حكمة الله تعالى في التشريع
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآية التي ختم بها هذه السورة العظيمة سورة البقرة أنه سبحانه لا يكلِّف في تشريعه نفسًا إلا ما في وسعها، فلا يكلف أحدًا فوق ذلك، وعلَّم الله تعالى صحابة رسوله - ﷺ - أن يدعوه في بقية الآية بما ذكر فيها، وأعلمنا رسولنا - ﷺ - في الأحاديث أن الله قال عندما دعوه: نعم، أي: قد استجبت لكم، وهذه الآية تعرَّفنا بالمنهج الذي أظهر الله حكمته في التشريع الذي شرعه لهذه الأمة.
وقد أخبرنا رسولنا - ﷺ - أن آية هذا الموضع والآية التي قبلها فيهما فضلٌ عظيم وثوابٌ جزيل، فمن ذلك:
١ - ما أخبرنا رسولنا - ﷺ - أن نورهما أحد نورين أوتيهما رسولنا - ﷺ - لم يؤتهما نبيٌّ قبله، فعن ابن عباس قال: «بينما جبريل قاعدٌ عند النبي - ﷺ - سمع
[ ٥١ ]
نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا بابٌ من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملكٌ، فقال: هذا ملكٌ نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلَّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرفٍ منهما إلا أعطيته» [مسلم: ٨٠٦].
٢ - أخبرنا رسولنا - ﷺ - أن من قرأ بالآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه، فعن أبي مسعود قال: قال النبيُّ - ﷺ -: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه» [البخاري: ٥٠٠٩، مسلم: ٨٠٧، ٨٠٨].
٣ - هاتان الآيتان أنزلهما الله من كتابٍ كتبه قبل خلقه السموات والأرض بألفي عامٍ، فعن النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرةن ولا يقرآن في دارٍ ثلاث ليالٍ فيقربها شيطان» [الترمذي: ٢٨٨٢، وقال فيه: هذا حديث حسن غريب، صحيح الترمذي للألباني: ٢٣١١].
ثانيًا: آية هذا الموضع من سورة البقرة
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ربُّنا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا ربُّنا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ربُّنا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآية
لا يكلِّف: التكاليف ما أمرنا الله تعالى به، ونهانا عنه.
وسعها: طاقتها.
[ ٥٢ ]
لها ما كسبت، أي: من خير.
وعليها ما اكتسبت، أي: من الشرِّ.
نسينا، أي: ما تركناه أو فعلناه من عملٍ من غير قصدٍ.
إصرًا: الآصار الأثقال التي كلف الله بعض الأمم من قبلنا بها.
ولا تحمِّلنا، أي: لا تكلِّفنا بما لا نطيقه.
مولانا: إلهنا وناصرنا ومؤيدنا.
رابعًا: شرح هذه الآية التي عرَّفنا فيها ربُّنا بنفسه
عرَّفنا ربُّنا في هذه الآية أنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: لا يكلف نفسًا فوق طاقتها، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، ولطفه بهم، وقرَّر - سبحانه - في هذه الآية أنَّ لكلِّ نفس ما كسبته من خير، وعليها ما اكتسبته من شرٍّ، وهذا في الأعمال الظاهرة التي يطيق العباد التحكم بها كالصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
وأعلمنا ربنا بما يقوله عباده في دعائهم ربَّهم، فقد أعلمنا أنهم يقولون في دعائهم: ﴿ربُّنا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا ربُّنا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ربُّنا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾.
[ ٥٣ ]
أي: يقولون: يا رَبَّنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئًا مما فرضته علينا، كالذي ينسى صلاةً، أو ركعةً من الصلاة، أو طوافًا بالبيت أو شوطًا في السعي، أو نحو ذلك، ولا تؤاخذنا إن أخطأنا، كالذي لا يهتدي إلى وجه الصواب فيما كلف به من أعمال، دعا الرسول - ﷺ - وأصحابه بهذا الدعاء فقال الله: «نعم» أي: لا أؤاخذكم بذلك، ومن دعائهم قولهم: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أي: «لا تحمل علينا إصرًا يثقلُ علينا كما حملته على الذين من قبلنا، نحو أمر نبي إسرائيل بقتل أنفسهم، أي: لا تمتحنا بما يثقل» [معاني القرآن، للزجاج: ١/ ٣٧١] والإصر: الأثقال التي تثبط عن الخيرات.
وقد أخبرنا رسولنا - ﷺ - أنَّ ربَّنا استجابَ دعاء رسوله - ﷺ - ودعاء أصحابه، فلم يحمل علينا الآصار والأغلال التي حملها على الذين من قبلنا، ودعوا ربهم أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به، ودعوه أن يعفو عنهم ويغفر لهم، وقالوا في ختام هذا الدعاء الطيب المبارك: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: ناصرنا، ومتولي أمورنا، فانصرنا على الكفرة المشركين الذين رفضوا دينك، وأعرضوا عن كتباك، وحاربوا رسولك.
وقد جاءت أحاديث كثيرة تدلُّ على ما تضمنته هاتان الآيتان الكريمتان، من صفة التكاليف التي كلف الله بها عباده:
أ - فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به» [مسلم: ١٢٧].
[ ٥٤ ]
ب - وعن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله ﷿: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئةً، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلَّي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف» [البخاري: ٧٥٠١، مسلم: ١٢٨].
ج - عن أبي هريرة قال: جاء ناسٌ من أصحاب النبي - ﷺ - فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذلك صريح الإيمان» [مسلم: ١٣٢].
د - وعن عبد الله قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الوسوسة، قال: «تلك محض الإيمان» [مسلم: ١٣٣].
هـ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» [البخاري: ٣٢٧٦، مسلم: ١٣٤].
وهذه الأحاديث تدلُّ على عدم مؤاخذة الله إيانا بما حدثتنا به أنفسنا ما لم نتكلم أو نعمل، وأنه لا يؤاخذ المؤمنين بما وسوست به الشياطين، وسمَّى دفع هذه الوسوسة: صريح الإيمان ومحض الإيمان.
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآية الكريمة
عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - في هذه الآية أنه سبحانه:
١ - رحيمٌ بعباده، شفيقٌ بهم، لا يكلفهم فوق ما يطيقون، ولا يحاسبهم إلا على ما عملوه، من خيرٍ أو شرٍّ.
[ ٥٥ ]
٢ - شرع الله هذا الدين الذي أنزله الله على محمد - ﷺ - ليس فيه شيء من الآصار والأغلال التي حملها اليهود من قبلنا، فقاعدة الحلال والحرام في ديننا: إحلال الطيبات وتحريم الخبائث.
٣ - لا يكلف عباده بما نسوه أو أخطئوا بفعله.
٤ - عفو من عباده المؤمنين، يغفر لهم ذنوبهم، ويرحمهم.
* * * *
[ ٥٦ ]