الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٦]
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان الستة لا يصح إيمان العبد إلا به، والقدر سر من أسرار الله ﷿، وقد ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام، فبعض الناس يسلك سبيل المشركين في الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي، وبعض الناس تشتبه عليه الحقائق الكونية بالحقائق الدينية، ويجب على المسلم أن يقوم إيمانه على الحجة والبرهان والدليل، حتى يلقى ربه وهو سليم العقيدة.
[ ٦ / ١ ]
اشتباه الحقائق الدينية والكونية على كثير من الناس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وكثير من الناس تشتبه عليه الحقائق الأمرية الدينية الإيمانية، بالحقائق الخلقية القدرية الكونية.
فإن الله ﷾ له الخلق والأمر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا خالق غيره ولا رب سواه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما في الوجود من حركة وسكون فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه.
وهو سبحانه أمر بطاعته وطاعة رسله، ونهى عن معصيته ومعصية رسله) أي: أن الأمر الكوني القدري الذي به يكون ما يكون في الوجود، ودخل فيه الأمر الشرعي، فهو ﷿ يأمرك بطاعته وينهاك عن معصيته.
ثم يقول: (أمر بالتوحيد والإخلاص ونهى عن الإشراك بالله.
فأعظم الحسنات التوحيد، وأعظم السيئات الشرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك.
قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك) -أي: بزوجة جارك- فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
فأمر سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) يذكر شيخ الإسلام ويؤكد أن كل شيء هو بأمر الله ﷿ الكوني، ولا يعني ذلك إلغاء الأوامر الشرعية، بل إن هناك أمورًا أمر بها، وهناك أشياء نهى عنها، مع أن الكل بخلقه وإرادته الكونية.
ثم يقول: (وأخبر أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذي يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص.
وهو يكره ما نهى عنه، كما قال تعالى في سور الإسراء: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]) إذًا: المحبة تابعة للأمر الشرعي، والكراهية تابعة لمخالفة الشرع، فالله ﷿ يكره مخالفة ما أمر به.
ثم يقول: (وقد نهى عن الشرك، وعقوق الوالدين، وأمر بإيتاء ذي القربى الحقوق، ونهى عن التبذير وعن التقتير، وأن يجعل يده مغلولة إلى عنقه وأن يبسطها كل البسط، ونهى عن قتل النفس بغير الحق، وعن الزنا، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، إلى أن قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨].
وهو سبحانه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر).
إذًا: الرضا ليس بمعنى الإرادة، فهؤلاء الكفرة خلقهم الله وهو لا يرضى فعلهم، ولا يرضى كفرهم، ولا يحب الفساد منهم.
[ ٦ / ٢ ]
حاجة كل مكلف إلى التوبة والاستغفار
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والعبد مأمور أن يتوب إلى الله تعالى دائما، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)، وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، وفي السنن عن ابن عمر قال: (كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة، أو قال أكثر من مائة مرة).
وقد أمر الله سبحانه عباده أن يختموا الأعمال الصالحات بالاستغفار فكان النبي ﷺ إذا سلم من الصلاة يستغفر ثلاثًا ويقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه) أي: أن كل هذه المعاصي التي وقعت هي بقدر ربنا ﷿، لكن تدفعها بقدر آخر ألا وهو: التوبة والاستغفار، فأنت مأمور بأن تفر من هذا القدر المكروه إلى القدر المحبوب.
والقدر المكروه: المعصية، والقدر المحبوب: الطاعة والتوبة.
والإيمان بالقدر من الإلتزام بالشرع، وكل شيء وقع فهو بقدر الله ﷾، لكن لا يعني ذلك بأن ترضى بما لم يرض الله به من المعاصي، أو أن تستسلم لهذه المعاصي، وتقول: قدر الله، لأنه ليس كل قدر أمرت أن تستلم له، بل القدر المكروه ينبغي أن تفر منه إلى القدر المحبوب بالتوبة والإنابة والاستغفار.
وكما قال النبي ﷺ: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) إذًا: هناك قدر بوجود الشر، ولكن نفر منه إلى قدر الخير، وندفع القدر بالقدر، ونفر من الله إليه.
فلذلك ذكر طريق التوبة والاستغفار هنا، وذلك بعدما بين أن كل شيء بخلق الله وأمره وملكه، ولكن أمر بالطاعات ونهى عن المعاصي، وأحب الطاعات وكره المعاصي، وكره الكفر والفسوق والعصيان، وهو يحب المتقين، ويحب المحسنين، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأمر بالتوبة التي هي الفرار من المعاصي إلى الطاعات، وإن كانت بقدره، إلا أنه مأمور أن يدفعها بقدر آخر وهو: التوبة.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] فأمرهم أن يقوموا بالليل ويستغفروا بالأسحار، وكذلك ختم سورة المزمل وهي سورة قيام الليل بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩].
وكذلك قال في الحج: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٨ - ١٩٩]].
ففي أشرف العبادات يأمر الله بعدها بالاستغفار، أي: بعد الوقوف بعرفة، وبعد الصلاة، وبعد قيام الليل.
ثم يقول: (بل أنزل ﷾ في آخر الأمر لما غزا النبي ﷺ غزوة تبوك وهي آخر غزواته: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٧ - ١١٨] وهي من آخر ما نزل من القرآن.
وقد قيل: إن آخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]) أي: بعد الدعوة والجهاد وتأسيس دولة الإسلام أمر الله الرسول ﷺ بالاستغفار.
ثم يقول: (فأمره الله تعالى أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن)، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه كان يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، لا إله إلا أنت).
وفي الصحيحين أن أبا بكر ﵁ قال: (يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
وفي السنن: عن أبي بكر ﵁ قال: (يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: قل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك».
فهو ﵊ يعلم أفضل أصحاب الأنبياء على الإطلاق الاستغفار، وفي خاتمة أفضل عبادة وهي الصلاة، وفي صباحه ومسائه وعند نومه.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائمًا.
قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٢ - ٧٣].
فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم.
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل الجنة أحد بعمله.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله!؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
وهذا لا ينافي قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
فإن الرسول ﷺ نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب).
أي: أنه بسبب الأعمال نلتم الجنة برحمة الله، فالأعمال سبب لنيل الرحمة؛ أما أن الأعمال تساوي الجنة وتوجبها فلا؛ لأن الذي يوجب ذلك رحمة الله، فالإنسان لا يجعل حسناته في مقابلة نعم الله ﷿، لكن الأعمال تكون سببًا لنيل الرحمة، والرحمة بها يدخل العبد الجنة.
ثم يقول: (وقول من قال: إذا أحب الله عبدًا لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبدًا ألهمه التوبة والاستغفار، فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال، مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
وإنما عباده الممدوحون هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٥]).
[ ٦ / ٣ ]
التوبة غاية المؤمنين
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله، والاستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائمًا.
قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٢ - ٧٣].
فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين، ومغفرته لهم.
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله!؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
وهذا لا ينافي قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
فإن الرسول ﷺ نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب).
يعني: بسبب الأعمال نلتم الجنة برحمة الله، الأعمال سبب لنيل الرحمة؛ لأن أما إن الأعمال تساوي الجنة وتوجبها فلا؛ لأن الذي يوجب ذلك رحمة الله، فالإنسان لا يجعل حسناته في مقابلة نعم الله ﷿، لكن الأعمال تكون سببًا لنيل الرحمة، والرحمة بها يدخل العبد الجنة.
ثم يقول: (وقول من قال: إذا أحب الله عبدًا لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبدًا ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
وإنما عباده الممدوحون هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٥]).
[ ٦ / ٤ ]
الاحتجاج بالقدر على الذنوب سبيل المشركين
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن ظن أن القدر حجة لأهل الذنوب فهو من جنس المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨].
قال الله تعالى رادًا عليهم: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]) أي: أنهم كذبوا بالشرع احتجاجًا بالقدر، الذي هو الخلط بين الأمر الشرعي والأمر الكوني؛ فهو يقول: طالما أن الله تركنا نفعل ذلك وقدره علينا فهو يرضاه، وهذا كلام فاسد، بل هو من جنس كلام المشركين.
ثم يقول: (قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨].
أي: هل عندكم علم أن الله أمر بذلك وشرع ذلك؟! ثم يقول: (قال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٨ - ١٤٩].
ولو كان القدر حجة لأحد لم يعذب الله المكذبين للرسل، كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعًا لهواه بغير هدى من الله.
ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب فعليه ألا يذم أحدًا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه) أي: أن الذي يؤخذ منه ماله بقدر ربنا ﷾، يجب عليه أن يقول: هاتوا لي حقي.
وهذا أمر بالفطرة، لأن أي إنسان يكره أن يعتدى عليه، ويذم من اعتدى عليه وآذاه.
ثم يقول: (بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم، فلا يفرق بين من يفعل معه خيرًا وبين من يفعل معه شرًا، وهذا ممتنع طبعًا وعقلًا وشرعًا).
أي: أنك لو أعطيت الطفل الصغير شيئًا جميلًا فإنه سيضحك، لكن لو ضربته فإنه سيبكي، وهذا أمر فطري طبع في البشر، فالإنسان يفرق بين من يفعل معه خيرًا، وبين من يفعل معه شرًا، فكيف تقول: ليس هناك فرق بين الاثنين!.
إذًا: الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي باطل عقلًا وطبعًا وشرعًا.
ثم يقول: (وقد قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨].
وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥].
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] أي: مهملًا لا يؤمر ولا ينهى).
[ ٦ / ٥ ]
حديث احتجاج آدم وموسى ومذاهب الناس فيه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (احتج آدم وموسى، قال موسى: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ -وفي رواية: خيبتنا وأخرجتنا ونفسك من الجنة- فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده، فبكم وجدت مكتوبًا علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: بأربعين سنة، قال: فلم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ قال: فحج آدم موسى) -أي: غلبه بالحجة- وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر) وهؤلاء هم المعتزلة، فقد كذبوا بالحديث، وقالوا: إن هذا الحديث باطل، مع أنه في الصحيحين ومتفق على صحته.
ثم يقول: (وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة) أي: إذا كان المعتزلة أبطلوا حديثًا واحدًا ونبدعهم ونضللهم بسبب أنهم أبطلوا حديثًا واحدًا، فالجبرية سيبطلون الشريعة كلها، سيبطلون الصلاة والصوم والزكاة، وحرمة الزنا وحرمة شرب الخمر، ولذلك هم شر من المعتزلة.
ثم يقول: (وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه) يقول بعض الصوفية: إن القدر هذا حجة للذي وصل إلى درجة اليقين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] واليقين عندهم ليس هو الموت كما هو تفسير الآية، فعندهم الذي يصل إلى الحقيقة يصبح معفوًا عنه، وتسقط عليه الفرائض! نقول: إن هذا من الجهل العظيم ومن الكفر في الحقيقة؛ لأنه سيجعل هناك طائفة من الناس لا تلتزم بالشريعة.
ثم يقول: (أو الذين لا يرون أن لهم فعلًا.
ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه) وهذه حجة ضعيفة.
ثم يقول: (أو لأنه كان قد تاب) أي: أن سيدنا آدم احتج بالقدر؛ لأنه قد تاب من الذنب، وهو لم يختر المصيبة، والذنب بعد التوبة بمنزلة المصيبة.
إذًا: لا يصح الاحتجاج بالقدر على ذنب إلا بعد التوبة، وإذا تاب يكون قد عمل الذي عليه، وهو أنه فر -فعلًا- من القدر المكروه إلى القدر المحبوب، فيكون مؤمنًا بالقدر؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك.
ثم يقول: (أو لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في أخرى) أي: أن الذنب كان في شريعة آدم، واللوم في شريعة موسى.
ثم يقول: (أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة) أي: أن الاحتجاج بالقدر إنما يكون في الآخرة، وأما في الدنيا فلا.
ثم يقول: (وكل هذا باطل) أي: أن الحديث يؤول على غير وجهه.
ثم يقول: (ولكن وجه الحديث: أن موسى ﵇ لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة، فقال له: (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟) لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه) وهذا كلام فيه نظر؛ لأن سيدنا آدم قال لسيدنا موسى: فبكم وجدت مكتوبًا علي قبل أن أخلق: (وعصى آدم ربه فغوى؟) قال: بأربعين سنة، قال: فلم تلومني على أمر قدره الله عليّ) إذًا: المتأمل للرواية يتيقن أن سيدنا موسى لام آدم على المعصية، وسيدنا آدم احتج على أن المعصية مكتوبة عليه قبل أن يخلق بأربعين سنة، فهو لامه على المعصية التي ترتبت عليها المصيبة، وسيدنا موسى لا يمكن أن يلومه على المصيبة فقط، وإلا لا يوجد أي شخص عاقل يلوم أحدًا على مصيبة ليس له فيها دخل، وهل يمكن أن يقول شخص لآخر: لماذا ولدت أسود؟! ليس هناك عاقل يقول هذا أصلًا.
لكن سيدنا موسى أخطأ في ذلك وغلبه آدم بالحجة، ولا يمكن أن يكون موسى ﵇ يلومه على مصيبة مجردة، فقول شيخ الإسلام: إن موسى لم يلمه إلا لأجل المصيبة، هذا قول ضعيف جدًا، فالصواب أنه: هذا لامه لأجل الذنب الذي ترتب عليه المصيبة، أي: أنه تسبب في إخراج نفسه من الجنة، والله هو الذي كتب عليه الإخراج، ولذلك لم يقل له: فبكم وجدت مكتوبًا علي أني أخرج من الجنة، أو أني أكون موجودًا في الأرض، بل قال: (فبكم وجدت مكتوبًا علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى؟) وهذا واضح جدًا.
ثم يقول: (لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه، فان موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وهو قد تاب منه أيضًا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]).
[ ٦ / ٦ ]
حكم الصبر والرضا عند المصائب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]، فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب).
وهذا كلام حق بلا شك، فسيدنا آدم كان يعتقد الملام على الذنب الذي تاب منه؛ لأجل أنه مقدر.
إذًا: نجمع بين ما دل عليه الحديث كله ونقول به كله، فسيدنا آدم يعتقد أنه ليس عليه لوم؛ لأنه قد تاب من الذنب، والذنب بعد التوبة ينزل منزلة المصيبة، ثم نقول: إن سيدنا موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، ويعلم بأن المصيبة لا يمكن أن يلام عليها، إلا إذا كانت مترتبة على ذنب.
وبالتالي فإننا نحمل خطأ سيدنا موسى على أنه كان يلوم على المصيبة المجردة، فسيدنا موسى أخطأ لما لامه على مصيبة ترتبت على ذنب قد تاب منه، وهنا يصح الاحتجاج بالقدر، فمتى يصح الاحتجاج بالقدر على الذنب؟ عندما يتوب الإنسان توبة مقبولة نصوحًا.
وهذا هو الذي حصل من كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه عندما وقع في معصية وذنب، فقد جلس متذكرًا لهذا الذنب ونادمًا عليه، وهذا معنى التوبة، ولذلك قال: (فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، غير أنه لم يقدر لي ذلك) فهو هنا يعزي نفسه بالقدر، وهو في نفس الوقت مستحضر حقيقة التوبة، التي هي الندم، لكن هو غير ملام، وبالتالي يحكي قصة فضل ربنا عليه بالتوبة.
فالإنسان يحتج بالقدر على ذنب تاب منه؛ لأنه صار بعد التوبة بمنزلة المصيبة، فشيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة خالف الحديث، وذلك حين قال: إن سيدنا موسى لامه على المصيبة، والصواب: أن سيدنا موسى لامه على مصيبة ترتبت على ذنب، أو لامه على ذنب ترتبت عنه مصيبة؛ لأنه غير ممكن أن يلومه على شيء ليس له دخل فيها، فكان لا بد أن يكون له دخل في الموضوع، وسيدنا آدم احتج بالقدر؛ لأن المصيبة حصلت وهو لم يخترها، والذنب كان مكتوبًا عليه، وقد تاب منه، فلا بد أن يحتج بالقدر.
ثم يقول: (وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١].
قال ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم).
فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة مثل: المرض والفقر والذل صبروا لحكم الله، وان كان ذلك بسبب ذنب غيرهم، كمن أنفق أبوه ماله في المعاصي فافتقر أولاده لذلك، فعليهم أن يصبروا لما أصابهم وإذا لاموا الأب لحظوظهم ذكر لهم القدر).
أي: أنهم لو لاموا أباهم بعدما تاب، فله أن يحتج بالقضاء والقدر، لكن لو كان مصرًا على المعاصي، فليس له أن يحتج بالقدر.
ثم يقول: (والصبر واجب باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله)، أي: الصبر لا زالت النفس تكرهه، وأما الرضا فهو شهود حكمة الله ﷿ في القدر مما يجعل العبد لا يشعر بألم المكروه.
ثم يقول: (والرضى قد قيل: إنه واجب) وهو الرضا بالمصائب، وإلا فالرضا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا واجب بلا شك، وكذا الرضا بحكم الله ﷿ الشرعي، فلا بد أن يرضى الإنسان بحكم الله الشرعي.
ثم يقول: (وقيل: إنه هو مستحب) وهو الصحيح (وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها).
أي: أنه ليس الغرض تحريك اللسان، وإنما المقصود أن يحمد الله على المصيبة؛ لأنه يرى في المحنة منحة، ويشكر الله على المنحة، وقد زال عنه شهود ألم المحنة.
ثم يقول: (حيث جعلها سببًا لتكفير خطاياه، ورفع درجاته، وإنابته إلى الله، وتضرعه إليه، وإخلاصه له في التوكل عليه، ورجائه دون المخلوقين.
وأما أهل الغي والضلال فتجدهم يحتجون بالقدر إذا أذنبوا واتبعوا أهواءهم، ويضيفون الحسنات إلى أنفسهم إذا أنعم عليهم بها، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أيّ مذهب وافق هواك تمذهبت به! وأهل الهدى والرشاد إذا فعلوا حسنة شهدوا إنعام الله بها عليهم، وأنه هو الذي أنعم عليهم وجعلهم مسلمين، وجعلهم يقيمون الصلاة، وألهمهم التقوى، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، فزال عنهم بشهود القدر العجب والمن والأذى) أي: الإعجاب ويمنون على غيرهم بالطاعة، قال تعالى عنهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]، أي: يمن على الله ﷿، ويرى أن له فضلًا على الدين والعياذ بالله.
ثم يقول: (وإذا فعلوا سيئة استغفروا الله وتابوا إليه منها.
ففي صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها إذا أصبح مؤمنًا بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى مؤمنًا بها فمات من ليلته دخل الجنة).
وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي إنكم لن تبغلوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) فأمر سبحانه بحمد الله على ما يجده العبد من الخير وأنه إذا وجد شرًا فلا يلومن إلا نفسه.
وكثير من الناس يتكلم بلسان الحقيقة-أي: الحقيقة القدرية الكونية- ولا يفرق بين الحقيقة الكونية القدرية المتعلقة بخلقه ومشيئته وبين الحقيقة الدينية الأمرية المتعلقة برضاه ومحبته، ولا يفرق بين من يقوم بالحقيقة الدينية موافقًا لما أمر الله به على ألسن رسله وبين من يقوم بوجده وذوقه غير معتبر ذلك بالكتاب والسنة).
أي: أن هؤلاء الصوفية يقومون بالوجد والذوق، ويقول لك: أنا ارتحت لهذا الموضوع وذقت حلاوته.
غير معتبر بالكتاب والسنة.
[ ٦ / ٧ ]
الفرق بين ما يطلق عليه لفظ الشرع ووجوب التزام الشرع المنزل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كما أن لفظ الشريعة يتكلم به كثير من الناس ولا يفرق بين الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذى بعث الله به رسوله ﷺ، فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر، وبين الشرع الذى هو حكم الحاكم، فالحاكم تارة يصيب، وتارة يخطىء).
يقصد بذلك الأحكام التطبيقية، أي: أن الحاكم قد يكون مصيبًا وقد يكون مخطئًا، فإن أخطأ فليس حكمه هو الشرع، وإن أصاب فحكمه قد وافق الشرع.
ثم نقول: (هذا إذا كان عالمًا عادلًا).
أي: أن الحاكم العالم العادل ممكن يصيب ويخطئ، فضلًا عن أن يكون جاهلًا.
ثم يقول: (وإلا ففى السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (القضاة ثلاثة: قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة: رجل علم الحق وقضى به، فهو فى الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار، ورجل علم الحق فقضى بغيره فهو فى النار).
وأفضل القضاة العالمين العادلين سيد ولد آدم محمد ﷺ، فقد ثبت فى الصحيحين أنه قال: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار).
فقد أخبر سيد الخلق ﷺ أنه إذا قضى بشىء مما سمعه وكان فى الباطن بخلاف ذلك لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضى به له، وأنه إنما يقطع له به قطعة من النار.
وهذا متفق عليه بين العلماء فى الأملاك المطلقة، إذا حكم الحاكم بما ظنه حجة شرعية كالبينة والإقرار، وكان في الباطن بخلاف الظاهر لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضى به له بالاتفاق، وإن حكم فى العقود والفسوخ بمثل ذلك فأكثر العلماء يقول: إن الأمر كذلك، وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل، وفرق أبو حنيفة ﵁ بين النوعين).
أي: في العقود لو أن رجلًا كان يؤذي زوجته ويسبها وحكم القاضي بالطلاق الإجباري، فالجمهور يقولون: الإكراه هذا غير معتبر ولا تطلق، وأبو حنيفة يقول: لا، هكذا طلقت.
[ ٦ / ٨ ]
إبطال الاحتجاج بقصة موسى مع الخضر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فلفظ الشرع والشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ باطنا وظاهرًا فلم يتابعه باطنًا وظاهرًا فهو كافر، ومن احتج فى ذلك بقصة موسى مع الخضر كان غالطًا من وجهين: أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثًا إلى بنى إسرائيل، وأما محمد صلى الله عليه وآله سلم فرسالته عامة لجميع الثقلين -الجن والإنس- ولو أدركه من هو أفضل من الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيًا أو وليًا، ولهذا قال الخضر لموسى: (أني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه)، وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا.
الثانى: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التى تبيح ذلك، فلما بينها له وافقه على ذلك، فإن خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفًا من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم، وذلك جائز، وقتل الصائل جائز وان كان صغيرًا، ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاز قتله، ولهذا قال ابن عباس ﵄ لـ نجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان: قال له: إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم).
هذه النقطة ضعيفة جدًا؛ لأنه لا يجوز قتل الصائل قبل أن يكون صائلًا، فهذا الأمر أمر غيب محض، وهو مخالف لشريعة موسى ﵊، ولكن كان ذلك جائزًا في شريعة الخضر.
ثم يقول: (أما الإحسان إلى اليتيم بلا عوض والصبر على الجوع فهذا من صالح الأعمال، فلم يكن في ذلك شيء يخالف شرع الله.
وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم فقد يكون ظالمًا وقد يكون عادلًا، وقد يكون صوابًا وقد يكون خطأ، وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه كـ أبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم، فهؤلاء أقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة، وإذا قلد غيره حيث يجوز ذلك، كان جائزًا، أي: ليس اتباع أحدهم واجبًا على جميع الأمة كاتباع الرسول ﷺ، ولا يحرم تقليد أحدهم كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علم).
أي: أن الذي تعلم جهله لا يجوز أن تتبعه، لكن هؤلاء الأئمة لا يحرم تقليدهم واتباعهم، ولا يعني هذا أن أقوال هؤلاء الأئمة مثل نصوص الكتاب والسنة، بحيث تصبح الشريعة عبارة عن مجموع ما قاله العلماء؛ لأن أي قول يخالف الشريعة لا يتابع، ويكون مردودًا على صاحبه كائنًا من كان.
ثم يقول: (وأما إن أضاف أحد إلى الشريعة ما ليس فيها من أحاديث مفتراة، أو تأول النصوص بخلاف مراد الله، ونحو ذلك، فهذا نوع من التبديل.
فيجب الفرق بين الشرع المنزل، والشرع المؤول، والشرع المبدل).
أي: أن كل هذا يسمى شرع، وهذا الشرع المبدل قد أتى بخلاف الشريعة وسماها شريعة، والشرع المؤول: عالم أخطأ في التأويل، مثل: الأئمة الذين ذكر أسماءهم فيما أخطئوا فيه، والشرع المنزل بالكتاب والسنة: فهذا هو الذي لا يجوز لأحد أن يخرج عنه، وإن اعتقد أحد جواز الخروج عنه كان كافرًا.
ثم يقول: (كما يفرق بين الحقيقة الكونية، والحقيقة الدينية الأمرية -الحقيقة الدينية: هي الشرعية-، وبين ما يستدل عليها بالكتاب والسنة، وبين ما يكتفى فيها بذوق صاحبها ووجده).
أي: أن الحقيقة الدينية الشرعية لا بد أن يكون عليها دليل، وأي قول وأي حال وأي طريق وأي عمل لا بد أن يكون الاستدلال له من الكتاب والسنة، وأما أن يستدل بالذوق والوجد فهذا لا يجوز.
[ ٦ / ٩ ]