فصْلٌ:
في نظمِ قوْلِهِ: وَإنَّ القُرْآنَ كلامُ اللهِ، مِنْهُ بَدَأ بلا كيْفِيَّةٍ قَوْلا، وَأنزَلهُ على رَسُولِهِ وَحْيًا، وَصَدَّقهُ المُؤْمِنونَ على ذلِكَ حَقًّا، وَأيْقنوا أنهُ كلامُ اللهِ تعَالى بالحَقِيقةِ، لْيَس بمَخْلوقٍ كَكَلام البَريَّةِ، فمَنْ سَمِعَهُ فزَعَمَ أنهُ كلامُ البَشَرِ فقدْ كَفَرَ، وَقدْ ذمَّهُ اللهُ وَعَابَهُ وَأوْعَدَهُ بسَقَرَ، حَيْثُ قالَ تعَالى: (سُأصْلِيهِ سَقَرَ) فلمَّا أوْعَدَ اللهُ بسَقرَ لمَنْ قالَ: (إنْ هَذا إلا قولُ البَشَرِ) عَلِمْنا وَأيْقنَّا أنهُ قَوْلُ خَالِقِ البَشَرِ، وَلا يُشْبِهُ قَوْلَ البَشَرِ.
٥٠٠ - وَالقَوْلُ في قُرْآنِهِ المَتْلُوِّ بِأنَّهُ كَلامُ ذِي العُلُوِّ
٥٠١ - أَوْدَعَهُ في لَوْحِهِ مَحْفُوظَا ثمَّ تكَلَّمَ بِهِ مَلفُوظَا
٥٠٢ - وَاللهُ بالكَلامِ لا يَزَالُ مُتَّصِفًا هَذا هُوَ الكَمَالُ
٥٠٣ - فَلَمْ يَزَلْ رَبِّي يَقُولُ الحَقَّا إِذا يَشَاءُ ويُنادِي الخَلْقَا
٥٠٤ - مُوسَى ألمْ نُسَمِّهِ الكَلِيمَا إِذْ رَبُّنا كَلَّمَهُ تكْلِيمَا؟
٥٠٥ - أَمَا اصْطَفَاهُ اللهُ بِالكَلامِ وَبالرِّسَالاتِ عَلى الأنَامِ؟
٥٠٦ - أمَا يُنادِي اللهُ في القِيَامَةْ جَهْرًا فيَسْمَعُ الوَرَى كَلامَهْ؟
٥٠٧ - وَهَكَذا كَلامُهُ تعَلَّقَا بمَا يَشَاءُ أوْ أرَادَ مُطْلَقَا
٥٠٨ - فهُوَ مِنْ صِفَاتِهِ الفِعْلِيَّةْ مَتى اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ العَلِيَّةْ
٥٠٩ - لذَا رَآهُ أَهْلُ الاعْتِقَادِ قَدِيمَ نَوْعٍ حَادِثَ الآحَادِ
٥١٠ - وَهَكَذَا نقُولُ في كِتَابِنا حَرْفًا وَصَوْتًا ذا كَلامُ رَبِّنَا
٥١١ - مِنْهُ ابْتَدَا قَوْلا بِلا كَيْفيَّةِ نعْلَمُها عَنْ خَالِقِ البَرِيَّةِ
٥١٢ - أنزَلَهُ وَحْيًا عَلَى الرَّسُولِ مُنجَّمًا مُفَرَّقَ النُّزُولِ
[ ٥٠ ]
٥١٣ - ليْسَ بمَخْلُوقٍ كأقْوَالِ الوَرَى وَمَنْ يُشبِّهْهُ بقَوْلِنا افْتَرَى
٥١٤ - مَنْ قَالَ هَذا القَوْلَ أوْ قَدْ أوْرَدَهْ فَاللهُ ذَمَّهُ بِهِ وَأوْعَدَهْ
٥١٥ - قالَ الوَلِيدُ إنَّهُ قَوْلُ البَشَرْ فَقَالَ رَبُّنا سَأُصْلِيهِ سَقَرْ
٥١٦ - وَمِنْ هُنا نعْلَمُ لا مَحَالَةْ بأنَّهُ كَلامُ ذِي الجَلالَةْ
٥١٧ - وَأنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ البَشَرِ كَمَا نَفاهُ رَبُّنا في الخَبَرِ
٥١٨ - ألمْ يَقُلْ بذَلِكَ الوَلِيدُ فجَاءَهُ مِنْ رَبِّنا الوَعِيدُ؟
٥١٩ - بَلْ هُوَ حتَّى بمُجَرَدِ النَّظَرْ لَيْسَ مُشَابهًا لأقْوَالِ البَشَرْ
٥٢٠ - في الشَّكْلِ وَالألفَاظِ والمَعَاني وَالنَّظْمِ وَالتَّأثِيرِ في الوُجْدَانِ
٥٢١ - في الصِّدْق فيمَا فِيهِ مِنْ أخْبَار وَكَيْفَ لا وَهْوَ كَلامُ البَارِي
٥٢٢ - هُوَ إِذَنْ بالنَّصِّ ثمَّ بالنَّظَرْ كَلامُ رَبِّ النَّاسِ لا قَوْلُ البَشَرْ
٥٢٣ - فَمَنْ رَأَى القُرْآنَ مِنْ قَوْلِ البَشَرْ أَوْ قَدْ رَأى القُرْآنَ مَخْلُوقًا كَفَرْ
[ ٥١ ]
* استدراك: في أن نفي الخلق عن القرآن لا يعني قدمه
اسْتِدْرَاكٌ:
٥٢٤ - وَنَفْيُنا الخَلْقَ عَنِ القُرْآنِ لمْ ينْفِ عَنْهُ الوَصْفَ بالحِدْثَانِ
٥٢٥ - جِنْسُ كَلامِ رَبِّنا العَظِيمِ هُوَ الذِي يُوصَفُ بالقَدِيمِ
٥٢٦ - وَلَكِنِ الآحَادُ كالقُرْآنِ مُحْدَثةٌ بالنَّصِّ وَالبُرْهَانِ
٥٢٧ - فَاللهُ بالقرْآن مَا تكَلَّمَا إلا لَدَى نُزُولِهِ مِنَ السَّمَا
٥٢٨ - ثمَّ أَلا يَكْفِيكَ دُونَ نُكْرِ وَصْفٌ لهُ بمُحْدَثٍ في الذِّكْرِ
٥٢٩ - فَإِنْ تقُلْ أَليْسَ في اللوْحِ حُفِظْ؟ قُلْتُ كِتابَةً وَلمْ يَكُنْ لُفِظْ
٥٣٠ - وَاللَّوْحُ مَخْلوقٌ وَمَا قَدْ سُطِّرَا فِيهِ فَبِالعِلْمِ القَدِيمِ قَدْ جَرَى
[ ٥٢ ]