تابع باب المسلمون
الفصل السابع: أهل الفروع
مدخل
الفصل السابع: أهل الفروع المختلفون في الأحكام الشرعية والاجتهادية
"أ" اعلم أن أصول الإجتهاد وأركانه أربعة:
الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. وربما تعود إلى اثنين.
وإنما تلقوا صحة هذه الأركان؛ وانحصارها: من إجماع الصحابة ﵃، وتلقوا أصل الإجتهاد والقياس وجوزوا منهم أيضًا؛ فإن العلم قد حصل بالتواتر أنهم إذا وقعت حادثة شرعية؛ من حلال، أو حرام: فزعوا إلى الإجتهاد، وابتدءوا بكتاب الله تعالى؛ فإن وجدوا فيه نصا أو ظاهرًا؛ تمسكوا به، وأجروا حكم الحادثة على مقتضاه؛ وإن لم يجدوا فيه نصًا أو ظاهرًا: فزعوا إلى السنة؛ فإن روى لهم في ذلك خبر أخذوا به، ونزلوا على حكمه؛ وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد. فكانت أركان الاجتهاد عندهم: اثنين، أو ثلاثة؛ ولنا بعدهم: أربعة؛ إذ وجب علينا: الأخذ بمقتضى إجماعهم واتفاقهم، والجرى على مناهج اجتهادهم.
وربما كان إجماعهم على حادثة إجماعًا اجتهاديًا، وربما كان إجماعًا مطلقًا لم يصرح فيه باجتهاد؛ وعل الوجهين جميعًا: فالإجماع حجة شرعية؛ لإجماعهم على التمسك بالإجماع على التمسك بالإجماع. ونحن نعلم: أن الصحابة ﵃، الذين هم الأئمة الراشدون: لا يجتمعون على ضلال؛ وقد قال النبي صلى الله عليع وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
ولكن الإجماع لا يخلو عن نص خفي أو جلى: قد اختصه؛ لأنا على القطع نعلم أن الصدر الأول لا يجتمعون على أمر إلا عن تثبت، وتوقيف؛ فإما أن يكون ذلك النص
[ ٢ / ٣ ]
في نفس الحادثة التي اتفقوا على حكمها؛ من غير بيان ما يستند إليه حكمها، وإما أن يكون النص في أن الإجماع حجة، ومخالفة الإجماع بدعة.
وبالجملة: مستند الإجماع نص خفي أو جلي لا محالة؛ وإلا فيؤدي إلى إثبات الأحكام المرسلة. ومستند الاجتهاد والقياس هو: الإجماع وهو أيضًا مستند إلى نص مخصوص في جواز الاجتهاد. فرجعت الأصول الأربعة في الحقيقة إلى اثنتين، وربما ترجع إلى واحد؛ وهو قول الله تعالى.
وبالجملة: نعلم قطعًا ويقينًا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات: مما لا يقبل الحصر والعد؛ ونعلم قطعًا أيضًا أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضًا؛ والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية؛ وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعًا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار؛ حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد.
ثم لا يجوز أن يكون الاجتهاد مرسلًا: خارجًا عن ضبط الشرع؛ فإن القياس المرسل شرع آخر، وإثبات حكم من غير مستند وضع آخر، والشارع هو الواضع للأحكام؛ فيجب على المجتهد أن لا يعدل في اجتهاده عن هذه الأركان.
"ب" وشرائط الاجتهاد خمسة:
١- معرفة قدر صالح من اللغة؛ بحيث يمكنه فهم لغات العرب؛ والتمييز بين الألفاظ الوضعية والاستعارية، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفصل، وفحوى الخطاب، ومفهوم الكلام، ومايدل على مفهومه بالمطابقة، وما يدل بالتضمن، وما يدل بالاستتباع؛ فإن هذه المعرفة كالآلة التي بها يحصل الشيء؛ ومن لم يحكم الآلة والأداة لم يصل إلى تمام الصنعة.
٢- ثم معرفة تفسير القرآن؛ خصوصًا ما يتعلق بالأحكام، وما ورد من الأخبار في
[ ٢ / ٤ ]
معاني الآيات، وما رؤى من الصحابة المعتبرين: كيف سلكوا مناهجها؟ وأي معنى فهموا من مدارجها؟ ولو جهل تفسير سائر الآيات التي تتعلق بالمواعظ والقصص قيل: لم يضره ذلك في الاجتهاد؛ فإن من الصحابة من كان لا يدري تلك المواعظ، ولم يتعلم بعد جميع القرآن؛ وكان من أهل الاجتهاد.
٣- ثم معرفة الأخبار: بمتونها، وأسانيدها؛ والإحاطة بأحوال النقلة، والرواة: عدولها، وثقاتها، ومطعونها، ومردودها؛ والإحاطة بالوقائع الخاصة فيها، وما هو عام ورد في حادثة خاصة، وما هو خاص عمم في الكل حكمه. ثم الفرق بين: الواجب، والندب، والإباحة، والحظر، والكراهة؛ حتى لا يشذ عنه وجه من هذه الوجوه، ولا يختلط عليه باب بباب.
٤- ثم معرفة مواقع إجماع الصحابة، والتابعين، وتابع التابعين من السلف الصالحين؛ حتى لا يقع اجتهاده في مخالفة الإجماع.
٥- ثم التهدي١ إلى مواضع الأقيسة، وكيفية النظر والتردد فيها: من طلب أصل أولًا، ثم طلب معنى مخيل يستنبط منه؛ فيعلق الحكم عليه، أو شبه يغلب على الظن، فيلحق الحكم به.
فهذه: خمس شرائط، لابد من مراعاتها؛ حتى يكون المجتهد مجتهدًا واجب الاتباع والتقليد في حق العامي، وإلا؛ فكل حكم لم يستند إلى قياس واجتهاد مثل ما ذكرنا؛ فهو مرسل مهمل.
قالوا: فإذا حصل المجتهد هذه المعارف: ساغ له الاجتهاد، ويكون الحكم الذي أدى إليه اجتهاده سائغًا في الشرع، ووجب على العامي تقليده، والأخذ بفتواه. وقد استفاض٢ الخبر عن النبي ﷺ أنه لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: "يا معاذ! بم تح كم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن
_________________
(١) ١ التهدي: الاسترشاد. ٢ استفاض الخبر: شاع وانتشر.
[ ٢ / ٥ ]
لم تجد؟ قال: أجتهد برأيي. فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضاه".
وقد روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لما بعثني رسول الله ﷺ قاضيًا إلى اليمن، قلت: يا رسول الله! كيف أقضي بين الناس وأنا حدث السن؛ فضرب رسول الله ﷺ بيده على صدري، وقال: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه؛ فما شككت بعد ذلك في قضاء بين اثنين".
[ ٢ / ٦ ]
١- أحكام المجتهدين في الأصول والفروع:
ثم اختلف أهل الأصول في تصويب المجتهدين في الأصول والفروع.
فعامة أهل الأصول على أن الناظر في المسائل الأصولية، والأحكام العقلية اليقينية القطعية: يجب أن يكون متعين الإصابة؛ فالمصيب فيها واحد بعينه. ولا يجوز أن يختلف المختلفان في حكم عقلي حقيقة الإختلاف: بالنفي والإثبات، على شرط التقابل المذكور؛ بحيث ينفي أحدهما ما يثبته الآخر بعينه، من الوجه الذي يثبته، في الوقت الذي يثبته إلا وأن يقتسما: الصدق والكذب، والحق والباطل؛ سواء كان الاختلاف: بين أهل الأصول في الإسلام، أو بين أهل الإسلام وبين أهل الملل والنحل الخارجة عن الإسلام؛ فإن المختلف فيه لا يحتمل توارد الصدق والكذب، والصواب والخطإ عليه في حالة واحدة. وهو مثل قول أحد المخبرين: زيد في هذه الدار في هذه الساعة؛ وقول الثاني: ليس زيد في هذه ال الدار في هذه الدار في هذه الساعة. فإنا نعلم قطعًا أن أحد المخبرين صادق، والآخر كاذب؛ لأن المخبر عنه لا يحتمل اجتماع الحالتين فيه معًا؛ فيكون زيد في الدار، ولا يكون في الدار.
لعمري! قد يختلف المختلفان في حكم عقلي في مسألة، ويكون محل الاختلاف مشتركًا، وشرط القضيتين نافذًا؛ فحينئذ يمكن أن يصوب المتنازعان؛ ويرتفع النزاع بينهما برفع الاشتراك، أو يعود النزاع إلى أحد الطرفين.
[ ٢ / ٦ ]
مثال ذلك: المختلفان في مسالة الكلام؛ ليسا يتواردان على معنى واحد بالنفي والإثبات فإن الذي قال: هو مخلوق، أراد به: أن الكلام هو الحروف والأصوات في اللسان، والرقوم والكلمات في الكتابة؛ قال: وهذا مخلوق. والذي قال: ليس بمخلوق، لم يرد به الحروف والرقوم، وإنما أراد به معنى آخر؛ فلم يتواردا بالتنازع في الخلق على معنى واحد.
وكذلك في مسألة الرؤية فإن النافي قال: الرؤية إنما هي: اتصال شعاع بالمرئي، وهو لا يجوز في حق الباري تعالى. فلم يتوارد النفي والإثبات على معنى واحد؛ ألا إذا رجع الكلام إلى إثبات حقيقة الرؤية فيتفقان أولًا على أنها ما هي؟ ثم يتكلمان: نفيًا وإثباتًا.
وكذلك في مسألة الكلام يرجعان إلى إثبات ماهية الكلام، ثم يتكلمان نفيًا، وإثباتا؛ وإلا فيمكن أن تصدق القضيتان.
وقد صار أبو الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد ناظر في الأصول مصيب؛ لأنه أدى ما كلف به من المبالغة في تسديد النظر في المنظور فيه، وإن كان متعينًا: نفيًا، وإثباتًا؛ إلا أنه أصاب من وجه. وإنما ذكر هذا في الإسلاميين من الفرق، وأما الخارجون عن الملة فقد تقررت النصوص والغجماع على كفرهم، وخطئهم. وكان سياق مذهبه يقتضي تصويب كل مجتهد على الإطلاق. إلا أن النصوص والإجماع صدته عن تصويب كل ناظر، وتصديق كل قائل.
وللأصوليين خلاف في تكفير أهل الأهواء، مع قطعهم بأن المصيب واحد بعينه؛ لأن التفكير: حكم شرعي، والتصويب: حكم عقلي؛ فمن مبالغ متعصب لمذهبه: كفر وضلل مخالفه، ومن متسائل متألف: لم يكفر.
[ ٢ / ٧ ]
ومن كفر: قرن كل مذهب ومقالة واحد من أهل الأهواء والملل؛ كتقرين القدرية بالمجوس، وتقرين المشبهة باليهود، وتقرين الرافضة بالنصارى؛ وأجرى حكم هؤلاء فيهم من المناكحة وأكل الذبيحة.
ومن تساهل ولم يكفر: قضى بالتضليل، وحكم بأنهم هلكى في الآخرة.
واختلفوا في اللعن على حسب اختلافهم في التكفير والتضليل.
وكذلك من خرج على الإمام الحق بغيًا وعدوانًا؛ فإن كان صدر خروجه: عن تأول وإجتهاد، سمي باغيًا مخطئًا. ثم البغي: هل يوجب اللعن؟
فعند أهل السنة: إذا لم يخرج بالبغي عن الإيمان؛ لم يستوجب اللعن.
وعند المعتزلة: يستحق اللعن بحكم فسقه؛ والفاسق خارج عن الإيمان. وإن كان صدر خروجه عن البغي، والحسد، والمروق عن الدين فإجماع المسلمين؛ استحق: اللعن باللسان، والقتل بالسيف والسنان.
وأما المجتهدون في الفروع؛ فاختلفوا في الأحكام الشرعية: من الحلال والحرام؛ ومواقع الاختلاف مظان غلبات الظنون؛ بحيث يمكن تصويب كل مجتهد فيها. وإنما يبتني ذلك على أصل؛ وهو أنا نبحث: هل لله تعالى حكم في كل حادثة أم لا؟
فمن الأصوليين من صار إلى أن لا حكم لله تعالى في الوقائع المجتهد فيها حكمًا بعينه قبل الإجتهاد: من جواز، وحظر، وحلال، وحرام؛ وإنما حكمه تعالى: ما أدى إليه اجتهاد المجتهد؛ وأن هذا الحكم منوط بهذا السبب، فما لم يوجد السبب لم يثبت الحكم، خصوصًا على مذهب من قال: إن الجواز والحظر لا يرجعان إلى صفات
[ ٢ / ٨ ]
في الذات؛ وإنما هي راجعة إلى أقوال الشارع: افعل، لا تفعل. وعلى هذا المذهب كل مجتهد مصيب في الحكم.
ومن الأصوليين من صار إلى أن لله تعالى في كل حادثة حكمًا بعينه؛ قبل الاجتهاد: من جواز وحظر؛ بل وفي كل حركة يتحرك بها الإنسان حكم تكليف من تحليل وتحريم؛ وإنما يرتاده١ المجتهد بالطلب والاجتهاد؛ إذ الطلب لا بد له من مطلوب، والاجتهاد يجب أن يكون من شيء إلى شيء، فالطلب المرسل لا يعقل. ولهذا يتردد المجتهد بين النصوص والظاوهر والعمومات، وبين المسائل المجمع عليها؛ فيطلب الرابطة المعنوية، أو التقريب من حيث الأحكام والصور؛ حتى يثبت في المجتهد فيه مثل ما يلقيه في المتفق عليه. ولو لم يكن له مطلوب معين: كيف يصح منه الطلب على هذا الوجه؟ فعلى هذا المذهب: المصيب واحد من المجتهدين في الحكم المطلوب؛ وإن كان الثاني معذورًا نوع عذر؛ إذ لم يقصر في الاجتهاد.
ثم: هل يتعين المصيب، أم لا؟ فأكثرهم على أنه لا يتعين؛ فالمصيب واحد لا بعينه.
ومن الأصوليين من فصل الأمر فيه؛ فقال: ينظر في المجتهد فيه، فإن كانت مخالفة النص ظاهرة في واحد من المجتهدين، فهو المخطئ بعينه، خطأ لا يبلغ تضليلا، والمتمسك بالخبر الصحيح والنص الظاهر مصيب بعينه. وإن لم تكن مخالفة النص ظاهرة: فلم يكن مخطئا بعينه؛ بل كل واحد منهما مصيب في اجتهاده، وأحدهما مصيب في الحكم لا بعينه.
هذه جملة كافية في أحكام المجتهدين في نوعي: الأصول، والفروع. والمسألة مشكلة، والقضية معضلة.
_________________
(١) ١ ارتاد الرجل الشيء: طلبه.
[ ٢ / ٩ ]
٢- حكم الاجتهاد والتقليد، والمجتهد والمقلد:
ثم الاجتهاد من فروض الكفايات، لا من فروض الأعيان: إذا اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع، وإن قصر فيه أهل عصر: عصوا بتركه، وأشرفوا على خطر عظيم؛ فإن الأحكام الشرعية الاجتهادية، إذا كانت مترتبة على الاجتهاد، ترتب المسبب على السبب: كانت الأحكام عاطلة، والآراء كلها فائلة١. فلا بد إذن من مجتهد.
وإذا اجتهد المجتهدان، وأدى اجتهاد كل واحد منهما إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر؛ فلا يجوز لأحدهما تقليد الآخر. وكذلك إذا اجتهد مجتهد واحد في حادثة، وأدى اجتهاده إلى جواز أو خطر، ثم حدثت تلك الحادثة بعينها، في وقت آخر؛ فلا يجوز له أن يأخذ باجتهاده الأول؛ إذ يجوز أن يبدو له في الاجتهاد الثاني ما أغفله في الاجتهاد الأول.
وأما العامي؛ فيجب عليه تقليد المجتهد، وإنما مذهبه فيما يسأله: مذهب من يسأله عنه. هذا هو الأصل؛ إلا أن علماء الفريقين: لم يجوزوا أن يأخذ العامي الحنفي إلا بمذهب أبي حنيفة، والعامي الشافعي إلا بمذهب الشافعي؛ لأن الحكم بأن لا مذهب للعامي، وأن مذهبه مذهب المفتي: يؤدي إلى خلط، وخبط؛ فلهذا لم يجوزوا ذلك.
وإذا كان مجتهدان في بلد: اجتهد العامي فيهما، حتى يختار الأفضل والأروع، ويأخذ بفتواه. وإذا أفتى المفتي على مذهبه، وحكم به قاض من القضاة على مقتضى فتواه ثبت الحكم على المذاهب كلها؛ وكان القضاء إذا اتصل بالفتوى ألزم الحكم؛ كالقبض مثلًا إذا اتصل بالعقد. ثم العامي بأي شيء يعرف أن المجتهد قد وصل إلى حد الاجتهاد؟ وكذلك المجتهد نفسه متى يعرف أنه استكمل شرائط الاجتهاد؟ ففيه نظر.
_________________
(١) ١ قال رأيه يفيل فيلة وفيلولة: أخطأ وضعف.
[ ٢ / ١٠ ]
ومن أصحاب الظاهر؛ مثل: داود الأصفهاني، وغيره: من لم يجوز القياس والاجتهاد في الأحكام؛ وقال: الأصول هي: الكتاب والسنة، والإجماع فقط؛ ومنع أن يكون القياس أصلًا من الأصول، وقال: إن أول من قاس إبليس، وظن أن القياس أمر خارج عن مضمون الكتاب والسنة. ولم يدر أنه: طلب حكم الشرع، من مناهج الشرع؛ ولم تنضبط قط شريعة من الشرائع إلا باقتران الاجتهاد بها؛ لأن من ضرورة الانتشار في العالم: الحكم بأن الاجتهاد معتبر. وقد رأينا الصحابة ﵃: كيف اجتهدوا، وكم قاسوا؛ خصوصًا في مسائل المواريث: من توريث الإخوة مع الجد، وكيفية توريث الكلالة؛ وذلك مما لا يخفى على المتدبر لأحوالهم.
[ ٢ / ١١ ]
٣- أصناف المجتهدين:
ثم المجتهدون من أئمة الأمة: محصورون في صنفين؛ لا يعدوان إلى ثالث
أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي:
أصحاب الحديث:
وهم أهل الحجاز؛ هم: أصحاب مالك بن أنس، وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي، وأصحاب سفيان الثوري، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأصحاب داود بن علي بن محمد الأصفهاني. وإنما سموا: أصحاب الحديث؛ لأن عنايتهم: بتحصيل الأحاديث، ونقل الأخبار، وبناء الأحكام على النصوص؛ ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا: خبرًا، أو أثرًا.
وقد قال الشافعي: إذا وجدتم لي مذهبًا، ووجدتم خبرًاعلى خلاف مذهبي؛ فاعلموا أن مذهبي: ذلك الخبر. ومن أصحابه: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، وحرملة بن يحيى التجيبي، والربيع بن سليمان المرادي، وأبو يعقوب البويطي، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، ومحمد بن عبد الله
[ ٢ / ١١ ]
بن عبد الحكم المصري، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي. وهم لا يزيدون على اجتهاده اجتهادًا؛ بل يتصرفون فيما نقل عنه: توجيهًا؛ واستنباطًا، ويصدرون عن رأيه جملة؛ فلا يخالفونه ألبتة.
أصحاب الرأي:
وهم أهل العراق هم: أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت. ومن أصحابه: محمد بن الحسن، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن محمد القاضي، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وابن سماعة، وعافية القاضي، وأبو مطيع البلخي، وبشر المريسي.
وإنما سموا أصحاب الرأي؛ لأن أكثر عنايتهم: بتحصيل وجه القياس، والمعنى المستنبط من الأحكام، وبناء الحوادث عليها؛ وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار. وقد قال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه؛ فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى، ولنا ما رأينا.
وهؤلاء ربما يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، ويخالفونه في الحكم الاجتهادي. والمسائل التي خالفوه فيها معروفة.
تفرقة وتذكرة:
إعلم أن بين الفريقين اختلافات كثيرة في الفروع، ولهم فيها تصانيف، وعليها مناظرات؛ وقد بلغت النهاية في مناهج الظنون؛ حتى كأنهم؛ قد أشرفوا على القطع واليقين. وليس يلزم من ذلك تكفير، ولا تضليل؛ بل كل مجتهد مصيب كما ذكرنا قبل هذا.
[ ٢ / ١٢ ]
الباب الثاني: أهل الكتاب
مدخل
الباب الثاني: أهل الكتاب
الخارجون عن الملة الحنيفية، والشريعة الإسلامية؛ ممن يقول بشريعة وأحكام، وحدود وأعلام. وهم قد انقسموا
إلى من له كتاب محقق؛ مثل التوراة، والإنجيل؛ وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب.
وإلى من له شبهة كتاب؛ مثل: المجوس، والمانوية. فإن الصحف التي أنزلت على إبراهيم ﵇ قد رفعت إلى السماء؛ لأحداث أحدثها المجوس، ولهذا يجوز عقد العهد والذمام معهم، وينحى بهم نحو اليهود والنصارى؛ إذ هم من أهل الكتاب؛ ولكن لا يجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم؛ فإن الكتاب قد رفع عنهم.
فنحن: نقدم ذكر أهل الكتاب؛ لتقدمهم بالكتاب. ونؤخر ذكر من له شبهة كتاب.
أهل الكتاب والأميون:
الفرقتان المتقابلتان قبل المبعث هم: أهل الكتاب والأميون؛ والأمي من لا يعرف الكتابة. وكانت اليهود والنصارى بالمدينة؛ والأميون بمكة.
وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط١، ويذهبون مذهب بني إسرائيل؛ والأميون كانوا ينصرون دين القبائل، ويذهبون مذهب بني إسماعيل. ولما انشعب النور الوارد من آدم ﵇ إلى إبراهيم ﵇، ثم الصادر عنه إلى شعبتين: شعبة في بني إسرائيل، وشعبة في بني إسماعيل. وكان النور المنحدر منه إلى بني إسرائيل
_________________
(١) ١ الأسباط: جمع سبط، وهو الفريق من اليهود؛ يقال للعرب قبائل ولليهود أسباط.
[ ٢ / ١٣ ]
ظاهرًا، والنور المنحدر منه إلى بني إسماعيل مخفيًا، كان يستدل على النور الظاهر بظهور الأشخاص. وإظهار النبوة في شخص؛ ويستدل على النور المخفي بإبانة المناسك والعلامات وستر الحال في الأشخاص.
وقبلة الفرقة الأولى: بيت المقدس، وقبلة الفرقة الثانية: بيت الله الحرام؛ الذي وضع للناس بمكة مباركًا وهدى للعالمين. وشريعة الأولى: ظواهر الأحكام، وشريعة الثانية: رعاية المشاعر الحرام. وخصماء الفريق الأول: الكافرون مثل فرعون وهامان. وخصماء الفريق الثاني: المشركون؛ مثل عبدة الأصنام والأوثان. فتقابل الفريقان؛ وصح التقسيم بهذين التقابلين.
اليهود والنصارى:
وهاتان الأمتان من كبار أهل الكتاب. والأمة اليهودية أكبر؛ لأن الشريعة كانت لموسى ﵇، وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين بذلك، مكلفين بالتزام أحكام التوراة.
والإنجيل النازل على المسيح ﵇ لا يتضمن أحكامًا، ولا يستبطن حلالًا ولا حرامًا؛ ولكنه: رموز، وأمثال، ومواعظ، ومزاجر؛ وما سواها من الشرائع والأحكام فمحالة على التوراة، كما سنبين؛ فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ابن مريم ﵇، وادعوا عليه أنه كان مأمورًا بمتابعة موسى ﵇، وموافقة التوراة، فغير وبدل. وعدوا عليه تلك التغييرات، منها: تغيير السبت إلى الأحد. ومنها تغيير أكل لحم الخنزير، وكان حرامًا في التوراة؛ ومنها: الختان، والغسل، وغير ذلك.
والمسلمون قد بينوا أن الأمتين: قد بدلوا، وحرفوا؛ وإلا فعيسى ﵇ كان مقررًا لما جاء به موسى ﵇؛ وكلاهما مبشران بمقدم نبينا محمد نبي الرحمة صلوات الله
[ ٢ / ١٤ ]
عليهم أجمعين. وقد أمرهم أئمتهم وأنبياؤهم وكتابهم بذلك. وإنما بنى أسلافهم الحصون والقلاع بقرب المدينة لنصرة رسول الله ﷺ نبي آخر الزمان. فأمروهم بمهاجرة أوطانهم بالشام إلى تلك القلاع والبقاع، حتى إذا ظهر، وأعلن الحق بفاران١، وهاجر إلى دار هجرته يثرب هجروه، وتركوا نصره. وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
وإنما الخلاف بين اليهود والنصارى ما كان يرتفع إلا بحكمه؛ إذ كانت اليهود تقول: ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ ٣ وكانت النصارى تقول: ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ٤، وكان النبي ﷺ يقول لهم: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾ ٥، وما كان يمكنهم إقامتها إلا بإقامة القرآن الحكيم؛ وبحكم نبي الرحمة رسول آخر الزمان؛ فلما أبوا ذلك، وكفروا بآيات الله ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ﴾ ٦ الآية.
_________________
(١) ١ فاران: جبال بالحجاز، كانت مظهر النبي محمد ﷺ. ٢ البقرة آية ٨٩. ٣، ٤ البقرة آية ١١٣. ٥ المائدة آية ٦٨. ٦ البقرة آية ٦١.
[ ٢ / ١٥ ]
الفصل الأول: اليهود خاصة
مدخل
الفصل الأول: اليهود خاصة
هاد الرجل: أي رجع وتاب؛ وإنما لزمهم هذا الاسم؛ لقول موسى ﵇: - ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْك﴾ - أي رجعنا وتضرعنا.
وهم أمة موسى ﵇، وكتابهم التوراة، وهو أول كتاب نزل من السماء؛ أعني أن ما كان ينزل على إبراهيم وغيره من الأنبياء ﵈ ما كان يسمى كتابًا،
[ ٢ / ١٥ ]
بل صحفًا. وقد ورد الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده" فأثبت لها اختصاصًا آخر سوى سائر الكتب. وقد اشتمل ذلك على أسفار. فيذكر مبتدأ الخلق في السفر الأول. ثم يذكر الأحكام، والحدود، والأحوال، والقصص، والمواعظ، والأذكار في سفر سفر.
وأنزل عليه أيضًا الألواح على شبه مختصر ما في التوراة؛ تشتمل على الأقسام العلمية والعملية. قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ ١ إشارة إلى تمام القسم العلمي ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ إشارة إلى تمام القسم العملي.
قالوا: وكان موسى ﵇ قد أفضى بأسرار التوراة والألواح إلى يوشع بن نون وصيه وفتاه والقائم بالأمر من بعده ليفضي بها إلى أولاد هارون، لأن الأمر كان مشتركًا بينه وبين أخيه هارون ﵉؛ إذ قال تعالى حكاية عن موسى ﵇ في دعائه حين أوحى إليه أولًا: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ٣، وكان هو الوصي. فلما مات هارون في حال حياة موسى: انتقلت الوصية إلى يوشع بن نون وديعة؛ ليوصلها إلى شبير وشبر ابني هارون قرارًا. وذلك أن الوصية والإمامة بعضها مستقر، وبعضها مستودع.
واليهود تدعي أن الشريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى ﵇ وتمت به؛ فلم تكن قبله شريعة، إلا حدود عقلية، وأحكام مصلحية.
ولا يجيزوا النسخ أصلًا. قالوا: فلا يكون بعد شريعة أصلًا؛ لأن النسخ في الأوامر بداء ولا يجوز البداء على الله تعالى.
ومسائلهم تدور على جواز النسخ ومنعه. وعلى التشبيه ونفيه، والقول بالقدر، والجبر وتجويز الرجعة، واستحالتها.
_________________
(١) ١، ٢ الأعراف آية ١٤٥. ٣ طه آية ٣٢.
[ ٢ / ١٦ ]
أما النسخ فكما ذكرنا.
وأما التشبيه فلأنهم وجدوا التوراة ملئت من المتشابهات مثل الصورة، والمشافهة، والتكليم جهرًا، والنزول على طور سينا انتقالًا، والاستواء على العرش استقرارًا، وجواز الرؤية فوقًا وغير ذلك.
وأما القول بالقدر فهم مختلفون فيه حسب اختلاف الفريقين في الإسلام فالربانيون كالمعتزلة فينا، والقراءون كالمجبرة والمشبهة.
وأما جواز الرجعة فإنما وقع لهم من أمرين أحدهما: حديث عزير ﵇ إذ أماته الله مائة عام ثم بعثه، والثاني: حديث هارون ﵇، إذ مات في التيه. وقد نسبوا موسى إلى قتله بألواحه قالوا: حسده؛ لأن اليهود كانوا أميل إليه منهم إلى موسى. واختلفوا في حال موته: فمنهم من قال: إنه مات، وسيرجع. ومنهم من قال: غاب، وسيرجع.
واعلم أن التوراة قد اشتملت بأسرها على دلالات وآيات تدل على كون شريعة نبينا المصطفى ﵇: حقًا، وكون صاحب الشريعة صادقًا؛ بله ما حرفوه وغيروه وبدلوه، إما تحريفًا من حيث الكتابة، والصورة. وإما تحريفًا من حيث التفسير والتأويل.
وأظهرها ذكر إبراهيم ﵇ وابنه إسماعيل، ودعاؤه في حقه، وفي حق ذريته، وإجابة الرب تعالى إياه: إني باركت على إسماعيل وأولاده، وجعلت فيهم الخير كله، وسأظهرهم على الأمم كلها، وسأبعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتي.
واليهود معترفون بهذه القضية، إلا أنهم يقولون: أجابه بالملك دون النبوة والرسالة.
وقد ألزمتهم أن الملك الذي سلمتم: أهو ملك بعدل وحق أم لا؟ فإن لم يكن بعدل أو حق، فكيف يمن على إبراهيم ﵇ بملك في أولاده وهو جور وظلم؟ وإن سلمتم العدل والصدق من حيث الملك، فالملك يجب أن يكون صادقًا على الله تعالى فيما
[ ٢ / ١٧ ]
يدعيه ويقوله، وكيف يكون الكاذب على الله تعالى صاحب عدل وحق؟ إذ لا ظلم أشد من الكذب على الله تعالى؛ ففي تكذيبه تجويره، وفي التجوير رفع المنة بالنعمة، وذلك: خلف.
ومن العجب أن في التوراة: أن الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون القبائل من بني إسماعيل، ويعلمون أن في ذلك الشعب علمًا لدنيًا لم تشتمل التوراة عليه. وورد في التواريخ أن أولاد إسماعيل ﵇ كانوا يسمون آل الله، وأهل الله، وأولاد إسرائيل: آل يعقوب، وآل موسى، وآل هارون. وذلك كسر عظيم.
وقد ورد في التوراة أن الله تعالى جاء من طور سيناء، وظهر بساعير، وعلن بفاران؛ وساعير جبال بيت المقدس؛ التي كانت مظهر عيسى ﵇. وفاران: جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى ﷺ.
ولما كانت الأسرار الإلهية، والأنوار الربانية في الوحي، التنزيل، والمناجاة، والتأويل؛ على مراتب ثلاث: مبدأ، ووسط، وكمال؛ والمجيء أشبه بالمبدإ، والظهور أشبه بالوسط، والإعلان أشبه بالكمال؛ عبرت التوراة عن طلوع صبح الشريعة والتنزيل: بالمجيء من طور سينا، وعن طلوع الشمس: بالظهور على ساعير، وعن البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران، وفي هذه الكلمات: إثبات نبوة المسيح ﵇، والمصطفى محمد ﷺ.
وقد قال المسيح في الإنجيل: ما جئت لأبطل التوراة، بل جئت لأكملها؛ قال صاحب التوراة: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص؛ وأنا أقول: "إذا لطمك أخوك على خدك الأيمن فضع له خدك الأيسر".
والشريعة الأخيرة وردت بالأمرين جميعًا: أما القصاص؛ ففي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ
[ ٢ / ١٨ ]
عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ١وأما العفو ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٢.
ففي أحكام التوراة: أحكام السياسة الظاهرة العامة، وفي الإنجيل: أحكام السياسة الباطنة الخاصة، وفي القرآن أحكام السياستين جميعًا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٣ إشارة إلى تحقيق السياسة الظاهرة، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٤ إشارة إلى تحقيق السياسة الباطنة. وقد قال ﵊: "هو أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".
ومن العجب أن من رأى غيره يصدق ما عنده، ويكمله ويرقيه من درجة إلى درجة، كيف يسوغ له تكذيبه؟ والنسخ في الحقيقة ليس إبطالًا؛ بل هو تكميل.
وفي التوراة: أحكام عامة، وأحكام خاصة، إما بأشخاص، وإما بأزمان. وإذا انتهى الزمان لم يبق ذلك لا محالة، ولا يقال إنه إبطال، أو بداء. كذلك ها هنا.
وأما السبت فلو أن اليهود عرفوا: لم ورد التكليف بملازمة السبت، وهو يوم أي شخص من الأشخاص؟ وفي مقابلة أية حالة من الأحوال؟ وجزئي أي زمان؟ عرفوا أن الشريعة الأخيرة حق، وأنها جاءت لتقرير السبت لا لإبطاله، وهم الذين عدو في السبت حتى مسخوا قردة خاسئين وهم يعترفون بذلك، وبأن موسى ﵇ بنى بيتًا وصور فيه صورًا وأشخاصًا، وبين مراتب الصور، وأشار إلى تلك الرموز. ولكن لما فقدوا الباب، باب حطة؛ ولم يمكنهم التسور، على سنن اللصوص تحيروا تائهين، وتاهوا متحيرين؛ فاختلفوا على إحدى وسبعين فرقة.
ونحن نذكر منها أشهرها وأظهرها عندهم، ونترك الباقي هملًا. والله الموفق.
_________________
(١) ١، ٢، ٣ البقرة آية ١٧٨، ٢٣٧، ١٧٩. ٤ الأعراف آية ١٩٩.
[ ٢ / ١٩ ]
١- العنانية:
نسبوا إلى رجل يقال له عنان بن داود، رأس الجالوت. يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد، وينهون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد، ويذبحون الحيوان على القفا، ويصدقون عيسى ﵇ في مواعظه وإشاراته. ويقولون إنه لم يخالف التوراة ألبتة، بل قررها، ودعا الناس إليها، وهو من بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة ومن المستجيبين لموسى ﵇؛ إلا أنهم لا يقولون بنبوته ورسالته.
ومن هؤلاء من يقول: إن عيسى ﵇ لم يدع أنه نبي مرسل، وليس من بني إسرائيل، وليس هو صاحب شريعة ناسخة لشريعة موسى ﵇، بل هو من أولياء الله المخلصين العارفين بأحكام التوراة. وليس الإنجيل كتابًا إنزل عليه وحيًا من الله تعالى، بل هو جمع أحواله من مبدئه إلى كماله، وإنما جمعه أربعة من أصحابه الحواريين فكيف يكون كتابًا منزلًا؟
قالوا: واليهود ظلموه حيث كذبوه أولًا، ولم يعرفوا بعد دعواه، وقتلوه آخرًا، ولم يعلموا بعد محله ومغزاه. وقد ورد في التوراة ذكر المشيحا في مواضع كثيرة، وذلك هو المسيح؛ ولكن لم ترد النبوة، ولا الشريعة الناسخة. وورد فارقليط وهو الرجل العالم؛ وكذلك ورد ذكره في الإنجيل؛ فوجب حمله على ما وجد. وعلى من ادعى غير ذلك تحقيقه وحده.
[ ٢ / ٢٠ ]
٢- العيسوية:
نسبوا إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني. وقيل: إن اسمه عوفيد ألوهيم، أي عابد الله. كان في زمن المنصور، وابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية: مروان بن محمد الحمار، فاتبعه بشر كثير من اليهود، وادعوا له آيات ومعجزات،
[ ٢ / ٢٠ ]
وزعموا أنه لما حورب خط على أصحابه خطًا بعود آس، وقال: أقيموا في هذا الخط، فليس ينالكم عدو بسلاح، فكان العدو يحملون عليهم، حتى إذا بلغوا الخط رجعوا عنهم، خوفًا من طلسم أو عزيمة ربما وضعها، ثم إن أبا عيسى خرج من الخط وحده على فرسه فقاتل، وقتل من المسلمين كثيرًا، وذهب إلى أصحاب موسى بن عمران الذين هم وراء النهر المرمل ليسمعهم كلام الله. وقيل إنه لما حارب أصحاب المنصور بالري قتل وقتل أصحابه.
زعم أبو عيسى أنه نبي؛ وأنه رسول المسيح المنتظر. وزعم أن للمسيح خمسة من الرسل يأتون قبله واحدًا بعد واحد. وزعم أن الله تعالى كلمه، وكلفه أن يخلص بني إسرائيل من أيدي الأمم العاصين والملوك الظالمين. وزعم أن المسيح أفضل ولد آدم، وأنه أعلى منزلة من الأنبياء الماضين، وإذ هو رسوله فهو أفضل الكل أيضًا. وكان يوجب تصديق المسيح؛ ويعظم دعوة الداعي، ويزعم أيضًا أن الداعي هو المسيح.
وحرم في كتابه الذبائح كلها، ونهى عن أكل كل ذي روح على الإطلاق طيرا كان، أو بهيمية. وأوجب عشر صلوات، وأمر أصحابه بإقامتها وذكر أوقاتها. وخالف اليهود في كثير من أحكام الشريعة الكثيرة المذكورة في التوراة.
وتوراة الناس هي التي جمعها ثلاثون حبرًا لبعض ملوك الروم حتى لا يتصرف فيها كل جاهل بمواضع أحكامها، والله الموفق.
[ ٢ / ٢١ ]
٣- المقاربة واليوذعانية:
نسبوا إلى يوذعان من همدان. وقيل: كان اسمه يهوذا. كان يحث على الزهد، وتكثير الصلاة، وينهى عن اللحوم والأنبذة، وفيما نقل عنه تعظيم أمر الداعي. وكان يزعم أن للتوراة ظاهرًا وباطنًا، وتنزيلًا، وتأويلًا. وخالف بتأويلاته عامة اليهود،
[ ٢ / ٢١ ]
وخالفهم في التشبيه، ومال إلى القدر، وأثبت الفعل حقيقة للعبد، وقدر الثواب والعقاب عليه، وشدد في ذلك.
ومنهم الموشكانية، أصحاب موشكان. كان على مذهب يوذعان، غير أنه كان يوجب الخروج على مخالفيه، ونصب القتال معهم، فخرج في تسعة عشر رجلا، فقتل بناحية قم. وذكر عن جماعة من الموشكانية أنهم أثبتوا نبوة المصطفى محمد ﵊ إلى العرب وسائر الناس سوى اليهود، لأنهم أهل ملة وكتاب.
وزعمت فرقة من المقاربة أن الله تعالى خاطب الأنبياء ﵈، بواسطة ملك اختاره، وقدمه على جميع الخلائق واستخلفه عليهم. وقالوا: كل ما في التوراة وسائر الكتب من وصف الله تعالى، فهو خبر عن ذلك الملك، وإلا فلا يجوز أن يوصف الله تعالى بوصف. قالوا وإن الذي كلم موسى ﵇ تكليما هو ذلك الملك، والشجرة المذكورة في التوراة هو ذلك الملك. ويتعالى الرب تعالى عن أن يكلم بشرا تكليما. وحمل جميع ما ورد في التوراة من طلب الرؤية، وشافهت الله، وجاء الله، وطلع الله في السحاب، وكتب التوراة بيده، واستوى على العرش استقرارا، وله صورة آدم، وشعر قطط، ووفرة١ سوداء، وأنه بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وأنه ضحك الجبار حتى بدت نواجذه، إلى غير ذلك، على ذلك الملك. قال ويجوز في العادة أن يبعث ملكا روحانيا من جملة خواصه، ويلقي عليه اسمه، ويقول: هذا هو رسولي، ومكانه فيكم مكاني، وقوله قولي، وأمره أمري، وظهوره عليكم ظهوري، كذلك يكون حال ذلك الملك.
وقيل إن أرنوس حيث قال في المسيح إنه هو الله، وإنه صفوة العالم أخذ قوله من هؤلاء، وكانوا قبل أرنوس بأربعمائة سنة، وهم أصحاب زهد وتقشف.
وقيل صاحب هذه المقالة هو بنيامين النهاوندي، قرر لهم هذا المذهب وأعلمهم أن الآيات المتشابهات في التوراة كلها مؤولة، وأنه تعالى لا يوصف بأوصاف البشر،
_________________
(١) ١ الوفرة الشعر إلى الأذنين.
[ ٢ / ٢٢ ]
ولا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وأن المراد بهذه الكلمات الواردة في التوراة ذلك الملك المعظم.
وهذا كما يحمل في القرآن المجيء، والإتيان، على إتيان ملك من الملائكة، وهو كما قال تعالى في حق مريم ﵍ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ ١، وفي موضع آخر ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ ٢، وإنما النافخ جبريل ﵇ حين تمثل لها بشرا٣ سويا، ليهب لها غلاما زكيا.
_________________
(١) ١ الأنبياء آية ٩١. ٢ التحريم آية ١٢. ٣ إشارة إلى قوله تعالى في سورة مريم آية ١٧، ١٨، ١٩ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ .
[ ٢ / ٢٣ ]
٤- السامرة:
هؤلاء قوم يسكنون جبال بيت المقدس، وقرايا من أعمال مصر، ويتقشفون في الطهارة أكثر من تقشف سائر اليهود، أثبتوا نبوة موسى، وهارون، ويوشع بن نون ﵈، وأنكروا نبوة من بعدهم من الأنبياء إلا نبيا واحدا، وقالوا: التوراة ما بشرت إلا بنبي واحد يأتي من بعد موسى، يصدق ما بين يديه من التوراة، ويحكم بحكمها، ولا يخالفها ألبتة.
وظهر في السامرة رجل يقال له الألفان، ادعى النبوة وزعم أنه هو الذي بشر به موسى ﵇، وأنه هو الكوكب الدري الذي ورد في التوراة أنه يضيء ضوء القمر، وكان ظهوره قبل المسيح ﵇ بقريب من مائة سنة.
وافترقت السامرة إلى دوستانيه وهم الألفانية، وإلى كوستانية. والدوستانية معناها الفرقة المتفرقة الكاذبة. والكوستانية معناها الجماعة الصادقة. وهم يقرون بالآخرة،
[ ٢ / ٢٣ ]
والثواب والعقاب فيها. والدوستانية تزعم أن الثواب والعقاب في الدنيا. وبين الفريقين اختلاف في الأحكام والشرائع.
وقبلة السامرة جبل يقال له غريزيم بين بيت المقدس ونابلس. قالوا إن الله تعالى أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلس وهو الطور الذي كلم الله عليه موسى ﵇، فتحول داود إلى إيلياء وبنى البيت ثمة، وخالف الأمر فظلم، والسامرة توجهوا إلى تلك القبلة دون سائر اليهود. ولغتهم غير لغة اليهود، وزعموا أن التوراة كانت بلسانهم وهي قريبة من العبرانية فنقلت إلى السريانية.
فهذه أربع فرق هم الكبار. وانشعبت منهم الفرق إلى إحدى وسبعين فرقة.
وهم بأسرهم أجمعوا على أن في التوراة بشارة بواحد بعد موسى، وإنما افتراقهم. إما في تعيين ذلك الواحد، أو في الزيادة على ذلك الواحد، وذكر المشيحا وآثاره ظاهر في الأسفار، وخروج واحد من آخر الزمان هو الكوكب المضيء الذي تشرق الأرض بنوره أيضا متفق عليه، واليهود على انتظاره، والسبت يوم ذلك الرجل، وهو يوم الاستواء بعد الخلق.
وقد اجتمعت اليهود عن آخرهم على أن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا إحدى رجليه على الأخرى.
وقالت فرقة منهم إن ستة الأيام التي خلق الله تعالى فيها السموات والأرض هي ستة آلاف سنة. فإن يوما عند الله كألف سنة مما تعدون بالسير القمري، وذلك هو ما مضى من لدن آدم ﵇ إلى يومنا هذا، وبه يتم الخلق.
ثم إذا بلغ الخلق إلى النهاية ابتدأ الأمر، ومن ابتداء الأمر يكون الاستواء على العرش، والفراغ من الخلق، وليس ذلك أمرا كان، ومضى، بل هو في المستقبل، إذا عددنا الأيام بالألوف.
[ ٢ / ٢٤ ]
الفصل الثاني: النصارى
مدخل
الفصل الثاني: النصارى
النصارى أمة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ﵇. وهو المبعوث حقا بعد موسى ﵇، المبشر به في التوراة. وكانت له آيات ظاهرة، وبينات زاهرة، ودلائل باهرة، مثل إحياء الموتى، وإبراء الأكمه١، والأبرص، ونفس وجوده وفطرته آية كاملة على صدقه. وذلك حصوله من غير نطفة سابقا، ونطقه البين من غير تعليم سالف. وجميع الأنبياء بلاغ وحيهم أربعون سنة وقد أوحى الله تعالى إليه إنطاقا في المهد، وأوحى إليه إبلاغا عند الثلاثين. وكانت مدة دعوته ثلاث سنين، وثلاثة أشهر، وثلاثة أيام.
فلما رفع إلى السماء اختلف الحواريون وغيرهم فيه، وإنما اختلافاتهم تعود إلى أمرين:
أحدهما: كيفية نزوله واتصاله بأمه، وتجسد الكلمة.
والثاني كيفية صعوده، واتصاله بالملائكة، وتوحد الكلمة.
أما الأول فإنهم قضوا بتجسد الكلمة، ولهم في كيفية الاتحاد والتجسد كلام:
فمنهم من قال: أشرق على الجسد إشراق النور على الجسم المشف. ومنهم من قال: انطبع فيهم انطباع النقش في الشمع. ومنهم من قال: ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني. ومنهم من قال: تدرع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء، والماء اللبن.
وأثبتوا لله تعالى أقانيم٢ ثلاثة. قالوا الباري تعالى جوهر واحد، يعنون به القائم
_________________
(١) ١ الأكمه من كمه يكمه كمها مثل تعب يتعب تعبا، فهو أكمه وهي كمهاء، وهو العمى يولد عليه الإنسان، وربما كان من مرض. ٢ الأقنوم: الأصل والشخص، والكلمة من الدخيل.
[ ٢ / ٢٥ ]
بالنفس، لا التحيز والحجمية. فهو واحد بالجوهرية، ثلاثة بالأقنومية، ويعنون بالأقانيم الصفات كالوجود والحياة والعلم. وسموها الأب والابن، وروح القدس، وإنما العلم تدرع وتجسد دون سائر الأقانيم.
وقالوا في الصعود إنه قتل وصلب، قتله اليهود حسدا وبغيا، وإنكارا لنبوته ودرجته. ولكن القتل ما ورد على الجزء اللاهوتي، وإنما ورد على الجزء الناسوتي. قالوا: وكمال الشخص الإنساني في ثلاثة أشياء: نبوة، وإمامة، وملكة. وغيره من الأنبياء كانوا موصوفين بهذه الصفات الثلاث، أو ببعضها، والمسيح ﵇ درجته فوق ذلك لأنه الابن الوحيد فلا نظير له، ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء، وهو الذي به غفرت زلة آدم ﵇، وهو الذي يحاسب الخلق.
ولهم في النزول اختلاف. فمنهم من يقول: ينزل قبل يوم القيامة كما قال أهل الإسلام، ومنهم من يقول لا نزول له إلا يوم الحساب. وهو بعد أن قتل وصلب، نزل ورأى شخصه شمعون الصفا، وكلمه وأوصى إليه، ثم فارق الدنيا وصعد إلى السماء. فكان وصيه شمعون الصفا وهو أفضل الحواريين علما وزهدا وأدبا. غير أن فولوس شوش أمره، وصير نفسه شريكا له، وغير أوضاع كلامه، وخلطه بكلام الفلاسفة ووساوس خاطره.
ورأيت رسالة فولوس التي كتبها إلى اليونانيين أنكم تظنون أن مكان عيسى ﵇ كمكان سائر الأنبياء وليس كذلك. بل إنما مثله مثل "ملكيزداق" وهو ملك السلام الذي كان إبراهيم ﵇ يعطى إليه العشور، وكان يبارك على إبراهيم ويمسح رأسه. ومن العجب أنه نقل في الأناجيل أن الرب تعالى قال: إنك أنت الابن الوحيد، ومن كان وحيدا كيف يمثل بواحد من البشر؟
ثم أن أربعة من الحواريين اجتمعوا وجمع كل واحد منهم جمعا سماه الإنجيل. وهم متى، ولوقا، ومرقس، ويوحنا. وخاتمة إنجيل متى أنه قال: إني أرسلكم إلى الأمم كما أرسلني أبي إليكم. فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب، والابن، وروح القدس.
[ ٢ / ٢٦ ]
وفاتحة إنجيل يوحنا: على القديم الأزلي قد كانت الكلمة، وهو ذا الكلمة كانت عند الله، والله هو كان الكلمة، وكل كان بيده.
ثم افترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبار فرقهم ثلاثة الملكانية والنسطورية، واليعقوبية. وانشعبت منها: الإليانية، والبليارسية، والمقدانوسية، والسبالية، والبوطنوسية، والبولية إلى سائر الفرق.
[ ٢ / ٢٧ ]
١- الملكانية:
أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانية. قالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته. ويعنون بالكلمة: أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس أقنوم الحياة، ولا يسمون العلم قبل تدرعه ابنا، بل المسيح مع ما تدرع به ابن، فقال بعضهم إن الكلمة مازجت جسد المسيح، كما يمازج الخمر أو الماء اللبن.
وصرحت الملكانية بأن الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة وعن هذا صرحوا بإثبات التثليث وأخبر عنهم القرآن ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ١. وقالت الملكانية: إن المسيح ناسوت٢ كلي، لا جزئي، وهو قديم أزلي، من قديم أزلي، وقد ولدت مريم ﵍ إلها أزليا، والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت٣ معا. وأطلقوا لفظ الأبوة والبنوة على الله ﷿ وعلى المسيح لما وجدوا في الإنجيل حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد، وحيث قال له شمعون الصفا إنك ابن الله حقا.
ولعل ذلك من مجاز اللغة، كما يقال لطلاب الدنيا: أبناء الدنيا، ولطلاب الآخرة: أبناء الآخرة، وقد قال المسيح ﵇ للحواريين "أنا أقول لكم: أحبوا أعداءكم
_________________
(١) ١ المائدة آية ٧٣. ٢ الناسوت: كلمة سريانية الأصل ومعناها: طبيعة الإنسان. وقيل: أصلها الناس زيد في آخرها واو وتاء مثل ملكوت وجبروت. ٣ كلمة سريانية بمعنى الألوهية، وقيل أصله لاه بمعنى إله زيدت فيه الواو والتاء.
[ ٢ / ٢٧ ]
وباركوا على لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء، الذي تشرق شمسه على الصالحين والفجرة، وينزل قطره على الأبرار والأئمة، وتكونا تامين كما أن أباكم الذي في السماء تام". وقال "انظروا صدقاتكم فلا تعطوها قدام الناس لتراءوهم فلا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء". وقال حين كان يصلب "أذهب إلى أبي وأبيكم".
ولما قال أريوس: القديم هو الله، والمسيح هو مخلوق، اجتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة في بلد قسطنطينية بمحضر من ملكهم، وكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا، واتفقوا على هذه الكلمة اعتقادا، ودعوة، وذلك قولهم:
"نؤمن بالله الواحد الآب١ مالك كل شيء، وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن الواحد يسوع المسيح، ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء من أجلنا، ومن أجل معشر الناس. ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا، وحبل به، وولد من مريم البتول، وقتل وصلب أيام فيلاطوس ودفن، ثم قام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الذي يخرج من أبيه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قدسية مسيحية جاثليقية، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة أبد الآبدين".
هذا هو الاتفاق الأول على هذه الكلمات، وفيه إشارة إلى حشر الأبدان.
وفي النصارى من قال بحشر الارواح دون الأبدان، وقال إن عاقبة الأشرار في القيامة غم، وحزن الجهل. وعاقبة الأخيار: سرور وفرح العلم. وأنكروا أن يكون في الجنة نكاح وأكل، وشرب.
وقال مار إسحاق منهم: إن الله تعالى وعد المطيعين، وتوعد العاصين. ولا يجوز أن
_________________
(١) ١ الآب: عند النصاري: الأقنوم الأول.
[ ٢ / ٢٨ ]
يخلف الوعد لأنه لا يليق بالكريم، ولكن يخلف الوعيد، فلا يعذب العصاة، ويرجع الخلق إلى سرور وسعادة ونعيم. وعمم في الكل، إذ العقاب الأبدي لا يليق بالجواد الحق تعالى.
[ ٢ / ٢٩ ]
٢- النسطورية:
أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه. وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة. قال: إن الله تعالى واحد، ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة. وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو. واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇، لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة. وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.
وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم: أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يثبت خواص مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله. قال هو واحد بالجوهر، أي ليس هو مركبا من جنسين بل هو بسيط وواحد. ويعنى بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي أصلين مبدأين للعالم. ثم فسر العلم بالنطق، والكلمة. ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودا، حيا، ناطقا كما تقول الفلاسفة في حد الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان لكونه جوهرا مركبا، وهو جوهر بسيط غير مركب.
وبعضهم يثبت لله تعالى صفات أخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما. ولم يجعلوها أقانيم كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.
ومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة: حي، ناطق، إله. وزعم الباقون أن اسم الإله لا يطلق على كل واحد من الأقانيم.
وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الآب، وإنما تجسد واتحد بجسد المسيح حين ولد.
[ ٢ / ٢٩ ]
والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتحدا، وهما جوهران، أقنومان، طبيعتان: جوهر قديم، وجوهر محدث، إله تام، وإنسان تام. ولم يبطل الاتحاد قدم القديم، ولا حدوث المحدث، لكنهما صارا مسيحا واحدا، طبيعة واحدة. وربما بدلوا العبارة، فوضعوا مكان الجوهر: الطبيعة، ومكان الأقنوم: الشخص.
وأما قولهم في: القتل، والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية. قالوا: إن القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته، لا من جهة لاهوته، لأن الإله لا تحله الآلام.
وبوطينوس، وبولس الشمشاطي يقولان: إن الإله واحد، وإن المسيح ابتدأ من مريم ﵍، وإنه عبد صالح مخلوق، إلا أن الله تعالى شرفه وكرمه لطاعته وسماه ابنا على التبني، لا على الولادة والاتحاد.
ومن النسطورية قوم يقال لهم المصلين، قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور، إلا أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة، وترك التغذي باللحم، والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية: تصفى جوهره حتى يبلغ ملكوت السماوات، ويرى الله تعالى جهرة وينكشف له ما في الغيب فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ومن النسطورية من ينفي التشبيه، ويثبت القول بالقدر، خيره وشره من العبد كما قالت القدرية.
[ ٢ / ٣٠ ]
٣- اليعقوبية:
أصحاب يعقوب: قالوا بالأقانيم الثلاثة كما ذكرنا، إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحما ودما، فصار الإله هو المسيح. وهو الظاهر بجسده، بل هو هو.
وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ المائدة آية ٧٢.
[ ٢ / ٣٠ ]
فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى.
ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار ناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو، وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان، أو ظهر الشيطان بصورة حيوان، وكما أخبر التنزيل عن جبريل ﵇: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ١.
وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد. أقنوم واحد، إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا طبيعة واحدة من طبيعتين، فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث تركبا تركيبا كما تركبت النفس والبدن فصارا جوهرا واحدا، أقنوما واحدا، وهو إنسان كله وإله كله، فيقال: الإنسان صار إلها، ولا ينعكس فلا يقال: الإله صار إنسانا. كالفحمة تطرح في النار فيقال: صارت الفحمة نارا، ولا يقال: صارت النار فحمة، وهي في الحقيقة لا نار مطلقة، ولا فحمة مطلقة، بل هي جمرة. وزعموا أن الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئي لا الكلي. وربما عبروا عن الاتحاد بالامتزاج، والادراع٢، والحلول كحلول صورة الإنسان في المرآة المجلوة.
وأجمع أصحاب التثليث كلهم على أن القديم لا يجوز أن يتحد بالمحدث، إلا أن الأقنوم الثاني الذي هو الكلمة اتحدت دون سائر الأقانيم.
وأجمعوا كلهم على أن المسيح ﵇ ولد من مريم ﵍، وقتل وصلب.
ثم اختلفوا في كيفية ذلك، فقالت الملكانية واليعقوبية: إن الذي ولد من مريم هو الإله: فالملكانية لما اعتقدت أن المسيح ناسوت كلي أزلي، قالوا: إن مريم إنسان جزئي، والجزئي لا يلد الكلي، وإنما ولده الأقنوم القديم، واليعقوبية لما اعتقدت أن
_________________
(١) ١ مريم آية ١٧. ٢ مأخوذ من قولهم: ادرع فلان الليل، دخل في ظلمته بمعنى أحاطت به.
[ ٢ / ٣١ ]
المسيح هو جوهر من جوهرين، وهو إله، وهو المولود، قالوا: إن مريم ولدت إلها، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وكذلك قالوا في القتل والصلب: إنه وقع على الجوهر الذي هو من جوهرين، قالوا: ولو وقع على أحدهما لبطل الاتحاد.
وزعم بعضهم: أنا نثبت وجهين للجوهر القديم: فالمسيح قديم من وجه، محدث من وجه.
وزعم قوم من اليعقوبية أن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا، لكنها مرت بها كالماء بالميزاب١، وما ظهر بها من شخص المسيح في الأعين، فهو كالخيال، والصورة في المرآة، وإلا فما كان جسما متجسما كثيفا في الحقيقة. وكذلك القتل والصلب إنما وقع على الخيال والحسبان، وهؤلاء يقال لهم: الإليانية. وهم قوم بالشام، واليمن، وأرمينية، قالوا: وإنما صلب الإله من أجلنا، حتى يخلصنا. وزعم بعضهم أن الكلمة كانت تداخل جسم المسيح ﵇ أحيانا، فتصدر عنه الآيات: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، وتفارقه في بعض الأوقات، فترد عليه الآلام والأوجاع.
ومنهم بليارس وأصحابه، حكى عنه أنه كان يقول: إذا صار الناس إلى الملكوت الأعلى: أكلوا ألف سنة، وشربوا، وناكحوا، ثم صاروا إلى النعم التي وعدهم آريوس؛ وكلها لذة، وراحة، وسرور، وحبور، لا أكل فيها ولا شرب، ولا نكاح.
وزعم مقدانيوس أن الجوهر القديم أقنومان فحسب: آب، وابن، والروح.
وزعم سباليوس أن القديم جوهر واحد، أقنوم واحد، له ثلاث خواص، واتحد بكليته بجسد عيسى ابن مريم ﵉.
وزعم آريوس: أن الله واحد، سماه أبا. وأن المسيح كلمة الله وابنه على طريق الاصطفاء، وهو مخلوق قبل خلق العالم، وهو خالق الأشياء. وزعم: أن لله تعالى روحا
_________________
(١) ١ الميزاب: القناة يجري فيها الماء من وزب الماء بزب وزوبا: سال، ويجمع على ميازيب.
[ ٢ / ٣٢ ]
مخلوقة أكبر من سائر الأرواح، وأنها واسطة بين الآب والابن، تؤدي إليه الوحي. وزعم أن المسيح ابتدأ جوهرا، لطيفا، روحانيا، خالصا، غير مركب، ولا ممزوج بشيء من الطبائع الأربع، وإنما تدرع بالطبائع الأربع عند الاتحاد بالجسم المأخوذ من مريم.
وهذا آريوس قبل الفرق الثلاث، فتبرءوا منه لمخالفتهم إياه في المذهب.
[ ٢ / ٣٣ ]
الباب الثالث: من له شبهة كتاب
مدخل
الباب الثالث: من له شبهة كتاب
"أ" قد بينا كيفية تحقيق الكتاب، وميزنا بين حقيقة الكتاب وشبهة الكتاب، وأن الصحف التي كانت لإبراهيم ﵇ كانت شبهة كتاب، وفيها مناهج علمية، ومسالك عملية.
أما العلميات، فتقرير كيفية الخلق والإبداع، وتسوية المخلوقات على سنة نظام وقوام تحصل منها حكمته الأزلية، وتنفذ فيها مشيئته السرمدية١، ثم تقرير التقدير والهداية عليها، ليتقدر كل نوع وصنف بقدره المحكوم والمحتوم، ويقبل هدايته السارية في العالم بقدر استعداده المعلوم. والعلم كل العلم لا يعدو هذين النوعين، وذلك قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢، وقال ﷿ خبرا عن إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ٣، وخبرا عن موسى ﵇: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٤.
وأما العمليات، فتزكية النفوس عن درن الشبهات، وذكر الله تعالى بإقامة العبادات، ورفض الشهوات الدنيوية، وإيثار السعادات الأخروية، ولن يحصل البلوغ إلى كمال المعاد إلا بإقامة هذين الركنين، أعني: الطهارة، والشهادة.
والعمل كل العمل
_________________
(١) ١ السرمدي: الدائم. ٢ الأعلى آية ١-٣. ٣ الشعراء آية ٧٨. ٤ طه آية ٥٠.
[ ٢ / ٣٤ ]
لا يعدو هذين النوعين، وذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
ثم قال ﷿ من قائل: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٢ فبين أن الذي اشتملت عليه الصحف هو الذي اشتملت عليه هذه الصورة.
وبالحقيقة هذا هو الإعجاز الحقيقي.
"ب" المجوس، وأصحاب الاثنين، والمانوية، وسائر فرقهم:
المجوسية: يقال لها الدين الأكبر، والملة العظمى، إذ كانت دعوة الأنبياء ﵈ بعد إبراهيم الخليل ﵇ لم تكن في العموم كالدعوة الخليلية، ولم يثبت لها من القوة والشوكة، والملك، والسيف، مثل الملة الحنيفية، إذ كانت ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم ﵇، وجميع من كان في زمان كل واحد منهم من الرعايا في البلاد على أديان ملوكهم، وكان لملوكهم مرجع هو "موبذ موبذان" يعني أعلم العلماء، وأقدم الحكماء، يصدرون عن أمره، ولا يخالفونه، ولا يرجعون إلا إلى رأيه، ويعظمونه تعظيم السلاطين لخلفاء الوقت.
وكانت دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشام وما وراءها من المغرب، وقل ما سرى من ذلك إلى بلاد العجم.
وكانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل ﵇ راجعة إلى صنفين اثنين أحدهما: الصابئة والثاني الحنفاء٣.
فالصابئة:
كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى، ومعرفة طاعته، وأوامره، وأحكامه إلى متوسط، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا، وذلك لزكاء الروحانيات، وطهارتها، وقربها من رب الأرباب. والجسماني بشر مثلنا: يأكل مما نأكل، ويشرب
_________________
(١) ١، ٢ الأعلى آية ١٤-١٩. ٣ أصل الحنف؛ الاعوجاج والميل في الرجل إلى داخل، ومنه سمي الموحد حنيفا لأنه مائل إلى الدين المستقيم.
[ ٢ / ٣٥ ]
مما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة، قالوا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١.
والحنفاء:
كانت تقول: إنا نحتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في الطهارة، والعصمة، والتأييد، والحكمة فوق الروحانيات يماثلنا من حيث البشرية، ويمايزنا من حيث الروحانية، فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقى إلى نوع الإنسان بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢، وقال عز ذكره: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣.
ثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة، والتقرب إليها بأعيانها، والتلقي عنها بذواتها، فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السيارات السبع، وبعض الثوابت. فصابئة النبط والفرس والروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند: مفزعها الثوابت.
وسنذكر مذاهبهم على التفصيل، على قدر الإمكان، بتوفيق الله تعالى. وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني عنهم شيئا.
والفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأصنام.
ولما كان الخليل ﵇ مكلفا بكسر المذهبين على الفرقتين، وتقرير الحنيفية السمحة السهلة، احتج على عبدة الأصنام قولا، وفعلا، كسرا من حيث القول، وكسرا من حيث الفعل فقال لأبيه آزر: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ٤ الآيات حتى ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ٥ وذلك إلزام من
_________________
(١) ١ المؤمنون آية ٣٤. ٢ الكهف آية: ١١. ٣ الإسراء آية ٩٣. ٤ مريم آية ٤٢. ٥ التلاوة: فجعلهم وهي آية ٥٨ من سورة الأنبياء.
[ ٢ / ٣٦ ]
حيث الفعل، وإفحام من حيث الكسر. ففرغ من ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
وابتدأ بإبطال مذاهب عبدة الكواكب على صيغة الموافقة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢ أي كما آتيناه الحجة كذلك نريه المحجة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ، والمخالفة في النهاية، ليكون الإلزام أبلغ، والإفحام أقوى، وإلا فإبراهيم الخليل ﵇ لم يكن في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ٣ مشركا، كما لم يكن في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٤ كاذبا. وسوق الكلام من جهة الإلزام، غير سوقه على جهة الالتزام. فلما أظهر الحجة وبين المحجة، قرر الحنيفية التي هي الملة الكبرى، والشريعة العظمى، وذلك هو الدين القيم.
وكان الانبياء من أولاده كلهم يقررون الحنيفية، وبالخصوص صاحب شرعنا محمد صلوات الله عليه، كان في تقريرها قد بلغ النهاية القصوى، وأصاب المرمى وأصمى٥. ومن العجب أن التوحيد من أخص أركان الحنيفية، ولهذا يقترن نفي الشرك بكل موضع ذكر الحنيفية: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٦ - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ٧.
ثم إن التثنية اختصت بالمجوس، حتى أثبتوا أصلين اثنين، مدبرين قديمين؛ يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما: النور والآخر الظلمة. وبالفارسية: يزدان وأهرمن. ولهم في ذلك تفصيل مذهب.
ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين:
إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة.
والثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج مبدأ، والخلاص معادا.
_________________
(١) ١، ٢، ٣ الأنعام آية ٨٣، ٧٥، ٧٦. ٤ الأنبياء آية ٦٣. ٥ أصمى المرء الصيد: رماه فقتله فكان مكانه وهو يراه، وأصله من السرعة والخفة. ٦ آل عمران آية ٦٧. ٧ الحج آية ٣١.
[ ٢ / ٣٧ ]
الفصل الأول: المجوس
مدخل
الفصل الأول: المجوس
أثبتوا أصلين كما ذكرنا، إلا أن المجوس الأصلية زعموا أن الأصلين لا يجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي، والظلمة محدثة.
ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها: أمن النور حدثت؟ والنور لا يحدث شرا جزئيا، فكيف يحدث أصل الشر؟ أم من شيء آخر؟ ولا شيء يشرك النور في الإحداث والقدم؟. وبهذا يظهر خبط المجوس.
وهؤلاء يقولون: المبدأ الأول من الأشخاص: كيومرث، وربما يقولون زروان الكبير، والنبي الثاني: زردشت.
والكيومرثية يقولون: كيومرث هو آدم ﵇، وتفسير كيومرث هو: الحي الناطق. وقد ورد في تواريخ الهند والعجم أن كيومرث هو آدم ﵇، ويخالفهم سائر أصحاب التواريخ.
[ ٢ / ٣٨ ]
١- الكيومرثية:
أصحاب المقدم الأول كيومرث. أثبتوا أصلين: يزدان، وأهرمن، وقالوا: يزدان أزلي قديم، وأهرمن محدث مخلوق، وقالوا: إن سبب خلق أهرمن أن يزدان فكر في نفسه: أنه لو كان لي منازع كيف يكون؟ وهذه الفكرة كانت رديئة غير مناسبة لطبيعة النور، فحدث الظلام من هذه الفكرة، وسمى: أهرمن، وكان مطبوعا على الشر، والفتنة، والفساد، والفسق، والضرر، والإضرار، فخرج على النور، وخالفه طبيعة وفعلا، وجرت محاربة بين عسكر النور وعسكر الظلمة. ثم إن الملائكة توسطوا
[ ٢ / ٣٨ ]
فصالحوا على أن يكون العالم السفلي خالصا لأهرمن سبعة آلاف سنة. ثم يخلي العالم ويسلمه إلى النور، والذين كانوا في الدنيا قبل الصلح أبادهم وأهلكهم. ثم بدأ برجل يقال له: كيومرث، وحيوان يقال له ثور فقتلهما. فنبت من مسقط ذلك الرجل ريباس، وخرج من أصل ريباس: رجل يسمى "ميشة"، وامراة تسمى: "ميشانة"؛ وهما أبوا البشر، ونبت من مسقط الثور: الأنعام، وسائر الحيوانات.
وزعموا أن النور خير الناس، وهم أرواح بلا أجساد، بين أن يرفعهم عن مواضع أهرمن، وبين أن يلبسهم الأجساد فيحاربون أهرمن. فاختاروا لبس الأجساد، ومحاربة أهرمن؛ على أن تكون لهم النصرة من عند النور، والظفر بجنود أهرمن، وحسن العاقبة. وعند الظفر به وإهلاك جنوده تكون القيامة.
فذاك سبب الامتزاج، وهذا سبب الخلاص.
[ ٢ / ٣٩ ]
٢- الزروانية:
قالوا: إن النور أبدع أشخاصا من نور، كلها روحانية، نورانية، ربانية، ولكن الشخص الأعظم اسمه زروان شك في شيء من الأشياء، فحدث أهرمن الشيطان، يعني إبليس من ذلك الشك.
وقال بعضهم لا، بل إن زروان الكبير قام فزمزم١ تسعة آلاف وتسعمائة وتسعا وتسعين سنة، ليكون له ابن فلم يكن. ثم حدث نفسه وفكر، وقال: لعل هذا العلم ليس بشيء فحدث أهرمن من ذلك الهم الواحد، وحدث هرمز من ذلك العلم، فكانا جميعا في بطن واحد. وكان هرمز أقرب من باب الخروج، فاحتال أهرمن الشيطان حتى شق بطن أمه فخرج قبله وأخذ الدنيا.
وقيل: إنه لما مثل بين يدي زروان فأبصره ورأى ما فيه، من الخبث، والشرارة٢، والفساد: أبغضه، ولعنه، وطرده، فمضى واستولى على الدنيا. وأما هرمز فبقي زمانا لا يدله
_________________
(١) ١ زمزم الشيء. سمع صوته من بعيد وله دوي، وزمزم العلوج: تراطنوا. ٢ من الشر وأصل الفعل: شر -شرا، وشرارة وشررا، اتصف بالشر.
[ ٢ / ٣٩ ]
عليه، وهو الذي اتخذه قوم ربا وعبدوه، لما وجدوا فيه من الخير، والطهارة، والصلاح، وحسن الأخلاق.
وزعم بعض الزروانية أنه لم يزل -كان- مع الله شيء رديء: إما فكرة رديئة، وإما عفونة رديئة، وذلك هو مصدر الشيطان.
وزعموا، أن الدنيا كانت سليمة من الشرور، والآفات، والفتن، وكان أهلها في خير محض، ونعيم خالص، فلما حدث أهرمن حدثت الشرور والآفات والفتن والمحن. وكان بمعزل عن السماء، فاحتال حتى خرق السماء، وصعد.
وقال بعضهم: كان هو في السماء، والأرض خالية عنه، فاحتال حتى خرق السماء، ونزل إلى الأرض بجنوده كلها فهرب النور بملائكته واتبعه الشيطان حتى حاصره في جنته، وحاربه ثلاثة آلاف سنة، لا يصل الشيطان إلى الرب تعالى، ثم توسط الملائكة، وتصالحا على أن يكون إبليس وجنوده في قرار الأرض تسعة آلاف سنة، بالثلاثة آلاف التي قاتله فيها، ثم يخرج إلى موضعه. ورأى الرب تعالى عن قولهم الصلاح في احتمال المكروه من إبليس وجنوده، وأن لا ينقض الشرط حتى تنقضي المدة المضروبة للصلح. فالناس في البلايا، والفتن، والخزايا، والمحن إلى انقضاء المدة. ثم يعودون إلى النعيم الأول. وشرط إبليس عليه أن يمكنه من أشياء يفعلها، ويطلقه في أفعال رديئة يباشرها. فلما فرغا من الشرط أشهد عليهما عدلين، ودفعا سيفهما إليهما، وقالا لهما: من نكث فاقتلاه بهذا السيف.
ولست أظن عاقلا يعتقد هذا الرأي القائل، ويرى هذا الاعتقاد المضمحل الباطل، ولعله كان رمزا إلى ما يتصور في العقل. ومن عرف الله ﷾ بجلاله وكبريائه لم يسمح بهذه الترهات١ عقله، ولم يسمع مثل هذه الترهات سمعه.
وأقرب من هذا ما حكاه أبو حامد الزوزني: أن المجوس زعمت أن إبليس كان لم يزل في الظلمة والجو خلاء بمعزل عن سلطان الله ثم لم يزل يزحف، ويقرب بحيله، حتى رأى
_________________
(١) ١ الترهات؛ الواحدة: الترهة: الأباطيل والدوامي.
[ ٢ / ٤٠ ]
النور، فوثب وثبة، فصار في سلطان الله في النور، وأدخل معه هذه الآفات والشرور، فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة له فوقع فيها، وصار متعلقا بها لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه، فهو محبوس في هذا العالم، مضرب في الحبس، يرمى بالآفات والمحن والفتن إلى خلق الله تعالى، فمن أحياه الله رماه بالموت، ومن أصحه رماه بالسقم، ومن سره رماه بالحزن. فلا يزال كذلك إلى يوم القيامة، وفي كل يوم ينقص سلطانه حتى لا تبقى له قوة. فإذا كانت القيامة ذهب سلطانه، وخمدت نيرانه، وزالت قوته، واضمحلت قدرته فيطرحه في الجو، والجو ظلمة ليس لها حد ولا منتهى. ثم يجمع الله تعالى أهل الأديان، فيحاسبهم، ويجازيهم على طاعة الشيطان وعصيانه.
وأما المسخية، فقالت إن النور كان وحده نورا محضا، ثم انمسخ بعضه فصار ظلمة. وكذلك الخرمدينية قالوا بأصلين، ولهم ميل إلى التناسخ، والحلول، وهم لا يقولون: بأحكام، وحلال، وحرام.
ولقد كان في كل أمة من الأمم قوم، مثل الإباحية، والمزدكية، والزنادقة، والقرامطة كان تشويش ذلك الدين منهم، وفتنة الناس مقصورة عليهم.
[ ٢ / ٤١ ]
الزردشتية
٣- الزرداشتية:
أولئك هم أصحاب زرددشت بن بورشب، الذي ظهر في زمان كشتاسب بن لهراست الملك، وأبوه كان من أذربيجان، وأمه من الري واسمها: دغدوية.
زعموا أن لهم أنبياء وملوكا: أو لهم كيومرث. وكان أول من ملك الأرض، وكان مقامه بإصطخر. وبعده أو شهنك بن فراوك، ونزل أرض الهند، وكانت له دعوة ثمة. وبعده طمهورث، وظهرت الصابئة في أول سنة من ملكه. وبعده أخوه جم الملك. ثم بعده أنبياء وملوك، منهم منوجهر، ونزل بابل وأقام بها. وزعموا أن موسى ﵇ ظهر في زمانه، حتى انتهى الملك إلى كشتاسب بن لهراسب، وظهر في زمانه زردشت الحكيم.
[ ٢ / ٤١ ]
وزعموا أن الله ﷿ خلق، من وقت ما في الصحف الأولى، والكتاب الأعلى من ملكوته خلقا روحانيا، فلما مضت ثلاثة آلاف سنة أنفذ مشيئته في صورة من نور متلألئ، على تركيب صورة الإنسان، وأحف١ به سبعين من الملائكة المكرمين، وخلق الشمس، والقمر، والكواكب، والارض، وبني آدم، غير متحركة ثلاثة آلاف سنة. ثم جعل روح زردشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين وأحف بها سبعين من الملائكة المكرمين، وغرسها في قلة جبل من جبال أذربيجان يعرف باسمو يذخر، ثم مازج شبح زردشت بلبن بقرة، فشربه أبو زردشت، فصار نطفة، ثم مضغة في رحم أمه، فقصدها الشيطان وعيرها، فسمعت أمه نداء من السماء فيه دلالة على برئها، فبرئت. ثم لما ولد ضحك ضحكة تبينها من حضر، فاحتالوا على زردشت حتى وضعوه بين مدرجة البقر ومدرجة الخيل ومدرجة الذئب، فكان ينهض كل واحد منهم لحمايته من جنسه. ونشأ بعد ذلك إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فبعثه الله تعالى نبيا، ورسولا إلى الخلق. فدعا كشتاسب الملك، فأجابه إلى دينه. وكان دينه: عبادة الله، والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الخبائث.
وقال: النور والظلمة أصلان متضادان، وكذلك يزدان وأهرمن، وهما مبدأ موجودات العالم، وحصلت التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة. والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما، وهو لا شريك له ولا ضد، ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة، كما قالت الزروانية. لكن الخير والشر، والصلاح والفساد، والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم يمتزجا لما كان وجود العالم. وهما يتقاومان، ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة، والخير الشر، ثم يتخلص الخير إلى عالمه، والشر ينحط إلى عالمه، وذلك هو سبب الخلاص، والباري تعالى هو الذي مزجهما وخلطهما، لحكمة رآها في التراكيب. وربما جعل النور أصلا، وقال وجوده وجود حقيقي، وأما الظلمة فتبع، كالظل بالنسبة إلى الشخص، فإنه يرى أنه موجود، وليس بموجود حقيقة، فأبدع النور، وحصل الظلام تبعا، لأن
_________________
(١) ١ جعلهم حافين به؛ أي محيطين به.
[ ٢ / ٤٢ ]
من ضرورة الوجود التضاد، فوجوده ضروري، وواقع في الخلق لا بالقصد الأول، كما ذكرنا في الشخص والظل.
وله كتاب قد صنفه وقيل إن ذلك أنزل عليه وهو "زند أوستا"، يقسم العالم قسمين مينة وكيتي، يعني الروحاني، والجسماني، أو الروح والشخص. وكما قسم الخلق إلى عالمين، يقول إن ما في العالم ينقسم قسمين بخشش، وكنش، يريد به: التقدير والفعل، وكل واحد مقدر على الثاني. ثم يتكلم في موارد التكليف، وهي حركات الإنسان، فيقسمها ثلاثة أقسام: منش، وكويش، وكنش، يعني بذلك: الاعتقاد، والقول والعمل، وبالثلاثة يتم التكليف، فإذا قصر الإنسان فيها خرج عن الدين والطاعة، وإذا جرى في هذه الحركات على مقتضى الأمر والشريعة فاز الفوز الأكبر.
وتدعي الزردشتية له معجزات كثيرة، منها: دخول قوائم فرس كشتاسب في بطنه، وكان زردشت في الحبس، فأطلقه، فانطلقت قوائم الفرس. ومنها أنه مر على أعمى بالدينور فقال: خذوا حشيشة وصفها لهم واعصروا ماءها في عينه، فإنه يبصر، ففعلوا، فأبصر الأعمى.
وهذا من جملة معرفتهم بخاصية الحشيشة، وليس من المعجزات في شيء.
ومن المجوس الزردشتية صنف يقال لهم السيسانية، والبهافريدية، رئيسهم رجل يقال له سيسان من رستاق١ نيسابور، من ناحية يقال لها خواف. خرج في أيام أبي مسلم، صاحب الدولة. وكان زمزميا في الأصل، يعبد النيران، ثم ترك ذلك ودعا المجوس إلى ترك الزمزية، ورفض عبادة النيران. ووضع لهم كتابا، وأمرهم فيه بإرسال الشعور، وحرم عليهم الأمهات، والبنات، والأخوات، وحرم عليهم الخمر، وأمرهم باستقبال الشمس عند السجود على ركبة واحدة، وهم يتخذون الرباطات، ويتباذلون الأموال، ولا يأكلون الميتة، ولا يذبحون الحيوان حتى يهرم، وهم أعدى خلق الله للمجوس الزمازمة. ثم إن
_________________
(١) ١ رستاق: كلمة معربة، بمعنى الناحية التي هي طرف الإقليم.
[ ٢ / ٤٣ ]
موبذ المجوس رفعه إلى أبي مسلم فقتله على باب الجامع بنيسابور. وقال أصحابه: إنه صعد إلى السماء على برذون أصفر، وأنه سينزل على البرذون، فينتقم من أعدائه. وهؤلاء أقروا بنبوة زردشت، وعظموا الملوك الذين يعظمهم زردشت.
ومما أخبر به زردشت في كتاب زند أوستا أنه قال: سيظهر في آخر الزمان رجل اسمه "أشيزريكا"، ومعناه: الرجل العالم، يزين العالم بالدين والعدل، ثم يظهر في زمانه "بتياره" فيوقع الآفة في أمره وملكه عشرين سنة، ثم يظهر بعد ذلك أشيزريكا على أهل العالم، ويحيي العدل، ويميت الجور، ويرد السنن المغيرة إلى أوضاعها الأول، وتنقاد له الملوك، وتتيسر له الأمور، وينصر الدين الحق، ويحصل في زمانه الأمن، والدعة وسكون الفتن، وزوال المحن.
مقالة زردشت في المبادئ ١:
وقد نقل الجيهاني مقالة من مقالات زردشت في المبادئ وهي:
أن دين زردشت هو الدعوة إلى دين مارسيان، وأن معبود أو رمزد، والملائكة المتوسطون في رسالاته إليه: بهمن، وأرديبهشت، وشهريور، وإسفندارمز، وخرداد، ومرداد. وقد رآهم زردشت، واستفاد منهم العلوم. وجرت مساءلات بينه وبين أورمزد من غير توسط.
أولها: قال زردشت: ما الشيء الذي كان، ويكون وهو الآن موجود؟
قال أورمزد: أنا والدين والكلام. أما الدين فعمل أورمزد وكلامه وإيمانه، وأما الكلام فكلامه، والدين أفضل من الكلام؛ إذ العمل أفضل من القول. وأول من أبدع من الملائكة: بهمن، وعلمه الدين، وخصه بموقع النور مكانا، وأقنعه بذاته ذاتا، فالمبادئ على هذا الرأي ثلاثة:
_________________
(١) ١ نقلتها عن طبعة محمد فتح الله بدران، حيث أثبت فضيلة أنها ثابتة في خمسة مخطوطات أصول للكتاب. راجع ص٩٥٧ الطبقعة الأولى طبعة الأزهر.
[ ٢ / ٤٤ ]
السؤال الثاني: قال: لمَ لم تُخلق الأشياء كلها في زمان غير متناه؟ إذ قد جعلتَ الزمان نصفين: نصفه متناه، ونصفه غير متناه، فلو خلقتها في زمان غير متناه، كان لا يستحيل شيء منها.
قال أورمزد: فإذن كان لا يمكن أن تفنى -ثم- آفات الأثيم إبليس.
السؤال الثالث: قال: مماذا خلقت هذا العالم؟
قال أورمزد: خلقت جميع هذا العالم من نفسي. أما أنفس الأبرار فمن شعر رأسي. وأما السماء فمن أم رأسي. والظفر والمعاضد فمن جبهتي، والشمس فمن عيني، والقمر فمن أنفي، والكواكب فمن لساني، وسروس وسائر الملائكة فمن أذني، والأرض فمن عصب رجلي. وأريت هذا الدين أولا كيومرث، فشعر به وحفظه من غير تعلم ولا مدارسة.
قال زردشت: فلماذا أريت هذا الدين كيومرث بالوهم؟ وألقيته إلي بالقول؟
قال أورمزد: لأنك تحتاج أن تتعلم هذا الدين وتعلمه غيرك. وكيومرث لم يجد من يقبله، فأمسك عن التكلم، وهذا خير لك، لأني أقول أنت تسمع، وأنت تقول والناس يسمعون ويقبلون.
فقال زردشت لأورمزد: هل أريت هذا الدين أحدا قبلي غير كيومرث؟
قال: بلى! أريت هذا الدين "جم" خمسين نجما مخمسا؛ من أجل إنكاره الضحاك.
قال: إذا كنت عالما أنه لا يقبله، فلماذا أريته؟ قال: لو لم أره لما صار إليك، وقد أريته أيضا أفريدون، وكيكاوس، وكيقباد، وكشتاسب.
قال زردشت: خلقك العالم، وترويجك الدين لأي شيء؟
قال: لأن فناء العفريت الأثيم لا يمكن إلا بخلق العالم، وترويج الدين، ولو لم يتروج أمر الدين لما أمكن أن تتروج أمور العالم.
فلما أخذ زردشت الدين من أورمزد الوهاب، واستحكمه، وعمل به، وزمزم في بيت
[ ٢ / ٤٥ ]
عليه؛ غاظ ذلك "كون" الأثيم وأقلقه، إذ كان شريرا، ممتلئا موتا، وظلمة، وبلاء، ومحنة، فدعا بشياطينه، وأسماؤهم: برى ديوانياخ ودويهمان زوش، ونومر بفنارديو، وأمرهم جميعا بالمسير إلى زردشت وقتله. فعلم زردشت بذلك، فقرأ وزمزم، وأراق الماء على يدى مارسيان، فانهزموا عنه مقهورين. وجرت محاربات أخرى، فهزمهم زردشت بإحدى وعشرين آية، من كتابه أوستا، وتوارت الشياطين عن الناس.
ولما بلغ زردشت مبلغ الكمال بأربعين سنة، وتمت له المخاطبات في سبع عودات إلى أورمزد اكمل فيها معرفة شرائع دين الله وفرائضه وسننه أمره الله بالمسير إلى كشتاسب الملك، وإظهار ذكر الله، واسمه فنفذ لأمر الله، ودعا ملكين كانا بذلك الصقع يقال لهما: فور بماراى وبيويدست، فدعاهما إلى دين الله، والكفر بالشيطان، وفعل الخير، واجتناب الشر، فلم يقبلا قوله، وأخذتهما العزة بالإثم، فجاءتهما ريح، فحملتهما من الأرض، ووقفت بهما في الهواء، واجتمع الناس ينظرون إليهما، فقشيهما الطير من كل ناحية، واتوا على لحومهما، وسقطت عظامهما على الأرض.
ولما بلغ كشتاسب لقي منه كل ما أنبأه به أورمزد من الحبس والبلاء، حتى حدث أمر الفرس الذي دخلت قوائمه في باطن بدنه، حتى لم ير أثرها في جسده، واستبهم حاله على الناس، وتحيروا، وأخرجه كشتاسب من الحبس، وسأله الحال، فقال: تلك آية من آيات صدقى، الذي أخبرني به إلهي وخالقي، وشارطهم على الإيمان به إن هو دعا وأخرج قوائم الفرس، وشرطوا، ودعا باسم الله، فخرجت قوائم الفرس كما كانت، فآمن به كشتاسب، وأمر بجمع علماء أهل زمانه من بابل، وإيران شهر، وأمرهم بمحاورة زردشت، فناظروه، فاعترفوا له بالفضيلة.
قال: ومما جاء به زردشت المصطفى من دين مارسيان أن إلهه أورمزد لم يزل، ولم يزل معه شيء سماه: أسنى أسنه وهو شيء مضيء حوله، وهو فوق، وأن إبليس لم يزل معه شيء سماه: أستا أستاه، وهو مظلم حوله. وهو أسفل.
[ ٢ / ٤٦ ]
وأول ما خلق الله من الملائكة بهمن، ثم أرديبهشت، ثم شهريور، ثم اسفندارمز، ثم خرداد، ثم مرداد. وخلق بعضهم من بعض كما يؤخذ السراج من السراج من غير أن ينقص من الأول شيء، وقال لهم: من ربكم وخالقكم؟ فقالوا: أنت ربنا وخالقنا. وعلم أورمزد أن إبليس سيتحرك من ظلمته، فأعلم بذلك الملائكة، وبدأ بإعداد ما يورطه، ويدفع شره وأذاه عن عالمه، ويبطل إرادته، فخلق السماء في خمسة وأربعين يوما، وسمى كاهينازاي شورم، ومعناه: ظهور ضمائر أهل الدنيا، إلى سائر الكاهينازات المذكورات عندهم، وخلق الأرض في خمسة وأربعين يوما.
وأول من ابتعثه أورمزد إلى الأرض: كيومرث، وقد كان يستنشق النسيم ثلاثة آلاف سنة، ثم أخرجه في قامة ثلاثة رجال. ولما أن جاء وقت تحريك إبليس في ظلمته، ارتفع ورأى النور، وطمع في الاستيلاء على "أسنى أورمزد"، وتصييره مظلما، ودخل السماء يكيد ثم لكيومرث ثلاثين سنة، وصارت نطفته ثلاثة أقسام: قسم أمر الله الأرض أن تحفظه، وقسم أمر سروس الملك أن يحفظه، وثلث: اختطفته الشياطين.
وأمر أورمزد بسد الثقوب التي صعد منها إبليس، فبقي داخل السماء منقطعا عن أصله وقوته، فانتصب لمنابذة أورمزد، ورام الصعود إلى الجنان، فدفعه عن ذلك قدر ثلاثة آلاف سنة، ثم أعلمه أنه يسعى في الباطل والخسار، ويروم ما لا يقدر عليه. واتفق الأمر بينهما على أن يبقى إبليس وجنوده في قرار الضوء تسعة آلاف سنة ويروى سبعة آلاف سنة ثم يبطل، ويحتمل خلقه الأذى في هذه السنين، ويصبرون عليه وعلى ما ينالهم من الفقر، والبلاء والموت، وسائر الآفات، ليعوضهم منها الحياة الدائمة في الجنان.
واشترط إبليس لنفسه وشياطينه ثمانية عشر شرطا:
الأول منها: أن تصير معيشة خلقه من خلق الله، والثاني أن يكون ممن خلقه على خلق الله، والثالث أن يسلط خلقه على خلق الله، والرابع: أن يخلط جوهر خلقه بجوهر خلق الله، والخامس: أن يصير له السبيل إلى أن يأخذ الطين الذي في خلق الله.
[ ٢ / ٤٧ ]
والسادس: أن يصير له من النور الذي في خلق الله ما يريد. والسابع: أن يصير له من الرياح التي في خلق الله حاجته، والثامن: أن يصير له من الرطوبة التي في خلق الله، والتاسع: أن يصير له من النار التي في خلق الله. والعاشر: أن يصير له من المودة والمصاهرة التي في خلق الله ليخلط الأشرار بالأخيار. والحادي عشر: أن يصير له من العقل والبصر الذي في خلق الله، ليعرف خلقه مسالك المنافع والمضار، والثاني عشر: أن يصير له من العدل الذي في خلق الله، ليجعل للأشرار فيه نصيبا، والثالث عشر: أن تخفى على الناس معرفة عمل الصالحين والأشرار إلى يوم القيامة والحساب، والرابع عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يبلغ بأهل بيت الشرارة والخبث غاية الغنى والدرجات، ويصيرهم عند الناس صالحين، والخامس عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يجعل كذب الأشرار مقبولا على الأخيار. والسادس عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يعمر من أهل الدنيا من أراد من خلقه ألف سنة، أو ثلاثة آلاف سنة، ويصيرهم أغنياء أقوياء قادرين على ما يريدون، وأن يلهم الناس حتى يكونوا بإعطاء الأشرار أسخى منهم بإعطاء الأخيار وأطيب نفسا. والسابع عشر: أن يصير له السبيل إلى إفناء أهل بيت الصالحين، حتى لا يعرف منهم أحد بعد ثلاثمائة وخمسن سنة، والثامن عشر: أن يملك أمر من يحيي الأموات، ويبقى الأخيار، وينفي الأشرار إلى يوم القيامة.
فتمت البيعة، وأقاما عليها، ودفعا سيفيهما إلى عدلين، على أن يقتلا من رجع عن شرطه. وأمر الله تعالى الشمس، والقمر والكواكب أن تجري، لمعرفة الأيام، والشهور، والأعوام التي جعلها عدة الإنظار والإمهال.
ومما نص عليه زردشت أن للعالم قوة إلهية، هي المدبرة لجميع ما في العالم، المنتهية مبادئها إلى كمالاتها. وهذه القوة تسمى مشاسبند، وهي على لسان الصابئة: المدبر الأقرب، وعلى لسان الفلاسفة: العقل الفعال، ومنه الفيض الإلهي، والعناية الربانية، وعلى لسان المانوية: الأرواح الطيبة، وعلى لسان العرب: الملائكة، وعلى لسان الشرع والكتاب الإلهي: الروح ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ ١.
_________________
(١) ١ القدر آية ٤.
[ ٢ / ٤٨ ]
وأثبت غيره: منشاه ومنشايه، ويعني بهما آدم وحواء في العالم الجسماني، والعقل والنفس في العالم الروحاني.
[ ٢ / ٤٩ ]
الفصل الثاني: الثنوية
مدخل
الفصل الثاني: الثنوية
هؤلاء هم أصحاب الاثنين الأزليين. يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس، فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه.
وهؤلاء قالوا بتساويهما في القدم، واختلافهما في الجوهر، والطبع، والفعل، والحيز، والمكان والأجناس، والأبدان والأرواح.
[ ٢ / ٤٩ ]
١- المانوية:
أصحاب ماني بن فاتك الحكيم، الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور، وذلك بعد عيسى ابن مريم ﵇. أحدث دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح ﵇. ولا يقول بنبوة موسى ﵇.
حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق، وكان في الأصل مجوسيا عارفا بمذاهب القوم: أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين: أحدهما نور، والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا، ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين، داركين، سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس، والصورة والفعل، والتدبير متضادان. وفي الحيز متحاذيان، تحاذي الشخص والظل.
وإنما تتبين جواهرهما، وأفعالهما في هذا الجدول:
[ ٢ / ٤٩ ]
ثم اختلفت المانوية في المزاج وسببه، والخلاص وسببه. قال بعضهم: إن النور والظلام امتزجا بالخبط والإتفاق، لا بالقصد والإختيار. وقال أكثرهم: إن سبب المزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت الروح فرأت النور، فبعثت الأبدان على ممازجة النور، فأجابتها لإسراعها إلى الشر فلما رأى ذلك ملك النور، وجه إليها ملكا من ملائكته في خمسة أجناس من أجناسها الخمسة، فاختلطت الخمسة النورية بالخمسة الظلامية فخالط الدخان النسيم، وإنما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم، والهلاك والآفات من الدخان، وخالط الحريق النار، والنور الظلمة، والسموم الريح، والضباب الماء. فما في العالم من منفعة، وخير، وبركة، فمن أجناس النور، ومافيه من مضرة، وشر، وفساد، فمن أجناس الظلمة.
فلما رأى ملك النور هذا الإمتزاج أمر ملكا من ملائكته، فخلق هذا العالم على هذه الهيئة، لتخلص أجناس النور من أجناس الظلمة. وإنما سارت الشمس والقمر وسائر النجوم والكواكب، لاستصفاء أجزاء النور من أجزاء الظلمة فالشمس تستصفي النور الذي امتزج بشياطين الحر، والقمر يستصفي النور الذي امتزج بشياطين البرد، والنسيم الذي في الأرض لا يزال يرتفع لأن من شأنه الارتفاع إلى عالمها، وكذلك جميع أجزاء النور أبدا في الصعود والارتفاع. وأجزاء الظلمة أبدا في النزول والتسفل حتى تتخلص الأجزاء من الأجزاء، ويبطل الامتزاج، وتنحل التراكيب، ويصل كل إلى كله وعالمه، وذلك هو القيامة والمعاد.
قال: ومما يعين في التخليص، والتمييز، ورفع أجزاء النور: التسبيح، والتقديس، والكلام الطيب، وأعمال البر، فترتفع بذلك الأجزاء النورية في عمود الصبح إلى فلك القمر، ولا يزال القمر يقبل ذلك من أول الشهر إلى نصفه، فيمتلىء، فيصير بدرا، ثم يؤدي إلى الشمس إلى آخر الشهر، وتدفع الشمس إلى نور فوقها، فيسري ذلك في العالم إلى أن يصل إلى النور الأعلى الخالص. ولا يزال يفعل ذلك، حتى لا يبقي من أجزاء النور شيء
[ ٢ / ٥٢ ]
في هذا العالم إلا قدر يسير منعقد، لاتقدر الشمس والقمر على استصفائه، فعند ذلك يرتفع الملك الذي يحمل الأرض، ويدع الملك الذي يجذب السماوات، فيسقط الأعلى على الأسفل. ثم توقد نار حتى يضطرم الأعلى والأسفل، ولا تزال تضطرم حتى يتحلل ما فيها من النور، وتكون مدة الاضطرام ألفا وأربعمائة وثمانيا وستين سنة.
وذكر الحكيم ماني في باب الألف من الجبلة الأولى، وفي أول الشابرقان: أن ملك عالم النور في كل أرضه لا يخلو منه شيء، وأنه ظاهر باطن، وأنه لا نهاية له إلا من حيث تناهى أرضه إلى أرض عدوه.
وقال أيضا: إن ملك عالم النور في سرة أرضه. وذكر أن المزاج القديم هو امتزاج الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والمزاج المحدث هو: الخير، والشر.
وقد فرض ماني على أصحابه العشر في الأموال كلها. والصلوات الأربع في اليوم والليلة، والدعاء إلى الحق. وترك الكذب، والقتل، والسرقة، والزنا، والبخل، والسحر، وعبادة الأوثان، وأن يأتي على ذي روح ما يكره أن يؤتى إليه بمثله.
واعتقاده في الشرائع والأنبياء أن أول من بعث الله تعالى بالعلم، والحكمة. آدم أبو البشر. ثم بعث شيئا بعده، ثم نوحا بعده، ثم إبراهيم بعده عليهم الصلاة والسلام ثم بعث بالبددة إلى أرض الهند، وزردشت إلى أرض فارس، والمسيح كلمة الله وروحه إلى أرض الروم والمغرب، وبولس بعد المسيح إليهم. ثم يأتي خاتم النبيين إلى أرض العرب.
وزعم أبو سعيد المانوي، رئيس من رؤسائهم أن الذي مضى من المراج إلى الوقت الذي هو فيه وهو سنة إحدى وسبعين ومائتين من الهجرة: أحد عشر ألفا وسبعمائة سنة، وأن الذي بقي إلى وقت الخلاص: ثلاثمائة سنة.
[ ٢ / ٥٣ ]
وعلى مذهبه مدة المزاج اثنا عشر الف سنة، فيكون قد بقي من المدة خمسون سنة في زماننا هذا وهو إحدى وعشرون وخمسمائة هجرية.
فنحن في آخر المزاج وبدء الخلاص. فإلى الخلاص الكلي، وانحلال التراكيب خمسون سنة!
[ ٢ / ٥٤ ]
٢- المزدكية:
أصحاب مزدك. ومزدك هو الذي ظهر في أيام قباذ والد أنوشروان، ودعا قباذ إلى مذهبه، فأجابه. وطلع أنوشروان على خزيه وافترائه فطلبه فوجده فقتله.
حكى الوراق أن قول المزدكية كقول كثير من المانوية في الكونين والأصلين، إلا أن مزدك كان يقول: إن النور يفعل بالقصد والاختيار. والظلمة تفعل على الخبط والاتفاق. والنورعالم حساس، والظلام جاهل أعمى. وإن المزاج كان على الاتفاق والخبط، لا بالقصد والاختيار، وكذلك الخلاص إنما يقع بالاتفاق دون الاختيار.
وكان مزدك ينهي الناس عن المخالفة، والمباغضة والقتال. ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، أحل النساء، وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيهما، كاشتراكهم في الماء، والنار والكلإ. وحكى عنه أنه أمر بقتل الأنفس، ليخلصها من الشر ومزاج الظلمة.
ومذهبه في الأصول والأركان أنها ثلاثة: الماء والأرض والنار. ولما اختلطت حدث عنها مدبر الخير، ومدبر الشر. فما كان من صفوها فهو مدبر الخير، وما كان من كدرها فهو مدبر الشر.
وروي عنه: أن معبوده قاعد على كرسيه في العالم الأعلى، على هيئة قعود خسرو في العالم الأسفل، وبين يديه أربع قوى: قوة التمييز، والفهم، والحفظ، والسرور، كان بين يدي خسرو أربعة أشخاص: موبذموبذان، والهربد الأكبر، والأصهبذ،
[ ٢ / ٥٤ ]
والرامشكر. وتلك الأربع يدبرون أمر العالم بسبعة من ورائهم: سالار، وبيشكار، وبالون،، وبراون، وكازران، ودستور، وكوذك. وهذه السبعة تدور في إثني عشر روحانيين: خواننده، ودهنده، وستاننده، وبرنده، خورننده، ودونده، وخيزنده، وكشنده، وزننده، وكننده وآبنده، وشونده، وباينده.
وكل إنسان اجتمعت له هذه القوى الأربع، والسبع، والإثنا عشر: صار ربانيا في العالم السفلي، وارتفع عنه التكليف.
قال: وإن خسرو العالم الأعلى إنما يدبر بالحروف التي مجموعها الاسم الأعظم. ومن تصور من تلك الحروف شيئا انفتح له السر الأكبر. ومن حرم ذلك بقي في عمى الجهل والنسيان والبلادة، والغم في مقابلة القوى الأربع الروحانية.
وهم فرق: الكوذية، وأبو مسلمية، والماهانية، والإسبيد خامكية. والكوذية بنواحي الأهواز، وفارس، وشهرزور، والآخر بنواحي سغد سمرقند، والشاش، وإيلاق.
[ ٢ / ٥٥ ]
٣- الديصانية:
أصحاب ديصان. أثبتوا أصلين نورا، وظلاما، فالنور يفعل الخير قصدا واختيارا، والظلام يفعل الشر طبعا واضطرارا.
فما كان من خير، ونفع، وطيب، وحسن، فمن النور. وما كان من شر وضرر، ونتن، وقبح، فمن الظلام. وزعموا أن النور: حي، عالم، قادر، حساس، دراك، ومنه تكون الحركة والحياة. والظلام: ميت، جاهل، عاجز، جماد، موات، لا فعل له ولا تمييز. وزعموا أن الشر يقع منه طباعا وخرقا. وزعموا أن النور جنس واحد، وكذلك الظلام جنس واحد، وأن إدراك النور إدراك متفق، فإن سمعه وبصره وسائر
[ ٢ / ٥٥ ]
حواسه شيء واحد، فسمعه هو بصره، وبصره هو حواسه، وإن ما قيل سميع بصير، لاختلاف التركيب، لا لأنهما في نفسهما شيئان مختلفان. وزعموا أن اللون هو الطعم، وهو الرائحة، وهو المحسة١، وإنما وجده لونا، لأن الظلم خالطته ضربا من المخالطة، ووجده طعما لأنها خالطته بخلاف ذلك الضرب، وكذلك القول في لون الظلمة، وطعمها، ورائحتها، ومحستها. وزعموا أن النور بياض كله، وأن الظلام سواد كله، وزعموا أن النور لم يزل يلقي الظلمة بأسفل صفحة منه، وأن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفحة منها.
واختلفوا في المزاج والخلاص فزعم بعضهم أن النور داخل الظلمة، والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ، فتاذى بها. وأحب أن يرققها ويلينها، ثم يتخلص منها، وليس ذلك لاختلاف جنسهما، ولكن كما أن المنشار جنسه حديد، وصفحته لينة، وأسنانه خشنة، فاللين في النور، والخشونة في الظلمة، وهما جنس واحد، فتلطف النور بلينه حتى يدخل تلك الفرج، فما أمكنه إلا بتلك الخشونة، فلا يتصور الوصول إلى كمال وجود إلا بلين وخشونة.
وقال بعضهم: بل الظلام لما احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفحته، فاجتهد النور حتى يتخلص منه ويدفعه عن نفسه، فاعتمد عليه، فلجج٢ فيه، وذلك بمنزلة الإنسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه، فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجا فيه، فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه.
وقال بعضهم: إن النور إنما دخل أجزاء الظلام اختيارا ليصلحها ويستخرج منها أجزاء صالحة لعالمه، فلما دخل تشبثت به زمانا، فصار يفعل الجور والقبيح اضطرارا لا اختيارا، ولو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض، والحسن البحت. وفرق بين الفعل الاضطراري، وبين الفعل الاختياري.
_________________
(١) ١ أصل المحسة: آلة الحسن. ٢ لج في الأمر: لازمه وأبى أن ينصرف عنه.
[ ٢ / ٥٦ ]
٤- المرقيونية:
أصحاب مرقيون. أثبتوا أصلين قديمين متضادين: أحدهما النورن، والثاني الظلمة، وأثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع، وهو سبب المزاج، فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع. وقالوا: إن الجامع دون النور في المرتبة وفوق الظلمة، وحصل من الإجتماع والامتزاج هذا العام.
ومنهم من يقول: الامتزاج إنما حصل بين الظلمة والمعدل، إذ هو أقرب منها، فامتزجت به، لتطيب به، وتلتذ بملاذه، فبعث النور إلى العالم الممتزج روحا مسيحية، وهو روح الله وابنه، تحننا على المعدل الجامع السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم، حتى يخلصه من حبائل الشياطين، فمن اتبعه، فلم يلامس النساء، ولم يقرب الزهومات١ أفلت، ونجا، ومن خالفه خسر، وهلك.
قالوا: وإنما أثبتنا المعدل، لأن النور الذي هو الله تعالى لا يجوز عليه مخالطة الشياطين، وأيضا فإن الضدين يتنافران طبعا، ويتمانعان ذاتا ونفسا، فكيف يجوز اجتماعهما وامتزاجهما؟ فلا بد من معدل يكون بمنزلة دون النور، وفوق الظلام، فيقع الامتزاج منه. وهذا على خلاف ما قالته المانوية، وإن كان ديصان أقدم، وإنما أخذ ماني منه مذهبه، وخالفه في المعدل. وهو أيضا خلاف ما قال زردشت، فإنه يثبت التضاد بين النور والظلمة، ويثبت المعدل كالحاكم على الخصمين، الجامع بين المتضادين لا يجوز أن يكون طبعه وجوهره من أحد الضدين وهو الله ﷿ الذي لا ضد له ولا ند.
وحكى محمد بن شبيب عن الديصانية أنهم زعموا أن المعدل هو الإنسان الحساس الدراك، إذ هو ليس بنور محض، ولا ظلام محض. وحكي عنهم: أنهم يرون المناكحة وكل ما فيه منفعة لبدنه وروحه حراما، ويحترزون عن ذبح الحيوان، لما فيه من الألم.
_________________
(١) ١ الزهومات: جمع زهومة، وهي الدسم أو اللحم السمين.
[ ٢ / ٥٧ ]
وحكي عن قوم من الثنوية أن النور والظلمة لا يزالا حيين، إلا أن النور حساس عالم، والظلام جاهل أعمى، والنور يتحرك حركة مستوية مستقيمة، والظلام يتحرك حركة عجرفية١ خرقاء معوجة فبيناهما كذلك إذ هجم بعض هامات الظلام على حاشية من حواشي النور، فابتلع النور منه قطعة على الجهل، لا على القصد والعلم، وذلك كالطفل الذي لا يفصل بين الجمرة والتمرة، وكان ذلك سبب المزاج. ثم إن النور الأعظم دبر في الخلاص، فبنى هذا العالم ليستخلص ما امتزج به من النور، ولا يمكنه استخلاصه إلا بهذا التدبير.
_________________
(١) ١ أصل العجرفة: التكبر، والجفوة في الكلام، يقال: في الجمل عجرفة وعجرفية في المشي، إذا كان لا يبالي لسرعته.
[ ٢ / ٥٨ ]
٥- الكينوية، والصيامية، والتناسخية منهم:
حكى جماعة من المتكلمين أن الكينوية زعموا أن الأصول ثلاثة: النار، والأرض، والماء. وإنما حدثت الموجودات من هذه الأصول دون الأصلين، الذين أثبتهما الثنوية.
قالوا: والنار بطبعها خيرة، نورانية، والماء ضدها في الطبع، فما كان من خير في هذا العالم فمن النار، وما كان من شر فمن الماء، والأرض متوسطة.
وهؤلاء يتعصبون للنار شديدا، من حيث أنها علوية، نورانية، لطيفة، لا وجود إلا بها، ولا بقاء إلا بإمدادها. والماء يخالفها في الطبع، فيخالفها في الفعل، والأرض متوسطة بينهما. فتركيب العالم من هذه الأصول.
والصيامية منهم أمسكوا عن طيبات الرزق، وتجردوا لعبادة الله، وتوجهوا في عباداتهم إلى النيران تعظيما لها، وأمسكوا أيضا عن النكاح والذبائح.
والتناسخية منهم: قالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد، والانتقال من شخص إلى شخص، وما يلقي الإنسان من الراحة، والتعب، والدعة، والنصب، فمرتب على ما أسلفه من قبل وهو في بدن آخر، جزاء على ذلك. والإنسان أبدا في أحد أمرين:
[ ٢ / ٥٨ ]
إما في فعل، وإما في جزاء. وما هو فيه فإما مكافأة على عمل قدمه، وإما عمل ينتظر المكافأة عليه. والجنة والنار في هذه الأبدان، وأعلى عليين درجة النبوة، وأسفل السافلين: دركة الحية، فلا وجود أعلى من درجة الرسالة، ولا وجود أسفل من دركة الحية.
ومنهم من يقول الدرجة الأعلى درجة الملائكة، والأسفل دركة الشياطين. ويخالفون بهذا المذهب سائر الثنوية، فإنهم يعنون بأيام الخلاص، رجوع أجزاء النور إلى عالمه الشريف الحميد، وبقاء أجزاء الظلام في عالمه الخسيس الذميم.
وأما بيوت النيران للمجوس:
فأول بيت بناه أفريدون: بيت نار بطوس، وآخر بمدينة بخارى، هو بردسون، واتخذ بهمن بيتا بسجستان، يدعى كركو. ولهم بيت نار آخر في نواحي بخارى، يدعى قباذان، وبيت نار يسمى كويسة، بين فارس وأصبهان، بناه كيخسرو. وآخر بقومس، يسمى جرير. وبيت نار يسمى كنكدز، بناه سياوش في مشرق الصين. وآخر بأرجان من فارس واتخذه أرجان جد كشتاسب وهذه البيوت كات قبل زردشت.
ثم جدد زردشت بيت نار بنيسابور، وآخر بنسا. ومر كشتاسب أن يطلب نارا كان يعظمها جم، فوجدها بمدينة خوارزم، فنقلها إلى داا بجرد، وتسمى أذرخر، هو المجوس يعظمونها أكثر من غيرها. وكيخسرو لما خرج إلى غزو أفراسياب عظمها، وسجد لها. ويقال إن انوشروان هو الذي نقلها إلى كاريان فتركوا بعضها، وحملوا بعضها إلى نسا.
وفي بلاد الروم على أبواب قسطنطينية بيت نار اتخذه سابور بن أردشير، فلم يزل كذلك إلى أيام المهدي، وبيت نار بإستينيا، على قرب مدينة السلام لبوران بنت كسرى.
وكذلك بالهند والصين بيوت نيران.
[ ٢ / ٥٩ ]
وأما اليونانيون فكان لهم ثلاثة أبيات ليست فيها نار، وقد ذكرناها.
والمجوس إنما يعظمون النار لمعان فيها، منها أنها جوهر شريف علوي، ومنها أنها ما أحرقت الخليل إبراهيم ﵇، ومنها ظنهم أن التعظيم لها ينجيهم في المعاد من عذاب النار.
وبالجملة، هي قبلة لهم، ووسيلة، وإشارة. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٠ ]
الباب الرابع: أهل الأهواء والنحل
مدخل
الباب الرابع: أهل الأهواء والنحل
من الصابئة، والفلاسفة، وآراء العرب في الجاهلية، وآراء الهند. وهؤلاء يقابلون أرباب الديانات تقابل التضاد، كما ذكرنا. واعتمادهم على الفطرة السليمة، والعقل الكامل، والذهن الصافي.
فمن معطل بطال، لا يرد عليه فكره براد، ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد، ولا يرشده فكره وذهنه إلى معاد، قد ألف المحسوس وركن إليه، وظن أنه لا عالم سوى ما هو فيه من مطعم شهي، ومنظر بهي، ولا عالم وراء هذا المحسوس. وهؤلاء هم الطبيعيون الدهريون، لا يثبتون معقولا.
ومن محصل نوع تحصيل، قد ترقى عن المحسوس، وأثبت المعقول، لكنه لا يقول بحدود، وأحكام، وشريعة، وإسلام، ويظن أنه إذا حصل المعقول، وأثبت للعالم مبدأ ومعادا وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه، فتكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه، وشقاوته بقدر سفاهته وجهله. وعقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة، ووضعه هو المستعد لقبول تلك الشقاوة. وهؤلاء هم الفلاسفة الإلهيون.
قالوا: الشرائع وأصحابها: أمور مصلحية عامية، والحدود، والأحكام، والحلال، والحرام: أمور وضعية، وأصحاب الشرائع رجال لهم حكم عملية، وربما يؤيدون من عند واهب الصور بإثبات أحكام، ووضع حلال وحرام: مصلحة للعباد، وعمارة للبلاد، وما يخبرون عنه من الأمور الكائنة في حال من أحوال عالم الروحانيين من الملائكة
[ ٢ / ٦١ ]
والعرش والكرسي، واللوح، والقلم، فإنما هي أمور معقولة لهم، قد عبروا عنها بصورة خيالية جسمانية، وكذلك ما يخبرون به من أحوال المعاد من الجنة والنار، مثل قصور، وأنهار، وطور، وثمار في الجنة، فترغيبات للعوام بما يميل إليه طباعهم، وسلاسل وأغلال، وخزي ونكال في النار فترهيبات للعوام، بما ينزجر عنه طباعهم، وإلا ففي العالم العلوي لا يتصور أشكال جسمانية، وصور جرمانية.
وهذا أحسن ما يعتقدونه في الأنبياء ﵈، لست أعني بهم الذين أخذوا علومهم من مشكاة النبوة، وغنما أعني بهؤلاء الذين كانوا في الزمن الأول دهرية، وحشيشية، وطبيعية، وإلهية، قد اغتروا بحكمهم واستقلوا بأهوائهم وبدعهم.
ثم يتلوهم، ويقرب منهم قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية، وربما أخذوا أصولها وقوانينها من مؤيد بالوحي، إلا انهم اقتصروا على الأول منهم، وما نفذوا إلى الآخر وهؤلاء هم الصابئة الأولى، الذين قالوا بعاذيمون وهرمس، وهما: شيث وإدريس١ ﵉، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء ﵈.
والتقسيم الضابط أن نقول:
"١" من الناس من لا يقول بمحسوس ولا معقول، وهم السوفسطائية.
"٢" ومنهم من يقول بالمحسوس، ولا يقول بالمعقول، وهم الطبيعية.
"٣" ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول، ولا يقول بحدود وأحكام، وهم الفلاسفة الدهرية.
"٤" ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام. ولا يقول بالشريعة والإسلام، وهم الصابئة.
_________________
(١) ١ راجع الكلام عنهما ص ١٠٣ فيما سيأتي.
[ ٢ / ٦٢ ]
"٥" ومنهم من يقول بهذه كلها وبشريعة ما وإسلام، ولا يقول بشريعة نبينا محمد ﷺ. وهم: المجوس، واليهود والنصارى.
"٦" ومنهم من يقول بهذه كلها، وهم المسلمون.
ونحن قد فرغنا عمن يقول بالشرائع والأديان، فنتكلم الآن فيمن لا يقول بها ويستبد برأيه وهواه، في مقابلتهم.
[ ٢ / ٦٣ ]
الفصل الأول: الصابئة
قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبوة في مقابلة الحنيفية. وفي اللغة: صبأ الرجل: إذا مال وزاغ. فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء، قيل لهم الصابئة.
وقد يقال: صبأ الرجل إذا عشق وهوى.
وهم يقولون: الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال.
وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين. كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين.
والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب، والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة.
فدعوة الصابئة إلى الاكتساب، ودعوة الحنفاء إلى الفطرة.
[ ٢ / ٦٣ ]
الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات
مذهب أصحاب الروحانيات
الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات
وفي العبارة لغتان:
روحاني، بالضم؛ من الروح، وروحاني، بالفتح؛ من الروح.
والروح والروح متقاربان١، فكأن الروح جوهر، والروح: حالته الخاصة به.
١- مذهب أصحاب الروحانيات:
ومذهب هؤلاء: أن للعالم صانعا، فاطرا، حكيما، مقدسا عن سمات الحدثان. والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون، المطهرون، المقدسون جوهرا، وفعلا، وحالةً.
أما الجوهر:
فهم المقدسون عن المواد الجسمانية، المبرءون عن القوى الجسدانية، المنزهون عن الحركات المكانية، والتغيرات الزمانية. قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢. وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول عاذيمون وهرمس. فنحن نتقرب إليهم، ونتوكل عليهم، وهم أربابنا وآلهتنا، ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب، وإله الآلهة رب كل شيء، ومليكه.
فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات، فحينئذ
_________________
(١) ١ في القاموس: الروح بالضم، ما به حياة الأنفس، والقرآن، والوحي، وعيسى ﵇، وحكم الله تعالى وأمره. وبالفتح: الراحة والرحمة. ٢ التحريم آية ٦.
[ ٢ / ٦٤ ]
نسأل حاجاتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم، ورازقنا ورازقهم. وهذا التطهير والتهذيب ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيات الشهوات، باستمداد من جهة الروحانيات. والاستمداد هو التضرع والابتهال بالدعوات، وإقامة الصلوات، وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتبخير البخورات، وتعزيم العزائم، فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة، بل يكون حكمنا وحكم من يدعي الوحي على وتيرة واحدة.
قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع، وأشكالنا في الصورة، يشاركوننا في المادة، يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، ويساهموننا في الصورة. أناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم؟ وبأية مزية لهم لزمت متابعته؟ ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١. مقالتهم.
وأما الفعل:
فقالوا: الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع، والإيجاد، وتصريف الأمور من حال إلى حال، وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال يستمدون القوة من الحضرة القديسة، ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية.
فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، وهي هياكلها، فلكل روحاني هيكل، ولكل هيكل فلك، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به، نسبة الروح إلى الجسد، فهو ربه ومدبره ومديره. وكانوا يسمون الهياكل: أربابا، وربما يسمونها: آباء، والعناصر أمهات. ففعل الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص، ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات
_________________
(١) ١ المؤمنون آية ٣٤.
[ ٢ / ٦٥ ]
وامتزاجات في المركبات، فيتبعها قوى جسمانية، وتركب عليها نفوس روحانية، مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان. ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني كلي، وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي، فمع جنس المطر ملك، ومع كل قطرة ملك.
ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو.
مما يصعد من الأرض فينزل، مثل الأمطار، والثلوج، والبرد، والرياح.
ومما ينزل من السماء، مثل: الصواعق، والشهب.
ومما يحدث في الجو: من الرعد، والبرق، والسحاب، والضباب، وقوس قزح، وذوات الأذناب، والهالة، والمجرة.
ومما يحدث في الأرض، مثل: الزلازل، والمياه، والأبخرة، إلى غير ذلك.
ومنها متوسطات القوى السارية في جميع الموجودات، ومدبرات الهداية الشائعة في جميع الكائنات، حتى لا نرى موجودا ما خاليا عن قوة وهداية إذا كان قابلا لهما.
قالوا:
وأما الحالة:
فأحوال الروحانيات، من الروح، والريحان، والنعمة، واللذة، والراحة، والبهجة، والسرور في جوار رب الأرباب: كيف يخفي؟
ثم طعامهم وشرابهم: التسبيح، والتقديس، والتهليل، والتمجيد، والتحميد وأنسبهم بذكر الله تعالى وطاعته. فمن قائم، ومن راكع، ومن ساجد، ومن قاعد لا يريد تبديل حالته، لما هو فيه من البهجة واللذة، ومن خاشع بصره لا يرفع، ومن ناظر لا يغمض، ومن ساكن لا يتحرك، ومن متحرك لا يسكن، ومن كروبي١ في عالم القبض، ومن روحاني في عالم البسط: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ يقال كرب الأمر: إذا دنا والمراد بالكروبي: المقرب. ٢ التحريم آية ٦.
[ ٢ / ٦٦ ]
٢- مناظرات بين الصابئة، والحنفاء:
وقد جري مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء في المفاضلة بين الروحاني المحض وبين البشرية النبوية.
ونحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال وجواب، وفيها فوائد لا تحصى:
قالت الصابئة:
الروحانيات أبدعت إبداعا، لا من شيء لا مادة، ولا هيولى، وهي كلها جوهر واحد، على سنخ١ واحد وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها، وهي من شدة ضيائها لا يدركها الحس، ولا ينالها البصر، ومن غاية لطافتها يحار فيها العقل، ولا يجول فيها الخيال.
ونوع الإنسان مركب من العناصر الأربعة، مؤلف من مادة وصورة، والعناصر متضادة ومزدوجة بطباعها. اثنان منها مزدوجان، واثنان منها متضادان، ومن التضاد يصدر الاختلاف والهرج، ومن الازدواج يحصل الفساد والمرج. فما هو مبدع لا من شيء، لا يكون كمخترع من شيء.
والمادة والهيولى سنخ الشر، ومنبع الفساد، فالمركب منها ومن الصورة: كيف يكون كمحض الصورة؟، والظلام كيف يساوي النور؟ والمحتاج إلى الازدواج، والمطر في هوة الاختلاف كيف يرقي إلى درجة المستغني عنهما؟
أجابت الحنفاء:
بأن قالت: بم عرفتم معاشرة الصابئة وجود هذه الروحانيات؟ والحس ما دلكم عليه، والدليل ما أرشدكم إليه؟. قالوا: عرفنا وجودها، وتعرفنا أحوالها من عاذيمون، وهرمس: شيث، وإدريس ﵉.
_________________
(١) ١ السنخ: الأصل، وقد سبق.
[ ٢ / ٦٧ ]
قالت الحنفاء: لقد ناقضتم وضع مذهبكم. فإن غرضكم في ترجيح الروحاني على الجسماني: نفي متوسط البشري، فصار نفيكم إثباتا. وعاد إنكاركم إقرارا.
ثم من الذي يسلم أن المبدع لا من شيء أشرف من المخترع من شيء؟ بل وجانب الروحاني أمر واحد. وجانب الجسماني أمران:
أحدهما: نفسه وروحه.
والثاني: حسه وجسده، فهو من حيث الروح مبدع بأمر الله تعالى، ومن حيث الجسد مخترع بخلقه، ففيه أثران: أمري وخلقي: قولي، وفعلي فساوى الروحاني بجهة، وفضله بجهة، خصوصا إذا كانت جهته الخلقية ما نقصت الجهة الأخرى، بل كملت وطهرت.
وإنما الخطأ عرض لكم من وجهين:
أحدهما: أنكم فاضلتم بين الروحاني المجرد والجسماني المجرد، فحكمتم بأن الفضل للروحاني، وصدقتم. لكن المفاضلة بين الروحاني المجرد. والجسماني والروحاني المجتمع، ولا يحكم عاقل بأن الفضل للروحاني المجرد فإنه بطرف ساواه، وبطرف سبقه، والفرض فيما إذا لم يدنس بالمادة ولوازمها، ولم تؤثر فيه أحكام التضاد والازدواج، بل كان مستخدما لها بحيث لا تنازعه في شيء يريده ويرضاه، بل صارت معينات له على الغرض الذي لأجله حصل التركيب، وعطلت الوحدة والبساطة، وذلك تخليص النفوس التي تدنست بالمادة ولوازمها، وصارت العلائق عوائق.
وليت شعري: ماذا يشين اللباس الحسن الشخص الجميل؟ وكيف يزري اللفظ الرائق بالمعنى المستقيم؟ ونعم ما قيل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
هذا كمن خاير بين اللفظ المجرد والمعنى المجرد: اختار المعنى، قيل له: لا، بل خاير
[ ٢ / ٦٨ ]
بين المعنى المجرد والعبارة والمعنى، حتى لا يشكل، إذ المعنى اللطيف في العبارة الرشيقة، أشرف من المعنى المجرد.
والوجه الثاني: أنكم ما تصورتم من النبوة إلا كمالا وتماما فحسب، ولم يقع بصركم على أنها كمال هو مكمل غيره، ففاضلتم بين كمالين مطلقان، وما حكمتم إلا بالتساوي وترجيح جانب الروحاني! ونحن نقول: ما قولكم في كمالين: أحدهما كامل، والثاني كامل ومكمل عالما، أيهما أفضل؟
قالت الصابئة:
نوع الإنسان ليس يخلو من قوتي الشهوة والغضب، وهما ينزعان إلى البهيمية والسبعية، وينازعان النفس الإنسانية إلى طباعها، فيثور من الشهوية: الحرص والأمل، ومن الغضبية: الكبر والحسد، إلى غيرهما من الأخلاق الذميمة. فكيف يماثل من هذه صفته نوع الملائكة المطهرين عنهما وعن لوازمهما ولواحقهما: صافية أوضاعهم عن النوازع الحيوانية كلها، خالية طباعهم عن القواطع البشرية بأسرها، لم يحملهم الغضب على حب الجاه، ولا حملتهم الشهوة على حب الماء. بل طباعهم مجبولة على المحبة والموافقة، وجواهرهم مفطورة على الألفة والاتحاد؟!
أجابت الحنفاء:
بأن هذه المغالطة مثل الأولى حذو النعل بالنعل. فإن في طرف البشرية نفسين نفس حيوانية لها قوتان: قوة الغضب، وقوة الشهوة، ونفس إنسانية لها قوتان: قوة علمية، وقوة عملية. وبتينك القوتين لها أن تجمع وتمنع، وبهاتين القوتين لها أن تقسم الأمور وتفصل الأحوال، ثم تعرض الأقسام والأحوال على العقل. فيختار العقل الذي هو كالبصر النافذ له من العقائد: الحق دون الباطل، ومن الأقوال: الصدق دون
[ ٢ / ٦٩ ]
الكذب، ومن الأفعال: الخير دون الشر، ويختار بقوته العملية من لوازم القوى الغضبية: الشدة، الشجاعة، والحمية، دون الذلة، والجبن، والنذالة، ويختار بها أيضا من لوازم القوة الشهوية التآلف، والتودد، والبذاذة، دون الشره، والمهانة، والخساسة فيكون من أشد الناس حمية على خصمه وعدوه، ومن أرحم الناس تذللا وتواضعا لوليه وصديقه. وإذا بلغ هذا الكمال، فقد استخدم القوتين واستعملهما في جانب الخير، ثم يترقى منه إلى إرشاد الخلائق في تزكية النفوس عن العلائق، وإطلاقها عن قيد الشهوة والغضب، وإبلاغها إلى حد الكمال.
ومن المعلوم أن كل نفس شريفة عالية زكية هذه حالها، لا تكون كنفس لا تنازعها قوة أخرى على خلاف طباعها، وحكم العنين العاجز في امتناعه عن تنفيذ الشهوة، لا يكون كحكم المتصون الزاهد المتورع في إمساكه عن قضاء الوطر مع القدرة عليه، فإن الأول: مضطر عاجز. والثاني: مختار، قادر، حسن الاختيار. جميل التصرف. وليس الكمال والشرف في فقدان القوتين، وإنما الكمال كله في استخدام القوتين.
فنفس النبي ﵇ كنفوس الروحانيين: فطرة، ووضعا، وبذلك الوجه وقعت الشركة. وفضلها وتقدمها باستخدام القوتين التي دونها، فلم تستخدم. واستعمالهما في جانب الخير والنظام، فلم تستعمله، وهو الكمال.
قالت الصابئة:
الروحانيات صور مجردة عن المواد، وإن قدر لها أشخاص تتعلق بها تصرفا، وتدبيرا، لا ممازجة ولا مخالطة، فأشخاصها نورانية أو هياكل كما ذكرنا والفرض أنها إذا كانت صورا مجردة كانت موجودات بالفعل لا بالقوة: كاملة لا ناقصة، والمتوسط يجب أن يكون كاملا حتى يكمل غيره. وأما الموجودات البشرية فصور في مواد، وإن قدر لها نفوس، فنفوسها إما مزاجية، وإما خارجة عن المزاج. والفرض أنها إذا كانت صورا في مواد، كانت موجودات بالقوة لا بالفعل، ناقصة لا كاملة، والمخرج من القوة
[ ٢ / ٧٠ ]
إلى الفعل يجب أن يكون أمرا بالفعل، ويجب أن يكون غير ذات ما يحتاج إلى الخروج، فإن ما بالقوة لا يخرج بذاته من القوة إلى الفعل، بل بغيره. والروحانيات هي المحتاج إليها حتى تخرج الجسمانيات إلى الفعل، والمحتاج إليه كيف يساوي المحتاج؟
أجابت الحنفاء:
هذا الحكم الذي ذكرتموه، وهو كون الروحانيات موجودات بالفعل، غير مسلم على الإطلاق، لأن من الروحانيات ما يكون وجوده بالقوة، أو ما هو فيه وجود بالقوة، ويحتاج إلى ما وجوده بالفعل، حتى يخرجه من القوة إلى الفعل. فإن النفس لها استعداد القبول من العقل عندكم، والعقل له إعداد لكل شيء، وفيض على كل شيء، وأحدهما بالقوة والآخر بالفعل، وهذا لضرورة الترتب في الموجودات العلوية. فإن من لم يثبت الترتب فيها لم تتمشى له قاعدة أصلا، وإذا ثبت الترتب فقد ثبت الكمال في جانب، والنقصان في جانب، فليس كل روحاني كاملا من كل وجه، ولا كل جسماني ناقصا من كل وجه. فمن الجسمانيات أيضا ما وجوده كامل بالفعل، وسائر النفوس أيضا محتاجة إليه، وذلك أيضا لضرورة الترتب في الموجودات السفلية، وإن من لم يثبت الترتب لم تستمر له قاعدة عقلية أصلا، وإذا ثبت الترتب، فقد ثبت الكمال في جانب، والنقصان في جانب، فليس كل جسماني ناقصا من كل وجه.
قالت: وإذا سلمتم لنا أن هذا العالم الجسماني في مقابلة ذلك العالم الروحانين وإنما يختلفان من حيث أن ما في هذا العالم من الأعيان فهو آثار ذلك العالم وما في ذلك العالم من الصور فهو مثل هذا العالم، والعالمان متقابلان كالشخص والظل، وإذا أثبتم في ذلك العالم موجودا ما بالفعل كاملا تاما، حتى تصدر عنه سائر الموجودات: وجودا، ووصولا إلى الكمال فيجب أن تثبتوا في هذا العالم أيضا موجودا ما بالفعل كاملا تاما، حتى تصدر عنه صائر الموجودات: تعلما، ووصولا إلى الكمال.
[ ٢ / ٧١ ]
قالوا: وإنما طريقنا إلى التعصب للرجال ونيابة الرسل في الصورة البشرية، طريقكم في إثبات الأرباب عندكم، وهي الروحانيات السماوية، وذلك احتياج كل مربوب١ إلى رب يدبره، ثم احتياج الأرباب إلى رب الأرباب.
ومن العجب أن عند الصابئة أكثر الروحانيات قابلة منفعلة، وإنما الفاعل الكامل واحد، وعن هذا صار بعضهم إلى أن الملائكة إناث، وقد اخبر التنزيل عنهم بذلك ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ٢.
وإذا كان الفاعل الكامل المطلق واحدا، فما سواه قابل محتاج إلى مخرج يخرج ما فيه بالقوة إلى الفعل فكذلك نقول في الموجودات السفلية: النفوس البشرية كلها قابلة للوصول إلى الكمال بالعلم والعمل، فتحتاج إلى مخرج يخرج ما فيها بالقوة إلى الفعل، والمخرج هو النبي والرسول. وما هو مخرج الشيء من القوة إلى الفعل لا يجوز أن يكون أمرا بالقوة، محتاجا، فإن ما لم يتحقق بالفعل وجودا، لا يخرج غيره من القول إلى الفعل، فالبيض لا يخرج البيض من القوة إلى صورة الطير، بل الطير يخرج البيض.
وهذا الجواب يماثل الجواب الأول من وجه، وفيه فائدة أخرى من وجه آخر، وهي: أن عند الحنفاء المعقول لا يكون معقولا حتى يثبت له مثال في المحسوس، وإلا كان متخيلا موهوما، والمحسوس لا يكون محسوسا حتى يثبت له مثال في المعقول، وإلا كان سرابا معدوما. وإذا ثبتت هذه القاعدة، فمن أثبت عالما روحانيا، وأثبت فيه مدبرا كاملا من جنسه وجوده بالفعل، وفعله إخراج الموجودات من القوة إلى الفعل بفيض الصور عليها على قدر الاستحقاق، فيلزمه ضرورة أن يثبت عالما جسمانيا،
_________________
(١) ١ مربوب: مفعول من رب يرب ربا الأمر إذا ساسه وقام بتدبيره، والرب يطلق على الله ﵎، معرفا بالألف واللام ومضافا، ويطلق على مالك الشيء، فيقال: رب الدين ورب المال، ويستعمل بمعنى السيد ومنه قوله ﵇: "حتى تلد الأمة ربتها". ٢ الزخرف آية ١٩.
[ ٢ / ٧٢ ]
ويثبت فيه مدبرا كاملا من جنسه: وجوده بالفعل، وفعله إخراج الموجودات من القوة إلى الفعل بفيض الصور عليها على قدر الاستحقاق. ويسمى المدبر في ذلك العالم "الروح الأول" على مذهب الصابئة. والمدبر في هذا العالم "الرسول" على مذهب الحنفاء، ثم يكون بين الرسول والروح مناسبة، وملاقاة عقلية، فيكون الروح الأول مصدرا، والرسول مظهرا. ويكون بين الرسول وسائر الشر مناسبة وملاقاة حسية، فيكون الرسول مؤديا، والبشر قابلا.
قال الصابئة:
الجسمانيات مركبة من مادة، وصورة، والمادة لها طبيعة عدمية، وإذا بحثنا عن أسباب الشر، والفساد، والسفه والجهل لم نجد لها سببا سوى المادة والعدم، وهما منبعا الشر.
والروحانيات غير مركبة من المادة والصورة، بل هي صور مجردة، والصورة لها طبيعة وجودية. وإذا بحثنا عن أسباب الخير، والصلاح، والحكمة، والعلم لم نجد لها سببا سوى الصورة، وهي منبع الخير. فنقول: ما فيه أصل الخير، أو ما هو أصل الخير كيف يماثل ما فيه أصل الشر؟!
أجابت الحنفاء:
بأن ما ذكرتم في المادة أنها سبب الشر فغير مسلم: فإن من المواد ما هو سبب الصور كلها عند قوم، وذلك هو الهيولى١ الأولى، والعنصر الأول. حتى صار كثير من قدماء الفلاسفة إلى أن وجودها قبل وجود العقل. ثم إن سلم، في المركب من المادة والصورة كالمركب من الوجوب والجواز عندكم، فإن الجواز له طبيعة عدمية، وما من وجود سوى وجود الباري تعالى إلا وجوده جائز بذاته واجب بغيره، فيجب أن يلازمه أصل الشر.
_________________
(١) ١ الهيولي: المادة، وتجمع على هيولات. والكلمة يونانية.
[ ٢ / ٧٣ ]
قالوا: وإن سلم لكم أيضا تلك المقدمة، فعندنا صور النفوس البشرية، وخصوصا صور النفوس النبوية كانت موجودة قبل وجود المواد، وهي المبادئ الأولى حتى صار كثير من الحكماء إلى إثبات أناس سرمديين١، وهي الصور المجردة التي كانت موجودة قبل العقل كالظلال حول العرش ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ٢، وكانت هي أصل الخير ومبدأ الوجود. ولكن لما ألبست الصور البشرية لباس المادة؛ تشبثت بالطبيعة، وصارت المادة شبكة لها، فساح عليها الواهب الأول فبعث إليها واحدا من عالمه، وألبسه لباس المادة، ليخلص الصور عن الشبكة، لا ليكون هو المتشبث بها، المنغمس فيها، المتوسخ بأوضارها٣، المتدنس بآثارها. وإلى هذا المعنى أشار حكماء الهند رمزا بالحمامة المطوقة، والحمامات الواقعة في الشبكة.
ثم قالوا: معاشر الصابئة! أبدا تشنعون علينا بالمادة ولوازمها، وما لم نفصل القول فيها لم ننج من تشنيعكم.
فنقول: النفوس البشرية وخصوصا النبوية من حيث أنها نفوس، فهي مفارقة للمادة، مشاركة لتلك النفوس الروحانية: إما مشاركة في النوع بحيث يكون التمييز بالأعراض والأمور العرضية، وأما مشاركة في الجنس، بحيث يكون الفصل بالأمور الذاتية، ثم زادت على تلك النفوس باقترانها بالجسد أو بالمادة. والجسد لم ينتقص منها، بل كملت هي لوازم الجسد، وكملت بها، حيث استفادت من الأمور الجسدانية ما تجسدت بها في ذلك العالم من العوم الجزئية، والأعمال الخلقية. والروحانيات فقدت هذه الأبدان لفقدان هذا الاقتران، فكان الاقتران خيرا لا شر فيه، وصلاحا لا فساد معه، ونظاما لا فسخ له فكيف يلزمنا ما ذكرتموه؟
_________________
(١) ١ أصل السرمد الدائم، والسرمدي مالا أول له ولا آخر. ٢ الزمر آية ٧٥. ٣ الوضر: الوسخ، من وضر يوضر مثل تعب يتعب: كان وسخا.
[ ٢ / ٧٤ ]
قالت الصابئة:
الروحانيات: نورانية، علوية، لطيفة١، والجسمانيات: ظلمانية، سفلية، كثيفة، فكيف يتساويان والاعتبار في الشرف والفضيلة بذوات الأشياء، وصفاتها، ومراكزها، ومحالها؟. فعالم الروحانيات: العلو لغاية النور واللطافة، وعالم الجسمانيات: السفل لغاية الكثافة والظلمة. العالمان متقابلان، والكمال للعلوي لا للسفلي. والصفتان متقابلتان، والفضيلة للنور لا للظلمة.
أجابت الحنفاء:
قالوا: لسنا نوافقكم أولا على أن الروحانيات كلها نورانية، ولا نساعدكم ثانيا أن الشرف للعلو، ولا نساهلكم أصلا أن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء.
وعلينا بيان هذه المقدمات الثلاث، فإن فيها فوائد كثيرة.
أما الأولى؛ فقالوا: حكمتم على الروحانيات حكم التساوي، وما اعتبرتم فيها التضاد والترتب. وإذا كانت الموجودات كلها، روحانيها وجسمانيها، على قضية التضاد والترتب، فلما أغفلتم الحكمين ههنا؟! وذلك أن من قال: الروحاني هو ما ليس بجسماني، فقد أدخل جواهر الشياطين والأبالسة والأراكنة٢ في جملة الروحانيات، وكذلك من أثبت الجن أثبتها روحانية لا جسمانية. ثم من الجن من هو مسلم، ومنها من هو ظالم. ومن قال الروحاني هو المخلوق روحا، فمن الأرواح ما هو خير، ومنها ما هو شرير. والأرواح الخبيثة أضداد الأرواح الطيبة، فلا بد إذن من إثبات تضاد بين الجنسين، وتنافر بين الطرفين. فلم نسلم دعواكم أنها كلها نورانية.
بلى: وعندنا، معاشر الحنفاء، الروح هو الحاصل بأمر الباري تعالى، الباقي على مقتضى أمره فمن كان لأمره تعالى أطوع، وبرسالات رسله أصدق كانت الروحانية
_________________
(١) ١ لطف لطفا ولطافة: صغر ودق فهو لطيف "ضد ضخم وكثف". ٢ أصل الأركون: الرئيس والمقدم والدهقان المعظم، وهي يونانية.
[ ٢ / ٧٥ ]
فيه أكثر، والروح عليه أغلب، ومن كان لأمره تعالى أنكر، وبشرائعه أكذب: كانت الشيطنة عليه أغلب.
هذه قاعدتنا في الروحانيات، فلا روحاني أبلغ في الروحانية، من ذوات الأنبياء والرسل ﵈.
وأما قولكم: إن الشرف للعلو، إن عنيتم به علو الجهة فلا شرف فيه، فكم من عال جهة: سافل رتبة، وعلما، وذاتا، وطبيعة، وكم من سافل: جهة عال على الأشياء كلها رتبة، وفضيلة، وذاتا، وطبيعة.
وأما قولكم: إن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء، وصفاتها، ومحالها، ومراكزها، فليس بحق، وهو مذهب اللعين الأول حيث نظر إلى ذاته، وذات آدم ﵇، ففضل ذاته، إذ هي مخلوقة من النار، وهي علوية نورانية، على ذات آدم وهو مخلوق من الطين، وهو سفلي ظلماني.
بل عندنا الاعتبار في الشرف بالأمر وقبوله. فمن كان أقبل لأمره، وأطوع لحكمه، وأرضى بقدره فهو أشرف، ومن كان على خلاف ذلك فهو أبعد، وأخس، وأخبث. فأمر الباري تعالى هو الذي يعطي الروح ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ١، وبالروح يحيا الإنسان الحياة الحقيقية، وبالحياة يستعد للعقل الغريزي، وبالعقل يكتسب الفضائل ويجتنب الرذائل. ومن لم يقبل أمر الباري تعالى فلا روح له، ولا حياة له، ولا عقل له، ولا فضيلة له، ولا شرف عنده.
قالت الصابئة:
الروحانيات فضلت الجسمانيات بقوتي العلم، والعمل.
أما العلم فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنا، وإطلاعها على مستقبل الأحوال الجارية علينا، ولأن علومها كلية، وعلوم الجسمانيات جزئية، وعلومهم فعلية، وعلوم
_________________
(١) ١ الإسراء آية ٨٥.
[ ٢ / ٧٦ ]
الجسمانيات انفعالية. وعلومهم فطرية، وعلوم الجسمانيات كسبية فمن هذه الوجوه تحقق لها الشرف على الجسمانيات.
وأما العمل فلا ينكر أيضا عكوفهم على العبادة، ودوامهم على الطاعة ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ١ لا يلحقهم كلال ولا سآمة، ولا يرهقهم ملال ولا ندامة. فتحقق لها الشرف أيضا بهذا الطرف، وكان أمر الجسمانيات بالخلاف من ذلك.
أجابت الحنفاء عن هذا بجوابين:
أحدهما: التسوية بين الطرفين، وإثبات زيادة في جانب الأنبياء ﵈. والثاني: بيان ثبوت الشرف في غير العلم والعمل.
أما الأول: فإنهم قالوا: علوم الأنبياء ﵈ كلية وجزئية، وفعلية وانفعالية، وفطرية وكسبية. فمن حيث تلاحظ عقولهم عالم الغيب -منصرفة عن عالم الشهادة تحصل لهم العلوم الكلية فطرة ودفعة واحدة، ثم إذا لاحظوا عالم الشهادة حصلت لهم العلوم الجزئية اكتسابا بالحواس على ترتيب وتدريج، فكما أن للإنسان علوما نظرية هي المعقولات، وعلوما حاصلة بالحواس عن المحسوسات، فعالم المعقولات بالنسبة إلى الأنبياء كعالم المحسوسات بالنسبة إلى سائر الناس، فنظرياتنا فطرية لهم، ونظرياتهم لا نصل إليها قط، بل ومحسوساتنا مكتسبة لهم، ولنا بكواسب الجوارح: جوارح الحواس. فأمزجه الأنبياء ﵈ أمزجة نفسانية، ونفوسهم نفوس عقلية، وعقولهم عقول أمرية. ولو وقع حجاب في بعض الأوقات فذاك لموافقتنا ومشاركتنا، كي تزكي هذه العقول وتصفي هذه الأذهان والنفوس، وإلا فدرجاتهم وراء ما يقدر.
وأما الثاني: فإنهم قالوا: من العجب أنهم لا يعجبون بهذه العلوم، بل ويؤثرون التسليم على البصيرة، والعجز على القدرة، والتبرؤ من الحول والقوة على الاستقلال، والفطرة على الاكتساب ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ٢على ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٣.
_________________
(١) ١ فتر عن العمل فتورا من باب قعد -انكسرت حدته، ولان بعد شدته- الأنبياء آية ٢٠. ٢ الأحقاف آية ٩. ٣ القصص آية ٧٨.
[ ٢ / ٧٧ ]
ويعلمون أن الملائكة والروحانيات بأسرها وإن علمت إلى غاية قوة نظرها وإدراكها ما أحاطت بما أحاط به علم الباري تعالى، بل لكل منهم مطرح نظر، ومسرح فكر، ومجال العقل، ومنتهى أمل، ومطار وهم وخيال وإنهم إلى الحد الذي انتهى نظرهم إليه مستبصرون، ومن ذلك الحد إلى ما وراءه ما لا يتناهى مسلمون مصدقون، وإنما كمالهم في التسليم لما لا يعلمون، والتصديق لما يجهلون، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ١ ليس كمال حالهم، بل ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٢ هو الكمال.
فمن أين لكم معاشر الصابئة أن الكمال والشرف في العلم والعمل لا في التسليم والتوكل؟
وإذا كانت غاية العلوم هذه الدرجة، فجعلت نهاية أقدام الملائكة والروحانيين بداية أقدام السالين من الأنبياء والمرسلين ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣، فعالم الروحانيات بالنسبة إليهم شهادة، وبالنسبة إلينا غيب، وعالم البشر الجسمانيات بالنسبة إلينا شهادة، وبالنسبة إليهم غيب. والله تعالى هو الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٤.
قالت الحنفاء:
من علم أنه لا يعلم، فقد أحاط بكل العلم، ومن اعترف بالعجز عن أداء الشكر، فقد أدى كل الشكر.
قالت الصابئة:
الروحانيات لهم قوة تصريف الأجسام، وتقليب الأجرام. والقوة التي لهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب٥ فتنحسر، ولكن القوى الروحانية بالخواص الجسمانية أشبه، وإنك لترى الخامة اللطيفة من النبات في بدء نموها تفتق الحجر، وتشق الصخر، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من القوة السماوية، ولو كانت هي
_________________
(١) ١، ٢ البقرة آية ٣٠، ٣٢. ٣ النمل آية ٦٥. ٤ طه آية ٧،. ٥ اللغوب: التعب والإعياء.
[ ٢ / ٧٨ ]
قوى مزاجية لما بلغت إلى هذا المنتهى. فالروحانيات هي التي تتصرف في الأجسام تقليبا وتصريفا، لا يثقلهم حمل الثقيل، ولا يستخفهم تحريك الخفيف. فالرياح تهب بتحريكها، والسحاب يعرض ويزول بتصريفها. وكذلك الزلازل تقع في الجبال بسبب من جهتها. وكل هذه، وإن استندت إلى أسباب جزئية، فإنها تستند في الآخرة إلى أسباب من جهتها.
ومثل هذه القوة عديم الوجود في الجسمانيات.
أجابت الحنفاء:
وقالوا: منا يقتبس تفصيل القوى، وتجنيسها.
فإن القوى تنقسم إلى: قوى معدنية، وقوى نباتية، وقوى حيوانية، وقوى إنسانية، وقوى ملكية، وقوى روحانية، وقوى نبوية ربانية. والإنسان مجمع القوى بجملتها، والإنسانية النبوية تفضلها بقوى ربانية ومعان إلهية.
فنذكر أولا: وجه تركيب الإنسان ووجه ترتيب القوى فيه. ثم نذكر تركيب البشرية النبوية، وترتيب القوى فيها، ثم نخاير بين الوضعين: الروحاني منهما، والجسماني، وإليك الاختيار.
أما شخص الإنسان فمركب من الأركان الأربعة: التراب، والماء، والهواء، والنار، التي لها الطبائع الأربعة: اليبوسة، والرطوبة، والحرارة، والبرودة، ثم مركب فيه نفوس ثلاثة إحداها: نفس نباتية تنمو، وتتغذى، وتولد المثل، والثانية نفس حيوانية تحس، وتتحرك بالإرادة، والثالثة نفس إنسانية بها يميز، ويفكر، ويعبر عما يفكر.
ووجود النفس الأولى من الأركان وطباعها، وبقاءها بها، واستمدادها منها، ووجود النفس الثانية من الأفلاك وحركاتها، وبقاؤها بها، واستمدادها منها، ووجود النفس الثالثة من العقول البحتة والروحانيات الصرفة، وبقاؤها بها، واستمدادها منها.
[ ٢ / ٧٩ ]
ثم إن النباتية تطلب الغذاء طبعا، والحيوانية تطلب الغذاء حسا، والإنسانية تطلب الغذاء اختيارا وعقلا. ولكل نفس منها محل. فمحل النباتية الكبد، ومنه مبدأ النمو والنشوء، وعن هذا جعل فيه عروق دقاق ينفذ فيها الغذاء إلى الأطراف. ومحل الحيوانية: القلب، ومنه مبدأ تدبير الحس والحركة، وعن هذا فتح منه عروق إلى الدماغ، فيصعد إلى الدماغ. من حرارته ما يعدل تلك البرودة وينزل منه من آثاره ما يدبر به الحركة. ومحل الإنسانية تصريفا وتدبيرا الدماغ، ومنه مبدأ الفكر، والتعبير عن الفكر، وعن هذا فتحت إليه أبواب الحواس مما يلي هذا العالم، وفتحت إليه أبواب المشاعر مما يلي ذلك العالم. وههنا ثلاثة أعضاء ممدات لا بد منها: المعدة التي تمد الكبد بالغذاء، والرئة التي تمد القلب بترويح الهواء، والعروق التي تمد الدماغ بالحرارة.
فإن التركيب الإنساني أشرف التراكيب، فإن فيه جميع آثار العالم الجسماني والروحاني. وترتيب القوى فيه أكل التراتيب. فهو مجمع آثار الكونين والعالمين، فكل ما هو في العالم منتشر ففيه مجتمع، وكل ما هو فيه من خواص الاجتماع فليس للعالم البتة، لأن للاجتماع والتركيب خاصية لا توجد في حال الافتراق والانحلال. واعتبر فيه حالة السكر والخل، وحال السكنجبين١، وكذلك الحكم في كل مزاج.
هذا وجه تركيب البدن، وترتيب القوى الخاصة به.
وأما وجه اتصال النفس به، وترتيب القوى الخاصة بها مما يلي هذا العالم، ومما يلي ذلك العالم، فاعلم أن النفس الإنسانية جوهر هو أصل القوى المحركة، والمدركة، والحافظة للمزاج: تحرك الشخص بالإرادة، لا في جهات ميله الطبيعي، وتتصرف في أجزائه، ثم في جملته، وتحفظ مزاجه عن الانحلال، وتدرك بالمشاعر المركوزة فيه وهي الحواس الخمسة، فبالقوة الباصرة تدرك الألوان والأشكال، وبالقوة السامعة تدرك الأصوات والكلمات، وبالقوة الشامة تدرك الروائح، وبالقوة الذائقة تدرك المطعومات، وبالقوة اللامسة تدرك
_________________
(١) ١ السكنجبين: كلمة فارسية معناها: خل وعسل. وهي بفتح السين والكاف، وسكون النون، وفتح الجيم.
[ ٢ / ٨٠ ]
الملموسات. وله فروع من قوى منبثة في أعضاء البدن، حتى إذا أحس بشيء من أعضائه، أو تخيل، أو توهم، أو اشتهى، أو غضب ألفى العلاقة التي بينه وبين تلك الفروع هيئة فيه، حتى يفعل، وله إدراك وقوة تحريك.
أما الإدراك فهو أن يكون مثال حقيقة المدرك: متمثلا مرتسما في ذات المدرك، غير مباين له. ثم المثال قد يكون مثال صورة الشيء، وقد يرتسم في القوة الباصرة وقد غشيته غواش غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته، مثل أين، وكيف، ووضع، وكم معينة، لو توهم بدلها غيرها لم يؤثر في ماهية ذلك المدرك، والحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة لا يجردها عنه، ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته.
ثم الخيال الباطن يتخيله مع تلك العوارض التي لا يقدر على تجريده المطلق عنها، لكنه يجرده عن تلك العوائق الوضعية التي تعلق بها الحس، فهو يتمثل صورة مع غيبوبة حاملها، وعنده مثال العوارض، لا نفس العوارض، ثم الفكر العقلي يجرده عن تلك العوارض، فيعرض ماهيته وحقيقته على العقل، فيرتسم فيه مثال حقيقته، حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا. وأما ما هو بريء في ذاته عن الشوائب المادية منزه عن العوارض الغريبة، فهو معقول لذاته، ليس يحتاج إلى عمل يعمل فيه، فيعقله ما من شأنه أن يعقله، فلا مثال له يتمثل في العقل، ولا ماهية له فيجرد له، ولا وصول إليه بالإحاطة والفطرة، إلا أن البرهان يدلنا عليه ويرشدنا إليه.
وكثيرا ما يلاحظ العقل الإنساني عالم العقل الفعال فيرتسم فيه من الصور المجردة المعقولة ارتساما بريئا عن العوائق المادية والعوارض الغريبة، فيبتدر الخيال إلى تمثله، فيمثله في صورة خيالية مما يناسب عالم الحس، فينحدر إلى الحس المشترك ذلك المثال، فيبصره كأنه يراه معاينا مشاهدا يناجيه ويشاهده، حتى كأن العقل عمل بالمعقول عملا جعله محسوسا، وذلك إنما يكون عند اشتغال الحواس كلها عن أشغالها، وسكون المشار عن حركاتها في النوم لجماعة. وفي اليقظة للأبرار.
[ ٢ / ٨١ ]
يا عجبا كل العجب من تركيب على هذا النمط!! ومن أين لغيره مثله؟؟
ونعود إلى ترتيب القوى وتعيين محالها.
أما القوى المتعلقة بالبدن التي ذكرناها آلات ومشاعر للجوهر الإنساني.
فالأولى منها: الحس المشترك المعروف "ببنطاسيا" الذي هو مجمع الحواس، ومورد المحسوسات، وآلتها الروح المصبوب في مبادئ عصب الحس، لا سيما في مقدم الدماغ.
والثانية: الخيال والمصورة. وآلتها الروح المصبوب في البطن والمقدم من الدماغ، لا سيما في الجانب الأخير.
والثالثة: الوهم الذي هو لكثير من الحيوان، وهو ما به تدرك الشاة معنى في الذئب فتنفر منه، وبه تدرك معنى في النوع فتنفر إليه وتزدوج به، وآلته الدماغ كله، لكن الأخص منه به هو التجويف الأوسط.
والرابعة: المفكرة، وهي قوة لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن الحس المشترك والمعاني الوهمية المدركة بالوهم، فتارة تجمع، وتارة تفصل، وتارة تلاحظ العقل فتعرض عليه، وتارة تلاحظ الحس فتأخذ منه، وسلطانها في الجزء الأول من وسط الدماغ، وكأنها قوة ما للوهم، وتتوسط بين الوهم والعقل.
والخامسة: القوة الحافظة، وهي التي كالخزانة لهذه المدركات الحسية، والوهمية، والخيالية دون العقلية الصرفة، فإن المعقول البحت لا يرتسم في جسم ولا في قوة في جسم، والحافظة قوة في جسم، وآلتها الروح المصبوب في أول البطن المؤخر من الدماغ.
والسادسة: القوة الذاكرة، وهي التي تستعرض ما في الخزانة على جانب العقل أو على الخيال والوهم، وآلتها الروح المصبوب في آخر البطن المؤخر من الدماغ.
وأما المعقول الصرف المبرأ عن الشوائب المادية، فلا يحل في قوة جسمانية وآلة جسدانية، حتى يقال ينقسم بانقسامها، ويتحقق لها وضع ومثال، ولهذا لم تكن القوة الحافظة، خزانة لها، بل المصدر الأول الذي أفاض عليها تلك الصورة صار خازنا لها.
[ ٢ / ٨٢ ]
فحيثما طالعته النفس الإنسانية بقوتها العقلية المناسبة لواهب الصور نوعا من المناسبة، فاضت منه عليها تلك الصور المستحفظة له، حتى كأنه ذكرها بعد ما نسيت، ووجدها بعدما ضلت عنه.
وغريزة النفس الصافية تنزع إلى جانب القدس في تذكار الأمور الغائبة عن حضرة العقل نزاعا طبيعيا، فتستحضر ما غاب عنها، ولهذا السر أخبر الكتاب الإلهي: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ١.حتى صار كثير من الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكار، وذلك أن النفوس كانت في البدء الأول في عالم الذكار ثم هبطت إلى عالم النسيان فاحتاجت إلى مذكرات لما قد نسيت، معيدات إلى ما كانت قد ابتدأت: ﴿وذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ - ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه﴾ ٣.
ثم للنفس الإنسانية قوى عقلية، لا جسمانية، وكمالات نفسانية روحانية، لا جسدانية فمن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي القوة التي تختص باسم العقل العملي، وذلك أن تستنبط الواجب فيما يجب أن يفعل ولا يفعل، ومن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلا بالفعل، وإنما يخرج من القوة إلى الفعل بمخرج غير ذاتها لا محالة، فيجب أن يكون لها قوة استعدادية تسمى عقلا هيولانيا٤، حتى يقبل من غيرها ما به يخرجها من الاستعداد إلى الكمال. فأول خروج لها إلى الفعل حصول قوة أخرى من واهب الصور يحصل لها عند استحضار المعقولات الأول، فيتهيأ بها لاكتساب الثواني: إما بالفكر، وإما بالحدس، فيتدرج قليلا قليلا إلى أن يحصل لها ما قدر لها من المعقولات، ولكل نفس استعداد إلى حد ما لا يتعداه، ولكل عقل حد ما لا يتخطاه، فيبلغ إلى كماله المقدر له، ويقتصر على قوته المركوزة فيه ولا يتبين ههنا وجود التضاد بين النفوس والعقول، ووجوب الترتب فيها.
_________________
(١) ١ الكهف آية ٢٤. ٢ الذاريات آية ٥٥. ٣ إبراهيم آية ٥. ٤ نسبة إلى هيولي بمعنى المادة كما سبق.
[ ٢ / ٨٣ ]
وإنما يعرف مقادير العقول ومراتب النفوس الأنبياء والمرسلون الذين اطلعوا على الموجودات كلها روحانياتها وجسمانياتها، معقولاتها ومحسوساتها، كلياتها وجزئياتها، علوياتها وسفلياتها فعرفوا مقاديرها وعينوا موازينها ومعاييرها.
وكل ما ذكرناه من القوى الإنسانية فهي حاصلة لهم، مركبة فيهم، منصرفة كلها عن جانب الغرور إلى جانب القدس، مستديمة الشروق بنور الحق فيها، حتى كأن كل قوة من القوى الجسدانية والنفسانية ملك روحاني موكل بحفظ ما وجه إليه، واستتمام ما رشح له. بل ومجموع جسده ونفسه مجمع آثار العالمين من الروحانيات والجسمانيات، وزيادة أمرين أحدهما ما حصل له من فائدة التركيب والترتيب كما بينا من مثال السكر والخل. والثاني ما أشرق عليه من الأنوار القدسية وحيان وإهاما، ومناجاة، وإكراما.
فأين للروحاني هذه الدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والكمال الموجود؟
بل ومن أين للروحانيات كلها هذا التركيب الذي خص نوع الإنسان به؟
وما تعلقوا به من القوة البالغة على تحريك الأجسام، وتصريف الأجرام١، فليس يقتضي شرفا، فإن ما يثبت لشيء ويثبت لضده مثله لم يتضمن شرفا. ومن المعلوم أن الجن والشياطين قد ثبت لهم من القوة البالغة والقدرة الشاملة ما يعجز كثير من الموجودات عن ذلك، وليس ذلك مما يوجب شرفا وكمالا. وإنما الشرف في استعمال كل قوة فيما خلقت له، وأمرت به، وقدرت عليه.
قالت الصابئة:
الروحانيات لها اختيارات صادرة من الأمر. متوجهة إلى الخير، مقصورة على نظام العالم، وقوام الكل. لا يشوبها البتة شائبة الشر، وشائبة الفساد، بخلاف اختيار البشر، فإنه متردد بين طرفي الخير والشر لولا رحمة الله في حق البعض، وإلا فوضع
_________________
(١) ١ الجرم: بكسر الجيم، الجسد.
[ ٢ / ٨٤ ]
اختيارهم كان ينزع إلى جانب الشر والفساد، إذا كانت الشهوة والغضب المركوزتان فيهم يجرانهم إلى جانبهما. وأما الروحانيات فلا ينازع اختيارهم إلا التوجه إلى وجه الله تعالى، وطلب رضاه، وامتثال أمره، فلا جرم! كل اختيار هذا حاله لا يتعذر عليه ما يختاره، فكما أراد، واختار وجد المراد، وحصل المختار.
وكل اختيار ذلك حاله تعذر عليه ما يختاره، فلا يوجد المراد، ولا يحصل المختار.
أجابت الحنفاء بجوابين:
أحدهما: نيابة عن جنس البشر، والثاني: نيابة عن الأنبياء ﵈.
أما الأول فنقول: اختيار الروحانيات إذا كان مقصورا على أحد الطرفين، محصورا: كان في وضعه مجبورا، ولا شرف في الجبر. واختيار البشر تردد بين طرفي الخير والشر، فمن جانب يرى آيات الرحمن، ومن طرف يسمع وساوس الشيطان، فتميل به تارة دعوة الحق إلى امتثال الأمر، وتميل به طورا داعية الشهوة إلى أتباع الهوى. فإذا أقر طوعا وطبعا بوحدانية الله تعالى، واختار من غير جبر وإكراه طاعته، وصير اختياره المتردد بين الطرفين مجبورا تحت أمره تعالى باختيار من جهته من غير إجبار: صار هذا الاختيار أفضل وأشرف من الاختيار المجبور فطرة. كالمكره فعله: كسبا، الممنوع عما لا يجب جبرا، ومن لا شهوة له فلا يميل إلى المشتهى، كيف يمدح عليه؟ وإنما المدح كل المدح لمن زين له المشتهى، فنهى النفس عن الهوى. فتبين أن اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيات.
وأما الثاني: فنقول: إن اختيار الأنبياء ﵈ مع ما أنه ليس من جنس اختيار البشر من وجه، فهو متوجه إلى الخير، مقصور على الصلاح الذي به نظام العالم وقوام الكل، صادر عن الأمر، صائر إلى الأمر، لا يتطاق إلى اختيارهم ميل إلى الفساد، بل ودرجتهم فوق ما يبتدر إلى الأوهام، فإن العالي لا يريد أمرا لأجل السافل، من حيث هو سافل، بل إنما يختار ما يختار لنظام كلي، وأمر أعلى من الجزئي.
[ ٢ / ٨٥ ]
ثم يتضمن ذلك حصول نظام في الجزئي تبعا لا مقصودا. وهذا الاختيار والإرادة على جهة سنة الله تعالى في اختياره ومشيئته للكائنات، لأن مشيئته تعالى كلية متعلقة بنظام الكل، غير معللة بعلة، حتى لا يقال إنما اختار هذا لكذا، وإنما فعل هذا لكذا، فلكل شيء علة ولا علة لصنعه تعالى، بل لا يريد إلا كما علم. وذلك أيضا ليس بتعليل، لكنه بيان أن إرادته أعلى من أن تتعلق بشيء لعلة دونها، وإلا لكان ذلك الشيء حاملا له على ما يريد. وخالق العلل والمعلولات لا يكون محمولا على شيء، فاختياره لا يكون معللا بشيء. واختياره الرسول المبعوث من جهته ينوب عن اختياره، كما أن أمره ينوب عن أمره، فيسلك سبل ربه ذللا١، ثم يخرج من قضية اختياره نظام حال وقوام أمر مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس. فمن أين للروحانيات هذه المنزلة؟ وكيف يصلون إلى هذه الدرجة؟
كيف، وكل ما يذكرونه، فموهوم، وكل ما يذكره النبي فمحقق مشاهدة، وعيان. بل وكل ما يحكى عن الروحانيات من كمال علمهم، وقدرتهم، ونفوذ اختيارهم، واستطاعتهم، فإنما أخبرنا بذلك الأنبياء والمرسلون ﵈. وإلا فأي دليل أرشدنا إلى ذلك ونحن لم نشاهدهم، ولم نستدل بفعل من أفعالهم على صفاتهم وأحوالهم؟
قالت الصابئة:
الروحانيون متخصصون بالهياكل العلوية، مثل زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر، وهذه السيارات كالأبدان والأشخاص بالنسبة إليها، وكل ما يحدث من الموجودات، ويعرض من الحوادث، فكلها مسببات هذه الأسباب، وآثار هذه العلويات، فيفيض على هذه العلويات من الروحانيات تصريفات وتحريكات إلى جهات الخير والنظام، ويحصل من حركاتها واتصالاتها تركيبات وتأليفات في هذا العالم، ويحدث في المركبات أحوال ومناسبات فهم الأسباب الأول،
_________________
(١) ١ ذللا: جمع ذلول، وهي حال من السبل. والمعنى مسخرة فلا تعسر عليه.
[ ٢ / ٨٦ ]
والكل مسبباتها، والمسبب لا يساوي السبب والجسمانيون متشخصون بالأشخاص السفلية، والمتشخص كيف يماثل غير المتشخص؟
وإنما يجب على الأشخاص في أفعالهم وحركاتهم اقتفاء آثار الروحانيات في أفعالها وحركاتها، حتى يراعى أحوال الهياكل وحركات أفلاكها زمانا ومكانا، وجوهرا، وهيئة، ولباسا، وبخورا، وتعزيما. وتنجيما، ودعاءً، وحاجة خاصة بكل هيكل، فيكون تقربا إلى الهيكل تقربا إلى الروحاني الخاص به، فيكون تقربا إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب، حتى يقضي حاجته، ويتم مسألته.
وسيأتي تفصيل ما أجملوه من أمر الهياكل عند ذكر أصحابها إن شاء الله تعالى.
أجابت الحنفاء:
بأن قالوا: الآن نزلتم عن نيابة الروحانيات الصرفة إلى نيابة هياكلها، وتركتم مذهب الصبوة الصرفة. فإن الهياكل أشخاص الروحانيين. والأشخاص هياكل الربانيين، غير أنكم أثبتم لكل روحاني هيكلا خاصا، له فعل خاص لا يشاركه فيه غيره.
ونحن نثبت أشخاصا رسلا كراما، تقع أوضاعهم وأشخاصهم في مقابلة كل الكون: الروحاني منهم في مقابلة الروحاني منها. والأشخاص منهم في مقابلة الهياكل منها، وحركاتهم في مقابلة حركات جميع الكواكب والأفلاك، وشرائعهم مراعاة حركات استندت إلى تأييد إلهي، ووحي سماوي موزونة بميزان العدل، مقدرة على مقادير الكتاب الأول، ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ١، ليست مستخرجة بالآراء المظلمة، ولا مستنبطة بالظنون الكاذبة إن طابقتها على المعقولات تطابقتا، وإن وافقتها بالمحسوسات توافقتا.
كيف ونحن ندعي أن الدين الإلهي هو الموجود الأول، والكائنات تقدرت عليه،
_________________
(١) ١ الحديد آية ٢٥.
[ ٢ / ٨٧ ]
وأن المناهج التقديرية هي الأقدم، ثم المسالك الخلقية والسنن الطبيعية توجهت إلينا. ولله تعالى سنتان في خلقه وأمره، والسنة الأمرية اقدم وأسبق من السنة الخلقية. وقد أطلع خواص عباده من البشر على السنتين ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ١ هذا من جهة الخلق، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٢ هذا من جهة الأمر.
فالأنبياء ﵈ متوسطون في تقرير سنة الأمر. والملائكة متوسطون في تقرير سنة الخلق. والأمر أشرف من الخلق، فمتوسط الأمر أشرف من متوسط الخلق، فالأنبياء ﵈ أفضل من الملائكة.
وهذا عجب حيث صارت الروحانيات الأمرية متوسطات في الخلق، وصارت الأشخاص الخلقية متوسطين في الأمر، ليعلم إن الشرف والكمال في التركيب لا في البساطة، واليد للجسمائي لا للروحاني، والتوجه إلى التراب أولى من التوجه إلى السماء، والسجود لآدم ﵇ أفضل من التسبيح والتحميد والتقديس.
وليعلم أن الكمال في إثبات الرجال، لا في تعيين الهياكل والظلال، وانهم هم الآخرون وجودا، السابقون فضلا، وأن آخر العمل أول الفكرة، وأن الفطرة لمن له الحجة. وأن المخلوق بيديه لا يكون كالمكون بحرفيه، قال ﷿: "فوعزتي وجلالي، لا أجعل من خلقته بيدي، كمن قلت له كن فكان" ٣.
قالت الصابئة:
الروحانيات مبادئ الموجودات وعالمها معاد الأرواح. والمبادئ أشرف ذاتا، وأسبق وجودا، وأعلى رتبة ودرجة من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها. وكذلك عالمها، عالم المعاد، والمعاد كمال، فعالمها عالم الكمال.
_________________
(١) ١، ٢ فاطر آية ٤٢ والتلاوة -فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولم تجد لسنة الله تحويلا-. ٣ من الأحاديث القدسية.
[ ٢ / ٨٨ ]
فالمبدأ منها، والمعاد إليها، والمصدر عنها، والمرجع إليها بخلاف الجسمانيات. وأيضا، فإن الأرواح إنما نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان، فتوسخت بأوضار الأجسام، ثم تطهرت عنها بالأخلاق الزكية، والأعمال المرضية، حتى انفصلا عنها، فصعدت إلى عالمها الأول. والنزول هو النشأة الأولى، والصعود هو النشأة الآخرة. فعرف أنهم أصحاب الكمال، لا أشخاص الرجال.
أجابت الحنفاء:
قالوا: من أين تسلمتم هذا التسليم: أن المبادئ هي الروحانيات؟ وأي برهان أقمتم؟، وقد نقل عن كثير من قدماء الحكماء إن المبادئ هي الجسمانيات، على اختلاف منهم في الأول منها أنه نار، أو هواء، أو ماء، أو أرض؟ واختلاف آخر: أنه مركب، أو بسيط؟ واختلاف آخر: أنه إنسان، أو غيره؟، حتى صارت جماعة إلى إثبات أناس سرمديين.
ثم منهم من يقول: إنهم كانوا كالظلال حول العرش، ومنهم من يقول إن الآخر وجودا من حيث الشخص في هذا العالم هو الأول وجودا من حيث الروح في ذلك العالم. وعليه خرج أن أول الموجودات نور محمد ﵇، فإذا كان شخصه هو الآخر من جملة الأشخاص النبوية، فروحه هو الأول من جملة الأرواح الربانية، وإنما حضر هذا العالم ليخلص الأرواح المدنسة بالأوضار الطبيعية، فيعيدها إلى مبدئها، وإذا كان هو المبدأ، فهو المعاد أيضا. فهو النعمة وهو النعيم، وهو الرحمة وهو الرحيم.
قالوا: ونحن إذا أثبتنا إن الكمال في التركيب، لا في البساطة والتحليل، فيجب أن يكون المعاد بالأشخاص والأجساد، لا بالنفوس والأرواح، والمعاد كمال لا محالة. غير أن الفرق بين المبدأ والمعاد هو أن الأرواح في المبدأ مستورة بالأجساد، وأحكام الأجساد غالبة، وأحوالها ظاهرة للحس، والأجساد في المعاد مغمورة بالأرواح، وأحكام النفوس غالبة، وأحوالها ظاهرة للعقل، وإلا فلو كانت الأجساد تبطل رأسا، وتضمحل أصلا،
[ ٢ / ٨٩ ]
وتعود الأرواح إلى مبدئها الأول ما كان الاتصال بالأبدان والعمل بالمشاركة فائدة، ولبطل تقدير الثواب والعقاب على فعل العباد. ومن الدليل القاطع على ذلك أن النفوس الإنسانية في حال اتصالها بالبدن اكتسبت أخلاقا نفسانية صارت هيئات متمكنة فيها تمكن الملكات، حتى قيل أنها نزلت منزلة الفصول اللازمة التي تميزها عن غيرها، ولولاها لبطل التمييز. وتلك الهيئات إنما حصلت بمشاركات من القوى الجسمانية، بحيث لن يتصور وجودها إلا مع تلك المشاركة، وتلك القوى لن تتصور إلا في أجسام مزاجية، فإذا كانت النفوس لن تتصور إلا معها وهي المعينة المخصصة وتلك لن تتصور إلا مع الأجسام، فلا بد من حشر الأجسام، والمعاد بالأجسام.
قالت الصابئة:
طريقنا في التوسل إلى حضرة القدس ظاهر، وشرعنا معقول، فإن قدماءنا من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصا في مقابلة الهياكل العلوية على نسب وإضافات، راعوا فيها جوهراُ وصورة، وعلى أوقات وأحوال وهيئات، أوجبوا على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العلويات تختمان ولباسا، وتبخرا ودعاء وتعزيما، فتقربوا إلى الروحانيات، فتقربوا إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب. وهو طريق متبع، وشرع ممهد لا يختلف بالأمصار والمدن، ولا ينتسخ بالأدوار والأكوار١. ونحن تلقينا مبدأه من عاذيمون وهرمس٢ العظيمين، فعكفنا على ذلك دائمين.
وأنتم معاشر الحنفاء تعصبتم للرجال، وقلتم بأن الوحي والرسالة ينزلوا عليهم من عند الله تعالى بواسطة، أو بغير واسطة. فما الوحي أولا؟ وهل يجوز أن يكلم الله بشرا؟ وهل يكون كلامه من جنس كلامنا؟ وكيف ينزل ملك من السماء وهو ليس بجسماني أبصورته؟ أم بصورة البشر؟ وما معنى تصوره بصورة الغير؟ أفيخلع صورته ويلبس لباسا آخر، أم يتبدل وضعه وحقيقته؟. ثم ما لبرهان أولا على جواز انبعاث الرسل في صورة البشر؟
_________________
(١) ١ الأكوار: جمع كور؛ بمعنى دور. ٢ سيأتي الكلام عنهما وتعريفهما بصحيفة ١٠٣.
[ ٢ / ٩٠ ]
وما دليل كل مدع منهم؟ أفنأخذ بمجرد دعواه، أم لا بد من دليل خارق للعادة؟ وإن أظهر ذلك أفهو من خواص النفوس؟ أم من خواص الأجسام؟ أم من فعل الباري تعالى؟. ثم ما الكتاب الذي جاء به أفهو كلام الباري تعالى، وكيف يتصور في حقه كلام؟ أم هو كلام الروحاني؟. ثم هذه الحدود والأحكام أكثرها غير معقولة، فكيف يسمح عقل الإنسان بقبول أمر لا يعقله؟ وكيف تطاوعه نفسه بتقليد شخص مثله؟ أبأن يريد أن يتفضل عليه؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
أجابت الحنفاء:
بأن المتكلمين منا يكفوننا جواب هذا الفصل بطريقتين أحدهما: الإلزام، تعرضا لإبطال مذهبكم. والثاني: الحجة، تعرضا لإثبات مذهبنا.
أما الإلزام فقالوا: إنكم ناقضتم مذهبكم، حيث قلتم بتوسط عاذيمون وهرمس، وأخذتم طريقتكم منهما. ومن أثبت المتوسط في إنكار المتوسط، فقد تناقض كلامه، وتخلف مرامه.
وزادوا هذا تقريرا بأنكم معاشر الصابئة أيضا متوسطون، يحتاج إليكم في التزام مذهبكم، إذ من المعلوم أن كل من دب ودرج منكم ليس يعرف طريقتكم، ولا يقف على صنعتكم من علم، وعمل. أما العلم فالإحاطة بحركات الكواكب والأفلاك، وكيفية تصرف الروحانيات فيها. وأما العمل فصنعة الأشخاص في مقابلة الهياكل على النسب بل قوم مخصوصون أو واحد في كل زمان يحيط بذلك علما، ويتيسر له عملا، فقد أثبتم متوسطا عالما من جنس البشر، وقد ناقض آخر كلامكم أوله.
_________________
(١) ١ المؤمنون آية ٢٤.
[ ٢ / ٩١ ]
وزادوا هذا تقريرا آخر بإلزام الشرك عليهم. إما الشرك في أفعال الباري تعالى، وإما الشرك في أوامره.
أما الشرك في الأفعال فهو إثبات تأثيرات الهياكل والأفلاك. فإن عندهم الإبداع الخاص بالرب تعالى هو اختراع الروحانيات، ثم تفويض أمور العالم العلوي إليها. والفعل الخاص بالروحانيات هو تحريك الهياكل، ثم تفويض أمور العالم السفلي إليها، كمن يبني معملة، وينصب أركانا للعمل من الفاعل، والمادة، والآلة، والصورة، ويفوض العمل إلى التلامذة. فهؤلاء اعتقدوا أن الروحانيات آلهة، والهياكل أرباب، والأصنام في مقابلة الهياكل باتخاذ وتصنع من كسبهم وفعلهم. فألزم أصحاب الأصنام أنكم تكلفتم كل التكلف حتى توقعوا حجرا جمادا في مقابلة هيكل، وما بلغت صنعتكم إلى إحداث حياة فيه، وسمع، وبصر، ونطق، وكلام: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١ أو ليست النسب أوضاعكم الفطرية، وأشخاصكم العقلية أفضل منها وأشرف؟ أو ليست النسب والإضافات النجومية المرعية في خلقكم أشرف وأكمل مما راعيتموها في صنعكم؟ ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢ أو لستم تحتاجون إلى المتوسط المعمول لقضاء حاجة؟ إما جلب نفع، أو دفع ضر؟، فهذا العامل الصانع أقدر، إذ فيه من القوة العلمية والعملية ما يستعمل به الهياكل العلوية ويستخدم الأشخاص الروحانية، فهلا ادعى لنفسه ما يثبت بفعله من جماد؟؟
ولهذا الإلزام تفطن اللعين فرعون حيث ادعى الإلهية والربوبية لنفسه، وكان في الأصل على مذهب الصابئة فصبا عن ذلك ودعا إلى نفسه، فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ٣، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٤، إذ رأى في نفسه قوة الاستعمال والاستخدام،
_________________
(١) ١ الأنبياء آية ٦٥، ٦٦. ٢ الصافات آية ٩٥، ٩٦. ٣ النازعات آية ٢٤. ٤ القصص آية ٣٨.
[ ٢ / ٩٢ ]
واستظهر بوزيره "هامان" وكان صاحب الصنعة، فقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ١. وكان يريد أن يبني صرحا مثل الرصد فيبلغ به إلى حركات الأفلاك والكواكب، وكيفية تركيبها، وهيئاتها، وكمية أدوارها وأكوارها، فلربما يطلع على سر التقدير في الصنعة، ومآل الأمر في الخلقة والفطرة ومن أين له هذه القوة والبصيرة؟! ولكن اعتزاز بنوع فطنة وكياسة في جبلته، واغترار بضرب إهمال في مهلته، فما تمت لهم الصنعة حتى ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ ٢.
فحدث بعده السامري وقد نسج على منواله في الصنعة، حتى أخذ قبضة من أثر الروحاني، وأراد أن يرقى الشخص الجمادي عن درجته إلى درجة الحيواني، ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ ٣، وما أمكنه أن يحدث فيه ما هو أخص أوصاف المتوسط من الكلام والهداية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ٤ فانحسر في الطريق حتى كان من الأمر ما كان، وقيل: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ ٥.
ويا عجبا من هذا السر!
حيث أغرق فرعون فأدخل النار مكافأة على دعوة الإلهية لنفسه، وأحرق العجل، ثم نسف في اليم، مكافأة على إثبات الإلهية له، وما كان للنار والماء على الحنفاء يد للاستيلاء ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٦. ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ٧.
هذه مراتب الشرك في الفعل والخلق.
_________________
(١) ١ غافر آية ٣٦، ٣٧. ٢ نوح آية ٢٥. ٣ طه آية ٨٨. ٤ الأعراف آية ١٤٨. ٥ طه آية ٩٧. ٦ الأنبياء آية ٦٩. ٧ القصص آية ٧.
[ ٢ / ٩٣ ]
ويشبه أن يكون دعوى اللعينين: نمرود، وفرعون أنهما إلهان أرضيان كالآلهة السماوية الروحانية: دعوى الإلهية من حيث الأمر، لا من حيث الفعل والخلق، وإلا ففي زمان كل واحد منهما من هو أكبر منه سنا، وأقدم في الوجود عليه، فلما ظهر من دعواهما أن الأمر كله لهما، فقد ادعيا الإلهية لنفسهما.
وهذا هو الشرك الذي ألزمه المتكلم على الصابئ، فإنه لما ادعى أنه أثبت في الأشخاص ما يقضي به حاجة الخلق، فقد عاد بالتقدير إلى صنعته، ووقف بالتدبير إلى معاملته. فكان الأمر بأن هذا الفعل واجب الإقدام عليه، وهذا واجب الإحجام عنه، أمرا في مقابلة أمر الباري تعالى. والمتوسط فيه متوسط الأمر، وكان شركا، إذ لم ينزل الله به سلطانا، ولا أقام عليه حجة وبرهانا.
كيف، وما يتمسك به من الأحكام مرتبة على هيئات فلكية لم تبلغ قوة البشر قط إلى مراعاتها؟ ولا يشك أن الفلك كله يتغير لحظة فلحظة يتغير جزء من أجزائه تغير الوضع والهيئة، بحيث لم يكن على تلك الهيئة فيما سبق، ولا يرجع إلى تلك فيما يستقبل. ومتى يقف الحاكم على تغيرات الأوضاع حتى تكون صنعته في الأشخاص والأصنام مستقيمة؟! وإذا لم تستقم الصنعة فكيف تكون الحاجة مقضية؟! ومن رفع الحاجة إلى من لا ترفع الحوائج إليه فقد أشرك كل الشرك.
وأما الطريق الثاني: فإقامة الحجة على إثبات المذهب ولمتكلمي الحنفاء فيه مسلكان: أحدهما: أن يسلك الطريق نزولا من أمر الباري تعالى إلى سد حاجات الخلق، والثاني: أن يسلك الطريق صعودا من حاجات الخلق إلى إثبات أمر الباري تعالى، ثم تخرج الإشكالات عليهما.
أما الأول، فقال المتكلم الحنيف: قد قامت الحجة على أن الباري تعالى خالق الخلائق، ورازق العباد وأنه المالك الذي له الملك والملك. والمالك هو أن يكون له على عباده أمر،
[ ٢ / ٩٤ ]
وتصريف، وذلك أن حركات العبادات قد انقسمت إلى اختيارية، وغير اختيارية، فما كان منها باختيار من جهتهم، فيجب أن يكون للمالك فيها حكم وأمر. وما كان منها بلا اختيار فيجب أن يكون فيها تصريف وتقدير. ومن المعلوم أن ليس كل أحد يعرف حكم الباري تعالى وأمره. فلا بد إذن من واحد يستأثره بتعريف حكمه وأمره في عباده، وذلك الواحد يجب أن يكون من جنس البشر حتى يعرفهم أحكامه وأوامره. ويجب أن يكون مخصوصا من عند الله ﷿ بآيات خلقية هي حركات تصريفية وتقديرية، يجريها الله على يده عند التحدي بما يدعيه، تدل تلك الآيات على صدقه، نازلة منزلة التصديق بالقول. ثم إذا ثبت صدقه وجب أتباعه في جميع ما يقول ويفعل، وليس يجب الوقوف على كل ما يأمر به وينهى عنه، إذ ليس كل علم تبلغ إليه قوة البشر.
ثم الوحي من عند العزيز يمد حركاته الفكرية، والقولية، والعملية بالحق في الأفكار، والصدق في الأقوال، والخير في الأفعال. فبطرف يماثل البشر، وهو طرف الصورة، وبطرف يوحى إليه، وهو طرف المعنى والحقيقة ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ١ فبطرف يشابه نوع الإنسان، وبطرف يماثل نوع الملائكة، وبمجموعهما يفضل النوعين، حتى تكون بشريته فوق بشرية النوع مزاجا، واستعدادا، وملكيته فوق ملكية النوع الآخر قبولا وأداء. فلا يضل ولا يغوي بطرف البشرية، ولا يزيغ ولا يطغى بطرف الروحانية، فيقرر أن أمر الباري تعالى واحد لا كثرة فيه، ولا انقسام له ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ ٢ غير أنه يلبس تارة عبارة العربية، وتارة عبارة العبرية، والمصدر يكون واحدا، والمظهر متعددا.
والوحي إلقاء الشيء بسرعة، فيلقى الروح الأمر إليه دفعة واحدة، بلا زمان ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ٣، فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقى، كما يتمثل في المرآة المجلوة
_________________
(١) ١ الإسراء آية ٩٣. ٢، ٣ القمر آية ٥٠.
[ ٢ / ٩٥ ]
صورة المقابل، فيعبر عنه إما بعبارة قد اقترنت بنفس التصور، وذلك هو ﴿آيَاتُ الْكِتَاب﴾ ١، أو بعبارة نفسه، وذلك هو أخبار النبوة وهذا كله بطرفه الروحاني.
وقد يتمثل الملك الروحاني له بمثال صورة البشر تمثل المعنى الواحد بالعبارات المختلفة، أو تمثل الصورة الواحدة في المرايا المتعددة، أو الظلال المتكثرة للشخص الواحد، فيكالمه مكالمة حسية، ويشاهده مشاهدة عينية ويكون ذلك بطرفه الجسماني. وإن انقطع الوحي عنه لم ينقطع عنه التأييد والعصمة حتى يقومه في أفكاره، ويسدده في أقواله، ويوفقه في أفعاله.
ولا تستبعدوا معاشر الصابئة تلقي الوحي على الوجه المذكور، ونزول الملك على النسق المعقود، وعندكم أن هرمس العظيم صعد إلى العالم الروحاني، فانخرط في سلكهم. فإذا تصور صعود البشر، فلم لا يتصور بزلل الملك؟، وإذا تحقق أنه خلع لباس البشرية، فلم لا يجوز أن يلبس الملك لباس البشرية؟. فالحنيفية إثبات الكمال في هذا اللباس، أعني لباس الناس. والصبوة إثبات الكمال في خلع كل لباس. ثم لا يتطرق ذلك لهم حتى يثبتوا لباس الهياكل أولا، ثم لباس الأشخاص والأوثان ثانيا. ولقد قال لهم رأس الحنفاء متبرئا عن الهياكل والأشخاص ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وأما الثاني: فهو الصعود من حاجة الناس إلى إثبات أمر الباري تعالى، قال المتكلم الحنيف: لما كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع على نظام. وذلك الاجتماع لن يتحقق إلا بحدود وأحكام في حركاته ومعاملاته، يقف كل منهم عند حده المقدر له لا يتعداه، وجب أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع يبين فيه أحكام الله تعالى في الحركات، وحدوده في المعاملات، فيرتفع به الاختلاف والفرقة، ويحصل به الاجتماع والألفة. وهذا
_________________
(١) ١ يونس آية ١. وجاءت في غير سورة مثل: يوسف، الرعد، والحجر. ٢ الأنعام آية ٧٨، ٧٩.
[ ٢ / ٩٦ ]
الاحتياج لما كان لازما لنوع الإنسان ضرورة، يجب أن يكون المحتاج إليه قائما ضرورة، بحيث تكون نسبته إليه نسبة الغني والفقير، والمعطي والسائل، والملك والرعية، فإن الناس لو كانوا كلهم ملوكا لم يكن ملك أصلا، كما لو كانوا كلهم رعايا لم تكن رعية أصلا. ثم لا يبقى ذلك الشخص ببقاء الزمان وعمره لا يساوي عمر العالم، فينوب منابه علماء أمته، ويرث علمه أمناء شريعته، فتبقى سنته ومنهاجه، ويضيء على البرية مدى الدهر سراجه. والعلم بالتوارث، وليست النبوة بالتوارث. والشريعة تركة الأنبياء، والعلماء ورثة الأنبياء.
قال الصابئة:
الناس متماثلة في حقيقة الإنسانية والبشرية، ويشملهم حد واحد، وهو الحيوان الناطق المائت. والنفوس والعقول متساوية في الجوهرية، فحد النفس بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات أنه كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة، وبالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والملك أنه جوهر غير جسم هو كمال الجسم محرك له بالاختيار عن مبدأ نطقي أي عقلي، بالفعل أو بالقوة، فالذي بالفعل هو خاصة النفس الملكية، والذي بالقوة هو فصل النفس الإنسانية.
وأما العقل فقوة أو هيئة لهذه النفس، مستعدة لقبول ماهيات الأشياء مجردة عن المواد، والناس في ذلك على استواء من القدم، وإنما الاختلاف يرجع إلى أحد أمرين أحدهما اضطراري، وذلك من حيث المزاج المستعد لقبول النفس، والثاني اختياري، وذلك من حيث الاجتهاد المؤثر في رفع الحجب المادية، وتصقيل النفس عن الصدأة المانعة لارتسام الصور المعقولة حتى لو بلغ الاجتهاد إلى غاية الكمال تساوت الأقدام، وتشابهت الأحكام، فلا يتفضل بشر على بشر بالنبوة، ولا يتحكم أحد على أحد بالاستتباع.
[ ٢ / ٩٧ ]
أجابت الحنفاء:
بأن التماثل والتشابه في الصور البشرية والإنسانية مسلم لا مرية فيه، وإنما التنازع بيننا في النفس والعقل قائم، فإن عندنا النفوس والعقول على التضاد والترتب، وعلينا بيان ذلك، على مساق حدودكم، ومذاق أصولنا.
فقولكم إن النفس جوهر غير جسم هو كمال الجسم، محرك له بالاختيار، وذلك إذا أطلق النفس على الإنسان والملك، وهو كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة، إذا أطلق على الإنسان والحيوان، فقد جعلتم لفظ النفس من الأسماء المشتركة، وميزتم بين النفس الحيواني، والنفس الإنساني، والنفس الملكي، فهل زدتم فيه قسما ثالثا وهو النفس النبوي حتى يتميز عن الملكي، كما تميز الملكي عن الإنساني؟ فإن عندكم المبدأ النطقي للإنسان بالقوة، والمبدأ العقلي للملك بالفعل، فقد تغايرا من هذا الوجه، ومن حيث إن الموت الطبيعي يطرأ على الإنسان ولا يطرأ على الملك، وذلك تمييز آخر، فليكن في النفس النبوي مثل هذا الترتيب.
وأما الكمال الذي تعرضتم له، فإنما يكون كمالا للجسم إذا كان اختيار المحرك محمودا، فأما إذا كان اختياره مذموما من كل وجه صار الكمال نقصانا، وحينئذ يقع التضاد بين النفس الخيرة والنفس الشريرة، حتى تكون إحداهما في جانب الملكية، والثانية في جانب الشيطانية، فيحصل التضاد المذكور، كما حصل الترتب المذكور، فإن الاختلاف بالقوة والفعل اختلاف بالترتب، والاختلاف بالكمال والنقص والخير والشر اختلاف بالتضاد، فبطل التماثل.
ولا تظنن أن الاختلاف بين النفسين الخيرة والشريرة اختلاف بالعوارض، فإن الاختلاف بين النفس الملكية والشيطانية بالنوع، كما أن الاختلاف بين النفس الإنسانية والملكية بالنوع، وكيف لا يكون كذلك! والاختلاف ههنا بالقوة والفعل،
[ ٢ / ٩٨ ]
والاختلاف ثم بالخير والشر؟ وهذا لسر، وهو أن الخير غريزة هي هيئة متمكنة في النفس بأصل الفطرة، وكذلك الشر طبيعة غريزية. لست أقول فعل الخير، وفعل الشر، فإن الغريزة غير الفعل المترتب عليها. فتحقق أن ههنا نفسا محركة للبدن اختيارا نحو الخير عن مبدإ عقلي إما بالقوة أو بالفعل، وهو كمال للجسم وليس بجسم، وأن وههنا نفسا محركة للبدن اختيارا نحو الشر عن مبدإ نطقي، إما بالقوة أو بالفعل، وهو نقص للجسم وليس بجسم.
ولا ينبون طبعك عن أمثال ما يورد عليك المتكلم الحنيف، فإنما يغترفه من بحر، وليس ينحته من صخر، فلربما لا يساعدك على أن الإنسان نوع الأنواع، وأن الاختلاف فيه يقع في العوارض واللوازم، بل يثبت في النفوس الإنسانية اختلافا جوهريا، فيفصل بعضها على بعض بالفصول الذاتية، لا باللوازم العرضية. فكما أن الاختلاف بالقوة والفعل في النفس الإنسانية والملكية اختلاف جوهري، أوجب اختلاف النوع والنوع، وإن شملهما اسم النفس الناطقة، والفصل الذاتي هو القوة والفعل كذلك نقول في نفس لها قوة علم خاص، وقوة عمل خاص، وقوة خير، وقوة شر، وكمال مطلق، هو أصل الخير، ونقص مطلق، هو أصل الشر.
وأما ما ذكره المتكلم الصابي من حد العقل: أنه قوة أو هيئة للنفس مستعدة لقبول ماهيات الأشياء مجردة عن المواد، فغير شامل لجميع العقول عنده، ولا عند الحنيف، بل هو تعرض للعقل الهيولاني فقط. فأين العقل النظري؟ وحده: أنه قوة للنفس تقبل ماهيات الأمور الكلية من جهة ما هي كلية. وأين العقل العملي؟ وحده أنه قوة للنفس هي مبدأ لتحريك القوة الشوقية إلى ما يختار من الجزئيات، لأجل غاية مظنونة. وأين العقل بالملكة؟ وهو استكمال القوة الهيولانية، حتى تصير قريبة من الفعل. وأين العقل بالفعل؟ وهو استكمال النفس بصورة ما أو صورة معقولة، حتى متى ما شاء عقلها وأحضرها بالفعل. وأين العقل المستفاد؟ وهو ماهية مجردة عن المادة. مرتسمة في النفس على سبيل الحصول من خارج. وأين العقول المفارقة؟ فإنها ماهيات
[ ٢ / ٩٩ ]
مجردة عن المادة. وأين العقل الفعال؟ فإنه من جهة ما هو عقل، فإنه جوهري صوري، ذاته ماهية مجردة في ذاتها لا بتجريد غيرها عن المادة، وعن علائق المادة، وهي ماهية كل موجود، ومن جهة ما هو فعال، فإنه جوهر بالصفة المذكورة، من شأنه أن يخرج العقل الهيولاني من القوة إلى الفعل بإشراقه عليه؟.
فقد تعرض لنوع واحد من العقول، ولا خلاف أن هذه العقول قد اختلفت حدودها، وتباينت فصولها كما سمعت.
فأخبرني أيها المتكلم الحكيم، من أي عقل تعد عقلك أولا؟ وهل ترضى أن يقال لك: تساوت الأقدام في العقول؟ حتى يكون عقلك بالفعل والإفادة كعقل غيرك بالقوة والاستعداد؟ بل واستعداد عقلك لقبول المعقولات كاستعداد عقل غبي غوي لا يرد عليه الفكر برادة، ولا ينفك الخيال عن عقله، كما لا ينفك الحس عن خياله؟ وإذا كانت الأقدام متساوية، فما هذا الترتب في الأقسام، وإذا أثبت ترتبا في العقول، فبالضرورة أن ترتقي في الصعود إلى درجة الاستقلال والإفادة، وتنزل في الهبوط إلى درجة الاستعداد والاستفادة. ثم هل في نوعه ما هو عديم الاستعداد أصلا حتى يشبه أن يكون عقلا، وليس عقلا؟ وما النوع الذي تثبته للشياطين؟ أو هو من عداد ما ذكرنا، أم خارج عن ذلك؟ فإنك إذا ذكرت حد الملك، وأنه جوهر بسيط ذو حياة ونطق عقلي، غير مائت، هو واسطة بين الباري تعالى والأجسام السماوية والأرضية، وعددت أقسامه: أن منه ما هو عقلي، ومنه ما هو نفسي. ومنه ما هو حسي، فيلزمك من حيث التضاد، أن تذكر حد الشيطان على الضد مما ذكرته من حد الملك، وتعد أقسامه أيضا. ويلزمك من حيث الترتب أن تذكر حد الإنسان على الضد مما ذكرته من حد الملك وتعد أقسامه وأنواعه كذلك، حتى يكون من الإنسان ما هو محسوس فقط، ومنه ما هو -مع كونه محسوسا- روحاني نفساني عقلي، وذلك هو درجة النبوة. فمن عقل عمل من حس، ومن حس عمل من عقل، ومن نفس مزاجي، ومن مزاجي نفسي، ومن روح جسماني، ومن جسم روحاني. دع عنك كلام العامة، ولا تظنن هذه الطامة.
[ ٢ / ١٠٠ ]
قالت الصابئة:
لقد حصرتمونا بإبطال تساوي العقول والنفوس، وإثبات الترتب والتضاد فيهما. ولا شك أن من سلم الترتب فقد لزمه الإتباع. فأخبرونا ما رتبة الأنبياء بالنسبة إلى نوع الإنسان؟ وما رتبتهم بالإضافة إلى الملك والجن وسائر الموجودات؟ ثم ما رتبة النبي عند الباري تعالى؟ فإن عندنا الروحانيات أعلى مرتبة من جميع الموجودات، وهم المقربون في الحضرة الإلهية، والمكرمون لديه، ونراكم تارة تقولون: إن النبي يتعلم من الروحاني، ونراكم تارة تقولون: إن الروحاني يتعلم من النبي.
أجابت الحنفاء:
بأن الكلام في المراتب صعب، ومن لم يصل إلى رتبة من المراتب كيف يمكنه أن يستوفي بيانها؟
لكنا نعرف أن رتبته بالنسبة إلينا رتبتنا بالنسبة إلى من هو دوننا في الجنس من الحيوان. فكما أنا نعرف أسامي الموجودات ولا يعرفها الحيوان، كذلك هم يعرفون خواص الأشياء وحقائقها، ومنافعها ومضارها، ووجوه المصالح في الحركات، وحدودها وأقسامها ونحن لا نعرفها.
وكما أن نوع الإنسان ملك الحيوان بالتسخير، فالأنبياء ﵈ ملوك الناس بالتدبير، وكما أن حركات الناس معجزات الحيوان، كذلك حركات الأنبياء معجزات الناس، لأن الحيوانات لا يمكنها أن تبلغ إلى الحركات الفكرية حتى تميز الحق من الباطل، ولا أن تبلغ إلى الحركات القولية حتى تميز الصدق من الكذب. ولا أن تبلغ إلى الحركات الفعلية حتى تميز الخير من الشر. فلا التمييز العقلي لها بالوجود، ولا مثل هذه الحركات لها بالفعل. وكذلك حركات الأنبياء، لان منتهى فكرهم لا غاية له، وحركات أفكارهم في مجالي القدس مما تعجز عنها قوة البشر، حتى يسلم لهم:
[ ٢ / ١٠١ ]
"لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل". وكذلك حركاتهم القولية والفعلية لا تبلغ إلى غاية انتظامها وجريانها على سنن الفطرة حركة كل البشر. وهم في الرتبة العليا، والدرجة الأولى من درجات الموجودات كلها، فقد أحاطوا علما بما أطلعهم الرب تعالى على ذلك دون غيرهم من الملائكة والروحانيين، ففي الأول تكون حاله حال التعلم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ١، وفي الأخير حاله حال التعليم، وذلك في حق آدم ﵇: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ٢ حين كان الأمر على بدء الظهور والكشف. فانظر كيف تكون الحال في نهاية الظهور.
وأما إضافتهم إلى جناب القدس فالعبودية الخاصة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾ ٣، قولوا إن عباد مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم: أحق الأسماء لهم وأخص الأحوال بهم: "عبده ورسوله"، لا جرم كان أخص التعريفات لجلاله تعالى بأشخاصهم: إله إبراهيم: إله إسماعيل وإسحاق: إله موسى وهرون: إله عيسى: إله محمد ﵈. فكما أن من العبودية ما هو عام الإضافة، ومنها ما هو خاص الإضافة، كذلك التعريف إلى الخلق بالإلهية والربوبية، والتجلي للعباد بالخصوصية، منه ما له عموم رب العالمين -ومنه ما له خصوص- رب موسى وهارون.
فهذه نهاية مذهبي الصابئة والحنفاء. وفي الفصول التي جرت بين الفريقين فوائد لا تحصى.
وكان في الخاطر بعد زوايا نريد نمليها، وفي القلم خفايا أكاد أخفيها، فعدلت عنها إلى ذكر حكم هرمس العظيم، لا على أنه من جملة فرق الصابئة، حاشاه، بل على أن حكمه مما تدل على تقرير مذهب الحنفاء، في إثبات الكمال في الأشخاص البشرية، وإيجاب القول بإتباع النواميس الإلهية، على خلاف مذاهب الصابئة.
_________________
(١) ١ النجم آية ٥. ٢ البقرة آية ٣٢. ٣ الزخرف آية ٨١.
[ ٢ / ١٠٢ ]
حكم هرمس العظيم:
المحمودة آثاره، المرضية أقواله وأفعاله، الذي يعد من الأنبياء الكبار، ويقال هو إدريس النبي ﵇. وهو الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيارة، ورتبها في بيوتها، وأثبت لها الشرف والوبال، والأوج والحضيض، والمناظر بالتثليث والتسديس والتربيع، والمقابلة والمقارنة، والرجعة والاستقامة، وبين تعديل الكواكب، وتقويمها، وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات، فغير مبرهن عليها عند الجميع.
وللهند وللعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوها من خواص الكواكب لا من طبائعها. ورتبوها على الثوابت، لا على السيارات.
ويقال إن عاذيمون وهرمس هما شيث، وإدريس ﵉. ونقلت الفلاسفة عن عاذيمون أنه قال: المبادئ الأول خمسة: الباري تعالى، والعقل، والنفس، والمكان، والخلاء، وبعدها وجود المركبات. ولم ينقل هذا عن هرمس.
ومن حكم هرمس:
قوله: أول ما يجب على المرء الفاضل بطباعه، المحمود بسنخه١، المرضي في عادته، المرجو في عاقبته: تعظيم الله ﷿، وشكره على معرفته، وبعد ذلك، فللناموس عليه حق الطاعة له، والاعتراف بمنزلته، وللسلطان عليه حق المناصحة والانقياد، ولنفسه عليه حق الاجتهاد، والدأب في فتح باب السعادة. ولخلصائه عليه حق التحلي لهم بالود، والتسارع إليهم بالبذل. فإذا أحكم هذه الأسس لم يبق عليه إلا كف الأذى عن العامة، وحسن المعاشرة، وسهولة الخلق.
انظروا معاشر الصابئة: كيف عظم أمر الرسالة، حتى قرن طاعة الرسول الذي عبر عنه بالناموس بمعرفة الله تعالى. ولم يذكر ههنا تعظيم الروحانيات، ولا تعرض لها، وإن كانت هي من الواجبات.
_________________
(١) ١ السنخ: بكسر السين، الأصل. وسنخ سنوخا في العلم؛ رسح.
[ ٢ / ١٠٣ ]
وسئل: بماذا يحسن رأي الناس في الإنسان؟ قال: بأن يكون لقاؤه لهم لقاءً جميلًا، ومعاملته إياهم معاملة حسنة.
وقال: ومدة الإخوان أن لا تكون لرجاء منفعة، أو لدفع مضرة، ولكن لصلاح فيه، وطباع له.
وقال: أفضل ما في الإنسان من الخير العقل، وأجدر الأشياء أن لا يندم عليه صاحبه، العمل الصالح، وأضل ما يحتاج إليه في تدبير الأمور الاجتهاد، وأظلم الظلمات الجهل، وأوثق الإسار الحرص.
وقال: من أفضل البر ثلاثة: الصدق في الغضب، والجود في العسرة، والعفو عند المقدرة.
وقال: من لم يعرف عيب نفسه، فلا قدر لنفسه عنده.
وقال: الفصل بين العاقل والجاهل: أن العاقل منطقه له، والجاهل منطقه عليه.
وقال: لا ينبغي للعاقل أن يستخف بثلاثة أقوام: السلطان، والعلماء، والإخوان. فإن من استخف بالسلطان أفسد عليه عيشه، ومن استخف بالعلماء أفسد عليه دينه، ومن استخف بالإخوان أفسد عليه مروءته.
وقال: الاستخفاف بالموت أحد فضائل النفس.
وقال: المرء حقيق له أن يطلب الحكمة ويثبتها في نفسه أولا، بألا يجزع من المصائب التي تعم الأخيار، ولا يأخذه الكبر فيما يبلغه من الشرف، ولا يعير أحدا بما هو فيه، ولا يغيره الغنى والسلطان، وأن يعدل بين نيته وقوله حتى لا يتفاوت، وتكون سنته ما لا عيب فيه، ودينه ما لا يختلف فيه، وحجته ما لا ينتقض.
وقال: أنفع الأمور للناس القناعة والرضى. وأضرها الشره والسخط. وإنما يكون كل السرور بالقناعة، وكل الحزن بالشره والسخط.
ويحكى عنه فيما كتبه: أن أصل الضلال والهلكة، لأهله، أن يعد ما في العالم من
[ ٢ / ١٠٤ ]
الخير من عطية الله ﷿ ومواهبه. ولا يعد ما فيه من الشر والفساد من عمل الشيطان ومكايده. ومن افترى على أخيه فرية لم يخلص من تبعتها حتى يجازى بها. فكيف يخلص من أعظم الفرية على الله ﷿ أن يجعله سببا للشرور وهو معدن الخير؟
وقال: الخير والشر واصلان إلى أهلهما لا محالة، فطوبى١ لمن جرى وصول الخير إليه وعلى يديه، والويل لمن جرى وصول الشر إليه وعلى يديه.
وقال: الإخاء الدائم الذي لا يقطعه شيء اثنان، أحدهما: محبة المرء نفسه في أمر معاده، وتهذيبه إياها في العلم الصحيح والعمل الصالح، والآخر: مودته لأخيه في دين الحق، فإن ذلك مصاحب أخاه في الدنيا بحسده، وفي الآخرة بروحه.
وقال: الغضب سلطان الفظاظة، والحرص سلطان الفاقة، وهما منشئا كل سيئة، ومفسدا كل جسد، ومهلكا كل روح.
وقال: كل شيء يطاق تغييره إلا الطباع، وكل شيء يقدر على إصلاحه غير الخلق السوء، وكل شيء يستطاع دفعه إلا القضاء.
وقال الجهل والحمق للنفس بمنزلة الجوع والعطش للبدن، لأن هذين خلاء النفس، وهذين خلاء البدن.
وقال: أحمد الأشياء عند أهل السماء والأرض لسان صادق ناطق بالعدل والحكمة والحق في الجماعة.
وقال: أدحض الناس حجة من شهد على نفسه بدحوض حجته.
وقال: من كان دينه السلامة والرحمة والكف عن الأذى فدينه دين الله ﷿، وخصمه شاهد له بفلج٢ حجته، ومن كان دينه الإهلاك والفظاظة والأذى فدينه دين الشيطان، وهو بدحوض حجته شاهد على نفسه.
_________________
(١) ١ دعاء، بمعنى: له الحظ والعيش الطيب. وأصل الطوبي: الغبطة والسعادة. ٢ الفلج: الشق.
[ ٢ / ١٠٥ ]
وقال: الملوك تحتمل الأشياء كلها إلا ثلاثة: قدح في الملك، وإفشاء للسر، وتعرض للحرمة.
وقال: لا تكن أيها الإنسان كالصبي إذا جاع ضغا١ ولا كالعبد إذا شبع طغى، ولا كالجاهل إذا ملك بغى.
وقال: لا تشيرن على عدو ولا صديق إلا بالنصيحة، فأما الصديق فتقضي بذلك من واجبه حقه، وأما العدو فإنه إذا عرف نصيحتك إياه هابك وحسدك، وإن صح عقله استحى منك وراجعك.
وقال: يدل على غريزة الجود السماحة عند العسرة، وعلى غريزة الورع الصدق عند الشرة، وعلى غريزة الحلم العفو عند الغضب.
وقال من سره مودة الناس له، ومعونتهم إياه، وحسن القول منهم فيه حقيق بأن يكون على مثل ذلك لهم.
وقال: لا يستطيع أحد أن يجوز الخير والحكمة، ولا أن يخلص نفسه من المعايب إلا أن يكون له ثلاثة أشياء: وزير، وولي، وصديق. فوزيره عقله، ووليه عفته، وصديقه عمله الصالح.
وقال: كل إنسان موكل بإصلاح قدر باع من الأرض، فإنه إذا أصلح قدر ذلك الباع صلحت له أموره كلها، وإذا أضاعه أضاع الجميع، وقدر ذلك نفسه.
وقال: لا يمدح بكمال العقل من لا تكمل عفته، ولا بكمال العلم من لا يكمل عقله.
وقال: من أفضل أعمال العلماء ثلاثة أشياء: أن يبدلوا العدو صديقا، والجاهل عالما، والفاجر برا.
وقال: الصالح من خيره خير لكل أحد، ومن يعد خير كل أحد لنفسه خيرا.
وقال: ليس بحكمة ما لم يعاد الجهل، ولا بنور ما لم يمحق الظلمة، ولا بطيب ما لم يدفع النتن، ولا بصدق ما لم يدحض الكذب، ولا بصالح ما لم يخالف الطالح.
_________________
(١) ١ ضغا: صاح.
[ ٢ / ١٠٦ ]
أصحاب الهياكل
الفصل الثالث: أصحاب الهياكل والأشخاص
وهؤلاء من فرق الصابئة. وقد أدركنا مقالتهم المناظرات جملة. ونذكرها ههنا تفصيلا.
١- أصحاب الهياكل:
اعلم أن أصحاب الروحانيات لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط، ولا بد للمتوسط من أن يرى، فيتوجه إليه، ويتقرب به، ويستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع، فتعرفوا أولا: بيوتها ومنازلها، وثانيا: مطالعها ومغاربها. وثالثا: اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتبة على طبائعها، ورابعا: تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامسا: تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها.
فعملوا الخواتيم، وتعلموا العزائم والدعوات، وعينوا ليوم زحل مثلا يوم السبت، وراعوا فيه ساعته الأولى وتختموا بخاتمة المعمول على صورته وهيئته وصنعته، ولبسوا اللباس الخاص به، وتبخروا ببخوره الخاص، ودعوا بدعواته الخاصة به، وسألوا حاجتهم منه: الحاجة التي تستدعي من زحل، من أفعاله وآثاره الخاصة به. فكان يقضي حاجتهم، ويحصل في الأكثر مرامهم. وكذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته وجميع الإضافات التي ذكرنا إليه. وكذلك سائر الحاجات إلى الكواكب. وكانوا يسمونها أربابا آلهة، والله تعالى هو رب الأرباب، وإله الآلهة. ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة، ورب الأرباب.
وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقربا إلى الروحانيات، ويتقربون إلى الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى، لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيات، ونسبتها إلى
[ ٢ / ١٠٧ ]
الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا. فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيات. وهي تتصرف في أبدانها تدبيرا، وتصريفا، وتحريكا، كما نتصرف في أبداننا. ولاشك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه.
ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب. وهذه الطلسمات١ المذكورة في الكتب، والسحر، والكهانة، والتنجيم، والتعزيم، والخواتيم، والصور كلها من علومهم.
_________________
(١) ١ الطلسم: خطوط أو كتابة، يستعملها الساحر ويزعم أن يدفع بها كل مؤذ: واصل الكلمة يونانية.
[ ٢ / ١٠٨ ]
٢- أصحاب الأشخاص:
وأما أصحاب الأشخاص فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به، وشفيع يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل، لكنا إذا لم نرها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن لم يتحقق التقرب إليها بهياكلها. ولكن الهياكل قد ترى في وقت، ولا ترى في وقت، لأن لها طلوعا وأفولا، وظهورا بالليل وخفاءً بالنهار، فلم يصف لنا التقرب بها، والتوجه إليها. فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى الروحانيات، ونتقرب بالروحانيات إلى الله ﷾، فنعبدهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.
فاتخذوا أصناما أشخاصا على مثال الهياكل السبعة كل شخص في مقابلة هيكل، وراعوا في ذلك جوهر الهيكل، اعني الجوهر الخاص به، من الحديد وغيره، وصوروه بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه، وراعوا في ذلك الزمان، والوقت، والساعة، والدرجة، والدقيقة، وجميع الإضافات النجومية، من اتصال محمود يؤثر في نجاح المطالب
_________________
(١) ١ الزمر آية ٣.
[ ٢ / ١٠٨ ]
التي تستدعي منه. فتقربوا إليه في يومه وساعته، وتبخروا بالبخور الخاص به، وتختموا بخاتمه، ولبسوا لباسه، وتضرعوا بدعائه، وعزموا بعزائمه، وسألوا حاجتهم منه، فيقولون: إنه كان يقضي حوائجهم بعد رعاية الإضافات كلها. وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الكواكب والأوثان.
فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب، إذ قالوا بإلهيتها كما شرحنا. وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان، إذ سموها آلهة في مقابلة الآلهة السماوية، وقالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ ١.
_________________
(١) ١ يونس آية ١٨.
[ ٢ / ١٠٩ ]
٣- مناظرات إبراهيم الخليل لأصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص، وكسره مذاهبهما:
وقد ناظر الخليل ﵇ هؤلاء الفريقين.
فابتدأ بكسر مذاهب أصحاب الأشخاص، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١، وتلك الحجة أن كسرهم قولا بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ولما كان أبوه آزر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام، ورعاية الإضافات النجومية فيها حق الرعاية، ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام لا من غيره كان أكثر الحجج معه، وأقوى الإلزامات عليه، إذ قال ﵇ لأبيه آزر: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٣، وقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ
_________________
(١) ١ الأنعام آية ٨٣. ٢ الصافات آية ٩٥، ٩٦. ٣ الأنعام آية ٧٤.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ١ لأنك جهدت كل الجهد، واستعملت كل العلم حتى عملت أصناما في مقابلة الأجرام السماوية، فما بلغت قوتك العلمية والعملية إلى أن تحدث فيها سمعا وبصرا، وأن تغني عنك، وتضر وتنفع. وأنت بفطرتك وخلقتك أشرف درجة منها، لأنك خلقت سميعا بصيرا، نافعا، ضارا، والآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا المتخذ تكلفا والمعمول تصنعا، فيالها من حيرة! إذ صار المصنوع! ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ ٢.
ثم دعاه إلى الحيفية الحقة. قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ ٣ ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾؟ ٤ فلم تقبل حجته القولية: فعدل ﵇ عن القول إلى الكسر للأصنام بالفعل، ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ٥، فقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ ٦ ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ٧، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ٨، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ٩ فافحمهم بالفعل، حيث أحال الفعل على كبيرهم، كما أفحمهم بالقول، حيث أحال الفعل منهم. وكل ذلك على طريق الإلزام عليهم، وإلا فما كان الخليل كاذبا قط.
ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل، وكما أراه الله تعالى الحجة على قومه، قال ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ١٠ فأطلعه على ملكوت الكونين والعالمين تشريفا له على الروحانيات وهياكلها. وترجيحا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، وتقريرا أن الكمال في الرجال، فأقبل على إبطال مذهب أصحاب الهياكل ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ١١
_________________
(١) ١، ٢ مريم آية ٤٢، ٤٤، ٤٥. ٣، ٤ مريم آية ٤٣، ٤٦.
(٢) ٩ الأنبياء من آية ٥٨، ٥٩، ٦٣-٦٥. ١٠، ١١ الأنعام آية ٧٥، ٧٦.
[ ٢ / ١١٠ ]
على ميزان إلزامه على أصحاب الأصنام ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ١، وإلا فما كان الخليل ﵇ كاذبا في هذا القول، ولا مشركا في تلك الإشارة.
ثم استدل بالأقول الزوال، والتغير، والانتقال، على أنه لا يصلح أن يكون ربا إلها. فإن الإله القديم لا يتغير، وإذا تغير احتاج إلى مغير، هذا لو اعتقدتموه ربا قديما، وإلها أزليا، ولو اعتقدتموه واسطة، وقبلة، وشفيعا، ووسيلة، فإن الأفول، الزوال، يخرجه أيضا عن حد الكمال. وعن هذا ما استدل عليه بالطلوع، وإن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول، فإنهم إنما انتقلوا إلى عمل الأشخاص لما عراهم من التحير بالأفول، فأتاهم الخليل ﵇ من حيث تحيرهم، فاستدل عليهم بما اعترفوا بصحته، وذلك أبلغ في الاحتجاج.
ثم لما ﴿رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ ٢، فيا عجبا مما لا يعرف ربا كيف يقول ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ رؤية الهداية من الرب تعالى غاية التوحيد، ونهاية المعرفة، والواصل إلى الغاية والنهاية، كيف يكون في مدارج البداية؟!
دع هذا كله خلف قاف٣، وارجع بنا إلى ما هو شاف كاف. فإن الموافقة في العبارة على طريق الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج، وأوضح المناهج، وعن هذا قال: ﴿فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ ٤، لاعتقاد القوم أن الشمس ملك الفلك، وهو رب الأرباب الذي يقتبسون منه الأنوار، ويقبلون منه الآثار، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥.
قرر مذهب الحنفاء، وأبطل مذهب الصابئة، وبين أن الفطرة هي الحنيفية، وأن الطهارة فيها، وأن الشهادة بالتوحيد مقصورة عليها وأن النجاة والخلاص متعلقة بها،
_________________
(١) ١ الأنبياء آية ٦٣. ٢ الأنعام آية ٧٧. ٣ قاف: جبل لم يعرف موضعه، وهذا مثل يضرب للشيء يراد إهماله. ٤، ٥ الأنعام من آية ٧٨-٧٩.
[ ٢ / ١١١ ]
وأن الشرائع والأحكام مشارع ومناهج إليها. وأن الأنبياء والرسل مبعوثون لتقريرها وتقديرها. وأن الفاتحة والخاتمة والمبدأ والكمال منوطة بتحصيلها وتحريرها ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١، والصراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك اللائح، قال الله تعالى لنبيه المصطفى صلى الله عليه سلم ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١، ٢ الروم آية ٣٠-٣٢.
[ ٢ / ١١٢ ]
الفصل الرابع: الحرنانية
مقالات الحرنانية
الفصل الرابع: الحرنانية
وهم جماعة من الصابئة:
١- مقالات الحرنانية:
قالوا: إن الصانع المعبود واحد وكثير. أما واحد، ففي الذات، والأول، والأصل، والأزل. وأما كثير، فلأنه يتكثر بالأشخاص في رأي العين، وهي المدبرات السبعة والأشخاص الأرضية الخيرة، العاملة، الفاضلة. فإنه يظهر بها، ويتشخص بأشخاصها، ولا تبطل وحدته في ذاته.
وقالوا: هو أبدع الفلك وجميع ما فيه من الأجرام والكواكب، وجعلها مدبرات هذا العالم، وهم الآباء والعناصر أمهات، والمركبات مواليد. والآباء أحياء ناطقون،
[ ٢ / ١١٢ ]
يؤدون الآثار إلى العناصر فتقبلها العناصر في أرحامها، فيحصل من ذلك المواليد. ثم من المواليد قد يتفق شخص مركب من صفوها دون كدرها ويحصل له مزاج كامل الاستعداد، فيتشخص الإله به في العالم.
ثم أن طبيعة الكل تحدث في كل إقليم من الأقاليم المسكونة على رأس كل سنة وثلاثين ألف سنة وأربعمائة وخمس وعشرين سنة: زوجين من كل نوع من أجناس الحيوانات، ذكرا أو أنثى، من الإنسان وغيره، فيبقى ذلك النوع تلك المدة. ثم إذا انقضى الدور بتمامه انقطعت الأنواع: نسلها، وتوالدها، فيبتدأ دور آخر، ويحدث قرن آخر من الإنسان، والحيوان، والنبات وكذلك أبد الدهر. قالوا: وهذه هي القيامة الموعودة على لسان الأنبياء ﵈، وإلا فلا دار سوى هذه الدار ﴿مَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ١. ولا يتصور إحياء الموتى، وبعث من في القبور: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ٢.
وهم الذين أخبر التنزيل عنهم بهذه المقالة.
_________________
(١) ١ الجاثية آية ٢٤. ٢ المؤمنون آية ٣٥، ٣٦.
[ ٢ / ١١٣ ]
٢- نشأة التناسخ والحلول منهم:
وإنما نشأ أصل التناسخ والحلول من هؤلاء القوم.
فإن التناسخ هو أن تتكرر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية له، ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول. والثواب والعقاب في هذه الدار، لا في دار أخرى لا عمل فيها.
والأعمال التي نحن فيها إنما هي أجزية على أعمال سلفت منا في الأدوار الماضية. فالراحة، والسرور، والفرح، والدعة التي نجدها هي مرتبة على أعمال البر التي سلفت منا في
[ ٢ / ١١٣ ]
الأدوار الماضية، والغم والحزن، والضنك، والكلفة التي نجدها هي مرتبة على أعمال الفجور التي سبقت منا.
وكذلك كان في الأول. وكذا يكون في الآخر. والانصرام من كل وجه غير متصور من الحكيم.
وأما الحلول فهو التشخص الذي ذكرناه، وربما يكون ذلك بحلول ذاته، وربما يكون بحلول جزء من ذاته، على قدر استعداد مزاج الشخص.
وربما قالوا إنما تشخص بالهياكل السماوية كلها، وهو واحد، وإنما يظهر فعله في واحد واحد بقدر آثاره فيه، وتشخصه به.
فكأن الهياكل السبعة أعضاؤه السبعة. وكأن أعضاءنا السبعة هياكله السبعة فيها يظهر، فينطق بلساننا، ويبصر بأعيننا، ويسمع بآذاننا، ويقبض ويبسط بأيدينا، ويجيء ويذهب بأرجلنا، ويفعل بجوارحنا.
[ ٢ / ١١٤ ]
٣- مزاعم الحرنانية:
وزعموا أن الله تعالى أجل من أن يخلق الشرور، والقبائح، والأقذار، والخنافس، والحيات، والعقارب. بل هي كلها واقعة ضرورة عن اتصالات الكواكب سعادة، ونحوسة، واجتماعات العناصر صفوة، وكدورة.. فما كان من سعد، وخير وصفو، فهو المقصود من الفطرة، فينسب إلى الباري تعالى. وما كان من نحوسة، وشر، وكدر، فهو الواقع ضرورة، فلا ينسب إليه، بل هي إما اتفاقيات، وضروريات، وإما مستندة إلى أصل الشرور، والاتصال المذموم.
والحرانية ينسبون مقالتهم إلى عاذيمون، وهرمس، وأعيانا، وأواذى أربعة من الأنبياء.
[ ٢ / ١١٤ ]
ومنهم من ينتسب إلى سولون جد أفلاطون لأمه، ويزعم أنه كان نبيا. وزعموا أن أواذى حرم عليهم البصل، والكراث، والباقلا١.
والصابئون كلهم يصلون ثلاث صلوات، ويغتسلون من الجنابة ومن مس الميت، وحرموا أكل الجزور، والخنزير، والكلب، ومن الطير كل ما له مخلب، والحمام.
ونهوا عن السكر في الشراب، وعن الاختتان. وأمروا بالتزويج بولي وشهود، ولا يجوزون الطلاق إلا بحكم حاكم، ولا يجمعون بين إمرأتين.
وأما الهياكل التي بناها الصابئة على أسماء الجواهر العقلية الروحانية، وأشكال الكواكب السماوية.
فمنها: هيكل العلة الأولى، ودونها هيكل العقل، وهيكل السياسة، وهيكل الصورة، وهيكل النفس. مدورات الشكل.
وهيكل زحل مسدس، وهيكل المشتري مثلث، وهيكل المريخ مربع مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل الزهرة مثلث في جوف مربع، وهيكل عطارد مثلث في جوفه مربع مستطيل، وهيكل القمر مثمن.
_________________
(١) ١ البقلاء: الفول.
[ ٢ / ١١٥ ]
الباب الخامس: الفلاسفة
مدخل
الباب الخامس: الفلاسفة
الفلسفة باليونانية: محبة الحكمة، والفيلسوف هو: فيلا وسوفا، وفيلا هو المحب، وسوفا: الحكمة، أي هو محب الحكمة.
والحكمة قولية، وفعلية:
أما الحكمة القولية، وهي العقلية أيضا، فهي كل ما يعقله العاقل بالحد، وما يجري مجراه، مثل الرسم وبالبرهان، وما يجري مجراه، مثل الاستقراء فيعبر عنه بهما.
وأما الحكمة الفعلية فكل ما يفعله الحكيم لغاية كمالية.
فالأول الأزلي لما كان هو الغاية، والكمال، فلا يفعل فعلا لغاية دون ذاته وإلا فيكون الغاية والكمال هو الحامل، والأول محمول، وذلك محال.
فالحكمة في فعله وقعت تبعا لكمال ذاته، وذلك هو الكمال المطلق في الحكمة، وفي فعل غيره من المتوسطات وقعت مقصودا للكمال المطلوب، وكذلك في أفعالنا.
ثم إن الفلاسفة اختلفوا في الحكمة القولية العقلية اختلافا لا يحصى كثرة، والمتأخرون منهم خالفوا الأوائل في أكثر المسائل. وكانت مسائل الأولين محصورة في الطبيعيات، والإلهيات، وذلك هو الكلام في الباري تعالى والعالم، ثم زادوا فيها الرياضيات.
وقالوا: العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: علم ماهية، وعلم كيف، وعلم كم. فالعلم الذي يطلب فيه ماهيات الأشياء هو العلم الإلهي، والعلم الذي يطلب فيه كيفيات الأشياء هو العلم الطبيعي، والعلم الذي يطلب فيه كميات الأشياء هو العلم الرياضي، سواء كانت
[ ٢ / ١١٦ ]
الكميات مجردة عن المادة، أو كانت مخالطة بعد. فأحدث بعدهم أرسطوطاليس الحكيم علم المنطق، وسماه تعليمات، وإنما هو جرده من كلام القدماء، وإلا فلم تخل الحكمة عن قوانين المنطق قط. وربما عدها آلهة العلوم، لا من جملة العلوم، فقال:
الموضوع في العلم الإلهي: هو الوجود المطلق. ومسائله: البحث عن أحوال الوجود من حيث هو وجود.
والموضوع في العلم الطبيعي: هو الجسم، ومسائله: البحث عن أحوال الجسم من حيث هو جسم.
والموضوع في العلم الرياضي، هو الأبعاد والمقادير، وبالجملة: الكمية من حيث إنها مجردة عن المادة، ومسائله: البحث عن أحوال الكمية من حيث هي كمية.
والموضوع في العلم المنطقي: هو المعاني التي في ذهن الإنسان من حيث يتأدى بها إلى غيرها من العلوم، ومسائله: البحث عن أحوال تلك المعاني من حيث هي كذلك.
قالت الفلاسفة: ولما كانت السعادة هي المطلوبة لذاتها، وإنما يكدح الإنسان لنيلها، والوصول إليها، وهي لا تنال بالحكمة، فالحكمة تطلب إما ليعمل بها، وإما لتعلم فقط، فانقسمت الحكمة إلى قسمين عملي، وعلمي.
ثم منهم من قدم العملي على العلمي، ومنهم من أخر، كما سيأتي. فالقسم العملي هو عمل الخير، والقسم العلمي هو علم الحق. قالوا: وهذان القسمان مما يوصل إليه بالعقل الكامل، والرأي الراجح، غير أن الاستعانة في القسم العملي منه بغيره أكثر. والأنبياء ﵈ أيدوا بإمداد روحانية تقريرا للقسم العملي، ولطرف ما من القسم العلمي والحكماء تعرضوا لأمداد عقلية تقريرا للقسم العلمي، ولطرف ما من القسم العملي. فغاية الحكيم هو أن يتجلى لعقله كل الكون، ويتشبه بالإله الحق تعالى وتقدس بغاية الإمكان. وغاية النبي أن يتجلى له نظام الكون، فيقدر على ذلك مصالح العامة حتى يبقى نظام العالم، وتنتظم مصالح العباد، وذلك لا يتأتى إلا بترغيب وترهيب، وتشكيل، وتخييل.
[ ٢ / ١١٧ ]
فكل ما ورد به أصحاب الشرائع والملل مقدر على ما ذكرناه عند الفلاسفة، إلا من أخذ علمه من مشكاة النبوة، فإنه ربما بلغ إلى حد التعظيم لهم، وحسن الاعتقاد في كمال درجتهم.
فمن الفلاسفة:
حكماء الهند من البراهمة لا يقولون بالنبوات أصلا:
ومنهم: حكماء العرب، وهم شرذمة قليلون، لأن أكثر حكمهم فلتات الطبع، وخطرات الفكر، وربما قالوا بالنبوات.
ومنهم: حكماء الروم، وهم منقسمون إلى القدماء، الذين هم أساطين الحكمة، وإلى المتأخرين وهم المشاءون، وأصحاب الرواق، وأصحاب أرسطوطاليس، وإلى فلاسفة الإسلام، الذين هم حكماء العجم، وإلا فلم ينقل عن العجم قبل الإسلام مقالة في الفلسفة، إذ حكمهم كلها كانت متلقاة من النبوات إما من الملة القديمة، وإما من سائر الملل.
غير أن الصابئة كانوا يخلطون الحكمة بالصبوة:
فنحن نذكر مذاهب الحكماء القدماء من الروم، واليونانيين، على الترتيب الذي نقل في كتبهم، ونعقب ذلك بذكر سائر الحكماء إن شاء الله تعالى.
فإن الأصل في الفلسفة والمبدأ في الحكمة للروم، وغيرهم كالعيال لهم.
[ ٢ / ١١٨ ]
الفصل الأول: الحكماء السبعة
رأي تاليس
الفصل الأول: الحكماء السبعة
الذين هم أساطين الحكمة، من الملطية، وساميا، وأثينية، وهي بلادهم.
وأما أسماؤهم، فهي تاليس الملطي، وأنكساغورس، وأنكسيمانس، وأنبادقليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون.
وتبعهم جماعة من الحكماء، مثل فلوطرخيس، وبقراط، وديمقريطيس، والشعراء، والنساك.
وإنما يدور كلامهم في الفلسفة على ذكر وحدانية الباري تعالى، وإحاطته علما بالكائنات، كيف هي؟ وفي الإبداع، وتكوين العالم، وأن المبادئ الأول: ما هي؟ وكم هي؟ وأن المعاد: ما هو؟ ومتى هو؟. وربما تكلموا في الباري تعالى بنوع حركة وسكون.
وقد أغفل المتأخرون من فلاسفة الإسلام ذكرهم، وذكر مقالاتهم رأسا، إلا نكتة شاذة نادرة، ربما اعترت على أبصارهم وأفكارهم، أشاروا إليها تزييفا.
ونحن تتبعناها وتعقبناها نقلا، وألقينا زمام الاختيار إليك في المطالعة، والمناظرة بين كلام الأوائل والأواخر.
١- رأي تاليس:
وهو أول من تفلسف١ في ملطية. قال: إن للعالم مبدعا، لا تدرك صفته العقول من جهة هويته، وإنما يدرك من جهة آثاره، وهو الذي لا يعرف اسمه فضلا عن هويته، إلا من نحو أفاعيله، وإبداعه، وتكزينه الأشياء. فلسنا ندرك له اسما من نحو ذاته، بل من نحو ذاتنا.
_________________
(١) ١ ٦٢٤ ق. م - ٥٥٠ ق. م تقريبا.
[ ٢ / ١١٩ ]
ثم قال: إن القول الذي لا مراد له هو أن المبدع كان ولا شيء مبدع، فأبدع الذي أبدع ولا صورة له عنده في الذات، لأن قبل الإبداع إنما هو فقط، وإذا كان هو فقط فليس يقال حينئذ جهة، وجهة، حتى يكون هو، وصورة، أو حيث وحيث حتى يكون هو، وذو صورة. والوحدة الخالصة تنافي هذين الوجهين.
والإبداع هو تأييس١ ما ليس بأيس، وإذا كان هو مؤيس الأيسيات، والتأييس لا من شيء متقادم، فمؤيس الأشياء لا يحتاج إلى أن يكون عنده صورة الأيس بالأيسية، وإلا فقد لزمه إن كانت الصورة عنده أن يكون منفردا عن الصورة التي عنده، فيكون هو وصورة، وقد بينا أنه قبل الإبداع إنما هو فقط.
وأيضا: فلو كانت الصورة عنده: أكانت مطابقة للموجود الخارج؟ أم غير مطابقة؟ فإن كانت مطابقة فلتتعدد الصور بعدد الموجودات، ولتكن كلياتها مطابقة للكليات، وجزئياتها مطابقة للجزئيات، ولتغيير بتغيرها كما تكثرت بتكثرها، وكل ذلك محال، لأنه ينافي الوحدة الخالصة. وإن لم تطابق الموجود الخارج فليست إذن صورة عنه، بل إنما هي شيء آخر.
قال: لكنه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والمعلومات كلها. فانبعث من كل صورة موجود في العالم على المثال الذي في العنصر الأول، فمحل الصور ومنبع الموجودات كلها هو ذات العنصر.
وما من موجود في العالم العقلي والعالم الحسي إلا وفي ذات العنصر صورة له ومثال عنه.
قال: ومن كمال ذات الأول الحق أنه أبدع مثل هذا العنصر، فما يتصوره العامة في ذاته تعالى أن فيها الصور يعني صور المعلومات فهو مبدعه، ويتعالى الأول الحق بوحدانيته وهويته عن أن يوصف بما يوصف به مبدعه. ومن العجب أنه نقل عنه أن
_________________
(١) ١ أصل التأييس: الاستقلال والتأثير في الشيء.
[ ٢ / ١٢٠ ]
المبدع الأول هو الماء. قال١: الماء قابل لكل صورة، ومنه أبدع الجواهر كلها من السماء، والأرض، وما بينهما، وهو علة كل مبدع، وعلة كل مركب من العنصر الجسماني. فذكر أن من جمود الماء تكونت الأرض، ومن إنحلاله تكون الهواء، ومن صفوة الهواء تكونت النار، ومن الدخان والأبخرة تكونت السماء، ومن الاشتعال الحاصل من الأثير تكونت الكواكب. فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل فيها إليه. قال: والماء ذكر والأرض أنثى، وهما يكونان سفلا. والنار ذكر، والهواء أنثى وهما يكونان علوا.
وكان يقول: إن هذا العنصر الذي هو أول وهو آخر -أي هو المبدأ وهو الكمال، هو عنصر الجسمانيات والجرميات، لا أنه عنصر الروحانيات البسيطة. ثم إن هذا العنصر له صفو وكدر، فما كان من صفوه فإنه يكون جسما، وما كان من كدره فإنه يكون جرما. فالجرم يدثر، والجسم لا يدثر. والجرم كثيف ظاهر، والجسم لطيف باطن، وفي النشأة الثانية يظهر الجسم ويدثر الجرم، ويكون الجسم اللطيف ظاهرا، والجرم الكثيف دائرا.
وكان يقول: إن فوق السماء عوالم مبدعة لا يقدر المنطق أن يصف تلك الأنوار، ولا يقدر العقل أن يقف على إدراك ذلك الحسن والبهاء، وهي مبدعة من عنصر لا يدرك غوره، ولا يبصر نوره، والمنطق والنفس والطبيعة تحته ودونه، وهو الدهر المحض من نحو آخره، لا من نحو أوله، وإليه تشتاق العقول والأنفس، وهو الذي سميناه الديمومة، والسرمد، والبقاء، في حد النشأة الثانية.
فظهر بهذه الإشارات أنه إنما أراد بقوله: الماء هو المبدع الأول، أي هو مبدأ التركيبات الجسمانية، لا المبدأ الأول في الموجودات العلوية، لكنه لما اعتقد أن العنصر
_________________
(١) ١ قصة الفلسفة اليونانية لأحمد أمين ص٢٠ "كان الماء عند طاليس هو المادة الأولى التي صدرت منها الكائنات وإليها تعود، وقد ملا عليه الماء شعاب فكره حتى خيل إليه أن الأرض قرص متجمد يسبح فوق لجج مائية ليس لأبعادها نهاية. ويرجح أرسطو أن يكون طاليس قد خلص إلى هذه النتيجة لما رأى الحياة تدور مع الماء، وجودا وعدما. فتكون الحياة حيث الماء، وتنعدم حيث ينعدم".
[ ٢ / ١٢١ ]
الأول هو قابل كل صورة، أي منبع الصور كلها، فأثبت في العالم الجسماني له مثالا يوازيه في قبول الصور كلها، ولم يجد عنصرا على هذا النهج مثل الماء، فجعله المبدع الأول في المركبات، وأنشأ منه الأجسام والأجرام السماوية والأرضية.
وفي التوراة في السفر الأول منها أن مبدأ الخلق هو جوهر خلقه الله تعالى، ثم نظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ثار من الماء بخار مثل الدخان، فخلق منه السموات، وظهر على وجه الماء زبد مثل زبد البحر، فخلق منه الأرض ثم أرساها بالجبال. وكأن تاليس الملطي إنما تلقى مذهبه من هذه المشكاة النبوية.
والذي أثبته من العنصر الأول الذي هو منبع الصور شديد الشبه باللوح المحفوظ المذكور في الكتب الإلهية، إذ فيه جميع أحكام المعلومات، وصور جميع الموجودات، والخبر عن الكائنات.
والماء على القول الثاني شديد الشبه بالماء الذي عليه العرش: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ ١.
_________________
(١) ١ هود آية ٧.
[ ٢ / ١٢٢ ]
٢- رأي انكساغورس ٢:
وهو أيضا من أهل ملطية. رأي في الوحدانية مثل ما رأى تاليس، وخالفه في
_________________
(١) ٢ ٦١١ ق. م - ٥٤٧ ق. م تقريبا. قصة الفلسفة اليونانية ص٢٣ "وكان تلميذا لطاليس لأنه عاصره وعاش معه. وقد خالف أستاذه في كون الماء أصل الوجود. فمهما بلغ الماء من المرونة وقابلية التشكل فهو ذو صفات معروفة معينة تستطيع أن تميزه بها عن المواد الأخرى. ومعنى ذلك أن ثمة صفات تناقض صفات الماء، لأنك لا تدرك الصفة إلا إذا أدركت نقيضها. فلا تفهم الحرارة إلا إذا اقترنت في ذهنك بالبرودة. فإذا انعدم هذا التقابل انعدمت كذلك الخصائص والصفات. وما دام الأمر كذلك فلا يعقل أن تكون المخلوقات جميعا على تناقض صفاتها مشتقة من أصل واحد ذي صفة معينة معروفة. وإنما أصل الكون مادة لا شكل لها ولا نهاية ولا حدود". "وقوله هذا الذي أشرنا إليه مردود عليه، لأنه لا يمكن كذلك أن تنشأ الأشياء، كلها ولها هذه الصفات المختلفة من مادة لا شكل لها. وإلا فمن أين جاءت صفات الحديد والنحاس والخشب وما إلى ذلك وهي مختلفة كل الاختلاف مع أنها اشتقت جميعا من مادة واحدة لا تميزها صفات كما يقول؟ ".
[ ٢ / ١٢٢ ]
المبدأ الأول. قال إن مبدأ الموجودات هو جسم أول متشابه الأجزاء، وهي أجزاء لطيفة لا يدركها الحس، ولا ينالها العقل، منها كون الكون كله العلوي منه والسفلي، لأن المركبات مسبوقة بالبسائط، والمختلفات أيضا مسبوقة بالمتشابهات. أليست المركبات كلها إنما امتزجت وتركبت من العناصر، وهي بسائط متشابهة الأجزاء؟ وأليس الحيوان والنبات وكل ما يغتذي فإنما يتغذى من أجزاء متشابهة أو غير متشابهة، فتجتمع في المعدة فتصير متشابهة، ثم تجري في العروق والشرايين، فتستحيل أجزاء مختلفة مثل الدم واللحم والعظم.
وحكي عنه أيضا أنه وافق سائر الحكماء في المبدأ الأول: إنه العقل الفعال. غير أنه خالفهم في قوله إن الأول الحق تعالى ساكن غير متحرك. وسنشرح القول في السكون والحركة له تعالى، ونبين اصطلاحهم في ذلك.
وحكى فرفوريوس عنه أنه قال: إن أصل الأشياء جسم واحد موضوع الكل، لا نهاية له، ولم يبين ما ذلك الجسم أهو من العناصر؟ أم خارج عن ذلك؟ قال: ومنه تخرج جميع الأجسام والقوة الجسمانية والأنواع والأصناف.
وهو أول من قال بالكمون والظهور، حيث قدر الأشياء كلها كامنة في الجسم الأول، وإنما الوجود ظهورها من ذلك الجسم نوعا وصنفا ومقدارا وشكلا وتكاثفا وتخلخلا، كما تظهر السنبلة من الحبة الواحدة، والنخلة الباسقة من النواة الصغيرة، والإنسان الكامل الصورة من النطفة المهينة، والطير من البيض، فكل ذلك ظهور عن كمون، وفعل عن قوة، وصورة عن استعداد مادة. وإنما الإبداع واحد، ولم يكن بشيء آخر سوى ذلك الجسم الأول.
وحكي عنه أنه قال كانت الأشياء ساكنة، ثم إن العقل رتبها ترتيبا على أحسن نظام، فوضعها مواضعها من عال ومن سافل ومن متوسط، ثم من متحرك، ومن ساكن، ومن مستقيم في الحركة، ومن دائر، ومن أفلاك متحركة على الدوران،
[ ٢ / ١٢٣ ]
ومن عناصر متحركة على الاستقامة. وهذه كلها بهذا الترتيب مظهرات لما في الجسم الأول من الموجودات.
ويحكى عنه أن المرتب هو الطبيعة، وربما يقول: المرتب هو الباري تعالى. وإذا كان المبدأ الأول عنده ذلك الجسم، فمقتضى مذهبه أن يكون المعاد إلى ذلك الجسم. وإذا كانت النشأة الأولى هي الظهور، فيقتضي أن تكون النشأة الثانية هي الكمون. وذلك قريب من مذهب من يقول بالهيولى الأولى التي حدثت فيها الصور، إلا أنه أثبت جسما غير متناه بالفعل هو متشابه الأجزاء، وأصحاب الهيولى لا يثبتون جسما بالفعل. وقد رد عليه الحكماء المتأخرون في إثباته جسما مطلقا لم يعين له صورة سماوية أو عنصرية، وفي نفيه النهاية عنه، وفي قوله بالكمون والظهور، وفي بيانه سبب الترتيب وتعيينه المرتب. وإنما عقبت مذهبهم برأي تاليس، لأنهما من أهل ملطية، ومقاربان في إثبات العنصر الأول والصور فيه متمثلة، والجسم الأول والموجودات فيه كامنة.
وحكى أرسطوطاليس عنه: أن الجسم الذي تكون منه الأشياء غير قابل للكثرة. قال: وأومأ إلى أن الكثرة جاءت من قبل الباري تعالى وتقدس.
[ ٢ / ١٢٤ ]
٣- رأي أنكسيمانس١:
وهو من الملطيين المعروف بالحكمة، المذكور بالخير عندهم. قال: إن الباري تعالى أزلي لا أول له ولا آخر.
هو مبدأ الأشياء ولا بدء له. هو المدرك من خلقه أنه هو فقط، وأنه لا هوية تشبهه، وكل هوية فمبدعة منه، هو الواحد ليس كواحد الأعداد، لأن واحد الأعداد يتكثر، وهو لا يتكثر. وكل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته في علمه الأول، والصور عنده بلا نهاية.
_________________
(١) ١ ٥٨٨ ق. م - ٥٢٤ ق. م تقريبا.
[ ٢ / ١٢٤ ]
قال: ولا يجوز في الباري تعالى إلا أحد قولين: إما أن نقول إنه أبدع ما في علمه، وإما أن نقول إنما أبدع أشياء لا يعلمها، وهذا من قول المستشنع. وإن قلنا أبدع ما في علمه فالصور أزلية بأزليته، وليس تتكثر ذاته بتكثر المعلومات، ولا تتغير بتغيرها. قال: أبدع بوحدانيته صورة العنصر، ثم صورة العقل انبعثت عنها ببدعة الباري تعالى. فرتب العنصر في العقل ألوان الصور على قدر ما فيها من طبقات الأنوار وأصناف الآثار، وصارت تلك الطبقات صورا كثيرة دفعة واحدة، كما تحدث الصور في المرآة الصقيلة بلا زمان، ولا ترتيب بعض على بعض، غير أن الهيولى لا تحتمل القبول دفعة واحدة إلا بترتيب وزمان، فحدثت تلك الصور فيها على الترتيب. ولم يزل الأمر كذلك في العالم بعد العالم على قدر طبقات تلك العوالم، حتى قلت أنوار الصور في الهيولى، وقلت الهيولى، وصارت منها هذه الصورة الرذلة الكثيفة، التي لم تقبل نفسا روحانية، ولا نفسا حيوانية، ولا نباتية.
وكل ما هو على قبول حياة وحس فهو يعد في آثار تلك الأنوار.
وكان يقول: إن هذا العالم، يدثر، ويدخله الفساد والعدم، من أجل أنه سفل تلك العوالم وثفلها، ونسبتها إليه نسبة اللب إلى القشر، والقشر يرمى. قال: وإنما ثبات هذا العالم بقدر ما فيه من قليل نور ذلك العالم، وإلا لما ثبت طرفة عين، ويبقي ثباته إلى أن يصفي العقل جزءه الممتزج به، وإلى أن تصفي النفس جزءها المختلط فيه. فإذا صفي الجزآن عنه دثرت أجزاء هذا العالم. فسدت وبقيت مظلمة قد عدمت ذلك القليل من النور فيها، وبقيت الأنفس الدنسة الخبيثة في هذه الظلمة بلا نور ولا سرور، ولا روح ولا راحة، ولا سكون ولا سلوة.
ونقل عنه أيضا أن أول الأوائل من المبدعات هو الهواء، ومنه تكون جميع ما تكون في العالم من الأجرام العلوية والسفلية.
قال: ما كون من صفو الهواء المحض لطيف روحاني لا يدثر ولا يدخل عليه الفساد، ولا يقبل الدنس والخبث، وما كون من كدر الهواء كثيف جسماني يدثر ويدخله الفساد
[ ٢ / ١٢٥ ]
ويقبل الدنس والخبث. فما فوق الهواء من العوالم فهو من صفوه، وذلك عالم الروحانيات، وما دون الهواء من العوالم فهو من كدره، وذلك من عالم الجسمانيات، وهو كثير الأوساخ والأوضار، يتشبث به من سكن إليه فيمنعه من أن يرتفع علوا، ويتخلص منه من لم يسكن إليه، فيصعد إلى عالم كثير اللطافة، دائم السرور. ولعله جعل الهواء أول الأوائل لموجودات العالم الجسماني، كما جعل العنصر أول الأوائل لموجودات العالم الروحاني.
وهو على مثال مذهب تاليس إذ أثبت العنصر والماء في مقابلته. وهو قد أثبت العنصر والهواء في مقابلته، ونزل العنصر منزلة القلم الأول، والعقل منزلة اللوح القابل لنقش الصور، ورتب الموجودات على ذلك الترتيب. وهو أيضا من مشكاة النبوة اقتبس، وبعبارات القوم التبس.
[ ٢ / ١٢٦ ]
٤- رأي أنبادقليس ١:
وهو من الكبار عند الجماعة، دقيق النظر في العلوم، رقيق الحال في الأعمال. وكان في زمن داود النبي ﵇، مضى إليه وتلقى منه العلم، واختلف إلى لقمان الحكيم، واقتبس منه الحكمة، ثم عاد إلى يونان وأفاد.
قال: إن الباري تعالى لم تزل هويته فقط، وهو العلم المحض، وهو الإرادة المحضة، وهو الجود والعزة، والقدرة والعدل والخير والحق، لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء، بل هي: هو، وهو: هذه كلها. مبدع فقط لا أنه أبدع من شيء، ولا أن شيئا كان معه. فأبدع الشيء البسيط الذي هو أول البسائط المعقول، وهو العنصر الأول، ثم كثر الأشياء المبسوطة من ذلك المبدع البسيط الواحد الأول، ثم كون المركبات من المبسوطات.
_________________
(١) ١ يطلق عليه الآن: إمبذ قليس ٤٩٥ ق. م حـ ٤٣٥ ق. م.
[ ٢ / ١٢٦ ]
وهو مبدع الشيء واللاشيء: العقلي، والفكري، والوهمي، أي مبدع المتضادات والمتقابلات المعقولة والخيالية والحسية. وقال: إن الباري تعالى أبدع الصور لا بنوع إرادة مستأنفة، بل بنوع أنه علة فقط، وهو العلم والإرادة. فإذا كان المبدع إنما أبدع الصور بنوع أنه علة لها، فالعلة ولا معلول، وإلا فالمعلول مع العلة معية بالذات، فإن جاز أن يقال إن معلولا مع العلة، فالمعلول حينئذ ليس هو غير العلة، وأن يكون المعلول ليس أولي بكونه معلولا من العلة، ولا العلة بكونها علة أولي من المعلول، فالمعلول إذا تحت العلة وبعدها، والعلة علة العلل كلها، أي علة كل معلول تحتها، فلا محالة أن المعلول لم يكن مع العلة بجهة من الجهات البتة، وإلا فقد بطل اسم العلة والمعلول. فالمعلول الأول هو العنصر، والمعلول الثاني هو بتوسطه العقل، والثالث بتوسطهما النفس، وهذه بسائط ومتوسطات، وما بعدها مركبات.
وذكر أن المنطق لا يعبر عما عند العقل، لأن العقل أكبر من المنطق من أجل أنه بسيط والمنطق مركب، والمنطق يتجزأ والعقل يتحد ويحد فيجمع المتجزئآت. فليس للمنطق إذا أن يصف الباري تعالى إلا صفة واحدة، وذلك أنه هو ولا شيء من هذه العوالم بسيط ولا مركب. فإذا كان هو ولاشيء، فقد كان الشيء واللاشيء مبدعين.
ثم قال أنبادقليس: العنصر الأول بسيط من نحو ذات العقل الذي هو دونه وليس هو بسيطا مطلقا أي واحدا بحتا من نحو ذات العلة، فلا معلول إلا وهو مركب تركيبا عقليا أو حسيا، فالعنصر في ذاته مركب من المحبة والغلبة، وعنهما أبدعت الجواهر البسيطة الروحانية، والجواهر المركبة الجسمانية، فصارت المحبة والغلبة صفتين أو صورتين للعنصر، مبدأين لجميع الموجودات، فانطبعت الروحانيات كلها على المحبة الخالصة، والجسمانيات كلها على الغلبة، والمركبات منهما على طبيعتي المحبة والغلبة، والازدواج والتضاد، وبمقدارهما في المركبات تعرف مقادير الروحانيات في الجسمانيات.
[ ٢ / ١٢٧ ]
قال: ولهذا المعنى ائتلفت المزدوجات بعضها ببعض نوعا بنوع، وصنفا بصنف، واختلفت المتضادات فتنافر بعضها عن بعض نوعا عن نوع، وصنفا عن صنف.
فما كان فيها من الائتلاف والمحبة فمن الروحانيات، وما كان فيها من الاختلاف والغلبة فمن الجسمانيات، وقد يجتمعان في نفس واحدة بإضافتين مختلفتين.
وربما أضاف المحبة إلى المشتري والزهرة، والغلبة إلى زحل والمريخ، فكأنهما تشخصتا بالسعدين والنحسين.
ولكلام أنبادقليس مساق آخر، قال: إن النفس النامية قشر للنفس البهيمية الحيوانية، والنفس الحيوانية قشر للنفس المنطقية، والمنطقية قشر للعقلية، وكل ما هو أسفل فهو قشر لما هو أعلى، والأعلى لبه. وربما يعبر عن القشر واللب بالجسد والروح، فيجعل النفس النامية جسدا للنفس الحيوانية، وهذه روحا لها، وعلى ذلك حتى ينتهي إلى العقل.
وقال: لما صور العنصر الأول في العقل ما عنده من الصور المعقولة الروحانية، وصور العقل في النفس ما استفاد من العنصر، صورت النفس الكلية في الطبيعة الكلية ما استفادت من العقل، فحصلت قشور في الطبيعة لا تشبهها، ولا هي شبيهة بالعقل الروحاني اللطيف. فلما نظر العقل إليها وأبصر الأرواح واللبوب في الأجسام والقشور: ساح عليها من الصور الحسنة الشريفة البهية، وهي صور النفوس المشاكلة للصور العقلية اللطيفة الروحانية حتى يديرها ويتصرف فيها بالتمييز بين القشور واللبوب، فيصعد باللبوب إلى عالمها، فكانت النفوس الجزئية أجزاء للنفس الكلية كأجزاء الشمس المشرقة على منافذ البيت، والطبيعة الكلية معلولة للنفس، وفرق بين الجزء وبين الطبيعة، فالجزء غير المعلول.
ثم قال: وخاصية النفس الكلية: المحبة، لأنها لما نظرت إلى العقل وحسنه وبهائه أحبته حب وامق١ عاشق لمعشوقه، فطلبت الاتحاد به وتحركت نحوه.
_________________
(١) الوامق: المحب.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وخاصية الطبيعة الكلية: الغلبة، لأنها لما توحدت لم يكن لها نظر وبصر تدرك بهما النفس والعقل وتعشقهما، بل انبجست١ منها قوى متضادة: أما في بسائطها فمتضادات الأركان، وأما في مركباتها فمتضادات القوى المزاجية والطبيعية والنباتية والحيوانية. والطبيعية تمردت عليها لبعدها من العلة بكونها معلولة عن كلياتها، وطاوعتها الأجزاء النفسانية مغترة بعالمها الغرار الغدار، فركنت إلى لذات حسية: من مطعم مري، ومشرب هني، وملبس طرى، ومنكح شهي ونسيت ما قد طبعت عليه من ذلك البهاء والحسن والكمال الروحاني النفساني العقلي. فلما رأت النفس الكلية تمردها واغترارها أهبطت إليها جزءا من أجزائها، هو أزكى وألطف وأشرف من هاتين النفسين البهيمية، والنباتية ومن تلك النفوس المغترة بهما، فيكسر النفسين عن تمردهما، ويحبب إلى النفوس المغترة عالمها، ويذكرها بما نسيت، ويعلمها ما جهلت، ويطهرها مما تدنست فيه، ويزكيها عما تنجست به. وذلك الجزء الشريف هو النبي المبعوث في كل دور من الأدوار، فيجري على سنن العقل والعنصر الأول من رعاية المحبة والغلبة، فيتألف بعض النفوس بالحكمة والموعظة الحسنة. ويشدد على بعضها بالقهر والغلبة.
فتارة يدعو باللسان من جهة المحبة لطفا، وتارة يدعو بالسيف من جهة الغلبة عنفا، فيخلص النفوس الجزئية الشريفة التى اغترت بتمويهات النفسين المزاجيتين عن التمويه الباطل، والتسيل الزائل الفائل. وربما يكسو النفسين السافلتين كسوة النفس الشريفة، فتنقلب الصفة الشهوية إلى المحبة، فتغلب محبة الخير والحق والصدق، وتنقلب الصفة الغضبية إلى الغلبة فتغلب الشر والباطل والكذب، فتصعد النفس الجزئية الشريفة إلى عالم الروحانيين بهما جميعا، فتكونان جسدا لها في ذلك العالم، كما كانتا جسدا لها في هذا العالم. وقد قيل إذا كانت الدولة والجد لأحد أحبه أشكاله، فيغلب بمحبتهم له أضداده.
_________________
(١) ١ انبجست: انشقت وانفجرت.
[ ٢ / ١٢٩ ]
ومما نقل عن أنباد قليس أنه قال: العالم مركب من الأسطقسات١ الأربعة، فإنه ليس وراءها شئ أبسط منها، وان الأشياء كامنة بعضها في بعض. وأبطل الكون والاستحالة والنمو، وقال: الهواء لا يستحيل نارا٢، ولا الماء هواء، ولكن ذلك بتكاثف وتخلخل وبكمون وظهور، وتركب وتحلل. وإنما التركب في المركبات بالمحبة يكون، والتحلل في المتحللات بالغلبة يكون.
ومما نقل عنه أيضا: أنه تكلم في الباري تعالى بنوع حركة وسكون، فقال: إنه متحرك بنوع سكون، لأن العقل والعنصر متحركان بنوع سكون، وهو مبدعهما، ولا محالة أن المبدع أكبر، لأنه علة كل متحرك وساكن. وشايعه على هذا الرأي فيثاغورس ومن بعده من الحكماء إلى أفلاطون. وأما زينون الأكبر وديمقريط والشاعريون فصاروا إلى أنه تعالى متحرك. وقد سبق النقل عن أنكساغورس أنه قال هو ساكن لا يتحرك، لأن الحركة لا تكون إلا محدثة. ثم قال: إلا أن يقولوا إن تلك الحركة فوق هذه الحركة، كما أن ذلك السكون فوق هذا السكون.
وهؤلاء ما عنوا بالحركة والسكون النقلة عن مكان واللبث في مكان، ولا بالحركة التغيير والاستحالة، ولا بالسكون ثبات الجوهر والدوام على حالة واحدة، فإن الأزلية والقدم تنافي هذه المعاني كلها.
ومن يحترز ذلك الاحتراز عن التكثر، فكيف يجازف هذه المجازفة في التغيير؟!
_________________
(١) ١ الأسطقس في اليونانية: كالعناصر في العربية، وهو الأصل، والعناصر الأربعة هي: النار، والهواء، والماء، والتراب. ٢ جاء في قصة الفلسفة اليونانية ص٦٢: "تناول إمبذ قليس أطراف النقيضين مرة ثانية ليوفق بينهما. فإن كانت المادة الموجودة لا يجوز لها أن تنقلب مادة أخرى تباينها فذلك صحيح مسلم به، على أن يتناول هذا الحكم العناصر الأولى وحدها، تكون النار ماء، ولن يصير التراب هواء؛ أعني أن إمبذ قليس عدلا قليلا في مبدأ بارميندس. فليس الوجود عنصرا واحدا، أو إن شئت تحديد رأيه فقل إنه أربعة عناصر: التراب، والهواء، والنار، والماء. ويستحيل على واحد من تلك العناصر أن ينقلب إلى صورة أخيه. وإذا كنا نرى ملايين وملايين من ألوان المادة؛ فهي مزيج من تلك العناصر الأربعة الأولى، وتختلف الأشياء باختلاف نسبة المزج بين تلك الأصول الأربعة".
[ ٢ / ١٣٠ ]
فأما الحركة والسكون في العقل والنفس، فإنما عنوا بهما الفعل والانفعال، وذلك أن العقل لما كان موجودا كاملا بالفعل قالوا: هو ساكن واحد مستغن عن حركة يصير بها فاعلا. والنفس لما كانت ناقصة متوجهة إلى الكمال قالوا: هي متحركة طالبة درجة العقل. ثم قالوا: العقل ساكن بنوع حركة، أي هو في ذاته كامل بالفعل، فاعل يخرج النفس من القوة إلى الفعل. والفعل نوع حركة في سكون، والكمال نوع سكون في حركة، أي هو كامل ومكمل غيره. فعلى هذا المعنى يجوز على قضية مذهبهم إضافة الحركة والسكون إلى الباري تعالى.
ومن العجب أن مثل هذا الاختلاف قد وجد في أرباب الملل، حتى صار بعض إلى أنه تعالى مستقر في مكان، ومستو على مكان، وذلك إشارة إلى السكون، وصار بعض إلى أنه يجيء ويذهب وينزل ويصعد، وذلك عبارة عن الحركة، إلى أنه يحمل على معنى صحيح لائق بجناب القدس، حقيق بجلال الحق.
ومما نقل عن أنباد قليس في أمر المعاد أنه قال: يبقى هذا العالم على الوجه الذي عهدناه من النفوس التي تشبثت بالطبائع، والأرواح التي تعلقت بالشباك حتى تستغيث في آخر الأمر إلى النفس الكلية التي هي كلها، فتتضرع النفس إلى العقل، ويتضرع العقل إلى الباري تعالى، فيسيح الباري تعالى على العقل، ويسيح العقل على النفس، وتسيح النفس على هذا العالم بكل نورها، فتستضئء الأنفس الجزئية، وتشرق الأرض بنور ربها، حتى تعاين الجزئيات كلياتها، فتتخلص من الشبكة، فتتصل بكلياتها، وتستقر في عالمها مسرورة، محبورة ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة النور، آية ٤٠.
[ ٢ / ١٣١ ]
٥- رأي فيثاغورس ١:
ابن منسارخس من أهل ساميا٢. وكان في زمان سليمان النبي ابن داود ﵉. قد أخذ الحكمة من معدن النبوة. وهو الحكيم الفاضل، ذو الرأي المتين، والعقل الرصين. يدعى أنه شاهد العوالم العلوية بحسه وحدسه، وبلغ في الرياضة إلى أن سمع حفيف الفلك، ووصل إلى مقام الملك، وقال: ما سمعت شيئا قط ألذ من حركاتها، ولا رأيت شيئا أبهى من صورها وهيئاتها.
قوله في الإلهيات:
قال: إن الباري تعالى واحد لا كالآحاد، ولا يدخل في العدد، ولا يدرك من جهة العقل ولا من جهة النفس، فلا الفكر العقلي يدركه، ولا المنطق النفسي يصفه، فهو فوق الصفات الروحانية، غير مدرك من نحو ذاته، وإنما يدرك بآثاره وصنائعه وأفعاله. وكل عالم من العوالم يدركه بقدر الآثار التي تظهر في صنعته، فينعته ويصفه بذلك القدر الذي يخصه من صنعته، فالموجودات في العالم الروحاني قد خصت بآثار خاصة روحانية فتنعته من حيث تلك الآثار، والموجودات في العالم الجسماني قد خصت بآثار خاصة جسمانية فتنعته من حيث تلك الآثار. ولا نشك أن هداية الحيوان مقدرة على الآثار التي جبل الحيوان عليها، وهداية الإنسان مقدرة على الآثار التي فطر الإنسان عليها. فكل يصفه من نحو ذاته، ويقدسه عن خصائص صفاته.
ثم قال: الوحدة تنقسم إلى وحدة غير مستفادة من الغير، وهي وحدة الباري تعالى: وحدة الإحاطة بكل شيء وحدة الحكم على كل شيء وحدة تصدر عنها الآحاد في الموجودات والكثرة فيها، وإلى وحدة مستفادة من الغير، وذلك وحدة المخلوقات.
_________________
(١) ١ ولد بين سنتي ٥٨٠، ٥٧٠ ق. م. ٢ هي جزيرة ساموس.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وربما يقول: الوحدة على الإطلاق تنقسم إلى وحدة قبل الدهر، ووحدة مع الدهر، ووحدة بعد الدهر وقبل الزمان، ووحدة مع الزمان. فالوحدة التي هي قبل الدهر هي وحدة الباري تعالى، والوحدة التي هي مع الدهر هي وحدة العقل الأول، والوحدة التي هي بعد الدهر وقبل الزمان هي وحدة النفس، والوحدة التي هي مع الزمان هي وحدة العناصر والمركبات.
وربما يقسم الوحدة قسمة أخرى فيقول: الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات، وإلى وحدة بالعرض. فالوحدة بالذات ليست إلا للمبدع للكل الذي منه تصدر الوحدانيات في العدد والمعدود، والوحدة بالعرض تنقسم إلى ما هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد، وإلى ما هو مبدأ للعدد وهو داخل فيه، فالأول كالواحدية للعقل الفعال، لأنه لا يدخل في العدد والمعدود، والثاني ينقسم إلى ما يدخل فيه كالجزء له، فإن الاثنين إنما هو مركب من واحدين، وكذلك كل عدد فهو مركب من آحاد لا محالة، وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة الوحدة إليه إلى أقل، وإلى ما يدخل فيه كاللازم له لا كالجزء فيه، وذلك لأن كل عدد أو معدود لن يخلو قط عن وحدة تلازمه، فإن الاثنين والثلاثة في كونهما أثنين وثلاثة واحدة، وكذلك المعدودات من المركبات والبسائط واحدة إما في الجنس، أو في النوع، أو في الشخص، كالجوهر في أنه جوهر على الإطلاق، والإنسان في أنه إنسان، والشخص المعين مثل زيد في أنه ذلك الشخص بعينه واحد، فلم تنفك الوحدة من الموجودات قط. وهذه وحدة مستفادة من وحدة الباري تعالى تلزم الموجودات كلها، وإن كانت في ذواتها متكثرة. وإنما شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه، فكل ما هو أبعد من الكثرة فهو أشرف وأكمل.
ثم إن لفيثاغورس رأيا في العدد والمعدود قد خالف فيه جميع الحكماء قبله، وخالفه فيه من بعده، وهو أنه جرد العدد عن المعدود تجريد الصورة عن المادة، وتصوره موجودا محققا، وجرد الصورة، وتحققها. وقال: مبدأ الموجودات هو العدد، وهو أول مبدع أبدعه الباري تعالى. فأول العدد هو الواحد، وله اختلاف رأي في أنه هل
[ ٢ / ١٣٣ ]
يدخل في العدد أم لا كما سبق. وميله الأكثر إلى أنه لا يدخل في العدد، فيبتدئ العدد من اثنين.
ويقول: هو منقسم إلى زوج وفرد، فالعدد البسيط الأول اثنان، والزوج البسيط الأول أربعة، وهو المنقسم بمتساويين، ولم يجعل الاثنين زوجا، فإنه لو انقسم لكان إلى واحدين، وكان الواحد داخلا في العدد، ونحن ابتدأنا في العدد من اثنين، والزوج قسم من أقسامه، فكيف يكون نفسه؟ والفرد البسيط الأول ثلاثة.
قال: وتتم القسمة بذلك، وما وراءه فهو قسمة القسمة، فالأربعة هي نهاية العدد، وهي الكمال، وعن هذا كان يقسم "بالرباعية" "لا، وحق الرباعية التي هي تدبر أنفسنا التي هي أصل الكلام" وما وراء ذلك فهو زوج الفرد، وزوج الزوج، وزوج الزوج والفرد.
ويسمي الخمسة عددا دائرا، فإنها إذا ضربتها في نفسها أبدا عادت الخمسة من الرأس.
ويسمي الستة عددا تاما، فإن أجزائها مساوية لجملتها.
والسبعة عددا كاملا، فإنها مجموع الزوج والفرد، وهي نهاية أخرى.
والثمانية مبتدأة مركبة من زوجين.
والتسعة من ثلاثة أفراد، وهي نهاية أخرى.
والعشرة من مجموع العدد من الواحد إلى الأربعة، وهي نهاية أخرى.
فللعدد أربع نهايات: أربعة، وسبعة، وتسعة، وعشرة. ثم يعود إلى الواحد فيقول: أحد عشر ويعد. والتركيبات فيما وراء الأربعة على أنحاء ستة:
فالخمسة على مذهب من لا يرى الواحد داخلا في العدد فهي مركبة من عدد وفرد. وعلى مذهب من يرى ذلك فهي مركبة من فرد وزوجين.
وكذلك الستة على الأول فمركبة من فردين، أو عدد وزوج. وعلى الثاني فمركبة من ثلاثة أزواج.
[ ٢ / ١٣٤ ]
والسبعة على الأول فمركبة من فرد وزوج، وعلى الثاني فمركبة من فرد وثلاثة أزواج.
والثمانية على الأول فمركبة من زوجين، وعلى الثاني فمركبة من أربعة أزواج.
والتسعة على الأول فمركبة من ثلاثة أفراد، وعلى الثاني فمركبة من فرد وأربعة أزواج.
والعشرة على الأول فمركبة من عدد وزوجين أو زوج وفردين، وعلى الثاني فما يحسب من الواحد إلى الأربعة، وهو النهاية والكمال. ثم الأعداد الأخرى فقياسها هذا القياس. قال: وهذه هي أصول الموجودات.
ثم إنه ركب العدد على المعدود، والمقدار على المقدور، فقال: المعدود الذي فيه اثنينية وهو أصل المعدودات ومبدؤها هو العقل باعتبار أن فيه اعتبارين: اعتبارا من حيث ذاته وأنه ممكن الوجود بذاته، واعتباره من حيث مبدعه، وأنه واجب الوجود به، فقابله الاثنان. والمعدود الذي فيه ثلاثية هو النفس، إذ زاد على الاعتبارين اعتبارا ثالثا. والمعدود الذي فيه أربعية هو الطبيعة، إذ زاد على الثلاثة رابعا. وثم النهاية، أعني نهاية المبادئ، وما بعدها المركبات، فما من موجود مركب إلا وفيه من العناصر والنفس والعقل شئ إما عين أو أثر، حتى ينتهي إلى السبعة فيقدر المعدودات على ذلك وينتهي إلى العشرة، ويعد العقل والنفوس التسعة بأفلاكها التي هي أبدانها وعقولها المفارقة كالجوهر وتسعة أعراض. وبالجملة إنما يتعرف حال الموجودات من العدد والمقادير الأول، ويقول: الباري تعالى عالم بجميع المعلومات على طريق الإحاطة بالأسباب التي هي الأعداد المقادير، وهي لا تختلف، فعلمه لا يختلف.
وربما يقول: المقابل للواحد هو العنصر الأول كما قال أنكسيمانس، ويسميه الهيولي الأولي، وذلك هو الواحد المستفاد، لا الواحد الذي هو كالاحاد، وهو واحد، كل: تصدر عنه كل كثرة، وتستفيد الكثرة منه الوحدة التي تلازم الموجودات، ولا تفارقها
[ ٢ / ١٣٥ ]
ألبتة، كما قررنا. وذكر إن العنصر انفراد بوحدته ثم أفاضها على الموجودات، فلا يوجد موجود إلا وفيه من وحدته حظ على قدر استعداده، ثم من هداية العقل حظ على قدر قبوله، ثم من قوة النفس حظ على قدر تهيئته. وعلى ذلك آثار المبادئ في المركبات، فإن كل مركب لا يخلو عن مزاج ما، وكل مزاج لا يعرى عن اعتدال ما، وكل اعتدال عن كمال أو قوة كمال: إما طبيعي إلي هو مبدأ الحركة، وإما عن كمال نفساني هو مبدأ الحس. فإذا بلغ المزاج الإنساني إلى حد قبول هذا الكمال أفاض عليه العنصر وحدته، والعقل هدايته، والنفس نطقه وحكمته.
قال: ولما كانت التأليفات الهندسية مرتبة على المعادلات العددية عددناها أيضا من المبادئ. فصارت طائفة من الفيثاغوريين إلى أن المبادئ هي التأليفات الهندسية على مناسبات عددية، ولهذا صارت المتحركات السماوية ذات حركات متناسبة لحنية هي أشرف الحركات، وألطف التأليفات. ثم تعدوا من ذلك إلى الأقوال، حتى صارت طائفة منهم إلى أن المبادئ هي الحروف والحدود المجردة عن المادة، وأوقعوا الألف في مقابلة الواحد، والباء في مقابلة الاثنين، إلى غير ذلك من المقابلات.
ولست أدري! على أي لسان ولغة قدروها؟، فإن الألسن يختلف باختلاف الأمصار والمدن، أو على أي وجه من التركيب؟ فإن التركيبات أيضا مختلفة. فالبسائط من الحروف مختلف فيها، والمركبات كذلك، ولا كذلك العدد، فإنه لا يختلف أصلا.
وصارت جماعة منهم إلى أن مبدأ الجسم هو الأبعاد الثلاثة، والجسم مركب عنها، وأوقعوا النقطة في مقابلة الواحد، والخط في مقابلة الاثنين، والسطح في مقابلة الثلاثة، والجسم في مقابلة الأربعة. وراعوا هذه المقابلات في تراكيب الأجسام، وتضاعيف الأعداد.
ومما ينقل عن فيثاغورس: أن الطبائع أربعة، والنفوس التي فينا أيضا أربعة: العقل، والعلم، والرأي، والحواس. ثم ركب فيه العدد على المعدود. والروحاني على الجسماني.
[ ٢ / ١٣٦ ]
قال الرئيس أبو علي الحسين بن سينا: وأمثل ما يحمل عليه هذا القول أن يقال: كون الشيء واحدا غير كونه موجودا أو إنسانا، وهو في ذاته أقدم منهما، فالحيوان الواحد لا يحصل واحدا إلا وقد تقدمه معنى الوحدة الذي صارا به واحدا، ولولاه لم يصح وجوده، فإذن هو الأشرف الأبسط الأول، وهذه صورة العقل، فالعقل يجب أن يكون الواحد من هذه الجهة، والعلم دون ذلك في الرتبة، لأنه بالعقل ومن العقل، فهو كالاثنين الذي يفتقر إلى الواحد ويصدر منه، وكذلك العلم يئول إلى العقل. ومعنى الظن والرأي عدد السطح، والحس عدد المصمت: أن السطح لكونه ذا ثلاث جهات هو طبيعة الظن الذي هو أعم من العلم مرتبة، وذلك لأن العلم يتعلق بمعلوم معين، والظن والرأي ينجذب إلى الشيء ونقيضه، والحس أعم من الظن، فهو المصمت أي الجسم له أربع جهات.
ومما نقل عن فيثاغورس أن العالم إنما ألف من اللحون البسيطة الروحانية. ويذكر أن الأعداد الروحانية غير منقطعة، بل أعداد متحدة تتجزأ من نحو العقل، ولا تتجزأ من نحو الحواس. وعد عوالم كثيرة. فمنه عالم هو سرور محض في أصل الإبداع وابتهاج وروح في وضع الفطرة، ومنه عالم هو دونه. ومنطقها ليس مثل منطق العوالم العالية، فإن المنطق قد يكون باللحون الروحانية البسيطة، وقد يكون باللحون الروحانية المركبة.
والأول يكون سرورها دائما غير منقطع. ومن اللحون ما هو ناقص في التركيب، لأن المنطق بعد لم يخرج إلى الفعل، فلا يكون السرور بغاية الكمال، لأن اللحن ليس بغاية الاتفاق.
وكل عالم فهو دون الأول بالرتبة، وتتفاضل العوالم بالحسن والبهاء والرتبة. والأخير ثقل العوالم وثقلها١ وسفلها، ولذلك لم يجتمع كل الاجتماع، ولم تتحد الصورة بالمادة كل الاتحاد، وجاز على كل جزء منه الانفكاك عن الجزء الآخر، إلا أن فيه
_________________
(١) ١ الثفل؛ بصم الثاء وسكون الفاء، والثافل: ما استقر تحت الشيء من كدرة.
[ ٢ / ١٣٧ ]
نورا قليلا من النور الأول، فلذلك النور وجد فيه نوع ثبات، ولولا ذلك لم يثبت طرفة عين، وذلك النور القليل: جسم النفس والعقل الحامل لهما في هذا العالم.
وذكر أن الإنسان بحكم الفطرة واقع في مقابلة العالم كله، وهو عالم صغير، والعالم إنسان كبير، ولذلك صار حظه من النفس والعقل أوفر، فمن أحسن تقويم نفسه وتهذيب أخلاقه وتزكية أحواله أمكنه أن يصل إلى معرفة العالم وكيفية تأليفه، ومن ضيع نفسه ولم يقم بمصالحها من التهذيب والتقويم خرج من عداد العدد والمعدود، وانحل عن رباط القدر والمقدور، وصار ضياعا هملا.
وربما يقول: النفس الإنسانية تأليفات عددية أو لحنية، ولهذا ناسبت النفس مناسبات الألحان، والتذت بسماعها وطاشت، وتواجدت باستماعها وجاشت. ولقد كانت قبل اتصالها بالأبدان قد أبدعت من تلك التأليفات العددية الأولى، ثم اتصلت بالأبدان، فإن كانت التهذيبات الخلقية على تناسب الفطرة، وتجردت النفوس عن المناسبات الخارجة اتصلت بعالمها، وانخرطت في سلكها على هيئة أجمل وأكمل من الأول، فإن التأليفات الأولى قد كانت ناقصة من وجه حيث كانت بالقوة، وبالرياضة والمجاهدة في هذا العالم بلغت إلى حد الكمال خارجة من حد القوة إلى حد الفعل.
قال: والشرائع التي وردت بمقادير الصلوات والزكوات وسائر العبادات هي لإيقاع هذه المناسبات في مقابلة تلك التأليفات الروحانية. وربما يبالغ في تقرير التأليف حتى يكاد يقول: ليس في العالم سوى التأليف، والأجسام والأعراض تأليفات، والنفوس والعقول تأليفات.
ويعسر كل العسر تقرير ذلك! نعم! تقدير التأليف على المؤلف والتقدير على المقدر أمر يهتدي إليه ويعول عليه.
وكان خرينوس وزينون الشاعر متابعين لفيثاغورس على رأيه في المبدع والمبدع. إلا أنهما قالا: الباري تعالى أبدع النفس والعقل دفعة واحدة، ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما، وفي بدء ما أبدعهما أبدعهما لا يموتان. ولا يجوز عليهما الدثور والفناء.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وذكرا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية من كل دنس صارت في العالم الأعلى إلى مسكنها الذي يشاكلها ويجانسها، وكان الجسم الذي هو من النار والهواء جسمها في ذلك العالم مهذبا من كل ثقل وكدر.
فأما الجرم -الذي من الماء والأرض- فإن ذلك يدثر ويفنى، لأنه غير مشاكل للجسم السماوي، لأن الجسم السماوي لطيف لا وزن له ولا يلمس. فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم، لأنه أشد روحانية، وهذا العالم لا يشاكل الجسم، بل الجرم يشاكله. فكل ما هو مركب والأجزاء النارية والهوائية عليه أغلب كانت الجسمية أغلب، وكل ما هو مركب والأجزاء المائية والأرضية عليه أغلب كانت الجرمية أغلب. وهذا العالم عالم الجرم، وذلك العالم عالم الجسم. فالنفس في ذلك العالم تحشر في بدن جسماني لا جرماني دائما، لا يجوز عليه الفناء والدثور، ولذته تكون دائمة لا تملها الطباع والنفوس.
وقيل لفيثاغورس: لم قمت بإبطال العالم؟، قال: لأنه يبلغ العلة التي من أجلها كان، فإذا بلغها سكنت حركته. وأكثر اللذات العلوية هي التأليفات اللحنية، وذلك كما يقال: التسبيح والتقديس غذاء الروحانيين وغذاء كل موجود هو مما خلق منه ذلك الموجود.
وأما هيراقليطس وأباسيس فقد كانا من الفيثاغوريين وقالا: إن مبدأ الموجودات هو النار، فما تكاثف منها وتحجر فهو الأرض، وما تحلل من الأرض بالنار صار ماء، وما تخلخل من الماء بالنار صار هواء، وما تخلخل من الهواء بحرارة النار صار نارا. فالنار مبدأ، وبعدها الارض، وبعدها الماء، وبعدها الهواء، وبعدها النار. والنار هي المبدأ وإليها المنتهي، فمنها التكون وإليها الفساد.
وأما أبيفورس الذي تفلسف في أيام ديمقريطيس، فكان يرى أن مبادىء الموجودات أجسام تدرك عقلا، وهي كانت تتحرك من الخلاء في الخلاء، وزعم أن الخلاء
[ ٢ / ١٣٩ ]
لا نهاية له، وكذلك الأجسام لا نهاية لها، إلا أن لها ثلاثة أشياء: الشكل، والعظم، والثقل.
وديمقريطيس كان يرى أن لها شيئين: الشكل، والعظم فقط. وذكر أن تلك الأجسام لا تتجزأ، أي لا تنفعل ولا تتكثر، وهي معقولة أو متوهمة غير محسوسة، فاصطكت تلك الأجزاء في حركاتها اضطرارا واتفاقا، فحصل من اصطكاكها صور هذا العالم وأشكالها، وتحركت على أنحاء من جهات التحرك. وذلك هو الذي يحكي عنهم أنهم قالوا بالاتفاق، فلم يثبتوا لها صانعا أوجب الاصطكاك، وأوجد هذه الصور. وهؤلاء قد أثبتوا الصانع، وأثبتوا سبب حركات تلك الجواهر. وأما اصطكاكها فقد قالوا فيها بالاتفاق. فلزمهم حصول العالم بالاتفاق والخبط.
وكان لفيثاغورس تلميذان رشيدان:
يدعى أحدهما: فلنكس ويعرف بموزنوش، قد دخل فارس ودعا الناس إلى حكمة قيثاغورس، وأضاف حكمته إلى مجوسية القوم. ويدعى الآخر قلانوس دخل الهند، ودعا الناس إلى حكمة فيثاغورس أيضا، وأضاف حكمته إلى برهمية القوم. إلا أن المجوس كما يقال أخذوا جسمانية قوله، والهند أخذوا روحانية قوله.
ومما أخبر عنه فيثاغورس وأوصى به:
قال: إني عاينت هذه العوالم العلوية بالحس بعد الرياضة البالغة، وارتفعت عن عالم الطبائع إلى عالم النفس وعالم العقل، فنظرت إلى ما فيها من الصور المجردة، وما لها من الحسن والبهاء والنور، وسمعت ما لها من اللحون الشريفة والأصوات الشجية الروحانية.
وقال: إن ما في هذا العالم يشتمل على مقدار يسير من الحسن، لكونه معلول الطبيعة، وما فوقه من العوالم أبهى وأشرف وأحسن، إلى أن يصل الوصف إلى عالم النفس والعقل فيقف، فلا يمكن المنطق وصف ما فيها من الشرف والكرم والحسن
[ ٢ / ١٤٠ ]
والبهاء. فليكن حرصكم واجتهادكم على الاتصال بذلك العالم، حتى يكون بقاؤكم ودوامكم طويلا بعد ما نالكم من الفساد والدثور وتصيرون إلى عالم هو حسن كله، وبهاء كله، وسرور كله، وعز وحق كله، ويكون سروركم ولذتكم دائمة غير منقطعة.
وقال: من كانت الوسائط بينه وبين مولاه أكثر فهو في رتبة العبودية أنقص. وإذا كان البدن مفتقرا في مصالحه إلى تدبير الطبيعة، وكانت الطبيعة مفتقرة في تأدية أفعالها إلى تدبير النفس، وكانت النفس مفتقرة في اختيارها الأفضل إلى إرشاد العقل، ولم يكن فوق العقل فاتح إلا الهداية الإلهية.! فبالحري أن يكون المستعين بصريح العقل في كافة المصارف مشهودا له بفطنة الاكتفاء بمولاه، وأن يكون التابع لشهوة البدن، المنقاد لدواعي الطبيعة، المواتي لهوى النفس بعيدا من مولاه، ناقصا في رتبته.
[ ٢ / ١٤١ ]
٦- رأي سقراط:
سقراط١ بن سفر نيسقوس الحكيم، الفاضل، الزاهد من أهل أثينية. وكان قد اقتبس الحكمة من فيثاغورس وأرسالاوس، واقتصر من أصنافها على الإلهيات والأخلاقيات، واشتغل بالزهد ورياضة النفس، وتهذيب الأخلاق، وأعرض عن ملذات الدنيا، واعتزل إلى الجبل، وأقام في غاربه٢.
ونهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك وعبادة الأوثان، فثورا عليه الغاغة وألجأوا ملوكهم إلى قتله، فحبسه الملك، ثم سقاه السم. وقضيته معروفة.
قال سقراط: إن الباري تعالى لم يزل هوية فقط، وهو جوهر فقط. وإذا رجعنا
_________________
(١) ١ جاء في قصة الفلسفة اليونانية س١٠٥ "ولد سقراط في أثينا حوالي سنة ٤٧٠ ق. م من أب يحترف صناعة التماثيل، وأم قابلة. احترف حرفة أبيه ولبث يزاولها حينا قصيرا. ثم ترك هذه المهنة وتخصص للفلسفة التي اعتبرها رسالته في الحياة، وكان يعيش في أثينا مشتغلا بالفلسفة حتى إنهم في نحو سن السبعين بإنكار آلهة اليونان، والدعوة إلى آلهة جديدة، وأنه يفسد عقول الشبان، فحكم عليه بالإعدام وأعدم". ٢ غارب الجبل: أعلاه.
[ ٢ / ١٤١ ]
إلى حقيقة الوصف، والقول فيه وجدنا المنطق والعقل قاصرين عن إكتناه وصفه، وحقيقته، وتسميته، وإدراكه، لأن الحقائق كلها من تلقاء جوهره، فهو المدرك حقا، والواصف لكل شيء وصفا، والمسمى لكل موجود اسما، فكيف يقدر المسمى أن يسميه اسما؟ وكيف يقدر المحاط أن يحيط به وصفا؟ فنرجع فنصفه من جهة آثاره وأفعاله، وهي أسماء وصفات، إلا أنها ليست من الأسماء الواقعة على الجوهر المخبرة عن حقيقته وذلك مثل قولنا: إله، أي واضع كل شيء. وخالق أي مقدر كل شيء، وعزيز أي ممتنع أن يضام. وحكيم أي محكم أفعاله على النظام، وكذلك سائر الصفات.
وقال: إن علمه، وقدرته، وجوده، وحكمته بلا نهاية، ولا يبلغ العقل أن يصفها، ولو وصفها لكانت متناهية.
فألزم عليه. إنك تقول إنها بلا نهاية ولا غاية، وقد نرى الموجودات متناهية!، فقال: إنما تناهيها بحسب احتمال القوابل، لا بحسب القدرة والحكمة، والجود، ولما كانت المادة لم تحتمل صورا بلا نهاية، فتناهت الصور لا من جهة بخل في الواهب، بل لقصور في المادة. وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها وإن تناهت: ذاتا، وصورة، وحيزا، ومكانا، إلا أنها لا تتناهى زمانا في آخرها إلا من نحو أولها، وإن لم يتصور بقاء شخص، فاقتضت الحكمة استبقاء الأشخاص ببقاء الأنواع، وذلك بتجدد أمثالها، ليستحفظ الشخص ببقاء النوع، ويستبقي النوع بتجدد الأشخاص، فلا تبلغ القدرة إلى حد النهاية، ولا الحكمة تقف على غاية.
ثم إن من مذهب سقراط أن أخص ما يوصف به الباري تعالى هو كونه حيا، قيوما، لأن العلم، والقدرة، والجود، والحكمة: تندرج تحت كونه حيا، والحياة صفة جامعة للكل. والبقاء، والسرمد، والدوام، وحفظ النظام في العالم: تندرج تحت كونه قيوما، والقيومية صفة جامعة للكل. وربما يقول: هو حي ناطق من جوهره أي من ذاته، وحياتنا ونطقنا لا من جوهرنا، ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد، ولا يتطرق إلى حياته ونطقه تعالى وتقدس.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وحكى فلوطرخيس في المبادئ أنه قال: أصول الأشياء ثلاثة وهي العلة الفاعلة، والعنصر، والصورة، فالله تعالى هو الفاعل، والعنصر هو الموضوع الأول للكون والفساد، والصورة جوهر لا جسم. وقال: الطبيعة أمة للنفس، والنفس أمة للعقل، والعقل أمة للمبدع الأول، من أجل أن أول مبدع أبدعه المبدع الأول صورة العقل. وقال: المبدع لا غاية له ولا نهاية، وما ليس له نهاية ليس له شخص وصورة. وقال: اللانهاية في سائر الموجودات لو تحققت لكان لها صورة واقعة ووضع وترتيب، وما تحقق له صورة ووضع وترتيب صار متناهيا، فالموجودات ليست بلا نهاية، والمبدع الأول ليس بذي نهاية، ليس على أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية، كما يتخيله الخيال والوهم، بل لا يرتقي إليه الخيال حتى يصفه بنهاية ولا نهاية، فلا نهاية له من جهة العقل، إذ ليس يحده، ولا من جهة الحس، فليس يحده. فهو ليس له نهاية، فليس له شخص وصورة خيالية وجودية حسية أو عقلية تعالى وتقدس.
ومن مذهب سقراط أن النفوس الإنسانية كانت موجودة قبل وجود الأبدان على نحو من أنحاء الوجود إما متصلة بكلها، وإما متمايزة بذواتها وخواصها، فاتصلت بالأبدان استكمالا واستدامة، والأبدان قوالبها وآلاتها، فتبطل الأبدان، وترجع النفوس إلى كليتها. وعن هذا وكان يخوف بالملك الذي حبسه أنه يريد قتله قال إن سقراط في حب١، والملك لا يقدر إلا على كسر الحب، فالحب يكسر، ويرجع الماء إلى البحر.
ولسقراط أقاويل في مسائل الحكمة العلمية والعملية.
ومما اختلف فيه فيثاغورس وسقراط: أن الحكمة قبل الحق، أم الحق قبل الحكمة؟ وأوضح القول فيه بأن الحق أعم من الحكمة، إلا أنه قد يكون جليا، وقد يكون خفيا. وأما الحكمة فهي أخص من الحق، إلا أنها لا تكون إلا جلية. فإذن: الحق
_________________
(١) ١ الحب، بضم الحاء: الجرة الكبيرة أو الخابية، وجمعه حباب وحببة وأحباب.
[ ٢ / ١٤٣ ]
مبسوط في العالم، مشتمل على الحكمة المستفيضة في العالم، والحكمة موضحة للحق المبسوط في العالم، والحق ما به الشيء، والحكمة ما لأجله الشيء.
ولسقراط أيضا الغاز١ ورموز ألقاها إلى تلميذه أرسجانس، وجلها في كتاب "فاذن". ونحن نوردها مرسلة معقودة:
منها قوله: عندما فتشت عن علة الحياة ألفيت الموت، وعندما وجدت الموت ألفيت الحياة الدائمة.
ومنها: اسكت عن الضوضاء التي في الهواء، وتكلم بالليالي، حيث لا تكون أعشاش الخفافيش، وأسدد الخمس الكوي٢، ليضيء مسكن العلة، واملا الوعاء طيبا، وأفرغ الحوض المثلث من القلال الفارغة، وأحبس على باب الكلام، وأمسك مع الحضرة اللجام الرخو لئلا تغضب، فترى نظام الكواكب، ولا تؤكل الأسود الذئب، ولا تجاوز الميزان، ولا تسوطن٣ النار بالسكين ولا تجلس على المكيال، ولا تشم التفاحة، وأمت الحي تحيي بموته، وكن قاتله بالسكين٤ المزينة لوالديه. واحذر الأسود ذا الأربع، ومن جهة العلة كن أرنبا، وعند الموت لا تكن نملة، وعندما تذكر دوران الحياة أمت الميت، لتكون ذاكرا، وكن صديق مفضض، ولا تكن صديق شرطي، ولا تكن مع أصدقائك قوسا، ولا تنعس على أبواب أعدائك، وأثبت على ينبوع واحد متكئا على يمينك، وينبغي أن تعلم أنه ليس زمان من الأزمنة يفقد فيه زمان الربيع، وافحص عن ثلاث سبل، فإذا لم تجدها فارض بأن تنام لها نوم المستغرق، واضرب الأترجة٥ بالرمانة، واقتل العقرب بالصوم، وإن أحببت أن تكون ملكا، فكن حمار وحش. وليست السبعة بأكمل من الواحد، وبالإثني عشر اقتن اثني عشر، وازرع بالأسود واحصد بالأبيض، ولا تسلبن الإكليل
_________________
(١) ١ الألغاز، جمع لغز وهي: الطرق الملتوية الملتبسة. ٢ يريد بالخمس الكوي: الحواس الخمس. ومسكن العلة: القلب. ٣ يسوط: يخلط. ٤ السكين: الحمار السريع والمراد: لكل إنسان عمله الذي يناسبه. ٥ الأترجة: شجر من جنس الليمون، يقال له أيضا: الترنج.
[ ٢ / ١٤٤ ]
ولا تهتكه، ولا تقفن راضيا بعدمك للخير وأنت موجود، ذلك لك في أربعة وعشرين مكانا، وإن سألك سائل أن تعطيه من هذا الغذاء فميزه، وإن كان مستحقا للغذاء المريء فأعطه وإن احتاج إلى غذاء يمينك فاصنعه، لأن اللون الذي يطلب كذلك من كمال الغذاء فهو للبالغين.
وقال: يكفي من تأجج النار نورها.
وقال له رجل: من أين لك أن هذا المشار إليه واحد؟ فقال: إني لأعلم أن الواحد بالإطلاق غير محتاج إلى الثاني، فمتى فرضته قرينا للواحد كنت كواضع ما لا يحتاج إليه ألبتة إلى جانب ما لا بد منه ألبتة.
وقال: الإنسان له مرتبة واحدة من جهة حده، وثلاث مراتب من جهة هيئته.
وقال: للقلب آفتان: الغم والهم، فالغم يعرض منه النوم، والهم يعرض منه السهر.
وقال: الحكمة إذا أقبلت خدمت الشهوات العقول. وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات.
وقال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
وقال: ينبغي أن تغتم بالحياة، وتفرح بالموت، لأنا نحيا لنموت. ونموت لنحيا.
وقال: قلوب المغرقين في المعرفة بالحقائق منابر الملائكة، وبطون المتلذذين بالشهوات قبور الحيوانات الهالكة.
وقال: للحياة حدان أحدهما الأمل. والثاني الأجل فبالأول بقاؤها. وبالآخر فناؤها.
وقال: النفس الناطقة جوهر بسيط ذو سبع قوى يتحرك بها حركة مفردة وحركات مختلفة.
فأما حركتها المفردة: فإذا تحركت نحو ذاتها ونحو العقل، وأما حركاتها المختلفة: فإذا تحركت نحو الحواس الخمس.
[ ٢ / ١٤٥ ]
واليونانيون بنوا ثلاثة أبيات على طوالع مقبولة.
أحدهما: بيت بأنطاكية على جبلها، وكانوا يعظمونه، ويقربون القرابين فيه، وقد خرب.
والثاني: من جملة الأهرام التي بمصر بيت كانت فيه أصنام تعبد، وهي التي نهاهم سقراط عن عبادتها.
والثالث: بيت المقدس الذي بناه داود وأتمه سليمان ﵉، ويقال إن سليمان هو الذي بناه، والمجوس يقولون إن الضحاك بناه، وقد عظمه اليونانيون تعظيم أهل الكتاب إياه.
[ ٢ / ١٤٦ ]
٧- رأي أفلاطون الإلهي
أفلاطون١ بن أرسطن بن أرسطوقليس من أثينية، وهو آخر المتقدمين الأوائل الأساطين، معروف بالتوحيد والحكمة. ولد في زمان أردشير بن دارا في سنة ست عشرة من ملكه، وفي سنة ست وعشرين من ملكه كان حدثا متعلما يتلمذ لسقراط، ولما اغتيل سقراط بالسم ومات قام مقامه، وجلس على كرسيه.
وقد أخذ العلم من سقراط، وطيماوس والغريبين: غريب أثينية، وغريب الناطس، وضم إليه العلوم الطبيعية والرياضية.
وحكى عنه قوم ممن شاهده وتلمذ له مثل أرسطو طاليس وطيماوس، وثاوفرسطيس أنه قال: إن للعالم محدثا مبدعا، أزليا، واجبا بذاته، عالما بجميع معلوماته على نعت الأسباب الكلية، كان قي الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا طلل، إلا مثالا عند الباري تعالى، ربما يعبر عنه بالهيولى، وربما يعبر عنه بالعنصر، ولعله يشير إلى صور المعلومات في علمه تعالى.
_________________
(١) ١ يرجح أنه ولد بين سنتي ٤٢٩-٤٢٧ ق. م.
[ ٢ / ١٤٦ ]
قال: فأبدع العقل الأول، وبتوسطه النفس الكلية، وقد انبعثت عن العقل انبعاث الصورة في المرآة، وبتوسطهما العنصر.
ويحكى عنه: أن الهيولى التي هي موضوع الصور الحسية غير ذلك العنصر.
ويحكى عنه: أنه أدرج الزمان في المبادئ، وهو الدهر، وأثبت لكل موجود مشخص في العالم الحسي مثالا غير مشخص في العالم العقلي، ويسمى ذلك: المثل الأفلاطونية. فالمبادئ الأول بسائط، والمثل مبسوطات، والأشخاص مركبات، فالإنسان المركب المحسوس جزئي ذلك الإنسان المبسوط المعقول، وكذلك كل نوع من الحيوان والنبات والمعادن.
وقال: والموجودات في هذا العالم آثار الموجودات في ذلك العالم، ولا بد لكل أثر من مؤثر يشابهه نوعا من المشابهة.
قال: ولما كان العقل الإنساني من ذلك العالم أدرك من المحسوس مثالا منتزعا من المادة معقولا، يطابق المثال الذي في عالم العقل بكليته، ويطابق الموجود الذي في عالم الحس بجزئيته. ولولا ذلك لما كان لما يدركه العقل مطابقا مقابلا من خارج، فما يكون مدركا لشيء يوافق إدراكه حقيقة المدرك.
وقال: والعالم عالما: عالم العقل وفيه المثل العقلية والصور الروحانية. وعالم الحس وفيه الأشخاص الحسية والصور الجسمانية، كالمرآة المجلوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات فإن الصور فيها مثل الأشخاص، وكذلك العنصر في ذلك العالم مرآة لجميع صور هذا العالم يتمثل فيه جميع الصور كلها، غير أن الفرق أن المنطبع في المرآة الحسية صور خيالية يرى أنها موجودة تتحرك بحركة الشخص وليس في الحقيقة كذلك، وأن المتمثل في المرآة العقلية صور حقيقية روحانية هي موجودة بالفعل تحرك الأشخاص ولا تتحرك، فنسبة الأشخاص إليها كنسبة الصور في المرآة إلى الأشخاص، فلها الوجود الدائم، ولها الثبات القائم، وهي تتمايز في حقائقها تمايز الأشخاص في ذواتها.
قال: وإنما كانت هذه الصور موجودة كلية دائمة باقية، لأن كل مبدع ظهرت
[ ٢ / ١٤٧ ]
صورته في حد الإبداع، فقد كانت صورته في علم الأول الحق، والصور عنده بلا نهاية، ولو لم تكن الصور معه في أزليته، في علمه لم تكن لتبقى. ولو لم تكن دائمة بدوامها لكانت تدثر بدثور الهيولى. ولو كانت تدثر مع دثور الهيولى لما كانت على رجاء ولا خوف، ولكن لما صارت الصور الحسية على رجاء وخوف استدل به على بقائها، وإنما تبقى إذا كانت لها صور عقلية في ذلك العالم ترجو اللحوق بها وتخاف التخلف عنها.
قال: وإذا اتفقت العقلاء على أن هناك حسا ومحسوسا، وعقلا ومعقولا، وشاهدنا بالحس جميع المحسوسات، وهي محدودة ومحصورة بالزمان والمكان، فيجب أن نشاهد بالعقل جميع المعقولات، وهي غير محدودة ومحصورة بالزمان والمكان، فتكون مثلا عقلية.
ومما يثبته أفلاطون موجودات محققة بهذا التقسيم!
قال: إنا نجد النفس تدرك أمور البسائط والمركبات، ومن المركبات أنواعها وأشخاصها، ومن البسائط ما هي هيولانية وهي التي تعرى عن الموضوع، وهي رسوم الجزئيات مثل: النقطة، والخط، والسطح، والجسم التعليمي.
قال: وهذه الأشياء أشياء موجودة بذواتها، وكذلك توابع الجسم مفردة مثل: الحركة، والزمان، والمكان، والأشكال، فإنا نلحظها بأذهاننا بسائط مرة ومركبة مرة أخرى، ولها حقائق في ذواتها من غير حوامل ولا موضوعات. ومن البسائط ما ليست هي هيولانية مثل: الوجود، والوحدة، والجوهر. والعقل يدرك القسمين جميعا متطابقين عالمين متقابلين: عالم العقل وفيه المثل العقلية التي تطابقها الأشخاص الحسية، وعالم الحس وفيه المتمثلات الحسية التي تطابقها المثل العقلية. فأعيان ذلك العالم آثار في هذا العالم، وأعيان هذا العالم آثار في ذلك العالم، وعليه وضع الفطرة والتقدير، ولهذا الفصل شرح وتقرير.
وجماعة المشائين وأرسطوطاليس لا يخالفونه في إثبات هذا المعنى الكلي، إلا أنهم
[ ٢ / ١٤٨ ]
يقولون: هو معنى في العقل موجود في الذهن، والكلي من حيث هو كلي لا وجود له في الخارج عن الذهن، إذ لا يتصور أن يكون شيء واحد ينطبق على زيد وعلى عمرو وهو في نفسه واحد.
وأفلاطون يقول ذلك المعنى الذي أثبته في العقل يجب أن يكون له شيء يطابقه في الخارج فينطبق عليه، وذلك هو المثال الذي في العقل، وهو جوهر لا عرض، إذ تصور وجوده لا في موضوع، وهو متقدم على الأشخاص الجزئية تقدم العقل على الحس، وهو تقدم ذاتي وشرفي معا.
وتلك المثل هي مبادئ الموجودات الحسية منها بدأت، وإليها تعود.
ويتفرع على ذلك أن النفوس الإنسانية التي هي متصلة بالأبدان اتصال تدبير وتصرف كانت موجودة قبل وجود الأبدان، وكان لها نحو من أنحاء الوجود العقلي، وتمايز بعضها عن بعض تمايز الصور المجردة عن المادة بعضها عن بعض. وخالفه في ذلك تلميذه أرسطوطاليس ومن بعده من الحكماء، وقالوا أن النفوس حدثت مع حدوث الأبدان.
وقد رأيت في كلام أرسطوطاليس كما ستأتي١ حكايته، أنه ربما يميل إلى مذهب أفلاطون في كون النفوس موجودة قبل وجود الأبدان، إلا أن نقل المتأخرين ما قدمنا ذكره.
وخالفه أيضا في حدوث العالم: إن أفلاطون يحيل وجود حوادث لا أول لها، لأنك إذا قلت حادث، فقد أثبت سبق الأزلية لكل واحد، وما ثبت لكل واحد يجب أن يثبت للكل.
قال: وأن صورها لا بد وأن تكون حادثة، لكن الكلام في هيولاها وعنصرها. فأثبت عنصرا قبل وجودها، فظن بعض العقلاء أنه حكم عليه بالأزلية والقدم، وهو إذ أثبت واجب الوجود لذاته، وأطلق لفظ الإبداع على العنصر، فقد
_________________
(١) ١ راجع المسألة الخامسة عند أرسطوطاليس.
[ ٢ / ١٤٩ ]
أخرجه عن الأزلية بذاته، بل يكون وجوده بوجود واجب الوجود كسائر المبادئ التي ليست زمانية، ولا وجودها ولا حدوثها حدوث زماني. فالبسائط حدوثها إبداعي غير زماني، والمركبات حدوثها بوسائط البسائط حدوث زماني.
وقال: إن العالم لا يفسد فسادا كليا. ويحكى عنه في سؤاله عن طيماوس:
ما الشيء الذي لا حدوث له؟ وما الشيء الحادث وليس بباق؟ وما الشيء الموجود بالفعل وهو أبدأ بحال واحدة؟ وإنما يعنى بالأول: وجود الباري تعالى. وبالثاني: وجود الكائنات الفاسدات التي لا تثبت على حالة واحدة. وبالثالث: وجود المبادئ والبسائط التي لا تتغير.
ومن أسئلته: ما الشيء الكائن ولا وجود له؟ وما الشيء الموجود ولا كون له؟.
وإنما يعنى بالأول الحركة المكانية والزمان، لأنه لم يؤهله لاسم الوجود، ويعنى بالثاني الجواهر العقلية التي هي فوق الزمان والحركة والطبيعة وحق لها اسم الوجود، إذ لها السرمد والبقاء والدهر.
ويحكى عنه أنه قال: إن الأسطقسات لم تزل تتحرك حركة مشوهة مضطربة غير ذات نظم، وإن الباري تعالى نظمها ورتبها فكان هذا العالم. وربما عبرة عن الأسطقسات بالأجزاء اللطيفة، وقيل إنه عنى بها الهيولى الأزلية العارية عن الصور حتى اتصلت الصور والأشكال بها فترتبت وانتظمت.
ورأيت في "راموز" له أنه قال: إن النفوس كانت في عالم الذكر مغتبطة مبتهجة بعالمها وما فيه من الروح والبهجة والسرور، فأهبطت إلى هذا العالم حتى تدرك الجزئيات، وتستفيد ما ليس لها بذاتها بواسطة القوى الحسية، فسقطت رياشها قبل الهبوط، فهبطت حتى يستوي ريشها وتطير إلى عالمها بأجنحة مستفادة من هذا العالم.
وحكى أرسطوطاليس عنه أنه أثبت المبادئ خمسة أجناس: الجوهر، والاتفاق، والاختلاف، والحركة، والسكون. ثم فسر كلامه فقال أما الجوهر، فنعني به الوجود.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وأما الاتفاق، فلأن الأشياء متفقة بأنها من الله تعالى، وأما الاختلاف، فلأنها مختلفة في صورها، وأما الحركة، فلأن لكل شيء من الأشياء فعلا خاصا.
وذلك نوع من الحركة، لا حركة النقلة، وإذا تحرك نحو الفعل، وفعل، فله سكون بعد ذلك لا محالة. قال: وأثبت البخت أيضا مبدا سادسا وهو نطق عقلي وناموس لطبيعة الكل، وقال جرجيس: إنه قوة روحانية مدبرة للكل، وبعض الناس يسميه جدا، وزعم الرواقيون أنه نظام لعلل الأشياء وللأشياء المعلولة.
وزعم بعضهم أن علل الأشياء ثلاثة المشتري، والطبيعة، والبخت.
وقال أفلاطون: إن في العالم طبيعة عامة تجمع الكل، وفي كل واحد من المركبات طبيعة خاصة، وحد الطبيعة بأنها مبدأ الحركة والسكون في الأشياء، أي مبدأ التغير، وهي قوة سارية في الموجودات كلها تكون السكنات والحركات بها، فطبيعة الكل محركة للكل. والمحرك الأول يجب أن يكون ساكنا، وإلا تسلسل القول فيه إلى ما لا نهاية له.
حكي أرسطو طاليس في مقالة الألف الكبرى من كتاب "ما بعد الطبيعة" أن أفلاطون كان يختلف في حداثته إلى أقراطيلوس، فكتب عنه ما روى عن هرقليطس: أن جميع الأشياء المحسوسة فاسدة، وأن العلم لا يحيط بها. ثم اختلف بعده إلى سقراط، وكان مذهبه طلب الحدود دون النظر في طبائع المحسوسات وغيرها، فظن أفلاطون أن نظر سقراط في غير الأشياء المحسوسة، لأن الحدود ليست للمحسوسات، لأنها إنما تقع على أشياء دائمة كلية، أعني: الأجناس. والأنواع. فعند ذلك سمى أفلاطون الأشياء الكلية صورا، لأنها واحدة، ورأى أن المحسوسات لا تكون إلا بمشاركة الصور. إذن كانت الصور رسوما ومثالات لها. متقدمة عليها. وإنما وضع سقراط الحدود مطلقا، لا باعتبار المحسوس وغير المحسوس. وأفلاطون ظن أنه وضعها لغير المحسوسات، فأثبتها مثلا عامة.
[ ٢ / ١٥١ ]
وقال أفلاطون في كتاب "النواميس": إن الأشياء التي لا ينبغي للإنسان أن يجهلها، منها: أن له صانعا، وأن صانعه يعلم أفعاله. وذكر أن الله تعالى إنما يعرف بالسلب، أي لا شبيه له ولا مثال. أنه أبدع العالم من لا نظام إلى نظام، وأن كل مركب فهو إلى الانحلال، وأنه لن يسبق العالم زمان، ولم يبدع عن شيء.
اختلاف الأوائل في الإبداع والمبدع والإرادة:
ثم إن الأوائل اختلفوا في الإبداع والمبدع: هل هما عبارتان عن معبر واحد؟ أم للإبداع نسبة إلى المبدع ونسبة إلى المبدع؟ وكذلك في الإرادة إنها المراد، أم المريد؟ على حسب اختلاف متكلمي الإسلام في الخلق، والمخلوق، والإرادة إنها خلق، أم مخلوقة، أم صفة في الخالق؟
قال انكساغورس بمذهب فلوطرخيس: إن الإرادة ليست هي غير المراد، ولا غير المريد، وكذلك الفعل، لأنهما لا صورة لهما ذاتية، وإنما يقومان بغيرهما. فالإرادة مرة تكون مستبطنة في المريد، ومرة ظاهرة في المراد، وكذلك الفعل.
وأما أفلاطون وأرسطوطاليس فلا يقبلان هذا القول، وقالا: إن صورة الإرادة وصورة الفعل قائمتان، وهما أبسط من صورة المراد، كالقاطع للشيء هو المؤثر، وأثره في الشيء، والمقطوع هو المؤثر فيه القابل للأثر.
فالأثر ليس هو المؤثر فيه، وإلا انعكس حتى يكون المؤثر هو الأثر، والمؤثر فيه هو الأثر، وهو محال، فصورة المبدع فاعلة، وصورة المبدع مفعولة، وصورة الإبداع متوسطة بين الفاعل والمفعول.
فللفعل صورة، وأثر، فصورته من جهة المبدع. وأثره من جهة المبدع. والصورة من جهة المبدع في حق الباري تعالى ليست زائدة على ذاته حتى يقال صورة إرادة، وصورة باري مفترقتان، بل هي حقيقة واحدة.
[ ٢ / ١٥٢ ]
وأما برمنيدس الأصغر، فإنه أجاز قولهم في الإرادة، ولم يجزه في الفعل، وقال: إن الإرادة تكون بلا توسط من الباري تعالى فأجائز ما وصفوه. وأما الفعل فيكون بتوسط منه، وليس ما هو بلا توسط كالذي يكون بتوسط، بل الفعل قط لن يتحقق إلا بتوسط الإرادة، ولا ينعكس.
وأما الأولون مثل تاليس وأبندقليس، فقد قالوا: الإرادة من جهة المبدع هي المبدع، ومن جهة المبدع هي المبدع. وفسروا هذا بأن الإرادة من جهة الصورة هي المبدع، ومن جهة الأثر هي المبدع. ولا يجوز أن يقال إنها من جهة الصورة هي المبدع، لأن صورة الإرادة عند المبدع قبل أن يبدع، فغير جائز أن تكون ذات صورة الشيء الفاعل هي المفعول، بل من جهة أثر ذات الصورة هي المفعول. ومذهب أفلاطون وأرسطوطاليس هذا بعينه. وفي الفصل انغلاق.
[ ٢ / ١٥٣ ]
الفصل الثاني: الحكماء الأصول
مدخل
الفصل الثاني: الحكماء الأصول
الحكماء الأصول؛ الذين هم من القدماء، إلا أنا لم نجد لهم رأيا في المسائل المذكورة غير حكم مرسلة عملية أوردناها، لئلا تشذ مذاهبهم عن القسمة، ولا يخلو الكتاب عن تلك الفوائد.
فمنهم الشعراء: الذين يستدلون بشعرهم. وليس شعرهم على وزن وقافية، ولا الوزن والقافية ركن في الشعر عندهم، بل الركن في الشعر عندهم إيراد المقدمات المخيلة فحسب. ثم قد يكون الوزن والقافية معينين في التخيل. فإن كانت المقدمة التي نوردها في القياس الشعري مخيلة فقط تمحض القياس شعريا، وإن انضم إليها قول إقناعي يقينيا تركبت المقدمة من معيين شعري وإقناعي، وإن كان الضميم إليه قولا يقينيا تركبت المقدمة من شعري وبرهاني.
[ ٢ / ١٥٣ ]
ومنهم النساك: ونسكهم وعبادتهم عقلية لا شرعية. ويقتصر ذلك على تهذيب النفس عن الأخلاق الذميمة، وسياسة المدينة الفاضلة التي هي الجنة الإنسانية.
وربما وجدنا لبعضهم رأيا في بعض المسائل المذكورة، أعني: المبدع، والإبداع، وأنه عالم، وأن أول ما أبدعه ماذا؟ وأن المبادئ كم هي؟ وأن المعاد كيف يكون؟ وصاحب الرأي الموافق للأوائل المذكورين أوردنا اسمه، وذكرنا مقالته، وإن كانت كالمكرره. نبتدئ بهم، ونجعل فلوطرخيس مبدأ آخر.
[ ٢ / ١٥٤ ]
١- رأي فلوطرخيس:
قيل: إنه أول من شهر بالفلسفة. ونسبت إليه المحكمة. تفلسف بمصر. ثم سار إلى ملطية وأقام بها. وقد يعد من الأساطين.
قال: إن الباري تعالى لم يزل بالأزلية التي هي أزلية الأزليات، وهو مبدع فقط. وكل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته عنده، أي كانت معلومة له. فالصور عنده بلا نهاية، أي المعلومات بلا نهاية.
قال: ولو لم تكن الصور عنده ومعه لما كان إبداع، ولا بقاء للمبدع، ولو لم تكن باقية دائمة لكانت تدثر بدثور الهيولى، ولو كان ذلك كذلك لارتفع الرجاء والخوف. ولكن لما كانت الصور باقية دائمة، ولها الرجاء والخوف: كان ذلك دليلا على أنها لا تدثر. ولما عدل عنها الدثور ولم يكن له قوة عليها: كان ذلك دليلا على أن الصورة أزلية في علمه تعالى.
قال: ولا وجه إلا القول بأحد الأقوال: إما أن يقال: الباري تعالى لا يعلم شيئا البتة، وهذا من المحال الشنيع، وأما أن يقال: يعلم بعض الصور دون بعض، وهذا من النقص الذي لا يليق بكمال الجلال. وإما أن يقال: يعلم جميع الصور والمعلومات، وهذا هو الرأي الصحيح.
ثم قال: إن أصل المركبات هو الماء، فإنه إذا تخلخل صافيا وجد نارا، وإذا تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء، وإذا تكاثف تكاثفا مبسوطا بالغا صار أرضا.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وحكى فلوطرخيس أن هيرقليطس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت وجوهر البخت هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي. والله ﷾ أعلم.
[ ٢ / ١٥٥ ]
٢- رأي أكسنوفانس:
كان يقول: إن المبدع الأول هو آنية أزلية دائمة ديمومة القدم، لاتدرك بنوع صفة منطقية ولا عقلية، مبدع صور كل صفة، وكل نعت نطقي وعقلي، فإذا كان هذا هكذا، فقولنا: إن صور ما في هذا العالم المبدعة لم تكن عنده، أو كانت، أو كيف أبدع؟ ولم أبدع؟ محال، لأن العقل مبدع، والمبدع مسبوق بالمبدع، والمسبوق لا يدرك السابق أبدا، فلا يجوز أن يصف المسبوق السابق. بل نقول: إن المبدع أبدع كيفما أحب، وكيفما شاء، فهو هو ولا شيء معه. قال: وهذه الكلمة أعنى: هو ولا شيء بسيطا ولا مركبا معه، وهو مجمع كل ما نطلبه من العلم، لأنك إذا قلت: ولا شيء معه، فقد نفيت عنه أزلية الصورة والهيولى، وكل مبدع من صورة وهيولى، وكل مبدع من صورة فقط.
ومن قال: أن الصور أزلية مع آنيته فليس هو فقط، بل هو وأشياء كثيرة، فليس هو مبدع للصور، بل كل صورة إنما أظهرت ذاتها، فعند إظهارها ذاتها ظهرت هذه العوالم وهذه أشنع ما يكون من القول.
وكان تيرس والقادميون يقولان: ليست أوائل البتة، ولا معقول قبل المحسوس بحال، بل مثل بدعة الأشياء مثل الذي يفرخ١ من ذاته بلا حدث ولا فعل ظهر، فلا يزال يخرجه من القوة إلى الفعل حتى يوجد، فيكمل، فنحسه وندركه، وليس شيء معقول البتة. والعالم دائم لا يزول ولا يفنى، فإن المبدع لا يجوز أن يفعل فعلا يدثر إلا وهو داثر مع دثور فعله، وذلك محال.
_________________
(١) ١ أفرخ الطائر: صار ذا فراخ.
[ ٢ / ١٥٥ ]
٣- رأي زينون الأكبر:
زينون الأكبر ابن ماوس من أهل قنطس. كان يقول: إن المبدع الأول كان في علمه صورة إبداع كل جوهر، وصورة دثور كل جوهر. فإن علمه غير متناه، والصور التي فيه من حيث الإبداع غير متناهية، وكذلك صور الدثور غير متناهية، فالعوالم تتجدد في كل حين وفي كل دهر، فما كان منها مشاكلا لنا أدركنا حدود وجوده ودثوره بالحواس والعقل، وما كان غير مشاكل لنا لم ندركه إلا أنه ذكر وجه التجدد، فقال: إن الموجودات باقية داثرة: أما بقاؤهما فبتجدد صورها، وأما دثورها فبدثور الصورة الأولى عند تجدد الأخرى. وذكر أن الدثور قد يلزم الصورة والهيولى معا.
وقال أيضا: إن الشمس والقمر والكواكب تستمد القوة من جوهر السماء، فإذا تغيرت السماء تغيرت النجوم أيضا. ثم هذه الصور كلها: بقاؤها، ودثورها: في علم الباري تعالى، والعلم يقتضي بقاءها دائما وكذلك الحكمة تقتضي ذلك، لأن بقاءها على هذه الحال أفضل. والباري تعالى قادر على أن يفني العوالم يوما ما إن أراد.
وهذا الرأي قد مال إليه الحكماء المنطقيون الجدليون، دون الإلهيين.
وحكى فلوطرخيس أن زينون كان يزعم أن الأصول هي الله ﷿ والعنصر فقط، فالله هو العلة الفاعلة، والعنصر هو المنفعل.
حكمه -قال: أكثروا من الإخوان، فإن بقاء النفوس ببقاء الإخوان كما أن شفاء الأبدان بالأدوية.
وقيل: رأى زينون فتى على شاطئ البحر محزونا يتلهف على الدنيا، فقال له: يا فتى! ما يلهفك على الدنيا؟ لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر قد انكسرت السفينة وأشرفت على الغرق: كانت غاية مطلوبك النجاة وتفوت كل ما في يدك؟ قال نعم،
[ ٢ / ١٥٦ ]
قال: لو كنت ملكا على الدنيا وأحاط بك من يريد قتلك: كان مرادك النجاة من يده وتفوت كل ملكك؟ قال نعم، قال: فأنت الغني، وأنت الملك الآن، فتسلى الفتى.
وقال لتلميذه: كن بما تأتي من الخير مسرورا، وبما تجتنب من الشر محبورا.
وقيل له: أي الملوك أفضل: ملك اليونانيين، أم ملك الفرس؟ قال: من ملك غضبه وشهوته.
وسئل بعد أن هرم: ما حالك؟ قال: هو ذا أموت قليلا قليلا على مهل.
وقيل له: إذا مت! من يدفنك؟ قال: من يؤذيه نتن جيفتي.
وسئل: ما لذي يهرم؟ قال: الغضب والحسد، وأبلغ منهما الغم.
وقال: الفلك تحت تدبيره.
ونعى إليه ابنه فقال: ما ذهب ذلك على؛ إنما ولدت ولدا يموت، وما ولدت ولدا لا يموت.
وقال: لا تخف موت البدن، ولكن يجب عليك أن تخاف موت النفس. فقيل له: لما قلت خف موت النفس، والنفس الناطقة لا تموت؟ فقال: إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى حد البهيمية -وإن كان جوهرها لا يبطل- فقد ماتت من العيش العقلي.
وقال: أعط الحق من نفسك، فإن الحق يخصمك إن لم تعطه حقه.
وقال: محبة المال وتد الشر، لأن سائر الآفات تتعلق بها، ومحبة الشهوات وتد العيوب، لأن سائر العيوب متعلقة بها.
وقال: أحسن مجاورة النعم فتنعم بها، ولا تسيء بها فتسيء بك.
وقال: إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركها الطالب لها قتلته.
وقيل له، وكان لا يقتني إلا قوت يومه: إن الملك يبغضك فقال: وهل يحب الملك من هو أغنى منه؟
[ ٢ / ١٥٧ ]
وسئل: بأي شيء يخالف الناس في هذا الزمان البهائم؟ قال: بالشرور.
قال: وما رأينا العقل قط إلا خادما للجهل، وفي رواية للسجزي: إلا خادما للجد، والفرق بينهما ظاهر، فإن الطبيعة ولوازمها إذا كانت مستولية على العقل: استخدمه الجهل، وإذا كان ما قسم للإنسان من الخير والشر فوق تدبيره العقلي: كان الجد مستخدما للعقل، ويعظم جد الإنسان ما يعقل، وليس يعظم العقل ما يجد، ولهذا! خيف على صاحب الجد ما لم يخف على صاحب العقل. والجد أصم، أخرس، لا يفقه، ولا ينقه، وإنما هو ريح تهب، وبرق يلمع، ونار تلوح، وصحو يعرض، وحلم يمتع. وهذا اللفظ أولى، فإنه عمم الحكم فقال ما رأينا العقل قط، وقد يعرض للعقل أن يرى ولا يستخدمه الجهل، وذلك هو الأكثر.
وقال زينون: في الجرادة خلقة سبعة جبابرة رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجلا جمل، وبطنها بطن عقرب، وذنبها ذنب حية. هكذا ذكره زينون.
[ ٢ / ١٥٨ ]
٤- رأي ديمقريطيس وشيعته:
كان يقول في المبدع الأول: إنه ليس هو العنصر فقط، ولا العقل فقط، بل الأخلاط الأربعة، وهي الاسطقسات: أوائل الموجودات كلها، ومنها أبدعت الأشياء البسيطة كلها دفعة واحدة، وأما المركبة فإنها كونت دائمة دائرة، إلا أن ديمومتها بنوع، ودثورها بنوع. ثم إن العالم بجملته باق غير داثر، لأنه ذكر أن هذا العالم متصل بذلك العالم الأعلى، كما أن عناصر هذه الأشياء متصلة بلطيف أرواحها الساكنة فيها. والعناصر وإن كانت تدثر في الظاهر، فإن صفوها من الروح البسيط الذي فيها، فإذا كان كذلك فليس يدثر إلا من جهة الحواس، فأما من نحو العقل فإنه ليس يدثر، فلا يدثر هذا العالم إذا كان صفوها فيه، وصفوه متصل بالعوالم البسيطة.
[ ٢ / ١٥٨ ]
وإنما شنع عليه الحكماء من جهة قوله: إن أول مبدع هو العناصر، وبعدها أبدعت البسائط الروحانية، فهو يرتقي من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأكدر إلى الأصفى.
ومن شيعته: فليوخوس، إلا أنه خالفه في المبدع الأول، وقال بقول سائر الحكماء، غير أنه قال: إن المبدع الأول هو مبدع الصورة فقط دون الهيولى، فإنها لم تزل مع المبدع.
فأنكروا عليه وقالوا: إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة: لما قبلت الصور، ولما تغيرت منحال إلى حال، ولما قبلت فعل غيرها، إذ الأزلي لا يتغير. وهذا الرأي مما كان يعزى إلى أفلاطون الإلهي، والرأي في نفسه مزيف، والعزوة إليه غير صحيحة.
ومما نقل عن ديمقريطيس وزينون الأكبر وفيثاغورث أنهم كانوا يقولون: إن الباري تعالى متحرك بحركة فوق هذه الحركة الزمانية. وقد أشرنا إلى المذهبين، وبينما المراد بإضافة الحركة والسكون إلى الله تعالى. ونزيده شرحا من احتجاج كل فريق على صاحبه.
قال أصحاب السكون: إن الحركة لا تكون أبدا إلا ضد السكون، والحركة لا تكون إلا بنوع زمان إما ماض وإما مستقبل، والحركة لا تكون إلا مكانية إما منتقلة وإما مستوية، ومن المستوية تكون الحركة المستقيمة، والحركة المعوجة، والمكانية تكون مع الزمان، فلو كان الباري تعالى متحركا، لكان داخلا في الدهر والزمان.
قال أصحاب الحركة: إن حركته أعلى من جميع ما ذكرتموه، وهو مبدع الدهر والمكان، وإبداعه ذلك هو يعنى بالحركة. والله أعلم.
[ ٢ / ١٥٩ ]
٥- رأي فلاسفة أقاديما ١:
كانوا يقولون: إن كل مركب ينحل، ولا يجوز أن يكون مركبا من جوهرين متفقين في جميع الجهات، وإلا فليس بمركب، فإذا كان هذا هكذا، فلا محالة أنه إذا انحل المركب رحل كل جوهر فاتصل بالأصل الذي كان منه، فما كان منها بسيطا روحانيا لحق بعالمه الروحاني البسيط، والعالم الروحاني باق غير داثر، وما كان منها جاسيا٢ غليظا لحق بعالمه أيضا، وكان جاس إذا انحل فإنما يرجع حتى يصل إلى ألطف من كل لطيف فإذا لم يبق من اللطافة شيء اتحد باللطيف الأول المتحد به، فيكونان متحدين إلى الأبد، وإذا اتحدت الأواخر بالأوائل، وكان الأول هو أول مبدع ليس بينه وبين مبدعه جوهر آخر متوسط، فلا محالة أن ذلك المبدع الأول متعلق بنور مبدعه، فيبقى خالدا دهر الدهور.
وهذا الفصل أيضا قد نقل عنهم وهو يتعلق بالمعاد، لا بالمبدإ وهؤلاء يسمون مشائي أقاديما وأما المشاءون المطلق، فهم. أهل لوقيون٣، وكان أفلاطون يلقن الحكمة ماشيا، تعظيما لها، وتابعه على ذلك أرسطوطاليس،. ويسمى هو وأصحابه المشائين. وأصحاب الرواق هم أهل المظال. وكان لأفلاطون تعليمان: تعليم كليس، وهو الروحاني الذي لا يدرك بالبصر ولكن بالفكر اللطيف، وتعليم كأيس، وهو الهيولانيات. والله الموفق للصواب.
_________________
(١) ١ هي الأكاديمية. ٢ جاسيا: صلبا. ٣ لوقيون: ملعب رياضي في أثينا.
[ ٢ / ١٦٠ ]
٦- رأي هرقل الحكيم:
كان يقول: إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا، لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق، وهو اسم الله حقا، وهو اسم الله باليونانية حقا.
[ ٢ / ١٦٠ ]
إنها تدل عليه، إنه مبدع الكل. وهذا الاسم عندهم شريف جدا.
وكان يقول: إن بدء الخلق، وأول شيء أبدع، والذي هو أول لهذه العوالم، هو المحبة، والمنازعة. ووافق في هذا الرأي أنبادقليس حيث قال: الأول الذي أبدع هو المحبة والغلبة.
وقال هرقل: السماء كرة متحركة من ذاتها، والأرض مستديرة ساكنة جامدة بذاتها، والشمس حللت كل ما فيها من الرطوبة، فاجتمعت فيها، فصار البحر، والذي حجرت الشمس ونفذت فيه حتى لم تذر فيه شيئا من الرطوبة صار منه: الحصى، والحجارة، والجبل، وما لم تنفذ فيه الشمس أكثر، ولم تنزع عنه الرطوبة كلها، فهو التراب.
وكان يقول: إن السماء في النشأة الأخرى تصير بلا كواكب، لأن الكواكب تهبط سفلا حتى تحيط بالأرض وتلتهب، فيصير متصلا ببعضها البعض، حتى تكون كالدائرة حول الأرض، وإنما يهبط منها ما كان من أجزائها نارا محصنة، ويصعد منها ما كان نورا محصنا، فتبقى النفوس الشريرة الدنسة الخبيثة في هذا العالم الذي أحاط به النار إلى الأبد في عقاب السرمد، وتصعد النفوس الشريفة الخالصة الطيبة إلى العالم الذي تمحض نورا وبهاءً وحسنا في ثواب السرمد. وهناك: الصور الحسان لذات للبصر، والألحان الشجية لذات السمع، ولأنها أبدعت بلا توسط مادة وتركب أسطقسات فهي جواهر، شريفة، روحانية، نورانية. وقال: إن الباري تعالى يمسح تلك الأنفس في كل دهر مسحة، فيتجلى لها حتى تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحق، فحينئذ يشتد عشقها، وشوقها، ونورها، ومجدها. فلا تزال كذلك دائما إلى الأبد.
[ ٢ / ١٦١ ]
٧- رأي أبيقورس:
خالف الأوائل في الأوائل. قال: المبادئ اثنان: الخلاء، والصورة. أما الخلاء فمكان فارغ، وأما الصورة فهي فوق المكان والخلاء، ومنها أبدعت الموجودات وكل ما كون منها فإنه ينحل إليها، فمنها المبدأ، وإليها المعاد.
وربما يقول: الكل يفسد، وليس بعد الفراق حساب ولا قضاء ولا مكافأة ولا جزاء، بل كلها تضمحل وتدثر. والإنسان كالحيوان مرسل مهمل في هذا العالم.
والحالات التي ترد على الأنفس في هذا العالم كلها من تلقائها على قدر حركاتها وأفاعيلها، فإن فعلت خيرا وحسنا فيرد عليها سرور وفرح، وإن فعلت شرا وقبيحا فيرد عليها حزن وترح. وإنما سرور كل نفس بالأنفس الأخرى، وكذا حزنها مع الأنفس الأخرى بقدر ما يظهر لها من أفاعيل.
وتبعه جماعة من التناسخية على هذا الرأي.
[ ٢ / ١٦٢ ]
٨- حكم سولون الشاعر:
وكان عند الفلاسفة من الأنبياء العظام بعد هرمس وقبل سقراط، وأجمعوا على تقديمه والقول بفضائله.
قال سولون لتلميذه: تزود من الخير وأنت مقبل، خير لك من أن تتزود منه وأنت مدبر.
وقال: من فعل خيرا فليجتنب ما خالفه، وإلا دعي شريرا.
وقال: إن أمور الدنيا حق، وقضاء، فمن أسلف فليقض، ومن قضى فقد وفى.
وقال: إذا عرضت عليك فكرة سوء فادفعها عن نفسك، ولا ترجع باللائمة لكن لم رأيك بما أحدث عليك.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقال: إن فعل الجاهل في خطابه أن يذم غيره، وفعل طالب الأدب أن يذم نفسه، وفعل الأديب أن لا يذم نفسه ولا غيره.
وقال: إذا انكب الدن، وأريق الشراب، وانكسر الإناء، فلا تغتم، بل قل: كما أن الأرباح لا تكون إلا فيما يباع ويشترى، كذلك الخسرانات لا تكون إلا في الموجودات، فانف الغم والخسارة عنك، فإن لكل ثمنا، وليس يجيء بالمجان.
وسئل: أيما أحمد في الصبا: الحياء، أم الخوف؟ قال: الحياء، لأن الحياء يدل على العقل والخوف يدل على المقة١ والشهوة.
وقال لابنه: دع المزاح، فإن المزاح لقاح الضغائن.
وسأله رجل، فقال: هل ترى أن أتزوج، أم أدع؟ قال: أي الأمرين فعلت ندمت عليه.
وسئل: أي شيء أصعب على الإنسان؟ قال: أن يعرف عيب نفسه، وأن يمسك عما لا يتكلم به.
ورأى رجلا عثر، فقال له: لأن تعثر برجلك خير من أن تعثر بلسانك.
وسئل ما الكرم؟ فقال: النزاهة عن المساوئ.
وسئل ما الحياة؟ فقال: التمسك بأمر الله تعالى.
وسئل ما النوم؟ فقال: النوم موتة خفيفة، والموت نومة طويلة.
وقال: ليكن اختارك من الأشياء حديثها. ومن الإخوان أقدمهم.
وقال: أنفع العلم ما أصابته الفكرة، وأقله نفعا ما قلته بلسانك.
وقال: ينبغي أن يكون المرء حسن الشكل في صغره، وعفيفا عند إدراكه، وعدلا في شبابه، وذا رأي في كهولته، وحافظا للستر عند الفناء، حتى لا تلحقه الندامة.
_________________
(١) ١ المقة: المحبة.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وقال: ينبغي للشاب أن يستعد لشيخوخته مثل ما يستعد الإنسان للشتاء من البرد الذي يهجم عليه.
وقال: يا بني: احفظ الأمانة تحفظك، وصنها حتى تصان.
وقال: جوعوا إلى الحكمة، واعطشوا إلى عبادة الله تعالى، قبل أن يأتيكم المانع منهما.
وقال لتلامذته: لا تكرموا الجاهل فيستخف بكم، ولا تتصلوا بالأشرار فتعدوا فيهم، ولا تعتمدوا الغنى إن كنتم تلامذة الصدق، ولا تهملوا أمر أنفسكم في أيامكم ولياليكم، ولا تستخفوا بالمساكين في جميع أوقاتكم.
وكتب إليه بعض الحكماء يستوصفه أمر عالمي العقل والحس، فقال: أما عالم العقل فدار ثبات وثواب، وأما عالم الحس فدار بوار وغرور.
وسئل: ما فضل علمك على علم غيرك؟ قال معرفتي بأن علمي قليل.
وقال: أخلاق محمودة وجدتها في الناس، إلا أنها إنما توجد في قليل: صديق يحب صديقه غائبا كمحبته حاضرا، وكريم يكرم الفقراء كما يكرم الأغنياء، ومقر بعيوبه إذا ذكرت، وذاكر يوم نعيمه في يوم بؤسه، ويوم بؤسه في يوم نعيمه، وحافظ لسانه عند غضبه. وآمر بالمعروف دائما.
[ ٢ / ١٦٤ ]
٩- حكم أوميروس الشاعر:
وهو من الكبار القدماء، الذي يجريه أفلاطون وأرسطوطاليس في أعلى المراتب. ويستدل بشعره، لما كان يجمع فيه إتقان المعرفة، ومتانة الحكمة، وجودة الرأي، وجزالة اللفظ، فمن ذلك قوله: لا خير في كثرة الرؤساء، وهذه كلمة وجيزة تحتها معان شريفة، لما في كثرة الرؤساء من الاختلاف الذي يأتي على حكمة الرئاسة بالإبطال، ويستدل بها أيضا في التوحيد، لما في كثرة الآلهة من المخالفات التي تكر
[ ٢ / ١٦٤ ]
على حقيقة الإلهية بالإفساد. وفي الحكمة: لو كان أهل بلد كلهم رؤساء، لما كان رئيس ألبتة، ولو كان أهل بلد كلهم رعية، لما كانت رعية ألبتة.
ومن حكمه: قال: إني لأعجب من الناس! إذ كان يمكنهم الاقتداء بالله تعالى فيدعون ذلك الإقتداء بالبهائم!، قال له تلميذه: لعل هذا إنما يكون لأنهم قد رأوا أنهم يموتون كما تموت البهائم؟ فقال له: بهذا السبب يكثر تعجبي منهم! من قبل أنهم يحسون بأنهم لابسون بدنا ميتا ولا يحسبون أن في ذلك البدن نفسا غير ميتة.
وقال: من يعلم أن الحياة لنا مستعبدة، والموت معتق مطلق، آثر الموت على الحياة.
وقال: العقل نحوان: طبيعي، وتجريبي، وهما مثل الماء والأرض، وكما أن النار تذيب كل صامت وتخلصه وتمكن من العمل فيه، كذلك العقل يذيب الأمور ويخلصها ويفصلها ويعدها للعمل. ومن لم يكن لهذين النحوين فيه موضع فإن خير أموره له قصر العمر.
وقال: إن الإنسان الخير أفضل من جميع ما على الأرض، والإنسان الشرير أخس وأوضع من جميع ما على الأرض.
وقال: لن تنبل، واحلم تعز، ولا تكن معجبا فتمتهن، واقهر شهوتك، فإن الفقير من انحط إلى شهواته.
وقال: الدنيا دار تجارة، والويل لمن تزود عنها الخسارة.
وقال: الأمراض ثلاثة أشياء: الزيادة والنقصان في الطبائع الأربع، وما تهيجه الأحزان. فشفاء الزائد والناقص في الطبائع الأدوية، وشفاء ما تهيجه الأحزان كلام الحكماء والإخوان.
وقال: العمى خير من الجهل، لأن أصعب ما يخاف من العمى التهور في بئر ينهد منه الجسد، والجهل يتوقع منه هلاك الأبد.
وقال: مقدمة المحمودات الحياء، ومقطمة المذمومات القحة.
[ ٢ / ١٦٥ ]
وقال إيرقليطس: إن أوميروس الشاعر لما رأى تضاد الموجودات دون فلك القمر قال: يا ليته هلك التضاد من هذا العالم ومن الناس والسادة، يعني النجوم، واختلاف طبائعها، وأراد بذلك أن يبطل التضاد والاختلاف حتى يكون هذا العالم المتحرك المنتقل داخلا في العالم الساكن الدائم الباقي.
ومن مذهبه: أن بهرام يعني الريح، واقع الزهرة، فتولدت من بينهما طبيعة هذا العالم.
وقال: إن الزهرة علة التوحيد والاجتماع، وبهرام علة التفرق والاختلاف، والتوحد ضد التفرق. فلذلك صارت الطبيعة ضدا: تركب، وتنقص، وتوحد، وتفرق.
وقال: الحظ شيء أظهره العقل بوساطة العلم، فلما قابل النفس عشقته بالعنصر هذه حكمه.
وأما مقطعات أشعاره، فمنها. قال: ينبغي للإنسان أن يفهم الأمور الإنسانية. إن الأدب للإنسان ذخر لا يسلب. ارفع من عمرك ما يحزنك. إن أمور العالم تعلمك العلم. إن كنت ميتا فلا تحقر عداوة من لا يموت. كل ما يمتاز في وقته يفرح به. إن الزمان يبين الحق وينيره. اذكر نفسك أبدا أنك إنسان. إن كنت إنسانا فافهم كيف تضبط غضبك. إذا نالتك مضرة فاعلم أنك كنت أهلها. اطلب رضاء كل أحد، لإرضاء نفسك فقط. إن الضحك في غير وقته هو ابن عم البكاء. إن الأرض تلد كل شيء ثم تسترده. إن الرأي من الجبان جبان. انتقم من الأعداء نقمة لا تضرك. كن حسن الجرأة ولا تكن متهورا. إن كنت ميتا، فلا تذهب مذهب من لا يموت. إن أردت أن تحيا فلا تعمل عملا يوجب الموت. إن الطبيعة كونت الأشياء بإرادة الرب تعالى. من لا يفعل شيئا في الشر فهو إلهي. آمن بالله، فإنه يوفقك في أمورك. إن مساعدة الأشرار على أفعالهم كفر بالله. إن المغلوب من قاتل الله والبخت. اعرف الله، واعقل الأمور الإنسانية. إذا أراد الله خلاصك عبرت البحر على البادية. إن العقل الذي
[ ٢ / ١٦٦ ]
يناطق الله لشريف. إن قوام السنة بالرئيس. إن لفيف الناس وإن كانت لهم قوة فليس لهم عقل. إن السنة توجب كرامة الوالدين مثل كرامة الإله. رأي ان والديك آلهة لك. إن الأب هو من ربي لا من ولد. إن الكلام في غير وقته يفسد العمر كله. إذا حضر البخت تمت الأمور. إن سنن الطبيعة لا تتعلم. إن اليد تغسل اليد، والإصبع الإصبع. ليكن فرحك بما تدخره لنفسك دون ما تدخره لغيرك، يعني بالمدخر لنفسه: العلم والحكمة، وبالمدخر لغيره: المال.
وقال: الكرم يحمل ثلاثة عناقيد: عنقود الالتذاذ، وعنقود الشكر، وعنقود الشيم.
خير أمور العالم الحسي أوساطها، وخير أمور العالم العقل أفضلها.
وقيل: إن وجود الشعر في أمة يونان كان قبل الفلسفة، وإنما أبدعه أوميروس. وتاليس كان بعده بثلاثمائة واثنتين سنة. وأول فيلسوف كان منهم في سنة تسعمائة وإحدى وخمسين من وفاة موسى ﵇، وهذا ما أخبر به كورفس في كتابه، وذكر فورفوريوس أن تاليس ظهر في سنة ثلاث وعشرين ومائة من ملك بختنصر.
[ ٢ / ١٦٧ ]
١٠- حكم بقراط:
بقراط واضع الطب الذي قال بفضله الأوائل والأواخر. وكان أكثر حكمته في الطب وشهرته به، فبلغ خبره إلى بهن بن اسفنديار بن كشتاسب، فكتب إلى فيلاطس ملك قوه وهو بلد من بلاد اليونانيين يأمر بتوجيه بقراط إليه، وأمر له بقناطير من الذهب، فأبى ذلك، وتأبى عن الخروج إليه ضنا بوطنه وقومه، وكان لا يأخذ على المعالجة أجرة من الفقراء وأوساط الناس، وقد شرط أن يأخذ من الاغنياء أحد ثلاثة أشياء: طوقا. أوإكليلا، أو سوارا من ذهب.
فمن حكمه إن قال: استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وقيل له: أي العيش خير؟ قال: الأمن مع الفقر، خير من الغنى مع الخوف.
وقال له: الحيطان والبروج لا تحفظ المدن، ولكن تحفظها آراء الرجال وتدبير الحكماء.
وقال: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة متطلعة إلى هوائها، ونازعة إلى غذائها.
ولما حضرته الوفاة قال: خذوا جامع العلم مني: من كثر نومه، ولانت طبيعته، ونديت جلدته طال عمره.
وقال: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع.
وقال: لو خلق الإنسان من طبيعة واحدة لما مرض، لأنه لم يكن هناك شيء يضادها فيمرض.
ودخل على عليل فقال له: أنا، والعلة، وأنت، فإن أعنتني عليها بالقبول لما تسمع مني صرنا اثنين، وانفردت العلة، فقينا عليها، والاثنان إذا اجتمعا على واحد غلباه.
وسئل: ما بال الإنسان أثور ما يكون بدنه إذا شرب الدواء؟ قال: مثل ذلك مثل البيت، أكثر ما يكون غبارا إذا كنس.
وحديث ابن الملك: أنه عشق جارية من حظايا أبيه فنهك بدنه، واشتدت علته، فأحضر بقراط فجس نبضه، ونظر إلى تفسرته١، فلم ير أثر علة، فذكراه حديث العشق، فرآه يهش لذلك ويطرب، فاستخبر الحال من حاضنته فلم يكن عندها خبر، وقالت: ما خرج قط من الدار، فقال بقراط للملك: مر رئيس الخصيان بطاعتي، فأمره بذلك، فقال: أخرج على النساء، فخرجن، وبقراط واضع إصبعه على نبض الفتى، فلما خرجت الحظية اضطرب عرقه. وطار قلبه، وحار طبعه، فعلم بقراط أنها المعينة لهواه، فصار
_________________
(١) ١ التفسرة: فحص البول.
[ ٢ / ١٦٨ ]
بقراط إلى الملك وقال له: ابن الملك قد عشق من الوصول إليها صعب. قال الملك: ومن ذاك؟ قال هو يحب حليلتي، قال: انزل عنها ولك عنها بدل، فتحازن بقراط ووجم وقال: هل رأيت أحدا كلف أحدا طلاق امرأته، ولا سيما الملك في عدله ونصفته يأمرني بمفارقة حليلتي، ومفارقتها مفارقة روحي؟ قال الملك: إني أوثر ولدي عليك، وأعوضك من هو احسن منها، فامتنع، حتى بلغ الأمر إلى التهديد بالسيف، قال بقراط: إن الملك لا يسمى عدلا حتى ينتصف من نفسه ما ينتصف من غيره، أرأيت لو كانت العشيقة حظية الملك؟ قال: يا بقراط! عقلك أتم من معرفتك! ونزل عنها لابنه، وبرئ الفتى من مرضه ذلك.
وقال بقراط: إياك أن تأكل إلا ما تستمرئ، وأما مالا تستمرئ فإنه يأكلك.
وقيل لبقراط: لم يثقل الميت؟ قال: لأنه كان اثنين: أحدهما خفيف رافع، والآخر ثقيل واضع، فلما انصرف أحدهما وهو الخفيف الرافع، ثقل الثقيل الواضع.
وقال: الجسد يعالج جملة على خمسة أضرب: ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في البدن بإسهال البطن، وما بين الجلدين بالعرق، وما في العمق وداخل العروق بإرسال الدم.
وقال: الصفراء بيتها المرارة وسلطانها في الكبد، والبلغم بيته المعدة وسلطانه في الصدر، والسوداء بيتها الطحال، وسلطانها في القلب، والدم بيته القلب وسلطانه في الرأس.
وقال لتلميذ له: ليكن أفضل وسيلتك إلى الناس محبتك لهم، والتفقد لأمورهم، ومعرفة حالهم، واصطناع المعروف إليهم.
ويحكى عن بقراط قوله المعروف: العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والزمان جديد، والتجربة خطر، والقضاء عسر.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وقال لتلاميذه: اقسموا الليل والنهار ثلاثة أقسام: فاطلبوا في القسم الأول العقل الفاضل واعملوا في القسم الثاني بما أحرزتم من ذلك العقل، ثم عاملوا في القسم الثالث من لا عقل له، وانهزموا من الشر ما استطعتم.
وكان له ابن لا يقبل الأدب، فقالت له امرأته: إن ابنك هو منك فأدبه، فقال لها: هو مني طبعا، ومن غيري نفسا، فما أصنع به؟
وقال: ما كان كثيرا فهو مضاد للطبيعة، فلتكن الأطعمة، والأشربة، والنوم، والجماع، والتعب قصدا.
وقال: إن صحة البدن إذا كانت في الغاية كان أشد خطرا.
وقال: إن الطب هو حفظ الصحة بما يوافق الأصحاء، ودفع المرض بما يضاده.
وقال: من سقى السم من الأطباء، وألقى الجنين، ومنع الحمل، واجترأ على المريض فليس من شيعتي، وله أيمان معروفة على هذه الشرائط. وكتب معروفة كثيرا في الطب.
وقال في الطبيعة: إنها القوة التي تدبر الجسم من الإنسان، فتصوره من النطفة إلى تمام الخلقة، خدمة للنفس في إتمام هيكلها، ولا تزال هي المدبرة له غذاء من الثدي وبعده مما به قوامه من الأغذية. ولها ثلاث قوى: المولدة، والمربية، والحافظة. ويخدم الثلاث أربع قوى: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة.
[ ٢ / ١٧٠ ]
١١- حكم ديمقريطيس:
وهو من الحكماء المعتبرين في زمان بهمن بن اسفنديار، وهو وبقراط كانا في زمان واحد قبل أفلاطون، وله آراء في الفلسفة، وخصوصا في مبادئ الكون والفساد. وكان أرسطوطاليس يؤثر قوله على قول أستاذه أفلاطون الإلهي، وما أنصف.
[ ٢ / ١٧٠ ]
قال ديمقريطيس: إن الجمال الظاهر يشبه به المصورون بالأصباغ، ولكن الجمال الباطن لا يشبه به إلا من هو له بالحقيقة، وهو مخترعه ومنشئه.
وقال: ليس ينبغي أن تعد نفسك من الناس ما دام الغيظ يفسد رأيك، ويتبع شهوتك.
وقال: ليس ينبغي أن يمتحن الناس في وقت ذلتهم، بل في وقت عزتهم وملكهم، وكما أن الكير يمتحن به الذهب، كذلك الملك يمتحن به الإنسان، فيتبين خيره وشره.
وقال: ينبغي أن تأخذ في العلوم بعد أن تنفي عن نفسك العيوب وتعودها الفضائل، فإنك إن لم تفعل هذا لم تنتفع بشيء من العلوم.
وقال: من أعطى أخاه المال فقد أعطاه خزائنه، ومن أعطاه علمه ونصيحته فقد وهب له نفسه.
وقال: لا ينبغي أن تعد النفع الذي فيه الضرر العظيم نفعا، ولا الضرر الذي فيه النفع العظيم ضررا، ولا الحياة التي لا تحمد أن تعد حياة.
وقال: مثل من قنع بالاسم، كمثل من قنع عن الطعام بالرائحة.
وقال: عالم معاند خير من جاهل منصف.
وقال: ثمرة الغرة التواني، وثمرة التواني الشقاء، وثمرة الشقاء ظهور البطالة، وثمرة البطالة السفه، والعبث، والندامة، والحزن.
وقال: يجب على الإنسان أن يطهر قلبه من المكر والخديعة، كما يطهر بدنه من أنواع الخبث.
وقال: لا تطمع أحدا أن يطأ عقبك اليوم، فيطأك غدا.
وقال: لا تكن حلوا جدا لئلا تبلع، ولا مرا جدا لئلا تلفظ.
وقال: ذنب الكلب يكسب له الطعام، وفمه يكسب له الضرب.
[ ٢ / ١٧١ ]
وكان بأثينية نقاش غير حاذق، فأتى ديمقريطيس. وقال: جصص بيتك فأصوره، قال: صوره أو لا حتى أجصصه.
وقال: مثل العلم مع من لا يقبل وإن قبل لا يعمل، كمثل دواء مع سقيم وهو لا يداوي به.
وقيل له: لا تنظر، فغمض عينيه، قيل له: لا تسمع، فسد أذنيه، قيل له: لا تتكلم، فوضع يده على شفتيه، قيل له: لا تعلم، قال: لا أقدر، وإنما أراد به أن البواطن لا تندرج تحت الاختيار، فأشار إلى ضرورة السر، واختيار الظاهر.
ولما كان الإنسان مضطر الحدوث كان معزول الولاية عن قلبه، وهو بقلبه أكبر منه بسائر جوارحه، فلهذا لم يستطع أن يتصرف في أصله، لاستحالة أن يكون فاعل أصله. ولهذا الكلام شرح آخر، وهو أنه أراد التمييز بين العقل والحس، فإن الإدراك العقلي لا يتصور الانفكاك عنه، وإذا حصل لن يتصور نسيانه بالاختيار والإعراض عنه، بخلاف الإدراك الحسي. وهذا يدل على أن العقل ليس من جنس الحس، ولا النفس من حيز البدن.
وقد قيل: إن الاختيار في الإنسان مركب من انفعالين: أحدهما: انفعال نقيصة، والثاني: انفعال تكامل، وهو إلى الانفعال الأول أميل بحكم الطبيعة والمزاج، والآخر ضعيف فيه إلا إذا وصل إليه مدد من جهة العقل والتمييز والنطق، فينشئ الرأي الثاقب، ويحدث الحزم الصائب، فيحب الحق، ويكره الباطل؛ فمتى وقف هذا المدد من القوة الاختيارية كانت الغلبة للانفعال الآخر، ولولا تركب الاختيار عن هذين الانفعالين أو انقسامه إلى هذين الوجهين، لتأتي للإنسان جميع ما يقصده بالاختيار، بلا مهلة ولا ترجح، ولا هنية ولا تريح، ولا استشارة ولا استخارة.
وهذا الرأي الذي رآه هذا الحكيم لم أجد أحدا أبه١ له ولا عثر عليه، أو حكم به أو أومأ إليه. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ١ أبه له: فطن له؛ والتفت إليه.
[ ٢ / ١٧٢ ]
١٢- حكم أوقليدس:
وهو أول من تكلم في الرياضيات وأفرده علما نافعا في العلوم، منقحا للخاطر، ملقحا للفكر. وكتابه معروف باسمه، وكذلك حكمته.
وقد وجدنا له حكما متفرقة، فأوردناها على سوق مرامنا، وطرد كلامنا. فمن ذلك قوله الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية.
وقال له رجل يتهدده: إني لا آلو جهدا في أن أفقدك حياتك، قال أوقليدس: وأنا لا آلو جهدا في أن أفقدك غضبك.
وقال: كل أمر تصرفنا فيه وكانت النفس الناطقة هي المقدرة له فهو داخل في الأفعال الإنسانية، وما لم تقدره النفس الناطقة فهو داخل في الأفعال البهيمية.
وقال: من أراد أن يكون محبوبه محبوبك وافقك على ما تحب، فإذا اتفقتما على محبوب واحد صرتما إلى الاتفاق.
وقال: إفزع إلى ما يشبه الرأي العام التدبيري العقلي، واتهم ما سواه.
وقال: كل ما أستطيع خلعه ولم يضطر إلى لزومه المرء، فلم الإقامة على مكروهه؟
وقال: الأمور جنسان: أحدهما يستطاع خلعه والمصير إلى غيره، والآخر توجيه الضرورة فلا يستطاع الانتقال عنه، والاغتمام والأسف على كل واحد منهما غير سائغ في الرأي.
وقال: إن كانت الكائنات من المضطرة، فما الاهتمام بالمضطر إذ لا بد منه؟ وإن كانت غير مضطرة فلم الهم فيما يجوز الانتقال عنه؟
وقال: الصواب إذا كان عاما كان أفضل، لأن الخاص يقع بالتحري وتلقاء أمر ما.
وقال: العمل على الإنصاف ترك الإقامة على المكروه، وقال: إذا لم يضطرك إلى الإقامة عليه شيء فإن أقمت رجعت باللائمة عليك.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقال: الحزم هو العمل على أن لا تثق بالأمور التي في الإمكان عسرها ويسرها.
وقال: كل فائت وجدت في الأمور منه عوضا أو أمكنك اكتساب مثله، فما الأسف على فوته؟ وإن لم يكن منه عوض ولا يصاب له مثل، فما الأسف على ما لا سبيل إلى مثله والإمكان في دفعه.
وقال: لما علم العاقل أنه لا ثقة بشيء من أمر الدنيا ألقى منها ما منه بد، واقتصر على ما لا بد منه، وعمل فيما يوثق به بأبلغ ما قدر عليه.
وقال: إذا كان الأمر تمكنا فيه التصرف فوقع بحال ما تحب فاعتده ربحا، وإن وقع بحال ما تكره فلا تحزن، فإنك قد كنت عجلت فيه على غير ثقة بوقوعه على ما تحب.
وقال: لم أر أحدا إلا ذاما للدنيا وأمورها إذ هي على ما هي من التغير والتنقل، فالمستكثر منها يلحقه أن يكون أشد اتصالا بما يذم، وإنما يذم الإنسان ما يكره، والمستقل منها مستقل مما يكره، وإذا أستقل مما يكره كان ذلك أقرب إلى ما يحب.
وقال: أسوأ الناس حالا من لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله.
وقال: الجشع بين شرين، فالإعدام يخرجه إلى السفه، والجدة تخرجه إلى الأشر١.
وقال: لا تعن أخاك على أخيك في خصومة، فإنهما يصطلحان عن قليل وتكتسب المذمة.
_________________
(١) ١ الأشر: البطر، وكفر النعمة.
[ ٢ / ١٧٤ ]
١٣- حكم بطلميوس:
وهو صاحب المجسطى الذي تكلم في هيئات الفلك، وأخرج علم الهندسة من القوة إلى الفعل.
فمن حكمه أنه قال: ما أحسن الإنسان أن يصبر عما يشتهي، وأحسن منه أن لا يشتهي إلا ما ينبغي.
وقال: الحليم الذي إذا صدق صبر، لا الذي إذا قذف كظم.
وقال: لمن يغني الناس ويسأل أشبه بالملوك ممن يستغني بغيره ويسأل.
وقال: لان يستغني الإنسان عن الملك أكرم له من أن يستغني به.
وقال: موضع الحكمة من قلوب الجهال، كموقع الذهب والجوهر من ظهر الحمار.
وسمع جماعة من أصحابه وهم حول سرادقه يقعون فيه ويثلبونه١، فهز رمحا كان بين يديه، ليعلموا أنهم بمسمع منهم، وأن يتباعدوا عن قيد رمح، ثم يقولوا ما أحبوا.
وقال: العلم في موطنه كالذهب في معدنه لا يستنبط إلا بالدءوب، والتعب، والكد، والنصب، ثم يجب تخليصه بالفكر، كما يخلص الذهب بالنار.
وقال بطلميوس: دلالة القمر في الأيام أقوى، ودلالة الشمس والزهرة في الشهور أقوى، ودلالة المشتري وزحل في السنين أقوى.
ومما نقل عنه أنه قال: نحن كائنون في الزمن الذي يأتي بعد، وهذا رمز إلى المعاد، إذ الكون والوجود الحقيقي: ذلك الكون، والوجود في ذلك العالم.
_________________
(١) ١ ثلبه: عابه وتنقصه.
[ ٢ / ١٧٥ ]
١٤- حكم أهل المظال:
ومنهم: خروسيبس وزينون وقولهما الخالص: إن الباري تعالى المبدع الأول: واحد محض هو، إن فقط، أبدع العقل والنفس دفعة واحدة، ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما، وفي بدء ما أبدعهما، أبدعهما جوهرين لا يجوز عليهما الدثور والفناء.
وذكروا أن للنفس جرمين: جرم من النار والهواء، وجرم من الماء والأرض، فالنفس متحدة بالجرم الذي من النار والهواء، والجرم الذي من النار والهواء متحد بالجرم الذي من الماء والأرض، والنفس تظهر أفاعيلها في ذلك الجرم، وذلك الجرم ليس له طول ولا عرض، ولا قدر مكاني. وباصطلاحنا سميناه جسما، وأفاعيل النفس فيه نيرة بهية. ومن الجسم إلى الجرم ينحدر النور، والحسن، والبهاء ولما ظهرت أفاعيل النفس عندنا بمتوسطين، كانت أظلم، ولم يكن لها نور شديد.
وذكروا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية استخصت الأجزاء النارية والهوائية، وهي جسمها، واستصحبت في ذلك العالم جسما روحانيا، نورانيا، علويا، طاهرا، مهذبا من كل ثقل وكدر. وأما الجرم الذي من الماء والأرض فيدثر ويفنى، لأنه غير مشاكل للجسم السماوي، لأن ذلك الجسم خفيف، لطيف، لا وزن له، ولا يلمس، وإنما يدرك من البصر فقط، كما تدرك الأشياء الروحانية من العقل، فألطف ما يدرك الحس البصري من الجواهر هي النفسانية، وألطف ما يدرك من إبداع الباري تعالى الآثار التي عند العقل.
وذكروا أن النفس ما هي مستطيعة، ما خلاها الباري تعالى أن تفعل، وإذا ربطها فليست بمستطيعة، كالحيوان الذي إذا خلاه مدبره أعني الإنسان كان مستطيعا في كل ما دعي إليه، وتحرك إليه، وإذا ربطه لم يقدر حينئذ أن يكون مستطيعا.
وذكروا أن دنس النفس وأوساخ الجسد إنما تكون لازمة للإنسان من جهة
[ ٢ / ١٧٦ ]
الأجزاء. وأما التطهير والتهذيب فمن جهة الكل، لأنه إذا انفصلت النفس الكلية إلى النفس الجزئية والعقل الجزئي من العقل الكلي غلظت، وصارت من حيز الجرم، لأنها كلما سفلت اتحدت بالجرم، والجرم من حيز الماء والأرض، وهما ثقيلان يذهبان سفلا. وكلما اتصلت النفس الجزئية بالنفس الكلية، والعقل الجزئي بالعقل الكلي ذهبت علوا، لأنها تتحد بالجسم، والجسم من حيز النار والهواء، وكلاهما لطيفان، يذهبان علوا.
وهذان الجرمان مركبان، وكل واحد منهما من جوهرين. واجتماع هذين الجرمين يوجب الاتحاد شيئا واحدا عند الحس البصري، فأما عند الحواس الباطنة، وعند العقل فليست شيئا واحدا، فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم، لأنه أشد روحانية، ولأن هذا العالم ليس مشاكلا له، ولا مجانسا له، والجرم مشاكل ومجانس لهذا العالم، فصار الجرم أظهر من الجسم لمجانسة هذا العالم وتركيبه، وصار الجسم مستبطنا في الجرم، لأن هذا العالم غير مشاكل له، وغير مجانس له. فإما في ذلك العالم فالجسم ظاهر على الجرم، لأن ذلك العالم عالم الجسم، لأنه مجانس، ومشاكل له، ويكون لطيف الجرم الذي هو من لطيف الماء والأرض المشاكل لجوهر النار والهواء مستبطنا في الجسم، كما كان الجسم مستبطنا في هذا العالم في الجرم. فإذا كان هذا فيما ذكروا هكذا كان ذلك الجسم باقيا دائما، لا يجوز عليه الدثور، ولا الفناء، ولذته دائمة، لا تملها النفوس ولا العقول، ولا ينفد ذلك السرور والحبور.
ونقلوا عن أفلاطون أستاذهم: لما كان الواحد لا بدء له، صار نهاية كل متناه، وإنما صار الواحد لا نهاية له، لأنه لا بدء له، لا أنه لا بدء له لأنه لا نهاية له.
وقال: ينبغي للمرء أن ينظر كل يوم إلى وجهه في المرآة، فإن كان قبيحا لم يفعل قبيحا، فيجمع بين قبيحين، وإن كان حسنا لم يشنه بقبيح.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وقال: إنك لن تجد الناس إلا أحد رجلين: إما مؤخرا في نفسه قدمه حظه، أو مقدما في نفسه آخره دهره، فارض بما أنت فيه اختيارا، وإلا رضيت اضطرارا.
[ ٢ / ١٧٨ ]
الفصل الثالث: متآخرو حكماء اليونان
رأي أرسطوطاليس بن نيقوماخوس
الفصل الثالث: متأخرو حكماء اليونان
وهم الحكماء الذين تلوهم في الزمان، وخالفوهم في الرأي، مثل أرسطو طاليس ومن تابعه على رأيه، مثل: الإسكندر الرومي، والشيخ اليوناني، وديوجانس الكلبي وغيرهم، وكلهم على رأى أرسطو طاليس في المسائل التي تفرد بها عن القدماء.
ونحن نذكر من آرائه ما يتعلق بغرضنا من المسائل التي شرع فيها الأوائل وخالفهم المتأخرون. ونحصرها في ست عشرة مسألة. وبالله التوفيق.
١- رأى أرسطوطاليس بن نيقوماخوس:
من أهل أسطاخرا، وهو المقدم المشهور، والمعلم الأول، والحكيم المطلق عندهم. وكان مولده في أول سنة من ملك أردشير بن دارا، فلما أتت عليه سبع عشرة سنة أسلمه أبوه إلى المؤدب أفلاطون فمكث عنده نيفا وعشرين سنة. وإنما سموه المعلم الأول، لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل، وحكمه حكم واضع النحو، وواضع العروض فإن نسبة المنطق إلى المعاني التي في الذهن كنسبة النحو إلى الكلام، والعروض إلى الشعر. وهو واضع، لا بمعنى أنه لم تكن المعاني مقومة بالمنطق قبله فقومها، بل بمعنى أنه جرد آلته عن المادة فقومها تقريبا إلى أذهان المتعلمين، حتى يكون كالميزان عندهم، يرجعون إليه عند اشتباه الصواب بالخطأ، والحق بالباطل. إلا أنه أجمل القول فيه إجمال الممهدين، وفصله المتأخرون تفصيل الشارحين. وله حق السبق، وفضيلة التمهيد. وكتبه في الطبيعيات، والإلهيات، والأخلاق، معروفة، ولها شروح كثيرة.
[ ٢ / ١٧٨ ]
ونحن اخترنا في نقل مذهبه شرح "ثامسطيوس" الذي اعتمده مقدم المتأخرين ورئيسهم: أبو علي بن سينا، وأوردنا نكتا١ من كلامه في الإلهيات، وأحلنا باقي مقالاته في المسائل على نقل المتأخرين، إذ لم يخالفوه في رأي، ولا نازعوه في حكم، بل هم كالمقلدين له، المتهالكين عليه، وليس الأمر على ما مالت ظنونهم إليه.
المسألة الأولى:
في إثبات واجب الوجود الذي هو المحرك الأول. قال في كتاب "أثولوجيا" من حرف اللام
إن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب: اثنان طبيعيان، وواحد غير متحرك. قال: إنا وجدنا المتحركات على اختلاف جهاتها وأوضاعها، ولا بد لكل متحرك من محرك، فإما أن يكون المحرك متحركا، فيتسلسل القول فيه، ولا يتحصل، وإلا فيستند إلى محرك غير متحرك. ولا يجوز أن يكون فيه معنى ما بالقوة، فإنه يحتاج إلى شيء آخر يخرجه من القوة إلى الفعل، إذ هو لا يتحرك من ذاته من القوة إلى الفعل، فالفعل إذن أقدم من القوة، وما بالفعل أقدم على ما بالقوة،. وكل جائز وجوده ففي طبيعته معنى ما بالقوة، وهو الإمكان والجواز فيحتاج إلى واجب به يجب، وكذلك كل متحرك فيحتاج إلى محرك، فواجب الوجود بذاته: ذات وجودها غير مستفاد من وجود غيره، وكل موجود فوجوده مستفاد عنه بالفعل. وجائز الوجود له في نفسه وذاته الإمكان، وذلك إذا أخذته بلا شرط، وإذا أخذته بشرط علته فله الوجوب، وإذا أخذته بشرط لا علية فله الامتناع.
_________________
(١) ١ أصل النكتة: النقطة السوداء في الأبيض، أو البيضاء في الأسود، ومنه استخدمت بمعنى: المسألة الدقيقة. أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر.
[ ٢ / ١٧٩ ]
المسألة الثانية:
في أن واجب الوجود واحد: أخذ أرسطوطاليس يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث إن العالم واحد، ويقول: إن الكثرة بعد الاتفاق في الحد ليست إلا في كثرة العنصر، وأما ما هو بالآنية الأولى فليس له عنصر، لأنه تمام، قائم بالفعل. لا يخالط القوة، فإذا المحرك الأول واحد بالكلمة والعدد، أي بالاسم والذات. قال: فمحرك العالم واحد، لأن العالم واحد. هذا نقل ثامسطيوس. وأخذ من نصر مذهبه يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث إنه واجب الوجود لذاته، قال ولو كان كثيرا لحمل واجب الوجود عليه وعلى غيره بالتواطؤ، فيشملها جنسا، وينفصل أحدهما عن الآخر نوعا، فتتركب ذاته من جنس وفصل، فتسبق أجزاء المركب على المركب سبقا بالذات، فلا يكون واجبا بذاته. ولأنه لو لم يكن هو بعينه واجب الوجود لذاته لا لشيء عنه بل لأمر خارج عنه واجب بذاته لكان واجب الوجود بذلك الأمر الخارج، فلم يكن واجبا بذاته هذا خلف.
المسألة الثالثة:
في أن واجب الوجود لذاته: عقل لذاته، وعاقل ومعقول لذاته، عقل من غيره، أو لم يعقل.
أما أنه عقل، فلأنه مجرد عن المادة، منزه عن اللوازم المادية، فلا تحتجب ذاته عن ذاته.
وأما أنه عاقل لذاته، فلأنه مجرد لذاته.
وأما أنه معقول لذاته، فلأنه غير محجوب عن ذاته بذاته أو بغيره.
قال: الأول يعقل ذاته. ثم من ذاته يعقل كل شيء، فهو يعقل العالم العقلي دفعة واحدة، من غير احتياج إلى انتقال وتردد من معقول إلى معقول، وأنه ليس يعقل الأشياء
[ ٢ / ١٨٠ ]
على أنها أمور خارجة عنه فيعقلها منها كحالنا عند المحسوسات، بل يعقلها من ذاته، وليس كونه عاقلا وعقلا بسبب وجود الأشياء المعقولة، حتى يكون وجودها قد جعله عقلا، بل الأمر بالعكس، أي عقله للأشياء جعلها موجودة. وليس للأول شيء يكمله، فهو الكامل لذاته، المكمل لغيره، فلا يستفيد وجوده من وجود كمالا. وأيضا فإنه لو كان يعقل الأشياء من الأشياء، لكان وجودها متقدما على وجوده، ويكون جوهره في نفسه، وفي قوامه، وفي طباعه أن يقبل معقولات الأشياء من الأشياء، فيكون في طباعه ما هو بالقوة من حيث يكمل بما هو خارج عنه، حتى يقال: لولا ما هو خارج عنه لم يكن له ذلك المعنى، وكان فيه عدمها، فيكون الذي له في طباع نفسه وباعتبار نفسه من غير إضافة إلى غيره أن يكون عادما للمعقولات، ومن شأنه أن يكون له ذلك، فيكون باعتبار نفسه مخالطا للإمكان والقوة. وإذا فرضنا أنه لم يزل ولا يزال موجودا بالفعل، فيجب أن يكون له من ذاته الأمر الأكمل الأفضل لا من غيره.
قال: وإذا عقل ذاته عقل ما يلزمها لذاتها بالفعل، وعقل كونه مبدأ، وعقل كل ما يصدر عنه على ترتيب الصدور عنه، وإلا فلم يعقل ذاته بكنهها.
قال: وإن كان ليس يعقل بالفعل، فما الشيء الكريم الذي له وهو الكون الناقص كماله؟! فيكون حاله كحال النائم، وإن كان يعقل الأشياء من الأشياء فتكون الأشياء متقدمة عليه بتقدم ما يقبله ذاته، وإن كان يعقل الأشياء من ذاته فهو المرام والمطلب. وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى تؤدي قريبا من هذا المعنى، فيقول إن كان جوهره العقل وأن يعقل، فإما أن يعقل. ذاته، أو غيره، فإن كان يعقل شيئا آخر فما هو في حد ذاته غير مضاف إلى ما يعقله؟ وهل لهذا المعتبر بنفسه فضل وجلال مناسب لأن يعقل، بأن يكون بعض الأحوال أن يعقل له أفضل من أن لا يعقل؟ أو بأن لا يعقل يكون له أفضل من أن يعقل؟ فإنه لا يمكن القسم الآخر وهو أن يكون يعقل الشيء الآخر، أفضل من الذي له
[ ٢ / ١٨١ ]
في ذاته من حيث هو في ذاته، شيء يلزمه أن يعقل، فيكون فضله وكماله بغيره. وهذا محال.
المسألة الرابعة:
في أن واجب الوجود لا يعتريه تغيير وتأثر من غيره، بأن يبدع أو يعقل.
قال: الباري تعالى عظيم الرتبة جدا غير محتاج إلى غيره، ولا متغير بسبب من غيره، سواء كان التغير زمانيا، أو كان تغيرا بأن ذاته تقبل من غيره أثرا وإن كان دائما في الزمان. وإنما لا يجوز له أن يتغير كيفما كان، لأن انتقاله إنما يكون إلى الشر لا إلى الخير، لأن كل رتبة غير رتبته فهي دون رتبته، وكل شيء يناله ويوصف به فهو دون نفسه، ولا يكون أيضا مناسبا للحركة، خصوصا إن كانت بعدية زمانية. وهذا معنى قوله: إن التغير إلى الشيء الذي هو شر.
وقد ألزم على كلامه: أنه إذا كان الأول يعقل أبدا ذاته، فإنه يتعب، ويكل، ويتغير، ويتأثر. وأجاب ثامسطيوس عن هذا بأنه إنما لا يتعب، لأنه يعقل ذاته، وكما لا يتعب من أن يحب ذاته فإنه لا يتعب من أن يعقل ذاته.
قال أبو الحسين بن عبد الله بن سينا: ليست العلة أنه لذاته يعقل. أو لذاته يحب، بل لأنه ليس مضادا لشيء في الجوهر العاقل، فإن التعب هو أذى يعرض لسبب خروج عن الطبيعة، وإنما يكون ذلك إذا كانت الحركات التي تتوالى مضادة لمطلوب الطبيعة، فأما الشىء الملائم واللذيذ المحض الذي ليس فيه منافاة بوجه، فلم يجب أن يكون تكرره متعبا.
[ ٢ / ١٨٢ ]
المسألة الخامسة:
في أن واجب الوجود حي بذاته باق بذاته، أي كامل في أن يكون بالفعل مدركا لكل شيء، نافذ الأمر في كل شيء.
وقال: إن الحياة التي عندنا يقترن بها من إدراك خسيس، وتحريك خسيس، وأما هناك فالمشار إليه بلفظ الحياة: هو كون العقل التام بالفعل الذي يتعقل من ذاته كل شيء، وهو باق الدهر أزلي، فهو حي بذاته، باق بذاته. عالم بذاته. وإنما ترجع جميع صفاته إلى ما ذكرنا، من غير تكثر، ولا تغير في ذاته.
المسألة السادسة: في أنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد
قال: الصادر الأول هو العقل الفعال، لأن الحركات إذا كانت كثيرة، ولكل متحرك، فيجب أن يكون عدد المحركات بحسب عدد المتحركات، فلو كانت المحركات والمتحركات تنسب إليه لا على ترتيب أول وثان، بل جملة واحدة، لتكثرت جهات ذاته بالنسبة إلى محرك محرك، ومتحرك متحرك، فتتكثر ذاته. وقد أقمنا البرهان على أنه واحد من كل وجه، فلن يصدر عن الواحد من كل وجه إلا واحد وهو العقل الفعال. وله في ذاته وباعتبار ذاته إمكان الوجود، وباعتبار علته وجوب الوجود، فتتكثر ذاته لا من جهة علته، فيصدر عنه شيئان. ثم يزيد التكثر في الأسباب، فتتكثر المسببات، والكل ينسب إليه.
[ ٢ / ١٨٣ ]
المسألة السابعة: في عدد المفارقات
قال: إذا كان عدد المتحركات مرتبا على عدد المحركات، فتكون الجواهر المفارقة كثيرة، على ترتيب أول وثان. فلكل كرة متحركة محرك مفارق غير متناهي القوة يحرك كما يحرك المشتهي والمعشوق، ومحرك آخر مزاول للحركة، فيكون صورة للجرم السماوي، فالأول عقل مفارق، والثاني نفس مزاول، فالمحركات المفارقة تحرك على أنها مشتهاة معشوقة، والمحركات المزاولة تحرك على أنها مشتهية عاشقة. ثم يطلب عدد المحركات من عدد حركات الأكر١. وذلك شيء لم يكن ظاهرا في زمانه، وإنما ظهر بعد.
والأكر تسع، لما دل الرصد عليها، فالعقول المفارقة عشرة: تسعة منها مدبرات النفوس التسعة المزاولة، وواحد هو العقل الفعال.
المسألة الثامنة: في أن الأول مبتهج بذاته
قال أرسطوطاليس: اللذة في المحسوسات هو الشعور بالملائم، وفي المعقولات الشعور بالكمال الواصل إليه من حيث يشعر به. فالأول مغتبط بذاته، ملتذ بها، لأنه يعقل ذاته على كمال حقيقتها وشرفها، وإن جل عن أن ينسب إليه لذة انفعالية. بل يجب أن يسمي ذلك بهجة، وعلاء، وبهاء. كيف ونحن نلتذ بإدراك الحق، ونحن مصروفون عنه، مردودون في قضاء حاجات خارجة عما يناسب حقيقتنا التي نحن بها ناس، وذلك لضعف عقولنا، وقصورنا في المعقولات، وانغماسنا في الطبيعة البدنية، لكنا نتوصل على سبيل الاختلاس فيظهر لنا اتصال بالحق الأول، فيكون كسعادة عجيبة في زمان قليل جدا، وهذه الحال له أبدا، وهو لنا غير ممكن، لأنا مذنبون، ولا يمكننا أن نشيم٢ تلك البارقة الإلهية إلا خطفه وخلسة.
_________________
(١) ١ الأكر: جمع أكرة مثل حفرة وزنا ومعنى. ٢ شام الشيء: تطلع إليه.
[ ٢ / ١٨٤ ]
المسألة التاسعة: في صدور نظام الكل، وترتيبه عنه
قال: قد بينا أن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب: اثنان طبيعيان، وواحد غير متحرك. وقد بينا القول في الواحد غير المتحرك، وأما الاثنان الطبيعيان فهما: الهيولى والصورة، أو العنصر والصورة، وهما مبدأ الأجسام الطبيعية. وأما العدم فيعد من المبادئ بالعرض لا بالذات. فالهيولى جوهر قابل للصورة، والصورة معنى ما يقترن بالجوهر فيصير به نوعا، كالجزء المقوم له لا كالعرض الحال فيه، والعدم ما يقابل الصورة، فإنا متى توهمنا أن الصورة لم تكن فيجب أن يكون في الهيولى عدم الصورة. والعدم المطلق مقابل للصورة المطلقة، والعدم الخاص مقابل للصورة الخاصة.
قال: وأول الصورة التي تسبق إلى الهيولى هي الأبعاد الثلاثة فتصير جرما ذا طول، وعرض، وعمق، وهي الهيولى الثانية، وليست بذات كيفية. ثم تلحقها الكيفيات الأربع التي هي: الحرارة والبرودة الفاعلتان، والرطوبة واليبوسة المنفعلتان. فتصير الأركان والأسطقسات الأربعة التي هي: النار والهواء، والماء والأرض، وهي الهيولى الثالثة. ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها الأعراض والكون والفساد، ويكون بعضها هيولى بعض.
قال: وإنما رتبنا هذا الترتيب في العقل والوهم خاصة دون الحس، وذلك أن الهيولى عندنا لم تكن معراة عن الصورة قط، فلم نقدر في الوجود جوهرا مطلقا قابلا للأبعاد ثم لحقته الأبعاد، ولا جسما عاريا عن هذه الكيفيات ثم عرض له ذلك، وإنما هو عند نظرنا فيما هو أقدم بالطبع، وأبسط في الوهم والعقل.
ثم أثبت طبيعة خامسة وراء هذه الطبائع لا تقبل الكون والفساد، ولا يطرأ عليها الاستحالة والتغير، وهي طبيعة السماء. وليس يعني بالخامسة طبيعة من جنس هذه الطبائع، بل معنى ذلك أن طبائعها خارجة عن هذه. ثم هي كلها على تركيبات يختص كل تركيب خاص بطبيعة خاصة، ويتحرك بحركة خاصة. ولكل متحرك محرك مزاول، ومحرك
[ ٢ / ١٨٥ ]
مفارق. والمتحركات أحياء ناطقون، والحيوانية والناطقية لها بمعنى آخر، وإنما يحمل ذلك عليها وعلى الإنسان باشتراك. فترتيب العالم كله: علوية وسفلية على نظام واحد، وصار النظام في الكل محفوظا بعناية المبدإ الأول على أحسن ترتيب وأحكم قوام، متوجها إلى الخير. وترتيب الموجودات كلها في طباع الكل على نوع نوع ليس على ترتيب المساواة، فليس حال السباع كحال الطير، ولا حالها كحال النبات، ولا حال النبات كحال الحيوان.
قال: وليس مع هذا التفاوت منقطعا بعضها عن بعض بحيث لا ينسب بعضها إلى بعض، بل هناك مع الاختلاف اتصال وإضافة جامعة للكل، تجمع الكل إلى الأصل الأول الذي هو المبدأ لفيض الجود والنظام في الوجود، على ما يمكن في طباع الكل أن يترتب عنه.
قال: وترتيب الطباع في الكل كترتيب المنزل الواحد من الأرباب، والأحرار، والعبيد، والبهائم، والسباع، فقد جمعهم صاحب المنزل، ورتب لكل واحد منهم مكانا خاصا، وقدر له عملا خاصا. ليس قد أطلق لهم أن يعملوا ما شاءوا وأحبوا، فإن ذلك يؤدي إلى تشويش النظام. فهم وإن اختلفوا في مراتبهم، وانفصل بعضهم عن بعض بأشكالهم وصورهم منتسبون إلى مبدإ واحد، صادرون عن رأيه وأمره، مصرفون تحت حكمه وقدره، فكذلك تجري الحال في العالم، بأن يكون هناك أجزاء أول مفردة متقدمة لها أفعال مخصوصة، مثل السماوات، ومحركاتها، ومدبراتها، وما قبلها من العقل الفعال. وأجزاء مركبة متأخرة تجري أكثر أمورها على الاتفاق المخلوط بالطبع والإرادة، والجبر الممزوج بالاختيار. ثم ينسب الكل إلى عناية الباري جلت عظمته.
المسألة العاشرة:
في أن النظام في الكل متوجه إلى الخير، والشر واقع في القدر بالعرض.
قال: لما اقتضت الحكمة الإلهية نظام العالم على أحسن إحكام وإتقان، لا لإرادة وقصد أمر في السافل حتى يقال: إنما أبدع العقل مثلا لغرض في السافل، حتى يفيض
[ ٢ / ١٨٦ ]
مثلا على السافل فيضا، بل لأمر أعلى من ذلك، وهو أن ذاته أبدع ما أبدع لذاته لا لعلة ولا لغرض، فوجدت الموجودات كاللوازم واللواحق، ثم توجهت إلى الخير، لأنها صادرة عن أصل الخير، وكان المصير في كل حال إلى رأس واحد.
ثم ربما يقع شر وفساد من مصادمات في الأسبات السافلة دون العالية التي كلها خير. مثل المطر الذي لم يخلق إلا خيرا ونظاما للعالم، فيتفق أن يخرب به بيت عجوز، فإن وقع كان ذلك واقعا بالعرض لا بالذات، أو بأن لا يقع شر جزئي في العالم لا تقتضي الحكمة أن لا يوجد خير كلي، فإن فقدان المطر أصلا شر كلي، وتخريب بيت عجوز شر جزئي، والعالم للنظام الكلي لا الجزئي، فالشر إذن واقع في القدر بالعرض.
وقال: إن الهيولى قد لبست الصور على درجات ومراتب، وإنما يكون لكل درجة ما تحتمله في نفسها دون أن يكون في الفيض الأعلى إمساك عن بعض، وإفاضة على بعض. فالدرجة الأولى احتمالها على نحو أفضل، والثانية دون ذلك. والذي عندنا من العناصر دون الجميع، لأن كل ماهية من ماهيات هذه الأشياء إنما تحتمل ما تستطيع أن تلبس من الفيض على النحو الذي هيئت له، ولذلك تقع العاهات والتشويهات في الأبدان، لما يلزم من ضرورة المادة الناقصة التي لا تقبل الصورة على كمالها الأول والثاني.
قال: إنا لم نجز الأمور على هذا المنهاج ألجأتنا الضرورة إلى أن نقع في محالات وقع فيها من قبلنا كالثنوية وغيرهم.
المسألة الحادية عشرة: في كون الحركات سرمدية، وأن الحوادث لم تزل
قال: إن صدور الفعل عن الحق الأول إنما يتأخر لا بزمان، بل بحسب الذات. والفعل ليس مسبوقا بعدم، بل هو مسبوق بذات الفاعل فقط. ولكن القدماء لما أرادوا أن يعبروا عن العلية افتقروا إلى ذكر القبيلة. وكانت القبيلة في اللفظ تتناول الزمان
[ ٢ / ١٨٧ ]
وكذلك في المعنى عند من لم يتدرب. فأوهمت عباراتهم أن فعل الأول الحق فعل زماني، وأن تقدمه تقدم زماني.
قال: ونحن أثبتنا أن الحركات تحتاج إلى محرك غير متحرك.
ثم نقول: الحركات لا تخلو إما ان تكون لم تزل، أو تكون قد حدثت بعد أن لم تكن، وقد كان المحرك لها موجودا بالفعل قادرا، ليس يمانعه مانع من أن تكون عنه، ولا حدث حادث في حال ما أحدثها فرغبه وحمله على الفعل، إذن كان جميع ما يحدث إنما يحدث عنه، وليس شيء غيره يعوقه أو يرغبه، ولا يمكن أن يقال: قد كان لا يقدر أن يكون عنه مقدور فقدر، أو لم يرد فأراد، أو لم يعلم فعلم. فإن ذلك كله يوجب الاستحالة، ويوجب أن يكون شيئا آخر غيره هو الذي أحاله. وإن قلنا إنه منعه مانع يلزم أن يكون السبب المانع أقوى، والاستحالة والتغير عن المانع حركة أخرى استدعت محركا. وبالجملة: كل سبب ينسب إليه الحادث في زمان حدوثه بعد جوازه في زمان قبله وبعده فإن ذلك السبب جزئي خاص أوجب حدوث تلك الحادثة التي لم تكن قبل ذلك، وإلا فالإرادة الكلية، والقدرة الشاملة، والعلم الواسع العام ليس يختص بزمان دون زمان، بل نسبته إلى الأزمان كلها نسبة واحدة، فلا بد لكل حادث من سبب حادث، ويتعالى عنه الواحد الحق الذي لا يجوز عليه التغيير والاستحالة.
قال: وإذا كان لا بد من محرك للمحركات، ومن حامل للحركات تبين أن المحرك سرمدي، والحركات سرمدية، فالمتحركات سرمدية. فإن قيل: إن حامل الحركة، وهو الجسم، لم يحدث، لكنه تحرك عن سكون، وجب أن يعثر على السبب الذي يغير من السكون إلى الحركة. فإن قلنا: إن ذلك الجسم حدث، فقد تقدم حدوث الجسم حدوث الحركة. فقد بان أن الحركة، والمتحرك، والزمان الذي هو عاد للحركة أزلية سرمدية.
[ ٢ / ١٨٨ ]
والحركات إما مستقيمة وإما مستديرة، والاتصال لا يكون إلا للمستديرة، لأن المستقيم ينقطع، والاتصال أمر ضروري للأشياء الأزلية، فإن الذي يسكن ليس بأزلي، والزمان متصل، لأنه لا يمكن أن يكون قطعا مبتورة، فيجب من ذلك أن تكون الحركة متصلة، وإذا كانت المستديرة هي وحدها متصلة، فيجب أن تكون هي أزلية، فيجب أن يكون محرك هذه الحركة المستديرة أيضا أزليا، إذ لا يكون ما هو أخس علة لما هو أفضل، ولا فائدة في محركات ساكنة غير محركة كالصور الأفلاطونية، فلا ينبغي أن يضع هذه الطبيعة بلا فعل فتكون متعطلة غير قادرة أن تحيل وتحرك.
المسألة الثانية عشرة: في كيفية تركب العناصر
حكى فرفوريوس عنه أنه قال: كل موجود ففعله مثل طبيعته. فما كانت طبيعته بسيطة، ففعله بسيط. والله تعالى واحد بسيط، ففعل الله تعالى واحد بسيط. وكذلك فعله الاجتلاب إلى الوجود، فإنه موجود، لكن الجوهر لما كان وجوده بالحركة كان بقاؤه أيضا بالحركة، وذلك أنه ليس للجوهر أن يكون موجودا من ذاته بمنزلة الوجود الأول الحق، لكن من التشبه بذلك الأول الحق. وكل حركة تكون إما أن تكون مستقيمة، أو مستديرة، فالحركة المستقيمة يجب أن تكون متناهية، والجوهر يتحرك في الأقطار الثلاثة التي هي: الطول، والعرض، والعمق على خطوط مستقيمة، حركة متناهية، فيصير بذلك جسما. وبقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها حركة بلا نهاية، ولا يسكن في وقت من الأوقات، إلا أنه ليس يمكن أن يتحرك بأجمه حركة على الاستدارة وذلك أن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه كالنقطة، فانقسم الجوهر، فتحرك بعضه على الاستدارة وهو الفلك، وسكن بعضه في الوسط.
قال: وكل جسم يتحرك فيماس جسما ساكنا وفي طبيعته قبول التأثير منه،
[ ٢ / ١٨٩ ]
أحدث سخونة فيه، وإذا سخن لطف، وانحل، وخف، فكانت طبيعة النار تلي الفلك المتحرك. والجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك ويتحرك بحركة النار، فتكون حركته أقل، فلا يتحرك بأجمعه لكن جزء منه، فيسخن دون سخونة النار، وهو الهواء. والجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك له، فهو بارد لسكونه، ورطب لمجاورة الهواء الحار الرطب، ولذلك انحل قليلا، وهو الماء. والجسم الذي في الوسط فإنه بعد في الغاية عن الفلك، ولم يستفد من حركته شيئا، ولا قبل منه تأثيرا، فيبس وبرد، وهو الأرض.
وإذ كانت هذه الأجسام تقبل التأثير بعضها عن بعض. وتختلط. يتولد عنها أجسام مركبة، وهي المركبات المحسوسات، التي هي المعادن، والنبات، والحيوان، والإنسان. ثم يختص بكل نوع طبيعة خاصة تقبل فيضا خاصا على ما قدره الباري جلت قدرته.
المسألة الثالثة عشرة: في الآثار العلوية
قال أرسطوطاليس: الذي يتصاعد من الأجسام السفلية إلى الجو ينقسم قسمين: أحدهما: أدخنة نارية بإسخان الشمس وغيرها. والثاني: أبخرة مائية، فتصعد إلى الجو وقد صحبتها أجزاء أرضية، فتتكاثف، وتجتمع بسبب ريح أو غيرها، فتصير ضبابا أو سحابا، فتصادفها برودة، فتعصر ماءً، وثلجا وبردا، فتنزل إلى مركز الماء، وذلك لاستحالة الأركان بعضها عن بعض، فكما أن الماء يستحيل هواء فيصعد، كذلك الهواء يستحيل ماء فينزل. ثم الرياح والأدخنة إذا احتقنت في خلال السحاب واندفعت مرة سمع لها صوت وهو الرعد، ويلمع من اصطكاكها وشدة صدمتها ضياء وهو البرق. وقد يكون من الأدخنة ما تكون الهنية، على مادتها أغلب، فيشتعل، فيصير شهابا ثاقبا، وهي الشهب. ومنها ما يحترق في الهواء، فيتحجر فينزل حديدا أو حجرا. ومنها ما يحترق نارا، فيدفعها دافع، فينزل صاعقة. من المشتعلات ما يبقى فيه الاشتعال، ووقف تحت
[ ٢ / ١٩٠ ]
كوكب، ودارت به النار الدائرة بدوران الفلك، فكان ذنبا له. وربما كان عريضا، فرئي كأنه لحية كوكب، وربما وقع صقيل الظاهر من السحاب صور النيرات وأضواؤها، كما يقع على المرائي والجدران الصقيلة، فيرى ذلك على أحوال مختلفة، بحسب اختلاف بعدها من النير وقربها، وصفائها وكدورتها، فيرى في هالة، وقوس قزح، وشموس، وشهب، والمجرة. وذكر أسباب كل واحد من هذه في كتابه المعروف بالآثار العلوية، والسماء والعالم، وغيرهما.
المسألة الرابعة عشرة: في النفس الإنسانية الناطقة، واتصالها بالبدن
قال: النفس الإنسانية ليست بحسم ولا قوة في جسم. وله في إثباتها مآخذ: منها الاستدلال على وجودها بالحركات الاختيارية. ومنها الاستدلال عليها بالتصورات العلمية.
أما الأول فقال: لا نشك أن الحيوان يتحرك إلى جهات مختلفة حركة اختيارية، إذ لو كانت حركاته طبيعية أو قسرية، لتحرك إلى جهة واحدة لا تختلف ألبتة. فلما تحركت إلى جهات متضادة علم أن حركاته اختيارية. والإنسان مع أنه مختار في حركاته كالحيوان، إلا أنه يتحرك لمصالح عقلية يراها في عاقبة كل أمر، فلا تصدر عنه حركاته إلا إلى غرض وكمال. وهو في معرفته في عاقبة كل حال. والحيوان ليست حركاته بطبعه على هذا النهج، فيجب أن يتميز الإنسان بنفس خاص. كما تميز الحيوان عن سائر الموجودات بنفس خاص.
وأما الثاني: وهو المعول عليه، قال: إنا لا نشك أن نعقل ونتصور أمرا معقولا صرفا، مثل المتصور من الإنسان أنه إنسان كلي يعم جميع أشخاص النوع. ومحل هذا المعقول جوهر ليس بجسم ولا قوة في جسم أو صورة لجسم، فإنه إن كان جسما فإما أن يكون محل الصورة المعقولة منه طرفا منه لا ينقسم، أو جملته المنقسمة. وبطل أن يكون
[ ٢ / ١٩١ ]
طرفا منه غير منقسم، فإنه لو كان كذلك لكان المحل كالنقطة التي لا تميز لها في الوضع عن الخط، فإن الطرف نهاية الخط: والنهاية لا يكون لها نهاية أخرى، وإلا تسلسل القول فيه، فتكون النقط متشافعة ولكل نهاية، وذلك محال. وإن كل محل المعقول من الجسم شيئا ينقسم. فيجب أن ينقسم المعقول بانقسام محله، ومن المعقولات ما لا ينقسم ألبتة، فإن ما ينقسم يجب أن يكون شيئا كالشكل والمقدار. والإنسانية الكلية المتصورة في الذهن ليست كشكل قابل للقطع، ولا كمقدار قابل للفصل. فتبين أن النفس ليست بجسم، ولا قوة في جسم، ولا صورة في جسم.
المسألة الخامسة عشرة: في وجه اتصالها بالبدن، ووقت اتصالها
قال: إذا تحقق أنها ليست بجسم لم تتصل بالبدن اتصال انطباع فيه، ولا حلول فيه، بل اتصلت به اتصال تدبير وتصرف. وإنما حدثت مع حدوث البدن لا قبله ولا بعده، قال: لأنها لو كانت موجودة قبل وجود الأبدان لكانت إما متكثرة بذواتها، وإما متحدة. وبطل الأول، فإن المتكثر إما أن يكون بالماهية والصورة، وقد فرضناها متفقة في النوع لا اختلاف فيها، فلا تكثر فيها ولا تمايز. وإما أن تكون متكثرة من جهة النسبة إلى العنصر والمادة المتكثرة بالأمكنة والأزمنة، وهذا محال أيضا. فإنا إذا فرضناها قبل البدن ماهية مجردة لا نسبة لها إلى مادة دون مادة. وهي من حيث إنها ماهية لا اختلاف فيها، وأن الأشياء التي ذواتها معان تتكثر تنوعاتها بالحوامل والقوابل، والمنفعلات عنها. وإذا كانت مجردة فمحال أن يكون بينها مغايرة ومكاثرة.
ولعمري إنها تبقى بعد البدن متكثرة، فإن الأنفس قد وجد كل منها ذاتا منفردة باختلاف موادها التي كانت، وباختلاف أزمنة حدوثها، وباختلاف هيئات وملكات حصلت عند الاتصال بالبدن، فهي حادثة مع حدوث البدن، تصيره نوعا كسائر الفصول
[ ٢ / ١٩٢ ]
الذاتية، وباقية بعد مفارقة البدن بعوارض معينة له، لم توجد تلك العوارض قبل اتصالها بالبدن. وبهذا الدليل فارق أستاذه. وفارق قدماءه.
وقد وجد في أثناء كلامه ما يدل على أنه يعتقد أن النفس كانت موجودة قبل وجود الأبدان. فحمل بعض مفسري كلامه قوله ذلك على أنه أراد به الفيض والصور الموجودة بالقوة في واهب الصور، كما يقال إن النار موجودة في الحجر والشجر، أو الإنسان موجود في النطفة، والنخلة موجودة في النواة، والضياء موجود في الشمس. ومنهم من أجراه على ظاهره وحكم بالتمييز بين النفوس بالخواص التي لها، وقال: اختصت كل نفس إنسانية بخاصية لم يشاركها فيها، فليست متفقة بالنوع، أعني النوع الأخير. ومنهم من حكم بالتمييز بالعوارض التي هي مهيأة نحوها، وكما أنها تتمايز بعد الاتصال بالبدن بأنها كانت متمايزة في المادة، كذلك تتمايز بأنها ستكون متمايزة بالأبدان، والصنائع والأفعال، واستعداد كل نفس لصنعة خاصة، وعلم خاص فتنهض هذه فصولا ذاتية أو عوارض لازمة لوجودها.
المسألة السادسة عشرة: في بقائها بعد البدن، وسعادتها في العالم العقلي
قال: إن النفوس الإنسانية إذا استكملت قوتي العلم والعمل تشبهت بالإله ﷾، وو صلت إلى كمالها، وإنما هذا التشبه بقدر الطاقة يكون إما بحسب الاستعداد، وإما بحسب الاجتهاد، فإذا فارق البدن اتصل بالروحانيين، وانخرط في سلك الملائكة المقربين. ويتم له التذاذ والابتهاج. وليس كل لذة فهي جسمانية، فإن تلك اللذات لذات نفسانية عقلية، وهذه اللذة الجسمانية تنتهي إلى حد، ويعرض للملتذ سآمة، وكلال، وضعف، وقصور إن تعدى عن الحد المحدود، بخلاف اللذات العقلية، فإنها حيثما ازدادت ازداد الشوق والحرص والعشق إليها.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وكذلك القول في الآلام النفسانية، فإنها تقع بالضد مما ذكرنا. ولم يحقق المعاد إلا للأنفس، ولم يثبت حشرا، ولا نشرا، ولا إنحلالا لهذا الرباط المحسوس من العالم، ولا إبطالا لنظامه، كما ذكره القدماء.
فهذه نكت كلامه استخرجناها من مواضع مختلفة، وأكثرها من شرح ثامسيطيوس وكلام الشيخ أبي علي بن سينا الذي يتعصب له، وينصر مذهبه، ولا يقول من القدماء إلا به.
وسنذكر طريقة ابن سينا عند ذكر فلاسفة الإسلام إن شاء الله تعالى.
ونحن الآن ننقل كلمات حكمية لأصحاب أرسطوطاليس ومن نسج على منواله بعده، دون الآراء العلمية، إذ لا خلاف بينهم في الآراء والعقائد.
ووجدت كلمات وفصولا للحكيم أرسطوطاليس من كتب متفرقة، فنقلتها على الوجه الذي وجدت، وإن كان في بعضها ما يدل على أن رأيه على خلاف ما نقله ثامسيطيوس واعتمده ابن سينا.
منها في حدوث العالم، قال: الأشياء المحمولة أعني الصور المتضادة، فليس يكون أحدهما من صاحبه، بل يجب أن يكون بعد صاحبه، فيتعاقبان على المادة، فقد بان أن الصورة تدثر وتبطل. وإذا دثر معنى وجب أن يكون له بدء، لأن الدثور غاية، وهو أحد الجانبين يدل على أن جائيا جاء به. فقد صح أن الكون حادث لا من شيء، وأن الحامل لها غير ممتنع الذات من قبولها وحمله إياها، وهي ذات بدء وغاية، يدل على أن حاملها ذو بدء وغاية، وأنه حادث لا من شيء، ويدل على محدث لا بدء له ولا غاية، لأن الدثور آخر، والآخر ما كان له أول، فلو كانت الجواهر والصور لم يزالا فغير جائز استحالتهما، لأن الاستحالة دثور الصورة التي بها كان شيء.
[ ٢ / ١٩٤ ]
وخروج الشيء من حد إلى حد، ومن حال إلى حال يوجب دثور الكيفية، وتردد المستحيل في الكون والفساد يدل على دثوره، وحدوث أحواله يدل على ابتدائه، وابتداء جزئه يدل على بدء كله. وواجب إن قبل بعض ما في العالم الكون والفساد أن يكون كل العالم قابلا له، وكان له بدء يقبل الفساد، وآخر يستحيل إلى كون، فالبدء والغاية يدلان على مبدع.
وقد سأل بعض الدهرية أرسطوطاليس وقال: إذا كان لم يزل ولاشيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال له: "لم" غير جائزة عليه، لأن "لم" تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة له من معل فوقه، ولا علة فوقه، وليس بمركب فتحمل ذاته العلل، فلم عنه منتفية، فإنما فعل ما فعل، لأنه جواد. فقيل: فيجب أن يكون فاعلا لم يزل لأنه جواد لم يزل. قال: معنى "لم يزل" أن لا أول. وفعل يقتضي أولا. واجتماع مالا أول له، وذى أول في القول والذات محال متناقص، قيل له: فهل يبطل هذا العالم؟ قال: نعم. قيل: فإذا أبطله بطل الجود؟، قال: سيبطله ليصوغه الصيغة التي لا تحتمل الفساد، لأن هذه الصيغة تحتمل الفساد. تم كلامه.
ويعزى هذا الفصل إلى سقراطيس قاله لبقراطيس، وهو بكلام القدماء أشبه.
ومما نقل عن أرسطوطاليس تحديده العناصر الأربعة، قال: الحار ما خلط بعض ذوات الجنس ببعض، وفرق بين بعض ذوات الجنس من بعض.
وقال: البارد ما جمع بين ذوات الجنس وغير ذوات الجنس، لأن البرودة إذا جمدت الماء حتى يصير جليدا اشتملت على الأجناس المختلفة من الماء والنبات وغيرهما.
قال: والرطب العسير الانحصار من ذاته، اليسير الانحصار من ذات غيره. واليابس: اليسير الإنحصار من ذاته، العسير الانحصار من ذات غيره، والحدان الأولان يدلان على الفعل، والآخران يدلان على الانفعال. ونقل أرسطوطاليس عن جماعة من الفلاسفة: أن مبادئ الأشياء هي العناصر الأربعة. وعن بعضهم: أن المبدأ
[ ٢ / ١٩٥ ]
الأول هو ظلمة وهاوية، وفسره بفضاء، وخلاء، وعماية. وقد أثبت قوم من النصارى تلك الظلمة وسموها: الظلمة الخارجة.
ومما خالف أرسطو طاليس أستاذه أفلاطون: أن أفلاطون قال: من الناس من يكون طبعه مهيأ لشيء لا يتعداه. فخالفه وقال: إذا كان الطبع سليما صلح لكل شيء. وكان أفلاطون يعتقد أن النفوس الإنسانية أنواع يتهيأ كل نوع لشيء ما لا يتعداه، وأرسطوطاليس يعتقد أن النفوس الإنسانية نوع واحد، وإذا تهيأ صنف لشيء تهيأ له كل النوع. والله الموفق.
[ ٢ / ١٩٦ ]
٢- حكم الإسكندر الرومي:
وهو ذو القرنين الملك، وليس هو المذكور في القرآن، بل هو ابن فيلبوس الملك. وكان مولده في السنة الثالثة عشرة من ملك دارا الأكبر. سلمه أبوه إلى أرسطوطاليس الحكيم المقيم بمدينة إينياس، فأقام عنده خمس سنين يتعلم منه الحكمة والأدب حتى بلغ أحسن المبالغ، ونال من الفلسفة ما لم ينله سائر تلاميذه، فاسترده والده حين استشعر من نفسه علة خاف منها، فلما وصل إليه جدد العهد له، وأقبل عليه، واستولت عليه العلة، فتوفي منها، واستقل الإسكندر بأعباء الملك.
فمن حكمه: أنه سأله معلمه وهو في المكتب: إن أفضي إليك هذا الأمر يوما ما فأين تضعني؟ قال بحيث تضعك طاعتك في ذلك الوقت.
وقيل له: إنك تعظم مؤدبك أكثر تعظيمك والدك! قال: لأن أبي كان سبب حياتي الفانية، ومؤدبي هو سبب حياتي الباقية، وفي رواية: لأن أبي كان سبب حياتي، ومؤدبي سبب تجويد حياتي، وفي رواية: لأن أبي كان سبب كوني ومؤدبي كان سبب نطقي.
وقال أبو زكريا الصيمري: لو قيل لي هذا لقلت: لأن أبي كان قضى وطرا
[ ٢ / ١٩٦ ]
بالطبيعة التي اختلفت بالكون والفساد، ومؤدبي أفادني العقل الذي به انطلقت إلى ما ليس فيه كون ولا فساد.
وجلس الإسكندر يوما فلم يسأله أحد حاجة، فقال لأصحابه: والله ما أعد هذا اليوم من أيام عمري في ملكي. قيل: ولم أيها الملك؟ قال: لأن الملك لا يوجد التلذذ به إلا بالجود على السائل، وإغاثة الملهوف، ومكافأة المحسن، وإلا بإنالة الراغب، وإسعاف الطالب.
وكتب إليه أرسطوطاليس في كلام طويل: اجمع في سياستك بين بدار١ لا حدة فيه، وريث لا غفلة معه، وامزج كل شكل بشكله حتى يزداد قوة وعزة عن ضده حتى يتميز لك بصورته، وصن وعدك عن الخلف، فإنه شين، وشب وعيدك بالعفو، فإنه زين، وكن عبدا للحق، فإن عبد الحق حر، وليكن وكدك٢ الإحسان إلى جميع الخلق، ومن الإحسان وضع الإساءة في موضعها. وأظهر لأهلك أنك منهم، ولأصحابك أنك بهم، ولرعيتك أنك لهم.
وتشاور الحكماء في أن يسجدوا له إجلالا وتعظيما، فقال: لا سجود لغير بارئ الكل، بل يحق له السجود على من كساه بهجة الفضائل.
وأغلظ له رجل من أهل أثينية فقام إليه بعض قواده ليقابله بالواجب، فقال له الإسكندر: دعه لا تنحط إلى دناءته، ولكن ارفعه إلى شرفك.
وقال الإسكندر: من كنت تحب الحياة لأجله، فلا تستعظم الموت بسببه.
وقيل له: إن "روشنك" امرأتك بنت دارا الملك، وهي من أجمل النساء، فلو قربتها إلى نفسك! قال: أكره أن يقال: غلب الإسكندر دارا وغلبت روشنك الإسكندر.
_________________
(١) ١ بادر بدارا: أسرع. ٢ الوكد: القصد والممارسة.
[ ٢ / ١٩٧ ]
وقال: من الواجب على أهل الحكمة أن يسرعوا إلى قبول اعتذار المذنبين، وأن يبطئوا عن العقوبة.
وقال: سلطان العقل على باطن العاقل، أشد تحكما من سلطان السيف على ظاهر الأحمق.
وقال: ليس الموت بألم للنفس، بل للجسد.
وقال: الذي يريد أن ينظر إلى أفعال الله ﷿ مجردة، فليعف عن الشهوات.
وقال: إن نظم جميع ما في الأرض شبيهة بالنظم السماوية، لأنها أمثال له بحق.
وقال: العقل لا يألم في طلب معرفة الأشياء، بل الجسد يألم ويسأم.
وقال: النظر في المرآة يرى رسم الوجه، وفي أقاويل الحكماء يرى رسم النفس.
ووجدت في عضده صحيفة فيها: قلة الاسترسال إلى الدنيا أسلم، والاتكال على القدر أروح، وعند حسن الظن تقر العين، ولا ينفع مما هو واقع التوقي.
وقال بعضهم عنه: إنه أخذ يوما تفاحة فقال: ما ألطف قبول هذه الهيولى الشخصية لصورتها، وانفعالها لما تؤثر الطبيعة فيها من الأوضاع الروحانية: من تركيب بسيط، وبسط مركب، حسب تمثيل النفس لها. كل ذلك دليل على إبداع مبدع الكل وإله الكل. ولو قيل: وألطف منها قبول هذه النفس الإنسانية لصورتها العقلية، وانفعالها لما تؤثر النفس الكلية فيها من العلوم الروحانية: من تركيب بسيط، وبسط مركب حسب تمثيل العقل لها، وكل ذلك دليل على إبداع مبدع الكل، وإله الكل.
وسأله أطوسايس الكلبي أن يعطيه ثلاث حبال. فقال الإسكندر: ليست هذه عطية ملك، فقال الكلبي: أعطني مائة رطل من الذهب، فقال: ولا هذه مسألة كلبي.
وقال بعضهم: كنا عند شبر المنجم إذا وصل إلينا الإسكندر الملك، فأقامنا في جوف الليل، وأدخلنا بستانا له، ليرينا النجوم، فجعل شبر يشير إليها بيده ويسير حتى سقط في بئر، فقال: من تعاطى علم ما فوقه، بلى بجهل ما تحته.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وقال: السعيد من لا يعرفنا ولا نعرفه، لأنا إذا عرفناه أطلنا يومه وأطرنا نومه.
وقال: استقلل كثير ما تعطى، واستكثر قليل ما تأخذ، فإن قرة عين الكريم فيما يعطي، ومسرة اللئيم فيما يأخذ. ولا تجعل الشحيح أمينا، ولا الكذاب صفيا، فإنه لا عفة مع شح، ولا أمانة مع كذب.
وقال: الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، وإجالة الرأي بتحصين الأسرار.
ولما توفي الإسكندر برومية المدائن وضعوه في تابوت من ذهب وحملوه إلى الإسكندرية، وكان قد عاش اثنتين وثلاثين سنة، وملك اثنتي عشرة سنة وندب جماعة من الحكماء لندبته.
فقال بليموس: هذا يوم عظيم العبرة أقبل من شره ما كان مدبرا، وأدبر من خيره ما كان مقبلا. فمن كان باكيا على من زال ملكه، فليبكه.
وقال ميلاطوس: خرجنا إلى الدنيا جاهلين، وأقمنا فيها غافلين، وفارقناها كارهين.
وقال زينون الأصغر: يا عظيم الشأن! ما كنت إلا ظل سحاب اضمحل لما أظل، فما تحس لملكك أثرا، ولا نعرف له خيرا.
وقال أفلاطون الثاني: أيها الساعي المغتصب، جمعت ما خذلك، وتوليت ما تولى عنك، فلزمتك أوزاره، وعاد على غيرك مهنئوه وثماره.
وقال فوطس: ألا تتعجبون ممن لم يعظنا اختيارا، حتى وعظنا بنفسه اضطرارا.
وقال مسطورس: قد كنا الأمس نقدر على الاستماع ولا نقدر على القول، واليوم نقدر على القول، فهل نقدر على الاستماع؟
وقال ثاون: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظل الغمام كيف انجلى؟
وقال سوس: كم قد أمات هذا الشخص لئلا يموت فمات، فكيف لم يدفع عن نفسه بالموت؟
وقال حكيم: طوى الأرض العريضة فلم يقنع حتى طوى منها في ذراعين.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وقال آخر: ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان، ولا آلة ولا عدة غير سفره هذا.
وقال آخر: ما أرغبنا فيما فارقت، وأغفلنا عما عاينت.
وقال آخر: لم يؤدبنا بكلامه كما أدبنا بسكوته.
وقال آخر: من يرى هذا الشخص فليتق، وليعلم أن الديون هكذا قضاؤها.
وقال آخر: قد كان بالأمس طلعته علينا حياة، واليوم النظر إليه سقيم.
وقال آخر: قد كان يسأل عما قبله، ولا يسال عما بعده.
وقال آخر: من شدة حرصه على الارتفاع انحط كله.
وقال آخر: الآن تضطرب الأقاليم، لأن مسكنها قد سكن.
وقال آخر: الآن وقت الانصراف، لأن الأشخاص يتوجهون من دار إلى دار، والله تعالى يبقى ولا يفنى.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
حكم ديوجانس الكلي
٣- حكم ديوجانس الكلبي:
وكان حكيما فاضلا متقشفا، لا يقتني شيئا، ولا يأوي إلى منزل، وكأنه من قدرية الفلاسفة لما يوجد في مدارج كلامه من الميل إلى القدر. قال: ليس الله تعالى علة الشرور، بل الله تعالى علة الخيرات والفضائل والجود والعقل. جعلها بين خلقه، فمن كسبها وتمسك بها نالها، لأنه لا يدرك الخيرات إلا بها.
وسأله الإسكندر يوما فقال: بأي شيء يكتسب الثواب؟ قال: بأفعال الخيرات، وإنك لتقدر أيها الملك أن تكتسب في يوم واحد ما لا تقدر الرعية أن تكسبه في دهرها.
وسأله عصبة من أهل الجهل: ما غذاؤك؟ قال: ما عفتم١، يعني الحكمة.
قالوا: فما عفت؟ قال: ما استطبتم، يعني: الجهل. قالوا: كم عبد لك؟
قال: أربابكم، يعني الغضب، والشهوة، والأخلاق الرديئة الناشئة منهما.
وقالوا له يوما: ما أقبح صورتك! قال: لم أملك الخلقة الذميمة فألام عليها.
_________________
(١) ١ عاف الرجل الطعام والشراب يعافه عيافة: كرهه.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
ولا ملكتم الخلقة الحسنة فتحمدوا عليها، وأما ما صار في ملكي وأتى عليه تدبيري فقد استكملت تزيينه وتحسينه بغاية الطوق١ وقاصية الجهد. واستكملتم شين ما في ملككم.
قالوا: فما الذي في الملك من التزيين والتهجين؟ قال: أما التزيين فعمارة الذهن بالحكمة. وجلاء العقل بالأدب، وقمع الشهوة بالعفاف، وردع الغضب بالحلم، وقطع الحرص بالقنوع، وإماتة الحسد بالزهد، وتذليل المرح بالسكون، ورياضة النفس حتى تصير مطية قد ارتاضت فتصرفت حيث صرفها فارسها في طلب العليات، وهجر الدنيات. ومن التهجين: تعطيل الذهن من الحكمة، وتوسيخ العقل بضياع الأدب، وإثارة الشهوة بأتباع الهوى، وإضرام الغضب بالانتقام، وإمداد الحرص بالطلب.
وقدم إليه رجل طعاما وقال له: استكثر منه، فقال: عليك بتقديم الأكل، وعلينا باستعمال العدل.
وقال: زمام العافية بيد البلاء، ورأس السلامة تحت جناح العطب، وباب الأمن مستور بالخوف، فلا تكونن في حال من هذه الثلاث غير متوقع لضدها.
وقيل له: مالك لا تغضب؟ قال: أما غضب الإنسانية فقد أغضبه، وأما غضب البهيمة فقد تركته، لترك الشهوة البهيمة.
واستدعاه الملك الإسكندر يوما إلى مجلسه، فقال للرسول: قل له إن الذي منعك من المصير إلينا هو الذي منعنا من المصير إليك، منعك استغناؤك عني بسلطانك، ومنعني استغنائي عنك بقناعتي.
وعابته امرأة يونانية بقبح الوجه ودمامة الصورة، فقال: منظر الرجال بعد المخبر، ومخبر النساء بعد المنظر، فخجلت، وتابت.
ووقف عليها الإسكندر يوما فقال له: ما تخافني؟ قال: أنت خير أم شرير؟ قال: بل خير، قال: فما لخوفي من الخير معنى، بل يجب علي رجاؤه.
_________________
(١) ١ طاق يطوق طوقا الشيء: قدر عليه، فالطوق هنا بمعنى: الطاقة والقدرة.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وكان لأهل مدينة من بلاد يونان صاحب جيش جبان، وطبيب لم يعالج أحدا إلا قتله، فظهر عليهم عدو، ففزعوا إليه، فقال: اجعلوا طبيبكم صاحب لقاء العدو، واجعلوا صاحب جيشكم طبيبكم.
وقال: اعلم أنك ميت لا محالة، فاجتهد أن تكون حيا بعد موتك، لئلا تكون لميتتك ميتة ثانية.
وقال: كما أن الأجسام تعظم في العين في اليوم الضباب، كذلك تعظم الذنوب عند الإنسان في حال الغضب.
وسئل عن العشق، فقال: هو اختيار صادف نفسا فارغة.
ورأى غلاما معه سراج فقال له: تعلم من أين تجيء هذه النار؟ فقال له الغلام: إن أخبرتني إلى أين تذهب، أخبرتك من أين تجيء، فأعياه وأفحمه، بعد أن لم يكن يقوى عليه أحد.
ورأى امرأة قد حملها الماء، فقال: على هذا المعنى جرى المثل، دع الشر يغسله الشر.
ورأى امرأة تحمل نارا، فقال: نار على نار، وحامل شر من محمول.
ورأى امرأة متزينة في ملعب، فقال: لم تخرج لترى، ولكن لتري.
ورأى نساءً يتشاورن، فقال: على هذا جرى المثل؛ هو ذا الثعبان يستقرض من الأفاعي سما.
ورأى جارية تتعلم الكتابة، فقال: يسقى هذا السهم سما، ليرمى به يوما ما.
ورأى امرأة ضاحكة، فقال: لو كنت تدركين الموت لما كنت ضاحكة أبدا.
وقال للإسكندر يوما وكان يقربه ويدنيه ويأنس بكلامه: أيها الملك قد آمنت بالفقر، فليكن غناك اقتناء الحمد، وابتغاء المجد.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
٤- حكم الشيخ اليوناني:
وله رموز وأمثال. منها قوله: إن أمك رءوم لكنها فقيرة رعناء. وإن أباك لحدث لكنه جواد مقدر، يعني بالأم الهيولى وبالأب الصورة، وبالرءوم انقيادها، وبالفقر احتياجها إلى الصورة، وبالرعونة قلة ثباتها على ما تحصل عليه، وأما حداثة الصورة أي هي مشرقة لك بملابسة الهيولى.
وأما جودها: أي النقص لا يعتريها من قبل ذاتها، فإنها جواد، لكن من قبل قبول الهيولى، فإنها إنما تقبل على تقديرها وهذا ما فسر به رمزه ولغزه.
وحمل الأم على الهيولى صحيح مطابق للمعنى، وليس حمل الأب على الصورة بذلك الوضوح، بل حمله على العقل الفعال الجواد، الواهب للصور على قدر استعدادات القوابل أظهر.
وقال: لك نسبان: نسب إلى أبيك، ونسب إلى أمك. أنت بأحدهما أشرف، وبالآخر أوضع، فانتسب في ظاهرك وباطنك إلى من أنت به أشرف، وتبرأ في باطنك وظاهرك ممن أنت فيه أوضع، فإن الولد الفسل١ يحب أمه أكثر مما يحب أباه، وذلك دليل على دخل العرق وفساد المحتد. قيل: أراد بذلك الهيولى والصورة، أو البدن والنفس، أو الهيولى والعقل الفعال.
وقال: قد ارتفع إليك خصمان منك يتنازعان فيك، أحدهما محق، والآخر مبطل، فاحذر أن تقضي بينهما بغير الحق فتهلك أنت.
والخصمان أحدهما: العقل، والثاني: الطبيعة.
وقال: كما أن البدن الخالي من النفس يفوح منه نتن الجيفة، كذلك النفس الخالية من الأدب يحس نقصها بالكلام والأفعال.
وقال: الغائب المطلوب في طي الشاهد الحاضر. وقال أبو سليمان السجزي: مفهوم
_________________
(١) ١ الفسل: الضيف، الأحمق، الذي لا مروءة له ولا جلد.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
هذا الإطلاق أن كل ما هو عندنا بالحس ها هنا، فهو بالعقل لنا هناك. إلا أن الذي عندنا ظل ذاك، ولأن من شاء الظل أنه كما يريك الشيء الذي هو ظله مرة فاضلا عما هو عليه، ومرة قالصا عما هو به، ومرة على قدره، عرض الحسبان والتوهم وصارا مزاحمين لليقين والتحقيق، فينبغي أن تكون عنايتنا بطلب البقاء الأبدي، والوجود السرمدي أتم، وأظهر، وأبقى، وأبلغ، فبالحق ما كان الغائب طي الشاهد، وبتصفح هذا الشاهد، يصح ذلك الغائب.
وقال الشيخ اليوناني: النفس جوهر كريم شريف، يشبه دائرة قد دارت على مركزها، غير أنها دائرة لا بعد لها، ومركزها هو العقل، وكذلك العقل هو كدائرة قد استدارت على مركزها، وهو الخير الأول المحض. غير أن النفس والعقل وإن كانا دائرتين، لكن دائرة العقل لا تتحرك أبدا، بل هي ساكنة ذاتية، شبيهة بمركزها، وأما دائرة النفس فإنها تتحرك على مركزها وهو العقل حركة الاستكمال. على أن دائرة العقل وإن كانت دائرة شبيهة بمركزها لكنها تتحرك حركة الاشتياق، لأنها تشتاق إلى مركزها وهو الخير الأول. وأما دائرة العالم السفلى فإنها تدور حول النفس وإليها تشتاق، وإنما تتحرك بهذه الحركة الذاتية شوقا إلى النفس كشوق النفس إلى العقل، وشوق العقل إلى الخير المحض الأول، ولأن دائرة هذا العالم جرم، والجرم يشتاق إلى الشيء الخارج منه، ويحرص على أن يصير إليه فيعانقه، فلذلك يتحرك الجرم الأقصى الشريف حركة مستديرة، لأنه يطلب النفس من جميع النواحي لينالها فيستريح إليها، ويسكن عندها.
وقال: ليس للمبدع الأول صورة ولا حلية مثل صور الأشياء العالية، ولا مثل صور الأشياء السافلة، ولا له قوة مثل قواها، لكنه فوق كل صورة، وحلية، وقوة، لأنه مبدعها بتوسط العقل.
وقال: المبدع الحق ليس شيئا من الأشياء، وهو جميع الأشياء، لأن الأشياء منه، وقد صدق الأفاضل الأوائل في قولهم: مالك الأشياء كلها، هو الأشياء كلها، إذ هو علة
[ ٢ / ٢٠٤ ]
كونها بآنيته فقط، وعلة شوقها إليه. وهو خلاف الأشياء كلها، وليس فيه شئ مما أبدعه، ولا يشبه شيئا منه، ولو كان كذلك لما كان علة الأشياء كلها، وإذا كان العقل واحدا من الأشياء فليس فيه عقل، ولا صورة، ولا حلية.
أبدع الأشياء بآنيته فقط، وبآنيته يعلمها ويحفظها، ويدبرها، لا بصفة من الصفات. وإنما وصفناه بالحسنات والفضائل لأنه علتها، وأنه الذي جعلها في الصور، فهو مبدعها.
قال: وإنما تفاضلت الجواهر العالية العقلية، لاختلاف قبولها من النور الأول جل وعز، فلذلك صارت ذوات مراتب شتى فمنها ما هو أول في المرتبة، ومنها ما هو ثان، ومنها ما هو ثالث. فاختلفت الأشياء بالمراتب والفصول، لا بالمواضع والأماكن، وكذلك الحواس تختلف بأماكنها على أن القوى الحاسة، فإنها مما لا يفترق بمفارقة الآلة.
وقال: المبدع ليس بمتناه، لا كأنه جثة بسيطة، وإنما عظم جوهره بالقوة والقدرة، لا بالكمية والمقدار، فليس للأول صورة ولا حلية ولا شكل، فلذلك صار محبوبا معشوقا تشتاقه الصور العالية والسافلة، وإنما اشتاقت إليه صور جميع الأشياء، لأنه أبدعها وكساها من وجوده حلية الوجود.
وهو قديم دائم على حاله لا يتغير. والعاشق يحرص على أن يصير إليه، ويكون معه. وللمعشوق الأول عشاق كثيرون، وقد يفيض عليهم كلهم من نوره من غير أن ينقص منه شيء، لأنه ثابت، قائم بذاته لا يتحرك.
وأما المنطق الجزئي: فإنه لا يعرف الشيء إلا معرفة جزئية، وشوق العقل الأول إلى المبدع الأول أشد من شوق سائر الأشياء، لأن الأشياء كلها تحته. وإذا اشتاق إليه العقل لم يقل للعقل لم صرت مشتاقا إلى الأول؟ إذ العشق لا علة له.
وأما المنطق الذي يختص بالنفس فيفحص عن ذلك ويقول: إن الأول هو المبدع
[ ٢ / ٢٠٥ ]
الحق، وهو الذي لا صورة له، وهو مبدع الصور، فالصور كلها تحتاج إليه، وتشتاق إليه، وذلك أن كل صورة تطلب مصورها وتحن إليه.
وقال: إن الفاعل الأول أبدع الأشياء كلها بغاية الحكمة، لا يقدر أحد أن ينال علل كونها، ولم كانت على الحال التي هي الآن عليها؟ ولا أن يعرفها كنه معرفتها، ولم صارت الأرض في الوسط، ولم كانت مستديرة ولم تكن مستطيلة ولا منحرفة؟ إلا أن يقول: إن الباري صيرها كذلك، وإنما كانت بغاية الحكمة الواسعة لكل حكمة.
وكل فاعل يفعل بروية وفكرة، لا بآنيته فقط بل يفصل فيه، فلذلك يكون فعله لا بغاية الثقافة والإحكام. والفاعل الأول لا يحتاج في إبداع الأشياء إلى روية وفكر، وذلك أنه ينال العلل بلا قياس، بل يبدع الأشياء ويعلم عللها قبل الروية والفكر. والعلل، والبرهان، والعلم، والقنوع، وسائر ما أشبه ذلك، إنما كانت أجزاء، وهو الذي أبدعها، وكيف يستعين بها، وهي لم تكن بعد؟!
[ ٢ / ٢٠٦ ]
٥- حكم ثاوفرسطيس:
كان هذا الرجل من كبار تلامذة أرسطوطاليس وكبار أصحابه، واستخلفه على كرسي حكمته بعد وفاته، وكانت المتفلسفة في عهده تختلف إليه، وتقتبس منه. وله كتب الشروح الكثيرة، والتصانيف المعتبرة، وبالخصوص في الموسيقات.
فمما يؤثر عنه أنه قال: الإلهية لا تتحرك، ومعناه لا تتغير ولا تتبدل لا في الذات، ولا سنة الأفعال.
وقال: السماء مسكن الكواكب، والأرض مسكن الناس على أنهم مثل وشبه لما في السماء، فهم الآباء والمدبرون، ولهم نفوس وعقول مميزة ليس لها أنفس نباتية، فلذلك لا تقبل الزيادة ولا النقصان.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وقال: الغناء فضيلة في المنطق أشكلت على النفس وقصرت عن تبيين كنهها فأبرزتها لحونا، وأثارت بها شجونا، وأضمرت في عرضها فنونا وفتونا.
وقال: الغناء شئ يخص النفس دون الجسد فيشغلها عن مصالحها، كما أن لذة المأكول والمشروب شيء يخص الجسم دون النفس.
وقال: إن النفوس إلى اللحون إذا كانت محجبة أشد إصغاء منها إلى ما قد تبين لها، وظهر معناه عندها.
وقال: إن العقل نحوان: أحدهما مطبوع، والآخر مسموع، فالمطبوع منه كالأرض، والمسموع منه كالبذر والماء، فلا يخلص للعقل المطبوع عمل دون أن يرد عليه العقل المسموع، فينبهه من نومه، ويطلقه من وثاقه، ويقلقه من مكانه، كما يستخرج البذر والماء ما في قعر الأرض.
وقال: الحكمة غنى النفس، والمال غنى البدن، وطلب غنى النفس أولى، لأنها إذا غنيت بقيت، والبدن إذا غني فنى، وغنى النفس ممدود، وغنى البدن محدود.
وقال: ينبغي للعاقل أن يداري الزمن مداراة رجل لا يسبح في الماء الجاري إذا وقع.
وقال: لا يغبطن بسلطان من غير عدل، ولا بغنى من غير حسن تدبير، ولا ببلاغة من غير صدق منطق، ولا بجود في غير إصابة موضع، ولا بأدب من غير أصالة رأي، ولا بحسن عمل في غير حينه.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
٦- شبه برفلس في قدم العالم:
إن القول في قدم العالم وأزلية الحركات بعد إثبات الصانع، والقول بالعلة الأولى إنما شهر بعد أرسطوطاليس، لأنه خالف القدماء صريحا، وأبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة وبرهانا، فنسج على منواله من كان من تلامذته وصرحوا القول فيه، مثل الأسكندر الإفروديسي وثامسطيوس وفورفوريوس.
وصنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتابا وأورد فيه هذه الشبه، وإلا فالقدماء إنما أبدوا فيه ما نقلناه سالفا.
الشبهة الأولى: قال: إن الباري تعالى جواد بذاته، وعلة وجود العالم جوده، وجوده قديم لم يزل، فيلزم أن يكون وجود العالم قديما لم يزل.
قال: ولا يجوز أن يكون مرة جوادا، ومرة غير جواد، فإنه يوجب التغير في ذاته، فهو جواد لذاته، لم يزل. قال: ولا مانع من فيض جوده، إذ لو كان مانع لما كان من ذاته بل من غيره، وليس لواجب الوجود لذاته حامل على شيء، ولا مانع من شيء.
الشبهة الثانية: قال: ليس يخلو الصانع من أن يكون لم يزل صانعا بالفعل، أو لم يزل صانعا بالقوة، أي يقدر أن يفعل، ولا يفعل. فإن كان الأول فالمصنوع معلول لم يزل، وإن كان الثاني فما بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا بمخرج، ومخرج الشيء من القوة إلى الفعل غير ذات الشيء، فيجب أن يكون له مخرج من خارج يؤثر فيه، وذلك ينافي كونه صانعا مطلقا لا يتغير ولا يتأثر.
الشبهة الثالثة: قال: كل علة لا يجوز عليها التحرك والاستحالة فإنما تكون علة من جهة ذاتها لا من جهة الانتقال من غير فعل إلى فعل، وكل علة من جهة ذاتها فمعلومها من جهة ذاتها، وإذا كانت ذاتها لم تزل فمعلومها لم يزل.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
الشبهة الرابعة: قال: إن الزمان لا يكون موجودا إلا مع الفلك، ولا الفلك إلا مع الزمان، لأن الزمان هو العاد لحركات الفلك. ثم لا يجوز أن يقال متى وقبل إلا حين يكون الزمان، ومتى وقبل أبدى، فالزمان أبدى فحركات الفلك أبدية، فالفلك أبدى.
الشبهة الخامسة: قال: إن العالم حسن النظام كامل القوام، وصانعه جواد خير، ولا ينقض الجيد الحسن إلا شرير، وصانعه ليس بشرير، وليس يقدر على نقضه غيره، فليس ينتقض أبدا، وما لا ينتقض أبدا كان سرمدا.
الشبهة السادسة: قال لما كان الكائن لا يفسد إلا بشيء غريب يعرض له، ولم يكن شيء غريب عن العالم خارجا منه يجوز أن يعرض فيفسد: ثبت أنه لا يفسد، وما لا يتطرق إليه الفساد لا يتطرق إليه الكون والحدوث، فأن كل كائن فاسد.
الشبهة السابعة: قال: إن الأشياء التي هي في المكان الطبيعي لا تتغير، ولا تتكون، ولا تفسد، وإنما تتغير، وتتكون، وتفسد إذا كانت في أماكن غريبة فتتجاذب إلى أماكنها، كالنار التي في أجسادنا تحاول الانفصال إلى مركزها، فينحل الرباط، فيفسد، إذ الكون والفساد إنما يتطرق إلى المركبات، لا إلى البسائط التي هي أركان في أماكنها. ولكنها هي بحالة واحدة، وما هو بحال واحدة فهو أزلي.
الشبهة الثامنة: قال: العقل والنفس والأفلاك تتحرك على الاستدارة والطبائع تتحرك إما عن الوسط، وإما إلى الوسط على الاستقامة، وإذا كان كذلك كان التفاسد في العناصر إنما هو لتضاد حركاتها، والحركة الدورية لا ضد لها، فلم يقع فيها فساد. قال: وكليات العناصر إنما تتحرك على استدارة وإن كانت الأجزاء منها تتحرك على الاستقامة. فالفلك وكليات العناصر لا تفسد، وإذا لم يجز أن يفسد العالم لم يجز أن يتكون.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وهذه الشبهات هي التي يمكن أن يقال عليها، فتنقص، وفي كل واحدة منها نوع مغالطة، وأكثرها تحكمات. وقد أفردت لها كتابا أوردت فيه شبهات أرسطوطاليس، وهذه، وتقريرات أبي علي ابن سينا، ونقضتها على قوانين منطقية. فليطلب ذلك.
ومن المتعصبين لبرقلس من مهد له عذرا في ذكر هذه الشبهات، وقال: إنه كان يناطق الناس منطقين: أحدهما: روحاني بسيط، والآخر جسماني مركب.
وكان أهل زمانه الذين يناطقونه جسمانيين، وإنما دعاه إلى ذكر هذه الأقوال مقاومتهم إياه، فخرج من طريق الحكمة والفلسفة من هذه الجهة، لأن من الواجب على الحكيم أن يظهر العلم على طرق كثيرة، يتصرف فيها كل ناظر بحسب نظره، ويستفيد منها بحسب فكره واستعداده، فلا يجدوا على قوله مسلخا، ولا يصيب مقالا ولا مطعنا، لأن برقلس لما كان يقول بدهر هذا العالم وإنه باق لا يدثر وضع كتابا في هذا المعنى، فطالعه من لم يعرف طريقته، ففهموا منه جسمانية قوله دون روحانيته، فنقضوه على مذهب الدهرية. وفي هذا الكتاب يقول لما اتصلت العوالم بعضها ببعض، وحدثت القوى الواصلة فيها، وحدثت المركبات من العناصر حدثت قشور، واستنبطت لبوب، فالقشور داثرة، واللبوب قائمة دائمة لا يجوز الفساد عليها، لأنها بسيطة وحيدة القوى، فانقسم العالم إلى عالمين عالم الصفوة واللب، وعالم الكدورة والقشر، فاتصل بعضه ببعض، وكان آخر هذا العالم من بدء ذلك العالم، فمن وجه لم يكن بينهما فرق، فلم يكن هذا العالم داثرا إذ كان متصلا بما ليس يدثر، ومن وجه دثرت القشور، وزالت الكدرة وكيف تكون القشور غير داثرة ولا مضمحلة؟ وما لم تزل القشور باقية كانت اللبوب خافية! وأيضا فإن هذا العالم مركب والعالم الأعلى بسيط، وكل مركب ينحل حتى يرجع إلى البسيط الذي تركب منه، وكل بسيط باق دائما غير مضمحل ولا متغير".
قال الذي يذب عن برقلس: هذا الذي نقل عنه هو المنقول عن مثله، بل الذي أضاف إليه هذا القول الأول لا يخلو من أحد أمرين إما أنه لم يقف على مرامه، للعلة
[ ٢ / ٢١٠ ]
التي ذكرنا فيما سلف، وإما لأنه كان محسودا عند أهل زمانه، لكونه بسيط الفكر، واسع النظر، ساير القوى، وكانوا أولئك أصحاب أوهام وخيالات، فإنه يقول في موضع من كتابه "إن الأوائل منها تكونت العوالم، وهي باقية لا تدثر ولا تضمحل، وهي لازمة الدهر، ماسكة له، إلا أنها من أول، لا يوصف بصفة، ولا يدرك بنعت ونطق، لأن صور الأشياء كلها منه وتحته، وهي الغاية والمنتهى التي ليس فوقها جوهر هو أعظم منها، إلا الأول الواحد، وهو الأحد الذي قوته أخرجت هذه الأوائل، وقدرته أبدعت هذه المبادئ".
وقال أيضا: إن الحق لا يحتاج إلى أن يعرف ذاته، لأنه حق حقا بلا حق، وكل حق حقا فهو تحته إنما هو حق حقا إذ حققه الموجب له الحق، فالحق هو الجوهر الممد للطباع الحياة والبقاء، وهو أفاد هذا العالم بدءا وبقاء بعد دثور قشوره، وزكي البسيط الباطن من الدنس الذي كان فيه قد علق فيه. وقال: إن هذا العالم إذا اضمحلت قشوره وذهب دنسه، وصار بسيطا روحا بقي بما فيه من الجواهر الصافية النورانية في حد المراتب الروحانية، مثل العوالم العلوية التي بلا نهاية، وكان هذا واحدا منها، وبقي جوهر كل قشر ودنس وخبث، ويكون له أهل يلبسه، لأنه غير جائز أن تكون الأنفس الطاهرة التي لا تلبس القشور والأدناس، مع الأنفس الكثيرة القشور في عالم واحد، وإنما يذهب من هذا العالم ما ليس من جهة المتوسطات الروحانية، وما كان القشر والدنس عليه أغلب، فأما ما كان من الباري تعالى، بلا متوسط، أو كان من متوسط بلا قشر فإنه لا يضمحل. قال وإنما يدخل القشر على الشيء من غير المتوسطات، فيدخل عليه بالعرض لا بالذات، وذلك إذا كثرت المتوسطات، وبعد الشيء عن الإبداع الأول، لأنه حيثما قلت المتوسطات في الشيء كان أنور، وأقل قشورا ودنسا، وكلما قلت القشور والدنس كانت الجواهر أصفى، والأشياء أبقى.
ومما ينقل عن برقلس أنه قال: إن الباري تعالى عالم بالأشياء كلها: أجناسها، وأنواعها، وأشخاصها. وخالف بذلك أرسطوطاليس، فإنه قال: يعلم أجناسها
[ ٢ / ٢١١ ]
وأنواعها دون أشخاصها الكائنة الفاسدة، فإن علمه يتعلق بالكليات دون الجزئيات كما ذكرنا.
ومما ينقل عنه في قدم العالم قوله: لن يتوهم حدوث العالم إلا بعد أن يتوهم أنه لم يكن، فأبدعه الباري تعالى في الحالة التي لم يكن. وفي الحالة التي لم يكن لا يخلو من حالات ثلاث:
١- إما أن الباري لم يكن قادرا فصار قادرا، وذلك محال لأنه قادر لم يزل.
٢- وإما أنه لم يرد فأراد، وذلك محال أيضا، لأنه مريد، لم يزل.
٣- وإما أنه لم تقتض الحكمة وجوده وذلك محال أيضا، لأن الوجود أشرف من العدم على الإطلاق.
فإذا بطلت هذه الجهات الثلاث تشابها في الصفة الخاصة؛ وهي القدم على أصل المتكلم. وكان القدم بالذات له دون غيره، وإن كانا معا في الوجود. والله الموفق.
[ ٢ / ٢١٢ ]
٧- رأي ثامسطيوس:
وهو الشارح لكلام الحكيم أرسطوطاليس، وإنما يعتمد شرحه إذ كان أهدى القوم إلى إشارته ورموزه، وهو على رأي أرسطوطاليس في جميع ما ذكرنا من إثبات العلة الأولى، واختار من المذاهب في المبادئ قول من قال: إن المبادئ ثلاثة: الصورة، والهيولي، والعدم، وفرق بين العدم المطلق والعدم الخاص، فإن عدم صورة بعينها عن مادة تقبلها مثل عدم السيفية عن الحديد ليس كعدم السيفية عن الصوف، فإن هذه المادة لا تقبل هذه الصورة أصلا.
وقال: إن الأفلاك حصلت من العناصر الأربعة لا أن العناصر حصلت من الأفلاك ففيها نارية، وهوائية، ومائية، وأرضية. إلا أن الغالب على الأفلاك هو النارية، كما أن
[ ٢ / ٢١٢ ]
الغالب على المركبات السفلية هو الأرضية. والكواكب نيران مشتعلة حصلت تراكيبها على وجه لا يتطرق إليها الانحلال، لأنها لا تقبل الكون، والفساد، والتغير، والاستحالة، وإلا فالطبائع واحدة والفرق يرجع إلى ما ذكرنا.
ونقل ثامسطيوس عن أرسطوطاليس، وثاون، وأفلاطون، وثارفرسطيس، وفرفوريوس، وفلوطرخيس، وهو رأيه: أن في العالم أجمع طبيعة واحدة عامة، وكل نوع من أنواع النبات والحيوان مختص بطبيعة خاصة، وحدوا الطبيعة العامة بأنها مبدأ الحركات في الأشياء والسكون فيها على الأمر الأول من ذواتها، وهي علة الحركة في المتحركات، وعلة السكون في الساكنات. وزعموا أن الطبيعة هي التي تدبر الأشياء كلها في العالم: حيوانه، ونباته، ومواته، تدبيرا طبيعيا، وليست هي حية، ولا قادرة، ولا مختارة، ولكن لا تفعل إلا حكمة وصوابا، وعلى نظم صحيح وترتيب محكم.
قال ثامسطيوس: قال أرسطوطاليس في مقالة اللام "إن الطبيعة تفعل ما تفعل من الحكمة والصواب وإن لم تكن حيوانا، لأنها ألهمت من سبب هو أكرم منها". وأوما إلى أن السبب هو الله ﷿. وقال أيضا: إن الطبيعة طبيعتان؛ طبيعة هي مستعلية على الكون والفساد بكليتها وجزئيتها، يعني الفلك والنيرات. وطبيعة يلحق جزئياتها الكون والفساد لا كلياتها، يريد بالجزئيات الأشخاص، وبالكليات الأسطقسات.
[ ٢ / ٢١٣ ]
٨- رأي الإسكندر الأفروديسي:
وهو من كبار الحكماء رأيا وعلما، وكلامه أمتن، ومقالته أرصن، وافق أرسطوطاليس في جميع آرائه، وزاد عليه في الاحتجاج على أن الباري تعالى عالم بالأشياء كلها كلياتها وجزئياتها على نسق واحد، وهو عالم بما كان وبما سيكون، ولا يتغير علمه بتغير المعلوم، ولا يتكثر بتكثره.
[ ٢ / ٢١٣ ]
ومما انفرد به أن قال: كل كوكب ذو نفس وطبع وحركة من جهة نفسه وطبعه، ولا يقبل التحريك من غيره أصلا، بل إنما يتحرك بطبعه واختياره، إلا أن حركاته لا تختلف أبدا، لأنها دورية.
وقال: لما كان الفلك محيطا بما دونه، وكان الزمان جاريا عليه، لأن الزمان هو العاد للحركات، أو هو عدد الحركات، ولما لم يكن يحيط بالفلك شئ آخر، ولا كان الزمان جاريا عليه، لم يجز أن يفسد الفلك ويكون، فلم يكن قابلا للكون والفساد، وما لم يقبل الكون والفساد كان قديما أزليا.
وقال في كتابه "في النفس": إن الصناعة تتقبل الطبيعة. وإن الطبيعة لا تتقبل الصناعة.
وقال: للطبيعة لطف وقوة، وإن أفعالها تفوق في البراعة واللطف كل أعجوبة يتلطف فيها بصناعة من الصناعات.
وقال في ذلك الكتاب: لا فعل للنفس دون مشاركة البدن حتى التصور بالعقل، فإنه مشترك بينهما، وأومأ إلى أنه لا يبقى للنفس بعد مفارقتها قوة أصلا حتى القوة العقلية. وخالف بذلك أستاذه أرسطوطاليس، فإنه قال: الذي يبقى مع النفس من جميع مالها من القوة هي القوة العقلية فقط، ولذاتها في ذلك العالم مقصورة على اللذات العقلية فقط، إذ لا قوة لها دون ذلك فتحس وتلتذ بها. والمتأخرون يثبتون بقاءها على هيئات أخلاقية استفادتها من مشاركة البدن، لتستعد بها لقبول هيئات ملكية في ذلك العالم.
[ ٢ / ٢١٤ ]
رأي فرفريوس
٩- رأي فرفوريوس:
وهو أيضا على رأي أرسطوطاليس في جميع ما ذهب إليه، وهو الشارح لكلام أرسطوطاليس أيضا، وإنما يعتمد شرحه إذ كان أهدى القوم إلى إشاراته وجميع ما ذهب إليه.
[ ٢ / ٢١٤ ]
ويدعى أن الذي يحكى عن أفلاطون من القول بحدوث العالم غير صحيح، قال في رسالته إلى أبانوا: وأما ما قذف به أفلاطون عندكم من أنه يضع للعالم ابتداء زمانيا فدعوى كاذبة، وذلك أن أفلاطون ليس يرى أن للعالم ابتداء زمانيا، لكن ابتداء على جهة العلة، ويزعم أن علة كونه ابتداؤه.
وقد أرى أن المتوهم عليه في قوله: إن العالم مخلوق، وإنه حدث لا من شئ، وإنه خرج من لا نظام إلى نظام فقد أخطأ وغلط، وذلك أنه لا يصح دائما أن كل عدم أقدم من الوجود فيما علة وجود شئ آخر غيره، ولا كل سوء نظام أقدم من النظام. وإنما يعني أفلاطون أن الخالق أظهر العالم من العدم إلى الوجود، وإن وجد أنه لم يكن من ذاته، لكن سبب وجوده من الخالق. قال: وقال في الهيولى: إنها أمر قابل للصور وهي كبيرة وصغيرة. وهما في الموضوع والحد واحد، ولم يبين العدم، كما ذكره أرسطوطاليس إلا أنه قال: الهيولى لا صورة لها، فقد علم أن عدم الصورة في الهيولى. وقال: إن المركبات كلها إنما تتكون بالصور على سبيل التغير، وتفسد بخلو الصور عنها.
وزعم فرفوريوس أن من الأصول الثلاثة التي هي الهيولى والصورة والعدم: أن كل جسم إما ساكن وإما متحرك، وها هنا شيء يكون ما يتكون، ويحرك الأجسام، وكل ما كان واحدا بسيطا ففعله واحد بسيط، وكل ما كان كثيرا مركبا فأفعاله كثيرة مركبة، وكل موجود ففعله مثل طبيعته، ففعل الله بذاته فعل واحد بسيط، وباقي أفعاله يفعلها بمتوسط مركب. قال: وكل ما كان موجودا فله فعل من الأفعال مطابق لطبيعته، ولما كان الباري تعالى موجودا ففعله الخاص هو الإجتلاب إلى الوجود، ففعل فعلا واحدا وحرك حركة واحدة وهو الإجتلاب إلى شبهة، يعني الوجود. ثم إما يقال كان المفعول معدوما يمكن أن يوجد، وذلك هو طبيعة الهيولى بعينها، فيجب أن يسبق الوجود طبيعة ما قابلة للوجود. وإما أن يقال لم يكن معدوما ما يمكن أن يوجد بل أوجده عن لا شيء وأبدع وجوده من غير توهم شيء سبقه، وهو ما يقوله الموحدون.
[ ٢ / ٢١٥ ]
قال: فأول فعل فعله هو الجوهر، إلا أن كونه جوهرا وقع بالحركة فوجب أن يكون بقاؤه جوهرا بالحركة، وذلك أنه ليس للجوهر أن يكون بذاته بمنزلة الوجود الأول لكن من التشبه بذلك الأول، وكل حركة تكون فإما أن تكون على خط مستقيم وإما على الاستدارة، فتحرك الجوهر بهاتين الحركتين. ولما كان وجود الجوهر بالحركة وجب أن يتحرك الجوهر في جميع الجهات التي يمكن فيها الحركة، فيتحرك جميع الجوهر في جميع الجهات حركة مستقيمة على جميع الخطوط وهي ثلاثة: الطول، والعرض، والعمق، إلا أنه لم يكن له أن يتحرك على هذه الخطوط بلا نهاية، إذ ليس يمكن فيما هو بالفعل أن يكون بلا نهاية، فتحرك الجوهر في هذه الأقطار الثلاثة حركة متناهية على خطوط مستقيمة، وصار بذلك جسما. وبقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها أن يتحرك بأجمعه حركة على الاستدارة، لأن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه، فعند ذلك انقسم الجوهر فتحرك بعضه على الاستدارة وسكن بعضه في الوسط. قال: وكل جسم يتحرك فيماس جسما ساكنا في طبيعته قبول التأثير منه حركه معه، وإذا حركه سخن وإذا سخن لطف، وانحل، وخف، فكانت النار تلي الفلك. والجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك ويتحرك بحركة النار فتكون حركته أقل، فلا يتحرك لذلك بأجمعه لكن جزء منه، فيسخن دون سخونة النار، وهو الهواء. والجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك، فهو بارد لكونه وحار حرارة يسيرة بمجاورته الهواء، ولذلك انحل قليلا، وهو الماء. وأما الجسم الذي يلي الماء في الوسط، فلأنه بعد في الغاية عن الفلك ولم يستفد من حركته شيئا ولا قبل منه تأثيرا: سكن وبرد، وهذه هي الأرض. وإذا كانت هذه الأجسام تقبل التأثير بعضها من بعض اختلطت وتولد عنها أجسام مركبة، وهذه هي الأجسام المحسوسة.
وقال: الطبيعة تفعل بغير فكر ولا عقل ولا إرادة، ولكنها ليست تفعل بالبخت والاتفاق والخبط، بل لا تفعل إلا ماله نظم وترتيب وحكمة، وقد تفعل شيئا من أجل شيء، كما تفعل البر لغذاء الإنسان وتهيئ أعضاءه لما يصلح له.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وقد قسم فرفوريوس مقالة أرسطو طاليس في الطبيعة خمسة أقسام، أحدها: العنصر. والثاني: الصورة، والثالث: المجتمع منهما كالإنسان، والرابع: الحركة الجاذبة في الشيء بمنزلة حركة النار الكائنة الموجودة فيها إلى فوق، والخامس: الطبيعة العامة للكل، لأن الجزئيات لا يتحقق وجودها إلا عن كل يشملها. ثم اختلفوا في مركزها: فمن الحكماء من صار إلى أنها فوق الكل. وقال آخرون: إنها دون الفلك، قالوا: والدليل على وجودها أفعالها وقواها المنبثة في العالم الموجبة للحركات والأفعال، كذهاب النار والهواء إلى فوق، وذهاب الماء والأرض إلى تحت، فعلم يقينا أنه لولا قوى فيها أوجبت تلك الحركات وكانت مبدأ لها لم توجد فيها. وكذلك ما يوجد في النبات والحيوان من قوة الغذاء وقوة النمو والنشوء.
[ ٢ / ٢١٧ ]
فهرس الجزء الثاني من كتاب الملل والنحل
الموضوع صفحة
الفصل السابع: أهل الفروع المختلفون في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية ٣
"أ" أصول الاتجتهاد وأركانه ٣
"ب" شرائط الاجتهاد ٤
١- أحكام المجتهدين في الأصول، والفروع ٦
٢- حكم الاجتهاد والتقليد، والمجتهد والمقلد ١٠
٣- أصناف المجتهدين: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي ١١
الباب الثاني: أهل الكتاب ١٣
أهل الكتاب، والأميون ١٣
اليهود، والنصارى ١٤
الفصل الأول: اليهود خاصة ١٥
آراء اليهود ومعتقداتهم، وكتابهم وفرقهم ١٦
١- العنانية ٢٠
٢- العيسوية ٢٠
٣- المقاربة، واليوذعانية ٢١
٤- السامرة ٢٣
ما أجمع عليه اليهود ٢٤
الفصل الثاني: النصارى ٢٥
١- الملكانية ٢٧
٢- النسطورية ٢٩
٣- اليعقوبية ٣٠
ما أجمع عليه أصحاب التثليث ٣١
[ ٢ / ٢١٩ ]
الموضوع صفحة
الباب الثالث: من له شبه كتاب ٣٤
"أ" صحف إبراهيم ﵇ ٣٤
"ب" المجوس، وأصحاب الاثنين والمانوية وسائر فرقهم ٣٥
الفصل الأول: المجوس ٣٨
معتقدات المجوس الأصلية ٣٨
١- الكيومرثية ٣٨
٢- الزروانية ٣٩
٣- الزردشنية ٤١
مقالة زردشت في المبادئ ٤٤
الفصل الثاني: الثنوية، أصحاب الأثين الأزليين ٤٩
١- المانوية ٤٩
٢- المزدكية ٥٤
٣- الديصانية ٥٥
٤- المر قيونية ٥٧
٥- الكينوية والصيامية والناسخية منهم ٥٨
بيوت النيران للمجوس ٥٩
الباب الأول: أهل الأهواء والنحل ٦١
الفصل الأول: الصابئة ٦٣
الفصل الثاني: أصحاب الروحانيات ٦٤
١- مذهب أصحاب الروحانيات ٦٤
٢- مناظرات بين الصابئة والحنفاء ٦٧
حكم هرمس العظيم ١٠٣
الفصل الثالث: أصحاب الهياكل والأشخاص ١٠٧
١- أصحاب الهياكل ١٠٧
٢- أصحاب الأشخاص ١٠٨
٣- مناظرات إبراهيم الخليل لأصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص وكسره مذاهبهما ١٠٩
[ ٢ / ٢٢٠ ]
الموضوع صفحة
الفصل الرابع: الحرنانية ١١٢
١- مقالات الحرنانية ١١٢
٢- نشأة التناسخ والحلول منهم ١١٣
٣- مزاعم الحرنانية ١١٤
الباب الثاني: الفلاسفة ١١٦
الفصل الأول: الحكماء السبعة ١١٩
١- رأي تاليس ١١٩
٢- رأي أنكساغورس ١٢٢
٣- رأي أنكسيمانس ١٢٤
٤- رأي أنبادقليس ١٢٦
٥- رأي فيثاغورس ١٣٢
٦- رأي سقراط ١٤١
٧- رأي أفلاطون الإلهي ١٤٦
اختلاف الأوائل في الإبداع، والمبدع، والإرادة ١٥٢
الفصل الثاني: الحكماء الأصول ١٥٣
١- رأي فلوطرخيس ١٥٤
٢- رأي أكسنوفانس ١٥٥
٣- رأي زينون الأكبر ١٥٦
٤- رأي ديمقريطيس وشيعته ١٥٨
٥- رأي فلاسفة أقاديما ١٦٠
٦- رأي هرقل الحكيم ١٦٠
٧- رأي أبيقورس ١٦٢
٨- حكم سولون الشاعر ١٦٢
٩- حكم أوميروس ١٦٤
١٠- حكم بقراط ١٦٧
١١- حكم ديمقريطيس ١٧٠
١٢- حكم أوقليدس ١٧٣
١٣- حكم بطليموس ١٧٥
[ ٢ / ٢٢١ ]
الموضوع صفحة
١٤- حكم أهل المظال ١٧٦
الفصل الثالث: متأخرو حكماء اليونان ١٧٨
١- رأي أرسطوطاليس بن نيقوماخوس ١٧٨
المسألة الأولى: في إثبات واجب الوجود ١٧٩
المسألة الثانية: في أن واجب الوجود واحد ١٨٠
المسألة الثالثة: في أن واجب الوجود لذاته ١٨٠
المسألة الرابعة: في أن واجب الوجود لا يعتريه تغيير ١٨٢
المسألة الخامسة: في أن واجب الوجود حي بذاته ١٨٣
المسألة السادسة: في أنه لا يصدر عن واحد إلا واحد ١٨٣
المسألة السابعة: في عدد المفارقات ١٨٤
المسألة الثامنة: في أن الأول مبتهج بذاته ١٨٤
المسألة التاسعة: في صدور نظام الكل، وترتيبه عنه ١٨٥
المسألة العاشرة: في أن النظام في الكل متوجه إلى الخير ١٨٦
المسألة الحادية عشرة: في كون الحركات السرمدية، وأن الحوادث لم تزل ١٨٧
المسألة الثانية عشرة: في كيفية تركب العناصر ١٨٩
المسألة الثالثة عشرة: في الآثار العلوية ١٩٠
المسألة الرابعة عشرة: في النفس الإنسانية الناطقة واتصالها بالبدن ١٩١
المسألة الخامسة عشرة: في وجه اتصالها بالبدن، ووقت اتصالها ١٩٢
المسألة السادسة عشرة: في بقائها بعد البدن، وسعادتها في العالم العقلي ١٩٣
٢- حكم الإسكندر الرومي ١٩٦
٣- حكم ديوجانس الكلبي ٢٠٠
٤- حكم الشيخ اليوناني ٢٠٣
٥- حكم ثاو فرطيس ٢٠٦
٦- شبه برقلس في قدم العالم ٢٠٨
٧- رأي ثامسطيوس ٢١٢
٨- رأي الإسكندر الأفروديسي ٢١٣
٩- رأي فرفريوس ٢١٤
[ ٢ / ٢٢٢ ]