[ ١٥ ]
إِنَّ الحَمْدَ لله، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغفرُهُ، وَنَعوذُ بالله مِنْ شُرورِ أَنفسِنا، وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمَالنا، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فَلاَ هاديَ لَه، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحَدهُ لا شَريِكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَن مُحَمّدا عَبْدهُ وَرَسُولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣)
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية، ١٠٢.
(٢) سورة النساء. الآية، ١.
(٣) سورة الأحزاب: الآيتان، ٧٠، ٧١.
[ ١٦ ]
أَمَّا بعد: فإِنَّ أَصْدَقَ الحَديث كَلامُ الله، وخَيْرَ الهَديِ هَديُ مُحمّدٍ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَشَرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها وَكل محْدَثةٍ بدعة، وَكلَّ بدعةٍ ضلالة، وَكل ضلالةٍ في النَّار (*) (١) .
أيها الأَخُ المسلم: هذه كلماتٌ مختصرةٌ في بيان:
عقيدة السَّلف الصَّالح، أَهلِ السُّنَّةِ والجماعة " قد حَمَلَ على جمعهِ وكتابَتِهِ ما تعيشه الأمَّةُ الإِسلاميةُ اليومَ من تفرق واختلافٍ يتمثلان في الفرقِ المعاصرةِ، والجماعات الموجودة في الساحة؛ كلٌ يدعو إِلى عقيدته ومنهجه، ويزكي جماعته؛ حتى اختلط الأَمر على النَّاس، وأَصبحوا في حيرة من أَمرهم من يتبعون؟ وبمن يقتدون؟!!
ولكن- ولله الحمد- لم يُعدَمْ ولن يُعدَمَ الخيرُ في هذهِ الأمَّة، إِذْ لا تَزالُ طائِفَةٌ منها متمسكة بالهدى والحق إِلى قيام السَاعة
_________________
(١) هذه الخطبة تسمى: " خطبة الحاجة " وهي تشرع بين يدي كلّ حاجة، وقد كان رسول الله - ﷺ - يعلم أصحابه أن يقولوها بين يدي كلامهم، في أمور دينهم سواء كان؛ خطبة نكاح، أو جمعة، أو غير ذلك، وأَخرجتها أكثر كتب السنة على اختلاف في ألفاظها وهي في " سنن ابن ماجه " كتاب النكاح، باب خطة النكاح. وفي " سنن الترمذي " و" سنن أبي داود " و" سنن النسائي " ورواها أبو يعلى في " مسنده "، والطبراني في " المعجم الكبير " والبيهقي في " سننه " والإِمام أحمد في " مسنده "، وورد ذكر طرف من هذه الخطبة في " صحيح مسلم " كتاب الجمعة، باب خطبته - ﷺ - في الجمعة. وللبسط في تخريجها انظر كتاب " خطة الحاجة " للشيخ المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني.
[ ١٧ ]
كما أَخبر بذلك النَّبيﷺ - حيث قال: «لاَ تَزَالُ طَائفَة مِنْ أمتي ظَاهِرينَ عَلَى الحق، لاَ يَضُرهُمْ مَنْ خَذلَهُمْ؛ حَتّى يأتِيَ أمْرُ الله وَهُمْ كَذلِكَ» (١) وقالﷺ -:
«مثَلُ أمَّتِي مثلُ المَطَر؛ لا يُدْرَى أوَّلهُ خير، أَم آخِرُهُ» (٢) .
ومن هنا وجب علينا التعرف على هذه الطائفة المباركة التي تلتزم الإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله - ﷺوطبّقهُ جيل الصحابة والتابعين وأَتباعهم بإِحسان- جعلنا الله منهم- وهذه الجماعة هي الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، وتوصف هذه الفرقة بأهلِ السنة والجماعة، وأَهل الحديث، وأَهل الأثر والاتباع، وهم من كانوا على ما كان عليه النبيﷺوأَصحابه.
ومن هذا المنطلق أَسرعتُ في تلخيص هذا " الوجيز " من كتابي " المُيَسرُ في عقيدة السلف الصالح " (٣) الذي استقيته من كتب أَئمة السَلف المشهودِ لهم بالعدالة والعلم، واتباع السُّنَّة والإِمامةِ فيها؛ التي اسْتَقَوْهَا من هدي النبيﷺكابرا عن كابر، وحرصتُ أَن يكون هذا " الوجيز " بعبارة موجزة وأُسلوب واضح مُيسَر، مع الالتزام بالأَلفاظ الشرعية المأثورة عن أئمة السلف قدر الإِمكان؛
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) صحيح سنن الترمذي: للألباني.
(٣) نسأل الله﷿- أن ييسر إِتمامه ونشره؛ فإنه يقع في مجلد كبير.
[ ١٨ ]
ليستفيد منه كل قارئ، وخصوصا الناشئين من أَبناء الصحوة الإِسلامية المباركة، ويكون عونا لتحصيل مجمل عقيدة السلف الصَّالح للشاب المستقيم والمهتدي حديثا بصورةٍ ميسرة؛ لأَن علم العقيدة أَشبه بسلسلة مربوطٍ بعضها ببعض، فإِذا لم يفهم المسلم مجمل العقيدة لا يستطع استيعاب أَجزائها.
ولم أُضفْ شيئا من عندي إِلا ما وجدتُ أَنَّ من الواجب بيانَهُ وتوضيحه، وأُنوه بأني قد وضعتُ في آخر هذه الرسالة قائمة للمصادر التي اعتمدتُ عليها في إِعداد هذا " الوجيز ".
وختاما أَحمد الله تعالى وأَشكره على توفيقه لإتمام هذا " الوجيز، وأَرجو الله أَن يُسهم هذا البحث المتواضع لي إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين، وأَن يجعله نافعا لهم، ودافعا للرجوع إِلى كتاب الله، وسنَّة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
كما أَشكر كل من كان له فضل علي في إِتمام هذا " الوجيز، من إِبداء رأى أَو مراجعة أَو نصيحة، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ سعود بن إِبراهيم الشريم، وفضيلة الشيخ محمد بن جميل زينو اللذان تفضلا بقراءة الكتاب والتقديم له فجزاهم الله خيرا (١) .
_________________
(١) وكان من فضل الله تعالى أَن اجتمع على قراءة الكتاب وتقويمه في طبعته هذه: فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وفضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان، ومعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وفضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل؛ شكر الله لهم، وأَثابهم، ونفع بعلمهم.
[ ١٩ ]
هذا هو جُهد المقل وضعته بين يدي القارئ الكريم، فإِن أَصبتُ فمن الله وحده- وهو الموفق سبحانه- وإن أَخطأتُ فمن نفسي والشيطان، وإني آمل ممَّن يجد فيه مأخذا أَن لا يبخل عليَّ بالنصح.
أَسأَلُ الله تعالى أَن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم، وأَن يتقبله مني، وينفع به المسلمين، وأَبرأ إِلى الله مما خالف كتابه وسنَة نبيِّه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وفهم سلفنا الصالح؛ فإِنْ وقع ذلك منّي دون قصد " فإِنِّي راجع عنه في حياتي وبعد مماتي.
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أَجمعين.
كتبه
راجي رحمة ربه الغفور
أَبو محمد عبد الله بن عبد الحميد بن عبد المجيد آل إِسماعيل الآثري
نزيل اصطنبول
عفا الله عنه
في ذي الحجة ١٤١٦ هـ
[ ٢٠ ]
[تعريفات ضرورية]
[تعريف العقيدة]
[ ٢١ ]
تعريف العقيدة العقيدة في اللغة: من العَقْدِ؛ وهو الرَّبطُ، والإِبرامُ، والإِحكامُ، والتَّوثقُ، والشَدُّ بقوه، والتماسُك، والمراصةُ، والإثباتُ؛ ومنه اليقين والجزم.
والعَقْد نقيض الحل، ويقال: عَقَده يعقِده عَقْدا، ومنه عُقْدَة اليمين والنكاح، قال الله ﵎:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (١) والعقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، والعقيدة في الدِّين ما يُقْصَدُ به الاعتقاد دون العمل؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل. والجمع: عقائد (٢) .
_________________
(١) سورة المائدة: الآية، ٨٩.
(٢) انظر معاجم اللغة: لسان العرب، القاموس المحيط، المعجم الوسيط: " مادة عقد ".
[ ٢٣ ]
وخلاصته: ما عقد الإِنسانُ عليه قلبه جازما به؛ فهو عقيدة؛ سواءٌ أكان حقا، أَم باطلا.
وفي الاصطلاح: هي الأمور التي يجب أن يُصَدِّقَ بها القلب، وتطمئن إِليها النفس، حتى تكون يقينا ثابتا لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك.
أَي: الإِيمان الجازم الذي لا يتطرَّق إِليه شك لدى معتقده، ويجب أَن يكون مطابقا للواقع، لا يقبل شكا ولا ظنا؛ فإِن لم يصل العلم إِلى درجة اليقين الجازم لا يُسَمى عقيدة.
وسمي عقيدة؛ لأَنَّ الإِنسان يعقد عليه قلبَه.
والعقيدة الإِسلاميَّة: هي الإِيمان الجازم بربوبية الله تعالى وأُلوهيته وأَسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسائر ما ثَبَتَ من أُمور الغيب، وأصول الدِّين، وما أَجمع عليه السَّلف الصَّالح، والتسليم التام لله تعالى في الأَمر، والحكم، والطاعة، والاتباع لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ٢٤ ]
والعقيدة الإِسلاميَّة: إِذا أُطلقت فهي عقيدة أَهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّها هي الإِسلام الذي ارتضاه الله دينا لعباده، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضَّلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإِحسان.
وللعقيدة الإِسلامية: أَسماء أُخرى عند أَهل السُّنَّة والجماعة؛ تُرادِفُها، وتَدلُّ عليها، منها:
" التوحيد "، " السُّنَة "، " أُصُول الدَين "، " الفقه الأكبر "، " الشريعة "، " ٢٢ الإِيمان ٢٢ ".
هذه أَشهر إِطلاقات أَهل السُّنَّة على علم العقيدة.
[ ٢٥ ]
[تعريف السلف]
تعريف السلف السَّلف في اللغة: ما مضى وتقدم، يُقال: سلَف الشيءُ سَلَفا: أَي مضى، والسَّلف: الجماعة المتقدِّمون، أَو القوم المتقدمون في السير.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ - فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦] (١) .
أَي: جعلناهم سلفا متقدِّمين لمن عمل بعملهم، وذلك ليَعْتَبِرَ بهم مَنْ بعدهم، وليتعظ بهم الآخرون.
والسَّلَفُ: (من تقدَّمك من آبائك ذوي قرابتك الذين هم فوقك في السنِّ والفضل، ولهذا سُمي الصدر الأَول من الصحابة والتابعين: السلف الصَّالح) (٢) .
_________________
(١) سورة الزخرف: الآيتان، ٥٥، ٥٦.
(٢) انظر معاجم اللغة: تاج العروس، لسان العرب، القاموس المحيط: مادة " سَلَفَ ".
[ ٢٦ ]
وفي الاصطلاح: إِذا أُطْلِقَ السلفُ عندَ علماءِ الاعتقادِ فإِنَّما تدور كل تعريفاتهم حول الصحابة، أَو الصحابة والتابعين، أَو الصحابة والتابعين وتابعيهم من القرون المفضلة؛ من الأَئمَّةِ الأَعلامِ المشهودِ لهم بالإِمامةِ والفضلِ واتباعِ السنة والإِمامةِ فيها، واجتناب البدعةِ والحذر منها، وممن اتفقت الأُمّةُ على إِمامتهم وعظيم شأنهم في الدِّين، ولهذا سمي الصدرُ الأول بالسلَف الصالح.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (١) وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (٢) وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
«خَيْرُ النَّاسِ قَرْني ثُم الَذيِنَ يَلُونَهُمْ ثُمَ الَذِينَ يَلونَهُمْ» (٣) .
_________________
(١) سورة النساء: الآية، ١١٥.
(٢) سورة التوبة: الآية، ١٠٠.
(٣) رواه البخاري ومسلم.
[ ٢٧ ]
ورسولُ الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصحابته والتَّابعون لهم بإِحسان هم سلف هذه الأمة، وكل من يدعو إِلى مثل ما دعا إِليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم- وصحابتُهُ والتابعون لهم بإِحسان، فهو على نهج السلف.
والتحديد الزمني ليس شرطا في ذلك؛ بل الشرط هو موافقة الكتاب والسنَّة في العقيدة والأَحكام والسلوك بفهم السَّلف، فكل من وافق الكتاب والسُّنَة فهو من أتباع السَّلف، إن باعد بينه وبينهم المكان والزمان، ومن خالفهم فليس منهم وإن عاش بين ظهرانيهم.
وإِمام السَّلف الصَّالح رسولُ الله ﵌.
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (١) .
وقد قرن الله تعالى بين طاعته وطاعة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٢)
_________________
(١) سورة الفتح: الآية، ٢٩.
(٢) سورة النساء: الآية، ٦٩.
[ ٢٨ ]
وجعل الله طاعةَ الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طاعة له سبحانه، فقال ﷿:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] (١) وأَخبر تعالى أَن عدم طاعة الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- محبطٌ ومُبطلٌ للأعمال، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (٢) ونهانا عن مخالفة أَمرهِ﵌ - فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٣) وأَمرنا الله تعالى أَن نأخذ ما أَمرنا به- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونترك ما نهانا عنه، فقال ﷿:
_________________
(١) سورة النساء: الآية، ٨٠.
(٢) سورة محمدﷺ -: الآية، ٣٣.
(٣) سورة النساء: الآية، ١٤.
[ ٢٩ ]
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] (١) وأَمرنا تعالى أَن نحكمه- صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم- في كلِّ شأن من شؤون حياتنا، وأَن نرجع إِلى حكمه، فقال:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] سورة النساء: الآية، ٦٥. وبلغنا الله تعالى بأَن نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الأُسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، والنموذج الأَمثل الذي يجب اتباعه والاقتداء به، فقال ﷿:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] سورة الأحزاب: الآية، ٢١. وقرن الله رضاه برضا رسوله﵌ - فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] سورة التوبة: الآية، ٦٢. وجعل اتباع رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علامة على محبته﷾- فقال:
_________________
(١) سورة الحشر: الآية، ٧.
[ ٣٠ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) ولهذا كان مرجع السَّلَف الصالح عند التنازع هو كتابَ الله وسنَة رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما قال تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢) وأَفضلُ السلف بعد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصحابةُ الذين أَخذوا دينهم عنه بصدق وإخلاصٍ، كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز، بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (٣) ثمَ الذين يلونهم من القُرون المفضلة الأولى؛ الذين قال فيهمِ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُ النَّاس قَرْنِي، ثُم الَذينَ يَلونَهُمْ، ثُمَّ الَذِينَ يَلُونهُمْ» (٤) ولذا؛ فالصَّحابة والتابعون أَحق بالاتباع من غيرهم، وذلك
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية، ٣١.
(٢) سورة النساء: الآية، ٥٩.
(٣) سورة الأحزاب: الآية، ٢٣.
(٤) رواه البخاري ومسلم.
[ ٣١ ]
لصدقهم في إيمانهم، وإخلاصهم في عبادتهم، وهم حُرَّاس العقيدة، وحُماة الشريعة العاملون بها قولا وعملا، ولذلك اختارهم الله تعالى لنشر دينه، وتبليغ سُنَّة نَبيِّه ﷺ.
قال النَّبِيُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
«تَفْتَرقُ أمَتِي عَلَى ثَلاَث وَسَبْعِينَ ملة؛ كُلهُم في النارِ، إِلا مَلّة وَاحِدَة» قالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: «مَا أَنَا عَلَيْه وَأصْحابي» (١) ويُطلق على كلِّ من اقتدى بالسَّلف الصالح، وسار على نهجهم في سائر العصور " سَلَفِيّ " نسبة إِليهم، وتمييزا بينه وبين من يخالفون منهج السَّلف ويتبعون غير سبيلهم.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (٢) ولا يسع أَي مسلم إِلا أَن يفتخر بالانتساب إِليهم. ولفظ " السَّلفيَّة " أَصبح علما على طريقة السلف الصَّالح في تلقي الإِسلام وفهمه وتطبيقه، وبهذا فإنَّ مفهوم السَّلفيَة يطلق على المتمسكين بكتاب الله، وما ثبت من سُنَّة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تمسكا كاملا بفهم السَّلف.
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي: للألباني.
(٢) سورة النساء: الآية، ١١٥.
[ ٣٢ ]
[تعريف أهل السنة والجماعة]
تعريف أهل السنة والجماعة السُّنة في اللغة: السنَة في اللغة مشتقة من: سَن يَسِن، ويَسُن سَنّا، فهو مَسْنُون. وسَن الأمرَ: بَينَه.
والسَنَة: الطريقةُ والسِّيرة، محمودة كانت أَم مذمومة.
ومنه قول النَّبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
«لَتَتَبِعُنّ لسَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرا بِشِبرْ وذِراعا بِذِراع» (١) أَي: طريقتهم في الدِّين والدنيا.
وقوله: «مَنْ سنّ في الإسلاَمِ سنَةَ حَسَنه فَلَهُ أَجْرُها وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا منْ بَعْدِه؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سنَّ في الإِسلام سُنَّة سيئة» (٢) - أَي: " سيرة. . . الحديث " (٣) .
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
(٢) رواه مسلم.
(٣) انظر معاجم اللغة: لسان العرب، مختار الصحاح، القاموس المحيط: مادة " سنن ".
[ ٣٣ ]
السنة في الاصطلاح: الهديُ الذي كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأَصحابه، علما، واعتقادا، وقولا، وعملا، وتقريرا. وتُطلق السّنَة أَيضا على سُنَنِ العبادات والاعتقادات، ويقابل السنَّةَ: البدعة.
قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدي فَسَيرى اخْتلافا كَثيرا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسنّتي وسُنّةِ الخلَفَاءِ المَهْدِيينَ الرَّاشِدين» (١) .
الجماعة في اللغة: (مأخوذةٌ من الجمعِ، وهو ضمُ الشيءِ، بتقريبِ بعضِهِ من بعضٍ، يُقال جَمعتُهُ، فاجْتَمَعَ) .
ومشتقة من الاجتماع، وهو ضد التفَرُّق، وضد الفرْقَة.
والجماعة: العدد الكثير من النَّاس، وهي أَيضا طائفة من الناس يجمعها غرض واحد.
والجماعة: هم القوم الذين اجتمعوا على أَمرٍ ما (٢) .
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود: للألباني.
(٢) انظر معاجم اللغة: لسان العرب، مختار الصحاح، القاموس المحيط: مادة: " جمع ".
[ ٣٤ ]
الجماعة في الاصطلاح: جماعة المسلمين، وهم سَلَفُ هذه الأُمة من الصحابة والتابعين ومن تَبعهُم بإِحسان إِلى يوم الدِّين؛ الذين اجتمعُوا على الكتاب والسَنَة، وساروا على ما كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ظاهرا وباطنا.
وقد أَمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين وحَثَّهم على الجماعة والائتلاف والتعاون ونهاهم عن الفرقة والاختلافِ والتَناحر، فقال:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (١) وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] (٢) وقال النَبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
«وَإِن هَذهِ الملة سَتفْتَرقُ عَلَى ثَلاث وَسَبعين، ثِنْتانِ وَسَبعونَ في النَّار، وَوَاحِدة في الجنة، وَهي: " الجماعَة» (٣) وقال: «عَلَيْكُمْ بالجَماعَة، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيطانَ مَعَ
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية، ١٠٣.
(٢) سورة آل عمران: الآية، ١٠٥.
(٣) صحيح سنن أبي داود: للألباني.
[ ٣٥ ]
الوَاحِدِ، وَهُوَ مِن الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَمَنْ أَرَاد بُحْبُوحَةَ الجنة، فَلْيَلْزَم الجَمَاعَة» (١) وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: (الجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ الَحَقّ، وَإِن كُنْتَ وَحْدَكَ) (٢) .
فَأهلُ السُّنَّةِ والجماعة:
هم المتمسكون بسُنٌة النَّبِيِّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأَصحابه ومَن تبعهم وسلكَ سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل، والذين استقاموا على الاتباع وجانبوا الابتداع، وهم باقون ظاهرون منصورون إِلى يوم القيامة فاتَباعُهم هُدى، وخِلافهم ضَلال.