الباب الأول
[ ٨٥ ]
الولاء في اللغة:
الباب الأول
مفهوم الولاء البراء
الفصل الأول
تعريفه وأهميته في الكتاب والسنة
الولاء في اللغة: جاء في لسان العرب: الموالاة - كما قال ابن الأعرابي -: إن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه. ووالى فلان فلانًا: إذا أحبه.
والمولى: اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو: الرب، والمالك، والسيد والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق، والمنعم عليه. ويلاحظ في هذه المعاني أنها تقوم على النصرة والمحبة (١) .
والولاية - بالفتح - في النسب والنصرة والعتق.
والموالاة - بالضم - من والى القوم. قال الشافعي في قوله ﷺ (من كنت مولاه فعلي مولاه) (٢) يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ﴿[سورة محمد:١١] .
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور (ج٣/٩٨٥ - ٩٨٦) وانظر القاموس المحيط الطبعة الرابعة/٢٩٤ الطبعة الثالثة.
(٢) أخرجه أحمد في المسند عن البراء (٤/٢٨١) وأيضًا عن زيد بن أرقم ٤/٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧٢ والترمذي في المناقب (ج٩/٣٠٠ ح٣٧١٤) وقال حديث حسن صحيح غريب. وقال الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (ج٦/٣٥٣ ح٦٣٩٩) .
[ ٨٧ ]
والموالاة ضد المعاداة، والولي ضد العدو، قال تعالى:
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿[سورة مريم: ٤٥] .
قال ثعلب: كل من عبد شيئًا من دون الله فقد اتخذه وليًا. وقوله تعالى:
﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴿[سورة البقرة: ٢٥٧] .
وليهم في نصرهم على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم
وقيل: وليهم أي: يتولى ثوابهم ومجازاتهم بحسن أعمالهم
والولي: القرب والدنو (١) . والموالاة: المتابعة.
والتولي: يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع. قال تعالى:
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴿[سورة محمد: ٣٨] .
أي: أن تعرضوا عن الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿[سورة المائدة:٥١] .
معناه - من يتبعهم وينصرهم (٢)
_________________
(١) لسان العرب (٣/٩٨٦) .
(٢) لسان العرب (ج٣/٩٨٨) .
[ ٨٨ ]
البراء في اللغة:
وقال صاحب (المصباح المنير) الولي فعيل بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، ومنه قوله تعالى:
﴿الله ولي الذين ءامنوا ﴿[سورة البقرة: ٢٥٧] .
ويكون الولي: بمعنى مفعول، في حق المطيع، فيقال: المؤمن ولي الله. ووالاه موالاة وولاء: من باب (قاتل) أي تابعه) (١) .
تعريف البراء في اللغة: قال ابن الأعرابي: برئ إذا تخلص، وبرئ، إذا تنزه وتباعد، وبرئ: إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ﴿[سورة التوبة: ١]
أي إعذار وإنذار.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ لما دعاه عمر إلى العمل فأبى قال عمر: إن يوسف قد سأل العمل، فقال أبو هريرة: إن يوسف مني برئ وأنا منه براء (٢) . أي برئ عن مساواته في الحكم وإن أقاس به، ولم يرد براءة الولاية والمحبة لأنه مأمور بالإيمان به، انتهى من النهاية.
والبراء والبريء سواء.
وليلة البراء: ليلة يتبرأ القمر من الشمس، وهي أول ليلة من الشهر (٣)
_________________
(١) المصباح المنير للفيومي ٢/٨٤١.
(٢) هذا الأثر ذكره ابن الأثير في كتابه ٠النهاية في غريب الأحاديث (ج١/١١٢) تحقيق الزاوي والطناحي.
(٣) لسان العرب (ج١/١٨٣) والقاموس المحيط (ج١/٨) .
[ ٨٩ ]
الولاء في الاصطلاح الشرعي
البراء في الاصطلاح الشرعي
شرح التعريف
تعريف الولاء بالمعنى الاصطلاحي: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرًا. قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴿[سورة البقرة: ٢٥٧] (١) .
فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم وإظهار الود لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا (٢)
تعريف البراء بالمعنى الاصطلاحي: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.
شرح تعريف الولاء والبراء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الولاية: ضد العداوة: البغض والبعد) .. والولي: القريب يقال: هذا يلي هذا: أي يقرب منه، ومنه قوله ﷺ (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) (٣) أي لأقرب رجل إلى الميت.
فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديًا له. كما قال تعالى:
﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ﴿[سورة الممتحنة: ١] .
_________________
(١) شرح الطحاوية (ص٤٠٣) وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (ص٤٢٢) .
(٢) كتاب الإيمان لنعيم ياسين (ص١٤٥) .
(٣) هذا الحديث أخرجه البخاري كتاب الفرائض (١٢/١١ ح ٦٧٣٢) ومسلم (ج٣/١٢٣٣ ح١٦١٥) كتاب الفرائض.
[ ٩٠ ]
فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه ولهذا جاء في الحديث (ومن عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة) (١) .
ومسمى الموالاة (لأعداء الله): يقع على شعب متفاوتة منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات (٢) . ولما عقد الله الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى وملحدين ومشركين وغيرهم كان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين: أن كل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان.
وحيث أن الولاء والبراء تابعان للحب والبغض، فإن أصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه وأتباعهم، وتبغض في الله أعداءه وأعداء رسله. (٣) .
وقد ورد عن ابن عباس ﵄ قوله (من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا) (٤) .
وإذا كان حبر هذه الأمة يذكر أن مؤاخاة الناس في زمانه قد أصبحت على أمر الدنيا وأن ذلك لا يجدي على أهله شيئًا، وهذا في القرن الذي هو خير القرون: فجدير بالمؤمن أن يعيي ويعرف من يحب ومن يبغض، ومن يوالي ومن يعادي ثم يزن نفسه بميزان الكتاب والسنة ليرى أواقف هو في صف الشيطان وحزبه أم في صف عباد الرحمن وحزب الله الذين هم المفلحون، وما عداهم فأولئك هم الذين خسروا الدنيا والآخرة!
_________________
(١) الفرقان لابن تيمية (ص٧) أما الحديث فقد رواه البخاري في كتاب الرقائق باب التواضع (ج١١/٣٤١ ح٦٥٠٢) .
(٢) انظر الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ص٤٣) .
(٣) انظر الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ١/٩٨.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٩١ ]
وإذا أصبحت المؤاخاة والمحبة على أمر الدنيا - كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن عباس - فإن تلك المحبة والمؤاخاة لا تلبث أن تزول بزوال العرض الزائل وحينئذ لا يكون للأمة شوكة ومنعة أمام أعدائها.
وفي عصرنا الحاضر عصر المادة والدنيا قد أصبحت محبة الناس في الأغلب على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا. ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة إلا بالرجوع إلى الله والاجتماع على الحب فيه والبغض فيه والولاء له والبراء ممن أمرنا الله بالبراء منه، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
[ ٩٢ ]
أهمية هذا الموضوع في الكتاب والسنة
ونصيبه من الدراسة والتأليف
إنه من الجدير بالذكر أن هذا الموضوع - الولاء والبراء - رغم أهميته ووضوحه في الكتاب والسنة إلا أن نصيبه من الدراسة والتأليف في الكتب العقدية القديمة قليل جدًا. وذلك راجع في نظري إلى ثلاثة أمور:
(١) إن هذا المفهوم العقدي كان من الوضوح والنصاعة عند المسلمين الأولين بمكان، حيث إنهم - من خلال سيرتهم وتاريخهم الوضيء - كانوا على درجة عالية جدًا من الصفاء العقدي، والتميز الواضح، وقيامهم أيضًا - بالجهاد في سبيل الله. كل ذلك جعل هذا الأمر واضحًا وجليًا في حسهم وأيضًا رجوعهم للكتاب والسنة في كل شيء.
(٢) إن طبيعة المجتمع الإسلامي الأول خاصة بعد الخلافة الراشدة لم تبرز فيه مشاكل عقدية حول هذا الموضوع وإنما نشأت حول صفات الله ﷻ، وقامت الفرق المختلفة بالخوض فيها، فكان لا بد أن يتصدى أهل السنة والجماعة لمعالجة ذلك الانحراف بأن يبينوا للناس أن لله صفات تليق بجلاله وعظمته. نثبتها له كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل.
من هنا زخرت مؤلفاتهم ﵏ بالحديث في هذه الشأن، ولا تجد لهم ذكرًا لقضية الولاء والبراء إلا في كلمات موجزة صغيرة كقولهم (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم) (١) .
(٣) وبعد خول علم الكلام في مؤلفات المسلمين العقدية، وتعكير صفوها بما ليس منها: لم يعد لهذا الموضوع ذكر البتة: وليس هو المنفرد بهذا الإقصاء، بل أنه تابع لإقصاء موضوع (لا إله إلا الله وما تقتضيه من توحيد الألوهية وما
_________________
(١) الطحاوية مع شرحها (ص ٥٢٨) الطبعة الرابعة.
[ ٩٣ ]
وبين أسلوب علم الكلام
يضاد ذلك من نواقض الإسلام، التي لو شغل المسلمون أنفسهم ببيانها وعرضها للناس عرضًا صحيحًا سليمًا بدلًا من تحويلها إلى قضايا ذهنية تجريدية لا علاقة لها بالسلوك الواقعي ولا بمعاني الإسلام الحقيقية لكان ذلك أجدى وأنفع للناس، وأقوم للقيام بما أراده الله منهم. ولو أن الأمة الإسلامية تقيدت بقول رسولها ﷺ (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (١) . وعضت على ذلك بالنواجذ ما طمع فيها شرق ولا غرب، ولا تخبطت في متاهات التبعية العمياء للإلحاد والفكر الجاهلي سواء كان شرقيًا أم غربيًا على حد سواء.
وحين اقتصر المسلمون الأوائل على الوحيين العزيزين خرج منهم جيل فريد ليس له مثال لا سابق ولا لاحق، جيل اعتز بانتمائه لدينه الخالص، ففتح الدنيا ومزق ظلام الكفر والشرك وصدع باسم الله في الأرض من مشارف فرنسا غربًا إلى حدود الصين شرقًا.
ولعل من المناسب هنا أن نتحدث - ولو قليلًا - عن طريقة القرآن والسنة في عرض العقيدة بصفة عامة وجناية علم الكلام على المسلمين لنقف من خلال هذه النبذة على مدى الهوة بين صفاء النبع العقدي الرباني وبين جهالات علم الكلام.
لقد أدرك سلف هذه الأمة ﵏ أن كتاب الله العزيز هو: كتاب هداية وليس كتاب فلسفة ونظريات فارغة لا تمس الواقع. وأيقن ذلك الجيل أن الله هو خالق النفس البشرية وأنه هو العليم وحده بما يصلحها، فلما أنزل كتابه على رسوله ﷺ كان هو النور الهادي للنفوس، ومصدر كل خير لها، وهو أيضًا النذير لها من كل ما يورد موارد الهلاك والخسران. وميزة الخطاب القرآني: أنه يخاطب (الإنسان) كوحدة متصلة فيها الروح والجسد وفيها العقل والعاطفة، وفيها حب
_________________
(١) مسند أحمد (ج٤/١٢٦) وجامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/٢٢٢ وسنن ابن ماجة: المقدمة (ج١/١٦ ح٤٣) وفي سنده عبد الرحمن بن عمرو السلمي لم يوثقه غير ابن حبان. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١/٤٦ عن أبي عاصم في كتاب السنة وقال إسناده حسن. انظر جامع الأصول (ج١/٢٩٣) (حاشية) .
[ ٩٤ ]
الخير وكره الشر:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿[سورة الشمس: ٧-١٠] .
هكذا هي الطريقة القرآنية في عرضها للعقيدة:
إنها (طريقة لا تخاطب الذهن المجرد ولكنها تخاطب (الإنسان) كله، وتخاطبه - أول ما تخاطبه ٠ عن طريق الوجدان ولا يمنع هذا أن تدعو عقله للمشاركة في الأمر، ولكنها لا تخاطبه منفردًا إنما تخاطبه دائمًا والوجدان مستجاش، فيأخذ دوره في التلقي منفعلًا بالقضية، متحركًا للإيمان بها، لا مجرد مساجل فيها بالمنطق والبرهان: والقرآن حين يصنع ذلك فهو يستجيب للفطرة البشرية كما خلقها الله فالله الذي خلق هذه الفطرة هو الذي أنزل هذا القرآن مفصلًا على قدها، مستجيبًا لها، ومجيبًا لها، وباعثًا ومقومًا في آن. والعقل جزء من هذه الفطرة ولا شك، وله دوره في قضية الإيمان.. ولكن الله يعلم الشروط اللازمة لهذا العقل حين يتناول قضية من قضايا (الحياة) أنه يمكن أن يعمل وحده حين يكون دوره هو التعرف على سنة من سنن الكون لا مجال فيها للوجدان، أما في قضية الإيمان فإنه لا يستقل بهذا الأمر وحده، بل تشاركه العاطفة والوجدان) (١) .
وإذا تصفحنا التاريخ الإسلامي لنبحث عن تاريخ الانحراف في الدراسات العقدية لوجدنا أن ذلك قد وقع في العهد الأموي بشكل بسيط ولكنه بلغ قمته في العهد العباسي إبان ترجمة العلوم اليونانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية.
فبعد أن اتسعت الفتوحات وامتدت رقعة الدولة الإسلامية ودخل في الإسلام أناس أظهروا الإسلام وأبطنوا النفاق والزندقة حصل خلط في المترجمات، فلم يفرق بين الغث والسمين من تلك العلوم الأجنبية.
ولما أصبح شغل أكثر الناس هو الترف العقلي: رأوا أن يستوردوا غثاء الجاهلية الإغريقية وسمي ذلك عند المخدوعين به (فلسفة) !! وانبهروا بهذا
_________________
(١) دراسات قرآنية للأستاذ محمد قطب (ص١٤٩) بقليل من التصرف.
[ ٩٥ ]
المستورد الدخيل وما فيه من عجمة تعقيد ولعب بالألفاظ ودلالتها. وقادهم هذا الانبهار إلى إلباس التصور الإسلامي قناعًا غريبًا عليه في ذاته، وغريبًا عليه في عرضه، وغريبًا أيضًا على أهله. وسر ذلك: أن (هناك جفوة أصيلة بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التي تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية) (١) .
وحري بنا أن نسأل: ما هو سر محاولة التوفيق بين الفلسفة البشرية الجاهلية التي نمت وترعرعت في جو وثني كافر، وبين المورد العذب دين الله (الإسلام)؟.
هل كان ذلك نتيجة للتقليد الأعمى والسعي وراء كل ناعق؟
أم أنه كان نتيجة للقعود عن الجهاد ونشر العقيدة في ربوع الأرض؟
أم هو الترف العقلي ومجابهة أصحاب الجدل بنفس أسلوبهم؟
أم أن وراء ذلك كيدًا من أعداء الإسلام في محاولة تشويه صفاء هذه العقيدة وخلطها بالشوائب الغريبة عنها؟!
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذه الأسباب مجتمعة لها دورها كل بحسب أهميته إلا أنه من خلال تتبع قصة الترجمة في عهدها الأول يظهر لي: أن كيد أعداء الدين وافق هوى عند بعض المسلمين خاصة بعض الحكام في العهد العباسي - كالمأمون مثلًا - فحدث ما حدث من ترجمة لكتب المباحث السوفسطائية اليونانية وغيرها.
ويصدق ذلك: أن المأمون بعث إلى حاكم صقلية المسيحي يطلب منه أن يبادر بإرسال مكتبه صقلية الشهيرة الغنية بكتب الفلسفة!!
وتردد الحاكم في إرسالها، وجمع رجالات دولته واستشارتهم حول هذا الطلب فأشار عليه المطران الأكبر بقوله: (إرسلها إليه، فوالله ما دخلت هذه العلوم في أمة إلا أفسدتها) فأذعن الحاكم لمشورته وعمل بها. ثم أحضر المأمون حنين بن
_________________
(١) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته للأستاذ سيد قطب (ص١٠- ١١) دار الشروق.
[ ٩٦ ]
إسحاق (١)
- وكان فتى لسنًا - وأمره بنقل ما يقدر عليه من كتب حكماء اليونان إلى العربية، فامتثل لأمره. وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربية مثلًا بمثل. مما جعل حنينًا يكتب على ورق غليظ ويباعد بين الأسطر ويكتب بالحروف الكبيرة (٢) !!؟ وصدق - والله - المطران الصقلي: إن هذه الكتب ما دخلت أمة إلا أفسدتها ترى من أين جاءت محنة الإمام أحمد بن حنبل وظهور المبتدعة أيام المأمون وغيره. ومن أين جاءت المصطلحات المبتدعة كالجوهر والعرض والواجب والممكن وغيرها؟ إنه لم يأت كل ذلك إلا من ترجمة علم الكلام الجاهلي وخلطه بالعقيدة الإسلامية ليصنع من ذلك كله ما يسمي بـ "الفلسفة الإسلامية"!!
وإذا علمنا: أن المترجمين كان جلهم نصارى (٣) . وقد كتبوا في الترجمة العربية ما يعتقدونه ويدينون به. فكيف يوثق بنصراني يعتقد التثليث وهو يترجم للمسلمين كتبًا يتعلمونها ويعلمونها أبناءهم ويستفيدون منها في مؤلفاتهم؟ لقد صدق الشاعر حين قال:
ومن جعل الغرب له دليلا يمر به على جيف الكلاب
ولمزيد من إيضاح وبيان البون الشاسع بين طريقة القرآن والسنة في عرض العقيدة وبين علم الكلام نذكر الأمور التالية في المباينة بينهما، لا من باب المقارنة فلا وجه للمقارنة في الحقيقة، إذ الأمر كما يقول الشاعر:
_________________
(١) هو حنين بن اسحاق، طبيب، مؤرخ، مترجم، كان أبوه صيدلانيًا من أهل الحيرة، أخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وأخذ الطب عن يوحنا بن ماسويه وغيره، وتمكن من اللغات اليونانية والسريانية والفارسية فانتهت إليه رئاسة المترجمين في عهد المأمون الذي عينه رئيسًا لديوان الترجمة وبذل له الأموال والعطايا. لخص كثيرًا من كتب أبقراط وجالينوس، وكان يحفظ الياذة هوميروس ومترجماته تزيد على المائة. انظر الأعلام للزركلي (ج٢/٢٨٧) الطبعة الرابعة.
(٢) انظر كتاب "عصر المأمون" (ص٣٧٥ - ٣٧٧) للدكتور أحمد مزيد رفاعي الطبعة الثانية سنة ١٣٤٦ هـ الناشر دار الكتب المصرية.
(٣) انظر في هذا كتاب الجانب الإلهي للأستاذ محمد البهي (ص١٧٧) .
[ ٩٧ ]
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل أن السيف أمضى من العصا
وإنما من باب التنبيه والتذكير (١) .
(١) في المصدر: فمصدر العقيدة القرآنية: الله رب العالمين. أما مصدر "علم الكلام" فعقول البشر القاصرة الهزيلة.
(٢) في المنهج والسبيل: فغاية علم الكلام: إثبات وحدانية الخالق، وإنه لا شريك له ويظن المتكلمون أن هذا هو المراد بـ " لا إله إلا الله " بينما المراد منها ما سبق أن شرحناه في التمهيد ثم إن علم الكلام يسعى لتحقيق "المعرفة" في الوقت الذي نجد فيه الطريقة القرآنية تهدف إلى "الحركة" من وراء المعرفة، فتحول تلك المعرفة إلى قوة دافعة لتحقيق مدلولها في عالم الواقع وتستجيش الضمير الإنساني ليحقق وجوده في الأرض إلى ربها، وتحيا حياة كريمة رفيعة تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان (٢) .
ثم إن المنهج القرآني يدعو إلى (عبادة الله وحده) قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿[سورة الأنبياء: ٢٥] .
وأوصى المصطفى ﷺ معاذًا حين بعثه إلى اليمن: أن يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فإذا عرفوا ذلك دعاهم للفرائض (٣) ولم يأمره أن يدعوهم أولًا إلى "الشك " أو "النظر" كما هي طريقة المتكلمين!!.
_________________
(١) ينظر في هذا الموضوع كتاب "العقيدة في الله " للأستاذ عمر سليمان الأشقر: (ص٢٧) إلى (ص٣٨) الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩ مـ الناشر مكتبة الفلاح بالكويت.
(٢) انظر: خصائص التصور الإسلامي ومقوماته (ص١٠-١١) .
(٣) الحديث موجود في: صحيح البخاري (ج٣/٣٢٢ ح ١٤٥٨) وصحيح مسلم (ج١/٥٠ ح١٩) كتاب الإيمان.
[ ٩٨ ]
أسلوب العرض القرآني للعقيدة
(والله ﷾ عندما يبعث الناس لا يسألهم عن العلوم الحسية والبدهية، والمنطق، والطبيعي، والجوهر والعرض - بل يسألهم عن استجابتهم للرسل أو عدمها
﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴿٩﴾ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿[سورة الملك ٨-١١] . (١)
ووحدانية الخالق التي هي غاية علم الكلام: لم تنفع المشركين الذين حاربهم رسول الله ﷺ فإنهم كانوا يقرون بها كما أخبر الله عنهم:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿[سورة لقمان:٢٥] .
(٣) قوة التأثير: الذي هو طابع العقيدة الربانية: مما يجعل لها سلطانًا قويًا على نفوس معتنقيها. بعكس الفلسفة والكلام اللذين يدلان على جهل أصحابها كما قال أحدهم - وهو سقراط - (الشيء الذي لا أزال أعلمه جيدًا هو أنني لست أعلم شيئًا) (٢) .
(٤) الأسلوب: فالعقيدة الربانية تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع. واللمسة المباشرة والإيحاء بالحقائق الكبيرة، مع بساطة في العرض ووضوح في البيان وإعجاز في اللفظ والمعنى.
_________________
(١) "العقيدة في الله " للأشقر (ص٣١)
(٢) المصدر السابق (ص٣٢) .
[ ٩٩ ]
مما يجعل إدراك هذه العقيدة سهلًا لكافة المستويات البشرية. وهذا كله بخلاف الفلسفة والكلام، وبخلاف تلك المصطلحات المعقدة التي لا تزيد الشك إلا شكًا وحيرة وضلالًا (١) .
وأسلوب المتكلمين يسير على نمط واحد في كل قضية يتحدث عنها فهو لا يخرج عن قوله: (فإن قيل لنا كذا: قلنا لهم كذا) .
أما الأسلوب القرآني فإنه يعرض العقيدة على نمطين:
الأول: توحيد في الإثبات والمعرفة. أي إثبات حقيقة الرب وصفاته وأفعاله وأسمائه كما أخبر به عن نفسه وكما أخبر رسوله الكريم، وهذا موجود في أول سورة الحديد وطه، وآخر الحشر، وأول السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها (٢) .
الثاني: توحيد في الطلب والقصد: وهذا ما تضمنته سورة
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿و﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿[سورة آل عمران: ٦٤] .
وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها وأول سورة الأعراف وآخرها وجملة سورة الأنعام.
_________________
(١) انظر خصائص التصور الإسلامي والعقيدة للأشقر (ص٣٥) .
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٨) طبع المكتب الإسلامي
[ ١٠٠ ]
ويعرف الأول: بأنه توحيد علمي خبري، والثاني بأنه: توحيد إرادي طلبي (١) .
ونظرة واحدة إلى سيرة المصطفى ﷺ في عرضه لهذه العقيدة وتربيته الفذة لصحابته كافية في الدلالة على أن من سلك طريقًا غير طريق القرآن والسنة في عرض العقيدة فقد سلك "سبلًا" لا تلتقي مع صراط الله المستقيم.
روى الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن (٢) .
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: (٣) حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا (٤) .
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
(لقد كان تلقي صحابة رسول الله ﷺ لهذه العقيدة أشبه ما يكون بتلقي الجندي في الميدان " الأمر اليومي" ليعمل به فور تلقيه، ولذلك لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود) (٥) .
هكذا كان صدر هذه الأمة مقتصرًا على كتاب الله وسنة رسوله في عقيدته. ولكن الانحراف الذي طرأ على المسائل العقدية في العصور المتأخرة سببه حركة الترجمة والانبهار بفلسفة اليونان وعلومهم. ولو كان هناك وعي وتفكير في الأشياء المترجمة لاقتصر على ترجمة العلوم البحتة كالهندسة والكيمياء والطب وغيرها من العلوم النافعة وبشرط أن تكون صياغة ترجمتها متفقة مع عقيدة المسلمين. ولكن
_________________
(١) المصدر السابق (ص٨٨) .
(٢) مقدمة الحفاظ ابن كثير لتفسيره (ج١/١٣) .
(٣) هو عبد الله بن حبيب السلمي القارىء لأبيه صحبة. روى عن مجموعة من كبار الصحابة وهو تابعي ثقة توفي سنة ٧٢ هـ وقيل ٨٥ هـ وانظر تهذيب التهذيب (ج٥/١٨٣) .
(٤) المصدر السابق (ج١/١٣) .
(٥) معالم في الطريق (ص١٥) .
[ ١٠١ ]
الخطأ الذي حصل كان ترجمة جميع العلوم ومنها "الإلهيات" عند أرسطو وأفلاطون وغيرهم!
إنه خطأ فاحش وقع فيه من وقع وإلا فما هو الدافع لاستيراد ما عند الوثنيين واستخدام أهل الكتاب في ذلك؟
وصدق حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄ حين قال محذرًا (.. أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم فلا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم) (١) .
والذي حصل كما يقول الشيخ محمد الغزالي:
(إن صفو هذه العقيدة قد تعكر بالفكر الأجنبي الذي أقحم على الحياة الإسلامية وبضروب الجدل التي زجى بها المتبطلون أوقات فراغهم) (٢) .
ولكن رحمة الله بعباده تكفله ﷻ بحفظ هذا الدين تجلت في إيجاد علماء أعلام، في كل عصر ومصر، قاموا بواجب الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وتبصير الأمة بما شردت عنه، وزهدت فيه.
لذلك حين رأى كثير من الأئمة ﵏ هذا الداء الدخيل يحل على المسلمين في تصورهم وعقيدتهم قاموا بواجبهم الجهادي نحوه.
فهذا الإمام الجليل الشافعي ﵀ يقول:
"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام " (٣) .
ويقول أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله:
" العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم " (٤) .
ثم عقب شارح الطحاوية على ذلك بقوله:
" كيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير اتباع ما جاء به الرسول " (٥)
_________________
(١) صحيح البخاري (ج١٣/٤٩٦ ح ٧٥٢٣) كتاب التوحيد.
(٢) الإسلام والطاقات المعطلة (ص١١٢) الطبعة الثانية.
(٣) شرح الطحاوية (ص٧٢) .
(٤) المصدر السابق (ص٧٣) .
(٥) المصدر السابق (ص٧٣) .
[ ١٠٢ ]
وذكر ابن الجوزي ﵀:
(أن أصل الدخل في العلم والاعتقاد: من الفلسفة وذلك أن خلقًا من العلماء في ديننا لم يقنعوا بما قنع رسول الله صلى عليه وسلم من الانعكاف على الكتاب والسنة، بل أوغلوا في النظر في مذاهب أهل الفلسفة وخاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب ردية أفسدوا بها العقائد) (١) .
أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيقول:
(هؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة الذين ذمهم السلف والأئمة، أنهم لم يقوموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد، بل أخذوا يناظرون أقوامًا من الكفار وأهل البدع الذين هم أبعد عن السنة منهم، بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء به الرسول، وهذا لا يقطع أولئك الكفار بالعقول فلا آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان، ولا جاهدوا حق الجهاد. وأخذوا يقولون: أنه لا يمكن الإيمان بالرسول ولا جهاد الكفار، والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من المعقولات!!، وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده تكذيبًا، أو تأويلًا، أو تفويضًا. لأنها أصل السمعيات، وإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس) (٢) .
وكلمة أخيرة نذكرها للعبرة والعظة، وهي كلمة لأحد أولئك الذين خاضوا في بحر الكلام اللجي ثم خرجوا منه يطلبون النجاة. إنها كلمة أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي حيث قال:
(لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا. ورأيت أقرب الطرق. طريقة القرآن.. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) (٣) . هذا وإنه لحري بالأمة، وبعد أن عاشت قرونًا من الضياع والتخبط أن تعود إلى المشكاة الربانية كتاب الله وسنة رسوله، فتتدبر معانيها، وتعمل بما فيها ففي ذلك النجاح
_________________
(١) صيد الخاطر: تحقيق الطنطاوي (ص٢٠٥) الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ.
(٢) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول (١/٢٣٨) تحقيق محيي الدين عبد الحميد ومحمد حامد الفقي.
(٣) شرح الطحاوية (ص٢٢٧) .
[ ١٠٣ ]
طريقة القرآن والسنة في غرس عقيدة الولاء والبراء
والفلاح وطمأنينة القلب
﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴿[سورة الرعد: ٢٨] .
وعلى الرغم من أنه سيتضح للقارئ - إن شاء الله - من خلال قراءة هذا البحث: طريقة القرآن والسنة في غرس عقيدة (الولاء والبراء في النفوس، وذلك من خلال سيرة رسول الله ﷺ في العهدين المكي والمدني ومن خلال الأمثلة والصور الكثيرة في هذا الشأن إلا أنني أرى أنه لا بأس بأن أورد هنا طرفًا من هذا الموضوع خاصة وأنني قد تكملت حول علم الكلام وجنايته على الأمة الإسلامية.
إن من أولى البدهيات في هذا الشأن أن الإسلام قد حرص على أن يكون انتماء المسلم لدينه فقط منذ أول لحظة يعلن فيها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) . والبراءة من كل معبود أو متبوع أو مطاع سوى الله تعالى.
والأدلة على ذلك كثيرة جدًا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ﴿[سورة البقرة: ٢٥٦] .
وقال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فأنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿[سورة آل عمران: ١٠٣] .
[ ١٠٤ ]
ويقول سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿[سورة الأنعام: ٧١] .
﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴿[سورة لقمان: ٢٢] .
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿[سورة آل عمران:٨٥] .
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿[سورة فصلت: ٣٣] .
فهذه النصوص الكريمة تثبت مدى منة الله ﷾ بإنعامه على المسلمين بهذا الدين، فالولاء له مصدر القوة والعزة.
فمن استمسك بهذا الولاء، وحققه فقد استمسك بالعروة الوثقى. أما الحديث - فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية (١)، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها
_________________
(١) العبية - كما قال الخطابي - الكبر والنخوة. انظر سنن أبي داود (ج٥/٣٤٠) .
[ ١٠٥ ]
النتن) (١) . وحرص المصطفى ﷺ على تربية أمته والبعد بها عن مفاخر الأنساب والأحساب التي لا تستمد قوتها وحيويتها من هذا الدين القيم، فنجده ﵊ يحثهم على أن يكون انتمائهم للصف الإسلامي وحسب. ففي الحديث عن أبي عقبة - وكان مولى من أهل فارس قال: شهدت مع رسول الله ﷺ أحدًا، فضربت رجلًا من المشركين، فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي! فالتفت إلي رسول الله ﷺ وقال (فهلا قلت خذها مني وأنا الغلام الأنصاري) (٢) .
ولقد كان دين العقيدة الإسلامية هو: إفراد الله تعالى بالتعلق والحب والتعظيم والطاعة والإنابة والخشوع والخوف والرجاء وتجريد النفس من كل محبوب أو مرهوب أو مرغوب سوى الله تعالى، قال جل شأنه:
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ﴿[سورة يونس: ١٠٧] .
وقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄ ( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) (٣) .
(فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة ويتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا، واشتغالًا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه،
_________________
(١) سنن أبي داود كتاب الأدب (ج ٥/٣٤٠ ح ٥١١٦) وأخرجه الترمذي في المناقب (٩/٤٣٠ ح٣٩٥٠) وقال حديث حسن.
(٢) سنن أبي داود كتاب الأدب ٥ج/٣٤٣ ح ٥١٢٣ قال الألباني في المشكاة في إسناده عنعنة محمد بن إسحاق (٣/١٣٧٤) وأخرجه ابن ماجه في الجهاد (ج٢/٩٣١ ح ٢٧٨٤) .
(٣) سنن الترمذي في أبواب صفة القيامة (ج٧/٢٠٤ ح ٢٥١٨) وقال حديث حسن صحيح.
[ ١٠٦ ]
واشتغاله به من نقص توحيده (١) وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا.. ومعلوم أن التوحيد حصن الله الأعظم من دخله كان من الآمنين. قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء) (٢) .
هذا طريق من طرق منهج العقيدة في غرسها للولاء والبراء في النفوس. وطريق آخر: وهو استخدام مشاهد يوم القيامة، لتصوير الخصومة والعداء بين الأتباع والمتبوعين - الذين سلكوا غير منهج الله في الدنيا ووالوا وعادوا حسب العادات ودين الآباء - وتبرؤ كل فريق من صاحبه.
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ﴿١٦٦﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴿[سورة البقرة: ١٦٦- ١٦٧] .
ولا شك أن هذه حال من اتخذ من دون الله ورسوله وليجة وأولياء، يوالي لهم ويعادي لهم، ويرضى لهم، ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها، وشدة تعبه فيها ونصبه، إذ لم يخلص موالاته ومعاداته، ومحبته وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله.
ويوم القيامة ينقطع كل سبب ووسيلة وموالاة كانت لغير الله، ولا يبقى إلا من كان له سبب يصل بينه وبين ربه وهو حظه من الهجرة إلى الله ورسوله وعبادة الله وحده وما يلزم ذلك من الحب والبغض والعطاء والمنع والولاء والعداء والقرب
_________________
(١) يشترط في هذا عدم ترك الأسباب لأن فعل السبب من باب التوكل (اعقلها وتوكل)
(٢) بدائع الفوائد لابن القيم (٢/٢٤٥) - بتصرف.
[ ١٠٧ ]
والبعد وتجريد متابعة رسول الله ﷺ والإعراض والترك لما خالف سنته وهديه) (١) .
ومن منهج القرآن أيضًا في موضوع الولاء والبراء ضرب المثل، وهذا كثير في القرآن الكريم وأبرز مثال في هذه القضية هو إبراهيم ﵇ خليل الرحمن وأبو الأنبياء. فإنه هو القدوة الأولى في الولاء والبراء. ونظرًا لأهمية ذلك أترك الحديث عنه إلى فصل مستقل في هذا الباب إن شاء الله.
وإذا وجدت محبة الله في القلب، تحمل المؤمن حينئذ وتقبل تكاليف هذه المحبة ولوازم عبادته لله تعالى ومن ذلك جهاد أعداء الله وبغضهم وهجرتهم والصبر على الأذى في سبيل الله.
ثم يمضي القرآن الكريم في أسلوب عرض هذه العقيدة مستخدمًا التهديد والوعيد بعد البيان والإيضاح وإقامة الحجة على الناس فيقول ﷿:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ﴿[سورة المائدة:٥٤] .
أما المستجيبون لأمر الله فإن الله يحبهم وهو ناصرهم ومولاهم
﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص ﴿[سورة الصف:٤]
_________________
(١) انظر الرسالة التبوكية لابن القيم (ص٥١) .
[ ١٠٨ ]
﴿بَلِ اللهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴿[سورة آل عمران: ١٥٠] .
﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴿[سورة الحج: ٧٨] .
ومن لوازم محبة الله اتباع رسول الله ﷺ
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿[سورة آل عمران: ٣١] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فاتباع سنة رسوله ﷺ واتباع شريعته باطنًا وظاهرًا هو موجب محبة الله، كما أن الجهاد في سبيل الله، وموالاة أولياؤه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها) (١) .
ويقول الحسن البصري ﵀:
(زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (٢) لقد ربى الكتاب والسنة الأمة على الحب في الله والبغض في الله، والولاء في الله والبراء في الله، حتى وصلت إلى حد أن لو قذفت في النار لكان أحب إليها من أن تعود في الكفر بعد إذ أنقذها الله منه.
ولئن كان الولاء والبراء قد غاب اليوم في واقع حياة المسلمين - إلا من رحم ربك - فإن هذا الغياب لا يغير من الحقيقة الناصعة الجلية شيئًا لأن هذا الأمر العظيم كما يقول الشيخ حمد بن عتيق (٣):
(ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) (٤) . وما
_________________
(١) التحفة العراقية (ص٧٦) .
(٢) تفسير ابن كثير (ج٢/٢٥) .
(٣) ستأتي ترجمته قريبًا.
(٤) النجاة والفكاك (ص١٤) .
[ ١٠٩ ]
سر استيراد مذاهب البشر الإلحادية وأفكارهم القاصرة إلا نتيجة حتمية لغياب ولائهم لله ورسوله وعدم براءتهم من الطواغيت المقنعة ببهرج الباطل وزيف الحقيقة.
[ ١١٠ ]
بعض صفات إبليس لآدم ﵇
الفصل الثاني
أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
وطبيعة العداوة بينهما
إن وجود أولياء الرحمن وأولياء الشيطان أمر قديم نشأ منذ خلق آدم ﵇ وأمر الله للملائكة بالسجود له فسجدت إلا إبليس أبى واستكبر.
وقد تحدث القرآن الكريم عن قصة هذه العداوة بين آدم وإبليس في سور شتى من أبرزها سورة البقرة وسورة الأعراف وسورة طه وغيرها.
قال تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤﴾ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ﴿٣٥﴾ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴿٣٦﴾ فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٣٧﴾ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فلا
[ ١١١ ]
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿[سورة البقرة:٣٤ - ٣٨] .
وفي سورة الأعراف يأتي بيان عدم سجود إبليس:
﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴿[سورة الأعراف:١٢] .
لقد كان أمر الله لإبليس أن يسجد فكان رده لعنه الله الامتناع والاستكبار مستخدمًا في ذلك قياسه الفاسد: إن النار أشرف من الطين! وهو بهذا ينصب نفسه ندًا لله ﷾: الله يقول كذا. فيقول إبليس أنا أرى كذا. ولذلك استحق اللعنة والطرد من رحمة الله.
وانقسام الناس إلى فريق الهدى وفريق الضلال بدأ بهذه البداية كما ذكر ذلك المولى سبحانه:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿[سورة التغابن: ٢] .
فأما الفريق الذي أجاب دعوة الرسل وآمن بكتب الله المنزلة ورسله المبعوثين رحمة للناس فهؤلاء أولياء الرحمن.
[ ١١٢ ]
بعض صفات أولياء الشيطان
وأما الفريق الذي أعرض واستكبر فهم أولياء الشيطان.
وقبل الحديث عن الفريقين لا بد أن نعلم أن الله ﷾ قد أقام الحجة على عباده فبين لهم عداوة الشيطان - حتى بعد قصته مع آدم -
فهو سبحانه لم يذكر قصة آدم وعداوة إبليس له عدة مرات في القرآن فحسب، بل زاد الأمر بيانًا فحذر بني آدم في مواضع كثيرة من القرآن أن يستمعوا لغواية الشيطان ويعرضوا عن طريق الله المستقيم قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿[سورة البقرة: ٢٠٨] .
ثم يأتي التذكير مع التحذير في قوله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴿[سورة الأعراف: ٢٧] .
ولم يقتصر البيان القرآني الكريم على هذا بل قد كشف للناس المخطط الشيطاني، حتى يبصر كل ذي عينين ويتفكر أولوا الألباب فقال تعالى عن إبليس:
﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴿١١٨﴾ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ
[ ١١٣ ]
فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ﴿١١٩﴾ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ﴿[سورة النساء: ١١٨ - ١٢٠] .
ثم يذكر الله للناس مشهدًا من مشاهد يوم القيامة حين يندم أولياء الشيطان ولات ساعة مندم فيقول سبحانه: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٥٩﴾ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿٦٠﴾ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴿[سورة يس: ٥٩ - ٦١] .
ومشهد آخر لإبليس حين يتبرأ من أتباعه:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿[سورة إبراهيم: ٢٢] .
[ ١١٤ ]
إنه ليس بعد بيان الله بيان. والأشياء لأصلها تعود كما يقولون فما دام أن إبليس عدو لآدم فلا شك أن أتباع إبليس وحزبه أعداء لأولياء الرحمن وأتباع المرسلين. ومن ثم فلا التقاء بين الفريقين ولا هوادة بينهما.
إنها الحرب والعداوة والحسد والاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة وكل ما يوحي به إبليس لأتباعه ذلك سلاح حزب الشيطان.
وحزب الشيطان أناس يتربصون بالمؤمنين يحاولون ما استطاعوا أن يصدوهم عن ذكر الله، ولقد أخبرنا الله ﷻ بذلك في مواضع عدة من كتابه الكريم فقال سبحانه عن سخرية أعداء الله بحزب الله.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿[سورة البقرة: ٢١٢] .
﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿[سورة الأعراف: ٦٦] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩﴾ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ ﴿[سورة المطففين: ٢٩- ٣٢] .
[ ١١٥ ]
وانظر إلى تصوير القرآن لعداوة حزب الشيطان، وما تنطوي عليه نفوسهم ضد المؤمنين في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفأنبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿[سورة الحج: ٧٢] .
وهاهنا حقيقة هامة وهي: أن العداوة التي وقعت بين آدم ﵇ وبين إبليس هي عداوة قائمة بين إبليس وبني آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وتاريخ البشرية كله ما هو إلا مصداق لحقيقة انقسام الناس إلى فريق الهدى والرشاد وفريق الهوى والشهوة والشيطان.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ والله بما تعملون بصير ﴿[سورة التغابن:٢] .
وعلى ذلك فإنه لا التقاء بين الفريقين في الدنيا ولا في الآخرة ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (ج٢٨/٥٧) .
[ ١١٦ ]
وانظر إلى عداوة قوم نوح ﵇ له وقوم عاد وقوم صالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ثم محمد ﷺ، ثم العداوة التي تقابل بها الجاهلية أهل الإيمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وإذا كان أولياء الرحمن مصرين على اتباع هدي ربهم فإن أولياء الشيطان يصرون أيضًا على التردي في حمأة الجهل والضلال، عابدين للطاغوت سواء كان هذا الطاغوت ندًا يعبد أو شهوة يراد إشباعها أو جنسًا أو لغة أو سلطة أو أرضًا أو دين الآباء الأولين. وصدق الله العظيم إذ يقول:
﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿[سورة البقرة: ٢٥٧] .
أما حزب الرحمن فهم (الذين ينتمون إليه سبحانه، ويستظلون برايته، ويتولونه ولا يتولون أحدًا غيره، وهم أسرة واحدة وأمة واحدة من وراء الأجيال والقرون، ومن وراء المكان والأوطان ومن وراء القوميات والأجناس، ومن وراء الأرومات والبيوت) (١) .
وقد جاء الدين الإسلامي بفيصل التفرقة بين الحق والباطل، وبين الإسلام والجاهلية فلم يجعل التقاء الناس على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو التراب كما تفعل ذلك الجاهليات القديمة والحديثة على سواء- بل جعل التقاء الناس على العقيدة في الله، وجعل المفاضلة بينهم بالعمل الصالح قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
_________________
(١) في ظلال القرآن (ج١/٤١٣) .
[ ١١٧ ]
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿[سورة الحجرات: ١٣] .
وقال ﷺ: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. كلكم لآدم وآدم من تراب) (١) .
وقال أيضًا: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي أو فاجر شقي) (٢) . ولقد تبرأ المصطفى ﷺ من أقرباء له ليسوا على دينه، ليضع من نفسه قدوة للمؤمنين فقال فيما رواه عمرو بن العاص ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول جهارًا من غير سر (إن آل فلان - أناس من أقاربه - ليسوا لي بأولياء، وإنما ولي الله وصالح المؤمنين) متفق عليه) (٣) .
وقال ﷺ: (إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا) (٤) وهذا موافق لقوله تعالى:
﴿َإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿[سورة التحريم: ٤] .
من هنا: كان المؤمنون هم أولياء الله لأنهم استجابوا لما أراد الله فتلقوا منه وحده، وعبدوه وحده، وخافوه وحده. بعكس الفريق الثاني فإنهم كلما دعاهم رسول من رسل الله قالوا
﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (ج٥/٤١١) عن أبي نضرة وإسناده صحيح إلا أنه مرسل لأن أبا نضرة ليس صحابيًا.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) صحيح البخاري كتاب الأدب (ج١٠/٤١٩ ح ٥٩٩٠) ومسلم في الإيمان (١/١٩٧ ح ٢١٥) .
(٤) مسند أحمد: (ج٥/٢٣٥) وهو حديث صحيح. انظر تخريج كتاب فقه السيرة للغزالي (ص٤٨٥) وصحيح الجامع الصغير (ج٢/١٨١ ح ٢٠٠٨) .
[ ١١٨ ]
كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴿[سورة البقرة: ١٧٠] .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴿[سورة المائدة: ١٠٤] .
ومن صفات أولياء الرحمن: الاستجابة والانقياد لحكم الله وشرعه واتباع أمره قال تعالى:
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿[سورة النور: ٥١] .
أما أولياء الشيطان: فمن سماتهم الاعراض عن حكم الله وشرعه، واتباع الهوى والشيطان قال تعالى:
﴿ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ورعنا ليًا بألسنتهم وطعنًا في الدين ﴿[سورة النساء: ٤٦] .
[ ١١٩ ]
وقال
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ﴿[سورة السجدة: ٢٢] .
يقول العلامة ابن القيم:
(كل من كذب رسول الله ﷺ، وأعرض عن متابعته، وحاد عن شريعته، ورغب عن ملته، واتبع غير سنته، ولم يتمسك بعهده، ومكن الجهل من نفسه، والهوى والفساد من قلبه، والجحود والكفر من صدره، والعصيان والمخالفة من جوارحه فهو ولي الشيطان) (١) .
ومن سمات أولياء الشيطان أنهم:
(إذا جاء الحق معارضًا في طريق رياستهم طحنوه، وداسوه بأرجلهم، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان، فإن لم يجدوا منه بدًا أعطوه السكة والخطبة، وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء الحق ناصرًا لهم، وكان لهم صالوا به وجالوا، وأتوا إليه مذعنين لا لأنه حق بل لموافقته غرضهم وأهوائهم،
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٤٨﴾ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿٤٩﴾ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿(٢) [سورة النور ٤٨-٥٠] .
_________________
(١) هداية الحيارى: (ص٧) .
(٢) مدارج السالكين (ج١/٥٣) .
[ ١٢٠ ]
طبيعة العداوة بين الفريقين
بعد أن بينا سمات الفريقين، نتحدث الآن عن العداوة بينهما، ومعرفة هذه العداوة أمر لا بد منه لتمييز الخبيث من الطيب.
﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿[سورة آل عمران: ١٧٩] .
ومعرفة العداوة بين الفريقين أمر هام يكشف ألعوبة بعض المتسمين بأسماء إسلامية وهم يسعون لتذويب المسلم في خضم الجو الجاهلي المعاصر وتمييع ولائه لربه ودينه وإخوانه المسلمين. وأمانة براءته وعداوته لكل عدو لهذا الدين.
هذه الحقيقة الهامة الناصعة يحاول أعداؤنا تزييفها: بأن الكفار أصدقاء أوفياء شرفاء يجب أن يكون لهم الحب والتقدير، والإجلال والإكبار والتعظيم، يقولون أننا متأخرون وهؤلاء القوم متقدمون يجب أن نسلك مسلكهم، وننهج نهجهم نقتفي آثارهم في كل وضع وحال، نأخذ حضارتهم بكاملها حلوها ومرها، حقها وباطلها، بل إنه لا باطل فيها (١) .
ولكن هيهات خسئوا وخابوا، إن حزب الله هم الأعلون عند الله قدرًا، وهم الأعلون ولو كانوا أقل عددًا، وحزب الشيطان هم الخاسرون ولو كانوا عدد الحصى.
ولا بد أن يسبق حديث العداوة بين الفريقين، نبذة بسيطة عن عداوة إبليس للإنسان حتى نعلم مداخل الشيطان لهذه النفس البشرية، ومدى تلبيسه الحق بالباطل على أوليائه فيبين الحق للمؤمن فيأخذ الحذر على نفسه ومن معه، ويعبد الله على بصيرة منه ونور من شرعه.
_________________
(١) ممن تزعم هذا الاتجاه طه حسين وأضرابه. انظر إذا شئت كتابه مستقبل الثقافة في مصر.
[ ١٢١ ]
عداوة الشيطان للإنسان تتمثل في ست مراتب
وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن عداوة الشيطان للإنسان تتمثل في سبع مراتب أذكرها هنا بالاختصار.
(١) الكفر والشرك، ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر الشيطان بذلك من ابن آدم برد أنينه، واستراح من تعبه معه، وهو أول ما يريد من العبد، فإن ظفر به صيره من عسكره ونوابه، فصار من دعاة إبليس، فإن يئس من ذلك نقله للمرتبة الثانية من الشر وهي.
(٢) البدعة: لأنها أحب إليه من: الفسوق والعصيان، وذلك أن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد، وهي مخالفة لدعوة الرسل، فإن كان الشخص ممن يعادي أهل البدع والضلال نقله إلى المرتبة الثالثة وهي:
(٣) الكبائر على اختلاف أنواعها، فيحرص أن يوقعه فيها، خاصة إذا كان عالمًا متبوعًا لينفر الناس عنه. ومن المعلوم أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، هذا إذا أحبوا إشاعتها، فكيف إذا تولوا هم إذاعتها؟ فإن عجز عن هذه نقله للتي بعدها وهي:
(٤) الصغائر التي إذا اجتمعت ربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي ﷺ (إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك قوم نزلوا بفلاة من الأرض) (١) . وذكر حديثًا معناه أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشتووا. ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها. فيكون صاحب الكبيرة الخائف أحسن حالًا منه، فإن أعجزه العبد عن هذه نقله للخامسة.
(٥) إشغاله بالمباحات التي لا ثواب ولا عقاب، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها، فإن أعجزه العبد عن هذه بأن كان حافظًا لوقته شحيحًا به، يعلم مقدار أنفاسه وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله للتي بعدها.
_________________
(١) الحديث في مسند أحمد (ج٥/٣٣١) وهو حديث صحيح انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح٣٨٩) وصحيح الجامع (ج٢/٣٨٦ ح ٢٦٨٣ و٢٦٨٤) .
[ ١٢٢ ]
أسباب العداوة
(٦) إشغاله بالعمل المفضول عن الفاضل ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل، ويفتح له أبواب خير كثيرة، كما ورد أنه يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير إما ليتوصل إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين وأجل وأفضل. وهذا أمر لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة الرسول ﷺ وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله، وأحبها إليه، وأرضاها له، وهذا لا يعرفه إلا من كان من ورثة الرسول ﷺ ونوابه في الأمة، وخلفائه في الأرض والله يمن بفضله على من يشاء من عباده (١) .
(٧) فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست: سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفاءه ليشوش عليه قلبه، ويمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه لا يفتر ولا يني فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.
وما دام أن هذا هو كيد الشيطان للإنسان فما هو سبب العداوة ومثيرتها بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؟
والجواب على ذلك أحد أمور أربعة أو الأربعة مجتمعة.
(١) الكبر: فأولياء الشيطان استكبروا على الحق وعلى الرسول وعلى الرسالة.
قال الله تعالى فيهم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿[سورة غافر: ٥٦] .
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/٢٦٠ - ٢٦٢) بتصرف.
[ ١٢٣ ]
وقال تعالى:
﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون ﴿[سورة البقرة: ٧] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿[سورة لقمان: ٧] .
(٢) استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، واللصوق بالشهوات واللذائذ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿[سورة النحل: ١٠٧] .
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴿[سورة إبراهيم: ٣] .
وإذا وجد الكبر وحب الدنيا على الآخرة أو أحدهما: فإن أرباب ذلك ينزعجون من وجود عباد الله المخلصين، حتى ولو لم يظهر لهم منهم أي احتكاك فإن وجودهم بهذا النقاء وبهذه الطهارة وبذلك الاستعلاء أمر يغيظ أعداء الله قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴿[سورة النساء: ٨٩] .
[ ١٢٤ ]
ذلك أن وجود الفريق الطاهر يشعر الفريق الدنس بخبث طويته وقبيح فعله، فمن هنا يبدأ كيد أعداء الله لأولياء الله بكل ما تعني كلمة (كيد) سواء كان ذلك بالسخرية أو الاستهزاء، أو العذاب والاضطهاد، أو التربص للمؤمنين بكل ما يسوء.
(٣) الحسد: فثائرة أولياء الشيطان لا تهدأ، ولذلك يكنون للمؤمنين الحسد والحقد، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز بقوله تعالى:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿[سورة البقرة:١٠٩] .
أجل هذه هي أمنيتهم أن يكفر عباد الله ليتساووا معهم في الكفر والضلال، وقد بين الله عظيم حقدهم وحسدهم لو ظهروا على المؤمنين فقال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً ﴿[سورة التوبة:٨] .
(٤) سلب الهيمنة والولاء: وهذا أمر يختص بـ (الملأ) أي السادة والطواغيت الذين يستعبدون الناس، حيث يتقدم الناس لهم بالإجلال والتعظيم والرغبة والرهبة، والخوف والرجاء. فإذا جاء دين الله وشرعه الذي يحرر الناس من عبودية العبيد إلى عبادة الواحد القهار فإن (الملأ) يثورون ويعادون عادة الخير، لأنهم يشعرون حينئذ أن سلطانهم قد سلب وأن شرفهم قد زال، وأن الناس لم يعودوا يخشونهم أو يرهبونهم، لأن دين الله قد حررهم وأعزهم
[ ١٢٥ ]
وعبدهم لله فخوفهم من الله، وحبهم لله، وولاؤهم لله، وبغضهم في الله.
ودليل هذا فعل كسرى حين جاءه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الدخول في الإسلام فاستكبر في نفسه وكأنه يقول: أمر عجيب الأعراب الذين كانوا رعاة لنا يأتون إلي لأدخل في دينهم الجديد! وظن أن ملكه سيزول إذا دخل في الدين الجديد، فما كان منه إلا أن مزق الكتاب. وقد استجاب الله دعوة نبيه فمزق الله ملك كسرى شر ممزق، فهكذا الطواغيت التي لا تدين لله بالولاء والسلطة والحاكمية تعادي أولياء الرحمن وتصب عليهم أشد أنواع العذاب كما قال تعالى:
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿[سورة البروج: ٨] .
(والجاهلية لا تكره الإسلام لأنها - في دخيلة نفسها - لا تعرف ما فيه من الحق والخير، أو لأنها بينها وبين نفسها - تعتقد حقًا أن باطلها الذي تعيش فيه أصوب وأقوم من الإسلام! كلا! فهي تكرهه وهي عالمة بما فيه من الحق والخير وبأنه هو الذي يقوم ما آعوج من شؤون الحياة، وإنما تكرهه لأنها حريصة على هذا العوج لا تريد تقويمه، وتود أن تبقى الأمور على آعوجاجها ولا تستقيم،! تكرهه لأنها هي الجاهلية.. وهو الإسلام!
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴿(١) [سورة فصلت:١٧] .
_________________
(١) جاهلية القرن العشرين للأستاذ محمد قطب (ص٣٢٢) .
[ ١٢٦ ]
أما طبيعة عداوة أولياء الرحمن لأعدائهم: فهي جزء من عقيدتهم وأحسب أني فصلت القول في هذا في التمهيد حين تكلمت عن لوازم لا إله إلا الله – أنهم يبغضون في الله من حاد الله ورسوله قال تعالى:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿[سورة المجادلة: ٢٢] .
إنهم لا يلتقون مع أعدائهم في منتصف الطريق بل يقولون كما قال إمامهم إبراهيم ﵇:
﴿إِنَّا بُرَاءؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴿[سورة الممتحنة:٤] .
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
(إنه لا يستقيم للإنسان إسلام – ولو وحد الله وترك الشرك – إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض كما قال تعالى:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا ﴿[سورة المجادلة: ٢٢] (١)
_________________
(١) مجموعة التوحيد (ص١٩) (ستة مواضع من السيرة) طبعة دار الفكر.
[ ١٢٧ ]
وما دمنا قد عرفنا منطلق العداوة وحقيقتها فيجب أن نعلم أن هذا هو (القاسم المشترك) بين أعداء الإسلام بشتى أصنافهم كفار ومشركين ومنافقين وكل من كره الإسلام وعاداه.
إن طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيدًا أصحاب المناهج الأخرى طبيعة الإصرار على إقامة مملكة الله في الأرض، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين الناس كافة وبين حرية الاختيار الحقيقية.. ثم إنها طبيعة التعارض بين منهجين للحياة، لا التقاء بينهما في صغيرة ولا كبيرة وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم، فهي حتمية لا اختيار فيها في الحقيقة لهؤلاء ولا لهؤلاء وهذه الظاهرة يقررها القرآن بقوله (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) (١) .
ونذكر بعض عداوات هذه الأصناف حسبما نص عليه القرآن الكريم فأما الكفار فقد قال الله تعالى عنهم:
﴿يُرِيدُونَ ليطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿[سورة الصف: ٨] .
وقال في شأن "المشركين ":
﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴿[سورة البقرة: ١٠٥] .
_________________
(١) انظر طريق الدعوة في ظلال القرآن (ج١/٨٠) .
[ ١٢٨ ]
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿[سورة الصف:٩] .
وأما عداوة " أهل الكتاب" فالله يقول عنهم:
﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴿[سورة البقرة: ١٢٠] .
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ ﴿[سورة المائدة:٨٢] .
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ﴿[سورة النساء:٤٤] .
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿[سورة آل عمران: ١١٩]
[ ١٢٩ ]
أما عداوة " المنافقين ": فقد نبه القرآن الكريم على ذلك في مواضع كثيرة ومن ذلك ما ورد في أول سورة البقرة حيث ذكرهم في ثلاث عشرة آية من آية ٨ – ٢٠ (وذلك لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًا، لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد.
(فلله كم معقل للإسلام قد هدموه! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من لواء مرفوع قد وضعوه.. اتفقوا على مفارقة الوحي فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون:
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون ﴿[سورة المؤمنون:٥٣] .
(رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم العقل المعيشي: إن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون.
﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿[سورة البقرة: ٩]
(من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات فركبوا مراكب الشبه والشكوك، تجري بهم في موج الخيالات، فلعبت
[ ١٣٠ ]
بسفنهم الريح العاصف، فألقتها بين سفن الهالكين.
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴿(١) [سورة البقرة: ١٦] .
وقد نزل بخصوصهم سورة كاملة في القرآن هي سورة (المنافقون) وقد ورد فيها صريح عداوتهم للمؤمنين في قوله تعالى عنهم:
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴿٧﴾ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴿[سورة المنافقون: ٧-٨] .
وما دمنا قد عرفنا عداوات هذه الأصناف للإسلام، فإنه لجدير بنا أن نؤكد خطورة عداوة اليهود والنصارى لأنهم هم المسيطرون اليوم على معظم بقاع الأرض، وهم الذين يثبتون غزوهم بشتى الأساليب، وهم رمز (البهرج
_________________
(١) مدارج السالكين (ج١/٣٤٧ – ٣٤٩) بتصرف.
[ ١٣١ ]
والانبهار) أمام المخدوعين من أبناء المسلمين.
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
(إن حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة هي من أجل العقيدة. وهم قد يختصمون فيما بينهم ولكنهم يلتقون دائمًا في المعركة ضد الإسلام والمسلمين.
(وقد يرفعون لهذه المعركة أعلامًا شتى – في خبث ومكر وتورية – لأنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة، فخوفًا من حماس العقيدة الإسلامية وجيشانها: أعلنوا الحرب باسم الأرض والاقتصاد والسياسة والمراكز العسكرية، وألقوا في روع المخدوعين منا: إن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها! ولا يجوز رفع رايتها، وخوض المعركة باسمها، فهذه سمة المتخلفين المتعصبين! وذلك ليأمنوا جيشان العقيدة من جديد، بينما هم في قرارة نفوسهم جميعًا: يخوضون المعركة أولًا وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلًا فأدمتهم جميعًا!
فإذا نحن خدعنا بخدعتهم فلا نلومن إلا أنفسنا، ونحن نبتعد عن توجيه الله لنبيه ﷺ ولأمته وهو سبحانه أصدق القائلين:
﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴿[سورة البقرة:١٢٠] .
(هذا هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه وما سواه فمرفوض ومردود. ولكن الأمر الحازم والتوجيه الصادق «قل إن هدى الله هو الهدى» على سبيل القصر والحصر هدى الله هو الهدى وما عداه فليس بهدى) (١) .
_________________
(١) بتصرف: في ظلال القرآن (ج١/١٠٨) .
[ ١٣٢ ]
وخلاصة القول:
إن حقيقة العداوة وطبيعتها هو اختلاف الدينين، وافتراق المنهجين. فإما دين الله واتباع شرعه وموالاة عباده المؤمنين.
وإما دين الباطل واتباع الهوى والشهوات والانضمام إلى حزب الشيطان، فعلى أولياء الله أن يعتزوا بدينهم، وأن يستعلوا فوق وطأة الباطل فإنهم هم المنصورون، وإذا كان أعداء الله يتباهون بقوتهم وكثرة عددهم وعدتهم فإن المؤمنين يفخرون بنصر الله وكريم معيته وعونه لهم.
فقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: قال (يقول الله تعالى «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» (١) .
ويقول الله ﵎:
﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴿[سورة النحل:١٢٨] .
ويقول:
﴿ذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ ﴿[سورة الأنفال: ١٢] .
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٣٣ ]
ويقول تعالى:
﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴿[سورة محمد: ٣٥] .
وإذا قلبنا صفحات التاريخ وجدنا مصداق ذلك، ففي غزوة بدر نصر الله القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، وأعز دينه ونصر حزبه، وفتوحات المسلمين شرقًا وغربًا وتحطيم عروش كسرى وقيصر ليست بغائبة عن الأذهان.
ونصر الله وتأييده للمؤمنين في معركتهم مع التتار ومع الصليبين الحاقدين. وغيرها من مئات الحوادث سواء كانت على مستوى الفرد أم الجماعة خير شاهد على ما نقول.
وسيبقى النصر والعون والمدد لأولياء الله إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما على المؤمنين إلا الصدق مع الله والإخلاص في العمل ابتغاء مرضاته هو وحده، والعمل وفق كتابه وسنة نبيه ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا.
[ ١٣٤ ]
الفصل الثالث
عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء
لابد أن نذكر معتقد أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء حتى يخرج بذلك أرباب البدع والأهواء التي لا تستند إلى دليل قوي من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
على المؤمن أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه - وإن ظلمه. فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية.
قال تعالى:
﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ﴿[سورة الحجرات:٩] .
(فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه.
(وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة
[ ١٣٥ ]
الناس في الحب والبغض ثلاثة أصناف
والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) (١) .
ولمّا كان الولاء والبراء مبنيين على قاعدة الحب والبغض كما أسلفنا فيما سبق فإن الناس في نظر أهل السنة والجماعة - بحسب الحب والبغض والولاء والبراء - ثلاثة أصناف:
الأول: من يحب جملة. وهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علمًا وعملًا واعتقادًا. وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهى عما نهى الله عنه، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدم قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد كائنًا من كان (٢) .
الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه، فهو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فيحب ويوالي على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادي على قدر ما معه من الشر ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.. وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار (٣) . وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ - كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٤) مع أنه ﷺ لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه (٥) .
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (ج٢٨/٢٠٨ - ٢٠٩) .
(٢) إرشاد الطالب لابن سحمان (ص١٣) .
(٣) عبد الله بن حمار هكذا أورده ابن سحمان والموجودة في (صحيح البخاري): (١٢/٧٥) أنه عبد الله، كان يلقب حمارًا. وقال ابن حجر: كان يهدي إلى النبي ﷺ ويضحكه في كلامه. انظر الاصابة (ج٤/٢٧٥) تحقيق البخاري.
(٤) صحيح البخاري كتاب الحدود باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة (ج١٢/٧٥ ح ٦٧٨٠) .
(٥) سنن أبي داود: (ج٤/٨٢، ح٣٧٦٤) كتاب الأشربة، وابن ماجة: (ج٢/١٢٢، ح٣٣٨٠) في الأشربة وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (ج٥/١٩ ح ٤٩٦٧) .
[ ١٣٦ ]
الثالث: من يبغض جملة وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره وأنكر البعث بعد الموت، وترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحدًا من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعًا من أنواع العبادة كالحب والدعاء، والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل، والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر والإبانة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق، أو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك كل من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها (١) .
فأهل السنة والجماعة - إذن - يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاء كاملًا ويحبونه وينصرونه نصرة كاملة، ويتبرأون من الكفرة والملحدين والمشركين والمرتدين ويعادونهم عداوة وبغضًا كاملين. أما من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيوالونه بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادونه بحسب ما هو عليه من الشر.
وأهل السنة والجماعة يتبرأون ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴿[سورة المجادلة:٢٢] .
ويمتثلون لنهيه تعالى في قوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
_________________
(١) ارشاد الطالب (ص١٩) .
[ ١٣٧ ]
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿[سورة التوبة:٢٣-٢٤] .
ويلخص الإمام ابن تيمية مذهب أهل السنة والجماعة فيقول:
(الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمنًا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرًا وجبت معاداته من أي صنف كان.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿٥٥﴾ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فإن حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴿[سورة المائدة: ٥٥-٥٦] .
وقال:
﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴿[سورة المائدة: ٥١] .
وقال:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴿[سورة التوبة:٧١] .
ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج والمعتزلة.
[ ١٣٨ ]
ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة
قال تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
إلى قوله:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴿[سورة الحجرات: ٩-١٠] .
فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.
( ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم بشهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك) (١) .
الولاء والبراء القلبي:
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع أن الولاء القلبي وكذلك العداوة يجب أن تكون كاملة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فأما حب القلب وبغضه، وإرادته وكراهته، فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل.
ذلك أن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله، وبغض الله ورسوله وهذا نوع من الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (ص ١٠٨ -٢٠١) الطبعة الأولى سنة ١٣٤٩ هـ مطبعة المنار بمصر.
[ ١٣٩ ]
اللَّهِ ﴿[سورة القصص: ٥٠] . (١)
موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب البدع والأهواء:
يدخل في معتقد أهل السنة والجماعة البراءة من أرباب البدع والأهواء.
والبدعة: مأخوذة من الابتداع وهو الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذي ولا ألف مثله ومنه قولهم: ابتدع الله الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴿[سورة البقرة: ١١٧] .
وقوله: ﴿قل ما كنت بدعًا من الرسل ﴿[سورة الأحقاف: ٩] .
أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.
وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (٢) .
قال ابن الجوزي:
«البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتدع. والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان» (٣) .
_________________
(١) شذرات البلاتين (ج١/٣٥٤) و(الأمر المعروف لابن تيمية) .
(٢) كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي (٣٨ - ٣٩) تحقيق محمد الطالبي.
(٣) تلبيس إبليس (ص٢٦) .
[ ١٤٠ ]
تنقسم البدعة إلى كفرية وغير كفرية
ولقائل أن يقول: ما شأننا الآن وأصحاب البدع لا سيما وأنت تتكلم عن ولاء الكفار والبراء منهم وموالاة المؤمنين ونصرتهم؟؟
والجواب على ذلك: أولًا: أن البدعة خطرها عظيم وكبير، والدليل على ذلك أنها تنقسم إلى رتب متفاوتة ما بين الكفر الصريح إلى الكبيرة والصغيرة، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي:
(البدعة تنقسم إلى رتب متفاوتة منها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بقوله:
﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴿[سورة الأنعام: ١٣٦] .
وقوله تعالى:
﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء ﴿[سورة الأنعام: ١٣٩] .
وقوله:
﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ﴿[سورة المائدة: ١٠٣] .
وكذلك بدعة المنافقين حين اتخذوا الدين ذريعة بحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح) (١) .
وقضية التحليل والتحريم خصوصية لله ﷿، فمن ادعى التحليل والتحريم فقد شرع ومن شرع فقد أله نفسه. وكما أن الله ﷾ هو
_________________
(١) الاعتصام (ج٢/٣٧) .
[ ١٤١ ]
الخالق فهو أيضًا صاحب الأمر والسلطان، قال تعالى:
﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴿[سورة الأعراف: ٥٤] .
وقال سبحانه:
﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ﴿[سورة النحل:١١٦] .
فهذه البدعة الكفرية وأمثالها لأصحابها منا العداء والبغض والكره والجهاد بعد الإعذار والإنذار،. والبراءة منهم لا تختلف عن البراءة من الكافر الأصلي. فقد قال ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١)
قال البغوي:
(وقد اتفق علماء السنة على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم) (٢) .
ونعود لرتب البدع كما ذكرها الشاطبي فقال:
(ومن البدع ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف فيها هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر، كبدعة التبتل (٣) والصيام قائمًا في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.
ومنها: ما هو مكروه كالاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في
_________________
(١) رواه البخاري في الصلح (ج٥/٣٠١ ح ٢٦٩٧) ومسلم كتاب الأقضية (٣/١٣٤٣ ح ١٧١٨) .
(٢) شرح السنة (ج١/٢٢٧) .
(٣) التبتل: هو الانقطاع عن الدنيا إلى الله. انظر مختار الصحاح ص ٥٣.
[ ١٤٢ ]
خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي (١) وما أشبه ذلك) (٢) .
فأرباب هذه البدع يتبرأ منهم أهل السنة والجماعة.
ثانيًا لخطورة البدع على الدين أورد هنا نماذج من أقوال سلف الأمة في التحذير من البدع وأصحابها. ومن ذلك ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ حيث يقول:
«من كان مستنًا فليستن بمن قد مات: أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم كانوا على الهدى المستقيم) (٣) . وقال سفيان الثوري ﵀: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها (٤) .
وقال الإمام مالك ﵀: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴿[سورة المائدة:٣] .
فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا (٥) .
_________________
(١) هو سلطان العلماء عبد العزيز السلمي الدمشقي فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد ولد سنة ٥٧٧ هـ وتوفي سنة ٦٦٠ هـ من مؤلفاته التفسير الكبير، والإلمام في أدلة الأحكام، وقواعد الشريعة وقواعد الأحكام والفتاوى. انظر الأعلام للزركلي (ج٤/٢١) الطبعة الرابعة وفية أن له ترجمة في فوات الوفيات (ج١/٢٨٧) وطبقات السبكي (ج٥/٨٠) والنجوم الزاهرة (٧/٢٠٨) وذيل الروضتين ٢١٦ - ومفتاح السعادة ٢/٢١٢.
(٢) الاعتصام (ج٢/٣٧) .
(٣) شرح السنة للبغوي (ج١/٢١٤) .
(٤) شرح السنة للبغوي (١ج/٢١٦) .
(٥) الاعتصام (ج٢/٥٣) .
[ ١٤٣ ]
وذكر الشاطبي ﵀ أن مفاسد البدع تنحصر في أمرين:
(١) أنها مضادة للشارع، ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة لا منصب المكتفي بما حد له.
(٢) أن كل بدعة - وإن قلت - تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقًا بما هو مشروع فيكون قادحًا في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدًا، لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير - قل أو كثر - كفر (١) .
ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع ومنها: قوله ﷺ «كل بدعة ضلالة» (٢) وقوله ﷺ «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٣) .
وقال أحد علماء السلف:
(لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون) (٤) .
فالخلاصة: أنه من معتقد أهل السنة والجماعة البراء من البدعيين خاصة أصحاب البدع الكفرية ولذلك سيرد مزيد من تفصيل هذا في الباب الثاني إن شاء الله.
_________________
(١) الاعتصام (ج٢/٦١) بتصرف بسيط.
(٢) صحيح مسلم كتاب الجمعة (٢ج/٥٩٢ ح ٨٦٧) .
(٣) صحيح مسلم كتاب العلم (ج٤/٢٠٦٠ ح ٢٦٧٤) .
(٤) شرح السنة للبغوي (ج١/٢٢٧) .
[ ١٤٤ ]
الفصل الرابع
أسوة حسنة في الولاء والبراء من الأمم الماضية
أ- إبراهيم الخليل ﵇:
لقد كان نبي الله إبراهيم ﵇: أسوة حسنة وقدوة طيبة في ولائه لربه ودينه وعباد الله المؤمنين، وبرائه ومعاداته لأعداء الله ومنهم أبوه.
لقد كانت سيرة نبي الله إبراهيم ﵇ مع قومه كأي نبي رسول حيث دعاهم بالتي هي أحسن إلى عبادة الله وتوحيده، وإفراده بالعبادة، والكفر بكل طاغوت يعبد من دون الله.
قال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾ يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿٤٥﴾ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ
[ ١٤٥ ]
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿٤٦﴾ قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا ﴿٤٨﴾ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًاّ جَعَلْنَا نَبِيًّا ﴿[سورة مريم: ٤١ - ٤٩] .
تلك هي نقطة البدء في دعوة خليل الرحمن، دعوة بالحسنى، مبتدئًا بأقرب الناس إليه، فإن لم يكن هناك تجاوب مع هذه الدعوة فالاعتزال لهذا الباطل وأصحابه عل في ذلك ردًا وزجرًا وتفكرًا في هذا الأمر الجديد، ونجاة للداعي من مشاركة أهل الباطل في باطلهم إذا كان لابد له من مخالطتهم ومعاشرتهم وعدم تمكنه من الهجرة من أرضهم.
ثم يمضي القرآن في بيان دعوة إبراهيم ﵇، مبينًا أنه استخدم مع قومه كل حجة ودليل:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٧٠﴾ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴿٧١﴾ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢﴾ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٧٤﴾ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾ فإنهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿[سورة الشعراء٧٠-٧٨] .
[ ١٤٦ ]
ولما لم يجدوا حجة وإنما هو التقليد الأعمى لفعل الآباء والأجداد قال لهم إبراهيم ﵇ أنا عدو آلهتكم، وهذا كما قال نوح ﵇ فيما أخبر الله عنه بقوله:
﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ ﴿[سورة يونس: ٧١] .
وقال هود ﵇:
﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴿٥٥﴾ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿[سورة هود:٥٤ - ٥٦] .
وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴿(١) [سورة الممتحنة: ٤] .
_________________
(١) انظر تفسير الآيات السابقة في ابن كثير (ج٦ / ١٥٦) .
[ ١٤٧ ]
وعقيدة إبراهيم ﵇ هذه هي التي عبر عنها علماؤنا الأجلاء علماء سلف هذه الأمة بقولهم: لا موالاة إلا بالمعاداة. كما قال العلامة ابن القيم ﵀:
(لا تصح الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين، أنه قال لقومه:
(أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة. فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بالبراء من كل معبود سواه قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءؤا مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فإنهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿[سورة الزخرف: ٢٦-٢٨] .
(أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، وهي كلمة لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة) (١) .
ويقول الإمام الطبري:
قد كانت لكم يا أمة محمد أسوة حسنة في فعل إبراهيم والذين معه في هذه الأمور من مباينة الكفار، ومعاداتهم، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم
﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴿[سورة الممتحنة: ٤] .
(فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك لأن ذلك كان من إبراهيم عن موعدة ودعدها إياه، قبل أن يتبين له أنه عدو لله فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، فتبرأوا من
_________________
(١) الجواب الكافي (ص٢١٣) وانظر تفسير ابن كثير (ج٧/٢١٢) ومجموعة التوحيد (ص١٣٣) .
[ ١٤٨ ]
أعداء الله، ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده ويتبرؤا من عبادة ما سواه، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء (١) .
وقد كان من نتيجة هذه المعاداة وهذا البراء القوي أن أجمع الطغاة على قتل إبراهيم - كما هو حال كل طاغية على مر عصور التاريخ في إبادة الدعاة إلى الله، لا لشيء إلا أنهم يدعونهم إلى عبادة الله وحده -
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿[سورة البروج:٨] .
- وجمعوا له نارًا عظيمة فكانت رعاية الله وحفظه تحوطان خليله الصادق ﵊ فصارت النار بردًا وسلامًا عليه
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴿٩٧﴾ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ ﴿[سورة الصافات: ٩٧ - ٩٨] .
(لقد عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب ﷻ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى:
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴿٦٨﴾ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ ﴿(٢) [سورة الأنبياء: ٦٨-٧٠] .
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٨/٦٢)
(٢) قصص الأنبياء، للحافظ ابن كثير (١/١٨١) وانظر تفاصيل القصة في نفس المصدر
[ ١٤٩ ]
وتأتي التوجيهات الربانية لخاتم الأنبياء محمد ﷺ باتباع ملة أبيه إبراهيم ﵇
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة النحل: ١٢٣]
﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة آل عمران: ٩٥] .
﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة البقرة ١٣٥] .
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿[سورة آل عمران: ٦٨] .
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴿[سورة النساء: ١٢٥] .
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ
[ ١٥٠ ]
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ﴿[سورة الحج: ٧٨] .
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴿[سورة البقرة: ١٣٠] .
فهذه الأخبار من الله لأمة محمد ﷺ عن فعل إبراهيم ﵇ من أجل الاقتداء به في الإخلاص، والتوكل على الله وحده، وعبادة الله وحده والبراء من الشرك وأهله ومعاداة الباطل وحزبه.
(ب) أمثلة أخرى على طريق الحق والهدى:
كما سبق أن ذكرنا أن دعوة الأنبياء واحدة. دعوة لعبادة الله وحده وإفراده بالدينونة والتأله والحب والرضى بحكمه وشرعه، والبراءة من كل طاغوت معبود من دون الله سواء بالرغبة أو الرهبة
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ﴿[سورة النحل: ٣٦] .
فإننا نجد أمثلة مشرقة ونماذج إيمانية رفيعة على طريق العقيدة الغراء.
إنهم المؤمنون، أينما وحيثما كانوا وحلوا وفي أي عصر ومصر عاشوا. يوردها ربنا ﵎ في محكم تنزيله، حتى تكون لنا أسوة حسنة. وتسلية لرسوله الكريم ﷺ عما كان يلاقيه هو وصحابته الأخيار.
وما أحوج الداعية المسلم - وهو الحريص على حب الخير لكل الناس - أن يتدبر هذه الأمثلة والنماذج الإيمانية فسيجد فيها العزاء والتسلية فيما يلاقيه من
[ ١٥١ ]
مشقة وعنت. وإذا كانت هذه سنة الله في أنبيائه وعباده الصالحين أن يتعرضوا للأذى والعنت – وهم أكرم خلق الله على الله – فمن باب أولى أن يلاقي دعاة الهدى والخير صنوفًا شتى من الأذى والسخرية والاستهزاء والعذاب وسيجدون معية الله تصحبهم وترعاهم وحفظه وقدره يحوطهم. وكل ما يلقونه إنما هو ابتلاء واختيار كما قال تعالى:
﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿[سورة آل عمران: ١٧٩] .
وحين يثبت المؤمنون على الحق، ويتوكلون على الله حق توكله، ويخافونه وحده، ولا يخافون إلا الله، فسيكون هذا دافعًا عظيمًا لدخول الناس في دين الله، والاهتداء بهديه، والاقتداء بهؤلاء الصادقين الذين ضحوا بكل غال ونفيس، وزهدوا فيما عند الناس راغبين ومؤملين فيما عند الله.
ومن هذه الأمثلة التي نريد الحديث عنها باختصار، نوح ﵊ فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا فلم يؤمن معه إلا القليل، والموقف الذي نريد أن نتحدث عنه من مواقفه ﵇ هو موقفه مع ابنه الذي عصاه وأبى أن يستجيب لدعوة أبيه. قال تعالى:
﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ﴿٤٢﴾ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴿٤٣﴾ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ
[ ١٥٢ ]
عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿٤٥﴾ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٤٦﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴿[سورة هود: ٤٢ – ٤٧] .
" إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين ليست وشيجة الدم والنسب، وليست وشيجة الأرض والوطن، وليست وشيجة القوم والعشيرة. وليست وشيجة اللون واللغة. ولا الجنس والعنصر، ولا الحرفة والطبقة إنها وشيجة العقيدة.
"أما الوشائج الأخرى فقد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد.
(ويبين الله لنوح لماذا لا يكون ابنه من أهله؟ " إنه عمل غير صالح " فوشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما " فلا تسألن ما ليس لك به علم " إنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك) (١) .
وهنا يأتي الإذعان الكامل والخوف من الله سبحانه وطلب مرضاته ورحمته فيقول عبده الصالح نوح ﴿رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ .
_________________
(١) في ظلال القرآن (٤/١٨٨٧)
[ ١٥٣ ]
لقد استعلى نبي الله على العاطفة ورضي بحكم الله، فلا لجاجة ولا التواء، ولا معذرة ولا تأويل، بل تسليم مطلق، واتباع لما يحب الله ويرضى، واعرض عما يكره ويبغض وولاء بمن يحب الله وبراء وعداء لمن حاد الله ولو كان أقرب قريب.
ولم يكن شأن نبي الله نوح ﵇ هذا مقصورًا على هذا الابن الكافر، بل أيضًا مع زوجته، ويا له من امتحان عظيم في الزوجة والابن!
هذه الزوجة تحدث عنها القرآن وعن نظيرة لها وشبيهة بفعلها وهي زوجة لوط ﵇، فقد ابتلى هذان النبيان بزوجتين فاسدتين ذكرهما الله لنا مثلًا في كتابه العزيز فقال:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴿[سورة التحريم: ١٠] .
على أن مما يجب التنويه عنه هنا – استطرادًا – أن هذه الخيانة في الدين، وليست في الفاحشة، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء ﵈.
أما امرأة نوح فكانت تفشي سره، إذا آمن معه أحد أخبرت الجبابرة من قومها، وامرأة لوط تخبر قومها بضيوف زوجها من أجل فعل السوء القبيح (١) .
وعلى النقيض من هذا الفعل المشين من هاتين المرأتين يضرب لنا القرآن مثلًا عاليًا في الإيمان والاستعلاء على الكفار من قبل امرأة مؤمنة هي زوجة فرعون اللعين قال تعالى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٨/١٩٨)
[ ١٥٤ ]
رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿[سورة التحريم: ١١] .
(إن هذه المرأة لم يصدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه، في قصر فرعون عن طلب النجاة وحدها، وقد تبرأت من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتًا في الجنة وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه، وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس به. " ونجني من فرعون وعمله" وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش بينهم " ونجني من القوم الظالمين " أنه مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صورة، فقد كانت امرأة فرعون، أعظم ملوك الأرض يومئذ!! في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي! لقد استعلت على هذا بالإيمان ولم تعرض عنه فحسب، بل اعتبرته شرًا ودنسًا وبلاء تستعيذ بالله منه.
إنها امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية. وقفت وحدها في وسط ضغط المجتمع وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، ورفعت رأسها للسماء! إنه التجرد الكامل من كل هذه المؤثرات والأواصر) (١) .
إن وقوف هذه المرأة أمام ذلك الجبار من الأهمية بمكان، عل في ذلك ما يدفع تثبيط الشيطان وحزبه لبعض دعاة الإسلام وهم يخافون أن يمسهم الناس بشيء لم يكتبه الله عليهم.
ألا فلنأخذ من قرآننا عبرة وعظة، وشحنة عمل، ومنهاج دنيا وآخرة حتى نقوم بما كلفنا الله به وشرفنا بالانتساب إليه وهي الدعوة إلى الله.
يقول قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده - فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه (٢)
_________________
(١) في ظلال القرآن (٦/٣٦٢٢) بتصرف
(٢) تفسير ابن كثير (٨/١٩٩)
[ ١٥٥ ]
وهناك أيضًا نموذج آخر، وعلم من أعلام دعاة صراط الله المستقيم. أنه مثل رفيع في الولاء لله ودينه وعبادة الصالحين في النصرة والجهاد بقدر الطاقة لإعلاء كلمة الله، والبراءة من الكفار بعد إقامة الحجة والبرهان عليهم، إنه مؤمن آل فرعون.
لننظر في موقفه وفي ولائه حين عزم الطاغية فرعون على قتل رسول الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. لقد قال مؤمن آل فرعون كما حكاه القرآن عنه:
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿[سورة غافر: ٢٦] .
واسم هذا الرجل حبيب النجار والمشهور أنه قبطيًا من آل فرعون. وكان يكتم إيمانه عن قومه القبط، ولم يظهره إلا هذا اليوم حين قال فرعون
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ﴿[سورة غافر: ٢٦] .
فأخذت الرجل غضبه لله ﷿ و(أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) (١) .
ولا أعظم من هذه الكلمة وهي قوله أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله (٢) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/٥١٤ ح ٤٣٤٤) في كتاب الملاحم والترمذي (٦/٣٣٨ ح ٢١٧٥) في كتاب الفتن وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجة (٢/١٣٢٩ ح ٤٠١١) في الفتن ومسند أحمد (٣/١٩) والنسائي في البيعة (٧/١٦١) وقال الألباني صحيح: انظر المشكاة (٢/١٠٩٤) .
(٢) انظر تفسير ابن كثر (٧/١٣٠) .
[ ١٥٦ ]
فانظر إلى ولاء هذا الرجل المؤمن لنبي الله موسى ونصرته له، وتدبر براءة من الطاغية حتى وهو يصب عليه العذاب.
وأخيرًا نقف مع الفتية الصلحاء (أصحاب الكهف) الذين تركوا الأهل والولد والوطن والعشيرة حين علموا أنه لا طاقة لهم بمواجهة ومجابهة قومهم فنجوا بأنفسهم إلى ذلك الكهف الذي تجلت فيه معجزة عظيمة يسوقها الله لنا عبرة وعظة في حفظه لعباده الصالحين.
قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴿١٣﴾ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴿١٤﴾ هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿١٥﴾ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا ﴿[سورة الكهف: ١٣-١٦] .
لقد كان موقف هؤلاء الفتية صريحًا وواضحًا وحاسمًا. وحين تتباين الطريقان ويختلف المنهجان لا يعود هناك سبيل إلى الالتقاء ولا للمشاركة في الحياة. بل لا بد من الفرار بالعقيدة.
انهم ليسوا رسلًا إلى قومهم فيواجهوا بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل، إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها. وهم أيضًا لا
[ ١٥٧ ]
يطيقون مداراة قومهم، وعبادة آلهتهم على سبيل التقية وإخفاء عبادتهم لله.
على أن الأرجح أن أمرهم قد كشف فلا بد من الفرار بدينهم إلى الله، وقد فروا إلى كهف خشن ضيق، مؤثرين له على كل زينة من زينة الحياة الدنيا.
إنهم يستروحون رحمة الله ويحسونها ظليلة فسيحة ممتدة (ينشر لكم ربكم من رحمته) ولفظه (ينشر) تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب، تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها.
إنه الإيمان! وما قيمة الظواهر؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضية؟
إن هناك عالمًا آخر في جنبات القلب المعمور بالإيمان، المأنوس بالرحمن عالمًا تظلله الرحمة والرفق والاطمئنان والرضوان (١) .
وهكذا تتعد الأمثال في جميع الوشائج والروابط، وشيجة الأبوة في قصة نوح ووشيجة البنوة والوطن في قصة إبراهيم، ووشيجة الأهل والعشيرة والوطن جميعًا في قصة أصحاب الكهف، ورابطة الزوجية في قصص امرأتي نوح ولوط وامرأة فرعون.
هكذا يمضي الموكب الكريم حتى تجيء الأمة الوسط، فنجد هذا الرصيد من الأمثال والنماذج والتجارب، فتمضي على النهج الرباني للأمة المؤمنة وتفترق العشيرة الواحدة والبيت الواحد حيث تفترق العقيدة.
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴿[سورة المجادلة: ٢٢] .
_________________
(١) الظلال (٤/٢٢٦٢) بتصرف بسيط.
[ ١٥٨ ]
لقد جمعت هذه العقيدة صهيبًا الرومي وبلالًا الحبشي، وسلمان الفارسي وأبا بكر العربي القرشي تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله (وتوارت عصبية القبيلة والجنس والأرض وقال لهم ﷺ (دعوها فإنها منتنة) (١) . وقال (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) (٢) فانتهى أمر هذا النتن، وماتت نعرة الجنس. واختفت لوثة القوم، واستروح البشر أرج الآفاق العليا، ومنذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض وإنما وطنه هو (دار الإسلام)، تلك الدار التي تسيطر عليها عقيدة، وتحكم فيها شريعة الله وحدها (٣) .
وتبقى سيرة المصطفى ﷺ وسيرة صحابته الأخيار منار هدي وإصلاح لمن سلك ذلك السبيل، ورضي بذلك النهج القويم.
أما من حاد عن ذلك وابتعد فالله ليس بوليه، وإنما وليه (الطاغوت)
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿[سورة البقرة: ٢٥٧] .
_________________
(١) صحيح البخاري (٨/٦٤٨ ح ٤٠٩٥) كتاب التفسير وصحيح مسلم (٤/١٩٩٩ ح ٢٥٨٤) كتاب البر والصلة.
(٢) صحيح مسلم (ج ٣/١٤٧٦ ح ١٨٤٨ وح ١٨٥٠) كتاب الإمارة وأبو داود (٥/٣٤٢ ح ٥١٢١) كتاب الأدب.
(٣) انظر معالم في الطريق (ص ١٤٣) .
[ ١٥٩ ]
الفصل الخامس
الولاء والبراء في العهد المكي
كان الحديث في الفصل السابق عن أمثلة مشرقة، وصور مضيئة من ولاء وبراء الأنبياء والرسل، والصالحين عبر تاريخ البشرية الطويل.
ونتحدث هنا عن الولاء والبراء من خلال سيرة نبينا محمد ﷺ، مستمدين ذلك من الوحيين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكتب السير والمغازي.
وقد اعتمدنا في تقسيم الآيات إلى مكي ومدني، على ما ذكره العلماء في كتب التفسير وعلوم القرآن من أن المكي: - على الأشهر - هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها (١) .
وسبق أن قلنا في التمهيد: أن المسلم منذ أن يعلن شهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإن ذلك يعني إفراد الله ﷾ بالوحدانية والألوهية والربوبية وخلع كل ولاء وعبودية وطاعة وخضوع وخوف ورجاء لأي معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله. وقصر هذا الولاء والحب والتعظيم لله ﷾.
وقد نزل الوحي الآلهي أول ما نزل على المصطفى ﷺ في غار حراء بقوله سبحانه:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الإِنسَانَ
_________________
(١) انظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/٣٧) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
[ ١٦٠ ]
مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿[سورة العلق: ١-٥]
ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنذِرْ ﴿٢﴾ ﴿[سورة المدثر: ١-٢] .
وبدأ المصطفى ﷺ يدعو الناس سرًا إلى الإسلام وأسلم معه نفر قليل، منهم أبو بكر الصديق، وعلى بن أبي طالب وخديجة بنت خويلد زوجته ﵃ جميعًا. وبدأ رسول الله ﷺ يغرس في نفوس أصحابه محبة لله ومحبة رسوله والاجتماع على ذلك وإخلاص الحب والولاء والنصرة للمؤمنين وبغض الكفر والشرك وأهله وهذا هو لازم كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهنا نشأت الوشيجة الجديدة وشيجة العقيدة في نفوس المؤمنين وبدأ يقر في نفوسهم أن هذه هي الرابطة الحقيقية. هي الرابطة التي تطمئن لها نفس المؤمن ومع نمو هذه الغرسة الجديدة بدأت تذبل شجرة العصبية الجاهلية، والروابط الجاهلية، وبدأت نظرة الريب والاحتقار لتلك الروابط تكبر يومًا فيومًا في نفس كل من آمن بالله ورسوله.
الملتقى الأول
وأولى خطوات الطريق
اختار المصطفى ﷺ دار الأرقم لتلقين من آمن معه أمور هذا الدين. ولقد كانت هذه الدار هي الملتقى الأول لأولئك القادة العظام، كانت هي الدار التي بدأ يشع منها ذكر الله وتوحيده في الأرض.
[ ١٦١ ]
ترى ما هو حال المسلمين آنذاك؟ وماذا بعد النطق بالشهادتين؟
يجيب على ذلك الأستاذ سيد قطب ﵀ فيقول: إنه لم يكن للإسلام والمسلمين في مكة شريعة ولا دولة، ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية، ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة. وكان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، ويبدأ عهدًا جديدًا، منفصلًا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية. إنه يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف.
(لقد كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، ونشأت عن هذه العزلة، عزلة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية أيضًا.
(إنه قد انفصل نهائيًا من بيئة الجاهلية، واتصل نهائيًا ببيئته الإسلامية، حتى لو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي.
فالعزلة الشعورية شيء، والتعامل اليومي شيء آخر.
(وحين انخلع المسلم من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام فإنه أيضًا كان ينسلخ من القيادة الجاهلية، وينزع ولاءه من الأسرة والعشيرة والقبيلة، ويترجم ذلك إلى واقع وحقيقة يقوم عليها الإسلام. وهذا هو الذي أزعج (الملأ) من قريش!
(أزعجهم زحف الإسلام، وأزعجهم القرآن، ولم يزعجهم من قبل أن (الحنفاء) اعتزلوا معتقدات المشركين وعباداتهم، واعتقدوا بألوهية الله وحده، وقدموا له الشعائر وحده فهذا لا يهم الطاغوت، كما يفهم بعض الطيبين الخيرين اليوم الذين لا يدركون ولا يعرفون حقيقة الإسلام.
(إنما الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين ثم الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه. والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع، ولذلك قاوم «الملأ» من
[ ١٦٢ ]
قريش هذه الدعوة بشتى الأساليب) (١) والتقى المؤمنون على حب الله ورسوله، فكان لقاء عميقًا لأن كلا منهم جاء إلى الله ورسوله يتلقى منه، ويهتدي بهديه، ويتوجه إليه، وأحسن كل منهم نحو أخيه برباط من نوع جديد، يربطه بأخوته في الله، إنه يحبه كنفسه مع أنه ليس من قبيلته ولا بينهما آصرة دم (٢) .
وأخذ القرآن الكريم ينزل حسب النوازل والحوادث على ما يشاء الله ﷾ لتربية الأمة على أسس العقيدة فكان الولاء والبراء يزيد كلما ازدادت التكاليف وكان من الطرق التي سلكها القرآن في عرض هذه العقيدة ضرب المثل، لأنه كما يقال: بالمثال يتضح المقال. ومعلوم أن كلام الله واضح ولكن سياق المثل يستثير في الإنسان نوعًا من التفكر وتدبر العبرة والعظة لتغيير المسار الخاطئ والاتجاه في الطريق الصحيح.
ومن هذه الأمثلة في موضوعنا قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿[سورة العنكبوت: ٤١] .
وبتقرير هذه الحقيقة الضخمة في النفوس، كان المؤمنون أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقهم، وداسوا بها على كبرياء الجبابرة في الأرض، ودكوا بها المعاقل والحصون.. إن قوة الله وحدها هي القوة، وولاية الله وحدها هي الولاية وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل، مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل (٣) .
_________________
(١) في ظلال القرآن ٣/١٥٠٣ ومعالم في الطريق (ص ١٧، ٥٠) .
(٢) انظر منهج التربية الإسلامية للأستاذ محمد قطب (ج٢/٣٨-٤٠) .
(٣) انظر في ظلال القرآن (٥/٢٧٣٧) .
[ ١٦٣ ]
ومكث المصطفى ﷺ في دعوته للناس بالسر ثلاث سنوات، كما قال ذلك علماء السير والمغازي (١) .
وبعد أن فشا ذكر الإسلام في مكة، وتحدث الناس به أمر الله ﷿ رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادئ الناس بأمره، وأن يدعو إليه ونزل قوله تعالى:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة الحجر: ٩٤] .
وقال الله له:
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿(٢) [سورة الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥] .
وهنا بدأ الابتلاء للمسلمين، وهذا الابتلاء الذي ظاهره الشدة هو في حقيقته نعمة، لأنه يتضح من خلاله: الصادق من الكاذب، والخبيث من الطيب. قال تعالى:
﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿[سورة العنكبوت: ١ - ٣] .
_________________
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام (ج١/٢٨٠) .
(٢) المصدر السابق (١/٢٨٠) .
[ ١٦٤ ]
ردود الفعل
وحدث لأصحاب رسول الله ﷺ من الابتلاء والشدة الشيء الكثير، حتى إنهم كانوا يذهبون للشعاب يستخفون بصلاتهم عن قومهم (١) .
صدق التحمل
ماذا فعل المؤمنون تجاه العذاب الذي صبه عليهم أعداء الله؟ ما هو رد فعل المسلمين تجاه ما فعل بهم عامة وما فعل ببلال وآل ياسر وغيرهم من المستضعفين خاصة؟
إنه الصبر على الأذى والهجر الجميل. قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴿١٠﴾ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ﴿[سورة المزمل: ١٠-١١] .
وصبر المصطفى ﷺ وكانت تربيته الربانية كفيلة بتطهير نفوس المؤمنين معه فكانوا كل يوم يزدادون من سمو الروح ونقاء القلب ونظافة الخلق والتحرر من سلطان الماديات والشهوات شيئًا كثيرًا.
(كان ﷺ يأخذهم بالصبر على الأذى والصفح الجميل، وقهر النفس مع أنهم قوم قد وضعوا حب الحرب، وكأنهم ولدوا مع السيف، وهم من أيامها حرب البسوس وداحس والغبراء. وما يوم الفجار ببعيد!!
ولكن رسول الله ﷺ قهر طبيعتهم الحربية، وكبح نخوتهم العربية فانقهروا لأمره، وكفوا أيديهم وتحملوا من قريش ما تسيل منه النفوس، في غير جبن وفي غير عجز) (٢) . هذا بالنسبة لموقف المسلمين من أعدائهم.
_________________
(١) المصدر السابق (١/٢٨٢) .
(٢) ماذا خسر العالم بانخطاط المسلمين لأبي الحسن الندوي (ص٩٧) بتصرف.
[ ١٦٥ ]
موقف عظيم لأبي بكر الصديق رضي اللع عنه
أما ولاؤهم فيما بينهم، فنقول: أن المصطفى ﷺ قد حرص على غرس ركيزتين أساسيتين في نفوسهم هما:
(١) الإيمان بالله، ذلك الإيمان المنبثق من معرفته سبحانه، وتمثيل صفاته في الضمائر، وتقواه، ومراقبته، مع اليقظة والحساسية التي بلغت في نفوسهم حدًا غير معهود إلا في النادر من الأحوال.
(٢) الحب الفياض، والتكافل الجاد العميق، حيث بلغت فيه الجماعة المسلمة مبلغًا لولا أنه وقع بالفعل لعد من أحلام الحالمين (١) .
إن نقطة الحب في الله التي التقى عليها المؤمنون، كانت أيضًا لقاء على ما يتبع هذه الدعوة من جهد أو غرم، وما يستتبع ذلك من ألم أو سرور وجعل العاطفة الإنسانية تحب وتبغض تبعًا لما يصيب الإسلام من خير أو شر (٢) .
ولكي يكون لهذا الكلام ما يدعمه من دليل، وحتى نعلم ما هي نتائج تربية (دار الأرقم) أذكر موقفًا واحدًا لصديق هذه الأمة، أبي بكر الصديق ﵁.
وطئ أبو بكر ﵁ في مكة يومًا بعد ما أسلم، وضرب ضربًا شديدًا، ودنا منه عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين، ويحرفهما لوجهه، ثم نزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعيمه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت قالت: نعم
_________________
(١) انظر طريق الدعوة في ظلال القرآن (١/١٨٨) .
(٢) انظر هذا ديننا للشيخ محمد الغزالي (ص١٧٨) .
[ ١٦٦ ]
فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت والله إن قومًا نالوا منك هذا لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله ﷺ؟ قالت: هذه أمك تسمع!! قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم، قال: فإن لله على أن لا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا أو آتي رسول الله ﷺ فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ (١) .
يا لله! رجل مضروب، مثخن بالجراح لا يتناول حتى شربة الماء وهو أشد ما يكون حاجة إليها حتى يرى رسول الله ﷺ؟!
حقًا إنها تربية دونها كل تربية. حقًا نقول إن ذلك الجيل الذي رباه المصطفى ﷺ جيل فريد على غير مثال سابق ولا لاحق.
سمات العلاقة بين
المسلمين وأعدائهم في العهد المكي
إن المرحلة المكية كانت تقتضي أن تكون العلاقة بين المسلمين والمشركين علاقة غير قتالية، علاقة بيان للحق، وصبر على الأذى فيه، واحتساب لكل ما عرفته رباع مكة ورمضاؤها والطائف وفجاجها من أذى للمصطفى ﷺ وعذاب واضطهاد لبلال وعمار وخباب وآل ياسر وغيرهم ﵃ أجمعين.
ذلك أن ظروف تلك المرحلة كانت تقتضي اتخاذ الأساليب السلمية، وعرض الحقائق الإيمانية عرضًا مؤثرًا، عله يكون في هذا وفيما أبداه المؤمنون الصابرون من تحمل وصبر، ما يرجع لأهل اللب صوابهم، وما أجدر ذلك باستجابة القوم لولا اتباع الهوى وسلطان المصالح الزائلة من زعامة ووجاهة ومكاسب مادية، وما إلى ذلك (٢) .
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ٣/٣٠ وانظر ماذا خسر العالم للندوي (ص١١٣) .
(٢) انظر: علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى للأستاذ أحمد محمود أحمد ٨-٩.
[ ١٦٧ ]
الحكمة في عدم فرضية القتال بمكة
والتربية النبوية في هذا العهد ذات شأن عظيم ذلك أنها كانت تربية تقوم على ضبط النفس، والصبر على الأذى، وإعداد العدة مع حبس دواعي الانطلاق وكف حدة الإقدام، واحتمال جهل الجاهلين وبغي الطاغين. وكل ذلك من غير ذل ولا استجداء، ولا يأس ولا وهن، بل إن عيونهم قريرة وقلوبهم مطمئنة إلى نصر الله ونفوسهم مستعلية على شرك المشركين وضلالهم وفتنتهم (١) .
ومن المهم في هذا الموضوع أن نلاحظ الحكمة الربانية في عدم فريضة القتال في مكة فإنه إنما شرع في العهد المدني أما (حين كان المسلمون في مكة فقد كان المشركون أكثر عددًا، فلو أمر المسلمون وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله ﷺ وكانوا نيفًا وثمانين قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي - يعنون أهل منى - ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله ﷺ «إني لم أؤمر بهذا) (٢) .
ونحن حين نلتمس الحكمة في هذه الحالة وفي غيرها من التكاليف الشرعية - كما يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ - لا نجزم بما نتوصل إليه، لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمة. ونفرض أسبابًا وعللًا قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقة، أو قد تكون.
ذلك أن شأن المؤمن أمام أي تكليف، أو أي حكم من أحكام الشريعة هو التسليم المطلق لأن الله سبحانه هو العليم الخبير، وإنما نقول هذه الحكمة والأسباب من باب الاجتهاد وعلى أنه مجرد احتمال لأنه لا يعلم الحقيقة إلا الله، ولم يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح) (٣) .
وهذه الأسباب والعلل ذكرها الأستاذ سيد قطب ﵀ في كتابيه القيمين: «في ظلال القرآن» عند تفسير سورة النساء، وفي «معالم في الطريق» (٤)
_________________
(١) سبيل الدعوة الإسلامية. د. محمد أمين المصري (ص ١١١، ١١٣) بتصرف.
(٢) تفسير ابن كثير: (٥/ ٤٣١) والحديث في مسند أحمد (٣/٤٦٢) في سنده (معبد بن كعب بن مالك، قال عنه ابن حجر في التقريب مقبول، وذكر في التهذيب أن له حديثًا واحدًا في صحيح البخاري وأخرج له مسلم. ووثقه ابن حبان.
(٣) انظر الظلال (٢/٧١٤) .
(٤) الظلال (٢/٧١٤ - ٧١٥) وفي المعالم (ص ٦٩ - ٧١) .
[ ١٦٨ ]
فصل الجهاد في سبيل الله وسأوجزها فيما يلي:
(١) إن الكف عن القتال في مكة ربما كان لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة، ومن أهداف التربية في مثل هذه البيئة: تربية الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم حين يقع عليه أو على من يلوذون به: ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، فلا يندفع لأول مؤثر، ولا يهتاج لأول مهيج ومن ثم يتم الاعتدال في طبيعته وحركته. ثم تربيته على أن يتبع نظام المجتمع الجديد والتقيد بأوامر القيادة الجديدة، حيث لا يتصرف إلا وفق ما تأمره – مهما يكن مخالفًا لمألوفه وعادته – وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي المسلم لإنشاء "المجتمع المسلم".
(٢) وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها – في مثل هذه الفترة – إلى زيادة العناد ونشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة أمثال داحس والغبراء وحرب البسوس، وحينئذ يتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات تنسى معها فكرته الأساسية.
(٣) وربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت، فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين، وإنما كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد ومعنى الإذن بالقتال – في مثل هذه البيئة – أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت ثم يقال: هذا هو الإسلام!! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في المواسم، أن محمدًا يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي؟
(٤) وربما كان ذلك أيضًا لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ويعذبونهم هم أنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص، بل من قادته. ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟
[ ١٦٩ ]
(٥) وربما كان ذلك أيضًا لأن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى، ولا يتراجع وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة في هذه البيئة - فابن الدغنة (١) لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك عارًا على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته.. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب.
(٦) وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك وانحصارهم في مكة حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة، أو بلغت ولكن بصورة متناثرة، حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، لترى ماذا يكون مصير الموقف. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك، ولا يقوم للإسلام في الأرض نظام، ولا يوجد له كيان واقعي، وهو دين جاء ليكون منهج حياة ونظام دنيا وآخرة.
(٧) إنه لم تكن هناك ضرورة قاهرة ملحة، لتجاوز هذه الاعتبارات كلها، والأمر بالقتال، ودفع الأذى، لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا ومحققًا وهو " وجود الدعوة" ووجودها في شخص الداعية محمد ﷺ، وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع. ولذلك لا يجرؤ أحد على منعه من إبلاغ الدعوة وإعلانها في ندوات قريش حول الكعبة، ومن فوق جبل الصفا، وفي الاجتماعات العامة ولا يجرؤ أحد على سجنه أو قتله، أو أن يفرض عليه كلامًا بعينه يقوله، بل إنهم حين طلبوا إليه أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف، وحين طلبوا إليه أن يسكت عن سب دين آبائهم وأجدادهم لم يسكت، وحين طلبوا إليه أن يدهن فيدهنوا، أي يجاملهم فيجاملوه، بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا بعض عبادته لم يدهن.
_________________
(١) ابن الدغنة رجل جاهلي أجار أبا بكر عندما أخرجه قومه وأراد الهجرة للحبشة. انظر الإصابة (٢/٣٤٤) .
[ ١٧٠ ]
إن هذه الاعتبارات كلها – فيما نحسب – كانت بعض ما اقتضت حكمة الله – معه – أن يأمر المسلمين بكف أيديهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لتتم تربيتهم، وإعدادهم، وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة، في الوقت المناسب، وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها، فلا يكون لذواتهم فيها حظ.. لتكون خالصة لله، وفي سبيل الله – (انتهى ملخصًا من الظلال) .
والناظر في الفترة المكية والتي كانت ثلاثة عشر عامًا كلها تربية وإعداد وغرس لمفاهيم لا إله إلا الله يدرك ما لأهمية هذه العقيدة من شأن في عدم الاستعجال واستباق الزمن فالعقيدة بحاجة إلى غرس يتعهد بالرعاية والعناية إلى الله أن يقفوا أمام تربية المصطفى ﷺ لأصحابه على هذه العقيدة وقفة طويلة، فيأخذوا منها العبرة والأسوة، لأنه لا يقف في وجه الجاهلية – أيًا كانت قديمة أم حديثة أم مستقبلية – إلا رجال اختلطت قلوبهم ببشاشة العقيدة الربانية، وعمقت جذور شجرة لا إله إلا الله في نفوسهم، فيصدق عليهم حينئذ أنهم
﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴿[سورة الأحزاب: ٢٣] .
لا تهمهم قوة عدو، ولا تنقصهم عزيمة باسل لأن الله هو وليهم وناصرهم،
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿[سورة الحج: ٤٠]
قال ابن اسحاق:
(لما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ثم من عمه أبي طالب، وإنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم
[ ١٧١ ]
فيه " فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة في الإسلام (١) .
ثم إن لطف الله ورحمته غمرت المؤمنين المستضعفين وذلك بإسلام عمر بن الخطاب ﵁، حيث أعز الله به الإسلام، ولذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁ "إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه " (٢) إنها نعمة كبرى تجلت في إسلام عمر، الذي منح ولاءه ونصرته للمسلمين، وصير بغضه وعداوته وبراءه للكافرين، كيف لا وهو الذي اشتبك مع القوم بعد إسلامه ثم قال: " افعلوا ما بدا لكم فوالله لو أن قد كنا ثلاث مئة رجل لقد تركناها – أي مكة – لكم أو تركتموها لنا " (٣)
وسمع المؤمنون بإسلام عمر ﵁ وهم في الحبشة ففرحوا بذلك ورجع منهم من رجع إلى مكة – ولكن قريشًا صبت عليهم ألوانًا من العذاب والاضطهاد فلم يزدهم ذلك إلا صلابة في العود وثباتًا على الحق وأملًا في فرج من الله قريب.
ثم تعرض رسول الله ﷺ ومن معه لدرس آخر من دروس الابتلاء التي هي من سنن الدعوة إلى الله: ذلك الدرس هو موت أبي طالب عم رسول الله الذي كان مناصرًا له وحاميًا. وموت زوجة رسول الله خديجة ﵂ أول امرأة أسلمت وكانت مثالًا للمرأة المسلمة الصالحة وهنا يطمع أعداء الله في رسول الله ﷺ، ولكن الله أكبر من كل شيء ثم رأى المصطفى ﷺ أن يتجه إلى غير قريش عسى أن يجد مجيبًا وناصرًا فخرج إلى الطائف، ولكن ثقيفًا خيبت أمله وآذته وسخرت منه، فاتجه إلى ربه قائلًا (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة
_________________
(١) السيرة لابن هشام (١/٣٤٤) .
(٢) السيرة لابن هشام (١/٣٦٧) وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر " مناقب عمر (٧/٤١ ح ٣٦٨٤) .
(٣) السيرة لابن هشام (١/٣٧٤) .
[ ١٧٢ ]
حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك) (١) . ثم رجع إلى مكة.
وعلى الدعاة أن يقفوا طويلًا عند قول المصطفى ﷺ (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) فإن هم الداعية المسلم هو رضاء الله وكفى. ثم بعد ذلك ليكن ما يكون من أمر الناس فإن ذلك ليس كبير حسبان طالما أن الغاية هي رضاء الله.
بر الأقارب المشركين
ومن خلال تتبع القرآن المكي نجد أنه رغم قطع الولاء سواء في الحب أو النصرة بين المسلم وأقاربه الكفار فإن القرآن أمر بعدم قطع صلتهم وبرهم والإحسان إليهم ومع ذلك فلا ولاء بينهم.
قال تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فأنبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿[سورة العنكبوت: ٨] .
_________________
(١) السيرة لابن هشام (٢/٦٠) والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٣٥) ونسبة للطبراني وقال: (فيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات) وحكم عليه الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي (ص١٣٢) بالضعف. لكن ألفاظ الحديث ينقدح منها نور مشكاة النبوة.
[ ١٧٣ ]
قال البغوي: إن هذه الآية وآية ١٥ من سورة لقمان وهي قوله تعالى:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فإنبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿
نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁ وأمه حمنة بنت أبي سفيان، فقد كان سعد من السابقين الأولين للإسلام، وكان بارًا بأمه.
قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمه! ثم إنها مكثت يومًا وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت قد جهدت ثم مكثت يومًا آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه: لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني، فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية وأمره بالبر بوالديه، والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك لأنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (١) .
لذلك فالولاء لله ودينه والمؤمنين شيء لا طاعة لمخلوق في مخالفته، وبر القريب المشرك شيء. قد يكون من باب تأليفه وترغيبه في الإسلام.
_________________
(١) تفسير البغوي (٥/١٨٨) وانظر أسباب النزول للواحدي، (ص١٩٥) فقد ذكر نحو هذا والحديث: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) حديث صحيح انظر مشكاة المصابيح (٢/١٠٩٢ ح٣٦٩٦) .
[ ١٧٤ ]
كيف كانت صورة البراء في العهد المكي
(١) إن المسلم من حين أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وهو يحس بأنه قد دخل في دين جديد غير دين آبائه وأجداده، إنه (يشعر في اللحظة التي يجيئ فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عهدًا جديدًا منفصلًا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية. وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام. وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد ويمكننا أن نسمي هذا بـ (العزلة الشعورية) فالمسلم قد انخلع من البيئة الجاهلية، وعرفها وتصورها وعاداتها وروابطها. وانخلع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام عن الحياة والوجود، وانضم إلى التجمع الإسلامي الجديد بقيادته الجديدة. ومنح هذا التجمع وهذه القيادة كل ولائه وطاعته وحبه وتبعيته) (١) .
(٢) بعد ذلك جاء الأمر بالإعراض عن الكفار ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٢٩﴾ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ﴿[سورة النجم ٢٩-٣٠] .
(٣) وجاء الأمر أيضًا بالصبر والهجر الجميل قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴿[سورة المزمل: ١٠] .
_________________
(١) معالم في الطريق (ص١٦-١٧) بتصرف بسيط.
[ ١٧٥ ]
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ﴿٦٠﴾ [سورة الروم: ٦٠] .
ثم يذكر الله سبحانه المؤمنين بفعل أبيهم إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم ليأخذوا منه أسوة وقدوة فيقول سبحانه:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءؤا مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فإنهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿[سورة الزخرف: ٢٦-٢٨] .
(٤) وإلى جانب هذا التذكير الرباني، يضرب أيضًا المثل المحسوس والملموس في حياة الناس لمن يوزع ولاءه بين أرباب متفرقة، ومن يكون ولاؤه لرب واحد، واتجاه واحد.
قال تعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿[سورة الزمر: ٢٩] .
فقد وضح الله في هذا المثال القرآني حال المشرك الذي لا يؤمن بالله ولا يكون ولاؤه وحبه لله وفي الله بحال العبد الذي تملكه جماعة مشتركين في خدمته لهم لا يمكنه إرضاؤهم أجمعين وحال الموحد الذي يعبد الله وحده ويوالي في الله وحده مثله كمثل عبد لمالك واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه، مع رأفة
[ ١٧٦ ]
مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليته بمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ لا. إنهما لا يستويان (الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) (١) .
وعلى طريقة القرآن في اهتمامه بقضية اليوم الآخر لما لها من أثر عظيم في قضية الإيمان: نجد القرآن الكريم يسوق مشهدًا من مشاهد يوم القيامة لمن يكون ولاؤه لغير الله، وكيف انقلب هذا الولاء إلى عداء وبغضاء. ثم كيف أصبحت الخلة عداوة وشحناء.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ﴿[سورة فصلت: ٢٩] .
وقال:
﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ﴿[سورة الزخرف: ٦٧] .
وقال: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا وَيْلَتَي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا ﴿٢٨﴾ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا ﴿[سورة الفرقان: ٢٧-٢٩] .
_________________
(١) أمثال القرآن لابن القيم (ص٥٣) بتصرف الطبعة الأولى٤٠٠ هـ تحقيق الدكتور ناصر الرشيد الناشر دار مكة.
[ ١٧٧ ]
(٥) ثم جاء التصريح الكامل لأعداء الله بأن دينكم باطل لا ندخل فيه، وديننا هو الحق الذي ندين الله به، فلا نعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما نعبد.
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
ولما رأى المشركون صلابة المسلمين واستعلائهم بدينهم، ورفعة نفوسهم فوق كل باطل ولما بدأت خطوط اليأس في نفوسهم من أن المسلمين يستحيل رجوعهم عن دينهم سلكوا مهزلة أخرى من مهازلهم الدالة على طيش أحلامهم ورعونتهم الحمقاء.
فقد دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة فأنزل الله سورة الكافرون:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾ [سورة الكافرون ١-٦] . (١)
ومثل هذه السورة آيات أخرى تشابههما في إعلان البراء من الكفر وأهله مثل قوله تعالى:
﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿[سورة يونس: ٤١] .
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٨/٥٢٧) .
[ ١٧٨ ]
وقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿٥٦﴾ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴿[سورة الأنعام: ٥٦ - ٥٧] .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٤﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة يونس: ١٠٤-١٠٥] .
بهذه النصاعة وهذا الوضوح جاءت هذه الآيات الكريمات لترسم معالم الطريق بين الصف الإسلامي والصف الكافر المشرك الذي لا يؤمن بالله ورسوله. ومع هذا الوضوح القرآني نجد أن بعض المنتسبين للعلم قد فهم من
[ ١٧٩ ]
هذه الآيات - وخاصة سورة الكافرون - إنها إقرار من رسول الله ﷺ للكفار على دينهم الباطل وهذا زعم باطل. مخالف لحقيقة الإسلام، ودعوة رسول الإسلام.
ومضاد لدعوة الرسل جميعًا.
يقول العلامة ابن القيم ﵀:
(إن هذه السورة - سورة الكافرون - تشتمل على النفي المحض وهذه خاصية هذه السورة، فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها) (١) .
(ومقصودها الأعظم البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقًا للبراءة المطلوبة. مع تضمنها للإثبات بأن له معبودًا يعبده وأنتم بريئون من عبادته، وهذا يطابق قول إمام الحنفاء ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي ﴿[سورة الزخرف ٢٦ - ٢٧] فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله.
(ولهذا كان النبي ﷺ يقرنها بسورة الإخلاص في سنة الفجر (٢) وسنة المغرب (٣) وحين أخبر الله أن لهم دينهم وله دينه: هل هو إقرار فيكون منسوخًا أو مخصوصًا؟ أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص؟
(هذه مسألة شريفة من أهم المسائل، وقد غلط في السورة خلائق، وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم! وظن آخرون: أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب!
وكلا القولين محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة وهي من السورة التي يستحل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد التي اتفقت عليه الرسل يستحيل دخول النسخ فيه.
(وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى أيضًا سورة الإخلاص. ومنشأ الغلط: ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم. ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف فقالوا: منسوخة!!
_________________
(١) سنن أبي داود: في الأدب (٥/٣٠٣ ح ٥٠٥٥) والترمذي في الدعوات (ج ٩/١١٠ ح ٣٤٠٠) ومسند الإمام أحمد ٥/٤٥٦ والدارمي في فضائل القرآن (٢/٤٥٨) قال الألباني: حديث حسن انظر صحيح الجامع الصغير (١/١٤٠ ح ٢٨٩) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (٦/٥) والمسند طبع الساعاتي (٤/٢٢٥) .
(٣) مشكاة المصابيح (١/٢٦٨)، وانظر بدائع الفوائد (١/١٣٨) .
[ ١٨٠ ]
وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار وهم من لا كتاب لهم فقالوا هذا مخصوص! ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرًا لهم أو إقرارًا على دينهم أبدًا. بل لم يزل رسول الله ﷺ في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم، وعيب دينهم وتقبيحه، والنهي عنه، والتهديد والتوعيد في كل وقت وفي كل ناد. فكيف يقال إن الآية، اقتضت تقريرًا لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل.
وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدًا، فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق.
فهذه غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ أو التخصيص؟!
أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: لكم دينكم ولي دين؟
بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده، وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول ﷺ أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته إذ قال لهم خلفاء الرسول وورثته لكم دينكم ولنا ديننا لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم، بل يقولون لهم هذه براءة منها، وهم هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان (١) .
وزاد هذا الأمر إيضاحًا وبيانًا: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: (قوله تعالى «لكم دينكم ولي دين» اللام في لغة العرب يدل على الاختصاص فإنتم مختصون بدينكم لا أشرككم فيه، وأنا مختص بديني لا تشركونني فيه كما قال تعالى:
﴿لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ
_________________
(١) بتصرف بسيط: بدائع الفوائد (١/١٣٨- ١٤١) .
[ ١٨١ ]
لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ﴾ [سورة يونس: ٤١] .
وليس في هذه الآية أنه رضي بدين المشركين، ولا أهل الكتاب كما يظنه بعض الملحدين، ولا أنه نهى عن جهادهم كما ظنه بعض الغالطين، وجعلوها منسوخة. بل فيها براءته من دينهم، وبراءتهم من دينه، وأنه لا تضره أعمالهم، ولا يجزون بعمله ولا ينفعهم. وهذا أمر محكم لا يقبل النسخ، ولم يرض الرسول بدين المشركين، ولا أهل الكتاب طرفة عين قط.
ومن زعم أنه رضي بدين الكفار، واحتج بقوله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾ [سورة الكافرون: ١-٦] .
فظن هذا الملحد أن قوله (لكم دينكم ولي دين) معناه أنه رضي بدين الكفار، ثم قال هذه الآية منسوخة فيكون قد رضي بدين الكفار، فهذا من أبين الكذب والافتراء على محمد ﷺ، فإنه لم يرض قط إلا بدين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه.. ونظير هذه الآية قوله تعالى:
﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ
[ ١٨٢ ]
مما أعمل وأنا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿[سورة يونس: ٤١] .
وقوله تعالى:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ" ﴿[سورة الشورى: ١٥] .
وإذا كان الله سبحانه قد قال:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ٢١٥﴾ فإن عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٦ – ٢١٧] .
فبرأه من معصية من عصاه من أتباعه المؤمنين، فكيف لا يبرئه من كفر الكافرين الذين هم أشد له معصية ومخالفة؟) (١) .
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٢/٣٠-٣٢) .
[ ١٨٣ ]
ورحم الله عبد الله بن عباس حين قال في شأن هذه السورة (ليس في القرآن أشد غيظًا لإبليس منها، لأنها توحيد وبراءة من المشرك) (١) وقال الأصمعي: كان يقال لـ (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد) المشقشقتان. أي أنهما تبرئان من النفاق (٢) .
فرج من الله قريب
قال ابن إسحاق: (فلما أراد الله ﷿ إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا، فقال لهم ﷺ من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ﷿ وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.. فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام. وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا، فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ) (٣) .
أجل: بعد كل ذلك العناء وتلك المصابرة هيأ الله اللطيف الخبير من ينصر هذا الدين ويعلي كلمته، وينشره في الأرض بعد أن آوى رسول الله وأصحابه الأوائل. إنه لشرف دونه كل شرف أن يسموا (الأنصار) أنصار الله، أنصار
_________________
(١) تفسير القرطبي (٢٠/٢٢٥) . ١٣٨تفسير القرطبي (٢٠/٢٢٥) .
(٢) السيرة لابن هشام (٢/٧٠ - ٧١) .
[ ١٨٤ ]
نبيه، أنصار دينه أنصار عباده المؤمنين، وليسوا أنصار الجاهلية وطواغيتها وجبابرتها الذين هم في أعين الناس كبار وهم حقيقة الأمر صغار وأقزام!!
ولما كان العام المقبل وصل إلى مكة من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة الأولى فبايعوه، وكانت البيعة على الإسلام وأرسل معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير (١) ﵁ يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، ويؤمهم في الصلاة (٢) .
وقدم مصعب ﵁ ومعه وفد كريم من الأنصار في موسم الحج فكانت بيعة العقبة الكبرى حيث تساءلوا وهم خارجون من المدينة: حتى متى نترك رسول الله يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟
(لقد بلغ الإيمان أوجه في هذه القلوب الفتية، وآن لها أن تتنفس عن حماسها، وأن تفك هذا الحصار الخانق المضروب حول الدعوة والداعية (٣) .
صيغة البيعة
تكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) فأخذ البراء
_________________
(١) هو مصعب بن عمير بن هاشم نشأ في بيت ثري، مدللًا غاية الدلال، وكان يعرف بأنه أعطر أهل مكة ثم أسلم فانقلبت تلك النعومة إلى خشونة ورجولة كان من السابقين للإسلام ومن المهاجرين للحبشة في الهجرة الأولى، ثم هاجر للمدينة، وشهد بدرًا وحمل اللواء في أحد فاستشهد، وفي الصحيح أن مصعبًا لم يترك إلا ثوبًا فكان إذا غطوا رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطوا رجليه خرج رأسه فقال رسول الله ﷺ (اجعلوا على رجليه شيئًا من الأذخر)، انظر صحيح البخاري كتاب الجنائز (٣/١٤٢ ح ١٢٧٦) والاستيعاب لابن عبد البر ج (٣/٤٦٨) والاصابة لابن حجر (ج ٣/٤٢١) ومصعب بن عمير للأستاذ محمد بريغش وغير ذلك من كتب السير.
(٢) السيرة لابن هشام (٢/٧٦) .
(٣) فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي (ص١٥٧) .
[ ١٨٥ ]
بن معرور (١) بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيًا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا (٢) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة (٣)، ورثناها كابرًا عن كابر. فاعترض أبو الهيثم بن التيهان (٤) فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالًا وإنا قاطعوها – يعني اليهود – فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: " بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " (٥) .
قال ابن هشام: الهدم الهدم: يعني الحرمة، أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم (٦)
ثم قال: أسعد بن زرارة (٧) فقال: رويدًا يا أهل يثرب: فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم وإن تعضكم السيوف، وإما أنتم قوم تصبرون على ذلك
_________________
(١) هو البراء بن معرور الخزرجي الأنصارى أول من بايع وأول من استقبل القبلة وأول من أوصى بثلث ماله، وأحد النقباء من الأثنى عشر. انظر الإصابة (ج١/١٤٤) والأعلام للزركلي (١/٤٧) الطبعة الرابعة. والحديث في المسند (٣/٤٦١) .
(٢) أي نساءنا.
(٣) أي السلاح.
(٤) أبو الهيثم بن التيهان: مالك بن عتيك الأنصاري الأوسي: أحد النقباء. آخى النبي ﷺ بينه وبين عثمان بن مظعون وشهد المشاهد كلها وهو القائل في رثاء رسول الله ﷺ " لقد جدعت آذاننا وأنوفنا غداة فجعلنا بالنبي محمد " توفي فى خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في المدينة سنة عشرين. انظر الاستيعاب (٤/٢٠٠) والإصابة (٤/٢١٢) والمعارف لابن قتيبة (ص٢٧٠) تحقيق ثروت عكاشة والأعلام للزركلي (٥/٢٥٨) .
(٥) السيرة لابن هشام: (٢/٨٤ – ٨٥) والحديث في المسند (ج٢/٢٧٤) طبعة الساعاتي مع الفتح الرباني.
(٦) السيرة لابن هشام: (٢/٨٤ – ٨٥) والحديث في المسند (ج٢/٢٧٤) طبعة الساعاتي مع الفتح الرباني.
(٧) أسعد بن زرارة. أبو أمامه الأنصاري الخزرجي النجاري، شهد العقبتين وكان نقيبًا على قبيلته. ذكر الواقدي أنه مات على رأس تسعة أشهر من الهجرة. وقال البغوي: بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة وأنه أول ميت صلى عليه النبى ﷺ. قال ابن حجر: وقد اتفق أهل المغازي والتواريخ أنه مات في حياة النبي ﷺ قبل بدر. الإصابة (١/٣٤) .
[ ١٨٦ ]
فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبنة فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا يا أسعد: أمط عنا بيدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، ثم قاموا إليه رجلًا رجلًا فبايعوه (١) .
أجل: (وإنه الإيمان بالله والحب فيه، والإخوة على دينه، والتناصر باسمه، ذلك كله كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيها، يتدافع ليعلن أن أنصار الله سوف يحمون رسوله كما يحمون أعراضهم، سوف يمنعونه بأرواحهم، فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء) (٢) .
ترى: أي صورة أعظم من هذه الصورة لهذا الولاء الصادق؟ لقد كانت بيعة على دين الله ومرضاته. وانظر إلى رد المصطفى ﷺ " بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " هذه هي الصلة الحقيقية والوشيجة الصادقة لعلاقة المسلم بأخيه المسلم. لقد أصبح الدم واحدًا. " أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " وهكذا تنقطع علائق الدم الجاهلي والتناصر الجاهلي والولاء الجاهلي ليحل محلها الولاء الإسلامي والوقوف في الصف الإسلامي والبراءة من الكفر وأهله واعتناق الإخوه الجديدة التي أمر الله بها. إنها البديل الصالح لتلك الوشائج الجاهلية كما قال ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا " (٣) .
وهكذا نصل إلى معرفة ما فعل الله بنبيه ودعوته ومن معه، وما هيأ لهم من النصرة والمنعة والدار التي يقام فيها حكم الله وشريعته ومنهاجه في الأرض. أرض الأنصار. أرض الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
فإلى صورة جديدة مشرقة للولاء في العهد المدني.
_________________
(١) مسند أحمد (٣/٣٢٢، ٣٣٩، ٣٩٤) والحاكم (٢/٦٢٤ – ٦٢٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/٩) .
(٢) فقه السيرة للشيخ الغزالي (ص ١٦١) .
(٣) صحيح البخاري: كتاب الأدب (١٠/٤٤٢ ح ٦٠٢٦) وصحيح مسلم كتاب البر والصلة (ج٤/١٩٩٩ ح ٢٥٨٥) .
[ ١٨٧ ]
الفصل السادس
الولاء والبراء في العهد المدني
لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز عبده ورسوله محمد ﷺ ومن معه، أمره بالهجرة لتكون مبدأ فاصلًا بين الحق والباطل، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (١) .
ولقد كانت الهجرة إيذانًا من المولى جل وعلا بقرب وعده الذي وعد به المؤمنين وهو وعد دائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿[سورة النور: ٥٥] .
ولقد وقع هذا التمكين الرباني بالفعل ولذلك نجد القرآن يذكر المؤمنين بهذا
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٣/٤٣) تحقيق الأرنؤوظ.
[ ١٨٨ ]
التمكين والنصر فيقول:
﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿[سورة الأنفال: ٢٦] .
وسيبقى هذا الوعد بالتمكين ما دام المسلمون ملتزمون بالشرط وهو عبادته وحده لا شريك له.
نبذة تاريخية
لما أذن الله بالهجرة: خرج المسلمون إلى المدينة زرافات ووحدانًا، ولم يبق بمكة منهم إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي حيث أقاما بأمر منه ﷺ إلا من احتبسه المشركون كرهًا.
ولما رأى المشركون أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهزوا، وخرجوا وساقوا الذرارى والأطفال والأموال إلى المدينة، وعرفوا أنها دار منعة، وأن أهلها أهل حلقة وشوكة وبأس: خافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم ولحوقه بهم حيث سيشتد أمره وتقوى شوكته، فلذلك اجتمعوا في دار الندوة ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره.
وخرجوا من ذلك الاجتماع برأي واحد: وهو أن يقوم من كل قبيلة شاب ثم يضربوه ضربة رجل واحد ليتفرق دمه في القبائل.
ولكن حماية الله ونصرته لنبيه ﷺ أكبر من مكر أولئك المجرمين، فقد نزل جبريل ﵇ على المصطفى ﷺ يأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة.
[ ١٨٩ ]
وخرج رسول الله ﷺ ومعه صاحبه الأمين أبو بكر الصديق ﵁، وبقي علي بن أبي طالب ﵁، حيث نام تلك الليلة في فراش المصطفى ﷺ. وينتهي الأمر بخسارة وذلة (الملأ) من قريش (١) .
ووصل المصطفى ﷺ إلى دار الهجرة، دار النصرة والمنعة، حيث وجد "أنصار الله" فكانت هذه الهجرة نصرًا للمؤمنين المهاجرين الذين وجدوا من يؤويهم وينصرهم ويشاركهم الأموال والمساكن وحتى الأزواج!! وكانت نصرًا أيضًا للأنصار حيث قُضي على الأحن والأحقاد الجاهلية بين أوسهم وخزرجهم، وعلى كيد اليهود الذين كانوا يشيعون بينهم الفرقة والفتنة.
وكان أول عمل قام به رسول الله ﷺ في المدينة هو بناء المسجد. لينطلق منه النداء الرباني "الله أكبر الله أكبر" وليكون هذا المسجد الطاهر هو الملتقى التربوي للأمة المسلمة يتلقون فيه وحي الله عن رسول الله، ويتعلمون أمور دينهم، وهذا المسجد هو أيضًا مكان القيادة العسكرية الإسلامية التي انطلقت في سبيل الله.
وبعد ذلك: (آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله ﷿:
﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ ﴿[سورة الأحزاب: ٦] .
رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة) (٢) .
إن هذه الإخوة الإيمانية هي الوشيجة العظمى، والرابطة الفريدة في علاقات البشر بعضهم مع بعض، فلقد أحس كل مؤمن - كما يقول الأستاذ محمد قطب -
_________________
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام (ج ٢/١٢٤ - ١٢٧) وزاد المعاد (٣/٥٠ - ٥١) .
(٢) زاد المعاد (٣/٦٣) .
[ ١٩٠ ]
سواء كان مهاجرًا أم أنصاريًا برباط جديد يربطه بأخوته في الله، فكل واحد منهم يحب أخاه كحبه لنفسه، مع أنه ليس من قبيلته ولا بينهما آصرة دم بل أن آصرة الدم - حين كانت في الجاهلية - لم تكن تنشىء في نفس أحدهم ذلك الحب الصافي العجيب الذي يحسه الآن لأخيه في العقيدة.
ترى ما الفرق بين لقاء الجاهلية ولقاء الإسلام؟
والجواب: أن الأمر ليس سرًا، ولا سحرًا، ولكنه الإسلام يلتقي فيه الناس على العقيدة في الله، لأن كلًا منهم يحب الله ورسوله، فلا تكون ذواتهم بارزة ولا متوفرة لاقتناص المصلحة من الآخر كما هي الحال في العلاقات الجاهلية، وإنما الجانب البارز هو الحب في الله " (١) .
وقفة عند المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
إن هذه الأخوة جديرة بالدراسة والاعتبار. ذلك أنه نتج عنها أمور عظيمة في حياة المسلمين سواء في مستوى "الأمة والدولة" أم على مستوى الأفراد.
فأما ما يتعلق بهم أمة: فقد كانت هذه المؤاخاة هي الركيزة الأساسية في تكوين مفهوم "الأمة المسلمة" أمة التقت على العقيدة في الله، وعاشت لأجل تلك العقيدة وليس لرباطة الدم أو الحسب والنسب، أو الأرض أو اللون أو اللغة، أو الجنس فيها أي حساب يذكر إذا تعارض ذلك مع العقيدة. والله ﷾ هو صاحب المنة والفضل في ذلك فهو القائل:
﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ
_________________
(١) بتصرف: منهج التربية الإسلامية: (٢/٤٠-٤١) .
[ ١٩١ ]
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فأنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠٣﴾ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٤﴾ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿[سورة آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥] .
لقد أصبح المؤمنون أولياء بعضهم لبعض، كل منهم يحب أخاه كحبه لنفسه، ويناصره ويجاهد من أجله، ويؤثره على كل قريب وحبيب من مال أو أهل أو عشيرة أو ولد.
﴿وَالْمُؤْمِنونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴿[سورة التوبة: ٧١] .
واشتد كيانهم فكانوا كالجسد الواحد "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ثم شبك ﷺ بين أصابعه " (١) وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى " (٢) .
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) صحيح البخاري (١٠/٤٣٨ ح ٦٠١١) كتاب الأدب ومسلم (٤/١٩٩٩ ح٢٥٨٦) كتاب البر واللفظ للبخاري.
[ ١٩٢ ]
ولقد أثنى الله ﷾ على المهاجرين والأنصار. فقال سبحانه عن المهاجرين:
﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿[سورة الحشر: ٨] .
ثم يثني سبحانه على الأنصار بقوله:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿[سورة الحشر: ٩] .
بل إن الأمر أصبح أكبر من ذلك. فهؤلاء الأنصار الذين آووا رسول الله ﷺ، ومن معه وآزروهم ونصروهم وبذلوا لهم النفس والنفيس ابتغاء رضوان الله قد أصبح حبهم من العقيدة التي يدين بها المسلم ربه، وبغضهم وكراهيتهم نفاق ففي الحديث الصحيح "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار " (١) .
_________________
(١) صحيح البخاري (١/٦٢ ح١٧) كتاب الإيمان وصحيح مسلم (١/٨٥ ح ٧٤) كتاب الإيمان واللفظ للبخاري.
[ ١٩٣ ]
وقال ﷺ (الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) (١) .
وبهذه الأخوة تكون (المجتمع الإسلامي) ذلك المجتمع الذي تظله راية لا إله إلا الله وتحكمه الشريعة الربانية، ويسوده الحب والتفاني، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، والجهاد رهبانية، والدعوة إلى سبيله ومنهاج حياته، القوي فيه ضعيف حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف فيه قوي حتى يأخذ حقه، ولاؤه لله ورسوله والمؤمنين وبغضه وكراهيته لأعداء الله ولو كانوا أقرب قريب، وجدوا حلاوة الإيمان وطعمه، وعرفوا الكفر وأهله حتى أن أحدهم يحب أن يلقى في النار ولا يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما قال ﷺ - وهذا ما تحقق فيهم - (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا الله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) (٢) .
وبهذه المؤاخاة الإيمانية وجد (التكافل الاجتماعي) وبرزت فيه صور خالدة لم توجد قط إلا فيه وحده!!
ومنها ما رواه البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين! ولي امرأتان فانظر إلى أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها!! قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو حتى جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال النبي ﷺ: (مهيم)؟ قال: تزوجت. قال: (كم سقت إليها)؟ قال: نواة من ذهب (٣) (وإن إعجاب المرء بسماحة سعد لا يعدله إلا إعجابه بنبل عبد الرحمن
_________________
(١) صحيح البخاري (٧/١١٣ ح ٣٧٨٣) كتاب المناقب وصحيح مسلم (١/٨٥ ح ٧٥) كتاب الإيمان. واللفظ للبخاري.
(٢) صحيح البخاري (١٠/٤٦٣ ح ٦٠٤١) كتاب الأدب وصحيح مسلم (١/٦٦ ح ٤٣) كتاب الإيمان واللفظ للبخاري.
(٣) صحيح البخاري كتاب (٧/١١٢ ح ٣٧٨٠) مناقب الأنصار.
[ ١٩٤ ]
الذي زاحم اليهود في سوقهم وبزهم في ميدانهم، واستطاع بعد أيام أن يكسب ما يعف به نفسه ويحصن به فرجه، ذلك أن علو الهمة من خلائق الإيمان) (١) .
وخلاصة القول: إن هذه المؤاخاة (كانت تدريبًا عمليًا على الأخوة الإسلامية التي تبعثها تلك العقيدة في نفوس المؤمنين بها ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴿[سورة الحجرات: ١٠]، وكان تدريبًا عمليًا على (التكافل) وهو معنى من المعاني العميقة في بناء الجماعة الإسلامية. القادرون يكفلون غير القادرين على أساس الأخوة في الله من جانب وعلى أساس التصرف في مال الله بما يرضي الله من جانب آخر) (٢) ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين. بهذا الحب الكريم. وبهذا البذل السخي. وبهذه المشاركة الرضية. وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء. حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة **.
سمات الولاء والبراء في العهد المدني
لئن كانت سمات العهد المكي - كما سبق القول في ذلك - هي: بيان الحجة وإقامتها. والصبر على الأذى وكف الأيدي، والهجر الجميل، فإن ذلك كان لحكمة ربانية، منها: أن ذلك كان لتربية الأمة على هذا الدين الحنيف، وصقل النفوس على ضوء منهاجه، والتقليد الكامل بأمر الله ورسوله في الفعل والترك على حد سواء.
ولكن الأمر أخذ صورة أخرى في العهد المدني، فمن الهجرة إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، إلى قيام الدولة المسلمة إلى الجهاد في سبيل الله وهيمنة الشريعة الإسلامية.
وأول ما نذكره في العهد: هو الوثيقة التي كتبها رسول الله ﷺ بين
_________________
(١) فقه السيرة للشيخ الغزالي (ص ١٩٣) .
(٢) منهج التربية الإسلامية للأستاذ محمد قطب (٢/٦٩) . ** الظلال: (ج٦/٣٥٢٦) .
[ ١٩٥ ]
المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم، حيث وادع فيها اليهود، وعاهدهم، وتركهم على دينهم وأموالهم وشرط عليهم. وقد أوردها ابن إسحاق دون سند (١) وأوردها البنا في شرح مسند الإمام أحمد (٢)، وأوردها أصحاب السير والمغازي.
على أنني سأقتصر على بعض فقراتها التي تخص موضوع الموالاة. جاء في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس) (٣) .
( وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن من دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٤) ظلم، أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا. ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم) .
وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد ﷺ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين) (٥) .
وهذه الوثيقة هي الصورة الصادقة لحقوق (حيث وردت بما يجعل المجتمع الإسلامي مجتمعًا متلاحمًا متماسكًا، وكفلت - أيضًا - حقوق أهل الديانات الأخرى ما داموا يعيشون تحت مظلة الحكم الإسلامي.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٤٧) .
(٢) المسند بشرح البنا: (٢١/١٠) .
(٣) السيرة لابن هشام (٢/١٤٧) .
(٤) الدسيعة: العظيمة.
(٥) السيرة لابن هشام (٢/١٤٨ - ١٤٩) .
[ ١٩٦ ]
أصناف الكفار في العهد المدني
أولا: كيد أهل الكتاب والتحذير من موالاتهم
وقد لخص الإمام ابن القيم ﵀ صورة المجتمع المدني آنذاك بقوله: (لما قدم النبي ﷺ المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه، ولا يظاهرون عليه، ولا يوالوا عليه وهم على كفرهم، آمنون على دمائهم وأموالهم.
وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة.
وقسم تاركوه، فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن، ليأمن الفريقين وهؤلاء هم المنافقون.
فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه ﵎) (١) .
***
وقد اتضح لي من خلال هذا البحث أن هناك ثلاثة أمور هامة هي سمات هذا العهد:
(١) كيد أهل الكتاب للإسلام (ثم النهي والتحذير من موالاتهم وطاعتهم) .
(٢) ظهور النفاق والمنافقين.
(٣) البراء من هؤلاء وأولئك: أي المفاصلة التامة بين المسلمين وأعدائهم ولها صور ترد في موضعها.
أولًا: كيد أهل الكتاب للإسلام وتحذير المسلمين من موالاتهم
تتفق نظرة المنصفين الباحثين في التاريخ اليهودي: أن اليهود أمة حاقدة، الخداع طبعها، والغدر ديدنها، ومحادة الله ورسله خلقها، ولحكمه الله يعلمها انتقلت الرسالة من بين إسرائيل فكان خاتم الأنبياء هو محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي ﷺ وقد كان كيد اليهود - خاصة - قد بدأ منذ أن كان رسول الله
_________________
(١) زاد المعاد (٣/١٢٦) .
[ ١٩٧ ]
ﷺ في مكة حيث كانت تعاون قريشًا في أسئلة العناد التي توجه للمصطفى ﷺ، وذلك مثل قولهم لقريش: اسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وغير ذلك مما هو معلوم من سورة الكهف.
ولما هاجر رسول الله ﷺ ومن معه إلى المدينة، قامت قيامة اليهود، فلم يهدأ لهم بال، ولم يهنأ لهم عيش. وذلك أن قيام الدولة المسلمة في الأرض له أثره الكبير، عليهم فالإسلام هو الذي يكسر شوكتهم، ويفضح مكنوناتهم، ويحرر الناس من شرورهم، ويمزق شملتهم وسيطرتهم وجبروتهم. ومن هنا لم يفتأوا يكيدون للإسلام ورسوله والمؤمنين، وينصبون العراقيل في وجه من يريد الإسلام وولد النفاق والمنافقون في أحضانهم، وخانوا الله ورسوله فلم يتقيدوا بالوثيقة الآنفة الذكر، وغدروا بالمسلمين فوالوا المشركين والكفار، وآذوا رسول الله ﷺ وهموا بما لم ينالوا.
ولذلك عني القرآن المدني وخاصة أكبر سوره – وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة – بكشف سترهم وفضحهم، وبيان كيدهم. والآيات الكريمة في هذا كثيرة جدًا ولكنني أورد طرفًا منها هنا. ليتضح (للمسلمين) المخدوعين بهم اليوم الذين يوالونهم بل يقتدون بهم. ما عليه أعداء الله الذين هم قتلة الأنبياء ودعاة الفساد في الأرض.
قال تعالى:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿[سورة البقرة: ١٠٩] .
[ ١٩٨ ]
وفي سورة آل عمران:
﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿[سورة آل عمران: ٦٩] .
﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿[سورة آل عمران: ٧٢] .
﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة البقرة: ١٣٥] .
﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿[سورة البقرة: ١٠٥] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ﴿
[ ١٩٩ ]
﴿لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١١٨] .
فهذه الآيات وغيرها مما في مثل معناها: تبين كيدهم وما يتربصون به للإسلام وأتباعه. ولذلك جاءت آيات كثيرة في تحذير المؤمنين ونهيهم عن الاستماع للكفار عامة ولأهل الكتاب خاصة، أو طاعتهم، أو اتخاذهم أولياء، أو الركون إليهم. وسأقتصر هنا أيضًا على بعض هذه الآيات لأنه سيأتي مزيد من تفصيل هذا في الفصل التالي إن شاء الله حول صور الموالاة.
قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴿[سورة البقرة: ١٢٠] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ﴿١٤٩﴾ بَلِ اللهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴿[سورة آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠] .
[ ٢٠٠ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴿١٠٠﴾ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿[سورة آل عمران: ١٠٠-١٠١] .
ورد في سبب نزول هاتين الآيتين: أن شاس بن قيس اليهودي – وكان شيخًا قد أغبر في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم – مر على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم، وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار! فأمر شابًا من اليهود كان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم بعاث - أحد أيامهم في الجاهلية – وما كان فيه، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل. وتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، فتقاولا، وقال أحدهما لصاحبه: إن شئت رددتها جذعة! وغضب الفريقان جميعًا وقالا: أرجعا السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة – وهي الحرة فخرجوا إليها، وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية.
وبلغ رسول الله ﷺ ذلك فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، حتى جاءهم فقال: (يا معشر المسلمين: الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا!!) . فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله
[ ٢٠١ ]
فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ﴿الآية.
قال جابر بن عبد الله، ما كان طالع أكره إلينا من رسول الله ﷺ، فأومأ إلينا بيده، فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله ﷺ، فما رأيت يومًا أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرًا من ذلك اليوم (١) .
ويوجه الله عباده المؤمنين ويرشدهم – بعد أن ذكر قصة بني إسرائيل مع موسى ﵇ في قصة ذبح البقرة – بقوله:
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴿٧٦﴾ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿[سورة البقرة: ٧٥ – ٧٧] .
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٤/٢٣) وأسباب النزول للواحدي (ص ٦٦) وأحكام القرآن للقرطبي (٤/١٥٥) . وتفسير البغوي (١/٣٨٩) . وقد بذلت جهدي في تخريج الحديث من المصادر الأصلية فلم أعثر على ذلك فجزى الله من وجد تخريج هذا الحديث ونبهني إلى ذلك خير الجزاء
[ ٢٠٢ ]
ثم يأتي التحذير الأقوى في سورة المائدة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فإنهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿[سورة المائدة: ٥١] .
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿٥٥﴾ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فإن حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴿٥٦﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين ﴿[سورة المائدة: ٥٥-٥٧] .
إن هذه النصوص وغيرها: قد ربت المسلمين على معرفة كيد أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، فقطعت ما في نفوس بعض المسلمين من ود وولاء لهؤلاء الأعداء، من أجل أن يكون الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين فقط.
ثانيًا: النفاق والمنافقون:
إن المؤمنين في العهد المكي كانوا مبتلين، يعذبون، ويضطهدون ومع ذلك صبروا واحتسبوا فلم يكن في مكة حينئذ إلا فريقان: فريق المؤمنين الصابرين،
[ ٢٠٣ ]
وفريق الكفار والمشركين الجبابرة ولم يكن هناك (منافقون) لأن النفاق طبيعته المراوغة والاحتيال وهذا الدين لم يكن يقدر عليه في مكة إلا المؤمنون الصادقون.
أما في المدينة، وبعد قيام دولة المسلمين وهيمنة حكم الله وشرعه فقد وجد المنافقون وهذا أمر معهود من أصحاب النفوس الضعيفة الجبانة، التي تخاف السلطة الإسلامية فتظهر لها الإسلام، وتحب الكفر وأهله ولكنها لا تجرؤ على المصارحة به.
والمنافقون: (قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، فهم في الدرك الأسفل من النار كما قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿[سورة النساء: ١٤٥] .
(فالكافرون المجاهرون أخف منهم، وهم فوقهم في دركات النار، لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد عليهم المنافقون بالكذب والنفاق. وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين ولهذا قال تعالى في حقهم:
﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴿[سورة المنافقون: ٤] .
[ ٢٠٤ ]
ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر. أي: لا عدو إلا هم، ولكن لم يردها هاهنا حصر العداوة فيهم، وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم، بل هذا من إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا، وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها.
(فإن ضرر هؤلاء المخالطين المعاشرين لهم – وهم في الباطن على خلاف دينهم – أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم. لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، أما هؤلاء فمعهم في الديار والمنازل صباحًا ومساء، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم.. صحبتهم توجب العار والشنار، ومودتهم تحل غضب الجبار، وتوجب دخول النار.
(من علقت به كلاليب كلبهم ومخاليب رأيهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان وقطعت له مقطعات من البلاء والخذلان، فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالًا، ويمشي على عقبه القهقرى إدبارًا منه وهو يحسب ذلك إقبالًا) (١) .
وكان من نعمة الله ﷾ على هذه الأمة أن لا يتركها مختلطة بغير تمييز بين المؤمن والمنافق، ذلك أن عدم التمييز يؤدي إلى ضياع القدوة الحسنة في المجتمع الإسلامي، ويؤدي أيضًا إلى ذوبان الصورة للمسلم الصادق.
(وفي المنتسبين للإسلام أناس (نفعيون) لا هم لهم إلا الحصول على المال أو أي مأرب من مآربهم الدنيئة، فإذا انتصر المؤمنون كانوا معهم، وإذا أصيبوا كانوا عليهم، ثم أن منهم أصحاب الأهداف الخبيثة والأغراض الهدامة ممن قد امتلأت قلوبهم بالحقد والحسد، فهم يتربصون بالمسلمين الدوائر، ويتظاهرون لهم بأنهم معهم، ولكنهم يخونونهم في أحرج المواقف) (٢) .
ولما كان الأمر كذلك ميز الله الصادق من الكاذب عن طريق الابتلاء
_________________
(١) انظر طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (ص ٤٠٢ – ٤٠٨) الطبعة الأولى سنة ١٣٧٥ هـ السلفية بمصر.
(٢) المنافقون في القرآن الكريم للأستاذ عبد العزيز الحميدي (ص ١١٦) .
[ ٢٠٥ ]
والامتحان قال تعالى:
﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿[سورة العنكبوت: ١-٣] .
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿[سورة آل عمران: ١٤٠ – ١٤١] .
﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿[سورة آل عمران: ١٧٩] .
أجل: إنه لابد من التمييز بين الخبيث والطيب، فالابتلاء سنة ربانية في تمحيص النفوس وصقلها على الحق، ثم إن الله سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، فلله سبحانه على العباد
[ ٢٠٦ ]
في كلتا الحالتين عبودية بمقتضى الحال.. لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش، والتعب والنصب، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه (١) .
والحديث عن المنافقين طويل وقد كتب فيه في القديم والحديث (٢) .
وقد سبق لي في التمهيد أن تكلمت عن أنواع النفاق وأحكامه، وأتكلم هنا عن أبرز أفعال وصفات المنافقين في كيدهم للدعوة الإسلامية.
(١) من أخطر ما ارتكبه المنافقون: موالاة اليهود والنصارى ضد المسلمين وقد فضحهم القرآن في عدة مواضع ومنها سورة الحشر، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١١﴾ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ ﴿[سورة الحشر: ١١-١٢] .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ
_________________
(١) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (ص ١٩٠) تحقيق الفقي.
(٢) هناك رسالة قيمة للأستاذ عبد العزيز الحميدي بعنوان المنافقون في القرآن لعلها من أحسن ما كتب في هذا الموضوع. وهي موجودة بالدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة وانظر أيضًا كتاب: النفاق آثاره ومفاهيمه للشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀.
[ ٢٠٧ ]
عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿[سورة المجادلة: ١٤] .
ذكر السدي ومقاتل: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل المنافقين: فقد كان أحدهما يجالس النبي ﷺ ثم يرفع حديثه إلى اليهود (١) . وهذه الآية كقوله تعالى:
﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴿[سورة النساء: ١٤٢] .
ولقد نزلت سورة كاملة فيهم هي سورة (المنافقون) بين الله فيها أنهم يظهرون ما لا يبطنون، وأنهم يحرصون على إضعاف صف المسلمين
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴿[سورة المنافقون: ٧] .
وفيها أيضًا: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴿[سورة المنافقون: ٨] .
_________________
(١) أسباب النزول للواحدي (ص ٢٣٥) وتفسير القرطبي (١٧/٣٠٤) .
[ ٢٠٨ ]
روى البخاري ومسلم في سبب نزولها عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنا غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال رسول الله ﷺ (ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة) فسمعها عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق: قال ﷺ (دعه. لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) (١) .
قال محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي لما بلغه ما كان من أبيه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالديه مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ (بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا) (٢) .
وذكر عكرمة وغيره: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله بن أبي على باب المدينة، واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك، فقال: مالك ويلك؟ قال: والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ – وكان إنما يسير ساقة - (٣) فشكى إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال الابن: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله ﷺ، فقال: أما إذ أذن لك رسول الله ﷺ فجز الآن (٤)
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب التفسير (٨/٦٥٢ ح ٤٩٠٧) وصحيح مسلم (٤/١٩٩٩ ح ٢٥٨٤) كتاب البر واللفظ له.
(٢) السيرة لابن هشام (٢/٢٩٢) وتفسير بن كثير (٨/١٥٩) ولم يخرجه – فيما أعلم - إلا ابن اسحاق.
(٣) من صفته ﷺ أنه يسوق أصحابه. أي يقدمهم ويمشي خلفهم تواضعًا ولا يدع أحدًا يمشي خلفه.
(٤) تفسير ابن كثير (٨/١٥٩) .
[ ٢٠٩ ]
وحقًا إنها صورة رائعة لصدق الإيمان أن يقول الابن لرسول الله: إن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه!! إنه ما حمل هذا الابن على هذا الفعل إلا قوة الإيمان وعمق الولاء والبراء في نفسه.
(٢) من أقبح صفاتهم: رفض التحاكم إلى شريعة الله، والتحاكم إلى الطواغيت التي تحقق رغباتهم، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا ﴿٦٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴿٦١﴾ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴿٦٢﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴿[سورة النساء٦٠-٦٣] .
ورفضهم لحاكمية الله رفض للإيمان كما قال تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
[ ٢١٠ ]
بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٤٨﴾ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿٤٩﴾ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿[سورة النور: ٤٨-٥٠] .
ثم يضع الله ميزانًا دقيقًا في هذه القضية بين المؤمن والمنافق.
فأما المؤمن الصادق فإنه ينقاد إلى حكم الله ويرضى به ويقول: سمعت وأطعت:
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿[سورة النور:٥١] .
هذه هي صفة المؤمن، أما المنافق فصفته الإعراض والاستكبار عن حكم الله، قال تعالى:
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ .
(٣) من صفاتهم وأفعالهم الدنيئة: التخذيل في صف المسلمين، والتجسس للكفار وكشف عورات المسلمين لهم. قال الله عنهم:
﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿[سورة آل عمران: ١٦٨] .
ولقد أصيب المسلمون في غزوة أحد بالدهشة حين رجع ثلث الجيش بزعامة ابن أبي. وكذلك قعودهم عن غزوة تبوك وغيرها.
[ ٢١١ ]
وفي موالاتهم للكفار يقول الله في شأنهم
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣٨﴾ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فإن العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا ﴿[سورة النساء: ١٣٨ – ١٣٩] .
وأخبرنا سبحانه أنهم هم:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴿[سورة النساء: ١٤١] .
ولقد فضحتهم سورة التوبة خاصة فقد ورد فيها قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿٤٥﴾ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٤٦﴾
[ ٢١٢ ]
لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾ لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٤٨﴾ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿٤٩﴾ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴿[سورة التوبة: ٤٥- ٥٠] .
ففي هذه الآيات بيان من الله للمؤمنين أن هؤلاء المنافقين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا لأنهم جبناء، مخلدون، ولأسرعوا بينكم بالنميمة والبغضاء، والفتنة. (١) وقال الله فيهم أيضًا.
﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٨٦﴾ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴿[سورة التوبة: ٨٦ – ٨٧] .
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (ج ٤/١٠٠) .
[ ٢١٣ ]
ثالثا: البراء في العهد المدني (المفاصلة التامة بين المسلمين وجميع أعدائهم)
ولهم مواقف أخرى كثيرة، ولكنه ﷾ حذر المؤمنين منهم وبين لرسوله ﷺ أنه ﷾ لو شاء لأراهم لرسول الله عيانًا ولكنهم يعرفون بلحن القول:
﴿وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴿[سورة محمد: ٣٠]
وسنعرف بعد قليل كيف كان البراء منهم، وكيف كان هدي رسول الله ﷺ معهم.
ثالثًا: البراء في العهد المدني أي: المفاصلة التامة بين المسلمين وجميع أعدائهم
لئن كانت التربية في العهد المكي تمتاز بضبط النفس، والصبر على الأذى، وتبليغ الدعوة وإعداد العدة مع حبس دواعي الانطلاق، وكف حدة الإقدام:
فإن التربية في المدينة مبنية على هذه الأسس ولكن في شكل جديد، حيث انطلق المؤمنون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، والضرب على يد أعداء الله بقوة لا تعرف الضعف، وعزيمة لا تعرف الوهن (١) . من هنا كان الجهاد في سبيل الله هو أبرز سمات هذا العهد الزاهر، وهو أول صورة من صور البراء والمفاضلة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في العهد المدني وبعد الهجرة النبوية والجهاد وجه جديد من وجوه الثبات على العقيدة، واحتمال المشقات والأذى في سبيل الذود عنها من الأعداء (٢) .
_________________
(١) انظر: سبيل الدعوة الإسلامية. د. محمد أمين المصري (ص ١١٣) ط - ١ / سنة ١٤٠٠ هـ دار الأرقم بالكويت.
(٢) انظر: منهج التربية الإسلامية للأستاذ محمد قطب (٢/٧٠) .
[ ٢١٤ ]
والحديث عن الجهاد طويل طويل، وآياته كثيرة وكذلك الأحاديث النبوية فيه، وفهم الناس لمقصده مختلف، خاصة في العصور المتأخرة، فقد وجد من المسلمين أناس أصيبوا بالهزيمة النفسية أمام شبهات الكفار والملحدين والمستشرقين والمستغربين على حد سواء!.
ففي الوقت الذي يقول فيه أعداء الله. إن دين الإسلام انتشر بالسيف وجد ممن ينتسبون للعلم والعلماء من يدافع - حسب زعمه - عن الإسلام؟ فيلوي أعناق النصوص الشرعية لتوافق ما زعمه دفاعًا عن الإسلام! ومن هنا يوضع الإسلام في مقام الدفاع، ويصور على أنه كالذي يقاتل في معركة انسحاب، حيث كلما طرأت شبهة انبرى لها من يدافع!!
والذي نعتقده ونراه الحق في هذه القضية: أن هذه مهزلة سخيفة لم تحدث إلا في القرون المتأخرة، حين صارت الغلبة للكفر وأربابه، واندحر المسلمون من مقام القيادة والجهاد إلى مقام الاستخذاء والضعف والدفاع والتبعية العمياء.
وقد كتب علماء فضلاء من علماء المسلمين حول هذا الموضوع ما يكفي ويشفي ويغني (١) . ومن المهم في هذا المقام: أن نعرف هدي المصطفى ﷺ وسيرته مع أعداء الله، وجهاده لهم. وللإمام ابن القيم ﵀ تلخيص قيم أورده هنا بتمامه نظرًا لأهميته.
قال ﵀ في زاد المعاد:
(أول ما أوحى إليه ربه ﵎: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنذِرْ ﴿[سورة المدثر: ١-٢] .
_________________
(١) اذكر منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والشيخ محمد ابن عبد الوهاب وتلاميذه، ومن المعاصرين الاستاذين الجليلين أبو الأعلى المودودي وسيد قطب والشيخ سليمان بن حمدان ﵏. وغيرهم ممن لا يحضرني ذكره الآن.
[ ٢١٥ ]
فنبأه بقوله: (اقرأ) وأرسله بـ (يا أيها المدثر) ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال، ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح.
ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام:
(١) أهل صلح وهدنة، (٢) وأهل حرب، (٣) وأهل ذمة.
(فأمر أن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد. وأمر أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت سورة (براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.
(وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام.
(١) قسمًا أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له فحاربهم وظهر عليهم.
(٢) وقسمًا لهم عهد مؤقت لم ينقضوه، ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم.
(٣) وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق فأمره أن يؤجلهم أربعة أشهر فإذا انسلخت قاتلهم. وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله
﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة التوبة: ٥] .
[ ٢١٦ ]
فالحرم هاهنا أشهر التيسيير أولها يوم الآذان وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر. وليست هي الأربعة المذكورة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴿[سورة التوبة:٣٦] .
فإن تلك: واحد فرد، وثلاثة سرد، رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ولم يسير المشركين في هذه الأربعة. فإن هذا لا يمكن لأنها غير متوالية، وهو إنما أجلهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم فقتل الناقض لعهده، وأجل من لا عهد له، أوله عهد مطلق أربعة أشهر وأمره أن يتم للموفي بعهده إلى مدته فأسلم هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل الذمة الجزية.
فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له وأهل عهد، وأهل ذمة.
(ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين: محاربين وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به ومسالم آمن وخائف محارب) (١) .
وقد ركز القرآن الكريم على أهداف الجهاد في غير ما آية. فمنها قوله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ﴿[سورة الأنفال: ٣٩] .
_________________
(١) زاد المعاد: (٣/١٥٨ -١٦٠) .
[ ٢١٧ ]
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " ويكون الدين كله لله " لا يكون مع دينكم كفر (١) .
وقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿[سورة التوبة: ٣٣] .
وقال:
﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ﴿[سورة الحج: ٤٠-٤١] .
إن الجهاد في الإسلام: هدفه أن يعبد الله وحده في الأرض، وأن تهيمن شريعته، ويتحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن تأليه البشر إلى ألوهية الواحد الأحد (٢) ومن هدف الجهاد أيضًا إنقاذ المستضعفين في الأرض
﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/٥٩٧) .
(٢) انظر "معالم في الطريق": "فصل الجهاد في سبيل الله في وطريق الدعوة في " ظلال القرآن" (١/٢٨٩) .
[ ٢١٨ ]
هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴿[سورة النساء:٧٥] .
وإليك تفصيل صور البراء من كل طائفة، وكيفية جهاد المسلمين لهم:
أ- صور البراءة من المشركين:
(١) بعد أن قامت الدولة المسلمة في المدينة، كان لابد من اجتثاث شجرة الشرك في مكة وغيرها وقد نزلت سورة التوبة بقتال المشركين، وتفصيل ذلك ورد في تلخيص ابن القيم الذي سبق ذكره. قال تعالى:
﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾ فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿٢﴾ وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فإن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٤﴾ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
[ ٢١٩ ]
وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍفإن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥﴾ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٧﴾ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨﴾ اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿٩﴾ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴿١٠﴾ فإن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴿١٢﴾ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ﴿١٣﴾
[ ٢٢٠ ]
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿[سورة التوبة: ١-١٥] .
(٢) منعهم من دخول المسجد الحرام قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿[سورة التوبة: ٢٨] .
قال ابن كثير: كان نزول هذه الآية سنة تسع. ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليًا صحبة أبي بكر ﵄ عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين، "أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" (١) فأتم الله ذلك وحكم به شرعًا وقدرًا (٢) .
(٣) منع النكاح بالمشركات: ذكر ابن جرير – وهو يتحدث عن صلح الحديبية – أنه جاء إلى النبي ﷺ نسوة مؤمنات فأنزل الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِن َّفإن عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة (٨/٣١٧ ح ٤٦٥٥)
(٢) تفسير ابن كثير (٤/٧٣) .
[ ٢٢١ ]
وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴿[سورة الممتحنة: ١٠] .
قال فطلق عمر ﵁ يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك (١) .
(٤) منع إقامة المسلم في دار الشرك، وذلك بعد أن أعز الله دينه وعباده، وقامت لهم دولة فحينئذ تحرم الإقامة بدار الشرك خشية على المسلم أن يفتن، ولكي ينضم إلى جماعة المسلمين فهم أخوته وأولياؤه من دون الناس. قال ﷺ " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين " قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: لا تراءى ناراهما " (٢) .
ب- البراء من أهل الكتاب:
كما سبق أن قلنا: أن الجهاد هو أكبر مظاهر المفاصلة بين المسلمين وجميع أعدائهم - ومنهم أهل الكتاب - فإنه لابد أن نشير إلى بعض ما نزل في مفاصلة أهل الكتاب إضافة إلى مبدأ جهادهم.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران التي عنيت بهم كثيرًا وكشفت ما لديهم:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٧٠﴾ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿[سورة آل عمران: ٧٠-٧١] .
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٦/١٠٠) وانظر أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/٦٩) .
(٢) سنن أبي داود (٣/١٠٥ ح ٢٦٤٥) كتاب الجهاد والترمذي في السير (٥/٣٢٩ ح ١٦٠٤) قال الألباني: هو حديث حسن. انظر صحيح الجامع الصغير (٢/١٧ ح ١٤٧٤) .
[ ٢٢٢ ]
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴿٩٨﴾ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿[سورة آل عمران: ٩٨ -٩٩] .
وفي سورة المائدة قوله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ﴿٥٩﴾ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴿[سورة المائدة: ٥٩ - ٦٠] .
ففي هذه الآيات وغيرها نجد التقريع لأهل الكتاب والتنديد بباطلهم ومخازيهم.
ثم يأتي النص القرآني للرسول ﷺ - وللمؤمنين من ورائه - بأن يقولوا لأهل الكتاب أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا شرع الله ويحكموا كتابه
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ
[ ٢٢٣ ]
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿[سورة المائدة: ٦٨] .
وهذه الآية الكريمة من أعظم ما بين صورة البراء من أهل الكتاب. ولقد كان جهاد المصطفى ﷺ وأصحابه لأهل الكتاب - بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير - صورة واضحة بارزة في مفاصلتهم وجهادهم والبراء منهم.
وسيرد الحديث عن إجلائهم عن أرض الجزيرة في الفصل السادس من الباب الثاني.
ج- البراء من المنافقين:
مفاصلة المنافقين والبراءة منهم تؤخذ من هدي رسول الله ﷺ معهم، وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم:
(وأما سيرته ﷺ في المنافقين: فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة. وأمره أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهاه أن يصلي عليهم وأن يقوم على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم) (١) .
وقد قلنا فيما سبق: أن من أبرز صفات المنافقين موالاة الكفار، وكراهية دين الله والتخذيل في صف المسلمين لذلك حين يبين الله حالهم للمؤمنين: كان لابد من مفاصلتهم والبراءة منهم ونزل في ذلك آيات توضح صور هذه المفاصلة وذلك البراء ومنها:
(١) الإعراض عنهم والغلظة عليهم: وقد جاء ذلك مقرونًا بجهاد الكفار،
_________________
(١) زاد المعاد (٣/١٦١) .
[ ٢٢٤ ]
فالغلظة على المنافق من أنواع الجهاد قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿[سورة التوبة: ٧٣] .
(وهي نفس آية ٩٠ من سورة التحريم) وسورة التوبة فضحتهم فضحًا عظيمًا حتى إنها سميت بـ، " الفاضحة". ففي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحدًا منهم إلا ذكر فيها " (١) . وفي سورة النساء ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا ﴿[سورة النساء: ٨١] .
(٢) النهي عن الصلاة عليهم أو القيام على قبورهم:
﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿[سورة التوبة: ٨٤] .
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب التفسير، تفسير سورة الحشر (ج ٨/٦٢٩ ح ٤٨٨٢) .
[ ٢٢٥ ]
قال ابن كثير: وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين (١) .
(٣) لا يقبل لهم عذر في التخلف عن الجهاد، ومن ثم عدم قبولهم فيه مرة أخرى. قال تعالى:
﴿فإن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ ﴿[سورة التوبة: ٨٣] .
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٩٤﴾ سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿٩٥﴾ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُم ْفإن تَرْضَوْاْ عَنْهُم ْفإن اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿[سورة التوبة: ٩٤ - ٩٦] .
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/١٣٢) .
[ ٢٢٦ ]
(٤) عدم الاستغفار لهم. قال تعالى:
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿[سورة التوبة: ٨٠] .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴿٥﴾ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿[سورة المنافقون: ٥-٦] .
د- قطع الموالاة مع الأقارب إذا كانوا محادين لله ورسوله:
قلنا في العهد المكي: إن المؤمن كان مأمورًا بصلة والديه الكافرين وإحسان معاشرتهما وليس في ذلك ولاء على أية حال إلا إنه لم يؤمر بمقاطعتهما ومفاصلتهما ولكن الصورة تختلف في العهد المدني بعد قيام الدولة المسلمة وجهاد الكفار والمشركين. حيث جاءت المفاصلة التامة بين المؤمن وقريبه المشرك أو الكافر أو
[ ٢٢٧ ]
المنافق ونزل في ذلك آيات كثيرة منها قوله تعالى:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿[سورة المجادلة: ٢٢] .
قال أهل العلم في سبب نزولها: أنها نزلت في أبي عبيدة عامر بن الجراح حين قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي أبي بكر حين دعا ابنه للمبارزة يوم بدر، وفي عمر حيث قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر، وفي علي وحمزة حين قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبه يوم بدر (١) . وقيل غير ذلك من الأسباب (٢) .
وهذه الآية الكريمة تشير إلى المفاصلة الكاملة بين حزب الله وحزب الشيطان، وأن المؤمن يجب عليه أن ينحاز إلى الصف المسلم متجردًا من كل عائق أو جاذب ومرتبطًا في العروة الواحدة بالحبل الواحد. ومن ثم فلا نسب ولا صهر، ولا أهل ولا قرابة، ولا ظن ولا جنس ولا عصبية ولا قومية حين تقف هذه الوشائج دون ما أراد الله. وإنما هي العقيدة من وقف تحت رايتها فهو من حزب الله، ومن استحوذ عليه الشيطان فوقف تحت راية الباطل فلن تربطه بأحد من
_________________
(١) أسباب النزول للواحدي (ص ٢٣٦) وتفسير ابن كثير (٨/٧٩) .
(٢) للاستزادة في هذا أنظر أحكام القرآن للقرطبي (١٧/٣٠٧) .
[ ٢٢٨ ]
حزب الله رابطة (١) . وفي سورة التوبة يأتي الأمر الأخير بالمفاصلة. وبيان أن القضية: قضية إيمان أو كفر وليست قضية جزئية أو ثانوية. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿[سورة التوبة: ٢٣- ٢٤] .
فهذا أمر من الله بمباينة الكفار وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهي عن موالاتهم إذا اختاروا الكفر على الإيمان (٢) .
قال القرطبي: وهذه الآية – آية ٢٣ – باقية الحكم إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين (٣) . وقال ابن عباس ﵄ في قوله، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون): هو مشرك مثلهم لأن من رضي بالشرك فهو مشرك (٤) .
وهذا السياق القرآني الكريم قد استعرض ألوان الوشائج والمطامع واللذائذ ليضعها في كفه، ويضع العقيدة ومقتضياتها في الكفة الأخرى.
_________________
(١) انظر الظلال (٦/٣٥١٤ – ٣٥١٦) .
(٢) ابن كثير (٤/٦٦) .
(٣) أحكام القرآن للقرطبي (٨/٩٤) .
(٤) أحكام القرآن للقرطبي (٨/٩٤) .
[ ٢٢٩ ]
الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة (وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج) والأموال والتجارة (مطمع الفطرة ورغبتها) والمساكن المريحة (متاع الحياة ولذتها) .. وكل ذلك في كفة وفي الكفة الأخرى: حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله. الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشتقاته وما يتبعه من نصب وتعب، ومن تضييق وحرمان وألم وتضحية وجراح واستشهاد. الجهاد المجرد من الصيت والذكر والظهور والمباهاة والفخر والرياء.
وما يكلف الله المؤمنين هذا التكليف إلا وهو يعلم أن فطرتهم تطيق ذلك، فالله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وإنه لمن رحمة الله بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال، وأودع فيها الشعور بلذة الاتصال بالله التي لا تعدلها أي لذة. لذة الاستعلاء على الضعف والهبوط والخلاص من ثقلة اللحم والدم، والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضي (١)
وخلاصة القول: إن الولاء والبراء قد اكتملت صورته الحقيقية في العهد المدني حيث قامت دولة الإسلام الراشدة وأصبحت الأخوة الإيمانية فيها هي الرابطة الحقيقة، ودونها تهدر كل رابطة. وشرع الجهاد للكفار والمشركين ومن نقض عهده. وجاء الأمر بالغلظة على المنافقين والإعراض عنهم. وحصلت البراءة من كل قريب لا يؤمن بالله ورسوله ولا بدين الحق ولو كان أبًا أو أخًا أو زوجًا أو غير ذلك مما تعارف الناس عليه أنه رابطة!
ولقد تميز المسلمون واستعلوا بدينهم، وافتخروا بالانتماء إلى هذا الدين الذي هو سبب تلك العزة والرفعة والسيادة حين فتحوا الشرق والغرب. ولن يكون للمسلمين اليوم أو غدًا عز إلا بالرجوع إلى هذه العقيدة عن حب وولاء لدين الله والمؤمنين به، وبراء من كل كافر ومشرك ومنافق ولو كان أقرب قريب. وأما الإحسان إلى الوالدين وبرهما - وهما كافران - أمر باق إلى قيام الساعة.
_________________
(١) الظلال (٣/١٦١٥) بتصرف.
[ ٢٣٠ ]
الفصل السابع
صور الموالاة ومظاهرها
إن جمع صور الموالاة ومظاهرها في فصل مستقل أمر له أهميته في مثل هذا البحث، وذلك حتى يكون القارئ على بينة من الأمور والقضايا التي تمسها قضية الولاء والبراء.
وأحب أن أنبه في هذا المقام على أنني لم ألزم نفسي بتتبع الحكم الشرعي في كل صورة من هذه الصور، وذلك لصعوبة القطع بالحكم في كل قضية، لأنه - كما يقول أهل العلم - قد يكون القول أو الفعل كفرًا ولكن هناك ما يصرفه عن ظاهره فيما بين العبد وبين ربه، ولكن على العموم فهذه الصور تتفاوت من كون فاعلها خارجًا من الملة كمن يحب الكفار لأجل كفرهم إلى الكبيرة من الكبائر كتعظيمهم والثناء عليهم (١) . وذلك أن (مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة منها ما يوجب الردة كذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات) (٢) . وقد حرص الدين الإسلامي على إخلاص العبادة (وهي الطاعة والانقياد) لله وحده والبراءة من كل متبوع أو مرغوب، أو مرهوب، وتعلق القلب بربه في الخشية والخوف والرجاء والعون والنصرة، لأن (كل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو يهدوه: خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك.. ومعلوم أن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر لا
_________________
(١) الدرر السنية (٧/٢٠١) والهدية الثمينة للشيخ عبد الله السليمان بن حميد (ص١٧) .
(٢) الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (ص٤٣) .
[ ٢٣١ ]
يبالي إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. أما إذا كان القلب متيمًا لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض) (١) .
وخطورة موالاة الكفار تبرز في أن ضررها على المسلمين كافة أعظم من خطر من يكفر في نفسه فقط. ذلك أن (الإضرار بالمسلمين يزيد على تغيير الاعتقاد، ويفعله من يظن سلامة الاعتقاد، وهو كاذب عند الله ورسوله والمؤمنين في هذه الدعوى والظن، ومعلوم أن المفسدة في هذا أعظم من المفسدة في مجرد تغيير الاعتقاد) (٢) وإليك تفاصيل موالاة الكفار (٣) .
(١) الرضى بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة (٤) .
ويتضح هذا الأمر في كونه ولاء للكفار: إنه يسرهم ويسعدهم أن يروا من يوافقهم على كفرهم ويجاريهم على مذاهبهم الإلحادية.
وقد سبق في التمهيد القول بأن من معتقد أهل السنة والجماعة: إن حب القلب وبغضه يجب أن يكون كاملًا. فالذي يحب الكافر لأجل كفره فهو كافر بإجماع الأمة، ولم يخالف في ذلك أحد من علماء المسلمين.
يقول ابن تيمية ﵀:
(أما حب القلب وبغضه، وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان. أما فعل البدن فهو بحسب قدرته. ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطي ثواب الفاعل الكامل، ذلك أن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله، وهذا من نوع الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد
_________________
(١) رسالة العبودية لابن تيمية (٩٥ - ٩٦) .
(٢) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية: ٣٧١.
(٣) من أحسن من كتب في ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأبناؤه، لذلك فمعظم هذه الصور منقولة من كتبه.
(٤) انظر نواقض الإسلام في مجموعة التوحيد (ص١٢٩) مطبعة الحكومة بمكة.
[ ٢٣٢ ]
اتبع هواه
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴿[سورة القصص: ٥٠] (١)
إذن: فالمحبة والرضى أمران جازمان لا يخرجان عن كونهما كفرًا إذا كانا للكفار أو إيمانًا إذا كانا للمؤمنين.
(٢) التولي العام واتخاذهم أعوانًا وأنصارًا وأولياء أو الدخول في دينهم وقد نهى الله عن ذلك فقال:
﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ﴿[سورة آل عمران: ٢٨] .
قال ابن جرير في تفسيرها:
(من اتخذ الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا يواليهم على دينهم ويظاهرون على المسلمين فليس من الله في شيء. أي قد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. (إلا أن تتقوا منهم تقاة) أي إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل) (٢)
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ
_________________
(١) شذرات البلاتين (١/٣٥٤) (رسالة الأمر بالمعروف)
(٢) تفسير الطبري (٣/٢٢٨) .
[ ٢٣٣ ]
وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿[سورة المائدة: ٥١] .
قال ابن جرير ﵀ في تفسيرها:
(من تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم. أي من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه) (١) .
وقال ابن حزم: صح أن قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴿إنما هو على ظاهره: بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين (٢) .
وقال ابن تيمية:
أخبر الله في هذه الآية: أن متوليهم هو منهم وقال سبحانه: ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ﴿[سورة المائدة: ٨١] .
فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. فالقرآن يصدق بعضه بعضًا (٣) .
وقال ابن القيم:
(إن الله قد حكم ولا أحسن من حكمه أنه من تولى اليهود والنصارى، فهو منهم " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم. وهذا عام، خص منهم من يتولاهم ودخل في دينهم بعد التزام الإسلام فإنه لا يقر ولا تقبل منه الجزية. بل إما الإسلام أو السيف
_________________
(١) المصدر السابق (٦/٢٧٧) .
(٢) المحلى: (١٣/٣٥) تحقيق حسن زيدان سنة ١٣٩٢ هـ الناشر مكتبة الجمهورية العربية بمصر.
(٣) انظر الإيمان لابن تيمية (ص١٤) طبع المكتب الإسلامي.
[ ٢٣٤ ]
لأنه مرتد بالنص والإجماع، ولا يصح إلحاق من دخل في دينهم من الكفار قبل التزام الإسلام بمن دخل فيه من المسلمين لأن من دان بدينهم من الكفار بعد نزول القرآن فقد انتقل من دين إلى دين خير منه - وإن كانا جميعًا باطلين - وأما المسلم فإنه قد انتقل من دين الحق إلى الدين الباطل بعد إقراره بصحة ما كان عليه وبطلان ما انتقل إليه فلا يقر على ذلك) (١) .
ويستبعد الأستاذ سيد قطب أن يكون بين المسلمين، من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين. وإنما المراد ولاء التحالف والتناصر. يقول ﵀:
(إن الولاية المنهي عنها ولاية التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم، فبعيد جدًا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين. إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي كان يلتبس على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم بحكم ما كان واقعًا من تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذا الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة حتى نهاهم الله عنه وأمر بإبطاله. يوضح ذلك قوله تعالى بشأن المسلمين الذين لم يهاجروا
﴿مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ ﴿[سورة الأنفال: ٧٢] .
أي ولاية التناصر والتعاون وليس ولاية الدين.
(نقول هذا: لأن البعض يخلط بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة. ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة، وأن هذا شأن ثابت لهم، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم.
_________________
(١) أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/٦٧، ٦٩) .
[ ٢٣٥ ]
وسذاجة أية سذاجة، وغفلة أية غفلة: أن تظن أن لنا وإياهم طريقًا واحدًا نسلكه للتمكين للدين!! أمام الكفار والملحدين. فهم مع الكفار والملحدين إذا كانت المعركة ضد المسلمين.
فلندع من يغفل عن هذا ولنكن واعين للتوجيه القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء ﴿الآية (١) .
(٣) الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله كما قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا ﴿[سورة النساء: ٥١] .
ونظير هذه الآية قوله تعالى عن بعض أهل الكتاب:
﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴿[سورة البقرة: ١٠١-١٠٢] .
_________________
(١) في ظلال القرآن: بتصرف (٢/٩٠٩ - ٩١٠) وسيرد مزيد من التفصيل إن شاء الله عند الحديث عن زمالة الأديان!
[ ٢٣٦ ]
فأخبر سبحانه أنهم اتبعوا السحر وتركوا كتاب الله كما يفعله كثير من اليهود وبعض المنتسبين إلى الإسلام. فمن كان من هذه الأمة مواليًا للكفار: من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة كإتيانه أهل الباطل واتباعهم في شيء من فعالهم ومقالهم الباطل: كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك (١) . وإن هذه الصورة من صور الموالاة قد وقع فيها معظم المنتسبين إلى الإسلام اليوم، فالإيمان ببعض ما هم عليه أمر واقع في (العالم الإسلامي) لا ينكره إلا مكابر جاهل، فها هي الببغوات من أبناء أمتنا وممن ينطقون بألسنتنا قد آمنت بالشيوعية مذهبًا تارة وبالاشتراكية تارة أخرى، وبالديمقراطية نظامًا أو العلمانية دستورًا، فأخذت هذه المبادئ الكافرة وطبقتها في بلاد المسلمين ملزمة الناس بعبادتها (في الطاعة والانقياد والتنفيذ) ونصبت العداء لكل مسلم موحد ينادي في الأمة أن تعود إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وهذه الردة الجديدة سيأتي تفصيل الحديث عنها إن شاء الله - في الباب الأخير.
وإن من الإيمان ببعض ما هم عليه: مسألة فصل الدين عن الدولة وإنه لا علاقة للإسلام بالسياسة فهذه أيضًا فرع للقضية السابقة لم توجد إلا في أوروبا أيام الاضطهاد الكنسي لرجال العلم. ولكن أين الإسلام دين العدل ودين السياسة ودين القوة من (هرطقة) رجال الكنيسة حتى يأتي بعض الأقزام فيستورد تلك السموم من أوروبا ليلبس الإسلام قناعًا مزيفًا فيقول: الإسلام علاقة بين العبد وربه والسياسة لها رجالها ولها قضاياها التي لا تمت إلى الدين بصلة (٢) .
(٤) مودتهم ومحبتهم. وقد نهى الله عنها بقوله:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
_________________
(١) انظر فتاوي ابن تيمية (٢٨/١٩٩ - ٢٠١) .
(٢) هناك كتاب أجلاء أفاضوا الحديث في هذه القضية منهم الأساتذة: د. محمد البهي والأستاذ سيد قطب والأستاذ محمد قطب والأستاذ المودودي وغيرهم. ومن أراد التفصيل الدقيق فعليه بمراجعة كتاب العلمانية وآثارها في العالم الإسلامي للأخ الأستاذ سفر بن عبد الرحمن الحوالي.
[ ٢٣٧ ]
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴿[سورة المجادلة:٢٢] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (أخبر الله أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده موالاة أعداء الله. فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلًا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب) (١) .
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ﴿[سورة الممتحنة: ١] .
(٥) الركون إليهم: قال تعالى:
﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ [سورة هود: ١١٣] .
قال القرطبي: الركون حقيقته: الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء والرضا به (٢) . وقال قتادة معنى الآية: لا تودوهم ولا تطيعوهم. قال ابن جريج: لا تميلوا إليهم.
_________________
(١) الإيمان: (ص١٣) .
(٢) : تفسير القرطبي: (٩/١٠٨) وانظر البغوي والخازن (٣/٢٥٦) أما البيت فهو لطرفة بن العبد.
(٣) المصدر السابق.
[ ٢٣٨ ]
وهذه الآية دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم فإن صحبتهم كفر أو معصية. إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة كما قيل
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدى (١) .
وقال تعالى ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴿٧٤﴾ إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴿[سورة الإسراء: ٧٤ - ٧٥] .
وإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق صلاة الله وسلامه عليه فكيف بغيره؟ (٢) .
(٦) مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين قال تعالى:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴿[سورة القلم: ٩] .
والمداهنة والمجاملة والمداراة على حساب الدين أمر وقع فيه كثير من (المسلمين) اليوم وهذه نتيجة طبيعية للانهزام الداخلي في نفوسهم. حيث رأوا أن أعداء الله تفوقوا في القوة المادية فانبهروا بهم، ولأمر ما رسخ وترسب في أذهان المخدوعين أن هؤلاء الأعداء هم رمز القوة ورمز القدوة - فأخذوا ينسلخون من تعاليم دينهم مجاملة للكفار ولئلا يصمهم أولئك الكفرة بأنهم (متعصبون) ! وصدق المصطفى ﷺ، إذ يقول في مثل هؤلاء (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) .
قلنا. يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: (فمن)؟ (٣) .
_________________
(١) مجموعة التوحيد (ص ١١٧) دار الفكر.
(٢) صحيح البخاري (١٣/٣٠٠ح ٧٣٢٠) كتاب الاعتصام وصحيح مسلم (٤/٢٠٥٤ ح ٢٦٦٩) كتاب العلم واللفظ للبخاري.
[ ٢٣٩ ]
إن المداهنة والمجادلة قد تبدأ بأمر صغير ثم تكبر وتنمو حتى تؤدي - والعياذ بالله - إلى الخروج من الملة. وهذه إحدى مزالق الشيطان فليحذر المسلم منها على نفسه، وليعلم أنه هو الأعز وهو الأقوى إذا امتثل منهج الله وتقيد بشرعه ومقتضيات عقيدته.
ومن الأمور الواضحة في تاريخ المسلمين: أن من أكبر العوامل في انتصارهم - بعد الإيمان بالله ورسوله - الاعتزاز بالإسلام. يصدق ذلك ويؤيده قول الفاروق ﵁: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) (١) .
(٧) اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿[سورة آل عمران: ١١٨] .
نزلت هذه الآية في أناس من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، ويواصلون رجلًا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والجوار فأنزل الله هذه الآية تنهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم (٢) .
وبطانة الرجل: خاصته تشبيهًا ببطانة الثوب التي تلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرهم. وقد بين الله العلة في النهي عن مباطنتهم فقال (لا يألونكم خبالًا) أي لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد، ثم إنهم يودون ما يشق عليكم من الضر والهلاك.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (١/٦٢) كتاب الإيمان. وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٢) أسباب النزول للواحدي (ص ٦٨) .
[ ٢٤٠ ]
والعداوة التي ظهرت منهم: شتم المسلمين والوقيعة فيهم، وقيل: باطلاع المشركين على أسرار المسلمين (١) . وفي سنن أبي داود قوله ﷺ: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) (٢) .
(٨) طاعتهم فيما يأمرون ويشيرون به (٣) . قال تعالى ناهيًا عن ذلك:
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴿[سورة الكهف: ٢٨] .
وقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ﴿[سورة آل عمران: ١٤٩] .
وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴿[سورة الأنعام: ١٢١] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره فهذا هو
_________________
(١) انظر تفسير البغوي (١/٤٠٩) وابن كثير (٢/٨٩) .
(٢) كتاب الأدب (٥/١٦٨ ح ٤٨٣٣) وفي المسند (١٦/١٧٨ ح ٨٣٩٨) طبعة: شاكر والترمذي في الزهد (٧/١١١ ح ٢٣٧٩) وقال هذا حديث حسن غريب.
(٣) مجموعة التوحيد (ص ١١٧) .
[ ٢٤١ ]
الشرك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ﴿[سورة التوبة: ٣١] (١) .
(٩) مجالستهم، والدخول عليهم وقت استهزائهم بآيات الله. وقال تعالى في النهي عن مجالستهم:
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ﴿[سورة النساء: ١٤٠] .
قال ابن جرير:
(قوله (إنكم إذًا مثلهم) أي إنكم إذا جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون فأنتم مثلهم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها.
(وفي الآية دلالة واضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من الكفرة والمبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم (٢) .
وفي الحديث (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم) (٣) .
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/٣٢٢) .
(٢) تفسير الطبري (٥/٣٣٠) .
(٣) رواه أحمد (في المسند) (ح ٨/٨٠ ح ٥٧٠٥) بتحقيق أحمد شاكر وصحيح البخاري (٨/١٢٥ ح ٤٤١٩) كتاب المغازي وصحيح مسلم (٤/٢١٨٥ ح ٢٩٨٠) كتاب الزهد.
[ ٢٤٢ ]
(١٠) توليتهم أمرًا من أمور المسلمين:
كالإمارة والكتابة وغيرها والتولية شقيقة الولاية لذلك فتوليتهم نوعًا من توليهم. وقد حكم الله أن من تولاهم فإنه منهم. ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم. والولاية تنافي البراءة فلا تجتمع البراءة والولاية أبدًا.
(والولاية إعزاز فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدًا. والولاية صلة فلا تجامع معاداة الكافر أبدًا. ولو علم ملوك الإسلام بخيانة النصارى الكتاب - مثلًا - ومكاتبتهم الفرنج أعداء الإسلام، وتمنيهم أن يستأصلوا الإسلام وأهله، وسعيهم في ذلك بجهد الإمكان: لثناهم ذلك عن تقريبهم وتقليدهم الأعمال فهذا الملك (الصالح) كان في دولته نصراني يسمى: محاضر الدولة أبا الفضل بن دخان ولم يكن في المباشرين أمكن منه. كان قذى في عين الإسلام، وبثرة في وجه الدين. بلغ من أمره أنه وقع لرجل نصراني أسلم برده إلى دين النصرانية وخروجه من الملة الإسلامية، ولم يزل يكاتب الفرنج بأخبار المسلمين، وأعمالهم، وأمر الدولة وتفاصيل أحوالها.
وكان مجلسه معمورًا برسل الفرنج والنصارى وهم مكرمون لديه، وحوائجهم مقضية عنده، ويحمل لهم الإدرار والضيافات، وأكابر المسلمين محجوبون عن الباب لا يؤذن لهم، وإذا دخلوا لم ينصفوا في التحية ولا في الكلام. وحدث أن اجتمع في مجلس (الصالح) أكابر الناس من الكتاب والقضاة والعلماء فسأل السلطان بعض الجماعة عن أمر أفضى به إلى ذكر مخازي النصارى فبسط لسانه في ذلك وذكر بعض ما هم عليه من الأفعال والأخلاق. وقال من جملة كلامه: إن النصارى لا يعرفون الحساب، ولا يدرونه على الحقيقة لأنهم يجعلون الواحد ثلاثة والثلاثة واحدًا. والله تعالى يقول:
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴿[سورة المائدة: ٧٣] .
وأول أمانتهم وعقد دينهم: (بسم الأب والابن وروح القدس إله واحد)
[ ٢٤٣ ]
فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء وقال في قصيدة له:
كيف يدري الحساب من جعل الوا حد رب الورى تعالى ثلاثة
ثم قال: كيف تأمن أن يفعل في معاملة السلطان كما فعل في أصل اعتقاده ويكون مع هذا أكثر النصارى أمانة؟ وكلما استخرج ثلاثة دنانير دفع إلى السلطان دينارًا وأخذ لنفسه اثنين ولا سيما وهو يعتقد ذلك قربة وديانة؟
وانصرف القوم واتفق أن كبت النصراني بطنته، وظهرت خيانته فأريق دمه وسلط على وجوده عدمه (١) .
(١١) استئمانهم وقد خونهم الله: قال تعالى:
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٧٥] .
(١٢) الرضى بأعمالهم والتشبيه بهم، والتزيي بزيهم (٢) .
(١٣) البشاشة لهم والطلاقة وانشراح الصدر لهم وإكرامهم وتقريبهم (٣)
(١٤) معاونتهم على ظلمهم ونصرتهم ويضرب القرآن لذلك مثالين هما: امرأة لوط التي كانت ردءًا لقومها، حيث كانت على طريقتهم، راضية بأفعالهم القبيحة، تدل قومها على ضيوف لوط. وكذلك فعل امرأة نوح (٤) .
_________________
(١) أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/٢٤٢ - ٢٤٤) بتصرف بسيط.
(٢) مجموعة التوحيد (ص ١١٧) .
(٣) مجموعة التوحيد (ص ١١٧) .
(٤) تفسير ابن كثير: (٦/٢١٠) وقد سبق الحديث عنهما.
[ ٢٤٤ ]
(١٥) مناصحتهم والثناء عليهم ونشر فضائلهم (١) وهذه الصورة ظهرت واضحة في العصور الأخيرة فقد رأينا (أفراخ المستشرقين) - مثلًا - ينشرون فضائلهم وأنهم أصحاب المنهج العلمي السديد و.. و.. الخ. كذلك جاء من ينشر (فضائل) الغرب أو الشرق مضيفًا عليها ألقاب التقدم والحضارة والرقي، واصمًا الإسلام والمنتسبين إليه بالرجعية والجمود والتأخر عن مسايرة الركب الحضاري والأمم المتقدمة!!
(١٦) تعظيمهم وإطلاق الألقاب عليهم مثل: السادة والحكماء ومبادأتهم بالسلام
(ومما يجب النهي عنه ما يفعله كثير من الجهال في زماننا إذا لقي أحدهم عدوًا لله سلم عليه ووضع يده على صدره إشارة إلى أنه يحبه محبة ثابتة في قلبه. أو يشير بيده إلى رأسه إشارة إلى أن منزلته عنده على الرأس وهذا الفعل المحرم يخشى على فاعله أن يكون مرتدًا عن الإسلام لأن هذا من أبلغ الموالاة والموادة والتعظيم لأعداء الله) (٢) .
والتعظيم واللقب الرفيع رمز للعزة والتقدير وهما مقصورتان على المؤمن. أما الكافر فله الإهانة والذلة وقد ورد في الحديث الصحيح النهي عن مبادأتهم بالسلام فقال ﷺ (لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) (٣) وسيأتي تفصيل هذه القضية في الباب الثاني.
(١٧) السكنى معهم في ديارهم وتكثير سوادهم (٤) قال رسول الله ﷺ (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) (٥) . وقال (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا) (٦) .
_________________
(١) مجموعة التوحيد (ص١١٧) ورسائل سعد بن عتيق (ص ١٠١) .
(٢) تحفة الإخوان للشيخ حمود التويجري (ص ١٩) الطبعة الأولى / مؤسسة النور بالرياض.
(٣) صحيح مسلم: (٤/١٧٠٧ ح ٢١٦٧) كتاب السلام وأبو داود في الأدب (٥/٣٨٤ ح ٥٢٠٥) .
(٤) الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (ص ٦٤) .
(٥) أبو داود (٣/٢٢٤ ح ٢٧٨٧) كتاب الجهاد قال الألباني: حديث حسن، وانظر صحيح الجامع الصغير (٦/٢٧٩ ح ٦٠٦٢) .
(٦) الحاكم في المستدرك (٢/١٤١) وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
[ ٢٤٥ ]
وسوف يأتي بمشيئة الله - في الباب الثاني تفصيل لهذه المسألة إذا كانت هناك ضرورة لهذه المساكنة.
(١٨) التآمر معهم، وتنفيذ مخططاتهم والدخول في أحلافهم وتنظيماتهم والتجسس من أجلهم، ونقل عورات المسلمين وأسرارهم إليهم والقتال في صفهم (١)، وهذه الصورة من أخطر ما ابتليت به أمتنا في هذا العصر.
ذلك أن وجود ما يسمى في المصطلح الحديث (الطابور الخامس) قد أفسد أجيال الأمة في كل مجال سواء في التربية والتعليم أم في السياسة وشؤون الحكم أم في الأدب والأخلاق أم في الدين والدنيا معًا. وصدق الشاعر محمود أبو الوفا فيما نقله عنه أستاذنا الفاضل الشيخ محمد قطب أنه قال حين خرج الاستعمار الإنجليزي من مصر: (خرج الإنجليز الحمر وبقي الإنجليز السمر!!) - نعم إن داءنا هم الإنجليز السمر.
ترى من هو الساهر على تنفيذ خطة (دنلوب) في التربية والتعليم؟ ومن هو القائم بتنفيذ مخططات اليهود الثلاثة: فرويد وماركس ودور كايم في أفكارهم الخبيثة؟ (٢) . إنهم المستغربون من أبناء هذه الأمة الذين حققوا لأعداء الله ما لا يحلمون به. ولكن هيهات لهم فإن الله يقول:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿[سورة الصافات:١٧١ - ١٧٣] .
(١٩) من هرب من دار الإسلام إلى دار الحرب بغضًا للمسلمين وحبًا للكافرين (٣)
_________________
(١) الإيمان. حقيقته. أركانه. نواقضه للدكتور محمد نعيم ياسين (ص ١٤٧) .
(٢) يراجع كتاب الأستاذ محمد قطب: التطور والثبات في حياة البشرية فصل: اليهود الثلاثة (ص٣٥) وكتاب هل نحن مسلمون (ص١٣٣) وكتاب مذاهب فكرية معاصرة.
(٣) الردة بين الأمس واليوم (ص٣٣) .
[ ٢٤٦ ]
(٢٠) من انخرط في الأحزاب العلمانية أو الإلحادية كالشيوعية والاشتراكية والقومية والماسونية وبذل لها الولاء والحب والنصرة (١) .
ما يقبل من الأعذار
وما لا يقبل في هذه الصور
قد يعتذر بعض الموالين للكفار بأنهم يخافون على سلطانهم وأموالهم ومراكزهم وغير ذلك من المخاوف التي لا تصح، ولا يعتبرها الله، عذرًا لهم فيعذرهم من أجلها. لأنها من تزيين الشيطان وتسويله، وحب الدنيا والطمع في زينتها.
والله ﷾ لم يقبل عذرًا لأحد في إظهار موالاته للكفار وطاعتهم وموافقتهم على دينهم إلا عذرًا واحدًا هو: الإكراه: قال تعالى:
﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٦﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿[سورة النحل: ١٠٦ - ١٠٧] .
وقال سبحانه: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ﴿[سورة آل عمران: ٢٨] .
_________________
(١) المصدر السابق (ص٤٠) .
[ ٢٤٧ ]
والإكراه لا ينفع أحدًا فيما يتعلق بالرضى القلبي، والميل الباطني إلى الكفار لأنه غير مأذون فيه على أية حال لقوله تعالى (وقلبه مطمئن بالإيمان) ولأن الإكراه لا سلطان له على القلوب. فإنه لا يعلم ما في القلب إلا الله.
فمن والى الكفار بقلبه ومال إليهم فهو كافر على كل حال. فإن أظهر موالاته بلسانه أو بفعله عومل في الدنيا بكفره وفي الآخرة يخلد في النار، وإن لم يظهرها بفعل ولا قول وعمل بالإسلام ظاهرًا عصم ماله ودمه وهو منافق في الدرك الأسفل من النار (١) .
موقف المسلم تجاه هذه الصور:
الولاء والبراء هو الصورة الفعلية للتطبيق الواقعي لهذه العقيدة وهو مفهوم ضخم في حس المسلم بمقدار ضخامة وعظمة هذه العقيدة. والله ﷾ يقول:
﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿[سورة البقرة: ٢٥٦] .
والله ﷻ أراد للمسلم - بل للإنسان - الكرامة في هذه الأرض
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴿[سورة الإسراء: ٧٠] .
فحين يكون ولاء المسلم لله ولدينه وحزبه المؤمنين فهو بهذا يقدر هذا التكريم
_________________
(١) انظر الإيمان للدكتور محمد نعيم ياسين (ص ١٤٧ - ١٤٨) .
[ ٢٤٨ ]
حق قدره، ويعبد الله حق عبادته، لأنه تخلى بل وعادى كل عبودية تريد إخضاعه لسلطانها من دون الله.
أما حين ينتكس فيعبد غير الله – سواء بالشعائر أم بالشرائع أم بالطاعة والانقياد – فإنه بهذا يهبط من تلك المكانة والكرامة إلى عبودية أهواء شتى، وآراء ومذاهب تمزق عليه حياته وتضيع عليه آخرته، فيعيش شقيًا – وإن زعم أنه سعيدًا – ذلك أن مقياس السعادة والشقاوة، في التصور الإسلامي نابع من عبادة الله وحده وتحكيم شرعه والخلوص له، أو عكس ذلك: عبادة الطاغوت والهوى والشهوة وتلك هي دركات الشقاء التي يعيش فيها كل من أعرض عن هدى الله ودينه.
وموالاة غير المؤمنين – فضلًا عن أنها ردة وعصيان لله سبحانه – هي مصدر التذبذب والفصام النكد في حياة فاعلها، لأنه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وفي هذا العصر الذي اختلطت فيه المفاهيم، واضطربت فيه الآراء، وخلط الحق بالباطل بل أقصي الحق ورفعت شارة الباطل: أين يقف المسلم؟ أين يكون ولاؤه ولمن يكون وهو يرى الكفر الصريح معلنًا ومنفذًا في حياة الناس ثم يوضع لذلك (لافتة بسيطة) إن هذا لا يتعارض مع الإسلام؟ ومثال ذلك من يدين بالاشتراكية أو الديمقراطية أو العلمانية أو القومية أو الشيوعية ثم يقال: هذا لا يعارض الإسلام لأنه علاقة بين العبد وربه. لمن يكون ولاء المسلم وهو يرى شرع الله مبعدًا من الأرض ومحاربًا، ثم يستورد القانون البشري ليكون هو دستور الناس في حياتهم ومنهج مسيرتهم ويقال، إن هذا لا يعارض الإسلام لأن التشريع الإسلامي – سواء قيلت بلسان الحال أو المقال، - لم يعد مسايرًا لركب الحضارة والتطور؟!
لمن يكون ولاء المسلم وهو يرى المنافقين يتمسحون باسم الإسلام وهم في الحقيقة أخطر على الدين من أعدائه الصرحاء؟
هذه أسئلة وأسئلة غيرها كثيرة.. والإجابة عليها تكمن في الحقيقة التالية: إنه لا يمكن للمسلم أن يكون ولاؤه لله ولدينه وللمؤمنين خالصًا إلا إذا كان مدركًا
[ ٢٤٩ ]
لحقيقة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) متمثلًا لها، مدركًا مدلولها ومعناها عارفًا بمقتضياتها ولوازمها.
ثم علمه بالجاهلية والشرك والكفر والردة والنفاق حتى لا يكون مصيدة للوقوع في هذا الشر. لأنه لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية.
ثم علمه بحقيقة الولاء والبراء في المفهوم الإسلامي الصحيح وهو: أن الولاء والحب والنصرة للمؤمنين من أي جنس كانوا وبأي لغة نطقوا وفي أي مكان حلوا، لأنه لا يؤمن بما تؤمن به الجاهليات من لوثة الدم ونتن العرق وخسة التراب.
فهو مع إخوانه المؤمنين بقلبه ولسانه وماله ودمه، يألم لألمهم ويفرح لفرحهم وبغضه وبراءه لجميع أعداء الله سواء كانوا كفارًا أصليين أم مرتدين أم منافقين وموقفه منهم: الجهاد بالنفس والمال والقلم واللسان وكل ما أوتي من طاقة وعلى حسب جهده وطاقته.
إن هذه الحقيقة هي التي – إذا أدركها المسلم وعمل بها يستطيع بها أن يحدد موقعه من كل صورة من الصور السابقة وغيرها، فيعرف من يوالي ومن يعادي، وماذا يريد الإسلام منه وماذا يريد للإسلام من أعدائه.
وهو بهذا يكون مسلمًا واعيًًا بعزة الله غير واهن ولا حزين لأن الله معه وهو القائل:
﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١) [سورة آل عمران: ١٣٩] .
ومن كان الله معه فلن تضيره أن تجتمع البشرية بكاملها لأن تضره فهي بمجموعها لا تستطيع ذلك إلا إذا كان الله يريد له ذلك وإلا فهي أعجز من أن تنال منه شيئًا بسيطًا بغير قدر الله وإرادته.
_________________
(١) حبذا مراجعة كتاب (هل نحن مسلمون) (ص٤٧) .
[ ٢٥٠ ]
الفصل الثامن
الرد على الخوارج والرافضة
في عقيدة الولاء والبراء
قد يقول بعض من لا يدرك حقيقة العقيدة، ولا يعي مفاهيم (لا إله إلا الله): أن مصطلح الولاء والبراء من مصطلحات الخوارج والشيعة فكيف يدرج في معتقد السلف الذين هم أهل السنة والجماعة؟
والجواب على هذا الاعتراض: من عدة وجوه:
(١) نحن مطالبون بما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهما عقيدتنا وشريعتنا ونظام حياتنا، وأحسب أني قد ذكرت عددًا كبيرًا جدًا من عشرات الآيات في الولاء والبراء وعشرات الأحاديث النبوية الصحيحة في هذه القضية.
(٢) من منطلق سلفنا الصالح نقول: لسنا مستعدين للتنازل عن أي أمر من أمور ديننا الصغيرة - فضلًا عن أمور العقيدة الكبرى لأجل أن ناعقًا أخذ بعض مصطلحاتنا وبنى عليها مفاهيمه البدعية المنكرة.
(٣) هل يستطيع مسلم يؤمن بكتاب الله وسنة رسوله أن يقول إن إبراهيم ﵇ - وهو القدوة الأولى في الولاء والبراء - كما ذكرنا - استخدم مصطلحات الخوارج والرافضة الذين جاءوا بعده بآلاف السنين؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
(٤) إن قضية الولاء والبراء كمبدأ عقدي: مبدأ صحيح لا غبار عليه ورد به كتاب الله وسنة نبي الله ولكن الخطأ كل الخطأ والبدعة كل البدعة هو ما بنى
[ ٢٥١ ]
عليه هؤلاء السفهاء – من خوارج – ورافضة – من مفاهيم سقيمة خرجوا بها عن النصوص الصريحة وإجماع الأمة المحمدية. وصدق القائل.
وما ضر الورود وما حوته إذا المزكوم لم يطعم شذاها
معتقد الخوارج في هذه القضية
أما الخوارج فهم الذين قال فيهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵁: (هم الذين مرقوا من الدين. وفارقوا الملة، وشردوا عن الإسلام، وشذوا عن الجماعة فضلوا السبيل والهدى، وخرجوا على السلطان، وسلوا السيف على الأمة، واستحلوا دماءهم وأموالهم وعادوا من خالفهم إلا من قال بقولهم. وكان على مثل قولهم ورأيهم، وثبت معهم في بيت ضلالتهم، وهم يشتمون أصحاب محمد ﷺ وأصهاره وأختانه، ويتبرأون منهم، ويرمونهم بالكفر والعظائم، ويرون خلافهم في شرائع الإسلام.. يقولون من كذب كذبة، أو أتى صغيرة أو كبيرة من الذنوب فمات من غير توبة: فهو في النار خالدًا مخلدًا أبدًا.. وهم قدرية جهمية مرجئة رافضة، لا يرون الجماعة إلا خلف إمامهم.. ولا يرون للسلطان عليهم طاعة، ولا لقريش عليهم خلافة. وأشياء كثيرة يخالفون عليها الإسلام وأهله. وكفى بقوم ضلالة: أن يكون هذا رأيهم ومذهبهم ودينهم وليسوا من الإسلام في شيء. ومن أسمائهم الحرورية وهم أصحاب حروراء (١) وأزراقة: وهم أصحاب نافع بن الأزرق.. والنجدية: وهم أصحاب نجدة بن عامر الحروري.. والاباضية.. والصفرية وغيرهم.. كل هؤلاء خوارج، فساق مخالفون للسنة، خارجون من الملة، أهل بدعة وضلالة) (٢) . وفرقة الخوارج قد انحرفت في مفهوم الولاء والبراء فهي لا تتولى من يدين بنحلتها القائمة على تكفير مرتكب الذنوب وخاصة الكبائر. وموقفهم من صحابة رسول الله ﷺ أنهم يتولون أبا بكر وعمر ويتبرأون من عثمان وعلي (٣) .
_________________
(١) قرية بالكوفة كانت بها وقعة على الخوارج بقيادة نجدة بن عامر. وانظر هامش السنة للإمام أحمد (ص٨٤) وكتب الفرق.
(٢) كتال السنة للإمام أحمد (ص٨٣ – ٨٥) تصحيح إسماعيل الأنصاري (بتصرف بسيط) .
(٣) التنبيه والرد للملطي (ص٥٣) .
[ ٢٥٢ ]
وخلاصة القول في الرد عليهم: أن أهل السنة والجماعة يتبرأون منهم بسبب بدعتهم الضالة. ولا يتولونهم في شيء.
أما الولاء والبراء بمفهومه الصحيح فهو ما عليه أهل السنة والجماعة، ولا يضيرهم أن الخوارج قالوا بقضية الولاء والبراء. لأن العبرة ليست في العناوين والشعارات بل في المفاهيم والتصورات التي توافق الكتاب والسنة أو تناقضها ومن هنا فإن ولاء الخوارج وبراءهم الذي يعتقدونه: إنما هو بحسب أهوائهم وليس متفقًا مع نصوص الكتاب والسنة.
معتقد الرافضة في الولاء والبراء
وأما الرافضة: فهم الذين يتبرأون من أصحاب محمد ﷺ ويسبونهم وينتقصونهم، ويكفرون الأئمة إلا أربعة: علي، وعمار، والمقداد، وسلمان (١) .
وقال الأشعري: إنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر (٢) .
ولئن كان الخوارج قد انحرفوا في الأمور التي ذكرناها آنفًا عنهم: فإن الرافضة أيضًا لا يقلون جرمًا عنهم حيث وقفوا من أصحاب رسول الله ﷺ موقفًا مشينًا، ولعبت بهم الأيدي اليهودية الممثلة في شخصية عبد الله بن سبأ التي أخذت تنصب خيالات من الحب الكاذب لآل البيت وتتبرأ من بقية أصحاب رسول الله ﷺ وتعاديهم مع آل البيت براء مما ألصقه بهم هؤلاء الرافضة.
قال ابن كثير:
(إن الطائفة المخذولة – الرافضة – يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من رضي الله
_________________
(١) السنة للإمام أحمد: (ص٨٢) . وفي قوله: يكفرون الأئمة الأربعة نظر فلعل الصواب: ويتولون.
(٢) مقالات الإسلاميين (١/٨٩) .
[ ٢٥٣ ]
عنهم (١)؟ أما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله. وهم متبعون لا مبتدعون) (٢) .
والرافضة تقول: لا ولاء إلا البراء أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر. ﵄! (٣) .
ترى أي ثقة أو أمانة أو دين تبقى في أناس يطعنون في أفضل شخصيتين إسلاميتين في الأمة بعد رسول الله ﷺ؟
ولكن لا غرابة في ذلك من زمرة فضائحها في الكتب مسطورة فقد كانت الرافضة على طول تاريخها حربًا على أهل الإسلام، يوالون أعداء المسلمين من تتار وصليبيين وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الرافضة توالي من حارب أهل السنة والجماعة، فهم يوالون التتار ويوالون النصارى. وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم، وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان. إذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور. وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة، وقتل أهل بغداد.
ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة، ونهى الناس عن قتالهم.
(وقد عرف العارفون بالإسلام: أن الرافضة تميل مع أعداء الدين، ولما كانوا ملوك القاهرة كان وزيرهم مرة يهوديًا، ومرة نصرانيًا أرمينيًا، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرميني، وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) [سورة التوبة: ١٠٠] .
(٢) التفسير (٤/١٤٢) .
(٣) شرح الطحاوية (ص ٥٣٢) .
[ ٢٥٤ ]
أولئك الرافضة المنافقين وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وإردب.
وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل من المسلمين حتى فتحه نور الدين وصلاح الدين) (١) .
ومن أحفادهم في الوقت الحاضر النصيرية الكافرة التي ابتلى بها المسلمون، وذلك أن كفرها أشد من كفر اليهود والنصارى كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. وهم الذين كانوا أداة طيعة للاستعمار الفرنسي في غزوه لبلاد الشام. ويشنون اليوم حربًا شرسة على المسلمين في ديارهم وبعد: فإن أهل السنة والجماعة هم الذين يحبون أصحاب رسول الله ﷺ، ولا يفرطون في حب أحد منهم، ويتولونهم جميعًا ولا يتبرأون من أحد منهم، ويبغضون من يبغضهم ويرون أن حبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان (٢) .
وهم براء من الخوارج والرافضة ومن كل الفرق الضالة.
_________________
(١) الفتاوى (ج ٢٨/٦٣٦ - ٦٣٧) .
(٢) انظر الطحاوية مع شرحها (ص ٥٢٨) وقد اطلعت - بعد كتابة هذا الكتاب - على كتاب قيم يكشف أستار الشيعة ويفضحهم في عصرنا الحاضر وخصوصًا زعيمهم (الخميني) ذلك الكتاب هو (وجاء دور المجوس) لمؤلفه الدكتور عبد الله محمد الغريب وهو كتاب قيم في موضوعه فليراجعه من شاء ليستبين زيف باطلهم وخططهم ضد أهل السنة والجماعة؟ .
[ ٢٥٥ ]