فصْلٌ:
في نظمِ قوْلِهِ: وَالرُّؤْيَةُ حَقٌّ لأهْلِ الجنَّةِ، بغَيْر إحَاطةٍ وَلا كيْفِيَّةٍ، كَمَا نطقَ بِهِ كِتَابُ رَبِّنا: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ) وَتفْسِيرُهُ على مَا أرَادَهُ اللهُ تعَالى وَعَلِمَهُ، وَكلُّ مَا جَاءَ في ذلِكَ مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ فهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَعْناهُ على مَا أرَادَ، لا نَدْخُلُ في ذلِكَ مُتأوِّلِينَ بآرَائِنا، وَلا مُتوَهِّمِينَ بأهْوَائِنا، فإنهُ مَا سَلِمَ في دينِهِ إلا مَنْ سَلَّمَ للهِ ﷿، وَلرَسُولِهِ ﷺ، وَرَدَّ عِلمَ مَا اشْتبَهَ عَلَيهِ إلى عَالِمِهِ.
٥٥٣ - وَرُؤْيَةُ اللهِ لأهْلِ الجَنَّةْ جَاءَتْ بها الآيَاتُ ثمَّ السُّنَّةْ
٥٥٤ - فَلا يَجُوزُ مُطْلَقًا إنكَارُها مِنْ بَعْدِ مَا صَحَّتْ لنا أَخْبَارُها
٥٥٥ - لَكِنْ إِحَاطَةٌ بهِ مَنْفيَّةْ وَهَكَذَا التَّشْبيهُ وَالكيْفيَّةْ
٥٥٦ - ألمْ يقُلْ إنَّ وُجُوهًا ناضِرَةْ لوَجْهِ رَبِّها تكُونُ ناظِرَةْ؟
٥٥٧ - رُؤْيَةُ حَقٍّ لا نُضَامُ فيها كَالشَّمْسِ لا سَحَابةٌ تخْفِيها
٥٥٨ - تَشْبِيهُ رُؤْيَةٍ برُؤْيَةٍ فقَطْ لا أنَّهُ كالشَّمْسِ فاحْذَرِ الغَلَطْ
٥٥٩ - هَذا الذِي أرَادَهُ النَّبيُّ لا مِثْل مَا يَفْهَمُهُ الغَبيُّ
٥٦٠ - ظنُّوهُ تَشْبِيهًا لمَرْئِيَّينِ فأنْكَرُوا رُؤْيَتَهُ بالعَيْنِ
٥٦١ - وَأوَّلُوا النَّظَرَ بانْتِظَارِ ثوَابِهِ لا رُؤْيَةِ الأنْظَارِ
٥٦٢ - يَا رَبِّ فاحْرِمْهُمْ مِنَ النَّعِيمِ وَلْيُحْجَبُوا عَنْ وَجْهِكَ الكَرِيمِ
٥٦٣ - وَكُلُّ ما أتى بهَذِي الرُّؤْيةِ مِنْ خَبَرٍ صَحَّ بها أَوْ آيَةِ
٥٦٤ - فَهْوَ كَمَا رَبُّ الوَرَى يَقُولُ وَهْوَ كمَا يَقُولُهُ الرَّسُولُ
٥٦٥ - تَفْسِيرُهُ يَكُونُ أوْ مَعْنَاهُ عَلَى الذِي أرَادَهُ الإِلَهُ
[ ٥٥ ]
٥٦٦ - وَنحْنُ لا ندْخُلُ فيمَا قالا مُعَطِّلِينَ وَصْفهُ تعَالى
٥٦٧ - وَلا مُؤَوِّلِينَ بالآرَاءِ أَوْ مُتَوَهِّمِينَ بالأهْوَاءِ
٥٦٨ - فإنَّهُ في دينِهِ ما سَلِمَا إلا الذِي للوَحْي حَقًّا سَلَّمَا
٥٦٩ - وَرَدَّ عِلْمَ مَا عليْهِ اشْتَبَها إلى الذِي يَكُونُ عَالمًا بهَا
[ ٥٦ ]
* احتراز: من أن هذا الكلام لا يعني اتهام الشيخ بالتفويض
احْتِرَازٌ:
٥٧٠ - وَلا تكُنْ بالشَّيْخِ ذا تعْرِيضِ مُتَّهِمًا إيَّاهُ بالتَّفْوِيضِ
٥٧١ - حَيْثُ يُحِيلُ العِلْمَ بالمَعَاني إلى مُرَادِ رَبِّنا الرَّحْمَنِ
٥٧٢ - فليْسَ مَعْنى القَوْلِ بالتَّسْلِيمِ مَعْ رَدِّ عِلْمِهَا إلى العَلِيمِ
٥٧٣ - أَنَّ مَعَانيَ الصِّفاتِ غامِضَةْ مَجْهُولةٌ كَمَا تَرَى المُفَوِّضَةْ
٥٧٤ - وَأَنَّ ظاهِرَ الصِّفاتِ البَادِي لَيْسَ بمَقصُودٍ وَلا مُرَادِ
٥٧٥ - وَأنَّهُ لا ينبَغِي السُّؤَالُ عَنهَا إِذِ العِلْمُ بهَا مُحَالُ
٥٧٦ - فَإِنَّ رَبَّ العَالمِينَ اسْتأْثَرَا بها فَلا يُمْكِنُ أنْ تُفَسَّرَا
٥٧٧ - كَلا فمَعْنى الوَصْفِ لَسْنا نجْهَلُهْ وَإِنمَا الكَيْفُ الذِي لا نعْقِلُهْ
٥٧٨ - فَالاسْتِوَاءُ ليْسَ بالمَجْهُولِ مَعْنىً وَليْسَ الكيْفُ بالمَعْقُولِ
٥٧٩ - وَقُلْ بسَائِرِ الصِّفاتِ ذَلِكْ كَمَا أفادَهُ الإمَامُ مَالِكْ
٥٨٠ - هَذَا الذِي أظنُّهُ يَقِينا بشَيْخِنَا عَقِيدَةً وَدِينا
٥٨١ - وَإِنْ يكُنْ رَأَى خِلافَ ما سَلَفْ فَهْوَ مُخَالِفٌ لمَذْهَبِ السَّلَفْ
٥٨٢ - وَاللهُ يَعْفُو عَنْهُ فِيمَا ظَنَّا تكَرُّمًا مِنْ رَبِّنا وَمَنَّا
٥٨٣ - فَمَا يَرَى القَوْمُ سِوَى التَّقْوِيضِ لهَذِهِ النُّصُوصِ بالتَّفْوِيضِ
[ ٥٧ ]