الله تعالى له ما سكن في الليل والنهار
أولًا: تقديم
عرَّفنا العليُّ العظيم - ﷾ - في هذه الآيات بنفسه، فهو المالك للسموات والأرض، ورحمته سبقت غضبه، وسيجمع العباد في يوم الدين، وله - سبحانه - ما سكن في الليل والنهار، وهو فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما على غير مثالٍ سابقٍ، وهو الذي يُطعِم ولا يُطعَم، وهو - سبحانه - الضارُّ النافع، وهو القاهر فوق عباده.
ثانيًا: آيات هذا النص من سورة الأنعام
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا
[ ٩١ ]
فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٢ - ١٤].
ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع من الآيات
كتب على نفسه الرحمة، أي: أوجبها على نفسه.
وله ما سكن في الليل والنهار: السكون ثبوت الشيء واستقراره بعد تحركه.
فاطر السموات والأرض: خالقهما ومبدعهما على غير مثالٍ سابقٍ.
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع
عرَّف الله تعالى عباده بنفسه في هذه الآيات الكريمات عبر النقاط التالية:
١ - الله - تعالى - له ما في السموات والأرض:
أمر الله - تعالى - رسوله - ﷺ - أن يوجِّه السؤال إلى المشركين الذين يعبدون الأوثان والأصنام قائلًا لهم: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٢] ثم أجاب سبحانه نفسَه بنفسِه قائلًا: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢].
والعرب الذين كانوا يعبدون الأوثان كانوا يقرون بأنَّ الله تعالى هو وحده الخالق للسموات والأرض دون غيره، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ
[ ٩٢ ]
تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] والكفار عندما يقرُّون بأن الله هو الخالق للسموات والأرض ومالكهما يتناقضون عندما يعبدون غيره، ولا يفردونه بالعبادة.
٢ - الله - تعالى - كتب على نفسِهِ الرحمة:
أخبرنا ربُّنا - ﵎ - أنه كتب على نفسه الرحمة، فقال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] أي: أوجب وفرض على نفسِهِ - سبحانه - الرحمة، روي أبو هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لمَّا قضى الله الخلق كتب كتابه، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي غلبت غضبي» [البخاري: ٣١٩٤. ومسلم: ٢٧٥١]. وعن أبي هريرة أيضًا، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزءٍ، فأمسك عند تسعةً وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه» [البخاري: ٦٠٠٠. ومسلم: ٢٧٥٢].
٣ - سيجمع الله - تعالى - عباده يوم القيامة:
أقسم ربُّ العزَّة - ﵎ - بنفسه الكريمة أنَّه سيجمع عباده يوم القيامة، لا يتخلَّف منهم أحد، ولا يُفلت منهم أحد ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢] وهذا اليوم أمرٌ مستيقنٌ لا ريب فيه، ولا شكَّ فيه، والمؤمنون يصدِّقون بذلك من غير شكٍّ، ولذلك فإنَّ رب العزَّة قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام: ١٢] أما الذين يخسرون أنفسهم في ذلك اليوم بإدخال الله لهم
[ ٩٣ ]
النار فهؤلاء لا يؤمنون ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢] وهذا الخسران هو الخسران الأعظم.
٤ - الله - تعالى - له ما سكن في الليل والنهار:
أخبرنا ربُّنا - ﷾ - أنَّ ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ [الأنعام: ١٣]. أي: ما استقرَّ في الليل والنهار، وأصل السكون: ثبوت الشيء بعد تحركه.
وختم ﷾ الآية بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣] فالله - ﵎ - سميعٌ لأقوال عباده، لا يخفى عليه منها خافيةٌ، وعليم بأعمالهم وحركاتهم وما انطوت عليه قلوبهم.
٥ - الله - تعالى - وحده المعبود الذي يستحق العبادة:
أمر ربُّ العزَّة - ﵎ - رسوله - ﷺ - أن يوجِّه للمشركين سؤال إنكار، فيقول لهم: أغير الله أتخذ إلهًا ومعبودًا، وهو فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما على غير مثالٍ سابقٍ، وهو سبحانه الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
والمراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: هو الذي يرزق عباده، ولا يحتاج إلى من يرزقه ويطعمه، وهذه الآية كقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ
[ ٩٤ ]
الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧] وقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى﴾ [الحج: ٣٧] وقد كان رسولنا - ﷺ - يثني على ربه تعالى بأنه يُطعِم ولا يُطعَم، فعن أبي هريرة قال: دعا رجلَّ من الأنصار من أهل قباء النبي - ﷺ - قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي - ﷺ - وغسل يديه: قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ومن علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكلَّ بلاءٍ حسن أبلانا، الحمد لله غير مودَّعٍ ربي ولا مكافأٍ ولا مكفورٍ ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطَّعام، وسقانا من الشَّراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضَّلال، وبصَّرنا من العمى، وفضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين» [قال فيه محقق ابن كثير (١٠١٣): صحيح، أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٣١٥)، وابن أبي الدنيا في الشكر (ص: ١٥) وابن السني (ص: ٤٨٥) وصححه ابن حبان: (٥٢١٩). والحاكم: ١/ ٥٤٦. على شرط مسلمٍ، ووافقه الذهبي].
والمعنى المراد بـ ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنه سبحانه خالقهما ومبدعهما، روى ابن جرير عن مجاهد، قال: سمعت ابن عباس يقول: «كنت ما أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها» [جامع البيان: ٤/ ٤١٤٣].
خامسًا: كيف عرَّفنا رب العزَّة ﵎ بنفسه
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - في هذه الآيات أنَّه ﷾:
١ - له السماوات والأرض وما فيهما، لا يشركه في ذلك أحدٌ.
٢ - كتب على نفسه الرحمة، أي: أوجبها وفرضها، والله - تعالى - لا يجب عليه إلاَّ ما أوجبه على نفسه.
[ ٩٥ ]
٣ - سيجمع الله عباده يوم الدين جميعًا، لا ينسى أحدًا، ولا يتخلف أحدٌ.
٤ - له ما سكن في الليل والنهار، فهناك من المخلوقات ما يسكن في الليل كالإنسان. وكثير من الحيوانات والطيور، وبعضها يكون سكونه في النهار.
٥ - الله تعالى وليُّ عباده، يتولى أمرهم، ويرعى شأنهم، ويرزقهم.
٦ - الله تعالى خالق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما.
٧ - الله تعالى هو الذي يطعم عباده وما خلقه من حيوانٍ وطيورٍ، وهو غنيُّ عن عباده، فليس بحاجةٍ إلى من يطعمه.
* * *
[ ٩٦ ]