" من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة صاحب السمو الملكي
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية (٨٠).
(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة"، (١/ ١٤٤ - ١٥٠).
[ ٣٨٥ ]
الأمير المكرم نواف بن عبد العزيز؛ وفقه الله لما فيه رضاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
فقد أخبرني الأخ علي بن حسين بن عبيد عن رغبتكم في الإفادة عن التوسل الجاري على ألسنة كثير من الناس وهو: (اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك) والجواب: هذا الدعاء ليس له أصل عن النبي -ﷺ-، ولا عن أحد من أصحابه ﵃ فيما نعلم، وقد ذكر العلامة الزيلعي في كتابه: (نصب الراية) ص ٢٧٢ جـ ٤ أن الحافظ البيهقي ﵀ رواه في كتابه: (الدعوات الكبير) عن ابن مسعود ﵁، وأن الحافظ ابن الجوزي ﵀ ذكره في الموضوعات على رسول الله -ﷺ- يعني المكذوبات عليه، ﵊- وبذلك يعلم أنه لا يشرع التوسل به؛ لكونه مكذوبا على النبي -ﷺ-، ولأنه مجمل محتمل لا يعرف معناه، وقد زاد بعضهم في روايته -كما ذكره البيهقي في كتابه بعد قوله من عرشك- ما نصه: (ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم وكلماتك التامة) وهذه الزيادة ليس لها أصل من حديث بن مسعود ﵁ بهذا اللفظ فيما نعلم، ولكن قد دلت الأدلة الشرعية على شرعية التوسل بأسماء الله وصفاته، ويدخل فيها الاسم الأعظم، وكلمات الله التامات؛ كما قال الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (^١)، وثبت عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "من نزل منزلًا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (١٨٠).
[ ٣٨٦ ]
شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" رواه الإمام مسلم في صحيحه (^١)، وروى مسلم في صحيحه أيضًا، عن عائشة ﵂، أنها سمعت النبي -ﷺ- يدعو في سجوده بقوله: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (^٢)، وخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الرحمن بن خنبش التميمي أن النبي -ﷺ- كان يتعوذ فيقول: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن" (^٣).
والأحاديث في التوسل بأسماء الله وصفاته كثيرة، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي -ﷺ- أن ثلاثة ممن كان قبلنا آواهم المبيت إلى غار فانطبقت عليهم صخرة فسدت عليهم فم الغار، فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فدعوا الله سبحانه، وتوسل أحدهم إلى الله سبحانه ببره لوالديه فانفرجت الصخرة بعض الشيء، ثم توسل الثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة عليه فانفرجت الصخرة أكثر، لكنهم لا يستطيعون الخروج، ثم توسل الثالث بأدائه الأمانة
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٢٧٠٨).
(٢) رواه مسلم برقم (٤٨٦).
(٣) رواه أحمد: (٣/ ٤١٩).
[ ٣٨٧ ]
لأهلها فانفرجت الصخرة فخرجوا (^١)، وهذا الحديث يدل على شرعية التوسل إلى الله سبحانه بصالح الأعمال، ومن ذلك: التوسل بدعاء الحي وشفاعته كما كان الصحابة ﵃ يطلبون من النبي -ﷺ- أن يدعو لهم، ولما أجدبوا سألوا رسول الله -ﷺ- أن يستسقي لهم، فدعا الله سبحانه في خطبة الجمعة، ورفع يديه وقال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" (^٢) فأنزل الله المطر في الحال، ومرة خرج بهم إلى الصحراء فصلي بهم ركعتين وخطبهم واستغاث الله سبحانه وتضرع إليه وألح في الدعاء ورفع يديه فأغاثهم الله سبحانه، ولما وقع الجدب في عهد عمر بن الخطاب ﵁ أمر العباس بن عبد المطلب عم النبي -ﷺ- أن يستغيث بالناس، فدعا العباس ﵁، وأمن المسلمون على دعائه، فأغاثهم الله.
فهذه هي التوسلات الشرعية، أما التوسل بجاه فلان، أو حق فلان، أو ذات فلان، فهو توسل غير مشروع، بل بدعة عند جمهور أهل العلم.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل به، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعًا، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق ولاة أمرنا وجميع ولاة أمر المسلمين لكل ما فيه رضاه وصلاح أمر عباده في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" (^٣).
_________________
(١) الحديث في البخاري برقم (٢٢١٥) وغيره، ومسلم برقم (٢٧٤٣).
(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٠١٤)، ومسلم برقم (٨٩٧).
(٣) "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة"، (٤/ ٣١٧ - ٣١٩). وانظر في: "الدرر السنية" (١/ ٥١٣) فتوى للشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن -﵀- حول هذا الدعاء.
[ ٣٨٨ ]