السؤالُ الأوَّلُ:
هل نقولُ ينزلُ بذاتهِ؟
والجوابْ أنْ يقالَ: إنَّ قوله ﷺ: «يَنْزِلُ ربُّنَا ﵎ كُلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدُّنيا ..» خبرٌ وقعَ عنْ نفسِ ذاتِ الله تعالى لا عنْ غيرهِ. فإذا قلتَ: جاءَ محمَّدٌ، أي بنفسهِ جاءَ، لا مجرَّد أمرهِ وقصدهِ ونحو ذلكَ، ولله المثلُ الأعلى.
فقولهُ تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، هوَ خبرٌ عن ذاتِ الرَّبِّ تعالى فلا يحتاجُ المخبرُ أنْ يقولَ خالقُ كلِّ شيءٍ بذاتهِ. وقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [يونس: ٣٢]، قدْ علمَ أنَّ الخبرَ عنْ نفسِ ذاتهِ. وكذلكَ جميعُ ما أخبرَ الله بهِ عنْ نفسهِ إنَّما هوَ خبرٌ عنْ ذاتهِ.
_________________
(١) السراج الوهاج (١٠/ ٥٠٩ - ٥١١).
[ ٣٠٨ ]
فلا حاجةَ بنا أنْ نقولَ: استوى على عرشه بذاتهِ (١)، وينزلُ إلى السَّماءِ بذاتهِ، كما لا نحتاجُ أنْ نقولَ خلقَ بذاتهِ، وقدَّرَ بذاتهِ، وسمعَ وتكلَّمَ بذاتهِ، وإنَّما قالَ أئمَّةُ السنَّةِ ذلكَ إبطالًا لقولِ المعطِّلةِ (٢).
وممَّنْ صرَّحَ بالنزولِ بالذَّاتِ: الإمامُ ابنُ حامدٍ (٣) والإمامُ عبدُ الجليلِ كوتاهُ.
قالَ الذهبي ُّرحمه الله: «قالَ السَّمعانيُّ: لما وردتُ أصبهانَ كانَ - كوتاهُ - ما يخرجُ منْ دارهِ إلَّا لحاجةٍ مهمَّةٍ، كانَ شيخهُ إسماعيلُ الحافظُ هجرهُ، ومنعهُ مِنْ حضورِ مجلسهِ لمسألةٍ جرتْ في النزولِ، وكانَ كوتاهُ يقولُ: النزولُ بالذَّاتِ، فأنكرَ إسماعيلُ هذا وأمرهُ بالرُّجوعِ عنهُ فمَا فعلَ» (٤).
وهوَ في الحقيقةِ يوافقهُ على اعتقادهِ، لكن أنكرَ إطلاقَ اللَّفظِ لعدمِ الأثرِ بهِ (٥).
قالَ الذهبيُّ معلِّقًا على قولِ كوتاه السَّابق: «ومسألةُ النزولِ فالإيمانُ بهِ واجبٌ، وتركُ الخوضِ في لوازمهِ أولى، وهوَ سبيلُ السَّلفِ، فما قالَ هذا: نزولهُ بذاتهِ، إلَّا إرغامًا لمنْ تأوَّلهُ، وقالَ: نزولهُ إلى السَّماءِ الدُّنيا بالعلمِ فقط، نعوذُ بالله منْ مراءٍ في الدِّينِ، وكذا قولهُ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ونحوهُ، فنقولُ: جاءَ وينزلُ وننتهي عَنِ القولِ ينزلُ بذاتهِ، كما لا نقولُ ينزلُ بعلمهِ، بلْ نسكتُ ولا نتفاصحُ على الرسولِ ﷺ بعباراتٍ مبتدعةٍ، والله أعلمُ» (٦).
_________________
(١) قَالَ ابن القيّم ﵀ فِي «الصّواعق» (٤/ ١٣٨٥): «أي: ذاته فوق العرش عاليةً عَلَيهِ».
(٢) مختصر الصواعق (١/ ٢٢٢).
(٣) ذكر ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في «فتح الباري» (٩/ ٢٧٨).
(٤) السير (٢/ ٣٣٠).
(٥) ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٢٨).
(٦) السير (٢/ ٣٣١).
[ ٣٠٩ ]
والمقصودُ: أنَّ الأحاديثَ صريحةٌ في إطلاقِ لفظِ النزولِ، ولم يردْ فيها لفظةُ «بذاتهِ» فمنْ أطلقها إنَّما أرادَ بها الردَّ على الجهميَّةِ والمعطِّلةِ والمفوِّضةِ، ومنْ لمْ يطلقها فقدْ وقفَ مَعَ النُّصوصِ، مع إقرارهِ بإثبات معنى النزولِ.
السؤال الثاني:
كيفَ نجمعُ بينَ قولِ النبيِّ ﷺ: «تفتحُ أبوابُ السّمَاءِ نصفَ الليلِ، فينادي منادٍ: هلْ منْ داعٍ فيستجابُ لهُ؟ هلْ منْ سائلٍ فيُعطى؟ هلْ منْ مكروبٍ فيفرَّج عنهُ؟ فلا يبقى مسلمٌ يدعو بدعوةٍ إلَّا استجابَ اللهُ تعالى لهُ؛ إلَّا زانيةً تَسْعَى بفَرْجِها، أَوْ عَشّارًا» (١). وحديثِ النزولِ؟
قلنا: وأيُّ منافاةٍ بينَ هَذَا وبينَ قولهِ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا فيقولُ» وهلْ يسوغُ أنْ يقالَ إنَّ المنادي يقولُ: «أنا الملكُ» ويقولُ: «لاَ أسألُ عن عبادي غيري» ويقولُ: «منْ يستغفرني فأغفرَ لهُ؟» وأيُّ بُعْدٍ فِي أنْ يأمرَ مناديًا ينادي «هلْ منْ سائلٍ فيستجابَ له؟» ثمَّ يقولُ هو سبحانهُ: «من يسأَلُني فأستجيبَ لَهُ؟» وهلْ هذا إلَّا أبلغُ فِي الكرمِ والإحسانِ: أنْ يأمرَ مناديهُ يقولُ ذلكَ، ويقولهُ سبحانهُ بنفسهِ؟ وتتصادقُ الرواياتُ كلُّها عنْ رسولِ الله ﷺ، ولا نصدِّقُ بعضَهَا، ونكذِّبُ مَا هوَ أصحُّ منهُ، وباللهِ تعالى التوفيق (٢).
_________________
(١) رواه الطبراني فِي «الأوسط» (٢٧٦٩)، وصححه الألبانيُّ فِي «صحيح الجامع» (٢٩٧١).
(٢) تهذيب سنن أبي داود (٧/ ١٢٦ - ١٢٧) لابن القيم.
[ ٣١٠ ]
السؤالُ الثالثُ:
كيفَ نجمعُ بين علوِّ الله على العرشِ ونزولهِ إلى السَّماءِ الدُّنيا؟
لا تعارضَ بينَ نزولهِ تعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا في الثلثِ الأخيرِ منْ كلِّ ليلةٍ مع اختلافِ الأقطارِ، وبينَ استوائهِ ﷿ على العرشِ؛ لأنَّهُ سبحانهُ لا يشبهُ خلقهُ في شيءٍ منْ صفاتهِ، ففي الإمكانِ أن ينزلَ كمَا يشاءُ نزولًا يليقُ بجلالهِ في ثلثِ الليلِ الأخيرِ بالنسبةِ إلى كلِّ قطرٍ، ولا ينافي ذلكَ علوَّهُ واستواءهُ على العرش، لأننا في ذلكَ لا نعلمَ كيفيَّةَ النزولِ، ولا كيفيَّةَ الاستواءِ، بلْ ذلكَ مختصٌّ بهِ سبحانهُ، بخلافِ المخلوقِ فإنَّهُ يستحيلُ في حقِّهِ أنْ ينزلَ في مكانٍ ويوجدُ بمكانٍ آخر في تلكَ اللحظةِ كمَا هو معلومٌ، إلَّا الله ﷿، فهوَ على كلِّ شيءٍ قدير. ولا يقاسُ ولا يمثَّلُ بهم لقوله ﷿: ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقولهِ سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١).
قال إسْحاق بنُ راهويه ﵀ (٢٣٨هـ): دخلتُ على ابنِ طاهرٍ فقال: ما هذه الأحاديث؟ تروونَ أنَّ الله ينْزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا؟ قلتُ: نعمْ، رواها الثقاتُ الذينَ يروونَ الأحْكامَ. فقالَ: ينْزلُ ويدعُ عرْشهُ؟ فقلتُ: يقْدرُ أنْ ينزلَ منْ غيرِ أنْ يخلوَ منهُ العرشُ؟ قال: نعمْ. قلتُ: فلمَ تتكلَّم في هذَا (٢).
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣/ ١٣٦)، فتوى رقم (١٦٤٣).
(٢) أخرجه الذهبي في «العلو» (ص١١٢٥)، وصحّح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح حديث النزول» (ص١٥٢).
[ ٣١١ ]
قال شيخُ الإسلامِ ﵀: وعبدُ الله بنُ طاهرٍ - وهوَ منْ خيارِ منْ وليَ الأمرَ بخراسان - كانَ يعْرفُ أنَّ اللهَ فَوْقَ العَرْشِ، وأشْكلَ عليهِ أنَّهُ ينزلُ لتوهمهِ أنَّ ذلكَ يقْتضي أنْ يخْلوَ منهُ العرشُ، فأقرَّهُ الإمامُ إسحاقُ على أنَّهُ فوقَ العرشِ، وقالَ لهُ: يقدرُ أنْ ينزلَ منْ غيرِ أنْ يخلوَ منهُ العرشُ؟ فقالَ لهُ الأميرُ: نعمْ. فقالَ لهُ إسْحاق: لمَ تتكلَّمْ في هذا؟
يقولُ: فإذا كانَ قادرًا على ذلكَ لمْ يلزمْ من نزولهِ خلوُّ العرشِ منهُ، فلا يجوزُ أنْ يعترضَ على النزولِ بأنَّه يلْزمُ منهُ خلوُّ العرشِ، وكان هذا أهْونَ من اعْتراضِ منْ يقولُ: ليسَ فوقَ العرشِ شيءٌ، فينكرُ هذا وهذا (١).
وممَّا ذكرنا يتضحُ لكَ أنَّهُ لا تعارضَ بينَ نزولِ الله ﵎ واستوائهِ على العرشِ.
السؤالُ الرابعُ:
ما يستفادُ مِنْ حديثِ النزولِ؟
يستفادُ منْ حديثِ النزولِ ما يلي:
أولًا: إثْباتُ العلوِّ لله مِنْ قولِهِ: «ينزلُ».
ثانيًا: إثْباتُ الأفْعالِ الاخْتياريةِ التي هِيَ الصِّفاتُ الفعليةُ مِنْ قولهِ: «ينزلُ حينَ يبقى ثلثُ الليلِ الآخرِ».
ثالثًا: إثْباتُ القولِ للهِ منْ قولهِ: «يقولُ».
رابعًا: إثْباتُ الكرمِ للهِ ﷿ مِنْ قولهِ: «منْ يدْعوني منْ يسألني منْ يستغفرني ..».
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٧٧).
[ ٣١٢ ]
وفيهِ مِنَ النَّاحيةِ المسْلكيةِ:
أنَّهُ ينبغي للإنْسانِ أنْ يغتنمَ هذَا الجزءَ مِنَ الليلِ، فيسألُ الله ﷿ ويدْعوهُ ويسْتغْفرهُ، ما دامَ الرَّبُّ سبحانهُ يقولُ: «منْ يدعوني .. من يستغفرني » و(منْ): للتشويقِ؛ فينبغي لنَا أنْ نستغلَّ هذهِ الفرصةَ؛ لأنَّهُ ليسَ لكَ مِنَ العمرِ إلَّا ما أمْضيتهُ في طاعةِ الله، وستمرُّ بكَ الأيَّامُ؛ فإذا نزلَ بكَ الموتُ؛ فكأنَّكَ ولدتَ تلكَ الساعة، وكلُّ ما مضى ليسَ بشيءٍ (١).
قال العلامة ابن قدامة المقْدسيُّ ﵀ (٦٢٠هـ): وتيقَّظْ في ساعاتِ الأسْحارِ عنْدَ نزولِ الجبَّارِ، وأحْضِرْ بقلبك قولَ العزيزِ الغفَّارِ: «هلْ منْ سائلٍ فأعْطيهُ؟ هلْ منْ داعٍ فأسْتجيبَ لهُ؟ هلْ منْ مسْتغفرٍ فأغْفرَ له؟» (٢).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ - عنْ وقتِ النزولِ -: «إنَّهُ وقتُ قسمِ الغنائمِ، وتفريقِ الجوائزِ، فمستقلٌّ ومستكثرٌ ومحرومٌ» (٣).
وقال صدِّيق حسن خان ﵀: «وقتُ نزول الرَّبِّ إلى السَّماء الدُّنيا أشرفُ أوقاتِ الصَّلواتِ والأذكارِ والدَّعواتِ. فمنْ وفِّقَ فيهِ لذلكَ فقدْ فازَ فوزًا عظيمًا، ومنْ حُرِمَهُ فقدْ حُرِمَ خيرًا كثيرًا» (٤).
فالمتقون يقومون في الثلثِ الأخير من الليلِ للصلاةِ والذِّكر والاستغفارِ والدعاء «فما يطلعُ فجرُ الأجرِ إلَّا وقدْ حازَ القومُ الغنيمةَ، وفازوا بالفخرِ، وحمِدوا عند الصَّباحِ السُّرى، وما عندَ أهلِ الغفلةِ والنَّومِ خبرٌ ممَّا جرى» (٥).
يا نفسُ قومي فقدْ نامَ الورى إنْ تصنعي الخيرَ فذو العرشِ يرى
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (ص٤٠٢ - ٤٠٣)، للعلاّمة: ابن عثيمين ﵀.
(٢) وصية العالم الجليل موفق الدين ابن قدامة المقدسي (ص٥٠).
(٣) تحفة المودود في أحكام المولود (ص٢٤١) [مكتبة دار البيان - دمشق، الطبعة الأولى].
(٤) نزل الأبرار (ص١٢٥).
(٥) لطائف المعارف (ص٩٧)، طبعة دار ابن كثير.
[ ٣١٣ ]
وأنتِ يا عينُ دعي عنكِ الكرى عندَ الصَّباحِ يُحْمَدُ القومُ السُّرى (١)
_________________
(١) المصدر السابق (ص٩٨).
[ ٣١٤ ]