الباب العاشر
في إثبات الشّفاعة له ﷺ، واستغاثة النّاس به يوم القيامة
رتّبه على فصول، وكلّها في هذا المعنى.
وجوابه أن يُقال: نحن وشيخ الإسلام ابن تيميّة وسائر طوائف أهل السُّنّة قد أثبتوا الشّفاعة له ﷺ، ولم ينكرها غير المعتزلة؛ فأيّ فائدة في ذكر هذا الباب هنا؟! فإن كان مقصود إيهام العوام بأنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة ينكر الشّفاعة؛ فكلّا ثم كلّا! بل قد أثبتها في عدّة كتب من كتبه؛ وكيف ينكر أمرًا متواترًا؛ وردت به صحاح الأخبار، وتواترت عن النّبيّ المختار؟! فلا ينكرها إلَّا كلّ جاهل مختال، وأثيم مضلال؛ فنعوذ بالله من هذا الحال. وقد أطال الكلام على أحاديث الشّفاعة شيخُ الإسلام في كتابه «التّوسّل والوسيلة» وغيره من مصنّفاته ﵁.
وإن أراد ثبوت الاستغاثة بما ورد في بعض ألفاظ هذه الأحاديث؛ فنقول له: هذا صحيح لا مرية فيه، ولكن أين هذا ممّا نحن فيه؟!
لأنّا نقول: الممنوع طلب الحوائج والاستغاثة بالميّت والغائب، وأمّا الحي الموجود بين ظهرانينا الذي نراه ونشاهده بأبصارنا؛ فلا خلاف بين أحد من المسلمين - بل وغيرهم - في جواز الاستغاثة به في الشّيء الذي يقدر عليه.
ونحن مطالبون بأن يعاون بعضنا بعضًا؛ كما قال - تعالى ـ: ﴿وتعاونوا على البرّ والتّقوى﴾، وكما قال حكاية عن نبيّه موسى: ﴿واجعل لي وزيرًا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري﴾، وقوله - تعالى ـ: ﴿سنشدّ عضدك بأخيك﴾، وقوله ﷺ: «المؤمنون كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا»، وقوله في الحديث
[ ٣٩٨ ]
المقام المحمود ورأي المؤلف فيه
الآخر: «المؤمن كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى» - أو كما قال ـ.
وما ذكره السّبكيّ من استغاثة النّاس به ﷺ يوم القيامة؛ فهو من هذا الباب؛ فلا يدلّ على مقصوده، وإن أراد به شيئًا آخر غير ما ذكرناه؛ فالله أعلم بما أراد.
ثم ذكر بعد ذلك فصلًا في تفسير (المقام المحمود)، ولكن لم يستوفِ الكلام فيه؛ فإنّ الذي تركه هو أعظم وأقرّ لعين نبيّنا ﷺ ممّا ذكره؛ وهو أنّ الله ﷾ يجلس معه نبيّه محمّدًا ﷺ على العرش يوم القيامة؛ كما جاء ذلك عن غير واحد من الصّحابة والتّابعين.
ومثله لا يُقال من قبل الرّأي؛ بل لا بُدّ فيه من التّوقيف. فممّن روى ذلك مجاهد وغيره، وناهيك به؛ كما قال الشّافعي والبخاريّ ﵄: «إذا جاءك التّفسير عن مجاهد فحسبك» .
ولكن لمّا لم يوافق هذا أهواءهم وآراءهم؛ عدلوا عنه؛ زاعمين أن هذا يفضي إلى القول بالتّجسيم، كما تركوا غيره من نصوص الصّفات، وأخذوا يشنّعون على شيخ الإسلام - حيث ذكر هذا في كتاب «العرش» له ـ.
وأنا اطّلعتُ على كتاب «العرش» هذا؛ فلم أجد فيه هذا الكلام، ولو ذكره؛ فأيّ لوم يلحقه على ذلك.
وقد ذكره كثير من المفسّرين عند قوله - تعالى ـ: ﴿عسى أن يبعثك ربّك مقامًا محمودًا﴾؛
[ ٣٩٩ ]
فممّن ذكره في تفسيره: الإمام أبو جعفر ابن جرير الطّبريّ في تفسيره «جامع البيان»، ومنهم: الإمام الشّيخ علي البغداديّ - المعروف بالخازن ـ، ومنهم: الإمام الحافظ جلال الدّين السّيوطيّ في تفسيره «الدّر المنثور في التّفسير بالمأثور»، ومنهم الشّهاب الخفاجيّ في حاشيته على «الشّفا»، وعزاه إلى الدّارقطنيّ.
فبالله عليكَ؛ بعد نقل هؤلاء الأئمّة كلّهم؛ يليق للنّبهانيّ أن يشنّع على شيخ الإسلام - لو ثبت عنه ذكر هذه المسألة ـ؟! ولولا أنّ هذه التّفاسير التي عزوتُ لها هذه المسألة كلّها مطبوعة؛ لنقلتُ في هذا الكتاب جميع ما قالوه؛ ولكن اكتفيتُ بالعزو لها عن نقلها روم الاختصار. والله الموفّق والهادي، وعليه اتّكالي واعتمادي.
[ ٤٠٠ ]