الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [٨]
الإيمان بكرامات الأولياء مذهب أهل السنة والجماعة، وكرامات أولياء الله إنما تحصل ببركة اتباع النبي ﷺ، وتحصل هذه الكرامات بحسب حاجة الرجل إليها، فمن الناس من هو ضعيف إيمانه فتأتيه الكرامة لتقوي إيمانه، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيًا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، وهي بخلاف الأحوال الشيطانية الذين يلبس بها أصحابها على الناس، ويدعون أمورًا وكرامات لهم، وهي في الحقيقة من الشياطين المتعاونين معهم.
[ ٨ / ١ ]
مقتضيات الكرامة ومراتب الأولياء في ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها الضعيف الإيمان، أو المحتاج، أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيًا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته.
الكرامة المقصود بها هنا: خوارق العادات، وهذه لا تدل على ارتفاع منزلة من تأتيه هذه الخوارق، يعني: لا يلزم أن يكون الرجل من أولياء الله حتى تأتيه هذه الخوارق، بل قد لا تأتيه الخوارق ويكون من أعظم أولياء الله ﷾، وممن لا شك في ولايتهم الأئمة الكبار، الذين أجمعت الأمة على الثناء عليهم: كـ مالك والشافعي وأحمد وأبي حنفية والبخاري ومسلم، ومعلوم أن أكثرهم لم يكن لهم خوارق لنقص الولاية، بل لاستغنائه عن ذلك.
ثم يقول: [ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة] أي: أن هناك من الصحابة من بشر بالجنة، ولم يذكر له من خوارق العادات.
ثم يقول: [بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة] يعني: لا لحاجة أنفسهم، بل لحاجة الناس.
[ ٨ / ٢ ]
أصحاب الأحوال الشيطانية المخالفة للأحوال الإيمانية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية، مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال] أي: أن عمر ﵁ كان يقسم أن ابن صياد هو الدجال.
ثم قال: [وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال].
وذلك أن الرسول ﷺ صدق تميمًا فيما أخبره من أن الدجال موجود في إحدى جزر البحر جهة المشرق، وهذا تنافى مع كونه ابن صياد، ولكن ابن صياد يعتبر دجالًا من الدجاجلة، لكن ليس هو المسيح الدجال وإن كان قد أخبر أنه يعرف الدجال وأمه وأباه، ويعرف مولده ومقاله، وأين هو الآن.
فالدجال صادق وكاذب، كما قال النبي ﷺ: (لبس عليه، وقال: أرى عرشًا على الماء)، أي: أن هذا من توهيم الشيطان له، فظن أن عرش إبليس الذي رآه على الماء هو عرش الرحمن، يعني: ليظن أن ما يراه من تلبيسات الشياطين هي أحوال رحمانية، كمن ظن رجل من أهل الضلال أنه رأى الله ﷿، وهو إنما رأى الشياطين، وهكذا كان ابن صياد يرى عرش إبليس على الماء، فظن أنه عرش الرحمن ﷿؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧].
وهو في الحقيقة إنما يرى عرش إبليس على البحر.
ثم قال: [وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان قال له النبي ﷺ: (قد خبأت له خبئًا، قال: الدخ الدخ، وقد كان خبأ له سورة الدخان)].
وربما تحدث النبي ﷺ بشيء من ذلك فلم يلتقط قرينه إلا الدخ، فألقاها على ابن صياد، فلم يعرف ابن صياد أن يقول للنبي ﷺ ما خبأه له إلا ما سمعه من القرين، وهو: الدخ.
ثم قال: [فقال له النبي ﷺ: (اخسأ فلن تعدو قدرك)، يعني: إنما أنت من إخوان الكهان.
والكهان كأن يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات مما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم).
وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: (بينما النبي ﷺ في نفر من الأنصار، إذ رمي بنجم فاستنار - أي: عمل إضاءة قوية ساعة وصوله إلى الأرض- فقال النبي ﷺ: ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟ قالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم، فقال رسول الله ﷺ: فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء، ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربنا؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا، وتخطف الشياطين السمع فيرمون، فيقذفونه إلى أوليائهم، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون).
وفي رواية: قال: معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنها غلظت حين بعث النبي ﷺ].
أي: أنه كما دلت عليه آيات القرآن فقال ﷿ عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٨ - ٩]، أي: منعت الجن من السماع؛ وذلك حماية للوحي، وحتى لا يأخذوا شيئًا منه إلى أحد من الكهان، وهذا الذي ظهر من الكهان إنما يسترق لهم الشياطين السمع ليخبروهم ببعض هذه المغيبات.
ثم يقول: [والأسود العنسي الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته، لما تبين لها كفره فقتلوه.
وكذلك مسيلمة الكذاب، كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور.
وأمثال هؤلاء كثيرون مثل الحارث الدمشقي، الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان، وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن تنفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يري الناس رجالًا وركبانًا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنًا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله، فسمى الله وطعنه فقتله.
وهكذا أهل الأحوال الشيطانية، تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها، مثل: آية الكرسي، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة، وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ: ما فعل أسيرك البارحة؟ فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: كذبك وإنه سيعود، فلما كان في المرة الثالثة قال: دعني حتى أعلمك ما ينفعك، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﷺ قال: صدقك وهو كذوب)، وأخبره أنه شيطان.
ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها، مثل من يدخل النار بحال شيطاني، أو يحضر سماع المكاء والتصدية فتنزل عليه الشياطين] يعني: يتواجدون عند سماع الأناشيد ويسمى بـ (الحضرة).
ثم قال: [وتتكلم على لسانه كلامًا لا يعلم، ربما لا يفقه، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة، كما تتكلم الجن على لسان المصروع، والإنسان الذي حصل له الحال لا يدري بذلك بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولبسه وتكلم على لسانه، فإذا أفاق لم لا يشعر بشيء مما قال، ولهذا قد يضرب المصروع ضربًا كثيرًا حتى قد يقتل مثله الإنسي أو يمرضه لو كان هو المضروب، وذلك الضرب لا يؤثر في الإنسي، ويخبر إذا أفاق أنه لم يشعر بشيء من الضرب؛ لأن الضرب كان على الجني الذي لبسه.
ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع].
وقد أخبرني من أثق به عن الأحوال الشيطانية هذه، فقال: إن بعض النعوش طارت بالميت، وكان هناك شيخ سني قام فأمسك بقائمة النعش وقرأ آية الكرسي، فحمل النعش إلى المقابر بدون أدنى حركة.
وأيضًا أخبرني بأن ممسوسًا كان له علاقة بجني، فكانوا عندما يحتاجون إلى المال يأتيهم الجني بالمال، وبعد أن يأخذوا حاجتهم ويضعوه مثلًا تحت المخدة، أو فوق الثلاجة، فإذا قاموا لا يجدونه في مكانه، فكأن الجني كان يسرقه ثم يرجعه مرة أخرى.
ثم يقول: [ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما] أي: أن طلب الاستعانة من الجن لا تجور؛ لأنها من الأحوال الشيطانية، لكن لو سمع شيئًا من غير طلب، وكان أمرًا مباحًا جاز لنا أن ننتفع به، ولكن ليس لنا أن نطلب من الجني أن يفعل شيئًا، ولا أن نستخبره على أشياء؛ لأنه قد يخبرنا بأشياء لا نعرف صدقه من كذبه.
كذلك قضية الاستخبار أو قضية الاستعانة، وطلب فعل الأشياء، قد جعلها شيخ الإسلام من الأحوال الشيطانية، فقال: ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى، وهذه الأشياء مباحة في الأصل.
ومع ذلك أصبحت من الأحوال الشيطانية؛ لأن من يحصل لهم مثل ذلك يلبسون على الناس كثيرًا جدًا، ويقولون للناس: عندنا جن من المسلمين نستعين بهم من أجل معالجة المرضى، ويستدلون على جواز ذلك بقصة سؤال النبي ﷺ ابن صياد لكن نقول لهم: إن النبي ﷺ سأل عن أشياء من أجل أن يعرف صدق ابن صياد من كذبه، ومعرفة حاله ومن يأتيه ونحو ذلك، فالذي عنده قدرة على ذلك، ويستطيع أن يسأل هذا الجني فليفعل، والرسول ﷺ إنما سأل ابن صياد امتحانًا له وتعرفًا عليه، وليس طلبًا لإخبار غيبيات كما يفعل كثير من المشعوذين.
ثم يقول: [ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته، فلا يحج حجًا شرعيًا، بل يذهب بثيابه ولا يحرم إذا حاذى الميقات ولا يلبي، ولا يقف بمزدلفة، ولا يطوف بالبيت، ولا يسعى بين الصفا والمروة، ولا يرمي الجمار، بل يقف بعرفة بثيابه، ثم يرجع من ليلته، وهذا ليس بحج مشروع باتفاق المسلمين، بل هو كمن يأتي الجمعة ويصلي بغير وضوء وإلى غير القبلة.
ومن هؤلاء المحمولين من حمل مرة إلى عرفات ورجع فرأى في النوم ملائكة يكتبون الحجاج، فقال: ألا تكتبوني؟ فقالوا: لست من الحجاج، يعني: لم تحج حجًا شرعيًا.
[ ٨ / ٣ ]
بعض الفروق بين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة، منها: أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فالقول على الله بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش، قد حرمها الله تعالى ورسوله ﷺ، فلا تكونون سببًا لكرامة الله تعالى، ولا يستعان بالكرامات عليها].
إن أعلى كرامة يكرم الله بها عبده هي الهداية والتوفيق لطاعته ﷿.
ثم يقول: [فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها شرك، كالاستغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية].
[ ٨ / ٤ ]
صور من الأحوال الشيطانية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد] يعني: إذا وجد رجل من أولياء الله يذكر الله، ويقرأ آية الكرسي مثلًا سقط المحمول.
ثم قال: [ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواء كان ذلك المخلوق مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص أو هو ملك على صورته، وإنما هو شيطان، أضله لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم المشركين.
ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر].
ولذلك أجمع أهل البدع على حياة الخضر، وأنه يلتقي بهم في الموالد الكبرى، مثل مولد البدوي والدسوقي وهذا شيء معلوم عندهم بالقطع واليقين، ومعلوم أن: أول ما رأوه رأوا شيطانًا، فقال لهم: أنا الخضر؛ لأنهم لم يروا الخضر من قبل حتى يعرفوه.
ثم يقول: [وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبهم، كما جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى.
وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته، وهم يعتقدون أنه ذلك الميت، ويقضي الديون ويرد الودائع ويفعل أشياء تتعلق بالميت، ويدخل إلى زوجته ويذهب، وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنار، كما يصنع كفار الهند، فيظنون أنه عاش بعد موته.
ومن هؤلاء شيخ كان بمصر، أوصى خادمه، فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدًا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمه شخصًا في صورته، فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله -أي: غسل الميت- غاب، وكان ذلك شيطانًا، وكان قد أضل الميت، وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضًا في صورته ليغوي الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك] من أجل أن يصير هذا الميت عند الناس من الأولياء؛ ومن ثم يبنون على قبره قبة ويدعونه ويتضرعون إليه.
ثم يقول: [ومنهم من يرى عرشًا في الهواء وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة، علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول ذلك.
ومنهم من يرى أشخاصًا في اليقظة، يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين، ويكون من الشياطين، وقد جرى هذا لغير واحد.
ومنهم من يرى في منامه أن بعض الأكابر -إما الصديق ﵁ أو غيره- قد قص شعره أو حلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه، فيصبح وعلى رأسه طاقية، وشعره محلوق أو مقصر، وإنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه، وهذا الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة].
[ ٨ / ٥ ]
تعظيم القبور سبيل أهل الشرك والبدع
ثم بعد ذلك يقول ابن تيمية ﵀: [ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله، كان عمار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية.
وكان أهل الشرك والبدع -يعظمون القبور ومشاهد الموتى فيدعون الميت أو يدعون به، أو يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب- أقرب إلى الأحوال الشيطانية، فإنه ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ليال: (إن أمن الناس عليَّ في صحبته وفي ذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر، إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
وفي الصحيحين عنه: (أنه ذكر له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها، فقال: إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة).
وفي المسند، وصحيح أبى حاتم عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين اتخذوا القبور مساجد).
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها).
وفي الموطأ عنه أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وفي السنن عنه أنه قال ﷺ: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).
وقال ﷺ: (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇).
وقال ﷺ: (إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغونني عن أمتي السلام).
وقال ﷺ: (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة؛ فإن صلاتكم معروضة علي.
قالوا: يا رسول الله! كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ -يعني: بليت- فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء).
وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح ﵇: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣].
قال ابن عباس وغيره من السلف: هؤلاء قوم كانوا صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، فكان هذا مبدأ عبادة الأوثان.
فنهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد ليسد باب الشرك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ، والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب، فتكون الصلاة حينئذ مشابهة لصلاة المشركين فسد هذا الباب.
[ ٨ / ٦ ]
صور مكر الشيطان بأهل الشرك والبدع
والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته، فمن عبد الشمس والقمر والكواكب ودعاها، كما يفعل أهل الكواكب، فإنه ينزل عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور، ويسمون ذلك روحانية الكواكب، وهو الشيطان.
والشيطان وإن أعان الإنسان على بعض مقاصده فإنه يضره أضعاف ما ينفعه، وعاقبة من أطاعه إلى شر، إلا أن يتوب الله عليه.
وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين، وكذلك من استغاث بميت أو غائب، وكذلك من دعا الميت أو دعا به، أو ظن أن الدعاء عند قبره أفضل منه في البيوت والمساجد، ويروون حديثًا مكذوبًا باتفاق أهل المعرفة، وهو: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) وإنما هذا وضعه من فتح باب الشرك.
ويوجد لأهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم، من عباد الأصنام والنصارى والضلال من المسلمين، أحوال يظنونها كرامات، وهي من الشياطين، مثل: أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد انعقد، أو يضعون عند القبر مصروعًا فيرون شيطانه قد فارقه، فيفعل بهم الشيطان هذا ليضلهم.
وإذا قرأت آية الكرسي هناك بصدق بطل ذلك، فإن التوحيد يطرد الشيطان، ولهذا حمل بعضهم في الهواء فقال: لا إله إلا الله، فسقط، ومثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه إنسان فيظنه الميت وهو شيطان!
[ ٨ / ٧ ]