعاذ، المُعَاذُ، المُنجي، المُلجِىء.
ومن الممادح -وإن لم يكن مشتقًا- ما لا يُحصى، مثل: قديم الإحسان، دائم المعروف، المأمول، المُستَغَاثُ.
وينبغي أن يُدعى معها بحديث ابن مسعودٍ، في النبي - ﷺ -: " اللهم أنت ربي، وأنا عبدك، وابن أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عَدْلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي ".
رواه أحمد في " المسند " وأبو عوانة في " صحيحه " (١).
فهذا أجمع شيءٍ علمته فيها، وإنما ذكرت أوائل السور المُقَطَّعَة، لأنه قد رُوِيَ أنها أسماءٌ، وإن لم تصح، فقصدت ذكرها للاحتياط والتَّبرُّك بها، وكذلك صفات النفي، لأنها في معنى الأسماء، والله سبحانه أعلم.
الوهم التاسع والعشرون: وَهْمُ المعترض أن مذهبهم الجميع القول بتكليف ما لا يطاق.
وليس كذلك، فلم يذهب إلى هذا إلاَّ القليل من متأخري أهل علم الكلام منهم، كالرازي والسبكي من غلاة علم الكلام، دون حَمَلَة العلم النبوي، الذين أصل كلامنا فيهم، وذبُّنا عنهم، ومن ذهب إلى هذا منهم لم يُرِدْ ما يُفْهَمُ من ظاهر العبارة فيما ظهر لي، ولم أر فيهم من بالغ في نُصرته من غير
_________________
(١) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه.
[ ٧ / ٢٣٢ ]
تأويلٍ إلاَّ الرازي في مقدمات " المحصول " (١) دون " النهاية "، لكنه تاب من ذلك وأمثاله، فلا يَحِلُّ نسبته إليه، سامحه الله تعالى.
وقد ردوا ذلك، وأنكروه عليه، وعلى من ذهب إليه في مُصنفاتهم المشهورة في بلاد الزيدية، مع قلَّةِ كتبهم فيها، مثل كتاب " مختصر " منتهى السُّول " في أصول الفقه " (٢) لابن الحاجب، فإنه صرَّح فيه بردِّ هذا المذهب، وأورد الحجج على بطلانه، ولم يجزم بصحة روايته عن أحدٍ ممن يُعتمد عليه من أئمتهم، وإنما رواه بصيغة التمريض عن الأشعري، لأنه لم يَنُصَّ عليه الأشعري وإنما أخذوه له من قوله بخلق الأفعال، وعدم تأثير القدرة.
وقد بيَّنَّا في مسألة خلق الأفعال أن الأشعري يقول بأن التكليف متوجِّهٌ إلى العزم، والاختيار الذي هو عنده فعل العبد وأثر قدرته كقول الجاحظ وثُمَامَة بن أشرس من المعتزلة، وليس يتعلق التكليف عنده بالأفعال، فإنها عنده أثر قدرة الله تعالى، فبطل تخريج هذا القول له من هذا الوجه.
وتقدم هناك أيضًا بيان مقصد الأشعري في قوله: إنه لا ينقطع التكليفُ بفعلٍ حال حدوثه وإن لم يُرِدِ الطلب.
وقد قرَّر شُرَّاح " مختصر المنتهى " كلام ابن الحاجب في تزييف هذا القول، ولم يقولوا: إنه خرج فيه عن مذهبهم، ولا مال عن القوي المنصوص عندهم.
وكذلك يقول هو، يدل على أنه المنصوص المنصور في كتاب السيف الآمدي (٣) أحد علماء الكلام منهم، لأن كتاب السيف الآمدي هو أصل كتاب
_________________
(١) انظر ٢/ ٣٦٣ - ٣٩٩.
(٢) انظر ص ٤١ - ٤٣.
(٣) في (ش): " للآمدي "، وهو خطأ. والسيف الآمدي: هو: العلامة المصنف سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي، تبحَّر في العلوم، وتفرّد بعلم المعقولات والمنطق والكلام، وقصده الطلاب من البلاد. توفي سنة ٦٣١. انظر ترجمته في " السير " ٢٢/ ٣٦٤.
[ ٧ / ٢٣٣ ]
ابن الحاجب، وليس في كتاب ابن الحاجب إلاَّ ما في كتاب السيف.
وهذا يدلُّ على أن المشهور المنصوص في كتبهم هو التَّنزُّهُ من هذا المذهب الرَّكيك، بل صرَّح السبكي في " جمع الجوامع " أن الآمدي منع من تجويز التكليف بالمحال لذاته، وحكى عن جلة أئمتهم المنع من تكليف المحالِ على اختلاف تفصيل مذاهبهم، منهم: الشيخ أبو حامدٍ الإسفراييني، والمسمى عندهم بالحجة الغزالي، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني، والسيف الآمدي، وخاتمة محقِّقيهم الشيخ تقيُّ الدين، الشهير بابن دقيق العيد صاحب كتاب " الإمام " (١) كل هؤلاء حكى ذلك عنهم صاحبهم المخالف لهم أبو نصرٍ السُّبكيُّ في مقدمة كتابه " جمع الجوامع ".
وكذلك الجويني صرَّح في كتابه " البرهان " في أصول الفقه ببطلان هذا المذهب، وكتاب الجويني موجود في بلاد الزيدية أيضًا.
قال الجويني في " البرهان " (٢) ما لفظه: فإن قيل: فما الصحيح من تكليف ما لا يُطاق؟
قلنا: إن أُريد بالتكليف طلبُ الفعل وهو مما لا يطاق فذلك محالٌ (٣) من العالم باستحالة وقوع المطلوب.
وإن أريد به وقوع (٤) الصيغة، وليس المراد بها طلبًا كقوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥] فهذا غير ممتنع، فإن المراد بذلك: كوّنَّاهُم (٥) قردة خاسئين، فكانوا كما أردناهم. إلى آخر ما ذكره في الرد على من قال بذلك.
_________________
(١) وهو كتاب كبير، تضمن الأحكام، واشتمل على الفوائد النقلية، والقواعد العقلية، والنكت الخلافية، والمباحث المنطقية، والعلوم اللغوية والنحوية والحديثية، والكتاب لم يتم، لكنه أكمل تسويده، وبيَّض منه قطعة، ولو كمل تصنيفه وتبييضه، لجاء في خمسة عشر مجلدًا. انظر " تذكرة الحفاظ " ٤/ ١٤٨٢.
(٢) ١/ ١٠٤.
(٣) في " البرهان ": فهو فيما لا يطاق محال.
(٤) في " البرهان ": ورود.
(٥) في (ش): " كوّنّا ".
[ ٧ / ٢٣٤ ]
وهذا (١) الوجه الذي ذكره، وهو ورودُ صيغة الأمر من غير طلب الفعل المحال هو الذي أراد من جوَّز تكليف ما لا يطاق منهم، ولم يريدوا أن الله تعالى يريد به تنجيز وقوع ما لا يطاق في الخارج من العباد، وقواعد مذهبهم تمنع إرادة المحال، وذلك أنهم يعتقدون أن مرادات الله تعالى واقعة قطعًا، فلا يصح أن يريد المحال، لأن المحال لا يقع عندهم، ولأن الإرادة عندهم لا يصح تعلُّقُها بالمحال، بل لا تعلق من الممكن إلاَّ بالمتجدد كما مضى.
ولكن المعتزلة لما كان مذهبهم أن الأمر والإرادة متلازمان، ربما تَوَهَّمَ ذلك في خصومهم من ليس له تحقيق منهم في هذه المسألة.
وعند الأشعرية أن الأمر غير متلازم للإرادة، وقد تقدم تحقيقُ مذهبهم في ذلك في الكلام على الإرادة في مسألة الأفعال كما ذكر الشهرستاني، وقد وَضَحَ أنهم أرادوا تكليف ما لا يطاق ما لا إرادة فيه لتنجيز وقوع المحال، وهذا القدرُ هو القبيح عقلًا عند خصومهم، ولكن ادَّعَوْا في أحكامٍ مخصوصةٍ لا إرادة فيها لذلك أنها تُسَمَّى تكليفًا وذلك في صورٍ:
الأُولى: الحالة التي يُسمى العبد فيها عاصيًا ومطيعًا ومعاقبًا ومُثابًا، وإن لم يتمكن من الانفكاك عن الفعل بسبب اختياره وتورطه لأجله فيما لا حيلة له فيه، كالرامي لغيره إلى النار يَنْدَمُ ويتوب قبل وقوع المرمي فيها (٢)، ومثل من تَوَسَّطَ أرضًا مغصوبةً متعمدًا، فإنه بخروجه عاصٍ، لا على أنه منهيٌّ عن الخروج كما تقدَّم تحقيقه في الفصل الذي ختمت به مسألة الأفعال، فإنه مذهب أبي هاشم ومذهب غيره من المعتزلة ومن غيرهم.
ومن هنا نُسِبَ تكليف ما لا يطاق إلى الأشعري، وهو منه بريءٌ، لكنه لما اعتقد أن اختيار المكلف لفعله يكون سببًا لخلق الله لفعله، اعتقد أن الأفعالَ المخلوقة مسببات لاختيار العبد، وأنه وإن لم يكن فيها مختارًا، فقد فعل سببها، فوقع باختياره أول الأمر فيما لا خيار له فيه، فهو معاقب أو مثابٌ على
_________________
(١) في (ش): " ومن ".
(٢) في (ش): " به فيها ".
[ ٧ / ٢٣٥ ]
تكليف ما لا يطاق عند من جوزه نازل منزلة قوله تعالى ﴿يوم يكشف عن ساق﴾
ما ليس له فيه اختيار، لوقوعه فيه باختياره، وهذا معنى قول الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعلٍ حال حدوثه، أي لا ينقطع اللوم والعقاب، ولم يُرِدْ: لا ينقطع طلب التنجيز، وهذا المذهب شائع في المعتزلة والقائل به منهم أكثر، وجمهور أهل السنة على رده.
الصورة الثانية: حكاها الغزالي في كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد " (١) فقال: فإن قيل: فهو ما لا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه عبث، والعبث على الله محال.
قلنا: هذه ثلاث دعاوى:
الأولى: أنه لا فائدة فيه، ولا نُسَلِّمُ، فلعل فيه فائدةً للعباد اطلع الله عليها، فليس الفائدة الامتثال والثواب عليه، بل ربما يكون في إظهار الأمر، وما يتبعه من اعتقاد التكليف فائدة، فقد ينسخ الأمر قبل الامتثال كما أمر الله إبراهيم - ﷺ - بذبح ولده ثم نسخ قبل الامتثال. إلى آخر ما ذكره.
وهذه المسألة التي احتج بها، وهي النسخ قبل التمكن مسألة خلاف بينهم وبين المعتزلة أيضًا، والإمام المنصور بالله يقول فيها بقولهم، والجويني يقول فيه بقول المعتزلة.
وقد ظهر أن من جوَّز منهم تكليف ما لا يطاق، وهي فرقة شاذة، فما أرادوا نسبة قبيح إلى الله في إرادة تنجيز وجود المحال وترتيب وقوع العقوبة عليه كما في التكليف بالممكن. فهذا نوع من التكليف خاص له أحكام تخصه عند هذه الفرقة الشاذة نازل منزلة قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣].
وآخرها دليلٌ على الفرق بين الدعاء الذي ليس معه استطاعة وبين الدعاء في الدنيا، وهي حجةٌ لهم في تجويز مثل ذلك، مجرد تجويز على جهة
_________________
(١) ص ١١٣.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
تخصيص العام بالنادر ولمخالفتهم في أن تكليف هذه الدار مع القدرة.
ومن ذلك قوله - ﷺ -: " من تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ أن يَعْقِدَ بين شَعِيرَتَيْنِ " (١).
خرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي من حديث ابن عباس (٢).
وخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي - ﷺ -: " مَنْ كَذَبَ في حُلُمِهِ كُلِّفَ عقد شعيرةٍ " (٣).
وفي أحاديث المصورين أنه يقال لهم يوم القيامة: " أحْيُوا ما خلقتم ".
وهي صحاح مشاهير (٤)، ترجم النسائي لها: ذكر ما يكلف أصحاب الصور يوم القيامة (٥)، وساقها.
لا يقال: هذه كلها في دار الآخرة، وليس فيها تكليفٌ وإنما كلامنا في دار التكليف، لأنهم يقولون: عِلَّةُ المنع عندكم ليس شيئًا يرجع إلى الدار إنما هو حُكْمٌ بأن العقل يُقَبِّحُ ذلك، وأنه ظلم مع ترتب العقاب عليه، وعَبَثٌ مع خلاف ذلك، فالآخرة، وإن لم تكن دار تكليف، فليست عندكم دار ظلمٍ ولا يحسن فيها قبيحٌ عقلي.
والأوامر التي لا يراد بها تنجيز التكليف ولا معنى الطلب كثيرةٌ نحو قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، و﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقوله: ﴿مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] فماتوا، وقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١].
_________________
(١) في (ش): " شعرتين "، وهو تحريف.
(٢) تقدم تخريجه ٥/ ٢٩٣.
(٣) تقدم تخريجه ٥/ ٢٩٣.
(٤) انظر تخريجها ٥/ ٢٩٣.
(٥) " سنن النسائي " ٨/ ٢١٥.
[ ٧ / ٢٣٧ ]
وهو بابٌ واسع ومعانيه مختلفة، ولكن تسميته تكليفًا بدعة خارجة عن اللغة والعرف.
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وفي آية: ﴿إلاَّ ما آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وهذا وعد صادق صدر على جهة التمدح، ومعناه واضح ولا يُعارِضُه ما يُقاربه في القوة والوضوح، والحق رَدُّ المحتملات إلى الواضحات (١) لا العكس.
ومن أين للسني أن الله يرضى بقول القائل: إن تكليف المحال جائزٌ عليه، وهو يقول ما قدمنا، بل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فهي عامة فيما يطاق من ذلك مع المشقة والحرج، وما لا يطاق البتة، والعموم يجوز تخصيصه مع أنه لم يطلب منهم أن يقع في أنفسهم شيءٌ من ذلك، وإنما أخبر أنه يُحاسبهم عليه، فَيُعَذِّبُ من يشاء، ولعله إنما كان معذبًا -لو تم ذلك- بما يطاق من ذلك، بل قد تبين أنه كذلك، بل صح في حديث عائشة أن الحساب للمؤمنين هو العرض (٢).
وكذلك صح في حديث ابن عمر المعروف بحديث النجوى (٣).
_________________
(١) عبارة: " المحتملات إلى الواضحات " بياض في (ش).
(٢) انظر ٥/ ٢٧٤ ت (٥).
(٣) أخرج أحمد ٢/ ٧٤ و١٠٥، والبخاري (٢٤٤١) و(٤٦٨٥) و(٦٠٧٠) و(٧٥١٤)، ومسلم (٢٧٦٨) من طريق صفوان بن محرز المازني، قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر ﵄ آخِذٌ بيده، إذ عَرَضَ رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، =
[ ٧ / ٢٣٨ ]
وأما قولهم: " كلّفنا ما لا نُطِيق " (١)، فقد يورد ذلك فيما يَشُقُّ (٢) ويصعُبُ كثيرًا، ولعله قول بعضهم، ولا حجة فيه مع أنه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، وفي توثيقه وتضعيفه خلافٌ كثير، ولذلك لم يُخَرِّجْ له البخاري شيئًا ولا أخرج هذا الحديث، ولعل مسلمًا إنما أخرجه لموافقته لحديث ابن عباس بنحوه، لكنه لم يذكر قولهم: " لا نطيق " بل قال: إنه دخل في قلوبهم منها شيء، لم يذكر في قلوبهم من شيء.
وكذلك لفظ النسخ لم يذكره ابن عباسٍ في حديثه عند مسلم، فلفظ ابن عباس علي ما ذكرته، وأن آخر الآية مفسرٌ لأولها لا ناسخ، والله سبحانه أعلم.
وأما التحميل في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فليس بتكليفٍ إنما هو مثل إنزال الأمراض والبلاوي العظيمة.
وما خالف هذه القاعدة المنصوصة في محكم كتاب الله تعالى على وفق الحكمة المعقولة من الأوامر ما لا يُطاق فليست للطلب والتنجيز، ولها معان لطيفة يعرفها أئمة المعاني والبيان، فلتطلب من مَظَانِّها.
إذا عرفت هذا فاعلم أن من قال: ليس بتكليفٍ، كما هو الحق، فسره بما قدمنا عن الجويني، ومن قال: إنه تكليف، لم يُخالف في الحقيقة إلاَّ في معنى التكليف كما قال الغزالي فزعم أن إيراد صيغة الأمر في خطاب من يفهم يسمى تكليفًا وإن لم يُرِدْ به حصول الامتثال، والفائدة فيه عنده اعتقاد أنه مكلف، ومعنى كونه مكلفًا به كونه مخاطبًا به، والعقوبة فيه على زعمه على ترك هذا الاعتقاد، لا على الامتثال.
_________________
(١) = وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين". وصححه ابن حبان (٧٣٥٥) و(٧٣٥٦) وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) انظر تمام الحديث وتخريجه ٥/ ١٨٣ و١٨٤.
(٣) في (أ): " فيما لا يشق ".
[ ٧ / ٢٣٩ ]
الصورة الثالثة: ما تقدم عن الفرقة الأُولى أنهم جزموا في مسألة الأفعالِ أن مقدورات العباد كلها غير مقدورة لهم وحدهم إلاَّ بإعانة الله تعالى، فهي بالنسبة إلى عدم إعانته غير مطاقة، وبالنسبة إلى إعانته مطاقة، على ما تقدم تحقيقه في مسألة مقدور بين قادرين، وأن شرط التكليف عندهم أنه يخلقها الله حين يختارونها حتى يمكنهم أن يفعلوها حين خلقها الله أن يؤثروا فيها مع الله تعالى أثرًا ما تقوم به الحجة عليهم.
والتأثير في الوجوه والاعتبارات فرعٌ على خلق الذوات، ولكن لا (١) يلزم من ذهب إلى تكليف ما لا يطاق بهذا أن يكون التكليف كله تكليف ما لا يُطاق، كما ألزمه ابن الحاجب وغيره من احتج على نفي الاختيار. وقد قال ابن الحاجب: إن ذلك خلاف الإجماع، فإن أراد بالتكليف الطلب لتنجيز الوقوع، والفعل محال، فالإجماع على بطلان ذلك صحيحٌ، وإن أراد طلب التنجيز للمحال عند إمكانه واستجماع شرائطه، فالخلاف مشهور، وهو خلاف في العبارة مثل خلاف أبي القاسم البلخي في نفي المباح وأمثال ذلك.
الصورة الرابعة: وجوب الأرش على السكران في جناياته، وتنفيذ طلاقه، ونحو ذلك.
منهم من سمى ذلك تكليفًا لم يرد بالتكليف أن الله تعالى أراد منه أن يفهم حال سكره، فنسب إليهم تجويز تكليف من لم يفهم، وتجويز ما لا يطاق وإرادة ذلك.
فأما الإرادة فغلط واضح عليهم (٢) وخطأ فاحش، وأما ما سموه تكليفًا من غير إرادة، فغير معلوم القبح، ولا مستلزم للمحال، ولكن هي لجاجٌ في بِدَعٍ أدى إليها بعض القواعد الكلامية، كما أدى خصومهم المعتزلة إلى مثل ذلك في مسألة المشيئة وغيرها.
_________________
(١) " لا " سقطت من (ش) و(ف).
(٢) " عليهم " سقطت من (ش).
[ ٧ / ٢٤٠ ]
إذا تقرر هذا، فاعلم أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق غَلَطٌ في العبارة لا يخرُجُ صاحبه من الإسلام، فليس كل ما ظهر فيه الرِّكَّة من البدع، فقد كفر صاحبه، نسأل الله العافية من كل بدعة، والخروج من كل شبهة.
وقد ذكرت غير مرة أن في كل فرقة طوائف شاذةً تقول بمنكراتٍ من البدع، فمن أضاف بدعهم إلى عموم الفرقة التي شَذُّوا منها، فقد أساء، وتَنَزَّل منزلة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وفي " الصحيح ": " لا يؤمن أحدُكُم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه " (١)، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
وفي أهل السنة أيضًا من يَغْلَطُ، فَيَنْسِبُ إلى الزيدية مذاهب الإسماعيلية، والمطرفية، والحسنية (٢)، ونحو ذلك فالله المستعان.
والذي يُرجى لمن قال ذلك من أهل الإسلام أنه بالغ في التعظيم، فأساء العبارة، ومراده أن الله لو صدر عنه مثل ذلك، لوجب القطع بأن له فيه حكمةً تخرجه عن الظلم والعبث، لا أن ذلك جائزٌ، لكن على نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] على قول.
ونحو ما تقدم في الحديث الثاني والسبعين في أحاديث الأقدار: " لو أن الله عذب أهل السماوات والأرض عذبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم " (٣).
وقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧].
_________________
(١) رواه من حديث أنس أحمد ٣/ ١٧٦ و٢٧٢، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، وابن ماجه (٦٦)، والترمذي (٢٥١٥)، والدارمي ٢/ ٣٠٧، وابن حبان (٢٣٤) و(٢٣٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) في (ف): الحسينية.
(٣) انظر ٦/ ٤٧١.
[ ٧ / ٢٤١ ]
الوهم الثلاثون: فيه إثبات الحكمة لله تعالى بخصوص هاتين المسألتين:
المسألة الأولى: في أطفال المشركين هل يعذبون بذنوب آبائهم في النار أم لا؟
وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
فمن قال: إن هذه الأمور جائزة على الله مع ما فيها من تجويز تعذيب ملائكة الله ورسله ونحو ذلك، فهو مبطل حقًا، وإنما وردت مَوْرِدَ التعظيم بذكر ما لا يقطع قطعًا أنه لو وقع كيف كان الحكم والأدب أن يقال: لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لَفَسَدَتَا، والله سبحانه أعلم.
الوهم الثلاثون: وهم المعترض أنهم يخالفون في القدر الضروري من القول بجواز التعذيب بغير ذنبٍ أو الإيلام لغير حِكمةٍ، وليس كذلك، فإن الأكثرين والمحققين لا يجوِّزُون ذلك.
وقد قدَّمْتُ غير مرةٍ أنه لا يلزم الطائفة العظيمة ما شذَّ به بعضُ غُلاتِهم، وإلاَّ دخلت الشناعة على كل فِرقةٍ، ولم تختصَّ بأهل السنة والأشعرية، ولنتكلم في هذه الجملة خصوصًا وعمومًا.
أمَّا الخصوص، ففي مسألتين:
المسألة الأُولى: الكلام في الأطفال.
واعلم أن المعتزلة والشيعة ينسِبُون إليهم القول بأن أطفال المشركين في النار بذنوب آبائهم، هكذا من غير استثناءٍ، وهذا تقصيرٌ كبيرٌ في معرفة مذاهبهم، ولهم في المسألة أقوال:
قال ابنُ عبد البرِّ في " تمهيده " وقد روى حديث الصَّعب بن جَثَّامَة الذي خرَّجه أبو داود (١)، وفيه أنه سأل النبي - ﷺ - عن الدار من المشركين يُبَيَّتُون فيصابُ (٢) من ذراريهم ونسائهم، فقال: " هم منهم ".
_________________
(١) برقم (٢٦٧٢)، ورواه أيضًا أحمد ٤/ ٣٧، والبخاري (٣٠١٢)، ومسلم (١٧٤٥)، والترمذي (١٥٧٠)، وابن ماجه (٢٨٣٩)، وابن حبان (١٣٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) " فيصاب ": ساقطة من (أ).
[ ٧ / ٢٤٢ ]
قال أبو عمر بن عبد البَرِّ: وقولهم: هم من آبائهم، فمعناه: حكمُ آبائهم لا دية فيهم ولا كفارة، ولا إثم لمن لم يقصد قتلهم، وأما أحكامهم في الآخرة، فليس من هذا الباب في شيءٍ، وقد تقدم القول فيهم. انتهى.
وهذا إشارةٌ إلى أقوالهم فيها، ولهم فيها أقوالٌ:
القول الأول: أنهم في الجَنَّةِ.
قال النواوي في شرح " مسلم " (١): إن هذا قول المحقِّقين منهم. هكذا وصف القائلين منهم بهذا بالتحقيق، واختاره لنفسه واحتجَّ عليه، وكذلك إمام الشافعية في عصره العلامة علي بن عبد الكافي الشهير بالسبكي، اختار ذلك، واحتج عليه.
فمما احتج به النواوي على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
واحتج أيضًا بما رواه البخاري في " صحيحه " (٢) عن سَمُرَةَ في حديثٍ طويل، وفيه ذكر رؤيا للنبي - ﷺ -، وفيها ما لفظه: " والشيخ في أصل الشجرة، والصِّبيان حوله أولاد الناس ". قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: " وأولاد المشركين ". انتهى.
والمرادُ بالشيخ: إبراهيم ﵇، والشجرة: شجرةٌ في الجنة، وسؤالهم هذا وجوابه عليهم كان في اليَقَظَة، ولو لم يكن في اليقظة، لكانت الرؤيا وحدها حُجَّةً صحيحةً، لما في سِياقها من الدِّلالة، لأنها رؤيا حقٍّ، ولأن رؤيا الأنبياء صلواتُ الله عليهم حقٌّ، وخصوصًا نبينا - ﷺ -، لأنه قد صحَّ عنه - ﷺ - أنه قال: " تنامُ عيناي ولا ينامُ قلبي " (٣).
_________________
(١) ١٦/ ٢٠٨.
(٢) (٧٠٤٧)، ورواه أيضًا النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٤/ ٨٢.
(٣) تقدم تخريجه ١/ ١٧٥ - ١٧٦.
[ ٧ / ٢٤٣ ]
قال السبكي في كتابه في الأطفال (١): ووردت أحاديث أُخَرُ مصرِّحةٌ بأنهم في الجنة، لكن في أسانيدها ضعفٌ.
قال السبكي: وفي حديث " البخاري " كفايةٌ مع ظاهر القرآن، وفي حديثٍ آخر " أولاد المشركين خدمُ أهل الجنة ". انتهى.
قلت: أما الأحاديث الضِّعاف، فإنها باجتماعها تقوى، لأنهم لا يُطلقون الضعيف إلاَّ على من في حفظه شيءٌ ليس بالفاحش، وليس بكذَّابٍ متعمِّدٍ، ولا فاسقٍ مصرِّحٍ، كما ذلك معروفٌ في علوم الحديث، ومن هو على هذه الصفة، فأكثرهم، بل كلهم مقبولون عند الأصوليين وكثير من الفقهاء وإن انفردوا، وحديثهم إذا تنوَّعت طرقه يقوى عند المحدثين، وربَّما صحَّ.
وأما الحديث الذي أشار إليه السُّبكي، فقال ابن قيم الجوزية في الباب الثاني والخمسين في كتابه " حادي الأرواح " (٢): رواه يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازمٍ المدينيِّ، عن يزيد الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ، عن النبي - ﷺ -: " سألتُ ربي اللاَّهين مِنْ ذُرِّيَّة البشر أن لا يُعَذِّبَهُم، فأعطانيهم، فهم خدمُ أهل الجنة " يعني: الأطفال.
قلت: وتأويله على مذهب كثير من أهل السنة ومذهب المعتزلة أن لا يكلِّفَهم فيعصوا، أو أن لا يعذِّبَهم على أحد الوُجوه التي يصح منها تعذيبهم عند الجميع، كما سيأتي شرحه.
ثم قال الدارقطني: ورواه عبد العزيز الماجِشُون، عن ابن المنكدر، عن
_________________
(١) هو رسالة ضمن مجموع " فتاواه " ٢/ ٣٦٠ - ٣٦٥. وهذا النص في ٢/ ٣٦٢.
(٢) ص ١٤٨، والحديث وإن كان ضعيفًا بهذا الإسناد لضعف يزيد الرقاشي، حسن بطرقه التى سترد عند المصنف. أبو حازم المديني: هو سلمة بن دينار. وأورده الحافظ في " الفتح " ٣/ ٢٩٠، ونسبه إلى أبي يعلى، وقال: إسناده حسن! واللاهون: قيل: هم البُلْه المغفَّلون، وقيل: الذين لم يتعمدوا الذنوب، وإنما فرط منهم سهوًا ونسيانًا، وقيل: هم الأطفال الذين لم يقترفوا ذنبًا. قاله ابن الأثير في " النهاية ".
[ ٧ / ٢٤٤ ]
يزيد الرَّقاشيِّ به (١).
ورواه فضيل بن سليمان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس (٢).
قلت: فمداره على يزيد الرقاشي الرجل الصالح، ولم يُقدَح فيه إلاَّ بسوءِ الحفظ، ولم يكن فاحشًا في ذلك، فقد قال الحافظ ابن عدي (٣): أرجو أنه لا بأس به، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤): قال فيه ابن معين: رجل صدوق، ووثَّقه ابن عدِيٍّ، وقد تابعه وشهد له عبد الرحمن بن إسحاق، وهو أيضًا وإن كان قد ضعَّفه بعضهم، فقد قال ابن خزيمة، والنسائي مع تشدُّده في الرجال: ليس به بأسٌ، وقال البخاري مع تشدده أيضًا: إنه ممن يُحْتَمَلُ في بعض (٥).
وروى أبو يعلى مثل ذلك عن أنسٍ مرفوعًا من طُرُقٍ، ورجال أحدها ثقات، قاله (٦) الهيثمي (٧) في " مجمعه " (٨).
_________________
(١) إسناده ضعيف كسابقه لضعف يزيد الرقاشي، وأخرجه أبو يعلى (٤١٠١) عن أبي خيثمة، حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز الماجشون، به. ورواه أبو يعلى (٣٦٣٦)، وعنه ابن عدي في " الكامل " ٥/ ١٨٠٠ عن عمرو بن مالك، عن فُضيل بن سليمان، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن محمد بن المنكدر، عن أنس. وهذا إسناد ضعيف لضعف عمرو بن مالك الراسبي البصري.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٣٥٧٠) عن عبد الرحمن بن المتوكل البصري، وابن عدي في " الكامل " ٤/ ١٦١٠ عن عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عن عبد الرحمن بن المتوكل، عن فضيل بن سليمان به. وعبد الرحمن بن المتوكل ذكره ابن حبان في " الثقات " ٨/ ٣٧٩، وقال: يروي عن الفضيل بن سليمان، حدثنا عنه أبو خليفة، مات بعد سنة ثلاثين ومئتين بقليل، ووثقه الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢١٩.
(٣) في " الكامل " ٧/ ٢٧١٣.
(٤) ٧/ ٢١٩.
(٥) انظر " ميزان الاعتدال " ٢/ ٥٤٧.
(٦) في (أ): " قال "، وهو خطأ.
(٧) من قوله: " مثل ذلك " إلى هنا سقط (ش).
(٨) ٧/ ٢١٩.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
وقال السيد أبو طالب في " أماليه ": أخبرنا أبو عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا علي بن إسماعيل بن حمادٍ البزَّار، حدثنا عمرو بن عدي، حدثنا عيسى بن شُعيبٍ، حدثنا عبَّادُ بن منصورٍ، عن أبي رجاءٍ، عن سَمُرَة أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن أطفال المشركين، فقال: " هم خدم أهل الجنة ".
وروى حديث سمرة هذا الطبراني في المعجمين " الكبير " و" الأوسط "، كلهم من طريق عبَّاد بن منصورٍ، وثقه يحيى القطان، وفيه ضعفٌ، قال الهيثمي (١): وبقية رجال الطبراني والبزَّار ثقات (٢).
وعن أنس مرفوعًا مثله. رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في " المعجم الأوسط "، إلاَّ أنهما قالا: أطفال المشركين. وفي إسناد أبي يعلى: يزيد الرَّقاشي (٣).
وعن الأسود بن سريعٍ، قيل: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: " النبيُّ في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة "، رواه الطبراني (٤)، وفيه جماعةٌ وثَّقهم ابن حِبّان، وضعَّفهم غيره، وبقيتهم رجال الصحيح.
وعن ابن عباسٍ مرفوعًا مثله، وزاد: " والموؤودة في الجنة ". رواه البزار (٥)
_________________
(١) في " المجمع " ٧/ ٢١٩.
(٢) رواه البزار (٢١٧٢)، والطبراني في " الكبير " (٦٩٩٣).
(٣) أبو يعلى (٤٠٩٠)، ورواه أيضًا الطيالسي (٢١١١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٣٠٨ من طريق يزيد الرقاشي عن أنس. ورواه البزار (٢١٧٠) من طريق مبارك بن فضالة عن علي بن زيد، عن أنس مرفوعًا، ومبارك مدلس، وقد عنعن، وعلي بن زيد، وهو ابن جدعان، ضعيف. ثم رواه البزار (٢١٧٢) من طريق مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس قوله.
(٤) " المعجم الكبير " (٨٣٨)، ورواه أيضًا البيهقي في " السنن الكبرى " ٦/ ٢٠٣. وقوله: " وفيه جماعة " نقله المصنف عن الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢١٩.
(٥) (٢١٦٨) وأخرجه أحمد ٥/ ٥٨ و٤٠٩ من طريق حسناء بنت معاوية عن عمها، =
[ ٧ / ٢٤٦ ]
ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن معاوية بن مالجٍ (١)، وهو ثقةٌ.
وعن أنس مرفوعًا: " المولود في الجنة، والموؤودة "، رواه البزار (٢) وفيه مختار بن مختارٍ، تكلَّم فيه الأزدي وفيه ابن (٣) إسحاق أيضًا، وبقيتهم ثقات.
ذكر ذلك الهيثمي (٤)، ثم قال: وتقدمت أحاديث من هذا النحو في النكاح، وفي حق الزوج، وطاعة المرأة لزوجها.
ثم روى حديث: " كل مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ " من طريق جابر بن عبد الله.
رواه أحمد (٥)، وفيه أبو جعفر الرازي، وبقيتهم ثقاتٌ.
وعن سَمُرَة، رواه البزار (٦)، وفيه عبَّاد بن منصور المقدم.
وعن ابن عباس، رواه البزار أيضًا (٧). قال الهيثمي (٨): وفيه من لم أعرفه.
والحديث متفق على صحته (٩) من غير هذه الطرق، وإنما ذكرتها شواهد للصحيح، فهذه الأسانيد يشدُّ كلٌّ منها الآخر، وأظنها الأحاديث التي أشار إليها السبكي، وهي مع حديث البخاري عن سَمُرَةَ وظواهر القرآن، وما تواتر وشَهِدَتْ به فِطَرُ العقول من سعة رحمة الله تعالى، تزداد قوة، والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) = قال: قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال: " النبي في الجنة والمولود في الجنة والموؤودة في الجنة " وحسن إسناده الحافظ في " الفتح ".
(٢) تحرف في الأصلين إلى: " صالح ".
(٣) (٢١٦٩)، ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن.
(٤) تحرف في (أ) إلى: " أبي ".
(٥) في " مجمع الزوائد " ٧/ ٢١٩.
(٦) " المسند " ٣/ ٣٥٣، وأبو جعفر الرازي: هو عيسى بن أبي عيسى، وهو سيىء الحفظ.
(٧) برقم (٢١٦٦).
(٨) (٢١٦٧).
(٩) " المجمع " ٧/ ٢١٨.
(١٠) وقد تقدم تخريجه من حديث أبي هريرة ٣/ ٢٨٧.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
وأما الأحاديث الواردة بأنهم في النار بالتصريح، فقد أجابوا عنها بأنها كلها ضعيفةٌ، ممن قال بضعفها على الإطلاق، ولم يستثن شيئًا: الحافظ ابن الجوزي. ذكره في " جامع المسانيد " بعد رواية الحديث السادس والثمانين من مسند الإمام علي بن أبي طالب ﵁. وقد روى حديث خديجة رضي الله. عنها في السؤال عن ولديها من طريق محمد بن عثمان، ثم قال: محمد بن عثمان لا يُقبل حديثه، قال: ولا يصح في تعذيب الأطفال حديثٌ. قال ابن حِبَّان: لا يجوز الاحتجاج بمحمد بن عثمان بحالٍ. انتهى كلام ابن الجوزي.
وكذلك الهيثمي أورد الحديث، ثم قال (١): رواه عبد الله بن أحمد، وفيه محمد بن عثمان، ثم رواه عن خديجة من طريق فيها انقطاع (٢).
ثم روى في معناه حديثًا مرفوعًا بنحوه عن عائشة ﵂ رواه أحمد، وفيه أبو عقيلٍ يحيى بن المتوكِّل، ضعَّفه جمهور الأئمة ويحيى بن معين، وفي متنه: " لو شِئْتِ لأسْمَعْتُكِ تَضاغيهم في النار " (٣).
وأما السبكي، فقال: كلها ضعيفةٌ إلاَّ حديث سلمة بن يزيد الجُعفيِّ (٤)،
_________________
(١) ٧/ ٢١٧. والحديث في " المسند " ١/ ١٣٤ - ١٣٥، ومحمد بن عثمان: قال فيه الذهبي في " الميزان " ٣/ ٦٤٢: لا يدرى من هو، وله خبر منكر، ثم ساق له هذا الحديث من رواية عبد الله بن أحمد.
(٢) رواه الطبراني ٢٣/ (٢٧) من طريق عبد الله بن الحارث، وأبو يعلى ٣٢٨/ ١ من طريق عبد الله بن نوفل أو عبد الله بن بريدة، عن خديجة. قال الهيثمي: عبد الله بن الحارث بن نوفل وابن بريدة لم يدركا خديجة.
(٣) المسند ٦/ ٢٠٨، قال الحافظ في " الفتح " ٣/ ٢٩٠: وهو حديث ضعيف جدًا، لأن في إسناده أبا عقيل يحيى بن المتوكل مولى بهية وهو متروك. والتضاغي: الصياح والضجيج والبكاء.
(٤) رواه أحمد ٣/ ٤٧٨، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ٧٢ و٧٣، والطبراني في " الكبير " (٦٣١٩) و(٦٣٢٠)، والنسائي في التفسير من " السنن الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٤/ ٥٥، وأبو داود في كتاب " القدر " كما في " تهذيب الكلمال " ١١/ ٣٣١، والمزي =
[ ٧ / ٢٤٨ ]
فإنه صحيح الإسناد، لكنه غيرُ عامٍّ، وإنما هو نصٌّ في موؤودة بعينها، فاحتمل التأويل، وذلك أن سياق الحديث أنهم سألوا النبي - ﷺ - عن أختٍ لهم موؤودةٍ في الجاهلية لم تبلغِ الحِنْثَ، فقال: " إنها في النار ".
_________________
(١) = في " تهذيب الكمال " ١١/ ٣٣٠ و٣٣١ من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي، قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله - ﷺ -، قال: قلنا يا رسول الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم، وتقري الضيف، وتفعل وتفعل هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: لا. قال: قلنا: فإنها كانت وأدت أختًا لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: " الوائدة والموؤودة في النار إلاَّ أن تدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها " وعلقه البخاري عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن النبي - ﷺ - مرسل. وأخرجه البخاري في " تاريخه " وأبو داود في " سننه " (٤٧١٧) عن إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا ابن أبي زائدة، قال: حدثني أبي، عن عامر الشعبي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الوائدة والموؤودة في النار " قال يحيى بن زكريا، قال أبي: فحدثني أبو إسحاق أن عامرًا حدثه بذلك عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ -. قلت: الرواية الأولى معضلة، والرواية الثانية وإن كانت متصلة إلاَّ أن زكريا بن أبي زائدة قد سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وأخرجه ابن حبان (٧٤٨٠) من طريق ابن أبي زائدة بهذا الإسناد. قلت: يترجح عندي نكارة هذا المتن وبطلانه لمخالفته للأحاديث الصحيحه، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ فإذا كان الله ﷾ يسأل الوائدة عن وأد ولدها بغير استحقاق ويعذبها على وأدها، فكيف يعذب الموؤودة بغير ذنب. وقال الآلوسي في " روح المعاني " ٣٠/ ٥٣: وتوجيه السؤال إلى الموؤودة في قوله تعالى: ﴿سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ دون الوائد مع أن الذنب له دونها لتسليتها وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته، فإن المجني عليه إذا سئل بمحضر الجاني، ونسبت إليه الجناية دون الجاني، كان ذلك بعثًا للجاني على التفكر في حال نفسه وحال المجني عليه، فيرى براءة ساحته، وأنه هو المستحق للعقاب والقصاص، وهذا نوع من الاستدراج واقع على طريق التعريض كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾.
[ ٧ / ٢٤٩ ]
فإن كان لهذا الحديث علَّةٌ، لم يحتج إلى جوابٍ آخر، وقد قيل: لعله - ﷺ - اطلع على أن سِنَّ تلك الموؤودة بلغت التكليف، ولم يلتفت إلى قول السائل: لم تبلُغِ الحنثَ، لجهله بوقت البلوغ الشرعي، أو يكون التكليف في ذلك الوقت منوطًا بالتمييز، والسائل يجهله، وليس كون التكليف في ذلك الوقت منوطًا بالتمييز في ذلك الوقت من الأمور المحتاج إلى معرفتها حتَّى يبيِّنَه للسائل.
وهذا الجواب مثل جواب المعتزلة في تأويلهم الأطفال بمن قد بلغ، لكنه أقوى، لاختصاصه بشخصٍ معيَّنٍ، وقد بالغت بالبحث عن صحة هذا الحديث حتى وجدت ما يمنع القطع بصحته، فسقط الاحتجاج به ولله الحمد.
وذلك ما ذكره ابن الجوزي في مسند سلمة بن يزيد من " جامع المسانيد "، فإنه قال بعد رواية الحديث هذا: إن محمد بن سعد ذكر في " الطبقات " (١) أنَّ سلمة بن يزيد هذا الرَّاوي ارتدَّ عن إسلامه هو وأخوه لأُمِّه قيس بن سلمة بن شراحيل، وهما ابنا مُليكَةَ بنت الحلوى، قال ابن الجوزي: فظاهرُ هذا كفرهما، ثم قال: وظاهر ما روينا أنهما عادا إلى الدين، ورويا الحديث.
قلت: الحديث ما رواه إلاَّ سلمة، وما علمت لأخيه روايةً أصلًا، وقوله: إنَّ الطاهر رجوعهما عن الرِّدَّة، واستدلاله على ذلك بمجرد رواية الحديث عن سلمة من غير نقلٍ صحيحٍ، بل ولا ضعيفٍ، لا يفيد شيئًا، ومثل هذا لا يثبت معه حديثٌ، مع أن في إسناده داود بن أبي هندٍ، وقد تجنَّب البخاري إخراج حديثه في " الصحيح " قال الذهبي (٢): داود حجة، ما أدري لِمَ لم يخرج له البخاري!
_________________
(١) ١/ ٣٢٤ عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه وأبي بكر بن قيس الجعفي وهذا خبر شبه موضوع، هشام بن محمد بن السائب قال الدارقطني وغيره متروك، وقال يحيى بن معين: غير ثقة، وليس عن مثله يروى الحديث، وأبوه محمد بن السائب متهم بالكذب كما في " التقريب ".
(٢) في " ميزان الاعتدال " ٢/ ١١. قلت: داود بن أبي هند وثقه سفيان الثوري وأحمد =
[ ٧ / ٢٥٠ ]
فثبت أنه ليس في تعذيب الأطفال حديثٌ صحيحٌ صريحٌ.
وذكر السبكي أن سائر الأحاديث ضعيفةٌ، حتى حديث عائشة الذي خرجه مسلمٌ في " الصحيح " (١)، وفي متنه " عُصفُورٌ من عصافير الجنة "، وقد قدحوا على مسلمٍ لتخريجه، ممن قدح بذلك القرطبي في " تفسيره " وغيره.
وبالجملة، فإن مسلمًا وغيره ممن روى الحديث خرَّجوه من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيميِّ الكوفيِّ، وهو متكلَّمٌ عليه كثيرًا، ولم يُتابِعْهُ على الحديث غيره (٢). وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث، وقال يحيى القطان، والنسائي، وابن معين في رواية: ليس بالقوي (٣)، وقد وثَّقه ابن معين، وغيره، ولكن لا يرتقي مع هذا الاختلاف إلى مرتبة رجال الصحيح، وغايته أن يكون مِمَّن يُقْبَلُ حديثه مع الشواهد والتوابع، فأمَّا مع الشُّذوذ، فلا.
وقد ذكر الذهبي في " الميزان " (٤) أنه تفرَّد بأول الحديث، وهو الذي يخصُّ الأطفال دون آخره.
ولعلَّ مسلمًا إنما أخرج الحديث، لثبوت الشواهد على آخر، لكن في أوله
_________________
(١) = وابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي، ويعقوب بن شيبة وقال الإمام أحمد: لا يُسأل عن مثله. وقال الآجري عن أبي داود: إلاَّ أنه خولف في غير حديث، وقال ابن حبان: وقد روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه وكان داود من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات إلاَّ أنه كان يهم إذا حدَّث من حفظه، ولا يستحق الإنسان الترك بالخطأ اليسير يخطىء، والوهم اليسير يهم حتى يفحش ذلك منه، لأن هذا مما لا ينفك من البشر، ولو سلكنا هذا المسلك للزمنا ترك جماعة من الثقات الأئمة لأنهم لم يكونوا معصومين من الخطأ بل الصواب في هذا ترك من فحش ذلك منه والاحتجاج بمن كان فيه لا ينفك من البشر، ووثقه ابن حجر وأشار إلى أنه كان يهم بأخرة.
(٢) تقدم تخريجه ٦/ ٤٠٣.
(٣) قلت: تابعه عليه فضيل بن عمرو عند مسلم وغيره، وهو ثقة.
(٤) انظر " ميزان الاعتدال " ٢/ ٣٤٣.
(٥) ٢/ ٣٤٣.
[ ٧ / ٢٥١ ]
مذهب من يقول بأن أطفال المشركين يمتحنون يوم القيامة
زيادةٌ مستقلة بحُكْمٍ، فلم يكن لمثل طلحة بن يحيى أن يستقل بمثلها، ولا لنا أن نقبله في مثل ذلك. فهذا آخر الكلام على تقرير القول الأول (١).
القول الثاني: أنه يجوز أن يعذِّبَ الله تعالى من له الحجة عليه، ولا يكونُ ذلك ظلمًا، فإنه تعالى يعلم من وجوهِ الحكمة ما لا نعلم، وله الحجة البالغة، وقد نص في كتابه أن يوم القيامة يجعل الولدان شيبًا في سياق الوعيد وتعظيم ذلك اليوم، فمن المعلوم أنه ما جعلهم شِيبًا إلاَّ ما لَحِقَهُم من شدة طوله، وهذا نوعٌ من العذاب. وفي " الصحيحين " (٢) من حديث أبي سعيدٍ، عن النبي - ﷺ - يقول: " يا آدم، قم فابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ من ذُرِّيَّتِكَ " فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: " مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَ مئةٍ وتِسْعَةً وتسعين إلى النار وواحدٌ إلى الجنة (٣)، فحينئذٍ يَشيِبُ الصغير " -إلى قوله:- " أبْشِرُوا، فإن منكم واحدًا ومن يأجوج ومأجوج ألفًا " الحديث.
وهذا الوجه الجُمليُّ يكفي، ولو لم يرد تعيين ذلك الوجه في السمع، كيف وقد ورد تعيين ذلك في وجوهٍ ثلاثةٍ ذكروها.
الوجه الأول: ذكر السبكي (٤) وغيره حكايةً عمن اختاره منهم، وذلك أنها وردت أحاديث بأن أطفال المشركين يُمتحنون يوم القيامة، تؤجَّجُ لهم نارٌ،
_________________
(١) قلت: وقد أورد الحديث ابن القيم في " طريق الهجرتين " ص ٥٢٠، وقال بإثره: فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة وإن أطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك إلاَّ لمن شهد له النبي - ﷺ -، فهذا وجه الحديث الذي يشكل على كثير من الناس، ورده الإمام أحمد، وقال: لا يصح، ومن يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟ وتأوله قوم تأويلات بعيدة.
(٢) تقدم تخريجه ٦/ ٢٨٥.
(٣) جملة " وواحد إلى الجنة " لم ترد في " الصحيحين "، ولا عند من خرجه من حديث أبي سعيد، وإنما وردت في حديث عمران بن حصين الذي خرجه الترمذي (٣١٦٩) وغيره.
(٤) " فتاوى السبكي " ٢/ ٣٦٣.
[ ٧ / ٢٥٢ ]
فيقال: رِدُوها وادخُلُوها، فيردُها أو يدخُلُها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويُمْسِكُ عنها من كان في علم الله شقيًَّا لو أدرك العمل، فيقول الله ﷿: " إيَّاي عَصَيْتُم، فكيف رُسُلي لو أتتكم؟ " (١).
قال السبكي: رواه أبو سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ -، ومن الناس من يُوقِفُه عليه (٢).
وروي معناه أيضًا من حديث أنس، ومعاذ، والأسود بن سريع، وأبي هريرة، وثوبان ستَّتُهم عن النبي - ﷺ -.
وذكر عبد الحق في " العاقبة " (٣) حديث الأسود بن سريعٍ في ذلك وصححه، ورواه أحمد في " مسنده " من حديث الأسود، وأبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.
وقال السيد الإمام أبو عبد الله العلوي الحسني في كتابه " الجامع الكافي "
_________________
(١) رواه البغوي في الجعديات (٢١٢٦)، والبزار (٢١٧٦)، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف.
(٢) ونقل القرطبي في " التذكرة " ص ٥١٤ نحو هذا عن أبي عمر بن عبد البر.
(٣) ص ٢٧٩، وقد أورده عن مسند البزار، ولم يذكر إسناده، وهو في " كشف الأستار عن زوائد البزار " (٢١٧٤) حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، عن النبي - ﷺ - قال: " يُعرض على الله الأصم الذي لا يسمع شيئًا والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة، فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، ويقول الأحمق: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، ويقول الذي مات في الفترة: رب ما أتاني لك من رسول -قال البزار: وذهب عني ما قال الرابع- قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم ﵎: ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها، لكانت عليهم بردًا وسلامًا ". ورواه ابن حبان في " صحيحه " (٧٣٥٧) بتحقيقنا من طريق إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع وهذا إسناده صحيح، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٧ / ٢٥٣ ]
على مذهب الزيدية في المجلد السادس في هذه المسألة ما لفظه: وروى محمد بن فراتٍ، وروى محمد بن منصورٍ، عن محمدٍ، قال: قال أحمد بن عيسى ﵇: كان زيد بن علي ﵇ يقول: أطفال المشركين، والأبكم، والشيخ الفاني يوم القيامة يقولون: يا ربِّ، بعثتَ رسولًا، وأنزلتَ كتابًا، وأنا طفلٌ لا أعقِلُ، ويقول الشيخ: وأنا فانٍ لا أعْقِلُ، ويقول الأبكم: وأنا لا أعْقِلُ، فيقول الله ﷿: " صدقتم، أنا باعثٌ إليكم رسولًا، فمن أطاعه كان كمن أطاعني في الدنيا، ومن عصاه، كان كمن عصاني في الدنيا، فَيَخْدُدُ الله لهم أخدودًا في النار، ثم يقال لهم: ادخلوها، فمن دخلها منكم، كانت عليه بردًا وسلامًا، قال: وليس يدخُلُها أحدٌ منهم لِعلمِ الله فيهم ".
وسألت أحمد بن عيسى عن الحديث في الأطفال أتثبته؟ قال: قد جاء ذلك عن زيد بن علي، وأنا مُرَوٍّ فيه، فلم يثبته.
وقال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈ فيما روى ابن صبَّاحٍ عنه، وهو قول محمد بن منصورٍ في المسائل: صحَّ لنا عن رسولِ الله - ﷺ - أنه قال: " أولاد المسلمين في الجنة "، وأما أولاد المشركين، فقد اختلفت الرواية فيهم عنه - ﷺ -، والأمر فيه إلى الله تعالى، لأنه يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وهذا مما لا يعلم أن العبد يسأل عنه في القيامة، ونحن نعلم أن الله لا يُعذِّبُ أحدًا حتى يحتجَّ عليه، لأنه قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى، فأجابني بنحو هذا الجواب.
قلت: وروى عنه نحو هذا السيد أبو عبد الله الحسنيُّ في أول المسألة، وهذا أتمُّ من طريق عليٍّ، يعني: ابن محمدٍ الشَّيباني، عن ابن هارون، يعني: محمد بن محمد بن هارون، عن سعدان، عن أحمد بن عيسى ﵇.
فبان بذلك أن زيد بن علي ﵇ من هذه الطائفة القائلين بالامتحان
[ ٧ / ٢٥٤ ]
أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة يمتحنون في عرصات يوم القيامة فمن أجاب الداعى دخل الجنة ومن أبى دخل النار
في القيامة، وأن سائر من ذكرنا من أولاده وأتباعه مُجَوِّزُون لذلك، غير قاطعين (١) بنفيه، ولا منكرين على من قال به، ولكن المعترض أُتِيَ من الجهل بمذهب أسلافه الكرام، مع الجهل بمذاهب علماء الإسلام.
وقال ابن كثير في المجلد الأول من " البداية والنهاية " (٢) في ذكر يأجوج ومأجوج ما لفظه:
فإن قيل: [فكيف] دلَّ الحديث المتفق عليه أنهم فداءٌ للمؤمنين يوم القيامة، وأنهم في النار، ولم يُبعثْ إليهم رسلٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
فالجواب: أنهم لا يُعَذَّبُون إلاَّ بعد قيام الحجة عليهم والإعذار إليهم، فإن كان قد أتتهم رسل، فقد قامت الحجة عليهم (٣) وإلا فهم في حكم أهل الفترة ومن لم تبلُغْهُ الدعوة، وقد دلَّ الحديث المروي من طُرُقٍ عن جماعةٍ من الصحابة، عن النبي - ﷺ - أن من كان كذلك يُمْتَحَنُ في عرصات يوم القيامة، فمن أجاب الداعي، دخل الجنة، ومن أبى، دخل النار، وقد أوردنا الحديث بطرقه وألفاظه وكلام الأئمة عليه عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (٤)، وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعًا عن أهل السنة والجماعة. انتهى.
وفيه ما ترى من تنزيه الله من التعذيب من غير حُجَّةٍ ولا إعذار، وابنُ كثير والأشعري من أئمة أهل السنة والكلام منهم.
وقال الهيثمي (٥): باب من لم تبلُغْه الدعوة، ثم أورد حديث الأسود بن سريعٍ في الأربعة: الأصمِّ والأحمق، والهَرِمِ والميت في الفترة. رواه أحمد
_________________
(١) في (ش): " عنه لا قاطعين ".
(٢) ٢/ ١٠٠، وما بين حاصرتين منه.
(٣) ساقطة من (أ)، وفي المطبوع من " البداية والنهاية ": " عليه ".
(٤) انظر الجزء الخامس من تفسيره ص ٥٠ - ٥٨.
(٥) " مجمع الزوائد " ٧/ ٢١٥.
[ ٧ / ٢٥٥ ]
والبزار والطبراني بنحوه، وذكر بعده إسنادا إلى أبي هربرة بنحوه، ورجال أحمد، وطريق الأسود، وأبي هريرة رجال الصحيح، وكذلك رجال البزار فيهما (١).
وعن أنسٍ مرفوعًا في المولود والمعتوه في الفترة والشيخ الفاني مثله. رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وفيه ليث بن أبي سُلَيْمٍ (٢).
وعن أبي سعيدٍ مرفوعًا في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود نحو الأول. رواه البزار، وفيه عطية (٣) وهو ضعيفٌ.
وعن معاذٍ مرفوعًا في الممسوخ عقلًا، والهالك في الفترة، والهالك صغيرًا بنحوه. رواه الطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وفيه عمرو بن واقد (٤) وهو متروكٌ عند البخاري وغيره، ورُمِيَ بالكذب، وقال محمد بن المبارك الصُّوري: كان يتبع السلطان، وكان صدوقًا، وبقية رجال " الكبير " رجال الصحيح (٥).
_________________
(١) حديث الأسود بن سريع رواه أحمد ٤/ ٢٤، والطبراني في " الكبير " (٨٤١) من طريقين، عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود، ورواه أيضًا البيهقي في " الاعتقاد " ص ١٦٩، وصححه ابن حبان (٧٣٥٧)، وعبد الحق الإشبيلي في " العاقبة " ص ٢٧٩. ورواه البزار (٢١٧٤) عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، وحديث أبي هريرة رواه أحمد ٤/ ٢٤، والبزار (٢١٧٥)، والبيهقي في " الاعتقاد " ص ١٦٩ من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، وانظر " مجمع الزوائد " ٧/ ٢١٦.
(٢) رواه أبو يعلى (٤٢٢٤)، والبزار (٢١٧٧)، وليث بن أبي سليم ضعيف، وقال الهيثمي ٧/ ٢١٦: وباقي رجال أبي يعلى رجال الصحيح. قلت: الراوي عن أنس عند أبي يعلى والبزار: هو عبد الوارث مولاه، لم يوثقه غير ابن حبان، وليس له رواية في " الصحيحين "، ولا في " السنن " الأربعة!
(٣) عطية: هو ابن سعد بن جنادة العوفي، وقد تقدم تخريج الحديث قريبًا.
(٤) تحرف في (ش) إلى: " عاقد ".
(٥) هو عند الطبراني في " الكبير " ٢٠/ (١٥٨). وانظر " المجمع " ٧/ ٢١٧.
[ ٧ / ٢٥٦ ]
هذا جملة ما حضرني من صحيحٍ وضعيفٍ في حجة أهل هذا القول، وهي لا تناقض ما قدمنا من أنه لم يصح حديثًا في دخول أولاد المشركين النار، لأنا عنينا دخولهم على العموم، وهذه الأحاديث لا تقتضي ذلك، وإنما تقتضي دخول من عَلِمَ الله أنه لو أدرك العمل، لكان شقيًا بعد إقامة الحجة عليه وعصيانه لله تعالى.
قال السبكي (١) بعد قوله: أسانيدها صالحة: قال ابن عبد البر (٢): ليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، وهو أصلٌ عظيمٌ، والقطع فيه بمثل هده الأحاديث ضعيفٌ في النظر، مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيئًا منها.
وقال الحُليميُّ: إن هذا الحديث مخالِفٌ لأُصول المسلمين، لأن دار الآخرة ليست بدار امتحانٍ (٢).
قلت: فأجاب القائلون بها على ابن عبد البر أنه لا يُشتَرَطُ في الرواة أن يكونوا أئمة فقهاء.
وأما قوله: إنها مُعارِضَةٌ لما هو أقوى مجيئًا منها، فإنما أشار إلى قول النبيِّ - ﷺ -: " الله أعلم بما كانوا عاملين ". وليست معارضة له، بل زيادةٌ عليه وبيانٌ له، وفرقٌ بين المعارضة والزيادة والبيان، إلاَّ حديث البخاري عن سمرة، فإنه يعارض ظاهره، لكنها أخص منه عند التحقيق، فإنه، وإن كان خاصًا بالنظر إلى أولاد المشركين، ففيه عمومٌ بالنظر إلى الشقي منهم والسعيد، وهذه خاصة بالأشقياء الذين علم الله أنهم لو أدركوا العمل لَعَصَوْهُ.
وأما قوله: إنه أصلٌ عظيم، والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعيفٌ،
_________________
(١) ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.
(٢) قلت: نقل قول ابن عبد البر، وقول الحليمي القرطبي في " التذكرة " ص ٥١٤، وتمام قول الأخير فيه: فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة، ولأن الأطفال هناك لا يخلو من أن يكونوا عقلاء، أو غير عقلاء، فإن كانوا مضطرين إلى المعرفة، فلا يليق بأحوالهم المحنة، وإن كانوا غير عقلاء، فهم من المحنة أبعد.
[ ٧ / ٢٥٧ ]
فكذلك القطع بتكذيبهم عقلًا وسمعًا، وقد نهى النبي - ﷺ - عن تكذيب أهلِ الكتاب (١)، لئلاَّ يكون ما رَوَوْهُ حقًا، وليس القطع مقصودًا ها هنا.
وغاية المرام في مثل هذه المشكلة وضوح أدنى تجويزٍ لوجهٍ من وجوه الحكمة يُقَوِّي إيمان المؤمن بما ورد عن النبي - ﷺ - (٢) فيما لا طريق إلى تكذيب راويه.
وأما ما قاله الحُليميُّ، فمسلَّمٌ بعد استقرار الخلق في الدارين، وأما في البرزخ ويوم القيامة، فغير مُسَلَّمٍ لهذه الأحاديث وأمثالها، ولما قدمنا من رواية الأشعري إجماع أهل السنة على ذلك في " الأسماء والصفات " (٣) عن الخطابي أنه قال في تأويل حديث أبي هريرة في ذكر الصورة (٤) ما لفظه: وليس بمنكر (٥) أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائمًا، وحكمه على الخلق جاريًا حتى يفرغ من الحساب (٦)، ويقع الجزاء بما يستحقونه من الثواب والعقاب، ثم ينقطع إذا حقَّت الحقائق، واستقرَّت أمور العباد قرارها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وجاء في الحديث أن المؤمنين يسجدون وتبقى ظهور المنافقين طَبَقًا واحدًا (٧). انتهى بحروفه.
ويدل عليه مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:
_________________
(١) روى البخاري (٤٤٨٥) و(٧٣٦٢) و(٧٥٤٢) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا ". ورواه من حديث أبي نملة عبد الرزاق (٢٠٠٥٩)، وأحمد ٤/ ١٣٦، وأبو داود (٣٦٤٤)، وصححه ابن حبان (٦٢٥٧).
(٢) في (ش): " عن القوم ".
(٣) ص ٢٩٦.
(٤) تقدم تخريجه ٥/ ٨٥.
(٥) في " الأسماء والصفات ": " ننكر ".
(٦) في (أ) و(ش): " حتى يفرغ الحساب " والمثبت من " الأسماء والصفات ".
(٧) تقدم تخريجه من حديث ابن مسعود ٥/ ٩١.
[ ٧ / ٢٥٨ ]
٢٨]، وقوله تعالى في الحكاية عن المشركين: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وفي الحديث أن النبي - ﷺ - رأى موسى صلوات الله عليه في قبره قائمًا يُصلي (١).
وأحاديث الفتنة في القبر والضَّمَّة فيه تؤيِّد ذلك كما سيأتي في المسألة الثانية.
وفي " الصحيح " من حديث ابن مسعود عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " آخر من يدخل الجنة رجلٌ يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفَعُه النار مرةً، فإذا ما جاوزها، التفت إليها، وقال: تبارك الذي نجَّاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاهُ أحدًا من الأولين والآخرين، فتُرْفَعُ له شجرةٌ، فيقول: يا رب، أدنِني من هذه الشجرة، فيعاهده أن لا يسأله غيرها، ثم تُرفَعُ شجرةٌ هي أحسن من الأُولى، فيقول: يا رب، أدنني من هذه الشجرة، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها، وربُّه يعذِرُه، لأنه يرى ما لا صبر له عليه ". الحديث (٢).
وفي " الصحيح " عن أبي سعيد بنحوه (٣) وهو مشهور، وهو يرد على الحليميِّ وابن عبد البر، والله أعلم.
ومذهب البغدادية من المعتزلة أن معرفة الله في الآخرة استدلاليةٌ، وألزموا جواز التكليف في الآخرة فالتزمهم شيخهم أبو القاسم البلخي، فهذا هو الخطأ قطعًا، لا قول أهل السُّنَّة.
وفي " البخاري " (٤) من حديث أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يجيء نوحٌ، فيقول الله: هل بلَّغْتَ؟ فيقول: نعم، أي رب، فيقول لأمته: هل
_________________
(١) روى أحمد ٣/ ١٤٨ و٢٤٨، ومسلم (٢٣٧٥)، والنسائي ٣/ ٢١٥ و٢١٦، وابن حبان (٤٩) و(٥٠) من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " مررت ليلة أسري بي على موسى ﵇ وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ".
(٢) تقدم تخريجه ٥/ ٩١ - ٩٤.
(٣) تقدم أيضًا ٥/ ٨٤ - ٨٦.
(٤) (٣٣٣٩) و(٤٤٨٧) و(٧٣٤٩)، ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٣٢، وابن ماجه (٤٢٨٤).
[ ٧ / ٢٥٩ ]
القول الثالث في تعذيب الأطفال: أن كل من علم الله أنه إن بلغه الكبر أمن دخول الجنة وعكس ذلك
بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا مِنْ شيءٍ".
والحديث له في كتاب الله أعظم شاهدٍ، وهو ما حكى الله تعالى من قولِ الكفار لجوارحهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
فامتَنَّ عليهم بالتثبيت في الآخرة، ولولا حاجتهم إليه، لما صح ذلك، ولا حاجة إلاَّ مع الابتلاء، وليس المانع من ذلك عند المعتزلة إلاَّ أن الخلق مضطرون إلى الإيمان يوم القيامة، ولا يصح الابتلاء مع الاضطرار.
والجواب عليهم أن الاضطرار فعل الله فيهم، لا فعلهم في أنفسهم عقلًا وسمعًا، وقد قال الله يعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١].
وقد تقدمت بقية الحجج في هذا البحث عند ذكر هذه الآية الشريفة في مسألة الإرادة.
الوجه الثاني: أن كل من عَلِمَ الله أنه إن (١) بلغه الكِبَر، آمن، أدخله الجنة، وكل من علم الله أنه إن (١) بلغه الكبر، كفر، أدخله النار.
وهذا القول كالذي قبله، إلاَّ أن في الذي قبله زيادة الإعذار من الله، وإظهار إقامة الحجة، وهي زيادةٌ لا معارضة، ولعلها الذي توهم ابن عبد البر أنها معارضةٌ، وهي زيادةٌ حسنةٌ ملائمةٌ لسنة الله تعالى في إرسال الرُّسُل وإزاحة الإعذار، وفي " الصحيح " عن النبي - ﷺ -: " لا أحد أحبُّ إليه العُذْرُ من الله، لذلك أرسل الرُّسُل " (٢).
_________________
(١) في (ش): " من ".
(٢) تقدم غير مرة.
[ ٧ / ٢٦٠ ]
وأهل هذا القول احتجوا بالحديث المتفق على صحته من قول النبي - ﷺ - وقد سُئِلَ عنهم: " الله أعلم ما كانوا عاملين " (١).
وهؤلاء لا ينبغي أن يقال: إنهم يجيزون على الله التعذيب بغير ذنبٍ، بل يقال: إنهم يُجيزون على الله التعذيب بالذنب المعلوم وقوعه قبل أن يقع.
وروى السيد أبو عبد الله الحسني في كتابه " الجامع " في موضعين من المجلد السادس أحدهما في هذه المسألة عن السيد الإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈ ما يدل على مثل قولِ هذه الطائفة، فإنه روى عنه أنه قال: قد أدخل الله النار أولاد المشركين بالذي سبق في علمه أنهم لا يؤمنون، قال الله سبحانه لنوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وقال نوحٌ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
وأهلك الولدان في زمن عادٍ وثمود بالصيحة، ولا ذنب لهم، وقتل الخَضِرُ الغلامَ ولم يبلغ الحُلُم، فبلغنا في الحديث أنه يوجد في كتفه مكتوبٌ: كافر خِلْقَةً (٢). انتهى بحروفه.
ولا شك أن العلم بقبح هذا غير ضروري من الدين فلا يُكَفَّرُ، ولا ضروري من العقل، فلا يُنْسَبُ قائله إلى تعمُّد الكذب ومحض العناد، فإن أهل الشريعة وأهل المعقول، لو علموا أنهم إن لم يقتلوا صغيرًا كان في حياته هلاك
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٧٧)، وأحمد ٢/ ٥٨ و٢٦٦ و٣٩٣ و٤٧١ و٥١٨، والبخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٩)، والنسائي ٤/ ٥٨، وابن حبان (١٣١) من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري (١٣٨٣) و(٦٥٩٧)، ومسلم (٢٦٦٠)، وأبو داود (٤٧١١)، والنسائي ٤/ ٥٩ من حديث ابن عباس، ورواه أبو داود (٤٧١٢) من حديث عائشة.
(٢) من قوله: " قد أدخل الله النار " إلى هنا، تقدم بتمامه مع التعليق عليه ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ٧ / ٢٦١ ]
المسلمين قطعًا، وثبت لهم ذلك بطريقٍ سمعيةٍ، لم يُكَفَّرْ من استحل قتله بذنبه المعلوم وقوعه في المستقبل، ولا نقطع بأنه فاسق تصريحٍ، وإن كان القاتل لا يخاف على نفسه متى خاف على المسلمين.
بل قد وقع نحو هذا، فإن عمر ﵁ استأذن النبي - ﷺ - في قتل ابن صَيَّاد لمَّا ظن أنه الدجال، فقال النبي - ﷺ -: " إن يكن هو، فلن تُسَلَّطَ عليه، وإن يكن غيره، فلا خير لك في قتله ". والحديث صحيح (١).
وإن كان ابن صيادٍ صغيرًا، فأفهم قول النبي - ﷺ -: " إن يكن غيره، فلا خير لك في قتله " أنه لا بأس بقتله لو تحقَّق أنه الدجال، لكنه لا يُسلَّط عليه (٢).
وفي قصة الخَضِر والغلام الذي قتله ما يدل على هذا، وقد قال ابنُ عباسٍ (٣): إن ذلك الغلام طُبِعَ كافرًا.
وذكر ابن بَطَّالٍ في الباب الثاني من أبواب القدر في " شرح البخاري " مما يقوِّي ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
فإن قيل: إنه يحتمل أن قتل الدجال من قبيل المصالح، لا من قبيلِ عقوبته بما سيفعله، كما هو مذهب مالكٍ في المصالح، بل كما هو مذهبُ الأكثر في قتل المسلم إذا تترَّس به الكفار وعلمنا أنه إن لم يقتل قتلوه وقتلوا المسلمين معه.
_________________
(١) رواه من حديث ابن عمر البخاري (١٣٥٤) و(٣٠٥٥) و(٦١٧٣) و(٦٦١٨)، ومسلم (٢٩٣٠)، وأبو داود (٤٣٢٩)، والترمذي (٢٢٥٠)، وأحمد ٢/ ١٤٨ و١٤٩، وابن منده في " الإيمان " (١٠٤٠)، وابن حبان (٦٧٨٥)، وقد تقدم.
(٢) من قوله: " وإن كان ابن صياد صغيرًا " إلى هنا، سقط من (ش).
(٣) هو من رواية ابن عباس عن أُبيّ بن كعب، وقد تقدم تخريجه ٥/ ٢٢٤.
[ ٧ / ٢٦٢ ]
قلنا: هذا الاحتمالُ صحيحٌ، ولسنا نستقوي هذه المسألة، ولكنا نرى الاحتمال الذي معهم، فوجب أن يُجْعَلُوا من أهل التأويل، فلا يُكَفَّرُوا، ولا نقطع بعنادهم. ومما يقوي مثل هذا -أعني عدم تكفيرهم والقطع بعنادهم (١) - وورود ما يشتبه في السمع من هذا القبيل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] فإنه ترك الإسماع لهم مؤاخذةً بما (٢) عَلِمَ من عدم استماعهم لو أسمعهم.
وكذا ما يظهر قبل التأمل من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٣) [الإسراء: ١٦]، فإن الله تعالى أراد الهلاك قبل الأمر لما سبق في علمه من فسقهم بعد، فقدم الإرادة قبل استحقاقهم، والقوي (٤) خلاف هذا عندي، وليس هذا موضع بسطه، وإنما قصدتُ إيراد هذه الأشياء لبيان أنهم من أهل التأويل، وليس هذا كمن يقول: إن الله يعذِّبُ بمجرد سبق علمه بالتعذيب من غير علمٍ بذنبٍ مستقبلٍ كما ذكرنا في مسألة الدواعي، فتأمل الفرق بينهما.
وأهل هذا القول الثالث يريدون أن خلق الفعل وإبلاغ التكليف من قبيلِ الزيادة في الإعذار من الله تعالى، وإلا فعلمه (٥) سبحانه الحق الذي يعلم الكل يوم القيامة أنه حقٌّ كافٍ في إقامة الحجة. بل قد تقدم أنه يجوز أن يكون الله عَلِمَ أن في عذاب أهل النار حكمةً غير الجزاء على الذنوب، كالحكمة في إيلام الأطفال والبهائم، بل مرَّ تقرير الدليل على رجحان مثل ذلك، لأن حُسْنَ التعذيب من قبيل الإباحة التي لا رُجحان فيها، والله يتنزَّه عن فعل ذلك، لأنه عبثٌ.
_________________
(١) من قوله: " ومما يقوي " إلى هنا سقط من (أ).
(٢) في (أ): " فما ".
(٣) من قوله: " وكذا ما يظهر " إلى هنا سقط من (ش).
(٤) في (ش): " والقول ".
(٥) في (ش): " فعلمه السابق ".
[ ٧ / ٢٦٣ ]
القول الرابع وفيه الكلام على الحديث المشهور في إخراج ذرية آدم من صلبه على صورة الذر وخطابهم
وإنما أراد الله إزاحة إعذار المبطلين كما ورد به الحديث الصحيح " لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل "، وشهد بذلك القرآن كما تقدم، فأراد الله أن يدخلوا النار بسبب الذنوب، لما في ذلك من الحِكَم البالغة، والمصالح الراجحة، والغايات الحميدة، كما أخرج آدم من الجنة على وجه (١) العقوبة لأجل هذه الأشياء، مع أنه ما خُلِقَ إلاَّ خليفةً للأرض، كما نص عليه القرآن، وأحاديث الأطفال تشهد بذلك، وإقامة العدل والحجة (٢) عليهم، والله سبحانه أعلم، وقال ابن عبد البر: إن هذا قول الأكثرين. وعندي -والله أعلم- أنه راجعٌ إلى القول الثاني، فإنه طرفٌ منه، لكن في القول الثاني زيادة الابتلاء وإقامة الحجة يوم القيامة.
وأول أحاديثه أن من علم الله أنه يكون شقيًا لو أدرك العمل، لكان من أهل النار، ولكن بزيادة الابتلاء وإقامة الحجة يوم القيامة، لكن لما كان في هذه الزيادة ما قدمنا. من الإشكالات، اقتصر أهل هذا القول على أول الحديث تورُّعًا من آخره، معتقدين أن الحجة البالغة والحكمة التامَّة لله تعالى على عباده كيف شاء.
إن هذا الاحتمال أقوى من القطع بتعيُّن (٣) وجه الحكمة في الابتلاء يوم القيامة، فأما إن كانوا نَفَوُا الابتلاء يوم القيامة والحكمة، فقولهم باطل، والقول الثاني أقوى منه.
القول الرابع: إن الله تعالى قد خلقهم فيما مضى، وكلفهم وعصوا، فبذلك استحقوا العذاب، ويحتجون على ذلك بالحديث المشهور في إخراج ذرية آدم من صُلبه على صورة الذَّرِّ، وخطابهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] كما سيأتي تفصيله. روى هذا الترمذي وحسَّنه، ورواه أحمد
_________________
(١) في (ش): جهة.
(٢) في (ش): " والحكمة "، وهو تحريف.
(٣) في (ش): بتعيين.
[ ٧ / ٢٦٤ ]
والنسائي وابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ وابن حبان في " صحيحه " من طرق عن الإمام مالكٍ من طريق مسلم بن يسارٍ الجهني، عن عمر بن الخطاب ﵁ ولم يُدركه (١).
قال أبو حاتم: وبينهما نُعَيْم بن ربيعة، وقد رواه أبو داود (٢) كذلك، وقال الدارقطني (٣): هو الصواب، وقد تقدَّم تفصيل ذلك في أحاديث الأقدار.
وعن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - مثله، رواه أحمد في " المسند " (٤)، وقال الهيثمي (٥): رجاله رجال الصحيح، والحاكم في " المستدرك " (٦). وروى الترمذي (٧) مثله في التفسير عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - وقال: حديث حسن صحيح. قال: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.
وقال ابن كثير في " البداية والنهاية " (٨): وروي هذا عن ابن عمرو مرفوعًا، قال: وحديث ابن عباس جيد الإسناد على شرط مسلم، إلاَّ أن الأكثر وقفه عليه.
_________________
(١) هو في " الموطأ " ٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩، ومن طريق مالك رواه أحمد ١/ ٤٤ - ٤٥، وأبو داود (٤٧٠٣)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٨/ ١١٤، والترمذي (٣٠٧٥)، وابن جرير الطبري في " جامع البيان " (١٥٣٥٧)، وابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " ٢/ ٢٧٣، وصححه ابن حبان (٦١٦٦)، والحاكم ١/ ٢٧ و٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥ و٥٤٤، ووافقه الذهبي في الموضعين الثاني والثالث، وخالفه في الموضع الأول، فقال: فيه إرسال. وانظر التعليق على هذا الحديث في " صحيح ابن حبان "، و" شرح العقيدة الطحاوية " ١/ ٣٠٥.
(٢) برقم (٤٧٠٤)، ونقل ابن كثير قول أبي حاتم هذا في تفسيره ٣/ ٥٠٣.
(٣) في " العلل " ٢/ ٢٢٢.
(٤) ١/ ٢٧٢، وهو حديث صحيح، وسيأتي التعليق على إسناده قريبًا.
(٥) في " المجمع " ٧/ ٢٥.
(٦) ١/ ٢٧ و٢/ ٥٤٤.
(٧) برقم (٣٠٧٦)، وقد تقدم تخريجه من غير طريق الترمذي ٦/ ٣٢٢.
(٨) ١/ ٨٣، وأخرجه في " التفسير " ٢/ ٢٧٣ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعزاه لابن جرير. وانظر " جامع البيان " (١٥٣٥٤) و(١٥٣٥٥) و(١٥٣٥٦).
[ ٧ / ٢٦٥ ]
قال أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير، يعني: ابن حازم، عن كلثوم بن جبر (١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يرفعه. ثم قال ابن كثير: رواه ابن جرير، والنسائي، والحاكم من حديث حسين ابن المروزي به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢).
وروى ابن كثير (٣) مثل ذلك من حديث أبي، عن النبي - ﷺ - من طريق أبي جعفر الرازي، عن ربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب.
ثم قال: رواه عبد الله بن أحمد، وابنُ أبي حازمٍ، وابن مردويه، وابن جريرٍ في تفاسيرهم.
قلت: ورواه الحاكم (٤) مطولًا، وقال: صحيح الإسناد، وذكر أن الله أخذ من النبيين ميثاقًا آخر، وفُسِّر به قوله: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، وفُسِّر بذلك قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠]، وقوله: ﴿هذا نذيرٌ من النذر الأولى﴾ [النجم: ٥٦]، وقوله: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا
_________________
(١) تحرفت في الأصلين وكذا عند ابن كثير في " التاريخ " والتفسير إلى " جبير ".
(٢) قلت: وتمام كلام ابن كثير: إلاَّ أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر، فروي عنه مرفوعًا وموقوفًا، وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا، وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله، وهذا أثبت وأكثر والله أعلم. قلت: الحديث في " المسند " ١/ ٢٧٢، ورواه أيضًا ابن جرير في " جامع البيان " (١٥٣٣٨)، والنسائي في " التفسير " كما في " التحفة " ٤/ ٤٤٠، والحاكم ١/ ٢٧ و٢/ ٥٤٤، وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٠٢)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٢٧. وقال الحاكم: وكلثوم بن جبر احتج به مسلم. وقال النسائي: كلثوم هذا ليس بالقوي، وحديثه ليس بالمحفوظ. قلت: قد وثقه أحمد وابن معين.
(٣) في " البداية والنهاية " ١/ ٨٤، و" التفسير " ٢/ ٢٧٤، وقد تقدم تخريجه ٦/ ٣٢٢.
(٤) ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
[ ٧ / ٢٦٦ ]
بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْل﴾ [يونس: ٧٤]، قال: كان في علمه يوم أقروا بما أقروا به من يصدق به ومن يكذب.
قال ابن كثير (١): وروي عن مجاهدٍ، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسُّدِّيِّ، وقتادة وغير واحد من علماء السلف بسياقاتٍ توافق هذه الأحاديث.
ورواه ابن كثير من غير ذكر الإشهاد من طرق جمة، عن أبي هريره (٢)، وأبي الدرداء (٣) مرفوعًا، وعن الحسن (٤) وابن عباس موقوفًا (٥).
وقال ابن كثير (٦): إن ذكر الإشهاد في الحديث هو قول الجمهور، وقد استوفى ما ورد في هذا في تفسير هذه الآية (٧).
وقال الهيثمي (٨) في حديث أُبي بن كعب المقدم: رواه عبد الله بن أحمد، عن شيخه محمد (٩) بن يعقوب الرَّبالي (١٠)، وهو مستور، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وروى ما يقتضي صحته أحمد بن عيسى بن زيد بن علي ﵃ في كتاب " الأمالي " المعروف بعلوم آل محمد، فقال في الحج في زيارة البيت (١١)
_________________
(١) في " البداية والنهاية " ١/ ٨٤، وفي " التفسير " ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٢) تقدم قريبًا.
(٣) تقدم تخريجه ٦/ ٤٠٨، وإسناده صحيح.
(٤) تقدم تخريجه ٦/ ٣٢٢ و٤١٠.
(٥) الرواية الموقوفة أخرجها الطبري في " جامع البيان " (١٥٣٣٩) - (١٥٣٤١).
(٦) " البداية والنهاية " ١/ ٨٣.
(٧) " البداية والنهاية " ١/ ٨٣، وانظر " تفسير ابن كثير " ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥.
(٨) " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٥.
(٩) في (ش): " ابن محمد "، وهو خطأ.
(١٠) تحرف في الأصلين إلى " الرماني ".
(١١) عبارة " في زيارة البيت " ساقطة من (أ).
[ ٧ / ٢٦٧ ]
في الجزء الخامس من تجزئته: عباد يعني: ابن يعقوب، عن يحيى، يعني: ابن سالم، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر أن الله حين أخذ ميثاق بني آدم من ظهورهم استودعه هذا الحجر فمسُّكم إياه بيعتكم (١) فيما عاهدتم عليه حين أخذ ميثاقكم أن الله ربكم. انتهى.
ولم أجد هذا في فضائل الركن في الكتب الستة، ولا في " مجمع الزوائد "، وتقدمت عشرة أحادث في أحاديث القدر (٢) في كل واحد منها ذكر إخراج أهل الجنة من كتف آدم اليمنى، وأهل النار من كتفه اليسرى، أولها الحديث الخامس والخمسون عن أبي الدرداء وأم هانىء، وآخرها الرابع والستون عن الحسن البصري.
وفي الأحاديث الصحاح شواهد قوية بهذا المعنى، فمنها: ما رواه البخاري ومسلمٌ وأحمد عن أنس، عن رسول الله - ﷺ - " أن الله ﷿ يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن ما في الأرض من شيءٍ كنت تفتدي به؟ قال: نعم، فقال: قد سألتك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا الشرك " (٣).
ومن ذلك ما ثبت في " الصحيحين " (٤) عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقهم، قامت الرحم، فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ".
وتقدم حديث عبد الله بن عمرو (٥) سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الله
_________________
(١) في (أ): تبعتكم.
(٢) ٦/ ٤٠٨ - ٤١٠.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٢١٨، والبخاري (٣٣٣٤) و(٦٥٣٨) و(٦٥٥٧)، ومسلم (٢٨٠٥)، وابن حبان (٧٣٥١)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) البخاري (٤٨٣١) و(٤٨٣٢)، ومسلم (٢٥٥٤)، ورواه أيضًا ابن حبان (٤٤١)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) انظر ٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
[ ٧ / ٢٦٨ ]
خلق خلقه في ظُلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور، اهتدى، ومن أخطأه، ضل ". رواه البيهقي في " الأسماء والصفات "، وأحمد في " المسند "، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
فهذه الآثار وأمثالها تقوِّي القول بإخراج ذرية آدم من صلبه مرة أولة. ويدل عليه أيضًا ما ذكره ابن عبد البر وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] فإنهم فسروا إسلام الخلق كلهم بذلك، وقالوا: إن الله تعالى لما قال لهم: ﴿ألست بربكم﴾؟ قالوا: كلهم: ﴿بلى﴾، فأمَّا أهل السعادة، فقالوا عن معرفة له طوعًا، وأما أهل الشقاوة، فقالوه كرهًا.
ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُم﴾ [آل عمران: ١٠٦] ففيه أن كل كافر قد كفر بعد إيمانه، وهذا لا يصح ظاهره في هذا التكليف المعلوم لنا، وكذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، فظاهرها خلق جميع المخاطبين قبل الأمر بالسجود لآدم في عالم الذر، وهو قول مجاهدٍ، وقتادة، والربيع، والضحاك، ومجاهد من أصح المفسرين تفسيرًا وقتادة -على حفظه- من قدماء المعتزلة في مسألة الأفعال.
فأما قول ابن عباس: " خُلِقُوا في أصلاب الرجال، وصُوِّروا في أرحام النساء "، فلا يناقض هذا، وإن كان الحاكم صححه على شرط الشيخين (١)، فإن الجميع من الخلق والتصوير ممكن أنه كان في ذلك الخلق الأول، وذلك داخل، وهو ظاهر الترتيب في قوله: ﴿ثم قلنا للملائكة﴾ [الأعراف: ١١].
ويترجح بما تقدم والله سبحانه أعلم على أنه موقوفٌ، لا يجب أو لا يجوز ترك الظاهر له، خصوصًا مع عدم شذوذ القائل به وكثرة شواهده.
_________________
(١) " المستدرك " ٢/ ٣١٩، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
[ ٧ / ٢٦٩ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَة﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠].
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُم﴾ [البقرة: ٢٨] فإن الموت في الحقيقة لا يكون إلاَّ بعد حياة، ولا يجوز حمل كتاب الله على المجاز في جميع هذه الآيات المتقدمة إلاَّ لضرورة تمنع من الظاهر، ولا ضرورة في حق من هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء بصير.
فإن قلت: قوله تعالى: ﴿أمتنا اثنتين﴾ [غافر: ١١] ينافي ذلك، لأنه يؤدي إلى الإماتة ثلاث مرات.
قلنا: بل هو أحد الأدلة على ذلك، فإن موتهم بعد ذلك الخلق الأول في عالم الذر هو الموتة الأولى، وموتهم بعد هذا الخلق الثاني هو الموتة الثانية.
هذا هو الأظهر ويؤكده أن المرتبتين (١) مما يختص بالإقرار به أهل الحق، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِين﴾ [الصافات: ٥٨ - ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيل﴾ [غافر: ١١].
فأما تسمية النطفة ميتةً مجازًا، فلم يخالف فيه كافرٌ ولا مبتدع، ولا ورد الشرع بوجوب اعتقاده، ولا يسمى معتقده مؤمنًا.
وأما قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] فمفهومٌ لا ينتهض لمعارضة المنطوقات متى سُلِّم أنه مفهومٌ صحيحٌ، وليس بمسلَّمٍ، لأنه استثناء من الموت المذوق، وهو المؤلم، وأحد الموتتين يمكن أنها كانت غير مؤلمةٍ، كالنوم الذي سماه الله تعالى وفاةً في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ويدل على ذلك أنه لا يشترط في تسمية الموت أن يكون مذوقًا حقيقة أو مجازًا في اللغة، فجاز
_________________
(١) في (ش): " أهل المرتبتين ".
[ ٧ / ٢٧٠ ]
انقسامه إلى مَذُوقٍ وغير مذوق، والاستثناء (١) من أحد القسمين -وهو المذوق- دون الآخر، مع أن أهل الجنة لا يذوقونه في الجنة، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعًا.
وإنما سماها الموتة الأولى بالنظر إلى تقدمها لوقت الكلام، لا بالنظر إلى أول موتة على الإطلاق، كما يقول: الساعة الأولى، ولا يعني بها أول ساعة، بل ساعة قبلها، وكذلك الصلاة الأولى، يؤيده أنه لا يصح في العربية أن يقال: الأولى من كذا، فكانت بمنزلة: زيدٌ الأفضل، فإنه لا يتعين المفضل عليه إلا فيما ذكرت فيه " من ".
ولو سلمنا أنه ظاهرٌ في أول موتة، فجائزٌ أن تكون الموتة الأولى في الجنة يوم خلق عالم الذر، لأن آدم في ذلك العصر كان في الجنة قبل أن يذنب ويخرج منها، ويكون الاستثناء على هذا متصلًا، ولا يَرِدُ عليه أن الجنة التي كان فيها آدم غير جنة الخلد، لأنه لا دليل على ذلك، ويدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم﴾ [الأعراف: ١١].
فهذا يقتضي أن خروجهم على صور الذَّرِّ كان في الجنة، لأن خروج آدم كان بعد لأمر بالسجود، وقد جعله الله بعد تصوير الجميع، والظاهر أن حياتهم لم تطل، فهذا محتملٌ أيضًا، ومنتهى ما فيه أن نقف في معنى هذا لاشتباهه، ونقول بمعنى تلك الآيات لظهوره.
فأمَّا قولهم: إن الموتة الأولى (٢) هي التي بعد الخلق، وهي المعلومةُ للجميع، والموتة الثانية التي تكون في القبر بعد الحياة فيه، فليس بقوي، لأن تلك الموتة التي في القبر مثل النوم، لأنها متكررة كل يوم، لقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] ولما ورد في الحديث من عرض مقاعدهم عليهم في الجنة أو النار كل يوم (٣)، ولما ورد في عذاب
_________________
(١) في (ش): والمستثنى.
(٢) " الأولى " ساقطة من (أ).
(٣) روى مالك في " الموطأ " ١/ ٢٣٩، ومن طريقه أحمد ٢/ ١١٣، والبخاري =
[ ٧ / ٢٧١ ]
القبر، وهو لا يكونُ إلاَّ مع الحياة.
وقد تقدم أن الله تعالى سمى النوم وفاة، ويجور أن يكون في الخلق من مات مرتين فقط، وفيهم من مات أكثر، وفيهم من لم يمت إلاَّ مره واحدة كالملائكة.
والذين ماتوا أكثر من ثِنْتَيْنِ، كالذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، والرجل الذي يقتله الدجال ثم يحييه الله تعالى كما ثبت في الحديث الصحيح (١).
وفي الحديث: " أنا أول من تنشق عنه الأرض، فإذا موسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش، فما أدري أكان ممن استثناه الله تعالى، أم حوسب بصعقة الطُّور؟ " (٢).
_________________
(١) = (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦)، والنسائي ٤/ ١٠٧ - ١٠٨، وابن حبان (٣١٣٠)، والبيهقي في " إثبات عذاب القبر " (٤٨)، والبغوي (١٥٢٤) من حديث ابن عمر يرفعه: " إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ".
(٢) روى عبد الرزاق (٢٠٨٢٤) من حديث أبي سعيد الخدري، حدثنا رسول الله - ﷺ - عن الدجال، فقال فيما حدثنا: " يأتي الدجال وهو محرَّم عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فيخرج إليه رجل وهو خير الناس يومئذ، أو من خيرهم، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيسلط عليه، فيقتله، ثم يحييه، فيقول حين يحيى: والله ما كنت بأشد بصيرة فيك مني الآن، فيريد قتله الثانية، فلا يسلط عليه ". ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد ٣/ ٣٦، وابن حبان (٦٨٠١)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) رواه البخاري (٢٤١٢) و(٣٢٩٨) و(٤٦٣٨) و(٦٩١٦) و(٦٩١٧) و(٧٤٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا بلفظ: " لا تحيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، أم حوسب بصعقة الأولى؟ ". =
[ ٧ / ٢٧٢ ]
سؤال عن كيفية جواز نسيان العقلاء الحياة الأولة في عالم الذر
ففيه إشارةٌ إلى تجويز أن يكون موسى ﵇ ممن مات أكثر من مرتين، إذًا لم يُحاسب بالصعقة (١)، وكانت تسمى موتة.
فإن قلت: كيف يجوز على العقلاء نسيان تلك الحياة الأولة؟
فالجواب: أنه لا مانع من ذلك، فإن الذكر والنسيان من أفعال الله تعالى بالإجماع، وإنما اشترط بعض أهل الكلام أن لا ينسى العاقل الأمور العظيمة القريبة العهد، لأن ذلك من علوم العقل التي ينبني عليها التكليف، فهو عند بعضهم يُخِلُّ بالحكمة، لا لأن الله تعالى غير قادر على أن يُنْسِيَها العبد، والنسيان لما كان في الخلق الأول لا يخل بشيء في الحكمة ولا في القدرة، وبخاصةٍ ومدة تلك الحياة قصيرةٌ إنما كانت قدر ما يتسع للسؤال والجواب على ما يفهم من سياق الأحاديث أو بعضها، فصارت كالرؤيا التي جرت العادة بنسيان كثير منها، وذكرها بعد نسيانها من شاء الله، وإنما الباطل ما ذكره كثير من الفلاسفة أن النفس كانت قديمة أزلية مجردة، ثم تعلقت بالبدن، وهي لا تذكر ذلك بعد طوله، والله سبحانه أعلم.
فإن قيل: إن الله ﷾ قال: ﴿وإذ أخذ ربُّك من بني آدم﴾
_________________
(١) = قال الإمام ابن القيم في " الروح " ص ٥٤، ونقله عنه ابن أبي العز الحنفي في " شرح العقيدة الطحاوية " ٢/ ٦٠٣ بتحقيقنا: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين، فجاء هذا، والحديثان هكذا: أحدهما: " إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق ". والثاني: هكذا: " أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ". فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر. قلت: الحديث الأول رواه البخاري (٢٤١١) و(٣٤٠٨) و(٦٥١٧) و(٧٤٢٨)، ومسلم (٢٣٧٣) (١٦٠)، وأبو داود (٤٦٧١)، والبغوي (٤٣٠٢) من حديث أبي هريرة. والحديث الثاني تقدم تخريجه ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٢) من قوله: " ففيه إشارة " إلى هنا سقط من (ش).
[ ٧ / ٢٧٣ ]
[الأعراف: ١٧٢] ولم يقل: من آدم، فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه لا يلزم في هذه الأحاديث أن تكون تفسيرًا للآية، ولا واردة في معنى الآية، لكنها لما كانت شبهة بمعنى الآية، ذكروها مع الآية، لتقاربهما في المعنى، لا لاتحادهما فيه، وهو اختيار ابن كثير، فثبت أن الأحاديت حجة في المقصود، وإن لم تكن تفسيرًا للآية.
الوجه الثاني: الجمع بين الآية والأحاديث بالتأويل، وقد ذكر في ذلك وجهان، ولا حاجة إلى التطويل بذكر ذلك، لكراهة التعرض لتأويل المتشابه، وفي الوجه الأول كفاية.
ويحتمل وجهًا آخر ليس فيه مخالفةٌ للظاهر، وهو أن يكون أخرجهم في المرة الأولى متناسلين بعضهم من بعضٍ كما أخرجهم في المرة الآخرة، وهو قول الواحدي.
وقيل: أخرج الذرية قرنًا بعد قرنٍ، وعصرًا بعد عصرٍ.
فهذا جملة ما حضرني مما ذكره أهل السنة في كتب الحديث وشروحها من وجوه الحكمة في ذلك على تقدير وقوعها.
والقصد بهذا كله أن لا يقطع على ثقات الرواة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنهم كذبوا أحاديث الأطفال، كما يجري على ألسنة كثير من المبتدعة فيما لم يعرفوا تأويله، وذلك أن رواة أحاديث الأطفال وغيرها مما ينكره أهل البدع هم رواة كثيرٍ من أحكام الشريعة، وفي تكذيبهم أو تُهمتِهم خللٌ عظيمٌ يرجع على جميع فرق الإسلام، وليس يعرفُ هذا إلاَّ من عرف من روى هذه الأحاديث كلها، وليس المراد من روى الأحاديث المصرحة بأنهم جميعهم في النار.
وقد قدمنا أنه لم يصح منها حديثٌ واحد، ولكن الأحاديث المفهوم ذلك منها من غير تصريحٍ مثل الأحاديث التي فيها أن رسول الله - ﷺ - لما سُئِلَ عنهم
[ ٧ / ٢٧٤ ]
قال: " هم مع آبائهم، أو من آبائهم " فقيل له: بعملٍ أو بغير عملٍ؟ فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " (١). وأيضًا فالأحاديثُ التي لم تصح في الباب إنما لم تصح (٢) على قواعد المحدثين، وأما على قواعد غيرهم، فإنها تصح على كلامهم مثل حديث خديجة، فإن المحدثين قدحوا فيه بالإرسال، فمن يقبلُ المرسل يقول بصحته، وكذلك من لا يرُدُّ الراوي بالضعف اليسير يقبل كثيرًا من رواتها، وهو مذهب الأصوليين، وكذلك من لا يقدح بالعلل، وأمثال ذلك.
وعلى الجملة، فلولا شهرة الآثار الواردة في هذا الباب، ما اختلف عاقلان أبدًا، فإن العقول تقتضي أن الله تعالى لا يعذب العصاة على معاصيهم، لسعة رحمته وكرمه، وغناه التام عن تعذيبهم، وعدم تضرره بذنوبهم، ولولا ورود السمع بعذاب المذنبين ما قال به قائل.
ولكن الشريعة المطهرة وردت بالابتلاء الشديد في الأعمال بالميثاق، والعقائد بالمتشابه، وأحسن المؤمنين إيمانًا أثبتهم إيمانًا بما يخالف عقله بشهادة قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقد تقدم هذا المعنى عند ذكر الحكم في تقدير الشرور وإنزال المتشابه في مسألة الأقدار، فليراجع في موضعه، فإنه نافع إن شاء الله.
والقصد ببسط الكلام في هذه المسألة وما تقدمها من المشكلات:
المبالغة في حمل المسلمين على السلامة، لما ورد في الأخبار المتواترة من أمر النبي - ﷺ - للمسلم أن يحب للمسلمين ما يحب لنفسه (٣)، ومن ورود الثناء في
_________________
(١) حديث صحيح. رواه أحمد ٦/ ٨٤، وأبو داود (٤٧١٢) من حديث عائشة.
(٢) قوله: " في الباب إنما لم تصح " سقط من (ش).
(٣) روى أحمد ٣/ ١٧٦ و٢٥١ و٢٧٢ و٢٨٩، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) من حديث أنس مرفوعًا: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وصححه ابن حبان (٢٣٤) و(٢٣٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٧ / ٢٧٥ ]
المسألة الثانية: تعذيب المسلم الميت ببكاء الحي عليه
القرآن العظيم على الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، وجاء في النهي عن التباغض ما لا يخفى (١)، وجاء في " الصحيح ": " بحسب امرىء من السوء أن يحقر أخاه المسلم " (٢).
المسأله الثانية مما يتوهم مخالفتهم فيه: تعذيب المسلم الميت ببكاء الحي عليه.
والجواب عنهم من وجوه:
الأول: أن منهم من تأول ذلك بالوصية ونحوها، منهم البخاري في " الصحيح، (٣) والخطابي (٤)، وحكاه عنه ابن الأثير في شرح غريب حرف الميم (٥)، والنواوي في " رياض الصالحين " (٦)، وفي " الروضة " (٧) ذكره في كتاب الجنائز منها. وقال في " شرح مسلم " (٨) في كتاب الجنائز منه: إنه قول الجمهور، وإنه الصحيح. قال: وقالوا: فأما من بكى عليه أهله من غير وصيةٍ منه فلا يعذب، لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى﴾ [الإسراء: ١٥]، قالوا:
_________________
(١) روى مالك في " الموطأ " ٢/ ٩٠٧، ومن طريقه البخاري (٦٠٧٦)، وفي " الأدب المفرد " (٣٩٨)، ومسلم (٢٥٥٩) (٢٣)، وأبو داود (٤٩١٠)، وابن حبان (٥٦٦٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٣٧٤، والبغوي (٣٥٢٢) من حديث أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ".
(٢) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ١/ ١٨٩.
(٣) في الجنائز: باب قول النبي - ﷺ -: " يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ".
(٤) في " معالم السنن " ١/ ٣٠٣.
(٥) من " جامع الأصول " ١١/ ٩٣ - ٩٤.
(٦) ذكر الإمام النووي الحديث في " رياض الصالحين " ص ٦٢٥ بتحقيقنا تحت باب تحريم النياحة على الميت ولم يعلق عليه بشيء.
(٧) ٢/ ١٤٥ بتحقيقنا مع صاحبنا العلامة الشيخ عبد القادر الأرنؤوط.
(٨) ٦/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
[ ٧ / ٢٧٦ ]
وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد:
إذا مِتُّ فانعيني (١) بما أنا أهلُه وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يا ابنة مَعْبَدِ (٢)
فخرج الحديث مطلقًا حملًا على ما كان معتادًا لهم.
وقالت طائفةٌ: هو محمولٌ على من أوصى بذلك، أو لم يوص بتركه، فإنه يعذب بتفريطه في إهماله الوصية بتركه، وحاصل هذا إيجاب الوصية بتركه ذلك.
وقالت طائفة: معنى ذلك أنهم كانوا ينوحون بتعديد محاسن الميت في زعمهم، وهي قبائح في الشرع، نحو قولهم: يا مُرَمِّل النسوان، ومُوتّم الولدان، ومُخرِّب العمران، مما يرونه شجاعةً وفخرًا، فيعذب بذلك القبيح (٣).
وقالت طائفة: إنه يعذب بسماعه لبكاء أهله، لأنه يرق لهم. وإلى هذا ذهب محمد بن جرير وغيره (٤).
_________________
(١) في (أ) و(ش): فابكيني، والتصويب من شرح مسلم.
(٢) تحرف في (ش) إلى: " يا أم معبد "، والبيت من جاهليته السائرة التي مطلعها: لخولة أطلالٌ بِبُرْقَة ثَهْمَدِ تلوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليد قال التبريزي في " شرح القصائد العشر " ص ١٢١: انعيني، أي: اذكري من أفعالي ما أنا أهله، يقال: فلان ينعى على فلان ذنوبه: إذا كان يعددها عليه ويأخذه بها. وقال الأعلم الشنتمري في " أشعار الشعراء الستة " ٢/ ٥٥: أوصى ابنة معبد أن تذيع خبر وفاته، وأن تثني عليه، وأن تشق جيبها، وابنة معبد: قيل: هي زوجه، وقيل: بنت أخيه.
(٣) قال الإسماعيلي فيما نقله عنه الحافظ في " الفتح " ٣/ ١٥٥: ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغيرون، ويَسْبُون، ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، لأن الميت يندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زبادة ذنب في ذنوبه يستحق العذاب عليها.
(٤) ورجحه القاضي عياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة الثقفية التي سيذكر المؤلف موضع الشاهد منه.
[ ٧ / ٢٧٧ ]
وقال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث فيه أن النبي - ﷺ - زجر امرأة عن البكاء على أبيها، وقال: " إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله، لا تعذبوا إخوانكم " (١).
وقال ابن الأثير في شرح قوله: " إن الميت لَيُعَذَّب ببكاء أهله عليه " في كتاب الموت من حرف الميم (٢) في شرح غريبه ما لفظه: قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا من حيث إن العرب كانوا يوصون أهاليهم بالبكاء والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وموجودًا في أشعارهم كثيرًا. قال: تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إليهم وقت حياته. انتهى بحروفه.
الوجد الثاني: أنت من قرَّره على ظاهره منهم، قطع أن له وجه حكمةٍ لا يعلم تأويله إلاَّ الله، كما هو مذهبهم في جميع المتشابه.
الوجه الثالث: ما قدمنا في المسألة الأولى من حكاية إجماعهم على أنه يجوز في البرزخ ما يجور في دار التكليف من الامتحان بالآلام، والأمور المشتبهة، وقد أجمعت الأمة على أن ذرية المشركين الذين لم يذنبوا يلحقهم الرِّق في الدنيا بسبب كفر آبائهم، ويتمشى تأويل هذا على كل مذهب، فإنه لم يخرج مخرج العقوبة لمن لا ذنب له بذنب غيره.
وكذلك تعذيب الميت ببكاء أهله (٣) ليس فيه تصريحٌ بأنه عقوبة له، ومنتهى ما فيه دخول الباء، فلا يدل على العقوبة، كاسترقاق الذرية بكفر (٤) آبائهم.
_________________
(١) قطعة من حديث مطول رواه الطبراني في " الكبير " ٢٥/ (١)، وابن أبي شيبة وابن أبي خيثمة، كما في " الفتح " ٣/ ١٥٥، وابن منده كما في " الإصابة " ٤/ ٣٨٠، وحسَّن إسناده الحافظ في " الفتح "، وقال ابن عبد البر في " الاستيعاب " ٤/ ٣٨١: وقد شرحه أهل العلم، وهو حديث حسن.
(٢) من " جامع الأصول " ١١/ ٩٣ - ٩٤ الطبعة الشامية.
(٣) " أهله " ساقطة من (أ).
(٤) في (ش): " بذنب ".
[ ٧ / ٢٧٨ ]
وقد ذكر الذهبي ما يدلُّ على هذا في " النبلاء " (١)، أظنه في ترجمة سعد بن معاذ، فإنه ذكر أن ضمة القبر من جملة الآلام التي تصيب المؤمن وغيره، كآلام الدنيا. وهذا ممشى على أصول المعتزلة، فإن منهم من يجيز الألم متى كان للألم عِوَضٌ، ولا مانع من هذا بعد الموت، ومنهم: من يَشْرُطُ مع العوض للاعتبار، ولا مانع منه أيضًا، فإنه يجوز أن يعتبر به المكلَّفون لعلمهم به، وتصديقهم له.
وقال ابن عبد السلام في " قواعده " (٢) في قاعدة عقدها في المستثنى من القواعد الشرعية: الثاني والعشرون: الصلاة واجبة على الأموات، لافتقارهم إلى رفع الدرجات، وتكفير السيئات، إلاَّ أن الأطفال لا يدعى لهم بتكفير (٣) السيئات.
وقد روى مالكٌ، عن سعيد بن المسبب أنه سمع أنسًا (٤) يدعو لصبيٍّ في الصلاة عليه أن يُعيذه الله من عذاب القبر. وهذا ليس ببعيدٍ، إذ يجوز أن يُبتلى في القبر كما يبتلى في الدنيا، وإن لم يكن له ذنبٌ، فيجوز أن يكون هذا رأيًا من أنس، و[يجوز] أن يكون أخذه من رسول الله - ﷺ -. انتهى.
وهو مثل كلام الذهبي في تشبيه ذلك بآلام الدنيا، وعدم خُلُوه من الحكمة إن ثبت ذلك على الصحيح، والله أعلم.
الوجه الرابع: أن يكون الميت يستحق العذاب، ويكون البكاء عليه سببًا لوقوع العذاب في ذلك الوقت، فقد جاء في " الصحيح ": " من نُوقِشَ الحساب، عُذِّبَ " (٥) وله شواهد في الصحاح، ومن لم يُبْكَ عليه أُخِّر عذابه
_________________
(١) ١/ ٢٩٠ في ترجمة سعد بن معاذ.
(٢) ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، وما بين حاصرتين منه.
(٣) في (أ) و(ش): تكفير، والمثبت من " القواعد ".
(٤) " الموطأ " ١/ ٢٢٨، لكن فيه: عن أبي هريرة، وليس عن أنس، والخطأ من ابن عبد السلام، وتابعه عليه المؤلف.
(٥) تقدم تخريجه ٥/ ٢٧٤، وهو حديث صحيح.
[ ٧ / ٢٧٩ ]
إثبات حكمة الله على جهة العموم عند أهل السنة
المستحق حتى يجازى به في الآخرة أو يُعفى عنه. وإلى نحو هذا ذهبت عائشة، فإنها ذهبت إلى أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه، لا ببكائهم. حكاه النواوي عنها في شرح " مسلم " (١) وهو نحوه، إلاَّ أن فيما لخصته زيادةً حسنةً تناسب كون البكاء سببًا للعذاب المستحق، لا موجبًا له، والله أعلم. وتكون الحكمة في تعجيل العقوبة المستحقة بسبب البكاء الزَّجر عنه.
ومع هذه الوجوه وما لا تحيط به العقول من حكمة الغنيِّ الحميد، الذي لا يُتَّهَمُ بظلم العبيد، كيف يسوغ تكذيب الثقات في رواية الأخبار النبوية، ونسبتهم إلى تجويز الظلم إلى بارىء البرية، وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن تكذيب اليهود فيما نقلوه من الإسرائيليات (٢)، فالعجب ممن يتجرأ مع ذلك على تكذيب الثقات الأثبات.
فهذا ما وعدنا به من ذكر مذاهب أهل السنة على جهة الخصوص في إثباتهم حكمة الله ﷿ في هاتين المسألتين من المتشابه الذي لا تدرك العقول منه إلاَّ ما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله - ﷺ -.
فصل: وأما ما وعدت به من ذكر مذاهبهم في ذلك على جهة العموم، فذلك كله إجماعٌ من أهل السنة، وقد ذكر ذلك الزنجاني في شرح قصيدته الرائية الشهيرة بالحث على السنة التي أولها:
_________________
(١) ٦/ ٢٢٨، وروى مالك في " الموطأ " ١/ ٢٣٤ ومن طريقه أحمد ٦/ ١٠٧، والبخاري (١٢٨٩)، ومسلم (٩٣٢) (٢٧)، والترمذي (١٦٠٠)، والنسائي ٤/ ١٧ - ١٨، وابن حبان (٣١٢٣) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة، وذكر لها أن ابن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي، قالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله - ﷺ - على يهودية يُبكى عليها، فقال: " إنهم يبكون عليها، وإنها لتعذَّب في قبرها ".
(٢) انظر ص ١٤٥ (ت) رقم (١).
[ ٧ / ٢٨٠ ]
تَمَسَّك بحبلِ الله واتبع الخبر
وقد نص على ذلك الإمام الشافعي في أوائل كتاب " الأم " ولم يحضرني لفظه، فلينظر فيه.
وقال ابن الحاجب في " مختصر المنتهى ": إنه إجماع الفقهاء كما سيأتي.
ولما حكى الذهبي عن عكرمة قوله: إن الله أنزل المتشابه ليضل به، قال الذهبي: ما أسوأها عبارة وأخبثها، بل أنزله ليهدي به وليضل به الفاسقين. وهذا منه -﵀- إشارةٌ إلى قول الله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين﴾ [البقرة: ٢٦]. ذكره في ترجمة عكرمة من " الميزان " (١).
وقال ابن كثير في الأول من " البداية والنهاية " (٢) في قصة نوح ﵇ في تفسير (٣) قوله فيما حكى الله عنه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ [هود: ٣٤]: أي: من يرد الله فتنته، فلن يملك أحدٌ هدايته، هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، وهو الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. انتهى بحروفه.
وتقدم قول ابن الجوزي (٤): بُتَّ الحكم، فلم يعارض بـ " لِمَ " فأقدام الطلب (٥) واقفةٌ على جمر التسليم.
وقال النواوي في " الأذكار " (٦) في حديث " والشر ليس إليك " (٧): أي: ليس بشرٍّ بالنظر إلى حكمتك، فإنه لا يفعل العبث، وفي شرح " مسلم " (٨) مثله.
_________________
(١) ٣/ ٩٤.
(٢) ١/ ١٠٢.
(٣) في (أ): " قصة ".
(٤) " العواصم ": ٣/ ٣٢٤.
(٥) في الأصلين: " الطالب "، وكتب فوقها في (أ): " الطلب ظ ".
(٦) ص ٩٣.
(٧) تقدم تخريجه ٥/ ٢٩٦.
(٨) ٦/ ٥٩.
[ ٧ / ٢٨١ ]
وقال أيضًا في كتابه " التبيان في آداب حملة القرآن " في الباب التاسع (١) منه: فصلٌ: وينبغي لمن أراد السؤال عن تقديم آيةٍ على آيةٍ في المُصحف أو مناسبة هذه الآية في هذا الموضع ونحو ذلك أن يقول: ما الحكمة في كذا.
انتهى بحروفه. ولم يعترضه في ذلك أحدٌ، بل ما زال علماء الإسلام يذكرون الحكمة في ذلك خصوصًا أئمة التفسير، وعلماء الأمة مُجمعون على تقرير ذلك وتصويبه سلفهم وخلفهم.
قال الشيخ العلامة محمد بن موسى الدميري الشافعي (٢) في كتابه " حياة الحيوان " (٣) في ذكر الذباب من حرف الذال: إن الله تعالى خلق الذبابة، وجعل لها الهداية إلى أن تُقَدِّم الجناح الذي فيه الداء، وتؤخِّر الذي فيه الدواء، لما فيه من الابتلاء الذي هو مَدْرَجَة (٤) التعبد (٥)، ومن (٦) الامتحان الذي هو مِضمار التكليف، وله في كل شيء حكمةٌ وما يذَّكَّر إلاَّ أولو الألباب.
بل حكى هذا الكلام عن الإمام الخطَّابي (٧) وقرره، فاتفقا معًا عليه، وردّا معًا على من طعن في الحديث الوارد من طريق أبي هريرة وأبي سعيدٍ (٨)، وتكلَّفا
_________________
(١) بل في الباب السابع ص ١٤١ منه بتحقيق صاحبنا الأستاذ العلامة عبد القادر الأرنؤوط نفع الله به.
(٢) هو محمد بن موسى بن عيسى بن علي، أبو البقاء كمال الدين الدميري، مهر في الفقه والأدب والحديث، وشارك في الفنون، ووعظ وخطب فأجاد، وكان ذا حظ من العبادة توفي سنة ٨٠٨ هـ. وكتابه " حياة الحيوان " قال عنه السخاوي: إنه نفيس أجاده وأكثر فوائده، مع كثرة استطراده فيه من شيءٍ إلى شيءٍ. انظر " إنباء الغمر " ٥/ ٣٤٧، و" الضوء اللامع " ١٠/ ٥٩.
(٣) ١/ ٥٠٥.
(٤) تحرفت في الأصلين إلى " مدحه "، والمثبت من " حياة الحيوان " و" السنن ".
(٥) تحرفت في (ش) إلى: " العبد ".
(٦) " من " لم ترد عند الدميري والخطابي.
(٧) وهو عنده في " معالم السنن " ٤/ ٢٥٩.
(٨) رواه من حديث أبي هريرة: أحمد ٢/ ٢٢٩ و٢٤٦ و٣٥٥ و٣٨٨ و٣٩٨ و٤٤٦، =
[ ٧ / ٢٨٢ ]
الوجوه الغامضة في الرد، ولو كان نفي الحكمة يسوغ عندهما، كان أقرب وأقطع.
وقال شيخ الحنابلة ومتكلمهم ابن قيم الجوزية في كتابه " حادي الأرواح " (١): محالٌ على أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين أن تكون أفعاله معطلة عن المصالح والغايات المحمودة، والقرآن والسنة والعقول والفطر والآيات شاهدة على ذلك.
وقال أيضًا في كتاب " الجواب الكافي " (٢) له: إنه ما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله.
وقال ابن العربى المالكي المتكلم في شرح " الترمذي " (٣) ما لفظه: فإن الباري لا يجوز عليه الإهمال بحالٍ ولا بوجهٍ، وقد وهم (٤) في ذلك المتكلمون من علمائنا في بعض الإطلاقات على الله، وذلك قبيح، فلا تلتفتوا إليه. انتهى بحروفه. وهو صريح في إثبات الحكمة. ذكره في أول كتاب الصيام.
وقال الغزالي في أوائل " إحياء علوم الدين " (٥) في كتاب العلم في ذكر علوم
_________________
(١) = والبخاري (٣٣٢٠) و(٥٨٧٢)، وأبو داود (٣٨٤٤)، وابن ماجه (٣٥٠٥)، وابن الجارود (٥٥)، والدارمي ٢/ ٩٨، والبيهقي ١/ ٢٥٢، والبغوي (٢٨١٣) و(٢٨١٤)، وابن خزيمة (١٠٥)، وابن حبان (١٢٤٦). وحديث أبي سعيد الخدري رواه أحمد ٣/ ٢٤ و٦٧، والنسائي ٧/ ١٧٨، وابن ماجه (٣٥٠٤)، والبيهقي ١/ ٢٥٣، والبغوي (٢٨١٥)، وصححه ابن حبان (١٢٤٧). ورواه من حديث أنس البزار (٢٨٦٦)، قال الهيثمي في " المجمع " ٥/ ٣٨: رجاله رجال الصحيح.
(٢) ص ٢٦٦.
(٣) ص ١٦٥.
(٤) ٣/ ١٩٩.
(٥) في (ش): " قال: فقد وهم ".
(٦) ١/ ٢٠.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
المكاشفة من كتاب العلم: إن من علم علوم المكاشفة: علم حكمة الله تعالى في خلق الدنيا والآخرة. انتهى بلفظه.
وصرح غير واحد من أهل السنة بذم أهل هذا القول من غلاة المتكلمين، على أن غلاة المتكلمين من الأشعرية الذين صرحوا به، وبالغوا في نصرته قد استشنعُوا ذلك، وحاولوا الاعتذار عنه، فقال الرازي: إنهم لا يخالفون في إدراك العقول قبح صفات النقص، كالجهل والكذب، وحسن صفات الكمال، كالعلم والصدق، وأن الله متصف بصفات الكمال، ومنزه عن صفات النقص، وإنما خالفوا بأنا (١) لا نعرف بمجرد العقل استحقاق فاعلها ما ورد به الشرع من الجزاء في الدنيا والآخرة.
وهذا حسنٌ جدًا، لكنه يناقضه كما سيأتي، بل يلزمه ثبوت الحكمة في الأفعال كالأقوال سواء.
وكذلك ذكر الرازي أن فائدة العمل والتكليف مع سبق الأقدار، وهي تعجيل البشرى للمؤمن والإنذار للكافر، ويدل على قوله هذا قوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلاَّ مبشرين ومنذرين﴾ [الكهف: ٥٦]. وكلامه هذا يدلُّ على ثبوت الحكمة، وكذلك صرح بثبوتها في كلامه المقدم في الجبر والقدر الذي ذكره في " مفاتح الغيب "، فإنه ذكر فيه أن هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب تعظيم الله تعالى، نظرًا إلى قدرته، وبحسب تعظيمه سبحانه نظرًا إلى حكمته. إلى آخر كلامه في ذلك.
واعلم أنه لا فرق بين معرفة العقول أن الكذب صفة نقص يجب تنزيه الله عنها، وبين معرفتها أن تعذيب الأنبياء والأولياء في يوم الجزاء بذنوب أعداء الله صفة نقص يجب تنزيه الله عنها، وأن مَدْرَكَ قبح الأفعال والأقوال في العقول واحد، ومن حاول الفرق بينهما، فقد غالط وأبطل، وإنما ألجأهم إلى الفرق
_________________
(١) في (ش): " في أنا ".
[ ٧ / ٢٨٤ ]
بينهما مخافة صريح الكفر في تجويز الكذب على الله، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
قال الشهرستاني في " نهاية الإقدام " ما لفظه: ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى توجهت إلى الصلاح ولم يخلق الخلق لأجل الفساد، ولكن الحامل له ما كان صلاحًا يرتقبه ولا خيرًا يتوقعه، بل لا حامل له.
قلت: تعبيره بالحامل والارتقاب والتوقع (١) قبيح، ولو لم يقبح إلاَّ لكونه يوهم أن المخالفين له يُجَوِّزُون هذه العبارات القبيحة على الله تعالى. فكيف يوهم ذلك، ويستغلط الناظر في كلامه، فلو عبَّر بالحكمة، أصاب الحق ولم يوهم الباطل، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِه﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقد اعترفت الأشعرية أن الله تعالى لا يفعل إلاَّ بالإرادة، ولم يسموها حاملًا له تعالى على الفعل. فكذلك قال: إنه لا يفعل إلاَّ بحكمة لا يلزمه تسميتها حاملًا، على أن هذه العبارة مجازية، ولا مانع من حقيقتها، وليس تعتبر الأسماء بغير المعاني الصحيحة بالإجماع.
قال: وفرقٌ بين لزوم الخير والصلاح لأوضاع الأفعال، وبين حمل الخير والصلاح على وضع الأفعال.
قلت: مجموعهما أكمل وأفضل، وعلى ذلك الشرع المُنَزَّل والعقل الأول.
قال: كما تفرق فرقًا ضروريًا بين الكمال الذي يلزم وجود الشيء، وبين الكمال الذي يستدعي وجود الشيء، فإن الأول فضيلة هي كالصفة اللازمة، والثاني فضيلة هي كالعلة الحاملة.
قلت: فضيلتان أكمل من فضيلةٍ، وتعطيل الرب من إحدى الفضيلتين هفوةٌ جليلةٌ، فجدوى هذا التمثيل قليلةٌ.
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: " والترفع ".
[ ٧ / ٢٨٥ ]
الاستدلال على إثبات الحكمة لله تعالى
ثم ذكر أن عموم الخلق عندهم في توفيق الله الشامل لهم، وذلك بنصب الأدلة والإقدار على الاستدلال بإرسال الرسل، وتسهيل الطرق، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥]. إلى آخر كلامه.
قلت: واستشهاده بالآية يكفي في الرد عليه، وكذا قوله (١): إن عموم الخلق في توفيق الله إلى آخر كلامه، فإن ذلك دليل الحكمة، إذ لا يترجح أحد الممكنين بغير مرجِّح بالضرورة، ولهم في هذا المذهب مقصدان:
أحدهما: أن المنافع والمضار، وإن تفاوتت بالنظر إلى الخلق، فهي غير متفاوتة بالنظر إلى الخالق، فإذًا الترجيح بالنظر إليه محالٌ، وذلك غاية الغنى وأتمه وأبلغه.
وثانيهما: قطع مادة الاعتراض لأفعال الله التي لا يُدْرَك بالعقول وجه الحكمة فيها.
وهذان مقصدان حسنان لولا ما أدَّيا إليه من القبائح، وصادماه من قواطع النصوص الصريحة (٢) بل ما خالفاه من الضروره العقلية والضرورة الشرعية، وقد كان اللائق ترك الاحتجاج على ذلك لجلائه، ولكني رأيت الاغترار بكلامهم قد فشا في عوام أهل السنة، وكاد مقصدهم فيه بالعبارات المموَّهة يخفى على بعض الخاصة، فرأيت أن أقصد وجه الله تعالى، فأتلو من آيات كتاب الله تعالى أكثر من مئة آيةٍ مما تقشعر الجلود لمخالفته، وتخضع القلوب لجلالته من غير استقصاءٍ لذلك لكثرته، والنصوص القرآنية في ذلك أنواع كثيرة ولله الحمد.
النوع الأول: ما جاء بأصرح صيغ التعليل مما يتعذر فيه التأويل مع مراعاة الحياء من التنزيل، مثل ما ورد في تعليل خلق السماوات والأرض، وفيه آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا
_________________
(١) في (أ) و(ش): " قولهم "، وهو خطأ.
(٢) في (أ) و(ف): " الصريح "، وهو خطأ.
[ ٧ / ٢٨٦ ]
خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا (١) إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِين﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٧ - ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُون﴾ [الأحقاف: ٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون﴾ [الجاثية: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥].
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [الطلاق: ١٢].
_________________
(١) من قوله تعالى: (لاعبين) إلى هنا لم يرد في (ش).
[ ٧ / ٢٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون﴾ [الرعد: ٢].
ومن ذلك، وهو من أصرحه وأفصحه، قوله تعالى في الرد على اليهود: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم﴾ [المائدة: ١٨] حيث ادَّعوا أنهم أبناؤه وأحباؤه، فإنها (١) مناديةٌ نداءً صريحًا على أنهم لا يُعَذَّبون بمجرد القدرة والمشيئة من غير نظرٍ إلى غيرهما، لأنه لو كان كذلك، لما علَّل انتفاء التعذيب بحصول المحبة، وأفحم بذلك الخصم، وأمر نبيه ﵇ أن يناظر بذلك، وأودعه كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن ذلك تعليل عذاب أهل النار بكونه جزاءً لهم على ذنوبهم (٢)، وهذا معلومٌ بالضرورة من الدين ونصوص القرآن المبين.
والعجب ممن يعرف القرآن الكريم كيف يقول بذلك؟!
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُم﴾ [النساء: ١٤٧].
وقال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ يُجَازى (٣) إِلَّا الْكَفُور﴾ [سبأ: ١٧].
وقال: ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون﴾ [سبأ: ٢٥].
وقال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
_________________
(١) في (أ): " فإنه ".
(٢) قوله: " بكونه جزاء لهم على ذنوبهم " ساقط من (أ).
(٣) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص: ﴿وهل نجازي إلاَّ الكفور﴾. انظر " حجة القراءات " ص ٥٨٧.
[ ٧ / ٢٨٨ ]
وقال: ﴿هل تجزون إلاَّ ما كنتم تعملون﴾ [النمل: ٩٠].
وقال: ﴿فكذبوا رسلي فكيف كان نكير﴾ [سبأ: ٤٥].
وقال: ﴿كذلك نجزي كل كفور﴾ [فاطر: ٣٦].
وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٣ - ٤٥].
وقال تعالى: ﴿إنَّ ربَّهُم بهم يومئذٍ لخبير﴾ (١) [العاديات: ١١].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين﴾ [يس: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلاَّ الله يستكبرون﴾ [الصافات: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿جزاءً بما كانوا يعملون﴾ [الأحقاف: ١٤].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُون﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢) [السجدة: ١٨ - ٢١].
وقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون﴾ [الجاثية: ٢١].
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار﴾ [ص: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦].
_________________
(١) هذه الآية لم ترد في (أ).
(٢) آيات " السجدة " لم ترد في (ش).
[ ٧ / ٢٨٩ ]
الجمع بين قوله - ﷺ -: "إن أحدا لم يدخل الجنة بعمله" الحديث، وبين الآيات القرآنية الدالة على أن دخولها بالعمل
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون﴾ [يونس: ١٠٠].
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ إلى آخر الجاثية: [٢٨ - ٣٧].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ [محمد: ٣].
فهذا وأمثاله في تعليل عقوبة أهل النار.
وكذلك ثواب أهل الجنة جاء في كتاب الله معللًا بمجازاتهم على أعمالهم، وليس ذلك بمانع من دخولهم الجنة برحمته سبحانه.
فإن قيل: فكيف الجمع بين قول النبي - ﷺ -: " إن أحدًا لم يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا، إلاَّ أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ " وبين الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿ادخُلُوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢]، وكيف يعارض القرآن بخبر الواحد؟
قلنا: ليس بخبر واحدٍ، بل هو متواتر عند أهل البحث التام عن طرق الحديث، فقد روي عن النبي - ﷺ - من بضعة عشر طريقًا: عن أبي هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيدٍ الخدري، وأبي موسى، وشريك بن طارقٍ، وأسامة بن شريك (١)، وأسد بن كُرْزٍ، وأنسٍ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وواثلة بن الأسقع.
فحديثُ أبي هريرة وحديث عائشة متفقٌ عليهما، وحديث جابر عند مسلم، وبقيتها في " مجمع الزوائد " من مسانيد الأئمة الحفاط، وثق الهيثمي رجال أربعة
_________________
(١) في (أ) و(ش): شريك بن طريف، وهو تحريف، فلا يعرف في الصحابة أحد بهذا الاسم.
[ ٧ / ٢٩٠ ]
منها وبقيتهم رجال التواتر (١).
وشهدت بها آيات القرآن -كما يأتي الآن- في أقوال السلف والخلف، وعلى تسليم أنها آحادٌ عند الخاصة، كما هو كذلك عند العامة، فليس
_________________
(١) حديث أبي هريرة رواه البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦) و(٢٨١٧). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٢٣٥ و٣٢٦ و٣٩٠ و٥٠٩ و٥١٤ و٥٢٤ و٥٣٧، وابن حبان (٤٣٨) و(٦٦٠). وحديث عائشة رواه البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم (٢٨١٨). وحديث جابر رواه مسلم (٢٨١٧). ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٣٣٧، والدارمي ٢/ ٣٠٥، وابن حبان (٣٥٠). وحديث أبي سعيد الخدري رواه أحمد ٣/ ٥. قال الهيثمي ١٠/ ٣٥٦: وإسناده حسن، مع أن فيه عطية العوفي، وهو ضعيف. وحديث أبي موسى رواه البزار (٣٤٤٧). قال الهيثمي ١٠/ ٣٥٧: رواه البزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وفي أسانيدهم أشعث بن سوار، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهم ثقات. وحديث شريك بن طارق رواه البزار (٣٤٤٦)، والطبراني في " الكبير " (٧٢١٨) - (٧٢٢١)، وابن حبان في " الثقات " ٣/ ١٨٨ - ١٨٩. قال الهيثمي بعد أن أورده من حديث شريك: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدهما رجال الصحيح. وحديث أسامة بن شريك رواه الطبراني في " الكبير " (٤٩٣). وحديث أسد بن كرز رواه البخاري في " التاريخ الكبير " (١٠٠١)، والطبراني في " الكبير " ٢/ ٤٩. قال الهيثمي ١٠/ ٣٥٧: رواه الطبراني، وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. قلت: قد صرح بالتحديث عند البخاري، وذكره الحاظ في " الإصابة " ١/ ٤٩، وحسَّن إسناده. وحديث أنس رواه البزار (٣٤٤٤). قال الهيثمي: فيه صالح المري، وهو ضعيف. وحديث ابن عمر رواه الطبراني في " الأوسط ". وقال الهيثمي ١٠/ ٣٥٧ - ٣٥٨: فيه أيوب بن عتبة، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين. وحديث واثلة بن الأسقع رواه الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (١٤٠) وفيه بشر بن عون، وهو متهم بالوضع.
[ ٧ / ٢٩١ ]
بمعارضٍ للقرآن الكريم، بل ليس بمعارضٍ في الحالين معًا، وليس بمعارض القرآن والأخبار، ولا يجوز ذلك وإن جهل معناه الجاهلون، ومعنى الحديث صحيحٌ كلفظه، وفي القرآن معناه في غير آية.
قال الله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾ [الحديد: ٢١].
وقال في سورة الدخان بعد ذكر الجنة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ [الدخان: ٥٦ - ٥٧].
وقال في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ [آل عمران: ١٠٧].
وقال في سورة الأحزاب: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، فسمى الأجر فضلًا كما سمى الفضل جزاءً، وذلك غير متناقضٍ، وقد نطق به التنزيل مفرَّقًا في غير آيةٍ ومجموعًا في قوله:
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين﴾ [آل عمران: ١٧١].
وليس في كتاب الله أن العمل يدخل الجنة، وإنما فيه أن الله هو يُدخل الجنة به في بعض الآيات، وفي بعضها بالعمل وبتكفير الله تعالى للسيئات، وهو زيادةٌ يجب اعتبارها، وبها يظهر فضل الله.
قال في سورة التغابن: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التغابن: ٩].
وقال في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ [الطلاق: ١١].
[ ٧ / ٢٩٢ ]
وفي آخر آل عمران نحوهما، [اقرأ الآية: ١٩٨].
وكذلك: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الزمر: ٣٥]، وهو كثيرٌ، ولا دليل على أن التكفير واجبٌ بالعمل، بل الأدلة ناهضةٌ بخلافه، منها: ﴿ولو يُؤاخِدُ الله الناس﴾ الآيتين [النحل: ٦١]، ﴿فاطر: ٤٥] وما في معناهما من الأحاديث، وقد تقدمت مبسوطة.
منها: تسمية الجنة فضل الله.
ومن ذلك: أن الله يعلم العلم، ويثيب عليه، قال: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًاّ فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
ومن ذلك: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُون﴾ [الدخان: ٤١]، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم﴾ [الدخان: ٤٢]، ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَه﴾ [غافر: ٩]، قال: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَان﴾ [الحديد: ٢٠].
وأما الجواب على السؤال، فمن وجوهٍ أربعة:
الوجه الأول: أن الأعمال الصالحة إنما صلحت برحمة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاء﴾ [النور: ٢١].
وقال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧].
وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَان﴾ [الحجرات: ١٧].
[ ٧ / ٢٩٣ ]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وأوضح منهما قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَة﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾ [المائدة: ٥٤].
وحكى الله عن ذي القرنين أنه قال: ﴿هذا رحمةٌ من ربي﴾ [الكهف: ٩٨] يعني ما صنعه الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
ويوضحه من النظر أن المحسن بالسبب مُحْسِنٌ بالمسبِّب، خصوصًا مع قصد الإحسان بهما.
وقال رسول الله - ﷺ - فيما يحكي عن الله ﷿: " إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أُوَفِّيكم بها، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلاَّ نفسه ".
أخرجه مسلم من حديث أبي ذر ﵁ (١).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٩.
[ ٧ / ٢٩٤ ]
ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
ويشهد لدخول الجنة برحمة الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين﴾ [هود: ٩٤].
ونحوه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣].
ونحوه: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] وهو في خطابه لمحمدٍ - ﷺ -.
وقول نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
وقول آدم وحواء: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (١) [الأعراف: ٢٣].
وقول يونس: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقول إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين﴾ [الأنعام: ٧٧].
وقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين﴾ [الشعراء: ٨٢].
_________________
(١) هذه الآية لم ترد في (ش).
[ ٧ / ٢٩٥ ]
فهؤلاء الأنبياء، فكيف غيرهم؟!
الوجه الثاني: لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله بالمعاوضة، لأن العمل حقيرٌ ليس يُستحق بمثلِه مثلُ الجنة لو رجعنا إلى العوض المحقق، والباء في قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢]، باء السببية، فالأعمال سبب ذلك الفضل العظيم، والباء في السببية ظاهرةٌ شهيرةٌ، وقد تكون الأسباب عللًا في التفضل.
وقد جمع الله الأمرين في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
الوجه الثالث: ما ذكره سفيان وغيره، قال: كانوا يقولون: النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة برحمته، وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال.
ويدل على هذا حديث أبي هريرة، وفيه " أن أهل الجنة إذا دخلوها، نزلوا فيها بفضل أعمالهم ". رواه الترمذي (١).
وقد دل على ذلك ما لا يُحصى من كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢].
ومثل قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ [يونس: ٤].
والتحقيق أن مقدار الأجر المستحق على تقدير وجوبه غير معروفٍ عقلًا، فجائز أن يكون حقيرًا لو بيَّنه الله، وقد سمى الله الجنة فضلًا، فلا موجب لتأويله، لأنه ﷿ جعلها جزاء عملٍ حقيرٍ كرمًا فضلًا، ولو لم يزد على القدر المستحق على تقدير صحته، لكان ما لا قدر له ولا نفع.
_________________
(١) برقم (٢٥٤٩). ورواه أيضًا ابن أبي عاصم في " السنة " (٥٨٥) و(٥٨٧)، وابن ماجه (٤٣٣٦)، وابن حبان (٧٤٣٨) وإسناده ضعيف. وانظر " صحيح ابن حبان "، فقد فصلنا القول فيه هناك.
[ ٧ / ٢٩٦ ]
ويدل على ذلك حديث الرجل الذي عبد الله خمس مئة سنة في جزيرة من البحر، وأراد أن يدخل الجنة بعمله، فحوسب، فما وفَّى عمله بنعمة البصر. خرَّجه الحاكم في " المستدرك " وصححه، وهو حديث مشهور (١).
ويشهد لمعناه ظاهر قوله تعالى في خليله إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين﴾ [العنكبوت: ٢٧].
وفي " الكشاف " (٢) في قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وهذا يدلُّ على أن الجنة مستحقة بالعمل، لا بالتفضل كما يقوله المبطلة.
فكتب بعض أهل العلم (٣) في حاشيته ما لفظه: نعم يا شيخ المُحِقَّة.
قلت: الجنة بالعمل، فالعمل بماذا؟ قلت: بالاختيار فالاختيار بماذا؟ رأى الأمر يُفضي إلى غايةٍ، فصيّر آخره أوَّلًا، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه﴾ [الأعراف: ٤٣]. انتهى.
وألحقه بعضهم: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَان﴾ [الحجرات: ١٧].
وقد دل القرآن على أن العمل نعمة، والجزاء عليه نعمة.
أما الأول، ففي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَة﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، وقوله: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَر﴾ [القمر: ٣٥].
وقد ختم الزمخشري " كشافه " (٤) بتضرع إلى الله طويل، قال في آخره:
_________________
(١) تقدم تخريجه ٥/ ٢٥٧، وهو حديث ضعيف.
(٢) ٢/ ٨٠.
(٣) في (ش): " أهل السنة ".
(٤) ٤/ ٣٠٤.
[ ٧ / ٢٩٧ ]
ويُحلَّني دار المقامة من فضله بواسع طوله، وسابغ نوله (١) إنه هو الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. انتهى بحروفه.
وهو شاهدٌ على أن مذهب أهل السنة هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأن الخصوم عند أن تَحِقَّ الحقائق يرجعون إليها، ولو رجع إلى تحقيق مذهبه، لكان مسألته للجنة عبثًا لا فائدة فيه، لأنه إن كان عاملًا بما كلَّفه، فهي له حقٌّ واجبٌ، لا يصح من الله الإخلال به، وإلا كانت المسألة لله أن يفعل قبيحًا ويُخلف وعده ويكذب فيه، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
ومما يتعذر تأويله من صيغ التعليل مثل قوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ الآية [المائدة: ٣٢].
ومن ذلك تأويل المتشابه، وعلى قولهم ليس له تأويل، وقصة الخَضِر وموسى مصادِمَةٌ لمذهبهم بالضرورة، ولا معنى لإنكار موسى، ثم لجواب الخَضِر إلاَّ اعتقادهما تغاير أحكام الأفعال بتغاير أسبابها عند الله تعالى، ألا تراهما لم يتنازعا في مشيئة الله تعالى وأمره، ولذا ما قال موسى: إن الله لم يشأ هذا ولا أمر به، ولا قال الخَضِر: إن هذا شاءه الله وأمر به، ولا كان الخضر أعلم من موسى بالنظر إلى مجرد أن ما شاء الله كان، وما شاء أن لا يكون لم يكن، فعامة المؤمنين يعرفون ذلك، إنما تفاضلا في معرفة حكمة الرب المتشابه (٢) التي نفتها هذه الطائفة.
الوجه الرابع: أن التوحيد عملٌ، بل هو أفضل العمل، كما ورد في الصحيح، وأجمعت عليه الأمة: من مات عقيب قوله: لا إله إلاَّ الله مخلصًا غير منافق (٣)، بل ذلك معلومٌ ضرورةً من الدين، يوضحه أنا قد أجمعنا علي أن النار لا تُدْخَلُ إلاَّ بعمل، وأن من أشرك بالله، فقد استحق النار بأقبح العمل وهو الشرك.
_________________
(١) في (أ) و(ش): " نيله "، والمثبت من " الكشاف ".
(٢) في (ش): " للمتشابه ".
(٣) انظر ٥/ ١٢٧ و١٦٠.
[ ٧ / ٢٩٨ ]
فإذا ثبت بالنصوص والإجماع أن الشرك عمل، فكيف لا يكون التوحيد عملًا؟! وكما أن من عذبه الله تعالى من المشركين، فقد عذبه بعمله، فكذلك من أثابه الله من الموحدين، فقد أثابه وأدخله الجنة بعمله.
فبطل ظن من قال: إن الرجاء يؤدي إلى أن الإيمان قولٌ بلا عمل، أو إلى أن الجنة تُدخل بغير عمل، وقد عظَّم الله القول الثابت بقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
واعلم أن أهل السنة لا ينكرون أن الجنة تُدخل بعملٍ كما ورد في القرآن، وإنما ينكرون ما ليس في القرآن من كونها تستحق على الله بالعمل استحقاق المبيعات بأثمانها، بحيث إنه لا فضل للبائع على المشتري.
فمرجع النزاع في أن الباء التي في قوله تعالى: ﴿بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢] هل هي باء المعاوضة للشيء بمقدار ثمنه، مثل الثوب بالدرهم، أو هي باء السببية، كقولك: أكرمني الملك بسابق معرفةٍ، أو بكلمة طيبة سمعها مني، أو نحو ذلك؟
والقرآن إنما نص على العمل، لا على أن الباء فيه للثمن المساوي، ولو قال أهل السنة بعدم العمل، لجوزوا الجنة للمشركين، فاعرف هذه النكتة.
وقد ظهر أن الخلاف إنما هو في كيفية الجمع بين الآيات والأخبار، وظهر عند كل منصفٍ وعارفٍ قصور العمل عن الوفاء بنعم الله وشكره، وما يحق له، كما قال: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١].
ويلحق بهذا النوع جميع ما احتج الله تعالى به من البراهين على التوحيد، وأنزله من الكتب، وأرسله من الرسل، فإنه معلومٌ أن الحكمة فيها والداعي إليها هو إقامة الحجة البالغة، كما ورد في الحديث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب " (١).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٧ / ٢٩٩ ]
والآيات في هذا كثيرة، ويأتي منه شيءٌ في النوع الثاني.
النوع الثاني: ما جاء من أفعال الله تعالى معلَّلًا بلام " كي "، وهو أكثر من أن يُحصى.
فمنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢].
وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨].
وقوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣].
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ
[ ٧ / ٣٠٠ ]
الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦ - ٣٧]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣].
وقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢].
وقوله: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ [التوبة: ٣٣].
وقوله: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ [الفتح: ٢٩].
وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠].
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦].
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ (١) مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠].
_________________
(١) كذا في (أ): بالتاء، وهي قراءه نافع وابن عامر، وقرأ الباقون: ﴿ليُنذر﴾: بالياء. انظر =
[ ٧ / ٣٠١ ]
الكلام في أن اللام في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون﴾ الآية، للتعليل، واختيار المصنف له
وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
ومنه ما يمكن تأويله بأن اللام فيه للعاقبة، ومنه ما لا يمكن ذلك فيه، كما لا يخفى على المتأمل النبيه.
والعجب من الشهرستاني أنه اختار أفعال الله تعالى غير معلَّلةٍ بداعٍ ولا حكمة، ثم لم يُورد على قوله من السمع إشكالًا قط إلاَّ قوله تعالى: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢]، وأجاب بأن اللام فيها للعاقبة، كقوله تعالى في شأن موسى ﵇: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وكقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧].
وتمسُّكُه بهذه الآية الثانية ممنوعٌ، فإنه ادعى ظهور أن اللام فيها للصَّيرورة والعاقبة بغير حجةٍ.
وأما الآية الأولى، فقد أكثر المتكلمون المتأولون من الاستشهاد بها، ولا دليل لهم قاطعٌ على أن اللام فيها للعاقبة، لأنه يمكن أن اللام فيها على أصلها من التعليل، وذلك أن التقاطهم لموسى ﵇ إنما كان من كرامات الله تعالى له، لأنهم كانوا مجتهدين في قتل الولدان لما (١) قضى به أهل علم النجوم من ظهور مولودٍ في ذلك العصر تكون له الدولة عليهم، فكان الرأي والنظر يقضي أن يكون الطفل الذي قذفه البحر في صندوقٍ هو الذي له الشأن العظيم، فيكون هو الذي يقتلونه دون غيره، أو هو أولى بذلك من غيره، فحين أعماهم الله تعالى من ذلك، لإنفاذ قَدَرِهِ ورغَّبَهم في التقاطه إكرامًا لموسى، ورحمةً وحفظًا ولطفًا وإظهارًا لعظيم قدرته في أن يخدُمَه أعدى عَدُوٍّ له، مع الحرص الشديد على قتله وقتل جميع الولدان من أجله، كان هذا الالتقاط من
_________________
(١) = " حجة القراءات " ص ٦٠٣.
(٢) في (ش): " بما ".
[ ٧ / ٣٠٢ ]
أفعال الله تعالى التي ينفرد بها، وليس لهم فيها كسبٌ ولا اختيارٌ، لما فيه من منافاة أغراضهم، فكان بمنزلة رد موسى إلى أمه، لأن الله تعالى نسبه إلى فعله، حيث قال: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣] مع أن ذلك الرد كان على يدي أخته.
وكذلك رميُ رسول الله - ﷺ - يوم بدرٍ في وجوه المشركين لما وقع له ذلك الموقع العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١) [الأنفال: ١٧].
ونحو ذلك من أفعال العباد كثيرٌ يجري على أيديهم، وهو منسوبٌ إلى الله تعالى في المعنى، وهذا الالتقاط من ذلك القبيل، هو فعل الله تعالى على يد آل فرعون.
والله تعالى بيَّن أن ذلك الالتقاط من ذلك القبيل (٢) الذي قدره ويسر وأذن فيه ليكون لهم عدوًا وحزنًا.
فهذا تعليل فعل الله في الالتقاط الذي فعله آل فرعون ومراده، لا تعليل فعلهم ومرادهم، فقد بين سبحانه عنهم أنهم أرادوا أن يكون موسى لهم قرة عينٍ، وأن ينفعهم أو يتخذه ولدًا.
فاعجب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال، ومنتهى ما فيه تسليم أن اللام في هذه الآية للعاقبة، ولكن ذلك مجازٌ لا يجوز العدول إليه في سائر الآيات إلا لموجبٍ.
على أن ذلك يتعذر في كثيرٍ من الآيات، كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، فإنا لو قلنا: إن اللام هنا للعاقبة، لم تكن الآية دالة على الترتيب في تدبر كتاب الله تعالى، وهذا
_________________
(١) انظر ص ١٠٦ من هذا الجزء.
(٢) من قوله: " هو فعل الله تعالى " إلى هنا سقط من (ش).
[ ٧ / ٣٠٣ ]
اعتقادٌ فاحشٌ، نسأل الله العافية.
النوع الثالث: ما جاء معللًا بالباء السببية، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦].
وقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١) [الأعراف: ١٤٦].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤].
وقال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وقال: ﴿اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون﴾ [يس: ٦٤].
وقال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
وقال: ﴿كل نفسٍ بما كسبت رهينةٌ﴾ [المدثر: ٣٨].
_________________
(١) لم ترد هذه الآية في (ش).
[ ٧ / ٣٠٤ ]
وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢].
وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ [محمد: ٣] وما قبلها في سورة محمدٍ - ﷺ -.
النوع الرابع: ما جاء معللًا بلام الجر، كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢].
وقوله: ﴿وذلَّلناها لهم﴾ [يس: ٧٢].
وقوله: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
النوع الخامس: ما جاء معللًا " بأن " المفتوحة الخفيفة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
النوع السادس: ما جاء من المفعول لأجله، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤].
وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧].
[ ٧ / ٣٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١].
وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿نكالًا من الله﴾ [المائدة: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ (١) وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤].
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
النوع السابع: ما جاء بـ "لو"، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
وهي من أصرح الآيات في ذلك.
النوع الثامن: ما جاء بـ " لولا "، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣].
وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ١٩]، [هود: ١١٠]، [فصلت: ٤٥].
_________________
(١) من بداية هذه الآية إلى هنا لم يرد في (ش).
[ ٧ / ٣٠٦ ]
وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١].
النوع التاسع: ما جاء بـ " لمَّا "، كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩].
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥].
وقوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس: ٩٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [يونس: ١٣].
النوع العاشر: ما جاء بـ " إذا "، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦].
النوع الحادي عشر: ما جاء بصيغة الحال، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦].
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
النوع الثاني عشر: ما جاء بـ " من " الشرطية، كقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
[ ٧ / ٣٠٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
النوع الثالث عشر: ما جاء بـ " ما " الشرطية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].
النوع الرابع عشر: ما جاء بـ " الكاف "، كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١].
النوع الخامس عشر: ما جاء بـ " كي "، كقوله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥].
النوع السادس عشر: قوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
ومن أسمائه الحسنى: الحكيم، وهو منصوصٌ في كتاب الله تعالى متكرِّرٌ، وقد ردوه إلى معنى العليم، وجعلوه مُرادِفًا له، غير زائدٍ عليه، وأوَّلُوه بمعنى
[ ٧ / ٣٠٨ ]
المحكم لتصوير مخلوقاته في مقاديرها، ومنعوا أن يكون له حكمة في أحكامها. ونقل هذا عنهم بعض أهل السنة من غير علمٍ لهم يقابلهم في نفي الحكمة، وإنما نقلوا عنهم أن الحكيم هو المُحْكِم لأفعاله، وحَسِبُوا أنهم قالوا ذلك نقلًا عن أهل اللغة كما يفعله أهل تفسير الغريب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، " إن هذا الدين بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ " (١)، فهذا أوان غرابته.
ألا ترى إلى هذه الطائفة -مع جلالتهم في الإسلام- يُبالغون في إنكار حكمة الله تعالى لما قَصَّرَتْ عن دركها أفهامهم، ويردونها إلى مجرد الإحكام الذي إذا تجرد عن الحكمة، كان من أقبح القبائح، فإن قصائد الكفار (٢) في سبِّ رسول الله - ﷺ -، وسب أصحابه ﵃ أجمعين في غاية الإحكام بالنظر إلى أوضاع اللغة ولطائف المعاني والبيان. وكذلك كتب الزنادقة والفلاسفة في سب الباري سبحانه وتعطيله محكمة التصنيف والترصيف، فتكون حكمة الله تعالى في جميع مخلوقاته وكتبه ورسله وآياته راجعة إلى مثل ما رجع إليه أحكام السفهاء والجهلاء لقبائحهم وفواحشهم ومخازيهم.
وقد ثبت أن الشيطان الرجيم من العلماء بالله تعالى وصفاته ورسله وشرائعهم، ولذلك تمكن من الدعاء إلى الباطل، والصَّدِّ عن الحق، لأن ذلك لا يتم إلاَّ بعد العلم بهما، وقد أحكم وسوسته وشيطنته ومكايده. أفيصح أن يُسمَّى (٣) حكيمًا لإحكامه لأفعاله القبيحة؟! أو يصح أن يرجع بحكمه من صح وصفه بأن له الحكمة البالغة والحجة الدامغة إلى مثل ذلك.
قال أبو نصر الجوهري في " صحاحه " (٤): الحُكْمُ -يعني: بضم الحاء-: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم صاحب الحكمة، والحكيم: المتقِنُ
_________________
(١) حديث صحيح، وتقدم تخريجه ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٢) في (ش): " المشركين ".
(٣) في (أ): " يكون يسمى ".
(٤) ٥/ ١٩٠١ - ١٩٠٢.
[ ٧ / ٣٠٩ ]
للأمر، وقد حَكُمَ -بضمِّ الكاف-: أي صار حكيمًا.
قال النَّمِر بن تولب:
وأبْغِضْ بَغِيضَك بُغْضًَا رويدًا إذا أنت حاولت أن تحكما (١)
قال الأصمعي: إذا أنت حاولت أن تكون حكيمًا.
قال: وكذلك قول النابغة:
واحكم كحُكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حَمَامٍ وشِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ (٢)
والمُحَكَّم -بفتح الكاف- الذي في شعر طرفة (٣): الشيخ المجرَّب المنسوب إلى الحكمة.
_________________
(١) البيت في اللسان " حكم "، وفي مختارات ابن الشجري ١٩، و" خزانة الأدب " ١٠/ ٢٥٤، وقبله: وأحبب حبيبك حبًا رويدًا فليس يعولك أن تصرما وانظر القصيدة بتمامها في " شرح شواهد المغني " ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٢) البيت من معلقة النابغة الذبياني يخاطب بها النعمان بن المنذر ويعاتبه ويعتذر إليه مما اتُّهم به عنده، ويتنصل بها عما قذفوه به، ومطلعها: يا دار ميّة بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد وبعد هذا البيت: قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه فَقَدِ وفتاة الحي: هي زرقاء اليمامة. وانظر البيت في " ديوان النابغة " ص ٢٤، و" شرح المعلقات " للتبريزي ص ٤٤٦، و" خزانة الأدب " ١٠/ ٢٥٤.
(٣) وبيت طرفة بن العبد هو قوله: ليت المحكّم والموعوظَ صوتكما تحت التراب إذا ما الباطل انكشفا
[ ٧ / ٣١٠ ]
وقال محمد بن نشوان في " ضياء الحلوم " (١): الحكمة: فهم المعاني (٢)، قيل: سُمِّيت حكمةً، لأنها مانعةٌ من الجهل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قلت: وقال الله تعالى في يوسف (٣) ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢].
وقال أيضًا: والحكيم (٤): صاحب الحكمة، قيل: هو المانعُ من الفساد، وقيل: هو المصيب للحق، والحكيم من صفاته تعالى، يجوز أن يكون بمعنى العالم، ويجوز أن يكون بمعنى (٥) الفاعل الأفعال المحكمة، والقرآن الحكيم: أي المُحْكَم (٦)، والمحكم من القرآن: ما هو قائمٌ بنفسه، لا يفتقر إلى الاستدلال، قال: والمحكم: المجرَّب (٧): المنسوب إلى الحكمة.
وقال ابن الأثير في " النهاية " (٨) في تفسير اسمه " الحكيم " سبحانه، وقيل: الحكيم: ذو الحكمة، والحكمة: عبارةٌ عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل المعلوم. وفي الحديث: " إن من الشعر لحُكْمًا " (٩) أي: كلامًا نافعًا يمنع الجهل والسَّفَةَ، وينهى عنهما، وقيل: أراد بهما المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس، والحُكْم: العلم والفقة والقضاء بالعدل. ويُروى: "إن من الشعر
_________________
(١) قوله: " في ضياء الحلوم " سقط من (ش). وانظر " شمس العلوم " لنشوان الحميري ١/ ٤٥٢ - ٤٥٤.
(٢) في (ش): " المعنى ".
(٣) في (ش): " ليوسف ".
(٤) في (أ) و(ش): " والحكم "، والمثبت من " شمس العلوم ".
(٥) عبارة: " العالم ويجوز أن يكون بمعنى " سقطت من (أ).
(٦) قوله: " والقرآن الحكيم: أي المحكم " سقط من (ش).
(٧) تحرفت في (ش) إلى: " المجون ".
(٨) ١/ ٤١٨ - ٤١٩.
(٩) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ٣/ ٢٥١.
[ ٧ / ٣١١ ]
لحكمةً" (١)، وهو بمعنى الحكم. ومنه: " الصمت حُكمٌ، وقليلٌ فاعله " (٢).
ومنه: " الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار " (٣) لأن أكثر فقهاء الصحابة منهم: معاذٌ وأُبي بن كعبٍ، وزيد بن ثابت.
قلت: وقد جاءت الحكمة مقرونةً بالكتاب في كلام الله تعالى، واتفقوا على تفسيرها بما يرجع إلى معرفة محاسن الأمور من قبائحها. والدليل على تغاير صِفَتَي العلم المجرد والحكمة ما جاء في كتاب الله تعالى من التفرقة الظاهرة بين الحكم والعلم، كآية يوسف ﵇ المقدمة قريبًا، وبين الحكيم والعليم، لورودهما متغايرين في النصوص، كقوله تعالى: ﴿إنَّ الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وهو الحكيم الخبير﴾ [الأنعام: ١٨] وذلك كثيرٌ جدًا في كتاب الله تعالى.
على أن دِلالة الفعل المحكم على العلم مستلزمةٌ لدلالة العلم على الحكمة، وذلك أن تخصيص الموجودات بوقوعها على بعض الوجوه دون بعضٍ من الإحكام وموافقة الأغراض أو منافرتها لا تكون إلاَّ بالحكمة المعبَّر عنها في علم الكلام بالدواعي المرجِّحة لبعض المُمكنات على بعض، وإلاَّ أدى إلى ترجيح بعض الممكنات من غير مرجِّحٍ، وهذا يؤدي إلى استغناء العالم عن الباري ﷾. وهذه هي حجة هؤلاء الغلاة من الأشعرية
_________________
(١) حديث صحيح، تقدم تخريجه ٣/ ٢٥٠.
(٢) حديث صحيح. رواه ابن حبان في " روضة العقلاء " ص ٤١، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٢٤٠) من حديث أنس. ورواه الديلمي في " مسند الفردوس " (٣٨٥١) من حديث ابن عمر، وضعفه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث " الإحياء " ٣/ ١٠٨ - ١٠٩، وقال: رواه ابن حبان بسند صحيح عن أنس. وأورده الحافظ في " المطالب العالية " ٣/ ١٩٠، ونسبه لأبي يعلى.
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٨٥، والطبراني في " الكبير " ١٧/ (٢٩٨) من حديث عتبة بن عبد السُّلمي، وزادا فيه: " والدعوة في الحبشة "، " والهجرة في المسلمين والمهاجرين بعد " وإسناده حسن، وذكره الهيثمي في " المجمع " ٤/ ١٩٢، وقال: رجاله ثقات.
[ ٧ / ٣١٢ ]
كلام فيما يلزم نفاة الحكمة لله تعالى
في أكثر مذاهبهم التي يُعَوِّلون عليها ويلجؤون إليها.
وفي هذه المسألة خالفوا الأصول، وأضاعوا المعقول والمنقول.
وعلى كلامهم: لا فرق بين اتصاف الله بالحكمة والرحمة والعفو والجود وأضدادها.
وعلى كلامهم: لا فرق بين ما تمدَّح الله به من إقامة العدل يوم القيامة، ونصب موازين الحق، وإكرام أنبيائه وأوليائه، وإدخالهم الجنة، وتشفيعهم، وإخزاء أعدائه وتعذيبهم، وبين العكس من ذلك كله، وأن الله -تعالى عن ذلك- لو عكس جميع أحكامه العادلة يوم القيامة، وعذَّب الأنبياء والأولياء وأخزاهم ومقتهم ولعنهم وخلَّدهم في طبقات النِّيران، وأشمت بهم أعداءهم، وجعل كرامتهم وما أعدَّ لهم لأعدائهم وأعدائه الكفرة الفجرة الخِساس الأراذل، لكانا في محض حكمته وعقول العقلاء على سواءٍ.
فإن اعترف منهم مُنْصِفٌ أن هذا العكس صفة نقصٍ يجب تنزيهه عنها، كالكذب سواء، فقد هُدِيَ إلى سواء السبيل، وإن رام بينهما فرقًا، فقد طَمِعَ في غير مطمعٍ.
وتلزمهم أيضًا تسوية جميع أفعال الله تعالى في الدارين معًا بالاتِّفاقيَّات، وبآثار العلل الموجبة، وبأفعال المجانين والصِّبيان، بل والمفسدين، فإن أفعال هؤلاء صاروا مثلًا في النقص والخِسَّةِ، لخُلوِّها من الحكمة، وقد جعلوا أفعال الله تعالى أبعد منها عن الحِكَمِ لوجهين:
أحدهما: أنهم جعلوها كلِّها كذلك، وجعلوا تجويز الحكمة فيها من المُحال، وليس تجويز الحكمة على ما ذكرنا من المحال.
وثانيهما: أنهم جعلوا الحكمة في حق الله تعالى تؤدِّي إلى أن يكون فقيرًا محتاجًا إليها، فجعلوها صفة ذمٍّ له، وهذا مخالفٌ للمعقول والمنقول والإجماع، وكان يلزمهم تنزيه الله تعالى من الإرادة والعلم والقدرة، وأن يكون
[ ٧ / ٣١٣ ]
محتاجًا إلى مثل (١) ذلك.
وهذا مذهب القرامطة، وهذه شبهتهم، والقول بأن وجوب أسماء الله الحسنى له توجب أو بعضها وصفه بالفقر إليها من الباطل الجليِّ، فنسأل الله العافية من البدع والشَّناعات.
ولا معنى -على قولهم- لقول الله تعالى: ﴿ساء ما يحكمون﴾ [العنكبوت: ٤]، ولا لقوله في الجواب على الملائكة: ﴿إنِّي أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]، ولا لقوله سبحانه: ﴿أفنجعلُ المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، وقوله: ﴿أم تأمُرُهُم أحلامُهُم بهذا﴾ [الطور: ٣٢]، ولا لجواب الخضِرِ على موسى، ولا لتسليم موسى لجوابه دون فعله من غير جوابٍ ولا بيان، ولا لتمدح الرب ﷻ بأنه أحكم الحاكمين، وخير الرازقين، وأرحم الراحمين، لأن ذلك كله عندهم مساوٍ لأضداده في حكمة الرب ومحض العقل، وهذا تعطيل لأسمائه الحسنى وصفاته العلى، نسأل الله الهدى، ونعوذ بالله من الرَّدى.
على أن السنن الصِّحاح قد جاءت بصريح ذلك، مثل ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من قوله - ﷺ - وأصحابه: " لا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ".
وقد تقدم أن ما قرره رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ولم يُشعروا بتأويله، أنه يحرُمُ تأويله، لأنَّ العادة تقضي بأنه غير مؤوَّلٍ ضرورة.
وقد اقتصرت على ذكر هذه الآيات، ولم أُورِدْ ما في معناها من الأحاديث، ولا أوردتُ وجه الاحتجاج بها، ونقل كلام أئمة أهل السنة في تفسيرها، لأن دلك يحتاج إلى تأليفٍ مستقلٍّ، والمسألة أجلى من أن نتكلم في ردها، وليس فيها شبهةٌ إلاَّ جلالة من قال بها في القلوب، وشهرتهم بالتدقيق في العلم،
_________________
(١) في (ش): " جميع ".
[ ٧ / ٣١٤ ]
فنسأل الله السلامة من هذا التدقيق، ونسأله أن يَهَبَ لنا عِوَضَه الإيمان والتصديق، واللطف والتوفيق.
على أن هذه الطائفة من الأشعرية يُناقضون نفي الحكمة والعِلَّة في أفعال الله تعالى في كتبهم في أُصول الفقه، خصوصًا في باب القياس، وقد صرحوا فيه بأن أكثر صِيَغ التعليل التي ذكرتها في الآيات الكريمة صيغٌ صريحةٌ، وأن أكثر الشريعة مُعَلَّلٌ، وذلك ظاهرٌ، قال ابن الحاجب في " مختصر المنتهى " (١) في مسالك العلة: إنها صريحٌ وتنبيهٌ وإيماءٌ، فالصريح مثل: لعلة كذا، أو لسبب، أو لأجل، أو كي، أو إذا، أو مثل: لكذا، أو إن كان كذا، أو بكذا، أو مثل " فإنهم يحشرون " (٢). ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، ومثل: " سها فسجد " (٣). ثم ذكر الإيماء والتنبيه بعد ذلك، فأعرض عن هذا على ما قدمته لك في الأنواع المقدمة، والله الموفق.
بل ادعى ابن الحاجب في دليل العمل بالسَّبر وتخريج المناط إجماع الفقهاء على أنه لا بد للحكم من علةٍ وظهور التعليل وغَلَبَتِهِ، ثم احتج على ذلك بعد الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، قال: والظاهر التعميم، وقرَّره الشُّرَّاح.
لكن قال الشيخ عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الشافعي (٤) في " شرحه ": إن ذلك إجماع الفقهاء وجوبًا عند المعتزلة، وتفضُّلًا
_________________
(١) ص ١٧٩.
(٢) قطعة من حديث " زملوهم بكلومهم، فإنهم يُحشرون وأوداجهم تشخب دمًا " وهو في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله ﵁ بنحوه.
(٣) تقدم تخريجه ٢/ ٣٠٢، وهو حديث صحيح.
(٤) كان قاضي قضاة المشرق، وشيخ العلماء والشافعية بتلك البلاد، قال السبكي: كان إمامًا في المعقولات، عارفًا بالأصلين والمعاني والبيان والنحو، مشاركًا في الفقه. توفي سنة ٧٥٦. وشرحه لمختصر ابن الحاجب قال فيه الشوكاني: قد انتفع الناس به من بعده، وسار =
[ ٧ / ٣١٥ ]
ذم علم الكلام
عند غيرهم، يعني: الإرسال لا التعليل.
فتأمل كلام ابن الحاجب والشيخ عَضُدِ الدِّين في هذه المسألة، فإني لم أنقله كله، وهو أبسط وأفصح (١) مما (٢) ذكرت، ولله الحمد والمنة.
والعجبُ أن المعتزلة -مع شدة تقبيحهم لمذهب هؤلاء الغُلاة من الأشعرية في هذا- قد قالوا به بعينه وهم لا يشعرون، وذلك قولهم في عذاب الآخرة: إنه من الله تعالى بمنزلة المُباح منَّا. بل قال الفقيه حميدٌ (٣) في كتابه " العمدة ": إنه بمنزلة المكروه منَّا، وهذا أقبح من قول الأشعرية، لأنهم منعوا أن يكون فعل الله مرجوحًا أو راجحًا، والفقيه حميدٌ -وهو من كبار أهل الاعتزال مع التشيُّع- جوَّز أن يكون في أفعاله مرجوحٌ، والمرجوح عند قدماء المعتزلة هو القبيح، إذ لا واسطة بين القبيح والحَسَن في العقليَّات عندهم. وقد تقدم أنه لا يُفيدهم اعتذارهم بتقدُّم الوعيد لوجوهٍ أربعةٍ، فانظرها هناك.
فانظر إلى شُؤم الكلام على أهله كيف يوقعهم فيما ينكرون، ويلجئهم إلى ما يكرهون.
على أن كلام غلاة الأشعرية هذا يلزم المعتزلة من طريق آخر، وذلك أنه
_________________
(١) = في الأقطار، واعتمده العلماء الكبار، وهو من أحسن شروح المختصر، من تدبره، عرف طول باع مؤلفه، فإنه يأتي بالشرح على نمط سياق المشروح، ويوضح ما فيه خفاء، ويصلح ما عليه مناقشة، من دون تصريح بالاعتراض كما يفعله غيره من الشُّرَّاح، وقلّ أن يفوته شيء مما ينبغي ذكره، مع اختصار في العبارة يقوم مقام التطويل، بل يفوق. انظر " طبقات السبكي " ١٠/ ٤٦، و" الدرر الكامنة " ٢/ ٣٢٢، و" البدر الطالع " ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) في (ش): " وأوضح ".
(٣) في (أ): " ما " وكتب فوقها: " من ظ ".
(٤) هو الإمام حميد بن يحيى الهمداني المتوفى سنة ٦٥٢. وتقدمت ترجمته ٣/ ٢٨٨. وكتابه " العمدة " هو: " عمدة المسترشدين "، يقع في أربعة مجلدات وهو في أصول الدين. ذكره أحمد بن صالح بن أبي الرجال في " مطلع البدور " ٤٩٠/ ٢.
[ ٧ / ٣١٦ ]
لا أثر للداعي عندهم، فإنه يجوز أن يفعل القادر ما لم يَدْعُ إليه داعٍ، كما فعل الله سبحانه في عذاب (١) الآخرة عندهم، وهذا داخلٌ عندهم في قِسْمِ الحسن، ولا معنى للعبث إلاَّ هذا، فالعبث عندهم حسنٌ، وهو على هذا جائزٌ على الله، تعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. فإن منعوا هذا، نقضوا أُصولهم في تجويز الفعل من غير داعٍ، كما نقضت الأشعرية أصولها في المنع من ذلك. وهكذا علم الكلام عامةً، أدلَّتُه تشتمل على التناقض، وعامة جهدهم في الاعتذار من ذلك، وغاية سؤلهم السلامة منه.
فاعجب لعلم وُضِعَ لرفع المشكلات، فكان أحسن أحوال أهله إيهام الخلاص منها بعد لزومه، أو دعوى وضوحه بعد غموضه، فهم في ذلك كناتش (٢) الشوكة بالشوكة، والمستجير من الرَّمضاء بالنار (٣). وكذلك علوم الفلاسفة وسائر من عادى الكتب السماوية والسنن النبوية.
ومن وازن بين ما جاؤوا به وما جاءت به الرسل زالت عنه الوساوس، وانجلت عنه الحنادِس (٤)، ولا بد من وقوع العقول في المواقف والمحارات، وتسليم العقول لوقوع ما لم يُحكم بوقوعه في مذاهب الكفر والإسلام مثل وجود القديم سبحانه على كلام المسلمين، وقِدَم العالم على كلام الكافرين، أو حدوثه من غير محدث.
_________________
(١) في (ش): " أفعال ".
(٢) في (ش): " كناقش " وهما بمعنى يقال: نتش الشوكة ونقشها: إذا استخرجها بالمنتاش وهو المنقاش.
(٣) اقتباس من بيت قاله كليب وائل لما قتله جساس، وهو بتمامه: المستجير بعمروٍ عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار وذلك أن جساس بن مرة لما طعن كليبًا طلب منه السُّقيا، فامتنع، وكان مع جساس عمرو في الحارث بن ذهل شيبان، فنزل إلى كليب، فحسب أنه يسقيه. فلما علم أن نزوله للإجهاز عليه، قال ذلك. انظر " المستقصى في الأمثال " ٢/ ١٩، و" خزانة الأدب " ٧/ ٢٥١، و" اللسان " ٧/ ٣٦.
(٤) جمع " حِندس "، بكسر الحاء، وهو الليل المظلم.
[ ٧ / ٣١٧ ]
فإذا كان لا بد من محارةٍ لا تهتدي العقول إلى طريقها، ولا تحظى بطائل في تحقيقها، فالتسليم لمن تميَّز بجنس المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة، مع ما اشتملت عليه أحوال الأنبياء ﵈ من الصفات الحميدة، والقرائن الكثيرة المفيدة، مع تأملها للعلم الضروري، أنهم المخصوصون بالعصمة من الخطإِ والزلل في العلم والعمل، وأنهم منزهون من تخبُّط النُّظَّار ورجمهم بالظنون، وتخيلهم للأقيسة، ووقوعهم في هذا التعارض الشديد.
ومن شكَّ ذلك ولم يصدق فليجرب، ومن جرب القليل، فلم يجد ما ذكرتُ، فليوغل حتى يحقق، ومن لم يعرف إلاَّ كلام طائفةٍ، ولم يدر بكلام سائر الفرق والفلاسفة، فهو يُعَدُّ من العوام، وما عنده علم ما الكلام.
فإن قلت: فما حمل الأشعرية على هذا القول؟
قلت: قصدوا إفحام الفلاسفة في اعتراضهم الشرائع، وحسم المادة في توجيه الاعتراض على الصانع، ولكنهم في ذلك كمن يداوي من المرض بالموت، فإن الفلاسفة لم تكن تطمع في تسليم المسلمين لنفي حكمة ربهم ﷿، وإنما قصدوا بكلامهم في الاعتراض على الشرائع التشكيك في حكمة الله التي اتفقت عليها الشرائع وأهلها، وكانوا قانعين بمجرد التشكيك، فأما القطع بنفي الحكمة والتصنيف في ذلك والدعاء إليه، والرد على من اعتقد غيره، ونسبته إلى الجهل بصفات الله تعالى، فأمرٌ لم يكن يطمع فيه المُلحدون، فيا عجبًا (١) كيف أصبح يدعو إليه الموحِّدُون.
ولهم بعد ذلك شُبَهٌ أربع:
الأولى: ذكرها الرازي في " نهايته " قال: لو كان لله تعالى غرضٌ، لكان قديمًا، ويلزم من ذلك أن يكون العالم قديمًا.
والجواب: أن تسمية الحكمة غرضًا عبارةٌ مُوهِمَةٌ، وكثيرٌ من مُتكلِّمي
_________________
(١) في (ش): " فيا عجباه ".
[ ٧ / ٣١٨ ]
المسلمين -كالمعتزلة- يمنعونها، ثم إن الرازي يقول بقدم الإرادة، وقد ألزمته المعتزلة والفلاسفة قِدَمَ العالم بذلك، فانفصل عنه بأن الإرادة تتعلق بالمراد في وقتٍ مخصوصٍ، لا مطلقًا، فلم يلزم وجوده إلاَّ في ذلك الوقت المخصوص، وكذلك الجواب في الداعي.
وقد تبلَّد الرازي مع شدة ذكائه في جواب كلام الفلاسفة في هذه في أوائل " نهاية العقول "، واضطر إلى التزام مذهب المعتزلة في أن الفاعل يُرجِّح أحد مقدوريه (١) من غير مُرَجِّحٍ، وادعى الضرورة في الفرق بين الداعي والعلة، ثم نقض ذلك كله في مسألة أفعال العباد، وفعل في ترجيح مذهب الفلاسفة ما لا يخفى على متأمل، ولولا خوف الإملال، لنقلت ألفاظه في ذلك.
واعلم أن هذه المسألة من محارات العقول التي تحيَّر فيها جميع الفحول، ولا مرجِعَ فيها إلاَّ إلى التسليم والمنقول، ويأتي كلام ابن تيمية فيها في القول الثالث، وبها يُعرف أنها محارةٌ لا محالة، وأنه ليس فيها مع جميع النُّظَّار من العلم إلاَّ أَثاره، كيف إلاَّ دلالة (٢).
الثانية: قال الرازي: يلزم في الغرض أن يكون فيه جلب نفعٍ أو دفعُ ضُرٍّ لله تعالى أو للغير، فإذا كان للغير، فإن كان في حصوله وعدمه على السواء بالنسبة إليه، لزم أن لا يكون غرضًا له في حصوله، وإن لم يكونا بالسواء بالنسبة إليه، لزم أن (٣) يكون مُحتاجا إلى ما له غرضٌ في حصوله.
فالجواب: أن انحصار الحكم في جلب النفع ودفع الضرر ممنوعٌ، والاستناد فيه إلى مجرد قياس الخالق على المخلوقين، وهو باطل وتسمية داعي الحكمة الذي هو عبارةٌ عن مجرد العلم برجحان الممكن غرضًا للغني عن كل شيءٍ قياسٍ في اللغة، وفي أسماء الله تعالى وصفاته والقياس فيهما معًا ممنوعٌ.
_________________
(١) في (ش): مقدوراته.
(٢) في (ش): " كيف الأدلة ".
(٣) من قوله: " أن لا يكون " إلى هنا، سقط من (ش).
[ ٧ / ٣١٩ ]
ولو سلمنا جميع ذلك، لم نسلِّم تسمية الرب القادر على كل شيء بغير مشقة محتاجًا إلى إيجاد مراده بغير مشقةٍ تلحقه في الإيجاد، فإنه لا معنى للغني في صحيح اللغة، وفِطَرِ العقلاء وعُرفِ أهل الشرائع، إلاَّ القدرة التامَّة على كل مرادٍ من غير مشقة، ولا استعانةٍ بأحد، ولو كان الغني هو الذي أراد الرازي من عدم الداعي، لزم أن يكون الجماد، بل المعدوم، أغنى من الله -تعالى عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا- لأن استحالة الداعي في الجماد والمعدوم على زعمهم.
وبعد، فالمخالف في هذا من المسلمين لا يخلو: إما أن يثبت إرادة الله تعالى، أو لا.
إن لم يثبتها، عطَّل السمع، وخالف إجماع من يعتدُّ به.
وإن أثبتها، فإما أن يثبتها مثل إرادة المخلوقين، لزمه إن الله محتاجٌ، فإن المخلوق لا يريد إلاَّ ما له فيه منفعةٌ أو دفع مضرةٍ.
وإن قال: إن إرادة الله تعالى غير مُشَبَّهَةٍ بإرادة المخلوقين، كذاته وجميع صفاته، فكذلك يقول في الداعي: إن له سبحانه داعي حكمةٍ في أفعاله، وإنه ليس لجلب نفعٍ له، ولا دفع ضررٍ عنه، ولا يلزمه تشبيهه بدواعي المخلوقين، وما الذي خصَّ الداعي بأنه يكون مشبهًا دون الذات وسائر الصفات، وقد قام الدليل على نفي التشبيه من كل شيءٍ يتعلق بالرب ﷻ.
الثالثة: قال الرازي: لو فعل الله لغرضٍ، لكان إمَّا أن يُمْكِنَه تحصيل ذلك الغرض بدون ذلك الفعل كان التَّوسُّل بتلك الوسيلة عبثًا، وإن لم يمكن، كان ذلك الغرض مشروطًا بتلك الوسيلة، وذلك باطلٌ، لأن أكثر المقاصد إنما تحصُلُ بعد انقضاء تلك الوسائل، وحصوله بعد عدمه يمنع كونه شرطًا فيه.
والجواب: أنه قادرٌ بغير وسيلةٍ.
قوله: تكون الوسيلة عبثًا، غير مسلَّمٍ للقطع بجواز أن يكون الشيء على سببٍ أوَّليٍّ في الحكمة، والله تعالى يعلم من وجوه الحكمة ما لا نعلمه، لا سيما
[ ٧ / ٣٢٠ ]
في المتشابه. وقد مرت الإشارة إلى ذلك.
فإما أن يسلِّم ذلك حصل عرضًا، وإن ادعى أنه لا يجوز أن يعلم الله من الحِكَم ما لا نعلمه، احتاج إلى برهانٍ قاطعٍ على ذلك، ولا برهان إلاَّ مجرد الوهم لقياس الخالق على المخلوق، وهو باطل.
وأين الرازي من قوله:
العلم للرحمن ﷻ وسواه في جَهَلاتِه يَتَغَمْغَمُ
ما للتراب وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلمُ (١)
والعجب من الرازي -مع ذكائه- كيف يمنع الوسائل لكونها عبثًا في الاستدلال على أن جميع أفعاله سبحانه عبثٌ عنده، ومن قبل جعل العبث حقيقة الغنى، والحكمة حقيقة الحاجة.
فيا هذا، إذا كانت أفعال الله تعالى عندك كلها عبثٌ، لا حكمة فيها، ولا يتمُّ غناه إلاَّ بذلك، فكيف يكون ما أدى إلى مذهبك الحق باطلًا، لاستلزامه الغنى الذي هو حقٌّ، ومستلزم الحق حقٌّ.
وهلا قلت: لزم أن يكون غنيًّا بالمعجمة والنون، لا عبثًا بالمهملة والمُوَحَّدَةِ ثم المثلثة، وقد سميت الداعي حاجةً، والمتصف به محتاجًا، فغيرت اسم الحكمة وسميتها حاجةً، واسم الحكيم وسميته محتاجًا، تشنيعًا على خصمك، كما غيرت اسم العبث وسميته غنى، واسم العابث وسميته غنيًّا، حين احتجت إلى ذلك، فبان غلاطك وقلبك لأسماء الصفات، ووقوفك مع مجرد العبارات، وهذا كلامٌ نازلٌ، وتطاولٌ ليس تحته طائلٌ.
فإن قلت: إنما عنيت أنه يلزم المخالف على أصله أنه عبث.
قلنا: هو مشترك الإلزام بينك وبينه، فكما أنك تَسَتَّرت بتسميتِهِ عبثًا،
_________________
(١) تقدم هذان البيتان: ٢/ ١٠١.
[ ٧ / ٣٢١ ]
عدم إجماع أهل السنة على بطلان التحسين والتقبيح عقلا
فَلِخَصْمِكَ أن يتستر بتسميته مباحًا (١) حسنًا، لا حرج فيه، ولا ذمَّ ولا كراهة.
فإن كان التستر بتبديل عبارةٍ مكان أخرى، والمعنى واحدٌ ينفعك مع خصمك، وإن كان لا ينفع خصمك، فكذلك (٢) المماراة والتلبيس على الضعفاء.
ويؤيد هذا أن الأشعرية نازعت المعتزلة في كون العبث: هو ما لا غرض فيه، كما ذكره البيضاوي في " المطالع " قال: ولا بُدَّ من تصويره أوّلًا وتقريره ثانيًا.
والجواب: أما تصويره في الذهن دون الخارج، فهو ما جَوَّزَتْه الأشعرية على الله من فعل ما لا غرض فيه ولا نفع. وأما في اللغة، فذلك قرآنيٌّ لُغوي، معلوم الوقوع بالضرورة، ومستنده إليها، فالمرجع فيه إلى أئمتها.
الرابعة: قال الرازي: تعليل الفاعلية بالغرض متفرِّعٌ على الحسن والقبيح العقليَّيْن، وهما باطلان.
والجواب من وجهين:
أحدهما: منع ذلك، فإنا بيَّنَّا أن فاعلية الرب سبحانه تُوقف على نصوص القرآن المعلومة المعنى مع القرائن القطعية على عدم تأويلها، بل ذلك معلومٌ من ضرورة الدين وإجماع المسلمين. وتلك القرائن المفيدة للعلم استمرار تلاوتها من غير تنبيهٍ على قبح الظاهر، وهو دليلٌ قاطع لأهل التأويلات المبتدعة.
الوجه الثاني: أن أهل السنة غير مجمعين على بطلان التحسين والتقبيح عقلًا، فهذا ابن تيمية وأصحابه يقولون بذلك وهم من رؤوس الحماة (٣) عن السنة.
_________________
(١) في (ش): " كونه مباحًا ".
(٢) في (ش): " فدع ".
(٣) " وهم " سقطت من (أ)، وفي (ش): " وهم رؤوس الجماعة ".
[ ٧ / ٣٢٢ ]
ويأتي بيانُ قول الحنفية، واختيار الزنجاني (١) من الشافعية، وأبي الخطاب (٢) من الحنابلة من التفصيل، وقول الزركشي من الشافعية: إنه المنصور ثبوته في الفِطرة وآيات القرآن، وسلامته من الوهن والتناقض (٣).
قلت: وهذا الرازي -على غُلُوِّه في إبطاله- رجع إلى الاعتراف به في المعنى، لكن سمَّى الحُسْنَ كالعلم، والصدق صفة كمالٍ، والقبيح كالجهل، والكَذِبَ صفة نقصٍ، وليس الخلاف عنده إلاَّ في استحقاق صفة النقص هذه للعقاب في الآخرة، والذَّمِّ في الدنيا بمجرد العقل، وبذلك استدل على منع الكذب على الله سبحانه.
نعم، لو سلَّمنا ترك التحسين والتقبيح عقلًا بالمرَّة، جوَّزنا ما ذكره تجويزًا من غير قطعٍ، لكن يصعُبُ الاستدلال على أن الله سبحانه صادقٌ.
وفيما قدمناه من السمع دلائلٌ واضحةٌ على ثبوت التحسين العقلي، كقوله تعالى: ﴿سَاءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]، وقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، وقوله في جواب الملائكة: ﴿إنِّي أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
ومن أحسنها دليلًا على ذلك: قصة الخَضِر وموسى وقوله في جواب الملائكة: ﴿إنِّي أعلم ما لا تعلمون﴾، ولم يقل: إنه لا حكمة له (٤) كما تظنُّون،
_________________
(١) تحرف في (أ) إلى: " الريحاني "، وهو أسعد بن علي الزنجاني، تقدمت ترجمته ٥/ ١٦٤.
(٢) تحرفت في (أ) و(ش) إلى: " ابن " وأبو الخطاب: هو: محفوظ بن أحمد بن حسن الكلواذاني. تقدمت ترجمته ٥/ ١٦٤.
(٣) انظر الوهم الثاني والثلاثين (٨/ ٣)، وتقدمت الإشارة إلى هذا في آخر الوهم السابع والعشرين (٥/ ١٦٤).
(٤) في (ش): " لي ".
[ ٧ / ٣٢٣ ]
ثم سؤال الملائكة دليلٌ على اعتقادهم لذلك.
وهذه مسألةٌ كبيرةٌ، لا يصلح ذكرها في جنب غيرها، فهذه شُبَهُ غُلاة الأشعرية التي ذكرها الرازي في " نهايته ".
فأما قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فإنها في الاحتجاج على بطلان المعبودين من دون الله، كما دل عليه سياق الآيات قبلها وبعدها في سورة الأنبياء، فإن قبلها: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ الآيات [الأنبياء: ٢١]. فهي في الاحتجاج على بطلان ربوبية من يُسأل عن أعماله سؤال الحساب، فهو مربوبٌ محاسبٌ، إما مُعَذَّبٌ أو مرحومٌ، مثل احتجاجه بأنهم لا يخلقون شيئًا وهم يُخلقون، وهو كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]، وليس هذا يناقض أن يكون لله تعالى حكمة يمتنُّ بتعريفها على من يشاء من عباده، كما منَّ بذلك على الخَضِر في المتشابه، وعلى الجميع في المُحكم.
ولا يناقض ذلك أن يسأل من فضله تعليمنا ما ينفعنا من ذلك، كما أن رسوله - ﷺ - قال: " وقل رب زدني علمًا " (١) والله سبحانه أعلم.
وإنما الآية في معنى نفي (٢) أن يكون تعالى مربوبًا مدينًا مسؤولًا عن
_________________
(١) روى الترمذي (٣٥٩٩)، وابن ماجه (٢٥١) و(٣٨٣٣) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: " اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله على كل حال ". وفي سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وروى أبو داود (٥٠٦١)، والنسائي (٨٦٥)، وابن السني (٧٦١) كلاهما في " عمل اليوم والليلة " من حديث عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استيقظ من الليل، قال: " لا إله إلاَّ الله، سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علمًا، ولا تزغ قلبي بعد أن هديتني، وهب لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب ". وصححه ابن حبان (٥٥٣١)، والحاكم ١/ ٤٥٠، ووافقه الذهبي.
(٢) سقطت من (ش).
[ ٧ / ٣٢٤ ]
حكمته، وعن بيانها، خائفًا من المناقشة عليها -سبحانه عن ذلك وتعالى عُلُوًّا كبيرًا -لا أنه نفي أن تكون له حكمةٌ، ولا أن يكون حكيمًا، إنما سيقت الآية لتعظيم العزة، لا لنفي الحكمة، فإنه تمدح بالعزة والحكمة، بل جمع التمدح بالعزيز الحكيم في آية واحدةٍ (١) كثيرًا في غير موضعٍ من كتابه، كما جمع بين الغفور الرحيم لعدم اجتماع ذلك على الكمال لغيره ﷻ.
ثم ذكر الرازي لجماهير المسلمين من الأشعرية والمحدثين وطوائف المسلمين حُجَّتين عقليَّتين، وأعرض عن صوادع نصوص القرآن، كأنه لا يعدُّها في شيءٍ من البرهان.
أحدهما: أن كلام غلاة الأشعرية يؤدي إلى أن جميع أفعال الله عبثٌ، وأن إدخال الأنبياء الجنة ليس أولى من إدخالهم النار، وأحال بالجواب إلى نفي التحسين، وهذا منه قبيحٌ على كل مذهبٍ، حتى على مذهبه، فإنه يُوهِمُ أنه يجوز دخول الأنبياء نار جهنم، وليس كذلك، فإنه ممتنعٌ عند الجميع، لكن عند هؤلاء الغلاة أنه ممتنعٌ سمعًا، وعند سائر المسلمين عقلًا وسمعًا، لكن استدلالهم بالسمع مع اعتقادهم مشكلٌ.
الحجة الثانية: أنه يؤدي إلى ترجيح أحد طرفي الممكن من غير مُرَجِّحٍ، وأحال بالجواب إلى ما ذكره في مسألة حدوث العالم والجواب على الفلاسفة.
وإنما قال هناك: إنه لا جواب إلاَّ مذهب المعتزلة، وهو أن القادر يرجِّحُ أحد مقدوريه من غير مرجِّحٍ، وليس هذا المذهب إلاَّ لبعض المعتزلة، والذاهب إليه من المعتزلة يناقضه، ويقول ببطلانه في مسائل كما مضى في المرتبة الخامسة، وهو مذهبٌ ساقطٌ، ولذلك لم يستمر لمن ذهب إليه من المعتزلة القول به.
وقد صرح الرازي في مسألة أفعال العباد ببُطلانه، واحتجَّ على ذلك
_________________
(١) " واحدة " سقطت من (أ).
[ ٧ / ٣٢٥ ]
بالحُجَحِ القاطعة، حيث يتميز الراجح من المرجوح، فأما حيث يترجح أحد الأمرين المستويين، فمحارةٌ غامضةٌ، والصواب فيها الوقف مع القطع بأن فاعل أحد الأمرين غير موصوفٍ بالعبث مع وجود الحكمة في أحدهما، لا بعينه، كالواجبات المحيرة. وسواءٌ قدَّرنا أن التخصيص بداعٍ خاصٍّ لم يُدْرَكْ، أو بالداعي الأول الجمليِّ.
ويوضح ذلك إطباق العقلاء على ذم من ترك الواجب أو المرجّح (١) لعدم هذا الداعي الخاص، كترك المشي في أحد الطريقين مع الحاجة إلى ذلك، وعدم الصارف، والله أعلم.
وهذه المسألة هي التي اضطرب فيها الرازي سامحه الله وإيَّانا، إنه ﷿ لا يضرُّه خطأُ الجاهلين، ولا ينفعُه عرفان العارفين، وإن وصية الرازي المشهورة تقضي له أنه مات من التائبين من جميع مذاهب المبطلين، والحمد لله رب العالمين.
تم بعونه تعالى الجزء السابع من
العواصم والقواصم
ويليه الجزء الثامن وأوله:
الوهم الحادي والثلاثون: قال: إنهم يقولون بإثابة الفراعنة
_________________
(١) في (ش): " الراجح ".
[ ٧ / ٣٢٦ ]
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط