وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة، الآية (٦٥)].
عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض- أنَّه: «قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ - يَعْنِي: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ الْقُرَّاءَ- فَقَالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبَ عَوْفٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ الْقُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ اِرْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ، وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ، نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ.
قَالَ اِبْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ الْحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٦٦)﴾ [التوبة، الآية (٦٥ - ٦٦)].
[ ٤٠٥ ]
مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» (^١) (^٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ من هزل بشيء من الدين أو القرآن أو بالله أو برسوله ﵈ فإنَّه يكفر بذلك، ولو قال: إني هازلٌ لا أقصد الحقيقة.
وعلاقة الباب بالتوحيد: مِنْ جهة أنَّ الهزلَ بشيء من ذلك فيه انتقاصٌ لله الذي أتى بهذا الدين، واستخفافٌ بجناب الربوبية والرسالة.
المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أنَّ الاستهزاء بالله أو دينه أو نبيه كفر مخرج من الدين، وذكر الإمام المجدد من ضمن النواقض العشرة: من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر، وهذا ظاهرٌ من الآية، حيث عدّهم كفارًا بعدما كانوا مؤمنين.
قال السعدي معلّقًا على الآية: «الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ مخرجٌ عن الدين؛ لأنَّ أصلَ الدينِ مبنيٌ على تعظيم الله وتعظيمِ دينه ورسله، والاستهزاءُ
_________________
(١) رواه ابن جرير (١٠/ ١١٩ - ١٢٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦٤)، وحسن إسناده الوادعي في الصحيح المسند (٧١).
(٢) فيه مسائل: الأولى: وهي العظيمة: أنَّ من هزل بهذا فإنه كافر. الثانية: أن هذا تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنًا من كان. الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله. الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله. الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يُقبَل.
[ ٤٠٦ ]
بشيءٍ من ذلك منافٍ لهذا الأصل، ومناقضٌ له أشدّ المناقضة» (^١).
المسألة الثالثة: هل يشترط في حكم المستهزيء أن يكون مُستحلًا للاستهزاء، أم أنه قد يحكم بكفره وإن كان قال ذلك لمجرد الهزل؟
* ظاهر الآية أنَّه يحكم بالكفر ولو لم يستحل ذلك، وهذا ظاهر من كلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: «قال ﷾: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة، الآية (٦٦)]، ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: (إنّما كنّا نخوض ونلعب) فلم يكذبهم في هذا العذر، كما كذّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر كما لو كانوا صادقين، بل بيّن أنَّهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب» (^٢).
وقال في موضعٍ آخر معلقًا على الآية: «وقد دلَّت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا، فقد كفر» (^٣).
المسألة الرابعة: الاستهزاء له صور:
١ - الاستهزاء أو الهزل به سبحانه: فكفرٌ ظاهر.
٢ - الاستهزاء بأحكام دين الإسلام: فهذا كفرٌ سواء هزل واستهزأ، أو سبّ الدين أو لعنه.
وهذا له صورٌ عديدة، لكن الجامع لها أنَّ من جعل الشرع سببًا للإضحاك والاستهزاء، فهو داخل في هذا.
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (٣/ ٢٩٥).
(٢) الصارم المسلول (ص: ٥١٧).
(٣) الصارم المسلول (ص: ٣١).
[ ٤٠٧ ]
• مثاله: من سخر باللحية، أو بالثوب القصير، أو تندّر بآية من آيات القرآن.
٣ - الاستهزاء بالنبيّ ﷺ: فهذا كفر وردة.
٤ - الاستهزاء بأهل الدين والصلاح والعلم: فهذا له حالتان:
أ. إن كان لأجل صلاحهم، أو لأجل علمهم: فهذا كفر؛ لأنَّه يرجع إلى دينهم وصلاحهم لا إلى أشخاصهم.
ب. إن كان الاستهزاء بصفاتهم الخَلقية أو الخُلُقية، لا لأجل ما هم عليه من الدين: فهذا حرام وليس بكفر.
المسألة الخامسة: ذكر العلماء أنَّ الاستهزاء نوعان:
١) صريح: وهو الذي لا يلتبس، كما قال المنافقون: ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء.
٢) غير صريح: كالغمز باليد وإخراج اللسان عند ذكر القرآن، أو شعائر الدين وغير ذلك.
المسألة السادسة: ذكر المصنفُ الأحاديثَ في خبرِ مقال الرجل في غزوة تبوك، وفيه إنكار عوف بن مالك ﵁ على القائل، وقوله «كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ»، وفيه: أ- المبادرة بالإنكار.
ب- الشدة على المنافقين.
ج- جواز وصف الرجل بالنفاق إذا ظَهر منه ما يدلُّ عليه.
المسألة السابعة: أنَّ الرجل اعتذر للنبي ﷺ بقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ، نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ» ولم يعبأ النبيّ ﷺ
[ ٤٠٨ ]
باعتذارهم، إما لأنَّهم كانوا كاذبين فيه، أو لأنَّ الاستهزاء على وجه الخوض واللعب لا يكون صاحبه معذورًا.
* خلاصة الباب: أنّ من تعظيم الله احترامَ دينه، وأنَّ من هزل بشيء من دينه فقد عرض نفسه للكفر.
[ ٤٠٩ ]