٤٩ - باب قول الله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت، الآية (٥٠)]. قال مجاهد: «هذا بعملي، وأنا محقوق به»، وقال ابن عباس: «يريد من عندي».
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص، الآية (٧٨)]. قال قتادة: «على علم مني بوجوه المكاسب».
وقال آخرون: «على علمٍ من الله أني له أهل»، وهذا معنى قول مجاهد: «أوتيته على شرف».
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنَّ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرَهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوْ الْبَقَرُ -شَكَّ إِسْحَاقُ- فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، وَقَالَ: بَارِكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ
[ ٤١٠ ]
إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ أَوْ الْإِبِلُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارِكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا.
فَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأَنْتَجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ قَدْ اِنْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغِ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجَلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ ﷿ الْمَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا؛ فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ قَدْ اِنْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؛ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» (^١) (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٦٣)، ومسلم (٢٩٦٤).
(٢) فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية. الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾؟ الثالثة: ما معنى قوله: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾؟ الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.
[ ٤١١ ]
(الشرح)
مراد المصنّف بهذا الباب: التأكيد على أن من المتقرر أنّ النعم على العباد كلها من الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ والعباد منهم من يشكر النعم وينسبها لربه، ومنهم من يزعُم أنَّ النعمة حصلت له لمعرفته، أو لأنَّ له على الله حقًّا، فأراد المصنف أن يبين أنَّ الناس تجاه النعم من الله ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: من يزعُم أنَّ ما أوتيه من النعم والرزق، فهو بِكَدِّه وفِطنته لا من الله، أو أنَّه مستحقٌ لذلك لِما يظنُّ له على الله من الحق، وهذا كحال الأقرع والأبرص، فهذا منافٍ للتوحيد، لما فيه من جحد النعم، ونسبتها للنفس.
قال ابن القيم: «وهذا حال أكثر الناس؛ لا يعترف بما كان عليه أولا من نقص أو جهل وفقر وذنوب، وأنَّ الله نقله من ذلك إلى ضدِّ ما كان عليه وأنعم بذلك عليه» (^١).
وحكم هذا الصنيع -أي: نسبة النعم لنفسه وعمله-: قال العثيمين: «إن أضاف النعمة إلى عمله وكسبه، ففيه نوع شرك في الربوبية، وإن أضافها إلى الله لكنه زعم أنَّه مستحق لذلك، وأنَّ ما أعطاه الله فليس محض تفضل، لكن لأنَّه أهل فهذا ترفع في جانب العبودية» (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل (١٢/ ١٦).
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٨٠) بتصرف.
[ ٤١٢ ]
القسم الثاني: من يعترف بنعم الله ويعتقد أنَّها من فضله سبحانه، ويتذكر ما عليه من قصور، ويشكر الله على عطائه، فهذا هو المشروع، وهذا كحال الأعمى في الحديث.
والحديث المذكور ظاهر في أنَّ مَنْ نسب النعم لغير الله فقد كفر بها، ففيه وعيدٌ لمن أنكر نعم الله أو أضافها لغيره.
* خلاصة الباب: أنَّه يجب على المسلم التحرز في أقوال اللسان، فربما أودت إلى مهاوٍ، ومن ذلك أن لا ينسب النعم لنفسه، بل ينسبها للمنعم الحقيقي وهو الله.
[ ٤١٣ ]