وأما ما أنكروه من ثبوت نداء الله بصوت، فقد بين شيخ الإسلام أن هذا مما تكاثرت فيه النصوص من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ
_________________
(١) رواه أحمد (١٨٦٨٨)، (٤/ ٢٨٣) وأبو داود (١٤٦٨) وصححه الألباني في المشكاة (٢١٩٩).
(٢) التسعينية (٣/ ٩٦٣ - ٩٦٥)، وانظر بسط هذا في الجواب الصحيح (٤/ ٣٣٥ - ٣٤٩)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٦١ - ٢٦٥)، (١٢/ ٤٥٦ - ٤٦٣).
(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٨٣).
(٤) المصدر السابق (١٢/ ٥١٨).
[ ٥٤٩ ]
نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، ففي هذه الآيات "إثبات النداء لله تعالى، وقد أخبر الله تعالى في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة، وسائر الناس" (^١).
وقد "استفاضت الآثار عن النبي -ﷺ-، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة أنه -سبحانه- ينادي بصوت: نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بصوت" (^٢)، "والنداء في لغة العرب هو صوت رفيع؛ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة، ولا مجازًا" (^٣) "باتفاق أهل اللغة" (^٤). و"هذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم" (^٥).
المسألة الخامسة: محاولة الخصوم إثبات التأويل عن السلف:
تمهيد:
قرر شيخ الإسلام -﵀- أثناء مناظرته في العقيدة الواسطية، وجوب إثبات الصفات لله -﷿- من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، وأكد أن هذه العقيدة عليها إجماع السلف، وأنهم كانوا يثبتون ما ورد في النصوص من صفات الله -﷿- من غير تمثيل لها بصفات المخلوقين، ومن غير تحريف لها عن معناها الحق وصرفها عن ظاهرها التي دلت عليه، بل يقرون بها كما هي حق على حقيقتها، ويفوضون علم كيفيتها إلى الله سبحانه، وبين -﵀- أن هذا الأمر
_________________
(١) منهاج السنة (٥/ ٤٢٣).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٥٣١، ١٢/ ١٣٠).
(٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٠).
(٥) المصدر السابق (١٢/ ٤٠).
[ ٥٥٠ ]
لا خلاف فيه بين السلف -﵏-، وعلى رأسهم الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-، وتحدى مخالفيه بأن يأتوا بحرف واحد عن القرون المفضلة يخالف ما ذكره وقرره فقال: «قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي -ﷺ- حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك» (^١). وجزم ﵀ في مواضع أخرى بعدم وجود أي اختلاف بين الصحابة، في تأويل أي صفة عن مقتضاها الظاهر منها، حيث قال ﵀: «وأما الذي أقوله الآن وأكتبه -وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس-: أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات، أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف» (^٢).
وبالفعل فقد وقف القوم أمام هذا التحدي من شيخ الإسلام موقف العجز والضعف، فلم يستطيعوا الإتيان بشيء من ذلك في المجلس الأول الذي تحداهم فيه شيخ الإسلام، وطلبوا عقد مجلس آخر لعلهم أن يظفروا بشيء من ذلك ليواجهوا به الشيخ، فلما كان المجلس الثاني، جاءوا له ببعض ما ظنوه حججًا تبطل ما ادعاه شيخ الإسلام، فأظهر شيخ الإسلام -كما سيتضح- بطلان ما استدلوا به، وسوء فهمهم لنصوص الصفات، وما جاء عن السلف في تفسيرها، وغاية ما استدلوا به في هذه المناظرة -كما بين شيخ الإسلام- أمران اثنان:
_________________
(١) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤).
[ ٥٥١ ]
الأمر الأول: ما جاء من تفسير مجاهد والشافعي لقوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] بقبلة الله.
احتج المخالف على صحة طريقة المتكلمين التي يسمونها تأويلًا، بما جاء من تفسير مجاهد والشافعي للوجه بالجهة والقبلة. وأصل شبهة المخالف: ظنه أن هذه الآية هي من آيات الصفات التي لا يحتمل ظاهرها غير إثبات الصفة، ومع ذلك فقد قام الإمامان مجاهد والشافعي بتأويلها وصرفها عن ظاهرها، كما يفعل مؤولة الصفات بآيات الصفات وأحاديثها.
وقد أجاب عنهم شيخ الإسلام بعدة أجوبة، تبطل شبهتهم هذه وتفسد عليهم احتجاجهم، فبين ﵀ أن هذا التفسير الذي ذكر عن مجاهد والشافعي تفسير صحيح ومقبول، وليس من التأويل المذموم التي تصرف فيه النصوص عن ظاهرها المراد، وتحرف عن معناها بغير حجة ولا دليل، وبيان ذلك من وجوه:
أولًا: أن الوجه يطلق في اللغة على الجهة والوجهة، يقال: (قصدت هذا الوجه)، و(سافرت إلى هذا الوجه) أي: إلى هذه الجهة. ويقال: (أي وجه تريده؟) أي: أي جهة؟ و(أنا أريد هذا الوجه) أي: هذه الجهة. وهذا كثير مشهور، ومنه قول أنس في حديث الاستسقاء "فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبر بالجود" وإذا كان الوجه يطلق في اللغة على الصفة التي هي الوجه وعلى الجهة، فالذي يحكم أيهما المراد هو سياق الكلام والقرائن المتصلة به (^١).
ثانيًا: أن سياق الآية التي وردت به، يوضح هذا الأمر ويزيل اللبس فيه؛ "فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" (^٢)، وقد كان السياق هنا في ذكر الجهات حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، والمشرق والمغرب جهات. وأيضًا قد قال قبلها ﴿فَأَيْنَمَا
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٦)، بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٧٤ - ٧٥)، جامع المسائل (٨/ ١٩٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤).
[ ٥٥٢ ]
تُوَلُّوا﴾ وأين من الظروف. وتولوا: أي تستقبلوا. فالمعنى: أي موضع استقبلتموه، فهنالك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا، فدل على أن المراد الجهة والقبلة" (^١).
ثالثًا: أنه "قد أخبر أن وجهه (ثمَّ): أي في ذلك المكان، وهذا يناسب أن يكون قبلته في ذلك المكان؛ لأن صفته ليست في مكان" (^٢)، "وتوجيه ذلك أن يقال: قوله (فثمَّ) إشارة إلى مكان وجود، والله تعالى فوق العالم، ليس هو في جوف الأمكنة" (^٣).
رابعًا: أن "قوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلتا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين: أنا نوليه: نستقبله" (^٤).
خامسًا: ومما يؤيد حملها على القبلة ما ذكره أهل العلم "أن هذه الآية: فيما لا يتعين فيه استقبال الكعبة، كالمتطوع الراكب في السفر، فإنه يصلي حيث توجهت به راحلته، والعاجز الذي لا يعلم جهة الكعبة، أو لا يقدر على استقبال الكعبة، فإنه يصلي بحسب إمكانه إلى أي جهة أمكن، وذكروا أيضًا أنه نسخ ما تضمنته من تسويغ الاستقبال بيت المقدس كما كان ذلك قبل النسخ" (^٥).
سادسًا: أن ما جاء عن السلف من تفسير الآية بالجهة والقبلة، فليس مرادهم فيه: صرفها عن ظاهرها ولا نفي صفة الوجه عن الله، كما هو فعل أهل الأهواء من المتكلمين وغيرهم الذين اعتقدوا عدم اتصاف الله بالصفات، ثم قاموا بتأويل النصوص الواردة فيها لتوافق ما قرروه من معتقد باطل. أما من ذكر عنهم تأويل
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ١٦).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٧٤).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٧٧).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ١٦).
(٥) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٥٤٨).
[ ٥٥٣ ]
الآية من السلف فإنهم يثبتون صفات الله، ومنها صفة الوجه كما تليق بالله سبحانه، ويمرون الآيات الواردة في ذلك كما جاءت على ظاهرها، ويرون فساد طريقة أهل التأويل والتحريف، وإنما قالوا في هذه الآية ما قالوا؛ لأن ظاهر هذه الآية عندهم هو ما ذكروه من تفسير، فشتان بين صنيعهم وصنيع هؤلاء المتأخرين المنحرفين من أهل الكلام وأضرابهم، قال شيخ الإسلام -﵀-: «والمقصود بهذا الكلام أن من قال من السلف والأئمة لم يقولوه؛ لأنهم ينفون وجه الله الذي يراه المؤمنون في الآخرة، بل قالوه؛ لأن ذلك ظاهر الخطاب عندهم؛ لأن لفظ الوجه مشهور أنه يقصد به الجهة والقبلة هي الجهة» (^١)، وقال ﵀: «والغرض أنه إذا قيل: (فثم قبلة الله) لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه؛ الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات؛ ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر» (^٢). والخلاصة أن إثبات الصفة مقام، والخلاف في دليل معين مقام آخر، فالخلاف في دليل معين هل هو دال على الصفة أم لا، لا يستلزم الخلاف في الصفة نفسها، وعد الدليل المعين ليس عدمًا للمدلول.
هذه الأدلة كلها ذكرها شيخ الإسلام ليبين أن تفسير الوجه في الآية بالجهة والقبلة تفسير صحيح في اللغة ودل عليه السياق في الآية، وليس هذا من تحريف القوم وتأويلهم في شيء، والذي خاصمهم فيه شيخ الإسلام وتحداهم أن يأتوا عن السلف بشيء منه: هو تأويل النصوص وصرفها عن ظاهرها المتبادر إلى معنى آخر غير ظاهر، بلا دليل صارف ولا حجة واضحة ولا قرينة صحيحة، كما يفعلون مع الآيات والأحاديث الصريحة في صفات الباري ﷻ.
هذا، ومن الأدلة التي تقوي حمل الآية على القبلة، ما ورد في سبب نزول هذه الآية: وهو أن رسول الله -ﷺ- بعث سرية في غزاة، فأصابتهم ظلمة فلم يهتدوا
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٧٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٧).
[ ٥٥٤ ]
للقبلة فصلى كل منهم في جهة، فلما رجعوا سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك؟ فسكت، فأنزل الله -﷿- هذه الآية (^١). ونحوها من الروايات التي تحمل نفس المعنى وتدل على الأمر ذاته، وهي وإن كانت لا يسلم شيء من طرقها وشواهدها من ضعف ليس باليسير، كما قال البيهقي -﵀-: «لم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًا» (^٢)، وقال العقيلي -﵀-: «وأما حديث عامر بن ربيعة، فليس يروى من وجه يثبت متنه» (^٣)، إلا أن عددًا من أهل العلم ذهبوا إلى تقوية بعضها ببعض، خصوصًا مع تعدد الصحابة الذين رووا هذه الآثار، قال شيخ الإسلام: «وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أن الحديث له أصل، وهو محفوظ، فإن المحدث إذا كان إنما يخاف عليه من سوء حفظه، لا من جهة التهمة بالكذب، فإذا عضده محدث اخر أو محدثان من جنسه، قويت روايته، حتى يكاد أحيانًا يعلم أنه قد حفظ ذلك الحديث، لا سيما إذا جاء به محدث آخر عن صحابي آخر؛ فإن تطرق سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة بعيد لا يلتفت إليه، إلا أن يعارض حديثهم ما هو أصح منه. وقد روى أصحاب التفسير عن ابن عباس -﵄- قال: خرج نفر من أصحاب رسول الله -ﷺ- في سفر، وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة فتحروا القبلة وصلوا، فمنهم من صلى قبل المشرق، ومنهم من صلى قبل المغرب، فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا. فلما قدموا سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك؟ فنزلت هذه الآية. فهذا وإن لم يكن مما يحتج به منفردًا، فإنه يشد تلك الروايات ويقويها» (^٤). وقال
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٤٥)، وابن ماجه (١٠٢٠)، والدارقطني في سننه (١/ ٢٧٢) (٥)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٤٠١) من حديث عامر بن ربيعة، وفي الباب عن جابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، وابن عباس -﵃ أجمعين-، ولا يخلو كل من الحديث وشواهده من ضعف ليس باليسير. انظر: سنن الدراقطني (١/ ٢٧١)، السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١١)، تفسير ابن كثير (١/ ٣٣٧).
(٢) السنن الكبرى (٢/ ١١).
(٣) الضعفاء الكبير (١/ ٣١).
(٤) شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٥٤٦).
[ ٥٥٥ ]
ابن كثير -﵀-: «وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشدّ بعضها بعضًا» (^١).
ويؤيد هذا أيضًا ما جاء من تفسير بعض الصحابة لهذه الآية بما ظاهره أن المراد منها القبلة والجهة، ومن أصرح ما جاء في ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر -﵁- قال: (كان النبي يصلي على راحلته تطوعًا، أينما توجهت به وهو جاي من مكة إلى المدينة ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال ابن عمر -﵁-: في هذا أنزلت الآية) (^٢).
ومع هذا كله، فإنه لا مانع أيضًا من جعل الآية مع دلالتها على القبلة، دالة أيضًا على صفة الوجه لله -﷿-؛ لأن الله إنما ذكر هذا الموضع بلفظ الوجه لا بلفظ الجهة، وقد ثبت أيضًا بالنصوص الصحيحة المتواترة أن العبد عند استقباله للقبلة فإنه يستقبل ربه ﷿، والله يقبل عليه بوجهه ما لم يصرف وجهه عنه، ومعلوم علو الله ﷿ على الخلق وإحاطته بهم، وكل الجهات مخلوقة فمن استقبل شيئًا منها فهو متوجه إلى ربه ﷻ (^٣).
وخلاصة الأمر أن الآية محتملة للمعنيين فمن فسرها بأحدهما أو كليهما معًا، فإنه لم يصرفها عن ظاهرها المتبادر، ولم يتأول شيئًا منها على خلاف ما هو عليه، فلا مدخل لهم في ذلك، ولا حجة لهم فيما ورد من تفسير ذلك.
الأمر الثاني: ما روي عن مالك في تأويل صفة النزول:
واحتج المخالف أيضًا بما ورد عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس -﵀- من تأويل صفة نزول الله بنزول أمره.
وأصل الشبهة عنده: اعتقاده ثبوت هذا التأويل عن إمام دار الهجرة مالك بن
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٣٧).
(٢) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٧٠٠).
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٧٦ - ٨٠)، مختصر الصواعق المرسلة (ص: ٤١٣ - ٤١٩).
[ ٥٥٦ ]
أنس -﵀-، وبنى على ذلك أن تأويل الصفات مذهب معتبر عند السلف -رضوان الله عليهم-.
وقد أجاب شيخ الإسلام على كلام المعترض ببيان عدم صحة الاستدلال بهذا الأثر وتوضيح وذلك لعدة بوجوه:
أولًا: أن هذا الأثر لا يثبت عن الإمام مالك -﵀-؛ وذلك لأنه من رواية كاتبه حبيب ابن أبي حبيب وهو كذاب لا تقبل روايته باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولما احتج المخالف بأن لهذا الأثر طريقًا آخر ذكرها ابن عبد البر عن مطرف، بين شيخ الإسلام عدم حجية هذا الإسناد أيضًا؛ للجهالة التي فيه، فقال: «لكن الإسناد مجهول» (^١)، وقال مرة: «وفي إسنادها من لا نعرفه» (^٢).
ويزيد ذلك توضيحًا بيان إسناد هاتين الروايتين، وما في إسنادهما من ضعف:
أما الرواية الأولى: فهي ما جاء في موطأ مالك من رواية الجوهري قال: أخبرنا أحمد بن محمد المدني، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس.
وأخبرنا أحمد بن محمد المكي، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ-، قال: (ينزل الله ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) لفظ المكي (^٣).
قال الجوهري: «قال: حبيب: قال مالك: يتنزل أمره في كل سحر، فأما ﵎ فهو دائم لا يزول وهو بكل مكان» (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٠٥)
(٢) شرح حديث النزول ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٢).
(٣) مسند الموطأ برواية الجوهري (ص: ١٥١، ١٥٢).
(٤) مسند الموطأ برواية الجوهري (ص: ١٥٢).
[ ٥٥٧ ]
وقال الحافظ الذهبي في السير: «قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك، قال: «يتنزل ربنا ﵎: أمره، فأما هو فدائم لا يزول» (^١)، وفي الإسناد حبيب بن أبي حبيب الذي بين شيخ الإسلام أنه كذاب باتفاق أهل العلم، قال أبو داود: «كان من أكذب الناس» وقال: «أحاديثه كلها موضوعة» وقال ابن حبان: «يروي الموضوعات عن الثقات» (^٢). وقال ابن عدي: «وعامة حديث حبيب موضوع المتن مقلوب الإسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيّن في الكذابين» (^٣) ـ
وأما الرواية الثانية: فقد ذكرها ابن عبد البر في التمهيد فقال: «وقد روى محمد بن علي الجبلي -وكان من ثقات المسلمين بالقيروان- قال: حدثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدثنا مطرف، عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث: (إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا) فقال مالك: يتنزل أمره» (^٤).
وإسناد هذا الأثر باطل من وجوه ثلاثة:
أولًا: الانقطاع بين ابن عبد البر والجبلي؛ فإن ابن عبد البر لم يذكر إسناده للجبلي.
ثانيًا: محمد بن علي الجبلي أبو الخطاب الشاعر، ترجم له الخطيب في تاريخه وقال: «وقيل كان رافضيًا شديد الترفض» (^٥)، وترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام فقال: «وكان أبو الخطاب مفرط القصر، وهو رافضي جلد» (^٦)، وجاء
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠٥).
(٢) انظر هذه الأقوال في ميزان الاعتدال (١/ ٤٥٢)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٨١).
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال (٢/ ٤١٤).
(٤) التمهيد (٧/ ١٤٣).
(٥) تاريخ بغداد (٣/ ٣١).
(٦) تاريخ الإسلام (٧/ ٣٧٨).
[ ٥٥٨ ]
في ترجمته أنه كان شاعرًا، وله قصيدة في مدح أبي العلاء المعري (^١) مع ما هو معروف من انحرافه وزندقته (^٢).
ثالثًا: جامع بن سوادة، روى له الدارقطني في غرائب مالك حديثًا، وقال: «هذا الحديث باطل وجامع ضعيف» (^٣)، وأخرج له ابن الجوزي حديثًا في الموضوعات، ثم قال: «هذا موضوع، وجامع مجهول» (^٤)، وقال الذهبي في الميزان: «جامع بن سوادة عن آدم بن أبي إياس (^٥) بخبر باطل في الجمع بين الزوجين» ثم قال: «كأنه آفته» (^٦).
ومما يدل على ضعف هاتين الروايتين وعدم ثبوتهما عن إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس -﵀-، مخالفتهما للمشهور المعلوم الثابت عن الإمام من إثباته للصفات الاختيارية على حقيقتها دون تأويل باطل ولا تمثيل.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي زمنين (^٧) في (أصول السنة) عن زهير بن
_________________
(١) هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان، التنوخيّ المعري: شاعر فيلسوف. ولد ومات في معرة النعمان. قال الذهبي: «الشاعر المشهور، صاحب التصانيف المشهورة والزندقة المأثورة … وكان عجبا في الذكاء المفرط والاطلاع الباهر على اللغة وشواهدها». وله شعر يدل على الزندقة، قال أبو طاهر السلفي: «إن قال هذا الشعر معتقدا معناه، فالنار مأواه، وليس له في الإسلام نصيب». انظر: وفيات الأعيان (١/ ١١٣) تاريخ الإسلام (٩/ ٧٢١).
(٢) انظر الميزان (٣/ ٦٥٧)، لسان الميزان (٧/ ٣٧٨).
(٣) لسان الميزان (٢/ ٤١٥).
(٤) الكشف الحثيث لابن سبط ابن العجمي (ص ٨٣).
(٥) هو أبو الحسن آدم بن أبى إياس الخراساني المروذي العسقلاني، مولى بنى تيم أو تميم، من صغار أتباع التابعين، ثقة، قال أبو حاتم: ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله، (ت: ٢٢١ هـ). انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٤٩٠)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٩)، السير (١٠/ ٣٣٥).
(٦) ميزان الاعتدال (١/ ٣٨٧).
(٧) هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد، المري الأندلسي، الألبيري، شيخ قرطبة، كان راسخًا في العلم مفننًا في الآداب، مقتفيًا لآثار السلف، له مصنفات منها: تفسير القرآن، أصول السنة وغيرها، (ت: ٣٩٩ هـ). انظر: ترتيب المدارك (٢/ ٢٥٩)، الوافي بالوفيات (٣/ ٣٢١)، السير (١٧/ ١٨٨).
[ ٥٥٩ ]
عباد (^١) قال: «من أدركت من المشايخ مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق» (^٢).
وكما في الأثر المشهور المستفيض عندما جاءه رجل وقال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟، فتأثّر مالك -﵀- من هذه المسألة الشنيعة وعلاه الرحضاء، وقال في إجابته لهذا السائل: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) وأمر بالسائل أن يُخرج من مجلسه (^٣).
"وحسبك بهذا الأثر نكارةً أنه لم يُذكر في شيء من كتب السنة التي تنقل معتقد السلف وأقوالهم قط، ولا في شيء من كتب أصحاب الإمام مالك التي تنقل أقواله واختياراته كالمدونة وغيرها، ولم يُسطر في كتاب يحكي عقيدة الإمام مالك، كالرسالة لابن أبي زيد القيرواني (^٤) " (^٥).
ثانيًا: بين شيخ الإسلام -﵀- أن هذه الرواية لو ثبتت بإسناد صحيح فإن الجواب عنها يكون كالجواب عن الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في تأويل المجيء: بمجيء الأمر. وقد أجاب عنها شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه (^٦)
_________________
(١) هو أبو محمد زهير بن عباد الرؤاسي ابن عم وكيع، سمع من: مالك بن أنس، وحفص بن ميسرة، وفضيل بن عياض. وسمع منه: محمد بن أحمد العريبي، والحسن بن الفرج الغزي، وجماعة منهم: أبو حاتم الرازي. وقال: ثقة، (٢٣٨ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (٥/ ٨٢٤)، لسان الميزان (٣/ ٥٢٨).
(٢) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص:١١٣).
(٣) سبق عزوه (ص:٤٥٣).
(٤) هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، إمام مالكي، من مؤلفاته: الرسالة، الجامع وغيرهما، توفي سنة: (٣٨٦ هـ). انظر: السير (١٧/ ١٠)، شذرات الذهب (٣/ ١٣١).
(٥) الأشاعرة في ميزان أهل السنة (ص: ٥٨٣).
(٦) انظر شرح حديث النزول (ص ٥٦ - ٧٥)، مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، (١٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، جامع المسائل (٨/ ١٩٥).
[ ٥٦٠ ]
بأجوبة ثلاثة حاصلها ما يلي:
١) أن هذا غلط من الراوي على الإمام أحمد -﵀-.
٢) أنه ﵀ قاله على سبيل إلزام الخصوم (^١).
٣) أن هذه رواية أخرى عنه، مخالفة للروايات المشهورة عنه في عدم تأويل آيات الصفات وإمرارها على ظاهرها.
وإذا تبين بطلان هذه الرواية وعدم صحة نسبتها إلى الإمام مالك، فإننا في غنى عن مثل هذه التبريرات، ولسنا بحاجة لمثل هذه التخريجات، وهذا هو الحال؛ فإنها لم تثبت بنقل صحيح ثابت، ولا بسند سليم معتبر، والله أعلم.
المسألة الثامنة : رد دعواهم في أنه ليس لنصوص الأسماء والصفات معنى:
تمهيد:
كان مما اعترض به بعض المخالفين على شيخ الإسلام في عقيدته الواسطية، ما نص عليه من أن الله فوق سماواته، وأنه فوق العرش، مستو عليه رقيب على خلقه مطلع عليهم، وكل هذه المعاني حق على حقيقته، فاعترضوا باعتراضات، مفادها عدم صحة وجواز التعبير بهذه الألفاظ، بل يجب الاقتصار على الألفاظ التي جاءت في النصوص، وعدم التعبير عنها بأي معنى مرادف، أو قريب، أو مشتق منها. ودراسة هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
وأصل شبهتهم في هذه المسألة اعتقادهم أن ألفاظ الصفات التي وردت بها النصوص ليس لها معنى فيعبر عنه، أو يؤتى بمرادفه، بل هي نصوص لا يفهم لها معنى ولا تظهر منها دلالة؛ فلذلك لا يجوز التعبير عنها بأي معنى مرادف أو قريب
_________________
(١) وهذا الوجه قد يستقيم فيما ورد عن الإمام أحمد -﵀-، ولا يستقيم هنا فيما روي عن مالك -﵀-. (تعليق الشاملة): كذا في المطبوع، وقبلها الخامسة
[ ٥٦١ ]
أو مشتق منها، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا دلالة ولا معنى، ولذلك قالوا في اعتراضهم: نقول كما جاء في الحديث (والله فوق العرش)، ولا نقول: (فوق السموات)، ولا نقول: (على العرش)، وقالوا أيضًا: نقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ولا نقول: (الله على العرش استوى)، ولا نقول (مستو) (^١).
واعترضوا بناء على هذا الأصل على تعبير شيخ الإسلام بعد ذكره عقيدة أهل السنة في علو الله واستوائه على عرشه (حق على حقيقته)؛ لأن هذه العبارة تثبت معنى حقيقيًا لهذه النصوص، والذي ألجأهم لهذا كله هو اعتقادهم أن العلو والاستواء صفات لا يفهم منها في اللغة إلا استواء الأجسام وعلوها وفوقيتها، فإثبات حقيقتها هو محض التجسيم، ونفي مدلولات النصوص ومعانيها هو عندهم غاية التعظيم والتنزيه (^٢).
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام -﵀- في مواضع كثيره من كتبه ومصنفاته، بطلان عقيدة التفويض التي مبناها على التجهيل ونفي دلالات النصوص ومعانيها، وجعل النصوص ألفاظًا مجردة، لا معنى لها ولا فائدة، من وجوه كثيرة يطول ذكرها ويصعب حصرها، ويكفي في بيان بطلان هذا القول، ما ذكره شيخ الإسلام من لوازم فاسدة تلزم القائلين بهذه المقالة ومنها ما يلي ومنها ما يلي:
١) جعل كلام الله من العبث والباطل الذي لا معنى له ولا فائدة، قال شيخ الإسلام -﵀-: «فالكلام إنما المقصود به الإفهام، فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثًا وباطلًا، والله تعالى قد نزّه نفسه عن فعل الباطل والعبث، فكيف يقول الباطل والعبث ويتكلم بكلام ينزله على خلقه لا يريد به إفهامهم» (^٣).
_________________
(١) انظر: المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٧٨).
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٧٨).
(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٧).
[ ٥٦٢ ]
٢) تجهيل الأنبياء، وأنهم يتكلمون بما لا يعقلون معناه، ولا يعلمون المراد منه، قال شيخ الإسلام: «فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه» (^١).
٣) القدح في القرآن، وأنه ليس فيه هدى للناس ولا بيان لهم، قال شيخ الإسلام -﵀: «ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقًا لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعّد، أو عمّا أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل، ولا يتدبّر، ولا يكون الرسول بيّن للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين» (^٢).
٤) فتح الباب أمام أهل البدع والضلال والإلحاد للتقول في دين الله بآرائهم وعقولهم وأهوائهم، وادعاء الهدى في طريقتهم، قال شيخ الإسلام: «وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدلّ به، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا، لا في طريق الأنبياء؛ لأنّا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنّة والسلف
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠٤).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠٤).
[ ٥٦٣ ]
من شر أقوال أهل البدع والإلحاد» (^١).
٥) تجهيل السلف والقدح في علمهم وفضلهم، وتفضيل الخلف المتأخرين على السابقين الأولين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها، من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإنّ هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنّوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]، وإن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف» (^٢).
وقد جمع ابن القيم -﵀- إلزامات شيخه للقائلين بهذه المقالة في سبعة وجوه فقال ﵀:
«قال شيخ الإسلام: إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يوجد ما يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم، بل ما في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة يوجد دالًا على خلاف الحق عندهم: إما نصًا، وإما ظاهرًا، بل دالا عندهم على الكفر والضلال لزم من ذلك لوازم باطلة منها:
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٢) الفتوى الحموية (١٨٥ - ١٨٩).
[ ٥٦٤ ]
الأول: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره، ويوقعهم في التشبيه والتمثيل.
الثاني: ومنها أن يكون قد نَزَّلَ بيان الحق والصواب لهم، ولم يُفصح به، بل رمز إليه رمزًا وألغزه إلغازًا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد.
الثالث: ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك.
الرابع: ومنها أن يكون دائمًا متكلمًا في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب، تارة بأنه استوى على عرشه، وتارة بأنه فوق عباده، وتارة بأنه العلي الأعلى، وتارة بأن الملائكة تعرج إليه، وتارة بأن الأعمال الصالحة ترفع إليه، وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من عنده، وتارة بأنه رفيع الدرجات، وتارة بأنه في السماء، وتارة بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وتارة بأنه فوق سماواته على عرشه، وتارة بأن الكتاب نزل من عنده، وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وتارة بأنه يرى بالأبصار عيانًا يراه المؤمنون فوق رؤوسهم، إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك، ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة، ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو الصواب فيه، لا نصًا ولا ظاهرًا ولا يبينه.
الخامس: ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان، وذلك إما جهل ينافي العلم، وإما كتمان ينافي البيان، ولقد أساء الظن بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك، ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان الحق، تولد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق، ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصًا وظاهرًا، ولا يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصًا ولا ظاهرًا، وإذا ورد عليهم من
[ ٥٦٥ ]
النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات وطلبوا له مستكره التأويلات.
السادس: ومنها أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم.
السابع: ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب؛ فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال، ولم يستفيدوا منها يقينًا ولا علمًا بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك، وإنما يستفاد من عقول الرجال وآرائها.
فإن قيل: استفدنا منها الثواب على تلاوتها، وانعقاد الصلاة بها، قيل هذا تابع للمقصود بها بالقصد الأول، وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات حقائقها ومعانيها والإيمان بها، فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد الصلاة عليه، بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهدى به علمًا وعملًا، ويبصر من العمى، ويرشد من الغي، ويعلم من الجهل، ويشفي من الغي، ويهدي إلى صراط مستقيم، وهذا القصد ينافي قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من جنس الألغاز والأحاجي، فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبدًا. وبالله التوفيق» (^١).
وركز شيخ الإسلام في جوابه على الخصوم أثناء المناظرة على بيان صحة ما قرره من اعتقاد وما ذكره من ألفاظ الأسماء والصفات وقوله: (حق على حقيقته) دون أن يتطرق لبيان شبه الخصم والجواب عليها، والاستطراد في تقرير ذلك؛ لأن مراده إفحام الخصوم وبيان فساد ما أوردوه على العقيدة، وهذا شأنه في سائر مناقشاته في الواسطية؛ التي غايته فيها: تقرير صحة ما ذكره فيها وإبطال ما يورده الخصوم عليها.
فبين هنا أن ما جاء من أسماء الله وصفاته، إما أن تكون من باب المشترك أو
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٣١٥).
[ ٥٦٦ ]
المتواطئ أو المشكك، وليس هناك مذهب رابع في ذلك، وعلى أي مذهب كان فلا محظور في إطلاق لفظ: الحقيقة، أو حق على حقيقته.
وتفصيل ذلك: أن الاشتراك في الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق، كالوجود والسمع والبصر والاستواء والكلام، إما أن يكون:
١) من باب المشترك اللفظي: وهو ما اتفق لفظا فقط، مع اختلافه في المعنى. وذلك كاتفاق العين الباصرة، والعين النابعة، بلفظ: العين، مع اختلافهما في المعنى والحقيقة؛ ومع ذلك فإطلاق لفظ العين حقيقة في كل منهما وليس مجازًا.
وإذا كانت الأسماء والصفات من هذا القبيل، فيكون إطلاقها حق على حقيقته، لا إشكال في ذلك.
٢) من باب المتواطئ: وهو ما اتفق لفظًا، واشترك في معنىً كلي، تساوت فيه أفراده. وذلك كاتفاق زيد وعمرو وخالد في مسمى "الإنسان"، واتفاق الأسد والفهد والفيل في مسمى الحيوان، فيطلق على زيد وعمرو وخالد أنه "إنسان"، فقد اشتركوا في هذا المعنى الكلي على حد التساوي، وأطلق على كل منهم على سبيل الحقيقة. وإذا كانت الأسماء والصفات من هذا القبيل، فهي أيضًا من باب الحقيقة.
٣) من باب "المشكِّك": وهو ما اتفق لفظًا، واشترك في معنى كلي، تفاوتت فيه أفراده.
وذلك كـ"العلم"، فإنه يشترك فيه زيد وعمرو وخالد، ولكنهم يتفاوتون في مقداره، ومع تفاوتهم في مقداره، فهو يطلق على كل منهم على سبيل الحقيقة.
ومن هذا الباب الاشتراك الحاصل في أسماء الله وصفاته (^١).
وقد بين شيخ الإسلام -﵀- في مواضع أخرى من كتبه ورسائله أن الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق ليست مشتركة اشتراكًا لفظيًا، وإنما هي من
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٢٧ - ٢٣٤)، (٣/ ١٢٣ - ١٢٩)، (١١/ ٨٣)، والتدمرية (ص:١٣٠)، والتعريفات للجرجاني (ص: ٢١٥، ٢١٦، ٢١٩)، والمزهر (١/ ٣٧٠ - ٣٨٦).
[ ٥٦٧ ]
باب المشكك، وبين ﵀ أن بعض أهل الاصطلاح لا يجعل المشكك قسما ثالثًا، بل يجعله من قسم المتواطئ، ورجح شيخ الإسلام هذا القول، وعلى هذا يكون المتواطئ نوعان:
١) ما استوت فيه أفراده.
٢) ما تفاوتت وتفاضلت فيه أفراده (وهو المتواطئ الخاص الذي يسمى مشككًا).
ولذلك تجد شيخ الإسلام كثيرًا ما ينص على أنها متواطئة، ويعني بالتواطئ: التواطئ الخاص، وأما من جعل المشككة قسمًا ثالثًا، فإنه يجعلها من قبيل المشككة لا المتواطئة، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُلم المقصود وفُهم المراد، قال شيخ الإسلام: «ثم من جعل المشككة نوعا من المتواطئة لم يمتنع -عنده- إذا قيل: مشككة، أن تكون متواطئة، ومن جعل ذلك نوعًا آخر جعلها مشككة لا متواطئة، وهذا نزاع لفظي، فإن المتواطئة التواطؤ العام، يدخل فيها المشككة؛ إذ المراد بالمشككة: ما يتفاضل معانيها في مواردها، كلفظ الأبيض الذي يقال على البياض الشديد، كبياض الثلج، والخفيف كبياض العاج، والشديد أولى به.
ومعلوم أن مسمى البياض في اللغة لا يختص بالشديد دون الخفيف، فكان اللفظ دالا على ما به الاشتراك، وهو المعنى العام الكلي، وهو متواطئ بهذا الاعتبار، وهو باعتبار التفاضل يسمى مشككا. وأما إذا أريد بالتواطؤ: ما تستوي معانيه، كانت المشككة نوعًا آخر، لكن تخصيص لفظ المتواطئة بهذا عرف حادث، وهو خطأ أيضًا؛ فإن عامة المعاني العامة تتفاضل، والتماثل فيها في جميع مواردها بحيث لا تتفاضل في شيء من مواردها إما قليل، وإما معدوم. فلو لم تكن هذه الأسماء متواطئة بل مشككة، كان عامة الأسماء الكلية غير متواطئة» (^١).
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦).
[ ٥٦٨ ]
وبين شيخ الإسلام لخصمه أن عدم الإقرار بأن ما جاء من صفات الله في القرآن حق على حقيقته، يعني جواز تكذيب ما جاء في القرآن والقول بضده؛ وذلك لأن ما كان مجازا وليس حقيقة فإنه يصح نفيه، بل علامة المجاز صحة نفيه، فلو قلت: فلان أسد، جاز أن تقول فلان ليس بأسد ولكنه إنسان، وهكذا في كل لفظ استخدم في غير الحقيقة، فيلزم على القول بأن نصوص الأسماء والصفات ليست على حقيقتها، جواز نفيها، فيقال: في قوله: (سميع بصير)، ليس بسميع ولا بصير، ويقال في ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لم يستو الرحمن على العرش، ونحو هذا، مما يعلم فساده وبطلانه بالضرورة من دين الإسلام "فكل من أنكر أن يكون اللفظ حقيقة لزمه جواز إطلاق نفيه، فمن أنكر أن يكون استوى على العرش حقيقة؛ فإنه يقول: ليس الرحمن على العرش استوى. كما أن من قال: إن لفظ الأسد للرجل الشجاع والحمار للبليد ليس بحقيقة؛ فإنه يلزمه صحة نفيه، فيقول: هذا ليس بأسد ولا بحمار ولكنه آدمي. وهؤلاء يقولون لهم: لا يستوي الله على العرش. كقول إخوانهم: ليس هو بسميع ولا بصير ولا متكلم؛ لأن هذه الألفاظ عندهم مجاز. فيأتون إلى محض ما أخبرت به الرسل عن الله سبحانه، يقابلونه بالنفي والرد؛ كما يقابله المشركون بالتكذيب" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٩).
[ ٥٦٩ ]
المبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل في صفة اليد وغيرها من المسائل:
واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
• تمهيد:
تعتبر الرسالة المدنية من أهم الرسائل التي اعتنت بتقرير منهج أهل السنة في التعامل مع نصوص الصفات، وفي بيان التأويل الصحيح من التأويل الفاسد، وقد امتازت عن غيرها من تقريرات شيخ الإسلام بأنها جمعت بين التقرير والتطبيق، فقد قرر فيها شروط جواز تأويل الصفات، ثم طبق تلك الشروط على صفة اليد، وامتازت أيضًا بصيغتها التي وردت فيها، وهي صيغة الحوار والمناقشة والمناظرة، وذلك أن شيخ الإسلام إنما حكى فيها ما جرى بينه وبين بعض المتكلمين ممن يرى أن منهج تأويل الصفات هو المنهج المستقيم في التعامل مع النصوص.
وإلى الشروع في ذكر المناظرة التي عناها شيخ الإسلام -﵀-:
[ ٥٧٠ ]
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام -﵀- في نص الرسالة المدنية (^١):
«السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جيرانه سكان المدينة طيبة من الأحياء والأموات، من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
إلى الشيخ الإمام العارف الناسك، المقتدي الزاهد العابد: شمس الدين (^٢)، كتب الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا، وجعله من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وخاصته المصطفين، ورزقه اتباع نبيه باطنًا وظاهرًا، واللحاق به في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
من أحمد بن تيمية: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد» (^٣)
ثم ذكر ﵀ مقدمة لطيفة في الوعظ (^٤)، ثم قال بعدها:
_________________
(١) ذكر هذه الرسالة ابن القيم في ثبت مؤلفات شيخ الإسلام (ص: ٣٠)، وكذا ابن عبد الهادي في العقود الدرية، وطبعت ضمن مجموع الفتاوى جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (٦/ ٣٥١ - ٣٧٣)، وطبعت ضمن تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة للفتوى الحموية، مطبعة المدني، القاهرة. وطبعت مستقلة بتحقيق: الوليد بن عبد الرحمن الفريان، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.
(٢) هو محمد بن أحمد بن أبي نصر أبو عبد الله شمس الدين الدباهي البغدادي، ولد في ست أو سبع وثلاثين وستمائة ببغداد، ودخل الروم والجزيرة ومصر والشام والحرمين وجاور فيهما، فلما لمعت له أنوار شيخ الإسلام -﵀- ارتحل إلى دمشق بأهله، وصحب شيخ الإسلام، واستوطن دمشق إلى أن توفي، قال الذهبي: «وكان ذا تأله، وصدق، وعلم» وقال: «وكَانَ حسن المجالسة، متبعًا للسنة، محذرا من البدعة» وقال البرازلي: «وهو حسن الجملة، عديم التكلف، وافر الإخلاص، متبع للسنة، حسن المشاركة فِي العلم، سيد من السادات»، (ت: ٧١١ هـ). انظر: العبر في خبر من غبر (٤/ ٢٩)، شذرات الذهب (٨/ ٥١)، أعيان العصر (٤/ ٢٣٩)، ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
(٣) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥١).
(٤) انظر: الرسالة المدنية ضمن المجموع (٦/ ٣٥١ - ٣٥٢).
[ ٥٧١ ]
«وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة، التي لابد منها في صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه. فأنا أذكر لك ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ذلك (^١)، وهو ما حكيته لك وطلبته، وكان -إن شاء الله- له ولغيره به منفعة، على ما في الحكاية من زيادة ونقص وتغيير:
قال لي بعض الناس: إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت، وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة، قلنا كما قال الشافعي -﵁-: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -ﷺ-» (^٢)، وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق، فإن الحق مذهب من
_________________
(١) الذي يظهر أن هذه المناظرة قد وقعت لشيخ الإسلام قبل مناظرة الواسطية بزمن؛ وذلك لأن هذه الرسالة التي بعثها شيخ الإسلام لشمس الدين الدباهي إنما كانت وشمس الدين في المدينة المنورة، ثم إنه بعدها بفترة قدم إلى دمشق وصحب شيخ الإسلام فيها فترة من الزمن، وبقي فيها إلى أن توفي سنة ٧١١ هـ، وكانت المناظرة الواسطية قد وقعت لشيخ الإسلام سنة ٧٠٥ هـ، ثم أُبعدَ بعدها إلى مصر واستمر هناك سبع سنين أي إلى سنة ٧١٢ هـ، وذلك بعد وفاة شمس الدين بعام، فتكون صحبة الدباهي له إنما كانت قبل ٧٠٥ هـ بلا شك، ويكون بعث شيخ الإسلام للرسالة المدنية لشمس الدين قبل ذلك بمدة، وذلك عندما كان الدباهي يقطن المدينة المنورة.
(٢) ذكره ابن قدامة في لمعة الاعتقاد (ص:٧)، وقال الحافظ ابن كثير -﵀- في كتابه (البداية والنهاية) (١٣٨/ ١٤): (وقد روي عن الربيع وغير واحد من رؤوس أصحابه (أي الشافعي) ما يدل على أنه كان يمر آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف؛ على طريق السلف). وقال الحافظ الذهبي -﵀- في كتابه "العلو للعلي الغفار" (ص:١٦٦): (وعن يونس بن عبد الأعلى؛ سمعت الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحدًا -قامت عليه الحجة- ردها). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه (فتح الباري) (٤٠٧/ ١٣): (وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى، سمعت الشافعي يقول: لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
[ ٥٧٢ ]
يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين.
فقلت له: أما ما قاله الشافعي؛ فإنه حقٌ يجب على كل مسلم أن يعتقده، ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه، فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، وأما إذا بحث الإنسان وفحص، وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلًا، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرًا وباطنًا.
فاستعظم ذلك وقال: أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا؟
فتواعدنا يومًا، فكان فيما تفاوضنا: أن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين ممن ينتحل مذهب الأشعري لأهل الحديث ثلاث مسائل:
١. وصف الله بالعلو على العرش.
٢. ومسألة القرآن.
٣. ومسألة تأويل الصفات.
فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات؛ فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها، وقلت له: مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة المفضلة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت. ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل.
وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف منهم الخطابي (^١) مذهب السلف: أنها تجرى على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول: إن له يدًا وسمعًا، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ومعنى السمع: العلم.
_________________
(١) وقد مر معنا كلام الخطابي، انظر: حاشية المناظرة في العقيدة الواسطية (ص:٤٥٤).
[ ٥٧٣ ]
فقلت له: وبعض الناس يقول: مذهب السلف: أن الظاهر غير مراد، ويقول: أجمعنا على أن الظاهر غير مراد (^١)، وهذه العبارة خطأ، إما لفظًا ومعنى، أو لفظًا لا معنى؛ لأن الظاهر قد صار مشتركًا بين شيئين:
أحدهما: أن يقال: إن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف، فلا شك أن من قال: إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة.
لكن هذا القائل أخطأ، حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث، وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه، فإن ظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره: بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام، وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقل المؤمنين، بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات، فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضًا تدل على حدوثنا يمتنع أن يُوصف الله سبحانه بمثلها، فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوها أجسامًا كذلك محدثة، يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها.
ثم لم يقل أحد من أهل السنة: إذا قلنا: إن لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، أن ظاهره غير مراد، ثم يفسره بصفاتنا، فكذلك لا يجوز أن يقال: إن ظاهر اليد والوجه غير مراد، إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم.
ومن قال: إن ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ؛ لأنه ما من اسم يسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به، فكان
_________________
(١) انظر: تحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص: ٥٧).
[ ٥٧٤ ]
قول هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد.
والمعنى الثاني: أن هذه الصفات إنما هي صفات الله ﷾ كما يليق بجلاله، نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته، فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص، وكذلك الوجه. ولا يقال: إنه مستغن عن هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته، والإله المعبود سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات.
وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقًا، وإنما الكلام مع من يثبت بعض الصفات.
وكذلك فعله، نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم، وإن كنا لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا، إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل، والله غني حميد.
وكذلك الذات، تعلم من حيث الجملة، وإن كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا يعلم ما هو إلا هو، ولا يدرك لها كيفية، فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه الصفات، وهو الذي يجب أن تحمل عليه.
فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه، فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة، ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات، ونحو ذلك.
كما يعلم أن له ربًا وخالقًا ومعبودًا، ولا يعلم كنه شيء من ذلك، بل غاية علم الخلق هكذا، يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه، وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب.
قلت له: أفيجوز أن يقال: إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير؟
فقال: هذا لا يمكن.
[ ٥٧٥ ]
فقلت له: من قال: إن الظاهر غير مراد، بمعنى: أن صفات المخلوقين غير مرادة، قلنا له: أصبت في المعنى، لكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقًا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه.
ومن قال: إن الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والأشعرية وغيرهم فقد أخطأ.
ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إن له صفات سبعًا: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر. وينفون ما عداها، وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها (^١).
وأما المعتزلة: فإنهم ينفون الصفات مطلقًا ويثبتون أحكامها، وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير، وأما كونه مريدًا متكلمًا فعندهم أنها صفات حادثة، أو
_________________
(١) وقد لخص شيخ الإسلام مجمل خلافاتهم بقوله في مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢): «وهؤلاء أهل الكلام القياسي من الصفاتية فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة الصابئة في كثير من أمورهم، وأثبتوا الصفات التي قد يستدل بالقياس العقلي عليها كالصفات السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. ولهم نزاع في السمع والبصر والكلام هل هو من الصفات العقلية، أو الصفات النبوية الخبرية السمعية، ولهم اختلاف في البقاء والقدم وفي الإدراك الذي هو إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات. ولهم أيضًا اختلاف في الصفات السمعية القرآنية الخبرية كالوجه واليد فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها، وكثير من متأخريهم لا يثبتها، وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا يثبتها. ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عارضها من القياس العقلي عنده، ومنهم من يفوض معناها». وانظر تفصيل ذلك: شرح الأصبهانية (ص: ٢٩ - ٣٣).
[ ٥٧٦ ]
إضافية أو عدمية. وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم، ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس، حيث زعموا أن الصفات كلَّها ترجع إلى سلب أو إضافة، أو مركب من سلب وإضافة، فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل (^١).
ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرًا نافذًا، وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعًا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله؛ ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه (^٢). ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشعرية مخانيث المعتزلة (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠).
(٢) كثيرًا ما ينص شيخ الإسلام على أن البدع بريد الكفر، وأحيانًا يقول: مشتقة من الكفر. وينسبها إلى بعض السلف، ومعناها صحيح بلا شك، ولكني لم أقف خلال البحث على قائلها، وإنما وقفت على قول أبي حفص النيسابوري (ت: بعد ٢٦١ هـ) الذي رواه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص:١٠٤) والبيهقي في الشعب (٩/ ٣٨٤): «المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمى بريد الموت».
(٣) ذكر شيخ الإسلام نحو هذه العبارة في غير موضع من كتبه، انظر: مجموع الفتاوي (٨/ ٢٢٧ - ١٤/ ٣٤٨)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٠) النبوات (١/ ٣٠٧) وغيرها من المواضع، وقد شنع بها بعض المخالفين على شيخ الإسلام، وسبب ذلك أمران اثنان: الأول: ظنهم أن شيخ الإسلام هو أول من استخدم مثل هذه العبارة. الأمر الثاني: الجهل من بعضهم بمعنى كلمة (مخنث) في لغة العرب. فأما الأمر الأول: فإن شيخ الإسلام ليس هو أول من استخدم مثل هذا التعبير عن الفرق المخالفة، فقد استخدم هذا التعبير عبد القاهر البغدادي (ت: ٤٢٩ هـ) في الفرق بين الفرق (ص:٩) قال: «ولهذا قيل للمعتزلة: إنهم مخانيث الخوارج»، وذكر العبارة نفسها أبو المظفر الإسفراييني (ت: ٤٧١ هـ) في التبصير في الدين (ص:٦٨)، ونقل شيخ الإسلام عن أبي إسماعيل الهروي (ت: ٤٨١ هـ) قوله: «الأشعرية الإناث هم مخانيث المعتزلة». كما أن الشهرستاني (ت: ٥٤٨ هـ) في نهاية الإقدام (ص: ١٥٩) قال عن المعتزلة: «الخناثى من المعتزلة لا رجال ولا نساء»، ووردت عبارة (المعتزلة مخنثة الفلاسفة)، في نفخ الطيب (٥/ ٣٠٧). وأما الأمر الثاني: فإن معنى المخنث والخنثى عند العرب كما بين الفراهيدي وغيره: هو ما اجتمع فيه شيء من الذكورة وشيء من الأنوثة فليس معدودًا من الذكور ولا من الإناث، ومنه مسألة الخنثى عند الفقهاء، وهو الذي له آلة الرجال وآلة النساء جميعًا. وانظر في ذلك: العين (٤/ ٢٤٨)، غريب الحديث للقاسم بن سلام (٢/ ٢٨٣)، الزاهر (٢/ ١٥٢)، الصحاح (١/ ٢٨١). وعليه فمعنى كلام شيخ الإسلام: (الأشاعرة مخانيث المعتزلة) أن الأشاعرة ليسوا فحولًا في الاعتزال، بل خلطوا بين مذهب المعتزلة وغيره، وأما ما فهمه الجهلة بالعلم واللغة من المعنى الشائن القبيح؛ فإنه معنى لم تعرفه العرب من كلامها إلا في العصور المتأخرة، وربما بعد عصر شيخ الإسلام، حتى أن الفيروز آبادي لم يُشر إليه في القاموس، وهو من طبقة تلاميذ تلاميذ شيخ الإسلام. وقال ابن الطيب الفاسي -﵀- كما في تاج العروس (٥/ ٢٤١): «التَّخْنِيثُ الذي هو فِعْل الفاحشة لا تعرفه العرب، وليس في شْيءٍ من كلامهم، ولا هو المقصود من الحديث» والله أعلم.
[ ٥٧٧ ]
وكان يحيى بن عمار (^١) يقول: (المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث) (^٢)، ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنًا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر، والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير.
قلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء:
أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة
_________________
(١) هو يحيى بن عمار بن العنبس، الإمام المحدث الواعظ، شيخ سجستان، أبو زكريا الشيباني السجستاني، نزيل هراة، قال الذهبي: «كان شيخ تلك الديار دينًا وعلمًا وصيانة وتسننًا … وكان متصلبًا على المبتدعة والجهمية، وله قبول زائد عند الكافة لفصاحته وحسن موعظته»، (ت: ٤٢٢ هـ). انظر: السير (١٧/ ٤٨١)، تاريخ الإسلام (٩/ ٣٨٤).
(٢) لم أقف على هذا الأثر، إلا من نقل شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.
[ ٥٧٨ ]
وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنحَ له، وإن لم يكن له أصل في اللغة.
الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة، فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصًا قاطعًا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول -ﷺ- إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته، فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه ﷾ جعل القرآن نورًا وهدى، وبيانًا للناس، وشفاءً لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
ثم هذا الرسول الأمي العربي بُعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلًا يمنع من حمله على ظاهره، إما أن يكون عقليًا ظاهرًا، مثل قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد: أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠٢] يعلم المستمع:
[ ٥٧٩ ]
أن الخالق لا يدخل في هذا العموم، أو سمعيًا ظاهرًا، مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر.
ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره؛ لأن هناك دليلًا خفيًا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان.
فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره، أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟!
فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات.
قلت له: ونحن نتكلم على صفة من الصفات، ونجعل الكلام فيها أنموذجًا يحتذى عليه، ونعبر بصفة اليد، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١]، وقال: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] وقد تواتر في السنة مجيء اليد في حديث النبي -ﷺ-.
فالمفهوم من هذا الكلام: أن لله تعالى يدين مختصتان به، ذاتيتان له، كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوى السموات بيده اليمنى، وأن ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]،
[ ٥٨٠ ]
ومعنى بسطهما: بذل الجود وسعة العطاء؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها، وتركه يكون ضمًا لليد إلى العنق، صار من الحقائق العرفية إذا قيل: هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقة، وكان ظاهره الجود والبخل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، ويقولون: فلان جَعْد البنان وسَبْط البنان (^١).
قلت له: فالقائل إن زَعَمَ أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق، وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع، فهو مبطل، فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة.
أما الأول: فيقول: إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية، تسمية للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم: لفلان عندي أياد، وقول [عبد المطلب] (^٢) لما فقد النبي -ﷺ-:
يا رب رد راكبي محمدًا … رده علي واصطنع عندي يدا (^٣)
وقول عروة بن مسعود (^٤) لأبي بكر يوم الحديبية: (لولا يد لك عندي لم أجزك
_________________
(١) فلان جعد البنان: كناية عن البخل. وسبط البنان: كنابة عن الكرم. انظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٣١)، الفائق في غريب الحديث للزمخشري (١/ ٤٤٤)، معجم اللغة العربية (١/ ٢٥٠).
(٢) في الأصل (أبي طالب) وهو خطأ والمثبت هو الصواب.
(٣) رواه أبو زرعة في تاريخه (ص:١٤٣ - ١٤٤)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٩١)، والبغوي في معجم الصحابة (٢/ ٥٨٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٥١)، والثعلبي في تفسير القرآن (١٠/ ٢٢٦)، بسندهم إلى كندير بن سعيد، عن أبيه قال: (رأيت رجلًا يطوف بالبيت في الجاهلية، وهو يقول: يا رب رد راكبي محمدا … رده إلي واصطنع عندي يدا قال: فقلت: من هذا؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم، بعث بابن ابن له في طلب إبل له، ولم يبعث به في حاجة إلا جاء بها -أو قال: نجح- فلم يلبث أن جاء فضمه إليه، وقال: لا أبعث بك في حاجة -أو قال: في شيء-.
(٤) هو عروة بن مسعود بن معتب الثقفي -﵁- صحابي مشهور، كان كبيرًا في قومه بالطائف قيل: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخرُف:٣١]، ولما أسلم استأذن النبي -ﷺ- أن يرجع إلى قومه يدعوهم للإسلام، فقال: أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني! فأذن له، فرجع، فدعاهم إلى الإسلام، فخالفوه، ورماه أحدهم بسهم فقتله، (ت:٩ هـ). انظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ٢١٨٨ - ٢١٨٩)، الاستيعاب (٣/ ١٠٦٦)، أسد الغابة (٤/ ٣٠)، الإصابة (٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
[ ٥٨١ ]
بها لأجبتك) (^١).
وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي تحرك اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا، ومنه قول زياد (^٢) لمعاوية: «إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي، ويدي الأخرى فارغة» (^٣)، يريد نصف قدرتي ضبط أمر العراق. ومنه قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه.
وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢] أي: بما قدمتم، فإن بعض ما قدموه كلام تكلموا به. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥١] والعرب تقول: (يَدَاك أوْكَتَا، وفُوكَ نَفَخ) (^٤)؛
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد (٢٧٣١)، وأحمد في مسنده (١٨٩١٠)، وابن هشام في مختصر السيرة (٢/ ٣١٣).
(٢) هو زياد بن أبيه: أمير، من الدهاة، القادة الفاتحين، الولاة من أهل الطائف، اختلفوا في اسم أبيه، فقيل عُبَيد الثقفي وقيل أبو سفيان، ولي لعلي بلاد فارس ثم ولي لمعاوية بلاد العراق، وذكروا في مناقبه وسياسته ودهائه الشيء الكثير. (ت:٣٥ هـ) انظر: السير (٦٩٤ - ٤٩٧)، الوافي بالوفيات (١٥/ ٦ - ٨).
(٣) رواه الطبري في تاريخه (٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٤٧٧).
(٤) ذكره المفضل الضبي في أمثال العرب (ص: ١١٧)، وابن سلام في الأمثال (ص:٣٣١)، وأبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال (٢/ ٢٤٣)، والهاشمي في الأمثال (١/ ٢٨٩) وقصته كما ذكرها من تقدم: أن قومًا كانوا في جزيرة من جزائر البحر في الدهر الأول، ودونها خليج من البحر، فأتاها قوم يريدون أن يعبروها فلم يجدوا معبرًا، فجعلوا ينفخون أسقيتهم ثم يعبرون عليها، فعمد رجل منهم فأقلّ النفخ وأضعف الربط، فلما توسط الماء جعلت الريح تخرج حتى لم يبق في السقاء شيء، وغشيه الموت فنادى رجلا من أصحابه أن يا فلان إني قد هلكت. فقال: ما ذنبي (يداك أوكتا وفوك نفخ).
[ ٥٨٢ ]
توبيخًا لكل من جر على نفسه جريرة؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه.
قلت له: ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله، والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وألحدوا في أسمائه وصفاته وآياته تأولوا قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] على هذا كله، فقالوا: إن المراد نعمته، أي: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقالوا: بقدرته، وقالوا: اللفظ كناية عن نفس الجود من غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: خلقته أنا، وإن لم يكن هناك يد حقيقية. قلت له: فهذه تأويلاتهم؟ قال: نعم. قلت له: فننظر فيما قدمنا:
المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران:١٧٣] ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس، والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.
فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة
[ ٥٨٣ ]
واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.
ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.
ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] و﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢]، ومنه قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].
أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]؛ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم -إن شاء الله تعالى- أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.
وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة.
قال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق:٢٤]، وإنما هو خطاب للواحد.
قلت له: هذا ممنوع، بل قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق:٢٤] قد قيل: تثنية الفاعل لتثنية الفعل، والمعنى: ألق ألق. وقد قيل: إنه خطاب للسائق والشهيد. ومن قال: إنه خطاب للواحد، قال: إن الإنسان يكون معه اثنان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليليَّ! خليليَّ! ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، كأنه يخاطب موجودين، فقوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق:٢٤] عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما، فلا حجة فيه البتة (^١).
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للفراء (٣/ ٧٨ - ٧٩)، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٥/ ٤٥)، تفسير القرطبي (١٧/ ١٦) وتفسير ابن كثير (٧/ ٣٧٦)، الفوائد لابن القيم (ص: ١٠).
[ ٥٨٤ ]
قلت له: المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؟
فإن قلت: لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه.
قلت لك: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا من جنس أيدي المخلوقين، وهذا لا ريب فيه، لكن لم لا يجوز أن يكون له يد تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟
قال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا.
قلت: فإذا كان هذا ممكنًا وهو حقيقة اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به، وصحت الدلالة سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره يد يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود.
المقام الثالث: قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله -ﷺ- أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد، أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة، بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه. أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه.
وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة؟ لا يدًا تليق بجلاله، ولا يدًا تناسب المحدثات، وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا، ولو بوجه خفي؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد البتة، وإن
[ ٥٨٥ ]
فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية عند من يدعيه وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة.
فهل يجوز أن يُملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله تعالى خلق بيده، وأن يديه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله -ﷺ- وأولي الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جَهْم ابنُ صفوان بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق (^١).
وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا -ﷺ- كل شيء حتى الخراءة، ويقول: (ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به) (^٢)، (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (^٣)، ثم يترك الكتاب المنزل عليه، وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟!
وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: (أمروها كما جاءت) (^٤)، مع أن معناها
_________________
(١) قال الخليل بن أحمد: «ويقال للرجل إذا كان مَطعُونًا عليه في دِينهِ: إنه لمغُمُوصٌ عليه أي مَطعُونٌ في دينه» العين (٤/ ٣٧٥)، وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٨٦).
(٢) رواه الحاكم في مستدركه (٢/ ٥) (٢١٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٣/ ١٩) (٩٨٩١)، وابن مردويه في أماليه (ص:١٧١) (٢٤)، وهناد بن السري في الزهد (١/ ٢٨١) (٤٩٤)، من حديث ابن مسعود -﵁- بلفظ: (إنه ليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه ليس من شيء يدنيكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به …) الحديث، وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٨٨٦).
(٣) رواه أحمد (٢٨/ ٣٦٧)، (١٧١٤٢)، وابن ماجه (١/ ١٦) (٤٣)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤٠٣) (٨٨)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٢٤٧) (٦١٩)، من حديث العرباض بن سارية -﵁- وصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٧).
(٤) قال الوليد بن مسلم: «سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن الأحاديث التي فيها الصفات، فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير» رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه (٢/ ٣٤٥) (٣٢٨٣)، والآجري في الشريعة (٣/ ١١٤٦) (٧٢٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٧٧) (٩٥٥) وأخرج أيضًا عن بقية قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، ومكحول، قالا: «امضوا الأحاديث على ما جاءت» الأسماء والصفات (٢/ ٣٧٧).
[ ٥٨٦ ]
المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار!
المقام الرابع: قلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة، ما يبين لك أن لله يدين حقيقة.
فمن ذلك تفضيله لآدم يستوجب سجود الملائكة، وامتناعهم عن التكبر عليه، فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، أو مجرد إضافة خلقه إليه؛ لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات.
قال لي: فقد يضاف الشيء إلى الله على سبيل التشريف، كقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس:١٣] وبيت الله.
قلت له: لا تكون الإضافة تشريفًا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره، فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة، والأمر هنا كذلك، فإضافة خلق آدم إليه أنه خلقه بيديه، يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه، وخلق هؤلاء بقوله: كن فيكون، كما جاءت به الآثار.
ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فهما شيئان:
أحدهما: إثبات اليد.
والثاني: إضافة الملك والعمل إليها، والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا.
أما الأول: فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهواء ولا يد الماء، فهب أن قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١] قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.
[ ٥٨٧ ]
والفرق بين قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] من وجهين:
أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه، وبين أنه خلقه بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.
الثاني: أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] أي: يديهما، وقوله: ﴿﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] أي: قلباكما، فكذلك قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].
وأما السنة فكثيرة جدًا، مثل قوله -ﷺ-: (المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا) رواه مسلم (^١)، وقوله -ﷺ-: (يمين الله ملأى لا يَغِيضُهَا نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِض ما في يمينه، والقِسْط بيده الأخرى، يرفع ويخفض إلى يوم القيامة) رواه مسلم في صحيحه (^٢)؛ والبخاري (^٣) فيما أظن.
وفي الصحيح أيضًا عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: (تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم بيده خُبْزَتَه في السفر) (^٤).
وفي الصحيح أيضًا عن ابن عمر، يحكي رسول الله -ﷺ- قال: (يأخذ
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل (١٨٢٧)، من حديث عبد الله بن عمرو -﵁-.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: الحث على النفقة (٩٩٣)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، (٧٤١١)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عه-.
(٤) رواه البخاري كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة (٦٥٢٠)
[ ٥٨٨ ]
الرب ﷿ سمواته وأرضه بيديه، وجعل يقبض يديه ويبسطهما ويقول: أنا الرحمن)، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله؟ وفي رواية: أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، قال: (يقول: أنا الله، أنا الجبار) وذكره (^١). وفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) (^٢) وما يوافق هذا من حديث الحبر (^٣).
وفي حديث صحيح: (إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت. قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته) (^٤)، وفي الصحيح: (إن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق: إن رحمتي تغلب غضبي) (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ومسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٨)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ١٧٢) واللفظ المثبت في النص هو لفظ ابن خزيمة.
(٢) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، وباب قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، ومسلم، كتاب تفسير القرآن (٢٧٨٧).
(٣) رواه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن باب قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، (٤٨١١)، ومسلم، كتاب صفة القيامة (٢٧٨٦).
(٤) رواه الترمذي في سننه (٥/ ٣١٢) (٣٣٦٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٩١) (٢٠٦)، والبزار في مسنده (١٥/ ١٥٠) (٨٤٧٨)، وأبو يعلى في مسنده (١١/ ٤٥٣) (٦٥٨٠)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ١٦٠)، كلهم من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة -﵁- وصححه الألباني كما في صحيح الجامع (٥٢٠٩).
(٥) رواه البخاري كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧] (٣١٩٤)، ومسلم كتاب التوبة (٢٧٥١)، ولفظ (بيده) ثابتة عند أحمد (٩١٥٩) والترمذي (٣٥٤٣)، وابن ماجه (١٨٩)، وغيرهم وليست في الصحيح. انظر: الصحيحة (١٦٢٩).
[ ٥٨٩ ]
وفي الصحيح: أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: (يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده) وقد قال له موسى: (أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه) (^١). وفي حديث آخر: أنه قال سبحانه: (وعزتي وجلالي، لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان) (^٢) وفي حديث آخر في السنن: (لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون) (^٣).
فذكرت له هذه الأحاديث وغيرها، ثم قلت له: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلًا، أم هي نصوص قاطعة؟ وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها من بحر غزير. فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق.
فهذا الذي أشرت إليه أحسن الله إليك أن أكتبه.
وهذا باب واسع، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] و﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى المحمدين، وأبي زكريا، وأبي البقاء عبد المجيد (^٤)، وأهل البيت ومن تعرفونه من أهل المدينة وسائر أهل البلدة الطيبة».
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله (٦٦١٤) ومسلم في صحيحه، باب حجاج آدم وموسى (١٩٣).
(٢) رواه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٩٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٨٨) وفي الشعب (١٤٧) وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٩٨٠).
(٣) رواه أبو داود في سننه (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في السنن الكبرى (١١٢) وغيرهم، وصححه الألباني في تعليقه على الطحاوية (ص:٤٧) (٤٢)، وذلك بعد تضعيفه له قبل ذلك. انظر: تراجعات الألباني (١٦٦، ١٧٠).
(٤) لم أقف على تراجمهم.
[ ٥٩٠ ]
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
المسألة الأولى: مقالة المتكلمين: (الظاهر من نصوص الصفات غير مراد):
كثيرًا ما يقف القارئ في كتب المتكلمين ومصنفاتهم على قولهم عند التعرض لنصوص الصفات: (وظاهرها غير مراد) أو (الظاهر غير مراد)؛ وذلك لأن ظاهرها يقتضي عندهم التشبيه.
والعجب ليس في ذلك، وإنما العجب من إضافتهم هذا الاعتقاد وهذه المقالة إلى السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، وادعاء الإجماع على ذلك!
وفي هذه المناظرة ناقش شيخ الإسلام هذه المقالة وبين ما لها وما عليها، وفصَّل القول فيها، وستكون دراسة هذه المسألة من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
يظهر بوضوح لكل من عرف مذهب القوم أن الأصل الحامل لهم على إطلاق مثل هذه المقالة، واعتقاد أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، هو ظنهم أن ظاهر هذه النصوص هو التشبيه، وإذا كان هذا هو ظاهرها، فلا بد من الجزم حينئذ بأن هذا الظاهر غير مراد فبنوا شبهتهم على أمرين:
الأول: ظنهم أن الظاهر من النصوص التشبيه.
الثاني: إذا كان ظاهرها التشبيه فنجزم أن الظاهر غير مراد.
وذلك -بزعمهم- تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقات، وتبريرًا لطرقهم المبتدعة في التعامل مع النصوص من تأويل وتفويض وتعطيل.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام -﵀- في غير ما موضع من كتبه ورسائله فساد هذه العبارة، وعدم صحة التعبير بها على كل حال؛ فإنها لا تخلو من حالين: إما أن تكون باطلة
[ ٥٩١ ]
اللفظ، أو باطلة اللفظ والمعنى، كما فصل ذلك شيخ الإسلام أثناء مناظرته، والذي يهمنا هنا بيان فساد الشبهة التي حملتهم على إطلاق هذه المقالة، وهي اعتقاد أن ظواهر النصوص تفيد التشبيه، ويمكن إجمال أهم الأوجه التي تدل على بطلانها بما يأتي:
أولًا: أن ظاهر الكلام: هو ما يتبادر إلى العقل السليم من المعاني، لمن يفهم بتلك اللغة. ولا يمكن بحال أن يتبادر إلى ذهن المؤمن سليم العقل والفطرة، أن ظاهر ما وصف الله به نفسه كصفات المخلوقين المحدثة، فكيف يقال بعد ذلك إن هذا هو ظاهر النصوص (^١).
ثانيًا: أن القول بأن ظواهر النصوص يقتضي التشبيه، يلزم منه أن ظواهر نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، ظواهر كفرية، إذ هي تقتضي تمثيل الله بعباده، وتشبيهه بخلقه، وهذا من أشنع الأقوال وأقبحها في حق كلام الله رب العالمين، وحديث سيد المرسلين -ﷺ- (^٢).
ثالثًا: أن القول في الصفات كالقول في بعضها البعض، فكما يقر المخالف بأن الله يوصف بالعلم والحياة والقدرة، ولا يقول: إن ظاهرها غير مراد، وإن ظاهرها التشبيه والتجسيم، فكذلك جميع صفات الباري -جل وعلا- يقال فيها الكلام ذاته، أما أن نجعل ظاهر بعض الصفات غير مراد، وظاهر بعضها مراد، فهذا تناقض لا دليل عليه (^٣).
رابعًا: أن هذه المقالة لم يقل بها أحد من سلف هذه الأمة وأئمتها، ولم يكونوا يسمون هذا المعنى ظاهرا (^٤).
خامسًا: أن في مثل هذا التقرير فتح الباب أمام الجهمية والباطنية والفلاسفة وأضرابهم
_________________
(١) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٦).
(٢) انظر: التدمرية (ص:٦٩).
(٣) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٦).
(٤) انظر: التدمرية (ص:٦٩).
[ ٥٩٢ ]
من الملاحدة، ليحرف كل منهم كلام الله ويفسره بالمعاني الباطلة، والتأويلات الفاسدة التي يريدها، بدعوى أن ظاهرها غير مراد (^١).
سادسًا: أن ادعاء كون هذا النص غير مراد تحكم لا دليل عليه وجناية على المتكلم؛ إذ مراد المتكلم يُعرف من لفظه، ودعوى أن ظاهر كلامه غير مراد، قدح فيه فإن الأصل في المتكلم أن يبين مراده، إلا لعجز أو ضعف في البيان والفصاحة، أو لإرادة التلبيس على المخاطبين (^٢).
سابعًا: أن معظم نصوص القرآن ليست من قبيل "الظاهر"، وإنما من قبيل " النص"؛ وذلك أن الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
«أحدها: ما هو (نص) في مراده لا يحتمل غيره.
الثاني: ما هو (ظاهر) في مراده وإن احتمل أن يريد غيره.
الثالث: ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد، بل هو (مجمل) يحتاج إلى بيان.
فالأول يستحيل دخول التأويل فيه، وتحميله التأويل كذب ظاهر على المتكلم، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها كنصوص آيات الصفات والتوحيد، وأن الله سبحانه مكلم متكلم، آمر ناه، قائل مخبر موحي، حاكم واعد موعد، منبئ هاد داع إلى دار السلام، فوق عباده عليٌ على كل شيء، مستو على عرشه، ينزل الأمر من عنده ويعرج إليه، وأنه فعال حقيقة، وأنه كل يوم في شأن فعال لما يريد، وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع ولا ظهير، وأنه المنفرد بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية، وأنه يعلم السر وأخفى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر، ويرى ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه منها ذرة واحدة، وأنه على كل شيء قدير فلا يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة كما لا يخرج عن علمه وتكوينه، وأن له
_________________
(١) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٨).
(٢) انظر: الحموية (٢٨٠ - ٢٨٢).
[ ٥٩٣ ]
ملائكة مدبرات بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتنتقل من مكان إلى مكان، وأنه يذهب بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة ويبعث من في القبور ﷻ، إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها: كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلوله، وكدلالة لفظ الشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والخيل والبغال، والإبل والبقر والغنم، والذكر والأنثى على مدلولها لا فرق بين ذلك البتة» (^١).
ثامنًا: اللوازم الفاسدة التي تلزم من هذه المقالة وتدل على بطلانها، وقد سبق معنا في الرد على شبهة التفويض ذكر جملة من اللوازم الباطلة التي تلزم من تلك المقالة وتدل على شناعتها وفسادها وبطلانها، وفي الحقيقة أن كل لازم يلزم من تلك المقالة فهو لازم أيضًا لهذه المقالة، فنكتفي بما تم إيراده هناك، فمن أراد مزيد بيان وتوضيح فليراجع ذلك الموضع.
المسألة الثانية: شروط التأويل الجائز:
تبين لنا مما سبق في المناظرة الواسطية، ما أدخله المتكلمون في لفظ التأويل من معان فاسدة، توصلوا من خلالها لتحريف معاني النصوص، وصرفها عن مدلولاتها.
وقدمنا هناك شيئًا من الدراسة لأصل شبهة التأويل والجواب عليها وبيان فسادها، والأوجه التي نقض بها شيخ الإسلام تأويلهم الفاسد من جهة وضعه، ومن جهة آثاره ونتائجه الوخيمة، وما يترتب عليه من لوازم فاسدة تدل على بطلانه (^٢).
وقد تميزت الرسالة المدنية هنا، بمحاكمة شيخ الإسلام أهل الكلام إلى قوانينهم التي وضعوها، ونقضه للتأويل الفاسد من جهة المنهج المتبع فيه؛ وذلك ببيان الأمور التي يشترط وجودها في التأويل ليكون التأويل صحيحًا مقبولا،
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
(٢) انظر: (ص:٤٩٥ فما بعدها) من هذه الرسالة.
[ ٥٩٤ ]
وإلا فهو فاسد مردود.
وقد ذكر شيخ الإسلام أربع مقامات يتميز من خلالها التأويل الصحيح من التأويل الفاسد، سأوردها هنا مع مزيد من التفصيل والتوضيح، وهي كالآتي:
المقام الأول: أن يكون اللفظ محتملًا في اللغة للمعنى الذي أُوِّل إليه، ومستعملًا فيه؛ وذلك لأن الكلام في الكتاب والسنة والآثار جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، فلا بد أن تكون العرب قد استخدمت هذا اللفظ بالمعنى المصروف إليه، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في اللغة.
والتأويل الذي لا يحتمله لفظ النص وسياقه لغةً أنواع (^١):
١. ما لم يحتمله اللفظ في أصل وضعه: كتأويل القدم في قوله -ﷺ-: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) (^٢)، بالجماعة من الناس و"كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية، كتأويل من تأول الصلوات الخمس: بمعرفة أسرارهم، والصيام، بكتمان أسرارهم، والحج: بزيارة شيوخهم، والإمام المبين: بعلي بن أبي طالب، وأئمة الكفر: بطلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن: ببني أمية، واللؤلؤ والمرجان: بالحسن والحسين، والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين: بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والبقرة: بعائشة، وفرعون: بالقلب، والنجم والقمر والشمس: بالنفس والعقل، ونحو ذلك. فهذه التأويلات من باب التحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آيات الله، وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه" (^٣).
_________________
(١) هذه الأنواع ذكرها ابن القيم -﵀-، انظر: مختصر الصواعق (ص:٢٣ - ٢٧)، وقد نقلتها عنه بشيء من الاختصار والتصرف، وأضفت لها شيئًا من كلام شيخ الإسلام الموضح ذلك.
(٢) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] (٤٨٤٨)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤٦).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣٨٣).
[ ٥٩٥ ]
٢. ما لم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله مفردًا: ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في هذه المناظرة من أن: «لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها» (^١).
٣. ما لم يُؤلف استعماله بذلك المعنى في لغة المخاطب، وإن كان هذا المعنى مألوفًا كاصطلاح خاص حادث: كتأويل الفلاسفة الأفول في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام:٧٦] بالتحرك والانتقال، وبنوا على ذلك أن المتحرك لا يكون إلهًا، قال شيخ الإسلام: «والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير: هو الغيب والاحتجاب؛ بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق العلماء» (^٢).
٤. ما لم يعرف تأويله إلا بطريق خفي لا يعرفه إلا أفراد من أهل النظر: كتأويل (الأحد) بالذات المجردة عن الصفات، فلو أمكن ثبوت هذا التأويل لم يدرك إلا بمقدمات صعبة وطويلة لا يدركها إلا مبتدعوها، قال شيخ الإسلام: «ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره؛ لأن هناك دليلًا خفيًا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض
_________________
(١) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٥٤) وانظر: العين (٨/ ٣٣٧) تهذيب اللغة (١٥/ ٢٧١).
[ ٥٩٦ ]
البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان» (^١).
٥. ما أُلِف استعماله في غير ذلك المعنى، لكن في غير التركيب الذي ورد به النص: كتأويل النظر في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] بانتظار الثواب؛ فإنه مضاف إلى الوجوه.
٦. ما لم يعهد استعماله في المعنى المؤول إلا نادرًا: فحمله على خلاف المعهود باطل، ما لم يتضمن قرائن قوية تدل على خروجه عن المعنى المعهود.
٧. ما عطل معناه الأكمل إلى دونه بمراتب: كتأويل الفوقية المطلقة للرب تعالى في قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] إلى كون قدره فوق بني آدم.
٨. ما لم يحتمله السياق المعين وإن جاز في غيره: كتأويل إتيان الرب في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] بإتيان أمره، فسياق التنويع والتقسيم يأباه.
ومن ذلك إضافة الفعل إلى الفاعل، وتعدية الفعل إلى اليد بحرف الباء، كما في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك.
٩. ما لم يحتمله اللفظ للمعنى الذي تأول في ذلك التركيب من حيث اللغة، ومن ذلك تفسير الاستواء بالاستيلاء: فهو مع كونه معنى لا تعرفه العرب في لغتها، ولم يقله أحد من أئمة اللغة. فالتركيب هنا أيضًا لا يحتمله؛ فإن استيلاءه سبحانه وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السموات والأرض، والعرش مخلوق قبلهما.
المقام الثاني: إقامة الدليل الصحيح الصارف للفظ عن معناه، فلو اُدعي وجوب صرف المعنى عن ظاهره المتبادر لأول وهلة، فلا بد من دليل قطعي الدلالة عقلي أو سمعي يوجب الصرف.
والدليل الصارف لابد فيه من أمرين:
_________________
(١) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٢).
[ ٥٩٧ ]
١ - أن يتعين هذا الدليل (بأن يكون اللفظ يحتمله باللفظ والسياق).
٢ - أن يكون موافقًا لمراد المتكلم.
قال شيخ الإسلام: «التأويل المقبول: هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص.
وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم، كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد» (^١).
ولا يمكن أن يجد أهل التأويل دليلًا موجبًا لصرف نصوص الصفات عن حقيقتها سوى دعواهم تنزيه الله عن صفات المحدثين، وهذا الأمر لا نزاع فيه؛ إذ أن حقيقة ألفاظ الصفات وظواهرها هي على ما يستحق الله ﷿ ويليق بجلاله من غير مماثلة لمخلوقاته، فالنصوص الشرعية دلت على انتفاء التمثيل بين صفات الخالق والمخلوق، أما نفي ثبوت صفات تليق بالله ﷻ فليس في النصوص ما يدل عليه بوجه من الوجوه.
ويتضح من ردود شيخ الإسلام على المؤولة أنه لا يوجد لهم دليل صحيح على تأويل الصفات، بل دليل مدعي الحقيقة قائم سمعًا وعقلًا: أما السمع فلا يمكن المكابرة فيه؛ لكثرة النصوص الصريحة في إثبات الصفات وإضافتها لله تعالى.
وأما العقل: فإن العلم بكمال علم المتكلم، وكمال بيانه وكمال نصحه، يمنع من إرادته بكلامه خلاف الظاهر. وكل صفة وصف الرب بها نفسه أو وصفه بها رسوله -ﷺ- فهي كمال قطعًا؛ ولا يجوز تعطيل الرب عن كماله وإبطال حقائق صفاته.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠١).
[ ٥٩٨ ]
المقام الثالث: أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، فأي تأويل عارض أصل النص وجب رده؛ لكونه يعود على أصل النص بالإبطال، ومن ذلك تأويل المرأة بالأمة، في قوله -ﷺ-: (أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها …)؛ فإن تتمة الحديث (فإن دخل بها فلها المهر ..) (^١)، يبطل التأويل؛ فمهر الأمة لسيدها وليس لها.
وعليه فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن إثبات صفات الله على الحقيقة، وأنها مرادة امتنع ترك هذه الدلالة؛ لتأويلات تفرضها بعض الأذهان من وجوه خفية، وهي في الحقيقة شبهة فاسدة، تعارض النصوص المتواترة والمتكاثرة على إثبات الصفات على الوجه اللائق به سبحانه.
المقام الرابع: إذا كان الكلام من الشارع وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين بيانًا واضحًا للأمة بدليل عقلي أو سمعي أنه لم يُرد حقيقته، وإنما أراد به معنى آخر، وذلك لما يلي:
أ-أن الله سبحانه جعل القرآن نورًا وهدى وبيانًا للناس وشفاءً لما في الصدور من الوساوس، والشكوك، وحبائل الهوى.
ب-وأرسل سبحانه الرسل لتبين للناس ما نزل إليهم، ولتحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، حتى تنقطع بهم الحجة، وتتضح أمامهم السبل.
ج-والنبي -ﷺ- بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات.
د - والأمة التي تلقت عنه، والتزموا نهجه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يلزم أن يوضح النبي -ﷺ-، وأصحابه، ومن تبعهم كل ما يتعلق بقضايا الدين، وبمسائل العقيدة وضوحًا لا خفاء فيه، ولا لبس معه،
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤٢٠٥)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وغيرهم من حديث عائشة -﵂- وصححه الألباني إرواء الغليل (١٨٤٠).
[ ٥٩٩ ]
ولا يحتاج معه إلى تأويلات خفية، وخصوصًا أشرف النصوص وأجلها: وهي النصوص اامُعرفة بأشرف المعارف سبحانه، والمخبرة بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله وكماله. ومن ثم فلا يجوز أن يتكلم النبي -ﷺ- وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره، إلا وقد نصبوا دليلًا يمنع من حمله على ظاهره.
هذه هي خطوات المنهج الذي سلكه شيخ الإسلام في إثبات صفات الخالق جل وعلا، وهو المنهج الذي عالج فيه قضية التأويل وبين من خلاله بطلان تأويلات المتكلمين، ومعارضتها للحقيقة السمعية والعقلية، وما اشتملت عليه من ضلال وتحريف وبهتان يؤدي لرد الدين وهدم الرسالات؛ فكل باطل دخل الشريعة كان عن طريق التأويل، وظهر جليًا أن نصوص الصفات من النصوص التي لا يدخلها التأويل المحدث، وإنما يدخلها التأويل الشرعي الذي هو بمعنى التفسير، أو بمعنى الوجود في الخارج، والله أعلم.
[ ٦٠٠ ]
المبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية:
واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
• تمهيد:
لقد ناظر شيخ الإسلام كبار علماء دمشق، وكانت له مساجلات مع عدة من قضاتها وعلمائها، ويعتبر الشيخ زين الدين ابن المرحل والمشهور بـ (ابن الوكيل) (^١) من أكثرهم معارضةً لشيخ الإسلام ومناظرة له، قال ابن كثير -﵀-: «وكان [أي ابن المرحل] ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية (^٢)، ويناظره في كثير
_________________
(١) محمد بن عمر بن مكي، أبو عبد الله صدر الدين (ابن المرحل) المعروف بابن الوكيل، من كبار فقهاء الشافعية في عصره، وكان من الشعراء الأذكياء المشهود لهم بقوة الذاكرة وسعة الحفظ، ومع ذلك فقد ذكر العلماء في ترجمته من القبائح والشنائع والأمور السيئة ما يستبعده القارئ لأول وهله، إلا أن كثرة القائل تُريب العاقل، كما قاله السبكي، (ت: ٧١٦ هـ). انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٨٠)، فوات الوفيات (٤/ ١٣ - ٢٦)، طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٤٢ - ٢٦٧)، الدرر الكامنة (٥/ ٣٧٤ - ٣٨٢).
(٢) ومن ذلك أنه نظم قصيدة في هجاء شيخ الإسلام -﵀- عندما خرج من دمشق في محنته الأولى، وذكر فيها أن سماء دمشق أمطرت فرحًا لخروج شيخ الإسلام منها، وقد رد عليه الإمام نجم الدين إسحق بن ألمى التركي بأبيات قال في مطلعها: من مبلغ عني الخبيث مقالة … كالسيف أقصم ظهره بفرنده أزعمت إذ غاب الإمام همى الغما … م كذبت بل بكت السماء لفقده انظر: العقود الدرية (ص:٤٤٠).
[ ٦٠١ ]
من المحافل والمجالس، وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه، ولكنه كان يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، وينافح عن طائفته» (^١). وقال ابن حجر﵀- في ترجمته له: «وكان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحد سواه» (^٢).
وقد دون بعض طلاب شيخ الإسلام -﵀- ثلاث مناظرات جرت بينهما، وقام بتلخيص مباحثها، ونقل لنا الإمام ابن عبد الهادي -﵀- في العقود الدرية هذه المباحث الثلاثة التي جرت لشيخ الإسلام ابن تيمية مع ابن المرحل الشافعي، فقال: «وَقد رَأَيْت بِخَط بعض أَصْحَابه مَا صورته» (^٣)، ثم ساق المباحث الثلاثة، الأول والثاني لهما تعلق بالاعتقاد، وهذا المبحث الذي بين أيدينا هو المبحث الثاني منها، وسيأتي ذكر المبحث الأول منهما "في فصل: مناظرته مع المرجئة" (^٤)؛ لكونه هو الموضع المناسب له.
ويظهر أن هذه المناظرة التي بين أيدينا قد وقعت قبل مناظرة الواسطية والرفاعية بسنوات كثيرة؛ وذلك لأن الإمام زين الدين بن المنجى الحنبلي (^٥) كان
_________________
(١) البداية والنهاية (١٤/ ٨٠).
(٢) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٥/ ٣٧٤)، وانظر: فوات الوفيات (٤/ ١٤) وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٩/ ٢٥٣).
(٣) العقود الدرية (ص: ١١١). ولم أقف على الشخص المذكور.
(٤) ص:٦٦٥) من هذه الرسالة.
(٥) هو زين الدين المنجّى بن عثمان بن أسعد بن المنجّى التنوخي الدمشقيّ الحنبلي، الإمام العلامة مفتي المسلمين، انتهت إليه رئاسة المذهب في دمشق، وهو أحد شيوخ شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر مترجموه من علمه وفضائله الشيء الكثير، ولد عام (٦٣١ هـ) وتوفي عام (٦٩٥ هـ) ومن تصانيفه (الممتع شرح المقنع) و(تفسير القرآن الكريم). انظر: تاريخ الإسلام (٥٢/ ٢٧٨ - ٢٨٠) والبداية والنهاية (١٣/ ٤٠٧) الوافي بالوفيات (٢٦/ ١٠ - ١٢) ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٢٧١ - ٢٧٤).
[ ٦٠٢ ]
من الحاضرين فيها، وهو قد توفي ﵀ سنة (٦٩٥ هـ) ـ، ومناظرتا الواسطية والرفاعية إنما كانتا في سنة (٧٠٥ هـ) - أي بعد وفاة ابن المنجى بعشر سنين، مما يفيدنا أن هذه المناظرة قد وقعت بلا شك قبل سنة خمسٍ وتسعين وستمائة من الهجرة، والله أعلم.
• نص المناظرة:
قال ابن عبد الهادي -﵀-:
«بحثٌ ثانٍ جرى: أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص؛ فالحمد أعم من جهة أسبابه التي يقع عليها؛ فإنه يكون على جميع الصفات، والشكر لا يكون إلا على الإحسان (^١)، والشكر أعم من جهة ما به يقع؛ فإنه يكون بالاعتقاد والقول والفعل، والحمد يكون بالفعل (^٢) أو بالقول أو بالاعتقاد.
أورد الشيخ الإمام زين الدين بن المنجى الحنبلي: أن هذا الفرق إنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر؛ لأن كونه يقع على كذا، ويقع بكذا خارج عن ذاته،
_________________
(١) قال شيخ الإسلام: «الحمد يتضمن: المدح، والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه: الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان» مسألة (حقيقة الحمد والشكر) ضمن الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
(٢) إضافة "بالفعل" هنا مُشكل؛ فلا يكون حينئذٍ هناك فرق بين الحمد والشكر من جهة ما يقع به، وهذا خلاف ما تم تقريره في أول الكلام، ومخالف -أيضًا- لما نص عليه شيخ الإسلام من أن الحمد إنما يكون بالقول والاعتقاد، والشكر يكون بهما ومع الفعل أيضًا، قال شيخ الإسلام: «الشكر … يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]. والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه». مسألة "حقيقة الحمد والشكر" ضمن الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠). ولعل هذه الكلمة أعني "بالفعل" سبقُ قلم من كاتب المناظرة أو خطأ من قبل النساخ، وقد أثبتها محقق كتاب العقود الدرية، وأشار بالهامش إلى عدم وجودها في نسخة (ف). انظر: العقود الدرية (ص:١٥٧) وهو الأقرب للصواب والله أعلم.
[ ٦٠٣ ]
فلا يكون فرقًا في الحقيقة، والحدود إنما يتعرض فيها لصفات الذات لا لما خرج عنها.
فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: المعاني على قسمين: مفردة ومضافة.
فالمعاني المفردة: حدودها لا تؤخذ عنها متعلقاتها.
وأما المعاني الإضافية: فلا بد أن يوجد في حدودها تلك الإضافات؛ فإنها داخلة في حقيقتها، ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلَّقات، فتكون المتعلَّقات جزءًا من حقيقتها، فتعين ذكرها في الحدود.
والحمد والشكر معنيان متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلَّقِهما، فيكون متعلَّقُهما داخلًا في حقيقتهما.
فاعترض الصدر ابن المرحل: بأنه ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، فلا يكون للحمد والشكر من متعلَّقِهما صفة ثبوتية؛ فإن التعلق (^١) صفة نسبية (^٢)، والنسب أمور عدمية، وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة؛ لأن العدم لا يكون جزءًا من الوجود.
فقال الشيخ تقي الدين: قولك: (ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية)، ليس على العموم؛ بل قد يكون للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، وقد لا يكون، وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين: (ليس لمتعلَّق القول من القول صفة ثبوتية) (^٣). ثم
_________________
(١) التعلق عند المتكلمين: هو طلب الصفة أمرًا زائدًا على قيامها بالذات، كاقتضاء العلم معلومًا ينكشف به، واقتضاء الإرادة مرادًا يتخصص بها. انظر: حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين (ص:٣٠٧)، والتحف الربانية (ص:٩٨).
(٢) أمر نسبي: أي أمرٌ مقيد بغيره مرتبط به غير مطلق. انظر: معجم اللغة العربية (٣/ ٢٢٠٠).
(٣) انظر: هذه العبارة في المحصول للفخر الرازي (١/ ٩١)، وانظر: تعقيب القرافي عليها في نفائس الأصول في شرح المحصول (١/ ٢١٩)، وقال شيخ الإسلام -﵀-: «والتحقيق أن متعلق القول قد يكون له منه صفة وجودية، كمتعلق التكوين والتحريم والإيجاب، وقد لا يكون، كمتعلق الإخبار» درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٤٩).
[ ٦٠٤ ]
الصفات المتعلقة نوعان:
أحدهما: إضافة محضة، مثل: الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها، فهذه الصفة التي يقال فيها: هي مجرد نسبة وإضافة، والنسب أمور عدمية.
والثاني: صفة ثبوتية مضافة إلى غيرها: كالحب والبغض والإرادة والكراهة والقدرة وغير ذلك من الصفات؛ فإن الحب صفة ثبوتية متعلِّقة بالمحبوب، فالحب معروض للإضافة بمعنى أن الإضافة صفة عرضت له؛ لا أن نفس الحب هو الإضافة، ففرق بين ما هو إضافة، وبين ما هو صفة مضافة. فالإضافة يقال فيها: إنها عدمية، وأما الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب.
قال ابن المرحل: الحب أمر عدمي؛ لأن الحب نسبة والنسب عدمية.
قال الشيخ تقي الدين: كون الحب والبغض والإرادة والكراهة أمرًا عدميًا باطلٌ بالضرورة، وهو خلاف إجماع العقلاء، ثم هو مذهب بعض المعتزلة في إرادة الله؛ فإنه زعم أنها صفة سلبية؛ بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره، وأطبق الناس على بطلان هذا القول.
وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحدًا من العقلاء قال: إنهُ أمرٌ عدمي.
فأصر ابن المرحل: على أن الحب -الذي هو ميل القلب إلى المحبوب- أمرٌ عدمي، وقال: المحبة: أمر وجودي.
قال الشيخ تقي الدين: المحبة هي الحب، فإنه يقال: أحبه وحبه حبًا ومحبةً، ولا فرق، وكلاهما مصدر.
قال ابن المرحل: وأنا أقول: إنهما إذا كانا مصدرين فهما أمر عدمي.
قال له الشيخ تقي الدين: الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم، وكون الحب والبغض أمرًا وجوديًا معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خاليًا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محبًا فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب، وهو
[ ٦٠٥ ]
يحس ذلك من نفسه، يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه؛ ودليل ذلك: أنك تقول: أحب يحب محبة، ونقيض أحب: لم يحب، ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات.
قال ابن المرحل: هذا ينتقض بقولهم: امتنع يمتنع؛ فإن نقيض الامتناع: لا امتناع، والامتناع صفة عدمية.
قال الشيخ تقي الدين: الامتناع أمر اعتباري عقلي؛ فإن الممتنع ليس له وجود خارجي، حتى تقوم به صفة، وإنما هو معلوم بالعقل باعتبار كونه معلومًا له ثبوت علمي. وسلب هذا الثبوت العلمي: عدم هذا الثبوت؛ فلم ينقض هذا قولنا: نقيض العدم ثبوت.
وأما الحب فإنه صفة قائمة بالمحب؛ فإنك تشير إلى عين خارجة وتقول: هذا الحي صار محبًا بعد أن لم يكن محبًا، فتخبر عن الوجود الخارجي بصفة، فإذا كان نقيضها عدمًا خارجيًا كانت وجودًا خارجيًا.
وفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع ولا يُناظرُ صاحبهُ إلا مناظرة السوفسطائية.
قلت: وإذا كان الحب والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلِّقة بالغير: صفات وجودية، ظهر الفرق بين الصفات التي هي إضافة ونسبة، وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة، فالحمد والشكر من القسم الثاني؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلِّق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلِّق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلِّقة بالغير، وتلك الصفة داخلة في حقيقتهما، فإذا كان متعلق أحدهما أكبر من متعلق الآخر، وذلك التعلق إنما هو عارض لصفة ثبوتية لهما، وجب ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما، والدليل على هذا: أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر فَعُلِم أن تصور متعلَّق الشكر داخل في تصور الشكر.
قلت: ولو قيل: إنه ليس هذا إلا أمرًا عدميًا، فالحقيقة إن كانت مركبة من
[ ٦٠٦ ]
وجود وعدم وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة، كما أن من عرف الأب من حيث هو أب، فإن تصوره موقوف على تصور الأبوة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأب أمرًا وجوديًا، فالحمد والشكر متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وإن لم يكن هذا التعلق عارضًا لصفة ثبوتية، فلا يُفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا التعلق، كما لا يفهم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوة الذي هو التعلق، وكذلك الحمد والشكر أمران متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وهذا التعلق جزء من هذا المسمى؛ بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد، ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر، فإذا كان فهمها موقوفًا على فهم متعلَّقِهما، فوقوفه على فهم التعلق أولى؛ فإن التعلق فرع على المتعلَّقِ وتبع له، فإذا توقف فهمهما على فهم المتعلَّقِ الذي هو أبعد عنهما من التعلق، فتوقفه على فهم التعلق أولى، وإن كان التعلق أمرًا عدميًا. والله أعلم» (^١).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية:
• تمهيد:
بين شيخ الإسلام ابن تيمية لابن المرحل أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص، فالحمد أعم من جهة أسبابه؛ فإنه يكون على الصفات الذاتية وعلى المتعدية، بينما الشكر لا يكون إلا على المتعدية منها، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ فإنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، بينما الحمد لا يكون إلا بالقلب واللسان، فاعتُرض عليه أن ما ذكره ليس فرقًا على الحقيقة؛ وإنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر، لا من جهة معنى الحمد والشكر مجردًا عن متعلقاته.
وعليه فلا حقيقة للمعاني التي تساق من هذا الباب، كالمحبة والبغض والإرادة والكراهة؛ إذ هي معانٍ عدمية، ومن هذا المنطلق عطلوا صفات الله تعالى عما تدل عليه من معانٍ وجعلوها معانٍ عدمية لا حقيقة لها.
_________________
(١) العقود الدرية (ص ١٢٣ - ١٢٨). مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٦ - ١٥٥).
[ ٦٠٧ ]
مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
يرى ابن المرحل أن الحب والبغض والإرادة ونحوها من الصفات ليست صفات ثبوتية، وإنما هي صفات عدمية، وإضافتها للموصوف إنما هي من باب النسب والإضافات، وكل ذلك لا يتضمن قيام أي معنى بالموصوف: فالمحبة مثلًا ليست صفة لله تعالى، وإنما تنسب إلى الله وتضاف إضافة محضة، لا يترتب عليها وصف يقوم بالله، ولا فعل يقوم به، وهكذا بقية الصفات من باب النسب والإضافات المحضة (^١).
قال شيخ الإسلام: «ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات» (^٢).
والإضافة كما عرفها ابن سينا: هي المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شيء آخر، وليس له وجود غيره، مثل الأبوة بالقياس إلى البنوة (^٣).
ومما يُمثل به لتوضيح معنى النسب والإضافات: لو أن شخصًا جلس يمين زيد، ثم جلس عن يساره، فقد كان في الأول يمينًا، ثم صار يسارًا له من غير أن يقع تغير لذات زيد ولا صفة حقيقية له، بل تلك إضافة محضة (^٤).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٢).
(٣) انظر: الملل والنحل (٣/ ١٥). ومثله تعريف يعقوب بن إسحاق الكندي حيث قال: «المضاف: ما ثبت بثبوته آخر» وفخر الدين الرازي حيث قال: «المضاف: هو الذي تكون ماهيّته مقولة بالقياس إلى غيره» وقال: «أمّا المضاف: فهو طبيعة غير مستقلّة بنفسها بل هي تابعة لغيرها». انظر: موسوعة مصطلحات الفلسفة (ص:٨٠١، ٨٠٣). وانظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (١/ ٤٦٨).
(٤) انظر: الجديد في الحكمة لابن كمونه (ص:٥٥٨).
[ ٦٠٨ ]
وهذه الشبهة هي أحد الشبه التي يحتج بها أهل الفلسفة والكلام على تعطيل الصفات وتحريفها عن معانيها.
وكلام ابن المرحل هنا وإن كان في صفة الحب والبغض والإرادة ونحوها عمومًا دون النظر للمتصف بها، إلا أن أول ما يدخل فيها هو ما جاء من وصف الباري سبحانه بهذه الصفات، بل إن الداعي لهم لجعل هذه الصفات من باب النسب والإضافات إنما هو نصرة مذهبهم في نفي صفات الباري ﷿ بحجة تنزيهه سبحانه عن مشابهة مخلوقاته.
فما يرد على الذهن من معان عند إطلاق أسماء الله وصفاته فإنما هي معان موجودة في العقل، وأما في الخارج فلا وجود لتلك المعاني (الصفات) في ذات الله إطلاقًا، فإنما هي نسب وإضافات يمتنع وجودها في الخارج على سبيل المعاني الثبوتية القائمة بالذات.
الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة:
وقد أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة بما يلي:
أولًا: أن معاني الأشياء على قسمين (^١):
القسم الأول: معانٍ مفردة: وهي التي تُعرف حدودها دون ما نظرٍ أو حاجة لمتعلقاتها.
القسم الثاني: معانٍ مضافة: وهي التي لا يمكن تصورها إلا بتصور متعلقاتها؛ فتكون المتعلقات جزءًا من حقيقتها، فتعين ذكرها في الحدود.
وهذا النوع من المعاني والصفات المتعلقة على نوعين:
١. صفات (نسبية) إضافتها إضافة محضة؛ مثل الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها، فهي مجرد نسبة وإضافة، والنسب أمور عدمية، وهذه تعلقها تعلق عدمي.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٦ - ١٤٧)، العقود الدرية (ص:١٢٣ - ١٢٤).
[ ٦٠٩ ]
٢. صفات (ثبوتية) مضافة إلى غيرها فإضافتها إضافة عرضية، وليست إضافة محضة، فالإضافة عرضت للصفة الثبوتية، لا أن نفس الصفة هي الإضافة، كالحب عرض للمحبوب، والشكر والحمد أضيف وتعلق بالمشكور والمحمود، وهذه تعلقها تعلق ثبوتي وليس عدمي.
فلا يتم فهمُ حقيقة مثل هذه المعاني إلا بفهم متعلقاتها، وتلك المتعلفات جزء من حقيقتها، ومن هذا النوع صفات الله كالحب والبغض والرضا ونحوها.
فتبين أن هنا فرقًا بين الصفات التي هي بنفسها (إضافة ونسبة) وهي النوع الأول، وبين الصفات التي هي: (مضافة منسوبة) ومنها النوع الثاني.
وتبين أن الحقائق والصفات المضافة على نوعين:
الصفات التي هي إضافة ونسبة: كالأبوة التي هي حقيقة مركبة من وجود وعدم، فتصور الأب موقوف على تصور الأبوة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأب أمرًا وجوديًا.
الصفات التي هي مضافة منسوبة: كالحمد والشكر؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم متعلقهما، وذلك المتعلق داخل في حقيقتهما (^١).
ثانيًا: أن دعوى عدمية معنى المحبة والبغض والإرادة والكراهة والشكر دعوى باطلة بالضرورة، أطبق الناس على بطلانها، بل هي مخالفة لإجماع
_________________
(١) قال ابن رشد: «إن المضاف صنفان: أحدهما: المضاف بذاته: وهو الذي يكون وجود كل واحد منهما في الإضافة، والصنف الثاني: المضاف من قبل غيره: أعني من قبل أن غيره أضيف إليه مثل المحسوس والمعقول، فإن المعقول والمحسوس إنما صارا من المضاف؛ لأن العقل والحسّ اللذين هما مضافان بذاتهما أضيفا إليهما لا أنهما من المضاف بذاته» تفسير ما بعد الطبيعة (ص:١٣٤٥) نقلًا عن موسوعة مصطلحات الفلسفة (ص:٨١٥). وانظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٤٩).
[ ٦١٠ ]
العقلاء، وكون هذه الصفات ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية (^١).
ثالثًا: مما يوضح كونها صفات وجودية ثبوتية: أن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خاليًا عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محبًا فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب (^٢).
رابعًا: أن الشيء يعرف بضده، وكما قيل: وبضدها تتميز الأشياء. ومن المعلوم "أنك تقول: أحب يحب محبة، ونقيض أحب: لم يحب، ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات" (^٣) فإذا كان عدم المحبة وصف عدمي، فإن المحبة وصف وجودي ثبوتي بغير شك.
خامسًا: أن ابن المرحل أطلق القول بعدمية هذه الصفات والمعاني في الخالق والمخلوق، وهذا التعميم والإطلاق لا يُعلم له قائل، ولم يسبقه إليه أحد وإنما وقع الخلاف فيما اتصف به الخالق سبحانه من هذه الصفات، قال شيخ الإسلام: «وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحدًا من العقلاء قال: إنه أمر عدمي» (^٤).
سادسًا: قال شيخ الإسلام: «التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة، اقتضى مجرد التشريف.
فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة، التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته. لما نُسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله، اقتضى ذلك إثبات إحاطة بصفة هي القدرة، ولا يكون مجرد النسبة واجب منها الصفة، فكذلك هاهنا لما كان ذكر التخصيص، مضافًا إلى صفة وجب إثبات
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٨) العقود الدرية (ص:١٢٥).
(٢) العقود الدرية (ص:١٢٦) مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٩).
(٣) مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٩) العقود الدرية (ص:١٢٦).
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٨) العقود الدرية (ص:١٢٥).
[ ٦١١ ]
تلك الصفة (^١). وهذا لا شك فيه ولا مرية، وبهذا يبعد عما ذكروه» (^٢).
ويتلخص لنا من هذه الأوجه بطلان ما ذكره ابن المرحل من عدمية صفات الباري سبحانه، وجعلها صفات سلب وإضافة، وأن الحق الذي لا شك فيه أنها صفات ثبوتية وجودية لها معانٍ حقيقية قائمة بذات الله سبحانه، وإن أضيفت لما تتعلق به فهي من باب الصفة المضافة، لا من باب الإضافة. والله أعلم.
_________________
(١) يعني في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٦٦).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٦٧).
[ ٦١٢ ]
المبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية.
واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
إن من أعظم المسائل والعقائد التي وردت في الكتاب والسنة وأجمع عليها علماء أهل السنة خلفًا عن سلف، كابرًا عن كابر، وأنكرها أهل الزيغ والافتراء وذوو البدع والأهواء: عقيدة رؤية المؤمنين لله -﷿- في الآخرة، تلك الرؤية التي "هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم؛ اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله -ﷺ- عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون" (^١).
_________________
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٨٥).
[ ٦١٣ ]
وقد تصدى شيخ الإسلام لكل من شكك في هذه العقيدة بالرد والبيان والحجة والبرهان، بشتى الطرق ومختلف السبل، خطبةً وتصنيفًا، ومناظرةً وتأليفًا، وردًا وتقريرًا، دفاعًا عن هذه العقيدة العظيمة الشريفة الجليلة؛ وقد ذكر ﵀ أنه ناظر في هذه المسألة غير واحد من نفاة الرؤية ومحرفي معناها من مختلف الفرق الزائغة من معتزلة ومتكلمة ورافضة، وبين أن كل شبههم إنما تعود إلى لوازم التزموها، ومقدمات قرروها، خلطوا فيها حقًا بباطل؛ ليصلوا إلى بغيتهم من نفي رؤية المؤمنين لربهم.
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد ناظرت غير واحد من هؤلاء من نفاة الرؤية ومحرفيها: من شيعي، ومعتزلي، وغيرهما. وذكرت لهم الشبهة التي تذكرها نفاة الرؤية. فقلت: هي كلها مبنية على مقدمتين:
إحداهما: أن الرؤية تستلزم كذا وكذا كالمقابلة والتحيز وغيرهما.
والثاني: أن هذه اللوازم منتفية عن الله تعالى.
فكل ما يذكره هؤلاء فأحد الأمرين فيه لازم:
١. إما أن لا يكون لازمًا بل يمكن الرؤية مع عدمه: وهذا المسلك سلكه الأشعري وطوائف كالقاضي (^١)، أحيانًا وابن عقيل (^٢) وغيرهم، لكن أكثر العقلاء يقولون: إن من ذلك ما هو معلوم الفساد بالضرورة.
٢. وإما أن يكون لازمًا فلا يكون مُحالًا: فليس في العقل ولا في السمع ما يحيله، بل إذا قُدِّر أنه لازم للرؤية فهو حق؛ لأن الرؤية حق، قد عَلِمَ ذلك بالاضطرار عن خير البرية أهل العلم بالأخبار النبوية» (^٣).
_________________
(١) يعني القاضي أبا يعلى الفَرَّاء وقد سبقت ترجمته.
(٢) يعني أبو الوفاء علي بن عقيل من متكلمي الحنابلة، وقد سبقت ترجمته.
(٣) بغية المرتاد (ص: ٤٧٦).
[ ٦١٤ ]
وقال شيخ الإسلام -﵀-: «فيقال: لهذا المنكر للرؤية المستدل على نفيها بانتفاء لازمها وهو الجهة: قولك ليس في جهة، وكل ما ليس في جهة لا يرى، فهو لا يرى، وهكذا جميع نفاة الحق ينفونه لانتفاء لازمه في ظنهم، فيقولون لو رُئي للزم كذا، واللازم منتف فينتفي الملزوم.
والجواب العام لمثل هذه الحجج الفاسدة بمنع إحدى المقدمتين إما معينة وإما غير معينة؛ فإنه لا بد أن تكون إحداهما باطلة، أو كلتاهما باطلة، وكثيرًا ما يكون اللفظ فيهما مجملًا يصح باعتبار ويفسد باعتبار، وقد جعلوا الدليل هو ذلك اللفظ المجمل، ويسميه المنطقيون الحد الأوسط (^١)، فيصح في مقدمة بمعنى، ويصح في الأخرى بمعنى آخر، ولكن اللفظ مجمل، فيظن الظان لما في اللفظ من الإجمال وفي المعنى من الاشتباه أن المعنى المذكور في هذه المقدمة هو المعنى المذكور في المقدمة الأخرى، ولا يكون الأمر كذلك.
مثال ذلك في مسألة الرؤية أن يقال: له: أتريد بالجهة أمرًا وجوديًا أو أمرًا عدميًا؟
فإذا أردت به أمرًا وجوديًا كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى. وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة؛ فإن سطح العالم
_________________
(١) الحد الأوسط عند المنطقيين: هو الرابط بين الحدين الأصغر والأكبر، ومَثَّلَ له شيخ الإسلام بقولك: «كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فكل نبيذ حرام»، فهذه الجملة مكونة من مقدمتين ونتيجة. وكل مقدمة مكونه من محمول وموضوع فالمقدمة الأولى: "كل نبيذ مسكر" موضوعها: النبيذ. ومحمولها: مسكر. ويسمى الموضوع (حدًا أصغر) والمحمول (حدًا أكبر) وهكذا في المقدمة الثانية موضوعها (الحد الأصغر) هو المسكر، ومحمولها (الحد الأكبر) هو حرام، ثم في النتيجة يظهر (الحد الأوسط)، والنتيجة هنا هي أن"كل نبيذ حرام" فالنبيذ هو موضوعها وهو (الحد الأصغر) والحرام محمولها وهو (الحد الأكبر)، والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو (الحد الأوسط)، الذي يمثل العلاقة بين الطرفين وعلة ارتباطهما، وهو الذي يكون محمولًا في المقدمة الأولى وموضوعًا في المقدمة الثانية. انظر: الرد على المنطقيين (ص:٢١١)، والمعجم الفلسفي (١/ ٤٤٩).
[ ٦١٥ ]
يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر.
وإن أردت بالجهة أمرًا عدميًا؛ كانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس بجهة بهذا التفسير.
وهذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة فنفعه الله به، وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الاشتباه والتعطيل. وكانوا يعتقدون أن ما معهم من العقليات النافية للرؤية قطعية لا يقبل في نقيضها نص الرسل، فلما تبين لهم أنها شبهات مبنية على ألفاظ مجملة ومعان مشتبهة، تبين أن الذي ثبت عن الرسول -ﷺ- هو الحق المقبول، ولكن ليس هذا المكان موضع بسط هذا، فإن هذا النافي إنما أشار إلى قولهم إشارة» (^١).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.
• تمهيد:
بين شيخ الإسلام -﵀- لمن ناقشه وناظره من نفاة الصفات مبنى الشبه التي استندوا عليها وابتدأ بإبطالها ونقض الأصول الفاسدة التي قامت عليها، ثم بعد ذلك قرر لهم الحق الذي يجب الصيرورة إليه في هذه المسألة، وهذا من بديع صنع شيخ الإسلام -﵀-، كما علل ﵀ سلوكه هذا المسلك بقوله: «فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعيًا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه» (^٢).
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٥٩).
[ ٦١٦ ]
مناقشة شبهة نفاة الرؤية: وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم:
بين شيخ الإسلام -﵀- تعالى أن أصل شبهة جميع نفاة الرؤية -على اختلاف طوائفهم- مبناها على مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن إثبات الرؤية يستلزم منه كذا وكذا من الأمور: كالجهة، والمعاينة، والجسمية، والتحيز، والتركيب، وغيرها من الأمور التي ذكروها.
المقدمة الثانية: أن هذه اللوازم منتفية في حق الله سبحانه (^١).
وقرر هذا الأمر في غير موضع من كتبه (^٢).
وكل من نفى رؤية الله -﷿- فقد بنى نفيه على هذه المقدمات، ومثال ذلك -وهي أكبر شبهة يحتج بها النفاة على منع الرؤية- قولهم: إن رؤية الشيء يلزم منها أن يكون المرئي في جهة تقابل الرائي، وهذه هي المقدمة الأولى التي أشار إليها شيخ الإسلام -﵀-. قالوا وهذا الأمر منتف في حق الله ولا يصح وصف الله به؛ لأن هذه هي صفة الأجسام، والله منزه عن ذلك، وهذه هي المقدمة الثانية؛ ثم ينتج عن المقدمتين إثبات عقيدتهم التي اعتقدوها وهي نفي رؤية الله رب العالمين للهروب من الالتزام بمثل هذا اللازم.
فهذا هو أصل جميع شبه القوم وأساسها.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام -﵀- أن بطلان مثل هذه الشبهة يكون: إما بإبطال المقدمة الأولى أو إبطال الأخرى؛ فإما أن يكون اللازم الذي ذكروه للرؤية باطلًا وليس بلازم
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص:٢٣٨) غاية المرام (ص:١٦٦) المواقف (ص:٢٩٩ - ٣٠٠).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٠)، منهاج السنة (٢/ ٣٤٩).
[ ٦١٧ ]
في الحقيقة، وإما أن يكون اللازم صحيحًا، ولكنه غير منتف في حق الله سبحانه.
فمن الطريقة الأولى وهي إبطال اللازم:
إبطال قولهم: إن كل مرئي يلزم أن يكون مركبًا من أجزاء، أو مجتمعًا بعد تفرق، فهذا في الحقيقة ليس لازمًا من لوازم الرؤية، ولا يصح أن يكون كذلك، وذلك من وجهين:
الأول: أن يقال ما مرادك بالتركيب والاجتماع اللازم للرؤية؟
إن كان المراد: أن من لازم ما تصح رؤيته أن يكون مركبًا من أجزاء يجوز تفرقها، فهذا باطل وليس بلازم؛ وذلك لأن ليس كل ما نشاهده يكون كذلك.
وأبسط مثال على ذلك هذه السماوات مرئية مشهودة ولا نعلم أنها كانت متفرقة فاجتمعت، وكذلك الشمس والقمر هي شيء واحد لا نعلم -لا بحس ولا ضرورة- أنها مركبة من الأجزاء المفردة، ومع ذلك فهي مرئية مشاهده!
وإن كان المراد بالمركب: أن منه شيئًا ليس هو الشيء الآخر، فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لابد وأن يكون كذلك (^١).
الثاني: أن يقال: إذا جاز أن نرى ما هو مجتمع ويقبل التفريق والتقسيم، فرؤية ما لا يقبله أولى وأجدر؛ فكلما كان وجود الشيء أكمل كلما كانت رؤيته أجوز وأمكن (^٢).
فتبين بهذا بطلان أن يكون التركيب من لوازم الرؤية، وهذه هي المقدمة الأولى؛ وإذا بطلت أولى المقدمتين بطلت الأخرى، وبطلت النتيجة المترتبة عليهما.
ومن إبطال المقدمة الثانية:
إبطال قولهم: بأن من لازم الرؤية المعاينة، وكون المرئي في جهة.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٤٧٩ - ٤٨٠).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥١)، بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٤٨٠).
[ ٦١٨ ]
قالوا: وهذا منفي عن الله -﷿-؛ فلا يجوز أن نثبت الرؤية له سبحانه.
وبهذه الحجة احتجت المعتزلة على نفي رؤية الله -﷿-، وإبطال هذا الشبهة إنما يكون بإبطال المقدمة الثانية من المقدمتين؛ إذ إن المقدمة الأولى مقدمة صحيحة، واللوازم التي ذكروها للرؤية لوازم صحيحة لا يصح إنكارها.
وقد وقع متأخرو الأشاعرة -بسبب إثباتهم للرؤية مع نفيهم لعلو الله ﷿ على خلقه- في قول هو في غاية التناقض، خرجوا به عن ضرورات العقل، وخالفوا فيه ما اتفق عليه عقلاء بني آدم من جميع الطوائف؛ حيث قاموا بإنكار هذه اللوازم الصحيحة للرؤية وقالوا: إن الله يُرى ولكن بلا جهة ولا مقابلة ولا معاينة؛ فإنه يمكن أن يرى لا فوق الرائي ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا في شيء من جهاته. فأنكروا المقدمة الأولى وجحدوا الضروريات، وكابروا في المعقولات (^١).
ورحم الله ابن القيم حيث قال (^٢):
فسل المعطل هل يُرى من تحتنا … أم عن شمائلنا وعن أيمان
أم خلفنا وأمامنا سبحانه … أم هل يُرى من فوقنا ببيان
يا قوم ما في الأمر شيء غير ذا … أو أن رؤيته بلا إمكان
إذ رؤيةٌ لا في مقابلةٍ من الر … ائي مُحالٌ ليس في الإمكان
ومن ادعى شيئًا سوى ذا كان دعـ … واه مكابرة على الأذهان
وأما أهل السنة فهم يثبتون الرؤية وكل ما كان لازما لها، فإذا كانت المقابلة والجهة والمعاينة لازمة للرؤية فهي حق، وما كان حقًا وصوابًا فلازمه كذلك، فـ"من ادّعى ثبوت الشيء؛ فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرًّا ضرورة عدم الانفكاك عنه" (^٣).
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٥).
(٢) نونية ابن القيم (ص: ٨٢).
(٣) تنبيه الرجل العاقل (١/ ٦٣).
[ ٦١٩ ]
لكننا وإن سلمنا لهم بهذا لأنه حق، فلا نسلم لهم بما ذكروه في المقدمة الأخرى من أن تلك اللوازم -كالجهة والمعاينة ونحوها- ممتنعة في حق الله -﷿-؛ ولذلك نفوا الرؤية عنه سبحانه، بل نقول: بما أن الرؤية قد ثبتت بالتواتر القطعي وصريح نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فإننا نثبتها لله -﷿- على حقيقتها وبلوازمها اللازمة منها، ولا يجوز إنكار مثل هذه اللوازم الصحيحة وجحدها.
وما ادعوه في المقدمة الثانية من امتناع هذه اللوازم في حق الله تعالى، فهي دعوى باطلة، وقد بين شيخ الإسلام بطلانها من وجوه عديدة وأهمها ما يلي:
الأول: أن النصوص الواردة في الرؤية -وهي كثيرة بل ومتواترة- دالة على أن رؤية المؤمنين لربهم إنما تكون في جهة وعن معاينة، ولا يتأتى إثبات الرؤية إلا كذلك، ومن ذلك قول النبي -ﷺ-: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) (^١)، والتشبيه هنا تشبيه الرؤية بالرؤية، فشبهها برؤية الشمس ليس دونها سحاب، أو رؤية القمر ليلة البدر صحوًا. قال شيخ الإسلام: «فأخبر أن رؤيته كرؤية الشمس والقمر وهما أعظم المرئيات ظهورًا في الدنيا، وإنما يراهم الناس فوقهم بجهة منهم» (^٢)، ومنها قول النبي -ﷺ-: (إنكم ترون ربكم عيانًا) (^٣) فهذا صريح بأن الرؤية إنما تكون عن معاينة، فكيف يجوز بعد أن ظهر من دلالات النصوص وعباراتها أن الله يُرى في جهة ويرى عن معاينة ومقابلة، أن ننفي عن الله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله -ﷺ-، وهو أعلم الخلق بربه، وننفي ما جاءت به اللغة العربية -التي خاطب الله عباده بها- من الدلالات والمعاني.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر (٥٥٤)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٦٣٣)، من حديث جرير بن عبد الله -﵁-.
(٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣٣).
(٣) رواه البخاري كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] (٧٤٣٥)، من حديث جرير بن عبد الله -﵁-.
[ ٦٢٠ ]
الثاني: أنهم إنما أردوا بنفي الجهة نفي علو الله الثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فكل دليل يثبت علو الله سبحانه -وهي أكثر من أن تحصر- فهو حجة على هؤلاء، ولولا ظهور هذه القضية وشدة وضوحها، وخشية الإطالة في غير موضعها، لسقت النصوص الكثيرة التي تدل على علو الله على خلقه ﷾، وتثبت الجهة بالمعنى الذي أراد هؤلاء نفيه، ويكفينا القول بأن كل رد على نفاة العلو وكل نص في إثباته، وكل دليل عقلي أو سمعي أو فطري عليه، فهو يمثل ردًا مفحمًا على نفاة الرؤية بحجة تنزيه الله عن الجهة والتحيز (^١).
الثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام: لفظ الجهة مجمل فما تعني بقولك: أنه يلزم من إثبات الرؤية أن تكون في جهة؟
فإما أن تريد بها أمرًا وجوديًا، أي أن كل ما يرى لا بد أن يكون في جهة موجودة أي حالًّا في موجود آخر، فهذا باطل وليس بلازم، فإن سطح العالم يُمكن أن يُرى وليس العالم في عالمٍ آخر.
وإما أن تريد بالجهة أمرًا عدميًا: أي أن كل ما يُرى لا بد أن يكون فيما يسمى جهة ولو معدومًا؛ فإنه إذا كان مباينًا للعالم سمي ما وراء العالم جهة، وعلى هذا التفسير لا تكون الجهة ممتنعة بل هي الحق الذي يجب إثباته (^٢)، فإن "قال: لأنَّ ما باين العالم ورُئي لا يكون إلا جسمًا أو متحيزًا؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة. فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره.
ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزًا عنه، فإن أردت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزًا؛ لأنه بائن عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/ ١٤٠)، التسعينية (٢/ ٥٤٥)، الفتوى الحموية (ص:٢٠١ - ٢٢٥)، مسألة في العلو ضمن جامع المسائل (٣/ ١٩٣ - ٢٠٢)، مجموع الفتاوى (٥/ ١٣ - ٢٤) ومجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٢٤٧ - ٢٦٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩ - ٤٠)، ومنهاج السنة النبوية (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، درء التعارض (٢٣٩ - ٢٤٠).
[ ٦٢١ ]
فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالًا فيها، ولا متحدًا بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل" (^١).
ويحسن بنا هنا أن نذكر ما قاله ابن أبي العز (^٢) وابن القيم -رحمهما الله -حول هذه الشبهة، حيث قال ابن أبي العز الحنفي -﵀-: «وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي -وهو الله- بالمرئي -وهو الشمس والقمر-، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه؛ وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة! ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله! فإما أن يكون مكابرًا لعقله، أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.
ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة» (^٣).
وقال ابن القيم -﵀-: «إخباره تعالى عن نفسه، وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانًا جهرة كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر، والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تعقل الأمم غير هذا، فإما أن يروه سبحانه من تحتهم - تعالى الله - أو من خلفهم أو من أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩ - ٤٠)، وانظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٨).
(٢) علي بن علي بن محمد بن أبي العز، الحنفي الدمشقيّ: فقيه. كان قاضي القضاة بدمشق له كتب، منها: التنبيه على مشكلات الهداية، شرح الطحاوية، (ت:٥١٣ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٤/ ١٠٣)، الأعلام للزركلي (٤/ ٣١٣)، معجم المؤلفين (٧/ ١٥٦).
(٣) شرح الطحاوية (ص:١٦٠).
[ ٦٢٢ ]
حقًا، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في المسند وغيره (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم) (^١)، ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصرحوا بذلك، وركبوا النفيين معًا، وصدق أهل السنة بالأمرين معًا، وأقروا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبًا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» (^٢).
رابعًا: أن إثبات رؤية المؤمنين لربهم بلوازمها اللازمة لها، لا يقتضي تمثيلًا ولا تشبيهًا لله بخلقه، إذ إن رؤية الخالق ليست كرؤية المخلوق، فكما أنه لا يجب استواء ذات الله في حقيقتها وماهيتها وذوات المخلوقات المحدثات، فكذلك لا يجب استواءهما في اللوازم؛ فإنه لا يصح عقلًا ولا شرعًا قياس الخالق بالمخلوق، ولا قياس صفاته بصفات خلقه، وإنما وقع القوم فيما وقعوا فيه من جهة هذا القياس الفاسد.
وهذا الموضوع مبسوط في مظانه بكثرة، وإنما المراد الإشارة إلى بطلان هذه الشبهة، ويكفي في الدلالة على ذلك قوله تعالى مع ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى ورؤية المؤمنين له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] (^٣).
وبهذا يتبين بطلان المقدمة الثانية، التي زعموا فيها استحالة هذه اللوازم في
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٨٤)، الدينوري في المجالسة (٢٢٢٣)، الآجري في الشريعة (٦١٥)، الدارقطني في رؤية الله (٥١)، من حديث جابر بن عبد الله -﵁- وضعفه الألباني في المشكاة (٥٦٦٤) وضعيف الجامع (٢٣٦٣).
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ٢١٧).
(٣) انظر: التدمرية (ص:٣٩ - ٤٠)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥٩، ٩٥).
[ ٦٢٣ ]
حق الله ﷾، وبالتالي نفوا رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وأنكروا النصوص الواضحة والأدلة المتواترة.
ويتبين صدق ما ذكره شيخ الإسلام من أن جميع الأدلة التي يحتج بها منكرو الرؤية راجعة لهاتين المقدمتين، فهم: إما أن يجعلوا للرؤية لوازم باطلة، ثم ينكروا الرؤية بسبب هذه اللوازم، وإما أن يثبتوا للرؤية لوازم حقه، ثم ينفوا هذه اللوازم في حق الله سبحانه بزعم تنزيه الله عنها، واستحالة اتصاف الله بها.
[ ٦٢٤ ]
المبحث الخامس: مناظرته مع بعض من يدعي أن الله يتكلم بكلام لا معنى له.
واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
• تمهيد:
لقد كان شيخ الإسلام على دراية تامة بمقالات الفرق، وكان ﵀ دقيقًا فيما ينسبه لشتى الفرق والطوائف والأشخاص من أقوال ومعتقدات مهما كان قدر الخلاف بينه وبينها، ومهما كانت قدر مخالفتها للكتاب والسنة والعقيدة السليمة؛ فإن الخلاف لا يبيح التقول على الخصوم والتجني عليهم، وهذا الأمر يفتقده كثير من أهل البدع حين ينسبون الأكاذيب والافتراءات إلى عقيدة أهل السنة وأعلامهم وعلمائهم، ونلحظ في هذه المناظرة شيئًا من إنصاف شيخ الإسلام، ودقته في نسبة الأقوال لقائليها، وخبرته بذلك، وعدله مع خصومه ﵀.
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام -﵀-: «وكثير من المنتسبين إلى السنة وغيرهم ظنوا أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله: هو معنى الكلام الذي أُنزل القرآن لبيانه؛ فصاروا يجعلون كثيرًا من القرآن كلامًا خوطب به الناس، وأنزل إليهم، وأمروا بتلاوته وتدبره، وهو كلام لا يفهم معناه، ولا سبيل إلى معرفة مراد المتكلم به.
[ ٦٢٥ ]
وقد يحكى عن بعضهم: أنه سمع كلامًا لا معنى له في نفس الأمر، كما حكى الرازي في محصوله عمن سماهم بـ (حشوية) (^١) أنهم قالوا: يجوز أن يتكلم الله بكلام، ولا يعني به شيئًا.
لكن هذا القول لا أعرف به قائلًا، بل لم يقل هذا أحد من طوائف المسلمين!
_________________
(١) الحشو من الكلام: الفضل الذي لا يعتمد عليه. وكذلك هو من الناس؛ فحشوة الناس: رذالتهم. انظر: تهذيب اللغة (٥/ ٩٠)، وتاج العروس (٣٧/ ٤٣٠ - ٤٣٣). وقال شيخ الإسلام -﵀-: «مسمى الحشو في لغة الناطقين به ليس هو اسما لطائفة معينة لها رئيس قال مقالة فاتبعته: كالجهمية، والكلابية، والأشعرية. ولا اسما لقول معين، من قاله كان كذلك. والطائفة إنما تتميز بذكر قولها، أو بذكر رئيسها» إلى أن قال: «وإذا كان كذلك، فأول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ: عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة؛ فقيههم وعابدهم، فإنه ذكر له عن ابن عمر شيء يخالف قوله، فقال: كان ابن عمر حشويًا؛ نسبه إلى الحشو، وهم العامة والجمهور. وكذلك تسميهم الفلاسفة كما سماهم صاحب هذا الكتاب -يعني الرازي-. والمعتزلة ونحوهم يسمونهم الحشوية. والمعتزلة تعني بذلك كل من قال بالصفات وأثبت القدر. وأخذ ذلك عنها متأخرو الرافضة، فسموا هم الجمهور بهذا الاسم. وأخذ ذلك عنهم القرامطة الباطنية، فسموا بذلك كل من اعتقد صحة ظاهر الشريعة؛ فمن قال عندهم بموجب الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم رمضان، وحج البيت، وتحريم الفواحش والمظالم والشرك ونحو ذلك، سموه حشويًا؛ كما رأينا ذلك مذكورًا في مصنفاتهم. والفلاسفة تسمي من أقر بالمعاد الجسمي والنعيم الحسي حشويًا. وأخذ ذلك عن المعتزلة تلامذتهم من الأشعرية فسموا من أقر بما ينكرونه من الصفات، ومن يذم ما دخلوا فيه من بدع أهل الكلام والجهمية والإرجاء حشويًا. ومنهم أخذ ذلك هذا المصنف» يعني الرازي. بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٢٩ - ١٣١). وبين القرافي مراد الرازي بالحشوية في هذا الموضع فقال: «مراده بقوله: (خلافا للحشوية): الطائفة الذين لا يرون البحث في القرآن إذا تعذر إرادة ظاهره، نحو آيات الصفات؛ فإنهم لا يعتقدون ظاهرها، بخلاف المجسمة منهم، فإنهم يجرونها على ظواهرها، وهؤلاء يقولون: ما يعرف معنى هذه الآيات أصلًا، بل يفوضها إلى الله تعالى في تعين مجازها بعد أن يعتقد أن خفاءها غير مراده» نفائس الأصول في شرح المحصول (٣/ ١٠٦٠).
[ ٦٢٦ ]
ولهذا كنا مرة في مجلس فجرت هذه المسألة، فقلت: هذا لم يقله أحد من طوائف المسلمين، وإن كان أحد ذكره، فليس فيما ذكره (^١) حجةٌ على إبطاله.
فقال بعض الذابين عنه: هذا قالته الكرامية (^٢).
فقلت: هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي، ولا أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وبتقدير أن يكون قولًا، فإنما احتَّجَ (^٣) على فساده بأن هذا عبث، والعبث على الله محال.
وهذه الحجة فاسدة على أصله؛ لأن النزاع إنما هو في الحروف المؤلفة، هل يجوز أن يُنزل حروفًا لا معنى لها، والحروف عنده من المخلوقات، وعنده يجوز أن يخلق الله كل شيء؛ لأن فعله لا يتوقف على الحكمة والمصلحة، فليس فيما ذكره حجة على بطلان هذا.
وإنما النزاع المشهور هل يجوز أن ينزل الله تعالى ما لا يفهم معناه؟ والرازي ممن يجوز هذا في أحد قوليه، ووافق من قال إن التأويل لا يعلمه إلا الله، مع قولهم إن التأويل هو المعنى.
وأصل الخطأ في هذا أن لفظ التأويل مجمل يراد به:
١. ما يؤول إليه الكلام: فتأويل الخبر نفس المخبر عنه، وتأويل أسماء الله وصفاته نفسه المقدسة بما لها من صفات الكمال.
٢. ويراد بالتفسير التأويل: وهو بيان المعنى المراد، وإن لم نعلم كيفيته وكنهه» (^٤).
_________________
(١) أي الرازي.
(٢) الكرامية: هم أتباع محمد بن كرام؛ يعتقدون أن الله تعالى جسم، وأنه تعالى محل للحوادث، وأن له ثقلًا، وأنه خالق رازق بلا خلق ولا رزق. ولهم في الإيمان قول منكر؛ حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنًا. انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٣)، الملل والنحل (١/ ١٠٨)، الفرق بين الفرق (ص: ٢٠٢ - ٢١٤).
(٣) أي الرازي.
(٤) الصفدية (١/ ٢٨٧).
[ ٦٢٧ ]
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
في هذه المناظرة حدث حوار ونقاش بين شيخ الإسلام وأحد المتعصبين لفخر الدين الرازي المنافحين عنه، وكان موضوع النقاش ومحوره حول صحة ما ادعاه الرازي من أن هناك من يقول إن الله يتكلم بكلام لا معنى له، وهل يصح نسبة هذا القول لأي طائفة من طوائف المسلمين، أم لا؟ وقد حمل هذا الرجل تعظيمه وتعصبه للرازي، أن يثبت ما قرره الرازي وينسب هذا القول إلى الكرامية، فبين له شيخ الإسلام خطأ ما قرره الرازي وخطأ ما دافع به عن إمامه الرازي كما سيتم إيضاحه أثناء دراسة المسألة.
أصل الشبهة:
من المعلوم أن من المسائل التي حصل فيها النزاع بين أهل القبلة مسألة: هل يجوز أن يكون في القرآن ألفاظٌ لا يَفهمُ أحد معناها، ولا يمكن إدراك المراد بها؟
وهذه المسألة أطال العلماء في دراستها سواء في كتب الاعتقاد، أو في كتب ومباحث أصول الفقه، وقلَّ أن تجد مصنفًا مطولًا من مصنفات الأصول إلا وقد تعرض لها، إلا أن الرازي، وسبقه إلى ذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي (^١)، وتبعهما على ذلك بعض المتأخرين: أظهروا هذه المسألة بقالب شنيع، وغلطوا في تصويرها، وجعلوا ما لم يرد فيه اختلاف، محلًا للنزاع والخلاف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: (لا يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعني به شيئًا، خلافًا للحشوية). وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم بما لا معنى له. وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه؟، وبَيَنَ نفي المعنى عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بونٌ عظيم» (^٢).
_________________
(١) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل الهمذاني شيخ المعتزلة ولي قضاء القضاة بالري، وتصانيفه كثيرة منها: المغني، وشرح الأصول الخمسة، (ت:٤١٥ هـ). انظر: السير (١٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥) والوافي بالوفيات (١٨/ ٢٠ - ٢٢).
(٢) المحصول (١/ ٣٨٦).
[ ٦٢٨ ]
وبهذا يتبين أصل شبهة من أطلق الخلاف في هذه المسألة، ونسب القول فيها لبعض طوائف الإسلام، وهو الخلط بينها وبين مسألة: إمكان إنزال الله كلامًا قد لا يفهم العباد معناه؟ مما هو محل نزاع بين أهل القبلة، بخلاف هذه المسألة التي لم تخالف فيها أي طائفة من طوائف هذه الأمة كما سيأتي توضيح ذلك من كلام شيخ الإسلام -﵀- في الجواب على هذه الدعوى.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة وهذه الدعوى:
لقد تنوعت طرق شيخ الإسلام في نقض هذه الدعوى وبيان فسادها، وعدم صحتها وبطلانها، ويمكن حصر أهم طرق شيخ الإسلام في رد هذه المقالة بما يأتي:
أولًا: بيان خطأ هذه الدعوى:
بين شيخ الإسلام -﵀- أن القول بأن الله يتكلم بكلام لا معنى له، قول لا يعرف عن أحد من علماء المسلمين، ولم يرد عن شيءٍ من طوائف المسلمين. وقد وقع الرازي في خطأ واضح حيث أضاف هذا القول إلى من أسماهم حشوية فقال كما في محصوله:
«المسألة الأولى: في أنه لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني به شيئًا، والخلاف فيه مع الحشويَّةِ، لنا وجهان:
أحدهما: أن التكلم بما لا يفيد شيئًا هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال.
وثانيهما: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى، وشفاء، وبيانات؛ وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه» (^١).
فأخطأ الرازي هنا بحكاية الخلاف في المسألة وهي محل اتفاق وإجماع، ثم
_________________
(١) المحصول في أصول الفقه (١/ ٣٨٥).
[ ٦٢٩ ]
أخطأ في نسبة هذا القول إلى الحشوية، كما أخطأ هذا الشخص المتعصب له بنسبته هذا القول إلى الكرامية، والواقع أن هذا القول لم يقل به أحد، لا كرامي ولا حشوي ولا غير ذلك.
وقد بين الآمدي أن اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له، أمرٌ لا يتصور أصلًا، فكيف يقول به عاقل؟! قال -﵀-: «القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه؛ لكونه هذيانًا ونقصًا يتعالى كلام الرب عنه، خلافًا لمن لا يؤبه له» (^١).
وقال الزركشي -﵀- (^٢): «لا يجوز أن يرد في القرآن ما ليس له معنى أصلًا» (^٣)، وقال علاء الدين المرداوي (^٤) -﵀-: «قوله: (وليس فيه ما لا معنى له): وهذا مما يقطع به كل عاقل، ممن شم رائحة العلم، ولا يخالف في ذلك إلا جاهل أو معاند؛ لأن ما لا معنى له هذيان، ولا يليق النطق به من عاقل، فكيف بالباري ﷾» (^٥).
وبين العلامة حسن بن محمد العطار (^٦) في حاشيته على "شرح المحلي على
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٦٧).
(٢) هو أبو الحسن بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي، فقيه أصولي محدث، مشارك في بعض العلوم. من تصانيفه الكثيرة: الديباج في توضيح المنهاج للنووي، شرح جمع الجوامع للسبكي، (ت:٧٩٤ هـ). انظر: طبقات المفسرين (٢/ ١٦٢)، معجم المؤلفين (١٠/ ٢٠٥).
(٣) البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ١٩٧).
(٤) علي بن سليمان بن أحمد المرداوي ثم الدمشقي الصالحي فقيه حنبلي، من العلماء. من مصنفاته: الإنصاف، والتحبير شرح التحرير، (ت:٨٨٥ هـ). انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (٥/ ٢٢٥) البدر الطالع (١/ ٤٤٦)، الأعلام للزركلي (٤/ ٢٩٢).
(٥) التحبير شرح التحرير (٣/ ١٣٩٩).
(٦) هو حسن بن محمد بن محمود العطار: من علماء مصر، أصله من المغرب، ومولده ووفاته في القاهرة، له مصنفات منها: كيفية العمل بالاسطرلاب، والإنشاء والمراسلات، وغيرها، (ت:١٢٥٠ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٢/ ٢٢٠)، معجم المؤلفين (٣/ ٢٨٥).
[ ٦٣٠ ]
جمع الجوامع" أن "أحدًا ممن يوثق به لم يقل بذلك فلا يصلح أن يكون محل النزاع، كيف والقرآن العزيز في أعلى طبقات البلاغة المشترط فيها فصاحة الكلام، ووقوع ما يخل بالفصاحة فيه يخرجه عنها، فكيف بالمهمل؟! وأيضًا لو تلفظ واحد منا في خطابه بمُهمل نُسب إلى هذيان وعبث، فكيف بالحضرة العلية (^١)؟! وأيضًا لو فرض وقوعه في القرآن للزم إفحام الرسول -ﷺ-؛ فإنه يخاطب به مصاقع البلغاء وأعاظم الفصحاء الذين هم نقدة الكلام وحاكة برده وقد تطأطأت رءوسهم عند سماعه، ولم يجدوا فيه مغمزًا من جهة البلاغة والفصاحة، فلو وقع فيه لفظ مهمل لسارعوا إلى المبادرة بالطعن فيه" (^٢).
ثانيًا: بيان الخلط الذي وقع فيه الرازي ومن تبعه على هذه المقالة:
بين شيخ الإسلام -﵀- أن الرازي ومن تبعه قد خلطوا بين مسألتين مختلفتين.
المسألة الأولى: كلام الله بما بكلام قد لا يفهمه المخاطبون.
المسألة الثانية: كلام الله بما لا معنى له.
فأما المسألة الأولى ففيها إثبات المعنى للكلام، وإن كان العباد قد يجهلون هذا المعنى.
وأما المسألة الثانية فليس فيها إثبات معنى للكلام أصلًا.
والمسألة الأولى قد قالت بها بعض الفرق، وأما المسألة الثانية فلم تقل بها طائفة قط، ولا يكاد يقول بها مؤمن عاقل وذلك لظهور فسادها، وضرورة بطلانها.
وقد وقع الخلط لدى الرازي وبعض المعظمين له والمتعصبين معه، بين
_________________
(١) هذه العبارة من العبارات التي خرجت من عباءة الصوفية ولم تأت في كتاب ولا سنة، ولم تعرف عن أحد من سلف هذه الأمة، وفيما أخبر الله تعالى وأخبر به رسوله ﷺ من أسمائه غنية عن هذه الألفاظ التي ينطوي تحتها من الاعتقادات الباطلة ما الله به عليم.
(٢) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (١/ ٣٠١).
[ ٦٣١ ]
المسألتين، فصوروا الخلاف الواقع في جواز أن يتكلم الله بكلام له معنى ولكن لا تدركه عقول العباد وأفهامهم، بأن الله يتكلم بكلام لا معنى له أصلًا، قال شيخ الإسلام: «وهذا لم يقله مسلم (إن الله يتكلم بما لا معنى له)، وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه؟ وبين نفي المعنى عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بون عظيم» (^١). فغلطوا في تصوير المسألة وأخطأوا في تحرير محل النزاع.
وقد بين جماعة من شراح الأصول هذا الخلط الذي وقع للرازي ومنهم العلامة الزركشي حيث قال: «واعلم أن الرازي ترجم المسألة في المحصول: بأنه يجوز أن يتكلم الله ورسوله بشيء، ولا يعني به شيئا.
ثم استدل بما يقتضي أن الخلاف في التكلم بما لا يفيد، وبينهما فرق، فإنه يمكن أن يعني به شيئًا، وهو يفيد في نفسه، ويمكن أن يفيد ولا يعني به شيئًا، فمحل النزاع غير منقح» (^٢).
وبين القرافي (^٣) أن الصواب أن يقال في المسألة: «لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بما لا يفهم» ولا يقال: بما لا معنى له؛ لأن هذا متفق على امتناعه (^٤). قال ابن النجار الحنبلي (^٥) معلقًا على كلام القرافي: «وما قاله ظاهر؛ لأنه لا يخالف فيه إلا جاهل أو معاند؛ لأن ما لا معنى له هذيان لا يليق أن يتكلم به عاقل. فكيف بالباري ﷾؟» (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٦).
(٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ١٩٩).
(٣) هو أحمد بن إدريس المشهور بالقرافي، الفقيه الأصولي شهاب الدين الصنهاجي، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك، ونسب إلى القرافة ولم يسكنها، من مصنفاته: التنقيح، وأنواء الفروق، (ت:٦٨٤ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٦/ ١٤٦) والديباج المذهب (١/ ٢٣٦).
(٤) نفائس الأصول في شرح المحصول (٣/ ١٠٦٠).
(٥) محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، تقي الدين أبو البقاء، الشهير بابن النجار: فقيه حنبلي مصري. له مصنفات أهمها: منتهى الإرادات في الفقه الحنبلي (ت: ٩٧٢ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ٦) ومعجم المؤلفين (٨/ ٢٧٦).
(٦) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٢/ ١٤٤).
[ ٦٣٢ ]
فتبين من هذا كله أن الرازي ومن تبعه قد خلطوا بين مسألتين مختلفتين، ولم يفرقوا بين أن يتكلم المتكلم بما لا معنى له، وبين أن يتكلم بما لا يفهم معناه ظاهرًا، وذلك أنه لا قائل بأن الله يجوز عليه أن يتكلم بكلام لا معنى له، وإنما النزاع المشهور هل يجوز أن ينزل الله تعالى ما لا يفهم معناه؟ فالأول يتعلق بالمتكلم، والثاني يتعلق بالسامع، والفرق بينهما ظاهر.
ثالثًا: بيان خطأ نسبة هذا القول إلى الكرامية:
أبطل شيخ الإسلام دعوى مناظره أن هذا القول هو قول الكرامية في كلام الله سبحانه، وبين أن الكرامية لا تقول بمثل هذا القول لا هي ولا غيرها.
وقد بين شيخ الإسلام في غير موضع من كتبه مذهب الكرامية في كلام الله تعالى، وذكر أنهم يعتقدون أن كلام الله حروف وأصوات حادثة قائمة بذات الله سبحانه، ويسمونها صفة (القول). وأما صفة الكلام عندهم فهي صفة قديمة، ومعناها: القدرة على إحداث القول. ففرقوا بين الكلام والقول، وأتوا بقول لم يسبقهم إليه أحد حيث فسروا صفة الكلام بالقدرة، وجعلوا هناك صفة أخرى مختلفة عن الكلام وهي (القول).
وقالوا: قول الله حادث، والقرآن عندهم من هذا الباب فهو قول الله وليس كلام الله، ومع كونه حادثًا فهو قائم بذات الله، بناءً على أصلهم في عدم امتناع قيام الحوادث بذات الله.
ومعنى حادث أي أنه ليس بأزلي؛ بل تكلم الله به بعد أن لم يكن يتكلم، وإن كان قادرًا على الكلام.
ويقولون بأن مسمى الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعاني، بعكس قول الكلابية والأشاعرة الذين يقولون هو حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (^١).
_________________
(١) انظر لبيان مذهب الكرامية في كلام الله: التسعينية (٣/ ٧٥٤)، النبوات (١/ ٥٨٩)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٣١٥)، الفرق بين الفرق (ص:٢١٧ - ٢١٨)، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين (ص: ١١٤).
[ ٦٣٣ ]
ولكن الكرامية مع عدم إدخالهم المعاني في مسمى الكلام، إلا أنهم -كما أخبر شيخ الإسلام- لا ينفون أن يكون لكلام الله معنى، قال شيخ الإسلام: «لكن هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام ليس هو إلّا الحروف والأصوات، لا يمنعون أن يكون للكلام معنى، بل النَّاس كلهم متفقون على أن الحروف والأصوات التي يتكلم بها المتكلمون تدل على معان» (^١).
رابعًا: بيان ضعف مذهب الرازي وتناقضه في تقرير المسألة وردها:
تناقض الرازي في تعليله لعدم الجواز بأن يتكلم الله بكلام لا معنى له بقوله: «أن التكلم بما لا يفيد شيئًا هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال» (^٢)، وهذا التعليل لا يصح على مذهبه، وذلك لأنه مبني على أمرين:
الأمر الأول: إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الرب.
الأمر الثاني: إثبات التحسين والتقبيح العقليين.
والرازي من نفاة الحكمة والتعليل في أفعال الرب، كما صرح بذلك في محصوله ودلل عليه (^٣)، وهو أيضًا من نفاة التحسين والتقبيح العقليين وقد جعل لهذا فصلًا في محصوله فقال: «الفصل السابع: في أن حسن الأشياء وقبحها لا يثبت إلا بالشرع» (^٤).
قال شيخ الإسلام «احتج بما لا يجري على أصله فقال: هذا عبث والعبث على الله محال. وعنده أن الله لا يقبح منه شيء أصلًا، بل يجوز أن يفعل كل شيء!
وليس له أن يقول: العبث صفة نقص فهو منتف عنه؛ لأن النزاع في الحروف وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال، ويجوز أن يشتمل الفعل عنده على كل صفة.
_________________
(١) التسعينية (٢/ ٤٣٥).
(٢) المحصول في أصول الفقه للرازي (١/ ٣٨٥).
(٣) انظر: المصدر السابق (٥/ ١٨٢ - ١٩٦).
(٤) المصدر السابق (١/ ١٢٣).
[ ٦٣٤ ]
فلا نقل صحيح ولا عقل صريح» (^١).
ولذلك تعقبه القرافي -شارح المحصول-، وبين مناقضة قول الرازي لمذهبهم فقال: «قلنا: مذهب أهل الحق أن الله تعالى لا يجب تعليل أفعاله ولا أحكامه بالأغراض، ولا يجب على الله تعالى رعاية مصلحة ولا درء مفسدة، وإنما تصح هذه الدعوى على قاعدة المعتزلة في الحسن والقبح» (^٢).
وقال الأصفهاني (^٣) -أيضًا-: «والحق أرجو أن الكلام بما لا يعني به مُفَّرعٌ على التحسين والتقبيح العقليين، ووجههُ ظاهر، ثم قال: وحينئذ فيسهل المنع على مذهب المعتزلة، أما على رأي الأشاعرة: فكيف يستقيم لهم المنع مع أنهم لا يقولون التحسين والتقبيح العقليين؟» (^٤)
ويتلخص لنا من هذا كله بطلان هذه الدعوى التي ذكرها الرازي، وعدم صحة نسبة هذا القول لأحد لا من الكرامية ولا من غيرهم، ويظهر من هذا كذلك مدى وسعة ما بلغ شيخ الإسلام من علم بأقوال الفرق، وأمانته في تحرير المسائل ودقته في نقل الأقوال، والله أعلم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٦).
(٢) نفائس الأصول في شرح المحصول (٣/ ١٠٤٤ - ١٠٤٥).
(٣) هو أبو عبد الله شمس الدين، محمد بن محمود بن محمد العلامة، الأصفهاني، الأصولي وانتهت إليه الرياسة في معرفة أصول الفقه قدم دمشق وناظر الفقهاء واشتهرت فضائله. له مصنفات منها: شرح المحصول، والفوائد في الأصلين، (ت: ٦٧٨ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٦١٩)، بغية الوعاة (١/ ٢٤٠).
(٤) البحر المحيط للزركشي (٢/ ١٩٩).
[ ٦٣٥ ]
المبحث السادس: مناظرته مع بعض المشغوفين بأهل الكلام في بطلان طريقتهم إما في الدلائل أو المسائل. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عرض المناظرة.
• تمهيد:
لقد كان شأن شيخ الإسلام شأنًا عظيمًا؛ فقد رزقه الله منذ صغره وحداثة سنه من العلم الغزير والبصيرة النافذة الشيء الجليل الكبير، حتى إنه كان يجابه أهل الكلام والفلسفة ويبين تهافت مذهبهم وضعف طريقتهم بالأدلة القوية والبراهين الجلية؛ وما هذه المناظرة -التي بين يدينا- والتي حصلت له وهو قريب عهد بالاحتلام، إلا نموذج على ما حباه الله به من العلم الواسع، والخبرة العظيمة بالحق وما يخالفه من المذاهب الفاسدة والأقوال الباطلة.
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام -﵀-: «المعلوم من حيث الجملة: أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوًا وقولًا للباطل وتكذيبًا للحق في مسائلهم ودلائلهم؛ لا يكاد -والله أعلم- تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك.
وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم، وأنا إذ ذاك صغير قريب العهد من الاحتلام، كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل:
[ ٦٣٦ ]
-إما في الدلائل،
-وإما في المسائل.
إما أن يقولوا مسألة تكون حقًا، لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة، وإما أن تكون المسألة باطلًا، فأخذ ذلك المشغوف بهم يعظم هذا، وذكر مسألة التوحيد.
فقلت: التوحيد حق، لكن اذكر ما شئت من أدلتهم التي تعرفها حتى أذكر لك ما فيه. فذكر بعضها بحروفه حتى فهم الغلط وذهب إلى ابنه -وكان أيضًا من المتعصبين لهم- فذكر ذلك له، قال: فأخذ يعظم ذلك علي.
فقلت: أنا لا أشك في التوحيد ولكن أشك في هذا الدليل المعين» (^١)، ثم استطرد -﵀- في ذكر الأدلة الدالة على بطلان طريقتهم في الدلائل والمسائل.
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
• تمهيد:
نبه شيخ الإسلام في غير موضع من كتبه أن أكثر كلام الفلاسفة والمتكلمين، حشو لا فائدة فيه، فهم من أكثر الطوائف تقريرًا للباطل وتكذيبًا للحق، وهذه سمة لازمة لهم: إما في مسائلهم، أو دلائلهم.
وجميع ردود شيخ الإسلام على المتكلمين: إما في بيان مسألة باطلة أحدثوها، أو دليل فاسد قرروه، وهذا هو ما قرره شيخ الإسلام لمناظره ووضحه له، وستكون دراسة المناظرة التي بين أيدينا من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
أشار شيخ الإسلام في رده على مناظره إلى أن هذا المناظر إنما أوتي من تعظيمه لطريقة المتكلمين وولعه بهم وشغفه بمسائلهم ودلائلهم، ولذلك استشنع كلام شيخ الإسلام واستعظم ما قرره من بطلان مذهب القوم، سواء في المسائل
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧).
[ ٦٣٧ ]
أو في الدلائل، وكثير من أهل البدع إنما تشربوا بدعهم من جهة تعظيم مشايخهم وعلمائهم والغلو فيهم، حتى استثقلوا قول الحق خشية مخالفة أشياخهم ورد تنظيراتهم وأقوالهم، وما ظهرت كثير من العقائد الفاسدة والآراء الشاذة المنحرفة والأهواء المضلة إلا من هذا الباب حتى بلغ الأمر بكثير من الناس إلى درجة ادعاء العصمة في الأساتذة والأشياخ، بل بلغ الأمر بطوائف -غير قليلة من الناس- إلى تأليه الأشخاص واتخاذهم أربابًا من دون الله، وهذا أمر يطول شرحه، ويصعب بسطه (^١)، وإنما أردت الإشارة إليه في مثل هذا المقام، لبيان سبب محاجة هذا الرجل عن أهل الكلام، واستعظامه لما قرره شيخ الإسلام.
الوجه الثاني: الجواب على شبهتهم:
بين شيخ الإسلام -﵀- في هذه المناظرة بطلان ما عليه المتكلمون والفلاسفة بقاعدة عامة إجمالية يدخل فيها كل قضية اعتقدوها وكل مقالة تبنوها، وهي أن جميع ما يأتي به أهل الكلام والفلسفة إما أن تكون مسألة مخترعة حادثة لم يدل عليها دليل شرعي جعلوها أصلًا من أصول الدين وعقيدة تلزم جميع المسلمين، وإما أن يأتوا بأصل شرعي صحيح ومسألة عقدية مقررة، ولكن يستدلون عليها بأدلة باطلة ضعيفة أو مضطربة متهاوية،
وكثير من باطلهم هو من النوع الأول: وهي المسائل المحدثة التي جعلوها دينًا وقرروها في كتب الأصول والعقائد، كمسألة نفي الصفات ونفي القدر، ونحوها من المسائل.
وقد فصل شيخ الإسلام القول في بيان فساد كل مسألة من هذه المسائل، بل إن كثيرًا من مصنفاته إنما صنفها لبيان فساد بعض هذه المسائل، وإنما اكتفي في هذا المقام بذكر بعض الأجوبة الإجمالية التي بين فيها شيخ الإسلام فساد مسائل القوم ودلائلهم على وجه العموم لا التخصيص، وأهم هذه الأجوبة ما يلي:
_________________
(١) انظر: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: ١٤٥ - ١٥٠).
[ ٦٣٨ ]
أولًا: أن مسائلهم التي قرروها مسائل محدثة لم ترد في الشرع، بل هي مخالفة له:
بين شيخ الإسلام -﵀- أن مسائل الدين التي يجب اعتقادها قد بينها الله ورسوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ ولا يوجد أصل من أصول الدين إلا وقد بُيِّنَ في القرآن والسنة على أكمل وجه وأوضح بيان، ولذلك فإن كل مسألة أحدثها المتكلمون والفلاسفة وألزموا الناس باعتقادها مما لم يأت في كتاب ولا سنة ولا نص عليها أحد من سلف هذه الأمة فهي مسألة باطلة، وقد أنكر شيخ الإسلام على من سأله عن الخوض في مسائل من أصول الدين لم ترد في النصوص، فقال ضمن جوابه للسائل: «فقول السائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد -ﷺ- فيها كلام أم لا؟ سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة، فإن المسائل التي هي من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين، أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله، وأنزل به كتابه، لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي -ﷺ- - فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه، إذ كونها من أصول الدين، يوجب أن تكون من أهم الدين، وأنها مما يحتاج إليه» (^١).
بل إن هذه المسائل المذكورة وغيرها من المسائل التي يقررها المتكلمون مع كونها غير واردة في النصوص فإنها كذلك مخالفة لما دلت عليه الآيات والنصوص قال ﵀: «ومن تدبر هذا كله وتأمله وتبين له أن ما جاء به القرآن من بيان آيات الرب ودلائل توحيده وصفاته هو الحق المعلوم بصريح المعقول وأن هؤلاء خالفوا القرآن في أصول الدين في دلائل المسائل وفي نفس المسائل خلافًا خالفوا به القرآن والإيمان وخالفوا به صريح عقل الإنسان وكانوا في قضاياهم التي يذكرونها في خلاف ذلك أهل كذب وبهتان، وإن لم يكونوا متعمدين
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٦).
[ ٦٣٩ ]
الكذب، بل التبس عليهم ما ابتدعوه من الهذيان» (^١).
ثانيًا: أن أدلتهم التي يقررون بها أصولهم ومسائلهم أدلة محدثة مبتدعة:
فمثل ما قيل في ابتداعهم لكثير من المسائل المحدثة، فكذلك القول فيما اخترعوه من أدلة وسلكوه من طرق لتقرير المسائل الشرعية والأصول العقدية قال شيخ الإسلام -﵀-: «والمقصود هنا أن هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.
فيقال لهم: أنتم وكل مسلم عالم تعلمون بالاضطرار أن إيمان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكن مبنيًا على هذه الحجج المبنية على الجسم، ولا أمر النبي -ﷺ- أحدًا أن يستدل بذلك على إثبات الصانع، ولا ذكر الله تعالى في كتابه وفي آياته الدالة عليه وعلى وحدانيته شيئًا من هذه الحجج المبنية على الجسم والعرض، وتركيب الجسم وحدوثه وما يتبع ذلك.
فمن قال: إن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بهذه الطريق كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام.
ومن قال: إن سلوك هذه الطريق واجب في معرفة الصانع تعالى كان قوله من البدع الباطلة المخالفة لما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
ولهذا كان عامة أهل العلم يعترفون بهذا: وبأن سلوك هذه الطريق ليس بواجب، بل قد ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أن سلوك هذه الطريق بدعة محرمة في دين الرسل، لم يدع إليها أحد من الأنبياء ولا من أتباعهم (^٢).
ثم القائلون بأن هذه الطريق ليست واجبة قد يقولون: إنها في نفسها صحيحة،
_________________
(١) المصدر السابق (٥/ ٢٠٣).
(٢) انظر: رسالة إل أهل الثغر (١٠٥ - ١١٦).
[ ٦٤٠ ]
بل ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار، كما يذكر ذلك طائفة منهم: الأشعري، والخطابي، وغيرهما.
وأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها، ويعيبونها لاشتمالها على كلام باطل، ولهذا تكلموا في ذم هذا الكلام؛ لأنه باطل في نفسه، لا يوصل إلى الحق، بل إلى باطل، كقول من قال: (الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل) (^١)، وقول من قال: (لو أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها كتب علم الكلام) (^٢)، وقول من قال: (من طلب الدين بالكلام تزندق) (^٣) ونحو ذلك.
ونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلمًا أن ينازع فيه، وهو أنا نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه، ولا أمر بها رسوله -ﷺ-، ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفًا عليها، فلو كان الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين، بل كان ذلك أصل أصول الدين، لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان: إثبات الصانع، وتنزيهه عن صفات الأجسام، كما يجعلون هم ذلك أصل دينهم، فلما لم يكن الأمر كذلك عُلم أن الإيمان يحصل بدونها، بل إيمان أفضل هذه الأمة وأعلمهم بالله كان حاصلًا بدونها.
_________________
(١) روى أبو إسماعيل الهروي بسنده إلى الإمام مالك ﵀ قال: لعن الله عمرًا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام ولوكان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل. ذم الكلام (٧٢ - ٧٣/ ٥).
(٢) رواه أبو الفضل المقرئ في أحاديث في ذم الكلام وأهله (ص:٩٠) من قول الإمام الشافعي -﵀-، وانظر: شرح السنة للبغوي (١/ ٢١٨)، والسير (١٠/ ٣٠). وانظر شيئًا من أقوال الشافعي ومواقفه في الكلام وأهل الكلام في "آداب الشافعي ومناقبه" لأبن أبي حاتم (ص:١٣٧ - ١٤٥)
(٣) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٥/ ٧١:٨٥) من قول مالك بن أنس -﵀-، ورواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٥/ ٢٠٢:٩٩٨). والخطيب في الكفاية (ص:١٤٢) وشرف أصحاب الحديث (ص:٥) والسمعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص:٨٥) وابن عدي في الكامل (١/ ١١١) كلهم من قول القاضي أبي يوسف -﵀-.
[ ٦٤١ ]
فمن قال بعد هذا: إن العلم بصحة الشرع لا يحصل إلا بهذا الطريق ونحوها من الطرق المحدثة؛ كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، وعلم أن القدح في مدلول هذه الطرق ومقتضاها، وأن تقديم الشرع المعارض لها، لا يكون قدحًا في العقليات، التي هي أصل الشرع، بل يكون قدحًا في أمور لا يفتقر الشرع إليها، ولا يتوقف عليها، وهو المطلوب» (^١).
ثالثًا: أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين يعتبر طعنًا في الشرع وقدحًا في النبوة:
بين شيخ الإسلام -﵀- أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين هو في الحقيقة طعن في الشرع ومن جاء به، واتهام للنبي -ﷺ- إما بالكتم والخيانة، وإما بالتفريط والتقصير، وهو أيضًا اتهام لخير القرون -الصحابة فمن بعدهم- بذلك؛ فإن عدم بيان أصول الدين -وهي أهم ما يحتاج له المسلمون- لا يخلو سببه من أحد هذين الأمرين، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين:
إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعًا. وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين؛ وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعًا.
فإن جهله بالأول: يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه.
وجهله بالثاني: يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات؛ وإنما هي جهليات.
وجهله بالأمرين: يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٠٨ - ٣١١).
[ ٦٤٢ ]
والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك، كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن عامتهم» (^١).
رابعًا: إحداثهم لهذه المسائل إنما جاء بناء على جهلهم بما جاءت به الشريعة من الأدلة والبراهين:
وذلك أنهم ظنوا أن الشرع لم يأت بالأدلة العقلية، وإنما جاء بالأدلة الشرعية الخبرية ولذلك قاموا بمحاولة نصب الأدلة العقلية والفلسفية والمنطقية للدلالة على هذه المسائل، فأتوا من المحالات والتناقضات والاضطرابات شيئًا كثيرًا عجيبًا؟!
والحق أن الله ﷾ بين من أنواع الأدلة العقلية في تقرير العقائد الشرعية ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ولا يقدرون على الإتيان بمثله، وما فيه الكفاية والغنية وما من دليل صحيح نصبوه إلا وقد جاء القرآن بخلاصته على أحسن الوجوه، قال سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣]، ومن أوضح ما يبين ذلك أنواع الأمثلة التي ضربها الله في كتابه ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:٥٨]، وما هذه الأمثلة المضروبة على كثرتها إلا نوع من الأقيسة الذهنية والبراهين العقلية التي جاءت بها الشريعة المحمدية، وأنواع أدلتها العقلية أكثر من هذا بكثير (^٢).
خامسًا: واقع المتكلمين يدل على ضعف وبطلان ما أحدثوه من مسائل ودلائل، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنك تجد أهل الكلام أعظم الناس شكًا واضطرابًا، وأضعف الناس علمًا ويقينًا، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر، وإنما نتج هذا الشك والاضطراب بسبب مسائلهم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
(٢) انظر: درء التعارض (١/ ٢٩).
[ ٦٤٣ ]
ودلائلهم التي لا تقوم على حجة صحيحة ولا نقل مستقيم (^١).
الوجه الثاني: أنك تجد غالب حججهم تتكافأ وكل منهم يقدح في أدلة الآخر، قال شيخ الإسلام: «ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على مقدماته؛ بل كل طائفة تقدح في دليل الأخرى؛ فالفلاسفة تقدح في دليل المعتزلة على نفي الصفات؛ بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك؛ لأن دليل المعتزلة مبني على أن القديم لا يكون محلًا للصفات والحركات، فلا يكون جسمًا ولا متحيزًا؛ لأن الصفات أعراض، وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. بل الأشعري نفسه ذكر في رسالته إلى أهل الثغر (^٢): أن هذا الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم -وهو الاستدلال على حدوث الأجسام بحدوث أعراضها- هو دليل محرم في شرائع الأنبياء لم يستدل به أحد من الرسل وأتباعهم، وذكر -في مصنف له آخر- بيان عجز المعتزلة عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم، وأبو حامد الغزالي، وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلاسفة التي نفوا بها الصفات، وبينوا عجزهم عن إقامة دليل على نفي أنه جسم، بل وعجزهم عن إقامة دليل على التوحيد وأنه لا يمكن نفي الجسم إلا بالطريق الأول الذي هو طريق المعتزلة الذي ذكر فيه الأشعري ما ذكر.
فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الآخر الذي يزعم أنه بني عليه النفي، كان في هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ضرورية؛ إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها» (^٣)
الوجه الثالث: أن المطلع على حال أهل الكلام يجدهم أكثر الناس انتقالًا من قول إلى قول، وجزمًا بالقول في موضع وجزمًا بنقيضه وتكفير قائله في موضع
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧).
(٢) انظر: رسالة إلى أهل الثغر (ص: ١٠٥ - ١١٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٨).
[ ٦٤٤ ]
آخر، وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم كما أخبر شيخ الإسلام «ما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن» (^١).
الوجه الرابع: ومما يدل على هذا أيضًا: ما هو معلوم من رجوع أكثر أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم، بينما تجد أئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد؛ لأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وقد ضرب شيخ الإسلام في مختلف كتبه ومصنفاته أمثله كثيرة جدًا على تراجع صناديد علم الكلام وأئمته عن مذاهبهم ومعتقداتهم، ومن أجمع هذه المواضع ما ذكره -﵀- في مجموع الفتاوى، حيث قال: «وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك: إما عند الموت، وإما قبل الموت والحكايات في هذا كثيرة معروفة:
-هذا أبو الحسن الأشعري: نشأ في الاعتزال أربعين عامًا يناظر عليه ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم (^٢).
-وهذا أبو حامد الغزالي: مع فرط ذكائه، وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة، ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٠).
(٢) روى قصة رجوعه وتوبته من الاعتزال ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) (ص:٣٨ - ٣٩) وجاء في آخرها: «قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إمامًا، ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يومًا، فبعد ذلك خرج إلى الجامع فصعد المنبر وقال: معاشر الناس إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة؛ لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق فاستهديت الله ﵎ فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس: فمنها كتاب (اللمع)، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب (كشف الأسرار وهتك الأستار)، وغيرهما»
[ ٦٤٥ ]
إلى طريقة أهل الحديث وصنف (إلجام العوام عن علم الكلام) (^١).
-وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات (^٢): «لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي» وكان يتمثل كثيرًا:
نهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذىً ووبالُ
_________________
(١) "إلجام العوام عن علم الكلام" المسمى بـ "رسالة في مذهب أهل السلف" هو آخر ما كتب أبو حامد الغزالي، كتبه في أوائل جمادي الآخرة سنة ٥٠٥ هـ أي: قبيل وفاته بزمن قصير جدًا، أقلّ من أسبوعين، حيث توفي ﵀ يوم الاثنين ١٤ جمادي الآخرة عام ٥٠٥ هـ. وكان مما قال فيه الغزالي: «اعلم: أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف -أعني مذهب الصحابة والتابعين-، وها أنا أورد بيانه وبيان برهانه. فأقول: حقيقة مذهب السلف، وهو الحق عندنا؛ أن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة امور: التقديس، ثم التصديق، ثم الاعتراف بالعجز، ثم السكوت، ثم الإمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة». ثم يجعل من قول الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- مقدمة مهمة جدًا في هذا الموضوع، يأخذ به ويكرره في عدة مواضع، حيث يقول الإمام مالك -﵁- عندما سُئل عن الإستواء: (الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). ويعقد الإمام الغزالي فصلًا في أن الجواب الحق عن هذه المسائل هو جواب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه-، وهذا الكتاب من أصحِّ الكتب نسبة إليه. وطبع الكتاب في بيروت، دار الكتب العلمية ضمن (مجموعة رسائل الإمام الغزالي) ١٤١٤ هـ/١٩٩٤ م. نقلًا عن "كتب الإمام الغزالي الثابت منها والمتحول" للدكتور مشهد العلاف.
(٢) رسالة (أقسام اللذات) أو (ذم لذات الدنيا) للفخر الرازي (ص:٢٦٢). وانظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٠) وطبقات الشافعية (٥/ ٤٠).
[ ٦٤٦ ]
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا (^١)
-وهذا إمام الحرمين: ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف. وكان يقول: «يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام؛ فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به» (^٢) وقال عند موته: «قد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن: إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي -أو قال-: عقيدة عجائز نيسابور» (^٣).
-وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالمِ
فلم أر إلا واضعًا كف حائرٍ … على ذقن أو قارعا سن نادمِ (^٤)
-وابن الفارض (^٥): من متأخري الاتحادية … لما حضرته الوفاة أنشد:
إن كان منزلتي في الحب عندكمُ … ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي
_________________
(١) رواها لسان الدين ابن الخطيب بإسناده للرازي في "الإحاطة في أخبار غرناطة" (٢/ ٢٢٢). وانظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٠) وطبقات الشافعية (٥/ ٤٠).
(٢) رواه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده إلى الجويني في "المنثور من الحكايات والسؤالات" (١/ ٥١) (٦٣) وعنه ابن الجوزي في المنتظم (٩/ ١٩).
(٣) نقل شيخ الإسلام هذا الكلام في غير موضع، وذكره السبكي في طبقات الشافعية (٣/ ٢٦٠)، والذهبي في السير (١٨/ ٤٧١).
(٤) هذين البيتين ذكرهما في مقدمة، (نهاية الإقدام في علم الكلام) (ص:٧)
(٥) هو أبو حفص وأبو القاسم، عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، شرف الدين ابن الفارض، أشعر المتصوفين، لقب بسلطان العاشقين، اتحادي ضال. له ديوان مطبوع، (ت:٦٣٢ هـ). انظر: ميزان الاعتدال (٣/ ٢١٤)، (تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦)، الأعلام للزركلي (٥/ ٥٥).
[ ٦٤٧ ]
أمنية ظفرت نفسي بها زمنًا … واليوم أحسبها أضغاث أحلامِ (^١)» (^٢)
ويتلخص لنا من هذه الوجوه كلها، ضعف مذهب القوم وبطلان ما أحدثوه من مسائل ودلائل، لم تأت في كتاب ولا سنة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة، وأن مآل من اعتقد هذه المسائل والدلائل وانتصر لها هو الحيرة والتناقض، وأن العباد إنما كلفوا بما جاءت به الشريعة من مسائل في أصول الدين الاعتقاد، وأن فيما جاءت به الشريعة من أدلة على أصول الدين الغُنية والكفاية عن أي دليل يُنصب أو حجة تُجتلب، والله أعلم.
_________________
(١) ديوان ابن الفارض (ص:٢٠٧) وذكر الذهبي -أيضًا- أن ابن الفارض أنشد هذين البيتين عند موته. انظر: تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٧٢ - ٧٥).
[ ٦٤٨ ]
المبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو: واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
• تمهيد:
ذكر شيخ الإسلام -﵀- هذه المناظرة في معرض بيانه لزيف ما ادعاه الرازي في كتابه الأربعين من بطلان كون علو الله -﷿- أمرًا ضروريًا فطريًا لا يمكن إنكاره ولا جحده، فبين ﵀ زيف وبطلان الشبه التي احتج بها الرازي، وأن ما ادعاه من إنكار لعلو الله على خلقه واعتقادٍ بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولا مباين عنه (^١)، مما يتصادم مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة التي توجب كون الله عاليًا على مخلوقاته فوق أرضه وسماواته، وهذا مما يجده كل أحد من نفسه، حتى المنكر المخالف، فلا بد وأن يجد هذا الشعور في داخله خصوصًا عند نزول الملمات وحلول الكربات، التي لا يجد منها مفزعًا إلا اللجوء إلى رب الأرض والسماوات، متجهًا له بقلبه، رافعًا إليه يده، شاخصًا إلى السماء ببصره منتظرًا لفرجه ولطيف أمره.
_________________
(١) انظر: الأربعين في أصول الدين (١٥٢).
[ ٦٤٩ ]
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام في معرض كلامه عن دلالة الفطرة على علو الله ﷾: «ولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هذه القضية الضرورية قبل أن يعلموا أن في الوجود من ينكرها ويخالفها، وأكثر الفطر السليمة إذا ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم، ومنهم من لا يصدق أن عاقلًا يقول ذلك، لظهور هذه القضية عندهم، واستقرارها في أنفسهم، فينسبون من خالفها إلى الجنون، حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم.
ولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة، ولا يلتفت إلى ما اعتقده من المعارض لها؛ فالنفاة لعلو الله إذا حزبَ أحدهم شدة وَجَّهَ قلبه إلى العلو يدعو الله.
ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره، فرفع طرفه ورأسه إلى السماء وقال: يا الله.
فقلت له: أنت محقق! لمن ترفع طرفك ورأسك؟! وهل فوق عندك أحد؟!
فقال: استغفر الله. ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم» (^١).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:
• تمهيد:
استطاع شيخ الإسلام -﵀- أن يستدرج خصمه ويرجعه إلى أصل فطرته التي تناقض اعتقاده ومذهبه، ويثبت له من نفسه صحة دلالة الفطرة على علو ربه ﷾،
_________________
(١) درء التعارض (٦/ ٣٤٣).
[ ٦٥٠ ]
هذا الأمر الذي أنكر الجهمية ومتأخرو الأشاعرة وعلى رأسهم الفخر الرازي أن تكون الفطرة دالة عليه، منتصرين لقولهم بظنون وأوهام زعموا أنها براهين وحقائق، ومناقشة الشبهة التي ذكروها في إنكار دلالة الفطرة على علو الباري -جل شأنه- على مخلوقاته، ستكون من وجهين:
الوجه الأول: بيان شبهتهم في إنكار دلالة الفطرة على مسألة العلو:
ساق شيخ الإسلام هذه المناظرة في كتابه العظيم درء التعارض في معرض رده على الرازي في إنكاره كون علو الخالق -جل شأنه- أمرًا مستقرًا في الفطر ومعلومًا بالاضطرار، وقد اعترض الرازي على ما يستدل به جمهور الناس على علو الله تعالى من الضرورة الفطرية، التي تقضي بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما ساريًا في الآخر، أو مباينًا له، والله منزه عن الأول، فيثبت له العلو على خلقه مع مباينته لهم -جل وعلا-.
وتتلخص الوجوه التي انتقد بها الرازي دلالة الفطرة في وجهين اثنين:
الأول: أن هذا الأمر لو كان بديهيًا لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية، إذ العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجمع العظيم.
الثاني: عدم التسليم بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما ساريًا في الآخر، أو مباينًا له؛ وذلك أن العقل لا يمنع وجود قسم ثالث: وهو أن يكون هناك موجودان، لا يكون أحدهما ساريًا في الآخر، ولا يكون مباينًا له.
وضرب الرازي على ذلك بعض الأمثلة من القضايا الذهنية والكليات المطلقة: كمسمى الإنسان، وكالأعداد، والنفي والإثبات، وغيرها من الأمور التي يمكن أن يتصورها العقل بغير جهة ولا حيز ولا مكان ولا سريان ولا مباينة ولا صورة ولا شكل (^١).
_________________
(١) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ١٥٢ - ١٥٦) ودرء التعارض (٦/ ٣٤٠ - ٣٤٤).
[ ٦٥١ ]
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
إن الأمور المستقرة في الفطر، والمغروسة في النفوس، لهي أوضح وأظهر من أن تحتاج إلى دليل أو برهان أو حجة أو بيان، وما هي إلا كما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (^١)
ولكن البدعة إذا استحكمت في قلب امرئ ما، وتوغلت في أحشائه، جعلتهُ عبدًا لها، وأسرتهُ في هواها، وطمست على بصيرته؛ حتى لا يرى حقًا سواها، فتراه يرد الآيات الواضحات والسنن الثابتات، وما حكى الأئمة من نقول وإجماعات، نصرة لبدعته وهواه، بل إن الحال يصل به إلى إنكار الضروريات ومصارعة الفطرة التي خُلق بها، وجبل عليها، ومكابرتها وجحدها، لا لشيء إلا انتصارًا لهواه وبدعته، أو تقليدًا لشيخه، أو تعصبًا لمذهبه ونحلته.
وما منكرو علو الباري -جلا وعلا- إلا صنف من هذه الأصناف، التي حاربت فطرتها نصرة لمذهبها، ولولا وجود من ينكر علو الباري -﷾-، وتلبيسهم على الناس بأنواع الشبه لتقرير باطلهم ونصرة مذهبهم، وجحدهم لدليل الفطرة وقدحهم في دلالتها على علو ربهم وخالقهم، لما نازع في ذلك أحد، ولما احتيج مع ذلك لكتاب أو رد، ولكن لما قام سوقهم وانتشرت بدعتهم قام الأئمة الأعلام بالرد عليهم وفضحهم، وبيان مخالفتهم للنصوص والعقول والفطر، وقد كان شيخ الإسلام من أعظم من قام بهذا الأمر حق قيام، فسطر الرسائل والمجلدات، في إبطال هذه السفسطات، التي عارض بها القوم الفطر والضروريات.
وقد أطال شيخ الإسلام وأسهب في بيان ضعف هذا المذهب، ولا يمكن حصر جميع ما ذكره الشيخ ﵀ في مثل هذا الموضع، ولكن يكفي من ذلك بيان أهم الأدلة التي أوردها والطرق التي سلكها في الرد عليهم وإبطال شبهتهم، ويمكن إجمال طرق رده عليهم في ثلاث مسالك:
_________________
(١) البيت لأبي الطيب المتنبي. ديوان المتنبي (ص:٣٤٣).
[ ٦٥٢ ]
المسلك الأول: تقرير دلالة الفطرة على علو الله ﷾:
قرر شيخ الإسلام -﵀- دلالة الفطرة على علو الله -﷿- من وجوه كثيرة كلها تدل على أن العلم بعلوه جل وعلا أمر بديهي فطري مستقر في النفوس والأفئدة، ويمكن إجمال الوجوه الدالة على ذلك بما يلي:
١) أن الخلق كلهم إذا حزبهم أمر، ووقعت بهم شدة، توجهت قلوبهم لانتظار نزول الفرج من السماء، وذلك لما استقر في أفئدتهم من أن خالقهم -جلا وعلا- فوق خلقه عال على عرشه، منه تتنزل الرحمات، ومن عنده تكشف الكربات، وهذا أمر محسوس معلوم لا ينكره أحد حتى النفاة، فإنهم يجدون ذلك من ضرورة أنفسهم. قال شيخ الإسلام: «وعامة هؤلاء إذا أصابت أحدًا منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ففطرته وضرورته تقر بالعلو، وينكر وجود موجود لا محايث ولا مباين، وعقيدته التي اعتقدها تقليدًا أو عادةً أو شبهةً تناقض فطرته وضرورته» (^١).
قال ابن عبد البر﵀-: «ومن الحجة أيضًا في أنه -﷿- على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم» (^٢).
ومما يوضح ذلك ويبينه تلك القصة التي حكاها شيخ الإسلام في كتبه غير ما مرة (^٣) عن أبي جعفر بن أبي علي الحافظ (^٤) قال:
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٧٢)
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٣٤)
(٣) انظر: الاستقامة (١/ ١٦٧) وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٢) ومجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٠) (٤/ ٤٤) ومنهاج السنة (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣).
(٤) أبو جعفر الهمذاني محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الحافظ الصدوق، شيخ، صالح، ثقة مأمون، معمر قال ابن السمعاني: ما أعرف أن في عصره أحدًا سمع أكثر منه، (ت:٥٣١ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١١/ ٥٥٤) وشذرات الذهب (٤/ ٩٧).
[ ٦٥٣ ]
سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه:٥]؟
فقال: كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام-.
فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟!
فقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟
فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟! وبكيت وبكى الخلق.
فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة! وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة!
فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني (^١).
٢) أن ما تجده النفوس من علو ربها -ﷻ- أمر متفق عليه بين أمم الأرض باختلاف أجناسها وأعمارها وأديانها، من مسلمين ويهود ونصارى ومشركين، وعجائز وصبيان، وعربٍ وعجم (^٢).
٣) أن العلم بعلو الله مما جبل وفطر عليه الناس، واشترك في العلم به الجاهل والعالم، وهو مستقر عند العامي الذي لا يقرأ ولا يكتب كما هو مستقر عند العالم القارئ الكاتب (^٣).
_________________
(١) العلو للعلي الغفار (ص:٢٥٩) قال الشيخ الألباني -﵀-: وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ. مختصر العلو (ص:٢٧٧).
(٢) انظر درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٢)
(٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٢)
[ ٦٥٤ ]
٤) أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو بيان خطئه، والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يُعلم بالضرورة استحالة تواطئهم على الكذب، فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة، فلا يجوز أن يقال: إنهم كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري (^١).
قال شيخ الإسلام -﵀-: «وكما يمتنع اتفاق الطوائف الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل ذلك، يمتنع اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك، ولو جاز الخطأ في مثل ذلك، لم يكن الجزم بما يخبر به الناس عما عرفوه بالحس، أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك، فإن غلط الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس، ولطائفة حصل بينها مواطأة، وتلقي بعضها عن بعض، كالمذاهب الموروثة، وكقول التابعين، لكون هذا معلومًا بالضرورة؛ فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض.
وأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم، أو أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ولا يعقل موجودان ليس أحدهما محايثًا للآخر ولا مباينًا له، وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم، كسائر العلوم الضرورية، فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين» (^٢).
٥) أن الداعي إذا أراد أن يدعو ربه، فإنما يرفع يديه إلى السماء، وهذا أمر يفعله جميع أرباب النحل، فدل على أن من المتقرر في فطر وعقول جميع الخلق أن إلههم فوق و"هذا الرفع يُستدل به من وجوه:
أحدها: أن العبد الباقي على فطرته يجد في قلبه أمرًا ضروريًا إذا دعا الله دعاء المضطر أنه يقصد بقلبه الله الذي هو عالٍ وهو فوق.
الثاني: أنه يجد حركة عينيه، ويديه بالإشارة إلى فوق، تتبع إشارة قلبه إلى
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٤١)
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٣٤١ - ٣٤٢).
[ ٦٥٥ ]
فوق، وهو يجد ذلك أيضًا ضرورة.
الثالث: أن الأمم المختلفة متفقة على ذلك من غير مواطأة.
الرابع: أنهم يقولون بألسنتهم إنا نرفع أيدينا إلى الله ويخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون في قلوبهم اضطرارً إلى قصد العلو، فالحجة تارة بما يجده الإنسان من العلم الضروري في نفسه، وتارة بما يخبر به الناس عن أنفسهم من العلم الضروري، وتارة بما يدل على العلم الضروري في حق الناس، وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة؛ فإنه إذا كان إجماع المسلمين وحدهم لا يكون إلا حقًا، فإجماع جميع الخلق الذين منهم المسلمون أولى أن لا يكون إلا حقًا" (^١).
المسلك الثاني: الأجوبة الإجمالية على حجج القوم واعتراضاتهم على دليل الفطرة:
١) بين شيخ الإسلام أن النفاة لا يستطيعون إنكار علو الله -﷿-، وإثبات ما ادعوه مما يناقض صريح الفطرة: من كون الله ﷿ لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا ساريًا فيه ولا مباينًا له، لا يمكنهم تقرير قولهم هذا حتى يثبتوا مقدمات ثلاث:
أولها: أن يثبتوا أن قولهم هذا غير معارض للفطرة والعلوم البديهية وغير ممتنع فيها.
ثانيها: أن يبينوا ثبوت قولهم هذا -الذي قرروا إمكانه- في الخارج؛ فإن العلم بإمكانه لا يقتضي ثبوته ووجوده.
ثالثها: إذا ثبت وجوده فيجب عليهم أن يثبتوا معارضته لما جاءت به النصوص من علو الله سبحانه وترجيحه عليها.
وبغير إثبات هذه المقدمات الثلاث لا يمكنهم أن يثبتوا قولهم ويُسلم لهم به،
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٥٢١).
[ ٦٥٦ ]
بل لا بد أن يثبتوا عدم امتناعه فطرة، ثم إذا ثبت عدم امتناعه فلا بد أن يثبتوا وجوده أيضًا، ثم إن ثبت الأمران فبقي لهم أن يثبتوا معارضته لما جاءت به النصوص من علو الله سبحانه.
فإن ثبت امتناعه بالفطرة فهذا كاف في بيان فساده، ثم إن ثبت عدم إمكان وجوده وثبوته فلا فائدة منه حينئذ، ثم لو فرض عدم امتناعه ووجوده في الخارج، فإنه مع ذلك لا يتعارض مع كون الله -﷿- في العلو، فحينئذ لا يكون هناك تعارض بين النصوص الشرعية وما ذكروه من أمور عقلية.
وإذا ثبت فساد مقدمة من هذه المقدمات فقد فسد قولهم، فكيف إذا ثبت فسادها جميعها وهو الواقع؟!
فتبين أن قولهم في غاية البعد وغاية الفساد، وأن بينهم وبين تقريره خرط القتاد! (^١)
٢) أن الحجج التي اعترض بها الرازي وأشباهه من نفاة العلو، ما هي إلا حجج نظرية عقلية والإقرار بعلو الخالق -جل وعلا- ضروري بديهي فطري، والضروريات لا يمكن القدح فيها بالنظريات، وكل نظرية تعارض أمرًا بديهيًا، فإنما هي سفسطة لا غير (^٢)، وأيضًا فإن القدح في البديهيات قدح في النظريات؛ لأن النظريات لا تصح إلا بصحة البديهيات، فيلزم من فساد البديهيات فساد النظريات من باب أولى (^٣).
٣) أن ما عارضوا به دليل الفطرة ما هو في الحقيقية إلا من باب الوهم والخيال الباطل؛ فإن من اعتقد أن الكليات الذهنية الثابتة في العقل موجودة في الخارج، فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له في الواقع، ثم عارض الحقائق البديهية الفطرية بهذا الخيال المتوهم، فكيف تكون القضايا التخيلية الوهمية قادحةً في القضايا
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٦/ ١١ - ١٢).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٤، ١٨).
(٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٢٢).
[ ٦٥٧ ]
البديهية والعلوم الفطرية الضرورية؟! (^١).
٤) أنه قد عُلم بالضرورة أن ما يخلو من وصفين متقابلين -يمتنع خلو الموجود عن أحدهما-، فإنما هو في الحقيقة ممتنع معدوم، فوصف الله سبحانه بأنه غير مباين للعالم ولا محايث له ولا داخله ولا خارجه، إنما هو من صفة المعدوم والممتنع الذي لا وجود له ولا حقيقة (^٢).
٥) أن الفطر قد جبلت على تعظيم الله ووصفه بصفات الكمال والجلال، وقولهم هذا ليس فيه أي إثبات أو تعظيم أو كمال، وهذا -ولا شك- منافٍ لما جبلت عليه الفطر من تعظيم الخالق -جل وعلا-، بل إنه في الحقيقة من تشبيهه -﷿- بالمعدومات والممتنعات، وفي ذلك من عظيم التنقص ما فيه (^٣).
٦) أن من لازم قولهم في تجويز إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا محايث له، تجويز قول الحلولية والاتحادية الذين يقولون بأن الله في كل مكان بلا حلول ولا مماسة ولا مباينة، وليس مع ذلك كالجسم مع الجسم ولا كالعرض مع العرض، فليس تناقض هؤلاء ببعيد عن تناقض أولئك، ولذلك قال شيخ الإسلام: «لا تكاد تجد أحدًا من نفاة المباينة والمداخلة جميعًا، أو من الواقفة في المباينة يمكنه مناقضه الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها قولهم، بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها، وكانت حجتهم أقوى من حجته» (^٤).
بل إن قول النفاة أشد بطلانًا وأبعد عن العقل السليم والفطرة المستقيمة من قول الحلولية؛ لأن الوصف بما هو أقرب للموجودات أولى من الوصف بالممتنعات والمعدومات (^٥).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٨).
(٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٣٣، ١٣٤).
(٣) انظر المصدر السابق (٦/ ١٧٨)
(٤) درء التعارض (٦/ ١٥٩) وانظر: المصدر نفسه (٦/ ١٤٤، ١٤٥، ١٥٦، ١٧٦)
(٥) انظر المصدر السابق (٦/ ١٧٦).
[ ٦٥٨ ]
المسلك الثالث: الأجوبة التفصيلية عن أهم شبههم:
كان أهم ما اعترض به الرازي على دلالة الفطرة على العلو: شبهتان اثنتان سبق ذكرهما، وقد تبين فيما سبق الرد الإجمالي عليهما، ونذكر هنا أهم الردود التفصيلية التي رد بها شيخ الإسلام على هاتين الشبهتين الفاسدتين:
الجواب على الشبهة الأولى: وهي احتجاجهم بأن الجمع العظيم قد اتفقوا على إنكار العلو فكيف يكون مع هذا أمرا بديهيًا، وإنما هو قول الكرامية والحنابلة فحسب:
١) أن هذا الكلام باطل وعكسه هو الصحيح، فجماهير الخلائق يخالفون هؤلاء، ولم يعرف هذا القول إلا عن الجهمية كالمعتزلة ومتأخري الأشاعرة ونحوهم، ومن وافقهم من بعض الفلاسفة، وأما المنقول عن أكثر الفلاسفة فهو قول أهل الإثبات كما نقله ابن رشد الحفيد (^١) عنهم، وهو من أعظم الناس معرفة بأقوالهم وانتصارا لهم (^٢).
٢) إن من أعظم ما يبطل هذا الكلام أن متقدمي أهل الكلام وأئمتهم الذين تلقى نفاة العلو مذهبهم عنهم، هم أنفسهم على نقيض أقوال النفاة، فيصرحون بعلو الله على خلقه، بل ويحكون الإجماع على ذلك، ويردون مقالة نفاة العلو كما فعل ذلك أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن الأشعري وأئمة أصحابه، وقد نقل أقوالهم كلها شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي في كتابه العظيم "درء تعارض العقل والنقل" بل حتى الفلاسفة الذين بنى أهل الكلام
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن محمد القرطبي، ابن رشد الحفيد، فيلسوف الوقت، كان متقدِّمًا في علوم الفلسفة والطبِّ، وله باع في الفقه، وأغرق في الفلسفة فضاع، مما قيل عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، له مصنفات منها: كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وكتاب الكليات في الطب، (ت:٥٩٥ هـ). انظر: السير (٢١/ ٣٠٧)، الديباج المذهب (٢/ ٢٥٩).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٦، ١١٣).
[ ٦٥٩ ]
مذهبهم على أقوالهم، قد صرح غير واحد منهم بنقض قول النفاة، ومن ذلك ما نقله شيخ الإسلام عن ابن رشد الحفيد حين قال وهو يتحدث عن إثبات العلو: «وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله. وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ومثل قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، ومثل قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، ومثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، ومثل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [المُلك:١٦]، إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سُلِّط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من في السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي -ﷺ-، حتى قرب من سدرة المنتهى» (^١).
فكيف يقال بعد ذلك أن المخالف في ذلك إنما هم الكرامية والحنابلة وحسب، وهذا كلام بعض رؤوس أهل الكلام والفلسفة في هذا الباب.
وأما كلام أئمة السلف الذين كانوا قبل أن يوجد الحنابلة والكرامية فأكثر من أن يحصر وأكبر من أن يسطر، وقد ذكر شيخ الإسلام نقولًا كثيرة عنهم في تقرير العلو والرد على نفاته يطول سردها، وذكرها في هذا الموضع فليراجعها من يشاء، "فإذا كان سلف الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات، فكيف يقال: ليس هذا إلا قول الكرامية والحنبلية؟ " (^٢).
٣) أنه لم يطبق على نفي العلو عن الله -﷿- إلا طوائف أخذ بعضهم عن بعض
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢١٤)، وانظر: مناهج الأدلة (ص: ١٤٥).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٦).
[ ٦٦٠ ]
كما أخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم، وجميع أهل المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على جحد العلوم البديهية؛ فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية، "ولولا النشأ على هذه الأقاويل، وعلى التعظيم للقائلين بها، لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة" (^١).
الجواب على الشبهة الثانية: وهي استدلالهم بالقضايا الذهنية والكليات المطلقة:
١) أن هذه القضايا لا توجد في الخارج وإنما هي في الذهن، فليس كل ما في الأذهان موجود في الأعيان، وهذه الكليات المطلقة توجد مطلقة في الأذهان فقط، أما في الأعيان فلا توجد إلا مقيدة، فإمكان الشيء في الذهن لا يدل على إمكانه في الخارج، وكثير من شبه القوم إنما بنيت على هذا الأساس، وما ذكروه هو من هذه الكليات الذي لا يوجد أي دليل يثبت وجودها في الخارج (^٢).
٢) أنه لم يقل أحد بثبوت مثل هذه الكليات في الخارج إلا ما ذكر عن بعض أهل المنطق اليوناني، وهم أيضًا متناقضون في ذلك تناقضًا كثيرًا، "وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجعل مثل هذه القضية مقدمة في إبطال قضية اعترف بها جماهير الأمم، واعترفوا بأنها مركوزة في فطرهم، مغروزة في أنفسهم، وأنهم مضطرون إليها، لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم" (^٣).
٣) أن مجرد تقدير الذهن للأقسام لا يدل على إمكانها في الخارج، فالذهن يقدر كون الشيء: "إما موجود وإما معدوم، وإما لا موجود ولا ومعدوم، وأن الموجود: إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون ممكنًا، وإما أن يكون لا واجبًا
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٢٣٤)، وانظر: مناهج الأدلة (ص: ٧٩).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٣٧).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٢٧٦).
[ ٦٦١ ]
ولا ممكنًا، وأنه: إما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه أو بغيره، أو لا قائم بنفسه ولا بغيره، وأمثال ذلك من التقديرات، ثم لم يكن هذا دليلًا على إمكان كل هذه الأقسام في الخارج" (^١).
٤) مجرد الإمكان الذهني -وهو عدم العلم بالامتناع - لا يدل على الإمكان الخارجي ولا العلم به، وإنما غايته أن يقول: إني لا أعرف إمكانه ولا امتناعه.
والمدعي يقول: أنا أعلم امتناعه بالضرورة، وقد ذكرنا أنهم طوائف متفرقون اتفقوا على ذلك من غير مواطأة، وذلك يقتضي أنهم صادقون فيما يخبرون به عن فطرهم. ومعلوم أن العلوم الضرورية لا يقدح فيها نفي النافي لها، فكيف يقدح فيها شك الشاك فيه (^٢).
٥) أن ظن ثبوت مثل هذه الكليات في الخارج إنما هو في الحقيقة من باب الوهم والخيال، كما قد سبق بيانه.
٦) أن المتكلمين أنفسهم يرد بعضهم على بعض في هذا الموضع، ويقدح بعضهم في مقدمة الآخر، ولا شك أن المقدمات المتنازع فيها لا ترتقي لمعارضة الضروريات فضلًا أن تكون منها (^٣).
٧) أن القضايا العقلية الكلية يختلف تصورها عن تصور المعينات الداخلة فيها، فلا يكفي تصور القضية الكلية الذهنية في تصور المعين الداخل فيها الموجود في خارج الذهن، فتصورنا للقضية الكلية وهي أن كل موجود: فإما أن يكون قديمًا أو حادثًا، يختلف عن حكمنا على معين بأنه قديم أو محدث، فإنه لا بد حينئذ أن نعينه بما يخصه عن غيره من الأمور التي تشاركه وتدخل معه في القضية الكلية، فتصور المعين شيء، وتصور القضية الكلية شيء آخر، فمن أثبت موجودين أحدهما غير مباين للآخر ولا ساريًا فيه؛ فإنه إنما أثبت قضية كلية مطلقة
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٢٨٣).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٨٤).
(٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٣٧، ١٩١).
[ ٦٦٢ ]
في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج، وهذا هو مذهب الجهمية الذين يثبتون موجودًا مطلقًا يمتنع وجوده في الخارج (^١).
ويتلخص لنا من هذا كله، وضوح وظهور دلالة الفطرة على علو الله -﷿- على خلقه، وفساد ما احتج به الرازي ونازع فيه في إبطال دليل الفطرة، وأن إنكار دلالة الفطرة على العلو ما هو إلا مكابرة ظاهرة معلومة الفساد بالضرورة، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٦/ ٩٥).
[ ٦٦٣ ]
الفصل الخامس:
مناظرته مع بعض الجبرية الإباحية المحتجين بالقدر.
واشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: عرض المناظرة.
المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.
[ ٦٦٥ ]
المبحث الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
إن من أهم المسائل والأسباب التي أَوْدَتْ بأصحابها إلى القول بالجبر، خطأهم في مفهوم المحبة والإرادة، وعدم التفريق بين ما قدره الله وقضاه وبين ما شرعه وأحبه، وقد حكى الإمام ابن القيم -﵀- في غير موضع من كتبه مناظرةً وقعت لشيخ الإسلام -﵀- مع رجل ممن حصل لهم اللبس في مفهوم المحبة وقال بقول الجبرية (^١) في قضاء الله وقدره، ومحبة عباده له، وقد جعلت رواية ابن القيم لهذه المناظرة في كتابه (مدارج السالكين)، هي الأصل، وأضفت لها الزيادات التي رواها في مواضع أخرى من كتبه، وجعلتها بين معكوفتين، وأحلتها إلى مواضعها من كتبه.
نص المناظرة:
قال ابن القيم -﵀-: «[وأخبرني شيخ الإسلام -قدس الله روحه- أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغضه الله ورسوله.
_________________
(١) الجبرية: هي طائفة نفت فعل العبد وقدرته واختياره، وزعمت أن حركته كحركة الأشجار عند هبوب الرياح وكحركة الأمواج، وأنه مجبور على الطاعة والمعصية وغير ميسر لما خلق له، بل هو عليه مقسور مجبور، وسموا بذلك؛ لأنهم يقولون: إن العبد مجبور على أفعاله. انظر: الملل والنحل (١/ ٨٧)، مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، شفاء العليل (ص:٣).
[ ٦٦٧ ]
فقال له الملوم] (^١): المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب (^٢). وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبغض منه؟
قال الشيخ: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالًا وأقوالًا وأقوامًا [ومقتهم] (^٣) [وذمهم] (^٤)، وعاداهم فطردهم ولعنهم، فأحببتهم [وواليتهم] (^٥)، [وأحببت أفعالهم ورضيتها] (^٦): تكون مواليًا للمحبوب [موافقًا له، أو مخالفًا له] (^٧) معاديًا له؟
قال: فكأنما ألقم حجرًا. وافتضح بين أصحابه. وكان مقدمًا فيهم مشارًا إليه» (^٨).
_________________
(١) شفاء العليل (ص:٤).
(٢) هذا التعريف ذكره القشيري في الرسالة (٢/ ٤٩٠)، انظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (٢/ ١١٨١).
(٣) طريق الهجرتين (ص:٣٠٣).
(٤) شفاء العليل (ص:٤).
(٥) طريق الهجرتين (ص:٣٠٣).
(٦) شفاء العليل (ص:٤).
(٧) طريق الهجرتين (ص:٣٠٣).
(٨) مدارج السالكين (٣/ ١٦)، وانظر: طريق الهجرتين (ص ٣٠٣)، شفاء العليل (ص: ٤).
[ ٦٦٨ ]
المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
أفحم شيخ الإسلام -﵀- هذا الشيخ المقدم في جماعته، فلم يكن بإمكانه أن يقول في إجابته على سؤال شيخ الإسلام: إن من كانت هذه حاله يكون مواليًا للمحبوب موافقًا له؛ لأن هذا ظاهر الفساد والكذب والبطلان، فكيف يكون مواليًا له موافقًا له، وهو يحب ما يبغضه ويوالي من يعاديه؟! بل إن من كانت هذه حاله مع محبوبه فهو في الحقيقة عدو له مخالف له، ولذلك فقد لزم هذا الشيخ الصمت وبهت ولم يحر جوابًا، وكأنما ألقم حجرا كما ذكر ابن القيم -﵀-.
ودراسة شبهة هذا الشيخ ستكون من وجهين:
الوجه الأولى: بيان أصل الشبهة:
أصل شبهة هؤلاء الجبرية الإباحية: هي ظنهم أن كل ما قضاه الله وقدره وأراده فقد أحبه ورضيه، وكل ما في الكون فقد أراده الله؛ إذ لولا ذلك لم يكن، وبالتالي فيجب حب كل ما في الكون؛ لأن كل ما في الكون قد أراده الله وأحبه.
فشبهة هذا الرجل بنيت على أمرين:
الأمر الأول: أن كل ما أراده الله فقد أحبه.
الأمر الثاني: أن المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب.
فمن أحب الله فيجب عليه أن يحب كل ما أراده الله وأحبه، والله قد أراد كل
[ ٦٦٩ ]
شيء وأحبه.
قال شيخ الإسلام: «وفي كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب. وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان» (^١) وقال ﵀: «وأصل ضلالهم: أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله تعالى: الإرادة الكونية في كل الموجودات» (^٢)، وقال أيضًا: «فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعها، وعلموا أنه قدر كل شيء وشاءه، وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره الله ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى قال بعضهم: (المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب) قالوا: والكون كله مراد المحبوب، وضل هؤلاء ضلالا عظيمًا؛ حيث لم يفرقوا بين الإرادة الدينية والكونية، والإذن الديني والكوني، والأمر الديني والكوني، والبعث الكوني والديني، والإرسال الكوني والديني» (^٣).
وقال ابن القيم -﵀-: «وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحد؛ فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبه» (^٤).
فهذا هو أصل ضلالهم ومبنى شبهتهم ومقالهم (^٥).
الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة:
نقض شيخ الإسلام هذه الشبهة وبين بطلانها من وجوه عدة، منها ما يلي:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢١٠).
(٢) العبودية (ص: ١١٦).
(٣) الاستقامة (٢/ ٧٨ - ٧٩).
(٤) شفاء العليل (ص:٤).
(٥) انظر للاستزادة: الاستقامة (١/ ٤٢٤) (٢/ ٧٨)، العبودية (ص: ١١٦)، الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٩٥)، (٥/ ٢٠٠)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٢١٠، ٢١١، ٦٨٤)، (٢٢/ ١٢٥).
[ ٦٧٠ ]
الأول: أن القول بأن كل ما أراده الله فقد أحبه قول باطل؛ وذلك لأن الإرادة جاءت في النصوص الشرعية على معنيين:
النوع الأول: إرادة كونية قدرية: وهي بمعنى المشيئة لا يخرج عنها شيء فكل ما يقع من خير أو شر من طاعة أو معصية فهو داخل فيها، وهذا النوع من الإرادة لا يستلزم محبة الله ورضاه، فقد تكون لما يحب ويرضى كالطاعات الواقعة من عباد الله الصالحين، وقد تكون لما لا يحب ولا يرضى، بل يسخط ويكره كالمعاصي والكفر، ومن هذا النوع قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧].
النوع الثاني: إرادة دينية شرعية: وهي المتعلقة بألوهيته وشرعه، وهي مستلزمة لأمره، ومتعلقة بما يحبه ويرضاه. ومنها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧].
فما أراده الله إرادة كونية، فإنه لا بد من وقوعه وقد يكون مما يحبه الله ويرضاه، وقد لا يكون كذلك كالكفر والفسوق والعصيان، وما أراده إرادة شرعية فهو مستلزم لمحبته ورضاه وقد يقع وقد لا يقع، والأمر مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، دون الإرادة الكونية، فالله لا يأمر إلا بما يحب ويرضى (^١).
قال شيخ الإسلام: «ينبغي أن يعرف أن الإرادة في كتاب الله على نوعين:
أحدهما: الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة في مثل قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥٨ - ٦١)، درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٧٦، ٧٤١)، منهاج السنة (٣/ ١٨٠).
[ ٦٧١ ]
وقوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] وأمثال ذلك …
وأما النوع الثاني: فهو الإرادة الدينية الشرعية، وهي محبة المراد ورضاه، ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسنى، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨]، فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد، إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة، ولهذا كانت الأقسام أربعة:
أحدها: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع؛ فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع؛ ولولا ذلك لما كان.
والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط. وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها، لو وقعت ولو لم تقع.
والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما قدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي؛ فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع
[ ٦٧٢ ]
المباحات والمعاصي» (^١).
وبهذا يتضح الخطأ الذي وقع فيه الجبرية كهذا الشيخ وأمثاله، حيث ظنوا أن كل ما أراده الله فقد أحبه ورضيه، ولم يفرقوا بين الإرادة الكونية التي لا تستلزم المحبة والرضا، وبين الإرادة الشرعية المستلزمة لذلك.
ثانيًا: أنه ينبغي التفريق بين قضاء الله تعالى الذي هو فعله، وبين المقضي وهو أثر فعله سبحانه، فالقضاء غير المقضي؛ إذ القضاء فعل الله تعالى ومشيئته، وما قام به، واتصف به، فعلى هذا قضاؤه كله حق.
أما المقضي: فهو أثر القضاء، وهو مفعول منفصل مباين له، مشتمل على الخير والشر، فالمقضي فيه حق، وفيه باطل، فما كان حقًا: رضينا به، وما كان باطلًا: لا نرضى به، فنحن مأمورون بكره المقضي، إذا كان باطلًا وكفرًا وفسادًا، فرضا العبد يدور مع الشرع، أي مع الأمر والنهي، لا مع المشيئة والقدر الكوني (^٢).
ثالثًا: أن ذلك يفتح باب الاستهانة بالذنوب، والإباحية المطلقة؛ وهذا ما آل إليه كثير من الجبرية؛ فمنهم من "يتدين بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله فيحبه هو ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨] " (^٣).
وبهذه الشبهة أيضًا أسقطوا الأمر والنهي، وأبطلوا الوعد والوعيد قال شيخ الإسلام: «وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين المحظور والمأمور،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٧ - ١٨٩).
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ٢٠٥)، مدارج السالكين (١/ ٢٥٦)، شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٨).
(٣) الاستقامة (١/ ٤٢٥).
[ ٦٧٣ ]
وأولياء الله وأعداء الله والأنبياء والمتقين، ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ويجعلون المتقين كالفجار، ويجعلون المسلمين كالمجرمين، ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع» (^١).
ومنهم من يتخذ من هذه المقالة ذريعة للوصول إلى مآربه وشهواته، قال شيخ الإسلام: «لكن استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم، ثم زادهم انغماسًا في أهوائهم وشهواتهم، فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة، زاعمين أن هذا من محبة الله، ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال» (^٢).
وأخبر شيخ الإسلام أن أقل ما يصيب هؤلاء "أنهم يتركون الغيرة لله، والنهي عن المنكر، والبغض في الله، والجهاد في سبيله، وإقامة حدوده" (^٣).
وقد حكى جمع من العلماء ما وصل له حال هؤلاء القوم، ومن ذلك ما ذكره مرعي الكرمي (^٤) -﵀- حيث قال: «فقد وقعت مذاكرة في بعض مسائل القدر في بعض المجالس فذكر لي أن بعض دراويش (^٥) متصوفة الفقراء الذين وقعوا في الإباحة والآثام، وطووا بساط الشرع، ورفعوا قواعد الأحكام، وسووا بعقولهم بين الحلال والحرام: كان لا يصوم ولا يصلي منهمكًا على المحرمات كالخمور
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٧٨).
(٢) العبودية (ص: ١١٦).
(٣) الاستقامة (١/ ٤٢٤).
(٤) هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي المقدسي الحنبلي، مؤرخ أديب، من كبار الفقهاء، وله مصنفات منها: غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، وقلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ من القرآن وغيرها، (ت:١٠٣٣ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٧/ ٢٠٣)، معجم المؤلفين (١٢/ ٢١٨).
(٥) الدرويش: مصطلح صوفي يطلق على الفقير الزاهد المتجول المظهر للمسكنة والذل والمشتغل بالموالد ونحوها. انظر: تاج العروس (١٧/ ٢٠٢)، المعجم الوسيط (١/ ٢٨٠)، معجم اللغة العربية المعاصرة (١/ ٧٤٢).
[ ٦٧٤ ]
ونحوها من اللذات، فاعترض عليه في ذلك؟!
فأجاب بما مضمونه: أنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف، وأن هذا مقدر عليَّ، وأنا لا أقدر على رفع ما قدره الله عليَّ … الخ» (^١).
ومن هنا يُدرك كل عاقل خطورة الفساد الذي ينتشر بسبب عقيدة الجبر الفاسدة.
رابعًا: أن من لوازم محبة الله حب ما يحبه -﷿- وبغض ما يبغضه؛ "لأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه، ويوالي من يوالي محبوبه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما نهى عنه" (^٢)، وهذه هي المحبة الحقيقة.
أما من ادعى أنه يحب الله مع محبته لما يبغضه سبحانه، ومحبته لأعدائه ﷿، فهذه دعوى كاذبه، بل هو للعداوة أقرب منه للمحبة، قال شيخ الإسلام -﵀-: «والطريق إلى الله إنما هي بأن ترضيه أن تفعل ما يحبه ويرضاه، ليس أن ترضى بكل ما يحدث ويكون؛ فإنه هو لم يأمرك بذلك، ولا رضيه لك ولا أحبه، بل سبحانه يكره ويسخط ويبغض على أعيان أفعال موجودة لا يحصيها إلا هو. وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب، وتبغض ما يبغض، وتكره ما يكره، وتسخط ما يسخط، وتوالي من يوالي، وتعادي من يعادي؛ فإذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه كنت عدوه لا وليه، وكان كل ذم نال من رضي (^٣) ما أسخط الله قد نالك، فتدبر هذا، فإنه ينبه على أصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية والعباد والعامة من لا يحصيهم إلا الله» (^٤)، وبهذه الحجة أفحم شيخ الإسلام خصمه في هذه المناظرة كما سبق بيانه.
_________________
(١) رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر (ص: ١٥).
(٢) أمراض القلوب وشفاؤها (ص: ٦٤).
(٣) في المطبوع من الاستقامة (رضا) وهو خطأ والصواب ما أثبت من مجموع الفتاوى (١٠/ ٧١٢).
(٤) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).
[ ٦٧٥ ]
خامسًا: أن دعواهم حب كل موجود والرضا به دعوى باطلة لا يمكن تحققها؛ فإن النفس البشرية قد جبلت وفطرت على محبة ما ينفعها وكره ما يضرها، قال شيخ الإسلام: «ولا يمكن لأحد أن يحب كل موجود، بل يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره» (^١).
وقال ﵀: «وهم في ذلك متناقضون؛ إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود، فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم، ويبقى أحدهم مع طبعة وذوقه وهواه ينكر ما يكره ذوقه دون ما لا يكره ذوقه» (^٢).
خامسًا: أما ما استندوا عليه من تعريف بعض المشايخ للمحبة بأنها (نار في القلب تحرق كل ما سوى مراد المحبوب)، فهذا معنى مجمل يحتمل حقًا وباطلًا، وهم قد فهموه على المعنى الباطل، فحملوا الإرادة هنا على الإرادة الكونية التي تشمل الخير والشر، وقد ذكر ابن القيم -﵀- أن قائل هذه العبارة إنما أراد المعنى الصحيح منها، وهو أنها: "تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب الديني الأمري، الذي يحبه ويرضاه، لا المراد الذي قدره وقضاه، لكن لقلة حظ المتأخرين منهم وغيرهم من العلم: وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتحاد، والمعصوم من عصمه الله" (^٣)، وقال شيخ الإسلام -﵀-: «أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله، هذه المقالة، فإنه يقصد الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى محبته ورضاه، فكأنه قال: تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله. وهذا معنى صحيح؛ فإنّ من تمام الحب لله ألا يحب إلا ما يحبه الله، فإذا أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة. وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محبًا له، بل محبًا لما يبغضه» (^٤).
_________________
(١) العبودية (ص: ١١٦).
(٢) الاستقامة (١/ ٤٢٥).
(٣) مدارج السالكين (٣/ ١٦)، وانظر: طريق الهجرتين (ص: ٣٠٣)، شفاء العليل (ص: ٤).
(٤) العبودية (ص: ١١٦ - ١١٧).
[ ٦٧٦ ]
سادسًا: أن قولهم هذا مخالفٌ للنصوص القطعية التي تفرق بين أهل الإيمان وأهل الكفر والطغيان، وتفرق بين الطاعات وبين المعاصي والمنكرات، قال شيخ الإسلام -﵀-: «ورأوا أن الله خالق المخلوقات كلها، فهو خالق أفعال العباد، ومريد جميع الكائنات، ولم يميزوا بعد ذلك بين إيمان وكفر، ولا عرفان ولا نكر، ولا حق ولا باطل، ولا مهتد ولا ضال، ولا راشد ولا غوي، ولا نبي ولا متنبئ، ولا ولي لله ولا عدو، ولا مرضي لله ولا مسخوط، ولا محبوب لله ولا ممقوت، ولا بين العدل والظلم، ولا بين البر والعقوق، ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار، ولا بين الأبرار والفجار، حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق، والمشيئة النافذة، والقدرة الشاملة، والخلق العام؛ فشهدوا المشترك بين المخلوقات، وعموا عن الفارق بينهما، وصاروا ممن يخاطب بقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١]» (^١).
وبهذه الأوجه كلها اتضح فساد وبطلان وتناقض مذهب هؤلاء الجبرية الإباحية الذين ناظرهم شيخ الإسلام، وتبين مخالفة قولهم للنقل والعقل والفطرة التي جبل الله عليها الخلق.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٩ - ٦٠).
[ ٦٧٧ ]
الفصل السادس:
مناظرته مع ابن الوكيل الشافعي في نسبته قول المرجئة لأهل السنة والجماعة، ودفاعه عن ذلك.
واشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: عرض المناظرة.
المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.
ملحق:
مناظرته مع بعض المرجئة في اعتقادهم أن الإيمان شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقص.
[ ٦٧٩ ]
المبحث الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
سبق معنا في المبحث الثالث من الفصل الرابع ذكر مناظرة جرت لشيخ الإسلام مع ابن الوكيل الشافعي في تعلق الصفات، وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية، وكانت تلك المناظرة هي المبحث الثاني من المباحث الثلاثة التي نقلها أحد أصحاب شيخ الإسلام مما جرى بينه وبين ابن المرحل (ابن الوكيل)، وهذه المناظرة التي بين أيدينا هي أول المباحث الثلاثة وأطولها، وعلى أن هذه المناظرة أصلها في الحمد والشكر إلا أن شيخ الإسلام بين فيها جملة من المسائل، وكشف جملة من الحقائق المتعلقة بالأصول والاعتقاد، وهذه المناظرة قد وقعت -كما سبق- في دمشق قبل سنة خمسٍ وتسعين وستمائة من الهجرة.
وهاك نص المناظرة كما نقلها لنا ابن عبد الهادي -﵀-:
نص المناظرة:
قال ابن عبد الهادي -﵀-: «وقد رأيت بخط بعض أصحابه ما صورته:
تلخيص مبحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -﵀-، وبين ابن المرحل: كان الكلام في الحمد والشكر، وأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد لا يكون إلا باللسان.
[ ٦٨١ ]
فقال ابن المُرحِّل: قد نقل بعض المصنفين -وسماه- (^١): أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد. ومذهب الخوارج: أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل. وبنوا على هذا: أن من ترك الأعمال يكون كافرًا؛ لأن الكفر نقيض الشكر، فإذا لم يكن شاكرًا كان كافرًا.
قال الشيخ تقي الدين: هذا المذهب المحكي عن أهل السنة خطأ والنقل فيه عن أهل السنة خطأ؛ فإن مذهب أهل السنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل. قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، وقام النبي -ﷺ- حتى تورمت قدماه فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورا) (^٢).
قال ابن المرحل: أنا لا أتكلم في الدليل، وأسلم ضعف هذا القول؛ لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة.
قال الشيخ تقي الدين: نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ؛ فإن القول إذا ثبت ضعفه كيف ينسب إلى أهل الحق؟ ثم قد صرح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.
قلت: وباب سجود الشكر في الفقه أشهر من أن يذكر وقد قال النبي -ﷺ- عن سجدة سورة ص: (سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا) (^٣).
ثم من الذي قال من أئمة السنة: إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد؟!
_________________
(١) لم أقف عليه، كما لم يصرح الكاتب باسمه.
(٢) رواه البخاري كتاب: (التهجد) باب: (قيام النبي -ﷺ- حتى ترم قدماه) (١١٣٠)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٢٨١٩)، من حديث المغيرة بن شعبة -﵁-.
(٣) رواه النسائي في سننه (٩٥٧)، ومحمد بن الحسن في الآثار (١/ ٥٦٥) (٢١٠)، وعبدالرزاق في مصنفه (٥٨٧٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٣٨٦)، والأوسط (١٠٠٨)، والدارقطني في سننه (١٥١٦)، كلهم من طريق عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، وصححه الألباني في المشكاة (١٠٣٨)، وفي صحيح أبي داود (٥/ ١٥٤) وصحيح الجامع (٣٦٨٢).
[ ٦٨٢ ]
قال ابن المرحل: هذا قد نقل، والنقل لا يمنع لكن يستشكل. ويقال: هذا مذهب مشكل.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: النقل نوعان:
أحدهما: أن ينقل ما سمع أو رأى.
والثاني: ما ينقل باجتهاد واستنباط. وقول القائل: مذهب فلان كذا، أو مذهب أهل السنة كذا، قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله، وإن لم يكن فلان قال ذلك. ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرًا. ألا ترى أن كثيرًا من المصنفين يقول: مذهب الشافعي أو غيره كذا، ويكون منصوصه بخلافه؟ وعذرهم في ذلك: أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط، لا من جهة النص؟ وكذلك هذا لما كان أهل السنة لا يكفرون بالمعاصي، والخوارج يكفرون بالمعاصي.
ثم رأى المصنف أن الكفر ضد الشكر، اعتقد أنَّا إذا جعلنا الأعمال شكرًا لزم انتفاء الشكر بانتفائها، ومتى انتفى الشكر خلفه الكفر، ولهذا قال: إنهم بنوا على ذلك: التكفير بالذنوب؛ فلهذا عزى إلى أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر.
قلت: كما أن كثيرًا من المتكلمين أخرج الأعمال عن الإيمان لهذه العلة.
قال: وهذا خطأ؛ لأن الكفر نوعان: أحدهما: كفر النعمة. والثاني: الكفر بالله، والكفر الذي هو ضد الشكر: إنما هو كفر النعمة لا الكفر بالله. فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة لا الكفر بالله.
قلت: على أنه لو كان ضد الكفر بالله، فمن ترك الأعمال شاكرًا بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله، والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية، كما قال أهل السنة: إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا حتى يترك أصل الإيمان وهو الاعتقاد (^١). ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة -التي هي ذات شعب وأجزاء-
_________________
(١) هذه العبارة مشكلة، وقد استدل بها البعض على أن شيخ الإسلام لا يرى كفر تارك العمل =
[ ٦٨٣ ]
زوال اسمها كالإنسان إذا قطعت يده أو الشجرة إذا قطع بعض فروعها.
_________________
(١) = بالكلية، والواقع أن هذا الكلام ليس هو من كلام شيخ الإسلام -﵀-، بل هو من كلام حاكي هذه المناظرة الذي كتبها، وذلك أن كاتب هذه المناظرة وناقلها ليس هو الشيخ نفسه، وإنما قام بعض أصحابه بنقلها وتلخيص ما جرى فيها حيث قال: «وقد رأيت بخط بعض أصحابه ما صورته»، وقد نقل فيها الكاتب ما جرى بين شيخ الإسلام، وبين ابن المرحل فكان ينقل فيها ما قاله الشيخ وما قاله ابن المرحل، وقد يعلق أحيانًا بتعليقات من عنده، فيقول "قلت" ثم يذكر تعليقه، وهذه العبارة المذكورة هي من تعليقاته على المناظرة، وليست من نص المناظرة ولا من كلام شيخ الإسلام -﵀-، حيث قال في مقدمتها "قلت" فليتأمل هذا. وقد وقفت على موضع آخر في مجموعة الرسائل (٣/ ١٥) استدل به بعضهم على نسبة هذا القول لشيخ الإسلام جاء فيه: «الإيمان ثلاث درجات: إيمان السابقين المقربين: وهو ما أتي فيه بالواجبات والمستحبات من فعل وترك. وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين: وهو ما ترك صاحبه فيه بعض الواجبات، أو فعل فيه بعض المحظورات. ولهذا قال علماء السنة: لا يكفر أحد بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج الذين يكفرون بالذنب. وإيمان الظالمين لأنفسهم: وهو من أقر بأصل الإيمان وهو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، ولم يفعل المأمورات ويجتنب المحظورات». وهذا الكلام المنقول من مجموعة الرسائل والمسائل، هو كذلك ليس من كلام شيخ الإسلام -﵀وإنما هو تلخيص لكلام شيخ الإسلام؛ فقد قام أبو الحسن بن عروة -﵀- كما في مجموعة الرسائل (٣/ ٢ - ١٦) باختصار وتلخيص فتوى طويلة لشيخ الإسلام، وهي الموجودة في مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢٣ - ٥٠٢) وقد وقع له في تلخيصه -عفا الله عنه- خطأ ووهم في هذا الموضع، فأخل بالمعنى إخلالًا واضحًا، يخالف نص كلام شيخ الإسلام في فتواه الكاملة في المجموع (١٢/ ٤٧٤) وهي ما نصه: «الإيمان ثلاث درجات: إيمان السابقين المقربين: وهو ما أتى فيه بالواجبات والمستحبات من فعل وترك. وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين: وهو ما أتى فيه بالواجبات من فعل وترك. وإيمان الظالمين: وهو ما يترك فيه بعض الواجبات أو يفعل فيه بعض المحظورات. ولهذا قال علماء السنة في وصفهم اعتقاد أهل السنة والجماعة: إنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب». =
[ ٦٨٤ ]
قال الصدر ابن المرحل: فإن أصحابك (^١) قد خالفوا الحسن البصري في تسمية الفاسق كافر النعمة (^٢) كما خالفوا الخوارج في جعله كافرا بالله.
قال الشيخ تقي الدين: أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا، فعمن تنقل من أصحابي هذا؟ بل يجوز عندهم أن يسمى الفاسق كافر النعمة حيث أطلقته الشريعة.
قال ابن المرحل: إني أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا، لكن أصحابي (^٣) قد خالفوا الحسن في هذا.
قال الشيخ تقي الدين: - ولا أصحابك خالفوه؛ فإن أصحابك قد تأولوا أحاديث النبي -ﷺ- التي أطلق فيها الكفر على بعض الفسوق -مثل ترك الصلاة وقتال المسلمين (^٤) - على أن المراد به كفر النعمة، فعلم أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة، فعلم أنهم موافقو الحسن لا مخالفوه.
ثم عاد ابن المرحل فقال: أنا أنقل هذا عن المصنف، والنقل ما يمنع لكن يستشكل.
قال الشيخ تقي الدين: إذا دار الأمر بين أن ينسب إلى أهل السنة مذهب باطل، أو يُنسب الناقل عنهم إلى تصرُفهِ في النقل، كان نسبة الناقل إلى التصرف
_________________
(١) = فظهر بوضوح تصرف ابن عروة في كلام شيخ الإسلام، وإن كان إنما ذكر في مقدمة نقله أنه إنما اختار مواضع منها، ولم يذكر أنه لخص أو اختصر أو تصرف في الألفاظ، ولكن المتأمل في الموضعين يظهر له بوضوح أن ابن عروة مع اختياره لمواضع من الفتوى فإنه تصرف أيضًا في الألفاظ لتلخيصها واختصارها حسب فهمه، فوقع له الخلل في ذلك، والله اعلم.
(٢) يعني: الحنابلة.
(٣) لم أقف على نص مسند عن الحسن البصري ﵀ في إطلاقه كفر النعمة على مرتكب الكبيرة.
(٤) يعني: الشافعية.
(٥) يعني حديث بريدة الأسلمي عند أحمد (٢٢٩٣٧) والنسائي (٣٤٦) وغيرهما: (إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمِ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) وحديث ابن مسعود عند البخاري (٤٨) ومسلم (١١٦) وغيرهما: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر).
[ ٦٨٥ ]
أولى من نسبة الباطل إلى طائفة أهل الحق، مع أنهم صرحوا في غير موضع: أن الشكر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، وهذا أظهر من أن ينقل عن واحد بعينه. ثم إنا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق: إخراج الأعمال أن تكون شكرًا لله، بل قد نص الفقهاء على أن الزكاة شكر نعمة المال، وشواهد هذا أكثر من أن تحتاج إلى نقل، وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل في الكتب التي يتكلم فيها على لفظ (الحمد) و(الشكر) مثل: كتب التفسير، واللغة، وشروح الحديث، يعرفه آحاد الناس، والكتاب والسنة قد دلا على ذلك.
فخرج ابن المرحل إلى شيء غير هذا فقال: الحسن البصري يسمى الفاسق منافقًا، وأصحابك لا يسمونه منافقًا.
قال الشيخ تقي الدين له: بل يسمى منافقًا النفاق الأصغر، لا النفاق الأكبر، والنفاق يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار الكفر، وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات (^١).
_________________
(١) لا شك أن أولى ما يُحمل عليه قول الحسن البصري بأن مرتكب الكبيرة منافق، هو النفاق الأصغر دون الأكبر. ولكن قبل أن نفسر مراد الحسن البصري من ذلك، فإن الواجب التثبت فيما نُقل عنه في ذلك، وقد نسب هذا الحكم إليه عدة من المصنفين قديمًا وحديثًا، بل وعده بعضهم قولًا مستقلًا في المسألة، وحاول بعضهم تعليله والتدليل عليه، وعده ابن الوزير قولًا مستقلًا قد انقطع وانقرض، بل قد احتج به قوم من الإباضية على تصحيح ما ذهبوا إليه من أن مرتكب الكبيرة منافق، وزعموا بسبب هذه المقالة أنه ليس بينهم وبين أهل السنة خلاف في هذه المسألة، وأنهم تبع في هذا القول للحسن البصري -﵀-، وليسوا على رأي الخوارج كما يتهمهم خصومهم. انظر: الإباضية بين الفرق الإسلامية (ص:٢٤٧) والإباضية في موكب التاريخ (١/ ٩١). وقد حاولت جاهدًا أن أقف على أثر مسند إلى الإمام الحسن البصري في ذلك، فلم أجد بعد بحث طويل أثرًا مسندًا، ولا نقلًا ثابتًا، فيه النص على أن صاحب الكبيرة منافق، ووجدت أن أول من عزا هذه المقولة إلى الحسن البصري -﵀- هو القاضي عبد الجبار (٤١٥ هـ) في كتابه "المنية والأمل" حيث نقل هذه المقولة من كلام واصل بن عطاء المعتزلي في مناظرة حدثت بينه وبين عمرو بن عبيد، نقلها القاضي عبد الجبار -بغير سند ولا خطام-. ولم أجد أحدًا ممن كتب في الفرق والمقالات نسب =
[ ٦٨٦ ]
قال له ابن المرحل: ومن أين قلت: إن الاسم يطلق على هذا وعلى هذا؟
قال الشيخ تقي الدين: هذا مشهور عند العلماء، وبذلك فسروا قول النبي -ﷺ-: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) (^١)، وقد ذكر ذلك الترمذي وغيره، وحكوه عن العلماء (^٢)، وقال غير واحد من السلف: (كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك) (^٣)، وإذا كان النفاق جنسًا تحته نوعان، فالفاسق داخل في أحد نوعيه.
قال ابن المرحل: كيف تجعل النفاق اسم جنس (^٤)، وقد جعلته لفظًا مشتركًا،
_________________
(١) = هذا القول إلى الحسن البصري باستثناء ابن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ) في كتابه الفصل (٧/ ١٢٨) حيث قال: «وروي عن الحسن البصري وقتادة -﵄- أن صاحب الكبيرة: منافق» فرواه بصيغة التمريض ولم يبين من الذي روى هذا القول عنهما، وأما عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص:٢٠٠) فلم ينسب هذا القول إلى الحسن، وإنما نسبه إلى البكرية أتباع بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد، وجعل هذه المقولة من أقواله، والخلاصة: أنني لم أقف على رواية مسندة صحيحة كانت أو ضعيفة تثبت ما اشتهر عن الحسن البصري من الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه منافق، إلا نصوص عامة في ذم النفاق والمنافقين، ووصف شيء من حالهم، وبيان أنواع النفاق، مما لم يختص به الحسن البصري حتى يُنسب له دون غيره، والله أعلم.
(٢) رواه البخاري (باب علامة المنافق) (٣٣) ومسلم كتاب الإيمان (٥٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) يريد قول الترمذي -﵀في السنن (٤/ ٣١٦): «وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله -ﷺ- هكذا روي عن الحسن البصري، شيء من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب».
(٤) ومن ذلك قول عطاء الذي رواه عبد الرزاق (٧١٧) وأبو داود في مسائل أحمد (١٣٥٧) وغيرهما، قال: «كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق»، والنصوص عن السلف في معناه كثيرة كما أشار شيخ الإسلام.
(٥) اسم الجنس: قال شيخ الإسلام: «هو الاسم المطلق على الشيء وعلى كل ما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة -جامدًا أو مشتقًا- وسواء كان جنسًا منطقيًا أو فقهيًا أو لم يكن» مجموع الفتاوى (٣/ ١٩١).
[ ٦٨٧ ]
وإذا كان اسم جنس كان متواطئًا، والأسماء المتواطئة غير المشتركة، فكيف تجعله مشتركا متواطئا؟
قال الشيخ تقي الدين: أنا لم أذكر أنه مشترك، وإنما قلت: يطلق على هذا وعلى هذا، والإطلاق أعم، ثم لو قلت: إنه مشترك لكان الكلام صحيحًا؛ فإن اللفظ الواحد قد يطلق على شيئين بطريق التواطؤ وبطريق الاشتراك؛ فأطلقت لفظ النفاق على إبطان الكفر، وإبطان المعصية تارة بطريق الاشتراك، وتارة بطريق التواطؤ؛ كما أن لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن عند قوم باعتبار الاشتراك، وعند قوم باعتبار التواطؤ، ولهذا سمي مشككًا (^١).
قال ابن المرحل: كيف يكون هذا؟ وأخذ في كلام لا يحسن ذكره.
قال له الشيخ تقي الدين: المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر؛ وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فقد يطلق عليهما باعتبار ما به تمتاز كل ماهية عن الأخرى؛ فيكون مشتركًا كالاشتراك اللفظي، وقد يكون مطلقًا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين، فيكون لفظًا متواطئًا.
قلت (^٢): ثم إنه في اللغة يكون موضوعًا للقدر المشترك ثم يغلب عرف الاستعمال على استعماله، في هذا تارة وفي هذا تارة، فيبقى دالًا بعرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز، وقد يكون قرينة مثل لام التعريف أو
_________________
(١) سبب تسميته مشككًا؛ أن الناظر فيه يشك فيه هل هو من قبيل المتواطئ، أم من قبيل المشترك. مثال ذلك: اسم الحي فمن نظر إلى أصل الحياة، قال: إنه نوع من المتواطئ؛ إذ الحياة ضد الممات في الأصل. ومن نظر إلى الاختلاف والتباين في حياة المخلوق والخالق، قال: إنه من المشترك، ومن هنا سمي مشككًا. ولهذا يحسن أن يقال عن المشكك: إنه ما اتفق في أصله، واختلف في وصفه. انظر: الفتوى الحموية (ص:٥٢٤) ومصطلحات في كتب العقائد (ص:٢٢٢).
(٢) هذا الكلام وما بعده من كلام الناقل للمناظرة وليس من كلام شيخ الإسلام.
[ ٦٨٨ ]
الإضافة تكون هي الدالة على ما به الامتياز مثال ذلك: "اسم الجنس" إذا غلب في العرف على بعض أنواعه كلفظ (الدابة) إذا غلب على الفرس قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينها وبين سائر الدواب، فيكون متواطئًا، وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس فيكون مشتركًا بين خصوص الفرس وعموم سائر الدواب، ويصير استعماله في الفرس: تارة بطريق التواطؤ، وتارة بطريق الاشتراك. وهكذا اسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار علمًا بالغلبة: مثل ابن عمرو والنجم؛ فقد نطلقه عليه باعتبار القدر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بني عمرو، فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ، وقد نطلقه عليه باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم ومن بني عمرو، فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي وبين المعنى النوعي، وهكذا كل اسم عام غلب على بعض أفراده يصح استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول العام فيكون بطريق التواطؤ وبالوضع الثاني فيصير بطريق الاشتراك. ولفظ (النفاق) من هذا الباب؛ فإنه في الشرع إظهار الدين وإبطان خلافه. وهذا المعنى الشرعي أخص من مسمى النفاق في اللغة فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين، ثم إبطان ما يخالف الدين إما أن يكون كفرًا أو فسقًا، فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار، وإن أظهر أنه صادق أو موف أو أمين وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك، فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقًا، فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق التواطؤ.
وعلى هذا؛ فالنفاق اسم جنس تحته نوعان ثم إنه:
١. قد يراد به النفاق في أصل الدين مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، والمنافق هنا: الكافر.
٢. وقد يراد به النفاق في فروعه، مثل قوله -ﷺ-: (آية المنافق ثلاث) وقوله:
[ ٦٨٩ ]
(أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا) (^١)، وقول ابن عمر: فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث ثم يخرج فيقول بخلافه: (كنا نعد هذا على عهد النبي -ﷺ- نفاقًا) (^٢).
فإذا أردت به أحد النوعين:
فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد والإضافة، فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئًا، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنى به قاضي بلده لكون اللام للعهد، كما قال سبحانه: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزَّمل:١٦] أن اللام هي أوجبت قصر الرسول على موسى لا نفس لفظ (رسول).
وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه، فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص، فكذلك قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١]، فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد، والمنافق المعهود: هو الكافر.
أو تكون لغلبة هذا الاسم في الشرع على نفاق الكفر، وقوله -ﷺ-: (ثلاث من كن فيه كان منافقًا) يعني به منافقًا بالمعنى العام، وهو إظهاره من الدين خلاف ما يبطن.
فإطلاق لفظ (النفاق) على الكافر وعلى الفاسق إن أطلقته باعتبار ما يمتاز به عن الفاسق، كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك، وكذلك يجوز أن يراد به الكافر خاصة، ويكون متواطئًا إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ (منافق) بل لام التعريف.
وهذا البحث الشريف جار في كل لفظ عام استعمل في بعض أنواعه؛ إما لغلبة الاستعمال، أو لدلالة لفظية خصته بذلك النوع، مثل تعريف الإضافة أو تعريف
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الإيمان، باب علامة النفاق (٣٤)، ومسلم، كتاب الإيمان (١٠٦).
(٢) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب ما يكره من ثناء السلطان (٧١٧٨)، وأحمد في مسنده (٥٣٧٣).
[ ٦٩٠ ]
اللام؛ فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال: إن اللفظ مشترك. وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ باقيًا على مواطأته. فلهذا صح أن يقال (النفاق): اسم جنس تحته نوعان. لكون اللفظ في الأصل عامًا متواطئًا، وصح أن يقال: هو مشترك بين النفاق في أصل الدين، وبين مطلق النفاق في الدين؛ لكونه في عرف الاستعمال الشرعي غلب على نفاق الكفر» (^١).
_________________
(١) مناظرة شيخ الإسلام مع ابن المرحل في الحمد والشكر ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٥ - ١٤٥)، وضمن العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص ١١١ - ١٢٣).
[ ٦٩١ ]
المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية:
المسألة الأولى: مناقشة مقالة المرجئة التي نسبها ابن المرحل لأهل السنة:
نقل ابن المرحل في هذه المناظرة عن أحد المصنفين أن معتقد أهل السنة أن الشكر إنما يكون بالاعتقاد، وأن القول بأن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل هو مذهب الخوارج.
وظهر اقتناع ابن المرحل بما قرره هذا المصنف من خلال مجادلته عن قول هذا المصنف وإصراره على نسبة هذه المقالة لأهل السنة، وهذه في الحقيقة هي مقالة المرجئة وهي متفرعة عن اعتقادهم أن التكفير لا يكون إلا على الاعتقاد دون عمل الجوارح، وستكون دراسة هذه المسألة من وجهين:
الوجه الأول: أصل الشبهة:
تبين من المناظرة أن أصل شبهة ابن المرحل من جهة الاستنباط لا من جهة النص؛ وقد بنى شبهته هنا على مقدمتين ونتيجة (^١):
المقدمة الأولى: أن نقيض الشكر الكفر المخرج من الملة.
المقدمة الثانية: أنَّا إذا جعلنا الأعمال من الشكر للزم التكفير بتركها وهذا مذهب الخوارج.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٧)، العقود الدرية (ص: ١١٤).
[ ٦٩٢ ]
النتيجة: أن أهل السنة يعتقدون أن الشكر إنما يكون بالاعتقاد، ولا يكون بالأعمال.
وهذا ما عزاه بعض المصنفين لأهل السنة وجادل عنه ابن المرحل في هذه المناظرة.
الوجه الثاني: بطلان هذه الشبهة:
وبطلان هذه الشبهة ومقدماتها من وجوه، أهمها ما يلي:
أولًا: أن الشكر ضد كفر النعمة، لا الكفر المخرج عن الملة:
بنى ابن المرحل شبهته على أن الشكر نقيضه الكفر المخرج من الملة، فلو جعلنا الأعمال شكرًا؛ لكان تركها كفرا مخرجًا من الملة.
وقد بين شيخ الإسلام خطأه في ذلك؛ فليس كل ما يطلق عليه كفر يكون مخرجًا من الملة؛ فالكفر يتفاوت ويتبعض، وليس هو على درجة واحدة، وهذا أمر تشهد له النصوص الشرعية، وآثار سلف الأمة، فلا يمكن فهم النصوص إلا وفق هذا التقسيم (^١).
وقد ثبت في النصوص إطلاق الكفر على أنواع أخرى دون الكفر المخرج من الملة وذلك ككفر النعمة، قال الإمام يحيى بن سلام (^٢) -﵀-: «وذلك قوله في البقرة: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] ولا تكفروا نعمتي. وقال في النَّمل: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] يعني أم أكفر النِّعمة. وفي لقمان: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [لقمان:١٢] يعني كفر النِّعمة. وقال فرعون: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ١٨٨)، مدارج السالكين (١/ ٣٤٤).
(٢) هو أبو زكريا يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة البصري. نزيل المغرب بإفريقية، وكان ثقة ثبتًا عالمًا بالكتاب والسنة والتفسير، مما قيل عنه: أنه ما سمع شيئًا قط إلا حفظه، حتى إنه كان إذا مر بمن يتغنى، يسد أذنيه لئلا يسمعه فيحفظه. ورمي بالإرجاء ولم يثبت عنه، (ت: ٢٠٠ هـ). انظر: طبقات علماء إفريقية (ص: ٣٧ - ٣٨)، تاريخ الإسلام (٥/ ٢٢٢)، السير (٩/ ٣٩٦).
[ ٦٩٣ ]
مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩] يعني الكافرين بنعمتي، إِذ ربيتك صغيرًا، وأحسنت إِليك. ونحوه كثير» (^١).
وقال النووي في تبويبه على صحيح مسلم: «باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق» (^٢).
والكفر الذي هو ضد الشكر إنما هو كفر النعمة، لا الكفر المخرج من الملة؛ فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة، لا الكفر بالله (^٣)، وهذا ما تشهد له اللغة، قال الخليل الفراهيدي: «الكُفرُ: نقيض الإيمان … والكُفرُ: نقيض الشكر. كَفَر النعمة، أي: لم يشكرها» (^٤)، فبين أن ضد الشكر كفر النعمة، وقال ابن منظور: «والكفر: جحود النعمة، وهو ضد الشكر» (^٥) وقال أبو علي الفارسي (^٦): «الكفر: خلاف الشكر، كما أن الذم خلاف الحمد. فالكفر: ستر النعمة وإخفاؤها، والشكر نشرها وإظهارها. وفي التنزيل: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] وفيه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]» (^٧).
قال ابن القيم -﵀-: «وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم
_________________
(١) التصاريف لتفسير القرآن (ص: ١٠٥).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان (١/ ٨٦).
(٣) قال السعدي في تفسيره (ص: ٤٢٢): «والشكر: هو اعتراف القلب بنعم الله والثناء على الله بها وصرفها في مرضاة الله تعالى، وكفر النعمة ضد ذلك».
(٤) العين (٥/ ٣٥٦).
(٥) لسان العرب (٥/ ١٤٤).
(٦) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، فيه اعتزال، علت منزلته فِي النحو، وصنف كتبًا عجيبة حسنة لم يسبق إِلَى مثلها منها: كتاب الحجة في علل القراءات، وكتاب الايضاح (ت: ٣٧٧ هـ). انظر: تاريخ العلماء النحويين للتنوخي (ص: ٢٧)، تاريخ بغداد (٨/ ٢١٧)، السير (١٦/ ٣٨٠).
(٧) المخصص (٣/ ٤٢٤).
[ ٦٩٤ ]
الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقًا أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان؛ فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في إذنه كالإسلام في الملل فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم» (^١).
ثانيًا: إذا ثبت أن ضد الشكر كفر النعمة، لا الكفر المخرج من الملة (^٢)؛ فإن ترك الشكر بالأعمال لا يكون كفرًا مخرجًا من الملة، بل غايته أن يكون من كفر النعمة وجحدها، ثم إن عقيدة الخوارج أن من ترك عملًا من الأعمال الواجبة، أو فعل كبيرة؛ فإنه يخرج من الملة، وأهل السنة لا يكفرون بمثل هذا، بل يرون من فعل مثل هذا مؤمنًا ناقص الإيمان، إلا في الصلاة خاصة؛ ففيها من الخلاف ما هو معلوم، وإنما وقع الخوارج في ذلك؛ لاعتقادهم أن الإيمان كلٌ لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كله. وقابل هذا الضلال المرجئة؛ فوافقوا الخوارج في أن الإيمان كلٌ لا يتجزأ، إلا أنهم أخرجوا أعمال الجوارح من الإيمان وجعلوا الإيمان بالاعتقاد والقول فقط؛ فرارًا من قول الخوارج. والحق الذي يعتقده أهل السنة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأن الإيمان لا ينتفي عن صاحبه بترك بعض الأعمال، كما تقول الخوارج، كما أنه لا يصح الإيمان إلا بعمل، خلافًا لقول المرجئة.
قال شيخ الإسلام: «وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا زال بعضه زال
_________________
(١) وقد يصل كفر النعمة بصاحبه إلى الكفر المخرج من الملة، وذلك إذا جحد نعمة الله سبحانه بالكلية، ولم ير لله عليه نعمة.
(٢) الصلاة وأحكام تاركها (ص: ٥٨).
[ ٦٩٥ ]
جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي -ﷺ-: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان) (^١). ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئًا واحدًا لا يتبعض أما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءًا منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج» (^٢).
ثالثًا: أن النصوص قد دلت دلالة واضحة على أن الشكر كما يكون بالقلب واللسان فإنه يكون كذلك بالأعمال، ومنها قول الله سبحانه ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، ومنها حديث عائشة -﵂-: أن نبي الله -ﷺ- كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أحب أن أكون عبدا شكورًا) (^٣).
رابعًا: أن اعتقاد أهل السنة المبثوث في كتبهم والمعروف عن أئمتهم هو أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، ومن المعلوم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق: إخراج الأعمال عن أن تكون شكرًا لله؛ وقد وضح شيخ الإسلام ذلك ببعض الأمثلة:
المثال الأول: ما نص عليه العلماء خلفًا عن سلف من أن الزكاة شكر نعمة المال.
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ٣٣٨) (٣٧٨٩)، وأبو داود (٤/ ٥٩) (٤٠٩١)، والترمذي (٣/ ٤٢٨) (١٩٩٨)، وابن ماجه (١/ ٢٢) (٥٩)، من حديث ابن مسعود -﵁-، ولفظه: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان) وصححه الألباني في المشكاة (٥١٠٧).
(٢) رواه البخاري كتاب التفسير، باب: ليغفر لك اله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (٤٨٣٧) ومسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٢٨٢٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١٠).
[ ٦٩٦ ]
المثال الثاني: باب سجود الشكر الذي لا يخفى على أحد.
ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة، وآثار سلف الأمة، وشواهد اللغة، وكتب العلماء؛ لاح له دخول الأعمال في الشكر ضرورة (^١).
وبهذه الأوجه كلها يتبين أن ما عزاه ذلك المصنف إلى أهل السنة من إخراج الأعمال عن الشكر، ونافح عنه ابن المرحل إنما هي نفس العلة التي أخرج بها المتكلمون الأعمال عن مسمى الإيمان.
كما يتضح: أن مزاعمه كانت بناءً على اجتهاد واستنباط من غير تحقيق، وهذا مثل من ينسب إلى بعض المذاهب أقوالًا؛ لكونهم رأوا أن أصول المذهب تقتضي ذلك القول، فنسبوه إلى المذهب من جهة الاستنباط لا من جهة النص! وما ينقل وينسب إلى الناس من جهة الاجتهاد والاستنباط يدخله الخطأ الكثير، وما نقله هذا المصنف -إن أحسنا الظن به-فإنما هو من هذا الباب؛ فإنه لما كان أهل السنة لا يكفرون بالمعاصي، والخوارج يكفرون بالمعاصي، ادعى أن مذهب أهل السنة هو قول المرجئة والله المستعان (^٢).
المسألة الثانية: الكفر والظلم والنفاق والفسوق نوعان أكبر وأصغر:
اعترض ابن المرحل على تقسيم شيخ الإسلام النفاق وما يجري مجراه من المعاني إلى قسمين، واستنكر الجمع بين اعتبار هذا الاسم من المعاني المشتركة، مع جعله اسم جنس، وأسماء الجنس لا تكون إلا متواطئة.
الوجه الأول: أصل الشبهة:
إن أصل الشبهة وسبب النزاع في الألفاظ هو ذكرها مجملة، فمن الخلق من تكلم في مثل هذه الأسماء بالنفي والإثبات من غير تفصيل، فلا بد له أن يقابله آخر بمثل إطلاقه، وبذلك يحصل النزاع في المقصود، قال شيخ الإسلام: «وكثير
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٩).
(٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ١٣٧).
[ ٦٩٧ ]
من نزاع الناس في هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة التي يفهم منها هذا معنى يثبته، ويفهم منها الآخر معنى ينفيه، ثم النفاة يجمعون بين حق وباطل، والمثبتة يجمعون بين حق وباطل» (^١).
بينما ورود تلك الألفاظ في الكتاب والسنة مفصلة بأنواعها مفردة ومقيدة، وورودها في كل موضع بحسبه، فالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلًا في جميع هذه الأمور، ثم يُرد ما تكلم فيه الناس إلى ذلك، ويبين ما في الألفاظ من إجمال بما يوافق الكتاب والسنة.
الوجه الثاني: الجواب عنها:
ونقض شبهة ابن المرحل بما يلي:
أولًا: أن الواجب في الألفاظ التي تعددت مدلولاتها في الكتاب والسنة، التفصيل فيها، وفق ما دلت عليه النصوص؛ سواءً من جهة اجتماعها وافتراقها، وإطلاقها وتقييدها، ومن جهة تخصيصها بنوعٍ دون آخر؛ لقرينة لفظية، أو غلبة استعمال، ونحو ذلك.
ثانيًا: أن انقسام الكفر والنفاق ونحوها من الألفاظ إلى قسمين مبناه على أمرين:
١. أن الكفر والنفاق قابل للتفاوت والزيادة والنقصان؛ كالإيمان سواءً، فليس النفاق والكفر على درجة واحدة، قال شيخ الإسلام: «والنفاق يتبعض والكفر يتبعض ويزيد وينقص كما أن الإيمان يتبعض ويزيد وينقص قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥] وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٥٢).
[ ٦٩٨ ]
لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] وقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء:١٣٧]» (^١).
٢. أن النصوص الشرعية قد تنوعت في إطلاق اسم الكفر، فكثيرًا ما تطلق على الأعمال التي لا يكفر صاحبها الكفر المخرج من الملة، وعليه فلا يمكن فهم النصوص إلا وفق هذا التقسيم: أكبر وأصغر، واعتبار الجميع قسمًا واحدًا مذهب الوعيدية ومخالف للنصوص الشرعية.
قال شيخ الإسلام: «وعلى هذا الأصل فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر ومعه إيمان أيضًا، وعلى هذا ورد عن النبي -ﷺ- في تسمية كثير من الذنوب كفرًا مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان فلا يخلد في النار. كقوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) (^٢)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) (^٣)، وهذا مستفيض عن النبي -ﷺ- في " الصحيح " من غير وجه؛ فإنه أمر في حجة الوداع أن ينادى به في الناس فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب بعض بلا حق كفارًا؛ وسمى هذا الفعل كفرًا؛ ومع هذا فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحُجُرات:٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحُجُرات:١٠]، فبين أن هؤلاء لم يخرجوا من الإيمان بالكلية، ولكن فيهم ما هو كفر وهي هذه الخصلة، كما قال بعض الصحابة: (كفر دون كفر) (^٤)، وكذلك قوله: (من قال لأخيه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٨٨).
(٢) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (٤٨)، ومسلم، كتاب الإيمان (١١٦).
(٣) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب الإنصات للعلماء (١٢١)، ومسلم، كتاب الإيمان (١١٨).
(٤) رواه الحاكم في مستدركه (٢/ ٣٤٢) (٣٢١٩) والبيهقي في سننه (٨/ ٣٨) (١٥٨٥٤)، من تفسير ابن عباس -﵄- وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٥٢).
[ ٦٩٩ ]
يا كافر فقد باء بها أحدهما) (^١)، فقد سماه أخاه حين القول؛ وقد أخبر أن أحدهما باء بها فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه كفر» (^٢).
ثالثًا: أما اعتراضه على جعل شيخ الإسلام لفظ النفاق مشتركًا، مع كونه اسم جنس متواطئ، فقد بين له شيخ الإسلام أنه لا مشاحة من اعتبار تلك الألفاظ من باب التواطؤ في الألفاظ، أو من باب الاشتراك، وأن القول بأن لفظ النفاق يطلق من باب الاشتراك، لا يمنع كذلك من كونه متواطئًا؛ وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فإن إطلاقه عليهما يكون باعتبارين:
١) باعتبار القدر المشترك بينهما: فحينئذ يكون إطلاقه عليهما من باب المتواطئ.
٢) باعتبار القدر المميز بينهما: فحينئذ يكون إطلاقه عليهما من باب الاشتراك.
ولفظ النفاق من هذا الباب؛ فإنه يطلق على المعصية والكفر باعتبار القدر المشترك بينهما، وهو المعنى الكلي العام: إظهار شيء وإبطان خلافه، فيكون إطلاقه حينئذ من باب التواطؤ.
ويطلق عليهما باعتبار القدر المميز بينهما، وهو في النفاق الأكبر: إبطان الكفر وإظهار الإيمان. وفي الأصغر: إبطان المعصية وإظهار الطاعة، كأن يبطن الكذب ويظهر الصدق، أو يبطن الخيانة ويظهر الأمانة، فيكون إطلاقه حينئذ من باب الاشتراك لا التواطؤ.
١. فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب: فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٦١٠٤)، ومسلم، كتاب الإيمان (٦٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٥).
[ ٧٠٠ ]
صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار.
٢. وإن أظهر أنه صادق أو موف أو أمين، وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك، فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقًا.
فإذا أردت به أحد النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية: مثل لام العهد والإضافة، وإما لغلبة الاستعمال (^١).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٣).
[ ٧٠١ ]
ملحق
• مناظرته مع بعض المرجئة في اعتقادهم أن الإيمان شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقص:
في هذه المناظرة يرد شيخ الإسلام على شبهة عقلية احتج بها أحد المرجئة على عدم تفاضل الإيمان وزيادته ونقصانه، وهي شبهة الاشتراك في المعنى الكلي المطلق للإيمان وعدم تصور التفاضل فيه، فبين له شيخ الإسلام أن المعنى الكلي لا يتصور وجوده إلا في الأذهان، وأما في الواقع فكل شخص له إيمان يخصه، يتفاوت ويتفاضل بين الناس قوة وضعفًا زيدة ونقصًا، وضربه له بعض الأمثلة التي توضح ذلك وتبينه، وقد سبق بيان كثير مما يتعلق بمسألة القدر المشترك ووجه خطأ كثير من الناس فيها، في فصول سابقة فلتراجع.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام -﵀-: «وهم لما توهموا أن الإيمان الواجب على جميع الناس نوع واحد؛ صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا يقبل التفاضل. فقال لي مرة بعضهم: الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان. فقلت له: قولك من حيث هو؛ كما تقول: الإنسان من حيث هو إنسان والحيوان من حيث هو حيوان والوجود من حيث هو وجود والسواد من حيث هو سواد وأمثال ذلك لا يقبل الزيادة والنقصان والصفات؛ فتثبت لهذه المسميات وجودًا مطلقًا مجردًا عن جميع القيود والصفات وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه كما يقدر موجودًا لا قديمًا ولا حادثًا ولا قائمًا بنفسه ولا بغيره،
[ ٧٠٢ ]
ويقدر إنسانًا لا موجوًدا ولا معدومًا ويقول: الماهية من حيث هي هي لا توصف بوجود ولا عدم، والماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في الذهن لا في الخارج. وأما تقدير شيء لا يكون في الذهن ولا في الخارج فممتنع، وهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن كسائر تقدير الأمور الممتنعة، مثل تقدير صدور العالم عن صانعين ونحو ذلك، فإن هذه المقدرات في الذهن.
فهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن؛ بل هو مجرد عن كل قيد. وتقدير إنسان لا يكون موجودًا ولا معدومًا؛ بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين ولا ثم إنسانية إلا ما اتصف بها الإنسان؛ فكل إنسان له إنسانية تخصه وكل مؤمن له إيمان يخصه؛ فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمر وليست هي هي. وإذا اشتركوا في نوع الإنسانية فمعنى ذلك أنهما يشتبهان فيما يوجد في الخارج ويشتركان في أمر كلي مطلق يكون في الذهن. وكذلك إذا قيل: إيمان زيد مثل إيمان عمرو؛ فإيمان كل واحد يخصه. فلو قدر أن الإيمان يتماثل، لكان لكل مؤمن إيمان يخصه وذلك الإيمان مختص معين ليس هو الإيمان من حيث هو هو؛ بل هو إيمان معين وذلك الإيمان يقبل الزيادة. والذين ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في أنفسهم إيمانا مطلقًا أو إنسانًا مطلقًا أو وجودًا مطلقًا مجردًا عن جميع الصفات المعينة له ثم يظنون أن هذا هو الإيمان الموجود في الناس وذلك لا يقبل التفاضل ولا يقبل في نفسه التعدد؛ إذ هو تصور معين قائم في نفس متصوره» (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
[ ٧٠٣ ]