ولذلك فإن من العلماء من اشترط في توبة المبتدع أن يتوب من بدعته أن يعترف بأن ما عليه بدعة، قال السفاريني: "وتوبة المبتدع أن يعترف بأن ما عليه بدعة. قال في الشرح: فأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها، والرجوع عنها، واعتقاد ضد ما كان يعتقد منها.
وفي الرعاية: من كفر ببدعة قبلت توبته على الأصح، وقيل إن اعترف بها وإلا فلا.
قال الإمام أحمد في رواية المروذي في الرجل يشهد عليه بالبدعة فيجحد: ليست له توبة إنما التوبة لمن أعترف فأما من جحد فلا توبة له.
وفي إرشاد ابن عقيل الرجل إذا دعا إلى بدعة ثم ندم على ما كان، وقد ضل به خلق كثير وتفرقوا في البلاد وماتوا فإن توبته صحيحة إذا وجدت
_________________
(١) درء التعارض ٣/ ٣٨٥.
[ ٦٤٦ ]
الشرائط، ويجوز أن يغفر الله له ويقبل توبته ويسقط ذنب من ضل به بأن يرحمه ويرحمهم، وبه قال أكثر العلماء خلافا لبعض أصحاب الإمام أحمد وهو أبو إسحاق بن شاقلا، وهو مذهب الربيع بن نافع، وأنها لا تقبل، ثم احتج بالأثر الاسرائيلي الذي فيه: «فكف من أضللت، وبحديث «من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى بوم القيامة» (^١) " (^٢)
من المتقرر في النصوص الشرعية أن المرءُ يشابِهُ صَديقَه وصاحِبَه في سِيرتِه وعادتِه؛ فهوَ مؤثِّرٌ في الأخلاقِ والسلوكِ والتصرُّفاتِ، ونظرةِ الناسِ إلى كلٍّ مِنهما من خلالِ مَعرفتِهم بأحوالِ الصَّاحبِ، كما جاء في الحديث: «الرجلُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلُ» (^٣)
وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري: «لا تُصاحِبْ إلَّا مُؤمِنًا، ولا يأكُلْ طعامَكَ إلَّا تَقِيٌّ» (^٤)
ومن هذا الأصل جاء تحذير المصنف من مصاحبة من يصاحب المبتدع ويجالسه، فهو داخل في حكمه.
_________________
(١) رواه مسلم رقم ١٠١٧
(٢) غذاء الألباب ٢/ ٤٥٦.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٣٩٨). وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن.
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه، انظر: تخريج صحيح ابن حبان (٥٦٠)، وانظر: تخريج شرح السنة (٣٤٨٤).
[ ٦٤٧ ]
والآثار الواردة في التحذير من مجالسة أهل البدع والأهواء كثيرة جدًا في كتب أهل السنة، من حيث الأصل، قال الإمام البغوي: "وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم" (^١).
قال الشاطبي: "فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته؛ وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا كالضرب والقتل، فصار توقيره صدودًا عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالًا على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به، والعمل بما ينافيه" (^٢).
والتحذير يشمل أمورًا منها:
١ - مجالستهم.
٢ - مجادلتهم.
٣ - الاستماع إليهم.
٤ - مصاهرتهم (^٣).
_________________
(١) "شرح السنة" (١/ ٢٢٧).
(٢) (الاعتصام) (١/ ٨٥).
(٣) عن ابن سيرين قال: "تزوج عمران بن حطان خارجية وقال سأردها قال فصرفته إلى مذهبها". سير أعلام النبلاء: (٤/ ٢١٣).
[ ٦٤٨ ]
٥ - مؤاخاتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: "فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله" (^١)
"والهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالنوع الأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك …
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٢٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠).
[ ٦٤٩ ]