كان من المعلوم المقطوع به في عهد السلف الصالح أن أثبت ما يحتج به في العقائد وغيرها كلام الله تعالى وكلام رسوله، ثم لما حدث التعمق في النظر العقلي كان بعض المتعمقين ربما يزيغ عما يعرفه الناس فيرد عليه أئمة الدين، ويبدعونه ويضللونه ويحتجون بالنصوص، فربما تأول هو النص أو رد الحديث زاعمًا أنه لا يثق بسنده، فيرد عليه أئمة الدين تأويله بأنه خلاف المعنى الذي تعرفه العرب من لسانها وخلاف ما أثر من التفسير عمن سلف، ويردون عليه رده للحديث بأن رجاله ثقات وأن أئمة الرواية يصححونه. واستمر الأمر على هذا زمانًا. وفي القرن الثاني نبغ من المبتدعة من يرد أخبار الآحاد حتى في الفقهيات، واقتصر بعضهم على ردها إذا خالفت القياس، وظاهر أن هذا يردها إذا خالفت المعقول في زعمه، وقد رد أئمة الدين على هؤلاء، وفي كتب الشافعي كثير من الرد عليهم، وكذلك تعرض له البخاري في (الصحيح)، وعلى كل حال فكان معروفًا بين الناس أن أولئك المتأولين للنصوص على خلاف معانيها المعروفة والرادين للأخبار الصحيحة هم مبتدعة. ثم عندما كثر المتعمقون والتبس بعضهم بأهل السنة كثر القائلون بأن أخبار الآحاد إذا خالف المعقول يجب تأويلها أو ردها، ولبسوا بذلك، فإن المعقول المقبول وهو ما كان من المأخذ السلفي الأول لا يصح نص بخلافه، بل إذا صح نص ظاهر لفظه خلافه فالعقل حينئذ قرينة صحيحة لابد في فهم الكلام من ملاحظتها، فالظاهر الحقيقي الذي هو معنى النص هو ما يظهر منه مع ملاحظة
[ ١٠٥ ]
تلخيص كلام ابن سينا في أن الشرائع إنما وردت لخطاب الجمهور وأنه لا يحتج بها في العقائد
قرائنه. كل هذا وأهل السنة المتبعون لأئمتها المتفق على إمامتهم فيها ثابتون على ما كان السلف من الاحتجاج بالنصوص وتضليل من يصرفها عن معانيها المعروفة، أو يرد الأخبار الصحيح.
ثم نشأ المتوغلون في الفلسفة كالفارابي وابن سينا، فكان مما خالفوه من العقائد الإسلامية أمر المعاد، فاحتج عليهم المتكلمون بالنصوص فغاضهم ابن سينا مغاضة شديدة، كما تراه في (مختصر الصواعق) ج ١ ص ٢٤١.
وعباراته طويلة جدًا، وأنا أحاول المقصود أحاول تلخيص المقصود منها. زعم أن الشرائع إنما وردت لخطاب الجمهور، أنها لوجائتهم بذكر التوحيد والتنزيه على ما يراه الفلاسفة ومن يوافقهم من المتكلمين، قال: «لسارعوا إلى العناد أو اتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان بمعدوم لا وجود له أصلا» . فزعم أن الحكمة اقتضت أن تجيئهم الشرائع بما يمكن تصديقهم به من التجسيم والتشبيه ونحو ذلك ليمكن قبولهم للشرائع العملية. وذكر أن التوراة كلها تجسيم وأن في نصوص القرآن ما لا يحصى من ذلك قال: «وبعضه جاء تنزيهًا مطلقًا عامًا جدًا لا تخصيص ولا تفسير له» . ثم ذكر أن من النصوص ما هو صريح في التجسيم والتشبيه «ولا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مجازية ولا يراد فيها شيء غير الظاهر» . قال: «فإن كان أريد بها ذلك (يغني غير الظاهر) إضمارًا (يعني أن المتكلم أضمر في نفسه إرادة غير الظاهر، وإن كان الكلام لا يحتمله) فقد رضي (المتكلم بالقرآن) بوقوع الغلط والتشبيه (يعني التجسيم ونحوه) والاعتقاد المعوج بالإيمان يظاهرها تصريحًا» . ثم ذكر أن الحال في أمور المعاد كذلك، قال: «ولم يكن سبيل للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلا بالتعبير عنها بوجود من التمثيلات المقربة إلى الأفهام فهذا هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصًا من الناس لا عامًا أن ظاهر الشرائع غير محتج به في هذه الأبواب» .
ويمكن ترتيب مقاصده في تلك العبارة على ما يا يأتي:
[ ١٠٦ ]
المقصد الأول: أن من تلك النصوص ما هو ظاهر في تلك المعاني، ومنها ما هو صريح فيها.
الثاني: أن الصريح منها يدفع احتمال الاستعارة والمجاز، ويأبى أن يكون المراد منه إلا ذاك المعنى الذي هو صريح فيه.
(الثالث): أنه ليس في الكتاب ولا السنة نص ينفي تلك المعاني التي دلت عليها تلك النصوص الكثيرة بظهورها أو صراحتها نفيًا بينًا، وإنما هناك إشارات يسيرة ليست بالبينة.
(الرابع): أن تلك المعاني موافقة لعقول المخاطبين الأولين وهو العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وآله ويلم، حتى لوخوطبوا بنفيها لأنكرته عقولهم وردته، وحالهم في ذلك كحال الجمهور من الناس في عصرهم وقبلهم وبعدهم.
(الخامس): أن تلك المعاني في رأي ابن سينا ومن يوافقه من المتكلمين ز غيرهم باطلة بدلالة النظر العقلي المتعمق فيه.
(السادس): أن صحة الدين الإسلامي ومجيئه بتلك النصوص على ما تقدم من حالها متناقضان ظاهرًا، إذ كيف يأتي الدين الحق بالاعتقاد الباطل؟ !
(السابع): أن صحة الدين الإسلامي ثابتة بالبرهان وبطلان تلك المعاني ثابت - في زعمه ومن يوافقه - بالبرهان.
(الثامن): أنه لا مخلص من هذا التناقض مع ثبوت كلا الأمرين، بالبرهان إلا القول بأن الدين الحق قد يأتي بالاعتقاد الباطل رعاية لمصلحة البشر ليقبلوا الشرائع العملية التي تصلح شئونهم! .
(التاسع): أنه إذا كان الأمر هكذا، فاللائق بالجمهور قبول ما جاء به الدين الحق على أنه حق، واللائق بالخاصة وهم الذين تنبهو البطلان بعض تلك المعاني أن يعرفوا أن الدين إنما جاء لإصلاح الجمهور وأنه جاراهم على اعتقادهم وما يوافقه
[ ١٠٧ ]
وإن كان باطلًا في نفس الأمر، فليدع الخاصة الاحتجاج بالنصوص للجمهور، وليحققوا لأنفسهم!
(العاشر): أنه كما وقع في الدين ذاك التلبيس في عقائد في ذات الله وصفاته، ولا مفر للمتكلمين الذين اعترفوا ببطلان تلك المعاني من الاعتراف به، فكذلك وقع في أمور المعاد، ووقوعها فيها أهو ن، والمدار إنما هو على اقتضاء المصلحة، وهي تقتضي التلبيس في أمور المعاد فإن الجمهور لا يخضعهم إلا الرغبة والوهبة، ولا تؤثر فيهم الرغبة والرهبة إلا فيما يتعلق بالجسمانيات التي عرفوها وألفوها.
وقد رأيت أن أفرض لأنه انعقد مجلس للنظر في هذه المقاصد حضره متكلم وسلفي وناقد، فجرى ما يأتي شرحه:
النظر في المقصد الأول
المتكلم: النصوص التي نوافق على بطلان ظواهرها لا نسلم أنها في تلك المعاني صريحة صراحة مطلقة أو ظاهرة ظهورًا مطلقًا، كيف والقرينة قائمة على صرفها عنها، وهي العقل والإشارات التي ذكرت في المقصد الثالث.
الناقد: أما العقل فقد زعم ابن سينا كما مر أن عقول الجمهور ومنهم المخاطبون الأولون موافقة لتلك المعاني، فإن منعت هذا فنؤجل البحث فيه إلى المقصد الرابع، وإن سلمته بطلت دعواك هنا، فإن قانون الكلام أن تكون القرينة كاسمها مقترنة بالخطاب في ذهن المخاطب أو بحيث إذا تدبر عرفها وعرف صرفها عن الظاهر، إذ المقصود عن نصب القرينة أن يكون الخبر صدقًا من حقه أن لا يفهم المخاطب منه خلاف الواقع ما لم يقصر. وإذا كانت عقول الجمهور ومنهم المخاطبون الأولون توافق تلك الظواهر وتجزم بوجوبها عقلًا أو جوازًا أولا تشعر بامتناعها فكيف يعتد عليهم بما قدر يدركه المتعمق في النظر بعد جهد جهيد، مع العلم بأنهم لم يعرفوا التعمق في النظر ولا خالطوا متعمقًا بل نهاهم الشرع عن
[ ١٠٨ ]
ذلك، وهل هذا إلا كما لو غزا جماعة إلى أرض بعيدة ثم عادوا بعد مدة دون واحد فسئلوا عنه فأخبروه بأنه قتل فحزن أهله ثم قسموا تركته واعتدت نساؤه وتزوجن إلى غير ذلك، ثم قدم رجل فزعم أنه رأى ذلك الذي قيل انه قتل، رآه بعد خبر القتل بمدة في الثغر حيًا صحيحًا، فافرض أنه ذكر ذلك للمخبرين بالقتل فصدقوا هذا المخبر الأخير واعتذروا عن أخبارهم بالقتل بأنهم أرادوا بذاك الخبر خلاف ظاهره، فقيل لهم: فهلا نصبتم قرينة؟ فقالوا: كان الرجل حال خبرنا حيًا صحيحًا سالمًا وكفى بذلك قرينة! فهل يقبل منهم هذا العذر؟ أولا يرده عليهم العقلاء قائلين: ذاك لوكانت حياته وصحته وسلامته بحيث يدركها المخاطبون وهم أهله عند إخباركم لهم.
فأما وهم لا يعلمون ذلك ولا يدركونه لبعده عنهم بمراحل كثيرة فليس هذا بقرينة، إذ
ليس من شأن العلم به أن يقترن عند المخاطب بالخطاب فيصرفه عن فهم الظاهر (١) .
أما تلك الإشارات ففي المقصد الثالث أنها ليست بالبينة، فإذًا لا تصلح أن تكون صارفة عن معاني النصوص الكثيرة الظاهرة أو الصريحة الموافقة لعقول المخاطبين، بل يكون الأمر بالعكس وهو أن عقولهم وتلك النصوص الكثيرة تصرف عما قد يظهر من تلك الإشارات فإن كنت تزعم أن تلك الإشارات صريحة فنؤجل الكلام إلى المقصد الثالث.
المتكلم: إنما يصح الأخذ بظاهر الخبر إذا علم أن ذلك الأمر المخبر بوقوعه غير ممتنع عقلًا، فأما إذا احتمل أن يكون ممتنعًا عقلًا فإنه يجب التوقف، ويكون هذا الاحتمال قرينه تدافع ظاهر الخبر، فتوجب التوقف فيه.
_________________
(١) وفي «صحيح مسلم» وغيره حديث «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» وهذا صريح في أن إضمار المتكلم في نفسه معنى غير المعنى الذي حقه أن يفهمه المخاطب لا يغني عن المتكلم شيًا إذا كان المعنى الذي حقه أن يفهمه المخاطب غير واقع. المؤلف
[ ١٠٩ ]
الناقد: في المقصد الرابع أن معاني تلك النصوص كانت موافقة لعقول المخاطبين، فإن سلمت ذلك سقط كلامك هنا لثبوت أنها لم تكن عندهم محتملة للامتناع، فعلى فرض أن احتمل الامتناع يعد قرينة فلم يكن حاصلًا لهم، فكيف يعتد عليهم به؟ وقد مر الكلام في هذا، وإن لم يسلم فينظر فيه في المقصد الرابع.
المتكلم: لم يكن القوم ماهرين في علوم المعقول فلا يعتد بإدراك عقولهم الوجوب أو الجواز، بل يبقى الحكم في حقهم الاحتمال، فإن لم يشعروا بقصورهم القاضي عليهم بالتوقف فقد قصروا.
السلفي: كيف لا تعتد بعقولهم وقد اعتد بها رب العالمين فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأمرهم بالظر والتفكر والاعتبار والتدبر، وقبل إيمان من آمن منهم وأثنى عليهم، نقم كفر من كفر منهم وعاقبه عليه؟ ! وقد مر في صدر هذه الرسالة ما فيه الكفاية.
المتكلم: فدع هذا، ولكن لي نظر في دعوى أن عقولهم كانت موافقة لتك المعاني.
الناقد: فيأتي الكلام في المقصد الرابع.
السلفي: هب أن تلك المعاني كانت محتملة في عقول القوم أي أنهم لا يدركون وجوبها ولا امتناعها ولا تقطع عقولهم بجوازها، فدعواك أن احتمال الامتناع عقلًا قرينة توجب التوقف في ظاهر الخبر دعوى باطلة عقلًا وشرعًا وعملا، أما العقل فإنه يقتضي قبول ظاهر الخبر إذا كان المخبر ثقة أمينًا لا يخشى منه الكذب ولا التلبيس، إذ الغالب صدقه، والغالب في الأخذ به حفظ المصلحة واتقاء المفسدة، ولا يفرق العقل بين ما يقطع المخاطب بجوازه وما لا يقطع، لأن الخبر الثقة الأمين غالب صدقه في الحالين، وحفظ المصلحة غالب في الأخذ بظاهر خبره في النوعين، فأما إذا ثبت عقلًا أن المخبر معصوم عن الجهل والغلط وعن الكذب والتلبيس، فوجوب قبول خبره بغاية الوضوح، بل إذا قطع المخاطب بعصمة
[ ١١٠ ]
المخبر عما ذكر وقطع بأن ظاهر خبره هذا هو المعنى، وبأنه لا قرينة صحيحة تصرف عنه، فأنه يقطع عقلًا بوقوع ذاك المعنى، وإن كان قبل ذلك يجوز امتناعه عقلًا. وأما الشرع فظاهر، فقد طالب الأنبياء الناس أن يصدقوهم فيما يخبرون به عن ربهم، وأن يوقنوله بذلك، وقضوا بإيمان المصدق الموقن ووالوه، وبكفر الممتنع عن التصديق وعادوه، مع أن مما أخبروا به وطالبوا الناس بالإيقان به ما كانت عقول المخاطبين تستبعده، وعقول الفلاسفة وبعض المتكلمين تصوب ذاك الاستبعاد، وذلك كحشر الأجساد بل مما أخبر به الأنبياء وطالبوا الناس بالإيقان به ما تزعم الفلاسفة أنه ممتنع عقلًا، ووافقهم المتكلمون على ما وافقوهم من ذلك.
وأما العمل فلا يخفى على من تصفح أحوال الناس أنهم كانوا ولا يزالون ولن يزالوا يعتمدون على خبر الثقة الأمين فيما يقطعون فيه بعدم الامتناع وفيما يقطعون، واعتبر ذلك بأخذهم بأخبار علماء الحساب والهندسة والمساحة ونحوذلك من العلوم العقلية، وهكذا العقائد، فإن الناس يأخذونها من علمائهم تقليدًا في كثير منها، ويرضى منهم علماؤهم بذلك ويحضونهم عليه.
هذا والخبر بوقوع الأمر يتضمن قطعًا بعدم امتناعه فكأن المخبر بعدم الامتناع، واحتج بمشاهدته الوقوع، ولووجب أن يتوقف عن قبول ظاهر خبر الثقة الأمين في مثل هذا لوجب مثله فيما علم جوازه عقلًا لأن جوازه لا يقتضي وقوعه وما لم يقع فالحكم بوقوعه ممتنع،
وتفسير هذا أنه إن كان ينبغي التوقف عن حمل الخبر على ظاهره فيما إذا احتمل أن يكون ذاك الظاهر ممتنعًا لذاته، فكذلك فيما إذا احتمل أن يكون ممتنعًا لثبوت نقيضه، حتى لوكنت قد علمت أن زيدًا في بيته فأخبر بأنه خرج منه فإن خروجه ذلك يحتمل أن يكون ممتنعًا عقلًا لثبوت نقيضه إذا يحتمل أنه لم يخرج من بعد أن عهدته فيه، وإذا كان لم يخرج فمن الممتنع عقلًا أن يكون خرج.
المتكلم: إنما فرقنا بين النوعين لأنه قد لا يحتمل في الأول أن يقوم بعد وقت الخطاب ولو بمدة طويلة دليل على أن ذاك الظاهر ممتنع عقلًا، فيجب حينئذ
[ ١١١ ]
صرف الخبر عن ظاهره أو الاعتراف بأن المتكلم به غير معصوم.
السلفي: إن ساغ هذا الاحتمال في الأول ساغ في الثاني، فيحتمل فيما أخبر النص بأنه وقع أو سيقع في وقت كذا أن يقوم فيما يأتي دليل خلاف ذلك. فليس هناك إلا سبيلان:
الأولى: سبيل المؤمنين أنه يستحيل عقلًا أن يكون المتكلم بالقرآن أو من النبي ﵊ فيما يخبر به ربه جهل أو غلط أو كذب أو تلبيس، ففرض أن يقوم دليل قاطع على خلاف النص الثابت قطعًا، أو الظاهر قطعًا ز لا قرينة معه قطعًا، فرض للمستحيل.
الثانية: سبيل ابن سينا ومن وافقه من تجويز الجهل والغلط، أو الكذب والتلبيس «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» الكهف: ٢٩.
المتكلم: وهل كلامنا إلا في القطع؟ فهب أن احتمال الامتناع العقلي لا يصلح أن يكون قرينة فمن أين يأتي القطع؟ ومن المحتمل أن يخطئ الناظر الناظر فيعتقد أن الحديث ثابت، وليس بثابت، أو يعتقد صراحة الآية أو الحديث الثابت فيما فهمه، وليس كذلك، أو يعتقد ظهور ما ليس بظاهر، أو يعتقد انتفاء القرينة وهناك قرينة غفل عنها.
السلفي: سيأتي إثبات حصول القطع في الكلام مع الرازي والعضد، فأما الخطأ، فالخطأ في الباب إنما يكون في الظن، وليس كالنظر العقلي المتعمق الذي يكثر فيه الغموض والاشتباه والقطع بالباطل كما مر في الباب الأول، والنظر في النصوص على وجه
الإيمان بها والتسليم لها اهتداء يحبه الله ﵎ «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ» محمد: ١٧.
والنظر في الشبهات التعميقية على وجه الوثوق بها وتقديمها على النصوص زيغ عن سبيل الله «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ» الصف: ٥.
[ ١١٢ ]
ومن الواضح أن المهتدي أهل أن يعفى عن خطئه بخلاف الزائغ. وفوق ذلك فكلامنا هنا إجمالي، فتتبعوا إن شئتم التفصيل فبينوا على طريق المأخذين السلفيين خطأ من أخطأ منا إن استطعتم، فأما تعمقكم فقد أثبتنا أنه ليس بحجة في الدين فلا علينا أن لا نلتفت إليه، فإن رضيتم بما عندكم فنحن بما عندنا أرضى «فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ» الشورى:١٥ - ١٦.
المقصد الثاني
المتكلم: لا أسلم أن فيما أزعم بطلان ظاهره من النصوص المتعلقة بالعقائد ما هو من الصراحة بحيث يدفع احتمال الاستعارة والمجاز ونحوذلك، ويأبى أن يكون المراد به إلا ظاهره، بل أقول يمتنع أن يكون في النصوص المتعلقة بالمعقولات ما هو كذلك.
السلفي: النصوص كلام، ومعلوم أن الكلام كثيرًا ما يكون صريحًا بنظمه أو بسياقه أو بتأكيده أو بتكراره في مواضع كثيرة على وتيرة واحدة، اوبالنظر إلى نظائره، أو إلى حال المخاطب التي يعلمها المتكلم - إلى غير ذلك، وهكذا حال النصوص وهي بحمد الله تعالى معروفة، وأمرها أوضح من أن يحتاج إلى بيانه، وليس هذا موضع التفصيل. والتفرقة بين المعقولات وغيرها مبنية على شبهة قد مر إبطالها، على أن الظهور وحده قد يكفي للقطع كما تقدم، وسيأتي في الكلام مع الرازي وغيره مزيد إن شاء الله تعالى.
[ ١١٣ ]
المقصد الثالث
المتكلم: كيف تكون تلك الإشارات غير بينة؟ وفيها قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» واسمه تعالى «الواحد» و(قل هو الله أحد) السورة.
السلفي: أما قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» فمثل الشيء - في لغة العرب - نظيره الذي يقوم مقامه ويسد مسده. وعند اكثر المتكلمين: مشاركة في جميع الصفات النفسية. وعند أكثر المعتزلة: مشاركة في أخص وصف النفس. وقال قدماء المتكلمين كما في (المواقف) «ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات، وإنما تمتاز عن سائر الذوات بأحوال أربعة: الوجوب والحياة «التامة» والعلم التام والقدرة التامة » قال السيد في (شرحه): «قالوا ولا يرد علينا قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» . لأن المماثلة المنفية ههنا المشاركة في أخص صفات النفس دون المشاركة في الذات والحقيقة» .
وقال النجار: مثل الشيء مشاركة في صفة لإثبات وليس أحدهما بالثاني. وألزموه: «مماثلة الرب للمربوب إذ يشتركان في بعض الصفات الثبوتية كالعالمية والقادرية» كذا في (المواقف) (وشرحها) وفيما بعد ذلك «هل يسمى المتخالفان المتشاركان في بعض الصفات النفسية أو غيرها مثلين باعتبار ما اشتركا فيه؟ لهم فيه تردد وخلاف ويرجع إلى مجرد الاصطلاح وعليه يحمل قول النجار فالله مماثل عنده للحوادث في وجوده عقلًا أي بحسب المعنى والنزاع في الاطلاق »
أقول: وليس في النصوص التي ينكر المتكلمون معانيها ما يظهر منه إثبات مناظرة على الإطلاق بين الله ﷿ وغيره، ولا مشاركة في جميع الصفات النفسية، ولا في أخص وصف النفس، فإذا حملت المماثلة المنفية في الآية على واحد
[ ١١٤ ]
تحقيق معنى آية: ليس كمثله شيء
من هذه المعاني فليس بين الآية وبين شيء من المعاني الظاهرة لتلك النصوص منافاة ما.
فأما المماثلة في بعض الصفات دون بعض فقد علمت إن المتكلمين يثبتونها في الجملة، ولذلك ذكر الفخر الرازي أنه لا يصلح حمل الآية ما ينفي ذلك، وأجاب الآلوسي بقوله:
«من المعلوم البين أن علم العباد وقدرتهم ليسا مثل علم الله ﷿ وقدرته جل وعلا - أي ليس سادين مسدهما» .
أقول: قد تؤخذ المماثلة في مطلق العالمية والقادرية ونحوذلك. فإن قيل ذاك أمر لا يلتفت إليه، إذ ليس الواقع إلا قدرة ذاتية تامة لله ﷿، وقدرة مستفادة ناقصة للعبد - وهكذا.
قلت: فهذا المعنى أيضًا غير مناف لشيء من تلك الظواهر.
تحقيق معنى الآية
من تتبع موارد استعمال نفي المثل في الكتاب والسنة وكلام البلغاء علم أنه إنما يراد به نفي المكافئ فيما يراد إثباته من فضل أو غيره، فمن ذلك قول الشاعر:
ليس كمثل الفتى زهير خلق يدانيه في الفضائل
وقول الآخر:
سعد بن زيد إذا أبصرت جمعهم ما إن كمثلهم في الناس من أحد
وقال الله ﷿: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» . الاسراء: ٨٨.
وقال تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ
[ ١١٥ ]
مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ» الفجر:٦ - ٨.
أي - والله أعلم - في قوة الأجسام كما يومئ آيه السياق وآيات أخرى.
وقال سبحانه: «هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ» خاتمة سورة (محمد) أي في الولي والبخل. وفي حديث أبي أمامة في (المسند) وغيره أنه قال يا رسول الله مرني بعمل. فقام: عليك بالصوم فإنه لا مثل له. (١) ودونك الآيات التي فيها (ليس كمثله شيء) ونظائرها «حم عسق. كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي
_________________
(١) قلت: هو في «المسند» (٥/٢٥٨،٢٥٥) من طريق مهدي بن ميمون ثنا محمد بن عبد الله ابن أبي يعقوب الضي عن رجاء بن حيوة عن أبي أمامة. ومن هذا الوجه ابن حبان (٩٢٩)، وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن رواه شعبة عن محمد هذا قال: سمعت أبا نصر الهلالي عن رجاء بن حيوة. أخرجه ابن حبان (٩٣٠) والحاكم (١ /٤٢١) وقال: «صحيح الإسناد وأبونصر الهلالي هو حميد بن هلال العدوي» . ووافقه الذهبي. كذا قالا، وأبونصر هذا ليس هو حميد ابن هلال، بل هو رجل لا يدرى من هو كما قال الذهبي نفسه في «الميزان» . وقال الحافظ في «التقريب»: «مجهو ل» . لكن ذكره في الإسناد شاذ، فقد رواه ثقتان آخران كما رواه مهدي بم ميمون بإسقاطه، وصرح بعضهم بسماع ابن أبي يعقوب من رجاء فهو إسناد متصل صحيح وقد صححه الحافظ في «الفتح» كما بينته فيما علقته على (الترغيب والترهيب) . ن
[ ١١٦ ]
السَّعِيرِ. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» . (فواتح سورة الشورى) .
ومن نظائر هذه الآيات في الجملة قوله تعالى: «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» الرعد: ١٦.
وقوله سبحانه: «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» يونس: ٣١ - ٣٢.
وقوله تعالى: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.» النمل:٥٩ - ٦٠.
وقوله تبارك اسمه: «قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
[ ١١٧ ]
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ. بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» . المؤمنون ٨٤ - ٩٢.
الآيات في هذه المواضع وأمثالها مسوقة لإقامة الحجة على المشركين الذين يتخذون من دون الله تعالى وبغير سلطان منه أولياء يعبدونهم أي يخضعون لهم طلبًا للنفع الغيبي، فالقرآن يبين أن مناط استحقاق العبادة أن يكون المعبود مالكًا للتدبير الغيبي مختارًا أن ينفع به ويضر كما يشاء لا على وجه الطاعة منه لمن هو أعلى منه، ولا مفتقرًا إلى إذن خاص ممن هو أعلى منه، فإن هذا المالك هو الذي يكون خضوع من دونه له سببًا لأن ينفعه، وإعراضه عنه مظنة أن يضره، فحينئذ يحق لمن دونه أن يخضع له. فأما من ليس كذلك فلا يمكن أن ينال من دونه منه نفع ولا ضر. نعم إن الله ﷿ يأمر الملائكة بما يريد فيفعلونه ويأذن لهم في الشفاعة لمن يحب فيشفعون وهم كما قال تعالى: «عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون» الأنبياء: ٢٦ - ٢٨.
فإذا أمرهم سبحانه بنفع عبد فعلوا ذلك طاعة لربهم فقط. وإذا أذن لهم في الشفاعة شفعوا رغبة في رضا ربهم، ولوفرض أنهم لم يشفعوا بعد الأذن فلم يأذن لهم ربهم إلا وقد ارتضى الأمر الذي أذن لهم أن يشفعوا فيه فهو كائن لا محالة وإن لم يشفعوا، وبهذا يتضح يقينًا أن سؤال العبد من الملائكة أو خضوعه لهم عبث من جهة وسبب لغضب الله ﷿ على السائل، فتغضب الملائكة لغضب ربهم من جهة أخرى. ولوكان الملائكة يتصرفون بأهو ائهم لأختلفوا، إذ قد يهوى هذا نصر أحد الجيشين المقتلين ويهوى الآخر نصر الجيش الآخر فيعمل كل منهما بحسب هواه، يبذل جهده في التصرف بكل ما يمكنه، هذا مع عظم قوة الملائكة وقدرتهم،
[ ١١٨ ]
أرواح الصالحين إن كان لها تصرف فهي الملائكة لا تتصرف إلا بإذنه تعالى
فتختل الأمور ويفسد النظام، قال الله ﷿: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا» الأنبياء: ٢٢. وقال تعالى: «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِن» المؤمنون: ٧١. ولما أذن الله ﷿ للبشر إذنًا قدريًا عامًا في عمل ما يريدون - لأن مقصود التكليف لا يتم في حقهم إلا بذلك جعل قدرتهم محدودة، فيقع من الفساد ما يناسب قدرتهم كما هو مشاهد، وكلما زادت قدرتهم بواسطة الآلات والمخترعات زاد الفساد كما تراه في هذا العصر، ولولا الله ﷿ يكفكف شدة ذلك بقدره لكان الفساد أعظم، قال تعالى: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» البقرة:٢٥١.
إن كان الله ﷿ يأذن لأرواح الصالحين الموتى بأمر يتعلق بالأحياء فلن يكون حال الأرواح إلا كحال الملائكة سواء، بل الأرواح أولى بأن لا يؤذن لها في التصرف (١) بأهوائها، فإنها في غير دار تكليف لا تخشى عقوبة علة ما يقع منها
_________________
(١) والحق أن الأرواح بعد في قبضة الواحد القهار لا تصرف لهم في شؤون الأحياء بل قد انقطع عملهم كما في الحديث: «إذا مات أبن آدم انقطع عمله غلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له» وهذه الثلاثة الباقية له بعد موته في آثار أعماله في الحيات قبل موته فليست عملًا له بعد الموت. وقال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا «وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا» فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا «الْمَوْتَ» وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى) . فالذي مات أمسك في قبضة القهار، بخلاف الحي الذي أرسل إلى أجل مسمى. وما فتح الشرك على من أشركوا بالأموات والصالحين إلا اعتقادهم فيهم أنهم يفعلون بعد موتهم مثل ما كانوا يفعلون في حياتهم أو أشد وأقوى على سبيل الكرامة بزعمهم، فتوكلوا على الأموات وعبدوهم ونسوا الحي القيوم فلم يتكلموا عليه ولم يخلصوا له العبادة كما هو مشاهد من أحوال عباد القبور والمنتصرين لهم من شرق الأرض وغربها. والله المستعان كتبه محمد عبد الرزاق س. يقول المؤلف: إنما فرضت الأذن للأرواح فرضًا، وأوضحت أنه على فرضه فلن يكون حالها إلا كحال الملائكة في أن تصرفها إنما يكون تنفيذًا لما يأمر الله ﷿، وكما أن ثبوت ذاك التصرف للملائكة لا شبهة فيه لمن يعبدهم فكذلك الأرواح. وهذا =
[ ١١٩ ]
بخلاف الملائكة، وبعض المسلمين يتردد في عصمه بعض الملائكة، والقائلون بالعصمة يقولون بالتكليف مع شدة الخشية، كما تقدم في بعض الآيات السابقة والمشركين الذين يزعمون أن الملائكة يتصرفون بأهو ائهم، يزعمون أنهم غير معصومين، بل يجعلون حالهم كحال البشر مع عظم القدرة، ويقولون كما أن للإنسان أن يسأل إنسانًا آخر أغنى أو أقدر منه ويخضع له، فكذلك له أن يسأل الملائكة ويخضع لهم لأنهم يعملون ما يشاءون، ويشاءون ما يهوون كالبشر وقدرتهم أعظم وهذا الشرك يوجد في بعض مشركي الهند وغيرهم، وعليه كان أكثر الأمم المشركة. أما مشركوا العرب فإنهم قلدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط كما تقدم في الآيات، إلا أنهم كانوا عندما يسألون عن ذلك يتشبثون بالشفاعة فقط، مع تردد فيها، ولما حاجهم القرآن لم يبق بأيديهم إلا الشغب حتى أنقذهم الله ﷿، وبالجملة فكان شركهم يكاد يكون عمليًا فقط. وإذا تأملنا ما وقع فيه عامة المسلمين في القرون المتأخرة وجدناه أشد جدًا مما كان عليه مشركوالعرب. فإنا لله وأنا إليه راجعون.
_________________
(١) = واضح جدًا وهو أقطع للنزاع من بسط الكلام في نفي التصرف البتة. وفي (كتاب الروح) لأبن القيم ما يؤخذ منه أنه يثبت للأرواح تصرفًا في الجملة، وسمعت بعض الأخوان يستعظم ذلك، كأنه برى أن ذلك يروج شبه دعاة الموتى. ولا أشك أن هذا لم يغب عنه ذهن أبن القيم، ولكنه يعلم أن الشبهة إنما تروج إذ أثبتنا للأرواح تصرفًا بأهو ائها، فأما ما كان من قبيل تصرف الملائكة فلا وما ذكره الشيخ من انقطاع العمل حق، لكن لأبن القيم أن يقول قد تحب الأرواح أن تعمل عملًا في طاعة الله ﷿ تلذذًا بالطاعة كصلاة الأنبياء ليلة الإسراء ونحوذلك فيكون ذاك التصرف في حقها من جملة النعيم تلتذ به نفسه ولا تثاب عليه، وعلى كل حال فإنما فرضا فرضًا، ليس فيه أدنى متشبث لدعاة الموتى فتدبر. وانظر كتاب "الآيات البيان في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات " للعلامة الألوسي بتحقيق أستاذنا الألباني - الطبعة الثالثة - المكتب الإسلامي. زهير
[ ١٢٠ ]
قدرة البشر الأحياء محدودة
وأما البشر الأحياء فقدرتهم معروفة ولا تكون لهم قدرة غير عادية، نعم قد يتفق قدرة عادية غريبة كما يقع لبعض المرتاضين والسحرة وسيأتي الكلام فيها، فأما معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء فليست بقدرتهم ولا في ملكهم، قال اله ﷿ لمحمد ﵌: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» . وكان الصحابة إذا احتاجوا إلى نفع غيبي إنما يسألون النبي ﵌ الدعاء كما في الاستسقاء، وقلة الأزواد في السفر، وغير ذلك، والدعاء داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى. وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا على ما جرت به العادة، فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم: أللهم أخبر عنا رسولك، كما قال عاصم بن ثابت، وجاء نحوه عن خبيب ابن عدي / ومنا يحكى عنه مما يخالف ذلك لا يثبت، ولوثبت وجب حمله على المعنى المعروف. ودعاؤهم مرجوا الإجابة وليس ذلك بحتم، قال الله ﷿ لنبيه ﵌: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» وقال سبحانه: «وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ» الأنعام: ٣٥ والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
وأما الجن فأنه مأذون لهم أذنًا قدريًا عامًا في الوسوسة لبني آدم، وذاك كالأمر الطبيعي لهم، إما يستدعي بمعصية الله ﷿ والغفلة عن ذكره، ويستدفع بطاعته سبحانه والتعوذ به. فأما ان ينفعوا الناس أو يضروهم فلوكان مأذونًا لهم فيه أذنًا قدريًا عامًا يشبه الأذن للناس، لفسدت الدنيا، فإن كان قد يقع شيء من ذلك فإنما يكون بأذن قدري خاص لا يفسد قواعد الدنيا، والإنسان لا يحتاج إلى
[ ١٢١ ]
الرغبة إليهم لتحصيل شيء من ذلك لأن الله ﷿ قد أغنى الناس بالأسباب العادية، وبدعائه سبحانه، أوليس أن تسأل المالك الحقيقي القادر على كل شيء أقرب وأولى من أن تسأل جنيًا على أمل أن يأذن له الله ﷿ إذنًا قدريًا خاصًا في فعل مطلوبك؟ فإن فرض أن إنسانًا رغب إلى الجن فحصل له نفع أو أندفع عنه ضر فذلك بمنزلة من يتقرب إلى المشركين بالسجود لأصنامهم ونحوه، فإنهم قد ينفعونه وليس ذلك بعذر له، بل الأمر أبعد فإن المشركين مأذون لهم إذنًا قدريًا عامًا في النفع والضر على ما جرت به العادة.
وحال السحر كحال الجن قال الله ﷿: «وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ (١) إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» أي والله أعلم إذنًا قدريًا خاصًا وإنما يقع ذلك نادرًا، نعم قد يعد من السحر ما هو مبني على سبب عادي غريب كالتنويم المغناطيسي، وما يقع لبعض المرتاضين من التأثير بالهمة فيحسبه الجاهل كرامة.
هذا وإذا أمر الله ﷿ بطاعة أحد أو الخضوع له أو بفعل هو في الصورة خضوع له ففعل المأمور ذلك طلبًا للنفع الغيبي من الله ﷿ فهذه عبادة الله ﷿، وهذا كسجود الملائكة لآدم، وهكذا تعظيم المسلمين لحرمات الله ﷿ كاستقبال الكعبة (٢) والطواف بها وتقبيل الحجر الأسود، وغير ذلك مما أمرهم الله به ففعلوه طاعة لله غير مجاوزين ما حده لهم، وكذلك توقير النبي وإكرام الأبوين وأهل العلم والصلاح بدون مجاوزة ما حده الله تعالى من ذلك.
_________________
(١) في الأصل (به أحدا) . ن
(٢) تعظيم المسلمين لحرمات الله واستقبال الكعبة والطواف بها وتقبيل الحجر الأسود ليس كل ذلك من الخضوع لغير الله وطاعته بل هو خضوع لله وطاعة له بهذا العمل. م ع
[ ١٢٢ ]
والحاصل أن الخضوع طلبًا للنفع الغيبي عبادة. فإن كان عن أمر من الله تعالى ثابت بسلطان فهو عبادة له سبحانه ولو كان في الصورة لغيره كالكعبة، وإلا فهو عبادة لغيره. ويتعلق بهذا الباب مباحث عديدة قد بسطت الكلام عليها في كتاب (العبادة) (١) وإنما ذكرت هنا شذرة منه.
وأصل المقصود هنا تفسير الآية فأقول: إن القرآن يذكر التدبير الغيبي جملة أو يذكر بعض أنواعه تفصيلًا، ويبين أن المالك له القادر عليه المختار فيه بدون توقف على أمر آمر أو إذن أو تسليط مسلط، هو الله وحده لا شريك له، وأن ذلك هو مناط استحقاق العبادة، فإذا كان سبحانه هو المتفرد بذلك فهو المتفرد باستحقاق العبادة. فتدبر الآيات المتقدمة تجدها على ما وصفت، وتدبر آيات الشورى التي فيها «ليس كمثله شيء» تجدها من هذا القبيل، فإذا كان الأمر هكذا فالظاهر أن المراد بقوله: «ليس كمثله شيء» نفي المثل فيما ذكر في السياق من أنه تعالى يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير، وأن إليه الحكم وأنه فاطر السماوات والأرض إلى غير ذلك. وجماع ذلك كله ملك التدبير الغيبي والقدرة عليه والاختيار فيه على ما تقدم وصفه، والمقصود بذلك إثبات أنه لا آله إلا الله.
وهب أنه يسوغ حمل قوله «ليس كمثله شيء» على ما يخالف تلك الظواهر التي يفر منها المتكلمون فهو احتمال مرجوح، وهبه مساويًا أو راجحًا فهل يصح أن يعتد بها قرينه تصرف عن ظواهر تلك النصوص التي لا تحصى، منها الظاهر البين،
_________________
(١) كتاب من تأليفي استقرأت فيه الآيات الاقرآنية ودلئل السنة والسيرة والتاريخ وغيرها لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله تعالى مما هو عبادة لغيره يسر الله نشره. المؤلف
[ ١٢٣ ]
إلزام القائلين بأن ذات الله مجردة بأنهم جعلوا له مثلا
ومنها الصريح الواضح، ومنها المؤكد المثبت، ومعها عقل المخاطبين الأولين من الصحابة وغيرهم وجمهور الناس؟ وهل هذا إلا قلب للمعقول الواضح؟
هذا والقائلون بأن ذات الله تعالى مجردًا أكثرهم يثبتون أو يجوزون وجود ذوات كثيرة مجردة من عقول ونفوس وأرواح غيرها! فليتدبر من له عقل أليسوا أولى بزعم أن لله ﷿ مثلًا بل أمثالًا ممن لا يقول بالتجرد المحض الذي يزعمونه؟ فإن الذوات المخلوقة غير المجردة تتفاوت تفاوتًا عظيمًا جدًا فما الظن بذات الخالق ﵎؟ فأما المجردة على فرض وجودها فكيف يعقل التفاوت العظيم بينهما حتى تكون هذه ذات رب العالمين وهذه ذات روح بعوضة؟ وما قيل أن التجرد أمر عدمي لا يدفع ذلك، على أنه عندهم براءة لأمر وجودي احتيج إليه، لأنه ليس في اللغات لفظ يدل على ذاك المعنى، لأن اللغات تابعة للعقول الفطرية، والعقول الفطرية لا تعقل وجود ذات مجردة ذاك التجرد، وإنما تعبر عن ذاك المعنى بقولها: «معدوم» (١) .
قال السلفي: واقتصر عن النظر في تلك الآية على ما ذكرت راجيًا أن يكون فيه الكفاية لمن لم يستحوذ عليه الهوى، فأما من ختم على قلبه فلا مطمع فيه. والله الموفق.
وأما اسم الله تعالى «الواحد» فلفظ «واحد» يراد به في اللغة ما يقابل المتعدد ومن تتبع مواقعه في القرآن وغيره من الكلام العربي الفصيح وجده يأتي وصفًا لموصوف ويكون هناك شيء محكوم عليه بالموصوف مع وصفه، فعدم التعدد يكون للمحكوم عليه باعتبار الموصوف. قال الله تعالى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً» حكم على الناس فيما كانوا عليه بقوله «أمة واحدة» فعدم التعدد ثابت
_________________
(١) يأتي لهذا مزيد في مسألة الجهة. المؤلف
[ ١٢٤ ]
للناس باعتبار «أمة» أي لم يكونوا أمتين أو أكثر، وقد يصرح في الكلام بالمحكوم عليه وبالموصوف كما رأيت، وقد يطوى ذكر أحدهما فيعرف بالتدبر، ولا أطيل بأمثلة ذلك.
وعلى كل حال، فإنه يأتي على أحد معنيين:
الأول: نفي التعدد في المحكوم عليه نفسه كالمثال السابق: نفي أن يكون الناس كانوا أمتين أو أكثر.
المعنى الثاني: نفي أن يكون مع المحكوم عليه مثله أو مثلاه أو أمثاله باعتبار الموصوف فيكون المجموع متعددًا، ومن ذلك قوله تعالى: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» أي ليس معه آله آخر أو أكثر فيكون المجموع متعددًا، ومن هذا الثاني قولهم: فلان واحد في فنه. واحد زمانه، أي لا نظير له في ذلك.
إذا تقرر هذا فلنذكر الآيات التي ورد فيها هذا الاسم. قال تعالى فيما قصة عن يوسف ﵇: «يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا» يوسف ٣٩ - ٤٠
وقال ﷿: «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» الرعد - ١٦.
وقال سبحانه: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ. لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ
[ ١٢٥ ]
وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ» . خواتيم سورة (إبراهيم) .
وقال ﵎: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» ص - ٦٥ - ٦٦.
وقال تعالى: «أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ. لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» الزمر - ٣ - ٤
وقال سبحانه: «يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» غافر - ١٦
هكذا جاء هذان الاسمان الكريمان «الواحد القهار» في القرآن مقترنين معرفتين في المواضع كلها، وكل ذلك في سياق إقامة الحجة على المشركين في الألوهية الزاعمين أن لله شركاء في استحقاق العبادة.
فالكلام جارٍ على المعنى الثاني، وهو نفي الحاصل بجود مثله معه في الربوبية وما يقتضي استحقاق العبادة، وسياق الآيات واضح جدًا في ذلك، وإنما ادعى بعضهم المعنى الأول في آية (الزمر) فقال: إن إمكان أن يكون له ولد، يستدعي التركيب والانفصال والوحدة تنافي التركيب. والتركيب الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون ليس من التعدد الذي تعقله العقول الفطرية في شيء، «الواحد» بالمعنى الثاني الولد بدون تكلف فإنه لوكان له سبحانه ولد لكان نظيرًا له في القدرة وغيرها فيكون ربًا مستحقًا للعبادة، وقد قال تعالى: «وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا.» مريم: ٩٢ - ٩٣.
وقال تعالى: «وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
[ ١٢٦ ]
كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ» . البقرة: ١١٦.
وقال سبحانه: «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ» . الأنبياء: ٢٦
فحصل المقصود مع بقاء الاسم «الواحد» (١) على معناه المعروف الموافق لسائر الآيات.
هذا ولما كان الاسم «الواحد» إنما هو صريح في نفي النظير في الربوبية، وما يقتضي استحقاق العبادة، وليس بالصريح في نفي المشارك في ذلك مشاركة تقتضي استحقاق العبادة في الجملة أردف في الآيات كلها بالاسم «القهار» ليتمم المعنى المقصود، وجاء الاسمان معرفين لأن ذلك معروف مسلم عند المشركين، كما يوضحه الآيات الأخرى التي تقدم ذكر بعضها في الكلام على قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» . والله الموفق.
وأما سورة الإخلاص ففي (صحيح البخاري) وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ أنه قال: «قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لم يعيدني كما بدأني وأم إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا وأنا الأحد الصمد لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفؤا أحد» وفي رواية:
«وأنا الصمد الذي لم ألد » وقال الترمذي: «حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبوسعد - هو الصاغاني - عن أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين
_________________
(١) من أدل شيء على أن الوصف بالواحد أو الأحد أو الوحيد لا ينفي الصفات عمن وصف بذلك الله تعالى وصف فيلسوف قريش الوليد بن المغيرة متوعدًا متهددًا بقوله (ذرني ومن خلقت وحيدًا) الخ فوصفه بالوحيد بمعنى الواحد ولم ينفي عنه ذلك الوصف أن يكون إنسان له أو صاف أخرى من يدين ورجلين ووجه ورأس الخ، فوصف الله تعالى بالأحدية لا ينفي صفاته الأخرى، إفادة الإمام أحمد في «رده على الجهمية» الذين نفوا صفات الله تعالى من وصفه بالأحد والواحد. م ع
[ ١٢٧ ]
قالوا لرسول الله ﵌: انسُب لنا ربك، فأنزل الله: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ»، فالصمد الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، ولا شيء يموت إلا سيورث، وإن الله ﷿ لا يموت ولا يورث. «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء» .
ثم قال الترمذي: «حدثنا بن حميد حدثنا عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر الرزاي عن الربيع عن أبي العالية أن النبي - ﷺ - ذكر آلهتهم، فقالوا: أنسُب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - فذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصح من حديث أبي سعد» .
أقول: أبوسعد قال فيه الإمام أحمد: «صدوق، ولكن كان مرجئًا» وقال أبوزرعة: «كان مرجئًا ولم يكن يكذب» وضعفه الباقون، قال ابن معين في رواية: «ضعيف» وفي أخرى: «كان جهميًا وليس هو بشيء»، وفي ثالثة: «صاحب ابن أبي دؤاد كان هاهنا وليس هو بشيء»، وفي رابعة: «جهمي خبيث» . وقال البخاري في موضع: «فيه أضطراب»، وآخر: متروك الحديث»، وفي ثالث: «ليس بثقة ولا مأمون» .
لكن لم ينفرد أبوسعد بوصل الحديث فقد أخرج الحاكم في (المستدرك) ج ٢ ص ٥٤٠: «أخبرنا أبوعبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبوجعفر محمد بن علي قالا: ثنا الحسين بن الفضل ثنا محمد بن سابق ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ أن المشركين قالوا: يا محمد، أنسُب لنا ربك، فأنزل الله ﷿: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ»، قال: الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد » بمثل حديث أبي سعد، ومحمد بن سابق ثقة جليل إلا أن في ضبطه شيئًا حتى قال أبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به» .
[ ١٢٨ ]
حديث: انسب لنا ربك وتخريج المصنف إياه
وقد صحح ابن خزيمة والحاكم هذا الحديث. (١) وأخرج ابن جرير من طريق إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي عن جابر قال: «قال المشركون: أنسُب لنا ربك، فأنزل الله: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»» . وأخرج عن قتادة قال: «جاء ناس من اليهود إلى النبي - ﷺ - فقالوا:أنسُب لنا ربك، فنزلت » وعن سعيد بن جبير نحوه مطولًا، وعن عكرمة: أن المشركين قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن ربك، صف لنا ربك، ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله تعالى «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»» .
والذي يصح في الباب حدبث البخاري، ثم يليه حديث أبي العالية، وقد شهد له حديث جابر، وسنده صالح للمتابعة.
وحديث البخاري يدل على أن أشد ما كان المشركون يعتدون فيه في حق الله ﵎ هو شكهم في قدرته على البعث، وقد أخبر به، ونسبتهم إليه الولد، والقرآن يؤيد ذلك (٢) فإنه كرر تثبيت البعث ونفي الولد في مواضع كثيرة، فأما شركهم في الألوهية فكان عندهم مرتبطًا بدعوى الولد كما هو بين من عدة آيات، وقد أوضحت ذلك في كتاب (العبادة) وتبين لي أن أول ما سرى إلى العرب نسبته إليه تعالى كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، على معنى أنهم مقربون إليه، ولم يقولوا: أبناء الله، خشية إيهام أن يكونوا نظراءه فقالوا: بنات الله، لأن الإناث عندهمضعيفات، وليس لهن ميراث من آبائهن، ثم طال الزمان فصار أخلافهم يقولون: بنات الله، ولا يحققون المعنى، ولم يكونوا يثبتون أن الله ﷿
_________________
(١) قلت: وكذا صححه الذهبي في «تلخيص المستدرك» وفيه بعد، لأن أبا جعفر الرزاي فيه ضعف كما سبق بيانه في التعليق على حديث اللقنوت في الفجر ج ١ ص ١٤٧. لكن حديث جابر الآتي بعده يشهد له في الجملة. ن
(٢) أي يؤيد ما أقاده حديث البخاري من شكهم في قدرة الله تعالى على البعث فكرر الرد عليهم في ذلك بذكر أدلة قدرته على البعث، وذكر نفي الولد عنه بالحجج والبينات الواضحة التي تقطع شبههم وتقيم الحجة عليهم. محمد عبد الرزاق
[ ١٢٩ ]
تفسير ابن سينا لاسم الواحد وأنه بعيد عن التنزيه
صاحبة، ولذلك يقولون: احتج عليهم القرآن بقوله: «أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ» . فدل هذا على أن انتفاء الصاحبة أمر مسلم، وفي قصة إسلام طلحة أنه جاء وجماعة معه إلى أبي بكر، فقال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، فقال أبو بكر: واللات والعزى؟ فقال طلحة: بنات الله، فقال أبو بكر: ومن أمهم؟ فأسكت طلحة، ثم قال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فأسكتوا، فأسلم طلحة.
فأما قول الله ﷿: «وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبا»، فالمراد بالجنة هاهنا: الملائكة، والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات له، وما روي أنهم كانوا يقولون إن أمهاتهم بنات سروات الجن، ولم يصح، ولوصح لكان الظاهر أنهم اخترعوا هذا بعد قصة طلحة، واللات والعزى ومناة كانت عندهم أسماء لتلك الإناث التي زعموا أنها بنات الله، ثم جعلوا لتلك الإناث تماثيل وسموها بأسمائها، كما جرت به عادة المشركين في أصنامهم، بل عادة الناس جميعًا في إطلاقهم على التمثال والصورة اسم من يرون أن ذلك ثمثال أو صورة له. وبهذا التحقيق يتضح معنى آيات النجم، وقد أوضحت ذلك في كتاب (العبادة) بما يثلج الصدر. والحمد لله.
والمقصود هنا أن الذي يظهر من الآثار أن النبي ﵌ لما صارح المشركين بإبطال قولهم في الإناث التي يجعلونها آلهة من دون الله، يزعمون أنها الملائكة، وأنها بنات الله، ويمثلون التماثيل بأسمائها ويعظمونها تعظيمًا لها، وصارحهم بنتزيه الله عن الولد، قالوا: أنسُب لنا ربك، طمعًا منهم أن يجيبهم بما يستخرجون منه شبهة يشدون بها قولهم، فأنزل الله تعالى هذه السورة.
فأما تحقيق معناها فلفظ «أحد» زعم ابن سينا ومن وافقه أنه الواحد من جميع الوجوه المنزه «عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة» . وهذا ما نقلوه من عباراته المموهة. وهو ومن وافقه يوهمون أنهم إنما يجتهدون في تنزيه في تنزيه ﷿، وهو في نفس الأمر بعيد عن ذلك، كما يعلم من نفيهم صفات الكمال عنه، وإنما غرضهم توجيه وجوده تعالى، أي وُجُودُه من غير علة. وبعبارة
[ ١٣٠ ]
تعليق المصنف أن الإجابة عن سؤال من خلق الله بأنه غير وارد أصلا
أوضح في العقول الفطرية توجيه وجوده من دون أن يوجده موجد. وذلك أن الفطرة والعقل قاضيان بأن الموجود من هذا الأشياء التي نراها لابد له من موجد، وأنه مهما كان لبعضها صانع منها فإن فوقها جميعها ربًا هو الموجد الحقيقي. ولكن كثيرًا من النفوس لا تقنع بهذا حتى تقول: فهذا الموجد الحقيقي من أوجده؟
فإن قيل: لا موجد له.
قالت: وكيف وجد من غير موجد؟ فإذا قيل: هذا السؤال إنما يأتي فيما ثبت أو جاز أنه لم يكن ثم كان، وذلك كأن تمر ببقعة لا بيت فيها ثم تمر بها وفيها بيت، وكالشمس فإن العقول الفطرية حتى الساذجة تجيز أن يخلق الله تعالى شمسًا أخرى غير هذه الشمس، وتجيز أن يكون قد مضى زمان لا شمس فيه ثم خلق الله تعالى هذه الشمس، وهكذا سائر المخلوقات، وإنما قد تتوقف العقول الفطرية في بعض الأشياء التي لا ضير في التوقف فيها من جهة العقل، وذلك كالفضاء والزمان فإنهما أمرين عدميين كما عليه المتكلمون فالأعدام أزلية، (١) وإن كانا موجدين فلا يصلحان ولا واحد منهما أن يكون ربًا أو جد هذه الموجودات. والمقصود أنه في مثل البيت والشمس يأتي ذلك السؤال فيقال: لم يكن موجودًا فمن أو جده؟ فأما الموجود الحق الذي ثبت أنه لم يزل فلا يأتي في حقه ذاك السؤال أصلًا.
فقد لا تطمئن النفس لهذا حق الاطمئنان، وقد نبه الشرع على هذا وعلى علاجه، ففي (الصحيحين) وغيرهما من طرق عن أبي هريرة «قال رسول الله ﵌: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله (٢) ولينته» لفظ البخاري في
_________________
(١) أوضح من هذا أن يقال: الأعدام عدم والعدم لا يتصوره العقل وإنما يتخيل بتصور ضده ن الموجودات، فإذا طرد من بين الموجودات فلا يتصور أن يكون موجدًا لشيء منها ونحن في غنى عن تخيل أزلية أو غيرها للعدم. م ع
(٢) ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية ردًا على الرازي في تشكيكه أن الاستعاذة بالله كيف تكون هلاجًا في دوام وجود الله وعدم أوليته؟ أفاد شيخ الإسلام أن الشك في العلوم =
[ ١٣١ ]
«بدء الخلق» وفيهما من حديث أنس «قال رسول الله ﵌: لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ لفظ البخاري في «الاعتصام» . وفي (مسند أحمد) من حديث عائشة عن النبي ﵌ نحوالأول وفيه «فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإن ذلك يذهب عنه» . (١)
فمن أيقن بما قدمناه أول الرسالة من مرتبة الشرع فزع إليه فوجد الشفاء من تلك الوسوسة، ومن لم بفزع إليه وحاول الاكتفاء بذلك الجواب، وهو أن ذلك السؤال لا يرد أصلًا جاءه الشيطان من طريق أخرى فقال: إن كان هذا الذي تقوله أنه الموجد الحقيقي أو أنه واجب الوجود شبيهًا بهذه المحسوسات فحكمه حكمها، وإلا فماذا عساه أن يكون؟ فإذا دفع ذلك بنفي تلك الذات المقدسة بحجة أنه لم يرها، ولا رأى ما تكون من جنسه، وما كان هكذا فلا سبيل إلى تصوره، فالأكمة لا يتصور الألوان حتى أنه حتى لا يحلم في نومه بأنه أبصر شيئًا جاءه الشيطان من جهة أخرى فاستعرض ما يثبته العقل والشرع لله ﷿ فيعمد إلى أمر من ذلك فيقول: إن ثبت هذا لتلك
_________________
(١) = النظرية يدفعه التفكير والبحث وأخذها من البديهيات والقطعيات والضرويات فهنا مرض عقلي ووسواس لا علاج له إلا الرجوع إلى طبيب العقول وهادي النفوس ومصححها وشافيها. وقد استشفى الغزالي بهذا الدواء حينما أصيب بهذا الشك في المحسوسات. وقد قال الشاعر: وليس يصح في الاذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل وقد قال ابن عقيل الحنبلي لرجل سأله أنه يغتسل ويتوضأ ويشك في وصول الماء إلى جسده وأعضائه؟ فقال ابن عقيل: سقط عنك التكليف لأنك مجنون وقد رفع القلم عن المجنون أو نحو هذا. م ع
(٢) قلت: وإسناده حسن، وهو صحيح لغثير كما بينته في «الأحاديث الصحيحة» (١١٦) . ن
[ ١٣٢ ]
زعم ابن سينا أن ذات الله ﷿ ليست منفصلة عن العالم ولا متصلة به
الذات كانت شبيه بهذا المحسوسات فيلزم الافتقار. فأما من وفقه الله ﷿ فإنه لا يعدم مخلصًا، وأم المخذول فإنه يرى أنه مضطرًا إلى نفي الأمر، ثم يعمد الشيطان إلى أمر آخر فيقول: وهذا كالأول، وهكذا حتى يأتي على عامة تلك الأمور، ومنها لوازم الوجود فلا يبقى للإنسان إلا اعتقاد وجود يعتقد انتفاء لوازمه. وقد لا يكتفي الشيطان منه بهذا، بل يقول له: وكيف تعقل مثل هذا؟ وما تظنه حجة على الوجود قد جربت أمثاله في تلك الأمور، فليس هناك حجة، وإنما هي شبهات نسجتها الأوهام والأغراض في العصور المظلمة، فكن حر الفكر، قوي الإرادة، وخلص نفسك من تلك القيود والأغلال، فإنك في عصر العلم! (١)
فهذه هي الحقيقة والغاية لتلك الوحدة التي موه ابن سينا عبارته عنها، فإنه يزعم أن ذات الله ﷿ ليست منفصلة عن العالم ولا متصلة به، ليست خارجة عنه ولا هي فيه، ليست مباينة له ولا محاثيه (٢)، لم توجد الذوات الأخرى حين وجدت خارج ذات الله ﷿ قريبًا أو بعيدًا ولا داخل ذاته. والمتكلمون وافق أكثرهم ابن سينا على هذا الأصل، ثم يقع الخلاف في التفريع فابن سينا وموافقوه يقولون: لا قدرة لله ﷿ ولا إرادة ولا علم بالجزئيات، واستحيا بعضهم فقال: يعلم ذاته، وعندهم أنه لا شأن لله ﷿ بخلق ولا تقدير ولا اختيار ولا تدبير، بل عندهم أنه سبحانه ليس برب للعالم، وإنما هو السبب الأول لوجوده في الجملة، وذلك أن
_________________
(١) واستعذ بالله من تلك الوساوس كما أرشد إلى ذلك الحديث وادع لها بالدعاء المأثور: «اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما له يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط المستقيم» . وآثر عن الشيخ ابن تيمية ﵀ أنه كان إذا أشكلت عليه مسالة توجه إلى الله تعالى وقال: يا معلم إبراهيم أهدني إليها. فيفتح عليه بها الفتاح العليم. م ع
(٢) ضد مباينة أي يوجد والكلمة مشتقة من (حيث) ظرف المكان، كما يقال: جلست حيث يجلس القاضي مثلًا.
[ ١٣٣ ]
أصول الموجودات عندهم أشياء قديمة:
أحدها: وجود محض هو عندهم الواجب لذاته، أو قل: «الله» .
الثاني شيء نشأ عن الأول بدون قدرة للأول ولا إرادة ولا علم! ويسمون هذا الثاني «العقل الأول» قالوا ونشأ عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك وهكذا إلى عشرة عقول وتسع أنفس وتسعة أفلاك! قالوا والعقل العاشر هو العقل الفعال وهو المدبر للعالم السلفي بواسطة الكواكب وتغير مواضعها. وشأن عندهم لله تعالى بالموجودات البتة خلا أنه كان في القدم سببًا محضًا لوجود العقل الأول بدون قدرة ولا إرادة ولا اختيار ولا علم! (١) ومن تدبر هذا علم أن البعوضة تملك من العلم والقدرة والإرادة والاختيار والتصرف مالا يسمحون لله ﷿ بلمك عشر معشاره! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. هذا مع ما في ترتيبهم المذكور على أصولهم فضلًا عن غير الاختلال، بل هو هو س يخجل العاقل من نسبة القول به إلى من يشاركه في الانسانية!
وقولهم: إن ذات الواجب وجود محض. أو رد عليه أن الوجود عندهم من المعقولات الثانية وهي عندهم أمور معدومة. فعلى هذا تكون ذاته عندهم عدمًا، والعدم لا يكون سببًا لوجود. أجاب بعضهم بأن الوجود الذي هو ذات الواجب في زعمهم وجود خاص وهو موجود وإنما المعدوم الوجود المتعارف، قالوا: والداعي لهم إلى القول بأن ذات الواجب وجود خاص أنها لوكانت شيئًا آخر احتاجت إلى ما يفيدها الوجود، فإن كان غيرها كانت ممكنة، أو بلسان الجمهور كانت هي أو جدت نفسها فهذا محال. وقد أطال المتكلمون البحث في هذا. ويمكن أن يقال على وجه الالزام: ذاك الوجود الخاص إن لم يكن متصفًا بهذا الوجود المتعارف، اتصف ضرورة بنقيضه وهو العدم، والمعدوم مفتقر في أن
_________________
(١) بل بطريق التولد وقد أوضح شيخ الإسلام الرد عليهم في تفسير سورة (الإخلاص) وأن ذلك من نوع نسبة الولد إلى الله تعالى التي نقته السورة المذكورة. م ع
[ ١٣٤ ]
يوجد إلى غيره حتمًا، وإن كان متصفًا به وقعتم فيما فررتم منه.
وفي (حواشي عبد الحكيم) على (شرح المواقف): «الصواب عندي أن لا إيجاد ههنا بل هو اقتضاء الماهية للوجود، والمقتضي لا يلزم أن يكون موجدًا، ألا ترى أن الماهيات مقتضية للوازمها وليست فاعلة لها كيف والإيجاد الخارجي لابد له من موجود وموجد في الخارج، وليس في الخارج ههنا إلا الماهية المقتضية للوجود، واعتبار التعدد فيها باعتبار أنها من حيث هي موجد ومن حيث الاتصاف بالوجود موجد إنما هو في الذهن» . (١)
أقول: فمن فهم هذا وقنع به فذاك، وإلا فينبغي أن يدع التعمق ويرجع إلى اليقين وهو أن الله ﷿ هو الحق الذي لم يزل، وأنه خالق كل شيء، وليستعذ بالله ولينته (٢) .
_________________
(١) أقول: وهذا الهوس نظير ما في الحديث من وسوسة الشيطان بقوله: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟. وعلاجه الاستعاذة بالله واللجوء إلى طب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. م ع
(٢) وليحمد الله أن عافاه من تفكير يؤدي إلى أن الله موجد - بتفج الجيم - في الذهن، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - فإن ابتليت من هذا الهو س فخدر نفسك من الجهل والغباوة والاشتغال بشيء من علوم الدنيا فلك وجبر وهندسة حتى تصحومن تلك السكرة ثم ابتدئ التفكير والنظر بأسلوب الأنبياء والصديقين وخذه من القرآن والحديث، وسيرة الرسول وخلفائه وسلف الأمة وسر في ركابهم واربط رقبتك في عجلتهم وتلمس غبار غبار قافلتهم، فإن نازعتك نفسك الا البحث الضيق فزج بها في أحضان علوم الكون والخليقة من فلك وطب وزراعة وسياسة واجتماع وصناعة فهي بحار تكفي لسباحة السابحين وخوض الخائضين، والغرق فيها مأمون العاقبة لا يخشى عليه الهلاك الأبدي والكفر بالله تعالى، بل أما انقاذ إلى شاطئ الحياة الدنيا، أو الموت على الإسلام شهيدًا أو قريبًا من صفوف الشهداء، ببركة البعد عن شكوك الشاكين في الله تعالى، وببركة السير على صراط أنبياء الله ورسله والصديقين والصالحين من عباده وحسن أولئك رفيقًا. م ع
[ ١٣٥ ]
معنى ثالث لاسمه تعالى: الواحد
وقد سمعت بعض الأكابر يذكر عن جد أبيه وهو من المشهورين أنه إذا كان ذكر له ما يسميه المتأخرون على التوحيد قال: «إنما هو علم التوحيل» .
أقول: وتلك المناقضات والمعارضات والوساوس بحر من الوحل لا ساحل له إلا من جهة واحدة فمن جاء من تلك الجهة فخاض في ذاك الوحل لم يزده الإمعان فيه إلا تورطًا، فالسعيد من أعانه الله ﷿ على الرجوع إلى الساحل. (١)
والمقصود هنا أن المتفلسفين لما أصلوا ذاك الأصل وهو أن ذات الله تعالى ليست منفصلة عن العالم ولا متصلة به أمعنوا في النفي كما تقدم. فأما المتكلمين الذين وافقوا على هذا الأصل فيضطربون في التفريع، يثبت أحدهم أمرًا فيجئ الذي بعه فيجد أنه مضطر إلى نفيه بمقتضى الاعتراف بذاك الأصل، وهكذا.
وعلى كل حال فابن سينا نفسه معترف بأن تلك الوحدة تأباها العقول الفطرية، وهي عقول الجمهور ومنهم الصحابة والتابعون، وتقطع أن حاصلها العدم المحض، ويعترف بأن الشرائع جاءت بضد تلك الوحدة وقد مر كلامه، ويوافق عليه من يتعانى التحقيق من المتكلمين كما يأتي في مسألة الجهة الغزالي والتفتاني، وإذا كان الأمر هكذا فلا ريب أنه لا وجه لحمل قول الله ﷿ «أحد» على تلك الوحدة، فلنطلب معنى آخر.
قال بعض السلفيين أنه «الواحد في الربوبية والألوهية لا رب سواه، ولا آله إلا هو» . وهذا المعنى محتاج إلى التطبيق على السياق، وسبب النزول، وذلك ممكن بنحوما مر في «الواحد» لكن يبقى هنا سؤال وهو: لماذا جاء الاسم «الواحد» في القرآن معرفًا وجاء «أحد» غير معرف؟
وهنا معنى ثالث. في كتب اللغة أنه قال «رجل وحد لا يعرف نسبه ولا أصله»، وعن ابن سيدة أنه يقال «رجل أحد» بهذا المعنى وفي القاموس «رجل
_________________
(١) ساحل السلامة من الفطرة وطريقة الرسل والأنبياء. م ع
[ ١٣٦ ]
معنى الصمد وأنه يستلزم أنه لم يلد ولم يولد
وحد وأحد محركتين ووحد ووحيد ومتوحد منفرد» قال شارحة: «وأنكر الأزهري قولهم: رجل أحد لأن أحدًا من صفات الله ﷿ التي استخلصها لنفسه» وفي القاموس (أح د): «الأحد بمعنى الواحد، أي الأحد لا يوصف به إلا الله ﷾» . قال الشارح بعد قوله: الأحد: «أي المعرف باللام الذي لم يقصد به العدد المركب كالعدد عشرة ونحوه» . ثم قال الشارح أخيرًا: «وهو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر، وقيل: أحديته معناها انه لا يقبل
التجزي لنزاهته عن ذلك، وقيل: الأحد الذي لا ثاني له في ربوبيته، ولا ذاته، ولا في صفاته» .
أقول: فالظاهر أن «وَحِد وأحد» الذي قالوا: أنه لا يعرف نسبه وأصله، وإنما حقيقته أنه بمعنى: منفرد، ثم لوحظ فيه التقييد، أي «منفرد عمن يكن من نسبه وأصله» . لا يوجد من يكون نسيبًا له، ولكن لما كان هذا ممتنعًا في الرجل إذ لابد في غير آدم وعيسى من أن يكون له أب ويغلب له عم وابن عم وإن بعد وغير ذلك وإنما غايته أن لا يعرف نسبه وأصله عبروا بهذا، والمعنى الحقيقي ثابت لله ﵎، فإنه لا نسيب له ولانسب البتة، وبهذا يتضح موافقة سبب النزول وهو قول المشركين للنبي ﵌: أنسب لنا ربك، ولما كان هذا الوصف قد يطلق على غيره تعالى بمعنى أنه لا يعرف نسبه وقد يطلق على آدم بمعنى أنه لا أب له وإن كان مخلوقًا من الطين، وكذلك عيسى وإن كان له نسب من جهة أمه ونحو هذا يقال في الملائكة وأبي الجان، لما كان الأمر كذلك قيل: «قل هو الله أحد» ولم يقل «الأحد» وأكد ذلك أن المشركين لما قالوا: أنسب لنا ربك، اقتضى ذلك أنهم يزعمون أن الله ﷿ ليس أحدًا بذاك المعنى بخلاف «الواحد» في الربوبية فإنهم يعترفون به كما تقدم. وهذا المعنى هو المناسب لسبب النزول كما مر، ومناسبته للسياق واضحة أيضًا.
وقوله سبحانه: (الله الصمد) تقدم في حديث البخاري في رواية «شتمه إياي قوله: اتخذ الله ولدًا، وأن الصمد » وفي حديث أبي العالية «فالصمد الذي لم
[ ١٣٧ ]
يلد ولم يولد..» وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب «الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوًا أحد» يظهر أن المراد أن الصمد يستلزم أنه لم يلد ولم يولد، وتوجيه ذلك يعلم مما يأتي: أخرج ابن جرير من وجهين صحيحين عن مجاهد قال: «الصمد المصمت الذي لا جوف له» . ومن وجه صحيح عن الحسن البصري قال: «الصمد الذي لا جوف له» . ومن وجه صحيح عن سعيد ابن جبير سئل عن الصمد فقال: «الذي لا جوف له» . ومن وجه صحيح عن عكرمة قال «الصمد الذي لا جوف له» . ومن وجه آخر صحيح عن عكرمة أيضًا قال: «الصمد الذي لا يخرج منه شيء» زاد في رواية «لم يلد ولم يولد» . ومن وجه صحيح عن الشعبي قال: «الصمد الذي لا يطعم الطعام» . وفي رواية «الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب» . ومن وجه فيه ضعف عن عبد الله بن أبي بريدة عن أبيه قال عبد الله: «لا أعلمه إلا قد رفعه (يعني إلى النبي ﵌) قال: الصمد الذي لا جوف له» ومن وجه فيه ضعف عن ابن عباس قال: «الصمد الذي ليس بأجوف» . ومن وجه ضعيف عن ابن المسيب قال: «الصمد الذي لا حشوة له» .
هذه الأقوال كلها تعود إلى مثل قول مجاهد، واستلزم هذا المعنى لنفي الولد والوالد كما في حديث البخاري وحديث أبي العالية وقول محمد بن كعب ظاهر، وذلك أن من يكون كذلك لا يمكن أن يكون له ولد على الوجه المعروف في التناسل أو نحوه، لأن ذلك يتوقف على أن يخرج من جوف الأب شيء يتكون منه الأب، وهكذا من كان كذلك لا يكون له أب لأن الأب لابد أن يكون شبيه الابن في الذات، ففرض أب للمصمت الذي لا جوف له يستلزم نفي الأبوة - وهذا المعنى مع صحته عن أكابر من التابعين كما رأيت واضح المناسبة للسياق، ولحديثي البخاري وأبي العالية، ولتقديم «لم يلد» فإن دلالة هذا المعنى على أنه لم يلد أقرب من دلالته على أنه لم يولد كما لا يخفى. لكن أخرج ابن جرير من وجه صحيح عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: «الصمد السيد الذي قد انتهى
[ ١٣٨ ]
رد الشيخ محمد عبد الرزاق على المصنف في تدليس الأعمش
سودده» . وقال: «حدثنا علي (١) قال: ثنا أبوصالح قال ثنا معاوية عن علي عن إسماعيل عن ابن عباس في قوله: «الصمد»، يقول: السيد الذي كمل في سودده والشريف الذي قد كمل شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته التي لا تنبغي إلا له» .
والسند عن أبي وائل فيه الأعمش، وهو مدلس مشهور بالتدليس، وربما دلس عن الضعفاء، (٢) والسند عن ابن عباس فيه كلام وهو مع ذلك منقطع، علي ابن أبي
_________________
(١) علي هو ابن داود بن يزيد التميمي القنطري من شيوخ ابن جرير ومن تلاميذ أبي صالح عبد الله ابن صالح كاتب الليث بن سعيد عن معاوية بن صالح الحضرمي عن على بن أبي طلحة الوالي عن ابن عباس ﵁. م ع قلت: القنطري هذا ثقة صدوق، ولم يتفرد به. فقد قال ابن أبي حاتم في «تفسيره» حدثنا أبي ثنا أبوصالح به. كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في «تفسير سورة الإخلاص» ص ٥، لكن السند فيه ضعف وانقطاع كما يأتي عن المصنف رحمه الله تعالى. ن
(٢) رواية الأعمش عن أبي وائل معتمدة في «الصحيحين» لاختصاصه به، فلا يضره وجود شيء من التدليس في غير روايته عن أبي زائل، ولو تنطعنا في رد رواية رمى بشيء من التدليس لرددنا رواية كثير من الأئمة كمالك والثوري وغيرهما، راجع رسالة الحافظ ابن حجر في مراتب المدلسين. وأما رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فأقصى ما يكون من أمرها أخذها عن مجاهد وابن جبير وهما من خيار ثقات أصحاب ابن عباس، فاستندت إلى أقوى ركنين من أركان الرواة عن ابن عباس فزادت قوة بما يظن أنه يوهنها، ولذلك اعتمدها أئمة التفسير المأثور كابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما. والله أعلم. م ع قلت: ما ذكر فضيلته في رواية الأعمش عن أبي وائل وجيه، وكذلك رواية علي عن ابن عباس، إن ثبت أن بينهما مجاهد وسعيد، ولكن أين السند بذلك؟ وما ذكره من =
[ ١٣٩ ]
طلحة أجمع الحفاظ كما في (الإتقان) عن الخليلي على أنه لم يسمع من ابن عباس، وقال بعضهم: إنما يروي عنه بواسطة مجاهد أوسعيد بن جبير.
ولا دليل على أنه لا يروي عنه بواسطة غيرهما، والثابت عنهما في تفسير الصمد خلاف هذا كما مر، لكن ابن جرير قال: «الصمد عند العرب هو السيد الذي يصمد إليه الذي لا أحد فوقه، وبذلك تسمى به أشرافها ومنه قول الشاعر:
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد بعمروبن مسعود وبالسيد الصمد
وقال الزبرقان: ولا رهينة إلا سيد صمد.
فإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الكلمة المعنى المعروف من كلام من نزل القرآن بلسانه، ولوكان حديث ابن بريدة صحيحًا كان أولى الأقوال بالصحة لأن رسول الله ﵌ أعلم بما عنى الله جل ثناؤه وبما أنزل عليه.
أقول: الذي يدل عليه البيتان مع مراعاة الاشتقاق أن «صمد» بمعنى: مصمود
_________________
(١) = اعتماد ابن جرير وابن أبي حاتم لروايته عن ابن عباس، فيه نظر، فإن مجرد الاعتماد على الرواية لا يدل على ثبوت إسنادها، لجواز أن يكون هناك ما يشهد لها من سياق أوسبب نزول، وأو غير ذلك، مما يسوغ به الاعتماد على الرواية مع كون إسنادها في نفسه ضعيفًا. على أنه ليس من السهل إثبات أن الإمامين المذكورين اعتمدا هذه الرواية في كل متونها، الله إلا إن كان المقصود بالاعتماد المذكور إنما هو اخراجهما لها، وعدم الطعن فيها، وحينئذ، فلا حجة لثبوت اخراجهما لكثير من الروايات بالأسانيد الضعيفة، وقد ذكرت بعض الأمثلة على ذلك من رواية ابن أبي حاتم في بعض تأليفي، منها قصة نظر داود ﵇ إلى المرأة وافتتانه بها وقصة هاروت وماروت، وقد خرجتهما في «سلسة الأحاديث الضعيفة» برقم (٣١٤ / ١٧٠) . على أنه لو سلمنا بما ذكر فضيلته من الاتصال، فلا يسلم السند إلى علي من كلام كما ذكره المصنف، مشيرًا بذلك إلى الضعف الذي عرف صالح كاتب الليث، ففي «التقريب»: «صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة» . ن
[ ١٤٠ ]
إليه كثيرًا، فأما زيادة «الذي لا أحد فوقه» فتؤخذ في الآية من القصر الذي يقتضيه تعريف الجزئين. وهذا المعنى وإن كان كأنه أشهر في العربية فالمعنى الأول معروف فيها، والاشتقاق يساعد المعنيين، وفي (اللسان): «قال أبو عمرو: الصمد من الرجال الذي لا يعطش ولا يجوع في الحرب وأنشد:
وسارية فوقها أسود بكفي سبتني ذفيف صمد
(السارية) الجبل المرتفع الذاهب في السماء كأنه عمود، والأسود العلم بكف رجل شجاع» .
أقول: وهذا على المبالغة أي كأنه لا جوف له فيجوع ويظمأ. وكفى دلالة على صحة المعنى الأول ثبوت القول به من أئمة التابعين، ثم هو الأوضح مناسبة للسياق وسبب النزول. وذهب بعض الأجلة (١) إلى تصحيح كلا المعنيين. وهذا إما مبني
_________________
(١) كأنه يعني به شيخ الإسلام ابن تيمية في «تفسير سورة الإخلاص» له. وتصحيحه للمعاني الواردة على أئمة المفسرين من الصحابة والتابعين ليس من باب استعمال المشترك في معنيه أو معانيه ولا من باب التخيير الإباحي ولكنه ﵁ صححها كلها لأنها متلازمة، ولك معنى منها وجه من وجوه معنى الصمد، فالسيد الذي كمل في سؤدده وعلمه وحلمه وحكمته وغناه هو الذي استغنى عن الطعام والشراب، وتعالى عن الجوف والبطن والمعدة والأمعاء. وشيخ الإسلام يرى فيما نقل من أقوال السلف في التفسير أنها متلازمة متشابهة لا اختلاف فيها، وكثير منها بل أكثرها من باب التمثيل وتقريب المعنى، ويذكر وجه من وجوهه ونوع من انواعه، كما لوسألك أعجمي عن الخبز فأشرت إلى رغيف وقلت له هذا، وأشار إلى رغيف بشكل آخر، وقال: الخبز هذا، وأشار ثالث إلى فطير أو بقسماط أو بقلاوة، وقال: مثل هذا، فتجمع هذه التفاسير عند الأعجمي على معنى كلي أنه ما صنع من دقيق الحب، ولوتنوعت كيفيات الصناعة، فكلها خبز أو من نوع الخبز أو شبيه به وحينئذ فلا تعارض ولا تناقض. وكذلك إذا تأملنا تفاسير السلف للصمد وجدناها متلازمة يشرح بعضها بعضًا ويبني بعضها بعضًا تجتمع كلها على إثبات عظمة الله وتنزيهه عن النقائص. والله أعلم. م ع
[ ١٤١ ]
على صحة استعمال اللفظ المشترك في معنييه معًا، وإما على ما يشبه التخيير الإباحي، كأنه قيل: من فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب، ومن فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب.
والمتكلمون يقولون: إن المعنى الأول محال على الله ﷿، لأن ذلك من صفات الأجسام، ولا شأن لنا الآن بهم، وإنما الكلام ههنا فيما فهمه المخاطبون الأولون، وقد سمعت قول كبار التابعين المروي عن بعض الصحابة، ومن الواضح أنه لا ينافي المعناي التي ينكرها المتعمقون من آيات الصفات وأحاديثها، وكذلك المعنى الثاني لا ينافيها وإنما حاصلة أن الله سبحانه هو الذي يعمد إلى الخلق فيما قصده فيما يهمهم، وحاصلة أنه سبحانه المنفرد بالربوبية واستحقاق الألوهية، «ومن لوازم ذلك نفي النقائض عنه» . (١)
قوله تعالى: «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ» واضح ليس فيه ما ينافي تلك المعاني.
قوله سبحانه: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» مر في حديث أبي العالية: «ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء» وأخرج ابن جرير من نسخة على بن أبي طلحة عن ابن عباس: «ليس كمثله شيء فسبحان الله الواحد القهار» وأخرج من وجه صحيح عن مجاهد قال: «صاحبة»، والمعنى الأول متضمن للثاني، والمنفي ههنا هو الكفء، والمشاركة الإجمالية في الوجود والعالمية والقادرية وغيرها ليست مكافاة إذ الواقع «في الوجود» (١) إنما هو وجود ذاتي واجب كامل، ووجود مستفاد ممكن ناقص، وقس على ذلك، فلوفرض أن تلك المشاركة يصح عليها مشابهة، فالمنفي هنا هو الشبيه المكافئ، فليس في هذا أيضًا ما ينافي المعاني التي ينكرها المتعمقون.
_________________
(١) زيادة من فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. ن
[ ١٤٢ ]
المقصد الرابع
المتكلم: أمهلوني حتى أعيد النظر في المقاصد الثلاثة الأولى، وأفكر فيها.
الناقد:فليتكلم السلفي في بقية المقاصد، الرابع فما بعده.
السلفي: كان العرب الذين خوطبوا بالقرآن والسنة أولًا كغيرهم من الناس بعقولهم الفطرية وما توارثوه عن الشرائع أن الله ﷿ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فكانوا يعلمون أنه سبحانه ليس بحجر ولا كوكب ولا إنسان ولا طائر ولا جني ولا ملك ولا من المخلوقات التي عرفوها والتي لم يعرفوها بل هو رب كل شيء وخالقه. وقد شهد لهم القرآن بأنهم كانوا يعتقدون وجود الله ﷿ وربوبيته، وأنه يرزق من السماء والأرض، والذي لملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدبر الأمر كله، وله الأرض وما فيها، رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، خلق السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له، ينزل من السماء ماء فيحي به الأرض، خلق السماوات والأرض وهو العزيز العليم. إلى غير ذلك. انظر سورة (يونس): ٣١، وسورة (المؤمنون): ٨٤ - ٨٩، وسورة (العنكبوت): ٦١ - ٦٣، وسورة (الزمر): ٣٨، وسورة (الزخرف): ٩ و٨٧، وسورة (البقرة): ٢١ - ٢٢ و(تفسير ابن جرير) ج ١ ص ١٢٦.
وكانوا كغيرهم من أصحاب العقول الفطرية يعلقون أن الله ﷾ ذاتًا قائمة بنفسها، ولم يكن ذلك موجبًا أن يتوهموا أنه من جنس ما يرونه ويلمسونه، ولا مماثلًا لشيء من ذلك فقد كانوا يعتقدون وجود الجن والملائكة، وأنها قد تكون بحضرتهم وهم لا يرونها، ولا يسمعون كلامها ولا يحسون بمزاحمتها لهم، ويعلمون
[ ١٤٣ ]
أن الله ﷿ أعلى وأجل وأبعد عن مماثلة ما يرونه ويلمسونه وكانوا كغيرهم من الناس يعلمون أن الموجود القائم بنفسه حقيقة لا يمكن أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا قريبًا من غيره من الذوات ولا بعيد عنها، فكانوا يعتقدون أن الله ﵎ فوق عرشه الذي فوق سمواته.
ولم يكونوا إذا قيل لهم: يد الله، مثلًا ليفهموا من ذلك يدًا كأيديهم،، فإنهم يعلمون أن المضاف يختلف باختلاف المضاف إليه، يقال: رأس جرادة، رأس حمامة، رأس إنسان، رأس حصان، فيختلف كما ترى، فما بالك بنحو «يد الله» مع ما قدمنا انهم كانوا يعلمون أنه تعالى ليس بإنسان ولا جني ولا ملك ولا مماثل لشيء من ذلك ولا لغيرها من مخلوقاته، وأنه أعلى وأجل وأكبر من ذلك كله، وأنهم كانوا يعتقدون وجود الجن والملئكة وأنها قد تكون بحضرتهم، لا يرونها ولا يسمعون كلامها ولا يدركون لها حسًا ولا أثرًا، ويعلمون أن الله ﵎ أعلى وأجل وأبعد عن مماثلة المحسوسات، والإنسان إذا كان يعرف المضاف إليه أو مثله أمكنه تصور المضاف تحقيقًا أو تقريبًا يتأتى معه أن يقال: مثل، أو شبيه، ولم يبق هناك إلا إجمالي، فإذا كان المضاف إليه هو الله ﷿ لم يتصور من يده مثلًا إلا ما يليق بعظمته وجلاله وكبريائه، فلا يلزم من تلك المشاركة الإجمالية أن تكون يده مثل المخلوق ولا شبيهة بها بمقتضى لسان العرب الفطري، فإنه لا يطلق في مثل ذلك «ذاك شبيه بهذا» وقد سبق في أو اخر الكلام على قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» ما ينبغي تذكره.
فينبغي استحضار هذا لئلا يتوهم أن العرب كانوا يعتقدون أن لله ﷿ يدين يدي إنسان أو مثلها أو يجوزون ذلك، أو فهموا ذلك من قول الله تعالى: «خلقته بيدي» وقس على هذا، فإن كان في بعض النصوص ما يوهم ظاهره المماثلة فعقول القوم كانت قريبة كافية لصرفه عن ذلك، إلا أن تكون مماثلة في مطلق أمر فهذه قد تقدم تحقيقًا في الكلام على قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» .
قال السلفي: وليست جميع النصوص المتعلقة بالعقائد موافقة لما كان عليه
[ ١٤٤ ]
العرب، فقد كانوا ينسبون إلى الله تعالى الولد، وينكرون البعث، إلى غير ذلك مما رده عليهم القرآن.
المقصد الخامس إلى الثامن
قال السلفي: لسنا نلتفت إلى دعوى ابن سينا ومن وافقه ولا إلى نظرهم المتعمق فيه بل نقول: كل ما كان حقًا في نظر المأخذين السلفيين فهو حق، وكل ما كان باطلًا في نظرهما فهو باطل، وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية، وبذلك تسقط دعواهم وما بني عليها.
وحاصل كلام ابن سينا ومن وافقه إنما هو نسبة الكذب إلى الله تبارك في كثير مما أخبر به عن نفسه وغيبه، وإلى الرسول في كثير مما أخبر به عن ربه، فإن منهم من اعترف، ومنهم من تقوم عليه الحجة، بأن من تلك النصوص في دلالتها على المعنى الذي يزعمون بطلانه ما هو ظاهر بين، وما هو صريح واضح، وما هو مؤكد مثبت، مع أنه ليس في المأخذين السلفيين ما يصح أن قرينة تصرف أفهام المخاطبين الأولين من كان مثلهم عن فهم تلك الظواهر، بل فيها ما هو واضح كل الوضوح بل، فيها ما هو واضح كل الوضوح في تثبيت تلك الظواهر.
ولا يقتصر أمرهم على هذا بل يلزمه أن يتناول الكذب في زعمهم جميع النصوص الواردة في الثناء على الله ﷿، وعلى رسوله وعلى كتابه، وعلى دين الإسلام - بالصدق والحق والهداية والبيان والإبانة ونحوذلك كقول الله ﷿ «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا» وغير ذلك مما لا يحصى.
[ ١٤٥ ]
ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة تنزيه الله ﷿ عن الكذب، وتنزيه أنبياءه عن الكذب عليه أي فيما أخبروا به عنه أو عن دينه. وقد تقدم الكلام في ذلك، وفيه بيان تنزههم عن تعمد الكذب فيما عدا ذلك، فإن ثبت أن كلمات إبراهيم ﵇ مما يطق عليه اسم الكذب، فاظاهر أنها كانت قبل النبوة كما مر، وبالجملة فهي أشد ما حكي عنه الأنبياء، فقد سماها إبراهيم ومحمد ﵉ «كذبات» وسميت في الحديث «خطايا» ويرى إبراهيم ﵇ أنها تقعد به عن رتبة الشفاعة في المحشر، وتقتضي أن يستحي من ربه ﷿.
وأرى أن أو ازن بين تلك الكلمات وبين النصوص التي زعم المتعمقون بطلان معانيها
الظاهرة ليتضح للناظر أنه يلزم أن يكون إبراهيم أصدق من رب العالمين - لا من محمد فحسب - بدرجات لا نهاية لها. وذلك من وجوه:
الأول: أن كلمات إبراهيم ثلاث فقط لم يقطع منه طول عمره غيرها، وتلك النصوص تبلغ آلافًا، عن أنهم يزعمون أن نصوص التوراة وسائر كتب الله ﷿ كذلك.
الثاني: أن كلمات إبراهيم في مقاصد موقتة، وتلك النصوص تعم الأزمنة إلى يوم القيامة.
الثالث: أن كلمات إبراهيم تتعلق بالذين خاطبهم فقط وتلك النصوص تعم حاجة الناس إليها إلى يوم القيامة.
الرابع: أن كلمات إبراهيم في مقاصد دنيوية ليس فيها إخبار عن الله ﷿ ولا عن دينه، وتلك النصوص في أصل الدين وأساسه.
الخامس: ان إبراهيم لم يكن عند الذين خاطبهم نبيًا فيشتد وثوقهم بخبره، وفي الحديث: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك به مصدق وانت له لك به
[ ١٤٦ ]
كاذب»، (١) وتلك النصوص مخاطب بها المسلمون الذين يؤمنون بأن القرآن كتاب الله وأن محمدًا رسول الله.
السادس: أن إبراهيم لم يكن قد التزم لمخاطبيه أن لا يحدثهم إلا بالصدق، وتلك النصوص في الكتاب والسنة، وقد قال تعالى: «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا»، «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا»، «الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ» وغير ذلك.
السابع: أن كلمات إبراهيم قريبة لإحتمال المعنى الواقع، وتلك النصوص أكثرها بغاية البعد عما يزعم المتعمقون أنه الواقع.
الثامن: أن كلمات إبراهيم لم تؤكد، تلك النصوص كثير منها مؤكدة فيما هي ظاهرة فيه غاية التأكيد.
التاسع أنت كلمات إبراهيم لت تكرر، وتلك النصوص تكرر كثير منها في الكتاب والسنة.
العاشر: أن حال إبراهيم كانت ظاهرة للمخاطبين مقتضية أن يترخص في إيهامهم، وتلك النصوص على خلاف ذلك، فلم تكن حال محمد ﵌ تقتضي إلا الصدق المحض، فأما رب العالمين فما عسى أن يقال فيه؟
الحادي عشر: أن إبراهيم احتاج إلى تلك الكلمات، ولم يكن يمكنه قبل ذلك الاستعداد للحوادث لتلك الحوادث بما يغنيه عن تلك الكلمات أو نحوها، وتلك النصوص على خلاف هذا - لولم تكن حقًا، فإن الله ﷿ إنما خلق الناس لعبادته كما تقدم تقريره أو ائل الرسالة، فلوكان الحق في نفس الأمر ما يزعمه المتعمقون لخلق الله
_________________
(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وأبو داود في «السنن» من حديث سفيان بن أسيد، وفيه ضبارة بن مالك وهو مجهو ل. ورواه أحمد من حديث النوارس بن سمعان، وفيه عمر بن هارون وهو متروك كما في «التقريب»، فمن قال في إسناده: «جيد»، فقد تساهل أو هم. ن
[ ١٤٧ ]
تعالى الناس على الهيئة التي ترشحهم لإدراك ذلك بدون صعوبة شديدة، وذلك بأن يزيد في عقولهم ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما يقرب إدراك الحق إلى أذهانهم، حتى إذا خاطبهم به في كتبه، وعلى ألسنة رسله، ونبههم على الدلائل القريبة في ذلك أمكن من يحب الحق منهم ويرغب فيه أن يفهم ذلك ويدركه.
فنقول للمتعمقين: ألم يعلم الله ﷿ ما يكون عليه حال الناس؟ أم علم ولكن لم يقدر على أن يخلقهم على الهيئة المذكورة ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما ذكر؟ أم علم وقدر، ولكن لم يعبأ باقتضاء الحكمة، فضطر سبحانه وحاشاه - أخيرًا إلى الكذب والتلبيس الذي يوقع الناس في نقيض ما خلقهم لأجله في ا؟ لأصول وحرصًا على أن يقبلوا بعض الفروع؟ هذا مع ما يترتب على ذلك من المفاسد كما يأتي.
الثاني عشر: أن كلمات إبراهيم كان إبراهيم محتاجًا إليها حاجة محققة، وتلك النصوص - لولم تكن حقًا - على خلاف ذلك، فإن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بوجود الله وربوبيته وغير ذلك، كما سلف في الجواب عن المقصد الرابع، فلوبنى الشرع أولًا على ما كانوا يعترفون به مما يعترف المتعمقون أنه حق في نفس الأمر، وعلى ما يشبه ويقرب منه، وسكت عن غيره مما تأباه عقولهم، لم يكن ما ينفرهم عن قبول الشرع، فأي حاجة دعت إلى أن يخاطبوا بما يزعم المتعمقون أنه باطل؟
بل أقول: لوجاءهم الشرع بالأصل الجامع في الجملة لما يزعمه المتعمقون، وهو أن الله
﷿ ليس داخل العالم ولا خارجه، ثم كرر الدعوة والاستدلال كما صنع في إثبات ما كانت عقولهم تأباه من قدرة الله ﷿ على حشر الأجساد، وكما صنع في نفي ما كانت عقولهم تتقبله أو توجبه من أن الله ﷿ ولدًا - لكان فيهم من يخضع لذلك، ثم لا يزالون يزدادون، وأنت ترى من لا يحصي من المنتسبين إلى العلم وطلبه وقبلوا ذاك الأصل الجامع، وبعض فروعه ممن أحسنوا به الظن من المتكلمين؛ فقلدوه في ذلك وتعصبوا له، وعادوا من يخالفه، غير مبالين
[ ١٤٨ ]
بعقولهم، ولا بنصوص الكتاب والسنة، ولا بمخالفة من هو أجل عندهم ممن قلدوه.
وقد جاء أفراد بمقالات تنبذها العقول الفطرية، ويردها النظر المتعمق فيه، ومع ذلك تبعهم من لا يحصى، والعرب إنما كانوا يستندون في إنكار ذاك الأصل إلى عقولهم الفطرية وكان النبي ﵌ عندهم أوسطهم نسبًا، وأفضلهم خلقًا، معروفًا بينهم بالصدق والأمانة، والعدل وحب الحق والحرص عليه، ولا يريد رياسة ولا جاهًا، ثم جاءهم بالمعجزات، فلوجاءهم بذاك الأصل ونحوه أما كان يجد منهم من يقلده ويتبعه كما وجد المتعمقون والأفراد الآخرون، بل كما وجد الرسول نفسه في نفي نسبة الولد إلى الله ﷿، وفي إثبات حشر الأجساد؟ وسيأتي في الجواب عن المقصد العاشر على هذا.
وهب أن الحاجة دعت إلى إظهار موافقتهم على ما يخالف ذاك الأصل وبعض فروعه وأنه ساغ ذلك، فقد كان يكفي نص أو نصان أو ثلاثة مما هو ظاهر في غير ما يوافقهم محتمل لما يوافقهم، فيحملون ذلك على ما يوافقهم وأهو ائهم، فإن كان ولابد فما يحتمل المعنيين على السواء، أو يكون ظاهرًا فيما يوافقهم ظهورًا ضعيفًا، غايته أن يكون نحوكلمات إبراهيم، فما بال الكتاب والسنة مملوأين بتلك النصوص التي يزعم المتعمقون أن ظاهرها باطل، ومنها ما ظاهر بين، وما هو صريح واضح، وما هو واضح، وما هو محقق مثبت مؤكد، فهل كانت الضرورة تدعوة إلى ذلك كله؟
الثالث عشر: كلمات إبراهيم لم تقتض الحكمة أن يتداركها بالبيان في الدنيا لأنها كانت في قضايا مؤقتة، ولم تترتب عليها مفسدة ما كما تقدم، وتلك النصوص لوكانت لما يزعم المتعمقون لاقتضت الحكمة اقتضاء باتًا أن يتبعها الشرع بما يتبين الحق، ولم يقع من هذا شيء، فأما الإشارات المذكورة في المقصد الثالث فقد مر الكلام فيها.
فإن قيل: وكَلَهم الشرع إلى العقل.
[ ١٤٩ ]
بيان المفاسد التي تترتب من النصوص التي زعموا بطلانها إن كانت كما زعموا
قلنا: العقل الفطري يوافق تلك النصوص كما تقدم، والنظر المتعمق فيه جاء في الشرع التنفير عنه وعن أهله، هذا مع الأمر المؤكد بالوقوف مع الكتاب والسنة والاعتصام بهما، ة الحكم بالزيغ والضلال والكفر على من خالفهما، وتأكيد أن الحق كله فيهما، وأن الدين قد كمل لهما، والأمر بالرجوع عند التنازع إليهما، وبيان أن الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الرسول يهدي إلى صراط مستقيم، وغير ذلك.
الرابع عشر: كلمات إبراهيم ﵇ يظهر من تسميتها خطايا، ومن خجله واستحيائه من ربه في المحشر من أجلها انه ندم عليها في الدنيا، وعزم أن لا يعود إلى مثلها، وتلك النصوص لم يرد ما يشير إلى ندم محمد ﵌ من اجلها، بل الوارد خلاف ذلك، فأما الرب ﷿ فهو عالم الغيب والشهادة.
الخامس عشر: أن كلمات إبراهيم لم تترتب عليها مفسدة ما، بل ترتب عليها درء مفاسد عظيمة، وتحصيل مصالح جليلة، فقوله: «هي أختي» ترتب عليها سلامة إبراهيم من بطش الجبار، وسلامة الجبار وأعوانه من ذاك الظلم. وقوله: «إني سقيم» ترتب عليها تمكنه من تحطيم الأصنام، وما تبع ذلك من إقامة الحجة. والثالثة ترتب عليها إقامة الحجة على عباد الأصنام حتى اضطروا إلى الاعتراف، فقال بعضهم لبعض: «إنكم أنتم (١) الظالمون» . وأما النصوص التي يكذب المتعمقون معانيها التي هي فيها ما بين ظاهر بين، وصريح واضح، ومحقق مؤكد. فإن كانت كما يزعم المكذبون فقد ترتب عليها مفاسد لا تحصى.
الأولى: لزوم النقص كما تقرر في الوجوه السابقة حتى لولم يخلق الله تعالى الناس لما لزم مثل ذاك النقص، ولا ما يقاربه، بل لا يلزم نقص فيما أرى.
الثانية: تثبيت الاعتقاد الباطل في أصل الدين وحمل الناس عليه.
_________________
(١) الأصل «لأنتم» . ن
[ ١٥٠ ]
الثالثة: حمل كثير ممن يسميهم ابن سينا «الخاصة» وهم المتعمقون في النظر العقلي على تكذيب الشرع البتة لأنهم يرون فيه تلك النصوص التي يرون أن معانيها باطلة، فيقولون: لو كان هذا الشرع حقًا ما جاء بالباطل، والله تعالى أعز وأجل مكن أن يجل أو يكذب، والأنبياء الصادقون لا يجهلون ولا يكذبون عليه، واعتذار ابن سينا باطل كما ترى. فإن قيل أما هذم المفسدة فهي حاصلة على كل حال، قلت: لكن إن كانت النصوص كما يقول المكذبون كانت تبعة هذا المفسدة عليها.
فأما إذا كانت حقًا كما يقول السلفيون فإن تبعة هذه المفسدة تكون على التعمق في النظر وتقديم ما يلوح منه على الفطرة والعقول الفطرية وكلام الله وكلام رسوله، وبعبارة أخرى تكون تبعتها على إتباع الهوى، وإيثاره على الحق، ويكون ذلك بالنظر إلى الشرع مصلحة.
الرابعة: حمل أشد المؤمنين إخلاصًا وأقواهم إيمانًا بالله ورسوله، وألزمهم اعتصامًا بالكتاب والسنة - على تضليل أو تكفير من يظهر خلاف تلك النصوص من «الخاصة»، وحمل «الخاصة» على تجهيل أولئك المخلصين وتضليلهم والسخرية منهم.
ومن أعجب العجب أن الفريقين إذا علما ما في الافتراق في الدين من الفساد طلبًا من الدين نفسه الذي أو قعها - على زعم المتعمقين - في الافتراق، وقد زجر عنه - أن يدلهما على المخلص، فلا يجد أن إلا قول الله ﷿: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» النساء - ٥٩.
فيتداعى الفريقان الى تحكيم الكتاب والسنة، فأما السلفيون فيقولون: ذلك ما كنا نبغي، وأما «الخاصة» فيعلمون أنهم إن أجابوا قضى الكتاب والسنة قضاء باتًا بتلك النصوص، وإن أعرضوا تلا السلفيون ما يلي تلك الآية «أَلَمْ تَرَ
[ ١٥١ ]
تحقيق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة أنه لا يجوز استعمال المثل الأعلى إلا لله ﷿ خلافا لكتاب العصر (تعليق)
إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا» . النساء - ٦٠ - ٦١.
وقوله بعد ذلك: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» . النساء - ٦٥.
الخامسة: إن وقوع الكذب في بعض النصوص الشرعية يفتح الباب لتكذيب الشريعة كلها حتى على فرض قبول اعتذار ابن سينا، هذا هو نفسه لما علم أن المتكلمين يوافقونه في بعض النصوص الاعتقادية فيزعمون أن ظواهرها باطلة جر ذلك إلى نصوص أخرى في العقائد، ثم إلى نصوص تتعلق بالملائكة والنبوة والأرواح، ثم إل النصوص المتعلقة بالبعث والنشور والجنة والنار وغير ذلك، ثم ختم بأن قضى على كل من يريد أن يكون من «الخاصة» بأن لا يلتفت إلى الشرع فيما للرأي فيه مجال، ففتح الباب بمصارعه ومهد لأصحابه الباطنية وغيرهم.
ولا ريب أنه لو جاز أن يكون في النصوص الشرعية كذب وتلبيس دعت إليه مصلحة ما وإن عارضتها عدة مفاسد، لم يسلم نص من النصوص من احتمال ذلك، وإنما حاصل هذا أن الشرع باطل، وأن الأنبياء إنما أتبعوا أهواءهم، وأحسن أحوالهم عند «الخاصة» أن يكونوا أتبعوا تخيلاتهم.
والحق الذي لا يرتاب فيه مؤمن تنزيه الله ﷿ وكتبه ورسله عما يقول الظالمون الذين يسمون أنفسهم الخاصة، وأن اتباع الأهواء والتخيلات هي صفة أولئك الفجار، «لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ» ثم لرسله (١) «الْمَثَلُ
_________________
(١) بل المثل الأعلى لله وحده وهو تفرده بالصمدية والسؤدد والكمال وتنزهه عن كل عيب ونقص وشين وذم. فالكتاب العصريون الذين استعملوا المثل الأعلى في مطمح النظر والكمال المرجو لمن يتطلبه قد حرفوا المثل الأعلى أن يقال: ولله المثل الأعلى فس الوصف بالكمال ولرسله البيان الواضح والبلاغ المبين فيما أخبروا عن الله ولله وصفه كما قال تعالى: (سبحان رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) . قال الشيخ ابن تيمية ما معناه: نزه نفسه عما وصفه به المبطلون، وسلم على المرسلين لسلامة أقوالهم عما لا يليق بالله تعالى إثباتًا ونفيًا، وحمد نفسه على وصفه، بربوبية رب العالمين آه ملخصًا بالمعنى في تفسير الآية من «الواسطية» وأما إستنكار وصف غير الله تعالى بأنه له المثل الأعلى، فقد أستفدته من محاورة بعض شيوخ الهند المحققين. والله أعلم. م ع
[ ١٥٢ ]
الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» . النحل - ٦٠.
المقصد التاسع
قال السلفي: المقصد التاسع مبني على ما قبله وقد علم حاله، وما ذكر من أن الفرض على هؤلاء كذا وعلى هؤلاء كذا لم يذكره ابن سينا، ولكنه قد يؤخذ من كلامه، وقد نحا الغزالي في بعض كتبه قريبًا من هذا المنحي، وصرح به ابن رشد في كتبه وزاد فأو جب على «الخاصة» أن يكتموا نتائج تعمقهم المخالفة للدين، وأن إظهارها كفر أنه يحمل العامة على الكفر.
وأقول: كان الحق على المتعمقين عندما برون مخالفة بعض نتائج تعمقهم للدين أن يعملوا بنصيحة ذاك الفريق من الفلاسفة القائلين أن النظر المتعمق فيه لا يوثق به في الآلهيات كما تقدم في الباب الأول، وحينئذ يحصرون تعمقهم في البحث عن الطبيعيات ونحوها، فإن أبى أحدهم فاليقصر داءه على نفسه على فلا يعلم ولا يصنف ولا يناظر، فإن اضطر إلى الذب عن الدين فليخل بمن يطعن في الدين وليقل له: لم يخف عنا ما بدا لك، ولكن عرفنا ما مل تعرف فإن الشرائع الحقة جاءت بما تنكره، فإما أن يكون الحق ما جاءت به إذ من المحال أن يخطئ الله وأنبياؤه، وتصيب أنت بنظرك الذي قد جربت عليه الخطأ والغلط غير مرة، وإما أن تكون الشرائع جاءت
[ ١٥٣ ]
بما يصلح الجمهور على علم بما فيه، وعلى كلا الحالين لا ينبغي معارضتها، فإن أبيت فأني أرى علي أن أرد عليك، وأقدح فيما تستدل به.
أقول: ومن تأمل طرق استدلالهم ومناقضاتهم ومعارضاتهم عرف أنه لا يصعب على الماهر في كلامهم الدفاع عن تلك النصوص، وأنفعل مع اعتقاده خلافها لم يكن عليه عند نفسه غضاضة في علمه ولا دينه - إن كان متدينًا - لأنه إنما رضي لنفسه من ذلك ما يرى أن رب العالمين رضيه لنفسه ولأنبيائه ورسله، وقد وبخ الله ﷿ المشركين في قولهم أن له سبحانه بنات مع كراهيتهم أن تكون لهم بنات، قال تعالى: «أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى» النجم - ٢١ - ٢٢
وقال سبحانه: «أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا
ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ» الزخرف - ١٦ - ١٧ - ١٨
مع أن المشركين فيما أرى حاولوا التنزيه لأنهم رأو أن الابن من شأنه أن يشارك أباه في ملكه بخلاف البنات فإنهن كن في عرفهم مطرحات. وصنيع أولئك الذين يسمون أنفسهم «الخاصة» أسوأ من ذلك، إذ يزعمون أن الله ﵎ رضي لنفسه ولرسله الكذب والتلبيس، ثم لا يرتضون مثل ذلك لأنفسهم بل يتنزهون عن ذلك جهدهم، مع علمهم بأن صنيعهم مناقض لما يقولون أن صلاح الناس فيه وموقع فيما يقولون: إنه فساد عظيم. فليتهم إذ لم يسمح لهم شرف أنفسهم في زعمهم أن يتلوثوا بما يزعمون أن الله ﷿ ارتضاه لنفسه ولرسله سكتوا عن مناقضة ما جاء به الشرع وتركوا المسلمين ودينهم. لكن الله ﵎ أراد أن يهتك أستارهم، ويبلو بهم كما ابتلاهم، قال تعالى: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (*) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ» . فاتحة (العنكبوت) .
[ ١٥٤ ]
المقصد العاشر
قال السلفي: لا ريب أن ابن سينا في أمر الحشر أقوى من شبهته في شأن الاعتقاد في ذات الله تعالى وصفاته، فلو ساغ الكذب في شأن الاعتقاد لكان في شأن الحشر أسوغ لأن فحشه أخف، والحاجة إلى التشديد في الترغيب والترهيب ظاهرة، فألزمه للمتكلمين في محله، فأما السلفيون فلا سلطان له عليهم كما لا يخفى.
ومع أن شبهة ابن سينا داحضة لمعارضتها اليقين الضروري، ففيها خلل من جهات تعلم مما تقدم، ويختص بقضية حشر الأجساد أن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بحياة الروح بعد موت الجسد، ويقولون: أن المقتول تبقى تنوح على قبره حتى يؤخذ بثأره كما هو معروف في أشعارهم، وقد جاء الكتاب والسنة بأشياء من حال الأرواح تصرح بحياتها منفصلة عن الجسد ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين ولا المشركين، فقد كان من الممكن أن يوسع القول في تعميم الأرواح وعذابها بدون تعرض لما كان العرب ينكرونه من حشر الأجساد، بل لوكان المقصود إنما هو إجترارهم إلى قبول الشرع العملي لما ذكر لهم حشر الأجساد، فإنه من أشد ما صدهم عن الإسلام، قال الله ﷿: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ» سبأ: ٧ - ٨.
وقال تعالى: «وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ. وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ. قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ. فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ» الصافات: ١٤ - ١٩.
[ ١٥٥ ]
مهمة: في حشر الأجساد: هل هو بجمع أجزائها المتفرقة أم بإنشاء أجساد أخرى
كانوا يكذبون بالمعجزات إنها سحر، محتجين بأن الذي ظهرت على يده بما لا يعقل من حشر الأجساد. وانظر (الصافات) أيضًا: ٥٣ و(المؤمنون): ٣٥ و٨٢ و(الواقعة): ٤٧.
مهمة
قد يفسر حشر الأجساد بجمع أجزائها المتفرقة، وقد يفسر بإنشاء أجساد أخرى، والنصوص الشرعية تدل على أمر جامع لهذين، وقد أو رد على الأول أن الأبدان في الدنيا تنمووتحلل فتفارقها أجزاء وتتعوض أجزاء أخرى، ولا تزال هكذا ثم تبلى بالموت وتتفرق فتدخل أجزاء من هذا البدن في تركيب من هذا البدن في تركيب أبدان أخرى وهلم جرا، وإعادة تلك الأجزاء أعيانها في جميع تلك الأبدان بأن تكون هي أعيانها في هذا وهي أعيانها في ذاك في وقت واحد غير معقول، فإن أعيدت في بعضها فلم يعد غيره على ما كان عليه، وأيضًا فقد تكون الأجزاء من بدن مؤمن، ثم تصير من بدن كافر، وعكسه. وأجيب بأن المعاد في كل بدن إنما هو أجزاؤه الأصلية. ونوقش في هذا بما هو معروف. (١)
أقول: النصوص لا تدل على إعادة هذه الأجزاء كلها في كل بدن في وقت
_________________
(١) أقول: والمعروف الآن عند علماء الحياة (البيولوجيا) ووظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) والتشريح الدقيق أن بدن الإنسان بله الحيوان في تبدل دائم حتى إنهم حددوا مدة تبدل البدن كله بسبع سنوات ومع هذا فمن ارتكب جرما وقتا ما، ثم عوقب عليه بعد مدة تبدلت فيها خلايا بدنه بغيرها لا يقال عرفًا ولا عقلًا وفطرة أن المعاقب غير المجرم، فمن قتل مثلًا في شبابه واقتص منه في هرمه وشيخوخته فما عوقب إلا الجاني وإن تبدل باتفاق الباحثين في علم الحياة ووظائف الأعضاء، وهذا يدل على أن الإنسان شخصية تعقل وتريد وتعمل وتحسن وتسئ راكبة مطية البدن لابسة ثياب الأعضاء فمهما تبدلت المراكب والثياب فالشخص هو الشخص على أي مركب ركب وبأي ثوب ظهر. والله أعلم. م ع
[ ١٥٦ ]
حديث ابن مسعود: أرواح الشهداء في جوف طير
واحد، وإنما تدل على الإعادة في الجملة، وإذا تدبرنا الحكمة في الإعادة أمكننا أن نفهم التفصيل تقريبًا.
فمن الحكمة إظهار قدرة الله ﷿ على الحشر، وتصديق خبره بأنه واقع. وهذه الحكمة إنما تستدعي الإعادة في الجملة، وذلك يحصل بما يأتي قريبًا.
ومنها أن ينال الجزاء هذه الأجزاء، وهذا غير متحتم لأن الكاسب المختار للطاعة أو المعصية، والمدرك لأثرها في الدنيا والمدرك للذة الجزاء أو ألمه في الآخرة هو الروح، وإنما البدن آلة لها، غاية الأمر أنه إذا كانت آلة الكسب هي آلة الجزاء كان ذلك أبلغ في كمال العدل فليكن من ذلك ما يمكن. وقد جاءت عدة نصوص تدل أن أبدان أهل الجنة والنار يكون بعض البدن منها أو كله من غير الأجزاء التي كانت منها في الدنيا، ففي (الصحيحين) في قصة الذين يخرجون من النار «فيخرجون قد أمتحشوا وعادوا حممًا فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل » وجاءت عدة أحاديث أن أهل الجنة يكونون كلهم على صورة آدم طوله ستون ذراعًا، راجعها في «الباب التاسع والثلاثين» من (حادي الأرواح) . وقال ﵎ في أهل النار «كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ» . النساء: ٥٦.
وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» وقال تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» آل عمران:١٦٩.
وفي (صحيح مسلم) من حديث أبن مسعود أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: أما إنا
قد سألناه عن ذلك فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأو ي إلى تلك القناديل فأطلع إليهم ربهم أطلاعة » أخرجه عن جماعة عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود، وقد أخرجه ابن جرير في (تفسير) ج ٤ ص ١٠٦ - ١٠٧ من
[ ١٥٧ ]
حديث ابن عباس بمعناه وإعلال المصنف إياه بعنعنة أبي الزبير
طريق شعبة ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن الأعمش بسنده أنهم سألوا عبد الله بن مسعود فقال: «أرواح الشهداء » فثبت سماع الأعمش لهذا الحديث من عبد الله بن مرة، لأن شعبة لا يروي عن الأعمش إلا ما علم أنه سماع للأعمش ممن سماه نص على ذلك أهل المصطلح غيرهم، (١) وكذلك أخرج هذا الحديث الدرامي ج ٢ ص ٢٠٦ من طريق شعبة، فأما عدم التصريح بالرفع فلا يضر لأن هذا ليس مما يقال بالرأي، مع ظهور الرفع في رواية مسلم.
وفي (مسند أحمد) ج ١ ص ٢٦٥، «ثنا يعقوب ثنا أبي إسحاق حدثني إسماعيل ابن أمية بن عمروا بن سعيد عن ابن الزبير المكي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله ﷿ أرواحهم في أجواف طير خضر تردد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأو ي إلى قناديل من ذهب وظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون » أبوالزبير يدلس، (٢) وقد أخرج الحاكم في (المستدرك) ج ٢ ص ٢٩٧ الحديث من وجه آخر عن ابن إسحاق عن إسماعيل عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، زاد في السند «سعيد بن جبير. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» وأقره الذهبي.
_________________
(١) ليتك قلت ذلك في حديثه عن أبي وائل عن ابن مسعود السابق في تفسير الصمد ولم تمل إلى تضعيفه مع أنه ربما كان أصح مما صححت في تفسير «الصمد» وإن كان لا يخالفه بل يتلازمان ويتظاهران على توضيح المراد. م ع
(٢) لورددنا حديث كل مدلس لرددنا جمهرة طيبة مباركة من السنة التي قبلها الأكابر ونشروها وعملوا بها، والذي يظهر من عمل المحققين من أئمة السنة إلى مراتب الجرح والتعديل عند التعارض (!) ليأخذوا بالأرجح الأقوى إن لم يمكن الجمع، وحديث أبي الزبير هذا ليت شعري ما الذي عارضه من رواية من هم أرجح منه حتى نشكك فيه وروايته محشوبها (البخاري) مكتظ بها (مسلم) وغيره فضلًا عن بقية دواوين السنة كأبي داود والترمذي وغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد. م ع قلت: يبدوا لي في كلام فضيلته ملاحظات: =
[ ١٥٨ ]
وقال الله ﷿: «وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» . المؤمن: ٤٥ - ٤٦
وأخرج ابن جرير في (تفسيره) ج ٢٤ ص ٤٢ بسند رجاله ثقاة عن هزيل بن شرحبيل أحد ثقاة التابعين قال: «أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدوا وتروح على النار وذلك عرضها» وفي (روح المعاني) أن عبد الرزاق وابن أبي حاتم أخرجا نحوه عن ابن مسعود.
ومن حكم الإعادة أداء الشهادة قال الله ﵎: «وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» فصلت: ١٩ - ٢٠.
_________________
(١) = ١ - التسوية بين تدليس الأعمش وتدليس أبي الزبير في التسامح بهما ليس بجيد، لأن تدليس الأول قليل، وتدليس الآخر كثير، ولذلك أحتج الشيخان بالأعمش، ولم يحتج بأبي الزبير غير مسلم منهما، أو رده الحافظ في المرتبة الثانية من «طبقات المدلسين»، وهي - كما ذكر في المقدمة - مرتبة من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في «الصحيح» . ثم أو رد أبي الزبير في المرتبة الثالثة، وهي مرتبة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع كأبي الزبير الملكي. ثم أو رد في هذه الطبقة وقال: «مشهور بالتدليس» .
(٢) قوله في أبي الزبير: «وروايته محشوا بها (البخاري») . ليس بصواب، فإن البخاري لم ينسد له غير حديث واحد متابعة غير محتج به! قال الحافظ ابن حجر في «مقدمة الفتح» (٢ / ١٢٦): «لم يروا البخاري ﵀ سوى حديث واحد في «البيوع»، قوله بعطاء عن جابر، وعلق له عدة أحاديث» ومسلم وإن كان أحتج به، فقد قال الذهبي في ترجمته من «الميزان»: «وفي «صحيح مسلم» عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبوالزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء» . ن
[ ١٥٩ ]
وقال ﷿: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» يّس: ٦٥.
وقال سبحانه: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» النور: ٢٤.
والمقصود من استشهاد الأعضاء إبلاغ الغاية القصوى في إظهار العدل، وفي (صحيح البخاري) وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله ﵌: يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل: من شهو دك؟ فيقول: محمد وأمته: فقال رسول الله صلة الله عليه وآله وسلم: فيجاء بكم فتشهدون أنه قد بلغ، ثم قرأ رسول الله ﵌: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»» .
وفي (صحيح مسلم) وغيره عن أنس قال: «كنا عند رسول الله ﵌ فضحك، فقال: هل تدرون مما أضحك؟ قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجير على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين
شهودا، قال: فيختم على ما في فيقال لأركانه أنطقي، قال: فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فَعَنْكُنَّ كنت أناضل» .
وفي (صحيح مسلم) أيضًا عن أبي هريرة قال: «قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال قال فيلقى العبد فيقول أي فل ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت - ويثنى بخير ما استطاع، فيقول: ههنا إذا، ثم يقال: الآن نبعث شاهدًا عليك،
[ ١٦٠ ]
بعض الأحاديث في شهادة الأعضاء على الإنسان يوم القيامة
ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه ويقال فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه » .
فالإنسان إذا رأى يوم القيامة إن الله ﷿ يقرره بعمله ولا يؤخذ بمجرد علمه تعالى يتوهم أن الإنكار ينفعه ثم لا يرضى بشهادة الملائكة ولا الرسل، فتشهد عليه أعضاؤه حينئذ يظهر له ولغيره عين اليقين الغاية القصوى في عدل الله تبارك تعالى، ومع ذلك يعترف بلسانه صريحًا عند دخوله النار قال الله ﵎: «وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا. حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ» الزمر: ٧١.
وقال تعالى في شأن جهنم: «كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك: ٨ - ١١. (١)
وهذه الحكمة إنما تستدعي إعادة الأجزاء التي تؤدي الشهادة وذلك عند أدائها فلا يلزم أن تعاد في كل بدن جميع أجزاءه ثم تبقى خالدة معه، بل إذا فرضنا أجزاء معينة قد دخلت في تركيب عدة أبدان في الدنيا على التتابع بأن كانت في هذا البدن، ثم صارت من ذاك البدن وهلم جرا، واقتضت الحكمة أن تؤدي الشهادة يوم القيامة في كل بدن من تلك الأبدان بما فعل، فإن ذلك يمكن بأن تحشر أولا
_________________
(١) ومن الحكم في البعث ما ذكره الله تعالى أنه تصديق لما أخبرت به رسله، وفضح وتوبيخ لمن كذب رسله كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُم) - إلى أن ذكر جزاء المؤمنين بها والمكذبين لها ثم قال - (ويرى الذين أو توا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراطٍ مستقيم) وقال: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) . م ع
[ ١٦١ ]
حكمة حشر الجسم
كما شاء الله تعالى إما في بدن واحد، وإما متفرقة في تلك الأبدان، (١) ثم إذا حوسب أول إنسان من أصحاب تلك الأبدان جمعت تلك الأجزاء في بدنه ثم إذا أدت الشهادة فارقته إلى بدن أول من يحاسب بعده من أصحاب تلك الأبدان وهكذا حتى تستوفي تلك الأبدان كلها التي دخلت فيها وقضت الحكمة باستشهادها على أصحابها. وقد يشير إلى هذا قوله ﵎: «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» الانبياء: ١٠٤ وقوله سبحانه: «كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» الأعراف: ٢٩.
وأما الجزء الجسماني فمن الحكمة فيه تنعيم الأرواح وتعذيبها بما هو من جنس ما ألفته في الدنيا بواسطة الأبدان، فإن الأرواح لطول صحبتها للأبدان واعتيادها اللذات والآلام التي تصل إليها بواسطتها تبقى بعد مفارقة الأبدان متصورة تلك اللذات والآلام، متشوقة إلى جنس تلك اللذات، نافرة عن جنس تلك الآلام، فإذا أعيدت إلى أبدان ثم نعمت بما هو من جنس اللذات التي ألفتها، كان ذلك أكمل للذتها وأتم لنعيمها من أن تنعم بلذات روحية محضة فكيف إذا جمع لها الأمران معًا (٢) وإن أعيد إلى أعيدت إلى أبدان ثم عذبت بما هو من جنس الآلام التي كانت تنفر عنها كان ذلك أبلغ في إيلامها من أن تعذب بآلام روحية محضة فكيف إذا جمع لها الأمران (٢) .
_________________
(١) تكلف المؤلف القول بحشر أجزاء كل بدن في بدن واحد أو في أبدان متعددة وما يلي ذلك من أدائها شهادتها في بدن واحد أو أبدان متعددة هو النظر المتعمق فيه الذي ذمه المؤلف كثيرًا وذكر ما نشأ عنه من مفاسد وشبهات أبعدت المتكلمين عن تصديق الكتاب والسنة فما كان أحراه أن يبتعد عما ذم غيره عليه وخير ما قاله سابقًا أن البدن آلة الروح يحي هذا الإشكال ولا حاجة إلى التعمق، قلت أنا أن البدن مطية الشخصية الإنسانية وثيابها وما أبلغ أن يشهد على الإنسان مطيته وثيابه قديمة أو جديدة لبسها غيره قبله أو اختص هو بلبسها، الحجة قائمة في شاهد عليك منك. والله أعلم. م ع
(٢) أي فإن ذلك أكمل وأكمل، وذلك هو الواقع. المؤلف
[ ١٦٢ ]
ومنها تصديق وعد الله ووعيده وإخباره بالحساب والجنة والنار، وسائر ما يتعلق بالآخرة، وهذه الحكمة كافية لإبطال شبهة ابن سينا وموافقيه في أمر الآخرة، فإننا لوأعرضنا عن الحكم الأخرى واقتصرنا على هذه الحكمة لكفى، بأن نقول: هب أن الأمر كما زعمت من أن الناس لا يؤثر فيهم الترغيب والترهيب، إلا إذا كان بما هو من جنس ما أفوه واعتادوه في الدنيا من الأمور الجسمانية واللذات والآلام الجسمانية، فإن الحكمة إذا اقتضت أن يقضي الله ﷿ وقوع ذلك وتحقيقه لئلا يكون إخباره تعالى وإخبار رسله كذبًا، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك.
ولنقتصر على هذا القدر على مقالة ابن سينا في إنكاره الاحتجاج بالنصوص الشرعية وننظر مقالات من بعده والله الهادي.
قول الفخر الرازي في الاحتجاج بالنصوص الشرعية
في (مختصر الصواعق) ج ١ ص ٢٥٢ - ٢٥٦ عبارة طويلة للفخر الرازي سأحاول تلخيصها مع شيء من الإيضاح، المطالب الثلاثة:
الأول: ما يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، كوجود الله وعلمه بالمعلومات كلها، وصدق الرسول، فهذا يستحيل أن يعلم بإخبار الشرع.
الثاني: ثبوت أو إنتفاء ما يقطع العقل بإمكان ثبوته وإمكان انتفائه. فهذا إذا لم يجده الإنسان من نفسه، ولا أدركه بحسه، استحال العلم به إلا من جهة الشرع.
الثالث: وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، واستحالة المستحيلات. فهذا يعلم من طريق العقل بلا إشكال، فأما العلم بإخبار الشارع فمشكل، لأن خبر الشارع في هذا المطلب إن وافقه عليه العقل، فالاعتماد على العقل، وخبر الشارع فضل، وإن خالفه العقل وجب تقديم العقل وتأويل الخبر في قول المحققين، لأن تقديم الخبر على العقل حكم على العقل بأنه غير موثوق به، فيلزم من هذا أن لا
[ ١٦٣ ]
يكون ما ثبت به الشرع موثوقًا به، فيسقط الشرع وما أدى ثبوته إلى انتفائه فهو باطل، وإن لم يعلم موافقة العقل للخبر ولا مخالفته له كان محتملًا أن يكون العقل مخالفًا له فيجيب تأويله، ومع هذا الاحتمال لا يفيد العلم.
قال: «فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء فلوكان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل، وإلا كان تلبيسًا من الله تعالى، وإنه غير جائز، قلنا: هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح وأنه يجب على سبحانه شيء، ونحن لا نقول بذلك، سلمنا ذلك فلم قلتم: إنه يجب ، وبيانه أن الله إنما يكون ملبسًا على المكلف لوأسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره، وليس الأمر كذلك، لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فبتقدير أن «لا» يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله المكلف ذلك الكلام، فلوقطع المكلف لحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان التقصير واقعًا من المكلف لا من قبل الله تعالى
فخرج بما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية، تارة لإفادة اليقين كما في مسألة الاجماع وخبر الواحد، وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية» .
أقول: أما المطلب الأول فقد أعد الله ﵎ لثبوته فطر الناس وعقولهم الفطرية وآيات الآفاق والأنفس، ثم تكفل الشرع بالتنبيه على ذلك وإيضاحه مع تضمنه لآيات أخرى ثم، ثم يتمم الله ﷿ ذلك بالتوفيق لمن استحقه، فمن كان في قلبه محبة للحق ورغبة فيه وإيثار له على ما سواه رزقه الله الإيمان لا محالة، ولهؤلاء درجات بحسب درجاتهم في المحبة والرغبة والإيثار، فمنهم من تقوى هذه الأمور عنده وتصفوفيصفوله اليقين بالفطرة وأدنى نظر. ومنهم من يكون دون ذلك فيحتاج إلى زيادة.
وعلى كل حال، فإن المأخذين السلفيين شافيان مغنيان في تحصيل الحق
[ ١٦٤ ]
من هذا المطلب ضرورة أن الله ﷿ بعث رسله وأنزل كتبه في أقوام لا خبر عندهم لغير المأخذين السلفيين ولا أثر؛ واكتفى بهما وبنى عليهما.
ولا يقف الأمر عند الإستغناء عن المأخذين الخلفيين بل إن شأنهما أن يمانعا حصول الإيمان ويزلزلاه لأسباب:
الأول: أن المشتغل بهما يغفل عن المأخذين السلفيين.
الثاني: أنه يتعرض لشبهات تعتاص عليه فيسوء ظنه بالمأخذين السلفيين.
الثالث: وهو أعظم الأسباب حرمان التوفيق، فإن طالب الحق في غير المأخذين السلفيين إما أن يكون فاقدًا لصدق المحبة والرغبة والإيثار للحق، وإما أن يكون كان عنده شيء من ذلك ولكنه ضعف بإعراضه عن سبيل الله ﷿. فقد يبلغ به الضعف إلى أن يزول أثره البتة، وقد يبقى أثره في الجملة فيبقى العبد مترددًا، وربما يتداركه الله ﷿ في آخر الأمر فيرجع إلى المأخذين السلفيين، وإن كان لا صفوله ذلك كما يصفولمن ثبت عليهما من أول أمره، ولذلك كان إمام الحرمين يتمنى في آخر أمره أن يموت على دين عجائز نيسابور كما تقدم في الباب الأول.
وأما المطلب الثاني فإن أراد الرازي أن الأخبار الشرعية فيه قد تفيد العلم اليقيني فما هي ظاهرة فيه كما يدل عليه قطع الأشاعرة بتنزيه الله ﷿ عن الكذب مع مصيرهم إلى أنه لا حجة في ذلك إلا النصوص كما تقدم، وكما يدل آخر كلام الرازي، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى، فهكذا يلزمه في المطلب الثالث بل هو أولى وأحرى لتعلقه بأعظم أصول الدين فالخطر فيه أشد، واحتياط الشارع له آكد، ويترتب على التلبيس فيه مفاسد عظيمة كما مر في الكلام مع ابن سينا.
وأما المطلب الثالث فقوله: «إن خبر الشارع إذا وافق العقل فالاعتماد على العقل وخبر الشارع فضل» قول مردود عليه، بل إن كان الدليل العقلي من المأخذ السلفي الأول فهما دليلان، وإلا فالنص هو الدليل، والقياس التعمقي فضله كما يعلم مما
[ ١٦٥ ]
الرد عليه في قولهم إن خالف النقل العقل وجب تقديم العقل
تقدم في الباب الأول، على أنه بعد ثبوت صدق الشارع بالدلائل العقلية يكون الاحتجاج بخبره احتجاجًا بالعقل.
قوله: «فإن خالفه العقل وجب تقديم العقل » قول مردود عليه، بل إن كان الدليل العقلي من المأخذ السلفي الأول فهو قرينة صحيحة يعلم بها أن معنى الخبر خلاف ما يتراءى منه لولا القرينة، فليس هنا تقديم للعقل ولا للشرع إذ لا تخالف، وإنما هنا حمل للخبر على ما هو الظاهر الحقيقي، فأن الخبر إذا اقترنت به قرينة صحيحة تصرف عما يتراءى منه لولاها، فظاهره الحقيقي هو ما يفهم منه مع القرينة وهي حينئذ بمثابة كلمة من لفظ الخبر. وإن لم يكن هناك ما يخالف ظاهر النص إلا قياس أو أقيسة مما يركبه المتعمقون مكن أصحاب المأخذ الخلفي الأول، فالواجب تقديم النص ولا سيما إذا كان قطعي الثبوت كآية من القرآن أوسنة ثابتة قطعًا، وقد تقدم في الباب الأول بيان وهن تلك الأقيسة، ولا يلزم من تقديم النص عليها حكم على العقل الذي هو من المأخذ السلفي الأول بأنه لا يوثق به، وإنما يلزم الحكم بذلك على ذاك القياس وما كان قبيله، والشرع لم يثبت بشيء من ذلك، كيف وقد ثبت الإسلام في العرب، ولا أثر فيهم للتعمق البتة، وكذلك بقية الشرائع، وإنما ثبت الشرع بما تقدم في المطلب الأول، والعقل هناك هو العقل الفطري الذي أعده الله ﷿ لإدراك بيناته في الدين.
هذا وقد تقدم في الباب الأول بيان حال النظر المتعمق فيه، وأنه قد يتعرض عند أصحابه قياسان كل منهما بحيث لوأنفرد لكان قاطعًا عندهم، وقد يحصل لبعضهم قياس يعتقد أنه قاطع يقيني ثم بعد مدة يتبين له أنه مختل، وكثيرًا ما يتمسك أحد الفريقين المختلفين منهم كالأشعرية والمعتزلة بقياس، ويرى أنه قطعي يقيني، ويتمسك الفريق الآخر بقياس آخر مناقض لذلك ويرى أنه قطعي يقيني، ويثبت كل الفريقين على رأيه في قياسه يحاول القدح في قياس مخالفه، ويستمر هذا إلى مئات السنين، وهم يعرفون هذا ويعترفون به، مع ذلك لا يرونه موجبًا
[ ١٦٦ ]
عدم الثقة بالعقل مطلقًا ولا بما كان من جنس تلك الأقيسة، فكيف يسوغ لهم مع هذا أن يزعموا أن خبر الله ﷿ مع العلم بأنه سبحانه لا يجهل ولا يخطئ ولا يكذب - إذا قدم على قياس تلك الأقيسة كان ذلك قدحًا في العقل مطلقًا؟ بل الحق أن تقديم القياس على النص هو الأولى بأن يكون قدحًا في العقل، بل هو رد للعقل الصريح بشبهة واهية، فقد ثبت الشرع بالعقل الصريح وثبت صدق الشارع وإبانته بالعقل الصريح، وكثير من المعاني التي دلت عليها النصوص وهم ينكرونها ثابتة بالفطر والبدائة وهي رأس العقل الصريح، وقد أبتت مع ذلك بأقيسة من جنس أقيستهم.
قوله: «وإن لم يعلم موافقة العقل للخبر ولا مخالفته له » .
أقول: أما العقل الصريح الواضح الجلي الذي صلح أن يكون قرينة فلا يمكن أن لا يعلم، فإن جاز أن يذهل عنه بعض المخاطبين الأولين يلبث أن ينبهه غيره، فإذا لم يعلم ما يكون قرينة كان النص نفسه برهانًا على صحة ما دل عليه، وعلى عدم المخالف الصحيح، ولا يبقى إلا إحتمال أن يوحي الشياطين إلى بعض أوليائهم شبهة النظر المتعمق فيه، وقد قال الله ﷿: «وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» . الأنعام: ١٢١
قوله: «فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلف » .
أقول: هذا كله مغالطة، فإن النصوص المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته لم تقتصر في الدلالة على تلك المعاني على إشعار الظاهر، بل فيها المؤكد، والصريح الواضح، والظاهر
البين، ولم يكن معها معارضًا لها قرينة صحيحة من شأنها أن لا تخفي على المخاطبين الأولين، فعلى فرض بطلان تلك المعاني أو بعضها لا يكون اللازم التلبيس فقد بل تكون كذبًا صريحًا، وبطلان هذا اللازم لا يتوقف على القول بأنه يجب على الله تعالى، ولا على القول بالحسن والقبح العقليين، وإنما يتوقف على امتناع أن يكذب الله ﷿ أو يكذب رسوله،
[ ١٦٧ ]
والأشاعرة ومنهم الرازي يعترفون بهذا الامتناع، ويكفرون من لا يقول به، غاية الأمر أنهم زعموا أن العقل لا يمنع أن يكذب الله سبحانه أو أن لا يكذب، ولكن الرسول أخبر بأن الله تعالى لا يكذب، وقد ثبت صدق الرسول بظهور المعجزة على يده، قالوا ودلالة المعجزة على صدقه عادية- على ما مر بيانه في الباب الثاني - والدلالة العادية عندهم يقينة ومهما يكن في استدلالهم من الوهن فيكفي أنهم معترفون بامتناع أن يقع من الله تعالى أو من رسوله فيما يخبر له عن كذب، ويكفر من يقول خلاف ذلك، ولا ريب أنهم إذا عرفوا بطلان استدلالهم، ولم يبق إلا أن يقولوا بالوجوب والحسن والقبح العقليين، أو يكفروا، إنما يختارون الأول، فإن فرض أن أتباعهم اختار المفر فإلى حيث ألقت رحلها أم قشعم!
فأن قيل: يؤخذ من كلام الرازي أنه يزعم أن احتمال الامتناع العقلي قرينة تدافع ظاهر الخبر، فلا يلزم من القول ببطلان تلك المعاني أو بعضها تكذيب النصوص، ولا من القول باحتمال البطلان القول باحتمال الكذب.
قلت: هذا زعم باطل كما مر في الكلام على المقصد الأول من مقاصد ابن سينا، وإنما الذي يصح أن يكون قرينة هو الامتناع العقلي نفسه إذا كان من شأنه أن لا يخفى على المخاطب، فأما احتماله فقط فإنما هو كاحتمال عدم وقوع ما دل الخبر على وقوعه، وذلك كما لوكان في عهد النبي ﵌ أعمى صائم في رمضان وهو عريش بعيد عن البيوت فلم يدر أقد غربت الشمس أم لا، فينما هو كذلك إذ مر به النبي ﵌، فقال للأعمى: قد غربت الشمس وصلينا المغرب، فهل للأعمى أن يقول في نفسه: لوكنت بصيرًا، واخبرني النبي ﵌ هذا الخبر وأنا أشاهد الشمس لم تغرب، لكان ذلك قرينة على أن المراد بالخبر غير ظاهره، كأن يكون عنى قد غربت أمس، أو قد قارت الغروب، فعلي الآن أن لا آخذ بظاهر الخبر، لأن احتمال عدم الغروب اليوم قرينة؟
فإن قيل: فإن الرازي فرق بين الأمور التقليدية وغيرها.
[ ١٦٨ ]
إلزام خطير من المصنف للفخر الرازي في منعه الاحتجاج بالنصوص
قلت: لم يأت على ذلك بحجة، بل هو فرق باطل، مع ذلك فإنا إذا فرضنا أن الشمس لم تكن قد غربت في ذاك اليوم فاحتمال أن تكون قد غربت فيه ممتنع عقلًا، ثم نقول للرازي: أرأيت عالمًا خرج إلى البادية فكان يخبر الناس أخبارًا ظاهرة بينة في عقائد باطلة، ويتأول في نفسه معاني صحيحة، ويقول في نفسه: القرينة على احتمال أني لم أرد الظاهر هي احتمال الامتناع العقلي وكثر من ذلك جدًا، ألا يقبح منه ذلك ولا يأثم ولا يكفر إذا كان في أخبار ما هو ظاهر بين فيما هو كفر؟ وقال ابن حجر الهيتمي في (الإعلام) بهامش (الزواجر) ج ٢ ص ٣١: «نقل الإمام - يعني إمام الحرمين - عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرًا أو باطنًا، وأقرهم على ذلك» .
ثم ذكر الهيتمي أن الحكم بالكفر باطنًا فيه نظر.
أقول: قولهم: «كلمة الردة» إنما يفهم منها عند الإطلاق الكلمة الصريحة فيها، وقولهم: «أضمر تورية» ظاهر في تلك الترية لا قرينة عليها، وما كان كذلك فالتلفظ به مع معرفة حاله لا يكون إلا عن تهاون شديد، (١) ومن المعلوم أن من كان كارهًا لشيء نافرًا عنه فإنه يتباعد عنه ما استطاع، وهذا قد تقرب من الردة ما استطاع وكفى بذلك تهاونًا، ومع هذا فقد قالوا إن الرضا بالكفر كفر، ولا ريب أن ذاك الخارج إلى البادية قد رضي أن يعتقد الناس ظواهر ما أخبرهم به.
وافرض أن أهل البادية كانوا يسألونه عن قضايا اتفقت فيهم في الوصايا وقسمة المواريث يحتاج في معرفة مقاديرها إلى معرفة دقائق الحساب وكان يذكر لهم مقادير
_________________
(١) ثم رأيت في كتاب «تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي» للبقاعي ص ٢٣ ذكر مقالة إمام الحرمين ثم قال: «قال الإمام الغزالي في «البسيط» بعد حكايته عن الأصوليين: «بحصول التهاون منه»، ومنه ص ٦٦ الحافظ العراقي: «لا يقبل ممن اجترأ على مثل هذه المقالات القبيحة أن يقول: أردت بكلامي هذا خلاف ظاهره، ولا نؤول له كلامه ولا كرامة» . المؤلف.
[ ١٦٩ ]
يعلم أنها مخالفة للواقع ويضمر تورية في نفسه، فيعملون بظاهر فتاواه ويحفظونها ليعلموا بها فيما يتفق بعد ذلك من أمثال تلك القضايا، وترتب على ذلك ظلم كثير للفقراء واليتامى والأرامل، وهو يزعم أن لم يرتكب محظورًا لإضماره التورية مع احتمال الامتناع العقلي لأن مسائل الحساب من أوضح المعقولات، فهل يعذر في ذلك؟
وافرض أن رجلًا عاقل خاطبك بكلام، فتدبرته ملاحظًا القرائن، فعلمت أن الكلام ظاهر بين في معنى، وأنه لا قرينة تصرف عن ذاك المعنى، وأنه لا وجه لفرض أن يكون المتكلم عجز عن البيان أو جهل أو أخطأ، أفلا تعلم ذلك بأن المتكلم أراد أن يكون كلامه ظاهرًا بينًا في ذاك المعنى، وعمل بمقتضى هذه الإرادة فجاء بالكلام على وفقها؟ ثم أن خطر ببالك احتمال أن يكون أراد في نفسه معنى آخر على وجه التأويل، وأن يكون ذاك المعنى الظاهر البين الذي أراد أن يكون الكلام مفهمًا له ثم جاء بالكلام على وفق من هذه الإرادة غير واقع، أليس معنى هذا الخاطر إنما هو احتمال أن يكون الكلام كذبًا، وإن يكون ببالك لكان تأويل المتكلم في نفسه إنما هو على أحد ثلاثة أوجه:
الأول: مثل تأويل إبراهيم ﵇.
الثاني: أن يكون توهم أنه إذا تأول في نفسه فقد برئ من معرفة الكذب.
الثالث: أن يكون إنما أعد عذرًا حتى إذا انكشف الحال وبان كذبه قال: إنما عنيت كيت وكيت.
فأما الأول فهو تأويل إبراهيم فقد سبق أن محله أن يكون الكلام قريب الاحتمال جدًا لغير ما هو ظاهر في، وأن يكوالمتكلم مضطرًا إلى الإيهام، وأن يكون في ذاك الإيهام دفع مفسدة عظيمة، ولا ترتب عليه مفسدة ما، وهذه الأمور منتفية عن النصوص التي يزعم المتعمقون أن ظواهرها باطلة، كما قدمناه في
[ ١٧٠ ]
الكلام على المقصد الخامس من مقاصد ابن سينا، ومع ذلك فقد قدمناه الحجة على أن كلمات إبراهيم ﵇ كذبات، وإنها لا تناسب مقام النبوة فضلًا عن مقام الربوبية.
وأما الوجه الثاني فممتنع في النصوص، كيف وقد ثبت الحكم على كلمات إبراهيم ﵇ بأنها كذبات وخطايا، وأنها لا تناسب مقام النبوة فضلًا عن مقام الربوبية، فما بالك بما هو أشد منها بدرجات كثيرة كما مر؟
وأما الوجه الثالث فتعالى الله ﷿ وتنزه أنبياؤه عنه، إنما هو دأب الكذابين إذا افتضح أحدهم قال: إنما عنيت كيت وكيت؟
وأعلم أن مقتضى كلام الرازي في منعه الاحتجاج البتة بالنصوص بالعقائد التي لا يجزم العقل وحده فيها بالجواز أنه لوكان الرازي في عهد النبي ﵌ وقد قامت عنده البراهين العقلية اليقينية على أنه نبي صادق، وآمن به ثم أخبر النبي ﵌ بخبر يتعلق بتلك العقائد لقال الرازي:لا يمكنني أن أعلم أن هذا المعنى الظاهر الوضح من كلامك هو مرادك، لإحتمال أن تكون أردت خلافه، فلو قال النبي ﵌: لم أرد إلا هذا المعنى وهو الظاهر الواضح وهو كيت وكيت، لقال الرازي: كلامك هذا الثاني كالأول فلو أكد النبي ﵌ وأقسم بآكد الأقسام لقال الرازي: لا تتعب يا رسول الله فإن ذاك الأمر الذي دل عليه خبرك يحتمل أن يكون ممتنعًا عقلًا، ما دام كذلك فلا يمكن أن أثق بمرادك، فلو قال النبي ﵌: أنه ليس بممتنع عقلًا بل هو واقع حقًا، لقال الرازي: لا يمكنني أن أثق بما يفهمه كلامك مهما صرحت وحققت وأكدت حتى يثبت عندي ببرهان عقلي أنه غير ممتنع عقلًا!
فليتدبر العاقل هل يصدر مثل هذا ممن يؤمن بأن محمدًا رسول الله، وأنه صادق في كل ما أخبره به عن الله؟ مع أن من هؤلاء من يكتفي في إثبات عدم الامتناع
[ ١٧١ ]
العقلي بأن يرى في بعض كتب ابن سينا عبارة تصرح بذلك، وإن لم يكن فيها ذكر دليل عليه، فعلى هذا لو كان أحدهم مكان الرازي فقال له النبي ﵌: انظر كتاب (الشفاء) - مثلًا - لابن سينا في باب كذا، فنظر فوجد تلك العبارة المصرحة بعدم الامتناع، لصدق
وقال: اطمأن قلبي، لكن لو قال له النبي ﵌: انظر كتاب الله تعالى في سورة كذا، فنظر فوجد آية أصرح من عبارة ابن سينا وأوضح، لما أعتد بها، بل لقال: حال هذه الآية كحال كلامك يا رسول الله، لأنه يحتمل عندي أن يكون هذا المعنى ممتنعًا عقلًا!
بل أقول: قضية كلامهم أنه لو وقف أحدهم بين يدي الله تعالى وعلم يقينًا أن الذي يخاطبه هو الله تعالى غير أنه لا يراه ولم يكن ثبت عند هذا الرجل بدليل عقلي جواز رؤية الله ﷿ في الآخرة، فقال له الله تعالى: إن المؤمنين سيروني بأعينهم في الآخرة، لكان عندهم على الرجل أن لا يجزم بذلك مهما تكرر إخبار الله تعالى بالرؤية وبعدم امتناعها، بل عليه أن يطالب الله ﷿ بدليل عقلي على الجواز، فلولم يسمعه الله تعالى دليلًا ورجع فلقي رجلًا آخر فأخبره، فذكر له الرجل قياسًا من مقاييسهم التي تقدم حالها في الباب الأول، يدل على الجواز، فنظر فلن يتهيأ له قدح لصدق حينئذ، وكذلك لولم يذكر صاحبه قياسًا ولكن أراه عبارة لابن سينا تصرح بعدم الامتناع.
فهذه قضية ذاك القول، بل هذه ثمرة التعمق، بل هذه من مقتضيات دعوى الإمامة بغير حق، بل هذه من نتائج استكراه العقل على أن يخوض فيما لم يحط به علمًا، ثم إذا سكن إلى شيء وألتزمه كان عليه أن يهدم كل ما خالفه، بل هذه عقوبة الخروج عن الصراط المستقيم، وأتباع غير سبيل المؤمنين، والرغبة عن طريق السلف الصالحين.
وفوق هذا كله فإن كثيرًا من النصوص التي ينكر المتعمقون ظواهرها كانت عقول المخاطبين الأولين تقطع بوجوب ما دل عليها بعضها، وجواز ما دل عليه الباقي - كما مر في الكلام مع ابن سينا ويأتي طرف منه في مسألة الجهة وغيرها،
[ ١٧٢ ]
فاحتمال الامتناع العقلي كان منتفيًا عندهم، فعلى فرض بطلان بعض تلك المعاني، يلزم أن تكون كذبًا قطعًا حتى على زعم أن احتمال الامتناع العقلي قرينة.
فإن قيل: لم يكونوا ماهرين في المعقول فكان عليهم أن يشكروا في جزم عقولهم.
قلت: فعلى هذا لم يكن يلزمهم الإيمان البتة، بل على هذا لا يلزم أحدًا الإيمان لأنه
مهما بلغ من المهارة فلا بد أن يكون فوق درجته ما هو أعلى منها، وأي باطل أبطل من هذا؟ وإنما الحق أن هناك قضايا فطرية يستوي في إدراكها العاقل والأعقل، وهناك قضايا يقع التفاوت فيها، ولكن يتفق أن يكون الرجل فيها أفضل من كثيرين كلهم أعقل منه، إما لأنه يسر له من المشاهدة والتجربة والملاحظة والوجدان ما لم ييسر لهم، وإما لأنهم عرضت لهم عوائق من الهوى والشبهات والاستكبار لم تعرض له.
فإن قيل: أما القضايا التي يثبت بها الشرع فكانت عند المخاطبين الأولين، بل هي عند جميع المكلفين إذا لم يعاندوا أو يقصروا بغاية الوضوح، فلم يكن عليهم أن يشكوا في جزم عقولهم بها، ولكنا ندعي أن القضايا التي توافق ظواهر النصوص التي ندعي بطلانها، لم تكن عندهم بغاية الوضوح، فكان عليهم أن يشكوا في جزم عقولهم بها فقط.
قلت: هذه دعوى باطلة فإن من تدبير وجد أن من القضايا التي تدعون بطلانها ما من شأنه أن يكون أوضح عندهم، من بعض القضايا التي يتوقف ثبوت الشرع على ثبوتها، ومنها ما يكون مثلها، ومنها ما قد يكون دومنها، ولكن كيف ترون عليهم أن يميزوا هذا التمييز الدقيق مع قولكم إنهم لم يكونوا ماهرين؟ وهب أنه كن يمكنهم ذلك أفلم يوجب الله ﷿ عليهم اتباع الشرع ويخبرهم بأنه «لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»؟
أفلا يكون في موافقة الشرع لعقولهم على تلك القضايا ما يجبر ما عسى أن
[ ١٧٣ ]
يكون عندهم من الشعور بأن جزم عقولهم بها ليس بغاية الوضوح؟
هذا كله إبلاغ في إقامة الحجة، وإلا فمن المعلوم أن الذي يصلح قرينه إنما هو الامتناع العقلي الذي من شأنه أن يدركه المخاطب.
فأما قول الرازي إن الله إنما يكون ملبسًا على المكلف لو أسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره» فجوابه يعلم مما يأتي:
اعلم أن للمتكلم إرادتين تتفقان تارة وتختلفان أخرى.
فالأولى: إرادة أن يكون خبره بحسب تركيبه مع قرائنه حقه أن يفهم منه المخاطب
هذا المعنى، فإذا لم يكن من المتكلم جهل ولا خطأ ولا عجز فلا بد أن يجيء خبره مطابقًا لهذه الإرادة.
الإرادة الثانية: إرادة المعنى كمنت يقول: «رأيت أسدًا» فقد يريد في نفسه أسدًا حقيقيًا، وقد يريد رجلًا شجاعًا، فإذا لم يقصد المتكلم الكذب والتلبيس فإنما يريد بهذه الإرادة ذاك المعنى الذي حق الخبر أن يفهم منه، فلا يختلف المعنى في الإراديتين إلا في الكذب والتلبيس، فاعرف ذلك.
فإن عنى الرازي بقوله: « أن يريد به » الإرادة الأولى، أو الثانية مع تسليم لأنها لا تكون في كلام الله تعالى إلا موافقة للأولى، فمآل عبارته أن المكلف لا يمكنه القطع بأن المعنى الذي فهمه من الخبر هو الذي حقه أن يفهم منه.
فأقول: الرازي يخص هذه الدعوى بمطلبه الثالث حيث يحتمل الإمتناع العقلي، ويعترف بحصول القطع في مطلبه الثاني، فأولى من ذلك حصوله في مطلبه الثالث حيث يكون العقل موافقًا للشرع.
إذا تقرر هذا فالمخاطبون الأولون كانوا يعتقدون فيما اختص بإنكاره المتعمقون من معاني النصوص وجوب بعضه عقلًا فيحصل لهم باعتراف الرازي القطع من ذلك، فإما أن يلزم باعتراف الرازي الكذب والتلبيس، وإما أن تكون تلك المعاني
[ ١٧٤ ]
حقًا. وهو الحق المطلوب.
فإن قال: إنما عنيت بالعقل العقل الصحيح، والمخاطبون الأولون إن اعتقدوا الوجوب العقلي أو الجواز فيما أقول بامتناعه عقلًا أو احتمله الامتناع عقلًا فذلك خطأ منهم.
قلت: المانع عندك من القطع إنما هو احتمال الامتناع، فمن انتفى عنده احتمال الامتناع حصل له القطع، والله ﷿ قد ارتضى عقول المخاطبين الأولين وكلفهم بحسبها، ولمة يرشدهم الشرع إلى التعمق في المعقول فيما يتعلق بالدين، بل كره لهم ذلك، فعلى فرض أنهم أخطئوا لعدم تعمقهم فذلك خطأ لأتبعه عليهم فيه البتة، بل على فرض بطلان تلك المعاني تكون التبعة على من خاطبهم خطابًا يعلم أنه من حقه بالنظر إليهم أن يفهموا منه الباطل ويقطعوا به بدون تقصير منهم.
وهب أن القطع لا يحصل في كل خبر فالرازي معترف بحصول الظن القوي، وذلك اعتراف بأن تلك النصوص أو أكثرها مت حقها أن يفهم المخاطبون الأولون منها تلك المعاني التي ينكرها المتعمقون، فإن من الممتنع عادة أن يخطئ المخاطبون الأولون ومن كان مثلهم في فهم تلك النصوص كلها خلاف ما حقها أن يفهموه منها، وإذ ثبت هذا ثبت أن القول ببطلان تلك المعاني تكذيب لله ﷿ ولا بد.
وأيضًا فالإيقاع في ظن الباطل قريب من الإيقاع في القطع به، ألا ترى أن الإنسان إذا أخبر صاحبه بخبر إنما يحصل لصاحبه الظن لاحتمال أن يكون غلط أو أخطأ اوجهل أو عجز أو تعمد الكذب، ومع ذلك فإنه إذا كذب فعليه تبعة الكذب.
وإن عنى الرازي بقوله: « أن يريد به » الإرادة الثانية على زعم أنها قد تخالف في كلام الله تعالى الأولى، فحاصل عبارته على هذا: أن الله تعالى لا يكون ملبسًا إلا إذا امتنع عقلًا أن يكون ملبسًا، وهذا لا يظهر له معنى إلا أن يكون مغزاه أن اله تعالى إنما يكون ملبسًا إذا امتنع
[ ١٧٥ ]
عقلًا أن يكذب، فإما إذا لم يمتنع عقلًا أن يكذب فالمصدق له هو المقصر، فعلى هذا تكون منزلة رب العالمين عند الرازي منزلة الرجل الذي دينه الكذب، فإذا كذب على قوم فبنوا على خبره، فنالهم ضرر، فلاموه كان لغيره أن يقول لهم: هذا رجل من عادته الكذب فأنتم المقصرون إذا عملتم بخبره، فإن لم تعرفوا عادته فقد كان عليهم أن تتثبتوا! والرازي لا يرضى هذا المثل نفسه، ولا أقل أصحابه، بل لا يرضى به إنسان لنفسه «لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» النحل: ٦٠.
وبخ الله تعالى بهذا المشركين على قولهم أن له سبحانه بنات، مع كراهيتهم أن تكون لهم بنات، ولا أرى المقالة السابقة إلا أكبر من هذه، وقال تعالى في الذين قالوا أن له سبحانه ولدًا: «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا» . الكهف: ٥.
وقال سبحانه لقائلي ذلك: «لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا» مريم: ٨٩ - ٩٠.
وقد اتفق المسلمون على أنه يمتنع عقلًا أن يقع من الله تعالى كذب، غاية الأمر أن أكثر الأشاعرة زعموا أن الامتناع إنما هو بواسطة إخبار الرسول به مع امتناع أن يكذب الرسول.
هذا وقد رجع الرازي ولله الحمد أن الإحتجاج بالنصوص كما تقدم في الباب الأول، وإنما اشبعت الكلام لأن كثيرًا من الناس تبعوه في مقالاته، ولم يلتفتوا إلى رجوعه، كما يأتي عن العضد وغيره. والله المستعان.
قول العضد وغيره
كلام العضد وغيره في هذه المسألة تلخيص لكلام الرازي الذي تقدم نقل بعضه
[ ١٧٦ ]
قوله إن الدلائل النقلية لا تفيد اليقين
عن (مختصر الصواعق)، مع مخالفة يسيرة ستراها إن شاء الله تعالى.
قال العضد في أواخر الموقف الأول من (المواقف) .
المطالب ثلاثة أقسام:
أحدها: هو ما يمكن، أي لا يمتنع عقلًا إثباته ولا نفيه، نحوا جلوس غراب الآن على منارة الإسكندرية، فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل، إذ لوثبت بالنقل لزم الدور.
الثالث: ما عداهما نحوا الحدوث إذ يمكن لإثبات الصانع دونه، والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل إذا يمتنع خلافه عقلًا بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه» .
أقول: هذه هي مطالب الرازي وإنما اختلف الترتيب. قال السيد الجرجاني في شرحه للمطلب الأول وهو في ترتيب الرازي الثاني: «لأنه - يعني جلوس غراب على منارة الإسكندرية ونحوه - لكا كان غائبًا عن العقل والحس معًا استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق، ومن هذا القبيل تفاصيل أحوال الجنة والنار والثواب والعقاب » .
أقول: هذا يدل على ما قدمته من أن فرار المتكلمين إلى هذا التقسيم إنما هو محاولة للتخلص من إلزام ابن سينا وقد مر ما فيه. ثم قال العضد:
«الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟: لا، لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة، والأول إنما يثبت بنقل اللغة والنحووالصرف، وأصولها تثبت برواية الآحاد، وفروعها بالأقيسة، وكلامها ظنيان. والثاني يتوقف على عدم النقل والاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير، والكل لجوازه لا يجزم لانتفائه بل غايته الظن، ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي
[ ١٧٧ ]
قطعًا، إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقضهما، وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع، وفيه إبطال للفرع، وإذ أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه فكان باطلًا، لكن عدم المعارض العقلي غير يقين، إذ الغاية عدم الوجدان، وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود، فقد تحقق أن دلالتها تتوقف على أصول ظنية، لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة، والحق إنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، فأنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما في زمن الرسول في معانيهما التي تراد منها الآن، والتشكيك فيه سفسطة، نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر، لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل لقرينه مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه» .
أقول: أصل التشكيك كله للرازي كما يعلم من بعض كتب أصول الفقه.
وأقول: أما نقل اللغة والنحووالصرف فلا ريب أن هناك ألفاظًا يتفرد بنقلها بعض أهل اللغة، وأوجهًا من النحووالصرف يتفرد بحكايتها بعض أهل العربية، لكن الأعم الأغلب من نقل اللغة والصرف والنحوالتواتر، ومحاولة القدح في الجميع بأن البعض ظني مع العلم بأن الأكثر قطعي صنيع أخس من أن يسمى سفسطة كما نعلم من الموازنة بينه وبين ما تقدم عن السوفسطائية في الباب الأول.
وأمل النقل، والمراد به هنا نقل الشارع الكلمة عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، فقد وصف الله ﵎ كتابه بأنه «مبين» وانه «بيان للناس» وأنه «بلسان عربي مبين» وقال: «ثم أنا علينا بيانه»، وأو جب على الناس تدبره وتصديقه والعمل به، وقال: «أنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون»، ولا شبهة أنه ليس المراد حفظ ألفاظه فقط، وإنما المقصود
بحفظه بقاء الحجة قائمة والهداية دائمة إلى قيام الساعة، وبهذا يعلم يقينًا أن الشارع لونقل كلمة عن معناها اللغوي إلى معنى آخر لبين ذلك للناس بيانًا واضحًا، ولوبين لنقل بيانه، لتكفل الله ﷿ بحفظ الدين، ولما يلزم من انقطاع ذلك أن تنقطع الحجة والهداية، فتقوم
[ ١٧٨ ]
الساعة أو يبعث نبي آخر، وقد علمنا أن الدنيا باقية، وأن محمدًا ﵌ خاتم النبيين، وقد تقرر في الأصول أن من الأخبار المقطوع بكذبها ما نقل آحادًا، والعادة تقضي أنه لو وقع لنقل متواترًا، فما لم ينقل آحادًا من ذلك فالقطع بعدم وقوعه أوضح. وفوق هذا فإن السياق كثيرًا ما يعين معنى الكلمة حتى لمن يجهل أصل معناها، وكثير من الكلمات تتكرر في الكتاب والسنة ويدل السياق في كثير من تلك المواضع أو أكثرها على معنى الكلمة، وهكذا يكثر استعمالها على ألسنة حملة الشرع من الصحابة والتابعين، بل كثيرًا ما يدل السياق في الكلمة التي قد ثبت أن الشارع نقلها على أنها في ذلك الموضع ليست بالمعنى المنقولة إليه كقوله تعالى: «إن الله والملائكة يصلون على النبي»، (١) وقوله تعالى: «ولا تزكوا أنفسكم هو اعلم بمن أتقى»، وغير ذلك، فما بالك بما لم يأت أنه نقل إلى معنى آخر.
ونحوهذا يأتي في الاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير، وقد تقرر أن الظاهر حجة، وأن من استعمل الكلمة في غير المعنى الظاهر منها كان عليه أن ينصب قرينة وإلا كان الكلام كذبًا، واحتمال قرينة لم تنقل يرده ما تقدم من تكفل الله ﷿ بالبيان وبحفظ الشريعة، وقضاء العادة بأنها لوكانت هناك قرينة لنقلت، وكثيرًا ما تقوم الحجة القاطعة على أن الكلام على ظاهره، إما من الكلام نفسه بتركيبه وسياقه، وأما بمعونة نظائره في الكتاب والسنة، وقد أخطأ أفراد من الصحابة في فهم قوله تعالى: « وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم
_________________
(١) كأنه يشير إلى أن لفظ (يصلون) في الآية الأولى ولفظ (تزكوا) في الثانية منقول عن وضعه اللغوي، وهذا وإن ظهر في لفظ (يصلون) فلا يظهر في لفظ (تزكوا) . م ع يقول المؤلف: عبارتي واضحة في غير هذا، إنما أردت أن الشارع نقل لفظ الصلاة إلى ذات الركوع والسجود ولفظ الزكاة إلى أداء زكاة المال. ومع ذلك فسياق الآية الأولى يبين أن الصلاة فيها غير ذات الركوع والسجود، وسياق الثانية تبين أن الزكاة فيها غير أداء زكاة المال.
[ ١٧٩ ]
الخيط الأبيض من الخيط الأسود»، مع أن خطأهم إنما كان لغفلتهم عن السياق والقرائن كما أوضحته في رسالة (أحكام الكذب)، ومع ذلك كان خطأ أولئك الأفراد سببًا لإنزال الله ﷿ بقية الآية زيادة في البيان والإيضاح، فكيف يعقل أن يكون النص في العقائد ثم تخفى القرينة على جميع الصحابة ثم لا يبين الله لهم، أو يعرفها جماعة منهم ثم لا يبالون بنقلها، ولا يبعثهم الله تعالى على نقلهم نقلًا متواترًا يصل إليه علماء الرواية فيشيعونه ويذيعونه؟ ! ولا ريب أنه كما كان الصحابة مخاطبين بالنصوص فكذلك من بعدهم وكما تترتب المفسدة الشديدة على جهل الأولين بالقرينة فكذلك من بعدهم، غاية الأمر أن القرينة وإن كانت في حق المخاطبين الأولين لا بد أن تقترن بالنص فقد يجوز أن يستغني بعض النقلة باشتهارها فلا ينقلها مع النص، لكن لا يلزم من هذا ألان لا تنقل، بل لا بد من النقل لما تقدم، فإذا طلبها العلماء في مظانها فلم يجدوها، وحقها أن تنقل نقلًا متواترًا تواترًا يناله العلماء، قطعوا بأنها لم تنقل كذلك، فقطعوا بعدمها، فقطعوا بأن النص على ظاهره.
وليس الحال فيما يتعلق بالعقائد كالحال فيما يتعلق بالأحكام، فإن الأحكام يجوز فيها أن تنقل القرينة آحادًا فقط لأن الخطأ في ذلك أمر هين، وقد يكون الخطأ بالنظر إلى النصوص في الأحكام صوابًا بالنظر إلى الحكمة، فإن القوانين الشرعية تبنى على الأغلب في الحكمة، ولكن الله ﵎ يتولى تطبيق الحكمة بقضائه وقدره، فكما فرض الله تعالى الحكم بشهادة العدلين، وقد يتفق أن يخطئ عدلان، لكن الله ﵎ يتولى في مثل هذا تطبيق الحكمة بقضائه وبقدره، فكذلك قد يعرف القاضي دليلًا عامًا فيقضى به، وهناك مخصص له لم يقف عليه، فهذا القضاء وإن كان خطأ بالنظر إلى نفس الأمر بحسب الدلائل، فلعله صواب عند الله ﷿ بمقتضى الحكمة في تلك القضية، فأما العقائد فعلى خلاف هذا إذا لا يعقل تغيير الحكمة فيها، وكما يضر فيها القطع بالباطل فقريب منه الظن، فهب أن العالم
[ ١٨٠ ]
طبقات الأسلاف من حيث الإعتصام بالكتاب والسنة
إذا بحث فلم يجد قرينه لم يقطع بظاهر النص، فلا بد أن يظنه، ولا يستطيع أن يدفع الظن عن نفسه، ومع الظن فلا بد أن يحمد من أصحاب المقالات من يوافق ذاك الظن، ويذم من خالفه لغير حجة صحيحة.
وبالجملة فمن تدبر القرآن والسنة وآثار السلف لم يخف عليه الحق في كثير منها، وأنه
لا يمنعه عن القطع والإستيقان إن منعه إلا الشبهات المحدثة المبنية على التعمق، فأما من يقوي إيمانه ولا يبالي بتلك الشبهات، فإنه يقطع بدلالة كثير من تلك النصوص ويؤمن بها، وأما من لا إيمان له وهو مفتون بالشبهات فإنه يقطع بتلك الدلالة ويكفر بها.
وأما الذين يكونون كما قال الله ﷿: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ» فقد عرفت حالهم، ووراء ذلك أقوام يجهلون ما عليه العقول الفطرية كعقول المخاطبين الأولين أو يتجاهلون، ويغفلون عن قوانين البيان أو يتغافلون، ولا يعرفون وهن النظر المتعمق فيه، أو يعرفون وينكرون، ولا يتدبرون النصوص فيعرفون دلائلها القواطع، أو يتدبرون ويجحدون «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» .
وبالجملة فأسلافنا على ثلاث طبقات:
الأولى: من ضح لنا اعتصامه بالكتاب والسنة فهؤلاء الذين نتولاهم.
الثانية: من وضح لنا تهاونه بالكتاب والسنة فعلينا أن نتبرأ منهم.
الثالثة: قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يعفوعنهم ويعذرهم، وعلينا أن نحمد الله فيما أصابوا فيه، ونبرأ مما أخطأو افيه. والله المستعان.
فأما ما ذكره العضد من المعارض العقلي فقد علمت حاله في الكلام مع الرازي، وقوله: «والحق أنها قد تفيد اليقين بقرآئن مشاهدة أو متواترة» ففيه قصور شديد، بل قد تفيد اليقين من أوجه أخرى كما سلف.
[ ١٨١ ]
بيان أن من نفى حصول القطع المذكور فهو مكذب بالنصوص إلا في حالة الخطأ
ثم نكس فقال: «نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه» .
أقول لا ريب أنه من التيسر في كثير من الكلام إن لم نقل في أكثره أن يحصل القطع بالمعنى الذي حقه أن يفهم منه، وإنكار هذا مكابرة، فم إذا حصل القطع بهذا في كلام من يمتنع عليه الغلط حصل القطع بأنه أراد أن يكون الكلام كذلك، أي حقه
أن يفهم من ذاك المعنى، فإذا كان ممتنعًا عليه قطعًا أن يكذب خطأ ولا عمدًا حصل القطع بصحة ذاك المعنى فيحصل القطع باستحالة أن يوجد دليل عقلي صحيح على بطلان ذاك المعنى.فمن زعم أن النصوص لا يحصل بها القطع بعدم المعارض العقلي فإما أن يكون جاهلًا بقوانين الكلام، وإما أن يكون يكذب المتكلم بالنصوص، فأما زاد على هذا فرد بعض تلك النصوص أو حرفها إلى غير المعاني التي يعلم أن حقها بحسب قانون الكلام منها فهو مكذب للمتكلم بها ولابد.
ومن وقف عن نفي حصول القطع وإثباته مع معرفته بقوانين الكلام فإن كان واقفًا في المسائل التي يختلف فيها السلفيون وغيرهم أو غالبها، فهو غير جازم بتصديق المتكلم بالنصوص وإن كان يرد كثيرًا من تلك النصوص أو يحرفها، فلا معنى لوقفه بل هو مكذب البتة، فإن قيل قد يخطئ في فهم النصوص التي خالفها.
قلت: إنما يتجه الحمل على الخطأ حيث يقل ويكون الغالب الصواب، ومع ذلك فهذا إنما يفيد الجزم بالتصديق، فأما المرتاب فسواء أخطأ أم تعمد.
فأما القرآئن فهي على ضربين:
الضرب الأول: ما هو كالجزء من الكلام بأن ينصبه المتكلم أو يلاحظ تتميمًا لمقصود الكلام وهو الإفهام، فتارة تكون فائدتها تأسيسية، ذلك حيث يتوقف عليها الفهم أو تعيين المراد أو تبيينه، وتارة تكون تأكيدية وذلك حيث توافق ما
[ ١٨٢ ]
جزم الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية ورجوعه عنه
يدل عليه الكلام.
الضرب الثاني: العلامات والأمارات الدالة على بعض الأمور، كأن نعلم أن القاضي مريض مرضًا خطرًا ثم نسمع البكاء من بيته، ويدعى الغسالون والحفارون ويحضر العلماء والأمراء، ثم تخرج من بيت القاضي جنازة على هيأة العلماء فيتسابق أهل العلم والفضل إلى حملها، ومعها أبناء القاضي بهيئة الغم والحزن، ثم توضع للصلاة فيقدمون للإمامة أكبر أبناء القاضي، فتقدم ويقوم حيث يقوم الإمام من جنازة الرجل، ثم يذهب بها فيدفن الميت في قبره بجانب قبر والد القاضي، ثم نرى الناس يتقدمون إلى أبناء القاضي على هيأة ما جرت به العادة في التعزية - إلى غير ذلك مما يدلنا على أن القاضي مات ولولم نشاهد موته، ولم نسمع
مخبرًا يخبر بموته، وهذه الأمارات قد تقوي وتكثر حتى يحصل اقطع بموت القاطي، وذلك حيث يستحيل في العادة أن يتفق اجتماع لغير موته.
فإذا فرضنا أنه عندما سمعنا البكاء من بيت القاضي خرج طبيب كان دعي قبل ساعة، فسئل فقال: مات القاضي، فهذا الخبر قد يحصل به وبتلك الأمارات القطع حتى على فرض عم الخبر.
وهذا الضرب قد يحتاج إليه الناس لوجهين:
الأول: تثبيت صدق المخبر.
الثاني: الدلالة على معنى الخبر حيث لم يكن صريحًا كما لوكان الطبيب لما سئل قال: «مات رجل كبير» . فأما الشرع فإنه غني عن تثبيت صدق أخباره، وإنما الشأن في ثبوت أه أخبر، ثم في معنى الخبر، وكلا الضربين يدخل فيما يتعلق بالعقليات، كما يدخل في غيره.
وجاري السيد الجرجاني في (شرح المواقف) المتن. ثم قال:
«وقد جزم الإمام بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية »
[ ١٨٣ ]
أقول: قد رجع الرازي كما تقدم (١) ولله الحمد. والسيد هذا هو المصرح في البيان كما في بحث الاستعارة من حيث (حواشي عبد الحكيم على المطول) بأن الكذب العمد لا ينصب صاحبه قرينة «بل يروج ظاهره لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه» .
وجاراهما المحشي عبد الحكيم قم قال
«ههنا بحث مشهور، وهو أن المبني لعدم المعارض العقلي في التشريعات صدقُ القائل، وهو قائم في العقليات أيضًا، وما لا يحكم العقل بإمكانه ثبوتًا وانتفاء لا يلزم أن يكون من الممتنعات لجواز إمكانه الخالي من العقل، فينبغي أن يحمل كل ما علم أن الشرع نطق به على هذا القسم، لئلا يلزم كذبه، وإبطال قطع العقل بصدقه، فالحق أن النقلي أيضًا يفيد القطع في العقلي أيضًا، ولا يفيد ما ذكره الشارح، ولا مخلص إلا بأن يقال مراده أن النظر في الأدلة أنفسها والقرآئن في الشرعيات يفيد الجزم بعد المعارض لأجل إفادته الإرادة من القائل الصادق جزما، وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر بناء على إفادته لإرادة محل له لأنه بعد ما علم مراد الشارع يقينًا في العقلي والنقلي يحصل الجزم بعدم المعارض في الثاني دون الأول فإنه غير مسلم» .
أقول: لا شك أن هذا الذي زعمه هو مرادهم، لكنه لا يفيدهم شيئًا، لأن ذاك النظر لا يستند إلى شيء سوى أنهم وجدوا الشبهات التعمقية تخالف بعض النصوص، فلم يكن عندهم من قوة الإيمان ما يحملهم على اطراح تلك الشبه وتصديق الشرع، وكبر عليهم أن يصرحوا بتكذيب الشرع، فحاولوا أن يتخذا بين ذلك سبيلًا، وهيهات!
وكذلك السع التفتازاني جرى في (المقاصد) و(شرحها) على أن النصوص لا
_________________
(١) يعني في وصيته التي لخصها المؤلف من «لسان الميزان» ص ٣٣، م ع
[ ١٨٤ ]
زعم الجرجاني أن القول بأن الأدلة النقلية لا تفيد اليقين
يحتج بها في مقابل تلك الشبه وجمجم في ذاك الموضع جمجمة ينكشف حالها في كلامه في موضع آخر، كما يأتي في مسألة الجهة إن شاء الله تعالى.
وقد أوضحت في رسالة (أحكام الكذب) اتفاق البيانيين ومنهم التفتازاني والجرجاني وعبد الحكيم أن الكلام إذا كان حقه أن يفهم منه مع ملاحظة قرينة - إن كانت - خلاف الواقع، لم تخرجه الإرادة التي هي التأويل الذهني عن كونه كذبًا، وتقدم بعض ما يتعلق بذلك ومرت عبارة الجرجاني قريبًا. فمتى تحقق في النص أنه ظاهر بين في معنى ولا قرينة تصرف عنه ففرض بطلان ذاك المعنى مستلزم أن الكلام كذب، وأن المتكلم كاذب ولابد، ويتأكد بعيدًا جدًا عن احتمال غير ذاك المعنى فإنه يتحقق حينئذ عدم العلاقة مع عدم القرينة.
وزعم الجرجاني في (شرح المواقف) أن القول بأن الأدلة لا تفيد اليقين هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة، فإن صح هذا القول فهو بالنظر إلى متأخري الطائفتين، فأما المتقدمون فلا يظن بهم هذا، نعم إنهم يخالفون بعض النصوص ولكن قد يكون ذلك لاشتباه ما توهموا أنه دليل عقلي بالدليل العقلي الصحيح الذي من شأنه أن لا يخفى على المخاطبين الأولين فتوهموا أنه قرينة صحيحة، أولاشتباه معاني بعض الآيات عليهم، فظنوا أنها صريحة
فيما ذهبوا إليه، وأنها قرينة صحيحة توجب تأويل ما يخالفها، وقل عالم إلا وقد خالف بعض النصوص، وكما لا يلزم من ذلك إنكار أن تكون النصوص حجة، فكذلك لا يلزم إنكار أنها قد تفيد اليقين، بلى إذا كثرت المخالفة فقد يتجه الحكم. والله أعلم.
المحكم والمتشابه
كثير من المتعمقين يسترون تكذيبهم للنصوص بدعوى أن ما يخالفونه منها هو من المتشابه المنهي عن إتباعه، وقد كثر الكلام في المحكم والمتشابه، وسألخص ما
[ ١٨٥ ]
بان لي راجيًا من تعالى التوفيق.
المعنى المتبادر إلى الذهن من كلمتي «محكم» و«متشابه» أن المحكم هو المتقن الذي لا خلل فيه، والمتشابه هو الذي يشبه بعضه بعضًا، والقرآن كلام رب العالمين، أحكم الحاكمين، العليم القدير، فلابد أن يكون كله محكمًا، وينبغي أن يعلم إحكام الشيء يختلف باختلاف ما أعد له، ففي البناء يختلف الإحكام في الحصن ودار السكنى وقصر النزهة، (١) وهكذا يختلف الإحكام في حجر الدار الواحدة كالمجلس والمخزن والحمام، ويختلف المعد لغرض واحد باختلاف الأحوال، فالمجلس الذي يصلح للشتاء قد لا يصلح للصيف، والذي يصلح للصيف في بلد لا تكون فيه السموم (٢) قد لا يصلح في بلد تكون فيه، وهكذا الكلام كما يقوله البيانيون في تفسير البلاغة، فمهما يكن في بعض الآيات مما يزعمه بعض الناس خللًا فهو بالنظر إلى ما أعدت له الآية عين الإحكام. وهناك صفات تشترك فيها آيات القرآن كالإحكام والصدق وغير ذاك من الصفات المحمودة، فيصح أن يقال: إن القرآن كله متشابه كما أنه كله محكم، وقد وصفه الله تعالى بهذين الوصفين، قال تعالى: «الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» فاتحة سورة (هود) .
وقال ﷿: «وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» فاتحة سورة (يّس) .
وقال سبحانه: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا» . الزمر: ٢٣. (٣)
_________________
(١) كل بحسبه، فإتقان الحصن غير إحكام دار السكنى قصر النزهة. م ع
(٢) السموم الرياح الحارة مع الجفاف كاصبا والشمال في تهامة والحجاز وكالجنوب في مصر. م ع
(٣) والذي أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإحكام والتشابه العام في القرآن يتشابهان، فهو محكم متقن بين واضح، وهو متشابه يشبه بعضه بعضًا في الإحكام والصدق والبيان والوضوح. م ع
[ ١٨٦ ]
فيبقى النظر في قوله تعالى: «الم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ» إلى قوله: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوالْأَلْبَابِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» . فواتح سورة (آل عمران) .
دل هذا أن منه آيات محكمات غير متشابهات، وآيات متشابهات غير محكمات، فلابد أن يكون الإحكام والتشابه هنا معنى غير الأول فما هو؟
أشهر ما روي عن السلف في ذلك قولان:
الأول: أن المحكم ما ينسخ. والمتشابه المنسوخ.
الثاني: أن المحكم ما للناس سبيل إلى معرفة تأويله كآيات الحلال والحرام. والمتشابه ما لا يعلم تأويله إلا الله كوقت قيام الساعة. وقد عرف من عادة السلف أنهم يفسرون الآية ببعض ما تتناوله وذلك على سبيل التمثيل، وأنهم كانوا يطلقون النسخ على ما يشمل البيان بالتخصيص ونحوه، وفيمكن أن يشرح ذلك القولان على ما يأتي:
القول الأول: أن المحكمات هي كل آية بينة بنفسها، والمتشابهات ما تحتاج إلى أن يبينها غيرها كالمنسوخ والمجمل بنوعيه.
القول الثاني: أن المحكمات كل آية يتهيأ للسامع مع معرفة معناها الذي سيقت لبيانه أن يعرف ما تتوق إليه نفسه مما يتعلق بما اشتملت عليه، والمتشابهات ما عدا ذلك، فالآيات المنذرة بقيام الساعة إنما سيقت لإعلام العباد أن لهم بعد هذه الحياة الفاني حياة خالدة يحاسبون فيها على ما قدموه في الدنيا ويجزون به، ليستعدوا لها بالإيمان والعمل الصالح والاستكثار منه، واجتناب الكفر والظلم
[ ١٨٧ ]
والفسوق العصيان، فهذا هو المقصود، ولكن كثيرًا من النفوس تخطاه متعطشة إلى معرفة وقت قيام القيامة، قال الله تعالى: «يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» . الأعراف: ١٨٧.
(حفي عنها): معني بالسؤال عن وقتها حتى علمته، فرد الله تعالى عليهم بأن رسول ليس مثلهم في الحرص على معرفة ذلك لأنه يعلم أن المهم هو الإستعداد لها فهو مستعد فلا يهمه أن تقوم بعد لحظة أو بعد ألوف القرون، وفي القرآن عدة آيات أخرى في هذا المعنى. وفي (الصحيحين) عن أنس «أن رجلًا قال: يار رسول الله متى الساعة؟ قال ويلك وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله، قال أنت مع من أحببت، قال: أنس فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بها» . عدل به النبي ﵌ إلى المهم، ونبهه على أن المحبة تقتضي المعينة، فمن صدق حبه لله ورسوله كان معها في الدنيا بالإيمان والطاعة والاتباع فيحبه الله فينيله المعية في الآخرة بالنجاة والدرجات، قال تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» . وتفاوت المعية في الدنيا دليل تفاوت المحبة، وقضية ذلك تفاوت المعية في الآخرة، ويزيد الله تعالى من شاء من فضله.
ويدخل في المتشابه على القول الثاني الآيات المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته وغيبه كقوله تعالى فيما قصة من خطابه لإبليس: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي» . ص: ٧٥.
فالآيات سيقت لحض بني آدم على مخالفة الشيطان وتحذيرهم من طاعته أو فعل مثل فعله، وبيان عداوته لهم، وبيان إقامة الله ﷿ الحجة عليه، وبيان أن الله
[ ١٨٨ ]
وجه تسمية بعض الآيات متشابهات
تعالى شرف أباهم بأن خلقته بيديه سبحانه، وبيان أن له سبحان يدين كما يليق بعظمته، وهذه المعاني ظاهرة لا لبس
فيها، لكن النفس قد تتخطاها إلى الخوض في منه اليدين وكيفيتهما.
فعلى كلا القولين تكون تلك الآيات محكمة أي متقنة على ما اقتضته الحكمة، وفي بقاء المنسوخ بعيدًا عن ناسخه، والإتيان بالمجمل بنوعيه ابتلاء من الله لعباده، فيكون عليهم مشقة وعناء في استنباط الأحكام لاحتياج ذلك إلى الإحاطة بنصوص الكتاب والسنة واستحضارها، وفي ذكر ما لا سبيل للعباد إلى معرفة كنهه وكيفيته مع ما يتعلق بذلك من المعاني الظاهرة ابتلاء لهم ليمتاز الزائغ عن الراسخ، وقد تقدمت حكمة الابتلاء في أوائل الرسالة.
ويبقى النظر في وجه تسمية تلك الآيات متشابهات، والذي يظهر أنه ليس المراد أنها يشبه بعضها بعضًا، بل المراد - والله أعلم - أن كل آية متشابهة، أي يمكن أت تحمل على معان متشابهة في أن لا يترجح بعضها على بعض رجحانًا بينًا.
وفي حديث (الصحيحين): «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات » وفي (فتح الباري): «وفي رواية الأصيلي مشتبهات وهي رواية ابن ماجه وهو لفظ ابن عون ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري بلفظ: «وبينهما متشابهات» واشتبهو اوتشابهو ايأتيان بمعنى واحد، شأن افتعل وتفاعل في كثير من الكلام، فالأمر الذي بين الحلال والحرام متشابه الحل والحرمة في الاحتمال، يحتمل كلًا منهما كما يحتمل الآخر، لا يترجح فيه ذا ولا ذاك، فهكذا والله أعلم تكون الآية المتشابهة يتشابه فيها معنيان فأكثر، وانطباق هذا على المجمل الذي ظاهر له واضح، فأما الذي له ظاهر فإنما يقع حيث تكون هناك قرينة تقاوم ظهوره، كما أوضحته في رسالتي في (أحكام الكذب)، وبذلك يصير في حكم الأول، هذا بالنسبة إلى الصحابة.
فأما من بعدهم فقد علم المسلمون أن في النصوص ما هو منسوخ نسخة نص
[ ١٨٩ ]
بيان أن القولين يمكن تطبيقها على سياق الآية
آخر بعيد عنه، وما هو عام خصصه نص آخر، وما هو مطلق قيده نص آخر، وهكذا، فمن لم يستقرىء النصوص ويتدبرها فإنه يقف على ما هو في نفس الأمر منسوخ ولم يعلم ذلك يكون
محتملًا في حقه أن يكون حكمه باقيًا، وأن يكون منسوخًا، وقس على هذا حال الباقي، فثبت التشابه.
وأما ما لا سبيل إلى علم تأويله، وأو قل: كنهه وكيفيته كاليدين في قوله تعالى: «خَلَقْتُ بِيَدَيّ» فإنه لا يبقى إلا التخرص ولا حد له فقد يتخرص الانسان وجهين، أو أكثر ومعلوم أنه لا يتبين واحد من ذلك بيانًا واضحًا، فثبت التشابه.
وكلا القولين يمكن تطبيقه على السياق.
وأما القول الأول؛ فأهل الزيغ يتبعون المنسوخ والمجمل، فتارة يعيبون القرآن بالتناقض - زعموا - وبعدم البيان. وتارة يتشبثون بذلك لتقوية أهو ائهم كما فعل النصارى، إذ تشبثوا بما في القرآن من إطلاق الكلمة والروح على عيسى، وكما فعل المشركون عندما سمعوا قوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم» وتارة يبتغون تأويله مع عدم تأهلهم لذلك وعدم رجوعهم إلى الراسخين، كما فعل الخوارج في قوله تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» وقوله: «لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَان»، ونحوذلك.
وأما القول الثاني: فأهل الزيغ يتبعون تلك النصوص، تارة ابتغاء الفتنة، بأن يعيبوا القرآن والإسلام بزعم أنه جاء بالباطل فيزعمون أن لفظ «بِيَدَيّ» معناه أن لله سبحانه يدين مماثلتين ليدي الإنسان يجوز عليهما ما يجوز على يدي الإنسان ثم يقولون: وهذا باطل، ثم يوجه كل منهم ذلك إلى هواه، فنمهم من يستدل بذلك على أن القرآن ليس من عند الله، وأن محمدًا ليس بنبي، ومنهم من يستدل بذلك على أن القرآن جاء بالبطل مجاراة لعقول الجمهور، إلى غير ذلك. وتارة ابتغاء تأويله، فمنهم من ذهب يتخرص تخرص هشام بن الحكم وأصحابه وغيرهم من المشبهة الضالة، ومنهم من يحرف تلك النصوص بحملها على معاني بعيدة، كعقول بعضهم أن اليدين هما القدرة والإرادة وغير ذلك.
[ ١٩٠ ]
جواز الوقوف على قوله تعالى (إلا الله) وتركه مع تفصيل معنى التأويل وأمثلة له
وقوله تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا به»، وينطبق على كل من القولين، إلا أنه القول الأول يكون قوله: «وَالرَّاسِخُونَ» عطفًا، والمعنى أن الراسخين يعلمون تأويله أيضًا، وعلى القول الثاني يكون قوله: «وَالرَّاسِخُونَ» استئنافًا، فهم لا يعلمون تأويله، وإنما امتازوا بأنهم لا يتبعونه إتباع الزائغين، بل يقولون: «آمَنَّا به» الآية.
ويدل على تصحيح كلا القولين أن من الناس من وقف على قوله: «إلا الله»، ومنهم من لم يقف، وأنه صح عن ابن عباس أنه ذكر الآية ثم قال: «أنا ممن يعلم تأويله» . وصح عنه أنه قرأ: «ويقول الراسخون» .
والتأويل على القول الأول بمعنى التفسير، وعلى الثاني بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها اللفظ، ففي قوله تعالى: «لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي» تأويل اليدين حقيقتهما وكنههما على ماهما عليه.
واعلم أن التأويل يكون للفعل، كخرق صاحب موسى (١) سفينة المساكين، وقتله الغلام وإقامته الجدار، ويكون للرؤيا، ويكون للكلام. فتأويل الفعل إما مآله أي ما يؤول إليه، وهو المقصود من فعله كسلامة السفينة من غضب الملك، وسلامة أبوي الغلام من إرهاقه، وسلامة كنز اليتيمين، وإما بيان أن الفعل يؤول إلى المآل. قال الله تعالى فيما قصة عن صاحب موسى: «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» ثم أخبره بأن القصد من تلك الأفعال أن تؤول ذاك المآل، ثم قال: «ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» وقال تعالى: «ذَلِكَ (٢) خَيْرٌ
_________________
(١) صاحب موسى هم الخضر كما صرح به حديث ابن عباس في (الصحيحين) وغيرهما وقصتهما في سورة الكهف، وذكر البخاري حديث الخضر وموسى في عدة مواضع من (صحيحه) كالعلم والإيمان والتفسير وأحاديث الأنبياء وغيرها، ولا أدري لماذا أبهم المؤلف اسم صاحب (موسى) مع التصريح باسمه في الأحاديث الصجيجة، وأن اسمه خضر أو الخضر بذكر الألف واللام وحذفها. م ع
(٢) أي الفعل المأمور به، أنظر الآيتين.
[ ١٩١ ]
حديث: كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده يتأول القرآن
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» النساء - ٥٩، الإسراء- ٣٥.
وتأويل الرؤيا إما مآلها وهو الواقع في نفس الأمر الذي هي تمثيل له كسجود إخوة يوسف وأبويه له، فقال يوسف قصة الله تعالى عنه «عندما سجد له أبواه وإخوته] (٣) هذا تأويل رؤياي، وإما بيان ما تؤول إليه، وذلك تعبيرها. ومنه ما قصه الله تعالى من قول يعقوب ليوسف «وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث»، ثم قول يوسف «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ» . ويحتمل المعنيين ما قصه الله تعالى من قول صحأبي السجن ليوسف «نبأنا بتأويله» وقوله لهما: «إلا نبأتكما بتأويله»، وقول الناجي منها للملك ومن معه «أنا أنبئكم بتأويله» بعد قوأصحاب الملك «وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين» .
وتأويل الكلام إما مآله الخارجي وهو الواقع في نفس الأمر إذا كان الكلام خبرًا، والفعل المأمور به إذا كان أمرًا، وقص على ذلك قص الله ﷿ في سورة (الأعراف) حال القيامة والجنة والنار، ثم قال: [) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ» الأعراف - ٥٢ - ٥٣.
وقال تعالى: «وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ» إلى أن قال: «بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه» يونس - ٣٧ - ٣٩
وفي (صحيح مسلم) من حديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول فيركوعه وسجوده: سبحان الله وبحمده اللهم أغفر لي، يتأول القرآن» .
تريد والله أعلم: يأتي بتأويل قوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ» وإما مآله المعنوي كأن يقال: تأويل رأيت أسدًا يرمي، رأيت رجلًا
_________________
(١) زيادة من الشيخ محمد عبد الرزاق. ن
[ ١٩٢ ]
إيراد سؤال من قبل المتعمقين في تصويب القول الأول وجواب المصنف عليه
شجاعًا.وإما بيان أحدهما، وهذا هو المسمى بالتفسير، ويحتمل هذا الذي قبله قول النبي ﵌ في ابن عباس: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» . (١) فعلى الأول يكون المعنى: علمه المعاني التي تؤول إليها النصوص، وعلى الثاني يكون المعنى: عامة أن يؤول النصوص أي يبين معانيها التي تؤول إليها.
إذا تقرر هذا فعلى القول الأول في المتشابه يكون المراد بتأويله معانيه، وعلى القول الثاني يكون المراد ما يؤول إليه من الحقائق، فكما أن تأويل الأخبار بالبعث هو البعث نفسه، فكذلك تأويل الأخبار بأن لله يدين هو اليدين، والعلم الذي ينفرد الله تعالى به في شأن اليدين هو العلم بالكنه والكيفية، فأما العلم الإجمالي الذي يتوقف عليه الإيمان بأن لله تعالى يدين على الحقيقة، فهذا يحصل للمؤمنين، وبه يكونون مصدقين لخبر الله ﷿، وبذلك يخلصون من تكذيبه ويمتازون عن الزائغين المتبعين له ابتغاء الفتنة، وبقناعتهم به يمتازون عن الزائغين المتبعين له ابتغاء تأويله.
فإن قيل: فإن للمتعمقين أن يقولوا: الصواب عندنا من القولين المذكورين في المتشابه القول الأول، النصوص التي تتعلق بالمعقولات كلها من المجمل الذي له ظاهر، ولا يمكن الوثوق بأن ذلك الظاهر هو المراد، إلا أن يقوم الدليل العقلي على وجوب ذاك الظاهر أو جوازه، ثم نقول: إن كل نص من تلك النصوص يحتاج إلى بيانين:
الأول: بيان صحة ذاك الظاهر أو بطلانه.
الثاني: بيان المعنى المراد، فأما البيان الأول فيحصل بالعقل، ويحصل بقوله تعالى: «ليس كمثله شيء» وقوله: «قل هو الله أحد» السورة، فقد بين العقل، وهاتان الآيتان وغيرهما بطلان ظواهر تلك النصوص التي نتأولها، فوجب أن يكون
_________________
(١) أخرجه أحمد باسناد صحيح، وهو في «الصحيحين» دون قوله: «وعلمه التأويل» . ن
[ ١٩٣ ]
المراد بها معان أخرى صحيحة. فأما الزائغون فاتبعوا تلك الظواهر، هم فريقان:
الأول: الملحدون القانون: هذه الأمور باطلة قطعًا، فالشرع الذي جاء بها باطل.
الفريق الثاني: الذين يجهلون أو يتجاهلون بطلانها فيدينون بإثباتها، والسلف وأئمتنا أبرياء من الفريقين، غير أن السلف كانوا مع العلم ببطلان تلك الظواهر يمتنعون من الخوض في البيان الثاني، وأئمتنا اصطدموا بالزائغين الزاعمين أن تلك الظواهر هي المعاني المرادة من تلك النصوص ويبالغون فيدعون أن تلك النصوص صريحة في تلك المعاني لا تحتمل التأويل، فاحتاج أئمتنا إلى بيان الاحتمال، فمن لم يجزم منهم بمعنى معين فلم يأتي بما ينكر عليه، ومن جزم بذلك فقد ينكر عليه من يذهب إلى أن الراسخين لا يعلمون ذلك، أي أنهم ولوعلموا بطلان الظاهر، وأن المراد غيره، فلا يعلمون التأويل وهو المعنى المراد لاحتمال النص عدة معان، لكن قد يقال: إذا كان المعنى الذي جزم به ذلك الجازم صحيحًا في نفسه فالخطب تسهل،
وذلك كالقائل: إن المراد باليدين في قوله تعالى: «لما خلقت بيدي» القدرة والإرادة، فإن هذا معنى صحيح في نفسه، للعلم بأن الله تعالى قدرة وإرادة، وأن لها تعلقًا بخلق آدم، فإن فرض أن المراد باليدين في الآية معنى آخر فليس في الجزم المذكور كبير حرج.
فالجواب عن هذا كله يعلم مما تقدم في هذه الرسالة وألخصه هنا بعون الله ﷿:قولكم: «فلا يمكن الوثوق بأن ذلك الظاهر هو المراد إلا أن يقوم الدليل العقلي على وجوب ذاك الظاهر أو جوازه» . قول باطل مردود عليكم، بل الحق أنه أن دل العقل الصريح - الذي يصح أن يكون قرينة بأن يكون من شأنه أن لا يخفى على المخاطب إذا تدبر - على امتناع ذاك الظاهر لم يبقى ظاهرًا ضرورة أن القرينة ركن من الكلام، وإلا كان النص برهانًا على الوقوع فضلًا عن الجواز،
[ ١٩٤ ]
ضرورة أنه إن لم يكن كذلك كان كاذبًا، وقد قامت البراهين على استحالة أن يقع الكذب من الله تعالى ولا من رسوله.
فإن قيل: لا يلزم من فرض البطلان التكذيب، لجواز تأخير بيان المجمل الذي له ظاهر.
ومن أجاز التأخير فمحله في مجمل لا ظاهر له، أوله ظاهر بحسب اللفظ لكن تكون هناك قرينة صحيحة كدافع ذاك الظهور، فيبقى النص في حكم المجمل، الذي لا ظاهر له، على هذا إذا كان للنص ظاهر ولا قرينة تدافعه وجب الجزم بأن ذاك الظاهر هو المراد.
وهناك نصوص في الأحكام يمثلون بها لما أدعوه من جواز أن يكون للنص ظاهر غير مراد ويتأخر بيانه، ونحن نجيب عنها إجمالًا فنقول:
ما ثبت فيه الظهور وثبت أنه لم تكن قرينة صحيحة تدافعه وثبت أنه ورد بعده ما يخالفه فإننا نصحح ذلك الظاهر ونقول: إنه هو المراد، وإن ما ورد بعده مخالفًا فهو ناسخ له، فإن ثبت إن المتأخر ورد قبل العمل بالمتقدم اخترنا جواز النسخ قبل العمل، ويكون المقصود من الحكم السابق إنما هو ابتلاء المكلفين ليتبين من يتقبل الحكم بالرضا والعزم على العمل به والاستعداد له.
وعلى ذلك فهذا إنما يتأتى في النصوص المتعلقة بالأحكام، دون النصوص المتعلقة بالعقائد
والفرق بين النصوص التي قيل إنها كانت من المجمل الذي ظاهر غير مراد، وهي متعلقة بالأحكام وبين النصوص المتعلقة بالعقائد التي ينفرد المتعمقون بإنكار ظواهرها من وجوه:
الأول: أن الأولى يعقل فيها تأخر الحاجة كآية تنزل في شوال، وتتعلق بحكمٍ لصيام رمضان.
[ ١٩٥ ]
فأما الثانية: فالحكم المقصود منها يتعلق بالاعتقاد، وهو يحصل عقب السماع فوقت الحاجة فيها هو وقت الخطاب.
الوجه الثاني: أن الأولى يعقل قيام قرينة تدافع الظهور.
وأما الثانية فبعيد عن ذلك لأن كثيرًا منها أو أكثرها كانت موافقة لعقول المخاطبين، فدلالة العقل تدفع ما قد يحتمل من قرينة وتصير النص صريحًا في ظاهره.
الوجه الثالث: أن الأولى لا تخلوفائدة فقد ذهب حمع من أهل العلم إلى أن من احتاج إلى عمل ووجد نصًا يتعلق به إلا أنه يحتمل أن يكون له ناسخ أو مخصص أو مقيد، ولم يمكنه البحث حالًا كان عليه العمل بذلك النص ثم يبحث، ويشهد لهذا أن استقبال بين بيت المقدس نزل نسخه وأناس من المسلمين غائبون عن النبي ﵌، فبقي الحكم في حقهم استقبال بيت المقدس حتى بلغهم النسخ، وكذلك تحريم الخمر نزل وأناس من المسلمين غائبون، فبقي الحكم في حقهم حلها حتى بلغهم التحريم، هذا مع أن من أولئك الغائبين من غاب بعد أن علم أن النبي ﵌ يتوقع القبلة وتحريم الخمر، وعلى هذا فإذا جاز أن تنزل في شوال آية تتعلق بحكم رمضان وتكون مجملة لها ظاهر غير مراد وتكون هناك قرينة تدافع ذاك الظهور فسمعها بعض المسلمين ثم غاب، وطالت غيبته حتى دخل رمضان كان عليه العمل بتلك الآية، وإن كان محتملًا عنده نزل بع غيبة ما يبين أنها على خلاف الظاهر، فهذا ونحوه إنما يعقل في الأحكام التي يعقل فيها الاختلاف، فيكون الحكم حقًا في وقت أو حال، وباطلًا في غيره، فأما الاعتقادات فإنما تكون على حال واحدة.
الوجه الرابع: أن الظهور في الأولى ضعيف واحتمال خلافه قوي، وذلك كالعموم، وقد قيل: ما من عام خص، وكالإطلاق وهو قريب من ذلك، والثانية كثير منها أو أكثرها صريحة في المعاني التي ينكرها المتعمقون، وما كان كذلك فلا مجال لتجويز أن يكون ذلك المعنى غير مراد، لأن ذلك يكون تكذيبًا له.
[ ١٩٦ ]
الوجه الخامس: أن الأولى قليلة حتى أنكر جمع كثير من أهل العلم وقوع تأخير البيان بل أنكروا جوازه، والثانية كثير جدًا.
الوجه السادس: أن الأولى توجد النصوص المبينة لها صريحة واضحة في البيان، والثانية لا يوجد نص واحد بين في خلافها. وقد مر النظر في قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» وما معها.
الوجه السابع: أن الأولى لا يكاد ينقل من أقوال الصحابة والتابعين ما يتعلق بها إلا مع بيانها. والثانية لا يصح عن أحدهم منهم قول يخالف معانيها التي ينكرها المتعمقون، بل جاء عنهم مما يوافقها ويقرر معانيها وما يشبهها الكثير الطيب. وزعمكم أن السلف كانوا يعتقدون بطلان تلك المعاني، من العجب العجاب. ودونكم الحقيقة.
[ ١٩٧ ]