وفيه تمهيد ومطلبان
التمهيد: في فضل ذكر الله والمشروع فيه.
المطلب الأول: من قال بالذكر المفرد وشبهتهم.
المطلب الثاني: الرد عليهم.
[ ١١٥ ]
التمهيد: في فضل ذكر الله والمشروع فيه.
قد دل الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة على جنس المشروع المستحب في ذكر الله ودعائه كسائر العبادات. وبين النبي ﷺ مراتب الأذكار كقوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن سمرة بن جندب ﵁: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت» (^١).
وفي صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي الكلام أفضل؟ قال: «ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده» (^٢)، وفي كتاب الذكر لابن أبي الدنيا وغيره مرفوعا إلى النبي ﷺ: «أفضل الذكر: لاإله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله» (^٣).
_________________
(١) هذا الحديث بهذه الألفاظ أورده البخاري معلقا في كتاب الأيمان والنذور (١١/ ٥٦٦)، ورواه مسلم موصولا بلفظ أحب بدلا من أفضل كذا في كتاب الآداب حديث رقم ١٢/ ٤/ ١٦٨٥)، ورواه الإمام أحمد (٥/ ٢٠١).
(٢) رواه مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل سبحان الله وبحمده (٤/ ١٢٠٩٣ ح ٨٤، والترمذي في كتاب الدعوات، باب أي الكلام أحب إلى الله (٥/ ٥٣٧) ح ٣٥٩٣، وقال حسن صحيح وأحمد (٥/ ١٤٨).
(٣) رواه الترمذي في الدعوات، باب أن دعوة المسلم مستجابة ح ٣٣٨٣، وابن ماجه: الأدب، باب فضل الحامدين (٢/ ١٢٤٩ ح ٣٨٠٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١١١٥، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٤٩٧، وعزاه للخرائطي في فضيلة الشكر.
[ ١١٦ ]
وفي الموطأ وغيره حديث طلحة بن عبد الله بن كريز عن النبي ﷺ: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (^١).
وفي السنن حديث الذي قال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني في صلاتي فقال: قل: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» (^٢).
ولهذا قال الفقهاء: إن من عجز عن القراءة في الصلاة انتقل إلى هذه الكلمات الباقيات الصالحات. وإنما الغرض من الذكر والدعاء ما ليس بمشروع الجنس أو هو منهي عنه أو عن صفته كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا يدعى إلى بأسمائه الحسنى.
ومن المنهي عنه: ما كانوا يقولونه في الجاهلية في تلبيتهم:
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ: القرآن، باب ما جاء في الدعاء (١/ ٢١٤) ح ٣٢، والترمذي كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة حديث رقم ٣٥٨٥، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم ١١١٣، وفي الصحيحة برقم ١٥٠٣.
(٢) رواه أبو داود كتاب الصلاة، باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة حديث رقم (٨٣٢)، والنسائي (٢/ ١٤٣) ح ٣٨٠٠، وأحمد (٤/ ٣٥٦)، وحسنه الشيخ الألباني كما في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٣٥) ح ٨٣٢، وكذا المشكاة برقم (٢٢٥٢).
[ ١١٧ ]
لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. ومثل قول بعض الأعراب للنبي ﷺ: «إنا نستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ: شأن الله أعظم من ذلك: إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه» (^١)، ومثل ما كانوا يقولون في أول الإسلام: السلام على الله قبل عباده. فقال النبي ﷺ: «إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات» (^٢).
وكذلك الدعاء المكروه مثل الدعاء ببغي أو قطيعة رحم أو دعاء منازل الأنبياء أو دعاء الأعرابي الذي قال: اللهم ما كانت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا (^٣)، ومثل قوله ﷺ للمصابين بميت لما صاحوا: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) (^٤). وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه كتاب السنة، باب في الجهمية (١٣/ ١١، ١٢) ح (٤٧٠ العون)، وضعفه الشيخ الألباني كما في ضعيف الجامع برقم (٦١٥٠).
(٢) رواه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة (٢/ ٣١١) ح ٨٣١، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (١/ ٣٠١) ح ٥٥.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٠٧)، ومسلم: في الذكر والدعاء، باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة حديث رقم ٢٣، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد حديث رقم ٣٤٨٧، وقال حسن صحيح غريب.
(٤) رواه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر (٢/ ٦٣٤) ح (٧).
[ ١١٨ ]
وإنما الغرض هنا أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلاما تاما مفيدا مثل (لا إله إلا الله) ومثل (الله أكبر) ومثل (سبحان الله والحمد لله) ومثل (لا حول ولا قوة إلا بالله) ومثل (تبارك اسم ربك) و(تبارك الذي بيده الملك) و(سبح لله ما في السموات والأرض) ومثل (تبارك الذي نزل الفرقان).
[ ١١٩ ]
المطلب الأول: من قال بالذكر المفرد وشبهتهم.
هل يشرع الذكر باسم الله مفردا؟
فأما الاسم المفرد مظهرا مثل: «الله» «الله» أو «مضمرًا» مثل «هو» «هو» فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة، ولا هو مأثور أيضا عن أحد من سلف الأمة، ولا عن أعيان الأمة المقتدي بهم، وإنما لهج به قوم من ضلال المتأخرين.
وربما اتبعوا فيه حال شيخ مغلوب فيه (^١)، مثلما يروى عن الشبلي أنه كان يقول: «الله، الله» فقيل له: لم لا تقول لا إله إلا الله؟ فقال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات. وهذه من زلات الشبلي التي تغفر له لصدق إيمانه، وقوة وجده، وغلبة الحال عليه، فإنه كان
_________________
(١) ولذا ترى المفتونين بهؤلاء المشايخ يحاولون دأبًا إيجاد مخرج لمثل هذه التصرفات التي صدرت من هؤلاء الأكابر زعمًا، حيث يقول المقري في إضاءة الدجنة: وموهم المحذور من كلام … قوم من الصوفية الأعلام جريًا على عرفهم المخصوص … يُرجعُ بالتأويل للمنصوص وما يفوهون به في الشطح … فقيل غير مقتض للقدح وَهْوَ إلى التأويل ذو انتحال … أو أنهم قد غلبوا في الحال وقيل بل يناط حكم الظاهر … بهم صيانة لشرعٍ طاهر ونحوه كلام ابن بون في الوسيلة، وما هذا إلا نتيجة ضعف الاتباع للنبي ﷺ عند أهل البدع والله المستعان.
[ ١٢٠ ]
ربما يجن ويذهب إلى المارستان، ويحلق لحيته، وله أشياء من هذا النمط التي لا يجوز الاقتداء به فيها، وإن كان معذورا أو مأجورا، فإن العبد لو أراد أن يقول: «لا إله إلا الله»، ومات قبل كمالها لم يضره ذلك شيئا، إذ الأعمال بالنيات، بل يكتب له ما نواه. وربما غلا بعضهم في ذلك حتى يجعلوا ذكر الاسم المفرد للخاصة، وذكر الكلمة التامة للعامة، وربما قال بعضهم: «لا إله إلا الله» للمؤمنين، و«الله» للعارفين، و«هو» للمحققين، وربما اقتصر أحدهم في خلوته أو في جماعته على «الله، الله، الله» أو على «هو» أو «يا هو» و«لا هو إلا هو».
وربما ذكر بعض المصنفين في الطريق تعظيم ذلك. واستدل عليه تارة بوجد، وتارة برأي، وتارة بنقل مكذوب، كما يروي بعضهم أن النبي ﷺ لقن علي بن أبي طالب ﵁ أن يقول: «الله، الله، الله». فقالها النبي ﷺ ثلاثا، ثم أمر عليا فقالها ثلاثا. وهذا حديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وإنما كان تلقين النبي ﷺ للذكر المأثور عنه، ورأس الذكر «لا إله إلا الله» وهي الكلمة التي عرضها على عمه أبي طالب حين الموت «وقال: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» (^١)، وقال: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجد روحه لها روحا» (^٢)،
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب (٧/ ١٩٣ ح ٣٨٨٤)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت حديث رقم ٣٩، والإمام أحمد (٥/ ٤٣٣).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧، ٣٨)، وابن ماجه في سننه كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله حديث رقم ٣٧٩٥، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع برقم ٢٤٨٨.
[ ١٢١ ]
وقال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١).
وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (^٢).
والأحاديث كثيرة في هذا المعنى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجنائز باب في التلقين حديث رقم ٣١٠٠، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٦٣٥٥، وفي إرواء الغليل برقم ٦٨٧.
(٢) رواه البخاري في الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية حديث رقم ٢٥، ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله حديث رقم ٣٤، ٣٦.
[ ١٢٢ ]
المطلب الثاني: الرد عليهم.
فأما ذكر «الاسم المفرد» فلم يشرع بحال، وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على استحبابه.
وأما ما يتوهمه طائفة من غالطي المتعبدين في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ ويتوهمون أن المراد قول هذا الاسم فخطأ واضح؛ ولو تدبروا ما قبل هذا تبين مراد الآية؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] أي قل الله أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، فهذا كلام تام وجملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر، حذف الخبر منها لدلالة السؤال على الجواب.
وهذا قياس مطرد في مثل هذا في كلام العرب كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ [الزُّمَر: ٣٨]، وقوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، وكذلك ما بعدها. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٧، ٨٧]،
[ ١٢٣ ]
على قراءة أبي عمرو (^١).
وتقول في الكلام من جاء؟ فتقول: زيد، ومن أكرمت؟ فتقول زيدا، وبمن مررت؟ فتقول: بزيد، فيذكرون الاسم الذي هو جواب من؛ ويحذفون المتصل به، لأنه قد ذكر في السؤال مرة، فيكرهون تكريره من غير فائدة بيان، لما في ذلك من التطويل والتكرير.
وأغرب من هذا ما قاله شخص لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، قال المعنى وما يعلم تأويل «هو» أي اسم «هو» الذي يقال فيه: «هو، هو» وصنف ابن عربي كتاب في «الهو» (^٢). قال شيخ الإسلام: فقلت له. وأنا إذ ذاك صغير جدًا - لو كان كما تقول: لكتبت في المصحف مفصولة (تأويل هو) ولم تكتب مفصولة، وهذا الكلام الذي قاله هذا معلوم الفساد بالإضطرار. وإنما كثير من غالطي المتصوفة لهم مثل هذه التأويلات الباطلة في الكتاب والسنة. وقد أودع الشيخ أبو
_________________
(١) قرأ أهل البصرة ﴿سيقولون الله﴾ برفع الهاء أي بإثبات ألف الوصل قبل اللام ورفع هاء الجلالتين فيهما وممن قرأ بهذه القراءة أبو عمرو وعبد الله بن مسعود والحسن والجحدري وابن وثاب ونصر بن عاصم وأبو الأشهب يعقوب، واليزيدي وقرأ الباقون (لله) بغير ألف وجر الهاء فيهما. انظر: معجم القراءات القرآنية للدكتور أحمد مختار عمر، والدكتور عبد العال سالم مكرم (٣/ ٣٤١)، وكذا كتاب المستنير في القراءات العشر لأحمد بن علي البغدادي الحنفي ت ٤٩٦ هـ (ص ٦٩٥)، بتحقيق الدكتور أحمد طاهر أويس.
(٢) وذكره السيوطي في الحاوي (١/ ٣٢)، وكذا للحلاج كتاب باسم هو هو، ذكر ذلك الزركلي في الأعلام (٢/ ٢٦٠) ترجمة الحسين بن منصور الحلاج وقبله الذهبي كما في السير (١٤/ ٣٥٣).
[ ١٢٤ ]
عبد الرحمن السلمي «حقائق التفسير» من هذا قطعة، وإنما الغرض بيان حكم ذكر الاسم وحده من غير كلام تام وقد ظهر بالأدلة الشرعية أنه غير مستحب.
كذلك بالأدلة العقلية الذوقية (^١)، فإن الاسم وحده لا يعطي إيمانا ولا كفرا، ولا هدى ولا ضلالا، ولا علما ولا جهلا، وقد يذكر الذاكر اسم نبي من الأنبياء، أو فرعون من الفراعنة، أو صنم من الأصنام، ولا يتعلق بمجرد اسمه حكم إلا أن يقرن به ما يدل على نفي أو إثبات، أو حب أو بغض، وقد يذكر الموجود والمعدوم.
_________________
(١) ولا تعجب أخي القارئ إذا وقفت على كلام لابن حجر الهيتمي وهو يقرر هذا الذوق الفاسد المخالف للفطرة السليمة والشرع الحنيف حيث يقول في فتاواه الحديثية: «لا إله إلا الله أفضل عند أئمة الظاهر من ذكر الجلالة مطلقًا، وعند أهل الباطن الحال يختلف باختلاف أحوال السالك، فمن هو في ابتداء أمره ومقاساة شهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها وعن إراداته وشهواته وبقائه مع نفسه يحتاج إدمان الإثبات بعد النفي، حتى يستولي عليه سلطان الذكر وجواذب الحق المترتبة على ذلك، فإذا استولت عليه حتى أخرجته عن شهواته وحظوظه وجميع أغراض نفسه، صار بعيدًا عن شهود الأغيار، واستولى عليه مراقبة الحق أو شهوده، فحينئذ يكون مستغرقًا في حقائق الجمع الأحدي، والشهود السرمدي الفردي، فالأنسب بحاله الإعراض عما يذكره بالأغيار، والاستغراق فيما يناسب حاله من ذكر الجلالة فقط، لأن ذلك فيه تمام لذته ودوام مسرته ونعمته ومنتهى أربه ومحبته، بل إذا وصل السلك لهذا المقام وأراد قهر نفسه إلى الرجوع إلى شهود غيره حتى ينفيه أو يتعلق به خاطره لا تطاوعه نفسه المطمئنة لما شاهدت من الحقائق الوهبية والمعارف الذوقية والعوارف اللدنية». انتهى انظر: مشتهى الخارف الجاني في رد زلقات التجاني الجاني للشيخ محمد الخضر الجكني ص ٢٩٠، وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مؤنة رد هذا الإفك.
[ ١٢٥ ]
ولهذا اتفق أهل العلم بلغة العرب وسائر اللغات على أن الاسم وحده لا يحسن السكوت عليه؛ ولا هو جملة تامة؛ ولا كلاما مفيدا ولهذا سمع بعض العرب مؤذنا يقول أشهد أن محمدا رسولَ الله، قال: فعل ماذا؟ فإنه لما نصب الاسم صار صفة، والصفة من تمام الاسم الموصوف، فطلب بصحة طبعه الخبر المفيد؛ ولكن المؤذن قصد الخبر ولحن.
ولو كرر الإنسان اسم الله ألف مرة لم يصر بذلك مؤمنا، ولم يستحق ثواب الله ولا جنته؛ فإن الكفار من جميع الأمم يذكرون الاسم المفرد، سواء أقروا به وبوحدانيته أم لا؛ حتى إنه لما أمرنا بذكر اسمه كقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، ونحو ذلك: كان ذكر اسمه بكلام تام مثل أن يقول: بسم الله، أو يقول: سبحان ربي الأعلى، وسبحان ربي العظيم، ونحو ذلك. ولم يشرع ذكر الاسم المجرد قط، ولا تحصل بذلك امتثال ولا حل صيد ولا ذبيحة ولا غير ذلك.
فإن قيل: فالذاكر أو السامع للاسم المجرد قد يحصل له وجد محبة، وتعظيم لله، ونحو ذلك، قلت (^١): نعم، ويثاب على ذلك الوجد المشروع، والحال الإيماني لا لأن مجرد الاسم مستحب، وإذا سمع ذلك حرك ساكن القلب، وقد يتحرك الساكن بسماع ذكر محرم أو مكروه، حتى قد يسمع المسلم من يشرك بالله، أو يسبه
_________________
(١) القائل هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ١٢٦ ]
فيثور في قلبه حال وجد ومحبة لله بقوة نفرته وبغضه لما سمعه، وقد قال الصحابة للنبي ﷺ: «إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان» (^١)، وفي رواية قال: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (^٢).
فالشيطان لما قذف في قلوبهم وسوسة مذمومة تحرك الإيمان الذي في قلوبهم بالكراهة لذلك والاستعظام له، فكان ذلك صريح الإيمان؛ ولا يقتضي ذلك أن يكون السبب الذي هو الوسوسة مأمورا به.
ففرق بين أن يكون نفس السبب موجبا للخير ومقتضيا، وبين أن لا يكون؛ وإنما نشأ الخير من المحل.
فثبت بما ذكرناه أن ذكر الاسم المجرد ليس مستحبا؛ فضلا عن أن يكون هو ذكر الخاصة.
ومن أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن الشرعة والمنهاج الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظان الكفر، كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان ومقوية للإيمان (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ٤٤١)، ومسلم: الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها (١/ ١١٩ ح ٢٠٩) بنحوه، وأبو داود: الأدب، باب في رد الوسوسة حديث رقم ٥٠٨٩.
(٢) رواه الإمام أحمد (١/ ٢٣٥)، وأبو داود: الأدب، باب في رد الوسوسة ح ٥٠٩٠.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٠/ ٥٥٣ - ٥٦٧) بتصرف، وانظر: (١٠/ ٢٢٦ - ٢٣٣)، وانظر العبودية ص ٢٠١.
[ ١٢٧ ]
وقال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀:
«… حتى رتب على ذلك بعضهم أن الذكر بالاسم المفرد وهو «الله، الله» أفضل من الذكر بالجملة المركبة كقوله «سبحان الله»، و«الحمد لله»، و«لاإله إلا الله»، و«الله أكبر» وهذا فاسد مبني على فاسد. فإن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلا، ولا مفيد شيئا، ولا هو كلام أصلا، ولا يدل على مدح ولا تعظيم، ولا يتعلق به إيمان، ولا ثواب، ولا يدخل به الذاكر في عقد الإسلام جملة، فلو قال الكافر الله الله من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلما فضلا عن أن يكون من جملة الذكر أو يكون أفضل الأذكار. وبالغ بعضهم في ذلك حتى قال: الذكر بالاسم المضمر أفضل من الذكر بالاسم الظاهر فالذكر بقوله هو هو أفضل من الذكر بقوله الله الله وكل هذا من أنواع الهوس والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات فهذا فساد هذا البناء الهائر، وأما الفساد المبني عليه فإنهم ظنوا أن قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي قل هذا الاسم، فقل: الله الله. وهذا من عدم فهم القوم لكتاب الله، فإن اسم الله هنا جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] إلى أن قال ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩١] أي قل: الله أنزله، فإن السؤال معاد في الجواب فيتضمنه فيحذف اختصارا كما يقول: من خلق السموات والأرض؟ فيقال: الله، أي الله خلقهما، فيحذف الفعل لدلالة السؤال عليه، فهذا معنى الآية الذي لا يحتمل غيره (^١).
_________________
(١) طريق الهجرتين (٣٣٨ - ٣٣٩).
[ ١٢٨ ]
وقال العلامة صديق بن حسن خان:
قلت: أما المسمون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها عن لفظها العربي، فهم من أجناد إبليس اللعين، ومن أعظم حمر الكون، الذين ألسنتهم حلل التلبيس والتزيين، لما أن إطلاق لفظ الجلالة مفردا عن إخبار عنها بقولهم: «الله الله» ليس بكلام ولا توحيد، وإنما يلعب بهذا اللفظ الشريف بإخراجه عن لفظه العربي، ثم إخلاؤها عن المعنى.
ولو أن رجلا عظيما صار مسمى بزيد، وصار جماعة يقولونه «زيد زيد» يعد ذلك استهزاء وإهانة وسخرية لا سيما إذا زادوا إلى ذلك تحريف اللفظ.
ثم انظر هل أتى في لفظة من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها وتكريرها؟ إذ الذي فيهما هو طلب الذكر والتوحيد والتسبيح والتهليل.
وهذه أذكار رسول الله ﷺ وأصحابه، خالية عن هذا الشهيق، والنهيق، والنعيق، التي اعتادها من هو عن هدي رسول الله ﷺ وسمته ودله، في مكان سحيق.
ثم قد يضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماء جماعة من الموتى والمقبورين، مثل ابن علوان وأحمد بن الحسين وعبد القادر والعيدروس. بل قد انتهى الحال إلى أنهم يغدون إلى أهل القبور من أهل الظلم والجرأة كعلي ورومان وعلي الأحمر وأشباههم
ولقد صان الله تعالى رسوله ﷺ، وأهل الكساء وأعيان الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهلة الضلال، فيجمعون أنواعا من الجهل والشرك والكفر.
[ ١٢٩ ]
وأما قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] وقول رسول الله ﷺ: «حتى لا يبقى على الأرض من يقول: الله الله» (^١) أو كما قال، فليس من هذا الوادي، ولا من جملة الأذكار المأمور بها، بل هما في سياق آخر، والمراد بهما قول «لا إله إلا الله» على طريق الرمز والإيجاز، والإشارة إلى المحذوف المقدر، فتدبر.
ثم قال صاحب التطهير: "فإن قلت: إنه قد يتفق من هؤلاء الذين يلوكون الجلالة ويضيفون إليها أهل الخلاعة والبطالة خوارق عادات وأمور تظن كرامات، كطعن أنفسهم وحملهم لمثل الحنش، والحية، والعقرب، وأكلهم النار، ومسهم إياها بالأيدي، وتقلبهم فيها بالأجسام.
قلت: هذه أحوال شيطانية، وإنك لملبوس عليك إن ظننتها كرامات للأموات، أو حسنات للأحياء، لما هتف هذا الضال بأسمائهم جعلهم أندادا لله، وشركاء له في الخلق والأمر (^٢).
وقد وجه سؤال للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز وهذا نصه:
السؤال: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية يجتمعون كل يوم جمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر: لا إله إلا الله،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٢٠٨) في الفتن، باب ما جاء في أشراط الساعة من طريق محمد بن بشار عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس وأخرجه مسلم (١٤٨): الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان من طريق عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس ومن طريق عثمان عن حماد عن ثابت عن أنس. وجاء مفسرا عند أحمد (٣/ ١٦٢) حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله.
(٢) الدين الخالص (٣/ ٥٧٧ - ٥٧٨).
[ ١٣٠ ]
ويقولون في النهاية: الله، الله بصوت عال فما حكم عملهم هذا؟.
الجواب: هذه العقيدة التيجانية من العقائد المبتدعة والطرق المنكرة، وفيها منكرات كثيرة، وبدع كثيرة، ومحرمات شركية يجب تركها، ولا يؤخذ منها إلا ما وافق الشرع المطهر الذي جاء به نبينا محمد ﵊.
والاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: الله، الله، أو هو هو، إنما الذكر الشرعي أن يقول: لا إله إلا الله فهذا هو الذكر الشرعي، أو سبحان الله والحمد لله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، أستغفر الله، اللهم اغفرلي. أما الاجتماع بصوت واحد لا إله إلا الله أو الله الله، أو هو هو فهذا لا أصل له بل هو من البدع المحدثة.
فالواجب على المسلمين ترك البدع، لأن الرسول ﵊ يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^١)، يعني فهو مردود.
ويقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٢).
ويقول أيضا ﵊: «وإياكم ومحدثات الأمور
_________________
(١) البخاري تعليقا بصيغة الجزم (٤/ ٢٩٨): البيوع، باب النجش ووصله في الصلح (٥/ ٢٢١) باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ومسلم برقم (١٧١٨): الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، وأبو داود في السنة، باب لزوم السنة (٢/ ٥٠٦)، وأخرجه ابن ماجة في المقدمة باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ برقم ١٤.
(٢) رواه البخاري موصولا (٢/ ١٦٦) ومعلقا مجزوما (٢/ ٢٥، ٤/ ٤٣٧) ومسلم (٥/ ١٣٢)
[ ١٣١ ]
فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (^١). وكان يخطب في الجمعة ﷺ فيقول: «أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (^٢).
فالواجب على المسلمين أن يحذروا البدع كلها سواء كانت تيجانية أو غيرها وأن يلتزموا بما شرعه الله على لسان نبيه ورسوله محمد ﷺ، هذا هو الواجب على المسلمين، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحُجُرات: ١٠].
فالواجب على أهل الإسلام من الرجال والنساء طاعة الله ورسوله والحذر من البدع في الدين، بل الله كفانا ﷾ وأتم لنا النعمة وأكمل لنا الدين، كما قال ﷿: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فالإسلام الذي رضيه الله وأكمله لنا، علينا أن نلتزم به وأن نستقيم عليه وأن نحافظ عليه، وألا نحدث في الدين ما لم يأذن
_________________
(١) أبو داود في السنة برقم ٤٦٠٧، باب لزوم السنة، والترمذي في العلم رقم ٢٦٧٨، باب ١٦ وإسناده صحيح وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٢٦، ١٢٧)، وابن ماجه في المقدمة رقم ٤٢ باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، وانظر: شرح الحديث مفصلا في جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب الحنبلي.
(٢) رواه مسلم: الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢) ح ٤٣، ٤٤.
[ ١٣٢ ]
به الله ونسأل الله للجميع الهداية (^١).
ووجه سؤال أجابت عنه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وهذا نص السؤال والجواب:
السؤال: هل الذكر الذي يعمله بعض الناس في مصر وأريافها من الدين؛ مثلا يقفون ويتمايلون يمينا ويسارا ويذكرون لفظ الجلالة؟.
الجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه … وبعد
هذا العمل لا نعلم له أصلا في دين الله بل هو بدعة ومخالفة لشرع الله يجب إنكارها على من يعملها ولا سيما مع القدرة على ذلك، لقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق على صحته من حديث عائشة ﵂ وفي الباب أحاديث أخرى صحيحة مثله في المعنى وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (^٢).
وقد يتعلق بعض الضلال بقوله ﷺ: «لا تقام الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» (^٣). وليس في هذا الحديث مستند لمن
_________________
(١) فتاوى نور على الدرب (١/ ٣٥٨)، وانظر البدع والمحدثات وما لا أصل له: لحمود بن عبد الله المطر ص (٤٢٥ - ٤٢٧).
(٢) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، السؤال الثاني من الفتوى رقم ٣٢٣٢، وانظر البدع والمحدثات وما لا أصل له لحمود بن عبد الله المطر ص ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٢٠٨) في الفتن، باب ما جاء في أشراط الساعة، وأخرجه مسلم (١٤٨) في الإيمان، باب ذهاب آخر الزمان، الأول عن حميد عن أنس والثاني عن ثابت عن أنس.
[ ١٣٣ ]
يسوغ الذكر بالاسم المفرد، لأن المراد منه أنه لا يبقى في الأرض من يوحد الله توحيدا حقيقيا، ويعبده عبادة صادقة كما جاء مفسرا في الحديث الآخر: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله» (^١) وسنده صحيح، ولم يثبت عنه ﷺ ولا عن أصحابه، ولا عن أحد من القرون المشهود لها بالفضل أنهم ذكروا الله بالاسم المفرد لأن الذكر ثناء والثناء لا يكون إلا بجملة مفيدة يحسن السكوت عليها فيا خيبة من يقول إن توحيد العوام لا إله إلا الله وتوحيد الخواص الله الله.
ويسميه بعضهم أعني لفظ الجلالة الاسم الذاتي، كما كتب بذلك محمود حسن وهو من مشايخ جماعة التبليغ إلى الشيخ فتح الدين (لائلفور) في رسالة يقول فيها: «… وقل لزوجتك أن تقرأ الاسم الذاتي أي الله أربعة آلاف مرة في كل يوم وليلة في أوقات مختلفة» (^٢).
فرد عليه بدعته هذه العلامة محمد تقي الدين الهلالي قائلا: «… واقتصاره على ذكر اسم الجلالة مفردا بدعة ضلالة، وذكر اسم الجلالة (الله) كلمة واحدة دون أن تتألف منها جملة بدعة ضلالة، وليس بكلام في أي لغة؛ لأن السنة جاءت أن يذكر الله تعالى بكلام له معنى، والكلمة الواحدة لا معنى لها؛ فالحمد لله ذكر له معنى؛ لأنه مؤلف من مبتدأ وخبر، ولا إله إلا الله ذكر له معنى
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٣/ ١٦٢) من طريق عفان عن حماد عن ثابت عن أنس ﵁ مرفوعا.
(٢) بيس بري مسلمان (ص ٢٩٩ - ٣٠٠)، وانظر القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ (ص ١١٩).
[ ١٣٤ ]
كذلك والله أكبر ذكر له معنى كذلك، وسبحن الله ذكر له معنى وهو تنزيه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، ولم يجي ذكر (الله، الله) كلمة واحدة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وجهال المتصوفة يستعملون ذلك، وهو من بدعهم المنكرة» (^١).
وقال العلامة حمود بن عبد الله التويجري ﵀:
«وليس الاقتصار على هذه الكلمة من الذكر المشروع، وإنما هو من الاستهزاء بالله تعالى وبذكره، ومن تلاعب الشيطان بالصوفية وأتباعهم من التبليغيين، وقد زعم الصوفية أن الاقتصار على هذه الكلمة هو ذكر خاصة الخاصة وهذا من جهلهم وضلالهم (^٢).
_________________
(١) انظر: القول البليغ (ص ١١٩) وللشيخ محمد تقي الدين الهلالي كتاب بعنوان السراج المنير في تنبيه جماعة التبليغ على أخطائهم ولعل الكلام المذكور فيه لأن الشيخ التويجري ينقل عنه.
(٢) القول البليغ (ص ١٦٠).
[ ١٣٥ ]