الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٥]
لقد أرسل الله ﷿ جميع الرسل بدعوة واحدة هدفها واحد وشرائعها مختلفة، فكل الأنبياء يدعون إلى عبادة الله وحده دون ما سواه، ونبذ كل آلهة تعبد من دون الله سواء من البشر أو البقر أو الحجارة والأضرحة وغير ذلك.
وإن من أعظم الضلال في هذه الأمة ضلال الصوفية الغلاة، وانحرافهم الشديد جاء بالزندقة وادعاء الألوهية، وتنقص الأنبياء والرسل، ومدح الكفار والمحاربين لله ورسوله.
[ ٥ / ١ ]
الإسلام دين جميع الرسل
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
قال المؤلف ﵀: [فصل: والحقيقة: حقيقة الدين دين رب العالمين هي ما اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج.
فالشرعة: هي الشريعة، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٨ - ١٩].
والمنهاج: هو الطريق، قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:١٦ - ١٧].
فالشرعة: بمنزلة الشريعة للنهر، والمنهاج: هو الطريق الذي سلك فيه، والغاية المقصودة: هي حقيقة الدين، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وهي حقيقة دين الإسلام، وهو: أن يستسلم العبد لله رب العالمين، لا يستسلم لغيره، فمن استسلم لله ولغيره كان مشركًا، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم لله بل استكبر عن عبادته كان ممن قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]].
وهذان النوعان هما أساس كل كفر والعياذ بالله، الأول شرك قوم نوح ومشركي العرب، ومعظم الأمم التي تعبد الله، ولكن في نفس الوقت تشرك به وخصوصًا في الدعاء وصرف العبادات لغيره.
النوع الثاني: شرك إبليس، وهو شرك فرعون وأمثاله ممن جحد دين الله ﷿ ورده ولا يقبل بالخضوع والانقياد له، كالشرك المنتشر في زماننا من فصل الدين عن الحياة، والإباء والرد لدين الله ﷾، وكلا النوعين مازال منتشرًا يقع فيه كثير من الناس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودين الإسلام: هو دين الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] عام في كل زمان ومكان، فنوح وإبراهيم، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى والحواريون كلهم دينهم الإسلام].
الحواريون ليسوا من الأنبياء ولا من المرسلين، ولكنهم أتباع المسيح ﷺ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كلهم دينهم الإسلام الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، قال الله تعالى عن نوح: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس:٧١] إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، وقال السحرة: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦]، وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وقالت بلقيس: ﴿أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال الحواريون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢].
فدين الأنبياء واحد وإن تنوعت شرائعهم].
دينهم الذي هو عبادة الله، والخضوع لله ﷿ والاستذلال له.
[ ٥ / ٢ ]
ذم التفرق في الدين
قال المؤلف ﵀: [كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (إنا معشر الأنبياء ديننا واحد)، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]].
إذًا: الدين الذي فرضه الله على الأنبياء وشرعه لهم هو دين واحد لا يجوز التفرق فيه، والتفرق بمعنى: أن يجعل شيء لله وشيء لغيره، أي: شيء من العبادة لله وشيء لغيره، هذا -والعياذ بالله- هو التفرق المذموم.
[وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٣]].
فبدلًا من أن يقيموا الدين كله، ويلتزموا بما جاءت به الرسل كله، قطعوا أمرهم فكل طائفة أخذت قطعة «زُبُرًا» أي: قطعًا وأجزاءً، فكل منهم تمسك بشيء زعم أنه يتمسك به وترك غيره، وتركه لغيره تضييع لما تمسك به، فلا يكون متمسكًا بشيء، فلو قلنا مثلًا: إن النصارى زعموا تمسكهم بحب المسيح، لكنهم لما غلوا فيه ورفعوه فوق منزلته صاروا غير متمسكين، ولما زعم اليهود تمسكهم بالإيمان بموسى ﷺ وتركوا الإيمان بمن جاء بعده صاروا غير متمسكين بموسى، فهؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرًا، «كُلُّ حِزْبٍ» كل طائفة، «بِمَاَ لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ».
كذلك أهل البدع تجدهم يزعمون التمسك ببعض النصوص ويتركون البعض الآخر، وكل طائفة مبتدعة تفعل ذلك وتقع فيه، فهذا الذي حذر الله منه، ومن هنا يحدث التفرق في الدين، فالدين واحد، ولذلك ليس هناك حقيقة مخالفة للشريعة، وهذا الذي يذكره شيخ الإسلام فيقول: (والحقيقة: حقيقة الدين دين رب العالمين: هي ما اتفق عليه الأنبياء والمرسلون، وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج)، والحقيقة هذه أن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يستسلم له وحده لا شريك له، وبالتالي فلا يوجد شيء اسمه الحقيقة الذي عند أهل التصوف بمعنى: أن أصحاب الحقيقة لا يلتزمون بشريعة، فهذا وهم باطل ليس من الدين، وحقيقة الدين: هي أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نلتزم بشريعته ظاهرًا وباطنًا، فلا يجوز أن نجعل خلافًا بين الحقيقة والشريعة إذ هما شيء واحد في الحقيقة، والحقيقة: أن يكون الإنسان مستسلمًا لله ﷾ على ما جاءت به الرسل، فهذه هي حقيقة دين الإسلام، أما أن يقال: هؤلاء أصحاب الشريعة يتمسكون بها ظاهرًا، والآخرون أصحاب الحقيقة لا يلزمهم الشريعة الظاهرة، فهذا خلاف دين الإسلام الذي جاءت به كل الرسل.
نحن قلنا: من استسلم لله ولغيره يكون مشركًا، ومن أبى الاستسلام بالكلية يكون مستكبرًا كافرًا مشركًا؛ لأنه اتبع هواه، وعبد الشيطان في الحقيقة الذي وسوس له هذا الأمر، فهو شرك من هذه الجهة، وإن كان هذا شرك إبليس والعياذ بالله، فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر بالتلازم، وإن كان واحد يغلب عليه شيء، والثاني يغلب عليه شيء آخر، فإذا نظرت إلى اليهود فهم مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، فاليهود مغضوب عليهم وضالون، والنصارى مغضوب عليهم وضالون، ولكن هؤلاء أحق بوصف الغضب، وهؤلاء أحق بوصف الضلال، لكن بلا شك أن الذي علم الحق ولم يعمل به ضال أيضًا، وليس فقط مغضوب عليه؛ لأن هذا نوع من الضلال، لكونه يعلم الحق ولا يلتزم به، وكذا الذي ضل عن الحق ولم يعلمه مغضوب عليه، فكذلك: كل كافر مشرك، وكل مشرك كافر، فشخص يشرك في عبادة الله والآخر يتكبر عن عبادة الله، الذي يتكبر عن عبادة الله هذا يتبع إبليس والعياذ بالله وهواه؛ لأنه اتخذ إلهه هواه فصار مشركًا والعياذ بالله، وهذا أشرك بالله وقد فطر على التوحيد.
[ ٥ / ٣ ]
تفضيل الأنبياء ومراتب السعداء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء].
فالأنبياء هم خاصة أولياء الله، فكل نبي ولي، وليس كل ولي نبيًا، فاتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، إلا الرافضة الذين قولهم قول كفري والعياذ بالله، فغلاة الرافضة يقولون: إن بعض الأولياء أفضل من الأنبياء، يقول الخميني: إننا معشر الشيعة الإمامية نعتقد أن لأئمتنا أحوالًا مع الله لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل والعياذ بالله! ومثل هؤلاء غلاة الصوفية الذين يقولون: مقام الولي في برزخ دون الرسول وفوق النبي؛ لأن الترتيب عندهم الرسول ثم الولي ثم النبي وهذا كفر والعياذ بالله! يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب: فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]].
وبالنسبة لتقسيم ابن تيمية الكافر إلى نوعين قد يقول قائل: والساحر والكاهن الذي يأتيه ويصدقه هل يكون كافرًا؟ نحن نقول: ابن تيمية هنا يتكلم عن الخروج الذي هو الكفر الأكبر الذي استسلم فيه العبد لله ولغيره فيكون مشركًا، ومن استكبر على عباده كان مستكبرًا، فهذان الاثنان شركهما أكبر من إتيان الكاهن أو الساحر، فهذا منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر، فلو أن شخصًا ذهب إلى الكاهن واعتقد فيه علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله فهذا كفر أكبر، لكن إن صدقه فيما هو من خصائص الربوبية كأن صدقه في الغيب النسبي من أنه سيحضر له الحاجة المسروقة ويعرف مكان الضالة، وهو الغيب الذي غاب عن البعض وعرفه البعض والعياذ بالله! فهذا يعتقد أنه يعلم الغيب عن طريق الكلمة التي أخذها من السماء ونحوها، فهذا النوع كفر دون كفر، لكن الذي يذهب إلى الساحر ويقول له: من أجل أن أعمل لك هذا العمل لابد أن ترمي المصحف في القاذروات، ولابد أن تذبح للجني، ولابد أن تسجد للصنم، ففعل ذلك فهذا أشرك بالله، ولو اعتقد أن الساحر يضر وينفع من دون الله، وأن الكواكب تفعل ما يطلب منها، فهذا يكون كفرًا أكبر والعياذ بالله! وشخص آخر ذهب إلى الساحر وأراد منه أن يعمل له شيئًا فأقنعه الساحر أن عنده ملائكة أو جنًا مسلمون يساعدونه في الخير، وسيعمل له العمل من غير ما يصرف العبادة لغير الله، فوافقه؛ فهذا شرك أصغر، فهنا في هذا المقام يقول ابن تيمية: إن الله ﷿ رتب عباده السعداء أربع مراتب.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث: (ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر)].
هذا حديث ضعيف، لكن معناه صحيح بلا شك، فـ أبو بكر الصديق أفضل أمة محمد ﷺ بعد النبي ﵊، وهو أفضل من كل أصحاب الأنبياء إلى قيام الساعة، إلا ما كان من شأن عيسى ﷺ فإنه من أصحاب محمد ﷺ ولكنه رسول، ونحن نقول: هناك اتفاق على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، ونقول: إن سيدنا أبا بكر أفضل هذه الأمة بغض النظر عن عيسى بن مريم ﷺ بعد النبي ﷺ.
[ ٥ / ٤ ]
أفضل الأمم أمة محمد ﷺ
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وأفضل الأمم أمة محمد ﷺ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢].
وقال النبي ﵌ في الحديث الذي في المسند -الحديث الصحيح-: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) وأفضل أمة محمد ﷺ القرن الأول، وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه].
وفي رواية: (خير الناس قرني) وهذا عام يشمل كل الناس، إذًا: الأمم السابقة واللاحقة خير القرون منها جملة هو قرن النبي ﷺ وأصحابه، وبالتالي إذا قلنا: خير أصحاب النبي ﷺ أبو بكر فهو خير الناس بعد الأنبياء.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [في الصحيحين أيضًا عنه ﵌ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة].
وهذا لا شك فيه، فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة، وبالتالي هم أفضل من كل من يأتي بعدهم، لا يبلغ أحد منزلتهم، لكن لا يلزم من هذا أن كل واحد من الصحابة أفضل من كل واحد ممن يأتي بعد ذلك، والظاهر أنه كان فيهم من قال الله عنهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فإذًا: كان هناك مسلمون وليسوا بمنافقين النفاق الأكبر، وكان منهم من ارتكب الكبائر، فلا يصح أن يقال: إن كل واحد من الصحابة أفضل من كل من يأتي بعدهم، لكن كل واحد من السابقين الأولين أفضل من كل من يأتي بعدهم؛ لأن الله إنما مدح الذين جاءوا من بعدهم باتباعهم لهم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
والصحابي هو: كل من لقي النبي ﷺ ولو لحظة، فـ محمد بن أبي بكر معدود في الصحابة، وهو ولد في حجة الوداع قبل موت النبي ﷺ ببضعة وثمانين يومًا، ومع هذا فإنه معدود ضمن الصحابة ﵃.
فالصحابي كل من رأى النبي ﷺ مؤمنًا ومات على ذلك؛ لأجل ذلك نقول: هذا الأمر الصحيح فيه ما ذكرنا، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، وهذا أحسن حد، يعني: التحديد بالفتح الذي هو صلح الحديبية هو أفضل ما قيل في الفرق بين السابقين الأولين وبين من أتى بعدهم، فمن أسلم وقاتل قبل صلح الحديبية -وهو الفتح الذي سماه الله فتحًا مبينًا- فهو أعظم وأفضل من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلًا وعد الله الحسنى.
يقول: [والسابقون الأولون: هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، فإنه كان أول فتح في مكة، وفيه أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢]، (فقالوا: يا رسول الله! أوفتح هو؟! قال: نعم).
وأفضل السابقين الأولين: الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر، هذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الأمة وجماهيرها، وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها في (منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام أهل الشيعة والقدرية)].
كتاب المنهاج هذا من أفضل ما كتب في الرد على الشيعة والمعتزلة، والشيعة أصلًا هم معتزلة في العقائد.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وبالجملة اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء].
الشيعة يقولون: هو علي، وأهل السنة جميعًا يقولون: هو أبو بكر الصديق.
[ ٥ / ٥ ]
قياس ملاحدة الصوفية خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة، وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واتباعًا له، كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه، وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملًا به، فهو أفضل أولياء الله إذ كانت أمة محمد ﷺ أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد ﷺ، وأفضلهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
وقد ظنت طائفة غالطة أن خاتم الأولياء أفضل الأولياء قياسًا على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي].
الحكيم الترمذي ليس هو صاحب السنن، وإنما هو صاحب كتاب اسمه: نوادر الأصول، وقد طعن العلماء في كثير من مؤلفاته.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي فإنه صنف مصنفًا غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته، كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب كتاب: (الفتوحات المكية) وكتاب (الفصوص) -فصوص الحكم- فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم: لا عقل ولا قرآن].
السقف يكون فوق، فعندما يقول شخص: من تحتهم إذًا: لا عقل ولا قرآن ولا شيء معه.
[ ٥ / ٦ ]
فضل محمد ﷺ على غيره من الأنبياء
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة، والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء، فكيف يكون الأنبياء كلهم والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم ويدعي أنه خاتم الأولياء!].
أفضل الأولياء أبو بكر فهو أول شخص أسلم، وليس الأفضل من الذين سيكون في آخر الزمان.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس آخر الأولياء أفضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد ﷺ ثبت في النصوص الدالة على ذلك، كقوله ﵌: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر!)، وقوله: (آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد ﷺ، فيقول -الخازن-: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك)، وليلة المعراج رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم، فكان أحقهم بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] إلى غير ذلك من الدلائل، والأنبياء كل منهم يأتيه الوحي من الله لاسيما محمد ﷺ لم يكن في نبوته محتاجًا إلى غيره، فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق، بخلاف غيره، فإن المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة].
وكذلك لم يكن هناك تشريعات للنصارى إلا بالاعتماد على العهد القديم التوراة.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وشريعة التوراة جاء المسيح يكملها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح كالتوراة والزبور، وتمام الأربع وعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين، بخلاف أمة محمد ﷺ، فإن الله أغناهم به، فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدث].
يعني: لسنا محتاجين أن نبحث في الكتب السابقة، يكفينا ما ثبت عن رسول الله ﷺ كتابًا وسنة، إذًا: لن نحتاج إلى كتب متقدمة، ولن نحتاج إلى محدثين ملهمين.
وعيسى هو آخر الأربعة والعشرين نبيًا المذكورين في القرآن.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [بل جمع له من الفضائل -لمحمد ﷺ- والمعارف والأعمال ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله الله به ما أنزله إليه، وأرسله إليه لا بتوسط بشر وهذا بخلاف الأولياء، فإن كل من بلغه رسالة محمد ﷺ لا يكون وليًا لله إلا باتباع محمد ﷺ، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد ﷺ، وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليًا إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه، ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد ﷺ، فهذا كافر ملحد، وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد ﷺ في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدًا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض، فكانوا كفارًا بذلك، وكذلك الذي يقول: إن محمدًا ﷺ بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن، آمن ببعض ما جاء به، وكفر ببعض، فهو كافر وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة].
من يقول: إن الرسول ﷺ ما بعث بهذا العلم الشريف وإنما بعث بالعلم الظاهر، هذا أكفر من اليهود والنصارى فعلًا.
[فإذا ادعى المدعي أن محمدًا ﷺ إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول ﷺ دون البعض الآخر، وهو شر ممن يقول: أؤمن ببعض وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين].
اليهود لا يقولون: شريعتكم هذه أقل من الشريعة الأولى، لكن هم يقولون: لا تلزمنا؛ لأن كل عاقل ينظر إلى شريعة الإسلام يقول: هي أحسن الشرائع، وأكمل مما سبقها بالتأكيد، وهذا بالموازنة العقلية المحضة، فلا يشك عاقل أن شريعة الإسلام أكمل، ومع ذلك فمن قال: لا تلزمني وإنما يلزمه الذي آمن به كان كافرًا، فكيف إذًا من يقول: إن الذي جاء به هذا هو الأدنى، والذي لم يأت به هو الأعلى قدرًا وأنا لا أحتاج إليه؟!
[ ٥ / ٧ ]
ملاحدة الصوفية وتفضيلهم الولاية على النبوة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولاية أفضل من النبوة، ويلبسون على الناس فيقولون: ولايته أفضل من نبوته، وهم ملاحدة الصوفية]! من أجل أن يلبسوا على الناس يقولون: إن الرسول ﷺ ولي وولايته أفضل من نبوته.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وينشدون: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي ويقولون: نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد ﷺ لم يماثله فيها أحد، لا إبراهيم ولا موسى فضلًا عن أن يماثله هؤلاء الملحدون، وكل رسول نبي وكل نبي ولي، فالرسول نبي ولي، ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته متضمنة لولايته، وإذا قدروا -قدر هؤلاء الملاحدة- مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع].
يعني: كيف يقول: إنه نبي من غير أن يكون وليًا؟! الذي يقول: إن الله جعله يأتي بالأنباء دون أن يكون وليًا! فهذا تقدير ممتنع.
[ ٥ / ٨ ]
علاقة ملاحدة الصوفية الاتحادية بالمتفلسفة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليًا لله، ولا تكون مجردة عن ولايته ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلًا للرسول في ولايته، وهؤلاء قد يقولون كما يقول صاحب الفصوص ابن عربي: إنهم يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول].
أعوذ بالله! يقولون: نحن نأخذ من الأصل الذي يأخذ منه الملك، يعني: ليس من الذي يأخذ منه الرسول، بل الملك يبلغ الرسول فيأخذه من الأصل ويأخذ منه الملك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك أنهم اعتقدوا عقيدة ملاحدة المتفلسفة ثم أخرجوها في قالب المكاشفة؛ وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا: إن الأفلاك قديمة أزلية لها علة تتشبه بها، كما يقوله أرسطو وأتباعه: أولها موجب بذاته -موجب وواجب الوجود- كما يقوله متأخروهم كـ ابن سينا وأمثاله ولا يقولون: إنها لرب خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا خلق الأشياء بمشيئته وقدرته، ولا يعلم الجزئيات، بل إما أن ينكروا علمه مطلقًا كقول أرسطو -الذي هو واجب الوجود كالأول- أو يقولوا: إنما يعلم في الأمور المتغيرة كلياتها كما يقول ابن سينا].
فهو ينكر علم الجزئيات.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وحقيقة هذا القول: إنكار علمه بها، فإن كل موجود في الخارج فهو معين جزئي، والأفلاك كل معين منها جزئي، وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات، والكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان، والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر في رد تعارض العقل والنقل وغيره، فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي العرب، فإن جميع هؤلاء يقولون: إن الله خلق السماوات والأرض، وإنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته، وأرسطو ونحوه من متفلسفة اليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة والأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك، وإنما غالب علوم القوم الأمور الطبيعية، وأما الأمور الإلهية فكل منهم فيها قليل الصواب كثير الخطأ، واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم -متأخرو الفلاسفة- كـ ابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا أشياء من أصول الجهمية والمعتزلة وركبوا مذهبًا قد يعتزي إليه متفلسفة أهل الملل، وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا موضع].
ابن عربي كان من الصوفية المتفلسفة، ولذلك الصوفية المتفلسفة هم طور من التصوف هو شر الأطوار على الإطلاق، ومن خلاله دخل الكفر والإلحاد والخروج من الملة والعياذ بالله! يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم قد بهر العالم، واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد ﷺ أعظم ناموس طرق العالم -وهذا كلام ابن سينا - ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن؛ أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان الذين هم أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأولئك -الذين هم الفلاسفة- قد أثبتوا عقولًا عشرة يسمونها: المجردات، والمفارقات؛ وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، فسموا تلك مفارقات لمفارقتها المادة وتجردها عنها، وأثبتوا الأفلاك، وجعلوا لكل فلك نفسًا، وأكثرهم جعلوها أعراضًا وبعضهم جعلها جواهر].
الأفلاك هذه أصلًا على حسب معلوماتهم القديمة أن هناك عشرة أفلاك بعضها فوق بعض.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه المجردات التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور موجودة في الأذهان لا في الأعيان -يعني: مجرد خيالات في الحقيقة- كما أثبت أصحاب أفلاطون الأمثال الأفلاطونية المجردة، وأثبتوا هيولى مجرد عن الصورة].
هيولى التي هي مادة أصل المادة يعني: مجرد عن الصورة ليس لها أي وصف ولا شكل.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومدة وخلاء مجردين].
الذي هو الزمان والمكان المجردان من أي وجود.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان].
يعني: العقل البشري هو الذي يفصل، ويستطيع أن يتخيل أنه يوجد زمان مجرد ومكان مجرد.
[ ٥ / ٩ ]
النبوة عند المتفلسفة
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كـ ابن سينا أن يثبت أمر النبوات على أصولهم الفاسدة: زعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبي: أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها من العلم بلا تعلم.
وأن يكون له قوة تخيلية تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في نفسه صورًا أو يسمع في نفسه أصواتًا كما يراه النائم ويسمعه، ولا يكون له وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله، وتلك الأصوات هي كلام الله تعالى.
وأن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولى العالم -في مادة العالم-، وجعلوا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة هي قوى النفس؛ فأقروا من ذلك ما يوافق أصولهم كقلب العصا حية، دون انشقاق القمر].
لأن القمر عندهم من الأفلاك، والأفلاك هذه لا تتغير، لكن الذي ممكن أن يتغير هنا في العالم السفلي، ولذلك تراهم ينكرون انشقاق القمر ويثبتون معجزة العصا حية.
[فإنهم ينكرون وجود ذلك، وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع، وبينا أن كلامهم هذا أفسد الكلام، وأن هذا الذي جعلوه من خصائص النبي يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء].
القوى الثلاثة هذه ابن سينا عندما يثبتها يقول: إن النبوة مكتسبة، وهذه أحد المواطن التي كفره بها الغزالي نفسه، ويرى أن الفلاسفة والحكماء مثل الأنبياء تمامًا!
[ ٥ / ١٠ ]
نظرية العقول العشرة عند الفلاسفة
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن هذا الذي جعلوه من خصائص النبي يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء، وأن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، وليسوا عشرة وليسوا أعراضًا].
الأعراض: الصفات تعرض أو الأفعال.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [لا سيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو: العقل الأول، وعنه صدر كل ما دونه، والعقل الفعال العاشر رب كل ما تحت فلك القمر].
الذي هو آخر فلك من الأفلاك والعياذ بالله، وهذه كلها فعلًا عقائد لدى المتفلسفة.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل].
فهم على العموم يعبدونها على أنها ترمز للقوة، وآخر شيء الذي هو العقل الفعال العاشر، والأفلاك عندهم عشرة آخر شيء منها تحت فلك القمر، فـ ابن سينا يعتقد هذه العقيدة كما هو اعتقاد اليونان أن رب كل ما تحت فلك القمر هو العقل الفعال العاشر.
نحن نتكلم على أساس هذا الضلال من أين أتى؟ من أجل أن نبين أن هؤلاء فعلًا جاءوا بما لم يأت به الرسل، والكلام هذا موجود في الكتب، فهؤلاء أناس منتسبون إلى الإسلام ويتكلمون بهذه الفلسفة، فـ ابن سينا الناس يسمونه فيلسوف الإسلام ويعظمونه جدًا، ومنهم من يعتقد أن ابن سينا هو الأستاذ الذي علم أوروبا! فـ ابن تيمية يتسلسل في هذا الكلام من أجل أن يبين أن الصوفية الذين فرقوا بين الحقيقة والشريعة جاءوا بهذا من هذا الكلام، الذي هو بالاضطرار معلوم أن هذا خلاف دين الرسل، وكلام ابن عربي عندهم مثل الكبريت الأحمر، وهو الشيخ الأكبر، صاحب كتاب: فصوص الحكم، والفتوحات المكية، فعندهم هذه من أعظم الكتب التاريخية التي لا نظير لها، ويقولون: إنه هو خاتم الأولياء، وإنه أعلى من الرسل، فالرسول عندهم دون الولي، إذًا الولي أعلى من الكل والعياذ بالله، فهذا الكلام هو الذي جعل الصوفية المتفلسفة وكل الفرق الضالة المنحرفة المنتسبة إلى التصوف تعظم هؤلاء، فهو يريد أن يخرج جذور ضلالهم من أجل أن الناس يعرفون أن هذا الكلام نابع من غير دين الإسلام، فهذا دين آخر في الحقيقة، فالصوفية المتفلسفة الذين أصلهم ابن عربي وابن الفارض والتلمساني وأمثال هؤلاء، فهؤلاء أصلًا يقولون بدين آخر غير دين الإسلام، والتلمساني الصوفي هو غير التلمساني المعاصر.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل].
وأي شخص يتكلم في هذا الباب ولم يكن عنده علم يتأثر به، فتجد مثلًا كتاب محاسن التأويل للقاسمي عندما يأتي يتكلم في تفسير قوله ﵎: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، يتكلم عن العلم اللدني، وهو مأخوذ من كلام الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، فهو ينقل كلام الفلاسفة دون أن يعلق عليه؛ من أجل ذلك قالوا: إن الغزالي دخل في بطن الفلسفة ولم يستطع أن يخرج منها، مع أنه رد على الفلاسفة وألف كتاب: تهافت الفلاسفة وكفرهم، لكن بقيت عنده آثار، فيقول في العلم اللدني: إن علم الرسل: هو زوال الحجب من العقل الكلي والجزئي، الذي هو عقل الرسول من الوحي، والعقل الكلي: جبريل، وإن العلم اللدني: هو زوال الحجب بين النفس الكلي وبين النفس الجزئي التي هي نفس الولي، وإن النفس الكلي عند الفلاسفة هو اللوح المحفوظ، فقال كلام الفلاسفة بالضبط، وصاحب محاسن التأويل -مع أن كتابه جيد جدًا- نقل الكلام ولم يقل فيه ولا كلمة، والذي لا يعرف أصلًا عقائد الفلاسفة التي هي فعلًا عقائد الفلاسفة الكافرة التي ذمها الشيخ، وهي فعلًا يعلم فسادها بالاضطرار من دين الإسلام، وأنها شيء ليس له علاقة بالدين الذي جاء به موسى وعيسى ومحمد ﷺ يظن أن هذا الكلام هو كلام المحققين، وقد وقع في هذا كثير من الناس.
إذًا: من أجل ذلك نقول: إن هذا الأمر لابد من التحذير منه، ونعلم أن الكلام هذا ليس كلام أهل الإسلام والإيمان، ولا كلام أحد من أتباع الرسل، فمن أجل ذلك نقول: إن هذا منهج مختلف تمامًا مع الدين، ولا يمكن أن نقول: إن هؤلاء في يوم من الأيام سيكونون مصدر صحوة للأمة، بل هؤلاء أولياء الشيطان فعلًا -والعياذ بالله- وإن كان كثير من الناس يخدعون بهم ويقولون: إن هؤلاء أناس يصلون ويصومون ويتعبدون إلى آخره، لكن حقيقة منهجهم أنهم يعظمون هؤلاء المبتدعين -بل هؤلاء الزنادقة الملحدين- ويتبعونهم على ذلك، وحقيقتهم خلاف دين الإسلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل، فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله].
العقل الكلي الذي جعلوه الملك الأول جبريل يجعلونه مبدعًا لما تحته، فكل فيض في وزن العقل من واجب الوجود مبدع خالق لما تحته، وفي الحقيقة: الخلق عندهم عبارة عن فيض وليس عن الإحداث من العدم، وعقيدة أن المادة لا تفنى ولا تستحدث ولا تخلق من عدم، هي عقيدة الفلاسفة المتقدمين؛ لأنهم يقولون أصلًا: العالم قديم غير مخلوق، وهو فيض فاض من واجب الوجود، والفيض هذا هو الذي يسمونه أحيانًا خلقًا، ولكن هو في الحقيقة ليس مخلوقًا من عدم، إنما هو فيض فاض بأن تتابع الفيض الأول في الفيض الثاني، فهذا معناه أنه مبدع لما تحته، يعني: العقل الكلي فاض منه عشرة عقول، من أجل ذلك يقول: هذا مبدع لعشرة عقول، وآخر صاحب عقل فعال؛ ولذا يقولون: رب كل ما تحت القمر؛ لأنه فاض منه آخر شيء الذي هو الهيولى الذي هو المادة التي تتكون من أربعة: هواء وماء ونار وتراب، والأربعة هذه عكس الأربعة التي تشكلت منها الأرض، فهذه تهدمت وانتهت منذ سنين طويلة، وهذا هو المقبول، وقد بقيت بقايا فلسفية أثرت في العلوم التجريبية الأخيرة مثلهم قولهم: المادة لا تفن، ولا تستحضر، ولا تخلق من عدم، وحتى نظرية تحول الطاقة إلى مادة، والمادة إلى طاقة، وأن العالم كله كان طاقة في البداية هي نظرة انشتاين التي مردها أيضًا إلى نفس التطور الأول، الذي هو: أنه لابد أن تكون المادة غير مخلوقة، بمعنى: غير مستحدثة، فأهل الإسلام واليهود والنصارى كل اعتقاداتهم أن العالم هذا كان عدمًا محضًا ثم ربنا أوجده، وأنه كان الله ولم يكن شيء غيره، وهذه عقيدة كل الملل التي تتبع الرسل، وعقائد الفلاسفة أثرت تأثيرًا خطيرًا جدًا مع كونها مخالفة لكل ما جاءت به الرسل من المعلوم بالاضطرار من دين الرسل، فهؤلاء كلامهم كفر فظيع، فهم يقولون بقدم العالم، وهذا كفر لوحده، كذلك يقولون باكتساب النبوة، وشيء آخر أيضًا معلوم من الدين بالضرورة، وهو: القول بعدم بعث الأرواح؛ لأن الأرواح هذه مرحلة من المراحل التي نعبر بها هذه الحياة، ومن بعد ذلك الأرواح ستتحول إلى شيء آخر ولن تعود!
[ ٥ / ١١ ]
بطلان حديث العقل الذي رواه الفلاسفة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله، وهؤلاء يزعمون أنه العقل المذكور في حديث يروى: (إن أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، فقال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك العقاب) ويسمونه أيضًا القلم؛ لما روي: (إن أول ما خلق الله القلم) الحديث رواه الترمذي.
والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم البستي والداراقطني وابن الجوزي وغيرهم، وليس في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، ومع هذا فلفظه -لو كان ثابتًا- حجة عليهم، فإن لفظه: (أول ما خلق تعالى العقل قال له) ويروى: (لما خلق الله العقل قال له) فمعنى الحديث أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، وليس معناه أنه أول المخلوقات، وأول: منصوب على الظرف، كما في اللفظ الآخر (لما) وتمام الحديث: (ما خلقت خلقًا أكرم علي منك) فهذا يقتضي أنه خلق شيئًا قبله، ثم قال: (فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك العقاب)، فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي والسفلي صادر عن ذلك العقل فأين هذا من هذا؟].
سبق وأننا رددنا أن مرد العقل في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة اليونان، فعندنا العقل بمعنى: التعقل والإدراك، والعقل دائمًا يوصف به أهل الإيمان.
[ ٥ / ١٢ ]
لفظ العقل في لغة المسلمين واليونان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسبب غلطهم: أن العقل في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونان، فإن العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلًا كما في القرآن: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] ويراد بالعقل: الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها، وأما أولئك فالعقل عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل وليس هذا مطابقًا للغة الرسل والقرآن، وعالم الخلق عندهم -كما يذكره أبو حامد - عالم الأجسام العقل والنفوس، فيسميها عالم الأمر، وقد يسمي العقول: عالم الجبروت، والنفوس: عالم الملكوت، والأجسام: عالم الملك، ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معاني الكتاب والسنة أن ما في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا وليس الأمر كذلك].
يعني: أن العقل الجوهر، لكن هذا العقل الفعال، فهو ليس جسمًا، لكنه شيء له أعراض، وأبو حامد الغزالي عندما يتكلم في تهذيب النفوس يستعمل هذه الألفاظ الفلسفية كثيرًا.
[ ٥ / ١٣ ]
الملائكة في نظر المتفلسفة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيسًا كثيرًا، كإطلاقهم أن الفلك محدث أي: معلول، مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقًا بالعدم، وليس في لغة العرب، ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثًا، والله قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل، ولا أحكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا ولا للأعداء كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعوهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك كما قد بسط في غير هذا الموضع.
وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون جبريل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي ﷺ، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة، وزعموا أنهم أولياء الله، وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة، كـ ابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول ﷺ، والمعدن عنده هو العقل، والملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن العقل الذي هو أصل الخيال، والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي، ولو كان خاصة النبي ما ذكروه، ولم يكن هو من جنسه فضلًا عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين، والنبوة أمر وراء ذلك؟! فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم فضلًا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة كـ الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهم رضوان الله عليهم أجمعين].
شيخ الإسلام دائم الثناء على هؤلاء المشايخ وهم من كبار الموصوفين بالصوفية، وربما بعضهم تسمى بأنه من الصوفية، وكما تكلمنا عن هذا الاسم أنه ليس محمودًا فهو حادث، ولكن كان من الزهاد والعباد ممن هو على منهج أهل السنة والجماعة ممن اشتهر بملازمته لطريق الزهد ونحو ذلك؛ فأطلق عليه مثل هذا الاسم، والعبرة بوجود المعتقد الصحيح، والسلوك الصحيح، والبعد عن البدع والضلالات، والذين ذكرهم هم مقدمون في أمر الزهد والعبادة، وهم في الجملة ملتزمون بمنهج أهل السنة والجماعة، وإن أثر على بعضهم بعض الأقوال أو الأفعال فهذا مما لا يسلم منه أحد، إما أنهم اجتهدوا فأخطئوا، أو خطؤهم مغمور بالنسبة إلى فضائلهم وعبادتهم والله أعلم.
وعلى أي حال: فهم لم يبلغوا منزلة السلف المتقدمين رضي الله تعالى عنهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الملازمين للكتاب والسنة.
[ ٥ / ١٤ ]
وصف الملائكة في القرآن
قال رحمه الله تعالى: [والله ﷾ قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء].
يعني: قولهم: إن لملك هو الخيال قطعًا هذا كلام يخالف ما في الكتاب والسنة؛ لأن إيمانهم بالملائكة في الحقيقة تكذيب بهم.
وهذه الآيات التي وصف الله بها ملائكته في كتابه تبين أنهم مخلوقون لهم وجود، ولهم أعمال وأفعال وقدرات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]].
بين الله ﷿ أن الملائكة ليسوا بنات لله، ولا أولاد له ﷾، كما يعتقد النصارى ويعتقد المشركون أن الملائكة بنات الله، وبين ﷿ أنهم عباد، وأنهم مكرمون عنده ﷿ لهم منزلة كريمة، وأنهم لا يعملون عملًا قبل أن يأمرهم الله، لا يسبقونه بالقول، وأنهم إذا أمروا نفذوا كلما أمروا به، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧]، وأن الله ﷿ محيط بعلم ما عندهم وما بين أيديهم وما خلفهم، وأن الملائكة لا تشفع إلا لأهل التوحيد والإخلاص ممن رضي الله أن يشفع فيهم، ومع ذلك هم في إشفاق ووجل وخشية لله تعالى، فكل هذه الصفات تثبت وجودًا لهؤلاء، فهم أصل المخلوقات النورانية كما قال النبي ﵊ عن الملائكة: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]].
إذًا: هم يشفعون لمن شاء الله ورضي أن يشفع فيه، وقد بين سبحانه أن ذلك إنما يكون في أهل التوحيد ولا ينفع المشركين شفاعة الشافعين.
وقال النبي ﷺ: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]].
لأن المشركين كانوا يدعون الأوثان على أنها ترمز للملائكة، فبين ﷿ حقيقة الأمر فقال: «قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ» زعمتم أنهم آلهة تعبد من دون الله! «لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ»، فنفى الملك التام لذرة فما فوقها، ثم نفى المشاركة في هذه الذرة فما فوقها فقال: «وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ»، ثم نفى المعاونة، فالملائكة لا تعاون الرب ﷾، بل هم يعملون بأمره وهو ﷿ الذي قواهم وأعطاهم الحول والقوة والقدرة، قال: «وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ» أي: من معين، ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، لم يبق إلا مقام الشفاعة، فبين ﷿ أنهم لا يشفعون إلا لمن أذن الله له أن يشفع؛ وذلك بعد الاستئذان، ويكون هو من خاصة أهل الإيمان والتوحيد، ويشفعون لمن ابتغى الله، وهم أيضًا من كان من أهل الإيمان والتوحيد وإن نقصت أعمالهم عن استحقاق دخول الجنة من غير عذاب في النار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠]].
فبين أن الملائكة وغيرهم مملوكون لله، «وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ» أي: الملائكة «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» لا ينقطعون، استحسر بمعنى: انقطع ولم يستمر، فهم لا يكلون عن العبادة، قال: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ لا يصيبهم فتور وهو ضعف في العمل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر أن الملائكة جاءت إبراهيم ﵇ في صورة البشر، وأن الملك تمثل لمريم بشرًا سويًا، وكان جبريل ﵊ يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي -مثل حديث تعليم الناس الإسلام والإيمان والإحسان- ويراهم الناس كذلك، وقد وصف الله تعالى جبريل ﵇ بأنه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١]].
قوله: (ذي قوة): هذا فيه إثبات القوة والقدرة للملائكة، «عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» عند الله ﷿ «مَكِينٍ» ذو مكانة، «مُطَاعٍ» هناك عند الله في السماوات؛ لأنه يكون أول من يرفع رأسه إذا سمع كلام الله، وتسجد الملائكة عند ذلك، فإذا رفع جبريل رأسه رفعت الملائكة رءوسها، فهو مطاع من الملائكة عند الله «ثَمَّ» أي هناك، «أَمِينٍ» مستأمن على أعظم رسالة وهي الرسالة إلى البشر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن محمدًا ﷺ ﴿رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣]].
أي: رآه بأجياد عندما رآه أول ما رآه على صورته التي خلقه الله عليها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ووصفه بأنه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:٥ - ١٨]].
جبريل ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، «ذُو مِرَّةٍ» ذو خلق حسن، وقيل: ذو قوة، ولكن القوة ذكرت في الآية قبلها: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فقوله: «ذُو مِرَّةٍ» أي: ذو خلق حسن، فهو في قوة عظيمة، وخلق حسن جميل، «فَاسْتَوَى» فعلا وارتفع، ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ أي: أنه رآه النبي ﷺ بأعلى الأفق، كما ذكر ذلك في سورة: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١]، «ثُمَّ دَنَا» بعد أن ارتفع دنا أي: قرب من النبي ﷺ، «فَتَدَلَّى» فنزل، فكان في قربه من النبي ﷺ قدر قوسين، وإنما يقدر العرب الشيء اليسير بقدر قوسين، و(أو) ليست للشك، بل هي بمعنى بل.
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ أوحى الله من خلال جبريل إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى من القرآن، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رأى، ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ هذا قد رآه بفؤاده وبعيني رأسه ﷺ، فرأى جبريل على صفته التي خلقه الله عليها، «أَفَتُمَارُونَهُ» أتجادلونه «عَلَى مَا يَرَى» وهذا دليل على أن المعاينة أعلى درجات اليقين.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ مرة أخرى، ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ عند السدرة التي في السماء السابعة التي ينتهي إليها ما يصعد إليها من تحتها فيقبض هناك، وينتهي إليها ما ينزل إليها من فوقها فيقبض هناك.
وقوله: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ عندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين ثم أجسامهم بعد ذلك، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ يغطي هذه السدرة، وهي شجرة نبق «مَا يَغْشَى» تعظيم لشأنها، قال النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: (غشيها ألوان ما أدري ما هي!) كانت تتغير حتى تغيرت ألوانها فالنبي ﷺ لا يستطيع أن يصفها من حسنها، (وغشيها فراش من ذهب)، جاء عليها فراش من ذهب.
قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ فيه بيان أن المعراج كان بالروح والجسد قطعًا؛ لأن البصر من صفات البدن، ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ مدح للنبي ﵊ أنه ما زاغ، وزيغ البصر: اضطرابه من شدة هول ما يرى «وَمَا طَغَى» ليتطلع إلى غير ما أذن له فيه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ رأى آيات عظيمة.
الشاهد: أن جبريل له وجود وليس مجرد خيال، نزل وتدلى واقترب من النبي ﷺ، وأوحى إليه ونقل إليه الوحي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ول
[ ٥ / ١٥ ]
اعتقاد ملاحدة الصوفية في الوجود وحقيقة أمرهم جحد الخالق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الأحياء العقلاء ليس خيالًا في نفس النبي كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة والمدعون ولاية الله، وأنهم أعلم من الأنبياء، وغاية حقيقة هؤلاء إنكار أصول الإيمان].
فالفلاسفة حقيقة نهاية كلامهم أنهم ينكرون أصول الإيمان الستة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أصول الإيمان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحقيقة أمرهم جحد الخالق، فإنهم جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق، وقالوا: الوجود واحد، ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، كما يشترك الناس في مسمى الإنسان، والحيوانات في مسمى الحيوان، لكن هذا المشترك الكلي لا يكون مشتركًا كليًا إلا في الذهن].
الحيوانية هذه وصف مشترك كلي هل توجد حيوانية هي صفة للإنسان وصفة للحيوان وصفة لجميع الكائنات الحية؟ نعم فالحيوانية مصدر، مثل قولك: الوجود مثلًا، فالحياة هذه صفة لكل حي تنتقل وحدها أو تقوم بحي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالفرس، ووجود السماوات ليس هو بعينه وجود الإنسان، فوجود الخالق ﷻ ليس هو كوجود مخلوقاته.
وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطل الصانع، فإنه لم يكن منكرًا هذا الوجود المشهود، لكن زعم أنه موجود بنفسه لا صانع له، وهؤلاء وافقوه في ذلك، لكن زعموا بأنه هو الله، فكانوا أضل منه وإن كان قوله هذا هو أظهر فسادًا منهم، ولهذا جعلوا عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وقالوا: لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب السيف وإن جار في العرف الناموسي].
في العرف الناموسي: الذي هو في عرف الشريعة جائر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أي: وإن كان أربابًا بنسبة ما فأنا الأعلى منكم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم].
هذا كلام ابن عربي في فصوص الحكم حيث يفسر ويبرر لفرعون ويقول: عنده حق -والعياذ بالله- حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فيوجد أرباب بنسبة ما، لكن أنا الأعلى منكم بما أعطيته في الظاهر! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا: ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله أقروا له بذلك، وقالوا: ﴿اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]].
من أجل أنك عندنا في الدنيا فأنت الأعلى، إذًا من حقك أن تفعل شيئًا؛ لأن هذا ليس أمر استهزاء به، ولا استهانة ولا احتقار له، بل هذا له أمر إظهار وإباحة له أن يعمل هذا الشيء والعياذ بالله! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا: فصح قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وكان فرعون عين الحق -أي: عين الرب والعياذ بالله-، ثم أنكروا حقيقة اليوم الآخر فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة] والعياذ بالله! يقول ابن عربي في أشعاره: فلم يبق إلا صادق الوعد وحده وليس لوعيد الحق عين تعاين وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد فالأمر واحد وبينهما عند التجلي تباين سمي عذابًا من عذوبة طعمه وذلك له كالقشر والقشر صائن فأنكروا حقيقة اليوم الآخر فجعلو أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة!
[ ٥ / ١٦ ]
عامة كلام الملاحدة المتصوفة من التخيلات الشيطانية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كافرين بالله واليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة خاصة الخاصة من أهل ولاية الله، وأنهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم، وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء، لكن لما كان الكلام في أولياء الله، والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وكان هؤلاء من أعظم الناس ادعاءً لولاية الله، وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان؛ نبهنا على ذلك؛ ولهذا كان عامة كلامهم إنما هو في الحالات الشيطانية، ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات -الفتوحات المكية-: باب أرض الحقيقة، ويقولون: هي أرض الخيال، فيعترف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال، والخيال هو محل تصرف الشيطان، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي عليه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]].
من يتعامى عن ذكر الرحمن وهو القرآن وما أنزله على الرسول ﵊ يقيض الله له شيطانًا يلازمه فهو له قرين ملازم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٧ - ٣٨]].
-بعد ما بين المشرق والمغرب- ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]].
الاشتراك في المصائب يهون وقعها، أما مصائب يوم القيامة فمهما اشتركوا فيها لا يهون عليهم ولا ينفعهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦] إلى قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢]]-بمصرخكم: بمغيثكم، وما أنتم بمصرخي: بمغيثي- وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨].
وقد روي عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (أنه رأى جبريل يزع الملائكة)، والشياطين إذا رأت ملائكة الله التي يؤيد بها عباده هربت منهم، والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩].
وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٤٠].
وقال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٤ - ١٢٥]].
وهؤلاء -يعني: أصحاب البدع والضلالات والأحوال الشيطانية- تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين فيظنونها ملائكة كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام].
لذلك نجد هذا معروفًا عند اليهود والنصارى والمشركين؛ حيث تظهر لهم هيئات كثيرة، وربما يدعون مثلًا أن المسيح قد ظهر على الكنيسة الفلانية، والعذراء قد ظهرت في المكان الفلاني، وكثيرًا ما يراه أتباعهم في هذه الأماكن فبعضها من الخيالات، وبعضها من السحر، وانعكاسات ضوئية ونحو ذلك، وأحيانًا تكون الشياطين تتمثل، وأهل الإيمان إذا حضروا لم يستطيعوا أن يخدعوهم، إنما يخدعون من كان على شاكلتهم أو من كان ضالًا يعتقد أن الخطابات الكفرية من الإسلام، وهي من المنافقين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان أول من ظهر من هؤلاء -في الإسلام- المختار بن أبي عبيد الذي أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ قال: (سيكون في ثقيف كذاب ومبير) فكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف الثقفي فقيل لـ ابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا: صدق، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢]].
المختار أول ما ظهر دعا إلى الانتقام من قتلة الحسين والانتصار لأهل البيت، وبالفعل سلطه الله ﷿ على طائفة منهم، وتمكن من قتلهم، فحصل له قبول عظيم عند كثير من الناس، ولم يكن يريد وجه الله ﷿، وإنما كان يريد وسيلة إلى الرئاسة والشهرة، واجتمع له خلق كثير، فبدأ بعد ذلك بادعاء الأحوال الشيطانية والأمور الخارقة، وكان يخدع أتباعه بذلك إلى أن وصل إلى أنه ادعى أن جبريل يأتيه، ولم يدع النبوة صراحة، ولكنه كان يزعم أن جبريل يأتيه، وأنه ينزل عليه ويكلمه، ومن هنا خدع طوائف من الشيعة؛ لأن الشيعة أصلًا مستعدون لقبول مثل هذه الخزعبلات، ثم كان آخر أمره أن قتل على يد مصعب بن الزبير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل لـ ابن عباس: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]].
فأقروا بصحة النظر أنه يوحى إليه من الشيطان، وما ينزل عليه ما يتنزل على الشياطين.
[وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح التي يزعم صاحب الفتوحات أنه ألقى إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعًا من الخلوات بطعام معين وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالًا بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء، وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عددًا ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس أو بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك].
حدثني عدد من الناس بأنهم كانوا عندما تحصل لهم أزمة مالية يأتون إلى المرأة التي معها الجن، فكانوا عندما يقترضون منها يجدون المال تحت المخدة في الصباح بعد ذلك، على أن يردوه بعد أن تنتهي مدته فيضعونه أيضًا فوق الثلاجة، وإذا المبلغ قد اختفى ونحو ذلك! وغالبًا يكون هذا مالًا مسروقًا، وقد يكون السارق جنيًا مسلمًا، وليس معنى أنه جني مسلم أن يكون الفعل جيدًا، فبعضهم يقول: هذا جني مسلم، طيب! وإذا كان مسلمًا؟! الجني المسلم ممكن أنه يسرق بل الجهل يغلب على الجن بكثرة، ألسنا نرى أحوال الإنس من المسلمين؟! إذًا: الجن المسلمون سيكونون أسوأ؛ لأن النوع الجني أصلًا فيه خفة وضعف عقل؛ ولذلك لم يكن منهم رسل، فربنا ﷿ إنما جعل النبيين في جنس البشر، ولم يجعلهم في الجن؛ لأن الجن أصلًا فيهم من النقص بالنسبة إلى الإنس الشيء الكثير؛ ولذا كرم الله بني آدم عليهم، فكونه يقول لك: معي جني مسلم ويجعلها مفتاحًا لكل أنواع الشرور، ويسأله عن المغيبات، ويحضر له الأشياء المفقودة الغائبة، ويطلب منه قضاء الحاجات، ثم يقول لك: هذا جني مسلم! فنقول: حتى لو كان مسلمًا فإن ذلك لا يبيح التعامل معه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم كما يوجد في كلام صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأشباه ذلك يمدح الكفار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، ويتنقص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وهارون].
وهذا الكفر كله، وكونه يمدح الكفرة المقطوع بكفرهم هذا مخرج من الملة، وتنقص الأنبياء من أسباب الكفر أيضًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويذم المسلمين المحمودين عند المسلمين كـ الجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهما ويمدح المذمومين عند المسلمين كـ الحلاج ونحوه كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية].
الحلاج كان يقول: لا إله إلا الله، ما في الجبة إلا الله! ليس أي جبة وإنما الجبة التي هي له، وقد قتل على الزندقة، ولذلك تجد هناك علامة مميزة في منهج المتصوفة، هل هو يقدم هؤلاء أو يقدم الشيوخ المحمودين كـ الجنيد وأمثاله، فإذا ذكر وقدم
[ ٥ / ١٧ ]