قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم كل اسمٍ معبّدٍ لغير الله كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب».
وعن ابن عباس في الآية قال: «لِمَا تَغَشَّاهَا آدَمُ؛ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيْسُ، فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا اَلَّذِي أَخْرَجَكُمَا مِنَ اَلْجَنَّةِ، لَتُطِيعُنَّنِي أَوْ لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ إِيِّلٍ، فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكَ، فَيَشُقُّهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ؛ يُخَوِّفُهُمَا، سَمِّيَاهُ عَبْدَ اَلْحَارِثِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيْعَاهُ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا، فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ اَلْوَلَدِ، فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ اَلْحَارِثِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾» رواه ابن أبي حاتم (^١).
وله بسند صحيح عن قتادة، قال: «شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته».
وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: «أشفقا
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٨٦٥٤)، والحديث اختلف في صحته، وقد ضعفه ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٧٤)، والألباني في الضعيفة (٣٤٢)، وراجع تعليق الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري (١٣/ ٢٠٩)، والإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة (٢٠٩)، وسيأتي زيادة كلام في المسألة الثالثة.
[ ٤١٤ ]
أن لا يكون إنسانًا»، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما (^١) (^٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ من شكر نعمة الله على عبده إذا أنعم عليه بالأولاد وأصلح أبدانهم، أن لا يعبّدوهم لغير الله في التسمية، فإنَّ ذلك كفران للنعم، مناف للتوحيد.
• وعلى هذا يقال: بأنَّ تعبيد الأسماء لغير الله:
١. إن كان المقصود تعبيد التأله لغير الله: فهو شرك أكبر.
٢. وإن كان المقصود مجرد التسمية: فهذا شركٍ لكنّه ليس بأكبر، وهو كفرٌ بالنعمة التي أنعمها الله على عبده.
المسألة الثانية: قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم كل اسمٍ معبّدٍ لغير الله، كعبد عمرو، وعبدِ الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب». وهذا الكلام يشتمل على أمرين:
١ - اتفاق العلماء على أنَّه لا يجوز التسمّي بما عبّد لغير الله، كعبد الحسين
_________________
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣٣)، وتفسير الطبري (١٣/ ٣٠٦).
(٢) فيه مسائل: الأولى: تحريم كل اسم مُعَبَّدٍ لغير الله. الثانية: تفسير الآية. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسميةٍ لم تُقصَد حقيقتُها. الرابعة: أن هبة الله للرجل البنتَ السوية من النِعَم. الخامسة: ذِكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة.
[ ٤١٥ ]
وعبد الكعبة، وعبد النبيّ، وغير ذلك.
وأما حديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» (^١) فإنه ليس المراد به التسمي، وإنما أريد به الوصف والدعاء على من يتعلق قلبه بالدينار والدرهم، فرضي بعبوديتها عن عبودية الله.
٢ - قرّر بعد ذلك أنَّ العلماء لم يتفقوا على تحريم التسمّي بعبد المطلب، بل اختلف العلماء في ذلك، فكرهه بعض العلماء.
والصواب: أنَّه لا يجوز؛ لأنَّه تعبيد لغير الله.
وأما قوله ﷺ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» (^٢) فليس هذا من إنشاء التسمية بذلك، بل من باب الإخبار بالاسم الذي عُرِفَ المسمّى به دونَ غيره، والإخبار على وجه تعريف المسمّى لا يحرم، فباب الإخبار أوسع من الإنشاء فيجوز منه ما لا يجوز في الإنشاء، وقد قال العلماء: إن حاكي الكفر لا يُعَدّ كافرًا بذلك إن لم يعتقده.
فالتسمي بعبد المطلب حرام من وجوه:
١ - الإجماع منعقد على تحريم التسمي بعبد محمد وعبد النبيّ وعبد المسيح وعبد علي وعبد الكعبة، وهي أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به.
٢ - نصّ النبيّ ﷺ على أنَّ التسمي بعبد الحارث من وحي الشيطان (^٣)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٨٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦) من حديث البراء بن عازب.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١١)، والترمذي (٣٠٧٧)، والطبري في تفسيره (٩/ ١٤٦)، والحاكم (٤٠٠٣) من طريق الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ، وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَإِنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّوْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ، وَأَمْرِهِ. قلت: وسنده ضعيف، الحسن مدلس، ولم يصرح بسماعه من سمرة.
[ ٤١٦ ]
وأمرُ عبد المطلب كأمر عبد الحارث، لا فرق بينهما.
المسألة الثالثة: ذكر في الباب قصة آدم وحواء، وقد اختُلِف في ثبوتها على قولين:
القول الأول: أنَّها قصة باطلة ولا تصح، وممن قال بذلك الحسن البصري وابن كثير، وعلل بعض العلماء لهذا بعلل منها:
١ - أنَّ مثل هذه الأخبار لا تتلقى إلّا بالوحي، وليس لهذه القصة إسناد صحيح.
٢ - أنَّ الأنبياء معصومون من الشرك.
٣ - لو كانت ثابتة فلماذا لم يذكر الله توبتهما من الشرك، والله إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ذكر توبتهم.
٤ - أنَّ فيها أنَّ إبليس جاء إليهما، وقال: أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، وليس هذا بمدخلٍ لمن يريد الإغواء.
٥ - أنَّ الناس حين يأتون آدم للشفاعة يعتذر بذكر ذنبه حين أكل من الشجرة، ولو ثبت وقوعه في هذا الشرك لكان أعظم، فلِمَ لم يذكره!
٦ - قال إبليس: «لا جعلن له قرني أيل …» فإن كانا صدّقاه في أنَّه قادر فهذا شرك في الربوبية، وإن كانا لم يصدقاه فلا يمكن أن يقبلا قوله.
[ ٤١٧ ]
٧ - قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء لقال: (عما يشركان).
وهؤلاء يوجهون الآية بأن المراد: تعالى الله عما يشركون أي: ذرية آدم وحواء.
قال الشنقيطي -وقد ذكر في الآية وجهين-: «معنى الآية أنَّه لما آتى آدم وحواء صالحًا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء; لأنَّه ما أصل لذريتهما، كما قال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) أي: بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنَّه أصلهم، بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ويدل لهذا الوجه الأخير أنَّه تعالى قال بعده ﴿… فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف، الآية (١٩٠، ١٩١)]، وهذا نص قرآني صريح في أنَّ المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد؛ لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن، وابن كثير، والعلم عند الله (^١).
القول الثاني: أنَّ القصةَ ثابتةٌ بتعدد أسانيدها، وهؤلاء وجّهوا ما وقع من آدم وحواء: بأنَّه تشريك في الطاعة، وكل طاعة للشيطان أو للهوى، ففيهما نوع من التشريك، ولم يقع منهما شرك أكبر ولا أصغر وليس في القصة نقص في مقام آدم وحواء، ويشهد له تفسير قتادة: «شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته».
* وأما قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فهذا عائد إلى المشركين من القدرية حيث استطرد من ذكر الشخص إلى الجنس، ولهذا نظائر في القرآن.
_________________
(١) أضواء البيان، للشنقيطي (٢/ ٤٦).
[ ٤١٨ ]