- ٤١) ولك أن تقول: أن الله ﵎ في جانب، والهوى في جانب، وقد قال تعالى: «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» (الفرقان: ٤٣ - ٤٤) وقال تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ» (الجاثية: ٢٣) .
وفي الحديث: «حبك الشيء يعمي ويصم» . (١) وقال البريق الهذلي:
أين لي ما ترى والمرء تأبى عزيمته ويغلبه هواه
فيعمي ما يرى فيه عليه ويحسب ما يراه لا يراه
٢ - فصل
الدين على درجات: كف عما نهي عنه، وعمل ما أمر به، واعتراف بالحق، واعتقاد له وعلم به. ومخالفة الهوى للحق في الكف واضحة، فان عامة ما نهي عنه شهو ات ومستلذات، وقد لا يشتهي الإنسان الشيء من ذلك لذاته، ولكنه يشتهيه لعارض. ومخالفة الهوى للحق في الاعتراف بالحق من وجوه:
الأول: أن يرى الإنسان أن اعترافه بالحق يستلزم اعترافه بأنه كان على باطل، فالإنسان ينشأ على دين أو اعتقاد أو مذهب أو رأي يتلقاه من مربيه ومعلمه على أنه حق فيكون عليه مدة، ثم إذا تبين له أنه باطل شق عليه أن يعترف بذلك، وهكذا
_________________
(١) أخرجه أبو داود وغيره عن أبي الدرداء مرفوعًا. وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. ن
[ ١٢ ]
إذا كان آباؤه أو أجاده أو متبعوه على شيء، ثم تبين له بطلانه، وذلك أنه يرى أن نقصهم مستلزم لنقصه، فاعترافه بضلالهم أو خطئهم اعتراف بنقصه، حتى أنك لترى المرأة في زماننا هذا إذا وقفت على بعض المسائل التي كان فيها خلاف على أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة أخذت تحامي عن قول عائشة، لا لشيء إلا لأن عائشة امرأة مثلها، فتتوهم أنها إذا زعمت أن عائشة أصابت وأن من خالفها من الرجال أخطأوا، كان في ذلك إثبات فضيلة لعائشة على أولئك الرجال، فتكون تلك فضيلة للنساء على الرجال مطلقًا، فينالها حظ من ذلك، وبهذا يلوح لك سر تعصب العربي للعربي، والفارسي للفارسي، والتركي للتركي، وغير ذلك. حتى لقد يتعصب الأعمى في عصرنا هذا للمعري! .
الوجه الثاني: أن يكون قد صار في الباطل جاه وشهرة ومعيشة، فيشق عليه أن يعترف بأنه باطل فتذهب تلك الفوائد.
الوجه الثالث: الكبر، يكون الإنسان على جهالة أو باطل، فيجيء آخر فيبين له الحجة، فيرى أنه إن اعترف كان معنى ذلك اعترافه بأنه ناقص، وأن ذلك الرجل هو الذي هداه، ولهذا ترى من المنتسبين إلى العلم من لا يشق عليه الإعتراف بالخطأ إذا كان الحق تبين له ببحثه ونظره، ويشق عليه ذلك إذا كان غيره هو الذي بين له.
الوجه الرابع: الحسد وذلك إذا كان غيره هو الذي بين الحق فيرى أن اعترافه بذلك الحق يكون اعترافًا لذلك المبين بالفضل والعلم والإصابة، فيعظم ذلك في عيون الناس، ولعله يتبعه كثير منهم، وإنك لتجد من المنتسبين إلى العلم من يحرص على تخطئه غيره من العلماء ولو بالباطل، حسدًا منه لهم، ومحاولة لحط منزلتهم عند الناس.
ومخالفة الهوى للحق في العلم والإعتقاد قد تكون لمشقة تحصيلية، فإنه يحتاج إلى البحث والنظر، وفي ذلك مشقة ويحتاج إلى سؤال العلماء والاستفادة منهم وفي ذلك
[ ١٣ ]
جواب المصنف عن سؤال لماذا لم يجعل الله حجج الخلق
ما مر في الاعتراف ويحتاج إلى لزوم التقوى طلبًا للتوفيق والهدى وفي ذلك ما فيه من المشقة. وقد تكون لكراهية العلم والاعتقاد نفسه وذلك من جهات، الأول ما تقدم في الاعتراف فأنه كما يشق على الإنسان أن يعترف ببعض ما قد تبين له، فكذلك يشق عليه أن يتبين بطلان دينه، أو اعتقاده، أو مذهبه، أو رأيه الذي نشأ عليه، واعتز به، ودعا إليه، وذهب عنه، أو بطلان ما كان عليه آباؤه وأجداده وأشياخه، ولا سيما عندما يلاحظ أنه أن تبين له ذلك تبين أن الذين يطريهم ويعظمهم، ويثنى عليهم بأنهم أهل الحق والإيمان والهدى والعلم والتحقيق، هم على خلاف ذلك، وإن الذين يحقرهم ويذمهم ويسخر منهم وينسبهم إلى الجهل والضلال والكفر هم المحقون، وحسبك ما قصه الله ﷿ من قول المشركين، قال تعالى: «وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»
(الأنفال: ٣٢) فتجد ذا الهوى كلما عرض عليه دليل لمخالفيه أو ما يوهن دليلًا لأصحابه شق عليه ذلك وأضطرب وأغتاظ وسارع إلى الشغب، فيقول في دليل مخالفيه: هذه شبهة باطلة مخالفة للقطعيات، وهذا المذهب مذهب باطل لم يذهب إليه إلا أهل الزيغ والضلال ، ويؤكد ذلك بالثناء على مذهبه وأشياخه ويعدد المشاهير منهم ويطريهم
بالألفاظ الفخمة، والألفاظ الضخمة، ويذكر ما قيل في مناقبهم ومثالب مخالفيهم، وإن كان يعلم أنه لا يصح، أو أنه باطل!
ومن أوضح الأدلة على غلبة الهوى على الناس أنهم - كما تراهم - على أديان مختلفة، ومقالات متباينة، ومذاهب متفرقة، وآراء متدافعة ثم تراهم كما قال الله ﵎: «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» .
فلا تجد من ينشأ على شيء من ذلك ويثبت عليه يرجع عنه إلا القليل، وهؤلاء القليل يكثر أن يكون أول ما بعثهم على الخروج عما كانوا عليه أغراض دنيوية.
[ ١٤ ]
ومن جهات الهوى أن يتعلق الاعتقاد بعذاب الآخرة فتجد الإنسان يهوى أن لا يكون بعث لئلا يؤخذ بذنوبه، فإن علم أنه لا بد من البعث هوى أن لا يكون هناك عذاب، فإن علم أنه لا بد من العذاب هوى أن لا يكون على مثله عذاب كما هو قول المرجئة، فإن علم أن العصاة معذبون هوى التوسع في الشفاعة - وهكذا.
ومن الجهات أنه لا شق عليه عمل كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هوى عدم وجوبه، وإذا ابتلي بشيء يشق عليه أن يتركه كشرب المسكر هوى عدم حرمته. وكما يهوى ما يخفف عليه فكذلك يهوى ما يخفف على من يميل إليه، وما يشتد على من يكرهه، فتجد القاضي والمفتي هذه حالهما. ومن المنتسبين إلى العلم من يهوى ما يعجب الأغنياء وأهل الدنيا، أو ما يعجبه العامة ليكون له جاه عندهم وتقبل عليه الدنيا، فما ظهرت بدعة، وهو يها الرؤساء والأغنياء وأتباعهم إلا هويها وانتصر لها جمع من المنتسبين إلى العلم، ولعل كثيرًا ممن يخالفها إنما الباعث لهم عن مخالفتها هوى آخر وافق الحق، فأما من لا يكون له هوى إلا إتباع الحق فقليل، ولا سيما في الأزمنة المتأخرة، وهؤلاء القليل يقتصرون على أضعف الإيمان، وهو الإنكار بقلوبهم والمسارة به فيما بينهم، إلا من شاء الله.
فإن قيل: فلماذا لم يجعل الله ﷿ جميع حجج الحق مكشوفة قاهرة لا تشتبه على أحد، فلا يبقى إلا مطيع يعلم هو وغيره أنه مطيع، وإلا عاص يعلم هو وغيره أنه عاص، ولا يتأتى له إنكار ولا اعتذار؟ (١) .
قلت: لوكان كذلك لكان الناس مجبورين على إعتقاد الحق فلا يستحقون عليه حمدًا ولا كمالًا ولا ثوابًا، ولكانوا مكرهين على الاعتراف كمن كان في مكان مظلم فزعم أن ذاك الوقت ليل وراهن على ذلك ففتحت الأبواب فإذا الشمس في
_________________
(١) علق الأخ العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة على هذا الموضع ما لفظه «يريد الشيخ بالسؤال والجواب أن يبين حكمة الله تعالى في ابتلاء الناس بالهوى والشبهات والشهوات ليحصل الجهاد والابتلاء ويحمد المجاهد ويؤجر، وإلا فوضوح الحق =
[ ١٥ ]
كبد السماء، ولكانوا قريبًا من المكرهين على الطاعة من عمل وكف، لفوات كثير من الشبهات التي يتعلل بها من يضعف حبه للحق فيغالط بها الناس ونفسه أيضًا.
فإن قيل: فإن المؤمن إذا كان موقنًا كانت الحجة في معنى المكشوفة عنده أفلا يمون مثابًا على إيمانه واعترافه وطاعته؟
قلت: ليس هذا من ذاك في شيء، أما الاعتقاد فمن وجهين:
الأول: أن الحجة لم تكن كلها مكشوفة للمؤمن من أول الأمر، وإنما بلغ تلك الدرجة بنظره وتدبره ورغبته في الحق ومخالفته الهوى، وبهذا ثبت صدق حبه للحق
_________________
(١) = والباطل أمر لا خفاء به، ليهلك من هلك من بينه، ويحيى من حي عن بينه» . وعلق على ما يأتي أو الفصل الثالث ما لفظه «أن حجج الله تعالى التي سماها بينات هي مكشوفة واضحة لا خفاء بها وإنما تخفى على من في قلبه كن وفي أذنيه وقر وعلى بصره غشاوة من هواه وأخلاقه وما اعتاد» . قال المؤلف: لا أراه يخفى أن مرادي بالقضية المكشوفة القاهرة هو أن تكون بحيث لا تخفى هي ولا إفادتها اليقين على عاقل حتى لو زعم زاعم أنه يجهلها، أو أنه يعتقد عدم دلالتها أو يرتاب فيها لقطع العقلاء بأنه إما مجنون الجنون المنافي للتكليف أو كاذب. ولا يخفى أنه ليس جميع حجج الحق هكذا، ولكنها بينات البيان الذي تحصل به الهداية وتقوم به الحجة، ثم هي على ضربين، الضرب الأول الحجج التي توصل الإنسان إلى أن يتبين له أنه يجب عليه أن يكون مسلماُ، الثاني ما بعد ذلك، فالأول حجج واضحة لكن من أتبع هوى قد بان أنه يصد عن الحق، أو قصر في القيام بما قد بان أن عليه أن يقوم به فقد يرتاب أو يجهل، والضرب الثاني على درجات، منه ما هو في معنى الأول فيكفر المخطئ فيه، ومنه ما لا يكفر ولكن يؤاخذ، ومنه ما يعذر، ومنه ما يؤجر أيضًا على إجتهاده. المؤلف. قلت: وهذا التفصيل حق لا غبار عليه عندي. ن
[ ١٦ ]
حديث طلوع الشمس من مغربها
وإيثاره على الهوى فيستمر له حكم ذلك بعد انكشاف الحجة، وهو بمنزلة الظمآن الذي يطلب الماء حتى ظفر به، فأراد أن يشرب فقال له مصلط: إن لم تشرب ضربتك أوسجنتك. فمثل هذا لا يقال إذا شرب إنه إنما شرب مكرهًا.
الوجه الثاني: أن وضوح الحجة للمؤمن لا يستمر بدون جهاد، لأن الشبهات لا تزال تحوم حول المؤمن لتحجب عنه الحجة وتشككه فيها، والشهوات تساعدها فثباته على الإيمان برهان على دوام صدق محبته للحق، وايثاره على الهوى.
وأما الاعتراف فالأمر فبه واضح، فإن وضوح الحجة عند المؤمن لا يكون مكشوفًا لغيره، فليس في معنى المكره على الاعتراف، بل أنه إذا ذكرنا أن الحجة واضحة عنده وجد كثيرًا من الناس يكذبونه أو يرتابون في دعواه.
وهكذا حاله في الطاعة من عمل وكف، فأن انكشاف الحجة في الإيمان الاعتقادي لا يستلزم إنكشاف الحجج الأخرى التي تترتب عليها الطاعات، وهب أن هذه انكشفت له أيضًا، فقد بقيت شبهات أخرى، لولا صدق حبه للحق وإيثاره على الهوى لأمكنه التشبث بها، كأن يقول: ينبغي أروح عن نفسي فإن لي حسنات كثيرة لعلها تغمر هذا التقصير، أرى لعلها تنالني من شفاعة الشافعين، أولعل الله يغفر لي، أو أتمتع الآن ثم أتوب. وقال الله ﵎: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» الأنعام: ١٥٨ وفي (الصحيحين) وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: «قال النبي ﵌: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين «ينفع نفسًا أيمانها» ثم قرأ الآية» . ونحوه من حديث أبوذر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وصفوان بن عسال وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمروبن العاص وغيرهم.
والأخبار بأن الشمس سوف تطلع من مغربها متواترة عن النبي ﵌، ومعنى ذلك أن ما يشاهد الآن من سيرها ينعكس، فسكان هذا الوجه الذي
[ ١٧ ]
حديث إذا مرض العبد أو سافر كتب له وما يستفاد منه
كان فيه النبي ﵌ يرونها تغرب في مغربها على العادة ثم يرونها في اليوم الثاني طالعة من مغربها، وأما سكان الوجه الأخر فإنها تطلع عليهم من مشرقهم على عادتها، ثم يرونها تسير إلى مغربها ما شاء الله ثم ترجع القهقري حتى تغرب في مشرقهم. وعلى زعم (١) أن الأرض هي التي تدور، فإن دورة الأرض تنعكس فيكون ما ذكر.
فأما إيمان الناس جميعًا فوجهه والله أعلم أن النفوس مفطورة على اعتقاد وجود الله ﷿ وربوبيته، ومن شأن ذلك أن يسوق إلى بقية فروع الإيمان، وآيات الآفاق والأنفس تؤكد ذلك، ولكن الشبهات والأهواء تغلب على أكثر الناس حتى يرتابوا فيتبعوا اهو ائهم، فإذا طلعت الشمس من مغربها لحقهم من الذعر والرعب لشدة الهو ل ما يمحق أثر الشبهات والأهواء وتفزع النفوس إلى مقتضى فطرتها، قال الله تعالى في ركاب البحر: «وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ» لقمان: ٣٢.
فتلك الآية في حق من يكون قد بلغه أن محمدًا ﵌ أخبر بها حجة مكشوفة قاهرة، وكذلك هي في حق من لم يبلغه لكن بمعونة الرعب والفزع وشدة الهول.
وقد دلت الآية على أن من لم يكن آمن قبل تلك الآية لا ينفعه إيمانه عندها، ومن لم يكن من المؤمنين قبل يكسب الخير لا ينفعه كسب الخير عندها وفهم من ذلك أن من كان مؤمنا قبلها ينفعه الإيمان عندها، ومن كان من المؤمنين يكسب الخير قبلها ينفعه كسب الخير عندها، والنظر يقتضي أنه إنما ينفعه من كسب الخير عندها ما كان عادة له، وفي (صحيح البخاري) وغيره من حديث أبي موسى عن النبي ﵌ قال: «إذا مرض العبد أوسافر كتب له مثل ما كان يعمل
_________________
(١) كذا قول المصنف ﵀، ولعله من باب التقية، وإلا فكون الأرض تدور في الفضاء أصبحت من الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل، وليس في الكتاب ولا في السنة نص ينافي ذلك، خلافًا لبعضهم. ن
[ ١٨ ]
مقيمًا صحيحًا» . وجاء نحوه من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص وأنس وعائشة وأبي هريرة، وأشار إليها ابن حجر في (الفتح) .
فمن كان معتادًا للعمل من أعمال الخير مواظبًا عليه ثم طرأ عليه بغير إختياره أو باختياره مأذونًا له عارض يعجز معه عن ذاك العمل، أو يشرع له تركه أو يدعه وهو نفل لإشتغاله عنه أولزيادة المشقة فيه فقد ثبت باعتياده أنه لولا ذاك العارض - وهو غير مقصر فيه - لأستمر على عادته فلذلك يكتب له ثواب ذاك العمل، فأولا من هذا من كان معتادًا لعمل في عرض باعث آخر على ذاك العمل واستمر العامل على عادته.
وقال الله ﷿ في قصة نوح «فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ» . هو د: ٢٧ - ٢٨ يريد والله أعلم أن كراهيتكم للحق وهو اكم أن لا يكون ما أدعوكم إليه حقًا يحول بينكم وبين أن يحصل لكم العلم واليقيين بصحته، وفي (تفسير ابن جرير) ١٢ / ١٧ عن قتادة قال: «أما والله لواستطاع نبي الله ﷺ لألزمها قومه ولكن لم يملك ذلك، ولم يملكه» . والرسول لا يحرص على أن يُكره قومه إكراهًا عاديًا على إظهار قبول الدين، فإنه يعلم أن هذا لا ينفعهم بل لعله أن يكون أضر عليهم، وإنما يحرص على أن يقبلوه مختارين، ولذلك يحرص هو وأصحابه على أن يظهر الله تعالى الآيات على يده أملًا أن يحصل للكفار العلم إذا رأوها فيقبلوا الدين مختارين، ويزداد الحرص على هذا عندما يطالب الكفار بالآيات، وهذه كانت حال محمد ﵌ وأصحابه، فبين الله تعالى لهم في عدة آيات أنه ليس على الرسول إلا البلاغ، وأن الهداية بيد الله، وأن ما أوتيه من الآيات كاف لأن يؤمن من في قلبه خير، وأن الله لو شاء لهدى الناس جميعًا، لكن حكمته إنما اقتضت أن يهدي من أناب بأن كان يحب الهدى، ويؤثره على
[ ١٩ ]
الهوى.
فأما من كره الحق واستسلم للهوى، فإنما يستحق أن يزيد الله تعالى ضلالًا، قال الله ﷿ «وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ» إلى أن قال: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا» الرعد - ٣١. (١) وقال تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ» . الأنعام: ١٠٩ - ١١٠ وقال تعالى: «اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ» الشورى - ١٣.
وقال سبحانه: «هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ» المؤمن: ١٣.
وقال تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا. (٢) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا» (٣) الاسراء: ١٠١ - ١٠٢.
_________________
(١) الأصل (٢٧ - ٣١) . وإنما هي آية واحدة. ن
(٢) مسحورًا. أي: ساحرًا كقوله في الآية الأخرى (وقالوا يا أيه الساحر أدعولنا ربك) الخ والآية: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) وغيرهما. م ع
(٣) والمثبور الهالك كقوله: (إذا رأتهم من كان بعيد سمعوا لها تغيضًا وزفيرًا وإذا القوا فيها مكانًا ضيقًا مقرنين دعوا هنالك ثبورًا. لا تدعوا اليوثبورًا وادعوا ثبورًا كثيرًا) . محمد عبد الرزاق
[ ٢٠ ]