جاءت النصوص ببيان أن هناك قبضة وأن هناك يمين، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وجاء إثبات الأصابع وجاء إثبات الكف، كل هذا في النصوص واضح على أنها يدٌ حقيقية، فهذه التأويلات كلها يعني تأويلات قبيحة وواضحة البطلان، لكن من كان لا بصيرة له ولا علم له ستروج عليه هذه الأقوال" (^١).
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: "وندين الله-﷿-بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه سبحانه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ من غير تكييف" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما قوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن)، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: هذا بين يدَيّ. ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض. ونظائر هذا كثيرة" (^٣).
وأما شبهة تأويل الأصابع بالقدرة: فقد زعم الجهمية وبعض الأشاعرة أن المراد بالأصابع هنا: القدرة (^٤).
_________________
(١) «التبصير في الدين» (١٣٤ - ١٤٢).
(٢) الإبانة عن أصول الديانة (ص: ٢٦ - ٢٧).
(٣) الرسالة التدمرية (ص: ٧٣). وينظر: بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٨)، ففيه مزيد بيان.
(٤) ينظر: نقض الإمام عثمان الدارمي على بشر المريسي (١/ ٣٦٩)، وقواعد الاعتقاد للغزالي (ص: ١٦٧)، وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة (ص: ٩٩).
[ ٤٩٦ ]
الجواب عن هذه الشبهة:
يردُّ على هذه الشبهة من وجهين (^١):
الأول: أن هذا التأويل خارج عن جميع اللغات فضلًا عن لغة العرب الذي نزل بها الكتاب العزيز، فلا يُعرف في اللغة العربية تأويل الإصبع بالقدرة.
الثاني: إنما هي قدرة واحِدة قد كفَتِ الأشياءَ كلَّها وملأتها واستنطقتها، فكيف صارت للقلوب من بين الأشياء قدرتان؟! ومما يبطلُ هذا التأويلَ: أن الإصبع في الحديث مثنَّاة» إصبعين من أصابع الرحمن. «
وأما حكايةُ التأويل لهذا الحديث عن الإمام أحمد: فقد حكى أبو حامد الغزاليُّ أنه سمع بعضَ الحنابلة يقول: إن الإمامَ أحمدَ حسَم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ؛ ومنها قوله ﷺ: «قلب المؤمِن بين إصبعين من أصابع الرحمن» (^٢)
فالجواب عن هذه الحكاية: أن هذه الحكاية لا تصحُّ، ولم تنقل بإسنادٍ صحيح عن الإمام أحمد؛ وقد ردَّها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "فهذه الحكايةُ كذبٌ على أحمد، لم ينقُلها أحد عنه بإسناد؛ ولا يعرف أحدٌ من أصحابه نقلَ ذلك عنه، وهذا الحنبليُّ الذي ذكر عنه أبو حامد مجهولٌ لا يعرف، لا علمُه بما قال، ولا صِدقُه فيما قال" (^٣).
_________________
(١) نقض الإمام عثمان الدارمي على بشر المريسي (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٢) قواعد العقائد (ص: ١٣٥ (.
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٨).
[ ٤٩٧ ]