في ختام هذا البحث؛ أحمد الله سبحانه وأشكره على ما منَّ به من نعم، وما وفَّق إليه من خير، ثم إني أجمل أهم ما توصلت إليه من نتائج في نوعين: عام وخاص.
أما النتائج العامة، فهي على النحو الآتي:
* أهمية باب القدر ووجوب العناية به وضبطه، إذ هو باب دقيق، وفي ضبطه فوائد عظيمة على العبد في دينه ودنياه.
* باب القدر وثيق الصلة بأبواب الاعتقاد الأخرى، وهو مرتبط ارتباطًا مباشرا بأقسام التوحيد الثلاثة.
* مباحث باب القدر مترابطة ومتداخلة فيما بينها بحيث يصعب الفصل بينها، وهي منسجمة متآلفة غاية التآلف.
* وسطية أهل السنة والجماعة في باب القدر بين الطوائف المخالفة؛ فهم وسط بين الجبرية والقدرية.
* قول أهل السنة في باب القدر قول منضبط جارٍ على أصول مستقيمة غير منخرمة، وذلك من توفيق الله سبحانه لهم لسلوك طريق الكتاب والسنة وطريق السلف، وتوفيقه لهم للعدول عما سوى ذلك.
* وبالمقابل؛ فإن مذهب أهل البدع كلهم في باب القدر منخرم لا يطرد، وهو بجملته مردود بالنص وبالعقل وبالفطرة.
وأما النتائج الخاصة؛ ففي النقاط الآتية:
* حرمة الخوض الباطل في القدر، وهو ما كان على سبيل التعمق
[ ٢ / ٨١٩ ]
والتقعر، أو السؤال عن العلل في أفعال الله سبحانه، ونحو ذلك، خلافًا لما عليه سائر أهل البدع.
* باب القدر توقيفي لا يخرج فيه عما جاء في الكتاب والسنة، خلافًا لأهل البدع.
* للقدر أربع مراتب يقوم عليها وهي: الإيمان بعلم الله سبحانه الشامل، وكتابته سبحانه للمقادير، ومشيئته جل وعلا، وخلقه لكل شيء.
وذهب القدرية الأوائل إلى إنكار مراتب القدر كاملة، وأثبت المعتزلة مرتبتي العلم والكتابة، ونفوا مرتبتي المشيئة والخلق.
* شمول علم الله سبحانه لكل شيء، لما كان، ولما سيكون، ولما لم يكن لو كان كيف يكون.
وخالف في ذلك القدرية الأوائل الذين أنكروا علمه بالمستقبل، ومن تبعهم كالرافضة الذين قالوا بالبداء، والفلاسفة الذين أنكروا علمه بالجزئيات.
* ما ثبت في النصوص من علم الله سبحانه بالأشياء بعد وجودها لا ينافي علمه السابق بها.
وخالف في ذلك: القدرية الغلاة والفلاسفة الذين ينفون علمه بالمحدَثات إلا بعد حدوثها، والجهم بن صفوان الذي ذهب إلى إثبات علوم حادثة لله سبحانه، والأشاعرة والماتريدية الذين ذهبوا إلى أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم.
* من علم الله سبحانه ما هو سبب في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك.
وخالف في ذلك المتكلمون الذين ذهبوا إلى أن العلم ليس سببًا لوجود
[ ٢ / ٨٢٠ ]
المعلوم، بل هو تابع له على ما هو عليه ولا تأثير له فيه، والفلاسفة الذين ذهبوا إلى أن علم الله سبحانه سبب في وجود المعلوم، وأن هذا العلم بمجرده هو الموجب لوجود المخلوقات، وليس للمشيئة والقدرة في ذلك مدخل.
* المحو والإثبات يقعان في صحف الملائكة، ولا يقعان في علم الله سبحانه ولا في اللوح المحفوظ، وهما خاصان بالكلمات الثلاث: السعادة والشقاوة والآجال، والأرزاق دون غيرها من المقادير.
وخالف في ذلك الصوفية الذين أنكروا المحو والإثبات، وأولوا ما جاء في النصوص من أدلة عليه، والرافضة الذين قالوا بوقوع المحو والإثبات في علم الله سبحانه.
* قدرة الله ﷾ شاملة لكل شيء، ومشيئته كذلك شاملة لكل شيء؛ وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع، وجواز شمول كل منهما دليل على جواز شمول الأخرى.
وخالف في هذا المعتزلة، فذهبوا إلى أن كلًّا من القدرة والمشيئة غير شامل لكل شيء، بل من الأشياء ما لا يقدر عليه الرب سبحانه ولا يشاؤه.
* لا تعارض بين سبق القدر بالشقاوة والضلال على عبد مع كونه مفطورًا على الإسلام.
وخالف المعتزلة في ذلك فذهبوا إلى أن المراد بالفطرة أن الله سبحانه يخلق العبد قابلًا للأمرين، من غير أن يكون فيه ميل لأحدهما، وأنه هو الذي يختار الكفر أو الإيمان فيضل أو يهتدي، وأن الله لا يضله ولا يهديه.
* الله ﷾ طبع خلقه على ما شاء، وجعل في قلوبهم إرادة ما يشاؤه منهم، وذلك لكمال عزته وقهره ونفوذ مشيئته.
[ ٢ / ٨٢١ ]
وخالف في ذلك عموم القدرية والجبرية.
* الله سبحانه هو الميسر عباده لما شاء من يسر أو عسر، وذلك بإلهامهم هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته سبحانه.
وخالفهم في ذلك القدرية المعتزلة؛ فإنهم يجعلون التيسير هو البيان من الله وإزالة الموانع، والتمكين من الأمرين.
* الظلم مقدور للرب سبحانه، لكنه لكمال عدله وحكمته ورحمته لا يفعله.
وذهبت الجبرية من جهمية وأشاعرة إلى أن الظلم ليس بممكن الوجود، بل هو الممتنع، وكل ممكن إذا قدر وجوده من الرب سبحانه فإنه عدل، فالعدل هو الممكن، وذهبت القدرية المعتزلة إلى الظلم مقدور لله تعالى، إلا أنهم جعلوا الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، إذ هم مشبهة في الأفعال.
* الشر لا يضاف إلى الله ﷾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإنما يقع في مفعولاته المنفصلة، وهو مع ذلك شر جزئي إضافي، وأما الشر الكلي فلا وجود له أصلًا.
وخالف في ذلك المعتزلة، فقد أخرجوا الشرور المتعلقة بأفعال العباد عن قضائه وخلقه، وجعلوا الشرور التي لا تعلق لها بأفعال العباد كالأمراض والآلام حسنة لما فيها من اللطف المصلحة العاجلة والآجلة، وإنما يقال فيها أنها سيئات وشرور مجازًا.
* لا يخلو فعل من أفعاله سبحانه من الحكمة، وله في كل ما قدره
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وقضاه حكم عظيمة.
وخالف في ذلك المعتزلة، فأنكروا أن يعود لله سبحانه من الحكمة وصف، وجعلوا الحكمة حاملًا لقولهم بالإيجاب على الله سبحانه، وخالف الأشاعرة فذهبوا إلى إنكار الحكمة في أفعاله سبحانه، وزعموا أنه سبحانه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة.
* للعباد قدرة على أفعالهم ولهم مشيئة، وهما تابعتان لقدرة الله سبحانه ومشيئته.
وخالف في ذلك القدرية المعتزلة فذهبوا إلى أن العبد مستقل بقدرته ومشيئته، وأنه يشاء ما لم يشأ الله سبحانه، وخالف الجبرية، فذهب جهميتهم إلى إنكار قدرة العبد ومشيئته على أفعاله بالكلية، وزعموا أنه مجبور على أفعاله، وذهب الأشاعرة إلى أن للعبد كسبًا في فعله، وأن له قدرة على فعله ومشيئة لكنها غير مؤثرة في وجود الفعل.
* الله ﷾ خالق أفعال العباد، وخالق ما كان سببًا فيها من قدرة لهم ومشيئة.
وخالف في ذلك الجبرية والقدرية على نحو ما تقدم آنفًا.
* كل ما أراده الله سبحانه شرعًا فهو يحبه، وليس كل ما أراده كونًا يحبه، وأمر الله الشرعي يستلزم محبته ورضاه، ولا يستلزم خلقه وتكوينه.
وذهب المعتزلة إلى أن الأمر يستلزم الإرادة، بل الإرادة هي نفس الرضا والمحبة، فكل ما أمر الله به فقد أراده، وكل ما أراده فقد أمر به وأحبه، وقابلهم الأشاعرة، فذهبوا إلى أن الأمر لا يستلزم الإرادة، وأن الله قد يأمر بما
[ ٢ / ٨٢٣ ]
لا يحبه، وقد يحب ما لا يأمر به، وهذا بعد اتفاقهم على أمرين: على نفي القسمة في الإرادة إلى كونية وشرعية، وعلى أن المراد بالإرادة المحبة.
* الاستطاعة نوعان، سابقة للفعل، وهي التمكن وسلامة الآلات التي يكون بها الفعل، ومقارنة للفعل، وهي حقيقة القدرة.
وذهبت الجهمية إلى إنكار الاستطاعة من أصلها بناءً على قولهم بأن العبد مجبور على فعله، وذهبت القدرية المعتزلة إلى إنكار الاستطاعة المقارنة، وأن الاستطاعة سابقة لا غير، وذهب الأشاعرة إلى أن نفي الاستطاعة المتقدمة، وأنها مقارنة لفعل لا غير، لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه.
* إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة وضلال، ولا بد فيه من التفصيل؛ فما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده فالتكليف به واقع اتفاقًا، لكن تسميته تكليفًا بما لا يطاق بدعة في اللغة والشرع.
وذهبت الجهمية إلى جواز تكليف ما لا يطاق مطلقًا من غير تفصيل، وذهب الأشاعرة إلى جواز التكليف بما لا يطاق بالجملة، إذ لا يجب على الله سبحانه عندهم شيء ولا يقبح منه شيء، وذهبت المعتزلة إلى أن عدم جواز تكليف ما لا يطاق.
* الله ﷿ خلق المسبَّبات وجعل أسبابها مرتبطةً بها لا انفكاك لها عنها، وجعل هذه الأسباب مظاهر حكمته.
ولم يخالف فيه أحد من المنتسبين للإسلام من حيث الأصل، لكن وجد منهم من عارض بينها وبين التوكل، وهم المتصوفة، فجعلوا التوكل ترك الأسباب.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
* الأسباب مؤثرة على الحقيقة في إيجاد مسبباتها لكن تأثيرها ناقص غير تام، وإثباتها غير قادح في التوحيد بل مقررٌ له.
وذهب الفلاسفة إلى أن السبب مقتض ضرورةً لمسببه، وذهب الأشاعرة إلى إنكار تأثير الأسباب، ونفوا أن يكون للأشياء في نفسها قوى وطبائع تؤثر في مسبباتها، وأما المعتزلة فأقروا في الجملة بالصواب، لكنهم خالفوا في جعلهم قدرة العبد ومشيئته علة تامة لفعله، وأنه لا مدخل لمشيئة الرب وخلقه في ذلك.
* الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم، والهداية فضله سبحانه، والإضلال عدله، وكلاهما صادر عن حكمته سبحانه.
وخالف في ذلك الأشاعرة فأنكروا أن يكون للعبد أثر في الاهتداء بعد هداية الفضل من الله سبحانه أو في الضلال، وخالف المعتزلة فذهبوا إلى إنكار هداية الله سبحانه لخلقه وإضلاله لهم، وجعلوا الهدى والإضلال من الله سبحانه على وجوه تصرفهما عن المعنى المراد.
* الله سبحانه اختص العبد المطيع دون غيره بنعمة دينية أعانه بها على الطاعة والهداية إعانة لم يعن بها غيره، فضلًا منه سبحانه وحكمة ورحمة وعلمًا.
وخالف في ذلك القدريةُ المعتزلة، فإنهم ذهبوا - بناءً على أصلهم في الهدى والضلال - إلى أن المؤمن والكافر سواء في إنعام الله سبحانه عليهما النعمة الدينية.
* لا حجة للعبد في سبق المقادير على اقتراف الآثام وركوب الخطايا.
وهذا مما اتفق عليه أهل الإسلام، ولم يخالف في ذلك إلا شُذَّاذٌ من الخلق، وهو ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم.
* الرضا بالقدر ليس شيئًا واحدًا، بل فيه تفصيل: فما تعلق منه بالرب، علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا؛ فالرضا به واجب، وما تعلق بالعبد؛ فإن
[ ٢ / ٨٢٥ ]
كان من قبيل المصائب؛ فالرضا به مشروع وهو مستحب على الصحيح، وما كان من قبيل المعاصي؛ فالرضا به حرام.
وخالف في ذلك المعتزلة فجعلوا الرضا بالقضاء محملًا لإخراج المعاصي عن قضائه، إذ لو كان قدرها للزم الرضا بها، وقابلهم غلاة الجهمية فذهبوا إلى وجوب الرضا بالمعاصي لكونها من قدر الله، وهو قول الصوفية الذين طووا بساط الأمر والنهي بالقضاء والقدر.
* الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل قبل ورود الشرع، ومنه ما لا يعرف إلا بالشرع، لكن لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها، ثم من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان.
وذهب الأشاعرة إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وأنه ليس للفعل صفة في نفسه بها يحسن ويقبح، وأن ذلك إنما يعرف بالشرع، وذهب المعتزلة إلى أن التحسين والتقبيح مرجعه إلى العقل لا غير، وفرعوا على ذلك وجوب اللطف والصلاح والأصلح ووجوب إرسال الرسل ووجوب العوض عن الآلام، ووجوب الثواب والعقاب، وذهب الماتريدية إلى إثبات الحسن والقبح العقليين، لكن اختلفوا بعد ذلك في إدراك العقل لحكم الله سبحانه في الفعل تبعًا لإدراكه الحسن والقبح فيه، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع.
والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ٨٢٦ ]