إن الله فالق الحب والنوى
أولًا: تقديم
هذه الآيات الكريمات من سورة الأنعام ثاني مقطعٍ يواجهنا في الآيات التي يعرفنا الله - ﵎ - عن نفسه، ويسوق لنا ربنا - ﵎ - مشاهد كثيرة تعرفنا به، وتدلُّنا عليه، فهو خالق السموات والأرض، وهو الذي له الملك يوم القيامة وهو فالق الحبِّ والنوى، وهو الذي يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، وهو فالق الإصباح، وهو الذي جعل لنا الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، وهو الذي جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البرِّ والبحر إلى غير ذلك مما حدثنا الله به في هذا المقطع الطويل من الآيات.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الأنعام
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
[ ١٠٨ ]
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ
إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ
[ ١٠٩ ]
عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا
أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٧٣ - ٩٩].
[ ١١٠ ]
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
الحقُّ: ضد الباطل، وخلق السموات والأرض بالحقِّ، خلقهما لمقصد صحيح، فقد خلقهما ربُّ العزَّة ليعبد.
الصور: بوق عظيم، ينفخ فيه إسرافيل ﵇، فتقوم الساعة، ثمَّ ينفخ فيه أخرى، فيقوم الناس لربِّ العالمين.
فالق الحبِّ والنوى، أي: شاقُّهما بالإنبات.
مخرج الحيَّ من الميت ومخرج الميت من الحيِّ: يخرج النبتة الحيَّة من الحبَّة الميتة، ويخرج الحبَّة الميتة من النبتة الحيَّة.
أنَّى تؤفكون، أي: كيف تصرفون عن الحقِّ.
فالق الإصباح: فالق ظلام الليل عن غُرة الصبح.
جعل الليل سكنًا، أي: جعله ليسكن فيه للراحة.
والشمس والقمر حسبانًا، أي: يجريان بحسابٍ مقدَّرٍ مُقنَّن.
فمستقرٌّ ومستودع: المستقرٌّ: الأرحام، والمستودع: أصلاب الرجال.
خضرًا: الخضرة التي تكون بالنبات.
متراكبًا، أي: بعضه فوق بعض.
طلعها: الطلع أول ما يرى من عِذق النخلة.
قنوانٌ دانيةٌ: قطوف قريبة.
[ ١١١ ]
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع
هذه الآيات الكريمات تعرفنا بربِّنا - ﵎ - على النحو التالي:
١ - الله تعالى هو خالق السموات والأرض:
الله وحده الذي خلق السموات والأرض، لا يشركه في ذلك أحد، وهما من أعظم المخلوقات، وفيهما ما لا يحصى من الآيات، وكان أهل الجاهلية يقرِّون بتفرد الله بخلق السموات والأرض وحده، ولا يجادلون في ذلك، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾.
٢ - يوم يقول كن فيكون:
في يوم القامة يقول ربُّ العزَّة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقّ﴾ أي: يقول ليوم البعث والنشور: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: يكون كما يريده الله و﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْك﴾ أي: قوله ﵎ الحق الذي لا باطل فيه، وله الملك الذي لا نقص فيه، وفي ذلك اليوم ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾ البوق العظيم الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، فتقوم الساعة، ثم ينفخ فيه مرَّة أخرى، فإذا هم قيام ينظرون.
٣ - عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير:
عرَّفنا ربنا في خاتمة هذه الآية الكريمة بثلاث من صفاته الكريمة، فقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير﴾ فهو ﷾
[ ١١٢ ]
عالم الغيب، وهو ما غاب عنَّا من أمره تعالى وأمر هذا الكون، وأمر ما فيه من مخلوقات، وعالم ما نشاهده من هذه الحياة، وهو الحكيم سبحانه في تشريعه، والحكيم في أفعاله، وهو سبحانه الخبير بكلِّ شيءٍ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
٤ - الله - سبحانه - فالق الحبِّ والنوى:
أخبرنا الله - تعالى - عن نفسه أنَّه ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُون﴾ [الأنعام: ٩٥] أعلمنا - ﷿ - أنَّه يفلق حبَّ القمح والشعير والذرة ونحوها، ويفلق نوى التَّمر والخوخ والدراق ونحوها عندما تندثر في التراب، وينزل عليها الماء، فيخرج من الحبوب النبات، ومن النَّوى الأشجار، وقد فسَّر الله تعالى فلقه للحبِّ والنَّوى بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ فمن الحبِّ والنوى الميت تخرج النَّبتة الحيَّة والشجرة الحيَّة، ومن النَّبتة الحيَّة، والشجرة الحية تخرج الحبوب والثمار الصلدة القاسية، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ هذا هو ربُّنا - ﵎ - الذي يستحقُّ أن يعبد دون غيره، فكيف تصرفون عن الحقِّ بعد هذا البيان.
وفي هذا الذي أخبرنا به سبحانه - عن نفسه في هذه الآية حجَّة على المكذبين بالبعث والنشور، فالقادر على أن يفعل هذا بالنبات، قادرٌ على إحياء الناس بعد موتهم.
[ ١١٣ ]
٥ - الله سبحانه فالقُ الإصباح:
عرَّفنا ربُّنا ﷿ على ثلاثة من أفعاله تدلُّنا عليه سبحانه ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانً﴾ [الأنعام: ٩٦].
أخبرنا ربُّنا ﷿ أنه: «يفلق ظلام الليل عن غرَّة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه» [ابن كثير: ٣/ ٦١].
وقد بيَّن سيد قطب رحمه الله تعالى العلاقة بين فلق الله الإصباح وفلقه الحبَّ والنوى، فقال: «وانفلاق الإصباح من الظلام حركة تشبه في شكلها انفلاق الحبّة والنواة، وانبثاق النُّور في تلك الحركة، كانبثاق البرعم في هذه الحركة، وبينهما من مشابه الحركة والحيوية والبهاء والجمال سمات مشتركةٌ، ملحوظةٌ في التعبير عن الحقائق المشتركة في طبيعتهما وحقيقتهما كذلك.
وبين انفلاق الحبِّ والنوى وانفلاق الإصباح وسكون الليل صلةٌ أخرى، إنَّ الإصباح والإمساء، والحركة والسكون في هذا الكون أو في هذه الأرض ذات علاقةٍ مباشرة بالنبات والحياة» [في ظلال القرآن: ٢/ ١١٥٧].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي جعل الله الليل الذي يغشى الأرض بظلامه ليسكن فيه الناس سكون راحةٍ، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧].
[ ١١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: يجريان بحساب مقدَّرٍ مقنَّنٍ، لا يتغيَّر، ولا يضطرب، بل كلُّ منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتَّب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولًا وقصرًا ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] والحسبان جمع حسابٍ، مثل ركبانٍ وركاب، وشهبان وشهاب، وقوله ﷿ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] أي: هذا الذي ذكره سبحانه من فلقه الإصباح، وجعله الليل سكنًا، وجعله الشمس والقمر حسبانًا هو تقدير الله سبحانه الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف، العليم بكلِّ شيءٍ فلا يخفى عنه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
٦ - جعل الله لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر:
أعلمنا الله - تعالى - أنه جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البرِّ والبحر ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وهذا مما امتنَّ الله به علينا في خلقه النجوم لنا، فسالكو القفار وراكبو البحار يهتدون بها في ظلمة الليل.
وختم سبحانه الآية بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] أي: قد بيَّنا الآيات التي سبق ذكرها، لقوم يعلمون شرع الله، ليتدبروها ويعرفوا الحق ويتجنبوا الباطل.
[ ١١٥ ]
٧ - أنشأ الله تعالى البشر كلَّهم من نفس واحدة:
امتنَّ الله علينا نحن البشر بخلقنا من نفسٍ واحدةٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأنعام: ٩٨] والنفس الواحدة التي يعود البشر كلُّهم إليها هي آدم ﵇، فمنه خلق الله زوجه حواء، وخلق بقية البشر من ذكرٍ وأنثى، إلا عيسى ابن مريم، فإنَّه خلق من أنثى هي أمُّه مريم من غير أبٍ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].
وقوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] ذهب كثيرٌ من أئمة التفسير كابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وأبي عبد الرحمن السلميِّ، وقيس بن أبي حازمٍ، ومجاهدٍ، وعطاءٍ، وإبراهيم النخعيِّ، والضَّحاك، وقتادة، والسُّديِّ، وعطاءٍ الخراساني إلى أنَّ المستقرَّ: الأرحام، والمستودع: أصلابٌ الرجال [ابن كثير: ٣/ ٦٢].
وقد تقدَّم العلم اليوم واكتشف أنَّ الإنسان يوجد من الخليَّة الملقحة، يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ «إنَّها اللَّمسة المباشرة في هذه المرة. . .، اللمسة في ذات النفس البشرية، النفس البشرية الواحدة. تبدأ الحياة فيها خطوتها الأولى للتكاثر بالخلية الملقحة، فنفسٌ هي مستودعٌ لهذه الخلية في صلب الرجل، ونفسٌ هي مستقرٌ لها في رحم الأنثى. . .، ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار، فإذا أجناسٌ وألوان؛ وإذا شياتٌ ولغاتٌ؛
[ ١١٦ ]
وإذا شعوبٌ وقبائل؛ وإذا النماذج التي لا تحصى، والأنماط التي ما تزال تتنوع ما دامت الحياة.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ فالفقه هنا ضروريٌّ لإدراك صنع الله في هذه النفس الواحدة، التي تنبثق منها النماذج والأنماط، ولإدراك الموافقات العجيبة الكامنة وراء اتخاذ التلاقح وسيلة للإكثار، وتوفير الأعداد المناسبة دائمًا من الذكور والإناث - في عالم الإنسان - لتتم عملية التزاوج التي قدَّر الله أن تكون هي وسيلة الإخصاب والإكثار، ووسيلة تنشئة الأطفال في ظروفٍ تحفظ (إنسانيتهم) وتجعلهم أكفاء للحياة (الإنسانية)!» [في ظلال القرآن: ٢/ ١١٥٩ بشيء من الاختصار].
٨ - إنزال الله - تعالى - الماء من السماء وإنبات النبات به:
حدَّثنا ربُّنا - ﵎ - عن إنزاله الماء من السماء وما يفعله هذا الماء عندما ترتوي به الأرض، فلو أنَّك مررت بأرضٍ يابسةٍ جرداء، جادها الغيث فروَّاها، ثم مررت به مرةً أخرى بعد فترةٍ ليست بالطويلة، فإنَّك ترى عجبًا، ترى تلك الأرض الجرداء أصبحت مُعشوشِبةً خضراء، تراها تنبت، وتزهر، وتخرج حبَّها، وثمرها، ومن يحسن النظر إلى آثار المياه، ويحسن الوصف، يرينا منظرًا رائعًا بديعًا، ولا أحد أحسن وصفًا من وصف ربِّ العباد، ومن تأمَّل في وصفه لآثار ما صنع المليك، يرى صورةً مبهجةٍ ذات زينةٍ ورونقٍ، يقول ربُّنا الحكيم العليم: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام: ٩٩] وكلُّ ما علاك فهو سماءٌ، ومن ذلك الغمام الذي ينزل منه الماء،
[ ١١٧ ]
فأخرج الله سبحانه به نبات كلِّ شيءٍ، أي أخرج به جميع أنواع النبات، فلو أنك نظرت في القطعة الواحدة من الأرض التي غذاها الغيث، فإنَّك تجد فيها ما لا يحصى من النبات على شتى أنواعه وألوانه، وأخرج سبحانه من ذلك النبات خضرًا، عبَّر عن الخضرة التي اتَّصف بها النبات بقوله: ﴿خَضِرًا﴾، وخضرًا أرقُّ وألطف من كلمة: أخضر.
وأخبرنا العليم الخبير سبحانه أنَّه أخرج من ذلك النبات الخضر حبًا متراكبًا، وهذا الحبُّ المتراكب تراه فيما ينبته القمح والشعير والذرة ونحوها من السنابل، ويخرج من النخيل من طلعها قنوان دانيةٌ، والطَّلع أول ما يرى من عذق النخلة، الواحدة طلعةٌ، ويخرج لنا ربُّنا من طلع النخل قنونًا دانيةً، والقنوان العذق الذي يحمل الثَّمر، والعذق في النَّخلة بمثابة القطف من العنب، وهذه القنوان دانيةٌ، أي قريبة المتناول، وعندما نقف ننظر إلى النَّخل وقد تدلَّت قطوفه، وتهدَّلت، نراها كما وصف ربُّنا: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَة﴾.
هذا الذي سبق ذكره مشهد وصفه مليكنا سبحانه لأرضٍ أنبتت النبات، ومشهد آخر يريناه في قطعةٍ أخرى يتمثَّل في الجنَّات، وهي ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ والجنات البساتين، وهي بساتينٌ من أعنابٍ، وقد يكون الشجر زيتونًا أو رمانًا، وما أنبته الله من النبات، وما أخرجه من أشجارٍ قد يكون مشتبهًا، وقد يكون غير متشابه، وقد يتشابه النبات، وقد تتشابه الأشجار، وقد يكون التشابه في الشجر، قد يكون التشابه في الثمر، وقد يكون في الطَّعم، وقد يختلف ذلك كله، فلا تشابه فيه.
[ ١١٨ ]
إنَّ هذا الوصف الرائع المبهج الممتع يأسرك، ويملك عليك نفسك، ولذا دعانا ربُّنا إلى النظر إليه بأبصارنا، ننظر إلى ثماره من النخيل والأعناب والزيتون والرمان، وننظر إلى ينعه، أي إلى نضجه، وكمال النظر وغايته أن يحصل الاعتبار بما نراه ونشاهده، فإذا هو آياتٌ للمؤمنين، تدلُّهم على ربِّهم، وتهديهم إليه سبحانه.
أعد النظر في هذه الآية التي حدَّثتنا عن إنزال الماء من السماء، وفعل المليك سبحانه بالأرض التي ارتوت بالغيث ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩].
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات:
عرَّفنا ربُّنا ربُّ العزَّة - ﷾ - في هذه الآيات بنفسه على النحو التالي:
١ - الله - ﵎ - هو خالق السموات خلقًا كائنًا بالحقِّ، فقد خلقهما ﷾ لغايةٍ عظيمةٍ هي أن يعبد ويطاع سبحانه.
٢ - الله تعالى له الملك التَّام في يوم القيامة، فلا يملك أحدٌ معه شيئًا.
٣ - في يوم القيامة يأمر ربُّ العباد بالنفخ في الصور، فتقوم القيامة، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون.
[ ١١٩ ]
٤ - الله تعالى عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم في شرعه وفعله، وهو الخبير.
٥ - الله تعالى هو فالق الحبِّ والنوى، يخرج من الحبَّة الصماء النبتة الخضراء، ويخرج من النبتة الخضراء الحبَّة الصماء.
٦ - الله سبحانه هو فالق الإصباح، فبعد ظلمة الليل يثور الضياء، ولا يزال يتزايد، ويتوهجُّ حتى يملأ الضياء الكون.
٧ - جعل الله تعالى الليل لنا سكنًا، ننقطع فيه عن الحركة، وتهدأ فيه أفعالنا، وقد جعل الله لنا النهار ننبعث فيه إلى العمل.
٨ - جعل الله ﷾ لنا الشمس والقمر حسبانًا، فبالشمس نعرف مقدار الليالي والأيام، وبالقمر نعرف مقدار الشهور والأعوام.
٩ - وجعل الله تعالى لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البرِّ والبحر، ونعرف مسارنا فوق ظهر أرضنا في أسفارنا، فكثير من الناس يعرفون طرقاتهم في أسفارهم بالنظر في النجوم الثابتة في ظلمة الليل.
١٠ - الله تعالى هو الذي خلقنا بخلق أبينا آدم من نفسٍ واحدةٍ، فقد خلق منه زوجه حوَّاء. وخلق منهما جميع الرجال والنساء.
١١ - الله تعالى الذي أنزل الماء من السماء، فأخرج بذلك المطر نبات الأرض، فأخرج من ذلك النبات القمح والشعير والذرة وغيرها، يخرج من نبتها وسنابلها حبًّا متراكبًا، نشاهده في القمح والشعير والذرة ونحوها، وأخرج لنا من أشجار النخيل من طلعها قنوانًا دانيةً. يخرج لنا منها قطوفًا قريبة المأخذ، وجعل لنا فيما ينبته من الأشجار جناتٍ من أعنابٍ والزيتون والرمان، يشبه بعضه بعضًا أحيانًا، وقد يختلف فلا يتشابه.
* * *
[ ١٢٠ ]