قال ابن عباس في الآية: «الْأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ، أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: وَاللَّهِ، وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ، وَحَيَاتِي، وَتَقُولَ: لَوْلَا كُلَيْبَةُ هَذَا؛ لَأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَوْلَا الْبَطُّ فِي الدَّارِ، لَأَتَى اللُّصُوصُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَقَوْل الرَّجُلِ: لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ، لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا، هَذَا كُلُّهُ بِهِ شِرْكٌ» (^١).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ (^٢) أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٢٢٩).
(٢) الحديث مرويٌ عن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَحْلِفُ: وَأَبِي، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ … فذكره، وإن كان لعمر بن الخطاب ذكرٌ في الحديث، فإن هذا لا يخرج الحديث عن كونه من مسند ابن عمر، ومن ثمَّ رواه أحمد، وغيره، في مسند ابن عمر.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٢/ ٦٩)، وابن حبان (٤٣٥٨) والحاكم في المستدرك (٢٩٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٩)، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني.
[ ٣٧٧ ]
وقال ابن مسعود ﵁: «لِأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا» (^١).
وعن حذيفة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» (^٢).
وجاء عن إبراهيم النخعي: «أنَّه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك، قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا لولا الله وفلان» (^٣) (^٤).
(الشرح)
هذا الباب قريب من الباب السابق، إلّا أنَّ الأول في وجوب إفراد الله
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٧٩)، والطبراني في الكبير (٨/ ٤٦٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٧): رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٨٠)، وأحمد (٥/ ٢٨٤)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٥٥)، الطحاوي في شرح المشكل (٢٣٦)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢١٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٧).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٣٤٤).
(٤) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد. الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعمّ الأصغر. الثالثة: أنَّ الحلف بغير الله شرك. الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقًا، فهو أكبر من اليمين الغموس. الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ.
[ ٣٧٨ ]
بالنعم، وهذا في إفراد الله بالمشيئة والحلف والاستعاذة ونحو ذلك، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: مراد المؤلف بالباب ذِكرُ صورةٍ مِنْ صور جعل الندِّ مع لله تعالى، ومعلومٌ أنَّ الندَّ هو المِثلُ والنظير، وجعلُ الندِّ لله: صرفُ أنواعِ العبادة أو شيء منها لغير الله، واتخاذُ الأنداد نوعان:
١ - شركٌ أكبر: كمن يدعو غير الله، ونحو ذلك من العبادات.
٢ - شركٌ أصغر: وهو ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول: ما شاء الله وشئت ونحو ذلك، وهو المراد هنا؛ حيث ساق ألفاظًا يجب لمن أراد تحقيق التوحيد التحرز منها، ولو لم يقصد بها معناها، إذ هي من الشرك في الألفاظ.
وعلاقة الباب بالتوحيد: أنَّ المرء ينبغي أن يحقق توحيده، وأن يتحرز من كل لفظٍ يخالف التوحيد، ومن ذلك ما ذكره في هذا الباب.
المسألة الثانية: ذكر المصنف عدّة عباراتٍ فيها إشكال، وهي:
١) قول: «والله وحياتك يا فلان، وحياتي»: وهذه فيها حلفٌ بغير الله، وتسويةٌ لغير الله بالله في هذا، والصواب أن يحلف بالله وحده.
وقد ورد النهي عن الحلف بغير الله في الحديث الذي ذكره المصنف عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».
ولذا يرى جمهور العلماء -بل حكى ابن عبد البر الإجماع-: «أن الحلف بغير الله لا يجوز» (^١)، خلافًا لمن رأى أنَّه مكروه؛ لأنَّ الحلف عبادة، وفيها
_________________
(١) التمهيد (١٤/ ٣٦٦).
[ ٣٧٩ ]
تعظيم للمحلوف به، فلا تصرف لغير الله؛ لأنَّه هو المعظَّمُ، ولا شك أن الحالف بغير الله ما حمله على ذلك إلا تعظيمه للمحلوف به، وهذا يقع من بعض من يعظمون الأولياء، قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «ولهذا إذا توجهتْ على أحدهم اليمينُ بالله تعالى أعطاك ما شِئتَ من الأيمان صادقًا أو كاذبًا، ولو قيل له: احلف بحياة الشيخ فلان، أو بتربته ونحو ذلك، لم يحلف إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أعظمُ في قلبه من ربِّ الأرباب، وما كان الأولون هكذا، بل كانوا إذا أرادوا التشديد في اليمين حلفوا بالله تعالى، كما في قصة القسامة التي وقعت في الجاهلية» (^١).
وإذا كان الحلف بغير الله شركًا -كما ورد في الحديث- فإن حكمه يختلف، حيث يقول أهل العلم:
أ- إن اعتقد أنَّ المحلوف به مساوٍ لله في التعظيم والحق: فهو شرك أكبر.
ب- إن لم يعتقد ذلك: فهو شرك أصغر.
* ولأجل خطورة الحلف بغير الله، قال ابن مسعود ﵁: «لأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا». وذلك لأنَّ الحلف بالله كاذبًا كبيرة، والحلف بغير الله شرك وكفر، وإن كان أصغر فهو أكبر من الكبائر بإجماع السلف، قال ابن تيمية معلّقًا على كلام ابن مسعود ﵁: «لأنَّ حسنةَ التوحيدِ أعظمُ من حسنةِ الصدق، وسيئةَ الكذبِ أسهلُ من سيئة الشرك» (^٢).
٢) قول: «لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص» وهذه فيها نسبة عدم وقوع السرقة للكلب حين نبح، وللبطّ حين صوّت، وهذا
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص: ١٨٦)
(٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٥٥٢).
[ ٣٨٠ ]
خللٌ، فالله هو المسبب، ولو شاء لما نبح الكلب، وما انتبه البط، فالصواب هنا أن يقول: «لولا الله وحده»، أو يقول:» لولا الله ثم كذا»؛ لأن (ثم) تفيد التراخي في المرتبة، وأما التشريك بالواو فلا يجوز، فالمراتب ثلاث:
١. لولا الله وحده، فهذا الكمال.
٢. لولا الله ثم فلان: فيجوز إذا كان سببًا.
٣. لولا الله وكذا: فلا يجوز.
٣) قول: «ما شاء الله وشئت»: وقد ورد عن حذيفة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». والإشكال في هذه الكلمة أنَّه عَطفَ بالواو، والعطفُ بالواو يقتضي المساواة؛ لأنَّها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسويةُ المخلوقِ بالخالقِ في نوعٍ من أنواع العبادة شرك.
٤) قوله: «لولا الله وفلان»: وهذه فيها جعلُ المخلوقِ مساويًا لله في السببية، وقد قال في الأثر: «لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك».
٥) قول: «أعوذ بالله وبك» وفيها ما في سابقتها من تسوية غير الله في الاستعاذة، والواجبُ أن يقول: «أعوذ بالله وحده»، أو يقول: «أعوذ بالله ثم بك»، إذا كان فيما يقدر المخلوق عليه.
وقد نقل المصنف عن إبراهيم النخعي: «أنَّه كان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، حتى يقول: ثم بك».
والسلف يطلقون الكراهة ويريدون بها التحريم غالبًا، كما هنا، وكما ورد في أول الكتاب: «كانوا يكرهون التمائم كلها» وقد ورد في القرآن الكراهة
[ ٣٨١ ]
وأريد بها التحريم: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
* خلاصة الباب: أنَّه لا يجوز للإنسان أن يتخذ مع الله نِدًا، لا في العبادة، ولا في الحلف، ولا في الألفاظ من استعاذة واستغاثة ونحوه.
[ ٣٨٢ ]