الله الذي خلق السموات والأرض
أولًا: التقديم
عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - في آيات هذا النص بنفسه ﷾، فهو خالق السموات والأرض في ستة أيام، وهو الذي استوى على العرش سبحانه، وهو الذي يدبِّر كونه، ولا يشفع أحد عنده إلاَّ من بعد إذنه، وقد أخبرنا ربُّنا - سبحانه - بما أخبرنا به، وأمرنا بعبادته وحده لا شريك له.
وعرَّفنا ربُّنا - سبحانه - أنَّ مرجع جميع العباد يوم الدين إليه، فهو - سبحانه - وحده الذي يبدأ الخلق في الدنيا، ثم يعيده في الآخرة، ليحاسب العباد عما قدَّموه، وأعلمنا سبحانه أنه هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا، وقدَّر القمر منازل لنعلم عدد السنين والحساب، وهو الذي قدَّر اختلاف الليل والنهار، وما خلق في السموات والأرض من مخلوقات لآياتٍ لقومٍ يتقون.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة يونس
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا
[ ١٤٦ ]
تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣ - ٦].
ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع
استوى على العرش: أي: ارتفع وعلا واستقرَّ، وعرش الرحمن سرير ملكه سبحانه، وهو أجلُّ مخلوقاته.
ما من شفيعٍ إلا من بعد إذنه، أي: لا يشفع عنده أحد إلا بعد أن يأذن الله له.
بالقسط: بالعدل.
جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا: جعل الله الشعاع الصادر عن الشمس ضياءً، لأنَّ الشمس مشتعلةٌ، وجعل الشعاع الصادر عن القمر نورًا، فالقمر ليس مشتعلًا، ونوره انعكاسٌ لضوء الشمس عليه.
اختلاف الليل والنهار: تعاقبهم، إذ هب أحدهما جاء الآخر
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع
حدَّثنا ربُّنا - ﷿ - عن نفسه في هذه الآيات، وعرفنا على فعله في خلقه، وبيَّن لنا بما يأتي:
[ ١٤٧ ]
١ - الله - ﵎ - خلق السموات والأرض في ستة أيام:
عرَّفنا ربُّ العزَّة بنفسه ﵎ فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].
وعرَّفنا الله تعالى في هذه الآية والآيات التالية لها بنفسه سبحانه، حتَّى لو أنَّ واحدًا سألك: من ربُّك؟ صح أن تجعل هذه الآيات جوابًا.
وأوَّل أمر عرَّفنا ﵎ أنَّه فعله سبحانه خلقه السموات والأرض في ستَّة أيام، وهذه الحقيقة مبثوثةٌ كثيرًا في كتاب الله الكريم، فقد خلق سبع أرضين، وخلق سبع سمواتٍ، وخلقهما في ستة أيامٍ، والله تعالى أعلم بمدَّة كلِّ يوم من هذه الأيام، والسموات والأرض من أعظم آيات الله، وفيهما من المخلوقات والدلائل والآيات ما يبهر العقول، ويشغل القلوب.
٢ - استواء ربُّنا على عرشه وتدبيره الأمر:
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ العرش أعظم مخلوقات الرحمن، وقد استوى الرحمن عليه سبحانه، استواءً يليق بجلاله، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وقوله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أخبر ربُّ العباد ﷾ أنه سبحانه يدِّبر الأمر في كونه، فهو قائمٌ ﷾ على كلِّ شيءٍ، لا فرق بين الصغير والكبير، كما قال سبحانه: ﴿لَا يَعزَّبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
[ ١٤٨ ]
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
٣ - لا يشفع أحدٌ عند الله إلا بإذنه:
وقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي: لا يشفع عنده ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا من بعد أن يأذن الله تعالى له، كما قال ربُّ العزَّة ﷾: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وشفعاء المشركين آلهة المشركين التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أشار ربُّ العزَّة سبحانه إلى نفسه بقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ وأمرنا بعبادته وحده لا شريك له، قائلًا: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
٤ - مرجع الناس جميعًا إلى الله تعالى:
عرَّفنا ربُّنا - ﷿ - أنَّ مرجع الناس جميعًا إليه ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ
[ ١٤٩ ]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤].
أخبرنا ربُّنا - ﵎ - أنَّ مرجعنا جميعًا إليه، وهذا وعد حق لا يتخلَّف بحالٍ من الأحوال، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥].
وقوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يبدأ خلق العباد في الحياة الدنيا، ثم يعيد خلقهم في الحياة الآخرة.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي: يثيب المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحة بالعدل والجزاء الأوفى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون﴾
أي: ويجزي الذين كفروا بالله ورسوله، بإسقائهم شرابًا تناهى حرُّه، ويذيقهم العذاب الأليم في النار بسبب كفرهم وضلالهم.
٥ - الله تعالى الذي خلق لنا الشمس ضياء والقمر نورا:
عرَّفنا ربُّنا - ﵎ - أنه هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥].
[ ١٥٠ ]
يخبرنا ربُّنا - ﷿ - أنه جعل الشعاع الصادر عن الشمس ضياءً، وشعاع القمر نورًا، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل للشمس سلطانًا بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدَّر القمر منازل ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يكتمل، ويصبح بدرًا، ثمَّ يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأوَّل في تمام الشهر، وبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٩ - ٤٠]. وقال: ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لم يخلق ربُّ العزَّة ذلك عبثًا، بل لحكمةٍ عظيمةٍ، وحجَّةٍ بالغةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] أي: نُبيِّن الحجج والأدِّلة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
٦ - من الآيات الدالة على الله - تعالى - اختلاف الليل والنهار:
آخر ما عرضه ربُّنا علينا في تعريفنا بنفسه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦].
[ ١٥١ ]
والمراد باختلاف الليل والنهار، أي: تعاقبهما إذا ذهب هذا جاء هذا، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، وقال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله: ﴿يَتَّقُونَ﴾ أي: يخافون الله تعالى.
خامسًا: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه
عرَّفنا ربُّنا ﷿ بنفسه - ﵎ - ببيان ما يأتي:
١ - الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام.
٢ - الله استوى على العرش بعد خلقه السموات والأرض، والعرش سرير ملكه.
٣ - الله قائم على الكون يدبر أموره، ويصرِّف شؤونه.
٤ - لا يشفع عند الله أحدٌ يوم القيامة إلا بعد أن يأذن له.
٥ - مرجع العباد جميعًا إلى ربِّ العزة في يوم القيامة.
٦ - الله الذي ابتدأ خلق عباده في الحياة الدنيا، ثم يعيد إحياءهم بعد موتهم يوم القيامة.
[ ١٥٢ ]
٧ - الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة، والذين كفروا لهم عذاب أليم.
٨ - الله هو الذي جعل لنا الشمس ضياء، لأنه منبعث عن اشتعال الشمس، وجعل لنا القمر نورًا، لأنه انعكاسٌ لنور الشمس، وقدَّر القمر منازل، لنعلم عدد الشهور والأعوام.
٩ - الله الذي خلق الليل والنهار، وجعلهما يتعاقبان، يذهب هذا ويأتي هذا، وخلق في السموات والأرض كثيرًا من الآيات.
* * *
[ ١٥٣ ]