مقدمات
مقدمة التعريف بكتاب الملل والنحل
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة تعريف بكتاب "الملل والنحل":
موضوع هذا الكتاب دراسة الأديان والمذاهب والفرق. ويعتبر هذا الكتاب فريدا في بابه، بل هو عمدة في هذا الموضوع، فهو دائرة معارف مختصرة للأديان والمذاهب والفرق؛ بل للآراء والفلسفة.
وقد نال هذا الكتاب من الشهرة قدرا عظيما، وذلك من علماء الشرق والغرب على السواء. فيقول عالم جليل مثل ابن السبكي عنه: "هو عندي خير كتاب صنف في هذا الباب". ويقول العالم الإنجليزي الأستاذ "ألفرد جيوم" عن هذا الكتاب: "إنه ظل المخلص الوافي، الذي تبوب فيه الملل على اختلافها وخصائص ومميزات كل منها مما يجعله بحيث لا يمكن الاستغناء عنه في أي زمان".
وأما "هابركر" الألماني فيقول: "بوساطة الشهرستاني في كتابه الملل والنحل نستطيع أن نسد الثغرة التي في تاريخ الفلسفة بين القديم والحديث".
تعريف بالمؤلف:
اسمه محمد بن عبد الكريم بن أحمد. وكنيته أبو الفتح، وشهرته المعروف بها الشهرستاني؛ نسبة إلى بلدة "شهرستان" مسقط رأسه، ومثوى رفاته.
أما مولده، فقد اختلف في تاريخه، فمن قائل يقول إنه ولد سنة ٤٦٧هـ وقائل يذهب إلى أنه ولد سنة ٤٦٩هـ.
[ ١ / ٣ ]
ولعل أصدق الأقوال أنه ولد سنة ٤٧٩هـ وتوفي في شعبان سنة ٥٤٨هـ الموافق ١١٥٣م، وبذلك يكون قد عاش ٧٠ سنة.
والشهرستاني من حيث المذهب شافعي، ومن حيث الأصول أشعري. وقد تلقى الفقه على شيخه "أحمد الخوافي" قاضي طوس، وزميل الإمام الغزالي. وقرأ الأصول على "أبي القاسم الأنصاري" الذي كان متكلما وشيخا متصوفا ومفسرا وأصوليا. وسمع الحديث على "أبي الحسن المدائني" الإمام التقي.
وكان الشهرستاني مولعا بطلب العلم، بدأ نبوغه في تحصيل العلوم وشغفه بالدروس منذ صغره، وكان لا يدخر في طلب العلم وسعا، فكان يطوف بالبلاد الإسلامية في عصره يتعلم ويعلم، وظل ذلك حاله، حتى بلغ من العمر ثلاثين عاما قصد مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وبعد ذلك سافر إلى بغداد حيث استقر بها ثلاث سنوات كانت حافلة بما ألقاه من دروس نافعة بالمدرسة "النظامية" أعلى المدارس ببغداد، حيث يلتف حوله كبار العلماء للاستفادة منه.
وبلغ من جلال مجالسه العلمية أنها كانت تسجل وتدون، وذلك لعمقها. ومن صفوة الشيوخ الذين كانوا يحضرون هذه المجالس: أبو الحسن بن حمويه، والبيهقي، والإمام أبو منصور، وموفق الدين أحمد الليثي، وشهاب الدين الواعظ، وغيرهم من أئمة الفقه والعلم.
وخلاصة القول أن الشهرستاني وصل إلى قمة السلم العلمي وأربى عليها، فقد لقب بالإمام، بل بالإمام الأفضل. يقول ابن السبكي:
"وكان لعلمه يلقب أيضا بالأفضل: برع في الفقه والأصول والكلام" ويقول عنه ابن تغرى بردي: "كان إمام عصره في علم الكلام، عالما بفنون كثيرة من العلوم، وبه تخرج جماعة من العلماء". ويقول عنه ياقوت إنه "المتكلم الفيلسوف صاحب التصانيف".
[ ١ / ٤ ]
ولم يقتصر الأمر على علماء الشرق، فقد عرف علماء الغرب أيضا منزلته وقدروا قدره. فيقول العالم الإنجليزي "ألفرد جيوم": "الشهرستاني كان رجلا دينا إلى الأعماق، وإخلاصه للعقيدة لا يمكن أن يشك فيه أي إنسان قرأ مؤلفاته، التي تكفي بنفسها لدحض ادعاءآت المنتقصين من شأنه وهو جدير بأن ينظر إليه باعتباره ذا أصالة فكرية".
ويقول "كارادي" الفرنسي: "إن عقلية الشهرستاني لم تكن في جوهرها إلا عقلية فلسفية".
وذهب الشيخ مصطفى عبد الرازق إلى أن الشهرستاني من أهل الفلسفة الإسلامية اللذين يستشهد بآرائهم، مثله مثل ابن سينا.
مؤلفاته:
للشهرستاني عديد من المؤلفات فله:
١- الإرشاد إلى عقائد العباد: ذكره الشهرستاني نفسه في كتابه "نهاية الأقدام".
٢- الأقطار في الأصول: نسبه إلى الخوارزمي.
٣- تاريخ الحكماء: وقد نسبه إليه "كيورتن" في مقدمته لطبعته لكتاب "الملل والنحل".
٤- تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام: نسبه إليه ابن خلكان وأبو الفداء، وحاجي خليفة.
٥- دقائق الأوهام: نسبه إليه الخوارزمي.
٦- شرح سورة يوسف بعبارة فلسفية لطيفة: نسبه إليه الخوارزمي.
٧- العيون والأنهار: نسبه إليه البيهقي.
[ ١ / ٥ ]
٨- غاية المرام في علم الكلام: نسبه إليه الخوارزمي.
٩- قصة موسى والخضر: نسبه إليه البيهقي.
١٠- المبدأ والمعاد: نسبه إليه الخوارزمي.
١١- مجالس مكتوبة: رآها البيهقي -وكانت المجالس لا تكتب إلا للأئمة نادرا.
١٢- مصارعة الفلاسفة، أو المصارعة والمضارعة: نسبه إليه صدر الدين الشيرازي.
١٣- مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار في تفسير القرآن: نسبه إليه البيهقي.
١٤- المناهج والآيات: نسبه إليه البيهقي وابن خلكان وأبو الفداء.
١٥- شبهان أرسطا طاليس وابن سينا ونقضها: ذكره الشهرستاني نفسه.
١٦- نهايات الأوهام: أشار إليه الشهرستاني في آخر كتابه نهاية الأقدام.
غير أنه مما يدعو إلى الأسف أن هذه الكتب لم تصل إلى أيدينا. ولم يطبع للشهرستاني إلا كتابان فقط هما:
١- نهاية الأقدام في علم الكلام.
٢- والكتاب الذي بين أيدينا "الملل والنحل"، وقد ألفه الشهرستاني بعد أن اكتملت مكانته العلمية، ومكنته سنه من التجربة والتعمق في الأمور وحسن الاستنتاج؛ حيث ألفه بعد سن الأربعين.
ويمتاز هذا الكتاب بالاستقصاء في البحث، والدقة في الموضوعات التي يتناولها. والشهرستاني معتدل في الأحكام التي يصدرها في هذا السفر، فلا يصدرها عن ميل أو هوى، فهو يقول في المقدمة الثانية منه: "وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على وحدته في كتبهم؛ من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم".
ومنهج الشهرستاني في هذا الكتاب يمتاز بالإحاطة التامة لموضوع البحث من جميع أطرافه.
[ ١ / ٦ ]
ولعلنا بعد ما قدمناه من أدلة على منزلة الشهرستاني العلمية نقول -ما قاله أستاذنا الكبير الدكتور محمد بن فتح الله بدران: "لعله قد آن لنا أن نقرر في يقين واطمئنان أن الشهرستاني أقام بمفرده مدرسة "فلسفية" للملل والنحل أو تاريخ الأديان".
ونسأل الله العلي القدير أن ينفع به كل طالب للمعرفة وباحث عن طريق الحق والهدى.
عبد العزيز الوكيل
[ ١ / ٧ ]
مقدمات المؤلف
مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمد الشاكرين بجميع محامده كلها؛ على جميع نعمائه كلها، حمدا كثيرا طيبا مباركا كما هو أهله. وصلى الله على محمد المصطفى رسول الرحمة خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين؛ صلاة دائمة بركتها إلى يوم الدين، كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنه حميد مجيد.
وبعد: فلما وفقني الله تعالى لمطالعة مقالات أهل العلم من أرباب الديانات والملل١، وأهل الأهواء والنحل٢، والوقوف على مصادرها ومواردها، واقتناص أوانسها٣ وشواردها٤، أردت أن أجمع ذلك في مختصر يحوي جميع ما تدين به المتدينون، وانتحله٥ المنتحلون؛ عبرة لمن استبصر، واستبصارا لمن اعتبر.
وقبل الخوض فيما هو الغرض لا بد من أن أقدم خمس مقدمات:
المقدمة الأولى: في بيان أقسام أهل العالم جملة مرسلة٦.
المقدمة الثانية: في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق٧ الإسلامية.
المقدمة الثالثة: في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة، ومن مصدرها، ومن مظهرها؟
_________________
(١) ١ الملل: جمع ملة وهي الدين. ٢ النحل: جمع نحلة بكسر النون وهي الدعوى. ٣ أوانس: جمع آنسة، وهي الشابة الجميلة الطيبة النفس، والمراد هنا المعلومات القيمة. ٤ شوارد: جمع شاردة وهي ما ند ونفر، والمراد المعلومات النادرة. ٥ انتحل الشيء: ادعاه لنفسه. ٦ مرسلة: مطلقة، غير مقيدة. ٧ الفرق: جمع فرقة بالكسرة، وهي في الأصل الجماعة من الناس وغيرهم.
[ ١ / ٩ ]
المقدمة الرابعة: في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية، وكيفية انشعابها١، ومن مصدرها، ومن مظهرها؟
المقدمة الخامسة: في بيان السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب.
_________________
(١) ١ انشعابها: انقسامها وتفرقها.
[ ١ / ١٠ ]
المقدمة الأولى:
في بيان تقسيم أهل العالم جملة مرسلة:
١- من الناس من قسم أهل العالم بحسب الأقاليم السبعة. وأعطى أهل كل إقليم حظه من اختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن١.
٢- ومنهم من قسمهم بحسب الأقطار الأربعة التي هي: الشرق، والغرب، والجنوب، والشمال. ووفر على كل قطر حقه من اختلاف الطبائع، وتباين الشرائع.
٣- ومنهم من قسمهم بحسب الأمم، فقال كبار الأمم أربع: العرب، والعجم، والروم، والهند، ثم زاوج٢ بين أمة وأمة؛ فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات٣ والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية. والروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات٤ والكميات٥، واستعمال الأمور الجسمانية.
٤- ومنهم من قسمهم بحسب الآراء والمذاهب. وذلك غرضنا في تأليف هذا الكتاب. وهم منقسمون بالقسمة الصحيحة الأولى إلى أهل الديانات والملل، وأهل الأهواء والنحل.
_________________
(١) ١ الألسن: جمع لسان والمراد هنا اللغات. ٢ زواج بين الأمرين: خالط بينهما وقارن. ٣ ماهية الشيء: أصله وحقيقته. ٤ الكيف: حالة الشيء وصفته. ٥ الكم: الكمية والمقدار.
[ ١ / ١٠ ]
فأرباب الديانات مطلقا مثل المجوس، واليهود، والنصارى، والمسلمين.
وأهل الأهواء والآراء مثل الفلاسفة، والدهرية١، والصابئة٢، وعبدة الكواكب والأوثان، والبراهمة٣.
ويفترق كل منهم فرقا. فأهل الأهواء ليست تنضبط مقالاتهم في عدد معلوم. وأهل الديانات قد انحصرت مذاهبهم بحكم الخبر الوارد فيها. فافترقت المجوس على سبعين فرقة واليهود على إحدى وسبعين فرقة. والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة. والمسلمون على ثلاث وسبعين فرقة. والناجية أبدا من الفرق واحدة، إذ الحق من القضيتين المتقابلتين في واحدة، ولا يجوز أن تكون قضيتان متناقضتان متقابلتان على شرائع التقابل، إلا وأن تقتسما الصدق والكذب. فيكون الحق في إحداهما دون الأخرى. ومن المحال الحكم على المتخاصمين المتضادين في أصول المعقولات بأنهما محقان صادقان. وإذا كان الحق في كل مسألة عقلية واحدا؛ فالحق في جميع المسائل يجب أن يكون مع فرقة واحدة وإنما عرفنا هذا بالسمع، وعنه أخبر التنزيل في قوله ﷿: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ٤ وأخبر النبي ﵇: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، والباقون هلكى. قيل: ومن الناجية؟ قال: أهل السنة والجماعة. قيل: وما السنة والجماعة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
وقال ﵇: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة" وقال ﵇: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
_________________
(١) ١ الدهري: بفتح الدال المهملة وتضم: القائل ببقاء الدهر، الذي لا يؤمن بالحياة الأخرى. ٢ الصابئة: قوم كانوا يعبدون النجوم، وأصل الفعل صبأ يعني خرج من دين إلى آخر. ٣ البراهمة: فرقة معينة، وهم في الأصل خدمة إله الهنود برهما. ٤ الأعراف آية ١٨١.
[ ١ / ١١ ]
المقدمة الثانية:
في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق الإسلامية:
اعلم أن لأصحاب المقالات طرقا في تعديد الفرق الإسلامية، لا على قانون مستند إلى أصل ونص، ولا على قاعدة مخبرة عن الوجود. فما وجدت مصنفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق.
ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما؛ في مسألة ما، عد صاحب مقالة. وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد. ويكون من انفرد بمسألة في أحكام الجواهر مثلا معدودا في عداد أصحاب المقالات. فلا بد إذن من ضابط في مسائل هي أصول وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر مقالة، ويعد صاحبه صاحب مقالة.
وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم استرسلوا١ في إيراد مذاهب الأمة كيف اتفق، وعلى الوجه الذي وجد، لا على قانون مستقر، وأصل مستمر. فاجتهدت على ما تيسر من التقدير، وتقدر من التيسير حتى حصرتها في أربع قواعد، هي الأصول الكبار.
القاعدة الأولى: الصفات والتوحيد فيها. وهي تشتمل على مسائل: الصفات الأزلية، إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة. وبيان صفات الذات، وصفات الفعل، وما يجب لله تعالى، وما يجوز عليه، وما يستحيل، وفيها الخلاف بين الأشعرية، والكرامية، والمجسمة والمعتزلة.
القاعدة الثانية: القدر والعدل فيه، وهي تشتمل على مسائل: القضاء، والقدر، والجبر والكسب، وإرادة الخير والشر، والمقدور، والمعلوم؛ إثباتا عند جماعة، ونفيا
_________________
(١) ١ استرسل في الكلام: بسطه.
[ ١ / ١٢ ]
عند جماعة. وفيها الخلاف بين: القدرية، والنجارية، والجبرية، والأشعرية، والكرامية.
القاعدة الثالثة: الوعد، والوعيد، والأسماء، والأحكام. وهي تشتمل على مسائل الإيمان، والتوبة، والوعيد، والإرجاء، والتكفير، والتضليل؛ إثباتا على وجه عند جماعة، ونفيا عند جماعة. وفيها الخلاف بين المرجئة، والوعيدية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرامية.
القاعدة الرابعة: السمع والعقل، والرسالة، والإمامة. وهي تشتمل على مسائل: التحسين، والتقبيح، والصلاح والأصلح، واللطف، والعصمة في النبوة. وشرائط الإمامة، نصا عند جماعة، وإجماعا عند جماعة. وكيفية انتقالها على مذهب من قال بالنص، وكيفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع. والخلاف فيها بين الشيعة، والخوارج، والمعتزلة والكرامية، والأشعرية.
فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمة الأمة بمقالة من هذه القاعدة، عددنا مقالته مذهبا وجماعته فرقة. وإن وجدنا واحدا انفرد بمسالة فلا نجعل مقالته مذهبا، وجماعته فرقة. بل نجعله مندرجا تحت واحد ممن وافق سواها مقالته. ورددنا باقي مقالاته إلى الفروع التي لا تعد مذهبا مفردا؛ فلا تذهب المقالات إلى غير النهاية. فإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف، تبينت أقسام الفرق الإسلامية، وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض.
كبار الفرق الإسلامية أربع
"١" القدرية. "٢" الصفاتية. "٣" الخوارج. "٤" الشيعة.
ثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة.
[ ١ / ١٣ ]
ولأصحاب كتب المقالات طريقان في الترتيب:
أحدهما: أنهم وضعوا المسائل أصولا. ثم أوردوا في كل مسألة مذهب طائفة طائفة وفرقة فرقة.
والثاني: أنهم وضعوا الرجال وأصحاب المقالات أصولا، ثم أوردوا مذاهبهم، في مسألة مسألة.
وترتيب هذا المختصر على الطريقة الأخيرة، لأني وجدتها أضبط للأقسام، وأليق بباب الحساب.
وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم؛ من غير تعصب١ لهم، ولا كسر عليهم٢؛ دون أن أبين صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله، وإن كان لا يخفى على الأفهام الذكية في مدارج٣ الدلائل العقلية لمحات الحق ونفحات الباطل، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ تعصب له: مال إليه وجد في نصرته. ٢ كسر عليه: غض منه وانصرف عنه. ٣ مدارج: جمع مدرج، وهو المذهب والمسلك.
[ ١ / ١٤ ]
المقدمة الثالثة:
في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة، ومن مصدرها في الأول ومن مظهرها في الآخر:
اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة: شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم ﵇ وهي الطين.
وانشعبت١ من هذه الشبهة سبع شبهات، وسارت في الخليقة، وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة٢ في شرح الأناجيل
_________________
(١) ١ انشعب: افترق وتباعد. ٢ مسطورة: مدونة مكتوبة.
[ ١ / ١٤ ]
الأربعة: إنجيل لوقا، ومارقوس، ويوحنا، ومتى، ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرات بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود، والامتناع منه.
قال كما نقل عنه؛ إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق، عالم قادر، ولا يسأل عن قدرته ومشيئته، وأنه مهما أراد شيئا قال له كن فيكون، وهو حكيم، إلا أنه يتوجه على مساق حكمته١ أسئلة، قالت الملائكة: ما هي؟ وكم هي؟ قال لعنه الله: سبعة.
الأول منها: أنه قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل مني، فلم خلقني أولا؟ وما الحكمة في خلقه إياي؟
والثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته؛ فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في هذا التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة، ولا يتضرر بمعصية؟
والثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي إياه؟
والرابع: إذ خلقني وكلفني على الإطلاق، وكلفني بهذا التكليف على الخصوص، فإذا لم أسجد لآدم، فلم لعنني وأخرجني من الجنة؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لم أرتكب قبيحا إلا قولي: لا أسجد إلا لك؟
والخامس: إذ خلقني وكلفني مطلقا، وخصوصا؛ فلم أطع فلعنني وطردني، فلم طرقني٢ إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي٣، فأكل من الشجرة المنهي عنها، وأخرجه من الجنة معي؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة لاستراح مني آدم، وبقي خالدا فيها؟
_________________
(١) ١ مساق حكمته: يقال "ساقه مساق غيره" عامله معاملة غيره. ٢ طرقني: جعل لي طريقا. والمراد أنت الذي جعلت لي الطريق إليه. ٣ الوسوسة: مرض يحدث من غلبة السوداء. ويختلط معه الذهن، وسوس الشيطان له حدثه بشر.
[ ١ / ١٥ ]
والسادس: إذ خلقني وكلفني عموما، وخصوصا، ولعنني، ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم؛ فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني، وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم، وقدرتهم واستطاعتهم؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يحتالهم١ عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين، كان أحرى بهم، وأليق بالحكمة؟
والسابع: سلمت هذا كله: خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا، وإذ لم أطع لعنني وطردني وإذ أردت دخول الجنة مكنني وطرقني، وإذ عملت عملي أخرجني ثم سلطني على بني آدم، فلم إذ استمهلته٢ أمهلني، فقلت: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣، ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ٤. وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح آدم والخلق مني وما بقي شر ما في العالم؟ أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر؟!
قال: فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة.
قال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة ﵈، قولوا له: إنك في تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي بلم، فأنا الله الذي لا إله إلا أنا، لا أسأل عما أفعل، والخلق مسئولون. وهذا الذي ذكرته مذكور في التوراة، ومسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته.
وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول: من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة وقعت لبني آدم؛ فإنما وقعت من إضلال الشيطان الرجيم٥ ووساوسه، ونشأت من
_________________
(١) ١ يحتالهم عنها: يحولهم عنها ويصرفهم. ٢ استمهلته: سألته المهلة. ٣ الأعراف آية ١٤. وأنظرني: أخرني. ٤ الحجر: آية ٣٧، ٣٨. ٥ الرجيم: الملعون المطرود من رحمته تعالى.
[ ١ / ١٦ ]
شبهاته. وإذا كانت الشبهات محصورة في سبع، عادت كبار البدع والضلالات إلى سبع. ولا يجوز أن تعدو شبهات فرق الزيغ والكفر والضلال هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات، وتباينت الطرق، فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور، وترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق، وإلى الجنوح١ إلى الهوى في مقابلة النص.
هذا، ومن جادل نوحا، وهودا، وصالحا، وإبراهيم، ولوطا، وشعيبا، وموسى، وعيسى، ومحمدا؛ صلوات الله عليهم أجمعين، كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاته. وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم، وجحد أصحاب الشرائع والتكاليف بأسرهم، إذ لا فرق بين قولهم ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٢ وبين قوله: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ٣ وعن هذا صار مفصل الخلاف، ومحز٤ الافتراق ما هو في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٥ فبين أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى، كما قال المتقدم في الأول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٦ وقال المتأخر من ذريته كما قال المتقدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ ٧ وكذلك لو تعقبنا أقوال المتقدمين منهم لوجدناها مطابقة لأقوال المتأخرين ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٨ ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ الجنوح: الميل والإقبال. ٢ التغابن آية ٦. ٣ الإسراء آية ٦٠. ٤ محز: أصل الحز القطع، والمحز آلة القطع. ٥ الإسراء آية ٩٤. ٦ الأعراف آية ١٢. ٧ الزخرف آية ٥٢. ٨ البقرة آية ١١٨. ٩ يونس آية ٧٤.
[ ١ / ١٧ ]
فاللعين الأول لما حكم العقل على من لا يحكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخلق في الخالق. والأول غلو١، والثاني تقصير.
فثار من الشبهة الأولى مذاهب: الحلولية، والتناسخية٢، والمشبهة، والغلاة من الروافض، حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف الإله.
وثار من الشبهة الثانية مذاهب: القدرية، والجبرية، والمجسمة، حيث قصروا في وصفه تعالى حتى وصفوه بصفات المخلوقين.
فالمعتزلة مشبهة الأفعال، والمشبهة حلولية الصفات، وكل واحد منهم أعور بأي عينيه شاء، فإن من قال: إنما يحسن منه ما يحسن منا، ويقبح منه ما يقبح منا، فقد شبه الخالق بالخلق؛ ومن قال: يوصف الباري تعالى بما يوصف به الخلق، أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري تعالى، فقد اعتزل عن الحق. وسنخ٣ القدرية طلب العلة في كل شيء، وذاك من سنخ اللعين الأول؛ إذ طلب العلة في الخلق أولا، والحكمة في التكليف ثانيا، والفائدة في تكليف السجود لآدم ﵇ ثالثا. وعنه نشأ مذهب الخوارج، إذ لا فرق بين قولهم: لا حكم إلا الله ولا نحكم الرجال، وبين قوله: لا أسجد إلا لك، ﴿أَأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ٤ وبالجملة "كلا طرفي قصد الأمور ذميم" فالمعتزلة غلوا في التوحيد بزعمهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات. والمشبهة قصروا حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام. والروافض غلوا في النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول. والخوارج قصروا حتى نفوا تحكيم الرجال.
وأنت ترى -إذا نظرت- أن هذه الشبهات كلها ناشئة من شبهات اللعين الأول،
_________________
(١) ١ الغلو: التشدد والتصلب حتى مجاوزة الحد. ٢ التناسخية: هم الذين يعتقدون أن النفس الناطقة تنتقل من بدن إلى آخر. ٣ السنخ: بالكسر؛ الأصل. ٤ الآية -قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون- الحجر آية ٣٣. مسنون: متغير.
[ ١ / ١٨ ]
وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الآخرة مظهرها. وإليه أشار التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١.
وشبه النبي ﷺ كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة، فقال: "القدرية مجوس هذه الأمة" وقال: "المشبهة يهود هذه الأمة، والروافض نصاراها" وقال ﵊ جملة: "لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة ٢، والنعل بالنعل، حتى لو دخلو جحر ضب لدخلتموه".
_________________
(١) ١ البقرة آية ١٦٨. ٢ القذة؛ بالضم، ريش السهم. وتجمع على قذذ.
[ ١ / ١٩ ]
المقدمة الرابعة:
في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية، وكيفية انشعابها، ومن مصدرها، ومن مظهرها:
وكما قررنا أن الشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان، كذلك يمكن أن نقرر في زمان كل نبي ودور صاحب كل ملة وشريعة: أن شبهات أمته في آخر زمانه؛ ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين وأكثرها من المنافقين. وإن خفي علينا ذلك في الأمم السالفة لتمادى الزمان، فلم يخف في هذه الأمة أن شبهاتها نشأت كلها من شبهات منافقي زمن النبي ﵇، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى، وسألوا عما منعوا من الخوض فيه، والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه.
اعتبر حديث ذي الخويصرة التميمي إذ قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، حتى قال ﵊: "إن لم أعدل فمن يعدل؟ " فعاود اللعين وقال:
[ ١ / ١٩ ]
"هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى". وذلك خروج صريح على النبي ﵊، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا، فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجيا. أو ليس ذلك قولا بتحسين العقل وتقبيحه؟ وحكما بالهوى في مقابلة النص، واستكبارا على الأمر بقياس العقل؟ حتى قال ﵊: "سيخرج من ضئضئ ١ هذا الرجل قوم يمرقون ٢ من الدين كما يمرق السهم من الرمية " الخبر بتمامه.
واعتبر حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد إذ قالوا: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ وقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٤ وقولهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ٥ فهل ذلك إلا تصريح بالقدر؟ وقول طائفة من المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦ وقول طائفة: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ ٧ فهل هذا إلا تصريح بالجبر؟
واعتبر حال طائفة أخرى حيث جادلوا في ذات الله، تفكرا في جلاله، وتصرفا في أفعاله حتى منعهم وخوفهم بقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ٨ فهذا ما كان في زمانه ﵊ وهو على شوكته وقوته وصحة بدنه. والمنافقون يخادعون فيظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وإنما يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع.
وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه ﵊ وبعد وفاته بين الصحابة ﵃، فهي اختلافات اجتهادية كما قيل، كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين.
_________________
(١) ١ الضئضئ: الجنس، والأصل، والمحتد، يقال: فلان من ضئضئ صدق: أي من محتد صدق. ٢ يمرق من الدين: يخرج منه. ٣، ٤، ٥ آل عمران آية ١٥٤، ١٥٦. ٦ النحل آية ٣٥. ٧ يس آية ٤٧. ٨ الرعد آية ١٣، ومعنى المحال القوة والأخذ.
[ ١ / ٢٠ ]
فأول تنازع وقع في مرضه ﵊ فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس ﵁، قال: "لما اشتد بالنبي ﷺ مرضه الذي مات فيه قال: "ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي" فقال عمر ﵁: "إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله" وكثر اللغط١، فقال النبي ﷺ: "قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع" قال ابن عباس: "الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله ﷺ".
الخلاف الثاني: في مرضه أنه قال: "جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه" فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتد مرض النبي ﵊ فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.
وإنما أوردت هذين التنازعين، لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين، وليس كذلك. وإنما كان الغرض كله: إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين نائرة٢ الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور.
الخلاف الثالث: في موته ﵇، قال عمر بن الخطاب: من قال: إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا؛ وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى ﵇، وقال أبو بكر بن أبي قحافة ﵁: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد إله
_________________
(١) ١ اللغط: الصوت المبهم والجلبة. ٢ نائرة الفتنة: نأرت في الناس نائرة، هاجت هائجة.
[ ١ / ٢١ ]
محمد فإن إله محمد حي لم يمت ولن يموت، وقرأ قول الله ﷾: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ١ فرجع القوم إلى قوله؛ وقال عمر ﵁: "كأني ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر".
الخلاف الرابع: في موضع دفنه ﵇، أراد أهل مكة من المهاجرين رده إلى مكة لأنها مسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطئ قدمه، وموطن أهله، وموقع رحله؛ وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته، ومدار نصرته؛ وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء، ومنه معراجه إلى السماء. ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة لما روى عنه ﵊: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون".
الخلاف الخامس: في الإمامة، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان. وقد سهل الله تعالى ذلك في الصدر الأول، فاختلف المهاجرون والأنصار فيها، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، فاستدركه أبو بكر وعمر ﵄ في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة، وقال عمر: كنت أزور٢ في نفسي كلاما في الطريق، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر: مه٣ يا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة،
_________________
(١) ١ آل عمران آية ١٤٤. ٢ أزور كلاما: أحسن كلاما وأقومه وأنمقه. ٣ مه: اكفف.
[ ١ / ٢٢ ]
إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة١ وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة٢ يجب أن يقتلا.
وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبي ﵇: "الأئمة من قريش" وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة، ثم لما عاد إلى المسجد انثال٣ الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أمية. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ كان مشغولا بما أمره النبي ﷺ من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة.
الخلاف السادس: في أمر فدك٤ والتوارث عن النبي ﵇، ودعوى فاطمة ﵍ وراثة تارة، وتمليكا أخرى، حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة".
الخلاف السابع:
في قتال مانعي الزكاة، فقال قوم: لا نقاتلهم قتال الكفرة.
وقال قوم: بل نقاتلهم، حتى قال أبو بكر ﵁: لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، ومضى بنفسه إلى قتالهم، ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم. وقد أدى اجتهاد عمر ﵁ في أيام خلافته إلى رد السبايا والأموال إليهم، وإطلاق المحبوسين منهم، والإفراج عن أسراهم.
_________________
(١) ١ فلتة: دون تدبر وتمهل. ٢ تغرة: غرر بنفسه تغريرا، وتغرة: عرضها للهلاك. ٣ انثال عليه الناس: انصبوا عليه وتكاثروا حوله. ٤ فدك: قرية شمال المدينة، كانت لليهود، ولما انهزم يهود خيبر خشي يهود فدك على أنفسهم فسلموا قريتهم للنبي ﵇ دون قتال فكانت خالصة له ينفق منها على نفسه، وعلى بعض المحتاجين من بني هاشم.
[ ١ / ٢٣ ]
الخلاف الثامن: في تنصيص١ أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة، فمن الناس من قال: قد وليت علينا فظا غليظا، وارتفع الخلاف بقول أبي بكر: لو سألني ربي يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم.
وقد وقع في زمانه اختلافات كثيرة في مسائل ميراث الجد، والإخوة، والكلالة٢، وفي عقل٣ الأصابع، وديات الأسنان، وحدود بعض الجرائم التي لم يرد فيها نص، وإنما أهم أمورهم: الاشتغال بقتال الروم، وغزو العجم. وفتح الله تعالى الفتوح على المسلمين، وكثرت السبايا والغنائم، وكانوا كلهم يصدرون عن رأي عمر ﵁، وانتشرت الدعوة، وظهرت الكلمة، ودانت العرب، ولانت العجم.
الخلاف التاسع: في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها. واتفقوا كلهم على بيعة عثمان ﵁، وانتظم الأمر واستمرت الدعوة في زمانه، وكثرت الفتوح، وامتلأ بيت المال، وعاشر الخلق على أحسن خلق، وعاملهم بأبسط يد، غير ان أقاربه من بني أمية قد ركبوا نهابر٤ فركبته، وجاروا فجير عليه، ووقعت في زمانه اختلافات كثيرة وأخذوا عليه أحداثا كلها محالة٥ على بني أمية.
منها: رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله ﷺ وكان يسمى طريد رسول الله؛ وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر ﵄ أيام خلافتهما فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا.
_________________
(١) ١ انظر كلام أبي بكر في هذا الموضوع، جـ١ ص٨ من الكامل للمبرد، ط مصطفى الحلبي. ٢ من عدا الولد والوالد من الورثة، أو: من مات ولا والد له ولا ولد. ٣ العقل: ما يدفع للمجني عليه كتعويض لما أصابه. ٤ نهابر: مهالك، جمع نهبورة بضم النون فيهما. ٥ محالة: محولة، أي محمولة ومنسوبة.
[ ١ / ٢٤ ]
ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة١، وتزويجه مروان بن الحكم بنته، وتسليمه خمس غنائم أفريقية له وقد بلغت مائتي ألف دينار.
ومنها: إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان رضيعه بعد أن أهدر النبي ﵊ دمه، وتوليته إياه مصر بأعمالها، وتوليته عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث. إلى غير ذلك مما نقموا عليه، وكان أمراء جنوده: معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر. وكلهم خذلوه ورفضوا حتى أتى قدره عليه، وقتل مظلوما في داره، وثارت الفتنة من الظلم الذي جرى عليه، ولم تسكن بعد.
الخلاف العاشر: في زمان أمير المؤمنين علي ﵁ بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له. فأوله: خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه. ويعرف ذلك بحرب الجمل. والحق أنهما رجعا وتابا، إذ ذكرهما أمرا فتذكراه. فأما الزبير فقتله ابن جرموز بقوس وقت الانصراف، وهو في النار لقول النبي ﷺ: "بشر قاتل ابن صفية بالنار". وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض٢ فخر ميتا. وأما عائشة ﵂ فكانت محمولة على ما فعلت، ثم تابت بعد ذلك ورجعت. والخلاف بينه وبين معاوية، وحرب صفين، ومخالفة الخوارج، وحمله على التحكيم، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وبقاء الخلاف إلى وقت وفاته مشهور. وكذلك الخلاف بينه وبين الشراة٣
_________________
(١) ١ الربذة: من قرى المدينة. ٢ وقت الإعراض: وقت أن أعرض عن القتال، أي كف واعتزل الحرب. ٣ الشراة: الخوارج، الواحد شار؛ سموا بذلك لقولهم شرينا أنفسنا في طاعة الله، فهو من شرى يشري كرمى يرمي، فهو شار وجمعه شراة بخلاف شرى كفرح، فإن اسم فاعله شر، وهو لا يجمع على شراة. قيل: ويجوز أن يكون من المشاراة أي المجادلة.
[ ١ / ٢٥ ]
المارقين بالنهروان١ عقدا وقولا، ونصب القتال معه فعلا ظاهرا معروف، وبالجملة كان علي ﵁ مع الحق، والحق معه. وظهر في زمانه الخوارج٢ عليه مثل الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم. وكذلك ظهر في زمانه الغلاة في حقه مثل عبد الله بن سبإ وجماعة معه. ومن الفريقين ابتدأت البدعة والضلالة، وصدق فيه قول النبي ﷺ: "يهلك فيه اثنان: محب غال ومبغض قال".
وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين: أحدهما الاختلاف في الإمامة. والثاني: الاختلاف في الأصول.
والاختلاف في الإمامة على وجهين:
أحدهما: القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار.
والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين.
فمن قال إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار؛ قال بإمامة كل من اتفقت عليه الأمة، أو جماعة معتبرة من الأمة: إما مطلقا، وإما بشرط أن يكون قرشيا؛ على مذهب قوم. وبشرط أن يكون هاشميا؛ على مذهب قوم. إلى شرائط أخرى كما سيأتي.
ومن قال بالأول، قال بإمامة معاوية وأولاده، وببعدهم بخلافة مروان وأولاده.
والخوارج اجتمعوا في كل زمان على واحد منهم بشرط أن يبقى على مقتضى اعتقادهم، ويجري على سنن العدل في معاملاتهم، وإلا خذلوه وخلعوه، وربما قتلوه.
ومن قالوا إن الإمامة تثبت بالنص، اختلفوا بعد علي ﵁، فمنهم من قال
_________________
(١) ١ النهروان: بفتح النون وتثليث الراء، وبضمها: عدة قرى بين واسط وبغداد بالعراق. ٢ سيأتي الكلام على الخوارج في موضعه.
[ ١ / ٢٦ ]
إنه نص على ابنه محمد بن الحنفية، وهؤلاء هم الكيسانية، ثم اختلفوا بعده، فمنهم من قال إنه لم يمت، ويرجع فيملأ الأرض عدلا، ومنهم من قال إنه مات، وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه أبي هاشم، وافترق هؤلاء، فمنهم من قال الإمامة بقيت في عقبه وصية بعد وصية، ومنهم من قال إنها انتقلت إلى غيره، واختلفوا في ذلك الغير، فمنهم من قال هو بنان بن سمعان النهدي، ومنهم من قال هو علي بن عبد الله بن عباس، ومنهم من قال هو عبد الله بن حرب الكندي، ومنهم من قال هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء كلهم يقولون إن الدين طاعة رجل، ويتأولون أحكام الشرع كلها على شخص معين كما ستأتي مذاهبهم.
وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية فقال بالنص على الحسن والحسين ﵄، وقال: لا إمامة في الأخوين إلا الحسن والحسين ﵄. ثم اختلفوا، فمنهم من أجرى الإمامة في أولاد الحسن، فقال بعده بإمامة ابنه الحسن، ثم ابنه عبد الله، ثم ابنه محمد، ثم أخيه إبراهيم الإمامين، وقد خرجا في أيام المنصور فقتلا في أيامه. ومن هؤلاء من يقول برجعة محمد الإمام، ومنهم من أجرى الوصية في أولاد الحسين وقال بعده بإمامة ابنه علي بن الحسين زيد العابدين نصا عليه. ثم اختلفوا بعده، فقالت الزيدية بإمامة ابنه زيد. ومذهبهم: أن كل فاطمي خرج، وهو عالم، زاهد، شجاع، سخي، كان إماما واجب الاتباع، وجوزوا رجوع الإمامة إلى أولاد الحسن. ثم منهم من وقف وقال بالرجعة، ومنهم من ساق وقال بإمامة كل من هذا حاله في كل زمان، وسيأتي فيما بعد تفصيل مذاهبهم.
وأما الإمامية فقالوا بإمامة محمد بن علي الباقر نصا عليه، ثم بإمامة جعفر بن محمد الصادق وصية إليه، ثم اختلفوا بعده في أولاده: من المنصوص عليه؟ وهم خمسة: محمد، وإسماعيل، وعبد الله، وموسى، وعلي. فمنهم من قال بإمامة محمد وهم العمارية، ومنهم من قال بإمامة إسماعيل وأنكر موته في حياة أبيه وهم المباركية، ومن هؤلاء من
[ ١ / ٢٧ ]
وقف عليه وقال برجعته، ومنهم من ساق الإمامة في أولاده نصا بعد نص إلى يومنا هذا، وهم الإسماعيلية، ومنهم من قال بإمامة عبد الله الأفطح، وقال برجعته بعد موته لأنه مات ولم يعقب١، ومنهم من قال بإمامة موسى نصا عليه إذ قال والده: سابعكم قائمكم، إلا وهو سمي صاحب التوراة. ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من اقتصر عليه وقال برجعته؛ إذ قال لم يمت هو، ومنهم من توقف في موته وهم الممطورة، ومنهم من قطع بموته، وساق الإمامة إلى ابنه علي بن موسى الرضا، وهم القطعية. ثم هؤلاء اختلفوا في كل ولد بعده، فالاثنا عشرية ساقوا الإمامة من على الرضا إلى ابنه محمد، ثم إلى ابنه علي، ثم إلى ابنه الحسن، ثم إلى ابنه محمد القائم المنتظر الثاني عشر، وقالوا: هو حي لم يمت، ويرجع فيملأ الدنيا عدلا، كما ملئت جورا. وغيرهم ساقوا الإمامة إلى الحسن العسكري، ثم قالوا بإمامة أخيه جعفر، وقالوا بالتوقف عليه، أو قالوا بالشك في حال محمد، ولهم خبط٢ طويل في سوق الإمامة، والتوقف، والقول بالرجعة بعد الموت، والقول بالغيبة، ثم بالرجعة بعد الغيبة.
فهذه جملة الاختلافات في الإمامة، وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر المذاهب.
وأما الاختلافات في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال، وكان تلميذ الحسن البصري، وتلمذ له عمرو بن عبيد، وزاد عليه في مسائل القدر، وكان عمرو من دعاة يزيد الناقص أيام بني أمية، ثم والي المنصور وقال بإمامته، ومدحه المنصور يوما فقال: نثرت الحب للناس فلقطوا غير عمرو بن عبيد.
والوعيدية من الخوارج، والمرجئة من الجبرية.
والقدرية ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه
_________________
(١) ١ لم يعقب: لم يترك ولدا. ٢ حقيقة الخبط: الضرب على غير اتساق.
[ ١ / ٢٨ ]
بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين. فسمي هو وأصحابه معتزلة. وقد تلمذ له زيد بن علي وأخذ الأصول فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة. ومن رفض زيد بن علي لأنه خالف مذهب آبائه في الأصول، وفي التبري والتولي؛ وهم من أهل الكوفة؛ وكانوا جماعة، سموا رافضة. ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حيث نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام. وأفردتها فنا من فنون العلم، وسمتها باسم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتاقتلوا عليها، هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان.
وكان أبو الهذيل العلاف شيخهم الأكبر؛ وافق الفلاسفة في أن الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، وكذلك قادر بقدرة، وقدرته ذاته، وأبدع بدعا في الكلام، والإرادة، وأفعال العباد، والقول بالقدر، والآجال، والأرزاق، كما سيأتي في حكاية مذهبه، وجرت بينه وبين هشام بن الحكم مناظرات في أحكام التشبيه، وأبو يعقوب الشحام والآدمي صاحبا أبي الهذيل وافقاه في ذلك كله.
ثم إبراهيم بن سيار النظام في أيام المعتصم كان قد غلا في تقرير مذاهب الفلاسفة وانفرد عن السلف ببدع في القدر والرفض، وعن أصحابه بمسائل نذكرها، ومن أصحابه محمد بن شبيب، وأبو شمر، وموسى بن عمران، والفضل الحدثي، وأحمد بن خابط، ووافقه الأسواري في جميع ما ذهب غليه من البدع، وكذلك الإسكافية أصحاب أبي جعفر الإسكافي، والجعفرية أصحاب الجعفر بن جفعر بن مبشر، وجعفر بن حرب.
ثم ظهرت بدع بشر بن المعتمر؛ من القول بالتولد والإفراط فيه والميل إلى الطبيعيين من الفلاسفة، والقول بأن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، وإذا فعل ذلك فهو ظالم، إلى غير ذلك مما تفرد به عن أصحابه.
[ ١ / ٢٩ ]
وتلمد ذله أبو موسى المردار راهب المعتزلة، وانفرد عنه بإبطال إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة، وفي أيامه جرت أكثر التشديدات على السلف لقلوهم بقدم القرآن، وتلمذ له الجعفران، وأبو زفر، ومحمد بن سويد صاحبا المردار، وأبو جعفر الإسكافي، وعيسى بن الهيثم صاحبا جعفر بن حرب الأشج.
وممن بالغ في القول بالقدر: هشام بن عمرو الفوطي، والأصم من أصحابه، وقدحا في إمامة علي ﵁ بقولهما: إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم. والفوطي والأصم اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالما بالأشياء قبل كونها، ومنعا كون المعدوم شيئا.
وأبو الحسين الخياط، وأحمد بن علي الشطوي صحبا عيسى الصوفي، ثم لزما أبا مجالد.
وتلمذ الكعبي لابي الحسين الخياط، ومذهبه بعينه مذهبه، وأما معمر بن عباد السلمي، وثمامة بن أشرس النميري، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، فكانوا في زمان واحد متقاربين في الرأي والاعتقاد، منفردين عن أصحابهم بمسائل نذكرها في موضعها. والمتأخرون منهم أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري؛ قد لخصوا طرق أصحابهم، وانفردوا عنهم بمسائل ستأتي.
أما رونق الكلام فابتداؤه من الخلفاء العباسيين: هارون، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل؛ وانتهاؤه من الصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة.
وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين، مثل ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، والحسين النجار، ومن المتأخرين خالفوا الشيوخ في مسائل، ونبغ منهم جهم بن صفوان في أيام نصر بن سيار، وأظهر بدعته في الجبر بترمذ١، وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو٢.
_________________
(١) ١ ترمذ: قرية ببخارى. ٢ مرو: بلد بفارس.
[ ١ / ٣٠ ]
وكانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان اختلافات في الصفات، وكان السلف يناظرونهم عليها، لا على قانون كلامي، بل على قول إقناعي، ويسمون الصفاتية، فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته، ومن مشبه صفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة، ويناظرون المعتزلة في قدم العالم على قول ظاهر وكان عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبو العباسيي القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي أشبههم إتقانا، وأمتنهم كلاما، وجرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وبين أستاذه أبي علي الجبائي في بعض مسائل التحسين والتقبيح، فألزم الأشعري أستاذه أمورلم يخرج عنها بجواب فأعرض عنه وانحاز إلى طائفة السلف ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية؛ فصار ذلك مذهبا منفردا، وقرر طريقته جماعة من المحققين مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، والأستاذ أبي بكر بن فورك، وليس بينهم كثير اختلاف.
ونبغ رجل متنمس١ بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد الله محمد بن كرام، قليل العلم، قد قمش٢ من كل مذهب ضغثا٣ وأثبته في كتابه. وروجه على أغتام٤ غرجة، وغور، وسواد بلاد خراسان، فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهبا، وقد نصره محمود بن سبكتكين السلطان، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم، وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج، وهم مجسمة، وحاش غير محمد بن الهيصم فإنه مقارب.
_________________
(١) ١ متستر. ٢ قمش من كل مذهب: أخذ رذالته. ٣ الضغث: الباطل، والكلام المخلط الفاسد. ٤ الذين لا يفصحون.
[ ١ / ٣١ ]
المقدمة الخامسة:
في السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب وفيها إشارة إلى مناهج الحساب:
لما كان مبنى الحساب على الحصر والاختصار، وكان غرضي من تأليف هذا الكتاب حصر المذاهب مع الاختصار؛ اخترت طريق الاستيفاء ترتيبا، وقدرت أغراضي على مناهجه تقسيما وتبويبا. وأردت أن أبين كيفية طرق هذا العلم وكمية أقسامه؛ لئلا يظن بي أني من حيث أنا فقيه ومتكلم، أجنبي النظر في مسالكه ومراسمه، أعجمي القلم بمداركه ومعالمه، فآثرت من طرق الحساب أحكامها وأحسنها، وأقمت عليه من حجج البرهان أوضحها وامتنها، وقدرتها على علم العدد، وكان الواضع الأول منه استمداد المدد، فأقول: مراتب الحساب تبتدئ من واحد، وتنتهي إلى سبع، ولا تجاوزها ألبتة.
المرتبة الأولى: صدر الحساب وهو الموصوع الأول الذي يرد عليه التقسيم الأول، وهو فرد لا زوج له باعتبار، وجملة يقبل التقسيم والتفصيل باعتبار، فمن حيث إنه فرد فهو لا يستدعي أختا تساويه في الصورة والمدة، ومن حيث هو جملة فهو قابل للتفصيل حتى ينقسم إلى قسمين، وصورة المدة يجب أن تكون من الطرف إلى الطرف، ويكتب تحتها حشوا، مجملات التفاصيل، ومرسلات التقدير والتقرير، والنقل والتحويل، وكليات وجوه المجموع، وحكايات الإلحاق والموضوع، ويكتب تحتها بارزا من الطرف الأيسر كميات مبالغ المجموع.
المرتبة الثانية منها: الأصل، وشكلها محقق، وهو التقسيم الأول الذي ورد على المجموع الأول، وهو زوج ليس بفرد. ويجب حصره في قسمين لا يعدوان إلى ثالث.
[ ١ / ٣٢ ]
وصورة المدة يجب أن تكون أقصر من الصدر بقليل، إذ الجزء أقل من الكل. ويكتب تحتها حشوا ما يخصها من التوجيه، والتنويع، والتفصيل، ولها أخت تساويها في المدة وإن لم يجب أن تساويها في المقدار.
المرتبة الثالثة من ذلك: الأصل، وشكله محقق أيضا، وهو التقسيم الثاني الذي ورد على الموضوع الأول والثاني. وذلك لا يجوز أن ينقص عن قسمين. ولا يجوز أن يزيد على أربعة أقسام، ومن جاوز من أهل الصنعة فقد أخطأ، وما علم وضع الحساب. وسنذكر السبب فيه. وصورته ومدته أقصر من مدة منها الأصل بقليل، وكذلك يكتب تحتها ما يليق بها حشوا وبارزا.
المرتبة الرابعة منها: المطموس. وشكلها هكذا "ط" وذكل يجوز أن يجاوز الأربعة، وأحسن الطرق أن يقتصر على الأقل ومدتها أقصر مما مضى.
المرتبة الخامسة من ذلك: الصغير، وشكله هكذا "ص" وذلك يجوز إلى حيث ينتهي التقسيم والتبويب، والمدة أقصر مما مضى.
المرتبة السادسة منها: المعوج، وشكله هكذا "،" وذلك أيضا يجوز غلى حيث ينتهي التفصيل.
المرتبة السابعة، من ذلك: المعقد، وشكله هكذا "للـ" ولكن يمد من الطرف إلى الطرف، لا على أنه صدر الحساب، بل من حيث إنه النهاية التي تشاكل البداية.
[ ١ / ٣٣ ]
فهذه كيفية صور الحساب نقشا، وكمية أبوابها جملة، ولكل قسم من الأبواب أخت تقابله، وزوج يساويه في المدة ولا يجوز إغفال ذلك بحال، والحساب تاريخ وتوجيه.
والآن نذكر كمية هذه الصور، وانحصار الأقسام في سبع، ولم صار العدد الأول فردا لا زوج له في الصورة؟ ولم انحصر منها الأصل في قسمين لا يعدوان إلى ثالث؟ ولم انحصر من ذلك الأصل في اربعة أقسام؟ ولم خرجت الأقسام الأخر عن الحصر؟
فأقول: إن العقلاء الذين تكلموا في علم العدد والحساب اختلفوا في الواحد: أهو من العدد، أم هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد؟ وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراك لفظ الواحد. فالواحد يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد؛ فإن الاثنين لا معنى لها إلا واحد مكرر أول تكرير، وكذلك الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد، أي هو علته ولا يدخل في العدد، أي لا يتركب منه العدد، وقد تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب منها، بل كل موجود فهو في جنسه أو نوعه، أو شخصه واحد. يقال: إنسان واحد، وشخص واحد، وفي العدد كذلك، فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة. فالواحدية بالمعنى الأول داخلة في العدد، وبالمعنى الثاني علة للعدد، وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد، وليس من الأقسام الثلاثة قسم يطلق على الباري تعالى معناه، فهو واحد لا كالآحاد: أي هذه الوحدات، والكثرة منه وجدت، ويستحيل عليه الانقسام بوجه من وجوه القسمة.
وأكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد، فالعدد مصدره الأول اثنان، وهو ينقسم إلى زوج وفرد. فالفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، وما وراء الأربعة فهو مكرر كالخمسة فإنها مركبة من عدد وفرد، وتسمى العدد الدائر؛ والستة مركبة من فردين وتسمى العدد التام، والسبعة مركبة من فرد وزوج، وتسمى العدد الكامل؛ والثمانية مركبة من زوجين وهي بداية أخرى، وليس ذلك من غرضنا.
[ ١ / ٣٤ ]
فصدر الحساب في مقابة الواحد الذي هو علة العدد، وليس يدخل فيه. ولذلك هو فرد لا أخت له. ولما كان العدد مصدره من اثنين، صار منها المحقق محصورا في قسمين. ولما كان العدد منقسما إلى فرد وزوج، صار من ذلك الأصل محصورا في أربعة. فإن الفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة وهي النهاية، وما عداها مركب منها فكان البسائط العامة الكلية في العدد: واحد، واثنان، وثلاثة، وأربعة وهي الكمال. وما زاد عليها فمركبات كلها ولا حصر لها، فلذلك لا تنحصر الأبواب الأخر في عدد معلوم، بل تتناهي بما ينتهي به الحساب، ثم تركيب العدد على المعدود، وتقدير البسيط على المركب فمن علم آخر. وسنذكر ذلك عند ذكرنا مذاهب قدماء الفلاسفة.
فإذا نجزت المقدمات على أوفى تقرير وأحسن تحرير، شرعنا في ذكر مقالات أهل العالم من لدن آدم ﵇ إلى يومنا هذا، لعله لا يشذ من أقسامها مذهب.
ونكتب تحت كل باب وقسم ما يليق به ذكرا، حتى يعرف لم وضع ذلك اللفظ لذلك الباب. ونكتب تحت ذكر الفرقة المذكورة ما يعم أصنافها مذهبا واعتقادا، وتحت كل صنف ما خصه وانفرد به عن أصحابه.
ونستوفي أقسام الفرق الإسلامية ثلاثا وسبعين فرقة، ونقتصر في أقسام الفرق الخارجية عن الملة الحنيفية على ما هو أشهر وأعرف أصلا وقاعدة، فنقدم ما هو أولى بالتقديم، ونؤخر ما هو أجدر بالتأخير.
وشرط الصناعة الحسابية أن يكتب بإزاء المحدود من الخطوط ما يكتب حشوا، وشرط الصناعة الكتابية أن تترك الحواشي على الرسم المعهود عفوا. فراعيت شرط الصناعتين، ومددت الأبواب على شرط الحساب، وتركت الحواشي على رسم الكتاب، وبالله أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١ / ٣٥ ]
مذاهب أهل العلم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل:
من الفرق الإسلامية وغيرهم ممن له كتاب منزل محقق، مثل: اليهود، والنصارى، وممن له شبهة كتاب مثل: المجوس والمانوية، وممن له حدود وأحكام دون كتاب مثل: الفلاسفة الأولى، والدهرية، وعبدة الكواكب والأوثان، والبراهمة. نذكر أربابها وأصحابها، وننقل مآخذها ومصادرها عن كتب طائفة طائفة؛ على موجب اصطلاحاتها بعد الوقوف على مناهجها، والفحص الشديد عن مبادئها وعواقبها.
ثم إن التقسيم الصحيح الدائر بين النفي والإثبات هو قولنا: إن أهل العالم انقسموا من حيث المذاهب إلى: أهل الديانات، وإلى أهل الأهواء. فإن الإنسان إذا اعتقد عقدا، أو قال قولا، فإما أن يكون فيه مستفيدا من غيره، وإما مستبدا برايه. فالمستفيد من غيره مسلم مطيع، والدين هو الطاعة، والمسلم المطيع هو المتدين، والمستبد برأيه محدث مبتدع؛ وفي الخبر عن النبي ﵇: "ما شقي امرؤ عن مشورة، ولا سعد باستبداد برأي" وربما يكون المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا، بأن كان أبواه أو معلمه على اعتقاد باطل فيتقلده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله، وصواب القول فيه وخطئه؛ فحينئذ لا يكون مستفيدا، لأنه ما حصل على فائدة وعلم، ولا اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١ شرط عظيم فليعتبر.
وربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن يعلم موضع الاستنباط.
_________________
(١) ١ الزخرف آية ٨٦.
[ ١ / ٣٦ ]
وكيفيته، فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة، لأنه حصل العلم بقوة تلك الفائدة: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ١ ركن عظيم، فلا تغفل.
فالمستبدون بالرأي مطلقًا هم المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة، والصابئة، والبراهمة، وهم لا يقولون بشرائع وأحكام أمرية، بل يضعون حدودًا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها.
والمستفيدون هم القائلون بالنبوات.
ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود العقلية، ولا ينعكس.
_________________
(١) ١ النساء آية ٨٣.
[ ١ / ٣٧ ]
تمهيد:
أرباب الديانات والملل من المسلمين، وأهل الكتاب، وممن له شبهة كتاب:
نتكلم ههنا في معنى الدين، والملة، والشرعة، والمنهاج والإسلام، والحنيفية، والسنة، والجماعة، فإنها عبارات وردت في التنزيل، ولكن واحدة منها معنى يخصها، وحقيقة توافقها لغة واصطلاحا. وقد بينا معنى الدين أنه الطاعة والانقياد. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ١ وقد يرد بمعنى الجزاء، يقال: "كما تدين تدان"، أي كما تفعل تجازى. وقد يرد بمعنى الحساب يوم المعاد والتناد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾ ٢ فالمتدين هو المسلم المطيع المقر بالجزاء والحساب يوم التناد والمعاد، قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ آل عمران آية ١٩. ٢ التوبة آية ٣٦. ٣ المائدة آية ٣.
[ ١ / ٣٧ ]
ولما كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه، والاستعداد لمعاده؛ وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو أهله، ويحصل بالتعاون ما ليس له؛ فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة، والطريق الخاص الذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج، والشرعة، والسنة: والاتفاق على تلك السنة هي الجماعة. قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١.
ولن يتصور وضع الملة، وشرع الشرعة إلا بواضع شارع يكون مخصوصا من عند الله بآيات تدل على صدقه، وربما تكون الآية مضمنة في نفس الدعوى، وقد تكون ملازمة وربما تكون متأخرة.
ثم اعلم أن الملة الكبرى هي ملة إبراهيم الخليل ﵇، وهي الحنيفية التي تقابل الصبوة٢ تقابل التضاد، وسنذكر كيفية ذلك إن شاء الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣.
والشريعة ابتدأت من نوح ﵇. قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٤ والحدود والأحكام ابتدأت من آدم، وشيث، وإدريس ﵈، وختمت الشرائع والملل والمناهج والسنن بأكملها وأتمها حسنا وجمالا بمحمد ﵇. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٥.
وقد قيل: خص آدم بالأسماء، وخص نوح بمعاني تلك الأسماء، وخص إبراهيم
_________________
(١) ١ المائدة آية ٤٨. ٢ الصبوة: المراد بها هنا الميل عن الحق. ٣ الحج آية ٧٨. ٤ الشورى آية ١٣. ٥ المائدة آية ٣.
[ ١ / ٣٨ ]
بالجمع بينهما، ثم خص موسى بالتنزيل، وخص عيسى بالتأويل، وخص المصطفى، صلوات الله عليهم أجمعين، بالجمع بينهما على ملة أبيكم إبراهيم.
ثم كيفية التقرير الأول، والتكميل بالتقرير الثاني بحيث يكون مصدقا كل واحد ما بين يديه من الشرائع الماضية، والسنن السالفة؛ تقديرا للأمر على الخلق، وتوفيقا للدين على الفطرة. فمن خاصية النبوة: لا يشاركهم فيها غيرهم، وقد قيل: إن الله ﷿ أسس دينه على مثال خلقه ليستدل بخلقه على دينه، وبدينه على خلقه.
[ ١ / ٣٩ ]
الباب الأول: المسلمون
مدخل
الباب الأول: المسلمون
١- قد ذكرنا معنى الإسلام، ونفرق ههنا بينه وبين الإيمان والإحسان، ونبين ما المبدأ، وما الوسط، وما الكمال بالخبر المعروف في دعوة جبريل ﵇ حيث جاء على صورة أعرابي وجلس حتى ألصق ركبته بركبة النبي صلى الله وسلم، وقال: "يا رسول الله، ما الإسلام؟ فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا". قال: صدقت. ثم قال: ما الإيمان؟ قال ﵇: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر. وأن تؤمن بالقدر خيره وشره". قال: صدقت، ثم قال: ما الإحسان؟ قال ﵊: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: صدقت، ثم قال: متى الساعة؟ قال ﵇: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، ثم قام وخرج، فقال النبي ﷺ: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم".
ففرق في التفسير بين الإسلام والإيمان. والإسلام قد يرد بمعنى الاستسلام ظاهرا، ويشترك فيه المؤمن والمنافق. قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١ ففرق التنزيل بينهما.
_________________
(١) ١ الحجرات آية ١٤.
[ ١ / ٤٠ ]
فإذا كان الإسلام بمعنى التسليم والانقياد ظاهرا موضع الاشتراك، فهو المبدأ. ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويقر عقدا بأن القدر خيره وشره من الله تعالى؛ بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ كان مؤمنا حقا، ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق، وقرن المجاهدة بالمشاهدة، وصار غيبه شهادة؛ فهو الكمال، فكان الإسلام مبدأ، الإيمان وسطا، والإحسان كمالا، وعلى هذا شمل لفظ المسلمين: الناجي والهالك.
وقد يرد الإسلام وقرينه الإحسان، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١ وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٢ وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ٣ وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ ٤ وقوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥ وعلى هذا خص الإسلام بالفرقة الناجية، والله أعلم.
٢- أهل الأصول المختلفون في التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والسمع، والعقل:
نتكلم ههنا في معنى الأصول والفروع، وسائر الكلمات.
قال بعض المتكلمين: الأصول: معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم، وبالجملة: كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول. ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا، فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موصوع علم الفقه. وقال
_________________
(١) ١ البقرة آية ١١٢. ٢ المائدة آية: ٣. ٣ آل عمران آية ١٩. ٤ البقرة آية ١٣١. ٥ البقرة آية ١٣٢.
[ ١ / ٤١ ]
بعض العقلاء: كل ما هو معقول، ويتوصل إليه بالنظر والاستدلال؛ فهو من الأصول وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع.
وأما التوحيد فقد قال أهل السنة، وجميع الصفاتية: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له.
وقال أهل العدل: إن الله تعالى واحد في ذاته، لا قسمة ولا صفة له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له، فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله، ومحال وجود قديمين، ومقدور بين قادرين، وذلك هو التوحيد.
وأما العدل فعلى مذهب أهل السنة أن الله تعالى عدل في أفعاله، بمعنى أنه متصرف في ٌملكه وِملكه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فالعدل: وضع الشيء موضعه، وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم، والظلم بضده، فلا يتصور منه جور في الحكم وظلم في التصرف، وعلى مذهب أهل الاعتزال: العدل ما يقتضيه العقل من الحكمة؛ وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة.
وأما الوعد والوعيد فقد قال أهل السنة: الوعد والوعيد كلامه الأزلي، وعد على ما أمر، وأوعد على ما نهى، فكل من نجا واستوجب الثواب فبوعده، وكل من هلك واستوجب العقاب فبوعيده، فلا يجب عليه شيء من قضية العقل.
وقال أهل العدل: لا كلام في الأزل، وإنما أمر ونهي، ووعد وأوعد بكلام محدث، فمن نجا فبفعله استحق الثواب، ومن خسر فبفعله استوجب العقاب، والعقل من حيث الحكمة يقتضي ذلك.
وأما السمع والعقل؛ فقد قال أهل السنة: الواجبات كلها بالسمع، والمعارف كلها بالعقل. فالعقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يقتضي ولا يوجب، والسمع لا يعرف، أي لا يوجد المعرفة، بل يوجب.
[ ١ / ٤٢ ]
وقال أهل العدل: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح.
فهذه القواعد هي المسائل التي تكلم فيها أهل الأصول وسنذكر مذهب كل طائفة مفصلا إن شاء الله تعالى، ولكل علم موضوع ومسائل نذكرهما بأقصى الإمكان إن شاء الله تعالى.
٣ المعتزلة وغيرهم من الجبرية، والصفاتية، والمختلطة منهم.
الفريقان من المعتزلة والصفاتية متقابلا تقابل التضاد، وكذلك القدرية والجبرية، والمرجئة والوعيدية، والشيعة والخوارج، وهذا التضاد بين كل فريق وفريق كان حاصلا في كل زمان، ولكل فرقة مقالة على حيالها، وكتب صنفوها، ودولة عاونتهم، وصولة طاوعتهم.
[ ١ / ٤٣ ]
الفصل الأول: المعتزلة
مدخل
الفصل الأول: المعتزلة
ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية، والعدلية، وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى، احترازا من وصمة اللقب، إذ كان الذي به متفقا عليه لقول النبي ﵇: "القدرية مجوس هذه الأمة" وكانت الصفاتية تعارضهم بالاتفاق، على أن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد؛ فكيف يطلق لفظ الضد على الضد؟ وقد قال النبي ﵇: "القدرية خصماء الله في القدر" والخصومة في القدر، وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل، وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم، والحكم المحكوم، والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد:
[ ١ / ٤٣ ]
القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة١ أصلا، فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته؛ لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف
_________________
(١) ١ الكلام في صفات الله نفيا وإثباتا من الموصوعات التي شغلت بعض المفكرين من أهل الديانات الأخرى السابقة على الإسلام. فنجد البيروني يحكي عن الهنود فيقول "ص١٣" "العالم بذاته سرمدا إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم، وليس الجهل بمتجه عليه في وقت ما، أو حال. ثم يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ ويقول المجيب: له العلو التام في القدرة لا المكان، فإنه يجل عن التمكن، وهو الخير المحض التام الذي يشتاقه كل موجود، وهو العلم الخالص عن دنس السهو والجهل. قال السائل: أفتصفه بالكلام أم لا؟ قال المجيب: إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم. قال السائل: فإن كان متكلما لأجل علمه فما الفرق بينه وبين العلماء والحكماء الذين تكلموا من أجل علومهم؟ قال المجيب: الفرق بينهم هو الزمان؛ فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين، ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم، فبكلامهم وإفادتهم في زمان، وإذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتصال فالله سبحانه عالم متكلم في الأزل. قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل وإذ لم يجهل قط فذاته عالمة لم تكتسب علما لم يكن له". "ويختلف كلام الهند في معنى الفعل. فمن أضافه إليه -أي إلى الله- كان من جهة السبب الأعم، لأن قوام الفاعلين إذا كان به كان هو سبب فعلهم، فهو فعله بوساطتهم. ومن أضافه إلى غيره فمن جهة الوجود الأدنى. وفي كتاب سانك؛ قال الناسك: هل اختلف في الفعل والفاعل أم لا؛ قال الحكيم: قد قال قوم إن النفس غير فاعلة، والمادة غير حية. فالله المستغني هو الذي يجمع بينهما ويفرق. فهو الفاعل، والفعل واقع من جهته يتحريكهما كما يحرك الحي القادر الموات العاجز. وقال آخرون: إن اجتماعهما بالطباع، فهكذا جرت العادة في كل ناشئ بال. وقال آخرون: الفاعل هو النفس. وقال آخرون: الفاعل هو الزمان، فإن العالم مربوط به رباط الشدة بحبل مشدود بها حتى تكون حركتها بحسب انجذابه واسترخائه". قال البيروني: "وكل هذه الآراء منحرفة عن الصواب، وإنما الحق فيه أن الفعل كله للمادة، لأنها هي التي تربط وتردد في الصور وتخلي، فهي الفاعلة وسائر ما تحتها أعوان لها على إكمال الفعل، ولخلو النفس عن القوى المختلفة هي غير فاعلة، فهذا قول خواصهم في الله تعالى ويسمونه "ايشفر"، أي المستغني الجواد الذي يعطي ولا يأخذ، لأنهم رأوا وحدته هي المحضة ووحدة ما سواه بوجه من الوجوه متكثرة، ورأوا وجوده حقيقيا لان قوام الموجودات به، ولا يمتنع توهم ليس فيها مع أيس فيه، كما يمتنع توهم ليس فيه مع أيس فيها". وقد أورد الشهرستاني آراء فلاسفة اليونان في الذات والصفات. فمن ذلك قول أنبا دقليس وهو "إن الباري تعالى يعلم هويته فقط؛ وهو العلم المحض، وهو الإرادة المحضة، وهو الجواد، والعزة، والقدرة، والعدل، والخير والحق؛ لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء، بل هي: هو، وهو: هذه كلها".
[ ١ / ٤٤ ]
لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلام محدث مخلوق في محل، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه. فإن ما وجد في المحل عرض قد فني في الحال. واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته، ولكن اختلفوا في وجوه وجودها، ومحامل معانيها كما سيأتي، واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهة، ومكانا، وصورة، وجسما، وتحيزا، وانتقالا، وزوالا، وتغيرا، وتأثرا، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابة فيها، وسموا هذا النمط: توحيدا.
واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر ومعصية، لأنه لو خلق الظلم كان ظالما، كما لو خلق العدل كان عادلا.
واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد. وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف. وسموا هذا النمط: عدلا.
واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة، استحق الثواب والعوض. والتفضل معنى آخر وراء الثواب. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسموا هذا النمط: وعدا ووعيدا.
واتفقوا على أن أصول المعرفة، وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع. والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل. واعتناق الحسن، واجتناب القبيح واجب كذلك. وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى، أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء ﵈ امتحانا واختبارا ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الأنفال آية ٤٢.
[ ١ / ٤٥ ]
واختلفوا في الإمامة، والقول فيها نصا، واختيارا، كما سيأتي عند مقالة كل طائفة.
والآن نذكر ما يختص بطائفة طائفة من المقالة التي تميزت بها عن أصحابها.
[ ١ / ٤٦ ]
١- الواصلية:
اصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال١ الألثغ، كان تلميذا للحسن البصري، يقرأ عليه العلوم والأخبار. وكانا في أيام عبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك. وبالمغرب الآن منهم شرذمة قليلة في بلد إدريس بن عبد الله الحسني الذي خرج بالمغرب في أيام أبي جعفر المنصور.
ويقال لهم الواصلية، واعتزالهم يدور على أربع قواعد:
القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الباري تعالى؛ من العلم والقدرة، والإرادة، والحياة، وكانت هذه المقالة في بدايتها غير نضيجة٢. وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين.
وإنما شرعت أصحابه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة، وانتهى نظرهم فيها إلى رد جميع الصفات إلى كونه: عالما، قادرا. ثم الحكم بأنهما صفتان ذاتيتان هما: اعتباران للذات القديمة كما قال الجبائي، أو حالان كما قال أبو هاشم.
وميل أبي الحسن البصري إلى ردهما إلى صفة واحدة وهي العالمية، وذلك عين مذهب الفلاسفة، وسنذكر تفقصيل ذلك.
وكان السلف يخالفهم في ذلك إذ وجدوا الصفات مذكورة في الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ لقب بالغزال، لأنه كان يلازم الغزالين ليعرف المتعففات من النساء فيجعل صدقته لهن، الكامل للمبرد ص٩٢١ ج٣، وهو مؤسس فرقة المعتزلة ورئيسها الأول "٨٠-١٣١هـ". ٢ غير محكمة.
[ ١ / ٤٦ ]
القاعدة الثانية:
القول بالقدر: وإنما سلكوا في ذلك مسلك معبد١ الجهني؛ وغيلان الدمشقي٢، وقرر واصل ابن عطاء هذه القاعدة أكثر مما كان يقرر قاعدة الصفات، فقال إن الباري تالى حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازي على فعله. والرب تعالى أقدره على ذلك كله. وأفعال العباد محصورة في الحركات، والسكنات، والاعتمادات والنظر، والعلم. قال: ويستحيل أن يخاطب العبد بافعل وهو لا يمكنه أن يفعل، ولا هو يحس من نفسه الاقتدار والفعل. ومن أنكره فقد أنكر الضرورة. واستدل بآيات على هذه الكلمات.
ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبد الملك بن مروان وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل من العقل. ولعلها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم. والعجب أنه حمل هذا اللفظ الوارد في الخبر على البلاء والعافية، والشدة والرخاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة، إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى، دون الخير والشر، والحسن والقبيح الصادرين من اكتساب العباد، وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم.
القاعدة الثالثة:
القول بالمنزلة بين المنزلتين، والسبب فيه أنه دخل واحد على الحسن
_________________
(١) ١ ذكر بعض المؤرخين أن معبدا الجهني المتوفى سنة ٨٠هـ كان أول من تكلم في الإسلام بالقدر، وذكروا أنه أخذ ذلك عن نصراني من الأساورة اسمه أبو يونس سنسويه ويعرف بالأسواري. ٢ غيلان الدمشقي أخذ القول بنفي القدر عن معبد الجهني، وبالغ في القول بنفي القدر. وقد هم عمر بن عبد العزيز "٩٩-١٠١هـ" بقتله لولا أن تراجع غيلان عن آرائه وأعلن توبته منها، ولكنه عاد إلى الكلام عن نفي القدر وأسرف في ذلك إسرافا عظيما في أيام هشام بن عبد الملك الذي كان شديدا على القدرية، وقد أظهر غيلان تمسكا شديدا بآرائه، فأمر هشام بصلبه على باب دمشق.
[ ١ / ٤٧ ]
البصري١ فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة؛ وهم وعيدية الخوارج. وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة. فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟
فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا، ولا كافر مطلقا، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة٢ من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة.
ووجه تقريره أنه قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا وهو اسم مدح. والفاسق لم يستجمع خصال الخير وما استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلقا أيضا، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة، فهو من أهل النار خالد فيها، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار.
وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد٣ بعد أن كان موافقا له في القدر، وإنكار الصفات.
_________________
(١) ١ توفي الحسن البصري سنة ١١٠هـ. ٢ الأسطوانة: العمود أو السارية. ٣ عمرو بن عبيد "٨٠-١٤٤هـ.
[ ١ / ٤٨ ]
القاعدة الرابعة:
قوله في الفريقين من أصحاب الجمل، وأصحاب صفين إن أحدهما مخطئ لا بعينه. وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه، قال: إن أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن لا بعينه، وقد عرفت قوله في الفاسق. وأقل درجات الفريقين أن لا يقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين فلا يجوز قبول شهادة علي، وطلحة والزبير على وباقة بقل، وجوز أن يكون عثمان وعلي على الخطأ. هذا قوله، وهو رئيس المعتزلة ومبدأ الطريقة في أعلام الصحابة، وأئمة العترة.
ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه، وزاد عليه في تفسيق أحد الفريقين لا بعينه بأن قال: لو شهد رجلان من أحد الفريقين مثل علي ورجل من عسكره، أو طلحة والزبير لم تقبل شهادتهما، وفيه تفسيق الفريقين وكونهما من أهل النار. وكان عمرو بن عبيد من رواة الحديث، معروفا بالزهد، وواصل مشهورا بالفضل والأدب عندهم.
[ ١ / ٤٩ ]
المعتزلة
٢- الهذيلية:
أصحاب أبي الهذيل١ حمدان بن الهذيل العلاف، شيخ المتعزلة، ومقدم الطائفة، ومقرر الطريقة، والمناظر عليها، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل، عن واصل بن عطاء. ويقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. ويقال أخذه عن الحسن بن أبي الحسن البصري، وإنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد:
الأولى: أن الباري٢ تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته. حي
_________________
(١) ١ أبو الهذيل العلاف "١٣٥-٢٢٦هـ" مولى عبد القيس، وشيخ المعتزلة البصريين. ٢ في "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ص٤٨٢ ج٢ "فقال شيخهم أبو الهذيل العلاف: إن علم الباري سبحانه هو هو، وكذلك قدرته وسمعه وبصره وحكمته. وكذلك كان قوله في سائر صفات ذاته، وكان يزعم أنه إذا زعم أن البارئ عالم فقد ثبت علما هو الله، ونفى عن الله جهلا، ودل على معلوم كان أو يكون. وإذا قال إن البارئ قادر فقد ثبت قدرة هي الله، ونفى عن الله =
[ ١ / ٤٩ ]
بحياة، وحياته ذاته. وإنما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته، وترجع إلى السلوب أو اللوازم كما سيأتي.
والفرق بين قول القائل: عالم بذاته لا بعلم، وبين قول القائل: عالم بعلم هو ذاته: أن الأول نفي الصفة، والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة. أو إثبات صفة هي بعينها ذات، وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات؛ فهي بعينها أقانيم النصارى، أو أحوال١ أبي هاشم.
_________________
(١) = عجزا، ودل على مقدور يكون أو لا يكون، وكان إذا قيل له: حدثنا عن علم الله سبحانه الذي هو الله، أتزعم أنه قدرته؟ أبى ذلك. فإذا قيل له: فهو غير قدرته؟ أنكر ذلك. وكان إذا قيل: إذا قلت إن علم الله هو الله، فقل إن الله تعالى علم، ناقض ولم يقل إنه علم، مع قوله إن علم الله هو الله". "وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس، قال في بعض كتبه: إن البارئ علم كله، قدرة كله، حياة كله، بصر كله. فحسن اللفظ عند نفسه، وقال: علمه هو هو، وقدرته هي هو". "وكان أبو الهذيل إذا قيل له: أتقول إن لله علما؟ قال: أقول إن له علما هو هو، وإنه عالم بعلم هو هو. وكذلك قوله في سائر صفات الذات. فنفى أبو الهذيل العلم من حيث أوهم أنه أثبته، وذلك أنه لم يثبت إلا البارئ فقط. وكان يقول: معنى أن الله عالم: معنى أنه قادر، ومعنى أنه حي: أنه قادر. وهذا له لازم إذا كان لا يثبت للباري صفات إلا هي هو، ولا يثبت إلا البارئ فقط" "وكان إذا قيل له: فلم اختلفت الصفات فقيل عالم، وقيل قادر، وقيل حي؟ قال: لاختلاف المعلوم والمقدور" انظر ص٤٨٦ ج٢ من "مقالات الإسلاميين". ١ في "الفرق بين الفرق" ص١١٧ " فأثبت الحال في ثلاث مواضع: أحدها: الموصوف الذي يكون موصوفا لنفسه، فاستحق ذلك الوصف لحال كان عليها. الثاني: الموصوف بالشيء لمعنى صار مختصا بذلك المعنى لحال. الثالث: ما يستحقه لا لنفسه ولا لمعنى، فيختص بذلك الوصف دون غيره عنده لحال". ثم إنه لا يقول في الأحوال إنها موجودة، ولا إنها معدومة، ولا إنها قديمة ولا محدثة، ولا معلومة ولا مجهولة. وزعم أن أحوال الباري ﷿ في معلوماته لا نهاية لها، وكذلك أحواله في مقدوراته لا نهاية لها كما أن مقدوراته لا نهاية لها. "وقالوا له: هل أحوال الباري من عمل غيره أم هي هو؟ فأجاب: بأنها لا هي هو ولا غيره، فقالوا له: فلم أنكرت على الصفاتية قولهم في صفات الله ﷿ في الأزل إنها لا هي هو ولا غيره؟ ". وانظر ما أورده الشهرستاني عند الكلام على الجبائية والبهشمية.
[ ١ / ٥٠ ]
الثانية: أنه أثبت١ إرادات لا محل لها، يكون الباري تعالى مريدا بها. وهو أول من أحدث هذه المقالة، وتابعه عليها المتأخرون.
الثالثة: قال في كلام الباري تعالى إن بعضه لا في محل وهو قوله "كن"، وبعضه في محل كالأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار. وكان أمر التكوين عنده غير أمر التكليف.
الرابعة: قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه، إلا أنه قدري الأولى، جبري الآخرة. فإن مذهبه في حركات أهل الخالدين في الآخرة أنها كلها ضرورية لا قدرة للعباد عليها. وكلها مخلوقة للباري تعالى، إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها.
الخامسة: قوله إن حركات أهل الخالدين تنقطع، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار. وهذا قريب من مذهب جهم، إذ حكم بفناء الجنة والنار. وإنما التزم أبو الهذيل هذا المذهب لأنه لما ألزم في مسالة حدوث العالم: أن الحوادث التي لا أول
_________________
(١) ١ قال الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ص١٨٩ ج١: "أصحاب أبي الهذيل يزعمون أن إرادة الله غير مراده وغير أمره، وأن إرادته لمفعولاته ليست بمخلوقة على الحقيقة، بل هي مع قوله لها كوني خلق لها، وإرادجته للغيمان ليس بخلق له وهي غير الأمر به، وإرادة الله قائمة لا في مكان". وفي المصدر السابق ص٥١٢ ج٢ "ولم يقل أحد إن الخلق إرادة وقول، غير أبي الهذيل"، وفي ص٥١٠ ج١ "وقال أبو الهذيل: إرادة الله سبحانه لكون الشيء هي غير الشيء المكون، وهي توجد لا في مكان، وإرادته للإيمان غيره وغير الأمر به وهي مخلوقة، ولم يجعل الإرادة أمرا ولا حكما ولا خبرا. وإلى هذا القول كان يذهب محمد بن عبد الوهاب الجبائي، إلا أن أبا الهذيل كان يزعم أن الإرادة لتكوين الشيء والقول له كن خلق للشيء. وكان الجبائي يقول إن الإرادة لتكوين الشيء هي غيره وليست بخلق له، ولا جائز أن يقول الله سبحانه للشيء كن. وكان يزعم أن الخلق هو المخلوق، وكان أبو الهذيل لا يثبت الخلق مخلوقا. وفي صفحة ٥١١ ج٢ "وكان أبو الهذيل يقول إن الخلق الذي هو إرادة وقول، لا يقال إنه مخلوق إلا على المجاز، وخلق الله سبحانه للشيء مؤلفا الذي هو تأليف، وخلقه للشيء ملونا الذي لون، وخلقه للشيء طويلا الذي هو طول مخلوق في الحقيقة".
[ ١ / ٥١ ]
لها كالحوادث التي لا آخر لها، إذ كل واحدة لا تتناهى؛ قال: إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا، بل يصيرون إلى سكون دائم. وكأنه ظن أن ما لزمه في الحركة لا يلزمه في السكون.
السادسة: قوله في الاستطاعة إنها عرض عن الأعراض غير السلامة والصحة، وفرق بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، فقال لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة، فالاستطاعة معها في حال الفعل. وجوز ذلك في أفعال الجوارح وقال بتقدمها فيفعل بها في الحال الأولى وإن لم يوجد الفعل إلا في الحال الثانية، قال: "فحال يفعل" غير "حال فعل" ثم ما تولد من فعل العبد فهو فعله، غير اللون والطعم والرائحة وكل ما لا يعرف كيفيته. وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره عند إسماعه وتعليمه: إن الله تعالى يبدعهما فيه، وليسا من أفعال العباد.
السابعة: قوله في المكلف قبل ورود السمع: إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا، ويعلم أيضا حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل. والإعراض عن القبيح كالكذب والجور. وقال أيضا بطاعات لا يراد بها الله تعالى، ولا يقصد بها التقرب إليه؛ كالقصد إلى النظر الأول، والنظر الأول فإنه لم يعرف الله بعد، والفعل عبادة. وقال في المكره: إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب، ويكون وزره موضوعا عنه.
الثامنة: قوله في الآجال والأرزاق: إن الرجل إن لم يقتل مات في ذلك الوقت، ولا يجوز أن يزاد في العمر أو ينقص، والأرزاق على وجهين:
أحدهما: ما خلق الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال: خلقها رزقا للعباد، فعلى هذا من قال: إن أحدا أكل أو انتفع بما لم يخلقه الله رزقا فقد أخطأ لما فيه أن في الأجسام ما لم يخلقه الله تعالى.
[ ١ / ٥٢ ]
والثاني: ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد، فما أحل منها فهو رزقه، وما حرم فليس رزقا، أي ليس مأمورا بتناوله.
التاسعة: حكى الكعبي عنه أنه قال: إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلق هي خلقه له، وخلقه للشيء عنده غير الشيء، بل الخلق عنده قول لا في محل. وقال إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر، وكذلك لم يزل غفورا، رحيما، محسنا، خالقا، رازقا، مثيبا، معاقبا، مواليا، معاديا، آمرا، ناهيا، بمعنى أنه ذلك سيكون منه.
العاشرة: حكى الكعبي عنه أنه قال: الحجة لا تقوم فيما غاب إلا بخبر عشرين؛ فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر. ولا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياء الله معصومون، لا يكذبون، ولا يرتكبون الكبائر، فهم الحجة لا التواتر. إذ يجوز أن يكذب جماعة ممن لا يحصون عددا إذا لم يكونوا أولياء الله، ولم يكن فيهم واحد معصوم.
وصحب أبا الهذيل: أبو يعقوب الشحام١، والآدمي، وهما على مقالته، وكان سنه مائة سنة، توفي في أول خلافة المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين.
_________________
(١) ١ أبو يعقوب الشحام مات سنة ٢٦٧هـ وكان رئيس معتزلة البصرة في عصره، وقد عينه الواثق رئيسا لديوان الخراج. قال الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ص١٩٩ ج١ "وزعم بعضهم وهو الشحام أن الله يقدر على ما أقدر عليه عباده. وإن حركة واحدة تكون مقدورة لله وللإنسان، فإن فعلها الله كانت ضرورة، وإن فعلها الإنسان كانت كسبا".
[ ١ / ٥٣ ]
٣- النظامية:
أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام١، قد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل:
_________________
(١) ١ توفي النظام سنة ٢٣١هـ، قال عبد القاهر البغدادي ص٧٩ عند الكلام على النظامية: "والمعتزلة يموهون على الأغمار بدينه، ويوهمون أنه كان نظاما للكلام المنثور، والشعر الموزون، وإنما كان ينظم الخرز في سوق البصرة، ولأجل ذلك قيل له النظام، وكان في زمان شبابه قد عاشر قوما من الثنوية، وقوما من السمنية القائلين بتكافؤ الأدلة، وخالط بعد كبره قوما من ملحدة الفلاسفة، ثم خالط هشام بن الحكم الرافضي، فأخذ عن هشام، وعن ملحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا يتجزأ، ثم بنى عليه قوله بالطفرة التي لم يسبق إليها وهم أحد قبله، وأخذ من الثنوية قوله بأن فاعل العدل لا يقدر على فعل الجور والكذب، وأخذ عن هشام بن الحطم أيضا قوله: بأن الألوان، والطعوم، والروائح، والأصوات أجسام، وبنى على هذه البدعة قوله بتداخل الأجسام".
[ ١ / ٥٣ ]
الأولى منها: أنه زاد على القول بالقدر خيره وشره منا قوله: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة للباري تعالى، خلافا لأصحابه فإنهم قضوا بأنه قادر عليها لكنه لا يفعلها لأنها قبيحة. ومذهب النظام أن القبيح إذا كان صفة ذاتية للقبيح، وهو المانع من الإضافة إليه فعلا؛ ففي تجويز وقوع القبيح منه قبح أيضا، فيجب أن يكون مانعا. ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم، وزاد أيضا على هذا الاختباط فقال: إنما يقدر على فعل ما يعلم أن فيه صلاحا لعباده، ولا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا ما ليس فيه صلاحهم. هذا في تعلق قدرته بما يتعلق بأمور الدنيا. وأما أمور الآخرة فقال: لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ينقص منه شيئا، وكذلك لا ينقثص من نعيم أهل الجنة ولا أن يخرج أحدا من أهل الجنة وليس ذلك مقدورا له. وقد ألزم عليه أن يكون الباري تعالى مطبوعا مجبورا على ما يفعله، فإن القادر١ على الحقيقة من يتخير بين الفعل والترك. فأجاب إن الذي ألزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدورا؛ فلا فرق. وإنما أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة حيث قضوا بأن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا يفعله. فما أبدعه وأوجده هو المقدور؛ ولو كان في علمه تعالى ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاما وترتيبا وصلاحا لفعله.
_________________
(١) ١ في "مقالات الإسلاميين" ص٥٧٦ ج٢ "وقال إبراهيم النظام: إن ما يقدر الله عليه من اللطف لا غاية له ولا كل، وإن ما فعل من اللطف لا شيء أصلح منه إلا أن له عقد الله سبحانه أمثالا، ولكل مثل مثل، ولا يقال يقدر على أصلح مما فعل أن يفعل، ولا يقال يقدر على دون ما فعل أن يفعل لأن فعل ما دون نقص، ولا يجور على الله ﷿ فعل النقص، ولا يقال يقدر على ما هو أصلح، لأن الله سبحانه لو قدر على ذلك ولم يفعل كان ذلك بخلا".
[ ١ / ٥٤ ]
الثانية: قوله في الإرادة: إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة. فإذا وصف بها شرعا في أفعاله فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشئها على حسب ما علم، وإذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمعني به أنه آمر بها وناه عنها، وعنه أخذ الكعبي مذهبه في الإرادة.
الثالثة: قوله إن أفعال العباد كلها حركات فحسب، والسكون حركة اعتماد، والعلوم والإرادات حركات النفس، ولم يرد بهذه الحركة حركة النقلة وإنما الحركة عنده مبدأ تغير ما، كما قالت الفلاسفة من إثبات حركات في الكيف، والكم والوضع، والأين، والمتى إلى أخواتها.
الرابعة: وافقهم أيضا في قولهم إن الإنسان في الحقيقة هو النفس والروح، والبدن آلتها وقالبها. غير أنه تقاصر عن إدراك مذهبهم فمال إلى قول الطبيعيين منهم إن الروح جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مدالخة المائية في الورد، والدهنية في السمسم، والسمنية في اللبن. وقال إن الروح هي التي لها قوة، واستطاعة وحياة ومشيئة، وهي مستطيعة بنفسها، والاستطاعة قبل الفعل.
الخامسة: حكى الكعبي عنه أنه قال: إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة؛ أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعا، وخلقه خلقة إذا دفعته اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكان طبعا. وله في الجواهر وأحكامها خبط ومذهب يخالف المتكلمين والفلاسفة.
السادسة: وافق الفلاسفة١ في نفي الجزء الذي لا يتجرا، وأحدث القول بالطفرة.
_________________
(١) ١ في مقالات الإسلامين" ص٣١٨ ج٢ "وقال النظام: لا جزء إلا وله جزء، ولا بعض إلا وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف، وأن الجزء جائز تجزئته أبدا، ولا غاية له من باب التجزؤ". وفي صفحة ٣٢١ ج٢ "واختلف الناس في الطفرة، فزعم النظام أنه قد يجوز أن يكون الجسم الواحد في مكان، ثم يصير إلى المكان الثالث ولم يمر بالثاني على جهة الطفرة، واعتل في ذلك بأشياء، منها: الدوامة يتحرك أعلاها أكثر من أسفلها ويقطع الحز أكثر مما يقطع أسفلها وقطبها. وقال: وإنما ذلك لأن أعلاها يماس أشياء لم يكن حاذى ما قبلها". "وقد أنكر أكثر أهل الكلام قوله، منهم أبو الهذيل وغيره، وأحالوا أن يصير الجسم إلى مكان لم يمر بما قبله، وقالوا: هذا محال لا يصح، وقالوا إن الجسم قد يسكن بعضه وأكثره متحرك، وأن للفرس في حال سيره وقفات خفية، وفي شدة عدوه مع وضع رجله ورفعها، ولهذا كان أحد الفرسين أبطأ من صاحبه".
[ ١ / ٥٥ ]
لما ألزم مشي نملة على صخرة من طرف إلى طرف أنها قطعت ما لا يتناهى، فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى؟ قال: تقطع بعضها بالمشي، وبعضها بالطفرة. وشبه ذلك بحبل شد على خشبة معترضة وسط البئر، وطوله خمسون ذراعا، وعليه دلو معلق، وحبل طوله خمسون ذراعا علق عليه معلاق، فيجر به الحبل المتوسط، فإن الدلو يصل إلى رأس البئر وقد قطع مائة ذراع بحبل طوله خمسون ذراعا في زمان واحد، وليس ذلك إلا أن بعض القطع بالطفرة. ولم يعلم أن الطفرة قطع مسافة أيضا موازية لمسافة، فالإلزام لا يندفع عنه، وإنما الفرق بين المشي والطفرة يرجع إلى سرعة الزمان وبطئه.
السابعة: قال إن الجواهر مؤلفة من أعراض اجتمعت. ووافق هشام بن الحكم في قوله إن الألوان والطعوم والروائح أجسام، فتارة يقضي بكون الأجسام أعراضا، وتارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير.
الثامنة: من مذهب أن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن: معادن ونباتا، وحيوانا، وإنسانا، ولم يتقدم خلق آدم ﵇ خلق أولاده؛ غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها. وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور الفلاسفة وأكثر ميله أبدا إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين.
التاسعة: قوله في إعجاز١ القرآن إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٢٢٥ ج١ "وقال النظام: الآية والأعجوبة في القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب، فأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لولا أن الله منعهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم".
[ ١ / ٥٦ ]
والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما.
العاشرة: قوله في الإجماع إنه ليس بحجة في الشرع، وكذلك القياس في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة، وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم.
الحادية عشرة: ميله إلى الرفض، ووقيعته في كبار الصحابة، قال: أولا: لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهرا مكشوفا، وقد نص النبي ﵊ على علي ﵁ في مواضع، وأظهره إظهارا لم يشتبه على الجماعة، إلا أن عمر كتم ذلك، وهو الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة، ونسبه إلى الشك يوم الحديبية في سؤاله الرسول ﵇ حين قال: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: نعم، قال عمر فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: هذا شك وتردد في الدين، ووجدان حرج في النفس مما قضى وحكم. وزاد في الفرية فقال: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصبح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين. وقال: تغريبه نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة، وإبداعه التراويح، ونهيه عن متعة الحج، ومصادرته العمال، كل ذلك أحداث.
ثم وقع في أمير المؤمنين عثمان وذكر أحداثه، من رده الحكم بن أمية إلى المدينة وهو طريد رسول الله ﵊، ونفيه أبا ذر إلى الربذة، وهو صديق رسول الله، وتقليده الوليد بن عقبة الكوفة وهو من أفسد الناس، ومعاوية الشام، وعبد الله بن عامر البصرة، وتزويجه مروان بن الحكم ابنته، وهم أفسدوا عليه أمره، وضربه عبد الله بن مسعود على إحضار المصحف، وعلى القول الذي شاقه به، كل ذلك أحداثه.
ثم زاد على خزيه ذلك فأن عاب عليا وعبد الله بن مسعود لقولهما: أقول فيها برأيي. وكذب ابن مسعود في روايته: "السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي
[ ١ / ٥٧ ]
في بطن أمه" وفي روايته انشقاق القمر، وفي تشبيهه الجن بالزط. وقد أنكر الجن رأسا، إلى غير ذلك من الوقيعة الفاحشة في الصحابة ﵃ أجمعين.
الثانية عشرة: قوله في المفكر قبل ورود السمع إنه إذا كان عاقلا متمكنا من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال. وقال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعال. وقال: لابد من خاطرين، أحدهما يأمر بالإقدام، والآخر بالكف ليصح الاختيار.
الثالثة عشرة: قد تكلم في مسائل الوعد والوعيد، وزعم أن من خان في مائة وتسعة وتسعين درهما بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك حتى تبلغ خيانته نصاب الزكاة وهو مائتا درهم فصاعدا، فحينئذ يفسق، وكذلك في سائر نصب الزكاة. وقال في المعاد إن الفضل على الأطفال كالفضل على البهائم.
ووافقه الأسواري١ في جميع ما ذهب إليه، وزاد عليه بأن قال إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على ما علم أنه لا يفعله، ولا على ما أخبر أنه لا يفعله، مع أن الإنسان قادر على ذلك، لأن قدرة العبد صالحة للضدين، ومن المعلوم أن أحد الضدين واقع في المعلوم أنه سيوجد دون الثاني. والخطاب لا ينقطع عن أبي لهب وإن أخبر الرب تعالى بأنه سيصلى نارا ذات لهب.
ووافقه أبو جعفر الإسكافي٢ وأصحابه من المعتزلة، وزاد عليه بأن قال: إن الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، وإنما يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال والمجانين.
_________________
(١) ١ توفي علي الأسواري سنة ٢٤٠هـ. ٢ توفي الإسكافي سنة ٢٤٠هـ. قال عبد القاهر البغدادي ص١٠٢ "زعم أن الله تعالى يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال والمجانين. ولا يوصف بالقدرة على ظلم العقلاء. فخرج عن قول النظام بأنه لا يقدر على الظلم والكذب. وخرج عن قول من قال من أسلافه إنه يقدر على الظلم والكذب ولكنه لا يفعلهما لعلمه بقبحهما، وغناه عنهما، وجعل بين القولين منزلة فزعم أنه إنما يقدر على ظلم من لا عقل له، ولا يقدر على ظلم العقلاء: وأكفره أسلافه في ذلك، وأكفرهم هو في خلافه. =
[ ١ / ٥٨ ]
وكذلك الجعفران: جعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب، وافقاه وما زادا عليه، إلا أنه جعفر بن مبشر قال: في فساق الأمة من هو شر من الزنادقة والمجوس، وزعم أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ، إذ المعتبر في الحدود: النص والتوقيف. وزعم أن سارق الحبة الواحدة فاسق منخلع عن الإيمان.
وكان محمد بن شبيب، وأبو شمر، وموسى بن عمران من أصحاب النظام، إلا أنهم خالفوه في الوعيد، وفي المنزلة بين المنزلتين، وقالوا: صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان إلا بمجرد ارتكاب الكبيرة. وكان ابن مبشر يقول في الوعيد: إن استحقاق العقاب والخلود في النار بالفكر يعرف قبل ورود السمع. وسائر أصحابه يقولون: التخليد لا يعرف إلا بالسمع.
ومن أصحاب النظام: الفضل الحدثي، وأحمد بن خابط، قال الراوندي: إنهما كان يزعمان أن للخلق خالقين: أحدهما قديم، وهو الباري تعالى. والثاني محدث وهو المسيح ﵇ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ ١ وكذبه الكعبي في رواية الحدثي خاصة لحسن اعتقاده فيه.
_________________
(١) = ومن تدقيقه في ضلالته قوله: بأنه يجوز أن يقال إن الله يكلم العباد، ولا يجوز أن يقال إنه يتكلم، وسماه مكلما ولم يسمه متكلما. وزعم أن متكلما يوهم أن الكلام قام به، ومكلما لا يوهم ذلك، كما أن متحركا يقتضي قيام الحركة به، ومتكلما يقتضي قيام الكلام به، وأما أسلافه من القدرية فإنهم يقولون له: إن اعتلالك هذا يوجب عليك أن يكون المتكلم من بدن الإنسان لسانه فحسب، لأن الكلام عندك يحل فيه". وقال أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ج١ ص٢٠٢ "وكان الإسكافي يقول: يقدر الله على الظلم، إلا أن الأجسام تدل بما فيها من العقول والنعم التي أنعم بها على خلقه على أن الله لا يظلم، والعقول تدل بأنفسها على أن الله ليس بظالم، وليس يجوز أن يجامع الظلم ما دل لنفسه على أن الظم لا يقع من الله. وكان إذا قيل له: فلو وقع الظلم منه كيف كانت تكون القضية؟ قال: يقع والأجسام معراة من العقول التي دلت بأنفسها وأعينها على أن الله لا يظلم". وفي ص٣٩٥ ج٢ "وزعم الإسكافي أن الوجه الي من قبله يعلم أن الله قدر على العدل هو الوجه الذي من قبله يعلم أنه قادر على الجور، وأن الدليل الذي دل على ذلك واحد". ١ المائدة آية ١١٠.
[ ١ / ٥٩ ]
٤- الخابطية والحدثية:
الخابطية: أصحاب أحمد بن خابط١، وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي٢، كانا من أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة أيضا، وضما إلى مذهب النظام ثلاث بدع:
البدعة الأولى: إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح ﵇ موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٣ وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ٤ وهو المراد بقول النبي ﵊: "إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن" وبقوله: "يضع الجبار قدمه في النار" وزعم أحمد بن خابط٥ أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو والكلمة القديمة المتحدة كما قالت النصارى.
_________________
(١) ١ توفي أحمد بن خابط سنة ٢٣٢هـ. ٢ توفي الفضل الحدثي سنة ٢٥٧. ٣ الفجر آية ٢٢. ٤ الأنعام آية ١٥٨. ٥ تكلم عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق ص ١٦٦ ط مؤسسة نشر الثقافة الإسلامية بالقاهرة سنة ١٩٤٨، فمما قاله: "إن ابن خابط وفضلا الحدثي زعما أن للخلق ربين وخالقين: أحدهما قديم وهو الله. والآخر مخلوق وهو عيسى ابن مريم. وزعما أن المسيح ابن الله على معنى دون الولادة، وزعما أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو الذي عناه الله بقوله -وجاء ربك والملك صفا صفا- وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام، وهو الذي خلق آدم على صورة نفسه، وذلك تأويل ما روى أن الله تعالى خلق آدم على صورته، وزعم أنه هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: "ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" وهو الذي عناه بقوله "إن الله تعالى خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل، وقال له: أدبر، فأدبر، فقال ما خلقت خلقا أكرم منك، وبك أعطي، وبك آخذ" وقالا: إن المسيح تدرع جسدا، وكان قبل التدرع عقلا". قال عبد القاهر: "قد شارك هذان الكافران الثنوية والمجوس في دعوى خالقين، وقولهما شر من قولهم، لأن الثنوية والمجوس أضافوا اختراع جميع الخيرات إلى الله تعالى، وإنما أضافوا فعل الشرور إلى الظلمة وإلى الشيطان. وأضاف ابن خابط وفضل الحدثي فعل الخيلات كلها إلى عيسى ابن مريم، وأضافا إليه محاسبة الخلق في الآخرة. والعجب من قولهما إن عيسى خلق جده آدم ﵇. فيا عجبا من فرع يخلق أصله. ومن عد هذين الضالين من فرق الإسلام كمن عد النصارى من فرق الإسلام".
[ ١ / ٦٠ ]
البدعة الثانية: القول بالتناسخ١ زعما أن الله تعالى أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا، وابتدأهم بتكليف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ذلك،
_________________
(١) ١ تكلم البيروني في كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة" ص٢٤ ط لندن سنة ١٨٨٧ فما ذكره: "كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصرانية، والأسباب علامة اليهودية، كذلك التناسخ علم النحلة الهندية. فمن لم ينتحله لم يك منها، ولم يعد من جملتها. فإنهم قالوا إن النفس إذا لم تكن عاقلة لم تحط بالمطلوب إحاطة كلية دفعة بلا زمان، واحاجت إلى تتبع الجزئيات، واستقرت الممكنات. وهي وإن كانت متناهية؛ فلعددها المتناهي كثرة، والإتيان على الكثرة مضطر إلى مدة ذات فسحة. ولهذا لا يحصل العلم للنفس إلا بمشاهدة الأشخاص والأنواع، وما يتناوبها من الأفعال والأحوال حتى يحصل لها في كل واحد تجربة، وتستفيد بها جديد معرفة. ولكن الأفعال مختلفة بسبب القوى، وليس العالم بمعطل عن التدبير، وإنما هو مزموم، وإلى غرض فيه مندوب. فالأرواح الباقية تتردد لذلك في الأبدان البالية بحسب افتتان الأفعال إلى الخير والشر، ليكون التردد في التواب منها على الخير فتحرص على الاستكثار منه وفي العقاب على الشر والمكروه فتبالغ في التباعد عنه، ويصير التردد من الأرذل إلى الأفضل دون عكسه". "وحقيق علينا أن نورد من كتبهم شيئا من صريح كلامهم في هذا الباب. قال باسديو لأرجن يحرضه على القتال وهما بين الصفين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنا فاعلم أنهم ليسوا ولا نحن معا بموتى، ولا ذاهبين ذهابا لا رجوع معه، فإن الأرواح غير مائتة ولا متغيرة، وإنما تتردد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهورة ثم الشيخوخة التي عقباها موت الدبن ثم العود. أو قال له كيف يذكر الموت والقتل من عرف أن النفس أبدية الوجود، لا عن ولادة، ولا إلى تلف وعدم، بل هي ثابتة قائمة، لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، ولا ماء يغصها، ولا ريح تيبسها، لكنها تنتقل عن بدنها إذا عنق نحو آخر ليس كذلك، كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق". "وقد كان اليونانيون موافقين الهند في هذا الاعتقاد" ثم أورد البيروني رأي سقراط في التناسخ وهو لا يختلف عما رواه عن الهنود.
[ ١ / ٦١ ]
وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها، ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا فألبسه هذه الأجسام الكثيفة، وابتلاه بالبأساء والضراء، والشدة والرخاء، والآلام واللذات على صر مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم. فمن كانت معصيته أقل وطاعته أكثر كانت صورته أحسن، وآلامه أقل. ومن كانت ذنوبه أكثر كانت صورته أقبح، وآلامه أكثر. ثم لا يزال يكون الحيوان في الدنيا كرة بعد كرة، وصورة بعد أخرى، مادات معه ذنوبه وطاعاته. وهذا عين القول بالتناسخ.
وكان في زمانهما شيخ المعتزلة أحمد بن أيوب بن مانوس، وهو أيضا من تلامذة النظام، وقال أيضا مثل ما قال أحمد بن خابط في التناسخ، وخلق البرية دفعة واحدة، إلا أنه قال: متى صارت التوبة إلى البهيمة ارتفعت التكاليف أيضا، وصارت التوبتان عالم الجزاء.
ومن مذاهبما أن الديار خمس:
داران للثواب، إحداهما فيها أكل وشرب وبعال، وجنات وأنهار.
والثانية دار فوق هذه الدار ليس فيها أكل ولا شرب ولا بعال، بل ملاذ روحانية وروح وريحان، غير جسمانية.
والثالثة: دار العقاب المحض، وهي نار جهنم، ليس فيها ترتيب، بل هي على نمط التساوي.
والرابعة: دار الابتداء التي خلق الخلق فيها قبل أن يهبطوا إلى دار الدنيا، وهي الجنة الأولى.
والخامسة: دار الابتداء، وهي التي كلف الخلق فيها بعد أن اجترحوا في الأولى.
وهذا التكوين والتكرير لا يزال في الدنيا حتى يمتلئ المكيالان: مكيال الخير،
[ ١ / ٦٢ ]
ومكيال الشر، فغذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة، والمطيع خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة، ولم يلبث طرفة عين، فإن مطل الغني ظلم، وفي الحديث: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصيه، والعاصي شريرا محضا، فينقل إلى النار ولم يلبث طرفة عين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ١.
البدعة الثالثة: حملهما كل ما ورد في الخبر من رؤية الباري تعالى مثل قوله ﵊: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته" على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع، وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات، وإياه عني النبي ﵊، بقوله: "أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال. وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، بك أعز، وبك أذل، وبك أعطي؛ وبك أمنع" فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر. فأما واهب العقل فلا يرى ألبتة، ولا يشبه إلى مبدع بمبدع.
وقال ابن خابط: إن كل نوع من أنواع الحيوانات أمة على حيالها لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٢ وفي كل أمة رسول من نوعه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣.
ولهما طريقة أخرى في التناسخ، وكأنهما مزجا كلام التناسخية، والفلاسفة، والمعتزلة بعضها ببعض.
_________________
(١) ١ الأعراف آية٣٤، والنحل آية ٦١. ٢ الأنعام آية ٣٨. ٣ فاطر آية ٢٤.
[ ١ / ٦٣ ]
٥- البشرية:
أصحاب بشر١ بن المعتمر، كان من أفضل علماء المعتزلة، وهو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه، وانفرد عن أصحابه بمسائل ست:
الأولى منها: أنه زعم أن اللون والطعم والرائحة والإدراكات كلها من السمع، والرؤية يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد، إذا كانت أسبابها من فعله. وإنما أخذ هذا من قول الطبيعيين، إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر بالقدرة. وربما لا يثبتون القدرة على منهاج المتكلمين. وقوة الفعل وقوة الانفعال غير القدرة التي يثبتها المتكلم.
الثانية: قوله إن الاستطاعة هي سلامة البنية، وصحة الجوارح، وتخليتها من الآفات. وقال: لا أقول: يفعل بها في الحالة الأولى، ولا في الحالة الثانية. لكني أقول: الإنسان يفعل، والفعل لا يكون إلا في الثانية.
الثالثة: قوله إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، ولو فعل ذلك كان ظالما إياه، إلا أنه لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه، بل يقال: لو فعل ذلك كان الطفل بالغا عاقلا، عاصيا بمعصية ارتكبها. مستحقا للعقاب. وهذا كلام متناقض.
الرابعة: حكى الكعبي٢ عنه أنه قال: إرادة الله تعالى فعل من أفعاله، وهي على وجهين: صفة ذات، وصفة فعل، فأما صفة الذات فهي أن الله تعالى لم يزل مريدا لجميع أفعاله، ولجميع الطاعات من عباده فإنه حكيم ولا يجوز أن يعلم الحكيم صلاحا وخيرا ولا يريده. وأما صفة الفعل فإن أراد بها فعل نفسه في حال إحداثه فهي خلقه له، وهي
_________________
(١) ١ توفي بشر سنة ٢٢٦هـ. ٢ في "مقالات الإسلاميين" للأشعري ص٥١٣ ج١ "وقال بشر بن المعتمر ومن ذهب مذهبه: إرادة الله غير الله. والإرادة على ضربين: إرادة وصف بها، وهي فعل من فعله. وإرادة وصف بها في ذاته. وإن إرادته الموصوف بها في ذاته غير لاحقة بمعاصي خلقة. وجوز وقوعها على سائر الأشياء".
[ ١ / ٦٤ ]
قبل الخلق لأن ما به يكون الشيء لا يجوز أن يكون معه، وإن أراد بها فعل عباده؛ فهي الأمر به.
الخامسة: قال: إن عند الله تعالى لطفا١ لو أتى به لآمن جميع من في الأرض إيمانا يستحقون عليه الثواب، استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده وأكثر منه، وليس على الله تعالى أن يفعل ذلك بعباده ولا يجب عليه رعاية الأصلح لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح. فما من أصلح إلا وفوقه أصلح، وإنما عليه أن يمكن العبد بالقدر والاستطاعة ويزيح العلل بالدعوة والرسالة. والمفكر قبل ورود السمع يعلم الباري تعالى بالنظر والاستدلال، وإذا كان مختارا في فعله فيستغنى عن الخاطرين، لأن الخاطرين لا يكونان من قبل الله تعالى، وإنما هما من قبل الشيطان، والمفكر الأول لم يتقدمه شيطان يخطر الشك بباله، ولو تقدم فالكلام في الشيطان كالكلام فيه.
السادسة: قال: من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى، فإن قبل توبته بشرط أن لا يعود.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/ ٥٧٤ "وقال بشر: إن ما يقدر الله عليه من اللطف لا غاية ولا نهاية. وعند الله من اللطف ما هو أصلح مما فعل ولم يفعله. ولو فعله بالخلق آمنوا طوعا لا كرها. وقد فعل بهم لطفا يقدرون به على ما كلفهم". وقد خالفه المعتزلة كلهم كما ذكر الأشعري إذ قالوا: "إنه لا لطف عند الله لو فعله بمن لا يؤمن لآمن. ولو كان عنده لطف لو فعله بالكفار لآمنوا ثم لم يفعل بهم ذلك، لم يكن مريدا لمنفعتهم. فلم يصفوا ربهم بالقدرة على ذلك، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا". ورأي بشر في اللطف متفق مع رأي أهل السنة.
[ ١ / ٦٥ ]
٦- المعمرية:
أصحاب معمر٢ بن عباد السلمي، وهو من أعظم القدرية فرية في تدقيق القول
_________________
(١) ٢ توفي معمر سنة ٢٢٠هـ.
[ ١ / ٦٥ ]
بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى، والتفكير والتضليل على ذلك، وانفرد عن أصحابه بمسائل:
منها أنه قال: إن الله تعالى لم يخلق١ شيئا غير الأجسام، فأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام، إما طبعا كالنار التي تحدث الإحراق، والشمس التي تحدث الحرارة، والقمر الذي يحدث التلوين، وإما اختيارا كالحيوان يحدث الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق. ومن العجب أن حدوث الجسم وفناءه عنده عرضان، فكيف يقول إنهما من فعل الأجسام؟ وإذا لم يحدث الباري تعالى عرضا فلم يحدث الجسم وفناءه؟ فإن الحدوث عرض؛ فيلزمه أن لا يكون لله تعالى فعل أصلا، ثم ألزم أن كلام الباري تعالى إما عرض أو جسم، فإن قال هو عرض فقد أحدثه الباري، فإن المتكلم على أصله هو من فعل الكلام. أو يلزمه ألا يكون لله تعالى كلام هو عرض، وإن
_________________
(١) ١ قال أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ٢/ ٥٤٨ "وقال معمر بالتعجيز لله، وأنه لا يوصف القديم بأنه قادر إلا على الجواهر. وأما الأعراض فلا يجوز أن يوصف بالقدرة عليها. وأنه ما خلق حياة ولا موتا، ولا صحة ولا سقما، ولا قوة ولا عجزا، ولا لونا ولا طعما ولا ريحا. وأن ذلك أجمع فعل الجواهر بطبائعها وأن من قدر على الحركة قدر أن يتحرك، ومن قدر على السكون قدر أن يسكن. كما أن من قدر على الإرادة قدر أن يريد. وأن البارئ قد يريد ويكره، وذلك قائم به لا في مكان. وكذلك تحريكه وتسكينه قائم به، وهو إرادته". "فيقال له: إذا قلت إن الباري قادر على التحريك والتسكين فقل قادر على أن يتحرك ويسكن. فإن كان من قدر على تحريك غيره وتسكينه لا يوصف بالقدرة أن يتحرك، فكذلك من وصف بالقدرة على حركة غيره لا يوصف بالقدرة على أن يتحرك". "وخالف أهل الحق أهل القدر ومعمرا في ذلك فقالوا: قد يوصف القديم بالقدرة على إنشاء الحركة ولا يوصف بالقدرة على التحرك". وفي المصدر السابق ٢/ ٥٦٤ "قال معمر: لا يوصف الله سبحانه بالقدرة على أن يخلق قدرة لأحد. وما خلق الله لأحد قدرة على موت ولا حياة، ولا يجوز ذلك عليه". وفي المصدر السابق ١/ ١٩٢: "أصحاب معمر يزعمون أن القرآن عرض، والأعراض عندهم قسمان: قسم منها يفعله الأحياء، وقسم منها يفعله الأموات. ومحال أن يكون ما يفعله الأموات فعلا للأحياء. والقرآن مفعول، وهو عرض، ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة، لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله. وزعموا أن القرآن فعل للمكان الذي يسمع من شجرة فهو فعل لها. وحيثما سمع فهو فعل للمحل الذي حل فيه".
[ ١ / ٦٦ ]
قال: هو جسم فقد أبطل قوله إنه أحدثه في محل الجسم لا يقوم بالجسم. فإذا لم يقل هو بإثبات الصفات الأذلية، ولا قال بخلق الأعراض؛ فلا يكون لله تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه، وإذا لم يكن له كلام لم يكن آمرا ناهيا، وإذا لم يكن أمر ونهى لم تكن شريعة أصلا. فأدى مذهبه إلى خزي عظيم.
ومنها أنه قال إن الأعراض لا تتناهى في كل نوع، وقال كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام، وذلك يؤدي إلى التسلسل. وعنهذه المسألة سمي هو وأصحابه، أصحاب المعاني. وزاد على ذلك فقال: الحركة إنما خالفت السكون لا بذاتها، بل بمعنى أوجب المخالفة، وكذلك مغايرة المثل المثل ومماثلته، وتضاد الضد الضد، كل ذلك عنده بمعنى.
ومنها: ما حكى الكعبي عنه أن الإرادة من الله تعالى للشيء غير الله، وغير خلقه للشيء، وغير الأمر، والإخبار، والحكم. فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف. وقال: ليس للإنسان فعل سوى الإرادة، مباشرة كانت أو توليدا، وأفعاله التكليفية من القيام والقعود، والحركة، والسكون في الخير والشر كلها مستندة إلى إرادته؛ لا على طريق المباشرة ولا على طريق التوليد، وهذا عجب. غير أنه إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان. وعنده: الإنسان معنى أو جوهر غير الجسد، وهو عالم، قادر، مختار، حكيم، ليس بمتحرك، ولا ساكن، ولا متكون، ولا متمكن، ولا يرى، ولا يمس، ولا يحس، ولا يجس، ولا يحل موضعا دون موضع، ولا يحويه مكان، ولا يحصره زمان؛ لكنه مدبر للجسد، وعلاقته مع البدن علاقة التدبير والتصرف. وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة، حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمرا ما، هو جوهر قائم بنفسه، لا متحيز ولا متمكن. وأثبتوا من جنس ذلك موجودات عقلية مثل العقول المفارقة. ثم لما كان ميل معمر بن عباد إلى مذهب الفلاسفة ميز بين أفعال النفس التي سماها إنسانا؟ وبين القالب الذي هو جسده؛ فقال: فعل النفس هو
[ ١ / ٦٧ ]
الإرادة فحسب، والنفس إنسان؛ ففعل الإنسان هو الإرادة؛ وما سوى ذلك من الحركات والسكنات والاعتمادات فهي من فعل الجسد.
ومنها: أنه يحكى عنه أنه كان ينكر القول بأن الله تعالى قديم، لأن قديم أخذ من قدم يقدم فهو قديم؛ وهو فعل كقولك أخذ منه ما قدم وما حدث. وقال أيضا: هو يشعر بالتقادم الزماني، ووجود الباري تعالى ليس بزماني.
ويحكى عنه أيضا أنه قال: الخلق غير المخلوق، والإحداث غير المحدث.
وحكى جعفر بن حرب عنه أنه قال: إن الله تعالى محال أن يعلم نفسه؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون العالم والمعلوم واحدا، ومحال أن يعلم غيره، كما يقال محال أن يقدر على الموجود من حيث هو موجود. ولعل هذا النقل فيه خلل؛ فإن عاقلا ما لا يتكلم بمثل هذا الكلام غير المعقول.
لعمري لما كان الرجل يميل إلى الفلاسفة، ومن مذهبهم: أنه ليس علم الباري تعالى علما انفعاليا، أي تابعا للمعلوم. بل علمه علم فعلي؛ فهو من حيث هو فاعل عالم، وعمله هو الذي أوجب الفعل، وإنما يتعلق بالموجود حال حدوثه لا محالة، ولا يجوز تعلقه بالمعدوم على استمرار عدمه، وأنه علم وعقل، وكونه عقلا، وعاقلا، ومعقولا شيء واحد. فقال ابن عباد: لا يقال: يعلم نفسه، لأنه قد يؤدي غلى تمايز بين العالم والمعلوم، ولا يعلم غيره؛ لأنه يؤدي إلى كون علمه من غيره يحصل. فإما أن لا يصح النقل، وإما أن يحمل على مثل هذا المحمل، ولسنا من رجال ابن عباد فنطلب لكلامه وجها.
[ ١ / ٦٨ ]
٧- المردارية:
أصحاب عيسى بن صبيح١ المكنى بأبي موسى، الملقب بالمردار. وقد تلمذ
_________________
(١) ١ توفي المردار في حدود سنة ٢٢٦هـ، قال عبد القاهر ص١٠٠ "وكان يقال له راهب المعتزلة، وهذا اللقب لائق به إن كان المراد به مأخوذا من رهبانية النصار، ولقبه بالمردار لائق به أيضا، وهو في الجملة كما قيل: وقلما أبصرت عيناك من رجل إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
[ ١ / ٦٨ ]
لبشر بن المعتمر، وأخذ العلم منه وتزهد، ويسمى راهب المعتزلة. وإنما انفرد عن أصحابه بمسائل.
الأولى منها: قوله في القدر إن الله تعالى يقدر على أن يكذب ويظلم، ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما. تعالى الله عن قوله.
والثانية: قوله في التولد مثل قول أستاذه، وزاد عليه بأن جوز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد.
الثالثة: قوله في القرآن إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة، ونظما، وبلاغة. وهو الذي بالغ في القول بخلق القرآن. وكفر من قال بقدمه بأنه قد أثبت قدمين، وكفر أيضا من لابس السلطان، وزعم أنه لا يرث ولا يورث. وكفر أيضا من قال إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، ومن قال إنه يرى بالإبصار. وغلا في التكفير حتى قال هم كافرون في قولهم: لا إله إلا الله. وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعا فكفرهم. فأقبل عليه إبراهيم وقال: الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك؟ فخزي ولم يحر جوابا.
وقد تلمذ له أيضا الجعفران١، وأبو زفر، ومحمد بن سويد، وصحب أبو جعفر
_________________
(١) ١ الجعفران: هما جعفر بن حرب الثقفي المتوفى سنة ٢٣٤هـ، وجعفر بن مبشر الهمذاني المتوفى سنة ٢٣٦هـ. قال عبد القاهر ص١٠١ "أما جعفر بن مبشر فإنه زعم أن في فساق هذه الأمة من هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة. هذا مع قوله: أن الفاسق موزحد وليس بمؤمن ولا كافر فجعل الموحد الذي ليس بكافر شرا من الثنوي الكافر. وزعم أيضا أن إجماع الصحابة على ضرب شارب الخمر الحد وقع خطأ، لأنهم أجمعوا عليه برأيهم، فشارك ببدعته هذه نجدات الخوارج في إنكارها حد الخمر. وأما جعفر بن حرب فإنه جرى على ضلالات أستاذه المردار وزاد عليه قوله: إن بعض الجملة غير الجملة. وهذا يوجب عليه أن تكون الجملة غير نفسها إذا كان كل بعض منها غيرها. وكان يزعم أن الممنوع من الفعل قادر على الفعل وليس يقدر على شيء. هكذا حكى الكعبي في مقالاته. ويلزمه على هذا الأصل أن يجيز كون العالم بشيء ليس غير عالم به". وفي "مقالات الإسلاميين" للأشعري. ص٢٤٠ ج١ "وقال جعفر بن حرب: الممنوع قادر، وليس يقدر على شيء، كما أن المنطبق جفنه بصير ولا يبصر".
[ ١ / ٦٩ ]
محمد بن عبد الله الإسكافي، وعيسى بن الهيثم، وجعفر بن حرب الأشج، وحكى الكعبي عن الجعفرين أنهما قالا: إن الله تعالى خلق القرآن في اللوح المحفوظ، ولا يجوز أن ينقل إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة، وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ، وذلك فعلنا وخلقنا.
قال: وهو الذي اختاره من الأقوال المختلفة في القرآن.
وقالا في تحسين العقل وتقبيحه: إن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع، وعليه يعلم أنه إن قصر ولم يعرفه ولم يشكره عاقبه عقوبة دائمة. فأثبتا التخليد واجبا بالعقل.
[ ١ / ٧٠ ]
٨- الثمامية:
أصحاب ثمامة بن أترس١؛ النميري؛ كان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة، وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين. وانفرد عن أصحابه بمسائل:
_________________
(١) ١ توفي ثمامة سنة ٢١٣هـ. قال عبد القاهر البغدادي ص١٠٣ "كان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم، والواثق، وقيل إنه هو الذي أغوى المأمون بأن دعاه إلى الاعتزال. وانفرد عن سائر أسلاف المعتزل ببدعتين أكفرته الأمة كلها فيهما. إحداهما: أنه لما شاركه أصحاب المعارف في دعواهم أن المعارف ضرورية، زعم أن من لم يضطره الله تعالى إلى معرفته لم يكن مأمورا بالمعرفة ولا منهيا عن الكفر، وكان مخلوقا للسخرة والاعتبار فحسب كسائر الحيوانات التي ليست بمكلفة وزعم لأجل ذلك أن عوام الدهرية والنصارى، والزنادقة يصيرون في الآخرة ترابا. وزعم أن الآخرة إنما هي دار ثواب أو عقاب، وليس فيها لمن مات طفلا ولا لمن لا يعرف الله تعالى بالضرورة طاعة يستحقون بها ثوابا" ولا معصية يستحقون عليها عقابا. فيصيرون حينئذ ترابا إذ لم يكن لهم حظ في ثواب، ولا عقاب. والبدعة الثانية من بدع ثمامة: قوله بأن الأفعال المتولدة أفعال لا فاعل لها. وهذه الضلالة تجر إلى إنكار صانع العالم، لأنه لو صح وجود فعل بلا فاعل، لصح وجود كل فعل بلا فاعل، ولم يكن حينئذ في الأفعال دلالة على فاعلها، ولا كان في حدوث العالم دلالة على صانعه. ويقال له: إذا كان كلام الإنسان عندك متولدا ولا فاعل له عندك، فلم تلوم الإنسان على كذبه وعلى كلمة الكفر؟ وهو عندك غير فاعل للكذب، ولا لكلمة الكفر".
[ ١ / ٧٠ ]
منها قوله: إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها؛ إذ لم يمكنه إضافتها إلى فاعل أسبابها حتى يلزمه أن يضيف الفعل إلى ميت، مثل ما إذا فعل السبب ومات ووجد المتولد بعده، ولم يمكنه إضافتها إلى الله تعالى، لأنه يؤدي إلى فعل القبيح، وذلك محال. فتحير فيه وقال المتولدات أفعال لا فاعل لها.
ومنها قوله: في الكفار والمشركين والمجوس، واليهود والنصارى والزنادقة والدهرية: إنهم يصيرون في القيامة ترابا. وكذلك قوله في البهائم والطيور وأطفال المؤمنين.
ومنها قوله: الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح وتخليتها من الآفات، وهي قبل الفعل.
ومنها قوله: إن المعرفة متولدة من النظر، وهو فعل لا فاعل له كسائر المتولدات.
ومنها قوله: في تحسين العقل وتقبيحه، وإيجاب المعرفة قبل ورود السمع مثل قول أصحابه غير أنه زاد عليهم فقال: من الكفار من لا يعلم خالفه وهو معذور. وقال: إن المعارف كلها ضرورية، وإن من لم يضطر إلى معرفة الله ﷾ فليس هو مأمورا بها، وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان.
ومنها قوله: لا فعل للإنسان إلا الإرادة، وما عداها فهو حدث لا محدث له. وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال: العالم فعل الله تعالى بطباعه. ولعله أراد بذلك ما تريده الفلاسفة من الإيجاب بالذات دون الإيجاد على مقتضى الإرادة، لكن يلزمه على اعتقاده ذلك ما لزم الفلاسفة من القول بقدم العالم؛ إذ الموجب لا ينفك عن الموجب.
وكان ثمامة في أيام المأمون، وكان عنده بمكان.
[ ١ / ٧١ ]
٩ - الهشامية:
أصحاب هشام١ بن عمرو الفوطي. ومبالغته في القدر أشد وأكثر من مبالغة أصحابه، وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري تعالى وإن ورد بها التنزيل.
منها قوله: إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم. وقد ورد في التنزيل: ﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢.
ومنها قوله: إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين، ولا يزينه في قلوبهم. وقد قال تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣ ومبالغتها في نفي إضافات الطبع والختم والسد وأمثالها أشد واصعب. وقد ورد بجميعها التنزيل، قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ٤ وقال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ٥ وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ٦ وليت شعري! ما يعتقده الرجل؟ إنكار ألفاظ التنزيل وكونها وحيا من الله تعالى؟ فيكون تصريحا بالكفر. أو إنكار ظواهرها من نسبته إلى الباري تعالى ووجوب تأويلها؟ وذلك عين مذهب أصحابه.
ومن بدعه في الدلالة على الباري تعالى قوله إن الأعراض لا تدل على كونه خالقا، ولا تصلح الأعراض دلالات؛ بل الأجسام تدل على كونه خالقا، وهذا أيضا عجب.
ومن بدعه في الإمامة قوله إنها لا تنعقد في أيام الفتنة واختلاف الناس، وإنما يجوز عقدها في حال الاتفاق والسلامة. وكذلك أبو بكر الأصم من أصحابه كان يقول الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم، وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة علي رضي الله
_________________
(١) ١ توفي هشام الفوطي سنة ٢٢٦هـ. ٢ الأنفال آية ٦٣. ٣ الحجرات آية ٧. ٤ البقرة آية ٧. ٥ النساء آية ١٥٥. ٦ يس آية ٩.
[ ١ / ٧٢ ]
عنه إذ كانت البيعة في أيام الفتنة من غير اتفاق من جميع الصحابة، إذ بقي في كل طرف طائفة على خلافه.
ومن بدعه أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما. وبقيت هذه المسألة منه اعتقادا للمعتزلة. وكان يقول بالموافاة، وأن الإيمان هو الذي يوافي الموت. وقال: من أطاع الله جميع عمره، وقد علم الله أنه يأتي بما يحيط أعماله ولو بكبيرة لم يكن مستحقا للوعد، وكذلك على العكس. وصاحبه عباد١ من المعتزلة، وكان يمتنع من إطلاق القول بأن الله تعالى خلق الكافر، لأن الكافر كفر، وإنسان. والله تعالى لا يخلق الكفر. وقال النبوة جزاء على عمل، وإنها باقية ما بقيت الدنيا، وحكى الأشعري٢ عن عباد أنه زعم أنه لا يقال:
_________________
(١) ١ هو عبادة بن سليمان الضمري، من الطبقة السابقة من المعتزلة، يظن أنه توفي في حدود سنة ٢٥٠هـ. ٢ ذكر الأشعري في "مقالات الإسلاميين" أن عبادا كان يقول: هو عالم قادر حي، ولا أثبت له علما، ولا قدرة، ولا حياة، ولا أثبت له اسما، ولا أثبت له بصرا. وأقول: هو عالم لا يعلم، وقادر لا بقدر، حي لا بحياة، وسميع لا يسمع. وكذلك سائر ما يسمى به من الأسماء يسمى بها، لا لفعله ولا لفعل غيره. وكان ينكر قول من قال إنه عالم قادر حي لنفسه ولذاته، وينكر ذكر النفس وذكر الذات. وينكر أن يقال إن لله علما أو قدرة أو سمعا أو بصرا أو حياة أو قدما. وكان يقول: قولي عالم إثبات اسم لله ومعه علم بمعلوم. وقولي قادر إثبات اسم لله ومعه علم بمقدور. وقولي حي إثبات اسم الله. وكان ينكر أن يقال إن للباري وجها ويدين وعينين وجنبا. وكان يقول: أقرأ القرآن وما قال الله من ذلك فيه، ولا أطلق ذلك بغير قراءة. وينكر أن يكون معنى القول في البارئ إنه عالم: معنى القول فيه إنه قادر. وأن يكون معنى القول فيه إنه قادر القول فيه إنه حي. وكذلك صفات الله التي يوصف بها لا لفعله كالقول: سمع ليس معناه أنه يصير ولا معناه عالم. وكان إذا سئل عن القول عزيز، قال: إثبات اسم الله. ولم يقل أكثر من هذا وكذلك جوابه في عظيم، مالك، سيد. وكان يقول: لا يقال إن البارئ لم يزل خالقا، ولا يقال لم يزل غير خالق. ولا يقال لم يزل رازقا ولا يقال لم يزل غير رازق. وكذلك قوله في سائر الصفات. وقال هشام وعباد: لا نقول إن شيئا من الأعراض يدل على الله سبحانه، ولا نقول أيضا إن عرضا =
[ ١ / ٧٣ ]
إن الله تعالى لم يزل قائلا ولا غير قائل، ووافقه الإسكافي على ذلك، قالا: ولا يسمى متكلما.
وكان الفوطي يقول إن الأشياء قبل كونها معدومة؛ ليست أشياء، وهي بعد أن تعدم عن وجود تسمى أشياء، ولهذا المعنى كان يمنع القول بأن الله تعالى قد كان لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها، فإنها لا تسمى أشياء. قال: وكان يجوز القتل والغيلة على المخالفين لمذهبه، وأخذ أموالهم غصبا وسرقة لاعتقاده كفرهم، واستباحة دمائهم وأموالهم.
_________________
(١) = يدل على نبوة النبي ﷺ. ولم يجعلا القرآن علما للنبي ﷺ، وزعما أن القرآن أعراض. وأنكر عباد أن يكون الله جعل الكفر على وجه من الوجوه، أو خلق الكافر والمؤمن. وكان يقول: خلق الله الخلق لا لعلة. وقال عباد: الإيمان هو جميع ما أمر الله سبحانه به من الفرض، وما رغب فيه من النفل. والإيمان على وجهين: إيمان بالله وهو ما كان تاركه أو تارك شيء منه كافرا كالملة والتوحيد. وإيمان لله إذا تركه تارك لم يكفر. ومن ذلك ما يكون تركه ضلالا وفسقا. ومنه ما يكون تركه صغيرا. وكل أفعال الجاهل بالله عنده كفر بالله. ذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين: ص٤٠٧ ج٢ عن الجاحظ أنه قال: ما بعد الإرادة فهو للإنسان بطبعه وليس باختيار، وليس يقع منه فعل باختيار سوى الإرادة. وقال عبد القاهر البغدادي ص١٠٥: "فمن ضلالته المنسوبة إليه ما حكاه الكعبي عنه من قوله: إن المعارف كلها طباع، وهي مع ذلك فعل للعباد وليست باختيار لهم. ووافق ثمامة في أن لا فعل للعباد إلا الإرادة، وأن سائر الأفعال تنسب إلى العباد على معنى أنها وقعت منهم طباعا، وأنها وجبت بإرادتهم. وزعم أيضا أنه لا يجوز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله تعالى، والكفار عنده ما بين معاند وعارف قد استغرقه حبه لمذهبه، فهو لا يشكر بما عند من المعرفة بخالقه وتصديق رسله. فإن صدق الكعبي على الجاحظ في أن لا فعل للإنسان إلا الإرادة، لزمه أن لا يكون الإنسان مصليا، ولا صائما، ولا حاجا، ولا زانيا، ولا سارقا ولا قاذفا، ولا قاتلا. لأنه لم يفعل عنده صلاة ولا صوما، ولا حجا، ولا زنا، ولا سرقة، ولا قتلا، ولا قذفا. لأن هذه الأفعال عنده غير الإرادة. وإذا كانت هذه الأفعال التي ذكرناها عنده طباعا لا كسبا له، كما لا يثاب ولا يعاقب على ما لا يكون كسبا له، كما لا يثاب ولا يعاقب على لونه وتركيب بدنه إذ لم يكن ذلك من كسبه". "ومن فضائح الجاحظ أيضا قوله باستحالة عدم الأجسام بعد حدوثها. وهذا يوجب القول بأن الله ﷾ يقدر على خلق شيء ولا يقدر عل إفنائه. وأنه لا يصح بقاؤه بعد ان خلق الخلق منفردا كما كان منفردا قبل أن خلق الخلق. ونحن وإن قلنا إن الله لا يفني الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، لسنا نجعل ذلك بأن الله ﷿ غير قادر على إفناء ذلك كله، وإنما نقول بدوام الجنة والنار بطريق الخبر".
[ ١ / ٧٤ ]
١٠- الجاحظية:
أصحاب عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ. كان من فضلاء المعتزلة والمصنفين لهم وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط وروج كثيرا من مقالاتهم بعباراته البليغة، وحسن براعته اللطيفة، وكان في أيام المعتصم، والمتوكل. وانفرد عن أصحابه بمسائل:
منها قوله: إن المعارف كلها ضرورية طباع، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد. وليس للعبد كسب سوى الإرادة، وتحصل أفعاله منه طباعا كما قال ثمامة، ونقل عنه أيضا أنه أنكر أصل الإرادة وكونها جنسا من الأعراض فقال: إذا انتفى السهو عن الفاعل، وكان عالما بما يفعله فهو المريد على التحقيق. وأما الإرادة المتعلقة بفعل الغير فهي ميل النفس إليه، وزاد على ذلك بإثبات الطبائع للأجسام كما قال الطبيعيون من الفلاسفة، وأثبت لها أفعالا مخصوصة بها، وقال باستحالة عدم الجواهر؛ فالأعراض تتبدل، والجواهر لا يجوز أن تفنى.
ومنها قوله: في أهل النار إنهم لا يخلدون فيها عذابا، بل يصيرون إلى طبيعة النار. وكان يقول النار تجذب أهلها إلى نفسها من غير أن يدخل أحد فيها. ومذهبه مذهب الفلاسفة في نفي الصفات. وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد: مذهب المعتزلة، وحكى الكعبي عنه أنه قال: يوصف الباري تعالى بأنه مريد بمعنى أنه لا يصح عليه السهو في أفعاله، ولا الجهل ولا يجوز أن يغلب ويقهر.
وقال: إن الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله تعالى خالقهم، وعارفون بأنهم محتاجون إلى النبي، وهم محجوجون بمعرفتهم. ثم هم صنفان: عالم بالتوحيد، وجاهل به. فالجاهل معذور، والعالم محجوج. ومن انتحل دين الإسلام، فإن اعتقد أن الله تعالى ليس بجسم ولا صورة، ولا يرى بالإبصار، وهو عدل لا يجور، ويريد المعاصي،
[ ١ / ٧٥ ]
وبعد الاعتقاد واليقين أقر بذلك كله، فهو مسلم حقا، وإن عرف ذلك كله ثم جحده وأنكره، وقال بالتشبيه والجبر، فهو مشرك كافر حقا. وإن لم ينظر في شيء من ذلك كله، واعتقد أن الله تعالى ربه، وأن محمدا رسول الله، فهو مؤمن لا لوم عليه، ولا تكليف عليه غير ذلك.
وحكى ابن الرواندي أنه قال: إن للقرآن جسدا يجوز أن يقلب مرة رجلا، ومرة حيوانا، وهذا مثل ما يحكى عن أبي بكر الأصم أنه زعم أن القرآن جسم مخلوق، وأنكر الأعراض أصلا، وأنكر صفات الباري تعالى. "ومذهب الجاحظ هو بعينه مذهب الفلاسفة. إلا أن الميل منه ومن أصحابه إلى الطبيعيين منهم أكثر منه إلى الإلهيين".
[ ١ / ٧٦ ]
١١- الخياطية والكعبية:
أصحاب أبي الحسن بن أبي عمرو الخياط١، أستاذ أبي القاسم بن محمد
_________________
(١) ١ هو مؤلف كتاب "الانتصار والرد على ابن الرواندي" دافع فيه عن المعتزلة، وبرأهم مما رماهم به ابن الرواندي، توفي سنة ٣٠٠هـ. قال عبد القاهر ص١٠٧ "وانفرد بقول لم يسبق إليه في المعدوم. وذلك أن المعتزلة اختلفوا في تسمية المعدوم شيئا، فمنهم من قال: لا يصح أن يكون المعدوم معلوما ومذكورا. ولا يصح كونه شيئا ولا ذاتا جوهرا ولا عرضا. وهذا اختيار الصالحي منهم وهو موافق لأهل السنة، في المنع في تسمية المعدوم شيئا. وزعم آخرون من المعتزلة أن المعدوم شيء، ومعلوم، ومذكور، وليس بجوهر ولا عرض، وهذا اختيار الكعبي منهم. وزعم الجبائي وابنه أبو هاشم أن كل وصف يستحقه الحادث لنفسه أو لجنسه فإن الوصف ثابت له في حال عدمه. وزعم أن الجوهر كان في حال عدمه جوهرا، وكان العرض في حال عدمه عرضا، وكان السواد سوادا، والبياض بياضا في حال عدمهما، وامتنع هؤلاء كلهم عن تسمية المعدوم جسما من قبل، لأن الجسم عندهم مركب، وفيه تأليف، وطول، وعرض، وعمق. ولا يجوز وصف معدوم بما يوجب قيام معنى به. وفارق الخياط في هذا الباب جميع المعتزلة وسائر فرق الأمة. فزعم أن الجسم في حال عدمه يكون جسما، لأنه يجوز أن يكون في حال حدوثه جسما. ولم يجز أن يكون المعدوم متحركا لأن الجسم في حال حدوثه لا يصح أن يكون متحركا عنده. فقال: كل وصف يجوز ثبوته في حال الحدوث فهو ثابت له في =
[ ١ / ٧٦ ]
الكعبي١. وهما من معتزلة بغداد على مذهب واحد، إلا أن الخياط غالى في إثبات المعدوم شيئا وقال: الشيء ما يعلم ويخبر عنه، والجوهر جوهر في العدم، والعرض عرض في العدم. وكذلك أطلق جميع الأجناس والأصناف حتى قال: السواد سواد
_________________
(١) = حال عدمه. ويلزمه على هذا الاعتدال أن يكون الإنسان قبل حدوثه إنسانا، لأن الله تعالى لو أحدثه على صورة الإنسان بكاملها من غير نقل له في الأصلاب والأرحام، ومن غير تغيير له من صورة إلى صورة أخرى يصح ذلك. وكان هؤلاء الخياطية يقال لهم المعدومية لإفراطهم بوصف المعدوم بأكثر أوصاف الموجودات. "وقد نقض الجبائي على الخياط قوله بأن الجسم جسم قبل حدوثه. وذكر أن قوله بذلك يؤديه إلى القول بقدم الأجسام. وهذا الإلزام متوجه على الخياط. ويتوجه مثله على الجبائي وابنه في قولهما بأن الجواهر والأعراض كانت في حال العدم أعراضا وجواهر. فإذا قالوا: لم تزل أعيانا وجواهر وأعراضا ولم يكن حدوثها لمعنى سوى أعيانها. فقد لزمهم القول بوجودها في الأزل. وساروا في التحقيق إلى معنى قول الذين قالوا بقدم الجوهر والأعراض". ١ تكلم عبد القاهر عن الكعبية ص١٠٨ فقال: "هؤلاء أتباع أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي المعروف بالكعبي خالف البصريين من المعتزلة في أحوال كثيرة. منها: أن البصريين منهم أقروا بأن الله تعالى يرى خلقه من الأجسام والألوان، وأنكروا أن يرى نفسه، كما أنكروا أن يراه غيره. وزعم الكعبي أن الله تعالى لا يرى نفسه ولا غيره إلا على معنى علمه بنفسه وبغيره. وتبع النظام في قوله إن الله تعالى لا يرى شيئا في الحقيقة. ومنها: أن البصريين منهم مع أصحابنا في أن الله ﷿ سامع للكلام والأصوات على الحقيقة لا على معنى أنه عالم بهما. وزعم الكعبي والبغداديون من المعتزلة أن الله تعالى لا يسمع شيئا على معنى الإدراك المسمى بالسمع. وتأولوا وصفه بالسمع البصير على معنى أنه عليم بالمسموعات التي يسمعها غيره، والمرئيات التي يراها غيره. ومنها: أن البصريين منهم مع أصحابنا في أن الله ﷿ مريد على الحقيقة. غير أن أصحابنا قالوا إنه لم يزل مريدا بإرادة أزلية. وزعم البصريون من المعتزلة أنه يريد بإرادة حادثة لا في محل. وخرج الكعبي والنظام وأتباعهما عن هذين الوقلين. وزعموا أنه ليست لله تعالى إرادة على الحقيقة. وزعموا أنه إذا قيل إن الله ﷿ أراد شيئا من فعله فمعناه أنه فعله. وإذا قيل إنه أراد من عنده فعلا فمعناه أنه أمر به. وقالوا إن وصفه بالإرادة في الوجهين جمعيا مجاز. كما أن وصف الجدار بالإرادة في قول الله تعالى- جدارا يريد أن ينقض فأقامه. قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا- مجاز. وقد أكفرهم البصريون مع أصحابنا في نفيهم إرادة الله ﷿". "ومنها: أن الكعبي على قول من أوجب على الله تعالى فعل الأصح في باب التكليف" توفي الكعبي سنة ٣١٩هـ.
[ ١ / ٧٧ ]
في العدم. فلم يبق إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث. وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت، وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه، وكذا القول في القدر والسمع، والعقل، وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل:
منها قوله: إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد لذاته، ولا إرادته حادثة في محل أولا في محل. بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم، قادر، غير مكره في فعله، ولا كاره. ثم إذا قيل هو مريد لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه، وإذا قيل هو مريد لأفعال عباده، فالمراد به أنه آمر بها، راض عنها. وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا، فهو سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات. وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة. غير أن أصحابه قالوا: يرى الباري تعالى ذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما. وقد أنكر الكعبي ذلك؛ قال: معنى قولنا: يرى ذاته ويرى المرئيات: أنه عالم بها فقط.
[ ١ / ٧٨ ]
الجبائية والبهشمية
في العدم. فلم يبق إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث. وأطلق على المعدوم لفظ الثبوت، وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه، وكذا القول في القدر والسمع، والعقل، وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل:
منها قوله: إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مريد لذاته، ولا إرادته حادثة في محل أولا في محل. بل إذا أطلق عليه أنه مريد فمعناه أنه عالم، قادر، غير مكره في فعله، ولا كاره. ثم إذا قيل هو مريد لأفعاله، فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه، وإذا قيل هو مريد لأفعال عباده، فالمراد به أنه آمر بها، راض عنها. وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا، فهو سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات. وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة. غير أن أصحابه قالوا: يرى الباري تعالى ذاته، ويرى المرئيات، وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما. وقد أنكر الكعبي ذلك؛ قال: معنى قولنا: يرى ذاته ويرى المرئيات: أنه عالم بها فقط.
[ ١ / ٧٨ ]
عبد السلام١. وهما من معتزلة البصرة؛ انفردا عن أصحابهما بمسائل. وانفرد أحدهما
_________________
(١) = له: بدعتك هذه أشنع من ضلالة النصارى في تسمية الله أبا لعيسى مع امتناعهم عن القول بأنه محبل مريم". وقال الأشعري في مقالات الإسلاميين ص٥٣١ ج٢ "وكان -يعني الجبائي- يزعم أن البارئ محبل. وأنه لا محبل للنساء في الحقيقة سواه. فيلزمه والد في الحقيقة، وأنه لا والد سواه". "وكان لا يزعم أن الإنسان باق في الحقيقة لأن الباقي هو الكائن لا بحدوث. والإنسان كان بحدوث". وقال في ص٥٤٣: "كان الجبائي لا يزعم أن البارئ يوصف بأنه كامل. لأن الكامل هو من تمت خصاله وأبعاضه. ولأن الكامل في بدنه هو الذي قد تمت أبعاضه. وكذلك الكامل في خصاله من تمت خصاله منا نحو كمال الرجل في علمه وعقله ورأيه وقوله وفصاحته. فلما كان الله ﷿ لا يوصف بالأبعاض، لم يجز أن يوصف بالكمال في ذاته من جهة الأفعال. وكذلك لا يوصف بأنه وافر، لأن معنى ذلك كمعنى الكامل وكذلك لا يقال تام، لأن تأويل التام والكامل واحد". "وقال: لا يجوز أن يوصف بالشجاعة. لأن الشجاعة هي الجرأة على المكاره وعلى الأمور المخوفة" "وكان يزعم أن الوصف لله سبحانه بأنه مختار معناه أنه مريد، إذا لم يكن ملجأ إلى ما أراده ولا مكرها ولا مضطرا إليه. والإرادة هي الاختيار. والاختيار غير المختار كما أن الإرادة غير المراد. وأن اختيار الله للأنبياء هو اختياره لإرسالهم وهو إرادته لذلك". ١ قال عبد القاهر في معرض كلامه عن البهشمية ص١١١. "ويقال لهم الذمية لقولهم باستحقاق الذم لا على فعل، وقد شاركوا المعتزلة في أكثر ضلالاتها وانفردوا عنهم بفضائح لم يسبقوا إليها. منها: قولهم باستحقاق الذم والعقاب لا على فعل. وذلك أنهم زعموا أن القادر منها يجوز أن يخلو من الفعل والشرك مع ارتفاع الموانع من الفعل. والذي ألجأهم إلى ذلك أن أصحابنا قالوا للمعتزلة: إذا أجزتم تقدم الاستطاعة على الفعل لزمتكم التسوية بين الوقتين والأوقات الكثيرة في تقدمها عليه. فكانوا يختلفون في الجواب عن هذا الإلزام. فمنهم من كان يوجب وقوع الفعل أو ضده بالاستطاعة في الحال الثانية من حال حدوث الاستطاعة إلى وقت حدوث الفعل، ويوجب وقوع الفعل أو ضده عند عدم الموانع، ويزعم مع ذلك أن القدرة لا تكون قدرته عليه في حال حدوثه. ومنهم من أجاز عدم القدرة مثل حدوث الفعل ومع حدوث العجز الذي هو ضد القدرة التي عدمت مد وجودها. ورأى أبو هاشم بن الجبائي توجه إلزام أصحابنا عليهم في التسوية بين الوقتين والأوقات الكثيرة في جواز تقدم الاستطاعة على الفعل إن جاز تقدمها عليه. ولم يجد للمعتزلة عنه انفصالا صحيحا فالتزم التسوية، وأجاز بقاء المستطيع أبادا مع بقاء قدرته وتوفر الآلة وارتفاع الموانع عنه خاليا من الفعل والترك، فقيل له على هذا الأصل: أرأيت لو كان هذا القادر مكلفا ومات قبل أن يفعل بقدرته طاعة له، =
[ ١ / ٧٩ ]
عن صاحبه بمسائل. أما المسائل التي انفردا بها عن أصحابهما:
فمنها: أنهما أثبتا إرادات حادثة لا في محل، يكون الباري تعالى بها موصوفا مريدا. وتعظيما لا في محل إذا أراد أن يعظم ذاته، وفناء لا في محل إذا أراد أن يفنى العالم. وأخص أوصاف هذه الصفات يرجع إليه من حيث إنه تعالى أيضا لا في محل، وإثبات موجودات هي أعراض، أو في حكم الأعراض لا محل لها كإثبات موجودات هي جواهر أو في حكم الجواهر لا مكان لها، وذلك قريب من مذهب الفلاسفة حيث أثبتوا عقلا هو جوهر لا في محل ولا في مكان، وكذلك النفس الكلية، والعقول المفارقة.
ومنها: أنهما حكما بكونه تعالى متكلما بكلام يخلقه في محل، وحقيقة الكلام عندهما أصوات مقطعة، وحروف منظومة، والمتكلم من فعل الكلام، لا من قام به
_________________
(١) = ماذا يكون حاله؟ فقال: يستحق الذم والعقاب الدائم لا على فعل، ولكن من أجل أنه لم يفعل ما أمر به مع قدرته عليه وتوفر الآلة فيه وارتفاع الموانع منه. فقيل له: كيف استحق العقاب بأن لم يفعل ما أمر به، وإن لم يفعل ما نهى عنه، دون أن يستحق الثواب بأن لم يفعل ما نهى عنه وإن لم يفعل ما أمر به؟ وكان أسلافه من المعتزلة يكفرون من يقول: إن الله تعالى يعذب العاصي على اكتساب معصية لم يخترعها العاصي. وقالوا الآن إن تكفير أبي هاشم في قوله بعقاب من ليس فيه معصية، لا من فعله ولا من فعل غيره، أولى. والثاني: أنه سمى من لم يفعل ما أمر به عاصيا وإن لم يفعل معصية. ولم يوقع اسم المطيع إلا على من فعل طاعة. ولو صح عاص بلا معصية لصح مطيع بلا طاعة، ولصح كافر بلا كفر. ثم إنه مع هذه البدع الشنعاء زعم أن هذا المكلف لو تغير تغيرا قبيحا يستحق بذلك قسطين من العذاب أحدهما: للقبيح الذي فعله. والثاني: لأنه لم يفعل الحسن الذي أمر به. ولو تغير تغييرا حسنا وفعل مثل أفعال الأنبياء، وكان الله تعالى قد أمر بشيء، فلم يفعل ولا فعل ضده لصار مخلدا في النار. وسائر المعتزلة يكفرونه في هذه المواضع الثلاثة: أحدها: استحقاق العقاب لا على فعل. والثاني: استحقاق قسطين من العذاب إذا تغير تغييرا قبيحا. والثالث: قوله: إنه لو تغير تغييرا حسنا وأطاع بمثل طاعة الأنبياء ﵈، ولم يفعل شيئا واحدا مما أمره الله تعالى به ولا ضده، لاستحق الخلود في النار. وألزمه أصحابنا في الحدود مثل قوله في القسطين. حتى يكون عليه حدان: حد الزنى الذي قد فعله. والثاني لأنه لم يفعل ما وجب عليه من ترك الزنى. وكذلك القول في حدود القذف والقصاص وشر الخمر. وألزموه إيجاب كفارتين على المفطر في شهر رمضان.
[ ١ / ٨٠ ]
الكلام. إلا أن الجبائي خالف أصحابه خصوصا بقوله: يحدث الله تعالى عند قراءة كل قارئ كلاما لنفسه في محل القراءة، وذلك حين ألزم أن الذي يقرؤه القارئ ليس بكلام الله، والمسموع منه ليس من كلام الله، فالتزم هذا المحال من إثبات أمر غير معقول ولا مسموع؛ وهو إثبات كلامين في محل واحد.
واتفقا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، وعلى القول بإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا، وإضافة الخير والشر، والطاعة والمعصية إليه استقلالا واستبدادا، وأن الاستطاعة قبل الفعل، وهي قدرة زائدة على سلامة البنية وصحة الجوارح، وأثبتا البنية شرطا في قيام المعاني التي يشترط في ثبوتها الحياة، واتفقا على أن المعرفة وشكر المنعم، ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية، وأثبتا شريعة عقلية وردا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل، ولا يهتدي إليها فكر. وبمقتضى العقل والحكم يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي، إلا أن التأقيت والتخليد فيه يعرف بالسمع.
والإيمان عندهما اسم مدح، وهو عبارة عن خصال الخير التي إذا أجتمعت في شخص سمي بها مؤمنا، ومن ارتكب كبيرة فهو في الحال يسمى فاسقا، لا مؤمنا ولا كافرا، وإن لم يتب ومات عليها فهو مخلد في النار.
واتفقا على أن الله تعالى لم يدخر عن عباده شيئا مما علم أنه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصلح واللطف، لأنه قادر، عالم جواد، حكيم لا يضره الإعطاء، ولا ينقص من خزائنه المنح، ولا يزيد في ملكه الادخار، وليس الأصلح هو الألذ، بل هو الأعود في العاقبة، والأصوب في العاجلة وإن كان ذلك مؤلما مكروها، وذلك كالحجامة والفصد، وشرب الأدوية. ولا يقال إنه تعالى يقدر على شيء هو أصلح مما فعل بعبده، والتكاليف كلها ألطاف. وبعثة الأنبياء، وشرع الشرائع، وتمهيد الأحكام والتنبيه على الطريق الأصوب، كلها ألطاف.
[ ١ / ٨١ ]
ومما تخالفا فيه: أما في صفات الباري تعالى فقال الجبائي: الباري تعالى عالم لذاته، قادر حي لذاته. ومعنى قوله: لذاته أي لا يقتضي كونه عالما صفة هي علم، أو حال توجب كونه عالما.
وعند أبي هاشم: هو عالم لذاته، بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا، وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها. فأثبت أحوالا هي صفات لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة. أي هي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات. قال: والعقل يدرك فرقا ضروريا بين معرفة الشيء مطلقا، وبين معرفته على صفة، فليس من عرف الذات عرف كونه عالما، ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيزا قابلا للعرض. ولا شك أن الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية، وافتراقها في قضية. وبالضرورة يعلم أن ما اشتركت فيه غير ما افترقت به. وهذه القضايا العقلية لا ينكرها عاقل، وهي لا ترجع إلى الذات، ولا إلى أعراض وراء الذات، فإنه يؤدي إلى قيام العرض بالعرض فتعين بالضرورة أنها أحوال. فكون العالم عالما حال هي صفة وراء كونه ذاتا، أي المفهوم منها غير المفهوم من الذات. وكذلك كونه قادرا، حيا. ثم أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال، وخالفه والده وسائر منكري الأحوال في ذلك، وردوا الاشتراك والافتراق إلى الألفاظ وأسماء الأجناس. وقالوا: أليست الأحوال تشترك في كونها أحوالا وتفترق في خصائص؟ كذلك نقول في الصفات، وإلا فيؤدي إلى إثبات الحال للحال، ويفضي إلى التسلسل. بل هي راجعة إما إلى مجرد الألفاظ إذ وضعت في الأصل على وجه يشترك فيها الكثير، لا أن مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات على وجه يشمل أشياء ويشترك فيها الكثير، فإن ذلك مستحيل. أو يرجع ذلك إلى وجوه واعتبارات عقلية هي المفهومة من قضايا الاشتراك والافتراق، وتلك الوجوه. كالنسب والإضافات، والقرب والبعد وغير ذلك مما لا يعد صفات بالاتفاق، وهذا هو اختيار أبي الحسين١ البصري، وأبي الحسن
_________________
(١) ١ هو أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري المتكلم على مذهب المعتزلة، وهو أحد أئمتهم الأعلام المشار إليه في هذا الفن. توفي سنة ٤٣٦هـ "ابن خلكان ١/ ٦٠٩".
[ ١ / ٨٢ ]
الأشعري، ورتبوا على هذه المسألة: مسألة أن المعدوم شيء. فمن يثبت كونه شيئا كما نقلنا عن جماعة من المعتزلة، فلا يبقى من صفات الثبوت إلا كونه موجودا. فعلى ذلك لا يثبت للقدرة في إيجادها أثرا ما سوى الوجود. والوجود على مذهب نفاة الأحوال لا يرجع إلا إلى اللفظ المجرد. وعلى مذهب مثبتي الأحوال هو حالة لا توصف بالوجود ولا بالعدم. وهذا كما ترى من التناقض والاستحالة. ومن نفاة الأحوال من يثبته شيئا ولا يسميه بصفات الأجناس. وعند الجبائي أخص وصف الباري تعالى هو القدم، والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. وليت شعري! كيف يمكنه إثبات الاشتراك والافتراق، والعموم والخصوص حقيقة وهو من نفاة الأحوال؟ فأما على مذهب أبي هاشم فلعمري هو مطرد، غير أن القدم إذا بحث عن حقيقته رجع إلى نفي الأولية، والنفي يستحيل أن يكون أخص وصف الباري.
واختلفا في كون سمعيا بصيرا. فقال الجبائي: معنى كونه سميعا بصيرا أنه حي لا آفة به.
وخالفه ابنه وسائر أصحابه. أما ابنه فصار إلى كونه سميعا حالة، وكونه بصيرا حالة. وكونه بصيرا حالة سوى كونه عالما؛ لاختلاف القضيتين والمفهومين، والمتعلقين، والأثرين.
وقال غيره من أصحابه: معناه كونه مدركا للمبصرات، مدركا للمسموعات. واختلفا أيضا في بعض مسائل اللطف. فقال الجبائي فيمن يعلم الباري تعالى من حاله أنه لو آمن مع اللطف لكان ثوابه أقل لقلة مشقته، ولو آمن بلا لطف لكان ثوابه أكثر لكثرة مشقته: إنه لا يحسن منه أن يكلفه إلا مع اللطف. ويسوي بينه وبين من المعلوم من حاله أنه لا يفعل الطاعة على كل وجه إلا مع اللطف. ويقول: إذ لو كلفه مع عدم اللطف لوجب أن يكون مستفسدا حاله، غير مزيح لعلته.
ويخالفه أبو هاشم في بعض المواضع في هذه المسألة. قال: يحسن منه تعالى أن يكلفه
[ ١ / ٨٣ ]
الإيمان على أشق الوجهين بلا لطف. واختلفا في فعل الألم للعوض، فقال الجبائي: يجوز ذلك ابتداء لأجل العوض، وعليه بنى آلام الأطفال. وقال ابنه: إنما يحسن ذلك بشرط العوض والاعتبار جميعا. وتفصيل مذهب الجبائي في الأعراض على وجهين: أحدهما أنه يقول يجوز التفضل بمثل الأعواض غير أنه تعالى علم أنه لا ينفعه عوض إلا على ألم متقدم. والوجه الثاني أنه إنما يحسن ذلك لأن العوض مستحق، والتفضل غير مستحق. والثواب عندهم ينفصل عن التفضل بأمرين: أحدهما: تعظيم وإجلال للمثاب يقترن بالنعيم. والثاني: قدر زائد على التفضل بزيادة مقدار ولا بزيادة صفة.
وقال ابنه: يحسن الابتداء بمثل العوض تفضلا، والعوض منقطع غير دائم. وقال الجبائي: يجوز أن يقع الانتصاف من الله تعالى للمظلوم من الظالم بأعواض يتفضل بها عليه إذ لم يكن للظالم على الله عوض لشيء ضره به.
وزعم أبو هاشم أن التفضل لا يقع به انتصاف، لأن التفضل ليس يجب عليه فعله. وقال الجبائي وابنه: لا يجب على الله شيء لعباده في الدنيا إذا لم يكلفهم عقلا وشرعا. فأما إذا كلفهم فعل الواجب في عقولهم، واجتناب القبائح، وخلق فيهم الشهوة للقبيح والنفور من الحسن، وركب فيهم الأخلاق الذميمة؛ فإنه يجب عليه عند هذا التكليف إكمال العقل، ونصب الأدلة، والقدرة، والاستطاعة، وتهيئة الآلة، بحيث يكون مزيحا لعللهم فيما أمرهم، ويجب عليه أن يفعل بهم أدعى الأمور إلى فعل ما كلفهم به، وأزجر الأشياء لهم عن فعل القبيح الذي نهاهم عنه. ولهم في مسائل هذا الباب خبط طويل.
وأما كلام جميع المعتزلة البغداديين في النبوة والإمامة فيخالف كلام البصريين، فإن من شيوخهم من يميل إلى الروافض، ومنهم من يميل إلى الخوارج.
[ ١ / ٨٤ ]
والجبائي وأبو هاشم قد وافقها أهل السنة في الإمامة، وأنها بالاختيار، وأن الصحابة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة، غير أنهم ينكرون الكرامات أصلا للأولياء من الصحابة وغيرهم، ويبالغون في عصمة الأنبياء ﵈ عن الذنوب كبائرها وصغائرها، حتى منع الجبائي القصد إلى الذنب إلا على تأويل. والمتأخرون من المعتزلة مثل القاضي عبد الجبار١ وغيره انتهجوا طريقة أبي هاشم. وخالفه في ذلك أبو الحسين البصري، وتصفح أدلة الشيوخ واعترض على ذلك بالتزييف والإبطال، وانفرد عنهم بمسائل: منها نفي الحال، ومنها نفي المعدوم شيئا، ومنها نفي الألوان أعراضا، ومنها قوله إن الموجودات تتمايز بأعيانها، وذلك من توابع نفي الحال، ومنها رده الصفات كلها إلى كون الباري تعالى عالما، قادرا، مدركا. وله ميل إلى مذهب هشام بن الحكم في أن الأشياء لا تعلم قبل كونها. والرجل فلسفي المذهب، إلا أنه روج كلامه على المعتزلة في معرض الكلام فراج عليهم لقلة معرفتهم بمسالك المذاهب.
_________________
(١) ١ هو عبد الجبار أحمد بن عبد الجبار المتوفى سنة ٤١٤ قاضي قضاة الري وأعمالها، وأعظم شيوخ الاعتزال في عصره. والمعتزلة يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على أحد سواه، ولا يعنون به أحدا غيره -ابن الأثير ج٩ ص٢٣٥، وطبقات الشافعية ج٣ ص٢١٩-٢٢٠.
[ ١ / ٨٥ ]
الفصل الثاني: الجبرية
مدخل
الفصل الثاني: الجبرية
الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى، والجبرية أصناف. فالجبرية الخالصة: هي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا، والجبرية المتوسطة: هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا، فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثرا ما في الفعل، وسمي ذلك كسبا، فليس بجبري.
والمعتزلة يسمون من لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا في الإبداع والإحداث استقلالا:
[ ١ / ٨٥ ]
جبريا. ويلزمهم أن يسموا من قال من أصحابهم بأن المتولدات أفعال لا فاعل لها جبريا إذ لم يثبتوا للقدرة الحادثة فيها أثرا. والمصنفون في المقالات عدوا النجارية والضرارية من الجبرية، وكذلك جماعة الكلابية من الصفاتية. والأشعرية سموهم تارة حشوية، وتارة جبرية. ونحن سمعنا إقرارهم على أصحابهم من النجارية فعددناهم من الجبرية، ولم نسمع إقرارهم على غيرهم فعددناهم من الصفاتية.
[ ١ / ٨٦ ]
١- الجهمية:
أصحاب جهم١ بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية. وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء:
منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلفه، لأن ذلك يقضي تشبيها، فنفي كونه حيا عالما، وأثبت كونه: قادرا، فاعلا، خالقا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة، والفعل، والخلق.
_________________
(١) ١ جهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري سنة ١٢٤ على الزندقة والإلحاد. والجعد أول من ابتدع القول بخلق القرآن. وتعطيل الله عن صفاته. وكان جهم يخرج بأصحابه فيقفهم على المجذومين ويقول: انظروا، أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟ إنكارا لرحمته كما أنكر حكمته. قال عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق ص١٢٨ "ووصفه بأنه قادر وموجد، وفاعل، وخالق، ومحيي، ومميت؛ لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده. وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز كما يقال زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به. وكان جهم مع ضلالته التي ذكرناها يحمل السلاح ويقاتل السلطان، ويخرج مع سريج بن الحارث على نصر بن سيار، وقتله سلم بن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان".
[ ١ / ٨٦ ]
ومنها إثباته علوما حادثة للباري تعالى١ لا في محل. قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق، أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد. وإن لم يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم. ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر. قال: وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو: إما أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته، وأن يكون محلا للحوادث، وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفا به، لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علوما حادثة بعدد الموجودات المعلومة.
ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله؛ لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، واهنتزت الأرض وأنبتت، إلى غير ذلك والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر. قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا كان جبرا.
ومنها قوله: إن حركات أهل الخالدين تنقطع، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها؛ إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخرا، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا. وحمل قوله تعالى:
_________________
(١) ١ في "مقالات الإسلاميين" للأشعري ٢/ ٤٩٤ "وقال جهم: إن علم الله محدث؛ هو أحدثه فعلم به وأنه غير الله. وقد يجوز عنده أن الله يكون عالما بالأشياء كلها قبل وجودها بعلم يحدثه قبلها". "وحكى عنه حاك خلاف هذا؛ فزعم أن الذي بلغه عنه أنه كان يقول: إن الله يعلم الشيء في حال حدوثه، ومحال أن يكون الشيء معلوما وهو معدوم؛ لأن الشيء عنده هو الجسم الموجود، وما لبس بموجود فليس بشيء فيعلم أو يجهل. فألزمه مخالفوه أن الله علما محدثا إذ زعم أن الله قد كان غير عالم ثم علم. ويجب على أصله أن يقول في القدرة والحياة كقوله في العلم".
[ ١ / ٨٧ ]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد، كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ١ فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود والتأبيد لا شرط فيه ولا استثناء.
ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد، فهو مؤمن. قال: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى: عقد، وقول، وعمل. قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء، وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل، وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض. وهو أيضا موافق للمعتزلة في نفي الرؤية، وإثبات خلق الكلام، وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع.
_________________
(١) ١ هود آية ١٠٨.
[ ١ / ٨٨ ]
٢- النجارية:
أصحاب الحسين١ بن محمد النجار، وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه. وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولا، وهم:
_________________
(١) ١ يطلق بعضهم على النجارية اسم الجنسية. وقد مات النجار في حدود سنة ٢٣٠هـ. قال الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ١/ ٢٨٣" زعم الحسين بن محمد النجار وأصحابه وهم الحسينية أن أعمال العباد مخلوقة لله وهم فاعلون لها. وأنه لا يكون في ملك الله سبحانه إلا ما يرديه، وأن الله سبحانه لم يزل مريدا أن يكون في وقته ما علم أنه يكون في وقته، مريدا أن لا يكون ما علم أنه لا يكون". "وأن الاستطاعة لا يجوز أن تتقدم الفعل، وأن العون من الله سبحانه يحدث في حال الفعل مع الفعل؛ وهو الاستطاعة. وأن الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان، وأن لكل فعل استطاعة تحدث معه إذا حدث، وأن الاستطاعة لا تبقى، وأن في وجودها وجود الفعل، وفي عدمها عدم الفعل. وأن استطاعة الإيمان توفيق وتسديد، وفضل ونعمة، وأحسان وهدى. وأن استطاعته الكفر ضلال وخذلان، وبلاء وشر". "وكان يخالف المعتزلة في القدر، ويقول بالإرجاء. وأن الله سبحانه يرزق الحلال ويرزق الحرام، وأن الرزق على ضربين: رزق غذاء، ورزق ملك".
[ ١ / ٨٨ ]
برغوثية، وزعفرانية، ومستدركة، ووافقوا المعتزلة في نفي الصفات من العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر. ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال.
قال النجار: الباري تعالى مريد لنفسه كما هو عالم لنفسه، فألزم عموم التعلق، فالتزم وقال: هو مريد الخير والشر، والنفع والضر، وقال أيضا: معنى كونه مريدا أنه غير مستكره ولا مغلوب، وقال: هو خالق أعمال العباد، خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد مكتسب لها. وأثبت تأثيرا للقدرة الحادثة؛ وسمى ذلك كسبا على حسب ما يثبته الأشعري، ووافقه أيضا في أن الاستطاعة مع الفعل. وأما في مسألة الرؤية فأنكر رؤية الله تعالى بالأبصار وأحالها؛ غير أنه قال: يجوز أن يحول الله تعالى القوة التي في القلب من المعرفة إلى العين؛ فيعرف الله تعالى بها فيكون ذلك رؤية. وقال بحدوث الكلام لكنه انفرد عن المعتزلة بأشياء منها:
قوله إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عرض، وإذا كتب فهو جسم. ومن العجب أن الزعفرانية١ قالت كلام الله غيره، وكل ما هو غيره فهو مخلوق، ومع ذلك قالت: كل من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر. ولعلهم أرادوا بذلك الاختلاف، وإلا فالتناقض ظاهر. والمستدركة٢ منهم زعموا أن كلامه غيره، وهو مخلوق لكن النبي، ﷺ قال: "كلام الله غير مخلوق" والسلف عن آخرهم أجمعوا
_________________
(١) ١ قال عبد القاهر ص١٢٧ وهؤلاء أتباع الزعفران الذي كان بالري. وكان يناقض بآخر كلامه أوله. فيقول: إن كلام الله تعالى غيره، وكل ما هو غير الله تعالى مخلوق. ثم يقول مع ذلك: الكلب خير ممن يقول كلام الله مخلوق. وذكر بعض أصحاب التواريخ أن هذا الزعفراني أراد أن يشهر نفسه في الآفاق فاكترى رجلا على أن يخرج إلى مكة ويسبه ويلعنه في مواسم مكة ليشتهر ذكره عند حجيج الآفاق". ٢ قال عبد القاهر ص١٢٧ "هؤلاء قوم من النجارية يزعمون أنهم استدركوات ما خفي على أسلافهم لأن أسلافهم منعوا إطلاق القول بأن القرآن مخلوق. وزعمت المستدركة أنه مخلوق، ثم افترقوا فيما بينهم فرقتين: فرقة زعمت أن النبي ﷺ قد قال إن كلام الله مخلوق على ترتيب هذه الحروف، ولكنه اعتقد ذلك بهذه اللفظة على ترتيبه حروفها. ومن لم يقل إن النبي ﵇ قال ذلك على ترتيب هذه الحروف فهو كافر". "وقالت الفرقة الثانية منهم إن النبي ﵇ لم يقل كلام الله مخلوق على ترتيب هذه الحروف ولكنه اعتقد ذلك ودل عليه. ومن زعم أنه قال إن كلام الله مخلوق بهذه اللفظة فهو كافر".
[ ١ / ٨٩ ]
هذا هذه العبارة، فوافقناهم، وحملنا قولهم غير مخلوق، أي على هذا الترتيب والنظم من الحروف والأصوات، بل هو مخلوق على غير هذه الحروف بعينها، وهذه حكاية عنها. وحكى الكعبي عن النجار أنه قال: الباري تعالى بكل مكان ذاتا، ووجودا لا معنى العلم والقدرة، وألزمه محالات على ذلك.
وقال في المفكر: قبل ورود السمع مثل ما قالت المعتزلة إنه يجب عليه تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال.
وقال في الإيمان: إنه عبارة عن التصديق، ومن ارتكب كبيرة، ومات عليها من غير توبة عوقب على ذلك، ويجب أن يخرج من النار، فليس من العدل التسوية بينه وبين الكفار في الخلود.
ومحمد بن عيسى الملقب ببرغوث، وبشر بن غياث المريسي، والحسن النجار متقاربون في المذهب، وكلهم أثبتوا كونه تعالى مريدا لم يزل لكل ما علم أنه سيحدث من خير وشر وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية. وعامة المعتزلة يأبون ذلك.
[ ١ / ٩٠ ]
٣- الضرارية:
أصحاب ضرار بن عمرو١، وحفص الفرد. واتفقا في التعطيل، وعلى أنهما قالا الباري تعالى عالم قادر، على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز، وأثبتا لله سبحانه ماهية لا يعلمها
_________________
(١) ١ قال عبد القاهر ص١٢٩ "أتابع ضرار بن عمرو الذي وافق أصحابنا في أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وإكساب للعباد. وفي إبطال القول بالتولد. ووافق المعتزلة في أن الاستطاعة قبل الفعل، وزاد عليهم بقوله إنها قبل الفعل ومع الفعل، وبعد الفعل، وأنها بعض المستطيع. ووافق النجار في دعواه أن الجسم أعراض مجتمعة من لون، وطعم، ورائحة ونحوها من الأعراض التي لا يخلو الجسم منها. وأنه أنكر حرف بن مسعود، وحرف أبي بن كعب، وشهد بأن الله تعالى لم ينزلهما، فنسب هذين الإمامين من الصحابة إلى الضلالة وفي مصحفيهما.
[ ١ / ٩٠ ]
إلا هو، وقالا: إن هذه المقالة محكية عن أبي حنيفة ﵀ وجماعة من أصحابه، وأرادوا بذلك أنه يعلم نفسه شهادة، لا بدليل ولا خبر. ونحن نعلمه بدليل وخبر. وأثبتا حاسة سادسة للإنسان يرى بها الباري تعالى يوم الثواب في الجنة. وقالا: أفعال العباد مخلوقة للباري تعالى حقيقة، والعبد مكتسبها حقيقة. وجوزا حصول فعل بين فعلين، وقالا يجوز أن يقلب الله تعالى الأعراض أجساما. والاستطاعة والعجز بعض الجسم وهو جسم ولا محالة، بنفي زمانين. وقالا: الحجة بعد رسول الله ﷺ في الإجماع فقط، فما ينقل عنه في أحكام الذين من طريق أخبار الآحاد فغير مقبول. ويحكى عن ضرار أنه كان ينكر حرف عبد الله بن مسعود، وحرف أبي بن كعب، ويقطع بأن الله تعالى لم ينزله.
وقال في المفكر قبل ورود السمع إنه لم يجب عليه بعقله شيء حتى يأتيه الرسول فيأمره وينهاه، ولا يجب على الله تعالى شيء بحكم العقل. وزعم ضرار أيضا أن الإمامة تصلح في غير قريش حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي؛ إذ هو أقل عددا، وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة.
والمعتزلة وإن جوزوا الإمامة في غير قريش؛ إلا أنهم لا يجوزون تقديم النبطي على القرشي.
[ ١ / ٩١ ]
الفصل الثالث: الصفاتية
مدخل
الفصل الثالث: الصفاتية
اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون الله تعالى صفاته أزلية من العلم، والقدرة، والحياة، والإراد والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحدا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين، والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسميها صفات خبرية. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون، سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة.
فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر؛ فافترقوا فرقتين:
فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك.
ومنهم من توقف في التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبه شيء منها، وقطعنا بذلك؛ إلا أن لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ ومثل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٣ إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينا.
_________________
(١) ١ طه آية ٥. ٢ ص آية ٧٥. ٣ الفجر آية ٢٢.
[ ١ / ٩٢ ]
ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف؛ فقالوا لابد من إجرائها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف. ولقد كان التشبيه صرفا خالصا في اليهود، لا في كلهم بل في القرائين منهم، إذ وجدوا في التوراة ألفاظا كثيرة تدل على ذلك.
ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير، أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس، وأما التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق. ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه.
وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل، ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: مالك بن أنس ﵄؛ إذ قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثل أحمد بن حنبل ﵀، وسفيان الثوري، وداود بن علي الأصفهاني، ومن تابعهم.
حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصولية، وصنف بعضهم ودرس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. ولما كانت المشبهة والكرامية من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية.
[ ١ / ٩٣ ]
١- الأشعرية:
أصحاب أبي الحسن١ علي بن إسماعيل الأشعري؛ المنتسب إلى أبي موسى الأشعري ﵄، وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري ﵁ كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه، وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أحاكم إليه ربي. فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه فقال عمرو: أو يقدر على شيئا ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم. قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك. فسكت عمرو، ولم يحر جوابا.
قال الأشعري: الإنسان إذا فكر في خلقته، من أي شيء ابتدأ، وكيف دار في أطوار الخلقة طورا بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة، وعرف يقينا أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته، وينقله من درجة إلى درجة، ويرقيه من نقص إلى كمال، علم بالضرورة أن له صانعا قادرا، عالما، مريدا، إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار في الفطرة، وتبين آثار الإحكام والإتقان في الخلقة. فله صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها. وكما دلت الأفعال على كونه عالما، قادرا، مريدا، دلت على العلم والقدرة والإرادة، لأن وجه الدلالة لا يختلف شاهدا وغائبا. وأيضا لا معنى للعالم حقيقة إلا أنه ذو علم، ولا للقادر إلا أنه ذو قدرة، ولا للمريد إلا أنه ذو إرادة. فيحصل بالعلم الإحكام والإتقان. ويحصل بالقدرة الوقوع والحدوث ويحصل بالإرادة التخصيص بوقت دون وقت، وقدر دون قدر، وشكل دون شكل. وهذه الصفات لن يتصور أن يوصف بها الذات إلا وأن يكون الذات حيا بحياة للدليل الذي ذكرناه.
وألزم منكري الصفات إلزاما لا محيص لهم عنه، وهو أنكم وفاقتمونا بقيام الدليل
_________________
(١) ١ توفي أبو الحسن الأشعري سنة ٣٢٤هـ ومن أشهر كتبه: مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين، الإبانة عن أصول الديانة.
[ ١ / ٩٤ ]
على كونه عالما قادرا فلا يخلو إما أن يكون المفهومان من الصفتين واحدا أو زائدا، فإن كان واحدا فيجب أن يعلم بقادريته، ويقدر بعالميته. ويكون من علم الذات مطلقا علم كونه عالما قادرا. وليس الأمر كذلك، فعلم أن الاعتبارين مختلفان، فلا يخلو إما أن يرجع الاختلاف إلى مجرد اللفظ أو إلى الحال، أو إلى الصفة، وبطل رجوعه إلى اللفظ المجرد، فإن العقل يقضي باختلاف مفهومين معقولين. ولو قدر عدم الألفاظ رأسا ما ارتاب العقل فيما تصوره وبطل رجوعه إلى الحال، فإن إثبات صفة لا توصف بالوجود ولا بالعدم إثبات واسطة بين الوجود والعدم، والإثبات والنفي، وذلك محال، فتعين الرجوع إلى صفة قائمة بالذت، وذلك مذهبه.
على أن القاضي الباقلاني من أصحاب الأشعري قد ردد قوله في إثبات الحال ونفيها، وتقرر رأيه على الإثبات، ومع ذلك أثبت الصفات معاني قائمة به لا أحوالا، وقال: الحال الذي أثبته أبو هاشم هو الذي نسميه صفة خصوصا إذا أثبت حالة أوجبت تلك الصفات.
قال أبو الحسن: الباري تعالى عالم بعلم قادر بقدرة، حي بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع يسمع، بصير يبصر. وله في البقاء اختلاف رأي.
قال: وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا: لا هو، ولا: لا غيره. والدليل على أنه متكلم بكلام قديم، ومريد بإرادة قديمة أنه قد قام الدليل على أنه تعالى ملك، والملك من له الأمر والنهي، فهو آمر، ناه، فلا يخلو إما أن يكون آمرا بأمر قديم، أو بأمر محدث. وإن كان محدثا فلا يخلو: إما أن يحدثه في ذاته، أو في محل أو لا في محل، ويستحيل أن يحدثه في ذاته، لأنه يؤدي إلى أن يكون محلا للحوادث، وذلك محال. ويستحيل أن يحدثه في محل، لانه يوجب أن يكون المحل به موصوفا، ويستحيل أن يحدثه لا في محل، لأن ذلك غير معقول. فتعين أنه قديم، قائم به، صفة له، وكذلك التقسيم في الإرادة والسمع والبصر.
[ ١ / ٩٥ ]
قال: وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات: المستحيل، والجائز، والواجب، والموجود، والمعدوم، وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح وجوده من الجائزات. وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص. وكلامه واحد هو: أمر ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد. وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام، والعبارات، والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي. والفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر، محدث والمذكور قديم.
وخالف الأشعري بهذا التدقيق جماعة من الحشوية؛ إذ إنهم قضوا بكون الحروف والكلمات قديمة. والكلام عند الأشعري معنى قائم بالنفس سوى العبار، والعبارة دلالة عليه من الإنسان، فالمتكلم عنده من قام به الكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام غير أن العبارة تسمى كلاما: إما بالمجاز، وإما باشتراك اللفظ.
قال: وإرادته واحدة، قديمة، أزلية، متعلقة بجميع المرادات من أفعاله الخاصة وأفعال عباده، من حيث إنها مخلوقة له، لا من حيث إنها مكتسبة لهم. فعن هذا قال: إراد الجميع: خيرها، وشرها، ونفعها، وضرها، وكما أراد وعلم، أراد من العباد ما علم وأمر القلم حتى كتب في اللوح المحفوظ. فذلك حكمه وقضاؤه وقدره الذي لا يتغير ولا يتبدل. وخلاف المعلوم: مقدور الجنس، محال الوقوع.
وتكليف ما لا يطاق جائز على مذهبه للعلة التي ذكرناها. ولأن الاستطاعة عنده عرض، والعرض لا يبقى زمانين، ففي حال التكليف لا يكون المكلف قط قادرا، لأن المكلف من يقدر على إحداث ما أمر به. فأما أن يجوز ذلك في حق من لا قدرة له أصلا على الفعل فمحال، وإن وجد ذلك منصوصا عليه في كتابه.
قال: والعبد قادر على أفعاله إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات
[ ١ / ٩٦ ]
الرعدة والرعشة. وبين حركات الاختيار والإرادة. والتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة، متوقفة على اختيار القادر. فعن هذا قال: المكتسب هو المقدور بالقدرة الحاصلة. والحاصل تحت القدرة الحادثة.
ثم على أصل أبي الحسين: لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث. لأن جهة الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض. فلو أثرت في قضية الحدوث لأثرت في حدوث كل محدث حتى تصلح لإحداث الألوان، والطعوم، والروائح، وتصلح لإحداث الجواهر والأجسام، فيؤدي إلى تجويز وقوع السماء على الأرض بالقدرة الحادثة. غير أن الله تعالى أجرى سنته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة، أو تحتها، أو معها: الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له. ويسمى هذا الفعل كسبا. فيكون خلقا من الله تعالى إبداعا وإحداثا، وكسبا من العبد: حصولا تحت قدرته.
والقاضي أبو بكر١ الباقلاني تخطى عن هذا القدر قليلا. فقال: الدليل قد قام على أن القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست تقتصر صفات الفعل أو وجوهه واعتباراته على جهة الحدوث فقط. بل ههنا وجوه أخر، هن وراء الحدوث من كون الجوهر جوهرا متحيزا، قابلا للعرض. ومن كون العرض عرضا، ولونا، وسوادا وغير ذلك. وهذه أحوال عند مثبتي الأحوال. قال: فجهة كون الفعل حاصلا بالقدرة الحادثة أو تحتها نسبة خاصة، ويسمى ذلك كسبا، وذلك هو أثر القدرة الحادثة.
قال: وإذا جاز على أصل المعتزلة أن يكون تأثير القدرة أو القادرية القديمة في حال هو الحدوث والوجود. أو في وجه من وجوه الفعل. فلم لا يجوز أن يكون تأثير القدرة الحادثة في حال: هو صفة للحادث، أو في وجه من وجوه الفعل؛ وهو كون الحركة مثلا على هيئة مخصوصة؟ وذلك أن المفهوم من الحركة مطلقا ومن العرض مطلقا غير المفهوم من القيام والقعود، وهما حالتان متمايزتان. فإن كل قيام حركة، وليس كل حركة قياما.
_________________
(١) ١ توفي الباقلاني سنة ٤٠٣هـ.
[ ١ / ٩٧ ]
ومن المعلوم أن الإنسان يفرق فرقا ضروريا بين قولنا: أوجد، وبين قولنا: صلى، وصام، وقعد، وقام. وكما لا يجوز أن يضاف إلى الباري تعالى جهة ما يضاف إلى العبد، فكذلك لا يجوز أن يضاف إلى العبد جهة ما يضاف إلى الباري تعالى.
فأثبت القاضي تأثيرا للقدرة الحادثة وأثرها: هي الحالة الخاصة، وهي جهة من جهات الفعل حصلت من تعلق القدرة الحادثة بالفعل. وتلك الجهة هي المتعينة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب. فإن الوجود من حيث هو وجود لا يستحق عليه ثواب وعقاب، خصوصا على اصل المعتزلة، فإن جهة الحسن والقبح هي التي تقابل بالجزاء. والحسن والقبح صفتان ذاتيتان وراء الوجود. فالموجود من حيث هو موجود ليس بحسن ولا قبيح.
قال: فإذا جاز لكم إثبات صفتين هما حالتان، جاز لي إثبات حالة هي متعلق القدرة الحادثة. ومن قال: هي حالة مجهولة، فبينا بقدر الإمكان جهتها وعرفناها إيش هي، ومثلناها كيف هي.
ثم إن إمام الحرمين١ إبا المعالي الجويني تخطى عن هذا البيان قليلا. قال: أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباه القعل والحس، وأما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلا، وأما إثبات تأثير في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير خصوصا والأحوال على أصلهم لا توصف بالوجود والعدم. فلابد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة، لا على
_________________
(١) ١ هو أبو المعالي الجويني عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف الفقيه الشافعي، ضياء الدين؛ أحد الأئمة الأعلام من بلدة جوين بنيسابور. ظهر في وقت اشتد فيه التعصب بين الأشعرية وخصومهم. وكان الجويني متبحرا في العلوم والمعارف، فأفاد الأشعرية. ودافع عنهم دفاعا مجيدا فشاع ذكره في الآفاق. ثم خرج إلى مكة فجاور بها أربع سنين ينشر العلم. ولهذا قيل له إمام الحرمين. وعاد إلى نيسابور ثم رحل منها إلى بغداد فتولى التدريس بالمدرسة النظامية والخطابة والتذكير والإمامة وهجرت له المجالس، وانغمر ذكر غيره من العلماء وشاعت مصنفاته. توفي سنة ٤٧٨هـ، انظر ابن خلكان ١/ ٣٦١.
[ ١ / ٩٨ ]
وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتداء، يحس من نفسه أيضا عدم الاستقلال، فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب كنسبة الفعل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب. فهو الخالق للأسباب ومسبباتها، المستغنى على الإطلاق، فإن كان سبب مهما استغنى من وجه محتاج من وجه، والباري تعالى هو الغني المطلق، الذي لا حجاة له ولا فقر.
وهذا الرأي إنما أخذه من الحكماء الإلهيين وأبرزه في معرض الكلام. وليس يختص نسبة السبب إلى المسبب على أصله بالفعل والقدرة، بل كل ما يوجد من الحوادث فذلك حكمه، وحينئذ يلزم القول بالطبع، وتأثير الأجسام في الأجسام إيجادا، وتأثير الطبائع في الطبائع إحداثا، وليس ذلك مذهب الإسلاميين. كيف ورأى المحققين من الحكماء أن الجسم لا يؤثر في إيجاد الجسم، قالوا: لا يجوز أن يصدر عن جسم، ولا عن قوة ما في جسم، فإن الجسم مركب من مادة وصورة، فلو أثر لأثر بجهتيه، أعني بمادته وصورته. والمادة لها طبيعة عدمية، فلو أثرت لأثرت بمشاركة العدم، والتالي محال. فالمقدم إذن محال فنقيضه حق؛ وهو أن الجسم وقوة ما في الجسم لا يجوز أن يؤثر في جسم.
وتخطي من هو أشد تحققا وأغوص تفكرا، عن الجسم وقوة ما في الجسم، إلى كل ما هو جائز بذاته، فقال: كل ما هو جائز بذاته لا يجوز أن يحدث شيئا ما، فإنه لو أحدث لأحدث بمشاركة الجواز، والجواز له طبيعة عدمية. فلو خلى الجائز وذاته كان عدما. فلو أثر الجواز بمشاركة العدم، لأدى إلى أن يؤثر العدم في الوجود، وذلك محال؛ فإذ لا موجد على الحقيقة إلا واجب الوجود لذاته، وما سواه من الأسباب معدات لقبول الوجود، لا محدثات لحقيقة الوجود، ولهذا شرح سنذكره.
ومن العجب أن مأخذ كلام الإمام أبي المعالي إذا كان بهذه المثابة، فكيف يمكن إضافة الفعل إلى الأسباب حقيقة؟
[ ١ / ٩٩ ]
هذا ونعود إلى كلام صاحب المقالة. قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري: إذا كان الخالق على الحقيقة هو الباري تعالى لا يشاركه في الخلق غيره، فأخص وصفه تعالى هو: القدرة على الاختراع. قال: وهذا هو تفسير اسمه تعالى الله.
وقال الأستاذ أبو إسحاق١ الإسفرايني: أخص وصفه هو: كون يوجب تمييزه عن الأكوان كلها.
وقال بعضهم: نعلم يقينا أن ما من موجود إلا ويتميز عن غيره بأمر ما، وإلا فيقتضي أن تكون الموجودات كلها مشتركة متساوية، والباري تعالى موجود، فيجب أن يتميز عن سائر الموجودات بأخص وصف، إلا أن العقل لا ينتهي إلى معرفة ذلك الأخص، ولم يرد به سمع، فنتوقف.
ثم هل يجوز أن يدركه العقل؟ ففيه خلاف أيضا، وهذا قريب من مذهب ضرار، غير أن ضرارا أطلق لفظ الماهية عليه تعالى، وهو من حيث العبارة منكر.
ومن مذهب الأشعري: أن كل موجود يصح أن يرى، فإن المصحح للرؤية إنما هو الوجود. والباري تعالى موجود فيصح أن يرى، وقد ورد السمع بأن المؤمنين يرونه في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢ إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. قال: ولا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة، ومكان، وصورة ومقابلة، واتصال شعاع، أو على سبيل انطباع، فإن كان ذلك مستحيل.
وله قولان في ماهية الرؤية.
أحدهما: أنه علم مخصوص، ويعني بالخصوص أنه يتعلق بالوجود دون العدم.
والثاني: أنه إدراك وراء العلم لا يقتضي تأثيرا في المدرك، ولا تأثرا عنه.
_________________
(١) ١ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني الملقب بركن الدين الفقيه الشافعي، كان من العلماء الأعلام، درس في أكبر مدارس نيسابور، وتوفي ٤١٨هـ. ٢ القيامة آية ٢٢، ٢٣.
[ ١ / ١٠٠ ]
وأثبت أن السمع والبصر للباري تعالى صفتان أزليتان؛ هما إدراكان وراء العلم يتعلقان بالمدركات الخاصة بكل واحد بشرط الوجود. وأثبت اليدين، والوجه صفات خبرية. فيقول: ورد بذلك السمع فيجب الإقرار به كما ورد، وصغوه١ إلى طريقة السلف من ترك التعرض للتأويل. وله قول أيضا في جواز التأويل.
ومذهبه في الوعد والوعيد، والأسماء، والأحكام، والسمع، والعقل مخالف للمعتزلة من كل وجه.
قال: الإيمان هو التصديق بالجنان. وأما القول باللسان والعمل بالأركان ففروعه، فمن صدق بالقلب أي أقر بوحدانية الله تعالى، واعترف بالرسل تصديقا لهم فيما جاءوا به من عند الله تعالى بالقلب صح إيمانه حتى لو مات عليه في الحال كان مؤمنا ناجيا، ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شيء من ذلك.
وصاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا من غير توبة يكون حكمه إلى الله تعالى، إما أن يغفر له برحمته، وإما أن يشفع فيه النبي ﷺ إذ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" وإما أن يعذبه بمقدار جرمه، ثم يدخله الجنة برحمته. ولا يجوز أن يخلد في النار مع الكفار، لما ورد به السمع بالإخراج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. قال: ولو تاب فلا أقول بأنه يجب على الله تعالى قبول توبته بحكم العقل، إذ هو الموجب، فلا يجب عليه شيء. بلى ورد السمع بقبول توبة التائبين، وإجابة دعوة المضطرين، وهو المالك في خلقه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا. ولو أدخلهم النار لم يكن جورا، إذا الظلم هو التصرف فيما لا يملكه المتصرف. أو وضع الشيء في غير موضعه. وهو المالك المطلق؛ فلا يتصور منه ظلم. ولا ينسب إليه جور.
قال: والواجبات كلها سمعية، والعقل لا يوجب شيئا، ولا يقتضي تحسينا ولا تقبيحا فمعرفة الله تعالى بالعقل تحصل، وبالسمع تجب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا
_________________
(١) ١ صغوه: ميله.
[ ١ / ١٠١ ]
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١ وكذلك شكر المنعم، وإثابة المطيع، وعقاب العاصي يجب بالسمع دون العقل، ولا يجب على الله تعالى شيء ما بالعقل، لا الصلاح، ولا الأصلح، ولا اللطف، وكل ما يقتضيه العقل من جهة الحكمة الموجبة، فيقتضي نقيضه من وجه آخر.
وأصل التكليف لم يكن واجبا على الله إذ لم يرجع إليه نفع، ولا اندفع به عنه ضر، وهو قادر على مجازاة العبيد ثوابا وعقابا، وقادر على الإفضال عليهم ابتداء تكرما وتفضلا. والثواب، والنعيم، واللطف كله منه فضل، والعقاب والعذاب كله عدل ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٢.
وانبعاث الرسل من القضايا الجائزة لا الواجبة ولا المستحيلة، ولكن بعد الانبعاث تأييدهم بالمعجزات وعصمتهم من الموبقات من جملة الواجبات، إذ لا بد من طريق للمستمع يسلكه ليعرف به صدق المدعي، ولابد من إزاحة العلل؛ فلا يقع في التكليف تناقض.
والمعجزة: فعل خارق للعادة، مقترن بالتحدي، سليم عن المعارضة، يتنزل منزلة التصديق بالقول من حيث القرينة، وهو منقسم إلى خرق المعتاد، وإلى إثبات غير المعتاد. والكرامات للأولياء حق، وهي من وجه تصديق للأنبياء، وتأكيد للمعجزات.
والإيمان والطاعة بتوفيق الله، والكفر والمعصية بخذلانه. والتوفيق عنده: خلق القدرة على الطاعة. والخذلان عنده: خلق القدرة على المعصية، وعند بعض أصحابه: تيسير أسباب الخير هو التوفيق، وبضده الخذلان. وما ورد به السمع من الإخبار عن الأمور الغائبة مثل: القلم، واللوح، والعرش، والكرسي، والجنة، والنار؛ فيجب إجراؤها على ظاهرها والإيمان بها كما جاءت، إذ لا استحالة في إثباتها. وما ورد من الأخبار عن الأمور المستقبلة في الآخرة مثل: سؤال القبر، والثواب والعقاب فيه،
_________________
(١) ١ الإسراء آية ١٥. ٢ الأنبياء ٢٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
ومثل: الميزان، والحساب، والصراط، وانقسام الفريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، حق يجب الاعتراف بها وإجراؤها على ظاهرها، إذ لا استحالة في وجودها.
والقرآن عنده معجزة من حيث: البلاغة، والنظم، والفصاحة، إذ خبر العرب بين السيف وبين المعارضة، فاختاروا أشد القسمين اختيار عجز عن المقابلة. ومن أصحابه من اعتقد أن الإعجاز في القرآن من جهة صرف الدواعي وهو المنع من المعارضة، ومن جهة الإخبار عن الغيب.
وقال: الإمامة تثبت بالاتفاق والأختيار دون النص والتعيين؛ إذ لو كان ثم نص لما خفي، والدواعي تتوافر على نقله. واتفقوا في سقيفة بني ساعدة على أبي بكر ﵁، ثم اتفقوا بعد تعيين أبي بكر على عمر ﵁، واتفقوا بعد الشورى على عثمان ﵁. واتفقوا بعده على علي ﵁. وهم مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة.
وقال: لا نقول في عائشة وطلحة والزبير إلا أنهم رجعوا عن الخطإ، وطلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة. ولا نقول في حق معاوية وعمرو بن العاص: إلا أنهما بغيا على الإمام الحق فقاتلهم علي مقاتلة أهل البغي. وأما أهل النهروان فهو الشراة المارقون عن الدين بخبر النبي ﷺ. ولقد كان علي ﵁ على الحق في جميع أحواله يدور الحق معه حيث دار.
[ ١ / ١٠٣ ]
٢- المشبهة:
اعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين ونصرهم جماعة من أمراء بني أمية على قولهم بالقدر، وجماعة من خلفاء بني العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن، تحبروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات آيات الكتاب الحكيم، وأخبار النبي الأمين ﷺ.
[ ١ / ١٠٣ ]
فأما أحمد بن حنبل وداود١ بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل: مالك بن أنس، ومقاتل٢ بن سليمان، وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة، ولا نتعرض للتأويل بعد أن علم قطعا أن الله ﷿ لا يشبه شيئا من المخلوقات، وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره. وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا: من حرك يده عند قراءة قوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ أو أشار بأصبعيه عند روايته: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" وجب قطع يده وقلع أصبعيه. وقالوا: إنما توقفنا في تفسير الآيات وتأويلها لأمرين:
أحدهما: المنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٤ فنحن نحترز عن الزيغ.
والثاني: أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق، والقول في صفات الباري بالظن غير جائز. فربما أولنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ، بل نقول كما قال الراسخون في العلم ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ آمنا بظاهره، وصدقنا بباطنه، ووكلنا علمه إلى الله تعالى ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك، إذ ليس ذلك من شرائط الإيمان وأركانه، واحتاط
_________________
(١) ١ داود بن علي الأصفهاني الفقيه الظاهري، كان حافظا مجتهدا، إمام أهل الظاهر. وكان زاهدا متقللا كثير الورع. توفي سنة ٢٧٠هـ "شذرات ٢/ ١٨٥". ٢ أبو الحسن مقاتل بن سليمان الأزدي بالولاء، الخرساني المروزي. أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل وحدث بها، وكان مشهورا بتفسير كتاب الله العزيز، وله التفسير المشهور. وأخذ الحديث عن مجاهد وعطاء وغيرهما. وكان من العلماء الأجلاء. توفي بالبصرة سنة ١٥٠هـ "ابن خلكان ٢/ ١٤٧". ٣ ص آية ٧٥. ٤ آل عمران آية ٧.
[ ١ / ١٠٤ ]
بعضهم أكثر احتياط حتى لو يقرأ اليد بالفارسية، ولا الوجه، ولا الاستواء، ولا ما ورد من جنس ذلك، بل إن احتاج في ذكره إلى عبارة عبر عنها بما ورد لفظا بلفظ. فهذا هو طريق السلامة، وليبس هو من التشبيه في شيء.
غير أن جماعة من الشيعة الغالية، وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه مثل: الهاشميين من الشيعة، ومثل مضر، وكهمس، وأحمد الهجيمي وغيرهم من الحشوية. قالوا: معبودهم على صورة ذات أعضاء وأبعاض، إما روحانية، وإما جسمانية. ويجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكن.
فأما مشبهة الشيعة فستأتي مقالاتهم في باب الغلاة.
وأما مشبهة الحشوية؛ فحكى الأشعري عن محمد بن عيسى أنه حكى عن مضر، وكهمس، وأحمد الهجيمي: أنهم أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة؛ إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الإخلاص والاتحاد المحض.
وحكى الكعبي عن بعضهم أنه كان يجوز الرؤية في دار الدنيا، وأن يزوره ويزورهم. وحكى عن داود الجواربي أنه قال: اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك، وقال: إن معبوده جسم، ولحم، ودم. وله جوارح وأعضاء من يد، ورجل، ورأس، ولسان، وعينين، وأذنين، ومع ذلك جسم لا كالأجسام، ولحم لا كاللحوم، ودم لا كالدماء. وكذلك سائر الصفات، وهو لا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء، وحكي عنه أنه قال: هو أجوف من إعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك، وأن له وفرة١ سوداء، وله شعر قطط.
وأما ما ورد في التنزيل من الاستواء، والوجه، واليدين، والجنب، والمجيء، والإتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله ﵇:
_________________
(١) ١ الوفرة: ما سال على الأذنين من الشعر.
[ ١ / ١٠٥ ]
"خلق آدم على صورة الرحمن" وقوله: "حتى يضع الجبار قدمه في النار" وقوله: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" وقوله: "خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا" وقوله: "وضع يده أو كفه على كتفي" وقوله: "حتى وجدت برد أنامله على كتفي" إلى غير ذلك؛ أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام.
وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي ﵇، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وأن العرش ليئط١ من تحته كأطيط الرحل الحديد، وأنه ليفضل من كل جانب أربع أصابع.
وروى المشبهة عن النبي ﵇ أنه قال: "لقيني ربي فصافحني وكافحني، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله ٢ ".
وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن، إن الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية، وقالوا: لا يعقل كلام ليس بحروف ولا كلم، واستدلوا بأخبار، منها ما رووا عن النبي ﵇: "ينادي الله تعالى يوم القيامة بصوت يسمعه الأولون والآخرون" ورووا أن موسى ﵇ كان يسمع كلام الله كجر السلاسل. قالوا: وأجمعت السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال هو مخلوق فهو كافر بالله، ولا نعرف من القرآن إلا ما هو بين أظهرنا فنبصره ونسمعه ونقرؤه ونكتبه.
والمخالفون في ذلك:
أم المعتزلة فوافقونا على أن هذا الذي في أيدينا كلام الله، وخالفونا في القدم، وهم محجوجون بإجماع الأمة.
وأما الأشعرية فوافقونا على أن القرآن قديم، وخالفونا في أن الذي في أيدينا كلام الله، وهم محجوجون أيضا بإجماع الأمة: أما المشار إليه هو كلام الله. فأما إثبات كلام
_________________
(١) ١ يئط: يرسل صوتا من ثقل ما يحمل. ٢ الأنامل: أطراف الأصابع، جمع أنملة.
[ ١ / ١٠٦ ]
هو صفة قائمة بذات الباري تعالى لا نبصرها، ولا نكتبها، ولا نقرؤها، ولا نسمعها، فهو مخالفة الإجماع من كل وجه.
فنحن نعتقد أن ما بين الدفتين كلام الله، أنزله على لسان جبريل ﵇، فهو المكتوب في المصاحف، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو الذي يسمعه المؤمنون في الجنة من الباري تعالى بغير حجاب ولا واسطة، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ١ وهو قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ ومناجاته من غير واسطة حتى قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٣ وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ٤ وروي عن النبي ﵇ أنه قال: "إن الله تعالى كتب التوراة بيده، وخلق جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده" وفي التنزيل: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥.
قالوا: فنحن لا نزيد من أنفسنا شيئا، ولا نتدارك بعقولنا أمرا لم يتعرض له السلف. قالوا: ما بين الدفتين كلام الله. قلنا: هو كذلك. واستشهدوا عليه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٦ ومن المعلوم أنه ما سمع إلا هذا الذي نقرؤه. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٧ وقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ٨ وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٩ وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ١٠ إلى غير ذلك من الآيات.
_________________
(١) ١ يس آية ٥٨. ٢ القصص آية ٣٠. ٣ النساء آية ١٦٤. ٤، ٥ الأعراف آية ١٤٤، ١٤٥. ٦ التوبة آية ٦. ٧ الواقعة آية ٧٧-٨٠. ٨ عبس آية ١٣-١٦. ٩ القدر آية ١.
(٢) البقرة آية ١٨٥.
[ ١ / ١٠٧ ]
ومن المشبهة من مال إلى مذهب الحلولية، وقال: يجوز أن يظهر الباري تعالى بصورة شخص، كما كان جبريل ﵇ ينزل في صورة أعرابي وقد تمثل لمريم بشرا سويا. وعليه حمل قول النبي ﵇: "رأيت ربي في أحسن صورة". وفي التوراة عن موسى ﵇: شافهت الله تعالى فقال لي كذا.
والغلاة من الشيعة مذهبهم الحلول.
ثم الحلول قد يكون بجزء، وقد يكون بكل؛ على ما سيأتي في تفصيل مذاهبهم إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٠٨ ]
٣- الكرامية:
أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام١، وإنما عددناه من الصفاتية لأنه كان ممن يثبت الصفات إلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه، وقد ذكرنا كيفية خروجه وانتسابه إلى أهل السنة فيما قدمنا ذكره.
وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ست العابدية، والتونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية. وأقربهم الهيصمية، ولكل واحدة منهم رأي إلا أنه لما لم يصدر ذلك عن علماء معتبرين، بل عن سفهاء أغتام٢ جاهلين لم نفردها مذهبا، وأوردنا مذهب صاحب المقالة، وأشرنا إلى ما يتفرع منه.
نص أبو عبد الله على أن معبوده على العرش استقرارا، وعلى أنه بجهة فوق ذاتا، وأطلق عليه اسم الجوهر. فقال في كتابه المسمى "عذاب القبر" إنه أحدى الذات، أحدى
_________________
(١) ١ محمد بن كرام كان من سجستان، ثم خرج إلى نيسابور في أيام محمد بن طاهر بن عبد الله، فاغتر بما كان يريه من زهده جماعة من أهل السواد فدعاهم إلى بدعة. "التبصير ٦٥" وقال عبد القاهر البغدادي في "الفرق بين الفرق" ص ١٣١ "إن ابن كرام دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده. ومعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته والجهة التي منها يلاقي عرشه، وهذا شبيه بقوله الثنوية: إن معبودهم الذي سموه نورا يتناهى من الجهة التي يلاقي الظلام وإن لم يتناه من خمس جهات. وقد وصف ابن كرام معبوده في بعض كتبه بأنه جوهر كما زعمت النصارى أن الله تعالى جوهر". توفي محمد بن كرام سنة ٢٥٥، وله ترجمة واسعة عند ابن عساكر. وبلغ أتباعه في خراسان وحدها أكثر من عشرين ألفا، وكان له مثل ذلك في أرض فلسطين. ٢ الأغتم هو الذي لا يفصح في كلامه.
[ ١ / ١٠٨ ]
الجوهر، وإنه مماس للعرش من الصفح العليا، وجوز الانتقال، والتحول، والنزول، ومنهم من قال إنه على بعض أجزاء العرش. وقال بعضهم: امتلأ العرش به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق، وأنه محاذ للعرش.
ثم اختلفوا فقالت العابدية: إن بينه وبين العشر من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به. وقال محمد بن الهيصم: إن بينه وبين العرش بعدا لا يتناهى، وإنه مباين للعالم بينونة أزلية، ونفي التحيز والمحاداة، وأثبت الفوقية والمباينة.
وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه، والمقاربون منهم قالوا: نعني بكونه جسما أنه قائم بذاته، وهذا هو حد الجسم عندهم، وبنوا على هذا أن من حكم القائمين بأنفسهما أن يكونا متجاورين أو متباينين. فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش، وحكم بعضهم بالتباين، وربما قالوا: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر كالعرض مع الجوهر، وإما أن يكون بجهة منه، والباري تعالى ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه، فيجب أن يكون بجهة من العالم. ثم أعلى الجهات وأشرفها جهة فوق، فقلنا هو بجهة فوق بالذات حتى إذا رؤي رؤي من تلك الجهة.
ثم لهم اختلافات في النهاية. فمن المجسمة من أثبت النهاية له من ست جهات، ومنهم من أثبت النهاية له من جهة تحت، ومنهم من أنكر النهاية له، فقال: هو عظيم.
ولهم في معنى العظمة خلاف. فقال بعضهم: معنى عظمته أنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش، والعرش تحته، وهو فوق كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه. وقال بعضهم: معنى عظمته أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقي جميع أجزاء العرش، وهو العلي العظيم.
ومن مذهبهم جميعا: جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى، ومن أصلهم أن ما يحدث في ذاته فإنما يحدث بقدرته، وما يحدث مباينا لذاته فإنما يحدث
[ ١ / ١٠٩ ]
بواسطة الإحداث، ويعنون بالإحداث: الإيجاد والإعدام الواقعين في ذاته بقدرته من الأقوال والإرادات. ويعنون بالمحدث: ما بين ذاته من الجواهر والأعراض.
ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والإيجاد والموجود والموجد، وكذلك بين الإعدام والمعدوم. فالمخلوق إنما يقع بالخلق، والخلق إنما يقع في ذاته بالقدرة، والمعدوم إنما يصير معدوما بالإعدام الواقع في ذاته بالقدرة.
وزعموا أن في ذاته سبحانه حوادث كثيرة مثل الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، والكتب المنزلة على الرسل ﵈، والقصص والوعد والوعيد والأحكام، ومن ذلك المسمعات والمبصرات فيما يجوز أن يسمع ويبصر، والإيجاد والإعدام هو القول والإرادة وذلك قوله ﴿كُنْ﴾ للشيء الذي يريد كونه، وإرادته لوجود ذلك الشيء، وقوله للشيء كن: صورتان.
وفسر محمد بن الهيصم الإيجاد والإعدام: بالإرادة والإيثار. قال: وذلك مشروط بالقول شرعا. إذ ورد في التنزيل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١ وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.
وعلى قول الأكثرين منهم: الخلق٣ عبارة عن القول والإرادة. ثم اختلفوا في التفصيل. فقال بعضهم: لكل موجود إيجاد، ولكل معدوم إعدام. وقال بعضهم: إيجاد واحد يصلح لموجودين إذا كانا من جنس واحد، وإذا اختلف الجنس تعدد الإيجاد، وألزم بعضهم: لو افتقر كل موجود أو كل جنس إلى إيجاد، فليفتقر كل إيجاد إلى قدرة. فالتزم تعدد القدرة بتعدد الإيجاد.
وقال بعضهم أيضا: تعدد القدرة بعدد أجناس المحدثات. وأكثرهم على أنها تتعدد بعدد أجناس الحوادث التي تحدث في ذاته من الكاف والنون، والإرادة، والسمع، والبصر؛ وهي خمسة أجناس:
_________________
(١) ١ النحل آية: ٤٠. ٢ يس آية ٨٢. ٣ في "الفرق بين الفرق" ١٣٢ "وسموا قوله للشيء "كن" خلقا للمخلوق، وإحداثا للمحدث".
[ ١ / ١١٠ ]
ومنهم من فسر السمع والبصر بالقدرة على التسمع والتبصر، ومنهم من أثبت لله تعالى السمع والبصر أزلا، والتسمعات والتبصرات هي إضافة المدركات إليهما.
وقد أثبتوا لله تعالى مشيئة قديمة متعلقة بأصول المحدثات وبالحوادث التي تحدث في ذاته، وأثبتوا إرادات حادثة تتعلق بتفاصيل المحدثات.
وأجمعوا على أن الحوادث لا توجب لله تعالى وصفا، ولا هي صفات له فتحدث في ذاته هذه الحوادث من الأقوال، والإرادات، والتسمعات، والتبصرات. ولا يصير بها قائلا، ولا مريدا، ولا سميعا، ولا بصيرا. ولا يصير بخلق هذه الحوادث محدثا، ولا خالقا، وإنما هو قائل بقائليته، وخالق بخالقيته، ومريد بمريديته، وذلك قدرته على هذه الأشياء.
ومن أصلهم أن الحوادث التي يحدثها في ذاته واجبة البقاء حتى يستحيل عدمها؛ إذ لو جاز عليها العدم لتعاقبت على ذاته الحوادث، ولشارك الجوهر في هذه القضية. وأيضا فلو قدر عدمها فلا يخلو: إما أن يقدرعدمها بالقدرة، أو بإعدام يخلقه في ذاته، ولا يجوز أن يكون عدمها بالقدرة، لأنه يؤدي إلى ثبوت المعدوم في ذاته. وشرط الموجود والمعدوم أن يكونا مباينين لذاته، ولو جاز وقوع معدوم في ذاته بالقدرة من غير واسطة إعدام لجاز حصول سائر المعدومات بالقدرة. ثم يجب طرد ذلك في الموجد، حتى يجوز وقوع موجد محدث في ذاته؛ وذلك محال عندهم. ولو فرض إعدامها بالإعدام لجاز تقدير عدم ذلك الإعدام، فيسلسل. فارتكبوا لهذا التحكم استحالة عدم ما يحدث في ذاته.
ومن أصلهم أن المحدث إنما يحدث في ثاني حال ثبوت الإحداث بلا فصل، ولا أثر للإحداث في حال بقائه.
ومن أصلهم: أن ما يحدث في ذاته من الأمر فمنقسم إلى:
١- أمر التكوين، وهو فعل يقع تحته المفعول.
٢- وإلى ما ليس أمر التكوين: وذلك إما خبر، وإما أمر التكليف، ونهي التكليف. وهي أفعال من حيث دلت على القدرة، ولا تقع تحتها مفعولات. هذا هو تفصيل مذاهبهم في محل الحوادث.
[ ١ / ١١١ ]
وقد اجتهد ابن الهيصم في إرمام مقالة أبي عبد الله في كل مسألة حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يفهم فيما بين العقلاء مثل التجسيم فإنه قال: أراد بالجسم: القائم بالذات. ومثل الفوقية فإنه حملها على العلو. وأثبت البينونة غير المتناهية، وذلك الخلاء الذي أثبته بعض الفلاسفة. ومثل الاستواء، فإنه نفي المجاورة والمماسة، والتمكن بالذات، غير مسألة محل الحوادث فإنها لم تقبل المرمة، فالتزمها كما ذكرنا، وهي من أشنع المحالات عقلا.
وعند القوم أن الحوادث تزيد على عدد المحدثات بكثير، فيكون في ذاته أكثر من عدد المحدثات عالم من الحوادث، وذلك محال وشنيع.
ومما أجمعوا عليه من إثبات الصفات قولهم: الباري تعال عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، شاء بمشيئته، وجميع هذه الصفات صفات قديمة أزلية قائمة بذاته، وربما زادو السمع والبصر كما أثبته الأشعري، وربما زادوا اليدين، والوجه: صفات، قديمة، قائمة بذاته. وقالوا: له يد لا كالأيدي، ووجه لا كالوجوه، وأثبتوا جواز رؤيته من جهة فوق دون سائر الجهات.
وزعم ابن الهيصم أن الذي أطلقه المشبهة على الله ﷿ من: الهيئة، والصورة، والجوف، والاستدارة، والوفرة، والمصافحة، والمعانقة، ونحو ذلك لا يشبه سائر ما أطلقه الكرامية من: أنه خلق آدم بيده، وأنه استوى على عرشه، وأنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة الخلق. وذلك أنا لا نعتقد من ذلك شيئا على معنى فاسد: من جارحتين وعضوين؛ تفسيرا لليدين، ولا مطابقة للمكان واستقلال العرش بالرحمن تفسيرا للاستواء ولا ترددا في الأماكن التي تحيط به تفسيرا للمجيء، وإنما ذهبنا في ذلك إلى إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف وتشبيه، وما لم يرد به القرآن والخبر فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة والمجسمة.
وقال: الباري تعالى عالم في الأزل بما سيكون على الوجه الذي يكون، وشاء لتنفيذ
[ ١ / ١١٢ ]
علمه في معلوماته فلا ينقلب علمه جهلا. ومريد لما يخلق في الوقت الذي يخلق بإرادته حادثة. وقائل لكل ما يحدث بقوله كن حتى يحدث، وهو الفرق بين الإحداث والمحدث، والخلق والمخلوق. وقال: نحن نثبت القدر خيره وشره من الله تعالى، وأنه أراد الكائنات كلها خيرها وشرها، وخلق الموجودات كلها حسنها وقبيحها، ونثبت للعبد فعلا بالقدرة الحادثة ويسمى ذلك: كسبا، والقدرة الحادثة مؤثرة في إثبات فائدة زائدة على كونه مفعولا لا مخلوقا للباري تعالى. تلك الفائدة هي مورد التكليف، والمورد هو المقابل بالثواب والعقاب.
واتفقوا على أن العقل يحسن ويقبح قبل الشرع، وتجب معرفة الله تعالى بالعقل كما قالت المعتزلة، إلا أنهم لم يثبتوا رعاية الصلاح والأصلح واللطف عقلا كما قالت المعتزلة. وقالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب، ودون سائر الأعمال. وفرقوا بين تسمية المؤمن مؤمنا فيما يرجع إلى أحكام الظاهر والتكليف، وفيما يرجع إلى أحكام الآخرة والجزاء. فالمنافق عندهم: مؤمن في الدنيا على الحقيقة، مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة.
وقالوا في الإمامة إنها تثبت بإجماع الأمة دون النص والتعيين كما قال أهل السنة. إلا أنهم جوزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين، وغرضهم إثبات إمامة معاوية في الشام باتفاق جماعة من أصحابه. وإثبات أمير المؤمنين علي بالمدينة والعراقين باتفاق جماعة من الصحابة. ورأوا تصويب معاوية فيما استبد به من الأحكام الشرعية قتالا على طلب عثمان ﵁، واستقلالا ببيت المال.
ومذهبهم الأصلي اتهام علي ﵁ في الصبر على ما جرى مع عثمان ﵁ والسكوت عنه، وذلك عرق نزع.
[ ١ / ١١٣ ]
الفصل الرابع: الخوارج
مدخل
الفصل الرابع: الخوارج
الخوارج، والمرجئة، والوعيدية:
كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين؛ أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان.
والمرجئة صنف آخر تكلموا في الإيمان والعمل، إلا أنهم وافقوا الخوارج في بعض المسائل التي تتعلق بالإمامة.
والوعيدية داخلة في الخوارج، وهم القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار، فذكرنا مذاهبهم في أثناء مذاهب الخوارج.
اعلم أن أول من خرج على أمير المؤمنين علي ﵁ جماعة ممن كان معه في حرب صفين، وأشدهم خروجا عليه ومروقا من الدين: الأشعث بن قيس الكندي، ومسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي حين قالوا: للقوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى السيف! حتى قال: أنا أعلم بما في كتاب الله! انفروا إلى بقية الأحزاب! انفروا إلى من يقول: كذب الله ورسوله، وأنتم تقولون: صدق الله ورسوله. قالوا: لترجعن الأشتر عن قتال المسلمين، وإلا فعلنا بك مثل ما فعلنا بعثمان، فاضطر إلى رد الأشتر بعد أن هزم الجمع، وولوا مدبرين وما بقي منهم إلا شرذمة قليلة منهم حشاشة١ قوة، فامتثل الأشتر أمره.
_________________
(١) ١ أصل الحشاشة بقية الروح في المريض.
[ ١ / ١١٤ ]
وكان من أمر الحكمين: أن الخوارج حملوه على التحكيم أولا، وكان يريد أن يعبث عبد الله بن عباس ﵁ فما رضي الخوارج بذلك؛ وقالوا هو منك، وحملوه على بعث أبي موسى الأشعري على أن يحكم بكتاب الله تعالى، فجرى الأمر على خلاف ما رضي به، فلما لم يرض بذلك خرجت الخوارج عليه وقالوا: لم حكمت الرجال؟ لا حكم إلا الله. وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان.
وكبار الفرق منهم: المحكمة، والأزارقة، والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية، والصفرية، والباقون فروعهم.
ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي ﵄، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، ويكفرون أصحاب الكبائر ويرون الخروج على الإمام إذا خالق السنة: حقا واجبا.
[ ١ / ١١٥ ]
١- المحكمة الأولى:
هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ﵁ حين جرى أمر المحكمين، واجتمعوا بحروراء١ من ناحية الكوفة، ورأسهم عبد الله بن الكواء، وعتاب بن الأعور، وعبد الله بن وهب الراسبي، وعروة بن جرير، ويزيد بن أبي عاصم المحاربي، وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية، وكانوا يومئذ في اثني عشر ألف رجل أهل صلاة وصيام، أعني يوم النهروان.
وفيهم قال النبي ﷺ: "تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم، وصوم أحدكم في جنب صيامهم، ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم" ٢.
فهم المارقة الذين قال فيهم: "سيخرج من ضئضئ ٣ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
_________________
(١) ١ حروراء: قرية من قرى الكوفة. ٢ التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعانق. ٣ الضئضئ: الأصل.
[ ١ / ١١٥ ]
وهم الذين أولهم ذو الخويصرة١، وآخرهم ذو الثدية، وإنما خروجهم في الزمن الأول على أمرين:
أحدهما: بدعتهم في الإمامة، إذ جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إماما، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله، وهم أشد الناس قولا بالقياس، وجوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا أو حرا، أو نبطيا، أو قريشا.
والبدعة الثانية: أنهم قالوا: أخطأ علي في التحكيم إذ حكم الرجال ولا حكم إلا الله، وقد كذبوا على علي ﵁ من وجهين:
أحدهما: في التحكيم؛ أنه حكم الرجال، وليس ذلك صدقا، لأنهم هم الذين حملوه على التحكيم.
والثاني: أن تحكيم الرجال جائز؛ فإن القوم هم الحاكمون في هذه المسألة، وهم رجال، ولهذا قال علي ﵁ "كلمة حق أريد بها باطل" وتخطوا عن هذه التخطئة إلى التكفير، ولعنوا عليا ﵁ فيما قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين
_________________
(١) ١ في الكامل للمبرد ٣/ ٩١٩ ط الحلبي "ويروي أن رجلا أسود شديد بياض الثياب وقف على رسول الله ﷺ وهو يقسم غنائم خيبر، ولم تكن إلا لمن شهد الحديبية، فأقبل ذلك الأسود على رسول الله ﷺ فقال: ما عدلت منذ اليوم. فغضب رسول الله ﷺ حتى رؤي الغضب في وجهه. فقال عمر بن الخطاب: ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال رسول الله: "إنه سيكون لهذا ولأصحابه نبأ". وفي حديث آخر أن رسول الله ﷺ قال له: "ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل"، ثم قال لأبي بكر: "اقتله". فمضى ورجع فقال: يا رسول الله، رأيته راكعا ثم قال لعمر "اقتله". فمضى ثم رجع فقال يا رسول الله، رأيته ساجدا، ثم قال لعلي: "اقتله"، فمضى ثم رجع فقال: يا رسول الله، لم أره. فقال رسول الله: "لو قتل هذا ما اختلف اثنان في دين الله". ومن رواية أخرى " فقام إليه رجل مضطرب الخلق، غائر العين، ناتئ الجبهة، فقال له: لقد رأيت قسمة ما أريد بها وجه الله؟ فغضب رسول الله ﷺ حتى تورد خداه، ثم قال: "أيأمنني الله ﷿ على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ " فقام إليه عمر فقال: ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال ﷺ: "إنه سيكون من ضئضئ هذا الحديث ".
[ ١ / ١١٦ ]
فقاتل الناكثين واغتنم أموالهم، وما سبى ذراريهم ونساءهم، وقتل مقاتلة من القاسطين، وما اغتنم ولا سبى، ثم رضي بالتحكيم، وقاتل مقاتلة المارقين واغتنم أموالهم وسبى ذراريهم.
وطعنوا في عثمان ﵁ للأحداث التي عدوها عليه، وطعنوا في أصحاب الجمل وأصحاب صفين.
فقاتلهم علي ﵁ بالنهروان مقاتلة شديدة، فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة، وما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة، فانهزم اثنان منهم إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل مورون باليمن، وظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع منهم وبقيت إلى اليوم.
وأول من بويع من الخوارج بالإمامة: عبد الله بن وهب الراسبي في منزل زيد بن الحصين. بايعه عبد الله بن الكواء، وعروة بن جرير، ويزيد بن عاصم الحاربي، وجماعة منهم، وكان يمتنع عليهم تحرجا، ويستقبلهم ويومئ إلى غيره تحرزا، فلم يقنعوا إلا به، وكان يوصف برأي ونجدة، فتبرأ من الحكمين، وممن رضي بقولهما وصوب أمرهما. وأكفروا أمير المؤمنين عليا ﵁، وقالوا: إنه ترك حكم الله، وحكم الرجال. وقيل إن أول من تلفظ بهذا رجل من بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم، يقال له الحجاج بن عبيد الله، يلقب بالبرك، وهو الذي ضرب معاوية على أليته، لما سمع بذكر الحكمين؛ وقال: أتحكم في دين الله؟ لا حكم إلا لله، فلنحكم بما حكم الله في القرآن به، فسمعها رجل فقال: طعن والله فأنفذ! فسموا المحكمة بذلك، ولما سمع أمير المؤمنين علي ﵁ هذه الكلمة قال: "كلمة عدل أريد بها جور، إنما يقولون: لا إمارة ولا بد من إمارة بر أو فاجر".
ويقال إن أول سيف سل من سيوف الخوارج سيف عروة١ بن حدير، وذلك
_________________
(١) ١ عروة بن حدير نسبة إلى أبيه، ويسمى في كتب الأدب عروة بن أدية، نسبة إلى جدته أو إلى مرضعته.
[ ١ / ١١٧ ]
أنه أقبل على الأشعث بن قيس فقال: ما هذه الدنية يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ أشرط أحدكم أوثق من شرط الله تعالى؟! ثم شهر السيف والأشعث مولى فضرب به عجز البغلة، فشبت البغلة فنفرت اليمانية، فلما رأى ذلك الأحنف مشى هو وأصحابه إلى الأشعث فسألوه الصفح؛ ففعل.
وعروة بن حدير نجا بعد ذلك من حرب النهروان وبقي إلى أيام معاوية، ثم أتى إلى زياد بن أبيه ومعه مولى له؛ فسأله زياد عن أبي بكر وعمر ﵄، فقال فيهما خيرا، وسأله عن عثمان، فقال: كنت أوالي عثمان على أحواله في خلافته ست سنين. ثم تبرأت منه بعد ذلك للأحداث التي أحدثها، وشهد عليه بالكفر. وسأله عن أمير المؤمنين علي ﵁، فقال: كنت أتولاه إلى أن حكم الحكمين، ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر. وساله عن معاوية فسبه سبا قبيحا. ثم سأله عن نفسه فقال: أولك لزنية، وآخرك لدعوة، وأنت فيما بينهما بعد عاص ربك. فأمر زياد بضرب عنقه، ثم دعا مولاه فقال له: صف لي أمره واصدق. فقال: أأطلب أم أختصر فقال: بل اختصر، قال: ما أتيته بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط، هذه معاملته واجتهاده، وذلك خبثه واعتقاده.
[ ١ / ١١٨ ]
٢- الأزارقة:
أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق١ الذين خرجوا مع نافع من البصرة إلى الأهواز،
_________________
(١) ١ مات نافع بن الأزرق سنة ٦٠هـ، وفي كتاب "الفرق بين الفرق" ص٥٠ "لم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا ولا أسد منهم شوكة. والذي جمهم من الدين أشياء منها: قولهم بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون. وكان المحكمة الأولى يقولون إنهم كفرة لا مشركون. ومنها قولهم إن القعدة ممن كان على رأيهم عن الهجرة إليهم مشركون وإن كانوا على رأيهم، ومنها أنهم أوجبوا امتحان من قصد عسكرهم إذا ادعى أنه منهم أن يدفع إليه أسير من مخالفيهم وأمروه بقتله؛ فإن قتله صدقوه في دعواه أنه منهم. وإن لم يقتله قالوا: هذا منافق ومشرك، وقتلوه. ومنها أنهم استباحوا قتل نساء مخالفيهم وقتل أطفالهم =
[ ١ / ١١٨ ]
فغلبوا عليها وعلى كورها، وما وراءها من بلدان فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير وقتلوا عماله بهذه النواحي.
وكان مع نافع من أمراء الخوارج: عطية بن الأسود الحنفي، وعبد الله بن الماحوز وأخواه عثمان والزبير، وعمرو بن عمير العنبري، وقطري بن الفجاءة المازني، وعبيدة
_________________
(١) = وزعموا أن الأطفال مشركون، وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار. واستحلوا كفر الأمانة التي أمر الله تعالى بأدائها. وقالوا: إن مخالفينا مشركون فلا يلزمنا أداء أمانتنا إليهم. ولم يقيموا الحد على قاذف الرجل المحصن، وأقاموه على قاذف المحصنات من النساء. وقطعوا يد السارق في القليل والكثير ولم يعتبروا السرقة نصابا. وأكفرهم الأئمة في هذه البدع التي أحدثوها بعد كفرهم الذي شاركوا فيه المحكمة الأولى". "ثم الأزارقة بعد اجتماعها على البدع التي حكيناها عنهم بايعوا نافع بن الأزرق وسموه أمير المؤمنين، وانضم إليهم خوارج عمان واليمامة فصاروا أكثر من عشرين ألفا، واستولوا على الأهواز وما وراءها من أرض فارس وكرمان وجبوا خراجها". وفي "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ١/ ٨٨ "وكان سبب الاختلاف الذي أحدثه نافع أن امرأة من أهل اليمن عربية ترى رأي الخوارج تزوجت رجلا من الموالي على رأيها، فقال لها أهل بيتها: فضحتينا، فأنكرت ذلك. فلما أتى زوجها قالت له: إن أهل بيتي وبني عمي قد بلغهم أمري وقد عيروني وأنا خائفة أن أكره على تزويج بعضهم فاختر مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تهاجر إلى عسكر نافع حتى تكون مع المسلمين في حوزهم ودارهم. وإما أن تخبأني حيث شئت، وإما أن تخلي سبيلي؛ فخلى سبيلها. ثم إن أهل بيتها استكرهوها فزوجوها ابن عم لها لم يكن على رأيها فكتب ممن بحضرتها إلى نافع بن الأزرق يسألونه عن ذلك. فقال رجل منهم: إنها لم يسعها ما صنعت ولا وسع زوجها ما صنع من قبل هجرتهما، لأنه كان ينبغي لهما أن يلحقا بنا، لأنا اليوم بمنزلة المهاجرين بالمدينة، ولا يسع أحدا من المسلمين التخلف عنا، كما لم يسع التخلف عنهم. فتابعه على قوله نافع بن الأزرق وأهل عسكره إلا نفرا يسيرا. وزعمت الأزارقة أن من أقام في دار الكفر فهو كافر لا يسعه إلا الخروج". وقال المبرد ص٣١ ج٣ ط مصطفى الحلبي جاء مولى لبني هاشم إلى نافع فقال له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال. قال له نافع: كفرت وأدللت بنفسك. قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني - ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ - فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم: فشهد نافع أنهم جميعا في النار، ورأى قتلهم: وقال: الدار دار كفر إلا من أظهر إيمانه، ولا يحل أكل ذبائحهم، ولا تناكحهم، ولا توارثهم: ومتى جاء منهم جاء فعلينا أن نمتحنه: وهم ككفار العرب لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقعد بمنزلتهم، والتقية لا تحل: فنفر جماعة من الخوارج عنه، منهم نجدة بن عامر، واحتج بقول الله ﷿ - ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ":
[ ١ / ١١٩ ]
ابن هلال اليشكري، وأخوه محرز بن هلال، وصخر بن حبيب التميمي، وصالح بن مخراق العبدي، وعبد ربه الكبير، وعبد ربه الصغير؛ في زهاء ثلاثين ألف فارس ممن يرى رأيهم، وينخرط في سلكهم.
فأنفذ إليهم عبد الله بن الحارث بن نوفل النوفلي بصاحب جيشه مسلم بن عبيس بن كريز بن حبيب، فقتله الخوارج وهزموا أصحابه، فأخرج إليهم أيضا عثمان بن عبد الله بن معمر التميمي فهزموه. فأخرج إليهم حارثة بن بدر العتابي في جيش كثيف فهزموه. وخشي أهل البصرة على أنفسهم وبدلهم من الخوارج. فأخرج إليهم المهلب بن أبي صفرة فبقي في حرب الأزارقة تسع عشرة سنة غلبى أن فرغ من أمرهم في أيام الحجاج. ومات نافع قبل وقائع المهلب مع الأزارقة، وبايعوا بعده قطري بن الفجاءة المازني وسموه أمير المؤمنين.
وبدع الأزارقة ثمانية:
إحداها: أنه أكفر عليا ﵁، وقال: إن الله أنزل في شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ١ وصوب عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، وقال: إن الله تعالى أنزل في شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ٢.
وقال عمران بن حطان؛ وهو مفتي الخوارج وزاهدها وشاعرها الأكبر؛ في ضربة ابن ملجم٣ لعنه الله لعلي ﵁:
يا ضربة من منيب ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
_________________
(١) ١ البقرة آية ٢٠٤. ٢ البقرة آية ٢٠٧. ٣ قال المبرد في كتابه الكامل ٣/ ٩٢٦ ط مصطفى الحلبي. "نظرت الخوارج في أمرها فقالوا: إن عليا ومعاوية قد أفسدا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقه. وقال رجل من أشجع: والله ما عمرو دونهما: وإنه لأصل هذا الفساد". "فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنة الله عليه: أنا أقتل عليا. فقالوا: وكيف لك به؟ قال: =
[ ١ / ١٢٠ ]
وعلى هذه البدعة مضت الأزارقة، وزادوا عليه تكفير عثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وعبد الله بن عباس ﵃، وسائر المسلمين معهم، وتخليدهم في النار جميعا.
والثانية: أنه أكفر القعدة، وهو أول من أظهر البراءة من القعدة عن القتال وإن كان موافقا له على دينه، وأكفر من لم يهاجر إليه.
والثالثة: إباحته قتل أطفال المخالفين والنسوان معهم.
والرابعة: إسقاط الرجم عن الزاني، إذ ليس في القرآن ذكره. وإسقاط حد القذف عمن قذف المحصنين من الرجال؛ مع وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء.
_________________
(١) = أغتاله: فقال الحجاج بن عبد الله الصريمي وهو البرك: وأنا أقتل معاوية: وقال زاذويه مولى بني العنبر بن عمر بن تميم: وأنا أقتل عمرا. فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة. فجعلوا تلك الليلة ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان: فخرج كل واحد منهم إلى ناحية. فأتى ابن ملجم الكوفة فأخفى نفسه وتزوج امرأة يقال لها قطام بنت علقم من تيم الرباب. وكانت ترى رأي الخوارج. ويروى في بعض الأحاديث أنها قالت: لا أقنع منك إلا بصداق أسميه لك، وهو ثلاث آلاف درهم، وعبد، وأمة، وأنت تقتل عليا. فقال لها: لك ما سألت. فكيف لي به؟ قالت: تروم ذلك غيلة، فإن سلمت أرحت الناس من شر وأقمت مع أهلك. وإن أصبت سرت إلى الجنة ونعيم لا يزول. فأنعم لها بذلك، وفي ذلك يقول: ثلاثة آلاف وعبد وقينة وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم فأقام ابن ملجم، فيقال إن امرأته قطام لامته وقالت ألا تمضي لما قصدت له؟ لشد ما أحببت أهلك! قال: إني قد وعدت صاحبي وقتا بعينه. وكان هناك رجل من أشجع يقال له شبيب، فواطأه عبد الرحمن". فلما كان ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، خرج ابن ملجم وشبيب الأشجعي فأعتورا الباب الذي يدخل منه علي ﵁، وكان علي يخرج مغلسا ويوقظ الناس للصلاة. فخرج كما كان يفعل، فضربه شبيب فأخطأه وأصاب سيفه الباب. وضربه ابن ملجم على صلعته فقال علي: فزت ورب الكعبة: شأنكم بالرجل". "فأما ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، وكان المغيرة أيدا فقعد على صدره". وقال ابن ملجم: "أما والله لقد اشتريت سيفي بألف درهم، وما زلت أعرضه، فما يعيبه أحد إلا أصلحت ذلك العيب. ولقد أسقيته السم حتى لفظه، ولقد ضربته ضربة لو قسمت على من بالمشرق لأتت عليهم".
[ ١ / ١٢١ ]
والخامسة: حكمه بأن أطفال المشركين في النار مع آبائهم.
والسادسة: أن التقية غير جائزة في قول ولا عمل.
والسابعة: تجويزه أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته، أو كان كافرا قبل البعثة. والكبائر والصغائر إذا كانت بمثابة عنده وهي كفر، وفي الأمة من جوز الكبائر والصغائر على الأنبياء ﵈، فهي كفر.
والثامنة: اجتمعت الأزارقة على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر كفر ملة، خرج به عن الإسلام جملة، ويكون مخلدا في النار مع سائر الكفار. واستدلوا بكفر إبليس، وقالوا: ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمره بالسجود لآدم ﵇ فامتنع، وإلا فهو عارف بوحدانية الله تعالى.
[ ١ / ١٢٢ ]
٣- النجدات العاذرية:
أصحاب نجدة بن عامر الحنفي١، وقيل عاصم. وكان من شأنه أنه خرج من اليمامة
_________________
(١) ١ قتله أصحابه سنة ٦٩هـ، في كتاب "الفرق بين الفرق" "ثم قال -أي نجدة- الدين أمران، أحدهما: معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله، وتحريم دماء المسلمين وتحريم غصب أموال المسلمين، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى جملة. فهذا واجب معرفته على كل مكلف. وما سواه فالناس معذورون بجهالته حتى يقيم عليه الحجة في الحلال والحرام. فمن استحل باجتهاده شيئا محرما فهو معذور. ومن خاف العذاب على المجتهد المخطئ قبل الحجة عليه فهو كافر". "الثاني: ومن بدع نجدة أنه تولى أصحاب الخدود من موافقيه وقال: لعل الله يعذبهم في نار غير نار جهنم ثم يدخلهم الجنة. وزعم أن النار يدخلها من خالفه في دينه. ومن ضلاته أنه أسقط حد الخمر. ومنها أيضا أنه قال: من نظر نظرة صغيرة أو كذب كذبة صغيرة وأصر عيها فهو مشرك. ومن زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر عليه فهو مسلم إذا كان من موافقيه على دينه". "فلما أحدث هذه الأحداث وعذر أتباعه بالجهالات استتابه أكثر أتباعه من أحداثه، وقالوا: اخرج إلى المسجد وتب من أحداثك، ففعل ذلك. ثم إن قوما منهم ندموا على استتابته وانضموا إلى العاذرين له وقالوا له: أنت الإمام ولك الاجتهاد، ولم يكن لنا أن نستتيبك. فتب من توبتك، واستتب الذين استتابوك وإلا نابذناك. وصار راشد الطويل مع أبي فديك يدا واحدة. فلما استولى أبو فديك على اليمامة علم أن أصحاب نجدة إذا عادوا من غزواتهم أعادوا نجدة إلى الإمارة فطلب نجدة ليقتله، =
[ ١ / ١٢٢ ]
مع عسكره يريد اللحوق بالأزارقة. فاستقبله أبو فديك وعطية بن الأسود الحنفي في الطائفة الذين خالفوا نافع بن الأزرق؛ فأخبروه بما أحدثه نافع بن الخلاف، بتكفير القعدة عنه، وسائر الأحداث والبدع. وبايعوا نجدة وسموه أمير المؤمنين. ثم اختلفوا على نجدة فأكفره قوم منهم لأمور نفموها عليه:
منها أنه بعث ابنه مع جيش إلى أهل القطيف فقتلوا رجالهم، وسبوا نسائهم وقوموها على أنفسهم وقالو: إن صارت قيمتهن في حصصنا فذاك، وإلا رددنا الفضل: ونكحوهن قبل القسمة. وأكلوا من الغنيمة قبل القسمة. فلما رجعوا إلى نجدة وأخبروه بذلك قال: لم يسعكم ما فعلتم؟ قالوا: لم نعلم أن ذلك لا يسعنا. فعذرهم بجهالتهم.
واختلف أصحابه بذلك. فمنهم من وافقه، وعذر بالجهالات في الحكم الاجتهادي، وقالوا: الدين أمران:
أحدهما: معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، وتحريم دماء المسلمين، يعنون موافقيهم. والإقرار بما جاء من عند الله جملة. فهذا واجب على الجميع، والجهل به لا يعذر فيه.
والثاني: ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرام. قالوا: ومن جوز العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام قبل قيام الحجة عليه، فهو كافر.
_________________
(١) = فاختفى نجدة في دار بعض عاذريه ينتظر رجوع عساكره الذين كان قد فرقهم في سواحل الشام ونواحي اليمن. ونادى منادي أبي فديك: من دلنا على نجدة فله عشرة آلاف درهم. وأي مملوك دلنا عليه فهو حر. فدلت عليه أمة للذين كان نجدة عندهم، فأنفذ أبو فديك راشد الطويل في عسكره غليه فكبسوه وحملوا رأسه إلى أبي فديك. فلما قتل نجدة صارت النجدات بعده ثلاث فرق: فرقة أكفرته وصارت إلى أبي فديك، كراشد الطويل، وأبي بهيس، وأبي الشمراخ وأتباعهم. وفرقة عذرته فيما فعل وهم النجدات اليوم. وفرقة من النجدات بعدوا عن اليمامة وكانوا بناحية البصرة، شكوا فيما حكي من أحداث نجدة، وتوقفوا في أمره وقالوا: لا ندري هل أحدث تلك الأحداث أم لا، فلا نبرأ منه إلا باليقين". "وبقي أبو فديك بعد قتل نجدة إلى أن بعث إليه عبد الملك بن مروان: عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي في جند فقتلوا أبا فديك وبعثوا برأسه إلى عبد الملك بن مروان، فهذه قصة النجدات".
[ ١ / ١٢٣ ]
واستحل نجدة بن عامر دماء أهل العهد والذمة وأموالهم في حال التقية، وحكم بالبراءة ممن حرمها. قال: وأصحاب الحدود من موافقيه، لعل الله تعالى يعفو عنهم. وإن عذبهم ففي غير النار، ثم يدخلهم الجنة؛ فلا تجوز البراءة عنهم.
قال: ومن نظر نظرة، أو كذب كذبة صغيرة أو كبيرة وأصر عليها فهو مشرك. ومن زنى، وشرب، وسرق غير مصر عليه فهو غير مشرك. وغلظ على الناس في حد الخمر تغليظا شديدا.
ولما كاتب عبد الملك بن مروان وأعطاء الرضى، نقم عليه أصحابه فيه، فاستتابوه، فأظهر التوبة فتركوا النقمة عليه والتعرض له. وندمت طائفة على هذه الاستتابة وقالوا: أخطأنا وما كان لنا أن نستتيب الإمام، وما كان له أن يتوب باستتابتنا إياه. فتابوا من ذلك وأظهروا الخطأ، وقالوا له: تب من توبتك وإلا نابذناك، فتاب من توبته.
وفارقه أبو فديك وعطية. ووثب عليه أبو فديك فقتله. ثم برئ أبو فديك من عطية، وعطية من أبي فديك. وأنفذ عبد الله بن مروان: عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي مع جيش إلى حرب أبي فديك فحاربه أياما، فقتله ولحق عطية بأرض سجستان، ويقال لأصحابه العطوية. ومن أصحابه: عبد الكريم بن عجرد زعيم العجاردة.
وإنما قيل للنجدات: العاذرية، لأنهم عذروا بالجهالات في أحكام الفروع. وحكى الكعبي عن النجدات: أن التقية جائزة في القول والعمل كله، وإن كان في قتل النفوس. قال: وأجمعت النجدات على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط. وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم. فإن هم رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه فأقاموه، جاز.
ثم افترقوا بعد نجدة إلى: عطوية، وفديكية. وبرئ كل واحد منهما عن صاحبه بعد قتل نجدة. وصارت الدار لأبي فديك إلا من تولى نجدة. وأهل سجستان وخراسان وكرمان وقهستان، من الخوارج على مذهب عطية.
وقيل: كان نجدة بن عامر، ونافع بن الأزرق قد اجتمعا بمكة مع الخوارج على
[ ١ / ١٢٤ ]
ابن الزبير ثم تفرقا عنه. واختلف نافع ونجدة، فصار نافع إلى البصرة، ونجدة إلى اليمامة.
وكان سبب اختلافهما أن نافعا قال: التقية لا تحل، والقعود عن القتال كفر. واحتج بقول الله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١ وبقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ٢.
وخالفه نجدة وقال: التقية جائزة، واحتج بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣ وبقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ ٤ وقال: العقود جائز، والجهاد إذا أمكنه أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٥.
وقال نافع: هذا في أصحاب النبي ﷺ حين كانوا مقهورين، وأما في غيرهم مع الإمكان فالقعود كفر، لقول الله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ النساء آية ٧٧. ٢ المائدة آية ٥٤. ٣ آل عمران آية ٢٨. ٤ غافر آية ٢٨. ٥ النساء آية ٩٥. ٦ التوبة آية ٩٠.
[ ١ / ١٢٥ ]
٤- البيهسية:
أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر، وهو أحد بني سعد بن ضبيعة، وقد كان الحجاج طلبه أيام الوليد فهرب إلى المدينة. فطلبه بها عثمان بن حيان المزني فظفر به وحبسه، وكان يسامره إلى أن ورد كتاب الوليد بأن يقطع يديه ورجليه ثم يقتله، ففعل به ذلك.
وكفر أبو بيهس: إبراهيم، وميمون في اختلافهما في بيع الأمة، وكذلك كفر
[ ١ / ١٢٥ ]
الواقفية، وزعم أنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله تعالى ومعرفة رسله ومعرفة ما جاء به النبي ﷺ، والولاية لأولياء الله تعالى. والبراءة من أعداء الله. فمن جملة ما ورد به الشرع وحكم به ما حرم الله وجاء به الوعيد، فلا يسعه إلا معرفته بعينه، وتفسيره والاحتراز عنه، ومنه ما ينبغي أن يعرف باسمه، ولا يضره ألا يعرفه بتفسيره حتى يبتلى به، وعليه أن يقف عند ما لا يعلم ولا يأتي بشيء إلا بعلم، وبرئ أبو بيهس عن الواقفية لقولهم: إنا نقف فيمن واقع الحرام وهو لا يعلم أحلالا واقع أم حراما؟ قال: كان من حقه أن يعلم ذلك.
والإيمان: هو أن يعلم كل حق وباطل، وإن الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل. ويحكى عنه أنه قال: الإيمان هو الإقرار والعلم، وليس هو أحد الأمرين دون الآخر.
وعامة البيهسية على أن العلم والإقرار والعمل كله إيمان، وذهب قوم منهم إلى أنه لا يحرم سوى ما ورد في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ ١ الآية. وما سوى ذلك فكله حلال.
ومن البيهسية قوم يقال لهم العونية٢، وهم فرقتان:
١- فرقة تقول: من رجع من دار الهجرة إلى القعود برئنا منه.
٢- وفرقة تقول: بل نتولاهم، لأنهم رجعوا إلى أمر كان حلالا لهم.
والفرقتان اجتمعتا على أن الإمام إذا كفر كفرت الرعية: الغائب منهم، والشاهد. ومن البيهسية٣ صنف يقال لهم أصحاب التفسير، زعموا أن من شهد من المسلمين شهادة، أخذ بتفسيرها وكيفيتها.
_________________
(١) ١ الأنعام آية ١٤٥. ٢ في "الفرق بين الفرق" ص ٦٥ العوفية بالفاء وكذلك في "مقالات الإسلاميين" ص١١٥ جـ١. ٣ في "مقالات الإسلاميين" ص١١٧ ج١ "ومن البيهسية فرقة يسمون أصحاب التفسير. كان صاحب بدعتهم رجل يقال له الحكم بن مروان من أهل الكوفة. زعم أنه من شهد على المسلمين لم تجز شهادتهم إلا بتفسير الشهادة كيف هي؟ قالوا: ولو أن أربعة شهدوا على رجل منهم بالزنا لم تجز شهادتهم حتى يشهدوا كيف هو؟ وهكذا قالوا في سائر الحدود. فبرئت منهم البيهسية على ذلك وسموهم أصحاب التفسير.
[ ١ / ١٢٦ ]
وصنف يقال لهم أصحاب١ السؤال. قالوا: إن الرجل يكون مسلما إذا شهد الشهادتين، وتبرأ، وتولى، وآمن بما جاء من عند الله جملة، وإن لم يعلم فيسأل ما افترض الله عليه، ولا يضره أن لا يعلم حتى يبتلى به فيسأل، وإن واقع حراما يعلم تحريمه فقد كفر، وقالوا في الأطفال بقول الثعلبية: إن أطفال المؤمنين مؤمنون، وأطفال الكافرين كافرون.
ووافقوا القدرية في القدر، وقالوا: إن الله تعالى فوض إلى العباد، فليس الله في أعمال العباد مشيئة. فبرئت منهم عامة البيهسية.
وقال بعض البيهسية: إن واقع الرجل حراما لم يحكم بكفره حى يرفع أمره إلى الإمام الوالي ويحده، وكل ما ليس فيه حد فهو مغفور.
وقال بعضهم: إن السكر إذا كان من شراب حلال فلا يؤاخذ صاحبه بما قال فيه وفعل.
وقالت العونية: السكر كفر، ولا يشهدون أنه كفر ما لم ينضم إليه كبيرة أخرى من ترك الصلاة، أو قذف المحصن.
ومن الخوارج: أصحاب صالح بن مسرح، ولم يبلغنا عنه أنه أحدث قولا تميز به عن أصحابه. فخرج على بشر بن مروان، فبعث إليه بشر الحارث بن عميرة أو الأشعث
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١١٥ ج١ "ومن البيهسية فرقة يقال لهم أصحاب شبيب النجراني، يعرفون بأصحاب السؤال، والذي أبدعوه أنهم زعموا أن الرجل يكون مسلما إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وتولى أولياء الله، وتبرأ من أعدائه، وأقر بما جاء من عند الله جملة وإن لم يعلم سائر ما افترض الله سبحانه عليه مما سوى ذلك: أفرض هو أم لا؟ فهو مسلم حتى يبتلى بالعمل فيسأل. وقالوا في أطفال المؤمنين بقول ثعلبة: إنهم مؤمنون أطفالا وبالغين حتى يكفروا، وإن أطفال الكفار كفار أطفالا، وبالغين حتى يؤمنوا. وقالوا بقول المعتزلة في القدر. فبرئت منهم البيهسية".
[ ١ / ١٢٧ ]
ابن عميرة الهمداني، أنفذه الحجاج لقتاله. فأصابت صالحا جراحة في قصر جلولاء، فاستخلف مكانه شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني المكنى بأبي الصحاري؛ وهو الذي غلب على الكوفة وقتل من جيش الحجاج أربعة وعشرين أميرا، كلهم أمراء الجيوش، ثم انهزم إلى الأهواز، وغرق في نهر الأهواز وهو يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم﴾ ١.
وذكر اليمان أن الشبيبية يسمون مرجئة الخوارج، لما ذهبوا إليه من الوقف في أمر صالح، ويحكى عنه أنه برئ منه وفارقه، ثم خرج يدعي الإمامة لنفسه. ومذهب شبيب ما ذكرناه من مذاهب البيهسية، إلا أن شوكته وقوته ومقاماته مع المخالفين مما لم يكن لخارج من الخوارج، وقصته مذكورة في التواريخ.
_________________
(١) ١ يس آية ٣٨.
[ ١ / ١٢٨ ]
٥- العجاردة:
أصحاب١ عبد الكريم بن عجرد، وافق النجدات في بدعهم. وقيل: إنه كان من أصحاب أبي بيهس، ثم خالفه وتفرد بقوله: تجب البراءة عن الطفل حتى يدعى إلى الإسلام، ويجب دعاؤه إذا بلغ، وأطفال المشركين في النار مع آبائهم، ولا يرى المال فيئا حتى يقتل صاحبه، وهم يتولون القعدة إذا عرفوهم بالديانة، ويرون الهجرة فضيلة لا فريضة، ويكفرون بالكبائر، ويحكى عنهم أنهم ينكرون كون سورة يوسف من القرآن، ويزعمون أنها قصة من القصص. قالوا: ولا يجوز أن تكون قصة العشق من القرآن.
_________________
(١) ١ "في مقالات الإسلاميين" ص٩٥ ج١ "وذكر الكرابيسي في بعض كتبه أن العجاردة والميمونة يجيزون نكاح بنات البنين، وبنات البنات، وبنات بنات الإخوة. وبنات بني الإخوة، ويقولون إن الله حرم البنات وبنات الإخوة، وبنات الأخوات. وحكى لنا عنهم ما لم نتحققه أنهم يزعمون أن سورة يوسف ليس من القرآن".
[ ١ / ١٢٨ ]
ثم إن العجاردة افترقوا أصنافا، ولكل صنف مذهب على حياله، إلا أنهم لما كانوا من جملة العجاردة أوردناهم على حكم التفصيل بالجدول والضلع وهم:
"أ" الصلتية:
أصحاب عثمان بن أبي الصلت، أو الصلت١ بن أبي الصلت. تفرد عن العجاردة بأن الرجل إذا أسلم توليناه وتبرأنا من أطفاله حتى يدركوا فيقبلوا الإسلام.
ويحكى عن جماعة منهم أنهم قالوا: ليس لأطفال المشركين والمسلمين ولاية ولا عداوة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا، أو ينكروا.
"ب" الميمونية:
أصحاب ميمون بن خالد. كان من جملة العجاردة إلا أنه تفرد عنهم بإثبات القدر خيره وشره من العبد، وإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا، وإثبات الاستطاعة قبل الفعل، والقول بأن الله تعالى يريد الخير دون الشر، وليس له مشيئة في معاصي العباد. وذكر الحسين الكرابيسي في كتابه الذي حكى فيه مقالات الخوارج: أن الميمونية يجيزون نكاح بنات البنات، وبنات أولاد الإخوة والأخوات. وقالوا: إن الله تعالى حرم نكاح البنات، وبنات الإخوة والأخوات، ولم يحرم نكاح أولاد هؤلاء.
وحكى الكعبي والأشعري عن الميمونية إنكارها كون سورة يوسف من القرآن.
وقالوا بوجوب قتال السلطان، وحده، ومن رضي بحكمه. فأما من أنكره فلا يجوز قتاله إلا إذا أعان عليه، أو طعن في دين الخوارج، أو صار دليلا للسلطان. وأطفال المشركين عندهم في الجنة.
"جـ" الحمزية:
أصحاب حمزة بن أدرك٢، وافقوا الميمونية في القدر وفي سائر
_________________
(١) ١ "الفرق بين الفرق" ص٥٦ "وقيل صلت بن أبي الصلت". ٢ "الفرق بين الفرق" ص٥٨ "حمزة بن أكرك" وقال عبد القاهر عن الحمزية "هؤلاء أتباع حمزة بن أكرك الذي عاث في سجستان وخرسان ومكرات وقهستان وكرمان،هزم الجيوش =
[ ١ / ١٢٩ ]
بدعها. إلا في أطفال مخالفيهم والمشركين فإنهم قالوا: هؤلاء كلهم في النار.
وكان حمزة من أصحاب الحسين بن الرقاد الذي خرج بسجستان من أهل أوق. وخالفه خلف الخارجي في القول بالقدر، واستحقاق الرئاسة، فبرئ كل واحد منهما عن صاحبه. وجوز حمزة إمامين في عصر واحد، ما لم تجتمع الكلمة، ولم تقهر الأعداء.
"د" الخلفية:
أصحاب خلف الخارجي؛ وهم من خوارج كرمان ومكران. خالفوا الحمزية في القول بالقدر، وأضافوا القدر خيره وشره إلى الله تعالى، وسلكوا في ذلك مسلك أهل السنة. وقالوا: الحمزية ناقضوا حيث قالوا: لو عذب الله العباد على أفعال قدرها عليهم، أو على ما لم يفعلوه كان ظالما. وقضوا بأن أطفال المشركين في النار، ولا عمل لهم ولا ترك، وهذا من أعجب ما يعتقد من التناقض.
"هـ" الأطرافية:
فرقة على مذهب حمزة في القول بالقدر. إلا أنهم عذروا أصحاب الأطراف في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما يعرف لزومه من طريق العقل. وأثبتوا واجبات عقلية كما قالت القدرية، ورئيسهم غالب بن شاذك من سجستان. وخالفهم عبد الله السديوري وتبرأ منهم.
_________________
(١) = الكثيرة وكان في الأصل من العجاردة الحازمية ثم خالفهم في باب القدر والاستطاعة فقال فيهما بقول القدرية فأكفرته الخازمية في ذلك، ثم زعم مع ذلك أن أطفال المشركين في النار، فأكفرته القدرية في ذلك. ثم إنه والى القعدة من الخوارج مع قوله بتكفير من لا يوافقه على قتال مخالفيه من فرق هذه الأمة مع قوله بأنهم مشركون، وكان إذا قاتل قوما وهزمهم أمر بإحراق أموالهم وعقر دوابهم. وكان مع ذلك يقتل الأسراء من مخالفيهم". "وكان ظهوره في أيام هارون الرشيد سنة تسع وسبعين ومائة. وبقي الناس في فتنته إلى أن مضى صدر من أيام خلافة المأمون. وأخيرا تمكنت جيوش المأمون من هزيمته، وقتل حمزة في آخر موقعة له مع جيوش الخليفة". وفي "مقالات الإسلاميين" ص٩٤ ج١ "الحمزية أصحاب رجل يدعى حمزة، ثبتو على قول الميمونية بالقدر، وأنهم يرون قتال السلطان خاصة ومن رضي بحكمه. فأما من أنكره فلا يرون قتله إلا إذا أعان عليهم أو طعن في دينهم، أو صارعونا للسلطان، أو دليلا له. وحكى زرقان أن العجاردة أصحاب حمزة لا يرون قتل أهل القبلة ولا أخذ المال في السر حتى يبعث الحرب". ولكن التاريخ يذكر أن حمزة كان سفاكا للدماء؛ وأنه أزهق آلاف الأرواح ظلما وعدوانا.
[ ١ / ١٣٠ ]
ومنهم المحمدية أصحاب محمد بن رزق، وكان من أصحاب الحسين بن الرقاد، ثم برئ منه.
"و" الشعيبية:
أصحاب شعيب بن محمد، وكان مع ميمون من جملة العجاردة، إلا أنه برئ منه حين أظهر القول بالقدر.
قال شعيب: إن الله تعالى خالق أعمال العباد، والعبد مكتسب لها قدرة وإرادة، مسئول عنها خيرا وشرا، مجازى عليها ثوابا وعقابا، ولا يكون شيء في الوجود إلا بمشيئة الله تعالى، وهو على بدع الخوارج في الإمامة والوعيد، وعلى بدع العجاردة في حكم الأطفال، وحكم القعدة، والتولي والتبري.
"ز" الحازمية:
أصحاب حازم بن علي أخذوا بقول شعيب في أن الله تعالى خالق أعمال العباد، ولا يكون في سلطانه إلا ما يشاء. وقالوا بالموافاة، وأن الله تعالى إنما يتولى العباد على ما علم أنهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الإيمان، ويتبرأ منهم على ما علم أنهم صائرون إليه في آخر أمرهم من الكفر، وأنه سبحانه لم يزل محبا لأوليائه مبغضا لأعدائه.
ويحكى عنهم أنهم يتوقفون في أمر علي ﵁، ولا يصرحون بالبراءة عنه ويصرحون بالبراءة في حق غيره.
[ ١ / ١٣١ ]
٦- الثعالبة:
أصحاب ثعلبة بن عامر. كان مع عبد الكريم بن عجرد يدا واحدة إلى أن اختلفا في أمر الأطفال فقال ثعلبة: إنا على ولايتهم صغارا وكبارا حتى نرى منهم إنكارا للحق ورضا بالجور. فتبرأت العجاردة من ثعلبة. ونقل عنه أيضا أنه قال: ليس له حكم في حال الطفولة من ولاية وعداوة، حتى يدركوا ويدعوا، فإن قبلوا فذاك، وإن أنكروا كفروا. وكان يرى أخذ الزكاة من عبيدهم إذا استغنوا، وإعطاءهم منها إذا افتقروا.
[ ١ / ١٣١ ]
"أ" الأخنسية:
أصحاب أخنس بن قيس، من جملة الثعالبة. وانفر عنهم بأن قال: أتوقف في جميع من كان في دار التقية من أهل القبلة؛ إلا من عرف منه إيمان فأتولاه عليه، أو كفر فأتبرأ منه. وحرموا الاغتيال والقتل، والسرقة في السر.
ولا يبدأ أحد من أهل القبلة بالقتال حتى يدعى إلى الدين، فإن امتنع قوتل؛ سوى من عرفوه بعينه على خلاف قولهم. وقيل إنهم جوزوا تزويج المسلمات من مشركي قومهم، أصحاب الكبائر، وهم على أصول الخوارج في سائر المسائل.
"ب" المعبدية:
أصحاب معبد بن عبد الرحمن، كان من جملة الثعالبة. خالف الأخنس في الخطأ الذي وقع له في تزويج المسلمات من مشرك، وخالف ثعلبة فيما حكم من أخذ الزكاة من عبيدهم. وقال: إني لأبرأ منه بذلك، ولا أدع اجتهادي في خلافه. وجوزوا أن تصير سهام الصدقة سهما واحدا في حال التقية.
"جـ" الرشيدية:
أصحاب رشيد الطوسي. ويقال لهم العشرية، وأصلهم أن الثعالبة كانوا يوجبون فيما سقي بالأنهار والقنى نصف العشر. فأخبرهم زياد بن عبد الرحمن أن فيه العشر، ولا تجوز البراءة ممن قال فيه نصف العشر قبل هذا. فقال رشيد: إن لم تجز البراءة منهم فإنا نعمل بما عملوا، فافترقوا في ذلك فرقتين.
"د" الشيبانية:
أصحاب شيبان بن سلمة، الخارج في أيام أبي مسلم١، وهو المعين له ولعلي بن الكرماني على نصر بن سيار، وكان من الثعالبة. فلما أعانهما برئت منه الخوارج. فلما قتل شيبان ذكر قوم توبته. فقالت الثعالبة: لا تصح توبته لأنه قتل الموافقين لنا في المذهب، وأخذ أموالهم، ولا تقبل توبة من قتل مسلما وأخذ ماله إلا بأن يقتص من نفسه، ويرد الأموال، أو يوهب له ذلك.
_________________
(١) ١ هو أبو مسلم الخراساني مؤسس الدولة العباسية، قتله المنصور سنة ١٦٨هـ.
[ ١ / ١٣٢ ]
ومن مذهب شيبان أنه قال بالجبر، ووافق جهم بن صفوان في مذهبه إلى الجبر، ونفي القدرة الحادثة. وينقل عن زياد بن عبد الرحمن الشيباني أبي خالد أنه قال: إن الله تعالى لم يعلم حتى خلق لنفسه علما، وأن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها ووجودها. ونق عنه أنه تبرأ من شيبان، وأكفره حين نصر الرجلين، فوقعت عامة الشيبانية بجرجان، ونسا، وأرمينية. والذي تولى شيبان وقال بتوبته: عطية الجرجاني وأصحابه.
"هـ" الكرمية:
أصحاب مكرم بن عبد الله البجلي، كان من جملة الثعالبة وتفرد عنهم بأن قال: تارك الصلاة كافر، لا من أجل ترك الصلاة ولكن من أجل جهله بالله تعالى، وطرد هذا في كل كبيرة يرتكبها الإنسان، وقال: إنما يكفر لجهله بالله تعالى، وذلك أن العارف بوحدانية الله تعالى، وأنه المطلع على سره وعلانيته، المجازي على طاعته ومعصيته، لا يتصور منه الإقدام على المعصية، والاجتراء على المخالفة ما لم يغفل عن هذه المعرفة، ولا يبالي بالتكليف منه، وعن هذا قال النبي ﵇: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" الخبر.
وخالفوا الثعالبة في هذا القول وقالوا: بإيمان الموافاة، والحكم بأن الله تعالى إنما يتولى عباده ويعاديهم على ما هم صائرون إليه من موافاة الموت، لا على أعمالهم التي هم فيها؛ فإن ذلك ليس بموثوق به إصرارا عليه ما لم يصل المرء إلى آخر عمره، ونهاية أجله، فحينئذ إن بقي على ما يعتقده فذلك هو الإيمان فنواليه، وإن لم يبق فنعاديه. وكذلك في حق الله تعالى: حكم الموالاة والمعاداة على ما علم منه حال الموافاة. وكلهم على هذا القول.
"و" المعلومية والمجهولية:
كانوا في الأصل حازمية، إلا أن المعلومية قالت: من لم يعرف الله تعالى بجميع أسمائه وصفاته فهو جاهل به، حتى يصير عالما بجميع ذلك؛ فيكون مؤمنا. وقالت: الاستطاعة مع الفعل، والفعل مخلوق للعبد. فبرئت منهم الحازمية.
[ ١ / ١٣٣ ]
وأما المجهولية فإنهم قالوا: من علم بعض أسماء الله تعالى وصفاته وجهل بعضها، فقد عرفه تعالى، وقالت: إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
"ز" البدعية:
أصحاب يحيى بن أصدم، أبدعوا القول بأن نقطع على أنفسنا بأن من اعتقد اعتقادنا فهو من أهل الجنة، ولا نقول: إن شاء الله؛ فإن ذلك شك في الأعتقاد، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله؛ فهو شاك، فنحن من أهل الجنة قطعا، من غير شك.
[ ١ / ١٣٤ ]
٧- الإباضية:
أصحاب عبد الله بن إباض١ الذي خرج في أيام مروان بن محمد، فوجه إليه عبد الله بن محمد بن عطية، فقاتله بتبالة٢ وقيل إن عبد الله بن يحيى الإباضي كان رفيقا له في جميع أحواله وأقواله. قال: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارتهم حلال، وغنمية أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام. وحرام قتلهم وسبيهم في السر غيلة، إلا بعد نصب القتال، وإقامة الحجة.
وقالوا: إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي. وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم. وقالوا في مرتكبي الكبائر: إنهم موحدون لا مؤمنون.
وحكى الكعبي عنهم: أن الاستطاعة عرض من الأعراض، وهي قبل الفعل، بها يحصل الفعل، وأفعال العباد مخلوقة لله تعالى: إحداثا وإبداعا، ومكتسبة للعبد حقيقة، لا مجازا. ولا يسمون إمامهم أمير المؤمنين، ولا أنفسهم مهاجرين. وقالوا: العالم يفنى كله
_________________
(١) ١ من بني مرة بن عبيد بن تميم، خرج في آخر دولة بني أمية. ٢ تبالة: بلدة بأرض تهامة في الطريق إلى صنعاء.
[ ١ / ١٣٤ ]
إذا فنى أهل التكليف. قال: وأجمعوا على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر، كفر النعمة، لا كفر الملة، وتوقفوا في أطفال المشركين، وجوزوا تعذيبهم على سبيل الانتقام، وأجازوا أن يدخلوا الجنة تفضلا. وحكى الكعبي عنهم أنهم قالوا بطاعة لا يراد بها الله تعالى، كما قال أبو الهذيل.
ثم اختلفوا في النفاق: أيسمى شركا أم لا:؟ قالوا: إن المنافقين في عهد رسول الله ﷺ كانوا موحدين، إلا أنهم ارتكبوا الكبائر، فكفروا بالكبيرة لا بالشرك، وقالوا: كل شيء أمر الله تعالى به فهو عام ليس بخاص، وقد أمر به المؤمن والكافر، وليس في القرآن خصوص، وقالوا: لا يخلف الله تعالى شيئا إلا دليلا على وحدانيته، ولابد أن يدل به واحدا. وقال قوم منهم: يجوز أن يخلق الله تعالى رسولا بلا دليل، ويكفلف العباد بما أوحي إليه، ولا يجب عليه إظهار المعجزة، ولا يجب على الله تعالى ذلك إلى أن يخلق دليلا، ويظهر معجزة. وهم جماعة متفرقون في مذاهبهم تفرق الثعالبة والعجاردة.
"أ" الحفصية ١:
هم أصحاب حفص بن أبي المقدام، تميز عنهم بأن قال إن بين
_________________
(١) ١ "في مقالات الإسلاميين" ص١٠٢ ج١ "فالفرقة الأولى منهم -يعني الإباضية- يقال لها الحفصية. كان إمامهم حفص بن أبي المقدام. زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده. فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار، أو عمل بجميع الخبائث من قتل النفس واستحلال الزنا وسائر ما حرم الله سبحانه من فروج النساء فهو كافر بريء من الشرك. وكذلك من اشتغل بسائر ما حرم الله سحبانه مما يؤكل ويشرب فهو كافر بريء من الشرك. ومن جهل الله سبحانه وأنكره فهو مشرك. فبرئ منه الإباضية إلا من صدقه منهم. وتأولوا في عثمان نحو ما تأولت الشيعة في أبي بكر وعمر. وزعم أن عليا هو الحيران الذي ذكره الله في القرآن، [الأنعام آية ٧١]- ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وزعم أن عليا هو الذي أنزل الله سبحانه فيه - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -[البقرة آية ٢٠٤]، وأن عبد الرحمن بن ملجم هو الذي أنزل الله فيه - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ -[البقرة آية ٢٠٧] . ثم قال بعد ذلك: الإيمان بالكتب والرسل متصل بتوحيد الله، فمن كفر بذلك فقد أشرك بالله".
[ ١ / ١٣٥ ]
الشرك والإيمان خصلة واحدة، وهي معرفة الله تعالى وحده، فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول أو كتاب أو قيامة أو جنة أو نار، أو ارتكب الكبائر من الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فهو كافر لكنه بريء من الشرك.
"ب" الحارثية:
أصحاب الحارث الإباضي، خالف الإباضية في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة، وفي الاستطاعة قبل الفعل، وفي إثبات طاعة لا يراد بها الله تعالى.
"جـ" اليزيدية ١:
أصحاب يزيد بن أنيسة الذي قال بتولي المحكمة الأولى قبل الأزارقة، وتبرأ ممن بعدهم إلا الإباضية فإنه يتولاهم، وزعم أن الله تعالى سيبعث رسولا من العجم، وينزل عليه كتابا قد كتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة، ويترك شريعة المصطفى محمد ﵇، ويكون على ملة الصابئة المذكورة في القرآن، وليست هي الصابئة الموجودة بحران، وواسط.
وتولى يزيد بن شهد لمحمد المصطفى ﵇ من أهل الكتاب بالنبوة وإن لم يدخل في دينه، وقال إن أصحاب الحدود من موافقيه وغيرهم كفار مشركون، وكل ذنب صغير أو كبير، فهو شرك.
_________________
(١) ١ في "مقالات الإسلاميين" ص١٠٣ ج١ "والفرقة الثانية منهم يسمون اليزيدية. كان إمامهم يزيد بن أنيسة. قالوا: نتولى المحكمة الأولى ونبرأ ممن كان بعد ذلك من أهل الأحداث. ونتولى الإباضية كلهم، ويزعمون أنهم مسلمون كلهم إلا من بلغه قولنا فكذبه، أو من خرج. وخالفوا الحفصية في الإكفار والتشريك وقالوا بقول الجمهور. وحكى يمان بن رباب أن أصحاب يزيد بن أنيسة قالوا بالتشريك، وتولى يزيد المحكمة الأولى قبل نافع، وبرئ ممن كان بعدهم. وحرم القتال على كل أحد بعد تفريقهم، وثبت على ولاية الإباضية إلا من كذبه، أو بلغه قوله فرده". "وزعم أن الله سبحانه سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا من السماء، يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة. فترك شريعة محمد ودان بشريعة غيرها. وزعم ان ملة ذلك النبي الصابئة، وليس هذه الصابئة التي عليها الناس اليوم، وليس هم الصابئين الذين ذكرهم الله في القرآن، ولم يأتوا بعد". "وتولى من شهد لمحمد ﷺ بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه، ولم يعملوا بشريعته. وزعم أنهم بذلك مؤمنون" وقد تبرأ منه جل الإباضية.
[ ١ / ١٣٦ ]
الصفرية الزيادية:
أصحاب زياد بن الأصفر، خالفوا الأزارقة، والنجدات، والإباضية في أمور منها: أنهم لم يكفروا القعدة عن القتال، إذا كانوا موافقين في الدين والاعتقاد، ولم يسقطوا الرجم، ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار. وقالوا: التقية جائزة في القول دون العمل. وقالوا: ما كان من الأعمال عليه حد وقاع فلا يتعدى بأهله الاسم الذي لزمه به الحد كالزنا، والسرقة، والقذف، فيسمى زانيا، سارقا، قاذفا، لا كافرا مشركا.
وما كان من الكبائر مما ليس فيه حد لعظم قدره مثل ترك الصلاة، والفرار من الزحف، فإنه يكفر بذلك ونقل عن الضحاك منهم أنه جوز تزويج المسلمات من كفار قومهم في دار التقية دون دار العلانية. ورأى زياد بن الأصفر جميع الصدقات سهما واحدا في حال التقية، ويحكى عنه أنه قال: نحن مؤمنون عند أنفسنا، ولا ندري لعلنا خرجنا من الإيمان عند الله. وقال: الشرك شركان، شرك هو طاعة الشيطان، وشرك هو عبادة الأوثان. والكفر كفران، كفر بإنكار النعمة، وكفر بإنكار الربوبية. والبراء براءتان، براءة من أهل الحدود، سنة؛ وبراءة من أهل الجحود فريضة.
ولنختتم المذاهب بذكر تتمة رجال الخوارج:
من المتقدمين: عكرمة، وأبو هارون العبدي، وأبو الشعثاء، وإسماعيل بن سميع.
ومن المتأخرين: اليمان بن رباب: ثعلبي، ثم بيهسي، وعبد الله بن يزيد، ومحمد بن حرب، ويحيى بن كامل: إباضية.
[ ١ / ١٣٧ ]
ومن شعرائهم: عمران بن حطان، وحبيب بن مرة صاحب الضحاك بن قيس، ومنهم أيضا: جهم بن صفوان، وأبو مروان غيلان بن مسلم، ومحمد بن عيسى برغوث، وأبو الحسين كلثوم بن حبيب المهلبي، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن شبيب البصري وعلي بن حرملة، وصالح بن قبة بن صبيح بن عمرو، ومويس بن عمران البصري، وأبو عبد الله بن مسلمة، وأبو عبد الرحمن بن مسلمة، والفضل بن عيسى الرقاشي، وأبو زكريا يحيى بن أصفح، وأبو الحسين محمد بن مسلم الصالحي، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الخالدي، ومحمد بن صدقة، وأبو الحسين علي بن زيد الإباضي، وأبو عبد الله محمد بن كرام، وكلثوم بن حبيب المرادي البصري.
والذين اعتزلوا إلى جانب فلم يكونوا مع علي ﵁ في حروبه، ولا مع خصومه، وقالوا: لا ندخل في غمار الفتنة بين الصحابة ﵃: عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، مولى رسول الله ﷺ.
وقال قيس بن أبي حازم: كنت مع علي ﵁ في جميع أحواله وحروبه حتى قال يوم صفين: "انفروا إلى بقية الأحزاب، انفروا إلى من يقول: كذب الله ورسوله، وأنتم تقولون: صدق الله ورسوله" فعرفت أي شيء كان يعتقد في الجماعة، فاعتزلت عنه.
[ ١ / ١٣٨ ]
الفصل الخامس: المرجئة
مدخل
الفصل الخامس: المرجئة
الإرجاء على معنيين:
أحدهما: بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ ١، أي أمهله وأخره.
والثاني: إعطاء الرجاء.
أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد.
واما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
وقيل الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا؛ من كون من أهل الجنة، أو من أهل النار. فعلى هذا: المرجئة، والوعيدية فرقتان متقابلتان.
وقيل الإرجاء: تأخير علي ﵁ عن الدرجة الأولى إلى الرابعة. فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان.
والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية. والمرجئة الخالصة. ومحمد بن شبيب، والصالحي، والخالدي من مرجئة القدرية، وكذلك الغيلانية أصحاب غيلان الدمشقي، أول من أحدث القول بالقدر والإرجاء، ونحن إنما نعد مقالات المرجئة الخالصة منهم.
_________________
(١) ١ الأعراف آية ١١١.
[ ١ / ١٣٩ ]
١- اليونسية:
أصحاب يونس بن عون النميري، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن وما سوى ذلك١ من الطاعة فليس من الإيمان ولا يضر تركها حقيقة الإيمان، ولا يعذب على ذلك إذا كان الإيمان خالصا، واليقين صادقا.
وزعم أن إبليس كان عارفا بالله وحده، غير أنه كفر باستكباره عليه، ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢ قال: ومن تمكن في قلبه الخضوع لله، والمحبة له على خلوص ويقين لم يخالفه في معصية، وإن صدرت منه معصبة فلا تضره بيقينه وإخلاصه، والمؤمن إنما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته، لا بعمله وطاعته.
_________________
(١) ١ في الفرق بين الفرق ص١٢٣ "هؤلاء أتباع يونس بن عون الذي زعم أن الإيمان في القلب واللسان. وأنه هو المعرفة بالله تعالى والمحبة والخضوع له بالقلب والإقرار باللسان أنه واحد ليس كمثله شيء، ما لم تقم حجة الرسل ﵈. فإن قامت عليهم حجتهم بالتصديق لهم، ومعرفة ما جاء من عندهم في الجملة من الإيمان. وليست معرفة تفصيل ما جاء من عندهم إيمانا ولا من جملته. وزعم هؤلاء أن كل خصلة من خصال الإيمان ليست بإيمان، ولا بعض إيمان ومجموعها إيمان". وفي "مقالات الإسلاميين" للأشعري ج١ ص١٣٤ "ولم يجعلوا الإيمان متبعضا، ولا محتملا للزيادة والنقصان". ٢ البقرة آية ٣٤.
[ ١ / ١٤٠ ]
٢- العبيدية:
أصحاب عبيد المكتئب، حكى عنه أنه قال: ما دون الشرك مغفور لا محالة، وإن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات، وحكى اليمان عن عبيد المكتئب وأصحابه أنهم قالوا: إن علم الله تعالى لم يزل شيئا غيره، وإن كلامه لم يزل شيئا غيره. وكذلك دين الله لم يزل شيئا غيره. وزعم أن الله -تعالى
[ ١ / ١٤٠ ]
عن قولهم - على صورة إنسان، وحل عليه قوله ﷺ: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن".
[ ١ / ١٤١ ]
٣- الغسانية:
أصحاب غسان١ الكوفي. زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسوله، والإقرار بما أنزل الله، وبما جاء به الرسول في الجملة دون التفصيل، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، وزعم أن قائلا لو قال: أعلم أن الله تعالى قد حرم أكل الخنزير، ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه: هذه الشاة أم غيرها؟ كان مؤمنا، ولو قال: أعلم أن الله تعالى فرض الحج إلى الكعبة، غير أني لا أدري أين الكعبة؟ ولعلها بالهند؛ كان مؤمنا ومقصوده أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان، لا أنه كان شاكا في هذه الأمور، فإن عاقلا لا يستجيز من عقله أن يشك في أن الكعبة: إلى أي جهة هي؟ وأن الفرق بن الخنزير والشاة ظاهر.
ومن العجيب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة ﵀ مثل مذهبه، ويعده من المرجئة، ولعله كذب كذلك عليه، لعمري! كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه مرجئة السنة. وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة، ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص، ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان. والرجل مع تخريجه في العمل كيف يفتي بترك العمل؟ وله سبب آخر، وهو أنه كان يخالف القدرية، والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول. والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئا، وكذلك الوعيدية من الخوارج. فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريقي المعتزلة والخوارج، والله أعلم.
_________________
(١) ١ في الفرق بين الفرق ص١٢٣ "زعم أن الإيمان هو الإقرار أو المحبة لله تعالى وتعظيمه وترك الاستكبار عليه، وقال إنه لا يزيد ولا ينقص، وفارق اليونسية بأن سمى كل خصلة من الإيمان بعض الإيمان".
[ ١ / ١٤١ ]
٤- الثوبانية:
أصحاب أبي ثوبان١ المرجئ، الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى، وبرسله ﵈، وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله، وما جاز في العقل تكره فليس من الإيمان، وأخر العمل كله عن الإيمان.
ومن القائلين بمقالة أبي ثوبان هذا: أبو مروان غيلان٢ بن مروان الدمشقي، وأبو شمر٣، ومويس بن عمران، والفضل الرقاشي، ومحمد بن شبيب، والعتابي، وصالح قبة.
_________________
(١) ١ في الفرق بين الفرق ص١٢٤ "أتباع ثوبان المرجئ الذي زعم أن الإيمان هو الإقرار والمعرفة بالله. وبرسله، وبكل ما يجب في العقل فعله، وما جاز في العقل لا يفعل فليست المعرفة من الإيمان. وفارقوا اليونسية والغسانية بإيجابهم في العقل شيئا قبل ورود الشرع بوجوبه". وفي "مقالات الإسلاميين" ص١٣٥ ج١ "أصحاب أبي ثوبان يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله. وما كان لا يجوز في العقل إلا أن يفعله، وما كان جائزا في العقل أن لا يفعله، فليس ذلك من الإيمان". ٢ في "مقالات الإسلاميين" ص١٣٦ جـ١ "والفرقة السابعة من المرجئة: الغيلانية، أصحاب غيلان، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية، والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول، وبما جاء من عند الله سبحانه، وذلك أن المعرفة الأولى عنده، اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان". وذكر محمد بن شبيب عن الغيلانية أنهم يوافقون الشمرية في الخصلة من الإيمان أنه لا يقال لها إيمان إذا انفردت، ولا يقال لها بعض الإيمان إذا انفردت، وأن الإيمان لا يحتمل الزيادة والنقصان. وأنهم خالفوهم في العلم فزعموا أن العلم بأن الأشياء محدثة مدبرة ضرورة، والعلم بأن محدثها ومدبرها ليس باثنين ولا أكثر من ذلك اكتساب. وجعلوا العلم بالنبي ﷺ، وبما جاء من عند الله اكتسابا، وزعموا أنه من الإيمان إذا كان الذي جاء من عند الله منصوصا بإجماع المسلمين، ولم يجعلوا شيئا من الذين مستخرجا إيمانا". وينكرون أن يكون في الكفار إيمان، وأن يقال إن فيهم بعض إيمان إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم". ٣ قال عبد القاهر البغدادي ص١٢٤ "قال أبو شمر: الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى =
[ ١ / ١٤٢ ]
وكان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد، وفي الإمامة إنها تصلح في غير قريش، وكل من كان قائما بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، وإنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة. والعجب أن الأمة أجمعت على أنها لا تصلح لغير قريش. وبهذا دفعت الأنصار عن قولهم: منا أمير ومنكم أمير. فقد جمع غيلان خصالا ثلاثا: القدر، والإرجاء، والخروج.
والجماعة التي عددناهم اتفقوا على أن الله تعالى لو عفا عن عاص في القيامة، عفا عن كل مؤمن عاص هو في مثل حاله. وإن أخرج من النار واحدا، أخرج من هو في مثل حاله. ومن العجب أنهم لم يجزموا القول بأن المؤمنين من أهل التوحيد يخرجون من النار لا محالة.
ويحكى عن مقاتل بن سليمان: أن المعصية لا تضر صاحب التوحيد والإيمان. وأنه لا يدخل النار مؤمن. والصحيح من النقل عنه: أن المؤمن العاصي ربه يعذب يوم القيامة على الصراط وهو على متن جهنم، يصيبه لفح النار وحرها ولهيبها. فيتألم بذلك على قدر معصيته، ثم يدخل الجنة. ومثل ذلك بالحبة على المقلاة المؤججة بالنار.
ونقل عن بشر بن غياث المريسي١ أنه قال: إذا دخل أصحاب الكبائر
_________________
(١) = وبما جاء من عنده مما اجتمعت عليه الأمة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وتحريم الميتة، والدم ولحم الخنزير، ووطء المحارم، ونحو ذلك. وما عرف بالعقل من عدل الإيمان، وتوحيده، ونفي التشبيه عنه". "وأراد بالعقل قوله بالقدر، وأراد بالتوحيد نفيه عن الله صفاته الأزلية. قال: كل ذلك إيمان والشاك فيه كافر، والشاك في الشاك أيضا كافر، ثم كذلك أبدا". "وزعم أن هذه المعرفة لا تكون إيمانا إلا مع الإقرار. وهذه الفرقة عند أهل السنة والجماعة أكفر أصناف المرجئة، لأنها جمعت بين ضلالتي القدر والإرجاء". ١ ينسب إلى المريس، بلدة بصعيد مصر، توفي سنة ٢١٩ ببغداد. قال عبد القاهرة البغدادي ص١٢٤ تحت عنوان "المريسة" "هؤلاء مرجئة بغداد من أتباع بشر المريسي، وكان في الفقه على رأي أبي يوسف القاضي، غير أنه لما أظهر قوله بخلق القرآن هجره أبو يوسف وضللته الصفاتية في ذلك. ولما وافقوا الصفاتية في القول بأن الله تعالى خالق أكساب العباد، وفي أن الاستطاعة مع الفعل، أكفرته المعتزلة في ذلك فصار مهجور الصفاتية والمعتزلة معا. وكان يقول في الإيمان إنه هو التصديق بالقلب واللسان جميعا؛ كما قال ابن الرواندي في أن الكفر هو الجحد والإنكار. وزعما أن السجود للصنم ليس بكفر، ولكنه دلالة على الكفر".
[ ١ / ١٤٣ ]
النار فإنهم سيخرجون عنها بعد أن يعذبوا بذنوبهم. وأما التخليد فيها فمحال، وليس بعدل.
وقيل إن أول من قال بالإرجاء: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وكان يكتب فيه الكتب إلى الأمصار. إلا أنه ما أخر العمل عن الإيمان كما قالت المرجئة اليونسية، والعبيدية. لكنه حكم بأن صاحب الكبيرة لا يكفر إذ الطاعات وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها.
[ ١ / ١٤٤ ]
٥- التومنية:
أصحاب أبي معاذ التومني. زعم أن الإيمان هو ما عصم من الكفر. وهو اسم لخصال إذا تركها التارك كفر. وكذلك لو ترك خصلة واحدة منها كفر. ولا يقال للخصلة الواحدة منها إيمان، ولا بعض إيمان. وكل معصية كبيرة أو صغيرة لم يجمع عليها المسلمون بأنها كفر لا يقال لصاحبها فاسق، ولكن يقال فسق وعصي. قال: وتلك الخصال هي المعرفة والتصديق والمحبة، والإخلاص، والإقرار بما جاء به الرسول. قال: ومن ترك الصلاة والصيام مستحلا كفر. ومن تركهما على نية القضاء لم يكفر. ومن قتل نبيا أو لطمه كفر، لا من أجل القتل واللطم، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض.
وإلى هذا المذهب ميل ابن الرواندي، وبشر المريسي. قالا: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان جميعا. والكفر هو الجحود والإنكار. والسجود للشمس والقمر والصنم ليس بكفر في نفسه، ولكنه علامة الكفر.
[ ١ / ١٤٤ ]
٦- الصالحية:
أصحاب صالح بن عمر الصالحي، والصالحي، ومحمد بن شبيب، وأبو شمر، وغيلان؛ كلهم جمعوا بين القدر والإرجاء. ونحن وإن شرطنا أن نورد مذاهب المرجئة الخالصة إلا أنه بدا لنا في هؤلاء، لانفرادهم عن المرجئة بأشياء.
فأما الصالحي فقال: الإيمان هو المعرفة بالله تعالى على الإطلاق، وهو أن للعالم صانعا فقط. والكفر هو لجهل به على الإطلاق. قال: وقول القائل: ثالث ثلاثة، ليس بكفر لكنه لا يظهر إلا من كافر. وزعم أن معرفة الله تعالى هي المحبة والخضوع له. ويصح ذلك مع حجة الرسول. ويصح في العقل أن يؤمن بالله، ولا يؤمن برسوله. غير أن الرسول ﵇ قد قال: "من لا يؤمن بي فليس بمؤمن بالله تعالى" وزعم أن الصلاة ليست بعبادة لله تعالى، وأنه لا عبادة له إلا الإيمان به؛ وهو معرفته. وهو خصلة واحدة لا يزيد، ولا ينقص. وكذلك الكفر خصلة واحدة لا يزيد ولا ينقص.
وأما أبو شمر المرجئ القدري، فإنه زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله ﷿. والمحبة والخضوع له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء، ما لم تقم عليه حجة الأنبياء ﵈. فإذا قامت الحجة فالإقرار بهم وتصديقهم من الإيمان والمعرفة. والإقرار بما جاءوا به من عند الله غير داخل في الإيمان الأصلي. وليست كل خصلة من خصال الإيمان إيمانا ولا بعض إيمان، فإذا اجتمعت كانت كلها إيمانا، وشرط في خصال الإيمان معرفة العدل، يريد به القدر خيره وشره من العبد؛ من غير أن يضاف إلى الباري تعالى منه شيء
[ ١ / ١٤٥ ]
وأما غيلان بن مروان من القدرية المرجئة، فإنه زعم أن الإيمان هو المعرفة الثانية بالله تعالى، والمحبة والخضوع له، والإقرار بما جاء به الرسول، وبما جاء من عند الله. والمعرفة الأولى فطرية ضرورية. فالمعرفة على أصله نوعان: فطرية، وهي علمه بأن للعالم صانعا، ولنفسه خالقا. وهذه المعرفة لا تسمى إيمانا، إنما الإيمان هو المعرفة الثانية المكتسبة.
تتمة رجال المرجئة كما نقل:
الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وعمرو بن مرة، ومحارب بن زياد، ومقاتل بن سليمان، وذر، وعمرو بن ذر، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وقديد بن جعفر.
وهؤلاء كلهم أئمة الحديث، لم يكفروا أصحاب الكبائر بالكبيرة، ولم يحكموا بتخليدهم في النار خلافا للخوارج والقدرية.
[ ١ / ١٤٦ ]
الفصل السادس: الشيعة
مدخل
الفصل السادس: الشيعة
الشيعة هم الذين شايعوا عليا ﵁ على الخصوص. وقالوا بإمامته وخلافته نصا ووصية، إما جليا، وإما خفيا. واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده. وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل ﵈ إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله.
ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبا عن الكبائر والصغائر. والقول بالتولي والتبري قولا، وفعلا، وعقدا، إلا في حال التقية.
[ ١ / ١٤٦ ]
ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك، ولهم في تعدية الإمام كلام وخلاف كثير. وعند كل تعدية وتوقف: مقالة، ومذهب، وخبط.
وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية. وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه.
[ ١ / ١٤٧ ]
١- الكيسانية:
أصحاب كيسان١، مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقيل تلمذ للسيد محمد بن الحنفية ﵁. يعتقدون فيه اعتقادا فوق حده ودرجته، من إحاطته بالعلوم كلها، واقتباسه من السيدين الأسرار بجملتها من علم التأويل والباطن، وعلم الآفاق والأنفس.
ويجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل، حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وغير ذلك على رجال. فحمل بعضهم على ترك القضايا الشرعية بعد الوصول إلى طاعة الرجل، وحمل بعضهم على ضعف الاعتقاد بالقيامة، وحمل بعضهم على القول بالتناسخ والحلول، والرجعة بعد الموت. فمن مقتصر على واحد معتقد أنه لا يموت، ولا يجوز أن يموت حتى يرجع. ومن معتقد حقيقة الإمامة إلى غيره، ثم متحسر عليه، متحير فيه. ومن مدع حكم الإمامة؛ وليس من الشجرة.
وكلهم حيارى متقطعون. ومن اعتقد أن الدين طاعة رجل ولا رجل له فلا دين له، نعوذ بالله من الحيرة والحور بعد الكور٢، رب اهدنا السبيل.
"أ" المختارية:
أصحاب المختار٣ بن أبي عبيد الثقفي، كان خارجيا، ثم صار زبيريا، ثم صار شيعيا
_________________
(١) ١ زعم بعضهم أن المختار كان يقال له كيسان. ٢ الحور: النقص، والكور: الزيادة، والمعنى نعوذ بالله من النقص بعد الزيادة. ٣ قال المبرد في كتابه الكامل ص١٠٠٨ جـ٣ ط مصطفى الحلبي "وكان المختار لا يوقف له على ذهب. كان خارجيا، ثم صار زبيريا، ثم صار رافضيا في ظاهره".
[ ١ / ١٤٧ ]
وكيسانيا، قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد أمير المؤمنين علي ﵄. وقيل لا، بل عبد الحسن والحسين ﵄، وكان يدعو الناس إليه، وكان يظهر أنه من رجاله ودعاته، ويذكر علوما مزخرفة بترهاته ينوطها به.
ولما وقف محمد بن الحنفية على ذلك تبرأ منه، وأظهر لأصحابه أنه إنما نمس على الخلق ذلك ليتمشى أمره، ويجتمع الناس عليه.
وإنما انتظم له ما انتظم بأمرين: أحدهما انتسابه إلى محمد بن الحنفية علما ودعوة والثاني: قيامه بثأر الحسين بن علي ﵄، واشتغاله ليلا ونهارا بقتال الظلمة الذين اجتمعوا على قتل الحسين.
فمن مذهب المختار: أنه يجوز البداء على الله تعالى. والبداء له معان: البداء في العلم وهو أن يظهر له خلاف ما علم؛ ولا أظن عاقلا يعتقد هذا الاعتقاد.
_________________
(١) = وقال "فإن المختار كان يدعي أنه يلهم ضربا من الشجاعة لأمور تكون. ثم يحتال فيوقعها، فيقول للناس: هذا من عند الله ﷿". "فمن ذلك قوله ذات يوم: لتنزلن من السماء نار دهماء، فلتحرقن دار أسماء. فذكر ذلك لأسماء بن خارجة فقال: أقد سجع بي أبو إسحاق؟ هو والله محرق داري: فتركه والدار وهرب من الكوفة". "وقال في بعض سجعه: أما والذي شرع الأديان، وجنب الأوثان، وكره العصيان لأقتلن أزد عمان، وجل قيس عيلان، وتميما أولياء الشيطان. حاشا النجيب ظبيان. فكان ظبيان النجيب يقول: لم أزل في عمر المختار أتقلب آمنا". "وكان من عجائب المختار أنه كتب إلى إبراهيم بن مالك الأشتر يسأله الخروج إلى الطلب بدم الحسين بن علي ﵄ فأبى عليه إبراهيم إلا أن يستأذن محمد بن علي بن أبي طالب. فكتب إليه يستأذنه ذلك فعلم محمد أن المختار لا عقد له. فكتب محمد إلى إبراهيم بن الأشتر: إنه ما يسوءني أن يأخذ الله بحقنا على يدي من يشاء من خلقه. فخرج معه إبراهيم بن الأشتر فتوجه نحو عبيد الله بن زياد، وخرج يشيعه ماشيا فقال له إبراهيم: اركب يا أبا إسحاق. فقال: إني أحب أن تغير قدماي في نصرة آل محمد ﷺ. فشيعه رسخين ودفع إلى قوم من خاصته حماما بيضا ضخاما وقال: إن رأيتم الأمر لنا فدعوها. وإن رأيتم الأمر علينا فأرسلوها. وقال للناس. إن استقمتم فبنصر الله. وإن حصتم حيصة فإني أجد في محكم الكتاب. وفي اليقين والصواب. أن الله مؤيدكم بملائكة غضاب تأتي في صور الحمام دون السحاب".
[ ١ / ١٤٨ ]
والبداء في الإرادة، وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم.
والبداء في الأمر: وهو أن يأمر بشيء، ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك. ومن لم يجوز النسخ ظن أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة.
وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء، لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام. فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة؛ فإن وافق كونه قوله، جعله دليلا على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال: قد بدا لربكم.
وكان لا يفرق بين النسخ والبداء؛ قال: إذا جاز النسخ في الأحكام، جاز البداء في الأخبار.
وقد قيل: إن السيد محمد بن الحنفية تبرأ من المختار حين وصل إليه أنه قد لبس على الناس أنه من دعاته ورجاله. وتبرأ من الضلالات التي ابتدعها المختار من التأويلات الفاسدة؛ والمخاريق المموهة.
فمن مخاريقه: أنه كان عنده كرسي قديم قد غشاه بالديباج، وزينه بأنواع الزينة وقال: هذا من ذخائر أمير المؤمنين على كرم الله وجهه، وهو عندنا بمنزلة التابوت لبني إسرائيل. وكان إذا حارب خصومه يضعه في براح الصف ويقول: قاتلوا ولكم الظفر والنصرة، وهذا الكرسي محله فيكم محل التابوت في بني إسرائيل، وفيه السكينة والبقية، والملائكة من فوقكم ينزلون مددا لكم. وحديث الحمامات البيض التي ظهرت في الهواء، وقد أخبرهم قبل ذلك بأن الملائكة تنزل على صورة الحمامات البيض، معروف. والأسجاع التي ألفها أبرد تأليف مشهورة.
وإنما حمله على الانتساب إلى محمد بن الحنفية حسن اعتقاد الناس فيه، وامتلاء القلوب بمحبته، والسيد محمد بن الحنفية كان كثير العلم غزير المعرفة، وقاد الفكر، مصيب الخاطر في العواقب. قد أخبره أمير المؤمنين علي ﵁ عن أحوال الملاحم
[ ١ / ١٤٩ ]
وأطلعه على مدارج المعالم. وقد اختار العزلة، فآثر الخمول على الشهرة، وقد قيل إنه كان مستودعا علم الإمامة حتى سلم الأمانة إلى أهلها. وما فارق الدنيا إلى وقد أقرها في مستقرها.
وكان السيد الحميري، وكثير عزة الشاعر من شيعته. قال كثير فيه:
ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمه اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء
وكان السيد الحميري أيضا يعتقد فيه أنه لم يمت، وأنه في حبل رضوى بين أسد ونمر يحفظانه. وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل، وأنه يعود بعد الغيبة فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وهذا هو أول حكم بالغيبة، والعودة بعد الغيبة حكم به الشيعة. وجرى ذلك في بعض الجماعة حتى اعتقدوه دينا، وركنا من أركان التشيع.
ثم اختلفت الكيسانية بعد انتقال محمد بن الحنفية في سوق الإمامة، وصار كل اختلاف مذهبا.
"ب" الهاشمية:
أتباع أبي هاشم بن محمد بن الحنفية. قالوا بانتقال محمد بن الحنفية إلى رحمة الله ورضوانه، وانتقال الإمامة منه إلى ابنه أبي هاشم. قالوا: فإنه أفضى إليه أسرار العلوم، وأطلعه على مناهج تطبيق الآفاق على الأنفس، وتقدير التنزيل على التأويل، وتصوير الظاهر على الباطن، قالوا: إن لكل ظاهر باطنا، ولكل شخص روحا، ولكل تنزيل تأويلا، ولكل مثال في هذا العالم حقيقة في ذلك العالم، والمنتشر في الآفاق من الحكم
[ ١ / ١٥٠ ]
والأسرار يجتمع في الشخص الإنساني، وهو العلم الذي استأثر علي ﵁ به ابنه محمد بن الحنفية، وهو أفضى ذلك السر إلى ابنه أبي هاشم، وكل من اجتمع فيه هذا العلم فهو الإمام حقا.
واختلفت بعد أبي هاشم شيعته خمس فرق:
١- فرقة قالت إن أبا هاشم مات منصرفا من الشام بأرض الشراة، وأوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وانجرت في أولاده الوصية حتى صارت الخلافة إلى بني العباس، قالوا: ولهم في الخلافة حق لاتصال النسب، وقد توفي رسول الله ﷺ وعمه العباس أولى بالوراثة.
٢- وفرقة قالت إن الإمامة بعد موت أبي هاشم لابن أخيه الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية.
٣- وفرقة قالت: لا، بل إن أبا هاشم أوصى إلى أخيه علي بن محمد، وعلي أوصى إلا ابنه الحسن، فالإمامة عندهم في بني الحنفية لا تخرج إلى غيرهم.
٤- وفرقة قالت: إن أبا هاشم أوصى إلى عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي، وإن الإمامة خرجت من أبي هاشم إلى عبد الله، وتحولت روح أبي هاشم إليه، والرجل ما كان يرجع إلى علم وديانة؛ فاطلع بعض القوم على خيانته وكذبه، فأعرضوا عنه، وقالوا: بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
وكان من مذهب عبد الله: أن الأرواح تتناسخ من شخص إلى شخص، وأن الثواب والعقاب في هذه الأشخاص، إما أشخاص بني آدم، وإما أشخاص الحيوانات. قال: وروح الله تناسخت حتى وصلت إليه وحلت فيه، وادعى الإلهية والنبوة معا، وأنه يعلم الغيب فعبده شيعته الحمقى، وكفروا بالقيامة لاعتقادهم أن التناسخ يكون في الدنيا، والثواب والعقاب في هذه الأشخاص. وتأويل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
[ ١ / ١٥١ ]
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ ١ الآية، على أن من وصل إلى الإمامة وعرفه ارتفع عن الحرج في جميع ما يطعم، ووصل إلى الكمال والبلاغ.
وعنه نشأت: الخرمية، والمزدكية بالعراق، وهلك عبد الله بخراسان، وافترقت أصحابه.
فمنهم من قال إنه حي لم يمت ويرجع.
ومنهم من قال بل مات وتحولت روحه إلى إسحاق بن زيد بن الحارث الأنصاري؛ وهم الحارثية الذي يبيحون المحرمات، ويعيشون عيش من لا تكليف عليه.
وبين أصحاب عبد الله بن معاوية، وبين أصحاب محمد بن علي خلاف شديد في الإمامة، فإن كل واحد منهما يدعي الوصية من أبي هاشم إليه، ولم يثبت الوصية على قاعدة تعتمد.
"جـ" البيانية:
أتباع بيان بن سمعان التميمي، قالوا بانتقال الإمامة من أبي هاشم إليه، وهو من الغلاة القائلين بإلهية أميرالمؤمنين علي ﵁، قال: حل في علي جزء إلهي، واتحد بجسده، فيه كان يعلم الغيب، إذ أخبر عن الملاحم وصح الخبر، وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر، وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوة رحمانية ملكوتية، بنور ربها مضيئة. فالقوة الملكوتية في نفسه كالمصباح في المشكاة، والنور الإلهي كالنور في المصباح. قال: وربما يظهر على في بعض الأزمان. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٢ أراد به عليا فهو الذي يأتي في الظلل، والرع صوته، والبرق تبسمه.
ثم ادعى بيان أنه قد انتقل إليه الجزء الإلهي بنوع من التناسخ، ولذلك استحق أنه
_________________
(١) ١ المائدة آية ٩٣. ٢ البقرة آية ٢١٠.
[ ١ / ١٥٢ ]
يكون إماما وخليفة، وذلك الجزء هو الذي استحق به آدم ﵇ سجود الملائكة.
وزعم أن معبوده على صورة إنسان عضوا فعضوا، وجزءا فجزءا. وقال: يهلك كله إلا وجهه لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ١.
ومع هذا الخزي الفاحش٢ كتب إلى محمد بن علي بن الحسين الباقر ﵃ ودعاه إلى نفسه. وفي كتابه "أسلم تسلم، ويرتقي من سلم، فإنك لا تدري حيث يجعل الله النبوة" فأمر الباقر أن يأكل الرسول قرطاسه الذي جاء به، فأكله، فمات في الحال وكان اسم ذلك الرسول عمر بن أبي عفيف.
وقد اجتمعت طائفة على بيان بن سمعان، ودانوا به وبمذهبه، فقتله خالد بن عبد الله القسري على ذلك، وقيل أحرقه والكوفي المعروف بالمعروف بن سعيد بالنار معا.
"د" الرازمية:
أتباع رزام بن رزم، ساقوا الإمامة من علي إلى ابنه محمد، ثم إلى ابنه هاشم، ثم منه إلى علي بن عبد الله بن عباس بالوصية، ثم ساقوها إلى محمد بن علي وأوصى محمد إلى ابنه: إبراهيم الإمام وهو صاحب أبي مسلم الذي دعا إليه وقال بإمامته،
_________________
(١) ١ القصص آية ٨٨. ٢ "في مقالات الإسلاميين" ص٥ جـ١ "البيانية أصحاب بيان بن سمعان التميمي. يقولون إن الله ﷿ على صورة الإنسان. وإنه يهلك كله إلا وجهه. وادعى بيان أنه يدعو الزهرة فتجيبه. وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم. فقتله خالد بن عبد الله القسري. وحكى عنهم أن كثيرا منهم يثبت لبيان بن سمعان النبوة. ويزعم كثير من البيانية أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية نص على بيان بن سمعان ونصبه إماما". وفي "فرق الشيعة" للنوبختي ص٣٠ "البيانية: أصحاب بيان النهدي. وقالوا إن أبا هاشم نبأ بيانا عن الله ﷿. فبيان نبي وتأولوا في ذلك قول الله ﷿هذا بيان للناس وهدى- آل عمران آية ١٣٨. وادعى بيان بعد وفاة أبي هاشم النبوة وكتب إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين يدعوه إلى نفسه والإقرار بنبوته ويقول له: أسلم تسلم وترتق في سلم. وتنج وتغنم، فإنك لا تدري أين يجعل الله النبوة والرسالة. وما على الرسول إلا البلاغ. وقد أعذر من أنذر".
[ ١ / ١٥٣ ]
وهؤلاء ظهروا بخراسان في أيام أبي مسلم حتى قيل إن أبا مسلم كان على هذا المذهب، لأنهم ساقوا الإمام إلى أبي مسلم، فقالوا: له حظ في الإمامة، وادعوا حلول روح الإله فيه، ولهذا أيده على بني أمية حتى قتلهم عن بكرة أبيهم واصطلمهم١، وقالوا بتناسخ الأرواح.
والمقنع الذي ادعى الإلهية لنفسه على مخاريق أخرجها كان في الأول على هذا المذهب وتابعه مبيضة ما وراء النهر، وهؤلاء صنف من الخرمية دانوا بترك الفرائض وقالوا الدين معرفة الإمام فقط، ومنهم من قال: الدين أمران: معرفة الإمام، وأداء الأمانة، ومن حصل له الأمران فقد وصل إلى الكمال، وارتفع عنه التكليف، ومن هؤلاء من ساق الإمامة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس من أبي هاشم محمد بن الحنفية وصية إليه؛ لا من طريق آخر.
وكان أبو مسلم صاحب الدولة على مذهب الكيسانية في الأول، واقتبس من دعاتهم العلوم التي اختصوا بها، وأحس منهم أن هذه العلوم مستودعة فيهم؛ فكان يطلب المستقر فيه، فبعث إلى الصادق جعفر بن محمد ﵄: إني قد أظهرت الكلمة، ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فيه، فلا مزيد عليك.
فكتب إليه الصادق ﵁: ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني.
فحاد أبو مسلم إلى العباس عبد الله بن محمد السفاح، وقلده أمر الخلافة.
_________________
(١) ١ اصطلمهم: استأصلهم.
[ ١ / ١٥٤ ]
٢- الزيدية:
أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة، أن يكون إماما واجب الطاعة، سواء
[ ١ / ١٥٤ ]
كان من أولاد الحسن، أو من أولاد الحسين ﵄. وعن هذا جوز قوم منهم إمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن اللذين خرجا في أيام المنصور وقتلا على ذلك. وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة.
وزيد بن علي؛ لما كان مذهبه هذا المذهب، أراد أن يحصل الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم. فتلمذ في الأصول لواصل بن عطاء الغزال الألثغ رأس المعتزلة ورئيسهم، مع اعتقاد واصل أن جده علي بن أبي طالب ﵁ في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأهل الشام ما كان على يقين من الصواب. وأن أحد الفريقين منهما كان على الخطأ إلا بعينه. فاقتبس منه الاعتزال، وصارت أصحابه كلهم معتزلة. وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل. فقال: كان علي بن أبي طالب ﵁ أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين نائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة. فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا، وسيف أمير المؤمنين علي عن دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي. فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد. فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين، والتؤدة، والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ﷺ، ألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر عمر بن الخطاب زعق الناس وقالوا: لقد وليت علينا فظا غليظا. فما كانوا يرضون بأميرالمؤمنين عمر بن الخطاب لشدته وصلابته، وغلظه في الدين، وفظاظته على الأعداء حتى سكنهم أبو بكر بقوله: "لو سألني ربي لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم" وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماما والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام، ويحكم بحكمه في القضايا.
ولما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه حتى أتى قدره عليه، فسميت رافضة.
[ ١ / ١٥٥ ]
وجرت بينه وبين أخيه الباتقر محمد بن علي مناظرات لا من هذا الوجه، بل من حيث كان يتلمذ لواصل بن عطاء، ويقتبس العلم ممن يجوز الخطأ على جده في قتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. ومن حيث يتكلم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت. ومن حيث إنه كان يشترط الخروج شرطا في كون الإمام إماما؛ حتى قال له يوما: على مقتضى مذهبك والدك ليس بإمام، فإنه لم يخرج قط، ولا تعرض للخروج.
ولما قتل زيد بن علي وصلب قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد، ومضى إلى خراسان، واجتمعت عليه جماعة كثيرة. وقد وصل إليه الخبر من الصادق جعفر بن محمد بأنه يقتل كما قتل أبوه، ويصلب كما صلب أبوه، فجرى عليه الأمر كما أخبر.
وقد فوض الأمر بعده إلى محمد وإبراهيم الإمامين، وخرجا بالمدينة، ومضى إبراهيم إلى البصرة، واجتمع الناس عليهما، وقتلا أيضا. وإبراهيم الصادق بجميع ما تم عليهم، وعرفهم أن آباءه ﵃ أخبروه بذلك كله. وأن بني أمية يتطاولون على الناس، حتى لو طاولتهم الجبال لطالوا عليها. وهم يستشعرون بغض أهل البيت. ولا يجوز أن يخرج واحد من أهل البيت حتى يأذن الله تعالى بزوال ملكهم. وكان يشير إلى أبي العباس، وإلى أبي جعفر ابني محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وقال: إنا لا نخوض في الأمر حتى يتلاعب به هذا وأولاده؛ وأشار إلى المنصور.
فزيد بن علي قتل بكناسة الكوفة، قتله هشام بن عبد الملك. ويحيى بن زيد قتل بجوزجان خراسان؛ قتله أميرها. ومحمد الإمام قتل بالمدينة، قتله عيسى بن ماهان. وإبراهيم الإمام قتل بالبصرة، أمر بقتلهما المنصور.
ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان صاحبهم ناصر الأطروش فطلب مكانه ليقتل فاختفى واعتزل الأمر، وصار إلى بلاد الديلم والجبل ولم يتحلوا بدين الإسلام بعد. فدعا الناس دعوة إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي، فدانوا بذلك ونشئوا عليه، وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين.
[ ١ / ١٥٦ ]
وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة ويلي أمرهم. وخالفوا بني أعمامهم من الموسوية في مسائل الأصول. ومات أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بأنه المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية. وهم أصناف ثلاثة: جارودية، وسليمانية، وبترية. والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد.
"أ" الجارودية:
أصحاب أبي الجارود١ زياد بن أبي زياد. زعموا أن النبي ﷺ نص
_________________
(١) ١ "في فرق الشيعة" للنوبختي ص٤٨ "وفرقة قالت إن الإمامة صارت بعد مضي الحسين في ولد الحسن والحسين. فهي فيهم خاصة دون سائر ولد علي بن أبي طالب، وهم كلهم فيها شرع سواء من قام منهم ودعا إلى نفسه فهو الإمام المفروض الطاعة بمنزلة علي بن أبي طالب واجبة إمامته من الله ﷿ على أهل بيته وسائر الناس كلهم. فمن تخلف عنه في قيامه ودعائه إلى نفسه من جميع لخلق فهو هالك كافر. ومن ادعى منهم الإمامة وهو قاعد في بيته مرخى عليه ستره فهو كافر مشرك، وكل من اتبعه على ذلك وكل من قال بإمامته. وهم الذين سموا السرحوبية. وأصحاب أبي خالد الواسطي واسمه يزيد، وأصحاب بن الزبير الرسان، وزياد بن المنذر وهو الذي يسمى أبا الجارود، ولقبه سرحوب محمد بن علي بن الحسين بن علي، وذكر أن سرحوبا شيطان أعمى يسكن البحر. وكان أبو الجارود أعمى البصر، أعمى القلب فالتقوا هؤلاء مع الفرقتين اللتين قالتا إن عليا أفضل الناس بعد النبي ﷺ وآله، فصاروا مع زيد بن علي بن الحسين عند خروجه بالكوفة فقالوا بإمامته، فسموا كلهم في الجملة الزيدية، إلا أنهم مختلفون فيما بينهم في القرآن والسنن والشرائع والفرائض والأحكام". "وذلك أن السرحوبية قالت: الحلال حلال آل محمد صلى الله عليه وآله. والحرام حرامهم. والأحكام أحكامهم. وعندهم جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله كله كامل عند صغيرهم وكبيرهم. والصغير منهم والكبير في العلم سواء، لا يفضل الكبير الصغير، من كان منهم في الخرق والمهد إلى أكبرهم سنا". "وقال بعضهم: من ادعى أن من كان منهم في المهد والخرق ليس علمه مثل علم رسول الله صلى الله عليه وآله فهو كافر بالله مشرك. وليس يحتاج أحد منهم أن يتعلم من أحد منهم ولا من غيرهم. العلم ينبت في صدورهم كما ينبت الزرع المطر. فالله ﷿ قد علمهم بلفظه كيف شاء. وإنما قالوا بهذه المقالة كراهة أن يلزموا الإمامة بعضهم دون بعض فينتقض قولهم إن الإمامة صارت فيهم جميعا فهم فيها شرع سواء. وهم مع ذلك لا يروون عن أحد منهم علما ينتفعون به إلا ما يروون عن أبي جعفر محمد بن علي، وأبي عبد الله جعفر بن محمد وأحاديث قليلة عن زيد بن علي وأشياء يسيرة عن عبد الله بن الحسن المحض. ليس مما قالوا وادعوه في أيديهم شيء أكثر من دعوى كاذبة. لأنهم وصفوهم بأنهم يعلمون كل شيء تحتاج إليه الأمة من أمر دينهم ودنياهم ومنافعها ومضارها بغير تعليم". =
[ ١ / ١٥٧ ]
على علي ﵁ بالوصف دون التسمية، وهو الإمام بعده. والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم فكفروا بذلك. وقد خالف أبو الجارود في هذه المقالة إمامة زيد بن علي، فإنه لم يعتقد هذا الاعتقاد.
واختلفت الجارودية في التوقف والسوق.
فساق بعضهم الإمامة من علي إلى الحسن، ثم إلى الحسين، ثم إلى علي بن الحسين زين العابدين، ثم إلى ابنه زيد بن علي، ثم منه إلى الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقالوا بإمامته.
وكان أبو حنيفة ﵀ على بيعته، ومن جملة شيعته حتى رفع الأمر إلى المنصور، فحبسه حبس الأبد حتى مات في الحبس. وقيل إنه بايع محمد بن عبد الله الإمام في أيام المنصور. ولما قتل محمد بالمدينة بقي الإمام أبو حنيفة على تلك البيعة، يعتقد موالاة أهل البيت، فرفع حاله إلى المنصور، فتم عليه ما تم.
_________________
(١) = وفي "الفرق بين الفرق" ص٢٥ "قال عبد القاهر: اجتمعت الفرق الثلاث الذين ذكرناهم من الزيدية على القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار. فهم من هذا الوجه كالخوارج الذين أيأسوا أشرار المذنبين من رحمة الله تعالى -ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون-". "إنما قيل لهذه الفرق الثلاث وأتباعها زيدية لقولهم بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في وقته، وإمامة ابنه يحيى بن زيد بعد زيد. وكان زيد بن علي قد بايعه على إمامته خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة، وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك على العراقين، فلما استمر القتال بينه وبين يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب. فقال زيد: إني لا أقول فيهما إلا خيرا، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيرا وإنما خرجت على بني أمية الذين قاتلوا جدي الحسين وأغاروا على المدينة يوم الحرة، ورموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار. ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم: رفضتموني. ومن يومئذ سموا رافضة". "وقتل زيد ثم نبش من قبره وصلب ثم أحرق بعد ذلك. وهرب ابنه يحيى بن زيد إلى خراسان وخرج بناحية الجوزجان على نصر بن سيار والي خراسان، فبعث نصر بن سيار إليه سلم بن أحوز المازني في ثلاثة آلاف رجل فقتلوا يحيى بن زيد، ومشهده بجوزجان معروف". وكان مقتل زيد بن علي بالكوفة سنة ١٢١، ومقتل ابنه يحيى بجوزجان سنة ١٢٦هـ.
[ ١ / ١٥٨ ]
والذين قالوا بإمامة محمد بن عبد الله الإمام، اختلفوا فمنهم من قال إنه لم يقتل وهو بعد حي؛ وسيخرج فيملأ الأرض عدلا، ومنهم من أقر بموته، وساق الإمامة إلى محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي صاحب الطالقان، وقد أسر في أيام المعتصم وحمل إليه فحبسه في داره حتى مات، ومنهم من قال بإمامة يحيى بن عمر صاحب الكوفة؛ فخرج ودعا الناس واجتمع عليه خلق كثير، وقتل في أيام المستعين، وحمل رأسه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، حتى قال فيه بعض العلوية:
قتلت أعز من ركب المطايا وجئتك أستلينك في الكلام
وعز علي أن ألقاك إلا وفيما بيننا حد الحسام
وهو يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي.
وأما أبو الجارود١ فكان يسمى سرحوب، سماه بذلك أبو جعفر محمد بن علي الباقر، وسرحوب: شيطان أعمى يسكن البحر، قاله الباقر تفسيرا.
ومن أصحاب أبي الجارود: فضيل الرسان، وأبو خالد الواسطي. وهم مختلفون في الأحكام والسير، فبعضهم يزعم أن علم ولد الحسن والحسين ﵄ كعلم النبي ﷺ، فيحصل لهم العلم قبل التعلم فطرة وضرورة. وبعضهم يزعم أن العلم مشترك فيهم وفي غيرهم، وجائز أن يؤخذ عنهم، وعن غيرهم من العامة.
"ب" السليمانية:
أصحاب سليمان بن جرير، وكان يقول إن الإمامة شورى فيما بين الخلق، ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وإنها تصح في المفضول، مع وجود الأفضل. وأثبت إمامة أبي بكر وعمر ﵄ حقا باختيار الأمة حقا اجتهاديا. وربما كان يقول: إن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي ﵁ خطأ لا يبلغ درجة
_________________
(١) ١ مات أبو الجارود بعد سنة ١٥٠هـ.
[ ١ / ١٥٩ ]
الفسق، وذلك الخلمأ خطأ اجتهادي، غير أنه طعن في عثمان ﵁ للأحداث التي أحدثها، وأكفره بذلك، وأكفر عائشة والزبير وطلحة ﵃ بإقدامهم على قتال علي ﵁، ثم إنه طعن في الرافضة، فقال: إن أئمة الرافضة قد وضعوا مقالتين لشيعتهم، لا يظهر أحد قط عليهم.
إحداهما: القول بالبداء؛ فإذا أظهروا قولا: أنه سيكون لهم قوة وشوكة وظهور، ثم لا يكون الأمر على ما أظهروه، قالوا: بدا لله تعالى في ذلك.
والثاني: التقية، فكل ما أرادوا تكلموا به، فإذا قيل لهم في ذلك إنه ليس بحق وظهر لهم البطلان قالوا: إنما قلناه تقية، وفعلناه تقية.
وتابعه على القول بجواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل قوم من المعتزلة منهم: جعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب، وكثير النوي وهو من أصحاب الحديث. قالوا: الإمامة من مصالح الدين، ليس يحتاج إليها لمعرفة الله تعالى وتوحيده، فإن ذلك حاصل بالعقل، لكنها يحتاج إليها لإقامة الحدود، والقضاء بين المتحاكمين، وولاية اليتامى والأيامي، وحفظ البيضة، وإعلاء الكلمة، ونصب القتال مع أعداء الدين، وحتى يكون للمسلمين جماعة، ولا يكون الأمر فوضى بين العامة، فلا يشترط فيها أن يكون الإمام أفضل الأمة علما، وأقدمهم عهدا، وأسدهم رأيا وحكمة؛ إذ الحاجة تنسد بقيام المفضول مع وجود الفاضل والأفضل.
ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك حتى جوزوا أن يكون الإمام غير مجتهد، ولا خبير بمواقع الاجتهاد، ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد فيراجعه في الأحكام، ويستفتي منه في الحلال والحرام، ويجب أن يكون في الجملة ذا رأي متين، وبصر في الحوادث نافذ.
[ ١ / ١٦٠ ]
"جـ" الصالحية والبترية:
الصالحية أصحاب الحسن١ بن صالح بن حي، والبترية. أصحاب كثير٢ النوي الأبتر وهما متفقان في المذهب، وقولهم في الإمامة كقول السليمانية، إلا أنهم توقفوا في أمر عثمان: أهو مؤمن أم كافر؟ قالوا: إذا سمعنا الاخبار الواردة في حقه، وكونه من العشرة المبشرين بالجنة، قلنا يجب أن نحكم بصحة إسلامه وإيمانه وكونه من أهل الجنة، وإذا رأينا الأحداث التي أحدثها، من استهتاره بتربية بني أمية وبني مروان، واستبداده بأمور لم توافق سيرة الصحابة، قلنا يجب أن نحكم بكفره، فتحيرنا في أمره وتوقفنا في حاله، ووكلناه إلى أحكم الحاكمين.
وأما علي فهو أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالإمامة، لكنه سلم الأمر لهم راضيا، وفوض الأمر إليهم طائعا وترك حقه راغبا، فنحن راضون بما رضي، مسلمون لما سلم؛ لا يحل لنا غير ذلك. ولو لم يرض علي بذلك لكان أبو بكر هالكا.
وهم الذين جوزوا إمامة المفضول وتأخير الفاضل والأفضل إذا كان الفاضل راضيا بذلك.
وقالوا: من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين ﵄، وكان عالما، زاهدا شجاعا، فهو الإمام. وشرط بعضهم صباحة الوجه، ولهم خبط عظيم في إمامين وجدت فيهما هذه الشرائط، وشهرا سيفيهما، ينظر إلى الأفضل والأزهد، وإن تساويا ينظر إلى الأمتن رأيا والأحزم أمرا، وإن تساويا تقابلا فينقلب الأمر عليهم كلا ويعود الطلب جذعا، والإمام مأموما، والأمير مأمورا. ولو كانا في قطرين: انفرد كل واحد
_________________
(١) ١ هو كوفي، أحد الأعلام، أخرج له مسلم والبخاري في الأدب، توفي سنة ١٦٩ والجمهور على توثيقه، وإليه تنسب الصالحية من الزيدية وهي أقرب فرق الشيعة إلى السنة. ٢ توفي في حدود سنة ١٦٩.
[ ١ / ١٦١ ]
منهما بقطر ويكون واجب الطاعة في قومه، ولو أفتى أحدهما بخلاف ما يفتي الآخر كان كل واحد منهما مصيبا، وإن أفتى باستحلال دم الإمام الآخر.
وأكثرهم في زماننا مقلدون لا يرجعون إلى رأي واجتهاد وأما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة١، ويعظمون أئمة الاعتزال أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت، وأما في الفروع فهم على مذهب أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة يوافقون فيها الشافعي ﵀ والشيعة.
رجال الزيدية:
أبو الجارود زياد بن المنذر العبدي، لعنه جعفر بن محمد الصادق ﵁، والحسن بن صالح بن حي، ومقاتل بن سليمان، والداعي ناصر الحق الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن الحسين بن علي، والداعي الآخر صاحب طبرستان: الحسين بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، ومحمد بن نصر.
_________________
(١) ١ القذة: ريشة السهم.
[ ١ / ١٦٢ ]
٣- الإمامية:
هم القائلون بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﵇؛ نصا ظاهرا، وتعيينا صادقا، من غير تعريض بالوصف بل إشارة إليه بالعين، قالوا: وما كان في الدين والإسلام أمر أهم من تعيين الإمام، حتى تكون مفارقته الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة، فإنه إنما بعث لرفع الخلاف وتقرير الوفاق، فلا يجوز أن يفارق الأمة ويتركهم هملا يرى كل واحد منهم رأيا، ويسلك كل واحد منهم طريقا لا يوافقه في ذلك غيره، بل يجب أن يعين شخصا هو المرجوع إليه، وينص على واحد هو الموثوق به والمعول عليه، وقد عين عليا ﵁ في مواضع تعريضا، وفي مواضع تصريحا.
[ ١ / ١٦٢ ]
أما تعريضاته فمثل أن بعث أبا بكر ليقرأ سورة براءة على الناس في المشهد، وبعث بعده عليا ليكون هو القارئ عليهم، والمبلغ عنه إليهم، وقال: نزل علي جبريل ﵇ فقال: يبلغه رجل منك، أو قال من قومك، وهو يدل على تقديمه عليا عليه. ومثل أن كان يؤمر علي أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة في البعوث، وقد أمر عليهما عمرو بن العاص في بعث، وأسامة بن زيد في بعث، وما أمر على علي أحدا قط.
وأما تصريحاته فمثل ما جرى في نأنأة الإسلام١ حين قال: من الذي يبايعني على ماله؟ فبايعته جماعة، ثم قال: من الذي يبايعني على روحه وهو وصي وولي هذا الأمر من بعدي؟ فلم يبايعه أحد حتى مد أمير المؤمنين علي ﵁ يده إليه فبايعه على روحه ووفى بذلك؛ حتى كانت قريش تعير أبا طالب أنه أمر عليك ابنك. ومثل ما جرى في كمال الإسلام وانتظام الحال حين نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٢ فلما وصل غدير خم أمر بالدوحات فقممن٣، ونادوا: الصلاة جامعة، ثم قال ﵇ وهو على الرحال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا هل بلغت؟ ثلاثا" فادعت الإمامية أن هذا نص صريح.
فإنا ننظر من كان النبي ﷺ مولى له؟ وبأي معنى؟ فنطرد ذلك في حق علي ﵁، وقد فهمت الصحابة من التولية ما فهمناه، حتى قال عمر حين استقبل عليا: طوبى لك يا علي! أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
قالوا: وقول النبي ﵇: "أقضاكم علي" نص في الإمامة، فإن الإمامة لا معنى لها إلا أن يكون أقضى القضاة في كل حادثة، والحاكم على المتخاصمين في كل واقعة؛ وهو معنى قول الله ﷾: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
_________________
(١) ١ نأنأة الإسلام: بدء الإسلام حين كان ضعيفا. ٢ المائدة: آية ٦٧. ٣ قممن: أزلن.
[ ١ / ١٦٣ ]
الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١ قالوا: فأولوا الأمر، من إليه القضاء والحكم، حتى وفي مسألة الخلافة لما تخاصمت المهاجرون والأنصار، كان القاضي في ذلك هو أمير المؤمنين على دون غيره، فإن النبي ﷺ كما حكم لكل واحد من الصحابة بأخص وصف له فقال: "أفرضكم زيد، وأقرؤكم أبي، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ"، كذلك حكم لعلي بأخص وصف له، وهو قوله "أقضاكم علي" والقضاء يستدعي كل علم، وليس كل علم يستدعي القضاء.
ثم إن الإمامية تخطت عن هذه الدرجة إلى الواقعية في كبار الصحابة طعنا وتكفيرا وأقله ظلما وعدوانا، وقد شهدت نصوص القرآن على عدالتهم والرضا عن جملتهم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٢ وكانوا إذ ذاك ألفا وأربعمائة، وقال الله ثناء على المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان ﵃: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣ وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٥ وفي ذلك دليل على عظمة قدرهم عند الله تعالى، وكرامتهم ودرجتهم عند الرسول ﷺ، فليت شعري: كيف يستجيز ذو دين الطعن فيهم، ونسبة الكفر إليهم! وقد قال النبي ﵇: "عشرة من أصحابي في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح" إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في حق كل واحد.
_________________
(١) ١ النساء آية ٥٩. ٢ الفتح آية: ١٨. ٣، ٤ التوبة آية ١٠٠، ١١٧. ٥ النور آية ٥٥.
[ ١ / ١٦٤ ]
منهم على الانفراد، وإن نقلت هنات من بعضهم، فليتدبر النقل، فإن أكاذيب الروافض كثيرة، وأحداث المحدثين كثيرة.
ثم إن الإمامية لم يثبتوا في تعيين الأئمة بعد: الحسن، والحسين، وعلي بن الحسين ﵃ على رأي واحد، بل اختلافاتهم أكثر من اختلافات الفرق كلها، حتى قال بعضهم: إن نيفا وسبعين فرق من الفرق المذكورة في الخبر هو في الشيعة خاصة، ومن عداهم فهم خارجون عن الأمة. وهم متفقون في الإمامة وسوقها إلى جعفر بن محمد الصادق ﵁، ومختلفون في المنصوص عليه بعده من أولاده، إذ كانت له خمسة أولاد، وقيل ستة: محمد، وإسحاق، وعبد الله، وموسى، وإسماعيل. وعلى. ومن ادعى منهم النص والتعيين: محمد، وعبد الله، وموسى، وإسماعيل. ثم منهم من مات ولم يعقب، ومنهم من مات وأعقب، ومنهم من قال بالتوقف، والانتظار، والرجعة، ومنهم من قال بالسوق والتعدية كما سيأتي ذكر اختلافاتهم عند ذكر طائفة طائفة.
وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول، ثم لما اختلفت الروايات عن أئمتهم، وتمادى الزمان: اختارت كل فرقة منهم طريقة، فصارت الإمامية بعضها معتزلة: إما وعيدية، وإما تفضيلية، وبعضها إخبارية: إما مشبهة وإما سلفية، ومن ضل الطريق وتاه لم يبال الله به في أي واد هلك.
"أ" الباقرية، والجعفرية الواقفة:
أتباع: محمد١ بن الباقر بن علي زين العابدين، وابنه جعفر٢ الصادق، قالوا بإمامتهما وإمامة والدهما زين العابدين، إلا أن منهم من توقف على واحد منهما، وما ساق الإمامة إلى أولادهما، ومنهم من ساق. وإنما ميزنا هذه الفرقة دون الأصناف المتشيعة التي نذكرها، لأن من الشيعة من توقف على الباقر وقال برجعته، كما توقف
_________________
(١) ١ توفي الباقر سنة ١١٤هـ. ٢ توفي جعفر الصادق سنة ١٤٨هـ.
[ ١ / ١٦٥ ]
القائلون بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات.
وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشعية المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ثم دخل العراق وأقام بها مدة. ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحدا في الخلافة قط. ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط. وقيل: من أنس بالله توحش عن الناس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس.
وهو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوية، ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر الصديق ﵁. وقد تبرأ عما كان ينسب إليه بعض الغلاة وبرئ منهم، ولعنهم وبرئ من خصائص مذاهب الرافضة وحماقاتهم من القول بالغيبة والرجعة، والبداء، والتناسخ، والحلول والتشبيه. لكن الشيعة بعده افترقوا وانتحل كل واحد منهم مذهبا، وأراد أن يروجه على أصحابه فنسبه إليه وربطه به، والسيد برئ من ذلك ومن الاعتزال؛ والقدر أيضا.
هذا قوله في الإرادة "إن الله تعالى أراد بنا شيئا وأراد منا شيئا. فما أراده بناطواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا. فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟ ".
وهذا قوله في القدر: هو أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض.
وكان يقول في الدعاء: اللهم لك الحمد إن أطعتك، ولك الحجة إن عصيتك. لا صنع لي ولا لغيري في إحسان ولا حجة لي ولا لغيري في إساءة.
فنذكر الأصناف الذين اختلفوا فيه ونعدهم، لا على أنهم من تفاصيل أشياعه، بل على أنهم منتسبون إلى أصل شجرته، وفروع أولاده؛ ليعلم ذلك.
"ب" الناووسية:
أتباع رجل يقال له: ناووس، وقيل نسبوا إلى قرية ناوسا. قالت إن الصادق حي بعد، ولن يموت حتى يظهر فيظهر أمره. وهو القائم المهدي. ورووا عنه
[ ١ / ١٦٦ ]
أنه قال: لو رأيتهم رأسي يدهده١ عليكم من الجبل فلا تصدقوا، فإني صاحبكم صاحب السيف.
وحكى أبو حامد الزوزني أن الناووسية زعمت أن عليا باق وستنشق الأرض عنه يوم القيامة فيملأ الأرض عدلا.
"جـ" الأفطحية:
قالوا: بانتقال الإمامة من الصادق إلى ابنه عبد الله الأفطح، وهو أخو إسماعيل من أبيه وأمه، وأمهما فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي، وكان أسن أولاد الصادق.
زعموا أنه قال: الإمامة في أكبر أولاد الإمام. وقال: الإمام من يجلس مجلسي. وهو الذي جلس مجلسه، والإمام لا يغسله ولا يصلي عليه ولا يأخذ خاتمه ولا يواريه إلا الإمام. وهو الذي تولى ذلك كله. ودفع الصادق وديعة إلى بعض أصحابه وأمره أن يدفعها إلى من يطلبها منه وأن يتخذه إماما. وما طلبها منه أحد إلا عبد الله ومع ذلك ما عاش بد أبيه إلا سبعين يوما ومات ولم يعقب ولدا ذكرا.
"د" الشميطية:
أتباع يحيى بن أبي شميط. قالوا إن جعفرا قال: إن صاحبكم اسمه اسم نبيكم، وقد قال له والده رضوان الله عليهما: إن ولد لك ولد فسميته باسمي فهو الإمام، فالإمام بعده ابنه محمد.
"هـ" الإسماعيلية الواقفة:
قالوا إن الإمام بعد جعفر إسماعيل نصا عليه باتفاق من أولاده، إلا أنهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه. فمنهم من قال لم يمت، إلا أنه أظهر موته تقية من خلفاء بني العباس، وأنه عقد محضرا وأشهد عليه عامل المنصور بالمدينة.
_________________
(١) ١ دهده: دحرج.
[ ١ / ١٦٧ ]
ومنهم من قال موته صحيح، والنص لا يرجع قهقري، والفائدة في النص بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيرهم. فالإمام بعد إسماعيل: محمد بن إسماعيل؛ وهؤلاء يقال لهم المباركية. ثم منهم من وقف على محمد بن إسماعيل وقال برجعته بعد غيبته.
ومنهم من ساق الإمامة في المستورين منهم، ثم في الظاهرين القائمين من بعدهم، وهم الباطنية. وسنذكر مذاهبهم على الانفراد. وإنما مذهب هذه الفرقة الوقف على إسماعيل بن جعفر، أو محمد بن إسماعيل. والإسماعيلية المشهورة في الفرق منهم هم الباطنية التعليمية الذين لهم مقالة مفردة.
"و" الموسوية، والمفضلية:
فرقة واحدة قالت بإمامة موسى١ بن جعفر نصا عليه بالاسم، حيث قال الصادق ﵁: سابعكم قائمكم، وقيل صاحبكم قائمكم، ألا وهو سمي صاحب التوراة.
ولما رأت الشيعة أن أولاد الصادق على تفرق، فمن ميت في حال حياة أبيه ولم يعقب، ومن مختلف في موته، ومن قائم بعد موته مدة يسيرة، ومن ميت غير معقب، وكان موسى هو الذي تولى الأمر وقام به بعد موت أبيه، رجعوا إليه واجتمعوا عليه مثل المفضل بن عمر، وزرارة بن أعين، وعمار الساباطي.
وروت الموسوية عن الصادق ﵁ أنه قال لبعض أصحابه: عد الأيام فعدها من الأحد حتى بلغ السبت، فقال له: كم عددت؟ فقال: سبعة، فقال: جعفر سبت السبوت، وشمس الدهور، ونور الشهور. من لا يلهو ولا يلعب، وهو سابعكم قائمكم هذا، وأشار إلى ولده موسى الكاظم. وقال فيه أيضا: إنه شبيه بعيسى ﵇.
ثم إن موسى لما خرج وأظهر الإمامة حمله هارون الرشيد من المدينة فحبسه عند
_________________
(١) ١ هو موسى الكاظم المتوفى سنة ١٧٣هـ.
[ ١ / ١٦٨ ]
عيسى بن جعفر، ثم أشخصه إلى بغداد فحبسه عند السندي بن شاهك. وقيل إن يحيى بن خالد بن برمك سمه في رطب فقتله وهو في الحبس، ثم أخرج ودفن في مقابر قريش ببغداد. واختلفت الشيعة بعده.
فمنهم من توقف في موته وقال: لا ندري أمات أم لم يمت! ويقال لهم الممطورة؛ سماهم بذلك علي بن إسماعيل، فقال: ما أنتم إلا كلاب ممطورة. ومنهم من قطع بموته ويقال لهم القطعية. ومنهم من توقف عليه، وقال إنه لم يمت، وسيخرج بعد الغيبة، ويقال لهم الواقفة.
"ز" الاثنا عشرية:
إن الذين قطعوا بموت موسى الكاظم بن جعفر الصادق وسموا قطعية، ساقوا الإمامة بعده في أولاده، فقالوا: الإمام بعد موسى الكاظم: ولده علي الرضا، ومشهده بطوس. ثم بعده: محمد التقي الجواد أيضا، وهو في مقابر قريش ببغداد. ثم بعده: علي بن محمد النقي؛ ومشهده بقم. وبعده: الحسن العسكري الزكي. وبعده: ابنه محمد القائم المنتظر الذي هو بسر من رأى، وهو الثاني عشر. هذا هو طريق الاثنا عشرية في زماننا.
إلا أن الاختلافات التي وقعت في حال كل واحد من هؤلاء الاثنا عشر، والمنازعات التي جرت بينهم وبين إخوتهم وبني أعمامهم وجب ذكرها لئلا يشذ عنا مذهب لم نذكره ومقالة لم نوردها.
فاعلم أن من الشيعة من قال بإمامة: أحمد بن موسى بن جعفر دون أخيه علي الرضا. ومن قال بعلي: شك أولا في محمد بن علي، إذ مات أبوه وهو صغير غير مستحق للإمامة، ولا علم عنده بمناهجها، وثبت قوم على إمامته واختلفوا بعد موته أيضا، فقال قوم بإمامة
[ ١ / ١٦٩ ]
موسى بن محمد. وقال قوم آخرون بإمامة علي بن محمد، ويقولون هو العسكري. واختلفوا بعد موته أيضا. فقال قوم بإمامة جعفر بن علي، وقال قوم بإمامة محمد بن علي. وقال قوم بإمامة الحسن بن علي. وكان لهم رئيس يقال له علي بن فلان الطاحن، وكان من أهل الكلام، قوى أسباب جعفر بن علي، وأمال الناس إليه؛ وأعانه فارس بن حاتم بن ماهويه، وذلك أن عليا قد مات، وخلف الحسن العسكري. قالوا: امتحنا الحسن فلم نجد عنده علما، ولقبوا من قال بإمامة الحسن الحمارية، وقووا أمر جعفر بعد موت الحسن، واحتجوا بأن الحسن مات بلا خلف فبطلت إمامته، ولأنه لم يعقب، والإمام لا يموت إلا ويكون له خلف وعقب. وحاز جعفر ميراث الحسن بعد دعاوي ادعاها عليه أنه فعل ذلك من حبل في جواريه وغيرهم. وانكشف أمره عند السلطان والرعية وخواص الناس وعوامهم، وتشتت كلمة من قال بإمامة الحسن وتفرقوا أصنافا كثيرة. فثبتت هذه الفرقة على إمامة جعفر، ورجع إليهم كثير ممن قال بإمامة الحسن، منهم: الحسن بن علي بن فضال؛ وهو من أجل أصحابهم وفقهائهم؛ كثير الفقه والحديث. ثم قالوا بعد جعفر بعلي بن جعفر وفاطمة بنت علي أخت جعفر. وقال قوم بإمامة علي بن جعفر دون فاطمة السيدة. ثم اختلفوا بعد موت علي وفاطمة اختلافا كثيرا. وغلا بعضهم في الإمامة غلوا كأبي الخطاب الأسدي.
وأما الذين قالوا بإمامة الحسن فافترقوا بعد موته إحدى عشرة فرقة، وليست لهم ألقاب مشهورة، ولكنا نذكر أقاويلهم.
الفرقة الأولى: قالت إن الحسن لم يمت، وهو القائم ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهرا، لأن الأرض لا تخلو من إمام، وقد ثبت عندنا أن القائم له غيبتان، وهذه إحدى الغيبتين، وسيظهر ويعرف ثم يغيب غيبة أخرى.
الثانية: قالت إن الحسن مات ولكنه يحيى وهو القائم، لأن رأينا أن معنى القائم هو القيام بعد الموت. فنقطع بموت الحسن ولا نشك فيه، ولا ولد له، فيجب أن يحيا بعد الموت.
[ ١ / ١٧٠ ]
الثالثة: قالت إن الحسن قد مات، وأوصى إلى جعفر أخيه، ورجعت الإمامة إلى جعفر.
الرابعة: قالت إن الحسن قد مات، والإمام جعفر. وإنا كنا مخطئين في الائتمام به؛ إذ لم يكن إماما. فلما مات ولا عقب له تبينا أن جعفر كان محقا في دعواه، والحسن مبطلا.
الخامسة: قالت إن الحسن قد مات، وكنا مخطئين في القول به. وإن الإمام كان محمد بن علي أخا الحسن وجعفر؛ ولما ظهر لنا فسق جعفر وإعلانه به؛ وعلمنا أن الحسن كان على مثل حاله إلا أنه كان يتستر، عرفنا أنهما لم يكونا إمامين، فرجعنا إلى محمد، ووجدنا له عقبا، وعرفنا أنه كان هو الإمام دون أخويه.
السادسة: قالت إن الحسن كان له ابن، وليس الأمر على ما ذكروا أنه مات ولم يعقب، بل ولد له ولد قبل وفاة أبيه بسنتين فاستتر خوفا من جعفر وغيره من الأعداء، واسمه محمد وهو الإمام، القائم، الحجة، المنتظر.
السابعة: قالت إن له ابنا، ولكنه ولد بعد موته بثمانية أشهر. وقول من ادعى أنه مات وله ابن باطل، لأن ذلك لو كان لم يخف، ولا يجوز مكابرة العيان.
الثامنة: قالت صحت وفاة الحسن، وصح أن لا ولد له، وبطل ما ادعى من الحيل في سرية له، فثبت أن الإمام بعد الحسن غير موجود، وهو جائز في المعقولات أن يرفع الله الحجة عن أهل الأرض لمعاصيهم، وهي فترة وزمان لا إمام فيه، والأرض اليوم بلا حجة كما كانت الفترة قبل مبعث النبي ﷺ.
التاسعة: قالت إن الحسن قد مات، وصح موته. وقد اختلف الناس هذه الاختلافات ولا ندري كيف هو؟ ولا نشك أنه قد ولد له ابن. ولا ندري قبل موته أو بعد موته؟ إلا أنا نعلم يقينا أن الأرض لا تخلو من حجة، وهو الخلف الغائب، فنحن نتولاه ونتمسك به باسمه حتى يظهر بصورته.
[ ١ / ١٧١ ]
العاشرة: قالت نعلم أن الحسن قد مات، ولا بد للناس من إمام؛ فلا تخلو الأرض من حجة، ولا ندري: من ولده؟ أم من ولد غيره؟
الحادية عشرة: فرقة توقفت في هذا التخابط وقالت: لا ندري على القطع حقيقة الحال، لكنا نقطع في الرضا ونقول بإمامته. وفي كل موضع اختلفت الشيعة فيه، فنحن من الواقفة في ذلك إلى أن يظهر الله الحجة، ويظهر بصورته، فلا يشك في إمامته من أبصره، ولا يحتاج إلى معجزة وكرامة وبينة، بل معجزته اتباع الناس بأسرهم إياه من غير منازعة ولا مدافعة.
فهذه جملة الفرق الإحدى عشرة قطعوا على كل واحدة واحد؛ ثم قطعوا على الكل بأسرهم.
ومن العجب أنهم قالوا: الغيبة قد امتدت مائتين ونيفا وخمسين سنة، وصاحبنا قال إن خرج القائم وقد طعن في الأربعين فليس بصاحبكم، ولسنا ندري كيف تنقضي مائتان ونيف وخمسون سنة في أربعين سنة؟ وإذا سئل القوم عن مدة الغيبة كيف تتصور؟ قالوا: أليس الخضر وإلياس عليهما لاسلام يعيشان في الدنيا من آلاف سنين، لا يحتاجان إلى طعام وشراب؟ فلم لا يجوز ذلك في واحد من آل البيت؟ قيل لهم: ومع اختلافكم هذا كيف يصح لكم دعوى الغيبة؟ ثم الخضر ﵇ ليس مكلفا بضمان جماعة، والإمام عندكم ضامن، مكلف بالهداية والعدل. والجماعة مكلفون بالاقتداء به والاستنان بسنته، ومن لا يرى كيف يقتدى به؟
فلهذا صارت الإمامية متمسكين بالعدلية في الأصول، وبالمشبهة في الصفات، متحيرين تائهين.
وبين الإخبارية منهم والكلامية سيف وتكفير. وكذلك بين التفضيلية والوعيدية قتال وتضليل، أعاذنا الله من الحيرة.
ومن العجب أن القائلين بإمامة المنتظر مع هذا الاختلاف العظيم الذي بينت
[ ١ / ١٧٢ ]
لا يستحيون فيدعون فيه أحكام إلهية، ويتأولون قوله تعالى عليه ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ١.
قالوا: هو الإمام المنتظر الذي يرد إليه علم الساعة. ويدعون فيه أنه لا يغيب عنا، وسيخبرنا بأحوالنا، حين يحاسب الخلق، إلى تحكمات باردة، وكلمات عن العقول شاردة.
لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم
أسامي الأئمة الاثني عشر عند الإمامية:
المرتضى، والمجتبى، والشهيد، والسجاد، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضي، والتقي، والنقي، والزكي، والحجة القائم المنتظر.
_________________
(١) ١ التوبة آية ١٠٥.
[ ١ / ١٧٣ ]
٤- الغالية:
هؤلاء هم الذين غلوا في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقية، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية. فربما شبهوا واحدا من الأئمة بالإله. وربما شبهوا الإله بالخلق. وهم على طرفي الغلو والتقصير. وإنما نشأت شبهاتهم من مذاهب الحلولية، ومذاهب التناسخية، ومذاهب اليهود والنصارى، إذ اليهود شبهت الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق. فسرت هذه الشبهات في أذهان الشيعة الغلاة، حتى حكمت بأحكام الإلهية في حق بعض الأئمة. وكان التشبيه بالأصل والوضع في الشيعة، وإنما عادت إلى بعض أهل السنة بعد ذلك وتمكن الاعتزال فيهم لما رأو أن ذلك أقرب إلى المعقول، وأبعد من التشبيه والحلول.
وبدع الغلاة محضورة في أربع: التشبيه، والبداء، والرجعة، والتناسخ. ولهم
[ ١ / ١٧٣ ]
ألقاب، وبكل بلد لقب، فيقال لهم بأصبهان: الخرمية، والكوذية، وبالري: المزدكية والسنباذية، وبأذربيجان الدقولية. وبموضع المحمرة، وبما وراء النهر: المبيضة.
وهم أحد عشر صنفا.
"أ" السبائية:
أصحاب عبد الله بن سبإ الذي قال لعلي كرم الله وجهه: أنت، أنت، يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن. زعموا أنه كان يهوديا فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى ﵉ مثل ما قال في علي ﵁. وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي ﵁ ومنه انشعبت أصناف الغلاة.
زعم أن عليا حي لم يمت، ففيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه وهو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق تبسمه. وأنه سينزل إلى الأرض بعد ذلك فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.
وإنما أظهر ابن سبإ هذه المقالة بعد انتقال علي ﵁ واجتمعت عليه جماعة، وهم أول فرقة قالت بالتوقف، والغيبة، والرجعة، وقالت بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي ﵁. قال: وهذا المعنى مما كان يعرفه الصحابة وإن كانوا على خلاف مراده. هذا عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول فيه حين فقأ عين واحد بالحد في الحرم ورفعت القصة إليه: ماذا أقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله؟ فأطلق عمر اسم الإلهية عليه لما عرف منه ذلك.
"ب" الكاملية:
أصحاب أبي كامل. أكفر جميع الصحابة بتركها بيعة علي ﵁. وطعن في علي أيضا بتركه طلب حقه، ولم يعذره في القعود. قال: وكان عليه أن يخرج ويظهر الحق. على أنه غلا في حقه وكان يقول: الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى شخص،
[ ١ / ١٧٤ ]
وذلك النور في شخص يكون نبوة، وفي شخص يكون إمامة. وربما تتناسخ الإمامة فتصير نبوة. وقال بتناسخ الأرواح وقت الموت.
والغلاة على أصنافها كلهم متفقون على التناسخ والحلول. ولقد كان التناسخ مقالة لفرقة في كل ملة تلقوها من المجوس المزدكية، والهند البرهمية، ومن الفلاسفة، والصابئة ومذهبهم أن الله تعالى قائم بكل مكان، ناطق بكل لسان، ظاهر في كل شخص من أشخاص البشر، وذلك بمعنى الحلول.
وقد يكون الحلول بجزء، وقد يكون بكل. أما الحلول بجزء، فهو كإشراق الشمس في كوة، أو كإشراقها على البلور.
أما الحلول بكل فهو كظهور ملك بشخص، أو شيطان بحيوان.
ومراتب التناسخ أربع: النسخ، والمسخ، والفسخ، والرسخ. وسيأتي شرح ذلك عند ذكر فرقهم من المجوس على التفصيل. وأعلى المراتب مرتبة الملكية أو النبوة. وأسفل المراتب الشيطانية أو الجنية.
وهذا أبو كامل كان يقول بالتناسخ ظاهرا من غير تفصيل مذهبهم.
"جـ" العلبائية:
أصحاب العلباء بن ذراع الدوسي. وقال قوم: هو الأسدي. وكان يفضل عليا على النبي ﷺ. وزعم أنه بعث محمدا؛ يعني عليا، وسماه إلها. وكان يقول بذم محمد ﷺ، وزعم أنه بعث ليدعو إلى علي فدعا إلى نفسه. ويسمون هذه الفرقة الذمية.
ومنهم من قال بإلهيتهما جميعا، ويقدمون عليا في أحكام الإلهية، ويسمونهم العينية.
ومنهم من قال بإلهيتهما جميعا، ويفضلون محمدا في الإلهية، ويسمونهم الميمية.
ومنهم من قال بالإلهية لجملة أشخاص أصحاب الكساء: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين. وقالوا خمستهم شيء واحد. والروح حالة فيهم بالسوية: لا فضل
[ ١ / ١٧٥ ]
لواحد منهم على الآخر. وكرهوا أن يقولوا فاطمة بالتأنيث، بل قالوا فاطم، بلا هاء، وفي ذلك يقول بعض شعرائهم:
توليت بعد الله في الدين خمسة نبيا وسبطيه وشيخا وفاطما
"د" المغيرية:
أصحاب المغيرة بن سعيد١ العجلي. ادعى أن الإمامة بعد محمد بن علي بن الحسين في: محمد النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، الخارج بالمدينة. وزعم أنه حي لم يمت.
وكان المغيرة مولى لخالد بن عبد الله القسري، وادعى الإمامة لنفسه بعد الإمام محمد
_________________
(١) ١ في "مقالات الإسلاميين" ص٦ ج١" والفرقة الرابعة منهم -يعني الشيعة الغالية- المغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد؛ يزعمون أنه كان يقول إنه نبي، وأنه يعلم اسم الله الأكبر، وأن معبودهم رجل من نور على رأسه تاج، وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل. وله جوف وقلب تنبع منه الحكمة. وأن حروف أبي جاد على عدد أعضائه. قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها. وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرا عظيما، يعرض لهم بالعورة وببأنه قد رآه لعنه الله. وزعم أنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم. وأراهم أشياء من النيرنجات والمخاريق. وذكر لهم كيف ابتدأ الله الخلق فزعم أن الله جل اسمه كان وحده لا شيء معه. فلما أراد أن يخلق الأشياء تكلم باسمه الأعظم فطار فوقع فوق رأسه التاج. قال: وذلك قوله - ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - قال: ثم كتب بأصبعه على كفه أعمال العباد من المعاصي والطاعات، فغضب من المعاصي فعرق، فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما مالح مظلم، والآخر نمير عذب. ثم اطلع في البحر فأبصر ظله فذهب ليأخذه فطار فانتزع عين ظله فخلق منها شمسا، ومحق ذلك الظل وقال: لا ينبغي أن يكون معي إله غيري. ثم خلق الخلق كله من البحرين، فخلق الكفار من البحر المالح المظلم، وخلق المؤمنين من النمير العذب. وخلق ظلال الناس فكان أول من خلق منها محمدا ﷺ. قال وذلك قوله - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾ - الزخرف آية ٨١، ثم أرسل محمدا إلى الناس كافة وهو ظل. ثم عرض على السموات والأرض أن يمنعن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فأبين، ثم على الأرض والجبال فأبين، ثم على الناس كلهم فقام عمر بن الخطاب إلى أبي بكر فأمره أن يتحمل منه وأن يغدر به، ففعل ذلك أبو بكر. وذلك قوله -إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال- الأحزاب آية ٧٢- قال: وقال عمر: أنا أعينك على علي لتجعل لي الخلافة بعدك وذلك قوله - ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُر﴾ - الحشر آية ١٦. والشيطان عنده عمر. وزعم أن الأرض تنشق عن الموتى فيرجعون إلى الدنيا. فبلغ خبره خالد بن عبد الله -يعني القسري- فقتله". قتله خالد القسري حرقا بالنار سنة ١١٩هـ.
[ ١ / ١٧٦ ]
وبعد ذلك ادعى النبوة لنفسه، واستحل المحارم، وغلا في حق علي ﵁ غلوا لا يعتقده عاقل. وزاد على ذلك قوله بالتشبيه فقال: إن الله تعالى صورة وجسم ذو أعضاء على مثال حروف الهجاء. وصورته صورة رجل من نور على رأسه تاج من نور. وله قلب تنبع منه الحكمة. وزعم أن الله تعالى لما أراد خلق العالم تكلم بالاسم الأعظم. فطار فوقع على رأسه تاج. قال: وذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ ١.
ثم اطلع على أعمال العباد وقد كتبها عفى كفه، فغضب من المعاصي فعرق. فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما مالح، والآخر عذب. والمالح مظلم، والعذب نير، ثم اطلع في البحر النير فأبصر ظله، فانتزع عين ظله فخلق منها الشمس والقمر، وأفنى باقي ظله وقال: لا ينبغي أن يكون معي إله غيري. قال: ثم خلق الخلق كله من البحرين، فخلق المؤمنون من البحر النير، وخلق الكفار من البحر المظلم. وخلق ظلال الناس أول ما خلق، وأول ما خلق هو ظل محمد ﵊ وظل علي قبل خلق ظلال الكل، ثم عرض على السموات والأرض والجبال أن يحملن الأمانة، وهي أن يمنعن علي ابن أبي طالب من الإمامة، فأبين ذلك، ثم عرض ذلك على الناس، فأمر عمر بن الخطاب أبا بكر أن يتحمل منعه من ذلك، وضمن له أن يعينه على الغدر به على شرط أن يجعل الخلافة له من بعده، فقبل منه وأقدما على المنع متظاهرين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ٢ وزعم انه نزل في حق عمر قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ ٣.
ولما أن قتل المغيرة اختلف أصحابه، فمنهم من قال بانتظاره ورجعته، ومنهم من قال بانتظار إمامة محمد، كما كان يقول هو بانتظاره. وقد قال المغيرة بإمامة أبي جعفر محمد بن
_________________
(١) ١ الأعلى آية ١. ٢ الأحزاب آية ٧٢. ٣ الحشر آية ١٦.
[ ١ / ١٧٧ ]
علي ﵄، ثم غلا فيه وقال بإلهيته فتبرأ منه الباقر ولعنه، وقد قال المغيرة لأصحابه: انتظروه، فإنه يرجع، وجبريل وميكائيل يبايعانه بين الركن والمقام، وزعم أنه يحيي الموتى.
"هـ" المنصورية:
أصحاب أبي منصور١ العجلي، وهو الذي عزا نفسه إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر في الأول، فلما تبرأ منه الباقر وطرده زعم أنه هو الإمام، ودعا الناس إلى نفسه، ولما توفي الباقر قال: انتقلت الإمامة إلي وتظاهر بذلك وخرجت جماعة منهم بالكوفة
_________________
(١) ١ "جاء في فرق الشيعة" للنوبختي ص٣٤ "ومنهم فرقة تسمى المنصورية، وهم أصحاب أبي منصور، وهو الذي ادعى أن الله ﷿ عرج به إليه فأدناه منه وكلمه ومسح بيده على رأسه. وقال له بالسرياني وذكر أنه نبي ورسول. وأن الله اتخذه خليلا. وكان أبو منصور هذا من أهل الكوفة من عبد القيس وله فيها دار. وكان منشؤه بالبادية وكان أميا لا يقرأ. فادعى بعد وفاة أبي جفعر محمد بن علي بن الحسين أنه فوض إليه أمره وجعله وصيه من بعده. ثم ترقى به الأمر إلى أن قال: كان علي بن أبي طالب ﵇ نبيا ورسولا، وكذلك الحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي. وأنا نبي ورسول. والنبوة في ستة من ولدي يكونون بعدي أنبياء آخرهم القائم. وكان يأمر أصحابه بخنق من خالفهم وقتلهم بالاغتيال ويقول من خالفكم فهو كافر مشرك فاقتلوه فإن هذا جهاد خفي. وزعم أن جبرئيل ﵇ يأتيه بالوحي من عند الله ﷿، وأن الله بعص محمدا بالتنزيل، وبعثه هو يعني نفسه بالتأويل. فطلبه خالد بن عبد الله القسري فأعياه ثم ظفر عمر الخناق بابنه الحسين بن أبي منصور. وقد تنبى وادعى مرتبة أبيه. وجبيت إليه الأموال. وتابعه على رأيه ومذهبه بشر كثير، وقالوا بنبوته. فبعث به إلى المهدي فقتله في خلافته وصلبه بعد أن أقر بذلك، وأخذ منه مالا عظيما. وطلب أصحابه طلبا شديدا وظفر بجماعة منهم فقتلهم وصلبهم". وفي "مقالات الإسلاميين" ص٩ ج١ "ويمين أصحابه -يعني منصورا- إذا حلفوا أن يقولوا: ألا والكلمة. وزعم أن عيسى أول من خلق الله من خلقه. ثم علي. وأن رسل الله سبحانه لا تنقطع أبدا وكفر بالجنة والنار. وزعم أن الجنة رجل، وأن النار رجل. واستحل النساء والمحارم وأحل ذلك لأصحابه وزعم أن الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر وغير ذلك من المحارم حلال. وقال: لم يحرم الله ذلك علينا. ولا حرم شيئا تقوى به أنفسنا. وإنما هذه الأشياء أسماء رجال حرم الله سبحانه ولا يتهم وتأول في ذلك قوله تعالى -المائدة آية ٩٣- ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ - وأسقط الفرائض وقال هي أسماء رجال أوجب الله ولايتهم. واستحل خنق المنافقين وأخذ أموالهم: فأخذه يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في أيام بني أمية فقتله".
[ ١ / ١٧٨ ]
في بني كندة حتى وقف يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك على قصته وخبث دعوته، فأخذه وصلبه.
زعم أبو منصور العجلي أن عليا ﵁ هو الكسف١ الساقط من السماء. وربما قال: الكسف الساقط من السماء هو الله تعالى: وزعم حين ادعى الإمامة لنفسه أنه عرج به إلى السماء، ورأى معبوده فمسح بيده رأسه، وقال له: يا بني، انزل فبلغ عني. ثم أهبطه إلى الأرض. فهو الكسف الساقط من السماء.
وزعم أيضا أن الرسل لا تنقطع أبدا. والرسالة لا تنقطع. وزعم أن الجنة رجل أمرنا بموالاته، وهو إمام الوقت. وأن النار رجل أمرنا بمعاداته، وهو خصم الإمام. وتأول المحرمات كلها على أسماء رجال أمرنا الله تعالى بمعاداتهم. وتأول الفرائض على أسماء رجال أمرنا بموالاتهم. واستحل أصحابه قتل مخالفيهم وأخذ أموالهم، واستحلال نسائهم. وهم صنف من الخرمية. وإنما مقصودهم من حمل الفرائض والمحرمات على أسماء رجال: هو أن من ظفر بذلك الرجل وعرفه فقد سقط عند التكليف، وارتفع الخطاب إذ قد وصل إلى الجنة وبلغ الكمال.
ومما أبدعه العجلي أنه قال: إن أول ما خلق الله تعالى هو عيسى بن مريم ﵇ ثم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
"و" الخطابية:
أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، وهو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵁. فلما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه تبرأ منه ولعنه، وأمر أصحابه بالبراءة منه. وشدد القول في ذلك، وبالغ في التبري منه واللعن عليه. فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه.
_________________
(١) ١ الكسفة بكسر الكاف: القطعة من الشيء، وتجمع على كسف. وجاءت في غير آية من القرآن الكريم مثل قوله تعالى في سورة الطور آية ٤٤ ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ .
[ ١ / ١٧٩ ]
زعم أبو الخطاب أن الأئمة أنبياء ثم آلهة. وقال بإلهية جعفر بن محمد، وإلهية آبائه ﵃. وهم أبناء الله وأحباؤه. والإلهية نور في النبوة، والنبوة نور في الإمامة. ولا يخلو العالم من هذه الآثار والأنوار. وزعم أن جعفرا هو الإله في زمانه، وليس هو المحسوس الذي يرونه. ولكن لما نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيها.
ولما وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته قتله بسبخة الكوفة. وافترقت الخطابية بعده فرقا.
فزعمت فرقة أن الإمام بعد أبي الخطاب رجل يقال له معمر، ودانوا به كما دانوا بأبي الخطاب. وزعموا أن الدنيا لا تفنى، وأن الجنة هي التي تصيب الناس من خير ونعمة وعافية. وأن النار هي التي تصيب الناس من شر ومضقة وبلية. واستحلوا الخمر والزنا، وسائر المحرمات، ودانوا بترك الصلاة والفرائض، وتسمى هذه الفرقة المعمرية.
وزعمت طائفة أن الإمام بعد أبي الخطاب: بزيغ، وكان يزعم أن جعفرا هو الإله؛ أي ظهر الإله بصورته للخلق، وزعم أن كل مؤمن يوحي إليه من الله، وتأول قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١ أي بوحي إليه من الله، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ٢ وزعم أن من أصحابه من هو أفضل من جبريل وميكائيل، وزعم أن الإنسان إذا بلغ الكمال لا يقال له إنه قد مات، ولكن الواحد منهم إذا بلغ النهاية قيل رجع إلى الملكوت، وادعوا كلهم معاينة أمواتهم، وزعموا أنهم يرونهم بكرة وعشية، وتسمى هذه الطائفة البزيغية.
وزعمت طائفة أن الإمام بعد أبي الخطاب: عمير بن بيان العجلي، وقالوا كما قالت الطائفة الأولى، إلا أنهم اعترفوا بأنهم يموتون، وكانوا قد نصبوا خيمة بكناسة السكوفة يجتمعون فيها على عبادة الصادق ﵁، فرفع خبرهم إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، فأخذ عميرا فصلبه في كناسة الكوفة، وتسمى هذه الطائفة العجلية والعميرية أيضا.
_________________
(١) ١ يونس آية ١٠٠. ٢ النحل آية ٦٨.
[ ١ / ١٨٠ ]
وزعمت طائفة أن الإمام بعد أبي الخطاب مفضل الصيرفي. وكانوا يقولون بربوبية جعفر دون نبوته ورسالته. وتسمى هذه الفرقة المفضلية.
وتبرأ من هؤلاء كلهم جعفر بن محمد الصادق ﵁ وطردهم ولعنهم. فإن القوم كلهم حيارى، ضالون، داهلون بحال الأئمة تائهون.
"ز" الكيالية:
أتباع أحمد بن الكيال. وكان من دعاة واحد من أهل البيت بعد جعفر بن محمد الصادق، وأظنه من الأئمة المستورين.
ولعله سمع كلمات علمية فخلطها برأيه القائل، وفكره العاطل، وأبدع مقالة في كل باب علمي على قاعدة غير مسموعة، ولا معقولة. وربما عاند الحسن في بعض المواضع.
ولما وقفوا على بدعته تبرءوا منه ولعنوه وأمروا شعيتهم بمنابذته وترك مخالطته. ولما عرف الكيال ذلك منهم صرف الدعوة إلى نفسه، وادعى الإمامة أولا، ثم ادعى أنه القائم ثانيا.
وكان من مذهبه أن كل من قدر الآفاق على الأنفس، وأمكنه أن يبين مناهج العالمين؛ أعني عالم الآفاق وهو العالم العلوي، وعالم الأنفس؛ وهو العالم السفلي، كان هو الإمام. وأن كل من قرر الكل في ذاته، وأمكنه أن يبين كل كلي في شخصه المعين الجزئي، كان هو القائم. قال: ولم يوجد في زمن من الأزمان أحد يقرر هذا التقرير إلا أحمد الكيال، فكان هو القائم.
وإنما قتله من انتمى إليه أولا على بدعته ذلك أنه هو الإمام، ثم القائم. وبقيت من مقالته في العالم تصانيف عربية وعجمية، كلها مزخرفة مردودة شرعا وعقلا.
قال الكيال: العوالم ثلاثة: العالم الأعلى، والعالم الأدنى، والعالم الإنساني.
وأثبت في العالم الأعلى خمسة أماكن: الأول: مكان الأماكن وهو مكان فارغ
[ ١ / ١٨١ ]
لا يسكنه موجود، ولا يدبره روحاني، وهو محيط بالكل. قال: والعرش الوارد في الشرع عبارة عنه. ودونه: مان النفس الأعلى. ودونه: مكان النفس الناطقة. ودونه: مكان النفس الإنسانية.
قال: وأرادت النفس الإنسانية الصعود إلى عالم النفس الأعلى، فصعدت وخرقت المكانين: أعني الحيوانية، والناطقة. فلما قربت من الوصول إلى عالم النفس الأعلى: كلت وانحسرت، وتحيرت وتعفنت، واستحالت أجزاؤها فأهبطت إلى العالم السفلي. ومضت عليها أكوار وأدوار، وهي في تلك الحالة من الفعونة والاستحالة. ثم ساحت عليها النفس الأعلى، وأفاضت عليها من أنوارها جزءا. فحدثت التراكيب في هذا العالم، وحدثت السماوات والأرض، والمركبات من المعادن والنبات والحيوان، والإنسان ووقعت في بلايا هذا التراكيب تارة سرورا، وتارة غما، وتارة فرحا، وتارة ترحا. وطورا سلامة وعافية، وطورا بلية ومحنة حتى يظهر القائم، ويردها إلى حال الكمال، وتنحل التراكيب، وتبطل المتضادات، ويظهر الروحاني على الجسماني. وما ذلك القائم إلا أحمد الكيال.
ثم دل علي تعيين ذاته بأضعف ما يتصور، وأوهى ما يقدر، وهو أن اسم أحمد مطابق للعوالم الأربعة. فالألف من اسمه في مقابلة النفس الأعلى، والحاء في مقابلة النفس النةاطقة، والميم في مقابلة النفس الحيوانية، والدال في مقابلة النفس الإنسانية. قال: والعوالم الأربعة هي المبادئ والبسائط. وأما مكان الأماكن فلا وجود فيه ألبتة.
ثم أثبت في مقابلة العوالم العلوية: العالم السفلي الجسماني، قال: فالسماء خالية، وهي في مقابلة مكان الأماكن، ودونها النار، ودونها الهواء، ودونه الأرض، ودونها الماء وهذه الأربعة في مقابلة العوالم الأربعة.
ثم قال: الإنسان في مقابلة النار، والطائر في مقابلة الهواء، والحيوان في مقابلة الأرض، والحوت في مقابلة الماء وكذلك ما في معناه، فجعل مركز الماء أسفل المراكز والحوت أخس المركبات.
[ ١ / ١٨٢ ]
ثم قابل العالم الإنساني الذي هو أحد الثلاثة؛ وهو عالم الأنفس، مع آفاق العالمين الأولين: الروحاني والجسماني، قال: الحواس المركبة فيه خمس:
فالسمع في مقابلة مكان الأماكن، إذ هو فارغ، وفي مقابلة السماء.
والبصر في مقابلة النفس الأعلى من الروحاني، وفي مقابلة النار من الجسماني، وفيه إنسان العين لأن الإنسان مختص بالنار.
والشم في مقابلة الناطق من الروحاني، والهواء من الجسماني؛ لأن الشم من الهواء يتروح ويتنسم.
والذوق في مقابلة الحيواني من الروحاني، والأرض من الجسماني، والحيوان مختص بالأرض، والطعم بالحيوان.
واللمس في مقابلة الإنساني من الروحاني، والماء من الجسماني، والحوت مختص بالماء واللمس بالحوت، وربما عبر عن اللمس بالكتابة.
ثم قال: أحمد: هو ألف، وحاء، وميم، ودال، وهو في مقابلة العالمين:
أما في مقابلة العالم العلوي الروحاني فقد ذكرناه.
وأما في مقابلة العالم السفلي الجسماني؛ فالألف تدل على الإنسان، والحاء تدل على الحيوان، والميم على الطائر، والدال على الحوت. فالألف من حيث استقامة القامة كالإنسان، والحاء كالحيوان لأنه معوج منكوس، ولأن الحاء من ابتداء اسم الحيوان، والميم تشبه رأس الطائر، والدال تشبه ذنب الحوت.
ثم قال: إن الباري تعالى إنما خلق الإنسان على شكل اسم أحمد، فالقامة: مثل الألف، واليدان مثل الحاء، والبطن مثل الميم، والرجلان مثل الدال.
ثم من العجب أنه قال: إن الأنبياء ثم قادة أهل التقليد، وأهل التقليد عميان، والقائم قائد أهل البصيرة، وأهل البصيرة أولو الألباب، وإنما يحصلون البصائر بمقابلة الآفاق والأنفس.
[ ١ / ١٨٣ ]
والمقابلة كما سمعتها من أخس المقالات، وأوهى المقابلات، بحيث لا يستجيز عاقل أن يسمعها فكيف يرضى أن يعتقدها؟!
وأعجب من هذا كله تأويلاته الفاسدة، ومقابلاته بين الفرائض الشرعية والأحكام الدينية. وبين موجودات عالمي الآفاق والأنفس وادعاؤه أنه متفرد بها. وكيف يصح له ذلك؟ وقد سبقه كثير من أهل العلم بتقرير ذلك، لا على الوجه المزيف الذي قرره الكيال، وحمله الميزان على العالمين، والصراط على نفسه، والجنة على الوصول إلى علمه من البصائر، والنار على الوصول إلى ما يضاده؟!
ولما كانت أصول علمه ما ذكرناه، فانظر كيف يكون حال الفروع؟!
"ح" الهاشمية:
أصحاب الهاشمين: هشام بن الحكم صاحب المقالة في التشبيه، وهشام بن سالم الجواليقي الذي نسج على منواله في التشبيه.
وكان هشام بن الحكم من متكلمي الشيعة، وجرت بينه وبين أبي الهذيل مناظرات في علم الكلام، منها في التشبيه، ومنها في تعلق علم الباري تعالى.
حكى ابن الرواندي عن هشام أنه قال: إن بين معبوده وبين الأجسام تشابها ما، بوجه من الوجوه. ولولا ذلك لما دلت عليه.
وحكى الكعبي عنه أنه قال: هو جسم ذو أبعاض، له قدر من الأقدار ولكن لا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء.
ونقل عنه أنه قال: هو سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه في مكان مخصوص، وجهة مخصوصة، وأنه يتحرك، وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان.
وقال: هو متناه بالذات؛ غير متناه بالقدرة. وحكى عنه أبو عيسى الوراق أنه قال: إن الله تعالى مماس لعرشه، لا يفضل منه شيء من العرش، ولا يفضل من العرش شيء عنه.
[ ١ / ١٨٤ ]
ومن مذهب هشام أنه قال: لم يزل الباري تعالى عالما بنفسه، ويعلم الأشياء بعد كونها بعلم؛ لا يقال فيه إنه محدث، أو قديم، لأنه صفة، والصفة لا توصف. ولا يقال فيه: هو هو، أو غيره أو بعضه.
وليس قوله في القدرة والحياة كقوله في العلم، إلا أنه لا يقول بحدوثهما. قال: ويريد الأشياء، وإرادته حركة ليست هي عين الله، ولا هي غيره.
وقال في كلام الباري تعالى: إنه صفة للباري تعالى ولا يجوز أن يقال هو مخلوق، أو غير مخلوق.
وقال: الأعراض لا تصلح أن تكون دلالة على الله تعالى، لأن منها ما يثبت استدلالا، وما يستدل به على الباري تعالى يجب أن يكون ضروري الوجود لا استدلالا. وقال: لاستطاعة كل ما لا يكون الفعل إلا به كالآلات، والجوارح، والوقت، والمكان.
وقال هشام بن سالم إنه تعالى على صورة إنسان؛ أعلاه مجوف، وأسفله مصمت، وهو نور ساطع يتلألأ، وله حواس خمس، ويد، ورجل، وأنف، وأذن، وفم. وله وفرة سوداء، هي نور أسود، لكنه ليس بلحم ولا دم. وقال هشام بن سالم: الاستطاع بعض المستطيع. وقد نقل عنه أنه أجاز المعصية على الأنبياء مع قوله بعصمة الأئمة.
ويفرق بينهما بأن النبي يوحى إليه فينبه على وجه الخطأ فيتوب عنه. والإمام لا يوحي إليه فتجب عصمته.
وغلا هشام بن الحكم في حق علي ﵁ حتى قال: إنه إله واجب الطاعة. وهذا هشام بن الحكم صاحب عور في الأصول، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإن الرجل وراء ما يلزم به على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه. وذلك أنه ألزم العلاف فقال: إنك تقول: الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، فيشارك المحدثات في أنه عالم بعلم. ويباينها في أن علمه ذاته، فيكون علاما لا كالعالمين. فلم لا تقول: إنه جسم لا كالأجسام، وصورة لا كالصور، وله قدر لا كالأقدار، إلى غير ذلك؟
[ ١ / ١٨٥ ]
ووافقه زرارة بن أعين في حدوث علم الله تعالى، وزاد عليه بحدوث قدرته، وحياته، وسائر صفاته، وأنه لم يكن قبل حدوث هذه الصفات: عالما، ولا قادرا، ولا حيا، ولا سميعا، ولا بصيرا، ولا مريدا، ولا متكلما.
وكان يقول بإمامة عبد الله بن جعفر. فلما فاوضه في مسائل، ولم يجده بها مليا رجع إلى موسى بن جعفر، وقيل أيضا إنه لم يقل بإمامته إلا أنه أشار إلى المصحف وقال: هذا إمامي، وإنه كان قد التوى على عبد الله بن جعفر بعض الالتواء.
وحكى عن الزرارية أن المعرفة ضرورية. وأنه لا يسع جهل الأئمة. فإن معارفهم كلها فطرية ضرورية، وكل ما يعرفه غيرهم بالنظر فهو عندهم أولي ضروري، وفطرياتهم لا يدركها غيرهم.
"ط" النعمانية:
أصحاب محمد بن النعمان أبي جعفر الأحوال، الملقب بشيطان الطاق. وهم الشيطانية أيضا.
والشيعة تقول: هو مؤمن الطاق.
وهو تلميذ الباقر: محمد بن علي بن الحسين ﵃، وأفضى إليه أسرارا من أحواله وعلومه، وما يحكى عنه من التشبيه فهو غير صحيح.
قيل: وافق هشام بن الحكم في أن الله تعالى لا يعلم شيئا حتى يكون والتقدير عنده الإرادة، والإرادة فعله تعالى١.
_________________
(١) ١ لما كان الكلام هنا يحتاج إلى شيء قبله حتى يستقيم المعنى، فقد رجعت إلى جميع أصول الكتاب، فلم أجد شيئا غير هذا. وأخيرا وجدت صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ فتح الله بدران نقل نصا من كتاب "مقالات الإسلاميين" للأشعري جـ٢ ص٤٩٣ ط استانبول. وقال: لأن الأمانة العلمية في التخريج توجبه. ص ٤٠٥ ط الأزهر. وهأنذا أنقل النص للأمانة العلمية: قال محمد ابن النعمان: إن الله عالم في نفسه، ليس بجاهل؛ ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها، فأما من قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها، لا لأنه ليس بعالم؛ ولكن الشيء لا يكون شيئا حتى يقدره وبنشئه بالتقدير. والتقدير عنده الإرادة، والإرادة فعله تعالى. وفي "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري: ص ٤٩٣ ج٢ تحقيق هـ ريتر، طبع استامبول سنة ١٩٣٠ "وحكى أبو القاسم البلخي عن هشام بن الحكم أنه كان يقول: محال أن يكون الله لم يزل =
[ ١ / ١٨٦ ]
وقال إن الله تعالى نور على صورة إنسان رباني. ونفى أن يكون جسما لكنه قال: قد ورد في الخبر "إن الله خلق آدم على صورته" و"على صورة الرحمن"، فلا بد من تصديق الخبر. ويحكى عن مقاتل بن سليمان مثل مقالته في الصورة. وكذلك يحكى عن داود الجواربي، ونعيم بن حماد المصري وغيرهما من أصحاب الحديث أنه تعالى ذو صورة وأعضاء.
ويحكى عن داود أنه قال: اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك؛ فإن في الأخبار ما يثبت ذلك.
وقد صنف ابن النعمان كتبا جمة للشيعة منها: افعل، لم فعلت. ومنها: افعل، لا تفعل. ويذكر فيها أن كبار الفرق أربع: الفرقة الأولى عنده: القدرية، الفرقة الثانية عنده: الخوارج. الفرقة الثالثة عنده: العامة. الفرقة الرابعة عنده: الشيعة.
ثم عين الشيعة بالنجاة في الآخرة من هذه الفرق.
وذكر عن هشام بن سالم، ومحمد بن النعمان أنهما أمسكا عن الكلام في الله، ورويا عمن يوجبان تصديقه أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ١ قال: إذا بلغ الكلام إلى الله تعال فأمسكوا، فأمسكا عن القول في الله، والتفكر فيه حتى ماتا، هذا نقل الوراق.
_________________
(١) = عالما بنفسه، وأنه إنما يعلم الأشياء بعد أن لم يكن بها عالما، وأنه يعلمها بعلم، وأن العلم صفة له ليست هي هو، ولا غيره، ولا بعضه. ولا يجوز أن يقال في العلم إنه محدث أو قديم، لأنه صفة، والصفة عنده لا توصف. قال: ولو كان لم يزل عالما لكان المعلوم لم يزل، لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود. قال: ولو كان عالما بما يفعله عباده لم يصح المحنة والاجتبار" "وليس قول هشام في القدرة والحياة قوله في العلم إلا أنه لا يقول بحدوثهما، ولكنه يزعم أنهما صفتان لله؛ لا هما الله، ولا هما غيره، ولا هما بعضه. وإنما نفي أن يكون عالما لما ذكرناه. وحكى حاك أن قول هشام في القدرة كقوله في العلم". والطاق: بلد بسجستان، وحصن بطبرستان. وكل ما عطف من الأبنية فهو طاق. ١ النجم آية ٤٢.
[ ١ / ١٨٧ ]
ومن جملة الشيعة:
"ي" اليونسية:
أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي١ مولى آل يقطين. زعم أن الملائكة تحمل العرش، والعرش يحمل الرب تعالى، إذ قد ورد في الخبر: أن الملائكة تئط أحيانا من وطأة عظمة الله تعالى على العرش.
وهو من مشبهة الشيعة، وقد صنف لهم كتابا في ذلك.
"ك" النصيرية ٢، والإسحاقية:
من جملة غلاة الشيعة. ولهم جماعة ينصرون مذهبهم، ويذبون عن أصحاب مقالاتهم: وبينهم خلاف في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة من أهل البيت. قالوا: ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمر لا ينكره عاقل. أما في جانب الخير فكظهور جبريل ﵇ ببعض الأشخاص، والتصور بصورة أعرابي، والتمثل بصورة البشر. وأما في جانب الشر فكظهور الشيطان بصورة إنسان حتى يعمل الشر بصورته. وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلم بلسانه. فكذلك نقول: إن الله تعالى ظهر بصورة أشخاص.
_________________
(١) ١ توفي سنة ١٥٠ ويقال إنه رجع عن التشيع. قال عبد القاهر البغدادي ص٤٣ "وكان في الإمامة على مذهب القطعية الذين قطعوا بموت موسى بن جعفر. وأفرط يونس هذا في باب التشبيه، فزعم أن الله ﷿ يحمله حملة عرشه وهو أقوى منهم، كما أن الكرسي يحمله رجلاه وهو أقوى من رجليه". ٢ قال النوبختي في كتابه "فرق الشيعة" ص٧٨ "وقد شذت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته فقالت بنبوة رجل يقال له محمد ابن نصير النميري، وكان يدعي أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضا في أدبارهم ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل، وأنه أحد الشهوات والطيبات، وأن الله ﷿ لم يحرم شيئا من ذلك وكان يقوي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات".
[ ١ / ١٨٨ ]
ولما لم يكن بعد رسول الله ﷺ شخص أفضل من علي ﵁ وبعده أولاده المخصوصون؛ وهم خير البرية. فظهر الحق بصورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم. فعن هذا أطلقنا اسم الإلهية عليهم. وإنما أثبتنا هذا الاختصاص لعلي ﵁ دون غيره، لأنه كان مخصوصا بتأييد إلهي من عند الله تعالى فيما يتعلق بباطن الأسرار. قال النبي ﷺ: "أنا أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر" وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي ﷺ، وقتال المنافقين إلى علي ﵁. وعن هذا شبهه بعيسى ابن مريم ﵇. فقال النبي ﷺ: "لولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى ابن مريم ﵇ لقلت فيك مقالا".
وربما أثبتوا له شركة في الرسالة، إذ قال النبي ﵇: "فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله، ألا وهو خاصف النعل" فعلم التأويل، وقتال المنافقين ومكالمة الجن، وقلع باب خيبر، لا بقوة جسدانية، من أول الدليل على أن فيه جزءا إلهيا، وقوة ربانية. ويكون هو الذي ظهر الإله بصورته، وخلق بيديه، وأمر بلسانه. وعن هذا قالوا: كان موجودا قبل خلق السموات والأرض. قال: كنا أظلة عن يمين العرش، فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا، فتلك الظلال، وتلك الصور التي تنبئ عن الظلال: هي حقيقته. وهي مشرقة بنور الرب تعالى إشراقا لا ينفصل عنها، سواء كانت في هذا العالم، أو في ذلك العالم. وعلى هذا قال علي ﵁: أنا من أحمد كالضوء من الضوء. يعني لا فرق بين النورين إلا أن أحدهما سابق، والثاني لاحق به، تال له. قالوا: وهذا يدل على نوع من الشركة.
فالنصيرية أميل إلى تقرير الجزء الإلهي. والإسحاقية أميل إلى تقرير الشركة في النبوة.
ولهم اختلافات كثيرة أخرى لا نذكرها.
[ ١ / ١٨٩ ]
وقد نجزت الفرق الإسلامية، وما بقيت إلا فرقة الباطنية. وقد أوردهم أصحاب التصانيف في كتب المقالات، إما خارجة عن الفرق، وإما داخلة فيها. وبالجملة هم قوم يخالفون الاثنين والسبعين فرقة.
رجال الشيعة ومصنفو كتبهم من المحدثين
فمن الزيدية: أبو خالد الواسطي، ومنصور بن الأسود، وهارون بن سعد العجلي.
"جارودية":
ووكيع بن الجراح. ويحيى بن آدم، وعبيد الله بن موسى، وعلي بن صالح، والفضل ابن دكين، وأبو حنيفة.
"بترية":
وخرج محمد بن عجلان مع محمد الإمام:
وخرج إبراهيم بن سعيد، وعباد بن عوام، ويزيد بن هارون، والعلاء بن راشد، وهشيم بن بشير، والعوام بن حوشب، ومستلم بن سعيد مع إبراهيم الإمام.
ومن الإمامية وسائر أصناف الشيعة: سالم بن أبي الجعد، وسالم بن أبي حفصة، وسلمة بن كهيل، وثوير بن أبي فاختة، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو المقدام، وشعبة، والأعمش، وجابر الجعفي، وأبو عبد الله الجدلي، وأبو إسحاق السبيعي، والمغيرة، وطاووس والشعبي، وعلقمة، وهيبيرة بن بريم، وحبة العرني، والحارث الأعور.
ومن مؤلفي كتبهم: هشام بن الحكم. وعلي بن منصور، ويونس بن عبد الرحمن، والشكال، والفضل بن شاذان، والحسين بن إشكاب، ومحمد بن عبد الرحمن، وابن قبة، وأبو سهل النوبختي، وأحمد بن يحيى الرواندي.
ومن المتأخرين: أبو جعفر الطوسي.
[ ١ / ١٩٠ ]
٥- الإسماعيلية:
قد ذكرنا أن الإسماعيلية امتازت عن الموسوية وعن الاثنى عشرية بإثبات الإمامة لإسماعيل بن جعفر. وهو ابنه الأكبر المنصوص عليه في بدء الأمر.
قالوا: ولم يتزوج الصادق ﵁ على أمه بواحدة من النساء، ولا تسرى بجارية كسنة رسول الله ﷺ في حق خديجة ﵂، وكسنة علي ﵁ في حق فاطمة ﵂.
وقد ذكرنا اختلافاتهم في موته في حال حياة أبيه:
فمنهم من قال إنه مات، وإنما فائدة النص عليه انتقال الإمامة منه إلى أولاده خاصة كما نص موسى على هارون ﵉ ثم مات هارون في حال حياة أخيه. وإنما فائدة النص انتقال الإمامة منه إلى أولاده. فإن النص لا يرجع قهقرى. والقول بالبداء محال. ولا ينص الإمام على واحد من أولاده إلا بعد السماع من آبائه. والتعين لا يجوز على الإبهام والجهالة.
ومنهم من قال: إنه لم يمت، ولكنه أظهر موته تقية عليه حتى لا يقصد بالقتل. ولهذا القول دلالات: منها أن محمدا كان صغيرا، وهو أخوه لأمه؛ مضى إلى السرير الذي كان إسماعيل نائما عليه ورفع الملاءة فأبصره وقد فتح عينيه فعاد إلى أبيه مفزعا وقال: عاش أخي، عاش أخي. قال والده: إن أولاد الرسول ﵇ كذا تكون حالهم في الآخرة. قالوا: ومنها السبب في الإشهاد على موته وكتب المحضر عنه ولم نعهد ميتا سجل على موته. وعن هذا لما رفع إلى المنصور أن إسماعيل بن جعفر رؤي بالبصرة، وقد مر على مقعد فدعا له فبرئ بإذن الله تعالى، بعث المنصور إلى الصادق أن إسماعيل بن جعفر في الأحياء، وأنه رؤي بالبصرة، أنفذ السجل إليه، وعليه شهادة عامله بالمدينة.
[ ١ / ١٩١ ]
قالوا: وبعد إسماعيل محمد بن إسماعيل السابع التام. وإنما تم دور السبعة به. ثم ابتدئ منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرا، ويظهرون الدعاة جهرا.
قالوا: ولن تخلو الأرض قط من إمام حي قائم، إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور. فإذا كان الإمام ظاهرا جاز أن يكون حجته مستورا. وإذا كان الإمام مستورا فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين.
وقالوا: إن الأئمة تدور أحكامهم على سبعة سبعة كأيام الأسبوع، والسموات السبع، والكواكب السبعة. والنقباء تدور أحكامهم على اثني عشر.
قالوا: وعن هذا وقعت الشبهة للإمامية القطعية حيث قرروا عدد النقباء للأئمة.
ثم بعد الأئمة المستورين كان ظهور المهدي بالله، والقائم بأمر الله وأولادهم نصا بعد نص، على إمام بعد إمام.
ومن مذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية.
ولهم دعوة في كل زمان، ومقالة جديدة بكل لسان. فنذكر مقالاتهم القديمة ونذكر بعدها دعوة صاحب الدعوة الجديدة.
"أشهر ألقابهم":
وأشهر ألقابهم: الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا.
ولهم ألقاب كثيرة سوى هذه على لسان قوم قوم:
فبالعراق يسمون: الباطنية، والقرامطة، والمزدكية.
وبخراسان: التعليمية، والملحدة.
وهم يقولون نحن الإسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم، وهذا الشخص، ثم إن الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم
[ ١ / ١٩٢ ]
على هذا المنهاج. فقالوا في الباري تعالى: إنا لا نقول: هو موجود، ولا لا موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز.
وكذلك في جميع الصفات، فإن الإثبات الحقيقي يقتضي شركة بينة وبين سائر الموجودات في الجهة التي أطلقنا عليه، وذلك تشبيه. فلم يكن الحكم بالإثبات المطلق والنفي المطلق، بل هو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين، والحاكم بين المتضادين. ونقلوا في هذا نصا عن محمد بن علي الباقر أنه قال: "لما وهب العلم للعالمين قيل هو عالم، ولما وهب القدرة للقادرين قيل هو قادر. فهو عالم قادر بمعنى أنه وهب العلم والقدرة؛ لا بمعنى أنه قام به العلم والقدرة، أو وصف بالعلم والقدرة".
فقيل فيهم إنهم نفاة الصفات حقيقة، معطلة الذات عن جميع الصفات.
قالوا: وكذلك نقول في القدم: إنه ليس بقديم ولا محدث، بل القديم: أمره، وكلمته، والمحدث: خلقه وفطرته.
أبدع بالأمر العقل الأول الذي هو تام بالفعل، ثم بتوسطه أبدع النفس التالي الذي هو غير تام. ونسبة النفس إلى العقل إما نسبة النطفة إلى تمام الخلقة، والبياض إلى الطير وإما نسبة الولد إلى الوالد، والنتيجة إلى المنتج. وإما نسبة الأنثى إلى الذكر، والزوج إلى الزوج.
قالوا: ولما اشتاقت النفس إلى كمال العقل احتاجت إلى حركة من النقص إلى الكمال، واحتاجت إلى آلة الحركة، فحدثت الأفلاك السماوية وتحركت حركة دورية بتدبيرالنفس، وحدثت الطبائع البسيطة بعدها. وتحركت حركة استقامة بتدبير النفس أيضا، فتركبت المركبات من المعادن، والنبات، والحيوان، والإنسان. واتصلت النفوس الجزئية بالأبدان. وكان نوع الإنسان متميزا عن سائر الموجودات بالاستعداد الخاص لفيض تلك الأنوار، وكان عالمه في مقابلة العالم كله.
وفي العالم العلوي عقل، ونفس كلي، فوجب أن يكون في هذا العالم عقل مشخص هو كل. وحكمه حكم الشخص الكامل البالغ، ويسمونه الناطق، وهو النبي ونفس
[ ١ / ١٩٣ ]
مشخصة، وهو كل أيضا؛ وحكمه حكم الطفل الناقص المتوجه إلى الكمال، أو حكم النطفة المتوجهة إلى التمام، أو حكم الأنثى المزدوجة بالذكر، ويسمونه الأساس، وهو الوصي.
قالوا: وكما تحركت الأفلاك والطبائع بتحريك النفس والعقل، كذلك تحركت النفوس والأشخاص بالشرائع بتحريك النبي والوصي في كل زمان دائرا على سبعة سبعة حتى ينتهي إلى الدور الأخير، ويدخل زمان القيامة، وترتفع التكاليف، وتضمحل السنن والشرائع.
وإنما هذه الحركات الفلكية والسنن الشرعية لتبلغ النفس إلى حال كمالها. وكمالها بلوغها إلى درجة العقل واتحادها به، ووصولها إلى مرتبته فعلا؛ وذلك هو القيامة الكبرى، فتنحل تراكيب الأفلاك والعناصر والمركبات، وتنشق السماء وتتناثر الكواكب، وتبدل الأرض غير الأرض وتطوى السماء كطي السجل للكتاب المرقوم وفيه يحاسب الخلق ويتميزالخير عن الشر، والمطيع عن العاصي، وتتصل جزئيات الحق بالنفس الكلي، وجزئيات الباطل بالشيطان المضل المبطل. فمن وقت الحركة إلى وقت السكون هو المبدأ، ومن وقت السكون إلى ما لا نهاية له هو الكمال.
ثم قالوا: ما من فريضة وسنة وحكم من الأحكام الشرعية: من بيع وإجارة وهبة ونكاح وطلاق وجراح وقصاص ودية، إلا وله وزان من العالم: عددا في مقابلة عدد، وحكما في مطابقة حكم، فإن الشرائع عوالم روحانية أمرية. والعوالم شرائع جسمانية خلقية. وكذلك التركيبات في الحروف والكلمات على وزان التركيبات في الصور والأجسام، والحروف المفردة نسبتها إلى المركبات من الكلمات كالبسائط المجردة إلى المركبات من الأجسام. ولكل حرف وزان في العالم، وطبيعة يخصها، وتأثير من حيث تلك الخاصية في النفوس.
فعن هذا صارت العلوم المستفادة من الكلمات التعليمية غذاء للنفوس، كما صارت الأغذية المستفادة من الطبائع الخلقية غذاء للأبدان. وقد قدر الله تعالى أن يكون غذاء
[ ١ / ١٩٤ ]
كل موجود مما خلق منه. فعلى هذا الوزان صاروا إلى ذكرلا أعداد الكلمات والآيات، وأن التسمية مركبة من سبعة واثني عشر. وأن التهليل مركب م نأربع كلمات في إحدى الشهادتين، وثلاث كلمات في الشهادة الثانية. وسبع قطع في الأولى، وست في الثانية، واثني عشر حرفا في الأولى، واثني عشر حرفا في الثانية. وكذلك في كل آية أمكنهم استخراج ذلك مما لا يعمل العاقل فكرته فيه إلا ويعجز عن ذلك خوفا من مقابلته بضده. وهذه المقابلات كان طريقة أسلافهم؛ قد صنفوا فيها كتبا، ودعوا الناس إلى إمام في كل زمان يعرف موازنات هذه العلوم، ويهتدي إلى مدارج هذه الأوضاع والرسوم.
ثم إن أصحاب الدعوة الجديد تنكبوا هذه الطريقة حين أظهر الحسن بن محمد بن الصباح دعوته، وقصر على الإلزمات كلمته، واستظهر بالرجال، وتحصن بالقلاع.
وكان بدء صعوده على قلعة الموت في شهر شعبان سنة ثلاثة وثمانين وأربعمائة؛ وذلك بعد أن هاجر إلى بلاد إمامه. وتلقى منه كيفية الدعوى لأبناء زمانه. فعاد ودعا الناس أول دعوة إلى تعيين إمام صادق قائم في كل زمان. وتمييز الفرقة الناجية عن سائر الفرق بهذه النكتة وهي: أن لهم إماما، وليس لغيرهم إمام. وإنما تعود خلاصة كلامه بعد ترديد القول فيه عودا على بدء بالعربية والعجمية إلى هذا الحرف.
ونحن ننقل ما كتبه بالعجمية إلى العربية. ولا معاب على الناقل، والموقف من اتبع الحق، واجتنب الباطل، والله الموقف والمعين.
فنبدأ بالفصول الأربعة التي ابتدأ بها دعوته، وكتبها عجمية فعربتها.
الأول: قال: للمفتي في معرفة الله تعالى أحد قولين: إما أن يقول أعرف الباري تعالى بمجرد العقل والنظر من غير احتياج إلى تعليم معلم. وإما أن يقول: لا طريق إلى المعرفة مع العقل والنظر إلا بتعليم معلم. قال: ومن أفتى بالأول فليس له الإنكار على عقل غيره ونظره. فإنه متى أنكر فقد علم، والإنكار تعليم، ودليل على أن المنكر عليه محتاج إلى غيره. قال: والقسمان ضروريان؛ لأن الإنسان إذا أفتى بفتوى، أو قال قولا، فإما أن يعتقده من نفسه، أو من غيره.
[ ١ / ١٩٥ ]
هذا هو الفصل الأول، وهو كسر على أصحاب الرأي والعقل.
وذكر في الفصل الثاني: أنه إذا ثبت الاحتياج إلى معلم، أفيصلح كل معلم على الإطلاق، أم لا بد من معلم صادق؟ قال: ومن قال إنه يصلح كل معلم ما ساغ له الإنكار على معلم خصمه. وإذا أنكر فقد سلم أنه لا بد من معلم صادق معتمد.
قيل: وهذا كسر على أصحاب الحديث.
وذكر في الفصل الثالث: أنه إذا ثبت الاحتياج إلى معلم صادق، أفلا بد من معرفة المعلم أولا والظفر به، ثم التعلم منه؟ أم جاز التعلم من كل معلم من غير تعيين شخصه، وتبيين صدقه؟ والثاني رجوع إلى الأول. ومن لم يمكنه سلوك الطريق إلا بمقدم ورفيق، فالرفيق ثم الطريق، وهو كسر على الشيعة.
وذكر في الفصل الرابع: أن الناس فرقتان؛ فرقة قالت نحن نحتاج في معرفة الباري تعالى إلى معلم صادق، ويجب تعيينه وتشخيصه أولا، ثم التعلم منه. وفرقة أخذت في كل علم من معلم وغير معلم. وقد تبين بالمقدمات السابقة أن الحق مع الفرقة الأولى فرئيسهم يجب أن يكون رئيس المحقين. وإذ تبين أن الباطل مع الفرقة الثانية فرؤساؤهم يجب أن يكونوا رؤساء المبطلين.
قال: وهذه الطريقة هي التي عرفنا بها المحق بالحق معرفة مجملة: ثم نعرف بعد ذلك الحق بالمحق معرفة مفصلة حتى لا يلزم دوران المائل.
وإنما عني بالحق ههنا: الاحتياج، وبالمحق: المحتاج إليه. وقال: بالاحتياج عرفنا الإمام، وبالإمام عرفنا مقادير الاحتياج، كما بالجواز عرفنا الوجوب، أي واجب الوجود وبه عرفنا مقادير الجواز في الجائزات.
قال: والطريق إلى التوحيد كذلك، حذو القذة بالقذة.
ثم ذكر فصولا في تقرير مذهبه إما تمهيدا، وإما كسرا على المذاهب، وأكثرها كسر وإلزام واستدلال بالاختلاف على البطلان، وبالاتفاق على الحق.
[ ١ / ١٩٦ ]
منها فصل "الحق والباطل" الصغير، والكبير. يذكر أن في العالم حقا وباطلا. ثم يذكر أن علامة الحق هي الوحدة، وعلامة الباطل هي الكثرة. وأن الوحدة مع التعليم، والكثرة مع الرأي. والتعليم مع الجماعة، والجماعة مع الإمام. والرأي مع الفرق المختلفة، وهي مع رؤسائهم.
وجعل الحق والباطل، والتشابه بينهما من وجه، والتمايز بينهما من وجه، والتضاد في الطرفين، والترتيب في أحد الطرفين؛ ميزانا يزن به جميع ما يتكلم فيه.
قال: وإنما أنشأت هذا الميزان من كلمة الشهادة، وتركيبها من النفي والإثبات، أو النفي والاستثناء.
قال: فما هو مستحق النفي باطل، وما هو مستحق الإثبات حق. ووزن بذلك الخير والشر، والصدق والكذب، وسائر المتضادات. ونكتته أن يرجع في اكل مقالة وكلمة إلى إثبات المعلم، وأن التوحيد هو التوحيد والنبوة معا، حتى يكون توحيدا. وأن النبوة هي النبوة والإمامة معا حى كتون نبوة، وهذا هو منتهى كلامه.
وقد منع العوام عن الخوض في العلوم. وكذلك الخواص عن مطالعة الكتب المتقدمة إلا من عرف كيفية الحال في كل كتاب، ودرجة الرجال في كل علم.
ولم يتعد بأصحابه في الإلهيات عن قوله: إن إلهنا إله محمد. قال: وأنتم تقولون: إلهنا إله العقول، أي: ما هدي إليه عقل كل عاقل. فإن قيل لواحد منهم: ما تقول في الباري تعالى؟ وأنه هل هو واحد أم كثير؟ عالم أم لا؟ قادر أم لا؟ لم يجب إلا بهذا القدر: إن إلهي إله محمد و﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١.
والرسول هو الهادي إليه.
وكم قد ناظرت القوم على المقدمات المذكورة فلم يتخطوا عن قولهم: أفنحتاج إليك؟ أو نسمع هذا منك؟ أو نتعلم عنك؟
_________________
(١) ١ التوبة آية ٣٣.
[ ١ / ١٩٧ ]
وكم قد ساهلت القوم في الاحتياج، وقلت: أين المحتاج إليه؟ وأي شيء يقرر لي في الإلهيات؟ وماذا يرسم لي في المعقولات؟ إذ المعلم لا يعني لعينه، وإنما يعني ليعلم. وقد سددتم باب العلم، وفتحتم باب التسليم والتقليل، وليس يرضى عاقل بأن يعتقد مذهبا على غير بصيرة، وان يسلك طريقا من غير بينة.
وإن كانت مبادئ الكلام تحكيمات، وعواقبها تسليمات ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ النساء آية ٦٥.
[ ١ / ١٩٨ ]
فهرس الجزء الأول من كتاب الملل والنحل
فهرس: كتاب الملل والنحل
الموضوع صفحة
مقدمة: تعريف بكتاب الملل والنحل.. تعريف بالمؤلف ٣
مقدمة المؤلف ٩
المقدمة الأولى: في بيان تقسيم أهل العالم جملة مرسلة ١٠
المقدمة الثانية: في تعيين قانون يبني عليه تعديد الفرق الإسلامية ١٢
كبار الفرق الإسلامية أربع ١٣
المقدمة الثالثة: في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة إلخ ١٤
المقدمة الرابعة: في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية إلخ ١٩
المقدمة الخامسة: في السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب إلخ ٣٢
مذاهب أهل العالم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل ٣٦
تمهيد: أرباب الديانات والملل من المسلمين، وأهل الكتاب، ومن له شبهة كتاب ٣٧
الباب الأول: المسلمون ٤٠
١- الإسلام، والإيمان، والإحسان ٤٠
٢- أهل الأصول ٤١
٣- المعتزلة وغيرهم من الجبرية، والصفاتية، والمختلطة منهم ٤٣
الفصل الأول: المعتزلة ٤٣
١- الواصلية ٤٦
٢- الهذيلية ٤٩
٣- النظامية ٥٣
٤- الخابطية والحدثية ٦٠
٥- البشرية ٦٤
٦- المعمرية ٦٥
٧- المردارية ٦٨
٨- الثمامية ٧٠
[ ١ / ١٩٩ ]
الموضوع صفحة
٩- الهشامية ٧٢
١٠- الجاحظية ٧٥
١١- الخياطية والكعبية ٧٦
١٢- الجبائية والبهشمية ٧٨
الفصل الثاني: الجبرية ٨٥
١- الجهمية ٨٦
٢- النجارية ٨٨
٣- الضرارية ٩٠
الفصل الثالث: الصفاتية ٩٢
١- الأشعرية ٩٤
٢- المشبهة ١٠٣
٣ الكرامية ١٠٨
الفصل الرابع: ١١٤
الخوارج، والمرجئة، والوعيدية ١١٤
أول الخوارج، وكبار فرقهم ١١٤
١- المحكمة الأولى ١١٥
٢- الأزارقة ١١٨
٣- النجدات العاذرية ١٢٢
٤- البيهيسية ١٢٥
٥- العجاردة ١٢٨
٦- الثعالبة ١٣١
"أ" الأخنسية ١٣٢
"ب" المعبدية ١٣٢
"جـ" الرشيدية ١٣٢
"د" الشيبانية ١٣٢
"هـ" المكرمية ١٣٣
"و" المعلومية، والمجهولية ١٣٣
"ز" البدعية ١٣٤
[ ١ / ٢٠٠ ]
الموضوع صفحة
٧- الإباضية ١٣٤
"أ" الحفصية ١٣٥
"ب" الحارثية ١٣٦
"جـ" اليزيدية ١٣٦
٨- الصفرية الزيادية ١٣٧
رجال الخوارج ١٣٧
الفصل الخامس: المرجئة ١٣٩
معنى الإرجاء، وأصناف المرجئة ١٣٩
١- اليونسية ١٤٠
٢- العبيدية ١٤٠
٣- الغسانية ١٤١
٤- الثوبانية ١٤٢
٥- التومنية ١٤٤
٦- الصالحية ١٤٥
رجال المرجئة ١٤٦
الفصل السادس: الشيعة ١٤٦
آراء الشيعة في الإمامة، وفرقهم ١٤٦
١- الكيسانية ١٤٧
"أ" المختارية ١٤٧
"ب" الهاشمية ١٥٠
"جـ" البيانية ١٥٢
"د" الرزامية ١٥٣
٢- الزيدية ١٥٤
"أ" الجارودية ١٥٧
"ب" السليمانية ١٥٩
"جـ" الصالحية والبشرية ١٦١
رجال الزيدية ١٦٢
[ ١ / ٢٠١ ]
الموضوع صفحة
٣- الإمامية ١٦٢
"أ" الباقرية، والجعفرية الواقفة ١٦٥
"ب" الناووسية ١٦٦
"جـ" الأقطحية ١٦٧
"د" الشمطية ١٦٧
"هـ" الإسماعيلية الواقفة ١٦٧
"و" الموسوية، والمفضلية ١٦٨
"ز" الاثنا عشرية ١٦٩
٤- الغالية ١٧٣
"أ" السبائية ١٧٤
"ب" الكاملية ١٧٤
"جـ" العلبائية ١٧٥
"د" المغيرية ١٧٦
"هـ" المنصورية ١٧٨
"و" الخطابية ١٧٩
"ز" الكيالية ١٨١
"ح" الهشامية ١٨٤
"ط" النعمانية ١٨٦
"ي" اليونسية ١٨٨
"ك" النصيرية والإسحاقية ١٨٨
رجال الشيعة ومصنفو كتبهم من المحدثين ١٩٠
٥- الإسماعيلية ١٩١
أشهر ألقابهم ١٩٢
[ ١ / ٢٠٢ ]