[ ٣٧٩ ]
الصورة التطبيقية للولاء والبراء
في الماضي والحاضر
الفصل الأول
كيف طبق السلف الولاء والبراء
تحدثت فيما سبق عن أمثلة من الأمم الماضية التي سبقت الأمة المحمدية ومر معنا بعض الأمثلة والنماذج في عهد النبوة. ولكن ذلك الجيل مليء بالصور المشرقة. لذلك رأيت أن أزيد هذا الأمر وضوحًا وتحليلًا بذكر نماذج أخرى لما لها من أهمية كبرى.
وكل قول لا يدعمه التطبيق العملي يعد زعمًا باطلًا لا يمت للحقيقة بصلة ولا للواقع ببرهان.
لذلك فإن التطبيق الواقعي للولاء والبراء هو المقتضى الصحيح والوجه المشرق لمبدأ كلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله ".
وإن من المعلوم بالضرورة أن سلف الأمة رضوان الله عليهم هم خير من طبق هذه العقيدة بكل مقتضياتها وتكاليفها.
والحديث عن السلف ممتع وجميل، بل هو من الحوافز العملية التي سجلها
[ ٣٨١ ]
تاريخ الأمة المسلمة ليكون ذلك معلمًا من معالم الهداية والرشاد لمن جاء بعدهم، ليستن بسنتهم وينهج نهجهم.
وقد كانوا رضوان الله عليهم يقدرون النعمة التي أنعم الله بها عليهم وهي نعمة الإيمان.
ويقدرون أيضًا فضل نور الله وشريعته الغراء التي بعث بها نبيه محمد ﷺ
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴿
[سورة الأنعام: ١٢٢] .
وقدروا ﵏ تربية المصطفى ﷺ وأهمية سنته الشريفة قولًا وفعلًا وأدركوا أنهم (لم يكونوا خدمة جنس، ورسل شعب أو وطن، يسعون لرفاهيته ومصلحته وحده، ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان، ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكمهم أنفسهم. إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعًا إلى عبادة الله وحده كما قال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد "الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ".. " فالأمم عندهم سواء والناس عندهم سواء. الناس كلهم من آدم وآدم من تراب.. لم يبخلوا بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسبًا ولونًا ووطنًا، بل كانوا سحابة خير انتظمت البلاد وعمت العباد، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها) (١) .
_________________
(١) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين (ص ١٢٦ - ١٢٧) بتصرف بسيط.
[ ٣٨٢ ]
موقف كعب بن مالك ﵁
ويصعب علي هنا أن أذكر معظم الوقائع والمواقف التي برز فيها تطبيق الولاء والبراء عند سلف الأمة ﵏. ولكنني أقتصر على القليل من ذلك لإعطاء فكرة صادقة وصورة حية، وأمثلة مشرقة لتلك النماذج الإيمانية التي أراد الله أن يحقق بها مثالية هذا الدين، ليعلم الناس أن هذا الدين مثالي واقعي (١) في آن واحد إذا وجد الأكفاء الجديرون بحمله وتبليغه للناس بصدق، وأمانة، وطهر ونقاء، وإخلاص وتجرد وابتغاء ما عند الله.
ومن هذه الأمثلة: موقف صحابة رسول الله ﷺ من كعب بن مالك ﵁ ومن معه من المخلفين الثلاثة، حيث قاطعوهم وهجروهم لتخلفهم عن غزوة تبوك.
وانظر إلى هذه المقاطعة لثلاثة من صحابة رسول الله ﷺ يصلون خلف رسول الله في مسجد أسس على التقوى: لقد هجروهم ولم يكلموهم حتى في التحية الإسلامية!!
فمن يا ترى من المسلمين اليوم يتبرأ من الذين يحادون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا؟!
أما الموقف العظيم الذي يبرز فيه ولاء المسلم لدينه وإخوانه المؤمنين، حتى وهذا المؤمن مهجور من إخوانه وأحبابه، مقاطع عنهم حتى في رد السلام. مبتلى بإغراء مادي عظيم، ومحسن له المنصب ورفعة المكان في الدنيا: فهو موقف الصحابي الجليل كعب بن مالك ﵁، فإنه - كما جاء في حديثه الطويل - لما أمر الرسول ﷺ صحابته بهجره ومن معه، حتى زوجته ذهبت إلى أهلها فاجأه أمر عجيب وخطير في آن واحد.
يقول كعب ﵁ (.. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن
_________________
(١) للوقوف على فكرة صحيحة فيما يتعلق بمثالية الإسلام وواقعيته حبذا مراجعة كتاب خصائص التصور الإسلامي للأستاذ سيد قطب فصل الواقعية. وكتاب منهج التربية الإسلامية للأستاذ محمد قطب ج ١ الفصل الأخير وكتاب الإنسان بين المادية والإسلام فصل نظرة الإسلام.
[ ٣٨٣ ]
موقف عبد الله بن حذافة السهمي
موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي
موقف أبي عبيدة عامر بن الجراح
مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأنها: وهذا أيضًا من البلاء فتممت بها التنور فسجرته بها " (١) .
لقد صدق كعب ﵁ في قوله: "وهذا أيضًا من البلاء" أجل إنه بلاء عظيم، ولقد كان ولاء كعب ﵁ رغم ما هو فيه من شدة وهجر ومع دواعي الإغراء والإغواء لله ولدينه ورسوله والمؤمنين، وكان براؤه من ملك غسان واضحًا في حرقه لكتاب ذلك الملك.
فانظر إلى هذه العظمة وهذا الصدق في الولاء والحب للإسلام والمسلمين والبعد عن كل ما يصرف عن ذلك من متاع الدنيا ووجاهتها التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
قال ابن حجر وهو يشرح قصة كعب: دل صنيع هذا على قوة إيمانية ومحبته لله ولرسوله وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك، وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره، ولا سيما مع أمنة من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينه لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب.. ورجح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دعي إليه من الراحة والنعيم حبا في الله ورسوله كما قال ﷺ "وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " (٢) .
ومثال آخر: قصة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي وموقفه مع ملك الروم، حيث أغراه حتى بمشاطرة ملكه فرفض، وهدده بالقتل والحرق فأبى أن يتنصر. كل ذلك دلالة واضحة، وبرهان صادق لعمق ذلك الولاء ورسوخ هذه العقيدة في تلك النفوس العظيمة. ولئن كان موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي - الذي تحدثنا عنه سابقًا - عظيمًا في منعه أباه من دخول المدينة إلا بإذن رسول
_________________
(١) القصة بطولها في صحيح البخاري كتاب المغازي باب حديث كعب بن مالك (٨/١١٣ ح ٤٤١٨) وانظر القصة أيضًا في تفسير الطبري (١١/٠) وابن كثير (٤/١٦٦-١٦٨) .
(٢) فتح الباري (٨/١٢١) والحديث سبق تخريجه ص ٤٠ وانظر تعليق ابن القيم على القصة في زاد المعاد (٣/٥٨١) .
[ ٣٨٤ ]
موقف زيد بن الدثنة
موقف أنس بن النضر
الله ﷺ: فإن موقف أبي عبيدة ﵁ أعجب من ذلك وأعظم فلقد قتل أباه في معركة بدر لأنه كان كافرًا محاربًا لله ورسوله، ولم تكن صلة الأبوة لتمنعه دون تنفيذ الولاء والنصرة لله ورسوله ودينه والمؤمنين. والبراءة والجهاد لعدو الله الذي رضي بالبقاء في حزب الشيطان ليكون حربًا على المؤمنين.
ومثال آخر: فقد روت كتب السير أن زيد بن الدثنة (١) ﵁، اشتراه صفوان بن أمية - بعد يوم الرجيع - ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وخرجوا بزيد إلى التنعيم حيث اجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟
قال زيد: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي فقال: أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، ثم قتلوا زيدًا ﵁ (٢) .
فانظر إلى هذا الحب وهذا التفاني وذلك الولاء، وقوة النصرة! إنه ﵁ وهو في مكانه البعيد عن رسول الله -لا يرضى أن تمس رسول الله ﷺ شوكة، فضلًا عن أن يصيبه أكبر من ذلك!!
هذا هو الولاء الصادق الذي بنته هذه العقيدة في النفوس فأخرجت للناس هذه النماذج العظيمة التي تقصر دون عظمتها كل عظمة أرضية.
ومثال آخر: روى الإمام أحمد وغيره أن أنس بن النضر ﵁ غاب عن قتال بدر فقال: غيبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين؟ لئن الله أشهدني قتالًا للمشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال: أنا
_________________
(١) زيد بن الدثنة: بفتح الدال وكسر المثلثة ابن معاوية بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري شهد بدرًا وأحدًا وكان في غزوة بئر معونة فأسره المشركون وقتلته قريش بـ التنعيم. انظر الإصابة (١/٥٦٥) .
(٢) انظر القصة في السيرة لابن هشام (٣/١٨١) .
[ ٣٨٥ ]
معك، قال سعد فلم أستطع أن أصنع ما صنع، قال فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم فكانوا يقولون فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى:
﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ﴿(١) [سورة الأحزاب: ٢٣] .
إن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كانوا شديدي الاعتزاز بدينهم فلم تخدعهم المظاهر الجوفاء، ولا القوى والاعتبارات التي تتعبد الناس في الجاهلية، وأصدق مثال على ذلك قصة ربعي بن عامر ﵁ حين قابل رستم، فقد كان الفرس مدججين بالسلاح وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، ووضعوا البسط والنمارق في مجلس رستم وله سرير من الذهب، فأقبل ربعي يسير على فرس له زباء (٢) قصيرة، معه سيف غمده لفافة ثوب خلق، ورمح وجحفة (٣) وقوس فلما انتهى إلى أدنى البسط قيل له انزل فحملها على البساط فلما استوت عليه نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه ثم قالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت، فأخبروا رستم فأذن له وقال: هل هو إلا رجل واحد! فأقبل ربعي يتوكأ على رمحه وزجه نصل يقارب الخطو، ويزج النمارق والبسط، فما ترك لهم نمرقة ولا بساطًا إلا أفسده وتركه منهتكًا مخرقًا، فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض وركز رمحه بالبسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه! فكلمه فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى
_________________
(١) مسند أحمد (٣/٣٠١) وتفسير ابن كثير (٦/٣٩٤) .
(٢) الزباء: أي طويلة الشعر كثيرته.
(٣) الجحفة: الترس
[ ٣٨٦ ]
قاتلناه أبدًا، حتى نفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم. كم أحب إليكم، أيومًا أو يومين؟ قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا، وأراد مقاربته ومدافعته فقال: إن مما سن لنا رسول الله ﷺ وعمل به أئمتنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثًا فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك. وإن كنت عن نصرنا غنيًا تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجًا منعناك أو المنابذة في اليوم الرابع، ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، وأنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى، قال: أسيدهم أنت؟ قال: لا ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم (١) .
ومما يوضح أيضًا صورة الولاء في نفوس أولئك الأخيار قوله ﷺ في غزوة تبوك "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة؟
قالوا: " وهم بالمدينة حبسهم العذر " متفق عليه (٢) .
فانظر إلى هذا الولاء والتناصر حتى ممن حبسهم العذر، لأن هذا أمر لا عذر لهم في تركه، فهم مع إخوانهم بالدعاء والمتابعة.
أما اليوم فيرى المغرورون والمبهورون والمنهزمون أن الكفار - كما قال أحدهم - خصوم شرفاء، بل يرونهم أصدقاء أوفياء.
ولكن الذي يجب على المسلمين اليوم أن يفهموه: هو أن الاقتداء بسيرة رسول الله ﷺ وسلفنا الصالح في كل شيء، وفي قضية الولاء والبراء من باب
_________________
(١) تاريخ الطبري (٣/٥١٩ - ٥٢٠) .
(٢) صحيح البخاري (٨/١٢٦ ح ٤٤٢٣) كتاب المغازي وصحيح مسلم (٣/١٥١٨ ح ١٩١١) كتاب الإمارة.
[ ٣٨٧ ]
أخص هو الأمر المطلوب منهم وليس عليهم بعد ذلك أن تقوم أصوات أرباب التبعية والولاء للغرب الكافر والشرق الملحد لتنادي بما قاله وردد من قبلهم أن هذا الفعل رجعية وتقهقر. بل إن عزم المسلمين المخلصين على تحقيق مقتضيات هذه العقيدة والإصرار على تحكيم الشريعة الربانية هو سبيل النجاح وطريق الفلاح، في الدنيا والآخرة وجدير بهم أن يرتفعوا إلى المستوى المطلوب منهم
﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٩] .
[ ٣٨٨ ]
الفصل الثاني
صورة الولاء والبراء في عصرنا الحاضر
إنه بعد أن سبق بيان قضية الولاء والبراء في التصور الإسلامي، ووقفنا على مدى أهمية هذا الموضوع، وبعد سياق تلك الأمثلة المشرقة من تاريخ الصدر الأول من هذه الأمة: لا بد أن نقف عند وضع المسلمين في العصر الحاضر، لنرى أين يقف المسلمون اليوم من هذه القضية وما مدى التزامهم بها أو تخليهم عنها؟ وما الذي حل بهم؟ وهل هناك مبشرات لتغيير هذا الواقع المؤلم؟
وإنه لمن البدهي هنا أن نقول: أن العالم الإسلامي في العصور المتأخرة قد بلغ دركات الانحطاط والتخلف في كل شيء.
انحطاط في عقيدته حيث ترك ما عليه السلف الصالح وذهب إلى خزعبلات وحواشي علم الكلام الدخيل والخوض في نقاشات بيزنطية لا تمت للواقع ولا تصلحه بأي حال بل تزيده فسادًا وانهيارًا.
وانحطاط في التزامه بمقتضيات هذه العقيدة من الجهاد والتميز والعزة حيث استبدل بذلك كله التصوف والخرافات والتواكل، مما أطمع العدو فيهم على هذه
[ ٣٨٩ ]
الحال وتخلف في جميع المجالات العلمية وترك مكان القيادة إلى ذلة التبعية فبعد أن كان المسلمون هم الرواد في كل علم نافع جاء الخلف ليترك ذلك الميراث العظيم الذي أخذه أعداء هذا الدين واستفادوا به ودفعهم إلى ما وصلوا إليه الآن.
وأخيرًا فقد أعطى هؤلاء الخلف للناس: صورة هزيلة رديئة عن الإسلام، جعلت أعداء هذا الدين يتكالبون عليه من كل حدب وصوب طامعين في إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. ولقد غزت العالم الإسلامي جيوش كثيرة وعديدة، وهي على كثرتها وضراوتها العسكرية لم تكتف بهذا بل نوعت أساليب الهجوم، فاستخدمت بعد الهجوم العسكري – الغزو الفكري الخبيث الذي فعل في (المسلمين) ما لم تفعله الجيوش الجرارة!.
وأول ما حرص عليه الأعداء هو بث سموم التشكيك وقلب المفاهيم حيث أخذ ينشر أمثال هذه الأفكار: "ما للدين ونظام المجتمع؟ وما للدين والاقتصاد؟ ما للدين وعلاقات الفرد بالمجتمع وبالدولة؟ وما للدين والسلوك العملي في واقع الحياة، ما للدين والملبس وخاصة ملابس المرأة؟ ما للدين والفن؟ ما للدين والصحافة والإذاعة والسينما والتليفزيون؟ وباختصار: ما للدين والحياة؟ ما للدين والواقع الذي يعيشه البشر على الأرض؟ " (١) .
وكان هدف الاستعمار – كما يقول الشيخ محمد الغزالي – (تكوين جيل يستحي من الانتساب للإسلام، ويكره أن يرى وهو يقوم بشيء من شعائره، خصوصًا بين المثقفين الكبار! والطبقات التي تهيأ للحكم والنفوذ.
الواحد من هؤلاء يحب أن يراه الناس خارجًا من حانة، ولا يحب أن يروه خارجًا من مسجد ومن السهل عليه أن يوصف بأنه زنى بعشر نسوة، لكن وجهه يسود لو قيل: متزوج من اثنتين أما أن يفكر في تلاوة آيات من القرآن أو يرجع إلى شيء من سنة رسول الله فذلك ما لا يخطر له ببال (٢) .
وأفلح الاستعمار أيضًا في تكوين جيل يرفض العمل تحت لواء الإسلام،
_________________
(١) هل نحن مسلمون؟ (ص١١٠) .
(٢) كفاح دين (ص١٤٧ الطبعة الثالثة)
[ ٣٩٠ ]
وهذا الجيل هو " الطابور الخامس" الذي ألحق بنا الهزائم في كل ميدان (١) .
وحتى لا يكون الحديث مجرد عاطفة أو هجوم – كما يقال ذلك – أرى أن أثبت هنا نصوصًا صريحة واضحة نطق بها أعداؤنا الكفار ونفذوها تدل على مدى عمق عداوتهم للإسلام والمسلمين وإنهم لا يريدون إلا الشر والكيد بهذا الدين وطمس معالمه، وفي هذه النصوص أيضًا عظة وعبرة للمتغافلين والمنهزمين والمبهورين بهم من أبناء جلدتنا ومن الذين ينطقون بلغتنا ويتسمون بأسمائنا. ثم يحكم المنصف بعد قراءتها هل تحقق شيء منها أم لا؟
يقول القس زويمر في مؤتمر القدس سنة ١٩٣٥م وهو يخاطب المبشرين بالنصرانية في العالم الإسلامي ما نصه (.. إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية – ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية – فإن في هذا هداية لهم وتكريمًا (!!) وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، ولذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية. وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعًا من أجله كل التهنئة) (٢) وسترد بقية هذه الكلمة. ومع وضوح هذا النص الصليبي الحاقد وجد من (المستسلمين) – وهو محسوب من العلماء – من يقول أن قضية زمالة الأديان والتسامح بينها والتقارب والالتقاء بينها أمر محبب كما قد سبق ذكر ذلك في الباب الثاني. مما يدل على مدى الغفلة وعمق الجهل بحقيقة الإسلام وبحقيقة عداوة أعدائه له.
ويقول لويس التاسع: إن الغزو العسكري لا يكفي لهزيمة المسلمين ولكن لا بد من غزو عقيدتهم.
ثم نجد عدوًا آخر يقول – وهو يتابع عودة المسلمين إلى إسلامهم – (ألا إن
_________________
(١) انظر حصاد الغرور (ص٣٩) .
(٢) جذور البلاء للأستاذ عبد الله التل (ص٢٧٥) الطبعة الثانية.
[ ٣٩١ ]
الكواكبي وما قام به
ثمة قوة جديدة بدأت تظهر ألا وهي الدعوة إلى إسلام "متزمت" والسعي عن طريق الإسلام إلى نظام حياة لا يكون نسخة عن نظام آخر ولا تقليدًا له. بل يكون خاصًا بهويته وتقاليده ومصالحه المعنوية والمادية) (١) .
ويقول وليم جيفورد بالكراف: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه (٢) .
وبالرغم من مئات النصوص التي تشبه ما ذكرنا، والتي مؤداها جميعًا: طمس الإسلام وإخراج المسلمين من إسلامهم فقد وجد للأسف في بلاد المسلمين من كان عونًا لهؤلاء الأعداء على خططهم، أو من ميع قضايا الإسلام في سبيل ملاينة أعداء الله.
يقول الأستاذ عبد القادر عودة ﵀: إن بعض الأقطار التي تسمي نفسها إسلامية، تبيح للمبشرين من الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين والأمريكيين أن ينشئوا مدارس للتبشير بالدين المسيحي في بلادهم حتى تفتن أطفال المسلمين عن دينهم، بل إن بعض الأقطار منع تعليم الدين الإسلامي في المدارس الحكومية وأهمل دراسة التاريخ الإسلامي في الوقت الذي يركز فيه الاهتمام بتدريس تاريخ أوروبا وتمجيد حضارتها وأنها هي قبلة الرقي والمدنية (٣) .
وإذا كان هذا على مستوى الحكومات، فإن الأفراد أشد إيغالًا في ذلك وهم صنفان:
(١) صنف من العلماء الذين لهم مكانة في التاريخ الحديث، وكتب عنهم مجلدات فيها من المدح وألقاب الإصلاح ما الله به عليم، ولكن التاريخ كشف عن هوياتهم ومواقفهم. ومنهم عبد الرحمن الكواكبي، هذا الرجل الذي يعتبر من أسبق الناس ظهورًا في الدعوة إلى التفريق بين السلطة الدينية والسلطة
_________________
(١) الجنرال بيار غالوا. عن مجلة المجتمع الكويتية العدد ٤٥٠ (ص٤) سنة ١٣٩٩ هـ.
(٢) الغارة على العالم الإسلامي (ص٩٤) الطبعة الثانية.
(٣) انظر الإسلام وأوضاعنا القانونية (ص٧٥) الطبعة الثانية.
[ ٣٩٢ ]
محمد عبده
عباس محمود العقاد
السياسة. وقد أصدر كتاب (أم القرى) سنة ١٨٨٩ م. وورد في هذا الكتاب آراء لم تخل من إشارات مريبة إلى موالاة الدول الأوربية المستعمرة حيث قال فيما قال: " وكفتح أبواب حسن الطاعة للحكومات العادلة والاستفادة من إرشاداتها وإن كانت غير مسلمة، وسد أبواب الانقياد المطلق ولو لمثل عمر بن الخطاب " (١) .
أما الشيخ محمد عبده فكما يقول عنه الأستاذ غازي التوبة: قد تجاوز تعاونه مع الإنجليز المحتلين لمصر إلى التعاون مع الجواسيس المستشرقين في انكلترا نفسها، حيث تتضح ثقتهم المطلقة به، وتعاونه البعيد معهم في الرسالتين المبعوثتين إلى "المستر بلنت" جوابًا على سؤال الأخير عن رأي المفتي في الحالة السياسية الجديدة في مصر، وعن رأيه في الدستور المناسب لمصر. وقد أورد محمد رشيد رضا نص الرسالتين في الجزء الأول من تاريخه ص ٨٩٩ - ٩٠٢ وورد في الرسالة الثانية الفقرة الثالثة قوله (إذا فرض إن كان بعض الوزراء من الانكليز وكان لهم مرؤوسون من المصريين فإنه ينبغي أن يعطى هؤلاء المرؤوسون المصريون أو الوزراء الثانويون سلطة تسمح لهم بأن يفصلوا في جميع المسائل المختصة بالدين وما أشبه ذلك تحت مراقبة الوزراء الأصليين بحيث لا يكون الموظفون المصريون مجرد ألعوبة في أيديهم كما هو الحال الآن) (٢) . وهذا هو رأي الشيخ الذي نعت بمصلح العصر.
أما عباس محمود العقاد فيقول في كتابه: " التفكير فريضة إسلامية" ما الذي يمنع المسلم أن يعمل للديموقراطية أو يعمل للاشتراكية. أو يعمل للوحدة العالمية؟
وما الذي يمنع المسلم من أحكام دينه أن يقبل مذهب التطور أو يقبل الوجودية في صورتها المثلى؟
إلى أن قال: إن عقيدة المسلم لا تمنعه من أن يكون اشتراكيًا (٣) . وأنا أعلم مثل ما علم غيري أن هذا الكلام قد يقابل بالاستنكار والاستغراب لأنه خلاف
_________________
(١) انظر كتاب أزمة العصر للدكتور محمد محمد حسين (١٨ - ٢٠) حول هذا الموضوع.
(٢) الفكر الإسلامي المعاصر. دراسة وتقويم (٣٥ - ٣٧) .
(٣) موسوعة العقاد (٥/٩٥٨) وانظر الفكر الإسلامي لغازي التوبة (ص ١٧١) .
[ ٣٩٣ ]
كلمة قيمة للأستاذ الدكتور محمد محمد حسين
المعهود ولكن أقول ما قاله الأستاذ الدكتور محمد محمد حسين ﵀ في كتابه القيم "الإسلام والحضارة الغربية" حيث قال: (نحن حين ندعو إلى إعادة النظر في تقويم الرجال لا نريد أن ننقص من قدر أحد، ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ، وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد، حتى أن المخدوع بهم والمتعصب لهم والمروج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إمامًا من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه، في الوقت الذي لا يهيجون فيه ولا يموجون حين يوصف أصحاب رسول الله ﷺ بما لا يقبلون أن يوصف به زعماؤهم المعصومون فيقبلون أن يوصم سيف الإسلام خالد بن الوليد بأنه قتل مالك بن نويرة في حرب الردة طمعًا في زوجته، ويرددون ما شاع حول ذلك من أكاذيب. ويقبلون أن يلطخ تاريخ ذي النورين عثمان بن عفان بما ألصقه به، ابن سبأ اليهودي من تهم.. يقبلون ذلك كله ثم يرفضون أن يمس أحد أصنامهم بما هو أيسر منه، ويحتمون بحرية الرأي في كل ما يخالفون به إجماع المسلمين، ويأبون على مخالفيهم في الرأي هذه الحرية. يخطئون كبار المجتهدين من أئمة المسلمين ويجرحونهم بالظنون والأوهام ويثورون لتخطئة ساداتهم أو تجريحهم بالحقائق الدامغة) (١) .
إننا لا بد أن نقول للمخطىء أنت مخطىء وللمصيب نقول: أحسنت وبارك الله فيك. لذا فإن انزلاق هؤلاء العلماء. أو غيرهم في قضية موالاة الكفار أو التساهل معهم في بعض الأمور بغير دليل شرعي أمر يرفضه الإسلام ويأباه لأن موضع القدوة لنا هو رسول الله ﷺ وصحابته الأجلاء وسلفنا الصالح وكفى. وليس من حق فرد - كائنًا من كان - أن يجعل من آرائه وعلمه سلما يرتقي عليه الموالون للكفار، ثم يزعم بعد هذا أنه داعية إسلامي، أو مصلح عظيم!!
(٢) أما الصنف الثاني: فهم الذين صنعهم الاستعمار على عينه، ورباهم تربية أوربية خالصة في التفكير والسلوك من أجل أن يكونوا أداة للتقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوربي.
_________________
(١) الإسلام والحضارة الغربية (ص٥٠) .
[ ٣٩٤ ]
طه حسين
خطط أعداء الإسلام وأساليبهم
ومن هذا الصنف طه حسين الذي يقول في كتابه مستقبل الثقافة في مصر: (لكن السبيل إلى ذلك - أي الرقي - ليست في الكلام يرسل إرسالا، ولا في المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هي واضحة بينة ومستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي واحدة فذة ليس لها تعدد، وهي: أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب (١) .
وما دام أننا عرفنا هدف أعدائنا بصورة عامة، ووقفنا على حقيقة بعض مواقف المخدوعين بهم: فإنه لحري بنا أن نعرف بعض تفاصيل خططهم ووسائلهم التي منها:
١- التربية والتعليم:
العلم كما يقال - سلاح ذو حدين، ومن هذا المنطلق أدرك أعداء الله من جميع الكفار أن صخرة العقيدة الإسلامية لا يمكن النيل منها عن طريق القوة والسلاح فهي قد أدمتهم كثيرًا، ولا يستطيعون الصمود أمام هتاف المجاهدين الصادقين في سبيل الله، ولذلك لجأوا إلى وسيلة أخرى هي أخبث في التأثير وأشد في الدهاء. وهذه الوسيلة هي غزو مناهج التربية والتعليم في العالم الإسلامي بأفكار ونظريات وشبهات وشكوك يضفي عليها - كذبًا وبهتانًا - ثوب التجرد العلمي، والبحث العلمي!! وسلك أعداء الإسلام في هذا سبيلين: الأول: السيطرة على التعليم في الداخل والثاني عن طريق الابتعاث إلى الدول الكافرة.
فأما الأمر الأول فيقول عنه القس زويمر الذي أوردنا صدر كلمته سابقًا يقول أيضًا (.. لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع
_________________
(١) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (٢/٢٢٩) طبعة بيروت والفكر الإسلامي للتوبة (ص١٠٤) .
[ ٣٩٥ ]
عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية المستقلة أو التي تخضع للنفوذ المسيحي أو التي يحكمها المسيحيون حكمًا مباشرًا، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير المسيحي والكنائس والجمعيات وفي المدارس الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوربية والأمريكية وفي مراكز كثيرة ولدى شخصيات لا تجوز الإشارة إليها الأمر الذي يرجع الفضل فيه إليكم أولًا وإلى ضروب كثيرة من التعاون بارعة باهرة النتائج، وهي من أخطر ما عرف البشر في حياته الإنسانية كلها. إنكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد (إخراج المسلم من الإسلام) إنكم أعددتم نشئًا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي: جاء النشئ الإسلامي طبقًا لما أراده له الاستعمار، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء (١) .
أجل صدق هذا القس وهو كافر أن هناك جيلًا تربى على ثقافة الغرب فخرج لا يعرف الصلة بالله أبدًا.
وانطلاقًا من مبدأ هذا الصليبي الحاقد قام "اللورد كرومر" - المعتمد البريطاني في مصر أيام الاحتلال - بإنشاء كلية فكتوريا حيث قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي ليكونوا من بعدهم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين (٢) .
وجاء "دنلوب" المتخرج من كلية اللاهوت البريطانية ليرسم سياسة التعليم في مصر، حيث وضع مناهج كفيلة بإخراج النماذج التي عناها القس زويمر (لا تعرف الصلة بالله) .
ومصداق ذلك أن درس الدين لا يدرس منه إلا نتف يسيرة مثل: إن
_________________
(١) جذور البلاء (ص ٢٧٦) .
(٢) الإسلام والحضارة الغربية للدكتور محمد محمد حسين (ص ٤٦)
[ ٣٩٦ ]
الابتعاث
الإسلام جاء ليبطل عبادة الأوثان ويعبد الله الواحد، ويحرم وأد البنات. وإسناد هذه المادة يختار من أسن الأساتذة وبمظهر رث، ثم تلغى مادة الدين في نهاية العام الدراسي (١) .
أما مادة التاريخ فكان يخفى على الطالب فيها: أن الإسلام جاء ليحارب الشرك بكل مظاهره ويعطي نبذًا عن دراسة صدر الإسلام، وأن مهمة الإسلام تغيير ما كان عليه العرب في جاهليتهم ويركز فيه أيضًا على الجانب السياسي والصراع بين الطبقات الحاكمة. أما حياة المجتمع الإسلامي فلا شيء يذكر من ذلك.
وكذلك البطولات الإسلامية والحركة العلمية الإسلامية. كل ذلك يخفى عن الطلاب في الوقت الذي يدرس فيه بتوسع تاريخ أوروبا ونهضتها ورجالها وأبطالها وإنها بلد التقدم والرقي ومهبط المدنية لأن فيها فحمًا وحديدًا (٢) !!
وخلاصة القول أنه كان يلقن الطلاب إن " أوروبا هي العملاق الضخم الذي لا يقهر. والإسلام هو القزم الضئيل الذي عليه أن يتعبد هذا العملاق ليعيش (٣) !
وأما السبيل الثاني: وهو الابتعاث إلى الخارج أي إلى الدول الكافرة فقد حقق هذا نتائج ترضي من خطط لها. ذلك أن هذا الابتعاث - في الغالبية العظمى منه - يكسر صفة التميز بين المسلم والكافر، ويجعل ولاء المسلم متذبذبا وهو يرى ما بهر به، ثم إنه يزيد الطالب جهالة بدينه وقيمته ومثله، ويزيده تعلقًا بالغرب أو الشرق ويبدأ بتطبيعه بطابع غير إسلامي، ثم يصير هذا التطبع - مع الزمن - طبعًا، ثم انسلاخًا من حيث يشعر الطالب أو لا يشعر فتجده في لبسه ومأكله ومشربه وكلامه وطريقة تعامله، غربيًا، أو شرقيًا بل ربما أكثر من ذلك (٤)
_________________
(١) انظر هل نحن مسلمون (١٣٦ - ١٣٨) ومذكرة المذاهب الفكرية المعاصرة للأستاذ محمد قطب لطلاب السنة المنهجية بالدراسات العليا في كلية الشريعة.
(٢) انظر المصدرين السابقين.
(٣) هل نحن مسلمون (ص١٤١) .
(٤) انظر أساليب الغزو الفكري للدكتور علي جريشة وزميله (٦٤-٦٥) .
[ ٣٩٧ ]
رفاعة الطهطاوي
وكان من أوائل المبتعثين وأولهم سبقًا في خدمة ما أريد له: رفاعة الطهطاوي حيث مكث في فرنسا خمس سنوات من ١٨٢٦ - ١٨٣١م ولما رجع بدأ ينشر كلامًا يسمع للمرة الأولى في البيئة الإسلامية مثل: الوطن والوطنية والاهتمام بالتاريخ القديم ليدعم به المفهوم الوطني الجديد، ثم يتحدث عن الحرية وأنها سبيل التقدم وكذلك طالب بتقنين الشريعة على نمط المدونات القانونية الأوروبية، ثم يتحدث بكلام كثير وطويل عن المرأة. كتعليمها ومنع تعدد الزوجات وتحديد الطلاق واختلاط الجنسين (١) .
وخلاصة ما يريده أعداء الإسلام في قضية التربية والتعليم هو ما قاله المستشرق "جب" في كتابه " وجهة الإسلام" حيث قال:
".. والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب (أو الفرنجة) هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي. والأساس الأول في كل ذلك: هو أن يجرى التعليم على الأسلوب الغربي وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي هذا هو السبيل الوحيد، ولا سبيل غيره، وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين، وقليل من الزعماء الدينيين " (٢) .
إن العالم "الإسلامي" كله اليوم يسير في تعليمه وتربيته العلمية على النهج الغربي والشرقي بدليل أن كل الجامعات - مثلًا - تدرس نظرية فرويد في البحوث النفسية ونظرية دوركايم في علم الاجتماع ونظرية ماركس الاشتراكية والشيوعية، ونظرية فريزر في علم مقارنة الأديان.
وينادي بإحياء الجاهليات التي سماها الله في كتابه وسنة رسوله جاهلية: تدرس على أنها حضارة راقية ضاربة في أعماق التاريخ أكثر من سبعة آلاف سنة!!
_________________
(١) يراجع في هذا بتوسع كتاب الإسلام والحضارة الغربية د. محمد محمد حسين (ص١٧ - ٣٠) .
(٢) عن الاتجاهات الوطنية (٢/٢١٧) الطبعة الثالثة
[ ٣٩٨ ]
وكذلك التغني بأمجاد أوروبا ومعرفة "أبطال" حضارتها، وفصل الدين عن الدولة، وأن الدين علاقة بين العبد وربه ولا دخل له في شؤون الحياة كل ذلك كان ثمارًا طبعية للغزو الثقافي (١) .
وأخيرًا: فإن هذه المناهج التعليمية قد جردت المسلم من ولائه لله ورسوله ودينه وإخوانه المؤمنين ومحت عداوته لأعداء الله، فنشأ جيل لا يعرف الصلة بالله، ولا يقيم ولاءه وانتماءه على أساس عقيدته بل على ما تعلمه وانتسب إليه من المذاهب والانتماءات الجاهلية.
صورة من صور
الولاء الفكري المعاصر
وتستوقفني هنا صورة واحدة أجد أن ذكرها هنا ذو أهمية بالغة ذلك أن هذه الصورة يظهر فيها بوضوح حب التبعية للغرب، مع الاعتزاز والفخار بالتعليم العلماني والمطالبة - وبإلحاح شديد - بعودته - إن كان قد فقد - وإلا ففتح الأبواب له على مصارعها إذا كان مضيقًا عليه.
كتب رئيس تحرير جريدة يومية مقالًا طويلًا بعنوان "الإنسان العربي ومعضلة التعليم" وجاء هذا المقال في صفحتين كاملتين من الجريدة هما الصفحة الثانية والثالثة.
وإليك مقتطفات من هذا المقال لترى فيه الصورة الصادقة للولاء والتبعية لأعداء الله.
قال الكاتب: (إن التعليم في البلاد العربية ارتبط بأسلوبين مختلفين:
الأول: المنهج الذي وضعه دنلوب باشا البريطاني ناظر المعارف في مصر، والذي انعكست آثاره على بقية الرقعة العربية من خلال الاتفاقيات الثقافية الثنائية أو
_________________
(١) حبذا الاطلاع بتوسع على رسالة "العلمانية وأثرها في العالم الإسلامي" للأستاذ سفر بن عبد الرحمن الحوالي
[ ٣٩٩ ]
الجماعية ويقوم هذا المنهج التعليمي على إبطال القدرة على التفكير (وتفريخ) العديد من الكتبة الذين يؤدون وظائف روتينية لا تحتاج إلى أكثر من معرفة متقنة قواعد القراءة والكتابة.. وبنظرة مجردة نجد أن غالبية المتعلمين في بلادنا ينتمون إلى هذه المدرسة ") .
وصدق الكاتب في أكثر ما قاله هنا وإن كان اعتراضنا على منهج دنلوب لا يقتصر على هذه النقطة إنما ينصب ابتداء على نقطة أخطر منها بكثير هي تخريج أجيال من المسلمين لا تعرف حقيقة الإسلام بل تتجه إلى الانسلاخ من الإسلام والارتماء في تبعية ذليلة للغرب. ثم تابع معي ما يقول:
"والأسلوب الثاني في التعليم داخل الوطن العربي. بريطاني أيضًا، ويهدف هذا الأسلوب - على خلاف الأول - إلى خلق مجموعات بشرية تمتلك القدرة على التفكير السليم بالأنماط الغربية (!!) .
"وتجسد هذا الأسلوب في مدرستي كلية فكتوريا في الإسكندرية والقاهرة.. وعلى خلاف ما قيل عن هذه المدارس التي اتهمت بالتربية الاستعمارية أو الأدوار التبشيرية فإن الأدلة الدامغة تثبت أن معظم مفكري أبناء الأمة العربية الذين تلقوا تعليمهم الأولي والثانوي داخل منطقة الشرق الأوسط ينتمون إلى إحدى هاتين المدرستين ذلك لأن النظام التعليمي بهما يعتمد على أسلوب البحث العلمي (!) الذي ينمي في الطفل والشاب طوال مدارج التعليم: القدرة على التفكير السليم وإيجاد العلاقات بين الظواهر المختلفة.
"وتتضح جدية هذا الدور التعليمي من واقع المناهج الدراسية المقررة التي كانت هي ذات المناهج المقررة على الطلبة البريطانيين بأسلوب اكسفورد وكامبردج في مراحل التعليم العام، المبدئي والإعدادي والثانوي.. فالباعث الحقيقي لوضع هذا الأسلوب التربوي والتعليمي من خلال فكتوريا الإسكندرية والقاهرة كان يهدف "إلى" إيجاد مجموعات من أبناء البلاد العربية، بمستوى ثقافي قادر على التفاهم والتعامل مع الغرب في مواطن المعرفة العلمية، التي تربط بينهم بأسلوب المخاطبة المتعارف عليها (!) .
[ ٤٠٠ ]
"واستطاع بالفعل أبناء الأمة العربية المتخرجون من هاتين المدرستين حتى بعد تلقيهم التعليم الجامعي سواء في بريطانيا أو أمريكا أو حتى داخل الوطن العربي أن يقوموا بأدوار واضحة في خدمة مصالح بلادهم من المواقع المختلفة نتيجة توافر القدرة لديهم في مخاطبة الغرب بالأسلوب العلمي المقبول والمفهوم نتيجة انسجام منطق التفكير عندهم مع المعطيات الحضارية المعاصرة (!) .
ثم تحدث الكاتب – وهو يؤدي دوره – عن الصراع بين مدرسة فكتوريا ومدرسة دنلوب وعن الرابطة التي جمعت بين خريجي كلية فكتوريا ثم قال إن هذه الرابطة ألقيت ولكن مع هذا الإلغاء (ظل الترابط والود) قائمًا بين هؤلاء الخريجين، حتى قامت رابطتهم الجديدة المنظمة بشكل دقيق في العاصمة البريطانية لندن. ولقد أقيم هذا الاحتفال الجديد في يوم الجمعة ٤ مايو سنة ١٩٧٩م.
وبعد هذا تساءل الكاتب: لماذا ألغيت هذه الكلية مع أن مدرسة دنلوب لا تزال قائمة؟ ثم تحدث عن البديل للمناهج الهزيلة التي تدرس الآن فقال:
(وبغض النظر عن تعاطفي الشخصي مع كلية فيكتوريا كمدرسة أجنبية وجدت على التراب العربي، تشرفت بالانتماء إليها: فإنني أجد أن الإسراع في فتحها الآن بالأنماط التعليمية التي كانت تمارسها من المنابع الفكرية السائدة في اكسفورد وكامبردج كفيلة بأن تمثل أولى الخطوات السليمة على الخط العلمي الذي نهدف إليه ومن الممكن التوسع في فتح المدارس الأجنبية المختلفة البعيدة عن السمات التبشيرية وهي كثيرة وكفيلة بإخراج أنماط متعددة من التفكير العلمي السليم الذي يلتقي مع غيره من أنماط علمية سليمة أخرى، ليؤدي التفاعل بينهم إلى خلق القدرة العربية في الوصول إلى أسلوب المخاطبة مع الغرب، والتعبير عن مصالحنا وأهدافنا القومية) (١)
إنني أعتقد أن هذه الفقرات التي أوردتها كافية في الدلالة على صدق صورة هذه الموالاة للغرب، وهي صادقة أيضًا في براء هذا الفكر الإسلامي السليم.
_________________
(١) جريدة عكاظ / العدد الاسبوعي رقم ٤٧٢٨ بتاريخ ١٦/٦/١٣٩٩ هـ.
[ ٤٠١ ]
فالكاتب لا يرى في الإسلام بديلًا صالحًا للمناهج الهزيلة التي تدرس الآن في العالم الإسلامي، لأنه غير مقتنع بصلاحية الإسلام، الذي يربي المؤمنين على العقيدة الإسلامية الصحيحة وعلى الولاء الخالص الصادق لهذه العقيدة. مع البراء من كل دخيل عليها، والشعور بالاعتزاز بهذه المكرمة الربانية التي لا يستحق هذا الكاتب وأمثاله أن يتحلوا بها. لأنها لا تكون إلا لمؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليست لمجموعة من (فراخ) التعليم الغربي الكافر.
فهل وعى ذو الحجى منا خطورة هؤلاء التلاميذ الذين ينشرون هذا الكلام في صحفنا ويضعون مناهج التعليم في بلادنا؟
اللهم بلغت اللهم فاشهد.
٢- وسائل الإعلام:
لوسائل الإعلام - الكتاب، القصة، الإذاعة، التليفزيون، المجلة الجريدة، السينما وأخيرًا الفيديو- أثر كبير وخطير على جميع طبقات المجتمع وقد أدرك أعداء الإسلام خطورة هذه الوسائل وما لها من تأثير عميق فأحكموا قبضتهم عليها، وبثوا من خلالها ما رسموه لإفساد المسلمين وإخراجهم من إسلامهم.
وجميع هذه الوسائل تحرص - وبكل ما أوتيت - على فسخ وخلع ولاء المسلم لدينه وإخوانه المؤمنين وتركز بكل قوة على تذويب تميز المسلم عن غيره، وعلى زعزعة برائه وعداوته للكفار، حيث تحسن للناس: أن البلاد الصناعية هي بلاد الحرية وبلاد التقدم وبلاد العلم والرقي والمدنية وأن الذي يشعر أو يدين بالعداوة الدينية لهذه الشعوب هو إنسان لم يعرف روح العصر وروح العلم الذي مزق الحواجز بين الأجناس ووصل القارات وجعل الناس إخوة في الشرق والغرب!! وهي البلاد التي يستطيع الإنسان فيها أن يمارس ما يشاء وكيف شاء!!
ولقد قامت وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية - ولا تزال تقوم - بحرب شعواء على الدين الإسلامي وعلى المسلمين ففضلًا عن أنها تحسن وتدعو إلى موالاة الكفار: هي أيضًا حريصة على نشر الفاحشة في الذين آمنوا.
[ ٤٠٢ ]
والمتتبع للصحف الصادرة في أوائل هذا القرن الميلادي يجد فيها صورة صادقة لما نقول فصحيفة المقطم - مثلًا - تجدها موالية للإنجليز، تعمل لحسابهم، وتصور أفعالهم بأنها أفعال إنسانية، حيث أنهم - أي الإنجليز - لم يقيموا في مصر إلا لرفع الظلم وإحياء العدل، وإليهم وحدهم يرجع الفضل في إنقاذ مصر من كل ما أصابها!! وكذلك كانت مجلة المقتطف تدور كتابتها وآراؤها حول هذا الموضوع (١) .
وقد عملت هذه الصحف والمجلات المأجورة على إماتة الجهاد بمفهومه الإسلامي الصحيح، وتردد ما يقوله أسيادها من أن المسلمين أناس همج يحبون الحروب وسفك الدماء، ولا تتسع صدورهم للتسامح "لأنهم أناس متعصبون"؟!
فإذا أرادوا الخروج من هذه الوصمة فعليهم بالتسامح والتحبب للآخرين وتغيير النظرة إليهم، ويجب عليهم أن يبرأوا من ذلك "التراث" الذي يعمق تلك الروح المتعصبة في نفوسهم (٢) !
وكذلك كانت مجلة الهلال والمقتطف تعملان على (تطوير الفكر الإسلامي وإشرابه الروح العلمانية التحررية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر) (٣) .
ومن المهام التي عنيت بها وسائل الإعلام: إشاعة الفاحشة، والإغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الأرض لخلخلة العقيدة وتحطيم الأخلاق وإذا انهدم الركنان الأساسيان - وهما العقيدة والأخلاق - فكيف يرجى بعد ذلك قيام بناء سليم (٤)؟
وإذا كان هذا هو تأثير وسائل الإعلام بوجه عام، فكيف إذا علمنا أن معظم
_________________
(١) انظر بتوسع: الاتجاهات الوطنية (١/٩٠ - ١١٣) .
(٢) انظر المصدر السابق (١/١١٢) .
(٣) الإسلام والحضارة الغربية (ص ٦٠) .
(٤) انظر أساليب الغزو الفكري (ص ٧١) الطبعة الثانية
[ ٤٠٣ ]
القائمين على هذه الصحف والمجلات، أناس كفار، قد ملت صدورهم حقدًا وكراهية لهذا الدين وامتلأت نفوسهم غيظًا من شدة ما يرو من تأثير هذا الدين، وما تصنعه هذه العقيدة.
وهؤلاء كثير. منهم على سبيل المثال لا الحصر: جورجي زيدان مزيف التاريخ وهو صاحب دار الهلال وسليم تقلا مؤسس جريدة الأهرام، ويعقوب وفؤاد صروف صاحبا المقتطف.
وهذه الوسائل قد قامت بمحاربة الله في الأرض، تريد أن تحلل ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله، فنصبت نفسها طاغوتًا يعبد من دون الله.
ومصداق ذلك: أن الصحافة المأجورة أيام تأسيسها في مصر ظلت تكتب عن مشكلة البغاء ثلاثين سنة، وكذلك عن مشكلة المرأة واختلاطها بالرجال، وتحطيم هيبة الدين ووصمه بالرجعية والجمود والتقاليد البالية، وأنه لم يعد صالحًا لمواكبة العصر، كما قال الصحافي المأجور (هيكل) حين قال: (إن التقدم التكنولوجي قد أحال أقدس الكتب الدينية - أي القرآن - إلى أوراق صفراء تحفظ في المتاحف) (١) . بل تعدت وسائل الإعلام المأجورة من قبل أعداء الإسلام على الألوهية. فقال نجيب محفوظ في إحدى قصصه إن الله قد مات (٢) "ألا لعنة الله على الظالمين".
أما عن قضية حجاب المرأة المسلمة فهذا شيء هاجت له جميع وسائل الإعلام ولا تزال وأول من قاد هذه الدعوة المحمومة قاسم أمين في كتابه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" ونادى بالمرأة المصرية أن تجاري أختها الأوربية في كل شيء، ومن ثمار هذه الدعوة من سميت أمينة وهي ليست أمينة، إنها أمينة السعيد التي قالت وهي تهاجم الحجاب " عجبت لفتيات مثقفات كيف يلبسن أكفان الموتى وهن على قيد الحياة "، وقبلها كانت "الزعيمة" هدى شعراوي وصفية زغلول، وغيرهما ممن اللائي أحرقن الحجاب في ميدان الإسماعيلية الذي سمي بعد ذلك
_________________
(١) نقلًا عن مذكرة المذاهب الفكرية للأستاذ محمد قطب
(٢) انظر المصدر السابق
[ ٤٠٤ ]
"ميدان التحرير" (١) !
وخلاصة ما يمكن أن نقوله عن وسائل الإعلام وممن يخطط لها: أنها قلبت المنكر معروفًا وأمرت به، وقلبت المعروف منكرًا ونهت عنه.
ومن يراجع بروتوكولات حكماء صهيون يجد مصداق ما ذكرنا كله حرفًا بحرف بل أكثر من ذلك، وإليك هذا النص الصريح من نفس البروتوكولات.
جاء في البرتوكول الثالث عشر ما نصه: (ولكي نبعد الجماهير من الأمم غير اليهودية عن أن تكشف بنفسها أي خط عمل جديد لنا سنلهيها بأنواع شتى من الملاهي والألعاب وهلم جرا.
"وسرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى من كل أنواع المشروعات كالفن والرياضة وما إليها.
" إن هذه المتع الجديدة ستلهى ذهن الشعب حتمًا عن المسائل التي سنختلف فيها معه وحالما يفقد الشعب تدريجيًا نعمة التفكير المستقل بنفسه سيهتف جميعًا معنا لسبب واحد هو: إننا سنكون أعضاء المجتمع الوحيد بين الذين يكونون أهلًا لتقديم خطوط تفكير جديدة.
"وهذه الخطوط سنقدمها متوسلين بتسخير آلاتنا وحدها، من أمثال الأشخاص الذين لا يستطاع الشك في تحالفهم معنا.
"إن دور المثاليين المتحررين سينتهي حالما يعترف بحكومتنا وسيؤدون لنا خدمة طيبة حتى يحين ذلك الوقت، ولهذا السبب سنحاول أن نوجه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة التي يمكن أن تبدو تقدمية أو تحررية.
" لقد نجحنا نجاحًا كاملًا بنظرياتنا على التقدم في تحويل رؤوس الأميين الفارغة من العقل نحو الاشتراكية. ولا يوجد عقل واحد بين الأميين يستطيع أن
_________________
(١) راجع كتب الدكتور الأستاذ محمد محمد حسين (الاتجاهات الوطنية)، والإسلام والحضارة الغربية وحصوننا مهددة من داخلها.
[ ٤٠٥ ]
يلاحظ أنه في كل حالة وراء كلمة "التقدم" يختفي ضلال وزيغ عن الحق (١) .
وأحسب أن كل عاقل سيقف بروية عند قولهم "وحالما يفقد الشعب تدريجيًا نعمة التفكير المستقل بنفسه سيهتف جميعًا معنا.. الخ.
ولكن مع هذا أيضًا نقول: إن هذا الغزو الفكري مهما كان من الشراسة والحنكة والتخطيط مع الدقة وضبط التوقيت المناسب للمادة المناسبة مع هذا كله فإن المسلمين أو أكثر المحسوبين على الإسلام قد أسهموا في عمل هذه الوسائل الخبيثة لأنهم ابتعدوا عن دينهم وتخلوا عن مفاهيم عقيدتهم والله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
٣- نشر كتب المستشرقين:
لئن كانت حركة الترجمة الأولى قد صحبها من الانحرافات ما سبق الإشارة إليه، فإن حركة الترجمة المعاصرة أشد خبثًا من سابقتها وأكثر إفسادًا منها.
ذلك أن الترجمة الحديثة لم تكن في غالب الأحوال عن طريق غير المسلمين فحسب، بل اتجهت إلى ترجمة كتب المستشرقين الحاقدين الذين قاموا بأعمال فكرية كثيرة هدفها الأساسي تشويه مصادر التلقي عند المسلمين وتكديرها بالأفكار المغرضة والدسائس الحاقدة. لينشأ جيل إسلامي مفصول العرى عن دينه وأمته، يتخذ من الطرائق الغربية في التفكير والبحث قبلته الوحيدة، ولا يشعر بالانتماء للإسلام ديناَ ومنهجًا وحضارة.
وكتابة المستشرقين تتفق في معظمها على أسلوب واحد هو: إنها دراسات
_________________
(١) بروتوكولات حكماء صهيون (ص ١٦٨) ترجمة محمد خليفة التونسي الطبعة الرابعة وانظر مكائد يهودية للميداني (ص ٣٤٦) .
[ ٤٠٦ ]
موجهة من قبل المستشرقين أنفسهم ومن قبل من يمولهم في عملهم فهي ليست دراسات علمية يقصد بها وجه العلم، يدل على ذلك قول "سمث" في كتابه "الإسلام في التاريخ الحديث" في الفصل الثالث الذي تكلم فيه عن العرب: إن الإسلام كان عاملًا أساسيًا وسببًا مهمًا من أسباب وجود الهوة التي تفصل بين الغرب والعرب ثم يقول: "لقد أصبح من الحقائق الجديدة في مدنيتنا العصرية أن من الواجب سد هذه الثغرات ببناء قنطرة فوق مثل هذه الهوة، وخلق الأسباب الموصلة للتفاهم والتواصل وخلق مثل هذا التفاهم بين المدنيات المختلفة والأديان المتباينة يتطلب جهودًا مبتكرة لا يتوصل إليها إلا بصعوبة (١) .
"ولقد قام المستشرقون بجهود كبيرة تمثلت في إحياء بعض النصوص والمخطوطات الإسلامية وكان لهم في ذلك طرق منظمة إلى حد ما، ولهم أيضًا في ذلك أخطاء كثيرة في فهم النصوص وتفسير الأحداث، ولكن مع كل ذلك فليست العبرة بالجهد الذي بذل وإنما العبرة بالهدف الذي بذل هذا الجهد من أجله هل كان هذا الهدف هو "خدمة" الإسلام أم تشويه الإسلام وتلويث صورته في النفوس" (٢)؟
ويدعي المستشرقون في كل ما يكتبون الروح العلمية أو الروح المتجردة! وغير ذلك من الشعارات التي تكذبها كتابة المستشرقين أنفسهم، ودليل ذلك أن مرجليوث - وهو من أئمتهم - يقول في فصل له منشور في موسوعة "تاريخ العلم" إن محمدًا ﷺ رجل مجهول النسب لأنه محمد " بن عبد الله" وقد كان العرب يطلقون على من لا يعرفون نسبه اسم عبد الله!!!
أوليس منبع هذا هو الحقد الصليبي لا الروح العلمية المتجردة؟
أوليس دافع هذا: التشكيك في الحقائق المسلمة البدهية؟
كيف يقال هذا الكلام ورسوله ﷺ من قوم لا تعرف شيئًا كما تعرف
_________________
(١) (ص ١٠٢ - ١٠٣) نقلًا عن الإسلام والحضارة الغربية (ص١٠٩) .
(٢) هل نحن مسلمون (ص١٧٤) بتصرف بسيط.
[ ٤٠٧ ]
الأنساب ولا تعتز بشيء كاعتزازها بالأنساب؟
أي سخف وأي تفاهة في هذا التفكير الاستشراقي الخبيث؟ (١)
وماذا ينتظر من هؤلاء وواحد من زعمائهم "جولد تسيهر" يقول في كتابه "العقيدة والشريعة" إن النظام الفقهي الإسلامي الدقيق مستمد من "القانون الروماني" ونظامه السياسي متأثر بالنظريات السياسة الفارسية، وتصوفه يمثل الآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة!!! (٢) .
ولو أردنا تتبع الأمثلة لطال الحديث في ذلك.
ولكننا نقول: ما دام هؤلاء الناس بهذه الروح الحاقدة والنية السيئة والفعل الخبيث. سلاحهم التشكيك، ودينهم الكذب والتزوير وطابعهم الحقد الصليبي القديم، ما داموا كذلك فما هو - يا ترى - قيمة كل ما كتبوه؟
وماذا يرتجي من تلاميذهم الذين ينظرون إليهم بروح الإجلال والإكبار وأنهم هم أساطين البحث العلمي المتجرد؟
إن كثيرًا من تلاميذهم يستطيع أن يغالط نفسه وغيره ممن هو على شاكلته كثيرًا ولكنه لا يستطيع أن ينكر واقعًا مشهودًا في حياة المستشرقين أنفسهم غير ما ذكرنا من الأمثلة السابقة.
ذلك أن الطلاب المبتعثين للدراسة على أيدي المستشرقين لا بد أن يختاروا بحوثهم العلمية على ما يريده لهم أساتذتهم. فإن لم يكن كذلك وأعطي الطالب حرية الاختيار فلا بد أن تكون الكتابة في أي موضوع خاضعة لما يمليه هذا المستشرقين وما يصبوا إليه من الطعن في الإسلام شريعة وعقيدة ونظام حياة خاصة إذا كان البحث في "قضايا الإسلام"
وخير مثال على ذلك ما ذكره الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي ﵀ حيث قال: (حدثني البروفسور "اندرسون" نفسه أنه أسقط أحد المتخرجين من الأزهر الذين أرادوا نوال شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة
_________________
(١) انظر المصدر السابق (ص١٧٢) .
(٢) المصدر السابق (ص١٧٦) .
[ ٤٠٨ ]
لندن، لسبب واحد هو أنه قدم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام، وقد برهن فيها على أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة، فعجبت من ذلك، وسألت هذا المستشرق: وكيف أسقطته ومنعته من نوال الدكتوراه لهذا السبب، وأنتم تدعون حرية الفكر في جامعاتكم؟
قال: لأنه يقول: الإسلام يمنح المرأة كذا والإسلام قرر للمرأة كذا، فهل هو ناطق رسمي باسم الإسلام؟) (١) !!
لقد أحدثت كتب المستشرقين زعزعة كبيرة في نفوس ضعاف الإيمان، فخرج من هذه المدرسة التشكيلية أجيال تولت القيادات الفكرية والعلمية في العالم الإسلامي وأخذت تردد كالببغاء ما أملاه عليها أساتذتها "العلماء".
ولقد كان من أهم أهداف المستشرقين وتلاميذهم الطعن في سنة رسول الله ﷺ ومحاولة النيل منها. ومصداق ذلك أن أحد هؤلاء التلاميذ وهو الدكتور علي حسن عبد القادر قال لتلاميذه بعد أن رجع "دكتورًا" إني سأدرس لكم تاريخ التشريع الإسلامي ولكن على طريقة علمية لا عهد للأزهر بها، وإني اعترف لكم بأني تعلمت في الأزهر قرابة أربعة عشر عامًا فلم أفهم الإسلام ولكني فهمت الإسلام حين دراستي في ألمانيا (٢) !! قال الأستاذ السباعي ﵀: ثم تبين لنا فيما بعد أنه يملي علينا ترجمة حرفية لكتاب "جولد شهير" دراسات إسلامية!! (٣) .
أما أكثر ما يعتمدون عليه في الطعن في السنة من غير الشبه والشكوك فهو حكاية عرض الحديث على "العقل" وهي حكاية قديمة نادى بها المعتزلة، وتبعهم عليها المستشرقون وتلاميذهم أمثال أحمد أمين وأبي رية وغيرهم كثير.
وللمستشرقين أيضًا كتابات أخرى دس فيها السم بالعسل وذلك أنهم
_________________
(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي (ص ١٣) الطبعة الثانية وذكر أيضًا - ﵀ - أمثلة كثيرة حول هذا الموضوع فليراجعها من شاء في ذلك الكتاب القيم.
(٢) السنة للسباعي (ص١٩) .
(٣) نفس المصدر (ص ١٩) .
[ ٤٠٩ ]
يصدون كتاباتهم بقليل من المدح للإسلام وأنه فعل كذا كذا.. الخ، وهم يهدفون من وراء ذلك إلى كسب ثقة القارىء، ثم يبدأون بنفث الحقد الدفين في نفوسهم بأن يشككوا في العقيدة والشريعة ويوردوا سيلًا من الشبه التافهة من أجل زعزعة ثقة المسلم بدينة (١) تحقيقًا لقوله تعالى:
﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿[سورة آل عمران: ٧٢] .
ومما لاشك فيه أن هناك أموالًا وحكومات وراء نشر كتب المستشرقين في العالم الإسلامي لأن هذا الغزو يحقق لأعداء الإسلام ما لم يحققه لهم الغزو العسكري.
على أنه من المهم أن نقول هنا: أن تخلي المسلمين عن منهجهم العلمي بعد تخليهم عن مفاهيم العقيدة الصحيحة وترك منهج المحدثين الذي هو أعظم منهج علمي وضع في تاريخ البشرية سبب مباشر يقف إلى جانب كيد المستشرقين في ازدياد هوة الانحراف الذي وقع في حياة المسلمين:
وخلاصة القول: إن كل من تأثر بالمستشرقين - فكرًا أو منهجًا - لا يمكن أن يكون ولاؤه لدينه وأمته صافيًا صادقًا كما أن براءه لن يكون وفق التصور الإسلامي الصحيح.
_________________
(١) الأستاذ الدكتور محمد محمد حسين جزاه الله خيرًا تتبع مزيدًا من هذه البحوث في كتابه الإسلام والحضارة الغربية خاصة في الفصول الرابع والخامس والسادس فليراجع.
[ ٤١٠ ]
٤- المذاهب اللادينية:
إن من أخبث وأخطر ما واجه المسلمين في عصرهم الحاضر انتشار المذاهب اللادينية بينهم، حيث أريد لهذه المذاهب الهدامة أن تمحو شريعة الله من الأرض وتقصيها من واقع حياة المسلمين. وتشتت ولاء المسلمين الواحد إلى ولاءات جاهلية متعددة، فإذا انتزع ولاء المسلم لدينه سهل حينئذ تقبله لأي فكر، ورضي بأي وضع يعيش فيه مهما كان في ذلك من التبعية والانهزام.
من هنا عمل أعداء الإسلام على بث هذه المذاهب مستخدمين لذلك وسيلتين:
(١) الهجوم الشرس على العقيدة الإسلامية والشريعة ورميها بأحط ما وضعوا من عبارات مسفة كقولهم إن الشريعة الإسلامية شريعة بربرية تشوه يد السارق، وترتكب جريمة فظيعة برجم الزاني المحصن ولا تساير روح العصر الذي سيطرت عليه المعارف "التكنولوجية" بل ليس في الإسلام مواد قانونية تنظم حياة الناس.. إلى آخر ذلك الهراء.
(٢) إضفاء صبغة البهرجة الكاذبة، والدعاية لتلك المذاهب الهدامة ووصفها بأنها هي علامة التقدم ومسايرة الركب الحضاري العالمي، وهى التي تعطي الناس الحرية في كل شيء. وهي مذاهب لا تقيد إنسان بدين معين، بل يأخذ ما يريد ويدع ما لا يريد مذاهب تخلو من التزمت وضيق الأفق.. إلى آخر ما هنالك مما يقال.
ولقد وقع كثير من المنتسبين للإسلام فريسة لهذا الغزو الصهيوني الماكر ولا أريد هنا أن أدخل في قضية الردود على كل جزئية فإن ذلك ليس من منهج هذا البحث، كما قد أشرت إلى ذلك سابقًا وصدق القائل:
لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا لأصبح الصخر مثقالًا بدينار
[ ٤١١ ]
خطورة إحياء الحضارات الجاهلية
ثم إننا لم نعد بحاجة كبيرة لتتبع الرد على شبهات الأعداء وقولهم إن هذا العصر لم يعد بحاجة إلى الدين، لأن هذا كلام يكذبه واقعهم هم، بدليل ما نشاهده اليوم في البلاد الكافرة كأمريكا وأوروبا من حالة الضياع والانتحار والقتل وفظائع الجريمة والخواء الروحي. وبحثهم عما يشبع جوعهم الروحي الذي لا يملأه إلا الإسلام.
وأما ما يتعلق بهجرة مذاهبهم الإلحادية فأكبر مثال يكذبها عندهم هم هو فشلها في بلادهم.
ثم ما كتبه مفكروهم عن تدهور الحضارة الغربية، حيث ذكروا أنها في طريقها إلى الزوال وهذا أمر ثابت لا يحتاج إلى جدال. فإن كل بناء قام على غير ما شرع الله مصيره الزوال والدمار كما قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴿[سورة الأنعام: ٤٤] .
وأوربا اليوم قد فتح عليها كل شيء في العلم المادي والتقدم الصناعي والسياسة والمال والاقتصاد وغير ذلك، ولكنها مع هذا كله في طريقها للزوال وفق سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول.
هذا وبالرغم من أنني سأعطي فكرة موجزة عن هدف كل مذهب يتعلق ببحثي إلا أنني أبادر إلى القول بأن الهدف الأول والأخير من كل هذه المذاهب الكافرة هو: إخراج المسلم من إسلامه وقطع ولاء المسلم بربه ودينه وإخوانه المؤمنين، ثم العودة إلى روح الجاهلية التي تتمثل في الطاعة والانقياد والخضوع لهذه المذاهب الكافرة ولطواغيتها الذين يخططون لها. والعودة أيضًا بالمسلمين إلى جاهلية العرق والنسب والتراب وسائر أنواع النتن التي أمر الله المسلمين بتركها
[ ٤١٢ ]
القومية والوطنية
لأنها تنقض عرى الإسلام عروة عروة. وهذا الهدف تتفق عليه كل المذاهب الكافرة باتجاهاتها المختلفة وانتماءاتها المتنوعة ولكنني - وأنا أكتب عن عقيدة الولاء والبراء - سأقتصر على تلك المذاهب التي تبدو فيها صورة منافاتها لهذه العقيدة واضحة جلية، وتناقضها معها أمرًا ظاهرًا.
ومن ذلك القومية والوطنية، اللتان تحصران الولاء في دائرة الجنس أو التراب فيلتقي فيها مثلًا اليهودي العربي والنصراني العربي والمشرك العربي، والبعثي العربي مع المسلم العربي لأن رابطة القومية العربية تجمعهم!! وهذا أمر يرفضه الدين الحنيف لأن الرابطة فيه هي رابطة العقيدة، فضلًا عن أن الوطنية والقومية ضيقتا دائرة الولاء.
إن العالم الإسلامي كان أمة واحدة تظلله راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ورغم خط الانحراف الذي يرتفع ويهبط في تاريخ المسلمين إلا أنهم إلى ما يقرب من ثلاثة قرون كانوا يشعرون أنهم أمة واحدة لأنهم يدينون بدين واحد ويؤمنون بكتاب واحد وسنة واحدة ويتحاكمون إلى شريعة واحدة.
ولقد كان المسلم يخرج من طنجة حتى ينتهي به المقام في بغداد لا يحمل معه جنسية قومية أو هوية وطنية وإنما يحمل شعارًا إسلاميا هو كلمة التوحيد، فكلما حل أرضًا وجد فيها له إخوة في الإيمان وإن كانت الألسنة مختلفة والألوان متباينة لأن الإسلام أذاب كل تلك الفوارق واعتبرها من شعارات الجاهلية.
ولكنه نتيجة لضعف المسلمين وتمكينهم عدوهم من أنفسهم سهل استعمارهم من قبل أرذل خلق الله. وهم اليهود والنصارى ومن جاء بعدهم كالملاحدة الشيوعيين.
وبعد أن تمكن العدو من السيطرة على أرض الإسلام أخذ يبث سمومه ويغرس في نفوس الضعاف والسذج والعملاء حبه ونصرته وموالاته، واستحسان ما هو عليه من باطل وكفر، وهنا نزع الولاء الإسلامي ليحل محله الولاء الجاهلي الكافر.
ومصداق هذا الكلام قول أحد المستشرقين في كتاب "الشرق الأدنى مجتمعه
[ ٤١٣ ]
وثقافته" وهو يتحدث عن أسلوب نزع ولاء المسلمين فيقول (إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام، ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك دينه ولكنه يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات) (١) .
وهذا الكلام صادق في ذاته، لأن نشوء فكرة إحياء الحضارات والنعرات الجاهلية أمر خطير على قضية الولاء، حيث ينشأ من ذلك فصام نكد، ويبتدئ الميل والحب - بفعل شياطين الجن والإنس - يكبر تجاه هذه الحضارات ويقل ثم يضمحل الولاء الإسلامي الخالص لله رب العالمين.
وبعد أن كان البراء أمرًا ملازمًا للولاء تجاه هذه النعرات الجاهلية أصبح أمرًا لا وجود له - إلا عند من رحم الله - لأن هذه الأفكار كفيلة بغسل فكرة البراء من النفس عند ضعاف الإيمان، أو المغالطة عند البعض بأن هذه الأفكار والمذاهب لا تتعارض مع الإسلام! ويقال: ما الذي يمنع المسلم أن يكون مسلمًا وقوميًا أو مسلمًا علمانيًا أو مسلمًا اشتراكيًا.. الخ.
ولما أدرك أعداء الإسلام مدى جدوى وفاعلية هذه الفكرة التي تمسخ المسلم حتى يصبح مخلوقًا لا صلة له بالله - كما قالوا - بدأوا ببث فكرة القومية والوطنية مبتدئين بتركيا مقر آخر خلافة إسلامية، حيث نشأت هناك: القومية الطورانية وتزعم هذه الدعوة حزب "الاتحاد والترقي" فبدأ بالمطالبة "بتتريك" تركيا، وعودة القومية الطورانية متخذين لذلك شعار: الذئب الأغبر الذي هو معبود الأتراك قبل أن يعرفوا الإسلام.
وبهذا (التتريك) أخذت الدولة العثمانية تضغط على العرب، حيث تعطي الأتراك امتيازات خاصة بهم لأنهم ترك! وهذا الفعل فضلًا عن كونه يعارض مبدأ العدل الإسلامي هو أيضًا مؤشر للعرب أن يتحدوا في قومية عربية جديدة! وهذا هو الذي حصل فعلًا.
فلقد قام الجاسوس لورنس - الذي سماه المغفلون - "لورنس العرب"
_________________
(١) نقلًا عن مذكرة المذاهب الفكرية
[ ٤١٤ ]
بالتخطيط لقيام ما يسمى بالثورة العربية الكبرى ضد الخلافة العثمانية وانضم العرب إلى جيوش الحلفاء الذين لا يرقبون في مؤمن إلا وذمة ولا يراعون في مسلم عهدًا ولا حرمة (١) . ومن المضحك المخزي أن محرك هذه الجيوش العربية هو لورنس العرب!!
فانظر أيها القارئ إلى جيوش عربية تزعم أنها مسلمة وولاؤها لجاسوس غربي كافر اسمه لورنس!!
وبعد انتهاء مهمة هذه الجيوش قال أحد القادة الإنجليز - "اللينبي" - قولته المشهورة "الآن انتهت الحروب الصليبية"!! يقصد بذلك أن الحقد الصليبي ظل كامنًا في نفوس الصليبيين إلى أن استردوا بيت المقدس" (٢) .
وانفصل العرب عن إخوانهم المسلمين في أنحاء المعمورة واعتنقوا القومية العلمانية من أجل تقليد الغرب الذي آمن بها بالأمس وكفر بها اليوم. وأصبح "كل تجمع أو حتى تضامن أو تقارب على أساس العقيدة والدين مظهرًا من مظاهر التخلف والرجعية يجب أن تبرأ منه الجماهير لتكون عصرية تقدمية" (٣) .
ولما انتكست العرب وعادت إلى نعرة الجاهلية، فقدت روح التضحية والجهاد، وولت وجهها تجاه اليمين واليسار، حيث اليمين له ألوان وضروب من واشنطن إلى باريس إلى لندن واليسار له ألوان أحمر وأصفر وبينهما بعد ما بين موسكو وبكين (٤) .
ولما وقعت هذه النعرة الجاهلية، وقع معها كل باطل وكل شر فأما شريعة الله وحكمه وقيامها بما يحتاج إليه البشر لأنها من عند الله وهو العليم سبحانه بما يصلح أحوال البشر: فقد أقصيت وحل محلها قانون البعث العربي الاشتراكي الذي أخذ هذا الشعار.
_________________
(١) العرب والإسلام للندوي (ص٩) .
(٢) انظر المحاضرة القيمة: المخططات الصهيونية للأستاذ محمد قطب الطبعة الأولى سنة ١٣٩٨ هـ المختار الإسلامي بالقاهرة.
(٣) درس النكبة الثانية للأستاذ يوسف القرضاوي (ص ٤٥) الطبعة الأولى.
(٤) درس النكبة الثانية (ص٣٦) .
[ ٤١٥ ]
لا تسل عن ملتي أو مذهبي أنا بعثي اشتراكي عربي
ومن المضحك أن صاحب هذا الشعار حين تلقى صفعة موجعة من اليهود بالرغم من ولائه لهم - مسح ذلك الشعار وكتب مكانه "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"!!! (١) .
أما ثمار هذا (الفتح الجديد) بعد الرضى بالقومية فشيء يصعب حصره، حيث انطلقت الغرائز البهيمية وطغت الشهوات، وانتشر المجون والفسق، وتحللت الأخلاق وغربت الفضائل، فأصبح العفاف والاحتشام والحياء: رجعية متزمته لم تر نور القرن العشرين، وأصبح اللهو والخلاعة والصور العارية والقصص الخليعة والأدب الرخيص، والأزياء المثيرة والغناء والرقص والاختلاط سمات الحضارة وعنوان التقدم وشارة التحرر من ربقة التقاليد البالية!! (٢) .
وأعجب من ذلك كله أن اليهود الذين هم وراء هذه الردة الجديدة يعلنون وبصراحة وجدية واضحة أنهم لم ولن يتخلوا عن دينهم فهذا موشي ديان حين سئل هل كنتم تشعرون أن الله معكم في معركة ٥ حزيران؟
قال: كنا نشعر أننا في جانب الله " (٣) .
ويقول زعيم الصهيونية الأول "هرتزل": إن العودة إلى صهيون يجب أن تسبقها عودة إلى اليهودية (٤) .
ونشطت الدعوات الهدامة، فهذه النعرة الفرعونية تطل برأسها وتسفر عن وجهها بعد أن كانت لا تظهر إلا مقتنعة أو من خلف ستار.
نشط دعاتها في الصحف والندوات ورسموا رأس "أبي الهول" على طوابع
_________________
(١) نظرية التربية الإسلامية للشيخ محمد للغزالي. وهو بحث قدم لندوة أسس التربية الإسلامية بمكة في ١١/٦/١٤٠٠هـ.
(٢) انظر درس النكلبة الثانية (ص٣٩) .
(٣) المصدر السابق (ص٨٢) .
(٤) نفس المصدر (ص٨٢) .
[ ٤١٦ ]
البريد وعلى أوراق النقد، اجتاحت مصر موجة من الفرعونية، تحاول غزو سائر النواحي الثقافية، وتدعو إلى إقامة الفنون على أسس فرعونية، وتزعمت صحيفة "السياسة الأسبوعية" هذا الاتجاه الجديد، فأفسحت صدرها لهؤلاء الدعاة ولم يخل عدد من أعدادها من حديث عن حضارة الفراعنة وثقافتهم ومجدهم (١) .
وكثر التغني بهذه الأمجاد من أجل ذبذبة ولاء المسلم، فهذا حافظ إبراهيم يقول:
أنا مصري بناني من بنى هرم الدهر الذي أعيى الفنى
ورجعت العراق لعنصرية الآشوريين، وكل بقعة أخذت تنادي بهذه الردة الجديدة.
أما الشعار الوطني الجديد: فهو ما أعلنه سعد زغلول بقوله: الدين لله والوطن للجميع! أي الوطن ليس لله، ثم قال: لا تنادوا بشعارات إسلامية خشية أن يغضب إخواننا الأقباط (٢) .
ونادى دعاة القومية الناس بأسلوب ماكر فقالوا: ما المانع أن يكون المسلم العربي - عربيًا مسلمًا، ثم قالوا: يكون عربيًا فقط. أليس الإسلام عربيًا؟ إذن ما هو عيب القومية العربية؟ إن العرب إذا ذلوا ذل الإسلام فلنناد بالقومية العربية!!
وهذا كلام غير صحيح لأنه يوم ذل العرب جاء صلاح الدين الكردي، وجاء قطز المملوكي فأنقذوا المسلمين من ذلك الهوان، وانتصر القائدان بقولهما وإسلاماه.
ولم يكن في حسهم ولا في عقيدتهم هذه التفرقة ولا هذه النعرة الجاهلية (٣) .
إن الإسلام يكذب ذلك الزعم الذي يزعمه القوميون لأنه جاء لانتزاع هذه النعرات فجمع في دعوته بل في أول دعوته: أبا بكر العربي القرشي وبلال
_________________
(١) انظر: أزمة العصر للدكتور محمد محمد حسين (٤٣ - ٥٣) .
(٢) مذكرة المذاهب الفكرية.
(٣) مذكرة المذاهب الفكرية.
[ ٤١٧ ]
الحبشي وصهيبًا الرومي وسلمان الفارسي. وكما قال عمر ﵁: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا التمسنا العزة بغيرة أذلنا الله.
إن تقليد الغرب في استيراد مبدأ القومية أو العلمانية أو أي مذهب أو فكر: يعيد للأذهان تلك القصة الرمزية القديمة التي تتحدث عن حمارين كان أحدهما يحمل ملحًا وكان الآخر يحمل إسفنجًا. فرأى حامل الاسفنج صاحبه ينزل إلى الماء فيذيب بعض الملح ويخرج منه أخف حملًا، فخطر له أن يحصل على المزية نفسها بالأسلوب نفسه، فكانت النتيجة على عكس ما توقعه، وخرج من تجربته أثق حملًا (١) .
وخلاصة القول في القومية: إنها شرك بالله لأنها بإيجابها العمل لها وحدها والتضحية والجهاد في سبيلها، وصرف الكره والبراء وما يتبعهما ضد كل خارج عن القومية، وصرف الحب والولاء وما يتبعها للقوميين ومن والاهم: هي بهذا تكون ندًا يعبد من دون الله لأن ذلك يقوم مقام النفي والبراء والإثبات والولاء وهما ركنا الألوهية، أو العبادة في قوله "لا إله إلا الله" فلا "إله" نفي وبراء، و"إلا الله" إثبات وولاء لله لا شريك له. والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ ﴿(٢) [سورة البقرة: ١٦٥] .
_________________
(١) الإسلام والحضارة الغربية (ص٢٣٧) .
(٢) انظر فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام ص ٢٥٤ للشيخ صالح العبود الطبعة الأولى سنة ١٤٠١ الناشر دار طيبة بالرياض وهي أوسع كتاب فيما أعلم في قضية القومية العربية. ويراجع أيضًا كتاب الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية للندوي (ص١٢٤ - ١٦٢) الطبعة الثالثة، وكتاب الاتجاهات الوطنية (١/٦٧، ١٠٥، ٢/٢٩٢) وكتاب الشعوبية الجديد لمحمد مصطفى رمضان.
[ ٤١٨ ]
وليس بعد الحق إلا الضلال. فليحذر كل مسلم على نفسه من الوقوع في هذا الشرك المقنع.
وأما العالمية: أو "الإنسانية" فهي تتفق أيضًا مع القومية والوطنية في مناقضة عقيدة الولاء والبراء، ولكن هذا التناقض يتخذ شكلًا آخر: هو توسيع دائرة الولاء بحيث يدخل فيها كل الأقوام والأديان والأوطان. وهذا في حقيقة الأمر ضياع للولاء ومسخ للبراء حتى لا يعود المسلم يشعر بالفارق بينه وبين أي كافر في بقاع الأرض.
ويقوم هذا المبدأ على ألفاظ خادعة وموهمة مثل: الحرية والأخوة والعدل والمساواة.
وفي ذلك يقول "كالفرلي": (وحينما يصبح في مقدور الجميع الوقوف على كل المعلومات المجردة عن الهوى، وحينما يصبح الجميع أحرارًا في تفكيرهم، لهم من الشجاعة ما يجعلهم يتقبلون ما هو خير وعدل وجميل، وعندئذ يكون من المحتمل أن يسود العالم دين واحد. وإني سأكون سعيدًا باتباع دين عالمي موحد، تنبع مصادره من حقائق التاريخ، وتشمل مبادئه العدالة الاجتماعية، وتقوم بفضله مظاهر الحب والإخاء على أنقاض الكراهية والخصومة (١) .
وهذا الكلام هدم صريح للإسلام، ومعمول هدم لطمس الجهاد الإسلامي الذي يقوم على تحرير الناس من عبودية بعضهم لبعض، ومن انقسامهم إلى "ملأ" وهم السادة الأقوياء و"عبيد" وهم التابعون الأذلاء: إلى جعلهم كلهم عبادًا لله.
وكما نعلم جميعًا أن الجهاد يرهب أعداء الله، ويخافونه كثيرًا، ولذلك ما فتؤوا يبحثون عن وسائل متنوعة لإبطاله ومحوه من أفكار المسلمين، إنهم تارة يقولون: الإسلام انتشر بالسيف، وتارة يقولون، إنه دين وحشي لا يرحم الناس وقد لا تكون هذه مجدية لما يريدون، فقالوا: العالمية والإنسانية هي المذهب الجديد الذي يعيش فيه الناس بأمن وسلام وعدالة وإخوة، بصرف النظر
_________________
(١) الإسلام والحضارة الغربية (ص١٣٢) .
[ ٤١٩ ]
عن الأديان والأوطان!
ويزيد هذا الأمر إيضاحًا ما قاله معروف الدواليبي (.. إننا نشاهد منذ المنتصف الثاني لعصرنا الحاضر من القرن العشرين تطلعًا كبيرًا نحو إقامة الحياة البشرية على مفاهيم وقواعد إنسانية، ورغبة أكيدة من قبل رجال الفكر والعلم وقادة السياسة للانتقال بالمجتمع الإنساني المتمايز المتناحر إلى مجتمع إنساني واحد متعاون وذلك في إطار "وحدة الأسرة البشرية" من غير تفاضل بين الأقوام إلا بالتقوى، وفي إطار "حق الجميع في الحياة الكريمة " من غير تمايز في الأعراق أو في الأجناس أو في الأديان وفي إطار " وحدة المصالح الاقتصادية للجميع" من غير استئثار من قبل الكبار والأقوياء على حساب الصغار والضعفاء. وفي إطار "العدالة المطلقة بين الجميع حماية لسلام الإنسان"، ثم ذكر أن هيئة الأمم المتحدة أخذت تدعو لهذه المفاهيم العالمية الجديدة التي (تدعو إلى محو التمايز فيما بين الأسرة البشرية وأجناسها، قوميًا وعرقيًا واقتصاديًا وفقًا لمبادئ حقوق الإنسان) (١) .
_________________
(١) مجلة رابطة العالم الإسلامي الشهرية العدد الخامس، السنة التاسعة عشرة، جمادي الأولى سنة ١٤٠١هـ هذا ومن الجدير بالذكر أنه قد ورد في مجلة العربي الكويتية في العدد ٢٦٧ ربيع الأول سنة ١٤٠١هـ مقالان حول هذه الدعوة. الأول منها: (ص ١٨) للدكتور محمد فتحي عثمان تحدث فيه عن "المسلمون والآخرون" وطالب المسلمين المعاصرين في إعادة النظر حول قضية دار الحرب ودار الإسلام، وأن هذا تقسيم غير صحيح، ولا يدل عليه الكتاب ولا السنة، بل هو من صنيع الفقهاء مبينًا أن الخلافة الإسلامية كانت صورة تاريخية وهي لم تعش طويلًا فعلى المسلمين ألا يفكروا فيها مرة أخرى، وعليهم إعادة النظر في قضية العلاقات الدولية مع العالم المعاصر، لكي يتقنوا فن التعاون الدولي مستفيدين من إعادة نظر الولايات المتحدة العملاقة في سياستها إزاء الكساد الاقتصادي في الثلاثينات من القرن العشرين. وكذلك ما حدث في الكتلة الشرقية حين عدل خروشوف عن سياسة سلفه ستالين.. الخ. والكاتب يرى التعديل في المفاهيم الإسلامية مثلمًا يرى أرباب القانون الوضعي تعديل قوانينهم القاصرة وكأنه يجهل أو يتجاهل أنه لا مقارنة بين الدين الرباني الذي نزل من الحكيم الخبير وبين أفكار البشر القاصرة الهزيلة، وهذه الدعوة فيها خدمة لمبدأ العالمية ودعوة غير مباشرة لإبطال شرعية الجهاد في الإسلام. = أما المقال الثاني: وهو أخبث من سابقه فهو لفهمي هويدى بعنوان "المسلمون والآخرون أشواك وعقد على الطريق" (ص٤٩) وهذا المقال يدعو لما دعا إليه الكاتب السابق مع زيادة هي: تجهيل علماء المسلمين ووصمهم بعدم معرفة دلالات النصوص وملابساتها، قائلًا: إن تلك المرحلة - يريد مرحلة التاريخ الإسلامي الطويلة المشرقة - كانت لها حساباتها وموازينها الخاصة التي لا يمكن تعميمها على بقية مسيرة التاريخ البشري ومؤكدًا "أنه ليس صحيحًا أن المسلمين صنف متميز ومتفوق لمجرد كونهم مسلمين، وليس صحيحًا أن الإسلام يعطي أفضلية لهم، ويخص غيرهم بالدونية لأنهم كفار ويكفي أن هذا الكلام فضلًا عن كونه دعوة لمبدأ الإنسانية الماسوني هو أيضًا صورة واضحة من صور الولاء للكفار لأن هذا الكلام الذي ساقه هويدى أمنية للكفار أن يتحدث به أبناء المسلمين لكسر التميز الذي ينبني على الولاء والبراء والحب والبغض حسب المقياس الإسلامي الصحيح فعلى المسلمين أن يتبينوا مواقع الزلل والانحرافات في مثل هذه الدعوات الإلحادية.
[ ٤٢٠ ]
ونتساءل بعد هذا الكلام. أي قانون بشري يريد دعاة العالمية أن يعيش الناس تحت لوائه؟
هل هو ميثاق هيئة الأمم المتحدة؟ فهي. منظمة السيطرة فيها لليهود والنصارى والشيوعيين وأكبر دليل على ذلك ما يسمى بـ"حق الفيتو" الذي يرفض كل ما يتعارض مع مبدأ أولئك المسيطرين أم أنها الغفلة والانخداع بما خطط له دعاة هذا المذهب الفاسد؟
أم أنه الخبث والدهاء في تحذير الأمة الإسلامية بأن الجهاد أمر لم يعد يصلح لمسايرة العصر الحديث لأن العالمية لا تقره ولا ترضاه؟
وأقرب الإجابات إلى نفسي هو جواب السؤال الأخير ذلك الجواب الذي يعرفه كل مخلص لدينه وربه وكل مؤمن يعرف كيد الجاهلية المعاصرة فيربأ بنفسه أن ينخدع بأي دعوة لا تنبثق من مشكاة النبوة المحمدية والرسالة الربانية الخالدة.
ونحن إذ نقرر هذا الجواب المؤكد، فليس ذلك تجنبًا أو مجرد ثورة عاطفة ضد هذا المذهب الإلحادي الكافر، بل هو عين ما يهدف إليه دعاة الماسونية العالمية التي تولت كبر الدعوة إلى هذه النحلة الجديدة بجميع أهدافها وشعاراتها.
ولذلك يقول أحد الماسون " إن ما تبغيه الماسونية هو، وصول الإنسانية شيئًا فشيئًا إلى النظام الأمثل الذي تتحقق فيه الحرية بأكمل معانيها وتزول منه الفوارق
[ ٤٢١ ]
كلمة حول هذه المذاهب
بين الأفراد والشعوب ويسود فيه العلم والجمال والفضيلة" (١) .
وختامًا نقول: إن كل المذاهب البشرية القائمة اليوم في الأرض التي لا تستمد وجودها من الكتاب والسنة محادة لله ولدينه وكتابه وسنة رسوله ﷺ، وأي تقبل لها أو عمل بمبادئها فإن ذلك موالاة صريحة للكفار، وبراءة صريحة من الإسلام والله قد بين لنا في كتابه العزيز أن من تولى الكفار فهو منهم:
﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴿[سورة المائدة: ٥١] .
والإسلام هو الدين الذي يجمع ولا يفرق، وهو الذي يجعل الناس في ميزانه الإيماني سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى.
وهو الذي تتحقق فيه العدالة في أسمى صورها، ويتحقق فيه الأمن لأنه لا خوف إلا من الله وهو الذي يكسر شوكة كل طاغوت يريد إذلال الناس له من دون الله.
وهو الذي فيه الطمأنينة والسعادة:
﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴿[سورة الرعد: ٢٨] .
وهو الذي تتحقق فيه الحياة الكريمة
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
_________________
(١) الإسلام والحضارة الغربية (ص١٩٧) .
[ ٤٢٢ ]
﴿أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿[سورة النحل: ٩٧] .
وهو الذي يحصل به التمكين الرباني
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿[سورة النور: ٥٥] .
[ ٤٢٣ ]