في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اِسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ: رَجُلٌ تَسَمَّى مَلَكَ الْأَمْلَاكِ؛ لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهَ» (^١) قال سفيان مثل: «شاهان شاه».
وفي رواية: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ» (^٢) (^٣).
قوله: «أَخْنَعَ» يعني: أوضع.
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيان النهي عن التسمّي بالأسماء التي حوت أوصافًا لا تكون إلّا لله، كقاضي القضاة، أو سلطان السلاطين، وملك
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١٥).
(٣) فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان. الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه. الرابعة: التفطن أن هذا لإجلال الله تعالى سبحانه.
[ ٣٩٧ ]
الأملاك، وشاهان شاه، أي: قاضي القضاة، ومثل حاكم الحكّام ونحوها.
• وعلة النهي: منافاة ذلك لكمال التوحيد؛ إذ التوحيد يقتضي أن لا يُعَظَّمَ مخلوقٌ ويُجعل في منزلة الله فيما يختص به.
قال ابن القيم: «لما كان المُلك الحقُّ لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه كان أخنع اسم، وأوضعه عند الله، وأغضبه له اسم: شاهان شاه، أي: ملك الملوك وسلطان السلاطين، فإنّ ذلك ليس لأحدٍ غير الله، فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل، والله لا يحبّ الباطل.
وقد ألحق بعضُ العلماء بهذا «قاضي القضاة»، وقال: «ليس قاضي القضاة إلّا من يقضي الحق، وهو خيرُ الفاصلين، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون» (^١).
المسألة الثانية: دلّ حديث أبي هريرة ﵁ على النهي عن التسمّي بمثل هذه التسميات، وأنّ من تسمّى وتلقّب بهذه الألقاب، فإنَّه قد تسمّى بأوضع اسمٍ عند الله، واتّصف بأوضع وصفٍ، وهو أغيظُ وأخبثُ رجلٍ.
• والعلة:
١ - أنَّه قد كذب حين تسمّى بما ليس له، بل هو حقيقٌ بربّ العالمين.
٢ - أنَّه رجى العزّ والشرف والتعظيم بهذا الاسم، فعومل بنقيض قصده، فصار أوضع اسمٍ عند الله.
٣ - ذكر بعض العلماء: أنّ التسمّي بمثل هذه الألقاب من شعائر الفرس
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٣٤٠).
[ ٣٩٨ ]
المجوس (^١).
فإن قال قائل: إنّ المقصود بهذه التسمية ما يستحقه المخلوق: فقولنا: ملك الأملاك، أي: ملكٌ على ملوك الأرض، وهذا قاضٍ على قضاة الدولة، ونحو ذلك، فهل يجوز بهذا القصد؟
* قال ابن أبي جمرة ما ملخصه: «الوعيد على هذه التسمية يقتضي المنع مطلقًا، سواء أراد من تسمى بذلك أنَّه ملك على ملوك الأرض، أم على بعضها، وسواء أكان محقًا في ذلك أم مبطلًا، مع أنَّه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك وكان فيه صادقًا، ومن قصده وكان فيه كاذبًا» (^٢).
المسألة الثالثة: قال ابن القيم: «ويلي هذا الاسم في القبح والكراهة والكذب: سيّدُ الناس وسيدُ الكُلّ، وليس ذلك إلّا لرسول الله ﷺ خاصة، فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: إنَّه سيدُ الناس، وسيدُ الكلّ، كما لا يجوز أن يقول: إنَّه سيد ولد آدم» (^٣).
المسألة الرابعة: هل يُلحق بهذا قول المفتي الأكبر، أو الإمام الأعظم؟
= سُئِلَ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (^٤) عن هذا، وكان بعضهم يلقبه بهذا اللقب، فقال السائل: هل يجوز أَنْ يقال لأَحد من العلماء «المفتي الأَكبر» مع أَنَّ الله هو المفتي الأَكبر؟
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب (١/ ٨٤).
(٢) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٩١).
(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٣٤١).
(٤) مفتي المملكة العربية السعودية سابقًا، توفي عام (١٣٨٩ هـ).
[ ٣٩٩ ]
* فأجاب الشيخ بقوله: هذه المسأَلة ذات شقين.
الشق الأول: وهو تلقيب الشخص بالمفتي الأَكبر، فله اعتباران.
الاعتبار الأَول: أَنْ يكون هذا الشخص هو الذي يسمي نفسه بهذا الاسم ويحبّه، ويطلب من الناس أَنْ يسموه به.
والاعتبار الثاني: كون الناس يسمّونه بهذا الاسم، بدون تشوّق منه، ولا طلب ولا رغبة فيه.
فأمّا بالنسبة للاعتبار الأَوّل: فأَنا شخصيًا لا أُسمي نفسي بهذا الاسم لا شفهيًا ولا كتابيًا، ولا أَرغب أَنْ يسمّيني به أَحد، بل أَكرهه، وقد نبّهت على هذا مرارًا في عدة مناسبات.
وأَمّا بالنسبة للاعتبار الثاني: وهو كون الناس يسمون الشخص بهذا الاسم، فلا يظهر لي أن في هذا مانعًا شرعيًا؛ لأنَّه وإن كان بلفظ أَفعل التفضيل، فليس القصدُ منه التفضيل المطلق ومنازعة الربّ في الأَكبرية، وإنّما القصد أنَّه أكبر الموجودين من المفتين ومرجع لهم، كما أَنَّ تلقيب غير الرسول ﷺ بلقب الإمام الأَعظم ليس القصد منه التهجم على منصب الرسول، وإنّما القصد أَنَّ هذا الشخص هو أَعظم الأَئمة الموجودين، ومرجعهم الذي يرجعون إليه في أُمورهم، ولهذا صرح الفقهاءُ في كتاب الجنائز بأَنَّ الإمام الأَعظم لا يصلي على الغالّ، ولا على قاتل نفسه، وكما أطلقت لفظة المفتي الأَعظم على بعض العلماء ولم نسمع بأَحدٍ أَنكرها أَوْ حملها على ما حملتَها عليه (^١).
_________________
(١) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (١/ ١٧٣).
[ ٤٠٠ ]
المسألة الخامسة: حكم قول صاحب الجلالة، أو صاحب السمو؟
سُئل عنها الشيخ ابن عثيمين، فقال السائل: ما رأي فضيلتكم في هذه الألفاظ: جلالة وصاحب الجلالة، وصاحب السمو؟
* فأجاب الشيخ ﵀ بقوله: «لا بأس بها إذا كانت المقولة فيه أهلًا لذلك، ولم يخش منه الترفع والإعجاب بالنفس، وكذلك أرجو وآمل» (^١).
* خلاصة الباب: أنه لا يجوز للعبد أن يتسمى بالأسماء التي تحوي أوصافًا لا تليق إلا بالله، تعظيمًا لله سبحانه، فالله لا يشبهه أحد في أفعاله، ولا أسماءه، ولا صفاته، فكذلك كل اسم مشعر بالتعظيم الذي لا يليق إلا به سبحانه لا يجوز للمخلوق التسمي به.
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٣/ ٧٠).
[ ٤٠١ ]