عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ، فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ» (^١) (^٢).
(الشرح)
مراد المؤلف بالباب: أنَّ الإنسان إذا حُلف له بالله فليقنع وليرضَ؛ لأنَّ الحالف أكدَّ حلفه بالله، فمن تعظيم الله أن تقنع بمن حلف لك بالله، وسيأتي بيان هذا في الباب.
وقد أورد المصنف حديث ابن عمر، وفي الحديث إشارةٌ إلى عدة مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء، ويدخل فيه الحلف بغير الله مطلقًا، وقد وردت أحاديث عديدة فيها النهي عن الحلف بغير الله، ومنها:
١. حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢١٠١)، والبيهقي في الكبري (١٠/ ١٨١)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٣٣): إِسْنَاد صَحِيح رِجَاله ثِقَات، وقال ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٣٦): إسناده حسن، وصححه الألباني في الإرواء (٢٦٩٨).
(٢) فيه مسائل: الأولى: النهي عن الحلف بالآباء. الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. الثالثة: وعيد من لم يرضَ.
[ ٣٨٣ ]
بِاللَّهِ» (^١). وفي لفظ: «أَلَا مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (^٢).
٢. حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ مرفوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِيت وَلَا بِآبَائِكُمْ» (^٣).
٣. ما ورد عن سعد بن عبيدة: «أنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا وَالكَعْبَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشركَ» (^٤).
ولأجل هذا نهى العلماءُ عن الحلفِ بغير الله، وسبق أنه محرمٌ عند الجمهور.
* ومن صور الحلف بغير الله: الحلفُ بالآباء، وكان موجودًا عند العرب، فنهى النبيّ ﷺ عنه كما في هذه الأحاديث.
فإن قيل: كيف نجيب عما ورد في حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» أَوْ «دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ»؟ (^٥).
* أجيب عنها بأجوبة عديدة، لعل أقواها ثلاثة أجوبة:
١ - أنَّ هذا منسوخ، وذلك لأن الذي يظهر أنَّه وقع في أول الأمر، ثم نُسِخَ بأحاديث النهي عن الحلف بالآباء.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٣٦)، ومسلم (١٦٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٤٨).
(٤) سبق تخريجه في الباب، رقم (٤٢).
(٥) أخرجه مسلم (١١)، والحديث أصله في البخاري (٤٦) بدون لفظة: وأبيه.
[ ٣٨٤ ]
٢ - أنَّه جارٍ على عادة العرب في قولهم ألفاظًا ولا يريدون حقيقتها، كما يقولون: ثكلتك أمك، أو تربت يمينه، ونحوها.
٣ - أن لفظة: «وَأَبِيهِ» شاذة، تفرد بها إسماعيل بن جعفر في رواية بعض الرواة عنه، وقد اختلف عليه هو أيضًا، فقد وردت روايته عند البخاري بدونها، وأكثر الذين رووا الحديث ذكروه بدونها، وإنما بلفظ: «أفلح إن صدق»، ولذا أعرض البخاري عنها، وأوردها مسلم بطريقةٍ توحي بأنَّه يريد إعلالها لا الاحتجاج بها، وقد ذكر مسلم في مقدمته أنَّه قد يورد ألفاظًا يريد إعلالها، فلعل هذا منها، ومن له دُربة في صحيح مسلم يدرك هذا من طريقة سوقه للمتابعات والأسانيد (^١).
الثانية: أنَّه ينبغي لمن حلف بالله أن يصدُقَ في يمينه، ولا يجوزُ له الكذب في اليمين، فإن ذلك استخفافٌ بالله الذي حلف به كاذبًا، فإنْ ترتب على حَلِفِه أكلٌ لمالٍ أو ظلمٌ لحقٍ فهي اليمين الغموس.
الثالثة: أنَّه ينبغي لمن حُلِف له بالله أن يرضى، وذلك تعظيمًا لمن حُلف له به، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «رَأَى عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسرقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسرقْتَ؟ قَالَ: كَلاَّ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، فَقَالَ عِيسى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي» (^٢)، وهذا لتعظيمه لله سبحانه.
وقد توعد في الحديث من لم يرض بمن حلف له بالله، بأنَّه ليس من الله فقال: «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ»، وهذا من ألفاظ الوعيد التي تبقى على ظاهرها؛ ليكون ذلك أوقع لهيبتها في القلوب.
_________________
(١) وانظر: شرح مسلم، للنووي (١/ ١٦٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٦٨).
[ ٣٨٥ ]
لكن هل هذا -أي: الرضا بمن حلف بالله- على إطلاقه؟
* للعلماء في الحديث أقوال، والظاهر والله أعلم: أن الأمر لا يخلو من حالين:
أ- أن يكون الحالف بالله هو في حالة الدعاوى والخصام والتحاكم: فمن حُلِفَ له عند القاضي إذا توجهت اليمين عليه، فإنّ على المحلوفِ له أن يرضى باليمين ويلتزمَ بمقتضاها.
ب- أن يكون في غير ذلك: أي في عامة أمور الناس وأحوالِهم، فإذا حلف لك أحدٌ بالله فالأصل أنَّه يجب أن ترضى، إلا إن علمت أو غلب على ظنِّكَ وترجح عندك أنَّه كاذب، إما للقرائن، أو لأنَّه معروف بالكذب ونحو ذلك، فلا يجب حينها أن تصدقه وترضى، ولا تأثم بذلك، والله أعلم.
• مثاله: قال لك خادمك: والله ما سرقتُ، والقرائن تدل على أنَّه هو السارق، فلا تأثم بعدم تصديقه بحلفه.
* خلاصة الباب: أن من تعظيمك لله، وإجلالك له ولاسمه سبحانه، أن إذا حلف لك أحدٌ بالله، وأنت لا تدري أصادقٌ هو أم كاذب، فإنك تصدقه، إلا إن تبين لك خلاف ما حلف عليه.
[ ٣٨٦ ]