عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿ مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (^١)، وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: «تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ، أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ» (^٢) (^٣).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: الإقسام على الله: هو الحلف على الله أن يفعل كذا، كأن يقول: أقسمتُ عليك يا ربِّ أن تفعل لي كذا، ونحو ذلك، والمصنّف ذكر في
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٢١).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٠١)، وأحمد (٢/ ٣٢٣)، والبزار (٩٤١٨)، وابن حبان (٥٧١٢)، والبيهقي في الشعب (٦٦٨٩)، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة (٢٣٤٧).
(٣) فيه مسائل: الأولى: التّحذير من التألي على الله. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» إلى آخره. الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
[ ٤٨٢ ]
الباب ما جاء من الأدلة على تحريم الحلف على الله؛ لأنَّ من تألى وحلف على الله، فقد أساء الأدب معه سبحانه وتجرأ عليه.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة: «أنّ الإقسام على الله غالبًا يقع من باب العجب بالنفس والإدلال على الله وسوء الأدب معه، ولا يتمُ الإيمانُ حتى يَسلم من ذلك كله». قاله السعدي (^١).
ولما فيه من التحجير على الله، كما فعل الذي قال: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ»
المسألة الثانية: الإقسام على الله تعالى لا يخلو من حالات:
الحالة الأولى: يكون جائزًا، إذا كان الإقسام على الله هو على جهة حسن الظنِّ به، وباعثُه الطمعُ في رحمة الله وقوةِ الرجاء به، وصادرٌ من عبدٍ من أولياء الله، وفي أمر طاعةٍ ومصلحة لا في معصية فيجوز، وقد يجيب الله قسمه لكرامته عليه، وسابقة طاعاته، وخبيئة من صالحاته.
ويدل له قوله ﷺ في حديث أنس بن مالك: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ» (^٢)، وحديث حارثة بن وهب ﵁ مرفوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (^٣).
قال ابن تيمية: «وأما الذين يُقسِمون على الله فيبرّ قسمهم، فإنَّهم ناسٌ مخصوصون» (^٤).
_________________
(١) القول السديد (ص: ١٨٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥) من حديث أنس.
(٣) أخرجه البخاري (٤٩١٨)، ومسلم (٢٨٥٣) من حديث حارثة بن وهب.
(٤) مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٦).
[ ٤٨٣ ]
ومن هذا ما وقع للبراء بن مالك ﵁ حين أقسم على الله لينصرهم، وليجعلنه شهيدًا، فأجاب الله دعاءه.
ومنه قول ابن تيمية ﵀ في بعض مغازيه: «لَنُنْصرنَّ، فقيل له: قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا» (^١).
الحالة الثانية: يكون ممنوعًا؛ إذا صدر:
١ - على وجه التحجير على الله في فضله، كمن يقول: والله لا يغفر الله لفلان، أو والله لا يرزق فلانًا.
٢ - أو يقع من غير أهله -وهم أهل الصلاح-.
٣ - أو يقع ودافعه العجب بالنفس، والكِبر، ونحو ذلك.
قال السعدي ﵀: «أما الإقسام على الله، فهو في الغالب من باب العجب بالنفس والإدلال على الله، وسوء الأدب معه، ولا يتم الإيمان حتى يسلم من ذلك كله» (^٢).
الحالة الثالثة: الإقسام على الله بحق شخصٍ من الناس، كمن يقول: أقسمتُ عليك يا رب بحق الولي فلان ونحو ذلك، فهذا منهيٌ عنه باتفاق العلماء.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب قوله: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ».
والحديث يظهر منه: أنَّ هذا الذي حلف على الله حلف متحجرًا نعمة الله
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٣)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٨٧).
(٢) القول السديد (ص: ١٨٧).
[ ٤٨٤ ]
وفضله ومغفرته، ففيه تحجيرٌ على الله، ولا يصدر ذلك من قلب معظِّم لله كمال التعظيم فعاقبه الله بما ذكر، وهو إحباط عمله، وهذا الإحباط يحتمل أنَّه إحباطٌ لجميع العمل، وذلك لأنَّه لم يذل لله.
ويحتمل أن المراد: أحبطت عملك الذي كنت تفتخر به على هذا الرجل، لكن ظاهر الحديث الأول.
*
[ ٤٨٥ ]