التي كانت مكانها، ولعل هذا يكون من دلائل النبوة الظاهرة، حيث قيض الله بناء هذه المنارة من أموال النصارى، لينزل عيسى بن مريم عليها، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل منهم جزية، ولكن من أسلم وإلا قتل، وكذلك غيرهم من الكفار (^١).
ففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدَّجَّال ثم نزول عيسى ﵇ قال ﷺ: "إذا بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه - أي: يطلب الدَّجَّال - حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة" (^٢).
* أدلة نزوله ﵇:
نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان ثابت في الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة، وذلك علامة من علامات السَّاعة الكبرى.
أ-أدلة نزوله من القرآن الكريم:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ إلى
_________________
(١) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٤٥).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٧ - ٦٨ - مع شرح النووي).
[ ٣٥٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٦١].
فهذه الآيات جاءت في الكلام على عيسى ﵇، وجاء في آخرها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]؛ أي: نزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة علامة على قرب السَّاعة، ويدلُّ على ذلك القراءة الأخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ بفتح العين واللام؛ "أي: علامة وأمارة على قيام السَّاعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير" (^١).
وروى الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "هو خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة" (^٢).
وقال الحافظ ابن كثير: "الصحيح أنه - أي: الضمير - عائد على عيسى؛ فإن السياق في ذكره" (^٣).
واستبعد أن يكون معنى الآية: ما بعث به عيسى ﵇ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من ذوي الأسقام.
وأبعد من ذلك ما روي عن بعض العلماء أن الضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائد على القرآن الكريم (^٤).
_________________
(١) "تفسير القرطبي" (١٦/ ١٠٥)، وانظر: "تفسير الطبري" (٢٥/ ٩٠ - ٩١).
(٢) مسند أحمد" (٤/ ٣٢٩) (ح ٢٩٢١)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٣) "تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٢٢).
(٤) انظر: "تفسير ابن كثير" (٧/ ٢٢٣).
[ ٣٥٩ ]
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩].
فهذه الآيات؛ كما أنها تدلُّ على أن اليهود لم يقتلوا عيسى ﵇، ولم يصلبوه، بل رفعه الله إلى السماء؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
فإنها تدلُّ على أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى ﵇ آخر الزمان، وذلك عند نزوله (^١) وقبل وموته؛ كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة الصحيحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه لسؤال وجه إليه عن وفاة عيسى ورفعه: "الحمد لله، عيسى ﵇ حي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإماماَ مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (^٢)، وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه
_________________
(١) نزولًا حقيقيًا، وليس المراد بنزوله وحكمه في الأرض في آخر الزمان كناية عن غلبة روحه وسر رسالته على الناس بما غلب عليها من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم. والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها؛ فإن ذلك مخالف للأحاديث المتواترة في أنه ينزل بروحه وجسده كما رفع بروحه وجسده ﵇.
(٢) انظر كلام الشيخ محمد عبده في: "تفسير المنار" (٣/ ٣١٧).
[ ٣٦٠ ]
يقتل الدَّجَّال، ومن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي؛ فإنه يقوم من قبره.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]؛ فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره من الأنبياء.
وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، فقوله هنا: ﴿بلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يبين أنه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه، إذ لو أريد موته؛ لقال: وما قتلوه وما صلبوه، بل مات …
ولهذا قال من قال من العلماء: إني متوفيك؛ أي قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك؛ يقال: توفيت الحساب واستوفيته.
ولفظ (التوفي) لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إلا بقرينة منفصلة.
[ ٣٦١ ]
وقد يراد به توفي النوم؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] " (^١).
وليس الكلام في هنا عن رفع عيسى ﵇، وإنما جاء ذكر ذلك لبيان أنه رفع ببدنه وروحه، وأنه حي الآن في السماء، وسينزل في آخر الزمان، ويؤمن به من كان موجودًا من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].
قال ابن جرير: "حدثنا ابن بشار؛ قال: حدثنا سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: قبل موت عيسى بن مريم" (^٢).
قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح" (^٣).
ثم قال ابن جرير بعد سياقه للأقوال في معنى هذه الآية: "وأولى الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى" (^٤).
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٢) "تفسير الطبري" (٦/ ١٨).
(٣) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٣١). وأثر ابن عباس صححه أيضًا ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٤٩٢).
(٤) "تفسير الطبري" (٦/ ١٢).
[ ٣٦٢ ]
وروى بسنده عن الحسن البصري أنه قال: "قبل موت عيسى، والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون" (^١).
وقال ابن كثير: "ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفع إليه، وإنه باقٍ حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث المتواترة" (^٢).
وذكر أنه روي عن ابن عباس وغيره أنه أعاد الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ ﴿على أهل الكتاب، وقال: "إن ذلك لو صح لما كان منافيًا لهذا، ولكن الصحيح في المعنى والإسناد ما ذكرناه" (^٣).
ب-أدلة نزوله من السنة المطهرة:
الأدلَّة من السنة على نزول عيسى ﵇ كثيرة ومتواترة، سبق ذكر بعضها، وسأذكر هنا بعضًا منها خشية الإطالة:
١ - فمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا
_________________
(١) "تفسير الطبري" (١/ ١٨).
(٢) "تفسير ابن كثير" (٢/ ٤١٥)
(٣) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٣٧).
[ ٣٦٣ ]
عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدُّنيا وما فيها".
ثم يقول أبو هريرة: "واقرؤوا إن شئتم:﴾ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴿(١٥٩) (^١).
وهذا تفسير من أبي هريرة ﵁ لهذه الآية بأن المراد بها أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى ﵇ قبل موته، وذلك عند نزوله آخر الزمان؛ كما سبق بيانه.
٢ - وروى الشيخان أيضًا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم إذا أنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟! " (^٢).
٣ - وروى مسلم عن جابر ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة؛ قال: فينزل عيسى ابن مريم ﷺ، فيقول أميرهم: صل بنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة" (^٣).
٤ - وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى
_________________
(١) "صحيح البخاري"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم u، (٦/ ٤٩٠ - ٤٩١ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، باب نزول عيسى بن مريم r حاكمًا (٢/ ١٨٩ - ١٩١ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح البخاري"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح مسلم"، باب نزول عيسى بن مريم r حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).
[ ٣٦٤ ]
ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه" (^١).