تاريخ الصابئة وجغرافيتها الفكرية
مدخل
الباب الرابع: الصابئة والمجوسية
تاريخ الصابئة وجغرافيتها الفكرية:
من الملل والنحل التي تحدث عنها القرآن -وهو يذكر الأديان والملل: الصابئة، والصابئة من الملل التي أثار القرآن بعض قضاياها، وعرض لها بالنقاش والجدل في أكثر من موضع، وكان من أهمها: "بشرية الرسول".
كذلك عرض لها حين عرض لمقابلها وهو الحنيفية ملة إبراهيم الكبرى كما وصفها القرآن، فالصبوة -كما يذكر المؤرخون للأديان- في مقابلة الحنيفية١.
فمن الناحية التاريخية: نجد أن الصابئة سابقة على الحنيفية التي جاءت مجادلة ومناقضة لها.
يقول الشهرستاني:
وكانت الفرق في زمان إبراهيم راجعة إلى صنفين اثنين:
- الصابئة.
- الحنفاء.
فإن كان هذا النص يفيد: أن الفرقتين متساويتان في النشأة التاريخية، فنرى أن هناك من النصوص التي ذكرها الشهرستاني: ما تصرح بأسبقية الفكر الصابئي على الدين الحنفي، وذلك حينما ردَّ فكره -بتصريحهم- إلى "عاذيمون" و"هرمس"، ورد الحنيفية إلى رأس الحنفاء "إبراهيم"٢.
والصابئة كذلك أقدم من المجوسية، التي ترتد في نشاطها إلى "زرادشت"٣ الذي ظهر في ملك "بختنصر" الذي جاء بعد "النيروز" بكثير وهو الذي أرسل إليه نبي الله إبراهيم على بعض الروايات التاريخية.
ومن هنا كانت الصابئة من أقدم المذاهب فكرًا.
_________________
(١) ١ الملل والنحل "١: ٦" للشهرستاني المتوفى ٥٤٨ هـ تخريج د/ محمد بن فتح الله بدران، الأنجلو جـ١، ٢ وفتح الباري لابن حجر المتوفى سنة ١٨١ جـ١٠. عن أبي بكر الرازي قال: وهم الذين بعث إليهم إبراهيم. والينسابوري في تفسيره على هامش الطبري المسمى غرائب القرآن ورغائب الفرقان ص٣٠١ قال: الذين جاءهم إبراهيم. ٢ الشهرستاني ص "١: ١٠". ٣ مروج الذهب للمسعودي "١: ١٧١" المتوفى سنة ٣٤٦ دار الشعب.
[ ٢٥٥ ]
يروي الطبري: أنهم كانوا بجزيرة "الموصل"١ ويؤكد هذا النقل المسعودي فيقول: وديارهم بين بلد واسط والبصرة من أرض العراق٢.
ويقرر ابن حجر أن أهل بابل كانوا قوما صابئين٣.
ويقول النيسابوري: وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين٤، ويتوسع الشهرستاني فيجعلهم يشملون النبط، والفرس، والروم، والهند٥.
فهذا المذهب كان واسع الانتشار الجغرافي، وأمته من الأمم الكبار. وقد اختلف فيه اختلافا كثيرا بحسب ما وصل إليهم من معرفة عن هذا المذهب. ويفيد نقل الشهرستاني: أنه شمل دولا من الشرق، ودولا من الغرب.
والنقول السابقة -عدا توسع الشهرستاني- تفيد أن هذا المذهب نشأ في بلاد شرقية، وكانت الدول التي تميزت وتفردت بالسيادة في الشرق هي دولة الفرس.
ودولة الفرس: هي التي حكمت تلك المناطق الجغرافية التي ذكرها الرواة تارة، وحكمتها الدولة الرومانية تارة أخرى.
فالفرس أخذوا الملك من البابليين، كذلك والعراق كانت تحكم حت حكم ملوك دولتي الفرس الأولى والثانية.
ويقول المسعودي: إن أنهار العراق احتفرت في عهدهم آخذة من الفرات٦، فيكون أول الصابئة ظهر في إحدى ولايات دولة الفرس.
ثم يتابع ويقول: ظهر في ملك "طهمورث" -من ملوك دولة الفرس الأولى- رجل وفد من الهند، يقال له: "بوداسف" وأحدث مذاهب الصابئة٧.
_________________
(١) ١ جامع البيان في تفسير القرآن للطبري "١: ٣١٠/ ٣٥٢" الأميرية. ٢ مروج الذهب الصفحة نفسها. ٣ فتح الباري "١٠: ١٨١". ٤ في تفسيره السابق "١: ٤٠٣". ٥ الملل والنحل "١: ٢١٠". ٦ مروج الذهب "١: ١٦٥". ٧ نفس المرجع "١: ١٨٨".
[ ٢٥٦ ]
ويقال إن هذا الرجل كان أول من أظهر آراء الصابئة من الحرنانيين والكيماريين.
وهذا النوع من الصابئة مباين للحرنانيين في نحلتهم القديمة.
وكلام المسعودي يفيد أن نشأتها الأولى كانت في حران، وما ينسب لبوداسف هو أنه أظهر آراءهم القديمة، ويرجع ظهور نشاطها بين ملوك فارس الأولى لميولهم الدينية وقد ورد في وصايا أردشير لابنه سابور:
يا بني: إن الدين والملك أخوان، ولا غنى لواحد منهما عن صاحبه، فالدين أس الملك، والملك حارسه، وما لم يكن له أس: فمهدوم، وما لم يكن له حارس: فضائع.
كذلك من ينظر في موضوعات عبادتها: يجد بينها وبين اهتمامات الدولة الفارسية شبهًا كبيرًا، فالمسعودي تحدث عن أعمال ملوك فارس الأولى قائلا:
وتكلم هؤلاء القوم في مراتب الألوان: من الحمرة، والسواد، ومراتب الأنوار، وما وراء ذلك من أسرار الطبيعة.
ثم قال: وتغلغل القوم في هذه المعاني: إلى ما علا من الأجسام السماوية من النيرين والأفلاك واختلافها في ألوانها وإلى غير ذلك من الأشخاص العلوية.
وهذا التسطيح الفكري قابل لأن يجعل منه "بوداسف" مظاهر العبادة فيقول: إن معالي الشرف الكامل، والصلاح الشامل، ومعدن الحياة في هذا السقف المرفوع، وفي النجوم السيارة، وفي أفلاكها: التدبير الأكبر١.
وفي المناظرة التي أوردها الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل" ما يفيد أن صاحبها الأول "هرمس"، "وعاذيمون" لكن بعد انتهاء المناظرة استبعد٢ الشهرستاني أن يكون "هرمس" من الصابئة.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه "١: ٦٩". ٢ يقول: وكان في الخاطر بعد: زوايان نريد نمليهان وفي القلم خفايا أكاد أخفيها، فعدلت عنها إلى ذكر "حكم هرمس العظيمن لا على أنه من جمبلة فرق الصابة، حاشاه، على أن حكمته تدل على تقرير مذهب الحنفاء" "٢: ٤٦".
[ ٢٥٧ ]
وربما يقصد الشهرستاني من نفيه عن "هرمس": أن يكون من الصابئة ذلك النوع الذي نص عليه المسعودي -وهو متقدم على الشهرستاني- الذي ينسبه إلى "بوداسف" الهندي الذي أظهر نوعًا معينًا من "الصابئة" هذا النوع من الكيماريين.
ويبدو أن "بوداسف" الهندي أظهر نوعا معينا من الصابئة "هذا النوع من الصابئة مباين للحرنانيين في نحلتهم" كما يروى المسعودي.
وفي نظرنا: يمكن أن ينصرف استبعاد الشهرستاني لـ "هرمس" أن يكون من الصابئة إلى هذا النوع الذي أظهره "بوداسف" وهذا النوع الذي أظهره هو الخاص بعبادة الكواكب.
ويؤكد احتمالنا ما رواه ابن النديم عن الكندى من أنه قال: إنه نظر في كتاب يقربه هؤلاء القوم: وهو مقالات لـ "هرمس" في التوحيد كتبها لابنه على غاية من التقائه في التوحيد -لا يجد الفيلسوف إذا اتعب نفسه مندوحة عنها وعن القول بها١.
فهرمس يعتبر مؤسس مذهب التوحيد: في الصابئة و"بوداسف" أحدث الوثنية: في التوحيد.
وعلى ذلك يكون "هرمس" و"عاذيمون" أوجدا الصابئة الأولى؛ التي تدعو إلى الروحانية، و"بوداسف" أحدث مذهب عبادة الكواكب، وذلك ما تقرره مصادر الإسلاميين٢.
وسواء أكان المراد هو الصابئة الأولى -تعبير الشهرستاني- أم صابئة بوداسف تعبير المسعودي، فإنهما معا نبت فكرهما في الشرق في بعض المناطق العربية من بلاد الرافدين.
يقول صاحب "بلوغ الأرب"٣: والصابئة قوم إبراهيم، كانوا بحران فهي دار الصابئة الأولى وكانوا قسمين هما:
_________________
(١) ١ الفهرست لابن النديم المتوفى ٣٨٥ هـ ص٤٤٥ المكتب التجاري. ٢ يقول ابن حجر في فتح الباري "١: ٣٧" رواية عن غيره: هم منسوبون إلى صابي بن متوشلخ عم نوح، وهذا رأي ثالث يذهب بها بعيدا إلى نوح. ٣ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب "٢: ٢٤" السيد محمود شكري الألوسي البغدادي سنة ١٢٧، عني بنشره محمد بهجة الأثرى سنة ١٩٤٢.
[ ٢٥٨ ]
- صابئة حنفاء.
- صابئة مشركون١.
قال ابن حزم: وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الأرض والغالب على الدنيا ويقول: وهم المكذبون بنبوة إبراهيم٢.
_________________
(١) ١ يقول عمر بن الخطاب عندما سأله نعيم بن عبد الله: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا؛ هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش. قال جميل: يا معشر قريش قد صبا عمر؟ وردَّ عليه عمر: كذبت ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله يراجع ابن هشام ص٢١٩. ٢ الفصل لابن حزم "١: ١٠٢".
[ ٢٥٩ ]
انتقالها إلى جزيرة العرب:
ولما كانت صلة جزيرة العرب بالفرس قديمة، من حيث متاخمة الحدود والعلاقات السياسية، فإنه لمن المنتظر أن نرى انتقالا فكريًّا، يتناسب مع طبيعة عقل البدوي، وهذه العلاقات قديمة، حتى قيل: إن من ملوك الفرس الأولى من عرب الضحاك "اسمه: بيوراسب"، وزعموا أنه من اليمن، قال الشاعر العربي:
وكان منا الضحاك تعبده الـ ـجامل والوحش في مساربها١
ويذكر المسعودي: أن الناس تنازعوا في ملوك الطوائف أمن الفرس كانوا، أم من النبط؟ أم من العرب؟
وكانت ملوك العرب من مضر بن نزار بن معد من اليمن.
وقد قيل: إن أول من نزل من الملوك ببلخ وانتقل من العراق "يكادوس"، وقد كان سار نحو اليمن بعد أن كان له بالعراق -تمرد على الله- ببنيان بناه لحرب السماء.
وملك اليمن الذي سار إليه "كيكاووس" في ذلك الوقت هو "شموين فريقس".
_________________
(١) ١ الجامل: جماعة الجمال.
[ ٢٥٩ ]
قال المسعودي:
"وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيما له".
وكان آخر من حج منهم -الفرس الأول- "ساسان" و"ساسان بن بك" أهدى غزالتين من ذهب وجواهر قذفها في زمزم.
قال المسعودي: وقد ذهب قوم من مصنفي الكتب في التواريخ وغيرها من السير أن ذلك كان لجرهم حين كانت بمكة١.
ثم قال معلقا: وجرهم لم تكن ذات مال فيضاف لها.
فمتاخمة الجزيرة لتخوم الفرس، وعلاقتها بها من الناحيتين الاقتصادية والسياسية ورحلات العرب التجارية: صيفا وشتاء، تحدث عنها القرآن فقال: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ السورة.
وهذا يفيد أنه كما تبودلت السلع التجارية بين العرب وجيرانهم، تبادلوا معم إفرازات العقول والآراء على قدر ما لهم من حظ ف يالعقل ونصيب من الفكر والرأي.
وهذا طريق طبعي لروافد انتقال الآراء الفكرية لأي أمة من الأمم، وأمة العرب ليست بدعا في ذلك.
فاتصالات العرب التجارية بالعراق والشام زودت في العرب خبرة النقل التجاري والفكري بيد أن الشهور الطوال التي كان العربي يضربها بإبله عبر الصحراء قللت من اهتماماته الفكرية؛ فكان حظه من النقل الثقافي يبدو متواضعا بل وساذجا، لا يتكافأ مع نقله التجاري، كذلك كان ميلهم إلى الشعر يجعلهم ينأون عن استنباط الأمور، ومع ذلك يمكن أن نقول: من هذا الاهتمام الضئيل بالمعروف انتقلت ألوان شاحبة من الصابئة إلى الجزيرة العربية.
_________________
(١) ١ المسعودي: مروج الذهب "١: ١٦٦" عن كتاب "السكيكين" ترجمة: عبد الله بن المقفع عن الفارسية الأولى ذكره المسعودي وأخذ عنه النص السابق، وقال عنه: الكتاب تعظمه الفرس لما قد تضمنه من خبر أسلافهم.
[ ٢٦٠ ]
فلم يتفرغ دارس من العرب لدراستها إنما نقل منها شوائب ألم بها العربي: من تاجر عامله معاملة الصابئة، فإذا أعجبته نقلها، وإن عافها نبذها من غير سؤال عنها في الحالين. ينقل الشهرستاني "أن لهم حدودا وأحكاما" أي أن للصابئة شريعة عملية ذات كيان فكري، وإن صح ما قلناه تكون قد انتقلت إلى جزيرة العرب اسما من غير مضمون فكري؛ لأن استعمالها في اللسان العربي جعلها بمعنى: مال أو خرج، أو طلع، وليست اسما لمذهب فهو لفظ أطلقه العرب على خوارج الجاهلية، أي: الذين خرجوا عن دين الجاهلية، وعلى كل من استحدث دينا غير دينه، وهم الذين أطلق عليهم صابئة الحنفاء، هذا الإطلاق في حد ذاته يرشح رأينا في أنها انتقلت إليهم من غير مضمون فكري.
أو يكون المذهب الصابئي انتقل بمضمونه الفكري منذ رحلة إبراهيم وإسماعيل، ونحن نعلم أن إبراهيم وإسماعيل استوطنا الجزيرة العربية.
وهذا الفرض له من آيات القرآن ما يؤيده؛ فمنها ما ورد في سورة إبراهيم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون﴾ ١، ومنها ما ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
كذلك ذكر القرآن الكثير من مجادلات إبراهيم للصابئة.
وهناك جانب آخر ذكره أنتوني نتنج٢، أنه خلال فترة قصيرة حكم الكلدانيين الشام وبلاد شبه جزيرة العرب وجنوب تركيا خلفا للأشوريين.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم آية ٣٥، ٣٦، ٣٧ ٢ يراجع: العرب ص٦ ترجمة: د. راشد البراوي، الناشر الأنجلو المصرية.
[ ٢٦١ ]
ومع هذا تكون الصابئة دخلت الجزيرة العربية منذ نبي الله إبراهيم وإسماعيل بمضمون فكري غير أنها على هذا الفرض دخلت مقابلة للحنيفية، وبناء على هذا جعل القرآن -والعرب قبله- كل من لا يعتنق الحنيفية صابئًا.
فمن يوم أن دخل مذهب الصابئة العقدي شبه الجزيرة العربية دخل مضطهدا تحدوه لعنات نبي الله إبراهيم أبي الأنبياء، وبهذا نستطيع أن نفسر عدم انتشاره في الجزيرة العربية، كذلك نستطيع أن نفسير اضطهاد الذين اعتنقوه؛ لأنهم في عرف الجاهلية خارجين عن دين الجماعة.
وعندما جاء الإسلام أكد نبذ هذا المذهب، ولما لم يكن له كتاب يحمل مكوناته الفكرية، ضاع صلبه ولم يبق منه سوى مسائل وقضايا عرض لها القرآن.
وبسبب كل ذلك تعرض المذهب الصابئي لوسائل الضياع المتعددة الكفيلة بمحوه، من عدم كتاب له ومن اضطهاد ومكافحة إلى نبذ معتنقيه، كل ذلك لازم المذهب الصابئي منذ دعوة نبي الله إبراهيم والإسلام عندما عرض لها مناقشا كان ذلك منه؛ لخطورة قضاياها الدينية وأهمها:
منعهم أن يكون النبي وسيطا يبلغ عن الله؛ لأنه بشر وأحلوا محله في الوساطة "النيرات" ثم عبدوها.
والإسلام إذ يعرض لها بالنقد الجدلي لا يستقي معلوماته من صحف إبراهيم، فإنها لم تكن موجودة لدى العرب، ولا يستقيها من مصادر أصحابها؛ لأنهم لم يكونوا على علم كامل بها، إنما ذكرها له الوحي من حيث قضاياها الفكرية التي قد يثيرها العقل الإنساني، ويطيب له الجدل فيها، فما أثار القرآن من قضايا حولها كان يهم الصابئة الأولى والصابئة الأخرى، وذلك ما لم يتح للعربي الاضطلاع به والاطلاع عليه، ففكر القرآن عن الصابئة كان وحيا؛ لكونه أوسع مما كان يعرفه العرب عنها بل وأوسع مما كان يعرفه الصابئ العربي وغيره عن مذهبهم، وفي هذا ما يؤكد أن فكر القرآن عن الأديان كان فكرًا عالميًّا، أي يهم النوع الإنساني المفكر، دون نظر منه إلى مكونات العرب الفكرية خاصة.
[ ٢٦٢ ]
وفي القرآن آيات تدل على أن عبادة الكواكب دخلت اليمن كما قصتها علينا سورة النمل قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٠-٢٥] .
وفي هذا يقول البلخي في كتاب "البدء والتاريخ": من قبائل الصابئة: سبا الحميرية أول من دان بها من العرب: يعبدون الشمس.
وكنانة: تعبد القمر.
وجرهم: المشتري.
وقريش: عبدوا الشعري "الشعرى اليمانية".
فقد ساد في جنوب الجزيرة العربية ثالوث من الكواكب، وفي أرض الرافدين منشأ الصابئة:
- إله نجمة الصباح.
هو عشتر: لدى البابليين والأشوريين.
وعشترت: لدى الكنعانيين.
- إله القمر: هو ود: عند المعينيين.
والمقه: عند السبئيين.
وعم: في قتبان.
وسين: في حضرموت.
وإله الشمس: اسمه في قتبان، وحضرموت: شمس، وشمش: في أرض الرافدين
[ ٢٦٣ ]
فهذه الصلات تؤيد أن كثيرًا من العناصر الدينية في الشعوب السامية كان يتوقف بعضها على بعض١.
ولعل في تسميتهم: بعبد شمس، وعبد اللات، وعبد الشعرى، ما يفيد عبادتهم للكواكب.
لقد انبثَّت مظاهر في الوثنية العربية فارتفعت من مظاهر مادية في الأرض إلى عبادة النيرات أو أفلاكًا في السماء، فالمذهب الصابئي أثَّر كثيرًا في الوثنية العربية؛ ورضي العربي أن يأخذ منه ما يعدل به وثنيته. ففي وثنيته الكثير من العناصر الصبئية مثل عبادة الأفلاك، والحنيفية مثل عبادة الكعبة، والوثنية اليونانية مثل عبادة التماثيل، فخلطوا بينها وبين وثنيتهم وبينها وبين الحنيفية، لذلك قلنا: وإن ما لديهم من مذاهب الصابئة يعتبر ألوانا شاحبة.
وينقل الرواة -كما نقلوا من قبل- أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأصنام، وينقلون أيضا: أن أبا كبشة هو أول من أتى هو بعبادة النجوم إليهم، ويصبح مفاد الروايتين أن الوثنية العربية قد وفدت إلى العرب من بلاد خارج الجزيرة العربية، كذلك الصابئة أتى بها أبو كبشة.
_________________
(١) ١ الحضارة السامية القديمة: تأليف سبتينو موسكاني ترجمة: د. السيد يعقوب بدر.
[ ٢٦٤ ]
العرب وعبادة الكواكب:
وقد رأى بعض العلماء أن عبادة أهل الجاهلية هي: عبادة الكواكب في الأصل، وأن أسماء الأصنام والآلهة -وإن تعددت وكثرت- إلا أنها ترجع كلها إلى ثالوث سماوي هو: الشمس، والقمر، والزهرة، وهو رمز لعائلة صغيرة تتألف من أب هو: القمر، ومن أم هي الشمس، ومن ابن هو الزهرة، وذهبوا إلى أن أكثر أسماء الآلهة هي في الواقع نعوت لها، وهي من قبيل ما يقال له الأسماء الحسنى في الإسلام١.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٠.
[ ٢٦٤ ]
ونجد في حكاية كيفية اهتداء إبراهيم إلى عبادة إله واحد الواردة في سورة الأنعام تفسير لسبب تعبد الإنسان للأجرام السماوية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ ١ إلخ آية ٧٥ وما بعدها من سورة الأنعام، فقد لفت ذلك الكوكب نظر إبراهيم، وبهره بحسن منظره وبلونه الزاهي الخالب تعبد له، واتخذه ربا -فلما أفل، ورأى كوكبا آخر أكبر حجما وأجمل منظرا منه تركه، وتعبد للكوكب الآخر وهو: القمر، فلما أفل ورأى الشمس بازغة وهي أكبر حجمًا وأظهر أثرا وابين عملا في حياة الإنسان وفي حياة زرعه وحيوانه جوه ومحيطه ترك القمر، وتعبد للشمس، فيكون قد تعبد لثلاثة كواكب قبل أن يهتدي إلى التوحيد هي: القمر، والشمس، والمشترى، أو الزهرة على ما جاء في أقوال المفسرين.
ويشير القرآن: في مواضع أخرى إلى عبادة الجاهلين للأجرام السماوية، ولا سيما الشمس والقمر، ففيه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ٢ إلخ.
فصلت آية ٣٧. وهذه الأجرام السماوية الثلاثة هي الأجرام البارزة الظاهرة التي بهرت نظر الإنسان، ولا سيما الشمس، والقمر، والزهرة.
واعتبر الجاهليون القمر أبا في هذا الثالوث، وصار هو الإله المقدم فيه، وكبير الآلهة، وصارت له منزلة خاصة في ديانة العرب الجنوبيين، وهذا ما حدا ببعض المستشرقين إلى إطلاق ديانة القمر على ديانة العرب الجنوبيين على سبيل التغليب٣.
والإله "القمر" هو الإله "المقه" عند السبئيين، وهو إله سبأ الكبير، وهو: "عم" عند القتبانيين، وهو: "ود" عند المعنيينن، وهو: "سين" عند الحضارمة، واتخذ "الثور" من الحيوانات رمزًا للقمر، ولذلك عد "الثور" من الحيوانات المقدسة التي ترمز إلى الآلهة.
ونجد: هذه الصورة مرسومة في النصوص اللحيانية، والثمودية، وعند غير العرب من الشعوب السامية؛ وقد نص على اسمه في الكتابات؛ إذ قيل: له "ثور". وقد ذكر الألوسي: أن عبدة القمر اتخذوا له صنما على شكل عجل وبيد الصنم جوهر
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٧٤. ٢ سورة فصلت آية: ٣٧. ٣ السابق ص٥١، ص٥٢.
[ ٢٦٥ ]
يعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أياما معلومة في كل شهر؛ ثم يأتون إليه بالطعام والشراب، والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص، والغناء، وأصوات المعازف بين يديه؛ ولم يشر إلى اسم الجاهليين الذين فعلوا ذلك فعلَّه قصد عبدة القمر بصورة عامة من العرب وغيرهم١.
وقد تعبد العرب للشمس في مواضع مختلفة في جزيرة العرب، وترجح عبادتها إلى ما قبل الميلاد، وفي زمن لا نستطيع تحديده؛ لعدم وجود نصوص لدينا يمكن أن تكشف لنا عن وقت ظهور عبادة الشمس عند العرب؛ وعبدها أقوام آخرون من غير العرب من الساميين، مثل البابليين، والكنعانيين والعبرانيين؛ وقد أشير في مواضع عديدة من العهد القديم إلى عبادة الشمس بين العبرانيين، وجعل الموت عقوبة لمن يعبد الشمس، ومع ذلك عبدت في مدن يهوذا.
وقد اتخذت جملة مواضع لعبادة الشمس، فيها عرفت بـ "بيت الشمس" والشمس أنثى في العربية، فهي إلهة، أما في كتابات "تدمر" فهي مذكر، ولذلك فهي إله ذَكَر عند التدمريين.
ويرى "ولهوزن": أن ذلك حدث بمؤثرات خارجية، وكانت عبادة الشمس شائعة بين التدمريين، وورد في الكتابات التي عثر عليها في "حوران" أسماء أشخاص مركبة من "شمس" وكلمة أخرى؛ ويدل على ذلك شيوع عبادتها عند أهل تلك المنطقة٢.
وذكر "سترابو" أن: helios أي الشمس هي: الإله الأكبر عند النبط، ولكن الكتابات النبطية، لا تؤيد هذا الرأي. والإله الكبر فيها هي: "اللات" فلعل "سترابو" قصد: اللات؛ وإذا كان هذا صحيحًا فتكون "اللات هي الشمس" والشمس من الأصنام التي تسمى بها عدد من الأشخاص، فعرفوا بـ "عبد شمس".
وقد ذكر الإخباريون: أن أول من تسمى به "سبأ" الأكبر؛ لأنه: أول من عبد الشمس، فدعي بـ "عبد شمس".
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٤. ٢ السابق ص٥٥.
[ ٢٦٦ ]
وقد ذكر أن بني تميم تعبدت له، وكان له بيت وكانت تعبده بنو "اد" كلها، وكانت سدنته من "بني أوس بن مخاش" بن معاوية، فكره هند ابن أبي أهالة، وصفوان بن أوس بن مخاش. وذكر أن عبد "شمس" اسم أضيف إلى "شمس المساء"؛ لأنهم كانوا يعبدونها، والنسبة عبشمي١ ويلي الشمس والقمر الزهرة، وقد ذكرت في النصوص العربية الجنوبية، وتسمى "عشتر" وهو بمثابة الابن للشمس والقمر؛ وهذا الثالوث الكوكبي يدل في رأي الباحثين في أديان العرب الجنوبيين على أن عبادة العرب الجنوبية هي عبادة نجوم، وهو يمثل في نظرهم عائلة إلهية مكونة من ثلاثة أرباب هي: الأب: وهو القمر، والابن: وهو الزهرة، والأم: وهي الشمس٢.
وعبد بعض أهل الجاهلية أجراما سماوية أخرى، وتقربوا إليها بالنذور والصلوات، ففي كتب الإخباريين أن طائفة من تميم عبدت "الدبران" وفي كتبهم أيضا: أن بعض قبائل لخم، وخزاعة، وحمير، وقريش عبدوا "الشعرى". وأن أول من سن ذلك لهم، وأدخل تلك العبادة إليهم: "أبو كبشة" وهو من خزاعة أحد أجداد النبي -ﷺ- من قبل أمهاته. خالف قريشا في عبادة الأصنام، وعبد "الشعرى العبور" وكان يقول: إن الشعرى تقطع السماء عرضا، فلا أرى في السماء شيئا شمسا ولا قمرا، ولا نجما يقطع السماء عرضا٣.
وذكر القرطبي: أن أول من عبد "الشعرى": "أبو كبشة"؛ ولذلك كان: مشركو قريش يسمون النبي ﷺ ابن أبي كبشة حين دعا إلى الله تعالى وخالف أديانهم، وقالوا: ما لقينا من ابن أبي كبشة، وكان الحارث -وهو غبشان ابن عمرو بن ملكان- ويكنى أبا كبشة ممن يعبد الشعرى.
والشعرى: هي المقصودة في الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم آية ٤٩] وكان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يقال له:
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥، ص٥٦. ٢ السابق ص٥٧. ٣ السابق ص٥٨، ٨٧
[ ٢٦٧ ]
"الشعرى" وهو: النجم الوقاد الذي يتبع "الجوزاء" ويقال له: "المرزم" وقد كان من لا يعبد "الشعرى" من العرب: يعظمها، ويعتقد تأثيرها في العالم١.
ويذكرون أن بعض "طيئ" عبدوا "الثريا" وبعض قبائل ربيعة عبدوا "المرزم" وأن كنانة: عبدت "القمر".
ويتبين من بعض الأعلام المركبة مثل: "عبد الثريا" و"عبد نجم" أن "الثريا" و"نجما" صنمان معبودان في الجاهلية.
وقد ذهب بعض المفسرين: إلى أن النجم المذكور في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ آية ٢ "الثريا" والعرب تسمي "الثريا" نجما، وقال بعض آخر: إن النجم هنا: الزهرة؛ لأن قوما من العرب كانا يعبدونها٣.
وعبد بعض الجاهليين "المريخ" واتخذوه إلها، كما عبد غيرهم "سهيلا" وعطارد، والأسد، وزحل".
وقد ذكر أهل الأخبار: أن أهل الجاهلية يجعلون فعلا للكواكب حادثا عنه، فكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وكانوا يجعلون لها أثرا في الزرع، وفي الإنسان. فأبطل ذلك الإسلام، وجعله من أمور الجاهلية جاء في الحديث: "ثلاث من أمور الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالأنواء" ٤.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٨، تفسير القرطبي ١٧/ ١١٩. ٢ سورة النجم. آية ١ ٣ السابق ص٥٩، وبلوغ الأرب ٢/ ٢٤٠. ٤ المفصل جـ٦ ص٦٠، ابن الأجرابي الأزمنة والأنواء ص١٣٦.
[ ٢٦٨ ]
معنى الصابئة وأقسامها:
رأينا فيما سبق من القول: أن الصابئة نشأت أول ما نشأت في العراق. سواء أكانت الصابئة الأولى التي أنشأها "هرمس" أو الصابئة الخرى التي نسبت إلى "بوداسف" فإن: النشأة كانت في العراق وبعض من بلاد فارس.
فيا هل ترى: عندما نقلت الكلمة إلى الجزيرة العربية نقلت من مصدرها إلى العربية كما هي؟ أم ترجمها العرب عن أصلها الفارسي أو الأرامي؟
[ ٢٦٨ ]
لا نجد لدينا ما يرجح الاحتمال الثاني؛ لأن الكلمة مجهول نسبها إلى لغة معينة فيبقى الاحتمال الأول: وهو أنها نقلت إلى الجزيرة العربية، وأصبحت من الكلمات المشتركة بين اللغتين واللسانين العربي وغير العربي وذلك جائز.
وهناك احتمال ثالث وهو أن للكلمة وضع عربي، وأصبحت علما على مذهب غير عربي، وهذا ما نراه قريبا إلى الصواب.
ومما وصل إليه بحثنا عن أصل الكلمة أننا لم نجد لها أو حولها بيتا من الشعر، تناول معتنق هذا المذهب مدحا أو قدحا -قوي النسبة لشاعر أو منحول إليه- وهذا يجعلنا نميل إلى أن هذا اللفظ أطلقه القرآن اصطلاحا على مقابل من خالف وثنية الجاهلية الأولى وليس من أهل الكتاب.
يقول الألوسي: اختلف في اللفظ:
- فقيل: غير عربي.
- وقيل: عربي١.
ثم يترك الألوسي نقله "غير عربي" على عمومه من غير تعقيب يبين فيه أصل هذه الكلمة: أفارسي أم هندي أم سرياني، أعرض عن هذا ثم راح يبين اشتقاقها العربي٢ فقال:
- صبا معتلا بمعنى مال. قال الشاعر:
إلى هند صبا قلبي وهند مثلها يُصبِي
- وصبأت النجوم: إذا طلعت.
يقول ابن منظور: عنوا: أنه خرج من دين إلى دين، ونقل عن ابن إسحاق الزجاج قوله في الصابئين: معناه: الخارجون عن دين إلى دين.
_________________
(١) ١ روح المعاني "١: ٢٣١" للألوسي المتوفي سنة ١٢٧٠. ٢ لسان العرب ابن منظور "١٠٨.١" يقول ابن منظور: يزعمون أنهم على دين نوح وهم كاذبون.
[ ٢٦٩ ]
وفي حديث بني جذيمة: كانوا يقولون لما أسلموا: صبأنا صبأنا. وكانت العرب تسمى النبي الصابئ١.
في اللسان العبري:
نرى كذلك الكلمة في اللسان العبري تفيد ما يفيده الوضع العربي:
ففي الأسفار:
- فصبأوا على مدين٢.
- هصبئتم على أريئل٣.
- أي الصابئون على بيت المقدس.
- وردت "أريا"٤ بمعنى: أسد، وإل في العبرية بمعنى: الله، يعني: أن الصابئين على بيت المقدس أسد الله٥.
- وورد بمعنى: الحند٦.
- بمعنى: الجهاد أو القتال والحرب٧.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه، كذلك يراجع كتاب تهذيب إصلاح المنطق شرح ابن الخطيب التبريزي لمتن إصلاح المنطق لابن السكيت قال: صبأ يصبأ: خرج من دين إلى دين. - لم نجد فيما رجعنا إليه من مصادر اللغة العربية المختلفة بيتا واحدا من الشعر الجاهلي يفيد مدح مذهب الصابئة، أو ذمه، وذلك ربما يرجع في نظرنا: إلى أنه كان مضطهدا، ولا يستبعد هذا الاحتمال؛ لأن العربي وإن اشتهر بالصلابة والاحتمال، فإن التايخ لا يروي في عصره الجاهلي: موقفا يشهد لعرب الجاهلية بحبهم للاستشهاد في سبيل عقيدتهم الدينية، وإنما تواتر إلينا التاريخ مأثورا عندما هبوا لمنازلة أبرهة، انصرفوا عنه عندما عرفوا وجهته: أنه يقصد البيت، قائلين له على لسان سفيرهم المفاوض: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه، فالعربي لا يأبه لدينه، وآثر تاريخيا أنه استشهد في سبيل الحب: مجانين الهوى، وبلغت شجاعتهم: أنهم كانوا لا يتهيبون من وعيد قومهم وإنذارهم بالبطش. ٢ سفر العدد ٣١-٧. ٣ أشعيا ٢٩-٧. ٤ أيوب ١٨-١٠. ٥ ملتقى اللغتين العربية "١: ٦٢"، مراد فرج سنة ١٩٣١. ٦ الرجس المخرب كما جاء في دانيال "١١: ٣١" وتجعل الرجس المخرب. ٧ سفر العدد ٣١-٣.
[ ٢٧٠ ]
- وأطلق على ما بالسموات من كواكب ونجوم١.
فالفعل في اللسان العبري يشمل: المعنى العربي وزيادة، فيفيد معنى: تقدموا، وتجمعوا، أعدوا أنفسهم للجهاد لله، والعمل لما يقضي به أمر الله٢.
"وصبأ" الأعداء: زحفوا وهجموا، فيها ما يحتمل أنها أطلقت لغويا وليس فيها ما يحتمل أنها أطلقت على نحلة، أو دين أو مذهب معين.
وتقول دائرة المعارف الإسلامية: أن اسم الصابئة مشتق من الأصل العبري "ص. ب. ع" أي غطس، ثم أسقطت العين وهو يدل بلا ريب على المنديا، أو الصبوء وهي فرقة يهودية نصرانية تمارس شعيرة التعميد في العراق "نصارى يوحنا المعمدان"٣.
ويبدو أن اصطلاح صابئة: أطلق على جماعتين من اليهود:
الجماعة الأولى: هم اليهود الذين خرجوا على المسيح: فهؤلاء صابئة مؤمنون.
الجماعة الثانية: هم اليهود الذين وافقوا أبوللونيوس "عندما فتح أورشليم ١٦٧، وهو أحد قواد أنطونيوس، هدم السور، وبني في مدينة داود قلعة جديدة، وملأها بالجند، وجاء في أعقابه مندوب يحمله أمرا بتحريم الديانة اليهودية ووضع هيكل إغريقي: هو الرجس المخرب٤ فوق المذبح اليهودي بفناء المعبد؛ ليحل الوثنية محل اليهودية، أو كما يقول المؤرخون٥؛ ليوحد الديانة بالبلاد، وافق كثير من اليهود على الدخول في تلك العقيدة الوثنية -واليهودي لا يصنع تماثيل للأرباب- وانضموا للحزب المشايع للهلينستية، المناصر لأنطيوخوس، فهؤلاء صابئة وثنيون من اليهود٦
_________________
(١) ١ سفر العدد "٤-١٩-٢٧". ٢ تكوين ٢-١ تثنية ٤-١٩ وأشعيا "٣٤-٤". ٣ دائرة المعارف الإسلامية "١٤: ٨٩". ٤ جاء في سفر دانيا "١١: ٣١" وتجعل الرجس المخرب. ٥ الحضارة الهلينستية: قارن ص٢٢٩. ٦ يروي ابن حجر في فتح الباري "١: ٣١٠" رواية عن أبي العالية تقول: الصابئون فرق من أهل الكتاب: يقرؤون الزبور، هذا يؤيد ما ذهبنا إليه أن في اليهود صابئة. وتقول دائرة المعارف الإسلامية "٨٩: ٨٩" ومن الواضح أن الصابئة الذين ذكرهم القرآن وجعلهم في ثلاثة مواضع: هم من اليهود والنصارى: يعدون من المنديا، وتلاحظ أن النص يحتوي على خطأين: الخطأ الأول: أن القرآن ذكر الصابئة والنصارى من أهل الكتاب في ثلاثة مواضع ومعهما اليهود والنصارى. الخطأ الثاني: قوله أن اليهود والنصارى يعدون من المنديا، فإن القرآن لا يستنتج منه هذه النتيجة وأن ما في القرآن يفيد: أنه مذهب يغاير ما عليه اليهود والنصارى؛ لأن القرآن ذكر الصابئة معهما كما في سورة البقرة أو بينهما في كما سورتي الحج والمائدة.
[ ٢٧١ ]
فالمعنى في الوضع اللغوي لكلمة صابئ لا ينبئ من قريب أو من بعيد عن معنى مقدس، أراده العربي منها:
والصابئ عند العربي -مع العبري- كلمة وصفية تعطي معنى "زنديق" في العهد العباسي أو في عصرنا.
والعرف الجاهلي استعملها وأطلقها على كل من خرج عن دين الجماعة أو القبيلة، وعبر بها عن سخطه عندما أراد أن يسخط على كل من جانب دينه الرسمي أو مألوف وثنيته.
وعلى ذلك يكون معناها عند العربي واسعا: يتسع لمن استحدث دينا غير دين قومه، ووسعت أيضا كل من خرج من دينه إلى غير دين.
يقول الطبري: والصابئون جمع صابئ، وهو: المستحدث بسوى دينه دينا، كالمرتد في الإسلام عن دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب: صابئا.
ثم قال: اختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل:
- فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى دين.
- وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم١.
وهذا يذهب إليه الشهرستاني: عندما عدها نحلة ولم يجعلها دينا٢.
فعندما يستعملها العربي فإنه يستعملها بمعناها اللغوي: الخروج أو الميل. قال المشركون للرسول: قد صبأ.
لذلك لم يؤمن بعض العرب برسول الله؛ لأنهم وضعوا في اعتبارهم أن الرسول وأصحابه من الصابئة، أي الخارجين على دين الجماعة.
_________________
(١) ١ تفسيره ص٢٥٢ "جامع البيان في تفسير القرآن". ٢ روح المعاني للألوسي "١: ٢٣١". - يذكر صاحب فتح الباري رواية عن ابن مردويه بإسناد حسن عن ابن عباس قال: الصابئون ليس لهم كتاب.
[ ٢٧٢ ]
فلم يستعمله العربي بمعنى: مذهب معين أو نحلة معينة لجماعة معينة أو يكون قد استعمله لكننا لم نر لذلك نصًّا لكن إطلاقه كان على الخارج مطلقًا.
أما الإسلام: فأطلقها على صنف ذي عقيدة، أخطأت تنزيه الله، فوسطت الكواكب بينها وبينه، إذ الكواكب في عرفهم تحتوي على النور الإلهي.
وبعضهم عبد الملائكة لخاصتها الروحيانية، وكان ذلك اجتهادا منهم أو توجيها من بعض حكمائهم.
يقول أبو حنيفة: إنهم ليسوا بعبدة أوثان، وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة١.
وقيل: هم قوم موحدون يعتقدون تأثيرهم النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى٢.
ولعل هذا النص ظاهر الوضع والانتحال؛ لأنهم يقولون بالوسائط الروحانية ولا يقولون بوسيط بشري مثل وساطة الأنبياء، وهذا من أهم عقائدهم التي صادمهم فيها القرآن، ويمكن حمله على صنف معين: صابئة المنديا أي: الذين اتبعوا يوحنا المعمدان وخرجوا على تعاليم اليهود وهذا ما ذهبت إليه دوائر المعارف الأجنبية واختارته لكن المصادر الإسلامية عدتهم فرقة من فرقهم.
أما نص أبي حنيفة فإن القرآن يؤيده؛ لأنه عدهم وسطا بين اليهود والنصارى.
ويورد الطبري نصا عن ابن وهب يؤكد ما ورد عن أبي حنيفة يقول: الصابئون ليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول: "لا إله إلا الله"٣.
فهم قوم يعظمون الكواكب بناء على تفسيرين:
- الأول: أن خالق العالم: الله إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه ٢ تفسيره "١: ٢٥٢". ٣ غرائب القرآن ورغائب الفرقان "١: ٣٠١" للنيسابوري.
[ ٢٧٣ ]
- الثاني: أنه خلق الأفلاك والكواكب وفوض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها؛ لأنها هي المدبرة لهذا العالم.
يقول الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق١:
"ومذهب الصابئة- على ما يحيط بتاريخه من غموض- يكاد يتم الاتفاق على أنه يقر بالألوهية، ويرى أنها تحتاج في معرفة الله ومعرفة أوامره وأحكامه إلى متوسط يكون روحانيا لا جسمانيا؛ ففزعا إلى هياكل الأرواح وهي الكواكب، فهم عبدة الكواكب".
بعد ما سبق نقول: إن الكلمة في الاستعمال العربي الجاهلي أطلقت على من خرج من دينه سواء إلى دين أو إلى غير دين، ويقول أبو حيان المفسر: الصابئون: قيل هم الخارجون من دين مشهور إلى غيره.
وفي الاستعمال الإسلامي تطلق على جماعة بعينها معتنقة مذهبا معينا غير الحنيفية؛ لأن القرآن عندما يذكر الصابئة يذكرها مقترنة بدعوة معتنقيها إلى الإسلام، أما الحنيفية فإن الإسلام يصف بها نفسه.
وتبقى كلمة ذكرها المستشرق الألماني يوليوس فلهوزن يقول فيها:
"وإذا كانت أقدم تسمية أطلقها على المسلمين من لم يدخل في زمرتهم هي تسميتهم بالصابئين فلا يمكن أن يكون لها سبب غير ذلك"٢.
يعلق الدكتور أبو ريدة على هذا الهامش فيقول: ربما يكون قصد المؤلف ما لوحظ من شبه بين بعض عبادات الصابئة وبعض العبادات الإسلامية٣.
_________________
(١) ١ تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق ص١٠٢. ٢ تاريخ الدولة العربية نقله عن الألمانية، وعلق عليه دكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة ص٣ راجعه د. حسين مؤنس-الألف كتاب ١٣٦. ٣ سألت امرأة عربية صحابيين من صحابة رسول الله: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله، قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، ثم لما رجعت إلى قومها قالت: العجب، لقيني رجلان: فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ إلى آخر الحديث. يقول ابن حجر في فتح الباري "١: ٣١٠": هناك فرق بين الصابئ: المراد في هذا الحديث، والصابئ المنسوب للطائفة المذكورة.
[ ٢٧٤ ]
نقول: ربما هذا ما قصده المؤلف، أي أن الشبه بين المسلمين والصابئين هو الذي سوغ للمشركين أن يطلقوا على المسلمين صابئة بينما لو لاحظ -المؤلف- الآيات الثلاث التي تناولت الصابئين لم تعفهم من الدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح وفي الأخرى تناولتهم بالإنذار الشديد من الله فلم يهادنهم الرسول، ولم يصطنع معهم دون غيرهم لينا في القول، إنما كان موقفه يتسم بالوضوح والحسم مع سائر الأديان، ولم يؤثر أن ادعي عليه أنه افتراه من الصابئة أو ادعت عليه الصابئة هذه الفرية.
أما من جهة إطلاق المشركين على المسلمين: صابئة، فإن هذا كما بينا كان من باب وصفهم بأنهم خرجوا على دين الجماعة الرسمي ومألوف عقائدها.
يقول الألوسي: وأهل دين هؤلاء فيما زعموا أنهم يأخذون محاسن ديانات العالم ومذاهبهم ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولا وعملا؛ فقد خرجوا عن تقييدهم بجملة كل دين وتفصيله إلا ما رأوه فيه من الحق١.
قال ابن كثير: وأظهر الأقوال: قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين إنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقررا لهم يتبعونه ويتفهمونه.
ولذا كان المشركون ينبذون من أسلم: بالصابئ، أي: أنه قد خرج من سائر الأديان، وأديان أهل الأرض إذ ذاك٢.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "٢/ ٢٥٢" الألوسي. ٢ تفسير ابن كثير "١: ١٠٣".
[ ٢٧٥ ]
أقسام الصابئة ١:
أولا- الصابئة الأولى أو صابئة الحنفاء:
أصل فكر الصابئة الأولى من جهة نظرنا: القول باحتياجها في معرفة الله، ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه: إلى متوسط، والتي يقال عنها: أنها تنسب إلى "هرمس" و"أنماثاذيمون" على ما تذهب إليه مصادر الإسلاميين.
_________________
(١) ١ ولعل أحسن من توسع في هذا البحث وبيَّن الفرق الصابئية مستندا إلى العقل والنقل هو ابن الإمام أبو الحسن على بن محمد المكنى بأبي علي بن سالم التغلبي الفقيه الأصولي الملقب سيف الدين الآمدي المتوفى عام ٦٣١هـ؛ فقد ذكر في كتاب خطي له يدعى "كتاب أبكار الأفكار" حقق بعضه د. أحمد المهدي. أن أشهر فرق هذه الجماعة أربع وهي: الفرقة الأولى: أصحاب الروحانيات: وقد يقال ذلك بالرفع أخذا من الروح وهو جوهر. وقد يقال بالنصب وهو حالة خاصة به. وقد زعم هؤلاء أن أصل وجود العالم يتقدس عن سمات الحدث وهو أجل وأعلى من أن يتوصل إلى جلاله بالعبودية له والخدمة من السفليات وذوات الأنفس المنغمسة في عالم الرذائل والشهوات، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات بينه وبين السفليات وهي أمور روحانية مقدسة عن المواد الجرمانية "نسبة إلى الجرم" والقوى الجسمانية والحركات المكانية والتغيرات الزمانية في جوار رب العالمين. وهم مجبولون على تقديسه وتمجيده وتعظيمه دائما وسرمدا. قالوا: وهم آلهتنا وأربابنا ووسائلنا إلى حاجاتنا وبهم يتقرب إلى الله تعالى. وهي المدبرة للكواكب الفلكية والمديرة لها على التناسب المخصوص حيث يتبعها انفعالات في العناصر السفلية وحركات بعضها إلى بعض وانفعال بعضها من بعض عند الاختلاط والامتزاج المفضي إلى التركيب الموجب؛ لتنوع المركبات إلى أنواع المعادن والنباتات والحيوانات وتصريف موجودات الأعيان من حال إلى حال ومن شأن إلى شأن إلى غير ذلك من الآثار العلوية والسفلية. وزعموا أن الكواكب الفلكية هي هياكل هذه الروحانيات وأن نسبة الروحانيات إليها في التقدير لها والتدوير، نسبة الأنفس الإنسانية إلى أبدانها وأن لكل روحاني هيكلا يخصه ولكل هيكل فلكًا يكون فيه. وزعموا أن المعرف لهم "غارميون وهرمس" اللذان هما أصل علم الهيئة وصناعة النجامة. وهرمس هو أول من قسم البروج ووضع أسماءها وأسماء الكواكب السيارة ورتبها في بيوتها وبين الشرف والوبال والأوج والحضيض والمناظر والتثليث والتسديس والتربيع والمقابلة والمقارنة والرجوع والاستقامة والميل والتعديل، واستقل باستخراج أكثر الكواكب وأحوالها، وقيل إن غارميون هو شيث وهرمس وهو إدريس "﵇". الفرقة الثانية: أصحاب الهياكل: أنهم قالوا: إذا كان لا بد للإنسان من متوسط فلا بد من أن يكون ذلك المتوسط كما نشاهده ونراه حتى نتقرب إليه، والروحانيات ليست كذلك فلا بد من متوسط بينها وبين الإنسان، وأقرب ما إليها هياكلها؛ فهي الإله والأرباب المعبودة والله تعالى رب الأرباب وإليه التوسل والتقرب، فإن التقرب إليه =
[ ٢٧٦ ]
_________________
(١) = تقرب إلى الروحانيات التي هي كالأرواح بالنسبة إليها، ولا جرم أنهم دعوا إلى عبادة الكواكب السبعة السيارة، ثم أخذوا في تعريفها وتعريف أحوالها بالنسبة إلى طبائعها وبيوتها ومنازلها ومطالعها ومغاربها واتصالاتها ونسبتها إلى الأماكن والأزمان والليالي والساعات وما دونها إلى غير ذلك، ثم تقربوا إلى كل هيكل وسألوه بما يناسبه من الدعوات فيما يناسبه من الأماكن والأزمان واللباس الخاص به، وبالخاتم المطبوع على صورته، والهياكل عندهم أحياء ناطقة بحياة الروحانيات التي هي أرواحها، ومتصرفة فيها. ومنهم من جعل هيكل الشمس رب الهياكل والأرباب، وهذه الهياكل هي المدبرة لكل ما في عالم الكون والفساد على ما سلف في تعريف مذهب الفريق الأول، وربما احتجوا على وجود هذه المدبرات وأنها أحياء ناطقة بأن حدوث العالم؛ إذ الكلام فيه إما أن يكون مستندا إلى حادث أو قديم، ولا جائز أن يكون مستندا إلى حادث؛ إذ الكلام فيه كالكلام في الأول، والتسلسل والدور محالان، فلم يبقَ إلا أن يكون مستندا إلى ما في نفسه قديم، وذلك القديم إما أن يكون موجبا لذاته أو بالاختبار، فإن كان الأول فإما أن يكون كل ما لا بد منه في إيجاد الحوادث متحققا معه، أو أنه متوقف على تجدد، فإن كان الأول فيلزم قدم المعلوم والقدم علته وشرطه، وإن كان الثاني فالكلام في تحديد ذلك الأمر كالكلام في الأول، وهو تسلسل، فلم يبقَ إلا أن يكون فاعلا مختارا، وليس في عالم الكون والفساد فاعل قديم مختار إلا الأفلاك والكواكب؛ ولذلك حكموا بأنها أحياء ناطقة. الفرقة الثالثة: أصحاب الأشخاص وهؤلاء زعموا أنه إذا كان لا بد من متوسط مرئي والكواكب وإن كانت مرئية إلا أنها قد تُرى في وقت دون وقت؛ لطلوعها وأفولها وظهورها وصفائها نهارا، فدعت الحاجة إلى وجود أشخاص مشاهدة نصب أعيينا، تكون لنا وسيلة إلى الهياكل التي هي وسيلة إلى الروحانيات، التي هي وسيلة إلى الله تعالى، فاتخذوا بذلك أصناما وصورا على صور الهياكل السبعة، كل صنم من جسم مشارك في طبيعته لطبيعة ذلك الكوكب، فدعوه وسألوه بما يناسب ذلك الكوكب في الوقت والمكان واللبس والتختم، بما يناسبه والتحيز المناسب له، على حسب ما يفعله أرباب الهياكل، إلا أنها هي المعبودة على الحقيقة. وهذا هو الأشبه بسبب اتخاذ الأصنام. ويحتمل أن يكون اتخاذ الأصنام بالنسبة إلى غير هذه الفرقة وتعظيمها؛ لاتخاذها قبلة لعبادتها أو لأنها على صورة بعض من كان يعتقد فيه النبوة والولاية تعظيما له، أو لأن القدماء أرباب الهياكل والأصنام وعلماءهم ركبوا فراغ طلاسم ووضعوها فيها، وأمروهم بتعظيمها؛ لتبقى محفوظة بها، وإلا فالاعتقاد الألوهية فيما اتخذوه من صور من الأخشاب والأحجار وكونه خالقا لمن صوره ومبدعا لما وجده قبل وجوده من العالم العلوي والسفلي. ومما لا يستجيزه عقل عاقل بل البداهة برده وإبطاله وإن كان وقع ذلك معتقدا لبعض الرعاع ومن لا خلاق له من العوام منه، فلا يلتفت إليه ولا معول عليه. الفرقة الرابعة: الحلولية: وقد سماها ابن بطوطة وغيره من ثقات المؤرخين بالحرنانية، وهو الأصح عندنا وزعموا أن الإله المعبود واحد، في ذاته أبدع أجرام الأفلاك وما فيها من الكواكب وجعل الكواكب مدبرة لما في العالم السفلي، فالكواكب آباء أحياء ناطقة، والعناصر أمهات، وما تؤديه الآباء للأمهات تقبلها بأرحامها فتحمل عند ذلك المواليد، وهي المركبات، والإله تعالى يظهر في الكواكب السبعة ويتشخص بأشخاصها من غير تعدد في ذاته، وقد يظهر أيضا في الأشخاص الأرضية الخيرة الفاضلة وهي ما كان من المواليد، وقد =
[ ٢٧٧ ]
والحنفاء: هم الذين اتبعوا ملة إبراهيم، وعندما يرتبط الاصطلاحان بعضهما ببعض يصبح المعنى الاصطلاحي مغايرًا لكل من الاصطلاحين على حدة، وينفرد بمعنى جديد وسوف نتتبع معالمه: فالصابئة كانوا يرون في الوسيط وجوب روحانيته؛ وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها، وقربها من رب الأرباب، وروحانية الوسيط يرون فيها أنها تتنافى مع الجسماني، فجسمانية الوسيط تجعله بشرًا مثلنا، يحتاج مثل ما نحتاج إليه من أكل وشرب ويماثلنا، في المادة، والصورة. عبر عن هذا المعنى الفكري القرآن فقال عنهم حاكيا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١.
فهم يرون: أن بشرية الوسيط تتنافى مع وساطته وعدم الجمع بينها وبين النبوة، فبشريته تحجبه عن الاتصال بالله، يبنون ذلك على أصل فكري لديهم يقول: إن أصل وجود العالم يتقدس أن يتوسط بينه وبين عالم الأرض بشر من الأرض أو النفس الإنسانية؛ لتغلبها في عالم الرذائل والشهوات وإنما يتقرب إليه وسيط من القوى الروحانية المفارقة للمادية قالوا عنها: هي آلهتنا وأربابنا ووسائلنا إلى حجتنا وبهم يتقرب إلى الله وهي المدبرة للكواكب.
ثم قالوا -من وجهة نظرهم: إن الكواكب الفلكية هي هياكل هذه الروحانيات، وإن نسبة الروحانيات إليها في التدبير لها نسبة الأنفس الإنسانية إلى أبدانها، وأن لكل روحاني هيكلا يخصه ولكل هيكل فلكا يكون فيه٢:
_________________
(١) = يتركب من صفوة العناصر دون كدرها واختص بالمزاج القابل لظهور الرب تعالى فيه؛ إما بذاته وإما بصفة من صفات ذاته على قدر استعداد مزاج ذلك الشخص، وزعموا أن الله يتعالى عن خلق الشرور والقبائح والأشياء الخسيسة الدنيئة كالحشرات الأرضية ونحوها بل هي واقعة ضرورة اتصالات الكواكب سعادة ونحوسة واجتماعات العناصر صفوة وكدرة. وزعموا أيضا أنه على رأس ستة وثلاثين ألف وسنة أربعمائة وخمس وعشرين سنة يحدث روحاني على رأس الدور الآخر وكذا إلى ما يتناهى، وأن الثواب والعقاب على أفعال الخير والشر كل دور واقع لكن في الدور الذي بعده في هذه الدار لا غيرها. من كتاب السيد عبد الرازق الحسيني: "الصابئة قديما وحديثا" أعطانا نسخة منه زميلنا الدكتور مصلح بيومي. ١ الآية ٣٤ من سورة المؤمنون. ٢ يراجع الصابئة: قديما وحديثا ص١٧ السيد عبد الرازق الحسيني تقديم أحمد زكي باشا ط ١ ١٩٢٥ المطبعة الرحمانية -مصر.
[ ٢٧٨ ]
- فهم يومنون بالله.
- ويؤمنون بالوسيط من العالم العلوي مثل: النيرات الشفافية نورها وروحانيتها، فهم يقدسونها دون العبادة.
- ينكرون: أن النبوة تجامع البشرية.
وهؤلاء هم الذين قال فيهم أبو حنيفة: إنهم ليسوا بعبدة أوثان إنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وقول أبي حنيفة: يلقى مزيدا من الفهم للوسيط حيث يجعل تعظيمهم للنجوم ليس تعظيم عبادة إنما تعظيم تقديس كما تعظم الكعبة.
لكن ابن كثير قال: اختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض لها تدبير أمر هذا العالم.
ثم قال: وهذا القول المنسوب إلى الحرانانيين الذين جاءهم إبراهيم رادًّا عليهم ومبطلا لقولهم.
قال ابن كثير: قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكر بعض العلماء: أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة، ويبدو أن ما اختاره الرازي وما حصله القرطبي متعلق بنوع معين هم الكلدانيون١.
وما قاله أبو حنيفة يصدق على أتباع "هرمس".
ويرجع تقديسهم الكواكب لما يقررونه عن "روحانية الوسيط" فلما وجدوا في النيرات ونورها شفافية الروحانيات قدسوها، كما نقدس الكعبة أو كما نقدس الرسل تقدسا دون العبادة٢.
_________________
(١) ١ يطلق على أنصار العبادات التنجيمية اسم عام وهو الكلدانيون ويشمل المذهب الكلداني مجموعة من المعارف المختلطة نوعا ما. وأولها وأهمها: كشف الغيب بواسطة النجوم، وخاصة التنبؤ على أساس تاريخ الميلاد فالكلدانيون مجرد قراء طوالع وأطلق عليهم هذا الاسم بحكم وظيفتهم لا بحكم أصلهم. ٢ قال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط "١/ ٥٣٩": وقيل: قوم يعبدون الكواكب ثم لهم قولان: أحدهما: أن الله هو خالق العالم إلا أنه أمر بتعظيم الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والتعظيم والدعاء. والثاني: أنه تعالى خالق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض. فيجب على البشر تعظيمها؛ لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم أنها تعبد الله وهذا المذهب هو المنسوب للذين جاءهم إبراهيم ﵇ رادا عليهم. البحر المحيط: "أثير الدين عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن حيان الأندلسي الغرناطي الجبائي الشهير بأبي حيان المولود في ٦٥٤ والمتوفَّى بالقاهرة ٧٤٥هـ.
[ ٢٧٩ ]
يقول الألوسي: إنهم قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم.
فهؤلاء هم الصابئة الأولى أو صابئة الحنفاء قال فيهم الألوسي: صابئة الحنفاء شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية.
منهم هلال بن محسن الصابئ صاحب الديوان الإنشائي والرسائل.
وأبو إسحاق الصابئ كان صابئا وعرض عليه عز الدولة أن يسلم فامتنع وقيل بذل له ألف دينار على أن يأكل الفول فلم يفعل؛ والصابئون يحرمون الفول والحمام.
يقول الدكتور زكي مبارك: ولكن حرصه على دينه لم يحل بينه وبين التحلي بأكرم الخصال في رعاية الإسلام، فقد كان يصوم رمضان مساعدة وموافقة للمسلمين وحسن عشرة منه لهم ويحفظ القرآن حفظا يدور على طرف لسانه وسن قلمه.
حتى إنه لما مات بكاه الشريف الرضي في قصيدته، واستكثر الناس عليه في دينه وجاهه، أن يبكي رجلا صابئا بمثل هذا الشعر الحزين ولكنه أجاب بأنه إنما بكاه لفضله١.
نأخذ على الدكتور زكي مبارك قوله: مساعدة وموافقة للمسلمين وحسن عشرة منه لهم؛ قد يكون هذا التعليل راجعا إلى حفظه للقرآن، وقد يكون حفظ القرآن راجعا إلى حرصه على الأدب لا على الدين الإسلامي، أما صومه رمضان فهذا يرجع إلى شريعة الصابئة الحنيفية.
وأما تحليه بأكرم الخصال فهم قوم يخرجون على رذائل الخصال ودناءة الطبع إلى كريم السجايا وطهارة الطوايا: راجع قول الألوسي السابق في تسميتهم صائبين، فإسحاق الصابئ فاضلا فما ظنه الدكتور زكي مبارك فيه وحمله على محمل حسن عشرة منه للإسلام والمسلمين وهو في واقع الأمر شريعة صابئية كما قدمنا، وأما بكاء الشريف عليه فإنما هو كما قال: "بكاء لفضله".
_________________
(١) ١ النثر الفني في القرن الرابع الهجري "٢: ٢٩٠" دكتور زكي مبارك.
[ ٢٨٠ ]
ونرجع فنقول: أما تسميتهم صابئة حنفاء فمرد ذلك في نظرنا إلى أنهم وافقوا الحنيفية من حيث العقيدة في التوحيد، ومن حيث الشريعة في بعض مبادئها، لذلك صح تسميتهم بحنفاء.
وفارقوا الحنيفية في إنكارهم أن يكون الوسيط "النبي" بشريًّا.
وقولهم: بوسائط الكواكب لروحانيتها ونورانيتها.
فيقول الألوسي: ولهذا لم تكن الصابئة من الأمم المستقلة التي لها كتاب ونبي، وإن كانوا من أهل دعوة الرسل فما من أمة إلا ولها نبي قد أقام حججه وقطع عنها حجتها؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وتكون حجته عليهم١.
فلكونهم من قوم إبراهيم وأخذوا ببعض دينه، وأعرضوا عن جانب منه أطلق عليهم "صابئة حنفاء" أي فيهم جانب من الفكر الصابئ، وجانب من الدين الحنفي.
فالصابئة الأولى: كان منهم الصابئة الحنفاء، بيد أننا بعد التعرض لشرح تسميتهم نضيف بعض تمايز رأيناه تمايزا مهما هو:
أن الصابئة الأولى: هي التي نشأت بعيدة عن الجزيرة العربية.
ويذكر عن بعض الباحثين:
"إن الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن سكنوا بلاد العرب ومصر قبل الإسلام، وقبل النصرانية، واليهودية، وقد انقرضوا وعفت أخبارهم فأصبح من المتعذر علينا بيان معتقدهم بالتفصيل"٢.
وصابئة الحنفاء يكونون هم الذين خرجوا من الحنفية العربية إلى تعاليم الصابئة التي وفدت إلى الجزيرة العربية واعتنقتها "سبأ الحميرية" ومن هنا أصبحت صابئية
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "٢: ٢٢٥". ٢ الصابئة: قديما وحديثا: السيد عبد الرازق الحسيني تقديم أحمد زكي باشا -ط١ المطبعة الرحمانية بمصر ١٩٢٥،
[ ٢٨١ ]
الحنفاء مذهبا عربيا له مكوناته الفكرية التي من أهمها إنكار بشرية الرسول مع بقائهم على روحانياتهم وبقايا من دين إبراهيم، كذلك يفيد واقع تسميتهم أنهم جوزوا بفكرهم العقلي: الجمع بين دينهم ومذهبم الصابئ؛ أي الأخذ ببعض مبادئ الوحي -مذهبهم الوحي- ومع بعض مبادئهم الوضعية- نحلتهم البشرية- ويذكر البيروني أنه كانت لهم أصنام وهياكل كما يذكر حكاية أن الكعبة وأصنامها كانت لهم١.
_________________
(١) ١ الآثار الباقية ص٢٠٤ للبيروني المتوفي سنة ٤٤٠هـ.
[ ٢٨٢ ]
صابئة بوداسف: أو الصابئة المشركون
التراث الهندي:
ظهر "بوداسف" بأرض الهند، وكان هنديا، وتنبأ وزعم أنه رسول الله وأنه واسطة بين الله وخلقه.
ويفيدنا التراث الهندي: أن دعوة "براهما" من الدعوات الدينية "الوضعية" التي ليس لله فيها وجود، والتي اعتبرها الباحثون الاجتماعيون نموذجا قويا على أن الأديان ليست جميعها تدعو إلى الله.
ومعتقد هذه الطائفة يصدر عن فكرة تقول: "إن أول من هبط من العالم العلوي إلى العالم السفلي "عقل سماوي" اكتسى بكسوة بشرية؛ لكي يتناسل في الأرض ويسعى في عمارها واسمه "برهما"١.
فالهنود -حسب دينهم- يعتقدون أن الله جسم، وأن الملائكة أجسام، ويرون: أن عليهم تقديس علمائهم، وحكمائهم، ورفع صورهم في معابدهم تقديسا لهم دون عبادتهم فهؤلاء -حسب دينهم- مجسمة ومشبهة.
قال المسعودي: وظلوا على هذا حتى نبههم بعض حكمائهم إلى أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية له، وأنها حية ناطقة، وأن كل ما يجري في هذا
_________________
(١) ١ مفتاح الأبواب ص١٠، د: ميرزا محمد مهدي خان رئيس الحكماء ط١٢١.
[ ٢٨٢ ]
العالم: إنما هو على قدر ما تجري به الكواكب من أمر الله، فعظموها وقربوا لها القرابين١.
ومن هنا يظهر لنا أن دعوة "بوداسف" الهندي أخذت منابعها من التراث الهندي، الحافل بألوان من الوثنية والشرك والزندقة، واتخذ "بوداسف" روافد لدعوته عبر السند، وسجستان، إلى أن بلغ فارس، وذلك في أوائل ملك "طهمورث".
ويقول المسعودي: وهو -أي بوداسف- أول من أظهر مذاهب الصابئة.
وجدد "بوداسف" عند الناس عبادة الأصنام والسجود لها، بِشُبَهٍ ذكَرَها، وقرَّب لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخدع.
فصابئة "بوداسف": صابئة مشركون، جانبوا الصابئة الأولى: في توحيدها، وإنزال الوسيط معبودا غاية، وليس وسيلة وزلفى، وفارقوا الحنيفية: في وحيها السماوي، واتبعوا وثنية "بوداسف" الهندية، ويرى المؤرخون أنها أصناف:
- صابئة النبط والفرس والروم: مفزعها السيارات.
- صابئة الهند مفزعها الثوابت.
- صابئة فزعت إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئا.
- صابئة الحرنانية.
- صابئة الفلاسفة.
- صابئة البطائح.
هؤلاء الأصناف من الصابئة يمكن ردهم إلى مسمى واحد أطلقه القرآن ويدخلون تحته هو: ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ .
وذلك عندما الوسيط في الصابئة الأولى -وكان عندهم له صفة التقديس والوسيلة- إلى غاية ومعبود، كذلك حولوا مفهوم الوسيط الروحاني:
_________________
(١) ١ مروج الذهب "١: ٤٦".
[ ٢٨٣ ]
إلى أشكال مختلفة من الصور المادية، فأدى هذا التحول إلى دراسة الفلك وتكوين علم له، فالذين نزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع درسوا بيوتها ومنازلها ومطالعها ومغاربها واتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة، مترتبة على طبائعها، وتقسيم الأيام والليالي والساعات عليها ثم تقدير الصور والأشخاص والأقاليم، والأمصار عليها.
واستطاعوا من خلال رصدهم لها: أن يعيِّنوا اليوم فـ "زحل" أو غيرهم مثلا ليوم السبت، وراعوا فيه ساعته الأولى، وتختموا بخاتمه، والمعمول على صورته، وهيئته، وصفته، ولبسوا اللباس الخاص به. وتبخروا ببخوره الخاص، ودعوا بدعوته الخاصة به، سألوا حاجاتهم منه، وترتب على هذا الاتجاه الديني نحو الكواكب أن تسرب إلى الدين نوع من الوثنية وأخلاط من الشرك، هذا من جانب، ومن جانب آخر، نتجت دراسة طيبة تكون منها علم الفلك، ثم النهاية: خلطوا الطلسمات المذكورة في كتب السحر، والكهانة، والتنجيم، والتعزيم، والخواتيم، وخلطوها كلها بعلم الفلك.
يقول ابن حجر معللا:
وكانت علومهم أحكام النجوم، مع ذلك كان السحرة منهم يستعملون سائر وجوه السحر، وينسبونها إلى فعل الكواكب؛ لئلا يبحث عنها وينكشف تمويههم١.
وهؤلاء هم الصابئة الفرس، والنبط، والروم، والهند.
_________________
(١) ١ فتح الباري "١٠: ١٨١".
[ ٢٨٤ ]
صابئة الأشخاص:
أما الصابئة الذين فزعوا إلى أشخاص، فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به إذا كان من الروحانيات، فإننا لا نستطيع رؤيته، ولا مخاطبته، وإذا أخذنا هياكلها وسائط، فإن الهياكل قد ترى في وقت، ولا ترى في آخر؛ لأن لها أفولا وطلوعا.
لذلك كان لا بد لنا من صور أشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا نعكف عليها، فاتخذوا: أصناما "أشخاصا" على مثال الهياكل السبعة وصورها
[ ٢٨٤ ]
بصورتها وراعوا في ذلك: الزمان، والمكان والساعة والدرجة الدقيقة، فإن أرادوا حاجة: تبخروا بالبخور، وتحينوا الساعة وراحوا يسألونه حاجاتهم.
فأصحاب الهياكل: هم عبدة الكواكب؛ إذ قالوا بآلهيتها.
وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان، وهذا النوع من الصابئة انتقل إلى الجزيرة العربية على يد عمرو بن لحي، وسوف نعرض له.
وصابئة الحرانية١ قالوا: "إن الصانع المعبود واحد وكثير" أما واحد: ففي الذات، والأول، والأصل، والأزل.
وأما كثير فلأنه يتكثر بالأشخاص في رأي العين وهي المدبرات السبعة.
والأشخاص الأرضية ونماذجها: الخير، والعلم، والفضيلة، فإنه يظهر بها ويتشخص بأشخاصها ولا تبطل وحدته في ذاته٢.
وواضح أن صابئة الحرانية: أخلاط: من فلسفة اليونان، وفلسفة الهند، ففيها مثل أفلاطون، وفيها: تجسيد "برهما" الديانة الهندية.
وهؤلاء هم من قال فيهم ديبور:
وقد أخذوا عن حسن نية بحكم وآراء موضوعة ترجع للعصر الإغريقي المتأخر، وربما يكون بعض هذه الحكم قد وضع بين ظهرانيهم٣.
ويذهب ابن النديم إلى أن الصابئة ليست مذهبا للحرانيين إنما هي منحولة لهم، فيقول:
_________________
(١) ١ مدينة حران ظلت مركزا دائما لثقافة اليونانية وكانت إلى جانب هذا نقطة مهمة للتبادل والاتصال، وكان جيرانهم من النصارى ينظرون شزرا إلى للحرنانيين، وكانوا يسمون مدينتهم "هلينوليس" مدينة اليونانيين؛ احتقارا لهم وتهكما عليها، وكانت الدراسات رياضية سحرية فلسفية طبية، وعند الصابئة كانت للفلك المكانة الأولى، وكانت حران مشهورة بوثنيتها في منطقة مسيحية، ووثنيتها: مزيج من الديانة البابلية والوثنية الإغريقية والأفلاطونية المحدثة. ٢ الملل والنحل "٢: ٥٣" الشهرستاني، تحقيق د: محمد بن فتح الله بدران. ٣ تاريخ الفلسفة في الإسلام ص٢٥ نقله د: محمد عبد الهادي أبو ريدة.
[ ٢٨٥ ]
قال أبو يوسف أيشع القطيعي النصراني في كتابه في الكشف عن مذاهب الحرنانيين المعروفين في عصرنا بالصابئة: إن المأمون اجتاز في آخر أيامه بديار مصر، يريد بلاد الروم للغزو، فتلقاه الناس يدعون له وفيهم جماعة من الحرنانيين، وكان زيهم -إذ ذاك- لبس الأقبية، وشعورهم طويلة بوفرات١ كوفرة قرة جد سنان بن ثابت، فأنكر المأمون زيهم، وقال لهم: من أنتم من الذمة؟
فقالوا: نحن الحرنانيون.
فقال: أنصاري أنتم؟
قالوا: لا.
قال: أمجوس أنتم؟
قالوا: لا.
قال لهم: أفلكم كتاب أو نبي؟
فجمجموا في القول.
فقال لهم: فأنتم إذن الزنادقة، عبدة الأوثان، وأصحاب الراس في أيام الرشيد والدي؟ وأنتم حلال دماؤكم لا ذمة لكم؟
فقالوا: نحن نؤدي الجزية، فقال لهم: إنما تؤخذ الجزية لمن خالف الإسلام من أهل الأديان، الذين ذكرهم الله في كتابه، ولهم كتاب، وصالحهم المسلمون عن ذلك.
فأنتم لستم هؤلاء ولا من هؤلاء فاختاروا الآن أحد أمرين:
إما أن تنتحلوا دين الإسلام، وإما دينا من الأديان التي ذكرها الله في كتابه.
وإلا قتلناكم عن آخركم؟ فإني قد أنظرتكم إلى أن أرجع من سفرتي هذه فإن أنتم دخلتم في الإسلام، أو في دين من هذه الأديان التي ذكرها الله في كتابه،
_________________
(١) ١ قال أبو حبان في البحر المحيط "١: ٢٣٩": قال قتادة والكلبي: هم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم ويجبُّون مذاكرهم ثم قال: إنه رأي غريب قرأته وذكرته ولم يتحقق لدي.
[ ٢٨٦ ]
وإلا أمرت بقتلكم واستئصال شأفتكم، ورحل المأمون يريد بلاد الروم فغيروا زيهم وحلقوا شعورهم وتركوا لبس الأقبية، وقد قصر كثير منهم شعورهم ولبسوا زنانير، وأسلم منهم طائفة وبقى منهم شرذمة بحالهم، وجعلوا يحتالون ويضطربون حتى انتدب لهم شيخ من أهل حران فقيه، فقال لهم: قد وجدت لكم شيئا تنجون به وتسلمون من القتل، فحملوا إليه مالا عظيما من بيت مالهم أحدثوه منذ أيام الرشيد إلى هذه الغاية وأعدوه للنوائب.
فقال لهم: إذا رجع المأمون من سفره فقولوا له: نحن الصابئون فهذا اسم دين قد ذكره الله جل اسمه في القرآن فانتحلوه فأنتم تنجون به، واتفق أن المأمون توفي في سفرته تلك عام ١٢٨هـ.
انتحلوا هذا الاسم منذ ذلك الوقت؛ لأنه لم يكن بحران ونواحيها قوم يسمون بالصابئة، فلما اتصل بهم وفاة المأمون: ارتد كثير ممن كان تنصر منهم ورجع إلى الحرنانية، وطولوا شعورهم حسب ما كانوا عليه قبل مرور المأمون بهم على أنهم صابئون، ومنعهم المسلمون من لبس الأقبية، ومن أسلم منهم لم يمكنه الارتداد خوفا من أن يقتل، فأقاموا متسترين بالإسلام فكانوا يتزوجون بنساء حرنانيات ويجعلون الولد الذكر مسلمًا والأنثى حرانية وهذه كانت سبيل كل أهل "ترعوز" و"سلمسين" القريتين المشهورتين العظيمتين بالقرب من حران إلى نحو عشرين سنة هجرية.
فإن الشيخين المعروفين: بأبي زرارة، وأبي عروبة علماء أهل حران بالفقه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر مشايخ أهل حران وفقهائهم احتسبوا عليهم ومنعوهم من أن يتزوجوا بنساء حرنيات أعنى صابئات، وقالوا: لا يحل للمسلمين نكاحهم؛ لأنهن لسن من أهل الكتاب.
وبحران أيضا منازل كثيرة إلى هذه الغاية بعض أهلها حرانية ممن كان أقام على دينه في أيام المأمون وبعضهم مسلمون وبعضهم نصارى ممن كان دخل في الإسلام وتنصر في ذلك الوقت مثل: قوم يقال لهم: بنو أيلوط، وبنو قبطران وغيرهم مشهورين بحران١.
_________________
(١) ١ الفهرست لابن النديم ص٤٤٥، ٤٤٦.
[ ٢٨٧ ]
فما ذكره ابن النديم المتوفى ٣٧٨هـ يفيد من ظاهر نصه أن نحلة الصابئة انتحلت لهم في عصر المأمون وهو قابل للطعن وغير قابل للرفض.
أما قابليته للطعن: فإن ما ذكره الشهرستاني عند الحرنانيين "بأنهم جماعة من الصابئة"١ هذه العبارة تتيح مجالا للطعن فيما قاله ابن النديم فضلا عن كتب التاريخ الفكري التي تجعل حران مركزا مهما للتبادل الثقافي في تلك المنطقة، وتجعل أهلها وثنيين يعبدون الكواكب مما دفعهم إلى ملاحظة السماء والتعمق في الدراسات الفلكية، وهذه الدراسات لها عند الصابئة مكانتها الأولى العلمية والتقديسية، ومما يضاف إلى الطعون السابقة قول الألوسي: وهؤلاء أي الصابئة كانوا قوم إبراهيم وهم أهل دعوته وكانوا بحران٢.
ونرى أنفسنا أمام روايات متعددة تسند لحران مذهب الصابئة حينا وتجعلها مركزها القديم سوى نص ابن النديم الذي يقرر أن الصابئة منحولة للحرنانيين.
لذلك قلنا إن النص قابل للطعن وتيار الطعن قوي.
فالشهرستاني: يجعل الحرنانيين جماعة من الصابئة.
والألوسي: يقول إن الحرنانيين أصل الصابئة.
والمسعودي ينسب إلى بوداسف أول من أظهر آراء الصابئة من الحرنانيين والكيماريين وهذا النوع من الصابئة مباين للحرنانيين في نحلتهم.
هذه أقوال يمكن أن تتيح مجالا للطعن في رواية دون أخرى.
فإذا اعتبرنا قول ابن النديم منصرفا إلى هذه الجماعة بذاتها؛ فإنا نصدم بتعقيب داخل النص نفسه يقول: "وانتحلوا هذا الاسم منذ ذلك الوقت؛ لأنه لم يكن بحران ونواحيها قوم يسمون بالصابئة" فنص ابن النديم هو رواية عن كتاب ذكره على أنه حكاية في أمرهم من غير استقصاء تاريخي وعلى ذلك قد نقبلها ونصرفها إلى هذه
_________________
(١) ١ الملل والنحل ٢ بلوغ الأرب "٢: ٢٢٤" ويذكر أحمد أمين رواية ابن النديم ويأخذ بها فيقول: وهم الذين تسموا بعد ذلك في عصر المأمون وبعده بالصابئين وكان منهم كثيرون من المؤلفين ومن تولوا الترجمة: فجر الإسلام "١: ١٣٠".
[ ٢٨٨ ]
الجماعة بذاتها وأنها غير صابئة، ونرفض ما فيها من تعليقات، ولا سيما أن ابن النديم نقلها من غير تعليق وأسندها إلى غيره، وبذلك تتعاون النصوص على إثبات الصابئة للحرانيين.
وسواء قوى شيئا نص ابن النديم أو ضعف أمام نسبة الصابئة إلى حران فإن هناك شيئا جوهريا ينبغي التعقيب عليه وهو أن الصابئة المذكورة في القرآن ليست هي صابئة حران١.
_________________
(١) ١ يقول السيد عبد الرازق الحسيني في كتابه: الصابئة قديما وحديثا ص٢١: من المتعذر جدا أن يوفق الباحث إلى معرفة ما بين هذه الفرق من الرابطة؛ فقد ذكر القرآن قسما من الصابئة وفسرها المفسرون بعد أن نسبوا لها أصولا تختلف كثيرا عن الصابئة الحرانية، كما أن هذين القسمين من الصابئة يختلفان كثيرا عن صابئة البطائح المبثوثين الآن في مدن العراق النهرية. والحق أن كل فرقة من هذه الفرق تختلف في أصول معتقداتها عن الأخرى اختلافا واسعا فقد سكن الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن بلاد العرب ومصر قبل الإسلام وقبل النصرانية واليهودية وقد انقرضوا وعفت أخبارهم، فأصبح من المتعذر علينا بيان متعقدهم بالتفصيل.
[ ٢٨٩ ]
صابئة الهند:
صابئة الهند منزعها الثوابت من حيث إنهم رابطوا عبادتهم بزحل وزحل من شأنه البقاء والثبوت وهم الذين قالوا بالتناسخ والحلول.
١- التناسخ: يعني لديهم أن تتكرر الأدوار والأطوار إلى ما لا نهاية ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول.
وأن الثواب والعقاب سيحدث في هذه الدار لا في دار أخرى لا عمل فيها.
٢- الحلول: يعني لديهم أن الشخص ربما يحدث ذلك منه بحلول ذاته وربما يكون بحلول جزء من ذاته على قدر استعداد المزاج الشخصي.
والهياكل تحل فيه، فينطق بلسانها ويبصر بعينها ويسمع بآذانها ويقبض بيدها ويبسط بها١، وفي هذا يقول مجاهد: هم قوم لا دين لهم ليسوا بيهود ولا نصارى.
_________________
(١) ١ الملل والنحل "٢: ٥٠١" تحقيق د/ محمد بن فتح الله بدران.
[ ٢٨٩ ]
صابئة الفلاسفة:
وهم الذين ابتدعوا عبادة الكواكب وأبراجها، وقد وصفهم المسعودي بقوله: "ألا إنهم من حشوية الفلاسفة" ويقول: إنما أضفناهم إلى الفلاسفة إضافة سبب لا إضافة حكمة.
ويقول الألوسي: والفلاسفة يأخذون بزعمهم بمحاسن ما دلت عليه العقول، وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم، وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه، وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك١.
ويبدو أن فلاسفتهم اتصلوا باليونان وكان بينهم وبين اليونانيين محاولات مما يسوغ إطلاق كلمة فلاسفة" على حكمائهم، ومما ينسبه ابن النديم للكندي أن له "رسالة فيما جرى بين سقراط والحرنانيين"، وبذا لا يجانبنا الصواب إن اعتبرنا أن لهم فلاسفة، ففلاسفة بمعناها اليوناني على خلاف ما يرى المسعودي.
ويقول الألوسي: فهؤلاء الصابئة كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم.
الأول: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه من إله.
والثاني: الإيمان برسله وما جاءوا به من عند الله تصديقا وإقرارا وانقيادا وامتثالا.
وليس هذا مختصا بمشركي الصابئة كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات، بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم، ولكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات٢.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه "٢: ٢٢٦" جـ٢. ٢ لابن تيمية بعض إطلاقات خاصة بالصابئة غير دقيقة مثل؛ قوله وهكذا تكون مناظرة الصابئة الفلاسفة والمشركين ونحوهم، وقوله: الصابئ الفيلسوف، وقوله: وهو الغالب على الصابئة المبدلين مثل أرسطو وأتباعه. ثم يقول: وعربت طائفة من كتب الأعاجم من المجوس والفرس والصابئين الروم، والمشركين الهند يراجع: الفتاوى جـ١، ص٦٥، ٧٧، ١٢٠، ٢٩٧ وجـ٤ ص١١٣، ١١٥
[ ٢٩٠ ]
والمعتمد عند علماء الإسلام أنهم ليسوا أهل كتاب ولا نبي أي هؤلاء الفلاسفة الصابئة:
[ ٢٩١ ]
صابئة أهل الكتاب:
أ- صابئة اليهود:
وهم نوعان:
النوع الأول: هم الذين اتبعوا المسيح من اليهود فهم في عرف اليهود صابئة.
النوع الثاني: وهم الذين وافقوا أبوللونيوس عندما أعلن الوثنية في معبدهم ووضع تمثالا لهيكل إغريقي.
ب- صابئة مسيحيون:
وهم الذين اتبعوا القديس يوحنا المعمدان في شعيرة التعميد "وهؤلاء هم المنديون" ولا يزال قوم منهم يسكنون إلى الآن الأغوار المحاذية لمصب الفرات١.
لهذه الأصناف الكتابية يمكن أن تحمل عليها ما نذكره من آثار:
- قال ابن أبي نجيح: قوم تركب دينهم من اليهودية والمجوسية لا تؤكل ذبائحهم.
- قال ابن عباس: هم قوم من اليهود والنصارى لا تحل مناكحتهم ولا تؤكل ذبائحهم.
- وقال أبو العالية: قوم من أهل الكتاب ذبائحهم كذبائح أهل الكتاب يقرءون الزبور ويخالفونهم في بقية أفعالهم.
- وقال الخليئ: هم أشباه النصارى قبلتهم مهب الجنوب ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة٢.
_________________
(١) ١ تاريخ سورية "٢: ٩٨". ٢ تفسير البحر المحيط لأبي حيان "١: ٢٣٩".
[ ٢٩١ ]
صابئة البطائح:
"يعيش بين ظهرانينا في العراق قسم من الناس لهم تقاليدهم، وعاداتهم ولغتهم، ويكادون يكونون ممتازين في كل مظاهر حياتهم حتى بأشكالهم وسحنة وجوههم، ويطلق عليهم اسم "الصابئة" وقد يكون هؤلاء هم الصابئة الأصليون وقد
[ ٢٩١ ]
لا يكونون، إلا أن الشيء المحقق هو أن قسما كبيرا من عبادة الصابئة من القدماء وطقوس دينهم، بارزة بين معتقدات هؤلاء القوم وطقوسهم، فعبادة النجوم واستقبال نجم القطب وتأليه الكواكب وغير ذلك من أصول الدين الصابئ مما يتدين به هذا المجموع المتميز.
وقد يتعرف الباحث من اللغة التي يتكلم بها هؤلاء ومن إسبالهم شعور لحاهم ورءوسهم، أنهم شعب غريب نزح إلى هذه البلاد واستوطنها واحتفظ بما له من تقاليد وعادات والتزم بالسكنى على ضفاف الأنهر، وبقرب المياه الجارية؛ نظرا لما يقيمه من الطقوس التي لا تتم إلا بالارتماء في الماء الجاري، لذا عرف هذا القسم من الناس بصابئة البطائح نسبة إلى بطائح العراق المشهور.
فإما أن يكون هذا الشعب قد انحدر من الصابئة الحرنانية أو أنه من بقية الصابئة الأقدمين، وهذا أمر مشكوك فيه وموكول إلى فحص التاريخ الدقيق.
ونظن أن أحسن رواية -وقد تكون أقربها إلى الحقيقة- هي التي أثبتها هنري يونيون في كتابه الفرنسي الموسوم بـ "الفرقة المندائية" المطبوع في عام ١٨٩٨، فقد جاء في ص٢٢٤ منه تحت عنوان "الفرق الدستئاية" وهي المندائية التي اشتهر بها الصابئة الحاليون ما مضمونه: أن صاحبها "أي صاحب هذه الفرقة" كان متسولا وقد جاء من بلاد ما بين الزابين إلى ميسان "أي جنوب العراق"؛ للتسول، وكان مسيحيا اسمه "دبدا" واسم أمه "أم كشطا"، ثم توطن ضفاف نهر قارون وأسس ديانة جديدة وعقائد مأخوذ معظمها من فرق المرقيونيين والمانويين والكنتيين وغيرها من الفرق الصابئة، ثم توسعت هذه الطائفة على مر السنين وسموا بالصابئة المغتسلة؛ لأن جميع طقوسهم الدينية لا تتم إلا بالاغتسال في الماء الجاري اهـ، والذي يؤسفنا كثيرا ويجعل تاريخ الصابئة مفصولا وغير مرتبط الحلقات، خلو هذا التلخيص من الزمن الذي يعين قدوم "دبدا" إلى جنوبي العراق "ميسان" الأمر الذي يوقفنا على تاريخ منشأ صابئة البطائح والصلة بينم وبين الصابئة الحرنانية. ومع ذلك لا يخلو من فائدة تاريخية تكشف لنا عن تاريخ غامض من تاريخ الصابئة١.
_________________
(١) ١ يراجع الصابئة قديما وحديثا ص٢٥، ٢٦.
[ ٢٩٢ ]
حول نسبة مذاهب الصابئة:
هرمس وعاذيمون:
نسب الشهرستاني مذهب الصابئة الأولى إلى هرمس قائلا:
قالت الحنفاء: بم عرفتم -معاشر الصابئة وجود هذه الروحانيات؟ والحس ما دلكم عليه، والدليل ما أرشدكم إليه؟
وقالوا -أي الصابئة: عرفنا وجودها وتعرفنا أحوالها من: "غاذيمون" و"هرمس" و"شيص" و"إدريس" ﵉.
هذا النص يعطي الباحث ارتياحا نفسيا لما يفيده ويكشفه عن واضع هذا المذهب، ولكن عندما يأتي الباحث على آخر المحاورة التي عقدها الشهرستاني بين الحنفاء والصابئة يرى نصا يقول فيه الشهرستاني: وكان في الخاطر بعض زوايا: نريد نمليها، وفي القلم خفايا أكاد أخفيها، فعدلت عنها إلى ذكر "حكم هرمس العظيم" لا على أنه من جملة فرق الصابئة حاشاه، بل على أن حكمه مما يدل على تقرير مذهب الحنفاء في إثبات الكمال في الأشخاص البشرية وإيجاد القول باتباع النواميس الإلهية على خلاف مذاهب الصابئة.
يفيد النص استبعاد "هرمس" أن يكون واضعا لمذهب الصابئة وحاشاه كما يقول: الشهرتاني، فوقع في النفس سؤالان:
من هرمس العظيم؟
ومن يكون إذا واضع مذهب الصابئة إذا لم يكن هو واضعه؟
فانتقلنا معه في كتابه؛ لنعرف من هرمس العظيم ونتعرف على سر عظمته فألفيناه يقول: عندما أراد أن يحقق شخصية "هرمس" وشخصية "عاذيمون": يقال: أن عاذيمون، وهرمس، هما: شيت، وإدريس ﵉.
وأسند الشهرستاني لعاذيمون وضع المبادئ الأولى وهي خمسة١.
_________________
(١) ١ يقول ابن تيمية: مذهب اليونانيين يقول إن القدماء خمسة: الرب. النفس. المادة. الدهر. الفضاء. الفتاوى "١: ٦٥" فتفصيل الخمسة فيه خلاف بين ابن تيمية والشهرستاني.
[ ٢٩٣ ]
الباري، والعقل، والنفس، والمكان، والخلاء، وبعدها وجود المركبات ولم ينقل هذا عن "هرمس".
ثم أسند أيضًا لهرمس طائفة من الحكم وهو -في نظر الشهرستاني- الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيارة ورتبها في بيوتها وأثبت لها الشرف، والوبال، والأوج والحضيض، والمناظر: بالتثليث والتسديس، والتربيع، والمقابلة، والمقارنة، والمراجع، والاستقامة، ويبين: تعديل الكواكب وتقويمها، وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات فغير مبرهن عليها عند الجميع.
وللهند والعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوها من خواص الكواكب لا من طبائعها ورتبوها على الثوابت لا على السيارات.
فهرمس عند الشهرستاني غير واضح في تاريخه وفي نسبه وفي موطنه وكل ما يعرفه به قول جاء على صيغة المجهول لا يلتمس من ورائه شيء سوى الدفع إلى مزيد من البحث يقول فيه: يقال هو إدريس النبي ﵇، فالعبارة فيها احتياطها العلمي للمتشكك في أمره أو الذي يحاول على وجه من التاريخ إثباته.
وأورد الشهرتاني نصا يفيد: أنه عايش الصابئة وحمل معهم مسئولية فكرهم وهو قوله: "انظروا -معاشرة الصابئة- كيف عظم الرسالة حتى قرن طلعة الرسول -الذي عبر بالناموس- بمعرفة الله تعالى".
على أي حال فإن الشهرستاني لم يتحقق شخصية هرمس لا لنفسه ولا للتاريخ وإن كان أسبغ عليه لقب العظيم، وربما كان منه؛ لكي يخفي قلقه من عدم معرفته وأن ما ذكره عنه من حكمة يبدو عليها التكلف، وطابع تأليف الشهرستاني.
وأما قوله: يقال هو إدريس النبي.
فإن المقارنات الحقيقية بين نصوص الشهرستاني فقط لَتستبعد هذا القول، وربما كان هذا هو ما جعل الشهرستاني يقف عند قوله "يقال" مرتين دون تعيب مريح أو غير مريح، ونأخذ على الشهرستاني عبارات تجعل هرمس في مدة تاريخية بعد الحنفاء منها: "أن حكمه تدل على تقرير مذهب الحنفاء" فلو كان هرمس معايشا
[ ٢٩٤ ]
للحنفاء لكانت حكمه مؤسسة لمذهبهم أو واضعة له، فوصف حكمه بأنها مقررة لمذهب الحنفاء فيها ما يفيد بأنه وجد في فترة تالية لهم.
وعبارة هو إدريس، تفيد أنه مقدم على نوح أو هو جده، والحنفاء يرجع نسبتها إلى إبراهيم.
وصاحب كتاب فقر الحكماء ونوادر القدماء والعلماء١: اختار مجموعة من الفلاسفة، وذكر عنهم بعضا من حكمهم، ونوادرهم، وذكر من بينهم: "هرمس الفيلسوف"، فذكر حكمه ونوادره دون ذكر شيء عنه، وعند مطالعتنا تلك الحكم تبينا منها أنها هي الأخرى مجموعة تأليفات أخذت من حكم "لقمان" في القرآن، يقول الدكتور: عبد الرحمن بدوى: ويلوح أن المؤلف كان أديبا في غالب أمره ولم يكن من المشتغلين بالفلسفة أو علوم الأوائل إلا على سبيل الثقافة العامة. وقبل ذلك قال: على أن نقد المصدر لا يستطيع أيضا أن يعتمد على النقد الباطن لمضمون الكتاب وإنما تهجم المشاكل حين يتعرض الباحث لما فيه:
وأولها مشكلة الأسماء التي نسب إليها حكما ناردة فبعضها لا نعرف بالدقة من هم؟ وهذا ينطبق على: زيمون الشاعر، وأرطيبوس، وزيموس.
وعند مراجعتنا ابن النديم وجدناه يقول: قد اختلف في أمره.
فقيل: إنه كان أحد السبعة السدنة الذين رتبوا لحفظ البيوت السبعة.
وقيل: إنه كان إليه بيت عطارد وباسمه يسمى، فإن عطارد باللغة الكلدانية "هرمس".
وقيل: إنه انتقل إلى أرض مصر لأسباب وأنه ملكها وكان له أولاد عدة منهم: طاطا وصا، وأشمن، وأثريب، وقفط، وأه كان حكيم زمانه ولما توفي دفن في البناء
_________________
(١) ١ هذا الكتاب نشر للدكتور عبد الرحمن بدوي ضمن رسائل فلسفية للكندي والفارابي وابن ماجه وابن عدي من منشورات الجامعة الليبية - بنغازي جـ١ ١٩٧٣ ص٢٧٧. يراجع الفهرست لابن النديم ص٥٦ ذكر فيها كتبه وعددها ثلاثة عشر كتابا أو رسالة، وفي صفحة ٤٩٧ ذكر أسماء الفلاسفة الذين تكلموا في الصنعة.
[ ٢٩٥ ]
الذي يعرف بمدينة مصر بأبي هرمس، ويعرفه العامة بالهرمين، فإن أحدهما: قبره والآخر قبر زوجته، وقيل: قبر ابنه، الذي خلفه بعد موته، وذكر لهرمس كتبا منها:
كتب في النجوم، والنيرنجات، والروحانيات، وكتاب قيلادس، تلميذ هرمس في رأي هرمس، وعده ابن النديم من بين أسماء الفلاسفة الذين تكلموا في الصنعة، فقال: وهم: هرمس وأغاذيمون.
والآراء والأقوال التي ذكرها ابن النديم نراها لا تذكر ما رواه الشهرستاني بأنه قيل إدريس، فإذا أضفنا ما قاله الشهرستاني وهو، لم يذكره ابن النديم فإنه يعتبر قولا رابعا؛ لأنه لا يلتقي مع ما ذكره ابن النديم.
وينبغي أن يذكر أن ابن النديم ذكر أقوالا هي في مجموعها لها علاقة باسم "هرمس"، ومن جانب آخر أن ابن النديم يجزم أنه اسم لشخص وذكر مؤلفاته وأبناءه، فالمؤلفات العربية ترى في هرمس إنسانا له دوره التاريخي.
ونحن في سبيل التحقيق رجعنا إلى معجم اللغة الفارسية، واستعرضنا المادة فوجدناها تطلق على الآتي: هرماس: شيطان وأهريمن.
وهرمز: اسم كوكب المشتري، واليوم الأول من كل شهر شمسي.
واسم يوم الخميس ورب النوع لدى الزرادشتيين.
وتلفظ: أرمزد. وأورمز. أهرامزادا.
- وهرمس. وهرمزه: عطارد ورب النوع إله المصريين١.
قواميس اللغة الفارسية لم تذكر أن أطلق على شخص ما لكن كل ما ذكرته أنه اسم لإله الكواكب أي يحمل معنى من معاني المقدسات.
يذكر إميل برييه عن كرنوس في كتابه نصًّا يقول فيه:
_________________
(١) ١ يراجع المعجم الذهبي فارسي -عربي للدكتور محد التونجي فرهنك طلائي ص٦٠٢ دار العلم للملايين. بيروت.
[ ٢٩٦ ]
إن هرمس: "هو اللغوس الذي أرسلته الآلهة من السماء نحونا"، ثم يقول: كلمة هرمس ترجع إلى أن اللغوس هو وسيلة دفاعنا وأنه كقلعة لنا، ثم يقول: وهرمس هو رئيس النعم.
واللغوس: عن فيلون: هو رسول الآلهة.
وهرمس: قائد الأرواح.
وهرمس ولد عند زوس.
فاتحد زوس ومليا "ابنه اطفلس ومعه عطارد" هذا الاتحاد كان منه هرمس.
فهرمس غير واضح أنه إنسان لا من جهة التاريخ ولا النسب ولا الموطن والمصادر التي تكلمت عنه يناقض بعضها بعضًا فضلًا على ضعف روايتها الكائن فيها.
ويترتب على ذلك ضرورة السؤال الثاني وهو: لمن ينتسب مذهب الصابئة؟ على فرض عدم نسبتها "لهرمس"، وهذا ما ذكره الشهرستاني ضمنًا في محاورة الحنفاء للصابئة عندما نفاها عنه، مع أنه نفسه لا يعرف من "هرمس" حين تكلم عنه في كتابه الذي خصصه لمثل تلك البحوث التاريخية الدينية وهو الملل والنحل، وصنعته فيه تحقيق التاريخ الديني، وسوف يظل السؤال: لمن تنتسب الصابئة؟
أما ابن النديم وهو الذي توسع في الحديث عنه توسعا يغلب عليه الإحاطة فإننا نراه خدم منهجه -وهو جمع المعلومات عن المؤلف ومؤلفاته- من حديث كونه وراقا، ليس مطلوبا منه أكثر مما قدم وهو فهرسته.
ومن العناصر التاريخية -من خلال ما ذكر- ما يؤكد أن هناك ارتباطا بين هرمس وعناصر مقدسة، ويطعن في نحله الاسم لشخص.
يقول الدكتور: أبو العلا عفيفي:
من بين الوثائق اليونانية الهامة: مجموعة من المقالات الفلسفية الدينية كتبها متأخرو العصر اليوناني بالإسكندرية فيما بين القرنين الأول والثالث المسيحيين على وجه التقريب وتعرف هذه المجموعة باسم الكتابات الهرمسية نسبة إلى هرميس الإله
[ ٢٩٧ ]
اليوناني المصري١ المعروف باسم: هرميس المثلث الحكمة أو "المثلث العظمة"٢، وقد كان لهذه الكتابات أثر بالغ في تشكيل الحياة الروحية المسيحية وتشكيل العقلية الإسلامية الفلسفية والصوفية، وهذه الكتابات الهرمسية هي الحلقة المفقودة في تاريخ التراث اليوناني والفلسفة الإسلامية.
ثم يقول: لا عبرة بما ذهب إليه المؤرخون القدماء وتابعهم في القول به مؤرخو العرب من أن الكتابات الهرميسية منسوبة حقًّا إلى هرميس المثلث الحكمة الذي عاش في زمن موسى أو قبله، وأنه كان مصدر علوم اللاهوت والأسرار التي اختص بها كهنة مصر منذ عصور سحيقة، فقد أظهر التحليل التاريخي النقدي بطلان هذه الأسطورة منذ أواخر القرن السادس عشر، وبرهن على أن هذه المقالات صدرت عن أقلام كتاب عديدين لا كاتب واحد، وأن الفلسفة اليونانية، الأفلاطونية والفيثاغورية -بوجه خاص- كانت أصلا لها ومصدرا على عكس ما كان يعتقد من أن فلسفة هرميس كانت الأصل الذي استقى منه الفيلسوفان اليونانيان فلسفتهما.
ويختلف شرح هذه الرسائل باختلاف كتابها، فأحيانا ترى الحديث يدور بين هرميس وابنه طاط، أو بينه وبين إله الطب أسقليبوس، أو بينه وبين الملك آمون، وأحيانا يصور هرميس بصورة التلميذ الذي يتلقى الوحي أو عن الإله بويمدذريس كما هو الحال في الرسالة الأولى أو عن الإله أغاثا ذيمون.
وتدل الشواهد التاريخية على أن كتابات هرميس قد وصلت إلى المسلمين لا عن طريق الإسكندرية التي هي منبعها الأصلي، بل عن طريق "حران" التي ورثت ثقافة الإسكندرية وحافظت عليها قرونا عديدة قبل الإسلام وبعده. ولكننا لا ندري
_________________
(١) ١ الآراء الدينية والفلسفية "نيلون الإسكندري" تأليف الأستاذ إميل بريبهو ترجمة الدكتورين محمد يوسف موسى، وعبد الحليم النجار ص١٥٣. ٢ بينما ثورة اليهود محتدمة بينهم وبين السطلات الرومانية تكتب "يودايمونيس" إلى ابنها أبوللينوس في ٣٠ يونيو من عام ١١٦ مؤكدة له أنه بمشيئة الإله وخاصة هرميس "إله هرموبولس" الذي لا يقهر.. لعله هو الذي لا يقهر.. ص١٩٥. يراجع مصر والإمبراطورية الرومانية في ضوء الأوراق البردية د. عبد اللطيف أحمد علي.
[ ٢٩٨ ]
على وجه التحقيق كيف بدأ وصول هذه الكتابات إلى حران ولا في أي زمن بدأ ولا الرجال الذين تم على أيديهم نقل هذه الثقافة.
ويحدثنا التاريخ أيضا: أن جماعة الحرنانيين الذين كانوا يعرفون باسم الصابئة.
قد اتخذوا فلسفة هرمس: دينًا لهم، واعتبروا هرميس وأغاثا ذيمون وغيرهما من الحكماء الذين وردت أسماؤهم في الرسائل الهرميسية أنبياءهم، كما اعتبروا هذه الرسائل: كتابهم المقدس، وأن وثنيي حران عندما أمنوا جانب المسلمين ونال بعضهم الحظوة عند خلفاء بني العباس تدفق سيلهم على بغداد وأسسوا المدرسة الأفلاطونية الحديثة أشبه بالمدرسة الأفلاطونية الحديث التي كانت قائمة في أثينا حتى أغلقها الإمبراطور جوستنيان حوالي سنة ٣٥٠م غير أن مدرسة بغداد الحرانية جعلت من أول أغراضها نشر تعاليم هرميس وإذاعتها بينما أغفلت أختها الأثينية هذه التعاليم وأهملتها١.
منذ ذلك الوقت اشتهر اسم هرميس في الأوساط الإسلامية وقد استحدث عنه وعن عجائب حكمته وعلمه، وظل موضع إجلال المسلمين واحترامهم حتى نهاية القرن السادس الهجري، ورفعه المسلمون لا إلى مصاف الآلهة كما فعل اليونان والمصريون بل إلى مصاف الأنبياء مما يثبت قطعا أن الفلسفة الهرميسية لم تصل إلى المسلمين في صورتها اليونانية الخالصة بل وصلتهم بعد أن امتزجت ببعض الأفكار والعقائد الإسرائيلية، ومما يثبت تأثر الفلسفة الهرميسية التي وصلت المسلمين بالأفكار اليهودية أن الهرامسة تعددوا عندهم وأصبحوا ثلاثة:
الأول: هرميس الهرامسة الذي قالوا عنه: أنه إدريس النبي أو أخنوخ، وقد ذكروا: أنه ولد بمنف، وعاش قبل الطوفان، وعنه ظهرت كل العلوم التي عرفها الإنسان في ذلك العهد.
الثاني: هرميس البابلي، الذي اعتبروه من تلاميذ فيثاغورس، وقد ذكروا أنه عاش بعد الطوفان، وأنه كان عالما بالطب والفلسفة وطبائع الأعداد والكيمياء. ونسبوا
_________________
(١) ١ الأثر الفلسفي الإسكندري في قصة حي بن يقظان: أبو العلا عفيفي لجنة التأليف والترجمة والنشر، بحث من مجلة كلية الآداب بجامعة فاروق الأول. الإسكندرية المجلد الثاني ١٩٤٤.
[ ٢٩٩ ]
إليه كثيرا من الروحانيات والطلسمات بل قالوا إنه انتقل إلى مصر وحكمها وكان له أولاد منهم طاط وأشمن وقفط وغيرهم.
الثالث: هرميس المثلث الحكمة: قالوا سمي كذلك؛ لأنه ثالث الهرامسة الحكماء، ومثلث العظمة.
وليس من شك في أن هرميس الأول من نسج الخيال اليهودى، وأن هرميس الثاني اسم اخترعه العرب لمؤلف المقالات الهرميسية التي تدور حول علوم الأسرار من السحر والطلسمة والكيمياء وما إليها.
أما هرمس الثالث: المثلث الحكمة فلم يعرفه العرب بالاسم فقط بل عرفوا الرسائل المنسوبة إليه، يقول القفطي في تاريخه: ونقلت من صحف هرمس المثلث الحكمة نبذا من مقالته إلى تلميذه طاطي على سبيل سؤال وجواب بينهما وهى على غير نظام ووِلاء؛ لأن الأصل كان باليا مفرقا، وهناك كتاب كثيرون غير القفطي يشيرون إلى رسائل هرميس ووجودها في أصل عربي، أو ترجمة سريانية وإلى اقتباسهم منها مما لا يدع مجالا للشك في أن العرب عرفوا هذه الرسائل في صورتها الأصلية. ويرد على ذلك أن كتبا عربية وضعت برمتها ملخصة الفلسفة الهرميسية مما يساعد كثيرا على ذيوع هذه الفلسفة وشيوعها بين المسلمين، من هذه الكتب: كتابان أشار إليهما العلامة الأستاذ "سانتلانا" في محاضراته في الفسلفة الإسلامية بالجامعة المصرية القديمة وهما:
- "كتاب "سر الخليقة" المنسوب لبليتوس "وهو ابن لونيوسالطيانى من أهل طيانة" الفيثاغوري من حكماء القرن الأول المسيحي.
وهذا الكتاب مخطوط بمكتبة باريس وهو يحمل طابعا هرميسيا لا يشك فيه الأستاذ سانتلانا.
- الثاني: رسالة "هرميس المثلث الحكمة في معاتبة النفس أو معازلة أو زجر النفس".
[ ٣٠٠ ]
وقد تعرف أيضا باسم "رسالة المعانى"، وتنسب خطأ إلى سقراط وأحيانا إلى أفلاطون أو أرسطو.
وقد طبع الأبواب السبعة الأولى منها الأستاذ "فلايشر" سنة ١٨٧٠ وطبع الباقي منها الأستاذ "باردنهافر" سنة ١٨٧٣.
ونشر الرسالة بِرُمَّتها في العصر الحديث الراهب الخوري "فليمون" الكاتب أحد رهبان دير المخلص سنة ١٩٠٣ ببيروت١.
من كل هذا يتبين إلى أي حد انتشرت تعاليم هرميس في الشرق القديم قبل الإسلام وبعده.
_________________
(١) ١ اعتمدنا في الكتابة الخاصة عن هرمس بصفة مؤكدة على البحث السابق، دكتور أبو العلا عفيفي.
[ ٣٠١ ]
بوداسف:
ذكر المسعودي صاحب كتاب "مروج الذهب": أن الذي جدد مذاهب الصابئة "بوداسف" الذي وفد من الهند إلى فارس في حكم طهمورث من ملوك الفرس الأولى، وما ذكره المسعودي لم نره لغيره.
وقد رأيت أن أتتبع تاريخه في المعاجم الفارسية ولا سيما بعد ما انتهينا من البحث عن تاريخ "هرمس" الذي ذكره الشهرستاني في المحاورة التي وقعت بين الحنفاء والصابئين، ورأينا ما وصل إليه البحث من نتائج.
ولما تتبعته في المعاجم الفارسية لم أعثر له على ذكر فيها غير أنه غلب على ظني أن "بوداسف" الذي أورده المسعودي على أنه المحدث لمذاهب الصابئة ولا سيما أنه نشأ في الهند -كما ذكر أيضا- هو "بوذا" واضع الديانة البوذية.
و"بوذا" "ينطق بالفارسية" بوذا، ويبدو أن المسعودى وهو الذي انفرد بذكره، نقله محرفا، أو نقله ترجمة عن الفارسية، بتلك الزيادة من بعض الرسائل القديمة.
وإذا كان "بوداسف" هو بوذا، فهناك علاقة بين ما ذكره المسعودي -وتعاليم "بوذا"؟
يقول الدكتور محمد غلاب:
[ ٣٠١ ]
ليس عندنا من المصادر عن الديانة الفارسية السابقة على "زرادشت" القدر الكافى لإعطائنا عنها صورة واضحة تمكننا من تحليلها على الطريقة العلمية القيمة.
ولكن ما نعرفه في هذا الصدد: هو أن نقوشًا أثرية، يرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل المسيح وجدت في الشمال الغربي من بلاد فارس، ووجدت فيها أسماء آلهة هندية وهى:
- ميتهرا.
- أدرا.
- فارنا.
ولما كان من غير الممكن أن تصل هذه الآلهة الهندية إلى ذلك المكان دون أن تخترق البلاد الفارسية استنتج بعض الباحثين -ونخص منهم بالذكر الأستاذ "دينيس سوريه"- أن للديانة الهندية أثرا عظيمًا على الفارسية الأولى.
ثم يقول الدكتور غلَّاب: ومهما يكن من الأمر فإن تأثر الفارسية بالهندية أمر مقطوع به؛ إذ إننا نجد مثلا في الكتاب الفارسي المقدس أسطورة تحدثنا أن "بيما" هو أول إنسان أطعم أبناءه لحما محرما، ولعله "لحم ثور"؛ ليصيرهم خالدين.
ويلاحظ أن بيما الذي هو أول إنسان عند الفرس هو نفس "باما" أول إنسان في الديانة الهندية١.
هذا من وجهة النظر العامة، وهو لا يبعد عما يفهم من كلام المسعودي الذي نصه: "ويقال أن هذا الرجل أول من أظهر آراء الصابئة من الحرنانيين والكيماريين، وهذا النوع من الصابئة مباين للحرنانيين في نحلتهم".
ولفهم هذا النص ينبغي أن نوضح بصفة عامة: آراء الحرنانيين والكيماريين.
فنقول:
_________________
(١) ١ يراجع الفلسفة الشرقية: بحوث تحليلية: الدكتور محمد غلاب، مقالات نشرات بمجلة الرسالة سنة ١٩٣٧ السنة الخامسة.
[ ٣٠٢ ]
حران مدينة من مدن العراق عرفت مدرستها في التاريخ الفكري بأنها مدرسة وثنية، كانت ذات أهمية كبرى لمرور طرق القوافل، وأن اشتقاق اسم المدينة في البابلية هو: "حرانو" أو "حرانو" تعني الطريق.
كما اشتهرت في التوراة في سفر التكوين: ٢٤، ٤، ٢٩، ٢١، وقد كانت الموطن الأصلي للآباء العبرانيين الأوائل قبل ذهابهم إلى فلسطين.
والمرجح كثيرًا أن إبراهيم وأحفاده كانوا من سكان أراضي هذه المنطقة كما تشير إلى ذلك التوراة نفسها١ في هذا المركز عاشت الصابئة وهي كما يقول الشهرستاني: "الحرانية هم جماعة من الصابئة".
ثم يقول عن مذهبها الحلولي:
"ثم من المواليد من قد يتفق شخص مركب من صفوها -أي العناصر- دون كدرها- ويحصل له مزج كامل الاستعداد فيتشخص الإله به في العالم.
هذا فضلا عن فصل آخر للشهرستاني عنهم عنونه بقوله: "مزاعم الحرنانية"٢.
ويصفها "أوليرى" بصفة عامة فيقول:
هذا وكان هناك بعض مصادر ثانوية متفرقة للعلوم اليونانية مثل مدينة حران التي كانت مستعمرة يونانية ظلت متشبثة بوثنيتها في منطقة مسيحية ويغلب على الظن أنه كان لها نصيب في نقل العلوم اليونانية إلى العرب ولو في أضيق نطاق، فمدرسة حران عرفت وتخصصت في الوثنية ولا نرى مؤلفا أو باحثا في تاريخ الفكر العربي يذكرها دون أن يصفها بالوثنية.
فمدينة "حران" ظلت مركزا مهما دائما للثقافة اليونانية في المنطقة التي يتكلم أهلها اللغة الآرامية الشرقية، وكانت إلى جانب هذا نقطة مهمة للتبادل والاتصال، أما
_________________
(١) ١ يراجع: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص ٤٩٣. د طه باقر. ٢ الملل والنحل الشهرستاني "٥٨٢".
[ ٣٠٣ ]
أهلها فكانت الغالبية منهم وثنيين يعبدون الكواكب مما دفعهم إلى ملاحظة السماء والتعمق في الدراسات الفلكية١.
فالآراء التي حملها "بوداسف" تتميز بوثنية كوثنية حران، وليست هي آراء حران ولكنها تتفق في الوثنية فقط مع الحرنايين. وديانة "بوذا" من الديانات التي تتميز بالإلحاد ومن أقدمها تلك التي لا تعترف بإله خارج عن عناصره.
ومن هنا نتساءل: ما الإله؟
هل هو العناصر نفسها؟،.. فإذا كان ذلك فلا يكون في الأمر جديد سوى وضع اسم مكان آخر، وإذا كان غيرها ولها هذه الخواص التي نشاهدها فقد ثبت خلوه هو من بعض الخواص الثابتة للعناصر، وهو نقص فيه، وإذا كان كل خواصها لم يكن في حاجة إليها؛ لاتخاذها وسيلة لإيجاد العالم، وإذًا فنحن أمام خلاء من الألوهية يؤيده منطقها٢.
أخذت هذه الآراء عدة تحويرات حتى انتهت إلى "الحلولية" على يد "سانكرا" الذي قرر: أن هذا العالم الظاهر، ليس هو حقيقة الإله إنما هو كائن أدنى محدث، ولكن كل جزئية منه تشتمل على طرف من تلك الحقيقة الإلهية؛ غير أن "سانكرا" لم يكد يعلن هذه الآراء حتى وصفه البراهمة بأنه بوذي، يتقمص جسم "براهمي"، أو زنديق يرتدي ثوب متدين، وكان ذلك موافقا بالمصادفة لأوان الفتح الإسلامي، وعلى بدء تاريخ جديد يبرز للباحثين أثر الإسلام في تلك الأصقاع على صورته الحقيقية، فالإلحاد الوثني يتغلغل في البوذية وتعاليمها وهى أول ديانة -كما تزعم نفسها- تتخلى عن الله ولا تخرجه عن العناصر الكونية.
يقول الدكتور ميزرا مهدى:
_________________
(١) ١ علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب. دلاسي أوليرى ترجمة. د. وهيب كامل ص٣. ٢ الفلسفية الشرقية بحوث تحليلية: دكتور محمد غلاب.
[ ٣٠٤ ]
وأهل هذا الدين، يعتقدون أن "ميرزا": هو أول من ظهر في الأرض على صورة البشر، ويجبر هذا الدين تابعيه على أن ينزهوا ملوكهم عن الغلطات ويقدسوهم عن الهفوات، فلذا نرى معابدهم: مزينة بصور سلاطينهم، وأكابر رجال كهنوتهم، وأعاظم ملتهم، وهؤلاء القوم ليس عندهم خبر نصي، أو أثري رمزي عن ظهور مجدِّد أو مصلح جديد في المستقبل؛ ليقوم ما أعوج من دعائم دين "بوذا" إلا أنهم يزعمون أن بوذا سوف يظهر مرة أخرى بنفسه عندما يرى عودته١.
لاحظ "ميجاشنيس" وهو عالم يوناني في بلاط "مجاذا" وقد وضع كتابا وصف فيه الهند أن بعض الهنود كانوا يرفعون بوذا إلى مرتبة الإله.
يقول أوليرى معلقا: ملاحظة لها طرافتها؛ لأنها ترينا أن البوذية في عهده كانت قد جاوزت فعلا طورها البدائي الذي كان فيه بوذا يعتبر مجرد معلم ديني، وأنها كانت في هذا الحين تنتقل إلى طورها الثاني الذي أله فيه بوذا والذي أدى إلى تصوير بوذا في صورة إنسانية٢.
إذا كانت هذه الديانة البوذية ترى في الإلحاد والوثنية عقيدة لها فإن وثنيتها ليست عبادة الكواكب كما كان يرى أهل حران فمن هنا حصل التباين بين عقيدتين وثنيتين كما ذكر المسعودي.
هل البوذية خرجت من الهند؟
يرى المؤرخون أنها خرجت من هناك؛ بيد أنهم يختلفون حول أسباب خروجها، فبعضهم يرى ذلك عندما اغتال برهمي متعصب اسمه سنجا آخر ملوك أسرة "ماوريا" وهو بوشيا ميترا سنة ١٨٤ ثم اغتصب العرش وأخذ يضطهد البوذيين، أي أن الاضطهاد السياسي كان وراء خروجها.
_________________
(١) ١ مفتاح الأبواب: زعيم الدولة الدكتور ميرزا محمد مهدى خان رئيس الحكماء الإيراني والأذرباجاني التبريزى نزيل مصر ص ٨-١٥ الطبعة الأولى بمطبعة المنار الإسلامية بشارع درب الجماميز بمصر في غرة رجب ١٣٢١. ٢ علوم اليونان ص ١٧٢.
[ ٣٠٥ ]
وبعضهم يرى أن الديانة البوذية كانت في بدايتها طائفة زهدية صغيرة ولكنها فيما بعد نمت وانتشرت حتى صارت إحدى ديانات العالم الكبرى، ويرجع أصل هذا الدين -في نظر أوليرى- إلى نظام السانخيا الفلسفي الذي كان قائما من قبل والذي بدأه كامبيلا.
أما الدكتور غلاب فيرى أن "كامبيلا" وبوذا متعاصران؛ إذ قد عثر في هذا المذهب، وفي المذهب البوذي: على تأثرات قوية متبادلة بين المذهبين مما يدل على أنهما متعاصران تقريبا.
ثم يقول الدكتور محمد غلاب: ولكن هذه الديانة حينما أجلتها البراهمية في القرون الأولى للميلاد المسيحي لم تكن قد انتهت من الوجود، وإنما كانت قد تفرقت شمالا وجنوبا إلى الصين: واليابان وجاوه وسومطره١.
أما إلى أي مدى انتشرت البوذية فعلا في العالم القديم فمسألة مستعصية، لكن يمكن القول بأن الديانة البوذية في عهد "سوكا": Asoqs ثالث ملوك أسرة "مارويا" التى اعتبرها الهندوك أسرة نجسة؛ لأنها لا تنتمى لطبقة الكهنة، أو طبقة الجند، هذا الملك اعتنق البوذية؛ لأنها لا تعير نظام الطبقات أية أهمية، فالديانة البوذية لقيت تعضيدًا قويا من هذا الملك ودعا إلى عقد مجمع بوذي ثالث في "الأسو كاراما" في ياتالى بوترا، وتلك قرية كان بوذا قد زارها في سالف الزمان. ونوقشت في هذا المجمع ثماني عشرة مشكلة مذهبية وتم التصالح بشأنها، ولكن الأهم من كل هذا أنه قد تقرر فيه أن البوذية ينبغى أن تنهج سياسة تبشيرية تدعو فيها شعوب العالم كلها إلى اعتناق ما يقضي به "قانون التقوى"، وطبقا لهذا القرار أوفدت الدعاة إلى الجنوب وإلى الغرب ٢.
فالقرار الذي اتخذه أسوكا: جعل الدعوة إلى الديانة البوذية دعوة عالمية.
وأوجب على الداعين أن يحملوا عبء الدعوة إليها فانتشروا في أفناء الأرض، وقد زاد من انتشار أتباعها أخيرا اضطهاد البرهميين لمعتنقيها.
_________________
(١) ١ الفلسفة الشرقية نفس المرجع. ٢ مرجع علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب ص١٦٦.
[ ٣٠٦ ]
فالعنصر البوذي الذي ظهر في شرق فارس يرجع إلى مدينة "باميان" جنوب بلخ وكان فيها مركز بوذي عام.
وفي القرن الثالث عشر يصف ياقوت: صنمين كبيرين لبوذا في هذه المدينة ويقعان في بهو واسع محفور في جانب الجبل، وهما صنمان كان يعرفان باسمه:
وأحدهما "سثق بد": أي بوذا الأحمر.
ثانيهما "وخنج بد": أي بوذا الأشهب.
وكانا قائمين في أيامه، وقد ذكرهما القزويني كما ذكرهما ياقوت.
وقد دمر "جنكيز خان" مدينة باميان هذه١.
فالبوذية خرجت من الهند واختلطت بتراث فارس هروبا من الاضطهاد الذي لاحقها من البراهمة، وتحقيقا لمنهجها في الدعوة التبشيرية التي قررتها لنفسها أخيرًا.
ولقد أصبحت مدرسة "جند يسابور" التي أنشئت في النصف الثاني من القرن الثامن أيام الملكين خسرو وأنوشروان، وبفضل العلماء الذين طردوا من الرها آنذاك قامت بعبء المزج بين التراث اليوناني والشرقي، وفي هذه المدرسة أيضا اتصل العلماء اليونانيون والسريان والفرس بعلماء الهند، وتأثر بعضهم ببعض وزاد ازدهارها حين أقفل "جوستينيان" مدارس أثينا وتولى الفلاسفة عنها إلى جنديسابور، وجلبوا معهم كتبا في الفلسفة والعلوم الهندية، ومن تلاميذها في "جنديسابور" الحارث بن كلدة وابنه النضر.
ثم لما ظهر مانى٢ أو "مانيس" مؤسس الديانة المانوية والمولود في بابل ٢١٥م من أم فارسية من نسل الملوك الأشكانيين وأب من رجالات همدان هاجر إلى بابل في تلكم البلاد.
_________________
(١) ١ المعجم الذهبي: فارسي-عربي د. محمد النوبخي فرهنك طلائي ص ٥٤٦، ص ٥٦٣ دار العلم للملايين. ٢ ينقل صاحب حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي "٢: ١٧٢" أن الصابئة من المانوية.
[ ٣٠٧ ]
وقد ادعى ماني النبوة وسمى نفسه "فارقليط" الذي أخبر عنه المسيح وقتله أحد ملوك الفرس سنة ٢٧٥ بعد المسيح، وكانت عقائده مزيجا من الهندية، والزرادشتية، واليهودية، والمسيحية، قبل وضع قواعد الكنيسة، ثم تبعه مزدك من الطرف الشرقى لنهر دجلة في بلدة اسمها "ماذارايا" في عهد الملك "قباذ" الذي حكم سنة ٤٨٨ م، ودعا إلى الإشتراكية في الأموال والنساء ثم قتل هو الآخر مع ثمانين ألفا من أتباعه.
ويقول ابن قتيبة: إن قباذ بنى في فارس والأهواز مدينة "أريجان" فأسكن فيها سبي "همذان" فوثب فيها "مردق" وقال بدعوته١.
فبوداسف الذي أظهر مبادئ الصابئة في ملك طهمورث ربما يكون هو "بوذا".
_________________
(١) ١ المعارف لابن قتيبة تحقيق د. ثروت عكاشة ص ٦١٣.
[ ٣٠٨ ]
أصول فكر الصابئة الأولى:
يقول المقدسي: المنائية، والديصانية، والماهانية، والسمنية، والمرقوتية والكبائبون، والصابئون، وكثير من البراهمة والمجوس، وكل من قال باثنين، أو بأكثر، أو بشيء قديم مع البارئ، وكذلك القائلون بالجنة، والجوهر، والفضاء.
ويقول الصابئون: النور حيٌّ عالم، والظلمة جاهلة معمية، والمرقيون يقولون: ثلاثة أشياء قديمة: نور، وظلمة، وثالث معدل بينهما.
ويقول المنائية: النور خالق الخير، والظلمة خالق الشر.
ويجعل من مذاهب المجوسية: الذين يعبدون النار والشمس والقمر والنجوم.
ويقول المقدسى١ عن أصل مقالات الثنوية والحرانية: أصل اعتقاد هؤلاء في الجملة أن: المبدأ شيئان اثنان:
-نور.
_________________
(١) ١ البدء والتاريخ جـ١ ص ١٤٢.
[ ٣٠٨ ]
- وظلمة.
وأن النور كان في الأصل: أعلى العلو، نورًا خالصًا.
وأن الظلمة كانت أسفل السفل. وظلمة خالصة.
غير مما سبق على مثال الظل والشمس فامتزجا فكان من امتزاجهما هذا العالم بما فيه.
هذا الذي يجمع أصل عقائدهم.
ثم اختلفوا بعد ذلك: فزعم "ابن ديصان" أن النور خالق الخير، والظلمة خالقة الشر، بعد قوله بأن: النور حيٌّ حساس، والظلمة موات؛ فكيف يصح الفعل من الموات؟
ولما رأى من فنون ما لحق المانوية، والديصانية من التناقض والفساد أحدث مذهبا زعم أن الكونين: النور والظلمة قديمان، ومعهما شيء قديم ثالث؛ وهو الذى حمل الكونين على المشابكة والامتزاج، ولولا ذلك المعدل بينهما لما كان من جوهرهما إلا التباين والتنافر.
وزعم "كنان" أن أصل القديم ثلاثة أشياء: الأرض، والماء، والنار، غير أن المدبر لها اثنان: خير، وشر.
وأما الحرانية: فمختلف عندهم في الحكاية؛ زعم أحمد بن الطيب في رسالة له يذكر فيها مذاهبهم أن القوم مجمعون على أن العالم علة، لم يزل.
ويقولون: المدبرات سبع واثنا عشر، ويقولون: في الهيولي والعدم، والصورة، والزمان، والمكان، والحركة، والقوة.
يقول "أرسطاطاليس": في كتاب سمع الكبا. وزعم "زرقان" أنهم يقولون مثل قول المانية، وقال بعضهم: إن مذهب الحرانية ناموس مذهب الفلاسفة، وما لم يكن يجرؤ أحد أن يظهر خلافهم.
[ ٣٠٩ ]
وأما المجوس: فأصناف كثيرة، ولهم هوس عظيم وترهات متجاوزة الحد والمقدار، لا يكاد يوقف عليها، فبعضهم يقول بقول الثانوية.
وبعضهم على مذهب الحورانية والخرمية -جنس منهم يتسترون بالإسلام- ويقولون: مبدأ العالم نور، وأنه نسخ بعضه فاستحال ظلمة.
وأما أهل الصين: فعامتهم الثنوية إلى كثير ممن يليهم من الترك وفيهم المعطلة الذين يقولون: بقدم الأعيان، وأن العالم لا صانع له ولا مدبر.
والهنود أصناف كثيرة: وتجمعهم البراهمة والسمنية، والمعطلة الأخرى.
يقولون بالتوحيد: غير أنهم يبطلون الرسالة، ومنهم المهادرزية يزعمون أن المبدأ ثلاثة إخوة ولهم أسطورة طويلة ذكرها المقدسي.
هذا من جهة الصفة العامة الغالبة على المذهب أما تفصيلاته فهى:
أولا: الإقرار بالقوة الإلهية:
بمعنى أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان.
ثانيا: الإقرار بالعجز الإنساني:
في الإنسان عجز عن إدراكه؛ أى: الإله، وعلينا الإقرار بهذا العجز. وفي الوقت نفسه علينا التقرب إليه لحاجتنا إليه.
فاتخذوا سبيلهم إليه بالمتوسطات المقربين لديه.
ثالثا: الإقرار بإمكانية الاتصال به:
أدى شعورهم بالحاجة إلى إعمال الفكر؛ لكيفية تصور إمكانية العلاقة بينهم وبين القوة الإلهية، بيد أن هذه العلاقات كما تصوروها لا يمكن أن تكون مباشرة؛ لما عليه الإنسان من دنس النفس وإظلامها بالشهوات الطبعية، ولذلك رأوا أن الوسيط يجب أن يكون روحانيا.
[ ٣١٠ ]
والروحاني -في نظرهم- هو: المقدس من المواد الجسمانية المبرأ عن القوى الجسمانية المنزه عن الحركات والتغيرات الزمانية.
فللاتصال به علينا أن نطهر أنفسنا من علائق القوى الشهوانية حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين "الروحانيات" فحيئنذ نسأل حاجتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم.
وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا عن الشهوات الدنيا.
والاستمداد هو: التضرع وإقامة الصلوات وبذل الزكاة، والصيام وتقريب القرابين وتبخير البخور، وفي هذه الحالة قد لا يحتاج الإنسان إلى وسيط.
لذلك رفضوا كل وساطة من البشر، فقالوا عن الأنبياء: إنهم أمثالنا في النوع وأشكالنا في الصورة يشاركوننا في المادة يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب ويشاركوننا في الصورة.
أناس بشر مثلنا فمن أين طاعتهم؟
وبأية مزية لهم لزمت متابعتهم؟
قال تعالى: حاكيا ذلك عنهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآية ٣٤.
[ ٣١١ ]
أنواع الوساطات:
والوساطة قد تكون عبادة العناصر الطبعية وقد تكون عبادات تنجمية ظهرت على أنها عبادة واحدة ثم انقسمت إلى نجوم وسماء.
١- فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها وهي هياكلها، فكل روحانى "هيكل"، ولكل "هيكل" "فلك"، ونسبة الروحانى إلى ذلك الهيكل الذي اختص به كنسبة الروح إلى الجسد فهو ربه ومدبره ومريده.
[ ٣١١ ]
وكانوا يسمون العناصر: أمهات.
وفعل الروحانيات فيها هو: تحريكها على قدر مخصوص؛ ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر لمزج المركبات فتتكون القوى الجسمانية وتركب عليها نقوش روحانية مثل:
- أنواع النبات.
- أنواع الحيوان.
٢- والتأثير قد يكون آليا صادرًا عن روحاني كلي: فمع جنس المطرملك هو هذا الكلي.
والتأثير قد يكون جزئيًّا صادرًا عن "روحاني" جزئي أى مع كل قطرة ملك وهذا هو الجزئي.
٣- ومنها مدبرات الآثار العلوية:
- الظاهرة في الجو مثل: الأمطار والثلوج والرعد والبرق.
- الظاهرة في الأرض مثل: الزلازل والأبخرة.
٤- ومنها متوسطات القوى مثل: قوى الحس.
٥- ومنها: مدبرات الهداية مثل: العقل.
وهذه الروحانيات لها طعامها الذى يتناسب معها وهو:
التسبيح والتقديس والتهليل والتنجيد وأنسهم بذكر الله وطاعته.
أعمال الصابئة كلهم:
يصلون ثلاث صلوات، ويغتسلون من الجنابة، ومن مس الميت، وحرموا أكل الجزور والخنزير والكلب.
ومن الطير ما له مخلب، والحمام.
[ ٣١٢ ]
ونهوا عن السكر في الشراب وعن الاختتان.
وأمروا: بالتزويج بوليٍّ وشهود.
ولا يجوزون الطلاق إلا بحكم حاكم ولا يجمعون بين امرأتين.
[ ٣١٣ ]
هياكلهم-رؤساؤهم:
بنى الصابئة هياكلهم على أسماء الجواهر العقلية الروحانية وأشكال الكواكب السماوية فمنها: هيكل العلة الأولى ودونها: هيكل العقل وهيكل السياسة وهيكل الصورة وهيكل النفس - وكلها مدورات الشكل.
وهيكل زحل: مسدس.
وهيكل المشترى: مثلث.
وهيكل المريخ: مربع مستطيل.
وهيكل الشمس: مربع.
وهيكل الزهرة: مثلت في جوف مربع
وهيكل عطارد: مثلث في جوف مربع مستطيل.
وهيكل القمر: مثمن.
يقول المسعودى: والذي بقي من هياكلهم المعظمة في هذا الوقت وهو "سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ٣٣٢" بيت لهم بمدينة حران في باب الرقة يعرف بمغليتيا هو هيكل أبي إبراهيم عندهم.
رؤساؤهم: ذكرهم ابن النديم في فهرسته ومن أراد الوقوف عليهم فليرجع لها١.
_________________
(١) ١ الملل والنحل للشهرستاني ص٦٠، ٦١ كذلك يراجع المسعودي "١: ٤١٧" وما بعدها مروج الذهب.
[ ٣١٣ ]
تعقيب حول فكر الصابئة:
وأخيرا.. لقد خلفت الصابئة أثرا شاهدا على تاريخها: وهو عبادة النجوم التي تولد منها التنجيم؛ ذلك أن النجوم وفوق كل شيء الكواكب كانت فيما يبدو وفق قوانين ثابتة تقول بالتقابل والتوافق؛ أي أن السموات من فوق والأرض من تحت شقيقتان متكاملتان فما كان يحدث في العالم النجمي كان يعاد إخراجه على الأرض، وها هو الأمر الحيوي في الموضوع.
بيد أن حركات العالم النجمي ثابتة فإذا كان هناك تقابل فكل ما يحدث على الأرض يكون ثابتا، والحال بالمثل بالنسبة لأفعال الناس أيضا، فهي ثابتة وذلك الإنسان هو كون مصغر فهو الشقيق المكمل للعالم الكبير، وروحه شرارة من تلك النار السماوية التي تتوهج في صفحة النجوم.
ومن هنا نشأ مذهب من أفظع المذاهب التي عذبت الإنسانية على مر الزمان وهو المذهب البابلي المسمى "القضاء المحتوم" الذي يتحكم على السواء في النجوم والأرض والناس.
فحركة هذه الكائنات جميعا ثاتبة بفضل قوة باقية لا تتبدل وهي قوة لا علاقة لها بالأخلاق. قوة لا تحب ولا تكره ولكنها تواظب على مسارها بطريقة لا هوادة فيها مواظبة النجوم في مسارها عبر القبة الزرقاء.
وقد استطاع التنجيم في النهاية أن يتغلغل في كثير من الديانات ويصبغها بلونه. وكان هناك أكثر من نظام للتنجيم.
- عبادة الكواكب.
- أبراج الفلك وعلاماتها الاثنتا عشرة.
بيد أن التنجيم القائم على الكواكب كانت له قوة أعظم؛ فالكواكب السبع هي: الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشترى وزحل.
[ ٣١٤ ]
كانت في عبادتها المسيرات للقضاء والقدر وفي النهاية هي مستقر عروش "حكام هذا العالم" الذين أصبحوا فيما بعد معادين لروح الإنسان وشرا عليها بصورة قاطعة؛ لأنهم أصبحوا يجرون المقادير عليها بلا هوادة.
كذلك خصص للكواكب السبعة ألوانها الخاصة المقابلة للطوابق السبعة للمعبد البابلي.
كما خصص لها معادنها الخاصة ونباتاتها وحيواناتها.
- أما أبراج الفلك فقد كانت تتحكم في مصائر الشعوب ومدتها المنوعة وتشهد العملية بأن أنطاكية ونصيبين كانتا تحت سيطرة برج الحمل.
والرها تحت سيطرة برج الدلو.
وأن سنجارا و"ريساينا" تحت برج القوس١.
وإن الذي كان يهم الناس هو أن مصائرهم كانت ثابتة منذ الولادة بفضل نجومهم، كما أن المنجم المقتدر كان يستطيع أن يتنبأ لهم بالمستقبل عن طريق حسبانه لطوالعهم، وقد أسهم التنجيم في إدخال عناصر كثيرة غير منطقية مثل:
- الحظ.
- الفرص.
ثم تحدد مسار الكفاح الإنساني ضد سيطرة النجوم عليه بثلاثة خطوط رئيسية حاول بها الإنسان الفرار من تأثير نجومه عليه، وكلها تعتمد على الاعتقاد في الله الأقوى من كل شيء أعطى الإنسان كثيرا من الحرية والإرداة، والعقل البشرى سيادته من خلال توجيهات الوحي الذي استطاع به أن يثور ضد ثقل: "الجبرية" القاهر بسبب الاعتقاد في تأثير النجوم بأفلاكها عليه وعلى مصدره.
والخطوط الثلاثة هى:
- الدين.
- المعرفة الروحية.
- السحر.
_________________
(١) ١ الحضارة الهيلينستية ن. ن. تارن ترجمة عبد العزيز جاويد ص١٤١-١٤٢.
[ ٣١٥ ]
وكفاح الدين ضد سيطرة النجوم على الإنسان سوف نعرض له من خلال محاورة نبى الله إبراهيم معهم.
أما المعرفة الروحانية: فهي بكنه الأشياء وليست هي المعرفة التي تتوافر للفيلسوف.
فالمعرفة الروحانية الحقة تجعل الإنسان يأمن من قضاء وقدر النجوم على أساس اعتقاده أن روحه بعيدة عن منالها، هذا من المبادئ الرفيعة للمعرفة الروحانية التي تساعد الإنسان ألا يذل لغير الله وهذا ما يتفق مع العقل.
السحر:
أما السحر فالفكرة الأساسية فيه: هي أنه باستخدام الوسائل الصحيحة يمكن إجبار القوى الخفية على العمل من أهداف السحر التي يراها الإنسان القديم أن يعود بالحرية إليه من سيطرة الكواكب عليه، ويعطي الإنسان مزيدًا من السيادة على القوى الخفية، وتصبح كل عبادة للنجوم التي تعطي لنفسها السيادة على الإنسان في نظر السحر والسحرة مرفوضة.
فالسحر طريق اتخذه الإنسان للحصول على رغائبه المادية والروحية، وفلسفته قائمة على منح الإنسان قدرة على تغيير ما قضت به النجوم عليه، وقد أوشك السحر أن يصبح نظاما دينيا.
وكانت للسحر صلات بأشكال المعرفة الروحانية السفلى. فأنت تستطيع أن تجبر القوى الروحية على أن تطلع الإنسان على ما لديها من خفايا وأسرار، بيد أن المعرفة الروحية في أسمى مراتبها تنبذ السحر، وكذلك الدين ينبذه؛ لأن السحر إذا كان يغير من قضاء المقدر من لدن الأرواح، فإن الدين يرفعك فوق قضاء التنجيم؛ إذ الهدف العام للدين هو أن يجعلك مرتبطا بالله مؤثرا كل قضاء صادر عنه.
[ ٣١٦ ]
من قضايا الصابئة وموقف القرآن منها:
من مشاكلهم التى أثارها القرآن:
١- عبادة الكواكب، وعبادة الأصنام كما في محاورة إبراهيم.
٢- القول بأن بشرية النبى تمنعه من الاتصال بالله ولا تتفق معه ليكون وسيطا.
المشكلة الأولى: عبادتهم للكواكب والأصنام.
[ ٣١٧ ]
إبراهيم والصابئة:
ساق القرآن محاورة من الأدب الراقي بين نبي الله إبراهيم وعباد الكواكب تعتبر تأسيسًا لعلم الكلام الديني مقارنا بين علم الكلام الديني وعلم الكلام الوثني.
ونلاحظ من تحاور إبراهيم مع قومه أنه علم الكلام الوثني قد نشأ بجانب علم التوحيد. وإبراهيم نبي الله إذ يهدم العبادات الطبعية التي انتشرت إبان بعثته -وهي التي ألهت العالم الطبعى- وكان بعضها من النيرات مثل الكواكب، والبعض الآخر له شكله الأدنى من حيث الإشراك أيضا مثل عبادة الأصنام التي عرض لها نبى الله إبراهيم، وهو إذ يهدم هذه المظاهر يبين لهم في النهاية أن الآلهة التي تحتوى عليها وثنيتهم ليست إلا أسماء كاذبة أطلقت على بعض أجزاء من العالم المادي.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٢. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ٣. ﴿فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
_________________
(١) ١، ٢، ٣ سورة الأنعام الآيات ٧٤-٨٢.
[ ٣١٧ ]
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
الواضح أن نبي الله إبراهيم قدم سعيا تدريجيا مصحوبا بنقد حقيقي لهذا الكون من العبادة، والسعي واضح من محاورة نبى الله إبراهيم لأبيه وليست لذات أبيه -وإنما هو لكل عباد هذا اللون من العبادة- عبادة مظاهر الطبيعة، كما قدم نقدا حقيقيا للتنجيم والعبادات الكونية وذلك ليس نقدا جدليا بل هو وصف تدريجى لمنحنى النفس الداخلى آخذا نقطة بدئه من المحسنات منتهيا به إلى اللامعقول.
والشك الذي أراد نبي الله إحداثه في نفوسهم حول هذه العقائد ليس إلا طريقة تمهيدية لحكمة أرفع شأنا وهي معرفة الإنسان لنفسه. هذه المعرفة هي التي تميز فينا ثنائيتنا وهي:
- الروح وهي غير مرئية غير أن لها قدرة السيطرة على الجسم.
- والجسم وهو مرئي وخاضع للروح.
كذلك معرفة الإنسان لنفسه التي أراد نبي الله إبراهيم لفت النظر إليها هى التي تحملنا على تأمل المعقول واللامعقول، كذلك تتيح للإنسان الانتقال من الكون إلى الإنسان ثم من الإنسان إلى الكون انتقالا عن علم وبصيرة نافذة وسبيل ذلك كله: هو الوحي الإلهي أساس علم التوحيد.
وقد أفادت المحاورة أن هذه الكواكب ليست شيئا من حيث عبادتها أو الاعتقاد في أنها مدبرة ولكنها كما قررها القرآن آيات كونية فقط.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية ٧٣-٨٣ من سورة الأنعام. ٢ الآية ٣٧ من سورة فصلت.
[ ٣١٨ ]
ويقول الرسول: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات لله لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته"؛ كذلك درأ القرآن انحرافهم بعلم الفلك إلى علم التنجيم؛ ليستطيع الإنسان من خلاله التنبؤ بمصير الإنسان، فربطوا مثلا: بين الدب الأكبر، والاتحاد بين الناس، وبين إنضاج الثمار والقمر، كذلك مبدأ قراءة المستقيل بالتنجيم: موجود لدى عبادها، ويمكن التنبؤ بالحوادث: من شروقها، وغروبها، وكسوفها، وخسوفها، وفي نظرهم إذا كانت النبوة لها قدرة التنبؤ بالمستقبل، فوسائلهم لها أيضا: قدرة التنبؤ، وهي في نظرهم: أرهف شفافية، لذلك عرض الإسلام هذا الاتجاه فقرر أنها ليست محلا للعبادة وليس لها علاقة بمشيئة الإنسان.
فالإسلام لا يقرر ما يقول به علم التنجيم؛ لأنه يسند كل شيء إلى غير مشيئة الله فلا يمكن أن تجرى الحوادث طبقا لسلطان الكواكب كما يعتقد الصابئة.
وأصبح هذا الرأي هو السائد بين المسلمين وعقيدتهم، فلم يعد أحد ينظر إلى الكواكب على أنها هي المسيطرة والموجهة للحوادث كما كانت في علم التنجيم الوثني بل أصبحت تعد مظاهر كونية وآيات من آيات الله.
وهذه النظرة التي قررها الإسلام تخالف ما كان عليه الصابئة وما كانت عليه اليهودية والمسيحية.
فاليهود يعترفون صراحة بالكواكب على أنها "حكام" استنادا على ما جاء في سفر التكوين "١، ١٤، ١٦" من الله وضع أنوار السماء؛ ليحكم الأرض.
وقد جرى المسيحيون على نهجهم في هذا الصدد:
وفي هذا المجال نعرض لكلمة: ديلاسى أوليرى في مقدمة كتابة "الفكر العربى ومكانة في التاريخ".. والتي يقول فيها:
والحق أن هذه الفلسفة الإسلامية في أساسها وفي جوهرها جزء من المادة الهلينية الرومانية، بل إنه حتى علم التوحيد الإسلامى قد حدد وقعد بوساطة منابع هلينية.
[ ٣١٩ ]
ثم يقول: وتظهر أعظم قوة لها في أنه قد عرض المادة القديمة في شكل جديد جدة تامة، فهنا مثلا أي تشابه بين اليهودية والإسلام، أو المسيحية والإسلام في هذا المقام الذى عرضناه.
ثم نقول أخيرًا: أي تشابه بينه وبين الهلينية، التي قررت الوثنية منذ أن بدأ الإنسان اليوناني يفكر من خلال مدارسه الطبعية عندما أجاب على سؤال: مم يتكون العالم؟ أمن الماء أم من التراب، أم من النار؟، حصر فكره فيها، ومن هنا تأسست الوثنية التي قررت أن مظاهر الطبيعة صالحة للعبادة حينما أسندت لها قدرة الكون والفساد أو التدبير.
[ ٣٢٠ ]
الوساطة بين الإنسان والله
مدخل
الوساطة بين الإنسان والله:
المشكلة الثانية: أن الاتصال بالله لا يحتاج إلى وساطة الوحي:
إن اتخاذ وسيط بين الله والروح الإنسانية سمة كل الأديان والمذاهب الروحية القديمة من صابئة ومجوسية ووثنية وشرك، والوساطة قد تتنوع بتنوع المذاهب المختلفة:
- ففي الدين السماوى: تظهر في الوحي الإلهي في الإسلام، أو "الكلمة" في المسيحية، أو اليهودية، وهذه الوساطة لا شرك معها ولا تأثيم؛ لأنها توجه صاحبها إلى عبادة الله وتوحيده. فالوساطة هنا ليست معبودة، وإنما لها مظهر من مظاهر العبادة: وهو التقديس.
- وفي الفلسفة: تظهر في العقل الفعال، وبوساطته كان الفيض الإلهي، وهذه فكرة فلسفية ترجع إلى التراث اليوناني، وهذا أول ميل فكري نحو الشرك المنزه عن المادة.
- والديانات الوضعية في الشرق: تميل إلى فكرة الوساطة المجسدة، إما في شكل نار، أو حيوان، أو جمادات، ويشترك مع نزعة الشرق الفلاسفة الطبعيون الأول في اليونان وذلك حينما اعتبروا العناصر من ماء وهواء ونار وتراب أصل العالم.
[ ٣٢٠ ]
فالمظاهر المادية التي رافقت الإنسان في تفسيره لله وشابت علاقته به كانت أصلا لنشأة الوثنية؛ لأنها اعتبرت مبادئ مدبرة وإلهية لا مادة للعالم.
فالوساطة: إما أن تكون موجهة إلى التوحيد، وإلى السلوك الطبعي للعبادة، وذلك: كالوحي أو الكلمة فلا شرك فيها ولا ميل إلى الشرك.
أما أن تكون الوساطة شركا، أو داعية إلى الشرك، وذلك إذا كان الوسيط يقوم مقام الله أو يشترك مع الله، ويقوم الإنسان بعبادته أو يعتقد فيه في حاجة إلى وسيط.
واضح أن فكرة الوساطة "الشريك" نشأت بعيدا عن الدين السماوي، وليس ذلك فحسب بل إن الدين السماوي نبذها وحاربها بمختلف وسائل المحاربة.
فالوساطة التي أنشأها الإنسان؛ ليعبدها تجدها نشأت إما في مجتمع خالٍ من الدين فابتدعها الإنسان تعبيرا عن ميله الفطري للعبادة، وإما أنها نشأت في مجتمع حافل بالفكر الذى يكثر القول عن السبب الاسمى، فإن استطاع الفيلسوف تصور قيمة هذه الفكرة، فإن عوام المجتمع سوف يهربون من تلك التصورات المنطقية الجافة ثم يقعون وهم يفرون من فكرة العقل الفعال في نظر الفلاسفة في حوزة الوسيط المجسد؛ لأن الوصول إليه عسير.
والكائنات التي رشحها الإنسان للعبادة ليست وسطاء بين الله والعالم فقط بل بين الله والنفس الإنسانية المتعطشة للدين حتى إنها؛ لاستحالة صعودها إلى أعلى وانبهار بصرها من التأمل لا يسعها إلا الوقوف عند درجة أدنى.
فمذهب الوسطاء ليس مؤداه استحالة خلق الله للعالم بل استحالة وصول النفس مباشرة إلى الله.
وما نستخلصه من وراء مذاهب عبادة الوسطاء وجود الروح الدينية العميقة المتغلغلة في النفس الإنسانية وأنها سلكت الإنسان طريق العبادة وطريق الفكر الميتافيزيقي.
وإذا كان فراغ المجتمع الإغريقي من الدين لم يستطع أن يلغي الإحساس بضرورة الحاجة إلى العبادة، وذلك باستحداثه أنماطا من الوساطات الدينية؛ ليدين لها.
وإذا كان الفكر الفلسفي لم يستطع أن يقدم للإنسان شيئا عن الله وعن علاقته به
[ ٣٢١ ]
سوى الدعوة إلى التأمل فقط، وكان في ذلك توسعة لمعنى المقدس، فإن الدين السماوي -"الإسلام" وهو المقدس الحقيقي- هو الدعوة الطبعية والآمنة من فراغ المجتمعات من الدين ولنبذ وثنية الوساطة والشرك التي يحوم حولها عندما يمحى الدين الإلهي منها.
[ ٣٢٢ ]
ملاحظات على ما أورده الشهرستاني في المناظرة بين الصابئة والحنفاء:
أورد الشهرستاني مناظرة بين الحنفاء والصابئة وكان لنا عليها ملاحظات:
أولا: أنها خالية من تاريخ زمنها ومكانها فهل كانت أيام بعثة إبراهيم رأس الحنفاء؟ هذا الفرض لا نجد له في المناظرة ما يؤيده؛ لأن الشهرستاني ضمنها بيتين من الشعر لزهير:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
كذلك ضمنها آيات من القرآن.
كما ضمنها اصطلاحات فلسفية.
منها ما يرجع إلى الفكر اليوناني وما يرجع إلى أفلاطون كقوله: إن النفوس كانت في البدء في عالم الذكر ثم هبطت إلى عالم النسيان.
وما يعود إلى أرسطو مثل: الهيولي والصورة والحيوانية الناطقة. ومنها ما هو منسوب إلى مدرسة الإسكندر أو التراث الهلينى مثل:
العقل الفعال: ماهيات مجردة من المادة، العقل المستفاد، العقول المفارقة.
ومنها ما هو منسوب إلى اصطلاحات صوفية إسلامية مثل: وما أشرق عليه من الأنوار القدسية: وحيا وإلهاما ومناجاة وإكراما.
ومنها ما هو تأليفات شهرستانية مثل: النفس النبوية -الحيوان الناطق المائت، المتكلم الحنيف، المتكلم الصابئ.
[ ٣٢٢ ]
فالمناظرة حوت الكثير من المصطلحات المختلفة من حيث الزمن والمكان ومن حيث الألوان الكفرية ففيها الفلسفي القديم والوسيط والديني الإسلامي وغيره والعربي وغير العربي.
وهذا مما يجعلنا نميل إلى أنها ثقافة شهرستانية -صياغة وفكرًا، ويصبح الاعتماد عليها؛ لبيان أصولها الفكرية مقدوحًا فيه؛ لتصرف الشهرستاني فيها، ولقد صرح بهذا التصرف فقال: وقد جرت مناظراته ومحاوراته بين الصابئة والحنفاء في المفاضلة بين الروحاني المحض والبشرية النبوية.
"ونحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال وجواب".
هذا فضلا عما يظهر فيها من التكلف المنطقي الذي يجانب الفكر الشرقي القديم.
ثانيا: ومما يلاحظ -وهو شيء غريب- أن المناظرة خالية من النصوص القديمة التي تمثل صحف إبراهيم، وإن كانت اعتمدت على الجدل المنطقي. فاستوفاها الشهرستاني من كل شيء عدا نصوص من صحف إبراهيم.
ثالثا: لم يذكر الشهرستاني من صاحبها ولا تاريخ نشأتها ولا مكانها وفي المناظرة ما يفيد -من خلال كلام الصابئة أنفسهم وبتصريحهم- أنها تنتسب إلى "هرمس" و"عاذيمون".
غير أن الشهرستاني وحده -أي: على لسانه هو دون لسان الحنفاء- استبعد أن يكون هرمس من الصابئة، وهذا تصرف جريء لا يقدر عليه إلا إذا كانت المحاورة من تأليفاته.
رابعًا: وفي المناظرة فكر يخدم الفكر الإنساني من حيث النظرة العامة وفيها: ما لا ينفع الحنفاء؛ حيث إنهم ورثة إبراهيم بل يناقض مذهبهم.
وهذا وقع فيه الشهرستاني وهو يصوغ فكره معتمدًا على أسلوبه الفلسفي دون الرجوع إلى مستندهم الحقيقي.
[ ٣٢٣ ]
خامسًا: ومما ينبغي لفت النظر إليه أن الشهرستاني حاول -وهو غير مسبوق إليها- أن يضع تمييزًا بين الحنفاء والصابئة.
ملاحظات على ما ذكره المسعودي عن الصابئة في كتابه مروج الذهب:
ذكر المسعودى أخبارا عن الصابئة في موضعين:
الموضع الأول:
ذكر فيه تاريخا عن أحداث مذاهب الصابئة واسم الملك الحاكم. وذلك في صفحة ١٦٨.
الموضع الثاني:
عاود القول عنهم فذكر البيوت المعظمة والهياكل المشرفة للصابئة وغيرها، وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بذلك المعنى، وذلك في صفحة ٤٦٧-٤٧٠،
[ ٣٢٤ ]
ملاحظات على ما ذكره المسعودي:
أنه قدم معلومات محددة ودقيقة فيها استقصاء لبعض استفهامات يحاول المسعودى وهو مؤرخ أن يثيرها مثل قولهم "هيكل العقل".
يقول المسعودى متسائلا: وما أدرى أأشاروا إلى العقل الأول أم الثاني؟ وحول هذا الاستفهام الذي يدل على نزعة المسعودي الفلسفية -وهو مؤرخ- يقدم إجابات مسندة إلى مراجعها القديمة.
وعندما أخذ في شرح الهياكل قدم لنا شواهد كثيرة تؤيد ما يسوقه لنا منها:
- حكاية رجل من ملكانية النصارى من أهل حران يذكر اسمه فيقول: أخذ يعرف بالحارث بن سنباط للصابئة الحرنانيين، وحكى المسعودى أشياء قال عنها: امتنعنا عن ذكرها مخافة التطويل.
- وقدم ما شهده من هياكلهم وحدد السنة التي شاهد فيها هيكل آزر.
[ ٣٢٤ ]
- وذكر لابن عيشون الحرناني القاضي -المتوفى بعد الثلثمائة- قصيدة طويلة يذكر فيها مذاهب الحرنانيين المعروفين بالصابئة.
-وروى شيئا مما أراه في وصفه فقال: ورأيت على باب مجمع الصابئة بمدينة حران مكتوبًا على مدفنه بالسريانية قولا لأفلاطون فسره مالك ابن عقبون وغيره هو: من عرف ذاته تأله.
وما ذكره المسعودي من مشاهدة العيان يفيد بوضوح الأثر الأفلاطوني في مبادئ هذا المذهب.
ثم تكلم عن مراجع الصابئة التى قرأ فيها أخبارًا عن مذاهب الصابئة الحرنانية.
فمن ذلك كتاب رآه لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الفليسوف صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره: ذكر فيه مذاهب الصابئة الحرنانيين ودون فيه مذهب الصابئة الحرنانيين منهم دون من خالفهم من الصابئة الكيماريين.
ثم قال: وقد خاطب مالك بن عبقون وغيره منهم بشيء مما ذكرناه وغيره مما عنه كتبنا.. ثم قال ممتحنا ما دونه عنهم:
فمنهم من اعترف ببعض وأنكر بعضًا من ذكر القرابين وغيره من الآراء مثل: فعلهم بالثور الأسود.
ومن ذلك أيضا ما قدم روايات تاريخية مسندة إلى روايات سمعها بنفسه أو شاهدها لآثارهم كل ذلك وفق منهجه التاريخي.
وما قدمه عن الصابئة من الناحية التاريخية أمر جديد لم يذكره الشهرستاني؛ أكبر مؤرخ ديني كتب الكثير عن الصابئة، مثل: بوداسف الذى أحدث مذاهب الصابئة في فارس وفي الهند: كذا أفاد صلة حران بالصابئة من قديم ما ذكره ابن النديم.
وفي كلامه ما يفيد: صلة المذهب الصابئى بالأفلاطونية.
كذلك ذكر أن للصابئة فلاسفة بيد أنهم حشوية يقول فيهم: إنما أضفناهم إلى الفلاسفة إضافة سبب لا إضافة حكمة.
[ ٣٢٥ ]
وخلاصة القول: أن ما ذكره المسعودي يعتبر مصدرًا مفيدًا عن الصابئة وهو بتقدمه الزمني والتاريخي على الشهرستاني قدم مادة تاريخية تخدم الباحث في تكوين تصور ما عن الصابئة وهذا ما لم يتوافر للشهرستاني.
وللمسعودي: كتب في الدين المقارن -هذا الفن الديني- نراه كثيرًا ما كان ينبه إليها ويحيل القارئ عليها ومنها:
- المقالات في أصول الديانات.
- الاستبصار.
- الصفوة.
- سر الحياة.
- الدعاوي.
في هذه الكتب ما يشير إلى عنايته بهذه القضايا على الرغم من أن هذه الكتب مفقودة إلى الآن، غير أننا كنا نلاحظ من خلال النصوص التي كان يذكرها المسعودي في هذه الكتب أنه كان متخصصًا في تاريخ المذاهب والديانات، واللمحات التي ذكرها؛ لتنبئ عن أصالة ثقافته في هذا المجال.
[ ٣٢٦ ]
الزندقة عند عرب الجاهلية:
يقول جواد علي: إن في كلام أهل الأخبار عن الزندقة، ووصفهم لزندقة قريش إيهاما وغموضًا، وخلطًا؛ وإذا كان الزنديق هو القائل: ببقاء الدهر، وبعدم وجود عالم ثانٍ بعد الموت؛ فتكون الزندقة: الدهرية، ويكون الزنديق هو: الدهري؛ لقوله بالدهر؛ وبأبدية الكون والمادة؛ أما القول بالثنوية: بالنور والظلمة، وبالكفر والإلحاد: إنما وقع في الإسلام بسبب الخلط الذي وقع بين المعنى المفهوم للفظة في الفارسية القديمة، وفي الفارسية الحديثة، وبالمعنى الذي ظهر للكلمة في الإسلام،
[ ٣٢٦ ]
والذي تحول إلى زندقة بغيضة تحوى العناصر المذكورة والتي كانت تؤدي بمن يتهم بها إلى القتل١.
وقد ذكر محمد بن حبيب أسماء زنادقة قريش، فجعلهم: أبو سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف، والنضر بن الحارث، ومنبه، ونبيه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة.
وذكر أنهم تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة؛ فربط هنا بين الزندقة وبين نصارى الحيرة.
وقد ذهب ابن قتيبة أيضا إلى أخذ قريش الزندقة من الحيرة، والذى نعرفه عن المذكورين، أنهم: كانوا من المتمسكين الأشداء بعبادة الأصنام؛ وقد كان أبو سفيان يستصرخ "هبل" على المسلمين يوم أحد، ويناديه: اعل هبل.. اعل هبل؛ وقد نص على أنه كان من أشد المتحمسين لعبادة الأصنام؛ ولم يذكر أحد من أهل الأخبار أنهم كانوا ثنويين على رأي المجوس، يقولون بإلهين -بالنور، والظلمة- وأنهم تعبدوا للنار، أو تأثروا برأى "مزدك" أو "مانى" الذي أضيف إليه الزنادقة، ولا نجد في آرائهم المنسوبة إليهم- وفي حججهم في معارضة الرسول ما يشير إلى زندقة بمعنى ثنوية، لذلك:
فزندقة من ذكرت لا يمكن أن تكون بهذا المعني٢.
وأما ما يراه أهل الأخبار من أخذ زنادقة قريش زندقتهم من الحيرة، أو من نصارى الحيرة، فإن فيه تأييدا لما قلته: من أن الزندقة لا تعني المجوسية، والثنوية، وإنما القول: بالدهر وإنكار المعاد الجمساني.
ولنا ملاحظات على ما ذكره ابن قتيبه عن أديان العرب وزندقتهم:
ذكر ابن قتيبه أديان العرب في الجاهلية فقال:
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص ١٤٦ المعرب ص ١٦٦، اللسان ١٢/ ١٢. ٢ المفصل ص ١٤٧، المعروف ص ٦٢١.
[ ٣٢٧ ]
كانت النصرانية في "ربيعة" و"غسان" وبعض "قضاعة".
وكانت اليهودية في "حمير" وبنى "كنانة" و"بنى الحارث بن كعب وكندة".
وكانت المجوسية في بني "تميم". منهم زرارة بن عدس التميمى وابنه حاجب ابن زرارة، وكان قد تزوج ابنته ثم ندم، ومنهم الأقرع بن حابس -وكان مجوسيا، وأبو سودة جد وكيع بن حسان- وكان مجوسيًّا.
- وكانت الزندقة في قريش أخذوها من "الحيرة" وكان "بنو حنيفة" اتخذوا لها في الجاهلية إلها من "حيس" فعبدوه دهرا طويلا ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال رجل من "بني تميم" شعرا:
أكلت ربها حنيفة من جو عٍ قديم بها ومن إعوازِ
ونلاحظ أن المادة العلمية التي قدمها ابن قتيبة غير دقيقة لا من جهة الموضوع ولا من جهة الحصر ولا من جهة تحديد القبائل التي تدين بالدين الذي نسبهم إليه.
فهو أولًا لم يعد الصابئة ضمن أديان العرب.
وثانيًا: أنه ذكر الزندقة في أديان العرب.
فأخرج الصابئة وهي داخلة في أديانهم وأدخل الزندقة وهي خارجة عنهم.
وفي نظرنا يعتبر هو الوحيد الذي ذكر الزندقة، والوحيد أيضا الذي لم يعد الصابئة.
يقول الألوسي ١:
والذي يظهر أن مراد ابن قتيبة من الزندقة هو الملة التى نسبها إلى بعض العرب الذين اعتنقوا الثنوية أو القائلين بالنور والظلمة بمقتضى قوله: أخذوها من الحيرة؛ فإنها من بلاد الفرس.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، السيد محمود شكري الألوسي ط٢ ص"٢٢٨٢".
[ ٣٢٨ ]
وإن كان سكانها وملوكها من العرب المتدينين بدين الفرس أو دين المسيح ولو كان مراده من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية؛ لما كان لقوله: "أخذوها من الحيرة" وجه؛ فإن كثيرا من قبائل العرب كانوا كذلك فتعين أن مراده ما ذكرنا.
ثم يقول في لفظ زندقة: وهو أى: الزندقة اصطلاح جديد ولا مشاحة فيه والزندقة اصطلاح فارسي يرجع إلى العصر العباسي حين اتهم به البرامكة.
يقول ابن قتيبة:
وكذا البرامكة يرمون بالزندقة، وفيهم قال الأصمعي:
إذا ذكر الشرك في مجلس أضاءت وجوه بنى برمكِ
وإن تليت عندهم آية أتوا بالأحاديث عن مزدكِ
يقول صاحب لسان العرب: ١
الزنديق القائل ببقاء الدهر فارسي معرب.
وليس في كلام العرب زنديق.
وإنما تقول العرب: زندق وزندقي إذا كان شديد البخل.
فإذا أرادت العرب بمعنى ما تقوله العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال.
أما معناه في المسموع فدهري بضمها.
ويرجع اصطلاح الزندقة إلى "ماني" وذلك أن الفرس حين أتاهم "زرادشت" أتاهم بكتابه المعروف: "بالبستاه" باللغة الأولى من الفارسية وعمل له التفسير وهو: "الزند" وعمل لهذا التفسير شرحًا سماه "البازند"، وكان الزند بيانًا لتأويل المنزل.
ومن أورد في شريعتهم شيئًا بخلاف المنزل الذي هو البستا، وعدل إلى تأويل هو الزند، قالوا: هذا زندي فأضافوه إلى التأويل وإنه منحرف عن الظواهر من المنزل إلى التأويل وهو بخلاف التنزيل.
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور
[ ٣٢٩ ]
فلما أن جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس، وقالوا: زنديق وعربوه، والثنوية: هم الزنادقة.
قال المسعودي: وألحق بهؤلاء سائر من اعتقد القدم وأبى حدوث العالم١.
ويقول الشهرستاني: ومما اتفقت حوله الأديان والملل: أن للعالم قوة إلهية مدبرة له، بيد أنها لها أسماء شتى:
- تسمى عند "زرادشت" مشا سيد.
- وعند الفلاسفة: العقل الفعال، ومنه في الفيض الإلهي.
- وعند المانوية: الأرواح الطيبة.
- وعند العرب: الملائكة.
- وفي الإسلام: الله.
ولعل ما لاحظه الشهرستاني: كان موضع تقدير لدى الذين حاولوا توحيد الأديان، وذلك على أساس أن الشعوب المختلفة إنما تعبد في الحقيقة الإله نفسه تحت أسماء مختلفة، وأنه يمكن بناء على ذلك توحيد الأسماء والنحل، وهذا الاعتقاد هو ما جعل أنطيوخوس الرابع يعتقد أنه لن تكون هناك صعوبة شديدة تستعصي على إدخال عبادة "زيوس" حتى في بلاد اليهودية نفسها.
_________________
(١) ١ مروج الذهب ص١٧٣.
[ ٣٣٠ ]
المجوسية أقدم من زرادشت:
وكلمة مجوس من الكلمات المعربة، عربت عن لفظة "مغوس" الفارسية، التي تعني "عابد النار"، وهي من الألفاظ التي دخلت إلى اليونانية كذلك حيث وردت لفظة "Magus". وقد دخلت إلى لغة بنى إرم أيضًا، ولا ندري اليوم على وجه صحيح من أي طريق دخلت لفظة مجوس إلى العربية؛ عند الفرس أنفسهم، أو عن اليونانية، أو عن طريق لغة بني إرم.
ترتد الديانة المجوسية من حيث تشابه عناصرها إلى التراث الهندي وتناقضها مع ديانة جيرانهم الساميين وفي ذلك يقول دي بورج:
[ ٣٣٠ ]
في أزمان ما قبل التاريخ ترك فرع من الأسرة الهندية -الأوربية موطنهم الأصلي في أراضي السهوب شمالي قزوين، وهاجر في اتجاه جنوبي شرقي، ولقد سار بعضه عبر ممر خيبر إلى البنجاب، بينما استقر البعض الآخر في شرق الهضبة الإيرانية العظيمة، وفي بواكير السنوات الألف الثانية، يممت هذه القبائل الإيرانية -سمت نفسها آرية ومن هذه التسمية اشتق الاسمان المحليان آريا وإيران- صوب الغرب إلى المرتفعات التى تحف سهول ما بين النهرين وكلديا، وبعد ذلك بألف سنة نجد الميديين في الجنوب من بحر قزوين، والبرتيين في خراسان، والبكتريين في منحدرات الهندوكوش الشمالية، والفرس في الجبال التي تشرف على الخليج الفارسي إلى الشمال الشرقي، وكانت سلاسل جبال الهندوكوش وسليمان تقوم حاجزا من جهة الهند..
ولقد أحضر هؤلاء الآريون معهم الحصان وهو من نتاج سهول السهوب، ولم يكن للبابليين أيام حمورابي عهد به ولكن استخدمه الأشوريون كعدة حرب١.
ولقد حملوا معهم كذلك دينًا متميزًا يتناقض تناقضًا يسترعي البال مع دين جيرانهم الساميين المستوطنين السهل، وكان يختلف أيضا -على الرغم من أساس مشترك دأب على المحافظة على نفسه بين الفرس إلى يومنا- عن دين الآريين ذوي قرابتهم في الهند٢، وبينما أخضعت العقيدة الهندية كل الآلهة الأخرى إلى إله أعظم أوحد وجدنا الدين الإيراني له مظاهر ثنائية٣، وكان مجمع آلهتهم يأتلف حول قوتين لهما السيادة الواحدة قوة الخير وهي إيجابية ومصدر النور والحياة، والأخرى قوة الشر وهى الظلمة والموت، وهي سالبة، وكانت القوتان تسميان على الولاء، أهورا مزدا" أورمزد" وأهريمن. والصراع خارق العادة، بين هاتين القوتين الإلهيتين غدا ينعكس في مجرى تاريخ البشر. وبين الاثنين، ويقف الإنسان وقد وهب الحرية الخلقية التي
_________________
(١) ١ كما يدل على هذا الاسم البابلي للحصان "جحش الشرق". ٢ بين العناصر المشتركة عبادة ميترا وهو إله الشمس وذابح المارد "أندرا الهندي" وعبادة النار والاعتقاد بشرعة قدر يتوفق على الآلهة والإنسان. انظر ف. كيموم "F. Cumont" ص ١-٢ "Les mysteres de" وكان وارونا أعظم إله خلقى في مجمع الآلهة الفيدية تطورا موازيا لأهور مزدا ومن أصل آري مشترك. ٣ ولكن براهما الأعلى في دين التوحيد الهندي كان لا سبيل للوصول إليه وكان الناس مشتاقين إلى استرضاء إلهين أقل شأنا هما سيوا ووشنو.
[ ٣٣١ ]
يتوقف على استخدامها مصيره في العالم الذي يقع فيما يلي اللحد.. وكان الدين الإيراني ينزع إلى آداب السلوك ولم تكن آلهيته كآلهة الآريين الهنود. معاني مجردة تصورية ولكنهم كانوا شخوصًا خلقيين، ولم يكن هدف الجهد الإنساني الاندماج التألهي في مطلق وحدة الوجود ولكن سعادة أبدية في السماء حيث يحكم أهورا مزدا، وما كانت الحياة الإنسانية وما يلازمها من فروض اجتماعية وأفراح وأحزان بخدعة، ولكنها المجال للعمل في همة والقيام بالواجب الخلقى، وفي اعترافه بقيمة الثقافة الدنيوية واتجاهه إلى غاية يكون فيها الخلاص الفردي، وليس الخلاص القومي، نجد دين إيران يختلف عن دين العبريين وإن تشابه معه في تعليمه الخلقى الرفيع.
وكان الفرس يتسامحون مع الديانات المحلية عندما لا تناصب دينها العداء، ومع هذا فإن عقيدتهم انتشرت صوب الغرب بتوسع إمبراطوريتهم، وفي نقاوته كما نهض به النبي زرداشت، كان دون ريب عقيدة القلة أكثر من أن يكون عقيدة الكثرة، وكان من شأنه بين أيدي المجوس، "وهم طبقة من الكهنة" أن يتدهور إلى فرائض رسمية، بينما أصبحت الجماهير تفسر تعاليمه في صيغ ديانة ما قبل زرداشت القديمة١، وكان مرجع قوته الحقيقية إلى إصراره على المسئولية الخلفية.
_________________
(١) ١ عاش زرادشت على الراجح حوالي عام ٦٥٠ ق. م. وتحتوي الأسفار الفارسية المقدسة التي يطلق على مجموعها لفظ أوبتا، وهي ترانيم ربما كتبها النبى نفسه، ويقرب المذهب الزرداشتي من أن يكون توحيدا، وكانت عبادة النار لها شأن عظيم؛ إذ كانت النار أنقي مظهر لأهورا مزدا، ويظهر أن المجوس الأوائل كانوا معادين لمذهب زرداشت ولم يحفل.
[ ٣٣٢ ]
المجوسية أقدم من زرادشت
يتوقف على استخدامها مصيره في العالم الذي يقع فيما يلي اللحد.. وكان الدين الإيراني ينزع إلى آداب السلوك ولم تكن آلهيته كآلهة الآريين الهنود. معاني مجردة تصورية ولكنهم كانوا شخوصًا خلقيين، ولم يكن هدف الجهد الإنساني الاندماج التألهي في مطلق وحدة الوجود ولكن سعادة أبدية في السماء حيث يحكم أهورا مزدا، وما كانت الحياة الإنسانية وما يلازمها من فروض اجتماعية وأفراح وأحزان بخدعة، ولكنها المجال للعمل في همة والقيام بالواجب الخلقى، وفي اعترافه بقيمة الثقافة الدنيوية واتجاهه إلى غاية يكون فيها الخلاص الفردي، وليس الخلاص القومي، نجد دين إيران يختلف عن دين العبريين وإن تشابه معه في تعليمه الخلقى الرفيع.
وكان الفرس يتسامحون مع الديانات المحلية عندما لا تناصب دينها العداء، ومع هذا فإن عقيدتهم انتشرت صوب الغرب بتوسع إمبراطوريتهم، وفي نقاوته كما نهض به النبي زرداشت، كان دون ريب عقيدة القلة أكثر من أن يكون عقيدة الكثرة، وكان من شأنه بين أيدي المجوس، "وهم طبقة من الكهنة" أن يتدهور إلى فرائض رسمية، بينما أصبحت الجماهير تفسر تعاليمه في صيغ ديانة ما قبل زرداشت القديمة١، وكان مرجع قوته الحقيقية إلى إصراره على المسئولية الخلفية.
_________________
(١) ١ عاش زرادشت على الراجح حوالي عام ٦٥٠ ق. م. وتحتوي الأسفار الفارسية المقدسة التي يطلق على مجموعها لفظ أوبتا، وهي ترانيم ربما كتبها النبى نفسه، ويقرب المذهب الزرداشتي من أن يكون توحيدا، وكانت عبادة النار لها شأن عظيم؛ إذ كانت النار أنقي مظهر لأهورا مزدا، ويظهر أن المجوس الأوائل كانوا معادين لمذهب زرداشت ولم يحفل.
[ ٣٢٢ ]
زرادشت
مدخل
زرادشت:
يقول البيروني: وقد كانت خراسان، وفارس، والعراق، والموصل إلى حدود الشام في القديم على دين "الشمنية" -نحلة هندية- إلى أن نجم "زرداشت" في أذربيجان، ودعا ببلخ إلى المجوسية، وراجت دعوته عند "كشتاسب"، وقام بنشرها ابنه "إسفنديار" في بلاد المشرق والمغرب قهرا وصلحا، ونصب بيوت النيران من الصين إلى الروم، ثم استصفى الملوك بعده فارس والعراق لملتهم فانجلت "الشمنية" عنها إلى مشارق بلخ، وبقي المجوس إلى الآن -زمن البيروني ٤٤٠- بأرض الهند ويسمون بها "مسك".
[ ٣٣٢ ]
وهناك مدرسة واحدة من المدارس الفكرية تنادي بأنه لم يكن له وجود على الإطلاق، وأقدم تاريخ ذكر هو سنة ٦٠٠٠ ق. م. وقد تمسك "بيروسبوس" المؤرخ البابلي الذي عاش في القرن الرابع ق. م. بالرأي القائل بأن: زرادشت: قد ولد حوالي سنة ٢٠٠٠ق. م. ويميل العلماء اليوم إلى الاعتقاد بأن زرادشت لم يولد قبل ٦٦٠ ق. م. واسم زرادشت Zaradstrs هو: الترجمة الإغريقية لـ "زرداثوسترا" الذي ضمنه "نيشته" في مسرحيته الشعرية المشهورة، كذلك قال: زرادثو سترا، وقد ولد زرادشت في بلاد فارس.
"أفيستا" أقدم نص ديني فارسي، من هنا كان من الصعب بالطبع الجزم بالموقع المضبوط -موطن "زرادشت" وتعاليمه، هل هو "باكتريا" أم "مرغيانا"، يرى العالم السوفيتي "مستروفه": بأن مرغيانا "مرو" والبلاد المتاخمة لها هي الاحتمال الأقوى.
ويرى دليله على فرضه هو: أن "أفيستا" يذكر بلدًا هو: "مرو" أي مرغوش بالفارسية، وميرغيانا باليونانية بوصفه البلد الوحيد الذي يتبع أهله قواعد قانونية "آشا" أي أساس الأسس في تعاليم "زرادشت"؛ وهذا القانون تشخيص للنظام الحقوقي الثابت، والذي ترتكز عليه كل الفضائل.. وهذا القول: لا ينسبه كتاب "أفيستا" إلى أي من البلدان التي يتطرق إليها ما عدا "مرو".
وعلى أساس هذه المعطيات وغيرها يؤكد الأكاديمي "مستروفه" قائلا: لذا أرى في هذه الإشارة دليلا يعزز افتراض بأن "مرغيانا" هي أول منطقة تنبت الجماهير الشعبية فيها تعاليم "زرداشت". وفي ختام بحثه يقول: وحاولت أن أثبت بأن مرغيانا والمناطق المتاخمة لها في آسيا الوسطى كانت موطنا للزرادشتية"، وهناك أقوال أخرى لا تزال تفترض فرضيات معاكسة تقول: إن وطن زرادشت هو: بلاد "الميلابين" غربي إيران، حتى أقصى جنوب غربي أفغانستان.
يذهب بعض علماء الآثار إلى افتراض أصل مشترك بين قبائل هضبة إيران الشرقية "تل تيه وبازتيه" وشبه القارة الهندية؛ وذلك أن المكتشفات الأثرية تشير إلى الثنائية الواضحة في المعتقدات المحلية، وتلك نظرية فلسفية أخلاقية تكاد تكون مطابقة لجوهرة تعاليم "زرادشت" ومن معطيات الدراسة لتلك الدراسة استنتج الباحثون الأثريون أن "زرادشت" عاش وأسس تعاليمه في فترة لا تتجاوز القرن السابع ق. م. ففي هذه
[ ٣٣٣ ]
الفترة التاريخية عاش "زرادشت" وعن طريق تعاليمه نشأت الزرداشية كمذهب فلسفي وأخلاقي وديني.
ويرى علماء الآثار أن مضمونها يجسد تصورات متطورة جدا للفلسفة الطبيعية، وذلك يقوي افتراضهم أنها لم تنشأ من فراغ، وأن المجتمع الذي نشأت فيه قد قطع شوطا بعيدا في تطوره الذهني فقد كان ثمة أفكار تسبق تطابق ما عليه.
من هنا يرى علماء الآثار أن المبادئ الأساسية للديانة "الزرادشتية" غرفت من مناهل النظرات الفلسفية والأخلاقية المنتشرة قبلها على نطاق واسع في: "باكتريا ومرغيانا".
ولما سمح له في الوقت المناسب بمصاحبة الأرواح كان في استطاعة زرادشت أن يوجه أسئلة إلى "أهورا مازاد" نفسه، فلقد تساءل: "في علم التجسيد، ما هو الشيء الأول في الكمال؟ وأيها الثاني؟ وأيها الثالث؟ " فرد عليه "أهورا مازاد" قائلا: "إن أول كمال هو: الأفكار السديدة، وثانيها: الكلمات الطيبة، وثالثها: الأعمال الصالحة"١ في بدء رسالته، يبدو أن "زرادشت" قد عاش حياة الناسك.
وعلى شاكلة "يوحنا المعمداني" نزح إلى البرية، وعاش على لا شيء اللهم إلا على الجبن والجذور، ثم جاء الإغراء.
قامت الشيطانة "سيندارماد" بالتغرير بـ زرادشت، ولم يتم اللقاء في البرية بل بين أشخاص عاديين قرر زرادشت أن يدرس عاداتهم: "لقد اتجه زرادثو سترا إلى العالم الذي يعيش فيه، عالم الصداقة، مستهدفا أن يراقب تماما ذلك الطريق المعبد للوجود التجسيدي. ثم تقدمت الشيطانة امرأة ذات جسد ذهبي، ناهدة الصدر. لقد طلبت صحبته كما طلبت أن يخاطبها وأن يعاونها".
ولما كان على علم بأن مفاتنها خداعة تماما، طالبها بأن تدير ظهرها ولكنها ردت عليه قائلة: يا زاراثوسترا الأستبماسى، حينما نكن، تكن النساء منا جميلات من الأمام، قبيحات بصورة مخيفة من الخلف، فلا تطالبنى بأن أدير ظهرى" ولكنه
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ١٤٨ تأليف أ. و. ف توملين ترجمة عبد الحميد سليم.
[ ٣٣٤ ]
أصر، وبعد أن عارضت للمرة الثالثة، وافقت على أن تدير ظهرها، عندئذ خرجت منها سلالة كريهة من الثعابين والضفادع البرية والسحالي وأم الأربع والأربعين، والضفادع البحرية، على أن المحنة الحقيقية جاءت فيما بعد في صورة هجمات شيطانية عليه، من بينها كان إيلاج رصاص مصهور في معدته، ولكن لم يفلح شيء في زعزعة إيمانه في عدالة الإله الذى تمتع بصحبته أعني "أهورامازدا"، وأخيرا كمكافأة له على تعبده الرواقى أهداه "أهورا مازدا" شخصيا بكتاب الحكمة السماوية الذي سمي فيما بعد باسم "أفيستا Avesta" وكان هذا هو الإنجيل الذي كان يحلم به وهو صبي، وبذا صار للمبعوث الآن إنجيله، وبرغم أن تبشيره قد لقي في بادئ الأمر أذنا صماء؛ لأن الفرس كان لديهم بالفعل آلهتهم وطقوسهم الطبيعية -إلا أن "زرادشت" قد بدأ بالتدريج في اجتذاب مهتدين، وعندما قرر في النهاية أمير فارسى يدعى "فيشتاسبا Vishastspa"، أو هيستاسبس Hystspes أن يعتنق العقيدة الجديدة بدأت حركة تحول دينية قوية؛ لأن هذا الأمير أعلن على الفور عن نيته في نشر العقيدة الزارادشتية في أرجاء مملكته، ولكن خليفة "قمبيز" وكان يعتقد في آلهة الماجيين القدامى Old Magingods سعى لاستئصال شأفة الديانة الزرادشتية، ولكن باعتلاء "داريوس الأول" العرش في سنة ٥٢١ ق. م. أعلنت العقيدة الزرادشية ديانة رسمية للفرس، ويعتقد بعض المؤرخين أن الأمير "هيستاسبس" الذي كان أول من صادق زرادشت لم يكن إلا ولد "داريوس" وإذا صح هذا القول فإن هذا ينهض دليلا على أن زارادشت قد ولد في أقدم تاريخ عزي إليه١.
- كانت آلهة الفرس السابقة لعصر "زرادشت" تحمل شبهًا كبيرًا لتلك الآلهة الواردة بالكتب المقدسة الهندية Vedas، وفي الواقع لقد كان كثيرا ما ينادي العلماء الهنود بأن الأفستا Avesta- تكاد تدين بكل تعاليمها الأساسية للفيداس بما في ذلك اسمها، لقد كان "البانثيون Pantheon أو مدفن عظماء الآلهة يضم إلهين عظيمين:
ميثرى Mithre إله الشمس، وأنيتا Anaita إله الأرض والخصوبة، وقد تأكدت أهمية عبادة الخصوبة أكثر من ذلك بعبادة هاووما Hama الإله الثور، الذي
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ١٤٩ص ١٥٠ تأليف أ. و. ف توملين.
[ ٣٣٥ ]
كان من المفروض أن دمه يهب الخلود لمن شربه، لقد كان عشب "هاووما" أول ما حلت به روح زرادشت في رحلتها البعيدة نحو مولده. ولما كانت الهاووما موجودة بصورة خاصة في الجبال لذا كانت لها خصائص مخدرة، وكانت عبادة الإله الثور تتمثل في شرب عصير النبات باعتباره مماثلا للدم الذي يهب الحياة.
ومن المحتمل أن يكون إله الهند "سوما Soma" مثل الهاووما، ونجد أيضا بين هؤلاء الناس القدامى آثارا واضحة لعبادة السلف: ديانة ترك احتفاؤها في الأزمنة المتحضرة فراغًا يملؤه مثل تلك الأمور البديلة المجردة مثل القومية، العقيدة الوحيدة التي قدمها الغرب للشرق.
لقد ذكرنا أن الكتب الزرادشتية المقدسة التي بقيت أعني الأفستا والنصوص البهلوية تصعب قراءتها على الدارس الغربي، ولا شك أن السبب في هذا هو أنه لا يكاد هناك شيء في الأدب الغربي يمكن مقارنته بها. والواقع هو أن النصوص التي بقيت لا تعدو أن تكون أجزاء من مجموعة كبيرة جدا من الكتب المقدسة١.
_________________
(١) ١ أ. و. ف توملين فلاسفة الشرق ص ١٥٠، ص ١٥١.
[ ٣٣٦ ]
مضمون العقيدة:
إن ما يبدو أن "زرادشت" قد فعله هو: تنقية عبادة الخصوبة من مظاهرها الخشنة. ولا شك أن زرادشت حاول أن يمنع أبناء وطنه من عبادة "الهاووما"١.
فهنا نجد أن قد ورد بوضوح ذكر جوهر علم اللاهوت الزرادشتي الذي هو صراع على مستوى العالم بين قوى الخير والشر، النور والظلمة "أهورا مازدا" وأهريمان Ahriman الشيطان الوحيد.
وبدلا من كونه الطوفان قد بعث به الله كجزاء وعقاب كما جاء في سفر التكوين نجد أن الكارثة الزرادشتية قد خططتها بدقة قوى الظلمة للإطاحة بـ "أهورامازدا". ويشكل صراع الريح والماء فحسب خلفية لصراع ثنائي هائل بين أهورامازدا، وخلفائه من ناحية "وأهزيمان" من ناحية أخرى. ولم يكن إلا عن طريق ما وهب به تيستار Tistar إله النجوم من "قوة عشرة جياد قوية وعشرة جمال قوية،
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ١٥٢، ص ١٥٤، ص ١٥٥ بتصرف.
[ ٣٣٦ ]
وعشرة ثيران قوية، وعشرة جبال وعشرة أنهر" إلى أن دبرت قوى الخير أن تكون لها السيادة بالفعل١.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ١٥٢، ص ١٥٤، ص١٥٥ بتصرف.
[ ٣٣٧ ]
الخير والشر:
ونجد في "زاد سبارام" رواية رمزية غامضة عن الخلاف المتأصل بين: "أهورامازدا" و"أهزيمان" ونحاط علما في كلمات تذكرنا بسفر التكوين القديم أنه في بداية الزمن "كان النور فوق والظلمة تحت، وبين هذين الاثنين فراغ مكشوف" وقد سكن "أهورامازدا" مملكة النور كما سكن "أهريمان" مملكة الظلام، وفي الوقت الذي كان فيه "أهورامازدا" على علم بوجود "أهريمان" وقدومه للصراع لم يكن "أهريمان" مع ذلك على علم بمملكة النور التى فوق رأسه، وذات يوم في أثناء تسكعه في الظلام، خرج "أهريمان" مصادفة من المناطق السفلية وإذا به يرى شعاعا من النور؛ ونظرا لاختلاف طبيعة ذلك الشعاع في اعتقاده "جاهد أهريمان للوصول إليه" حتى يمكن أيضا أن يدخل في نطاق نفوذه المطلق: عند ذلك اقترب "أهورامازدا" من الحدود١.
ولو رجعنا إلى الوصايا العشر العبرية لوجدنا أن ثمانية من بنودها من النواهي والتعاليم الزرادشتية برغم ما تضمنته من النواهي والمتناقضات في لاهوتيتها، إلا أنها في مجموعها إيجابية في وصاياها٢.
أما عن أن هدف زرادشت الرئيسي فكان بالأحرى تنقية العقيدة التقليدية لأبناء وطنه لا الإطاحة بها، فتشير إليه عدة أصول، فقد كان "مثرى" إله الشمس، وهو أبعد من أن يطرد، يعبد على أنه نار سماوية، كما كان يمتدح في معظم الأناشيد الزرادشتية و"هاووما" الثور، وتماما مثلما لم يكن مسموحا لأتباع زرادشت بأن تكون لهم معابد، فكذلك كان محظورا عليهم أن تكون لهم أصنام٣.
وهنا نجد عبارة طويلة عن الإقلاع عن شيء واتجاها بصورة خاصة إلى التخلص من نفوذ الشياطين: "من بعيد أنا أنكر الشياطين وكل من تتملكهم: العرافين، وكل
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص١٥٧، ص١٥٨. ٢ السابق ص١٥٩. ٣ المرجع السابق ص١٦١.
[ ٣٣٧ ]
من يصدقون أساليبهم، وكل كائن حي موجود ينهج نهجهم، إننى أنكر أساليبهم، كما أنكر كلماتهم وأفعالهم، وذريتهم التي تفشي خطيئتهم، إنني أنكر رعايتهم كما أنكر رئاستهم.
ويقال أحيانا بأن زرادشت في توكيد سمو أهورامازدا كان يقصد إنكار حقيقة الشياطين١.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ١٦١، ص١٦٢.
[ ٣٣٨ ]
زرادشت وكتاب الأفستا:
إن الديانة الفارسية من حيث لاهوتها، ومن حيث المستوى الخلقي الأدبي لا تضاهيها ديانة أخرى من ديانات العالم القديم باستثناء الديانتين اليهودية والمسيحية.
وهي ديانة تفضل الديانات التي كانت تدين بها بلاد ما بين النهرين ومصر واليونان، ومؤسس الديانة الإيرانية الوطنية التي كانت تدين بها السلالة الأخمينية إلى الدولة الساسانية، كان زرادشت وهو مصلح ديني من ميديا توفى حوالى٦٠٠ ق. م. وقد اكتنفت حياته هالة من الأسرار والأساطير. وكان الدين الجديد الذي بشر به عميق الجذور في المعتقدات الشعبية الإيرانية التي لم تكن تختلف عن المعتقدات الشعبية عند قدامى الهنود. وكتاب الزرادشتية المقدس ويعرف بكتاب الأفستا، من أقدم الكتب الأدبية في بلاد فارس، وهو مجموعة أقوال قديمة تعزى إلى النبي زرادشت، وتراتيل دينية ترتل عند تقديم الذبائح وصلوات وشرائع كهنوتية وطقوس عبادة جوهر الديانة الزرادشتية تقوم على ثنائية تجسد المبدأين المتضادين مبدأ الخير ومبدأ الشر، أو مبدأي النور والظلام، ويمثل هذين المبدأين إلهان كبيران -أهورا مازدا "أو رمازد" وضده أهريمان؛ والمبدآن الخير والشر مبدآن يتصفان بقوى مبدعة خالقة، ويذكرنا الإله أهورامازدا بالإله العبري يهوه بوصفه إلها كلي المعرفة، كلي الوجود، غير مخلوق، مبدعا لكل ما هو نقي وحي، وأما ضد أهريمان فيذكرنا بالشيطان على ما نعرفه في العصور التالية. والزرادشتية تتصور الحياة أنها صراع دائم بين هاتين القوتين، قوة الخير وقوة الشر١.
_________________
(١) ١ خمسة آلاف سنة جـ١ ص٩٤.
[ ٣٣٨ ]
وأما النصر النهائي فلمبدأ الخير، وواجب المؤمن الديني والخلقي أن يقوم بكل عمل من شأنه مساعدة قوة الخير؛ لكي تنتصر على قوة الشر، وجميع أفكار الإنسان وأعماله وأقواله مكتوبة في سجل الحياة؛ لتقابل يومًا بأعماله الشريرة وبخطاياه التي لا يمكن الإغضاء عنها أو منحه المغفرة عن واحدة منها، وعندما تفارق الروح الجسد تقاد إلى ما يسمونه -جسر الحساب- الذي يتحتم على نفس المرء أن تعبره؛ لتدخل ملكوت السماء، وإذا رجحت كفة ميزان الأعمال الصالحة التي علمها الإنسان في حياته سمح له أن يعبر الجسر، وإلا فإنه يهوي من على الجسر إلى جهنم.
وفكرة الجسر تشبه الميزان عند المصريين القدماء ومن بعدهم الصراط عند المسلمين؛ لأن فكرة الحياة الثانية بعد الموت كما هي في القرآن الكريم، وكما هي في العهد الجديد والتى تتوقف على الأعمال الصالحة التى يقوم بها المرء في الحياة الدنيا أقرب إلى أن تكون فكرة وثيقة الصلة بكتاب الأفستا عند الفرس وكتاب الموتى عند المصريين، منها أن تكون فكرة مستمدة من العهد القديم؛ أما تحريم حرق الجثة أو دفنها، وتركيز العبادة حول النار المقدسة على المذابح تلك التي أصبحت فيما بعد هياكل للنار المقدسة فهي أمور دخلت الزرادشتية وتطورت في عصور تالية. أما الشهادة التي يطلب إلى معتنق الديانة أن يؤديها، فتشهد على مبلغ سمو مستوى الشريعة الخلقية في ديانة زرادشت، يقول الداخل في الدين "أقسم أني منذ اليوم أمتنع عن اللصوصية، وسرقة الماشية، والنهب وتدمير القرى التي تخص المؤمنين من عباد مزدا وأعد أرباب البيوت المقيمين مع ماشيتهم في أية بقعة من بقاع الأرض أن لا أتعرض لهم بسوء، وأن يتجولوا أنى يشاؤون ويقيموا أنى يشاؤون دون أن يزعجهم أحد، وبكل خشوع رافعا يدي إلى السماء إلى آشا -أقسم على هذا، ومنذ الآن أعد بأن لا أجلب الخراب والدمار على القرى المزدية حتى إن كان ذلك للأخذ بثأر قتيل.
وأعترف أني من عباد مزدا وتابع من أتباع زرادشت ومن المؤمنين بهما، كما أومن بالأفكار النافعة والأقوال الحكيمة والأعمال الصالحة"، وآخر عبارة في هذا القسم هي شعار الديانة الزرادشتية١.
_________________
(١) ١ Zenaide A.R. agazin، Medaia، Balybon and Persia، p. ١١١ وأيضا خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدني جـ١ ص ٩٦.
[ ٣٣٩ ]
بعد دخول الإسلام بلاد فارس في العقد الثالث من القرن السابع للميلاد، ولم يبقَ من أتباع زرادشت سوى عدد قليل جدًّا، وقد بقيت من أولئك القلائل الذين لجأوا إلى مدينة بومباي أو إلى ضواحيها جالية إلى يومنا هذا تعرف بجماعة البارسي -أي الفرس- تخلت عن كثير من المعتقدات الدينية القديمة التى تدور حول أهريمان، وبذلك أصبحوا من أصحاب التوحيد١.
وهذه الديانة لا تجيز عبادة الأصنام أو احترام الأوثان مطلقا، ولا تقر إلا بإله واحد أزلي سرمدي أبدي ليس له شريك في الملك ومنه الأمر وإليه يرجع، ويسمون "الله": "أورمزيد. أو -هرمز أو هرمس" والإله "إيزد"، ويعتقدون بخلود النفس وبعالم آخر بعد الموت يكون فيه العقاب والثواب، ولكن يعتقدون بأن الله خلق مع الخلق قوتين عظيمتين:
اسم أولاهما: يزدان مصدر الخير.
واسم الثانية: أهرمن مصدر الشر.
فجميع الخيرات والشرور في هذه الدنيا ينسب إلى هاتين القوتين ويفسرهما حكماؤهم بالعقل والنفس.
وهم يبجلون ويعظمون كل الأقمار والكواكب والنجوم وجميع النيرات المضيئات بقولهم: إنها مظاهر الأنوار الأبدية ولا سيما الشمس فإنهم يتعاونون في تعظيمها؛ لاعتقادهم فيها أنها مصدر النور والحرارة، وهما أصل مادة الحياة وأعظم وساطة عند الله تعالى، وأكبر مظهر من مظاهر الله، ولولاها لما وجد كائن حي في العوالم التى تحت نظامها.
ويوجد في كتبهم أخبار متعددة عن ظهور مجدد ومصلح جديد، ويوجد لهذا المصلح علامات في تلك الكتب ينطبق البعض فيها صراحة على أحوال حضرة صاحب الرسالة "الرسول"، والبعض جاء تلميحًا وتأويلًا٢.
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق جزءًا وصفحة. ٢ يراجع: مفتاح باب الأبواب زعيم الدولة الدكتور ميرزا محمد مهدى خان رئيس الحكماء الإيرانى والأذربيجاني التبريزي نزيل مصر ط١ مطبعة مجلة المنار سنة ١٣٢١.
[ ٣٤٠ ]
والمجوس إنما يعظمون النار لمعانٍ فيها منها: أنها جوهر شريف علوي، ومنها: أنها ما أحرقت إبراهيم، ومنها: ظنهم أن التعظيم لها ينجيهم في "المعاد" من عذاب النار.
وبالجملة: هى قبلة لهم، ووسيلة وإنارة.
ومن عجيب الأمر أن فارس المقدسة لو كانت في عصرنا لدلت العلماء على آبار البترول التي تغذيها، فالنار كان وراءها سر عجيب وهو البترول كم أفنت تلك النار آبارا.
يقول الشهرستاني: ولقد كان في كل أمة من الأمم قوم مثل الإباحية والمزدكية والزنادقة والقرامطة وكان تشويش ذلك الدين منهم وفتنة الناس مقصورة عليهم١.
ويقول فيليب حتى: عبدة النار "المجوس" من أتباع زرادشت٢ هي أصفى وأطهر العناصر المخلوقة لا على أنها هي الخلاق المعبود، وقال مشيرًا إلى أن المجوسية سابقة على كون زرادشت قد استخلص من أخلاط المجوسية وسطا بين العقيدة الوثنية الأولى والعقيدة الإلهية الحديثة٣.
ويقول الشهرستاني فارقا بين المجوسية والحنفية: إن الحنفية هى الملة الكبرى والشريعة العظمى وذلك هو الدين القيم.
والتوحيد من أخص أركان الحنفية، ولهذا يقترن نفي الشرك بكل موضع ذكر فيه الحنيفية "حنيفا" وما كان من المشركين.
ويقول: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ راجع الملل والنحل "١٩: ٢١٦" كذلك يراجع المسعودى مروج الذهب "١: ١٧٢". ٢ تاريخ سورية "٢: ٩٩". ٣ الله -للعقاد "ص ١٠٩: ١١٠". ٤ الآية ٣١ من سورة الحج.
[ ٣٤١ ]
ثم إن الثانوية اختصت بالمجوس الذين أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين.
يقتسمان الخير والشر والنفع والضر والصلاح والفساد. يسمون أحدهما: النور والآخر الظلمة، وبالفارسية: يزدان وأترامان.
ومسائل المجوسية كلها تدور على قاعدتين اثنتين:
إحداهما: بيان سبب امتزاج النور والظلمة.
والثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة.
وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معادا١.
وقد أصاب الشهرستاني حين قال: إن هذه الثنوية هي ألزم سمات المذاهب المجوسية؛ لأنها تتراءى في كل مذهب منها بلا استثناء، وهي كذلك أبقى منها في مجال التفكير ومجال الاعتقاد على السواء؛ لأننا نرى منها ملامح اليونان٢.
_________________
(١) ١ الشهرستاني -الملل والنحل "١: ٢١٢". ٢ الله: للعقاد ص١١٩.
[ ٣٤٢ ]
المجوسية والعرب
مدخل
المجوسية والعرب:
وقد عرف علماء اللغة بأن لفظة "مجوس" من الألفاظ المعربة، وقد ذهبوا إلى أنها معربة عن الفارسية القديمة، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم في أصل اللفظة وفي بيان معناها؛ وذهبوا في ذلك مذاهب.
وإذا صحَّ ما ورد في شطر بيت منسوب إلى الشاعر الجاهلي: التوأم اليشكري المعاصر لامرئ القيس، هو:
كنارِ مجوسَ تستعرُ استعارَا
فإن فيه دلالة على أن هذا الشاعر هو وامرؤ القيس كانا على علم بنار المجوس، وكان مجوس اليمن من الفرس الذين أرسلهم كسرى؛ لطرد الحبش من اليمن فهم وأبناؤهم كانوا على هذا الدين.
دين الإمبراطورية الفارسية، ولما ظهر الإسلام نبذ هؤلاء المجوسية، واعتنقوا الإسلام.
وأما مجوس عمان، وبقية أنحاء العربية الجنوبية فقد كانوا من الفرس كذلك، وأما مجوس البحرين فقد كانوا أكثر عددًا، وأكبر نفوذًا من إخوانهم في عمان؛ لقرب
[ ٣٤٢ ]
هذه الأرضين من إمبراطورية الساسانيين، ولهجة الفرس من السواحل المقابلة، ومن طريق الأبلة الساحلي١.
وقد عرف عالم المجوس ورئيسهم الروحي عند العرب بـ "الموبذان" وعرف كبيرهم بـ "موبذان موبذ"؛ وجعل بعض العلماء "الموبذان" بمنزلة قاضي القضاة للمسلمين؛ والموبذ بمنزلة القاضي.
وقد فسر المسعودي لفظة "الموبذ" بمعنى حافظ الدين، ورجع أصلها إلى "مو" بمعنى دين في رأيه؛ و"بذ" بمعنى حافظ.
ورأى اليعقوبي: أن "الموبذان" بمعنى عالم العلماء، وقد ذكر الألوسي أن صنفًا من العرب عبد النار، وقال عنهم: وهم أشتات من العرب، وكأن ذلك سري إليهم من الفرس والمجوس٢.
وإلى النعمان تشير الروايات متحدثة عن قصة تلقبه بالسائح، فتذكر أنه جلس يومًا في مجلسه من الخورنق، فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان مما يلى المغرب، وعلى الفرات مما يلي الشرق وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر قط؟ فقال: لا، لو كان يدوم. قال: فما الذي يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة، قال: فبم ينال ذاك؟ قال: بتركك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده، فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح، وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به.
وقد يكون في هذه القصة تفسير؛ لاعتناقه النصرانية وتفكره بخلق الله وعزوفه عن العبادة الوثنية. وهناك روايات تنسب تنصره إلى غير هذه القصة، فتقول: إنه تنصر بتأثير القديس سمعان العموري الذي يقوم بالتبشير للمسيحية بين أهل الحيرة، وإن سمعان هذا شفاه ببركته من مرض كان به فتنصر٣.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٩٣، غرائب اللغة ص٢٦٩. ٢ السابق ص٦٩٥، واللسان ٣/ ٥١٣. ٣ تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص١٨٢، ص١٨٣، الطبرى الجزء الثاني ص٦٧، جواد على الجزء الرابع ص٤١.
[ ٣٤٣ ]
وقد خلف المنذر الأول "٤١٨-٤٦٢" أباه النعمان على العرش وكانت له متزلة رفيعة عند كسرى الفارسي يزدجرد حتى إنه على ما يذكر الطبري شرفه وأكرمه وملكه على العرب وحباه بمرتبتين سنيتين تدعي أحداهما رام أبزووذ يزدجرد وتأويلها "زادسرور يزدجرد" والأخرى تدعى بمهشت وتأويلها "أعظم الخول" وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلة. وقد فوض يزدجرد المنذر بحكم جميع الأرض -أرض العرب١.
والمنذر بن امرئ القيس المعروف بابن ماء السماء "٥١٢-٥٥٤" هو أول المشهورين من ملوك الحيرة المناذرة اللخميين، وماء السماء هو لقب أُمِّهِ مارية بنت عوف بن جشم ينتهى نسبه إلى النمر بن قاسط، وقد لعب المنذر هذا دورا بارزا في الحروب التى قامت بين فارس وبيزنطة في عصره؛ ففي سنة ٥١٨ قام كسرى الفارسي قباذ يطالب الإمبراطور البيزنطة جوستين الأول بدفع الأتاوة التي قبلت بيزنطة بدفعها لفارس في الصلح الذي عقد بينهما عام ٥٠٦، ولما تباطأ جوستين بدفع الاتاوة قام المنذر بتحريض من قباذ بالهجوم على الممتلكات البيزنطية في سورية سنة٢ ٥١٩.
وفي أيام المنذر وقع الاحتلال الحبشي لليمن، فاتسع بذلك نفوذ الروم في بلاد العرب، وذلك لما يربط الأحباش بالبيزنطيين من روابط ودٍّ أساسها تدينهما بدين واحد، وفي سنة ٥٤٥ وقَّعت فارس وبيزنطة هدنة جديدة مدتها خمس سنوات.
ولكن هذه الهدنة لم تؤد إلى توقف المناوشات بين الحارث بن جبلة -الذى كان قد عين ملكا على عرب الشام- والمنذر بن ماء السماء٣، وتمكن المنذر في إحدى المرات من أسر ابن الحارث فقدمه للإله العزى.
ولعل من المهم قبل أن نختم هذه الصفحة المشرقة من تاريخ دولة المناذرة التى خطها المنذر بن ماء السماء بدمه وعصبه أن نشير إلى النزاع الذي قام بينه وبين الكسرى الفارسي قباذ من أجل الذهب المزدكي.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص١٨٣، ص١٨٤، الطبرى جـ٢ ص٦٩، جواد على جـ٤ ص٤٤. ٢ نفس المرجع ص١٨٦. ٣ تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص١٨٧ بتصرف.
[ ٣٤٤ ]
وتفصيل الأمر أن قباذ "٤٨٨-٥٣١" كان يحكم في فترة اضطربت فيها الأحوال في فارس وزاد تسلط كبار المُلَّاك ورجال الإقطاع، ففكر في طريقة يضع فيها حدًّا لتسلطهم وما يمثلونه من خطر حتى على ملكه بالذات فوجد أن خير ما يفعل هو نشر تعاليم مزدك بين أتباعه وأهل مملكته فإذا انتشرت هذه المبادئ كانت كفيلة بالقضاء على الأغنياء ورجال الدين المتنفعين. وكان مزدك وأصحابه يقولون: "إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض؛ ليقسمها العباد بينهم بالتأسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترض السفلة ذلك واغتنموه وكاتفوا -أي عاونوا- مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم".
وفي هذا الوصف لمذهب مزدك الذي يقدمه الطبري شرح لآرائه التي كانت تقوم على الاعتقاد بأن الغيرة والحقد والتنافس بين الناس منشؤها شيئان هما: المال والنساء، فإذا جعلنا هذين الشيئين مشاعا بين الناس زالت هذه المساوئ التى تفرقهم وتخلق الفتن بينهم. وقد تبع الكثير من العامة هذا المبدأ فقوى وازدادت قوته بانضمام قباذ إليه، وطلب قباذ من المنذر أن يعتنق المزدكية فرفض المنذر ذلك، فغضب قباذ وعزل المنذر عن ملك الحيرة، وكان ذلك على ما يقرر جواد علي بعد مناقشات طويلة في سنة ما تقع بين "٥١٥، ٥٣١".
وقد لجأ المنذر بعد عزله إلى القبائل العربية في الصحراء وظل لاجئا عندهم حتى توفي قباذ وملك بعده ابنه أنوشروان الذي قاوم المزدكية وعارضها منذ حياة أبيه١، فأعاد المنذر إلى ملك الحيرة.
كان قباذ حين عزل المنذر، قد ولَّى عرش الحيرة الحارث بن عمرو الكندى -من كندة- وقد عزله أنوشروان بعد وفاة قباذ، وأعاد العرش إلى صاحبه الأول، ويعلق جواد علي هذه القضية بقوله:
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق ص١٨٨، ص١٨٩.
[ ٣٤٥ ]
"وليس بمستبعد في نظري أن تكون هذه القصة قصة دخول الحارث الكندي في المزدكية، ومتابعته دين قباذ من وضع أهل الحيرة المعادين لكندة؛ وضعوها وألصقوها بالحارث الكندي؛ لتكون سبة له وعارًا عليه وعلى كندة؛ لهذا العمل الذي قام به تجاههم، وهم كما نعلم يكرهون هذا الكندي، وينكرون توليه الحيرة، ولا يدخلون اسمه في قائمة ملوك الحيرة، كما صرح بذلك ابن الكلبي.
يقول ابن قتيبة: وكانت المجوسية في تميم، ومنهم زرارة بن عدس التيمي، وابن حاجب بن زرارة، وكان تزوج ابنته ثم ندم. ومنهم: الأقرع بن حابس؛ وكان مجوسيا، وأبو سودة جد وكيع بن حسان، وكان مجوسيا.
قال أبوحاتم: إن المجوسية لم تكن فيهم -العرب- على ما ذكره الرواة وقالوا: سمى "دقئوس" باسم ابنة كسرى وتزوجها فعيره بذلك أهل بيته:
فقال: أليست حلالا في ديني؟ ثم ندم على ذلك وأنشأ يقول:
لحا الله دينك من أغلف تحل البنات لنا والخوات
أحشت على أسرتى سوءة وطوقت جيلي بالمخزيات
وأبقيت في عقبي سنة مشاتم تحيا بعيد الممات١
ثم قال: ولم يتمجس منهم أحد قبل.
ويقول: ويقال: إن المجوسية كانت في بني تميم.
ويقول: وروي عن أبي عمرو بن العلاء أن نسرا كان صنما لبعض حمير وكانوا فيما يزعمون مجوسا.
_________________
(١) ١ وقال أبو حاتم الرازى وهو الشيخ أحمد بن حمدان الرازي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ وفي كتابه الزينة في المصطلحات الإسلامية عارضه وعلق عليه حسين بن فيض الله الهمداني البعيرى سنة ١٩٥٦. وذكر مراجعة: المعارف لابن قتيبة ٢٢٩. الشعر والشعراء: ٤٤٦ العقد الفريد: "١/ ١٧٤". أعلام النبوة للماوردي. ص ١٦٨ سنن أبي داود في الخراج عن محمد بن المسكين والذخائر عن عبد الله بن عباس ٣١٣.
[ ٣٤٦ ]
وهم الذين ذكروا في كتاب الله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢١، ٢٤] .
ويقال أن بقايا المجوس الذين كانوا باليمن والبحرين منهم.
[ ٣٤٧ ]
علاقة الإسلام بهم:
سنن أبي داود: عن عباس ﵁ قال: كان رجل من الإسبنديين من أهل البحرين١ -وهم مجوس- هاجر إلى رسول الله فمكث عنده ثم خرج، فسألته ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: بشر. قلت: مه؟ قال: الإسلام أو القتل.
قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية.
قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا من الأسبندي، "الأسبنديون منسوبون إلى بلدة بهجر بالبحرين"، وقيل: الكلمة فارسية ومعناها: عبدة الفرس وكانوا يعبدون فرسا، والفرس في لغة الفرس: أسب.
وفي حديث آخر عن عمر بن أوس: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس.
ثم قال: وفرقنا بين كل رجل من المجوس وحرمه في كتاب الله.
مرويات لم تحقق:
_________________
(١) ١ بعث رسول الله العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي وهو بالبحرين يدعوه إلى الإسلام، وكتب إليه كتابا، فكتب إلى رسول الله يقول: وإني قد قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام وبأرضي مجوس ويهود "طبقات ابن سعد".
[ ٣٤٧ ]
عن ابن عباس قال: إن أهل فارس لما مات نبيهم كتب لهم إبليس كتابًا.
[ ٣٤٨ ]
القدرية والمجوس:
قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث والأثر" "٤: ٨٥": من حديث أبي هريرة قال:
القدرية مجوس هذه الأمة.
قيل: إنما جعلهم مجوسا؛ لمضاهاة المجوس في قولهم بالأصلين وهما: النور والظلمة.
يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة.
وكذا القدرية: يضيفون الخير إلى الله، والشر: إلى الإنسان والشيطان، والله تعالى خالقهما معا لا يكون شيء منهما إلا بمشيئة الله، فهما مضافان إليه خلقا وإيجادا وإلى الفاعلين لهما: عملا وكتابا.
المشركون والمجوس:
"الذين أشركوا" قال الألوسى: هم المجوس، ووصفوا بالإشراك؛ لأنهم يقولون بالنور والظلمة١.
النيسابوري على هامش الطبرى يقول٢: ومن الذين أشركوا: عبدة النار وهم المجوس.
لماذا كان حاجب بن زرارة هو الذي تمجس؟
يقول صاحب السيرة الحلبية٣: لما أجدبت أرض تميم "بدعاء" النبي -ﷺ- عليهم ذهب سيدهم حاجب بن زرارة والد عطارد ﵁ إلى كسرى؛ ليأخذ منه أمانا لقومه؛ لينزلوا ريف العراق؛ لأجل المرعى، فقال له كسرى: أنتم قوم غدر وأخاف على الرعايا منكم، فقال له حاجب: أنا ضامن أن لا نفعل شيئا من ذلك، فقال له كسرى: ومن لي بوفائك؟
_________________
(١) ١ روح المعانى "١: ٢٧٠". ٢ "١: ٩٧". ٣ ص"١: ١٠".
[ ٣٤٨ ]
قال: هذه فرسي رهينة، فحمقه كسرى وجلساؤه وضحكوا منه، فقال له: العرب لو رهن أحدهم شيئا فلا بد أن يفي به، فكانت بنو تميم تعد ذلك القول من مفاخرها.
وأورد البلاذري في فتوح البلدان، قال: أخذ رسول الله الجزية من مجوس هجر.
ومجوس أهل اليمن وفرض على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن من رجل وامرأة دينارًا. هذه روايات تفيد أن المجوسية هي دين زرادشت في المفهوم العربي.
وأما الروايات التاريخية الخاصة بتجمس حاجب بن زرارة فهي -من وجهة نظري- غير صحيحة؛ لأننا تتبعنا كلمة وفد بني تميم بين يدي الرسول فما وجدنا ما يشير من قريب أو بعيد إلى نسبة المجوسية إليهم أو نسبتهم إليها سواء أكان القول قول خطيبهم أم كان القول قول حسان بن ثابت.
وإذا كنا رفضنا الرواية الخاصة بحاجب بن زرارة فإنا لا نمنع أن يكون بين قومه من تمجس، ولا سيما أنهم كانوا من غسان وهم ملوك الشام وهم وسط الأعاجم يقول حسان:
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
وجاء في كلمة وفد بنى تميم ما يفيد ذلك على لسان الزبرقان "من أسماء القمر" حيث قال:
نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع
يقال عن الزبرقان إنه كان يرفع بيتا من عمائم وثياب وينضحه بالزعفران والطيب، وكانت بنو تميم تحج ذلك البيت، قال الشاعر وهو المخبل السعدى وأمه كعب بن ربيعة:
وأشهر من عوف جلولا كثيرة
[ ٣٤٩ ]
حنفاء العرب رواد الثقافة الهلينستية:
يقول خودا بخش: كان العرب -كما يبدو يقدسون آلهتهم، فيحجون إلى أماكنهم المقدسة ويقدمون الأضحيات في معابدهم، ويخضبون بدماء هذه الأضحيات الهياكل المصنوعة من الأحجار أو الخشب ويستجيرون بكهنتها في وقت الشدة ويسألونهم عما يخبئه المستقبل، ولكن كان ذلك تظاهرا وتصنعا فلم يكن هناك شعور بإيمان حقيقي.
يقول دوزي: كان العربي يبدي غضبه لأقل شيء على الآلهة ويخاطبهم وكأنه يعرف حقيقتهم فيسخر منهم.
ومن هذه المظاهر التي لوحظت عليهم: وضح لنا أن عرب ما قبل الإسلام كانوا في حالة قلق ديني عاجزين عن الوصول إلى ما هو أحسن بحيث يرضي حاجاتهم ومطالبهم، ويمارسون عبادة الأوثان، ولكن بدون شعور بإيمان حقيقي، ووجود المسيحية واليهودية بينهم أبرز حالة القلق الديني وأدى ببعض منهم إلى تحويل أفكارهم من الوثنية إلى أفكار أسمى وسعوا في طلبها.
وسنقدم عدة نماذج من الذين سخطوا على أوثانهم، وكان وراء هذا السخط بعض الخطوات الفكرية ومن أهم ما نشير إليه من تلك الخطوات الفكرية "عدم معقولية الإله أو المعبود"، وهذا المعنى يفيده موقف الساخطين ولازم أيضا للذين تشككوا في أوثانهم ورغبوا عنها إلى ملة سماوية.
[ ٣٥٠ ]
سحب الثقة من عبادة الأصنام:
أولا: موقف الساخطين على الأوثان:
١- ذو الخلصة وامرؤ القيس:
لما أقبل امرؤ القيس بن حجر يريد الغارة على بني أسد مر بذى الخلصة، وكان صنما بتبالة، وكانت العرب جميعا تعظمه، وكانت له ثلاثة أقداح: الآمر، والناهي، والمتربص، فاستقسم عنده ثلاث مرات:
فخرج الناهي، فكسر القداح وضرب وجه الصنم، وقال:
[ ٣٥٠ ]
لو كنت يا ذا الخلص الموتورا مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا
لو كان أبوك هو الذي قتل ما توانيت عن الثأر، ثم غزا بني أسد فظفر بهم.
فلما فتح رسول الله مكة وأسلمت العرب ووفدت عليه وفودها قدم عليه جرير بن عبد الله مسلما فقال له: يا جرير ألا تكفينى ذا الخلصة؟ فقال: بلى، فوجهه إليه، فخرج حتى أتى بني أحمس من بجيلة فسار بهم إليه فقاتلته خثعم وباهلة دونه، فقتل من سدنته ومن باهلة يومئذ مائة رجل وأكثر القتل في خثعم، وقتل مائتين من بنى قحافة بن عامر بن خثعم، فظفر بهم وهزمهم وهدم بنيان ذى الخلصة. وأضرم فيه النار فاحترق، وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة.
٢- سعد:
وكان لمالك وملكان ابني كنانة صنم يقال له: سعد، وكان صخرة طويلة، فأقبل رجل منهم بإبل له؛ ليقفها عليه يتبرك فيها، فلما أدناها منه نفرت منه وكان يهراق عليها الدماء، فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه وأسف فتناول حجرا فرماه به وقال: لا بارك الله فيك إلها نفرت عليَّ إبلي. ثم خرج في طلبها حتى جمعها وانصرف عنه وهو يقول:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد، فلا نحن من سعدِ
وهل سعد إلا صخرة بتنوفةٍ من الأرض لا يدعى لغيٍّ ولا رشدِ
٣- وقال أوس بن حجر يحلف باللات:
وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله إن الله منهن أكبرُ
٤- وقال بعضهم حين وجد الثعلبان بال على رأس صنمه:
إله يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ
ويروى: "أرَبٌّ" بدل "إله" وقال شاعر:
أكلت ربها حنيفة من جو ع قديم بها ومن إعوازِ
[ ٣٥١ ]
وقال آخر:
أكلت حنيفة ربها زمن التقحم والمجاعهْ
لم يحذروا من ربهم سوء العواقب والتباعهْ١
_________________
(١) ١ الأصنام ص٤ هامش، وتاج العروس مادة ث. ع. ل. ب.
[ ٣٥٢ ]
ثانيا: المتشككون في أوثانهم:
الحنيفية:
ما معنى الحنيف؟
في معنى الحنيف أقوال:
١- هو المائل عن الأديان كلها. قاله ابن عباس.
٢- أو المائل عما عليه العامة. قاله الزجاج.
٣- أو المستقيم. قاله بن قتيبة.
٤- أو الحاج. قاله ابن عباس وابن الحنفية.
٥- أو المتبع. قاله مجاهد.
٦- أو المخلص. قاله السدي.
٧- أو المخالف للكل. قاله ابن حجر.
٨- أو المسلم. قاله الضحاك.
٩- قالوا: فإذا جمع الحنيف مع المسلم فهو الحاج أو المختتن.
١٠- أو الحنف هو الاختتان وإقامة المناسك وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات.
روى أبو حيان المفسر١ عشرة أقوال متقاربة في المعنى.
وإنما خص إبراهيم بالإمامة لما سنه من مناسك الحج والختان وغير ذلك من شرائع الإسلام مما تبتدئ به إلى قيام الساعة.
وصارت الحنيفية علما مميزا بين المؤمن والكافر.
_________________
(١) ١ البحر المحيط "١: ٤٠١" وقال الراغب الأصفهاني "١: ٢٩٠" على هامش النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: وسَمَّت العرب كل من حج أو اختتن حنيفا؛ تنبيها أنه على دين إبراهيم. وابن الأثير في كتابه السابق أورد حنفاء مؤمنين لم أخذ عليهم الميثاق: "ألست بربكم قالوا بلى" فلا يوجد أحد إلا وهو مقر بأن له ربا وأن الحنيف عند العرب: ما كان على دين إبراهيم.
[ ٣٥٢ ]
وسمي الحنيف من ابتعد واستقام على هديه وسمي المنكث عن ملته بسائر أسماء الملل، فقيل يهودي، ونصراني، ومجوسي وغير ذلك من ضروب الملل.
والآراء الكثيرة المذكورة تتجه وجهتين:
وجهة الاتجاه اللغوي عند العرب، وتعني المائل أو المخالف.
والوجهة الثانية اصطلاحية: وتعني من اتخذ وجهته نحو إبراهيم دينا، من حديث التوحيد أو شريعة من اختتن أو شعائر الحج. ومن حيث المنهج الإسلامى: سوَّى القرآن بين الحنيفية والإسلام والفطرة.
يقرر الشهرستاني١: إن الصبوة في مقابل الحنيفية، فيقول: وكانت الفرق في زمان إبراهيم راجعة إلى صنفين اثنين: حنفاء وصابئة.
ومدار مذهب الصابئة: التعصب للروحانيين.
والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب.
ومدار مذهب الحنفاء هو: التعصب للبشرية الجسمانيين.
والحنفاء تدعي أن مذهبها الفطرة.
وكانوا يقولون: إنا نحتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في الطهارة والعصمة والتأييد فوق الروحانيات، ويماثلنا في البشرية، ويمايزنا في الروحانية.
ويتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقي إلى النوع الإنساني بطرف البشرية.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢، وقال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣، ولقد قررها: إبراهيم، وأطلق عليها: الملة الكبرى، والأنبياء بعده أطلقوا على دينهم وصف الحنيف، ولا سيما القرآن، فالتوحيد كان من أخص أركان الحنيفية، ولهذا يقترن عدم الشرك بكل موضع ذكرت الحنيفية فيه.
_________________
(١) ١ الملل والنحل ص٦ جـ٢. ٢ سورة الكهف آية ١١٠. ٣ سورة الإسراء آية ٩٤.
[ ٣٥٣ ]
قال تعالى: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ . [سورة النحل: ١٢٣] .
وقال: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [سورة الحج: ٣١] .
والصابئة بمذهبها الروحي وعمقها التاريخي تضع أمامنا مشكلة وهي:
كيف عرف الإنسان الاتجاه الروحي -وهو أعقد من الاتجاه المادي؟ أعرف بالعقل؟ أم بالوحي؟ وهل الإنسان فكر أو لا.. ماديا أو روحيًّا؟
يجيب الشهرستاني في المناظرة بين الصابئة والحنفاء: إنهم عرفوه أي الاتجاه الروحي من الأنبياء١.
بعد ما قلناه عن معنى الحنيفية ترجع إلى الحنفاء الشاكين في أصنامهم فنقول: إن التعدد في الأصنام، والأنصاب، وإنشاء البيوت المقدسة لها، كي يزاحم بها الكعبة، مع نظرات الساخطين عليها، إلى وجود المسيحية، بجانب اليهود، وأشتات من الصابئة، ولاجئين من المجوس، كل ذلك: حفلت به الجزيرة العربية وله آثاره الواضحة في خلق آفاق جديدة من التفكير لدى بعض أفراد أداهم ميلهم العقلي إلى تقويم ما حولهم من وثنية، واضطلعوا بعبء مسئولية التفكير فيها.
قال الشافعى في الأم: فكانت المجوس يدينون غير دين أهل الأوثان، ويخالفون أهل الكتاب من اليهود والنصارى في بعض دينهم، وكان أهل الكتاب اليهود والنصارى يختلفون في بعض أحكام دينهم.
ويقول الشيخ مصطفى عبد الرازق معلقًا:
وكان هذا الجدل يتناول بالضرورة شئون الألوهية والرسالة والبعث والآخرة والملائكة والجن والأرواح، ويدعو إلى الموازنة بين المذاهب المختلفة في تلك الشئون وقوي أمر هذا الجدل الديني في ذلك العهد حتى تولدت نزعة ترمي إلى تلمس دين إبراهيم أبي العرب٢، وبذلك تسرب الشك في الأصنام والأوثان إلى نفوس العرب.
قال ابن إسحاق: واجتمعت قريش يوما في عيدٍ لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعطمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويدبرون به، وكان ذلك عيدا لهم في
_________________
(١) ١ راجع ما سبق في باب الصابئة. ٢ التمهيد ص١٠٣.
[ ٣٥٤ ]
كل سنة يوما، فخلص منهم أربعة نفر نجيا، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتمن بعضكم على بعض، قالوا: أجل وهم: ورقة بن نوفل، عبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل١، فقال بعضهم لبعض: "تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع؟ يا قوم التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم.
فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل الكتاب، وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هناك نصرانيًّا، وكان عبيد الله بن جحش حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله وهم هناك من أرض الحبشة فيقولون: فقحنا -أي أبصرنا- وصأصأتم؛ أي تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد، وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده.
قال صاحب الروض: إن قيصر الروم كان قد توج عثمان وولاه أمر مكة، فلما جاءهم بذلك أنفوا من أن يدينوا لملك، وصاحَ الأسود بن أسد بن عبد العزى ألا إن مكة حي لقاح لا تدين، فلم يتم له مراده.. قال: وكان يقال له البطريق ولا عقب له ومات بالشام مسمومًا سمه عمرو بن جفنة الغساني الملك.
_________________
(١) ١ ذكر المسعودي في كتابه مروج الذهب: أسماء أناس من العرب دعوا قومهم إلى الله ونبهوهم على آياته في زمن الفترة كقس بن ساعدة، ورباب السيتي وبحيرا الراهب، وكان من عبد القيس.
[ ٣٥٥ ]
وأما زيد بن عمرو: فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموءودة، وقال: أعبد رب إبراهيم ونادى قومه يعيب ما هم عليه.
ثم خرج إلى الشام يسأل عن الدين، ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم وقال: إني لأحب أن أدين بدينكم فأخبروني فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفرُّ إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وإني أستطيعه فهل تدلنى على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد فلقى عالما من النصارى فذكر له مثله، فقال: لن تكون على دين حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضب الله شيئا أبدا وإني أستطيع فهل تدلنى على غيره؟ قال: ما أعلمه أن يكون حنيفا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله.
فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز مع ولديه قال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم.
وفي حديث البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قال: رأيت زيد بن عمر بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم على إبراهيم غيري، وكان يحيى الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أكفك مؤنتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها.
ومن الشعر يقول زيد بن عمرو بن نفيل:
[ ٣٥٦ ]
أربا واحدا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا عزَّى أدين ولا ابنيتها ولا صنمي بني عمرو أزور
ولا هبلا أدين وكان ربا لنا في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت وفي الليالي معجبات وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالا كثيرا كان شأنهم الفجور
وبينا المرء يعثر تاب يوما كما يتروح الغصن العطير
ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها متى ما تحفظوها لا تبوروا
ترى الأبرار دارهم جنان وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة وإن يموتوا يلاقوا ما تضيق به الصدور
وقال مما ذكره أبو الفرج:
أدين إلها يستجار ولا أرى أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا
ومما سبق نلحظ أن هؤلاء الأربعة خرجوا عن الوثنية، ثم بعد ذلك تفرقوا إلى وجهات مختلفة غير وجهة الوثنية، وكانت لهم وجهة نظر في اطراح الوثنية هى: أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وهم إذ يقولون هذا يخرجون عن وصف قطعة الحجر أنها كذلك، غير أنهم لم يبحثوا فيما وراء ذلك من مشكلات دينية، وعلى الرغم من أنهم لم يستهزئوا بالدين استهزءوا بالإله المصنوع من حجر وغيره، فإن من الواضح أن فكرة وجود إله مغاير لما عليه الأصنام كانت تؤرقهم غير أنهم لم يبحثوها ولو من ناحية تحقيق حاجاتهم الدينية التى كانوا يحسون أن ما هم عليه لا يحقق رغبتهم فيها ولا سيما بعد ما بدا لهم أن آلهتهم تعتبر غريبة على هذا العالم.
ولقد رأوا أن عليهم اختيار دين آخر مما هو منتشر بينهم، فمنهم من اتخذ سبيل المسيحية والبحث كورقة، ومن تحير إلى أن تنصر ومات كعبيد الله بن جحش، ومن وقع في براثن السياسة كابن الحويرث، ومن قال: "كذلك يفعل الجلد
[ ٣٥٧ ]
الصبور"، فتحسس المسيحية واليهودية إلى أن وقع هواه على الحنيفية دين أبيه إبراهيم، كزيد بن عمرو.
"وسُمِّي هؤلاء المفكرون بـ "الحنفاء"، ولكنهم لم ينتظموا في طائفة ولم يرتبطوا برباط واحد ولم يشتركوا في عبادة واحدة معينة، ثم ظهر الصابئة الذين كانوا يسمون أيضا الحنفاء.
وقد نبذ هذان النوعان من الحنفاء: اليهودية والمسيحية وآمنوا بدين إبراهيم وكانت تعاليمهم فطرية يسيرة تتفق مع سلوك العرب.
ولتصبح الحنيفية دين العرب كانت في حاجة إلى تعاليم محددة وتنظيم قوي وطقوس دينية وكتاب سماوي، ولما كانت الحنيفية تعوزها الأسس السماوية التي تحذب الإنسان فإنها لم تتمكن من الانتشار بحيث تصبح دين العرب.
وخلاصة القول: أن الإسلام منح العرب عقيدة التوحيد في أنقى صورها غير متأثرة بغيرها، وأشعرهم بمسئوليات الحياة وقضى على الفساد الاجتماعي من جذوره وحطم حياتهم الانعزالية وجعلهم رسل الحضارة.
ولا نجد ما يعبر عن خلاصة هذا البحث خيرا مما قاله الأستاذ براون وهو: "فقد رأينا في موقعة "ذى قار" علاقات تدل على حيوية العرب العظيمة وشدة بأسهم بينما كان جيرانهم ينظرون إليهم على أنهم كميات مهملة بشكل غير مألوف كما كانوا في عصر ما قبل الإسلام١.
أما الإسلام ذلك القانون الإلهى الفريد الذي لا يستطيع أي متعلم منصف أن ينكر عظمته فقد جعل العرب يأخذون نصيبا كبيرا من أسباب العظمة والمجد ويؤدون دورهم في الحضارة على خير وجه.
بعد ذلك نحب أن نذكر بعض التعليقات حول بعض الأسماء التي أطلقت على ذلك النفر من بعض كتب السيرة فبعضها أطلق على هؤلاء النفر "حنفاء"، والبعض الآخر أطلق عليهم لفظة "المتحنثين".
فمن ناحية كلمة "حنفاء" يجوز إطلاقها عليهم من جهة المعنى اللغوي أي الذين خرجوا على دين قومهم.
_________________
(١) ١ حضارة الإسلام "ص٣١" صلاح الدين جودا أبخش، ترجمة علي حسنى الخربوطلي.
[ ٣٥٨ ]
ومن ناحية المعنى الاصطلاحي نراه يشملهم جميعا من باب قصدهم؛ فهم قصدوا جميعا -عند ما انسحبوا من عبادة الأوثان ودين قومهم الحنيفية، أو من باب التغليب أي لما كان منهم من انتسب إلى الحنفاء سموا جميعا بالحنفاء؛ لأن الذى اعتنق الحنيفية بعد أن بحث عنها واحد منهم فقط.
أما من ناحية: أهل الحنث.
حنث في اليمين: أي نقضها.
قال الجوهري: بلغ الغلام الحنث: أي بلغ المعصية أو الطاعة.
وفيه أن الرسول كان يأتي حراء، فيتحنث فيه: أي يتعبد فيه.
يقال: فلان يتحنث: أي يفعل فعلا يخرج به من الإثم والحرج.
ومنه حديث حكيم بن حزام: أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية؛ أي أتقرب بها إلى الله.
ومنه حديث عائشة: ولا أتحنث إلى نذري؛ أي: لا أكسب الحنث وهو: الذنب والإثم.
ومنه: تكثر فيهم أولاد الحنث؛ أي: أولاد الزنا.
ما عرضناه من معانٍ لكلمة "الحنث" هو معانٍ صالحة لإطلاقها على أهل الحنث، فهم حنثوا؛ أي: نقضوا ما توعدوا عليه وهو طلب الحنيفية، ثم لم يطلبها غير واحد.
وبعضهم بلغ بحنثه "عبادته" المعصية، ولا سيما ما كان من بعضهم عندما ترك الحق واتبع السياسة فأهلكته، والبعض الآخر بلغ بحنثه الطاعة، وكلهم طلبوا أمورا صالحة في نظرهم لتعبدهم، وكلهم فعلوا فعلا خرجوا به من الإثم إلى الطاعة بحسب اجتهادهم.
وهكذا أوقفتنا معاجم اللغة -كما رأينا- أمام حشد من المعاني دون تنبيه منها يبين متى نشأ المعنى الاصطلاحي للفظ أو متى نقل من معناه اللغوي إلى معناه المذهبي.
[ ٣٥٩ ]
وقد وردت لفظة "حنيفًا" في عشر مواضع من القرآن الكريم١، ووردت لفظة "حنفاء" في موضعين منه٢، وبعض الآيات التى وردت فيها: آيات مكية، وبعضها مدنية. وقد نص في بعض منها: على "إبراهيم" وهو على الحنيفية؛ لم ينص في مواضع منها على "اسمه".
وقد وردت لفظة "حنفاء" في: سورتين فقط٣، وهما من السور المدنية، وقد لخص الفخر الرازى، والطبرسي: آراء العلماء في الحنيفية، وأجملاها في تفسيرهما للآية الكريمة؛ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ فقالا: وفي الحنيفية أقول: أحدها- أنها: حج البيت؛ عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد.
ثانيها- أنها: اتباع الحق؛ عن مجاهد.
ثالثها- أنها: اتباع "إبراهيم" فيما يأتى به من الشريعة، التي صار بها إماما للناس بعده، من الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام.
رابعها: أنها الإخلاص لله وحده، والإقرار بالربوبية، والإدغان للعبودية.
يقول جواد على ونلاحظ أن أهل الأخبار لم يكونوا على بينة تامة، وعلم واضح بأحوال "الحنيفية"؛ وبآرائها، وقواعد أحكامها وأصولها، وأنهم خلطوا في بعض الأحيان فيما بينها وبين الرهبنة، ولا سيما: "رهبنة النصرانية"٤، فأدخلوا فيها من يجب إخراجهم عنها؛ لأنهم: كانوا نصارى، على ما يذكره نفس أهل الأخبار في أثناء تحدثهم عنهم. ومن هؤلاء: "قس بن ساعدة الإيادي، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث".
فقد نصوا نصوصًا صريحة على أنهم كانوا من العرب المتنصرة؛ ثم نجدهم مع ذلك يدخلونهم في جملة "الأحناف".
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة آية ١٣٥، سورة آل عمران آية ٦٧، ٩٥، والنساء آية ١٢٥؛ والأنعام آية ٧٩، ١٦١، ويونس آية ١٠٥؛ والنحل آية ١٢٠، والروم آية ٣٠. ٢ انظر سورة الحج آية ٢٣١. سورة البينة آية ٥. ٣ الهامش السابق. ٤ المفصل ص٤٥١، ٤٥٢، ٤٥٣ مجمع البيان جـ١ ص ٢١٥، التفسير الكبير جـ ٤ ص٨٩.
[ ٣٦٠ ]
وللمستشرقين بحوث في أصلها، ومعناها، وفي ورودها عند العرب قبل الإسلام، ومنهم من يرى: أن اللفظة من أصل "إرمى" وقد كانت معروفة عند النصارى؛ وأخذها الجاهليون منهم؛ وأطلقت على القائلين "بالتوحيد" من العرب - على أولئك الذين ظهروا في اليمن خاصة، ونادوا: "بالتوحيد وعبادة الرحمن" وهى: ديانة "توحيد" ظهرت بتأثير اليهودية، والنصرانية. غير أن أصحابها لم يكونوا "يهودا، ولا نصارى"؛ وإنما كانوا فرقة مستقلة تأثرت بآراء الديانتين١.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن اللفظة من أصل "عبراني" وهو: "تحينوت". Thinath. أو من "حنف" Tnef. ومعناه: "التحنث" في العربية. وذلك لما لهذه اللفظة من صلة بالزهد والزهاد.
وقال "نولدكه": إنها من أصل "عربي"، وهو: "تحنف" على وزن "تبرر"، وهى من الكلمات التي لها معانٍ دينية، ويلاحظ أن السريان يطلقون لفظة "حنف" على "الصابئة". وقد وردت لفظة "حنف" في النصوص العربية الجنوبية بمعنى: "صبأ" أي: مال وتأثر بشيء ما.
وعندي: أن لفظة "حنيف" هي في الأصل بمعنى "صابئ"؛ أى: خارج عن ملة قوم، وتارك لعبادتهم، ويؤيد رأيي هذا ما ذهب إليه علماء اللغة من أنها من الميل عن الشيء ونزله، ومن ورودها بهذا المعنى في النصوص العربية الجنوبية؛ وبمعنى "الملحد" -المنافق، الكافر- في لغة بنى "إرم"؛ ومن إطلاق المسعودى ابن العبري لهذه اللفظة على "الصابئة"، ومن ذهاب "المسعودي" إلى أن اللفظة من الألفاظ السريانية المعربة.
وقد أطلقت على "المنشقين" على عبادة قومهم، الخارجين عليها كما أطلق أهل مكة على النبي -ﷺ- وعلى أتباعه "الصابئ"، "الصباة"، فصارت علما على من تنكر لعبادة قومه، خرج على الأصنام.
ولهذا نجد الإسلام يطلقها في بادئ الأمر على: نابذي عبادة الأصنام، وهم الذين دعاهم بأنهم على دين "إبراهيم".
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٤٥٣.
[ ٣٦١ ]
ولما كان التنكر للأصنام هو عقيدة الإسلام، لذلك صارت مدحًا لمن أطلق عليهم تلك اللفظة لازما١.
وقد عدَّ بعض المستشرقين "الحنفاء" شيعة من شيع "النصرانية" وعدوهم نصارى عربا زهادا، كيفوا النصرانية بعض التكييف، وخلطوا فيها بعض تعاليم من غيرها.
وقد استدلوا على ذلك بما ورد من تنصُّر بعضهم؛ وبما ورد في بعض الأشعار الجاهلية من مواضع يفهم منها على تفسيرهم أن المراد بهم شيعة من شيع "النصرانية"٢.
غير أن: "القرآن الكريم" قد نص نصا صريحا على أن الحنفاء لم يكونوا يهودا، ولا نصارى، وأنهم ينتمون في عقيدتهم إلى: "إبراهيم".
ثم إن: الإخباريين وإن أدخلوا في الأحناف أناسا نصوا على أنهم كانوا نصارى إلا أنهم نصوا في الوقت نفس نصا صريحا على أن البقية كانت واقفة، لم تدخل في "يهودية"، ولا "نصرانية"، وإذا وجدت في كل ديانة من الديانتين أمورًا جعلتها تتريث، فلم تدخل في إحداهما، وبقيت مخلصة لسنة إبراهيم.
لذلك: فلا يمكن اعتبار "الأحناف" "نصارى" خلصًا، أو شيعة من الشيع "النصرانية"٣.
وجُلُّ هؤلاء الأحناف هم من أسر معروفة، وبيوت يظهر أنها كانت مرفهة، أو فوق مستوى الوسط بالنسبة إلى تلك الأيام. ولهذا صار في إمكانهم الحصول على ثقافة، وعلى شراء الكتب، وقد كانت غالية الثمن إذ ذاك؛ لنيل العلم منها.
كما صار في إمكانهم الطواف في خارج جزيرة العرب؛ لامتصاص المعرفة من البلاد المتقدمة بالنسبة إلى تلك الأوقات مثل: العراق، وبلاد الشام، وقد اتصلوا -كما يزعم أهل الأخبار- فعلا برجال العلم والدين فيها، وتحادثوا معهم، وأخذوا الرأي منهم. ومن يدري فلعلهم قرأوا عليهم الكتب، وفي جملتها كتب اليونان، أو ترجمات كتبهم بالسريانية فحصلوا نتيجة لذلك على علم بمقولات اليونان، وبآرائهم في الفلسفة والدين والحياة.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٤ ص٤٥٤. ٢ السابق جزءا وصفحة. ٣ السابق ص٤٥٦.
[ ٣٦٢ ]
وقد تكون بعض الآراء المنسوبة إليهم -والتي ترجع إلى أصل يوناني- قد قالوها من أخذهم لها من تلك الكتب، ومن دراستهم على من اتصلوا بهم من العلماء في أثناء وجودهم في العراق، وفي بلاد الشام١.
وقد ذهب "ولهوزن" إلى أن: الأحناف هم من النصارى، وإن حركتهم حركة نصرانية، وإنهم كانوا القنطرة التى توصل بين النصرانية والإسلام غير أن ما لدينا من معارف عن الأحناف لا يكفى لإبداء رأي كهذا الرأي، وللتسليم بمثل هذا القول ينبغي لنا الوقوف على آرائهم وقوفا دقيقا، ومقارنة ما لدينا بما نعرفه من النصرانية؛ لنتمكن من التوصل إلى رأي علمي في هذا الشأن٢.
وقد أدخل "المسعودي": بعض الأحناف في جماعة "أهل الفترة" ممن كان بين "المسيح ومحمد" -﵉- ومن أهل "التوحيد" ممن يقر بالبعث، ثم قال: وقد اختلف الناس فيهم، فمن الناس من رأى: أنهم أنبياء، ومنهم من رأى غير ذلك٣.
وقد ذكر من بينهم: "حنظلة بن صفوان، وخالد بن سنان العبسى، ورئاب الشنى، وأمية بن أبي الصلت، وقس بن ساعدة الإيادي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وبحيرا الراهب".
ومن هؤلاء من كان على النصرانية، وقد نص المسعودي على ذلك٤.
والرجال الذين قال أهل الأخبار عنهم أنهم كانوا على دين، وكانوا من "الأحناف" هم "قس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأمية بن أبى الصلت، وزهير بن أبي سلمى، وخالد بن سنان، وكعب بن لؤي"، وغير هؤلاء كثير ذكرهم المسعودي٥.
وقد اقتصر محمد بن حبيب على ذكر بعض من تقدم، حين تكلم عن أسماء الذين رفضوا عبادة الأصنام؛ فذكرهم على النحو الذي نذكر بعضه: "عثمان ابن الحويرث، ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، عبيد الله بن جحش"، وذكر منهم من تنصر ومات على النصرانية.
مثل "عثمان، وورقة، وعبيد الله".
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٤٥٨. ٢ السابق جـ٦ ص٤٦٠. ٣ السابق جـ٦. ص٤٦١، مروج الذهب جـ١ ص٧٨. ٤ المفصل جـ٦ ص٤٦٢، مروج الذهب جـ١ ص٧٨. ٥ المفصل جـ٦ ص٤٦٣. والمروج جزءا وصفحة.
[ ٣٦٣ ]
وأما قس بن ساعدة، فقد رفعه الإخباريون من مصافِّ أسوياء البشر، ووضعوه في صف المعمرين، الذين عاشوا مائتين من السنين قبل سبع مئة سنة أو أقل من ذلك، غير أنه لا يقل عن ثلاث مائة سنة على كل حال١.
وقس هو: مخترع؛ أوجد للعرب أشياء عديدة على زعم أهل الأخبار، أحدث لهم أمورا كثيرة: فهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ عند خطبته على سيف أو عصا، وأول من علا على شرف، وأول من قال "أما بعد"، وأول من قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، فكل ما عرفه العرب من مثل هذه الأمور هو من صنعة قس وعمله، ثم إنه كان أحد حكماء العرب وخطيبهم كافة، كما ذكروا أن له ولقومه فضيلة ليست لأحد من العرب؛ لأن الرسول -ﷺ- روى كلامه وموقفه على جمله الأورق بعكاظ، وموعظته، وعجب من حسن كلامه، وقال فيه: "يحشر أمة وحدة".
وذهب "شبرنكر": إلى أن: قسا كان من "الركوسية"؛ وهم فرقة عرفهم أهل اللغة بأنهم: بين النصارى والصابئين، شملت جماعة من الحائرين في أمر دينهم؛ ولذلك عمدوا إلى: السياحة، والترهيب، والإنزواء، وقد حسبهم العرب نصارى فأدخلوهم فيهم في أثناء كلامهم على هؤلاء٢.
وجميع هذا القصص المروي عن "قس" هو من النوع الذي يحتاج إلى تمحيص.
١- زيد بن عمرو بن نفيل:
هو: زيد بن عمرو بن نفيل بن رباح بن عبد الله، ينتهى نسبة غالب بن فهر فهو من "قريش" ولم تعجبه عبادة قومه، فانتقدها، وهزئ منها، ووقف فلم يدخل في "يهودية" ولا "نصرانية" وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان، ونهى عن قتل الموءودة وامتنع عن الذبح للأنصاب، ومن أكل الميتة، وما ذبح على النصب.
وترجع إحدى الروايات: سبب خروج "زيد" على عبادة قومه أنه حضر يوما، وحضر معه في ذلك اليوم: ورقة بن نوفل، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث -عيدًا من أعياد قريش عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه، ويعكفون
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٤٦٥، المؤتلف والمختلف ص٣٣٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٤٦٧.
[ ٣٦٤ ]
عنده، وينحرون له فلما خلا بعضهم إلى بعض، وتصادقوا قالوا: ليكتم بعضكم على بعض واتفقوا على ذلك؛ ثم قال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين "إبراهيم" وخالفوه؛ وما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم؛ فإنكم والله ما أنتم على شيء، فخرجوا يطلبون، ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب١.
وقد زار "زيد" الشام، والبلقاء، وعاش إلى خمس سنين قبل البعثة فهو: من أولئك الرهط الثائرين على قومهم، والذين أدركوا أيام الرسول؛ وقد نسبوا إليه شعرًا في تسفيه عبادة قومه، وفي فراقه دينهم، وما لقيه منهم، كان قد أوذي لمقالته هذه في دين قومه؛ حتى أكره على ترك مكة والنزول بـ "حداء" وكان الخطاب بن نفيل" عمه. وقد وكل به شبابًا من شباب قريش، وسفهاء من سفهائهم كلفهم ألا يسمحوا له بدخول البلدة ويمنعه من الاتصال بأهلها مخافة أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد منهم على فراق ما هم عليه، واضطر زيد إلى المعيشة في هذا المحل معتزلا قومه إلا فترات كان يهرب خلالها سرًّا؛ ليذهب إلى موطنه ومسكنه؛ فكانوا إذا أحسوا بوجوده هناك آلموه وآذوه٢.
وقالوا إنه التقى في أثناء أسفاره هذه بأحبار من اليهود، وبعلماء من النصارى، ولكنه لم يجد عندهم ما يطمئن نفسه، وما يرى فيه التوحيد الخالص، ومبادئ إبراهيم لذلك لم يدخل في ديانة ما من هاتين الديانتين حتى قتل.
وهناك روايات أخرى تفيد رجوع "زيد" إلى قومه بعد عودته من الشام، ووفاته وفاة طبيعية لا قتلا بيد إنسان، ودفن بأصل حراء٣.
٢- عبيد الله بن جحش:
هو: "عبيد الله بن جحش بن رئاب بن أسد بن عبد العزى بن قصى".
وقد بقى مرتابا في دين قومه، بعيدا عنهم وعن عبادتهم، حتى إذا ظهر الإسلام دخل فيه؛ ثم هاجر مع هاجر إلى الحبشة، ومعه امرأته "أم حبيبة" بنت
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٤٦٩. ٢ المفصل جـ٦ ص٤٧٠. ٣ المفصل جـ٦ ص٤٧٧ بلوغ الأرب جـ٢ ص٢٥١.
[ ٣٦٥ ]
أبي سفيان، وكانت مسلمة كذلك. فلما صار في الحبشة فارق الإسلام، وتنصر وهلك هناك١.
٣- عثمان بن الحويرث:
وأما عثمان هذا: فقد بقى مغاضبا قومه في دينهم، ثم رأى الذهاب إلى الروم، فذهب إليهم، وتقرب إلى قيصر، وحسنت منزلته عنده، وتنصر ومنحه لقب "بطريق"؛ وأراد تنصيبه "ملكا" على "مكة". ولكن قومه أبوا عليه ذلك، فلم يتم له مراده، ومات بالشام مسمومًا، سمه عمرو بن جفنة الغساني.
وذكر الزبيري: أن والدة "عثمان" هي "تماضر" بنت عمير، وأنه خرج إلى قيصر فسأله أن يملكه على قريش، وقال: "أحملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك، ففعل وكتب له عهدًا وختمه بالذهب فهابت "قريش" "قيصر" وهموا أن يدينوا له؛ ثم قام الأسود بن المطلب أبو زمعة فصاح، والناس في الطواف: إن قريشًا لقاح لا تَملُك، ولا تُملَك، فاستمعت قريش إلى كلامه ومنعوا عثمان مما جاء له، فمات عند ابن جفنة، فاتهمت بنو أسد ابن جفنة بقتله، وكان ابن جفنة حبس أبا ذئب عنده وأبا أحيحة بسبب عثمان بن الحويرث، ويقصدون بابن جفنة: عمرو بن جفنة الغساني٢.
٤- أمية بن أبي الصلت:
وأما أمية فهو أحسن الحنفاء حظا في بقاء الذكر؛ بقي كثير من شعره؛ وربما وضع كثير منه على لسانه، وحفظ قسط لا بأس به من أخباره، وسبب ذلك: بقاؤه إلى ما بعد البعث، واتصاله بتأريخ النبوة، والإسلام اتصالا مباشرًا وملاءمة شعره بوجه عام لروم الإسلام، لم يكن مسلمًا ولم يرضَ أن يدخل في الإسلام؛ لأنه كان يأمل أن تكون النبوة فيه، وأن ينزل الوحي عليه؛ فيكون نبي العرب والعالم أجمعين، فلما رأى النبوة في الرسول حسده وأثار المشركين عليه، ورثى قتلاهم في معركة بدر،
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٤٧٧ سيرة ابن هشام جـ١ ص٢٤٣. ٢ المفصل جـ٦ ص٤٧٦، ص٤٧٧، سيرة ابن هشام جـ١ ص٢٤٣.
[ ٣٦٦ ]
وحرض قريشًا عليه حتى مات على حسده وعناده سنة تسع بالطائف قبل أن يسلم قومه الثقفيون؛ فهو لم يمت مسلمًا، ولم يمت على دين الوثنيين من قومه، بل مات كافرا بالديانتين١.
وقد ورد في بعض الأخبار أن أمية سافر مرة مع أبي سفيان والد معاوية في تجارة إلى بلاد الشام، فكان كلما نزل منزلا أخذ فيه سفرًا له يقرؤه على من معه، كما كان يزور علماء النصارى، ويتباحث معهم، وكان يلبس ثوبين أسودين حينما يقابلهم.
ولأمية ديوان ضم أكثر ما نسب إليه من شعر، وفي بطون كتب الأدب والأخبار أشعار أخرى لم يرد ذكرها في هذا الديوان، ومعظم شعره عن الدين، والآخرة، وعن الجنة والنار والحساب والكتاب، وقد تضمن إشارات إلى حوادث وقعت في أيامه، أو في أيام قريبة من أيامه مثل قصة الفيل. كما تضمن بعض قصصالأنبياء، ولتعرض شعره إلى هذه النواحى نعت بشاعر الآخرة.
ومما ذكره الإخباريون، ورواة شعر أمية من أمثلة على استعماله للكلم الغريب أنه استعمل: "الساهور للقمر"؛ وأنه ذكر السلطليط "اسما لله تعالى"، وأطلق كلمة "التغرور" على الله تعالى. وأنه سمى السماء "صاقورة"، و"حاقورة".
ولولعه باستعمال الغريب رفض علماء اللغة الاحتجاج بشعره٢.
والساهور كلمة آرامية الأصل من أصل "سهرو" بمعنى "القمر" وذكر ابن دريد: كان بعض العلماء يقول له: لولا النبي -ﷺ- لادعت ثقيف أن أمية نبي؛ لأنه قد دارس النصارى، وقرأ معهم، ودارس اليهود وقرأ كل الكتب٣.
وقد كسف وتألم كثيرا وأكل الحسد قلبه حين فلت الأمر منه، إذ سمع بإعلان الرسول رسالته، ودعوة الناس إلى دين الله تعالى، الذي كان أمية نفسه يدعو إليه، وقد ورد أنه لما سمع بنبوة الرسول قال: إنما كنت أرجو أن أكونه.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٤٧٩، الأغاني جـ٤ ص١٢٠. ٢ المفصل جـ٦ ص٤٧٨. ٣ المفصل جـ٦ ص٤٨١.
[ ٣٦٧ ]
ويروي أهل الأخبار أن أمية كان قد مات، وهو معتقدٌ بأن "الحنيفية حق"؛ إذ رووا أنه قال في مرض موته: قد دنا أجلى، وهذه المرضة فيها منيتى، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك: يداخلنى في "محمد"، وقال: لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر١.
ويذكرون عنه أنه: بعد أن صبأ عن قومه وتحنف لبس المسموح على زي المترهبين الزاهدين في هذه الدنيا، ورافق الكتب ونظر فيها؛ ليستلهم منها العلم والحكمة والرأي الصحيح؛ ثم حرم الخمر على نفسه مثل: بقية المتألهين، وتجنب الأصنام، والتمس الدين، وذكر إبراهيم وإسماعيل، وأنه كان أول من أشاع بين قريش افتتاح الكتب، والمعاهدات والمراسلات بجملة: "باسمك اللهم"، وهي الجملة التي نسخت في الإسلام بجملة: "بسم الله الرحمن الرحيم"٢.
ويروى أن النبي -ﷺ- سمع شعر أمية، وقال: "كاد يسلم"، وذكر أن الرسول -ﷺ- قال في حديث له عنه: آمن شعره، وكفر قلبه، وإنه لما سمع شعره في الحنيفية والدين، والذي مطلعه:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسَّانا
قال: "إن كاد أمية ليسلم"٣.
٥- ورقة بن نوفل:
هو: ورقة بن نوفل بن أسد يلتحم نسبه بنسب الرسول -ﷺ- في جد جده.
ذكروا أنه: ساح على شاكلة من شك في دين قومه، وتتبع اليهود والنصارى، وقرأ الكتب، وعد في جملة المتنصرين في أغلب الروايات فقد ذكروا أنه تنصر واستحكم في النصرانية، ومات عليها؛ وهذا هو رأي أكثر أهل الأخبار.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٤٨٢. ٢ المفصل جـ٦ ص٤٨٤. ٣ السابق جـ٦ ص٤٨٥، صحيح مسلم ٧/ ٤٨.
[ ٣٦٨ ]
وهو: ابن عمِّ السيدة "خديجة" الكبرى، زوج "الرسول"؛ وقد أشير إليه في خبر مجيء جبريل إلى النبي -ﷺ- في حراء، وله كلام مع الرسول على ما ورد في بعض الروايات١.
يقال: إنه قال للرسول -ﷺ- وكان قد ذهب إليه مع زوجته "خديجة"؛ ليسأله رأيه فيما رآه من الرؤيا: ليتني كنت حيا حين يخرجك قومك! " وإن الرسول -ﷺ- قال: "أوَمُخرجيَّ هُم؟ "، قال: نعم. إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودى؛ ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا.
وجاء في خبر: أن ورقة كان يمر بمكة فيرى بلالًا وهو يعذب؛ يعذبه المشركون برمضاء "مكة" يلصقون ظهره بالرمضاء، ويضربونه، يريدون منه أن يشرك "بالله تعالى"، فلا يشرك، ويأبى إلا أن يقول: "أحد أحد"، فيرثي ورقة لحاله، ويقول: "أحد أحد والله يا بلال"، ولئن قتلتموه فأنتم من الخاسرين٢.
وورد في بعض الروايات: أنه كان يكتب الكتاب العربي، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب.
ورود في رواية أخرى: أنه كان يكتب الكتاب "العبراني" فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب.
ولما كان الإنجيل باليونانية، وبلغة بني "إرم" التي كانت لغة العلم والأدب، فقد أخطأ الرواة بجعل لغة الإنجيل هي: "العبرانية".
وهم يتوهمون كثيرا فيخلطون بين العبرانية والسريانية، والغالب أنهم كانوا يريدون بالعبرانية لغة بني "إرم" التي كانت لغة العلم والأدب والدين في العراق، وفي بلاد الشام٣.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٥٠٠ ص٥٠١، اليعقوبي جـ١ ص٢٩٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٠٢. ٣ المفصل جـ٦ ص٥٠٣، النصرانية ١٠/ ١١٩.
[ ٣٦٩ ]
٦- وكيع بن سلمة:
هو: وكيع بن سلمة بن زهير الريادي، زعم ابن الكلبي أنه ولي البيت بعد "جرهم". فبنى صرحا بأسفل "مكة"، وجعل فيه أمة يقال لها: "حزورة"، وبها سميت "حزورة مكة". وجعل في الصراح سلما، فكان يرقاه، ويزعم أنه يناجي الله تعالى١.
٧- عمير بن جندب:
كل ما عرفه أهل الأخبار عنه: أنه كان من "جهينة"، أنه كان موحدا لم يشرك بربه أحدا، وأنه مات قبل الإسلام٢.
٨- عامر بن الظرب العَدَوَاني:
كان من الحكماء، ونسبت إليه أقوال في الحكم والدين؛ منها: "إني ما رأيت شيئا خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء"، ثم قال: "إني أرى أمورا شتى وحتى، قيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حيًّا ويعود اللاشيء شيئا؛ ولذلك خُلِقَت السماوات والأرض، فتولوا عنه ذاهبين"٣.
٩- المتلمس بن أمية الكناني:
ذكروا أنه: كان قد اتخذ من فناء الكعبة موضعًا يخطب فيه، ويعظ قومه عظات دينية، فكان في جملة ما قاله لهم: "إنكم قد تفردتم بآلهة شتى؛ وإني لأعلم ما الله تعالى راضٍ به، وإن الله تعالى رب هذه الآلهة، وإنه ليحبُّ أن يعبد وحده، فنفرت كلماته هذه وأمثالها القوم منه وتجنبوه. وقالوا عنه: إنه على دين بني تميم"٤.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٦١. وما بعدها. ٢ السابق جزءا وصفحة، وبلوغ الأرب جـ٢ ص٢٦١. وما بعدها. ٣ السابق جزءا وصفحة. ٤ السابق جـ٦ ص٥٠٦، البيان والتبين جـ١ ص٢٢٦.
[ ٣٧٠ ]
١٠- عبيد بن الأبرص:
هو شاعر جاهلي شهير، له في قتله قصة هي من ذيول قصة "الغربيين" للمنذر بن ماء السماء. نجد في الشعر المنسوب إليه: اسم الله "تعالى" يتردد في كثير من المواضع؛ ونراه من المتشائمين، المؤمنين بالمنايا وبالمحتم المكتوب؛ ونراه في القصيدة البائية يتوكل على الله تعالى، ويدعو الناس إلى الاعتماد عليه. فيقول:
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيبُ
بالله يدرك كل خير والقول في بعضه تلغيبُ
والله ليس له شريك علام ما أخفت القلوبُ
ونراه يقول في المنايا:
فأبلغ بنيَّ وأعمامَهُمْ بأن المنايا هي الواردهْ
لها مدة فنفوس العباد إليها وإن كرهت قاصدهْ
فلا تجزعوا للحمام دنا فلملوت ما تلد الوالده١
١١- كعب بن لؤي بن غالب:
كان على الحنيفية؛ وهو: جدٌّ من أجداد النبي -ﷺ- وإليه كانت تجتمع قريش في كل جمعة، فكان يعظهم، ويوجههم، ويرشدهم ويأمرهم بالطاعة والتفكر في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتقلب الأحوال والاعتبار بما جرى على الأولين والآخرين، ويحثهم على صلة الأرحام، وإفشاء السلام، وحفظ العهد، ومراعاة حق القرابة، والتصدق على الفقراء والأيتام٢.
خلاصة ما تقدم:
يقول جواد علي: لقد جعل أهل الأخبار معظم من تحدثنا عنهم -إن لم نقل: كلهم- من القارئين الكاتبين؛ ونسبوا إلى بعضهم قراءة الكتب والصحف والزبور ومجلة لقمان، يريدون بذلك الكتب المقدسة.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٥٠٦، البيان والتبيين جـ١ ص٢٢٦. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٠٧، طبقات ابن سعد جـ١ قسم أول ص٣٩.
[ ٣٧١ ]
ويفهم من كلامهم في بعض الأحيان أن منهم من كان يحسن فهم "العبرانية" أو لغة بنى "إرم".
ولكن الإخباريين -عفا الله تعالى عنهم- لم يتبسطوا لنا في الحديث عن ماهية تلك الصحف، وعن محتويات مجلة لقمان، وعن الكتب المنزلة؛ ولم يأتوا بنماذج مفصلة طويلة، أو قطع ترشد إلى المظان التى نقلت منها، فأضاعوا علينا -بعدم الإشارة إلى هذه الأمور- أشياء كثيرة مهمة بنا حاجة ماسة إلى معرفتها؛ للوقوف على الحالة الدينية في جزيرة العرب قبيل الإسلام، وإبان ظهوره، ويؤكد أهل الأخبار أن بعض أولئك الحنفاء كانوا يسيرون على سنة "إبراهيم" وشريعته؛ وإن بعضًا آخر منهم كان يتلمس كلماته، ويسأل عنها، وإنهم في سبيل ذلك تحملوا المشاق، والأسفار والصعاب.
وقد جعلوا وجهة أكثرهم أعالي الحجاز، وبلاد الشام وأعالي العراق أى: المواضع التي كانت غالبية أهلها على النصرانية يومئذ، وجعلوا أكثر كلامهم وسؤالهم مع الرهبان، وقد أضافوا إليهم الأخبار أحيانا وذكروا أن الرهبان والأحبار أشاروا عليهم بوجوب البحث والتأمل، فليس عندهم ما يأملونه ويرجونه من دين "إبراهيم" و"إسماعيل"؛ ولذلك لم يدخلوا في "يهودية"، ولا "نصرانية" بل ظلوا ينتظرون الوعد الحق، ومنهم من مات وهو على هذه العقيدة، مات معتقدا بدين "إبراهيم" حنيفا غير مشرك بربه أحدا.
أما كيف كانت شريعة "إبراهيم"؟، وعلى أي نهج سار الحنفاء؟ وهل كان لهم كتاب، أو كتب، أو نحو ذلك؟ فأسئلةلم يجب عنها أهل الأخبار إجابة صريحة واضحة، لذلك صرنا في جهل بأمر تلك الشريعة -شريعة إبراهيم- شريعة التوحيد الحق١.
ويذكر أهل الأخبار: أنه كان لأتباع "إبراهيم" من العرب علامات وعادات ميزوا أنفسهم بها عن غيرهم، منها: "الختان، وحلق العانة، وقص الشارب"، وهي
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٠٨ وما بعدها.
[ ٣٧٢ ]
علامات جعلها بعض المفسرين من كلمات "إبراهيم"، التي ذكرت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] .
ذهب القائلون بهذا الرأي: إلى أن تلك الكلمات هى عشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ فأما التي في الرأس، فالمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وفرق الرأس، والسواك، وأما التي في الجسد فهي: الاستنجاء، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط وخلق العانة، والختان، ومن سنن شريعة "إبراهيم" الاختتان، وهو من العادات القديمة الشائعة بين العرب الجاهليين الوثنيين.
أما العرب النصارى فلم يكونوا يختتنون، فالحنفاء في هذه العادة والوثنيون سواء.
وفي أخبار معركة "حنين" أن الأنصار حينما أجهزوا على قتلى "ثقيف" ممن سقط في هذه المعركة مع "هوازن" وجدوا عبدا عندما كشف؛ ليستلب ما عليه وجد "أغرل"، فلما تبين ذلك للأنصار نادى أحدهم بأعلى صوته: يعلم الله أن ثقيفا "غرل" ما تختتن، فقام إليه: "المغيرة بن شعبة" -وهو من ثقيف- فأخذ بيده، وخشي أن يذهب ذلك عن قومه في العرب، فقال له: لا تقل ذلك فداك أبي وأمي؛ إنما هو غلام لنا نصرانى، ثم جعل يكشف له قتلى قومه ويقول له: ألا تراهم مختتنين.
ويتبين من هذا الخبر: أن العرب كانوا يعدون "الغرل" شيئًا معيبًا ومنقصة تكون حديث الناس.
وهناك خبر آخر يفيد أن العرب جميعا كانوا يختتنون، وأن الاختتان كان من السمات التى تميزهم عن غيرهم، وأنهم في ذلك "كاليهود".
[ ٣٧٣ ]
وقد ورد في: الموارد اليهودية ما يفيد اختتان العرب، ولعل التوارة التي ذكرت قصة اختتان "إسماعيل" أخذت خبرها هذا من تقاليد العرب الشماليين، التي كانت شائعة بينهم في ذلك العهد١، ومن جهة نظرنا أن هؤلاء الحنفاء -من بين قومهم- خرجوا يبتغون الثقافة في رحلة علمية من مراكزهم المنتشرة على مشارف الجزيرة التي أشرنا إليها سابقا وليست طلبا للتجارة، وحين رجع بعضهم إلى مكة اعتزل الأصنام وهيأ بما دعيا إليه الذهن للتوحيد فكان ورقة أول من بشر الرسول
وأمية بن الصلت قال عنه الرسول: آمن لسانه وكفر قلبه.. وعبد الله بن الزبعرى يحاجج الرسول عندما سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ٢ قال للرسول: إن النصارى تعبد عيسى فهل هو كذلك..
وما ذلك كان منهم إلا من ثقافتهم.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٠٩، الطبرى ١/ ٤١٤، روح المعانى ١/ ٣٧٤. ٢ سورة الأنبياء آية ٩٨.
[ ٣٧٤ ]