ثانيًا: ذكر تفاضل الأربعة رضوان الله عليهم. (^١)
أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على تفضيل أبي بكر وتقديمه على سائر الصحابة ثم تفضيل عمر بعده على عثمان ثم عثمان بعد عمر على من بعده رضوان الله عليهم، وكانوا يتحدثون بذلك في زمن النبي ﷺ وهو يسمعهم فلا ينكره، ثم أجمعوا على تقديم علي بعد عثمان فقدموه وبايعوه بالخلافة.
فالصحابة مجمعون على تفضيل أبي بكر على عمر ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي ﵃ أجمعين، وتفضيل أبي بكر على عمر بلا خلاف.
قال الشافعي ﵀: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان». قال البيهقي-بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده-: «وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا (^٢) وقال يحيى بن سعيد القطان: «من أدركت من أصحاب النبي والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان (^٣)
_________________
(١) المصدر: مباحث المفاضلة في العقيدة: ص ٢٥٢ - ٢٦٤.
(٢) الاعتقاد ٣٦٩.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٧/ ١٣٦٧.
[ ٥٢٧ ]
والخلاف الذي وقع في ذلك خلاف يسير، وما وقع إلا في المفاضلة بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في الفضل دون الخلافة، فإنهم مجمعون بلا خلاف على تقديم عثمان علي علي في الخلافة، وعلى صحة الخلافتين، ثم إن ذاك الخلاف قد انقضى واستقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان علي علي ورجع بعض من قال بتقديم علي إلى تقديم عثمان، يقول ابن تيمية ﵀: «مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا)، قال: «لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان علي علي، وإن كانت هذه المسألة-مسألة عثمان وعلي-ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله» (^١).
قال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (^٢).
وروى ابن عبد البر بسنده أن مالكا سئل: من تقدم بعد رسول الله؟
_________________
(١) العقيدة الواسطية-ضمن المجموعة العلمية السعودية-ص ٨٦.
(٢) فتح الباري ٧/ ٣٤.
[ ٥٢٨ ]
قال أقدم أبا بكر وعمر ولم يزد على هذا. وروى أيضا قول مالك: «ليس من أمر الناس الذين مضوا عليه أن يفاضلوا بين الناس (^١)
ولقد روى الخلال بسنده عن أيوب السختياني أنه قال: «دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم بن محمد وسليمان وغيرهما فما رأيت أحدا يختلف في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان (^٢).
هذا، وقد ذكر ابن حزم (^٣) عن بعض السلف من الصحابة وغيرهم سمى بعضهم، أن منهم من قال: أفضل الناس بعد النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ومنهم من قال وبعد جعفر حمزة، وأن منهم من قال إن أفضل الناس بعد النبي ﷺ عبد الله بن مسعود، وغير ذلك مما ذكره ابن حزم عن بعض السلف من غير أن يذكر إسنادًا؛ لما رواه عنهم، وقد قال ابن تيمية ﵀: «وأما ما يحكي عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر وتقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديمًا عامًا وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي (^٤).
ويشهد لما قاله ابن تيمية من كلام ابن حزم نفسه فقد حمل ما ورد عن
_________________
(١) الانتقاء ٣٠، ٣٩.
(٢) السنة ص ٤٠٣.
(٣) انظر الفصل ٤/ ١١١
(٤) منهاج السنة ٢٢/ ٧٤.
[ ٥٢٩ ]
أم سلمة ﵂ في ذكرها زوجها قبل النبي ﷺ على أنه مذهبها في التفضيل، قال: «وروينا عن أم سلمة أم المؤمنين ﵂ أنها تذكرت الفضل ومن هو خير فقالت: ومن هو خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ (^١)، والمروي عن أم سلمة في ذلك ما جاء في سياق قصة زواجها بالنبي ﷺ من قولها: «فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منه، قال: «ثم رجعت إلى نفسي قلت: من أين لي خير من أبي سلمة، فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ، فذكرت قصة خطبة النبي لها ثم زواجها منه ﷺ حتى قولها: «فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله ﷺ (^٢) وحمل ما ورد في هذه الرواية عن أم سلمة أنه مذهبها وقولها في أفضل الناس بعد رسول الله-كما حمله ابن حزم-عجيب غاية العجب، ولقد وردت أحاديث في تفضيل أعيان من الصحابة كل واحد في أمر مخصوص كما في حديث: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن
_________________
(١) الفصل ٤/ ١١١.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٧، ٢٨، ٦/ ٣١٣، ٣١٧، ٣٢١، والحاكم ٤/ ١٦، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر الفتح الرباني ٢١/ ٦٧، ٦٨، وأصله في صحيح مسلم ٢/ ٦٣٣.
[ ٥٣٠ ]
الجراح (^١) ونحو ذلك من الأحاديث ومن قال من السلف مثلا أفرض الصحابة زيد فليس هذا قول منه بأنه أفضل الصحابة بعد النبي وإن توهم الواهم ذلك.
وقد روى الذهبي بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: وما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا ركب الكور رجل أفضل من جعفر». ثم قال الذهبي: «هذا ثابت عن أبي هريرة، ولا ينبغي أن يزعم زاعم أن مذهبه: أن جعفرًا أفضل من أبي بكر وعمر، فإن هذا الإطلاق ليس هو على عمومه، بل يخرج منه الأنبياء والمرسلون، فالظاهر أن أبا هريرة لم يقصد أن يدخل أبي بكر ولا عمر ﵃» (^٢).
ومن قبيل ما ذكره ابن تيمية ﵀ ما حكاه الخطابي عن بعض المتأخرين إذ قال: «وللمتأخرين في هذا مذاهب، منهم من قال بتقديم أبي بكر من جهة الصحابة وبتقديم علي من جهة القرابة» قال: وكان بعض مشايخنا يقول: أبو بكر خير وعلي أفضل قال: وباب الخيرية غير باب الفضيلة، قال: وهذا كما تقول: إن الحر الهاشمي أفضل من العبد الرومي والحبشي، وقد يكون العبد الحبشي خيرًا من هاشمي في معنى الطاعة لله والمنفعة للناس، فباب الخيرية متعد وباب الفضيلة لازم (^٣)
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٥/ ٦٢٣، وابن ماجه ١/ ٢٥٥، وأحمد في المسند ٣/ ١٨٤، ٢٨١.
(٢) السير ١٤/ ٥٠٦.
(٣) معالم السنن -بهامش المختصر- ٧/ ١٨، ١٩.
[ ٥٣١ ]
وهذا الذي حكاه الخطابي هو في معنى ما تقرر من أنه قد تكون في المفضول فضيلة لا توجد في الفاضل من غير أن ينال ذلك من تفضيل الفاضل على المفضول، والله أعلم.
وكان ابن عبد البر قال: «اختلف السلف أيضا في تفضيل علي وأبي بكر» (^١) قال الزركشي: «قد غلط في ذلك ووهم» (^٢) كيف وهو نفسه ممن نقل اجتماع السلف والخلف على أن عليا أفضل الناس بعد عثمان (^٣).
فالصحابة مجمعون على تفضيل أبي بكر على عمر ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي ﵃ أجمعين، ولقد اتفق-الناس-الصحابة وغيرهم-بعد مقتل عمر ﵁ على تفضيل عثمان، حكى هذا الاتفاق صاحب رسول الله صلى عليه وسلم، عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود ﵄، أما عبد الرحمن فقد قال في قصة بيعة عثمان ﵁ لما اختاره للخلافة بعد عمر: «أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان (^٤)
_________________
(١) الاستيعاب -بهامش الإصابة ٣/ ٥٢.
(٢) الإجابة ص ٥٤.
(٣) انظر الاستيعاب ٣/ ٥٢.
(٤) أخرجه البخاري انظره مع الفتح ١٣/ ١٩٤، وقد كان عبد الرحمن ﵁ قد اجتهد غاية الاجتهاد قال ابن كثير في الباعث الحثيث ص ١٥٥: «حتى سأل النساء في خدورهن والصبيان في المكاتب فلم يرهم يعدلون بعثمان أحدًا.
[ ٥٣٢ ]
وكان قد قال ﵁ قبل ذلك للشيخين عثمان وعلي ﵄ حين التشاور: «أفتجعلونه- (يعني أمر الاختيار) -إلي والله على أن لا آلو عن أفضلكم» (^١)
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ لما استخلف عثمان: «أمرنا خير من بقي ولم نأل» (^٢)
وقال ﵁: «إنا اجتمعنا أصحاب محمد فلم نأل عن خيرنا ذي فوق فبايعنا أمير المؤمنين عثمان». (^٣)
وقال الإمام أحمد: «لم يكن بين أصحاب رسول الله اختلاف أن عثمان أفضل من علي» (^٤).
ومضى اعتقاد أهل السنة والجماعة على ذلك إلا ما كان من خلاف يسير في المفاضلة بين عثمان وعلي أيهما أفضل؟ بعد أن أجمعوا على تقديم أبي بكر
_________________
(١) أخرجه البخاري انظره مع الفتح ٧/ ٦١.
(٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ١/ ٤٦١، قال المحقق: «إسناده صحيح، وابن سعد في الطبقات ٣/ ٦٣، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٦٠، والخلال في السنة ص ٣٨، وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٨٨: «رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح، وأخرجه اللالكائي في الشرح ٧/ ١٣٤٢.
(٣) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ١/ ٢٩٦، ٤٦٣، قال المحقق في ص ٢٩٦: «رجال الإسناد ثقات، وقال في ص ٤٦٧: «إسناده حسن، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٦٣، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٦١، وأخرجه اللالكائي في الشرح. ٧/ ١٣٤٢.
(٤) السنة للخلال ٣٩٢.
[ ٥٣٣ ]
وعمر عليهما في الفضل بلا خلاف.
وتفضيل أبي بكر على عمر بلا خلاف.
قال الشافعي ﵀: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان». قال البيهقي-بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده-: «وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا (^١) وقال يحيى بن سعيد القطان: «من أدركت من أصحاب النبي والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان (^٢) والخلاف الذي وقع في ذلك خلاف يسير، وما وقع إلا في المفاضلة بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في الفضل دون الخلافة، فإنهم مجمعون بلا خلاف على تقديم عثمان علي علي في الخلافة، وعلى صحة الخلافتين، ثم إن ذاك الخلاف قد انقضى واستقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان علي علي ورجع بعض من قال بتقديم علي إلى تقديم عثمان.
يقول ابن تيمية ﵀: «مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل،
_________________
(١) الاعتقاد ٣٦٩.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٧/ ١٣٦٧.
[ ٥٣٤ ]