(١٦٤) «وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة:
- قسمان يقولان: تُجرى على ظواهرها.
- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.
- وقسمان يسكتون».
ذكر المصنف رحمه الله تعالى هنا: أن الأقسام التي يمكن عدُّها في أقسام الناس في نصوص الصفات ستة أقسام، وهذه الأقسام يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام باعتبار جمع كل قسمين معًا:
- فقسمان يقولان: تجرى على ظواهرها.
- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.
- وقسمان يسكتان.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
«أما الأولان فقسمان:
* أحدهما: مَنْ يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل، أنكره السلف، وإليهم يتوجه الرد بالحق».
فبدأ بالقسم الأول والثاني فقال: أما الأوَّلان فقسمان، أحدهما من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبِّهة وهنا قال: إن المشبهة أجروا هذه النصوص على ظاهرها، ولكنهم جعلوا ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، كقولهم: له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، فهم من جهة أثبتوا الصفة فأثبتوا اليد، وأثبتوا السمع، وأثبتوا البصر، وأثبتوا الاستواء، وأثبتوا سائر الصفات، لكنهم تعمقوا في شأن الكيفية، وجعلوا تلك الصفات من جنس ما للمخلوق.
وسبق أن ذكرنا شبهة هؤلاء بأنهم يقولون: إن الله تعالى لا يُخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كلمنا عن يدٍ، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه اليد الجارحة، ولذلك نقول: له يد كيدي، ونقول: له سمع كسمعي، وبصر كبصري.
وقلنا: إن هذه الحجة في غاية الضعف؛ لأنه ليس من شرط الإيمان بالأشياء أن تعقل حقائقها، فهذه الروح بين جنبي الإنسان ولا يمكن له أن ينكر وجودها، ومع ذلك لا يمكن أن يدرك كنهها أو حقيقتها، وكذلك كثير من المغيبات أخبر الله ﷾ عنها، ولكن مع ذلك لا ندرك كيفيتها أو حقيقتها كما في شأن الملائكة، وكما في شأن الجنة والنار، وكما في شأن الكثير من الأمور الغيبية.
فهذا القسم لا شك أن مذهبهم باطل، كما قال: «ومذهبهم باطل، أنكره السلف»، فالأئمة نصوصهم كثيرة في الإنكار على المشبهة، ولا شك أن الردود عليهم ذكرها جمع من السلف، وهذا القول قال به الهشامية من الروافض، فقدماء الرافضة كانوا على مذهب التمثيل والتشبيه، وكذلك هذا القول موجود عند الكرامية، كما ذكر في كتب «المقالات».
[ ٢ / ٥٦٣ ]
«الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير، والرب والإله، والموجود والذات، ونحو ذلك، على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين، إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به.
فالعلم والقدرة، والكلام والمشيئة، والرحمة والرضا، والغضب ونحو ذلك، في حق العبد أعراض.
والوجه واليد والعين في حقه أجسام.
فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأن له علمًا وقدرة وكلامًا ومشيئة وإن لم يكن ذلك عرضًا، يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجسامًا، يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين».
القسم الثاني: ممن يجريها على ظاهرها، وهم أهل السنة والجماعة، وهو مذهب السلف، فالسلف يجرون هذه النصوص على ظاهرها، ولكن الظاهر الذي يليق بجلال الله ﷾ وكماله، فيثبتون اليد، ويثبتون السمع، ويثبتون البصر، ويثبتون العلم، ويثبتون الاستواء، ويثبتون النزول، ويثبتون سائر الصفات، ولكن على ما يليق بجلال وكمال الله ﷾، فالله ﷾ هو الذي أخبر بهذه الصفات، ووصف نفسه بها، ووصفه لها رسوله ﷺ، ولكن مع هذا لا نعقل كيفية تلك الصفات، والإيمان بهذه الصفات هو إيمان وجود، وهذه الصفات صفات ثابتة حقيقة لله ﷾، ولا نعلم كيفية اتصاف الله بها.
فقال هنا: الثاني: أي القسم الثاني: مَنْ يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ﷾ كما يجري ظاهر اسمه العليم، القدير، الرب، الإله، فهذه الأسماء ثابتة بالنصوص، ونجريها على ظاهرها، ونؤمن بما دلَّت عليه من المعاني.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
«وهذا هو المذهب الذي حكاه الخَطَّابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يُخالفه، وهو أمر واضح، فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات.
فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين.
قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟! ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمَن لم يفهم من صفات الرب-الذي ليس كمثله شيء-إلا ما يناسب المخلوق فقد ضلَّ في عقله ودينه.
وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ وكيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك؟
فقل له: كيف هو في نفسه؟
فإذا قال لك: لا يَعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري غير معلوم للبشر.
فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مُستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تُعلم كيفية صفة لموصوف ولم تعلم كيفيته، وإنما تُعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك».
وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يُخالفه، أي: أن الله ﷾ موصوف بهذه الصفات على الوجه الذي يليق بجلاله وكماله ﷾، فكل صفة أثبتها الله ﷿ لنفسه، يجب إثباتها لله ﷾ حقيقة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تحرَّف، أو تغيَّر، أو تُنفى عن الله ﷾، وإنما يجب أن تُثبت لله ﷾ على ما يليق بجلاله.
فمن جهة هذا جواب لهم: إن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وهذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام على وجه التفصيل في «التدمرية»: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وهو هنا أشار إلى هذه القاعدة
[ ٢ / ٥٦٥ ]
من خلال ما تقدم، فإذا كانت هناك صفات تُثبت لله ﷾ مثل العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والمخلوق يوصف بمثل هذه الصفات، ومع ذلك قال هؤلاء: إنها تُثبت لله ﷾ حقيقة، فيقال لهم: كذلك الوجه، وكذلك اليدين، وكذلك الاستواء، وكذلك النزول أيضًا من جنس هذه الصفات تثبت لله ﷾ حقيقة على وجه يليق بجلاله وكماله.
وبعد هذا أعطى دليلًا آخر وهو: أن القول في الصفات كالقول في الذات، وأيضًا هذه القاعدة تجدها مفصلة في «الرسالة التدمرية»، وقال هنا: «فإن الصفات كالذات، كما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ﷾ ثابتة حقيقية من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين. فإذًا كما أن لله ﷾ ذاتًا حقيقة، فإن له صفات حقيقة، وصفاته ﷾ ثابتة من غير أن تكون من جنس ما للمخلوقات.
بعد هذا أورد كلامًا رد به على المشبِّهة، ثم رد على المعطِّلة، قال: «فمن قال-أي: من المشبهة-: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين»، فهذا كلام المشبهة يقولون: إن الله تعالى لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا قال: «يد»، فأنا لا أعقل إلا هذه الجارحة.
قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟! فكما أنك تثبت لله ﷾ ذاتًا، ويرى أن هذه الذات ليست من جنس ذوات المخلوقين، فكذلك عليك أن تثبت لله ﷾ صفاتٍ ليست من جنس صفات المخلوقين.
ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضلَّ في عقله ودينه.
ثم قال ردًّا على المعطلة: «وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو ذلك؟
فقل له: كيف هو في نفسه؟
فإذا قال لك: لا يَعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر.
فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فالعلم بكيفية صفاته ﷾ يستلزم العلم بكيفية ذاته.
فإذًا لابد إذا طلب العِلم بكيفية الصفة ككيفية النزول أو الاستواء أن نطالبه بكيفية الذات؛ لأن هذا يستلزم هذا، فإذا عُلم كيف ذاته، نعلم كيف صفاته؟ وإذا جهلنا كيفية ذاته، فإنه من باب أولى أن نجهل كيفية صفاته. فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تُعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفية ذاته؟!
[ ٢ / ٥٦٦ ]