تعريف المعجزة
إذا جاء أحد الناس وادعى أن الله اختاره واجتباه وارتضاه لأن يكون رسولا من عند الله تعالى إلى الناس فإن الناس لا يمكن أن يقبلوا قوله في بادئ الأمر- مهما كان حميد السيرة مرضي الخلق حسن العشرة بين قومه- إلا إذا جاء بدليل قاطع يثبت أنه حقا رسول الله إليهم، وهذا الدليل الذي يثبت رسالته لا بد من أن يكون صادرا من عند الله تعالى، فإذا جاء الدليل من الله تعالى يثبت رسالته وجب على المرسل إليهم اتباع رسولهم، وإلا نزل بهم عذاب الله ووعيده، لأنهم كذبوا المرسل إليهم بعد وجود دليل صدقه.
هذا الدليل الذي يثبت رسالة الرسول، وأنه موفد من عند الله هو المسمى (المعجزة).
تعريف المعجزة
فالمعجزة دليل حسي أو معنوي يعجز جميع البشر الموجودون عند إرسال الرسول عن الإتيان بمثله.
وعجز البشر دليل على أن المعجزة فعل الله القادر على كل شيء.
والله لا يفعل المعجزة إلا ليثبت للمرسل إليهم أنه تعالى هو الذي أرسل هذا الرسول إليهم وأنهم مكلفون باتباعه والعمل بما جاء به من دين وشرع.
وقد عرف العلماء المعجزة بالتعريف الآتي:
المعجزة: هي أمر يظهره الله بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرون عن الإتيان بمثله.
فشروط المعجزة حسب هذا التعريف هي:
[ ١٤٤ ]
١ - أن تكون المعجزة من الله تعالى دون غيره، لأنها تصديق منه لرسول فلا يصدقه بفعل غيره، سواء كان هذا الأمر (المعجزة) الذي يظهره الله قولا مثل القرآن، أم فعلا كفلق البحر لسيدنا موسى، أم تركا كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم ﵇.
٢ - أن تكون خارقة للعادة لأنها لو لم تكن كذلك لأمكن للكاذب ادعاء الرسالة، وخرج بهذا السحر والشعوذة والمخترعات الغربية.
٣ - أن تظهر على يد من يدعي النبوة ليعلم أنه تصديق له فخرج بهذا الكرامة والمعونة والإستدراج.
٤ - أن تكون مقرونة بدعوى النبوة ومصاحبة لها حقيقة أو حكما كما إذا تأخرت بزمن يسير وخرج بهذا الإرهاص.
٥ - أن تكون المعجزة موافقة للمطلوب، فإن جاءت مخالفة للمطلوب سميت إهانة كما حصل لمسيلمة الكذاب، فإنه تفل في عين لتبرأ فعميت السليمة.
٦ - أن لا تكون مكذبة للمدعي. فلو قال الإنسان: معجزتي نطق هذا الجماد فنطق الجماد مكذبا له فإن تكذيبه يعتبر دليلا على كذب المدعي.
٧ - أن تتعذر معارضة الأمر الخارق للعادة والإتيان بمثله لأن المعارضة لو أمكنت واستطاع أحد أن يأتي بمثل الأمر الخارق للعادة الذي جاء به النبي لأمكن لأي كاذب أن يدعي النبوة.
٨ - زاد بعضهم أن لا تحصل المعجزة زمن نقض العادات- وذلك كزمن طلوع الشمس من مغربها وتكلم الدابة، وظهور المسيح الدجال، فإن الخوارق فيه ليست معجزة.
الفروق بين المعجزة وبين غيرها من خوارق العادات
١ - هو: أن المعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة.
٢ - والكرامة: أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد صالح غير مدع للنبوة.
[ ١٤٥ ]
٣ - والمعونة: أمر خارق للعادة يظهر على يد بعض العوام تخليصا من شدة.
٤ - والإهانة: أمر خارق للعادة يظهر على يد كاذب مدع للنبوة خلاف مطلوبه كما حصل لمسيلمة الكذاب.
٥ - والإستدراج: أمر خارق للعادة يظهر على يد فاسق مدع للإلهية، كما يظهر على يد المسيح الدجال.
٦ - والإرهاص: أمر خارق للعادة يظهر على يد نبي قبل بعثته كتظليل الغمام لنبينا محمد ﵊.
٧ - والسحر: قواعد يقتدر بها على أفعال غريبة بالنظر لمن جهل قواعده ويمكن اكتسابه بالتعلم.
٨ - والشعوذة: خفة في اليد بوساطتها يرى الشخص أشياء على أنها حقيقية وليست كذلك في الواقع كما يفعل الحواة.
٩ - وغرائب المخترعات: هي الناشئة عن معرفة بعض خصائص المادة وأسرار الكون. مثل الراديو- والتلفزيون وسفن الفضاء وغيرها.
المعجزة
إمكان المعجزة
المعجزة أمر ممكن عقلا، وواقع فعلا- إذ قد ثبتت معجزة القرآن الكريم بالتواتر.
وقص علينا القرآن الكريم كثيرا من معجزات الأنبياء السابقين التي تحدوا بها قومهم، وأثبتوا بها رسالتهم واو لم تكن المعجزة ممكنة لما وقعت.
[ ١٤٦ ]
وأما مخالفة المعجزة للسنن العادية في إيجاد الممكنات فإن ذلك أمر لا يمتنع على الله، لأنه تعالى قادر على كل شيء.
وقد يكون للخوارق عند الله سنن خاصة لا نعرفها ولكن يظهر أثرها على يد مدعي النبوة.
المعجزة
دلالة المعجزة
ذهب جمهور العلماء إلى أن دلالة المعجزة على صدق الرسول في دعواه يقينية، فالمعجزة تثبت إثباتا لا شك فيه أن الذي جرت على يديه هو رسول من عند الله.
وهذه الدلالة اليقينية تلزم من عاصر الرسول ومن غاب عنه وجاء بعده لأن الذين يشاهدون المعجزة يكونون عددا كثيرا، فإذا نقل العدد الكير أمر المعجزة إلى الغائبين كان ذلك حجة عليهم توجب تصديقهم بها وذلك هو الحاصل في حياة الناس والمركوز في فطرهم، فإن أكثرهم يؤمن بكثير من المدن والقرى ومن الشخصيات التاريخية والأحداث العظيمة وليس من سبب في إيمانهم بها إلا الأخبار المتواترة.
المعجزة
ذكر بعض معجزات الرسل
اعلم أن من حكمة الله تعالى البالغة أنه يؤيد رسله بمعجزات من نوع ما فاق وأبدع فيه القوم المرسل إليهم حتى تنقطع حجتهم عن رسولهم، لأن الرسول لو جاء بمعجزة من نوع يجهلونه وطالبهم أن يأتوا بمثلها لكان لهم أن يقولوا: إن هذا شيء نجهله ولو علمناه لعارضناه، أما إذ تحداهم الرسول بمعجزاته في أمر قد برعوا فيه وأجادوه ثم لم يستطيعوا معارضته فإن ذلك يفحمهم ويلزمهم الحجة، فمثلا عندما أرسل الله تعالى سيدنا موسى ﵇ كان فن السحر شائعا في القبط قوم فرعون، ولهم فيه المهارة التامة، ويعلمون من شأنه ما هو ممكن للبشر معرفته وصنعه منه وما ليس ممكنا لهم،
[ ١٤٧ ]
فلما سحر السحرة منهم الحبال والعصي بأمر فرعون، وصارت ترى حيات تسعى ألقى سيدنا موسى ﵇ عصاه بأمر الله تعالى فقلبها الله ثعبانا عظيما فابتلعت تلك الحيات الكثيرة، ثم لما أخذها بيده عادت عصا كما كانت فخر السحرة لله ساجدين، وآمنوا برسالة موسى، وصبروا على تعذيب فرعون لهم، وما ذلك إلا لأنهم بسبب معرفتهم فن السحر وعلمهم بمقدار ما يدخل منه في طوق البشر وما لا يدخل أيقنوا أن تلك الخارقة، وهي انقلاب العصى ثعبانا ابتلع حبالهم وعصيهم المسحورة على صورة الحيات، ثم عودتها كما كانت مع تلاشي حبال السحرة وعصيهم دليل على أن ما حصل على يد موسى ليس سحرا، وإنما هو آية ومعجزة من عند الله تعالى.
ولما بعث الله تعالى سيدنا عيسى ﵊ كان فن الطب شائعا في بني إسرائيل، فكان من حكمته تعالى أن جعل كثيرا من معجزاته ﵇ من قبيل أعمال أهل الطب، فأبرأ الله على يديه الأبرص والأكمه (الذي ولد أعمى) وأحيا الموتى، فأهل المعرفة في علم الطب لا يحتاجون في تصديق رسالته إلى أمر صعب، بل من الواضح لديهم أن يقولوا: إننا نعلم في الطب ومقدار ما يمكن الإنسان أن يبلغه فيه من الأعمال وما لا يمكنه- فيدخل في طاقة الأطباء الحذاق أن يشفوا الأبرص، ولكن ذلك يحدث بمعالجة مخصوصة مع مرور زمان مخصوص، وأما شفاؤه في الحال بمجرد لمسه أو الدعاء له فهذا ليس في طوقهم. ويمكنهم أن يشفوا مرضى العمى الذي يكون عرضيا ليس مخلا بجوهر البصر، وأما شفاء الأكمه عديم البصر فهذا ليس في طوقهم، وكذلك إحياء الموتى.
وحيث أن عيسى قد أتى بهذه الخوارق التي لا يستطيعها حذاق الأطباء فإن ذلك دليل على صدق دعواه الرسالة.
ولما بعث سيدنا محمد (ﷺ) - وكان أميا لا يعرف القراءة والكتابة- ولم يجتمع مع أهل القراءة والكتابة اجتماعا يمكنه من التعلم منهم ويؤهله لاكتساب جملة معارف الأمم وشرائع الأقدمين، وقوانين الممالك،
[ ١٤٨ ]
ولم يعلم عنه في تلك المدة أنه كان يدرس شيئا مما ذكر، وكذلك لم يحصل له في تلك المدة- مدة حياته قبل البعثة - أن مارس صناعة الفصاحة والبلاغة، فلم يكن له عناية بالأشعار والخطب والرسائل العربية، لا قولا ولا رواية، ولم يكن مولعا بمحاورة الفصحاء، ومغالبة البلغاء حتى تقوى فيه ملكة الفصاحة والبلاغة، وحتى يصبح أهلا لبلوغ الدرجة القصوى فيها (مع العلم بأنه مع عدم التعلم والممارسة كان أفصح العرب، وأوتي جوامع الكلم بما وهبه الله وعلمه)، فلما أرسل بين جماهير العالم من عرب وعجم فقر في المال، وفقد للناصر والمعين، فادعى أن الله تعالى أرسله إلى الناس كافة ليبلغهم شرعه ودينه. وليبشر من اتبعه بالفلاح في الدنيا والآخرة، ولينذر من تولى وأعرض بالخزي والشقاء فيهما، وأعلن فيهم الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وهدم كل ما ورثوه من شرك وكفر، وأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
عندما فعل ذلك وسمعت منه الجماهير هذه الدعوى العظيمة نفروا منه، وعادوه أشد المعاداة، وهجره الأهل والخلان، وكذبه الشيوخ والشبان، ثم أخذوا في مجادلته ومخاصمته وطلبوا الحجة على صدق دعواه الرسالة، فجاءهم (ﷺ) بمعجزات كثيرة سنذكر بعضها فيما يأتي، غير أن المعجزة الخالدة التي استند إليها في إثبات رسالته وجعلها الأساس في ذلك، وتحداهم بها ثلاثة وعشرين عاما هي المعجزة العقلية المعنوية العظمى (القرآن الكريم) فقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا ثم تحدهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فعجزوا، ثم أعلمهم بأنه لو اجتمع البشر كلهم، وتظاهرت الجن معهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ما استطاعوا، أن يأتوا بسورة مثله ولو كأقصر سورة منه.
قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (١).
_________________
(١) الطور: ٣٤.
[ ١٤٩ ]
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢).
وإنما كان القرآن هو المعجزة الأساسية التي تحدى بها النبي (ﷺ) قومه، لأنه كان في الأمة العربية أمراء الفصاحة والبلاغة وكان العرب أكثر الناس شاعرا وخطيبا، وفيهم العالمون بأساليب الفصاحة والبلاغة، والمحيطون بأسرارها، وبما هو في طوق البشر من مراتبها وبما ليس في طوقهم.
لذلك لما عرض عليهم القرآن وأخذ يتحداهم كما سبق- وهو يسفه أحلامهم ويعيب أخلاقهم، ويندد بآثامهم- نظر فيه علماء البلاغة والفصاحة منهم ثم أيقنوا بعد المكابرة أنهم أعجز من أن يأتوا بآية واحدة مثل آياته.
ولا يزال القرآن وسيظل يتحدى العالم كله في كل زمان ومكان، ولن يستطيع العالم مهما أوتي من علوم الفصاحة والبلاغة وغيرهما أن يعارض آية من كتاب الله تعالى وصدق الله إذ يقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣).
_________________
(١) هود: ١٣.
(٢) يونس: ٣٨.
(٣) الإسراء: ٨٨.
[ ١٥٠ ]
المعجزة
معجزات النبي محمد (ﷺ)
معجزاته (ﷺ) التي أيده الله بها كثيرة منها ما هو متواتر كالقرآن، ومنها ما ليس متواترا كتسبيح الحصى في كفه ونبع الماء من بين أصابعه (ﷺ).
فمن أنكر المتواتر من المعجزات كان كافرا. ومن أنكر الصحيح الثابت منها كنبع الماء من بين أصابعه كان فاسقا.
وتنقسم معجزاته (ﷺ) إلى قسمين (١ - معنوية كالقرآن) (٢ - وحسية كنبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام بدعائه).
وقد أيده الله بمعجزات عقلية ليدركها أصحاب العقول السليمة فيقتنعوا وينقادوا، كما أيده بالمعجزات الحسية لتطمئن نفس المتردد، وتنقطع حجة الجاحد، وبهذا لا يكون لمكلف عذرا أيا كان إدراكه.
أمثلة للمعجزات الحسية
١ - نبع الماء من بين أصابعه (ﷺ):
عن جابر ﵁ قال: عطش الناس يوم الحديبية فأتوا رسول الله (ﷺ) وبين يديه ركوة (١) وقالوا ليس عندنا ما نتوضأ به ولا ما نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع (ﷺ) يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فتوضأنا وشربنا، قيل لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا. كنا خمس عشرة مائة. أخرجه الشيخان.
٢ - تكثير الطعام ببركة دعائه (ﷺ):
عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع النبي (ﷺ) في مسير، فنفذت أزواد القوم حتى هموا بنحر حمائلهم (٢) فقال عمر
_________________
(١) الركوة ما يعد للماء. وجمعها ركاء أو ركوات بفتحات.
(٢) حمائلهم: ما يحملون عليه متاعهم وأنفسهم، والمراد هنا الإبل.
[ ١٥١ ]
﵁: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها، ففعل. فجاء ذو البر ببره (١) وذو التمر بتمره، وذو النواة بنواته قيل: ما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء. فدعا عليها حتى ملأ القوم مزاودهم (٢) فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بها عبد غير شاك فيها إلا دخل الجنة. أخرجه مسلم.
٣ - تكليم الشجر له (ﷺ):
عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي ﵀ يقول: سألت مسروقا: من آذن (٣) النبي (ﷺ) بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك يعني ابن مسعود أنه قال: آذنت بهم شجرة- أخرجه الشيخان.
٤ - حنين الجذع له (ﷺ):
عن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله (ﷺ) إلى لزق (٤) جذع فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حن الجذع حنين الناقة. فنزل (ﷺ) فمسه فسكن- أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
٥ - تسليم الحجر عليه (ﷺ):
عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ): "إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت، إني لأعرفه الآن" أخرجه أحمد ومسلم.
وله (ﷺ) معجزات حسية كثيرة غير ما ذكر غير أننا، اكتفينا بالأمثلة السابقة لدلالتها على المطلوب.
_________________
(١) أي صاحب القمح بقمحه.
(٢) جمع مزود بكسر فسكون: ما يُجعل فيه الزاد.
(٣) أعلم.
(٤) بكسر فسكون: أي إلى جنبه.
[ ١٥٢ ]
المعجزة
معجزة القرآن
القرآن هو المعجزة الأساسية التي اعتمد عليها النبي ﷺ في إثبات رسالته وإعجازه قومه. وهو معجزة عقلية معنوية باقية إلى يوم القيامة.
تعريفه: القرآن هو اللفظ العربي المنزل على سيدنا محمد ﷺ المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته المتحدي بأقصر سورة منه.
بم كان إعجاز القرآن؟
زعم النظام من المعتزلة أن إعجاز القرآن بالصرفة (أي إن الله صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم حتى لا يأتوا بمثله، وكان ذلك مقدورًا لهم، لكمن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات). وهذا قول فاسد بدليل قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم. ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم، لأن اجتماعهم حين يسلبون القدرة بمنزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزًا وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله ﷾ حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله؟. وأيضًا يلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمن التحدي وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة على أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة له باقية سوى القرآن. إذن فالقول بأن الإعجاز القرآني سببه صرف الله الناس عن الإتيان بمثله قول باطل ومخالف باطل ومخالف لإجماع الأمة ولا يصح الاعتداد به.
[ ١٥٣ ]
لذلك اجتهد العلماء من السلف والخلف في استنباط أوجه الإعجاز في كتاب الله تعالى وسيظلون يجتهدون ويستنبطون إلى يوم القيامة. فإن كتاب الله تعالى يكفي في عظمته وسموه ورفعته أنه كتاب الله، ولأنه كذلك عجز الإنس والجن عن أن يأتوا بسورة كأقصر سورة منه. لكن العقل الإنساني وإن عجز عن الإتيان بمثل القرآن فإنه لم يعجز عن المحاولات الكثيرة ليستشف بعض الأوجه في إعجاز القرآن الكريم. وساعد العقل على ذلك في صدر الإسلام تمكن العرب المسلمين من أساليب الفصاحة والبلاغة وبلوغهم فيها شأوًا بعيدًا، وساعده على ذلك بعد صدر الإسلام إلى يوم اطراد التقدم البشري في العلوم الكونية والإنسانية وغيرها مما جعل المسلمين المنصفين ينظرون إلى القرآن الكريم باعتباره الكتاب الإلهي الوحيد الذي (بقي) وسيظل شامخًا جامعًا شاملًا كل حاجات الإنسانية. فيجدون أن هذا القرآن الكريم يعايش الحياة كلها. أرضها وسماءها، محسوسها ومعنوياتها وأنه يجمع بين دفتيه علومًا لا حصر لها، وأن أي خطوة يخطوها الإنسان في اكتشاف أو اختراع أو تشريع أو تقنين عادل فإن القرآن الكريم يعتبر سابقًا بالإشارة أو العبارة كل ما يصل إليه البشر. ونحن حين نقدم للأمة بعض أوجه الإعجاز فإننا لا نريد الحصر بما نقدم. إنما نقدم الأهم الذي يفتح لك آفاق البحث والاستزادة إن أردت المزيد. فقد اقتصر بعض العلماء على أربعة أوجه لإعجاز القرآن، وأوصلها بعضهم إلى عشرة أوجه، وأوصلها آخرون إلى ستين وجهًا، وآخرون بلغوا بها أكثر من ذلك.
أوجه الإعجاز في القرآن
الوجه الأول: حسن تأليفه وتناسق كلماته، وفصاحته، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب. فإن العرب الذين كان الكلام طوع أمرهم، والبلاغة ملك قيادهم،
[ ١٥٤ ]
قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا كل باب من أبوابها، وعلوًا لبلوغ أسبابها، وبلغوا من الفصاحة قمتها، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، وقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث والسمين، وتساجلوا في النظم والنثر. ما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياتهن وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتضافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه (١) فلم يسعهم بعد المحاولات والمشاورات والمؤتمرات والافتراءات إلا أن يخضعوا مذعنين، وأن يقروا خاضعين بأن ما يسمعونه من القرآن ليس من نوع ما ألفوا، ولا من جنس ما عرفوا، ولا هو في طوق واستطاعة أحد منهم. وصدرت من مجالسهم الخاصة واجتماعاتهم المغلقة اعترافات تعلن عجزهم، وتشهد عليهم بأن موقفهم من القرآن ليس إلا مكابرة وعنادًا. من هذه الاعترافات أن الوليد بن المغيرة لما سمع قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون﴾ [النحل: ٩٠]. قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر. وسمع أعرابي رجلًا يقرأ: ﴿فاصدع بما تؤمر ..﴾ [الحجر: ٩٤]، فسجد وقال:
_________________
(١) الرسالة الحميدية.
[ ١٥٥ ]
سجدت لفصاحته. وسمع آخر رجلًا يقرأ: ﴿فلما استيئسوا منه خلصوا نجيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]. فقال أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا. وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية فقال لها: قاتلك الله! ما أفصحك؟ فقالت: أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص: ٧٠]. فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين؟؟؟؟ (١).
الوجه الثاني: صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها. فإن الأسلوب الذي جاء القرآن عليه، ووقفت مقاطع آيه، وانتهت فواصل كلماته إليه، لم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر فهو نوع متميز كل التمييز في كل شيء وحتى في تسمية جملته قرآنًا وفي تسمية أجزائه سورًا وآياته تنتهي بفواصل، وذلك بدلًا من الديوان والقصيدة والبيت والقافية مما تعارف عليه العرب. لذلك لما سمع عتبة بن ربيعة القرآن وهو من أشد الناس عداوة له - قال يا قوم قد علمتم أني لم أترك شيئًا إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله لقد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، وما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. وفي صحيح مسلم أن أنيسًا أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلًا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون:
_________________
(١) الشفاء للقاضي عياض.
[ ١٥٦ ]
شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس شاعرًا ناقض اثني عشر شاعرًا في الجاهلية فقال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أمراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. والإعجاز بكل واحد من النوعين السابقين: ١ - الإيجاز والبلاغة بذاتها، ٢ - والأسلوب الغريب بذاته - كل منهما نوع إعجاز على التحقيق. وهذان الوجهان لازمان كل سورة وكل آية وبهما يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبهما وقع التحدي والتعجيز.
الوجه الثالث: الإخبار عن الأمور التي تقدمت من نشأة الحياة إلى وقت نزول القرآن على محمد ﷺ - وهو النبي الأمي الذي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وأجاب عن تحديات أهل الكتاب حين سألوه عن قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، وغير ذلك، فجاءهم بما عرفوا من الكتب الثابتة صحتها مع أنه أمي من أمة أمية لها علم بذلك، ومع أنه ﷺ لم يكن مختلطًا بأهل الآثار والتاريخ، وحملة الأخبار، ولم يكن مترددًا إلى المتعلم منهم. فلم يبق سبب لعلمه بذلك كله إلا الوحي الذي أنزل عليه من ربه.
الوجه الرابع: الإخبار بالمغيبات في المستقبل وهي التي لا يمكن الاطلاع عليها إلا بالوحي وهي التي أخبر عنها القرآن بأنها ستقع فوقعت كما أخبر ولم يتخلف منها شيء. من ذلك قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ [الفتح: ٢٧].
[ ١٥٧ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين﴾ [الروم: ٢ - ٣ - ٤]. ومنه قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. ومنه قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٠٩]. ومنه قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ [الحجر: ٩٥]. وكان المستهزئون نفرًا من بمكة ينفرون الناس عن النبي ﷺ فلما نزلت هذه الآية بشر أصحابه بأن الله كفاه إياهم فهلكوا جميعهم. ومنه قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧]، فحفظه الله وعصمه من كل من رام قتله والفتك به ﷺ.
الوجه الخامس: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة تأثيره، وزيادة خطره. ولذلك كان وقع القرآن على المكذبين أعظم وأخطر، وكانوا يخشون تأثيره على أنفسهم ونسائهم وأولادهم، وكانوا يقولون - خوفًا من تأثيره عليهم-:
[ ١٥٨ ]
﴿لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦]. وكان كبراؤهم هم يمنعون أتباعهم من الاستماع إلى القرآن الكريم، كما يؤذون من يجهر بالقرآن من المسلمين ولو كان يقرأ في فناء داره. والسيرة مليئة بالأمثلة الموضحة لذلك. وأما المؤمنون فإن روعة كتاب الله تعالى وقوة تأثيره في نفوسهم وهيبته في قلوبهم جعلتهم يعشقون هذا الكتاب الإلهي ويهجرون ما سواه من أشعار وخطب، ويعيشون مع القرآن الذي أخذ بمجامع قلوبهم، واستولى على مشاعرهم ووجدانهم، وأسر بروعته عقولهم، وهذب بكماله نفوسهم، ووصل بالله أرواحهم. فهم من يوم أن عرفوه عشقوه، وبمجرد أن قرأوه تمثلوه، فصارت أحرفه نغمًا عذبًا في أسماعهم، وكلماته نورًا يتلألأ في قلوبهم، وأحكامه وحكمه دواء روحيًا لأمراضهم ومتاعبهم. وفي جوف الليل يسمع المار بأي بيت فيه مسلم دويًا عذبًا حلوًا مصدره قارئ يرتل كتاب الله، وفي شعاب الجبال ووديانها بمكة أفراد هربوا في جنح الظلام ليستمعوا بتلاوة كتاب الله. وسقطت سياط العذاب على رؤوس المسلمين وجسومهم فآلمت ومزقت، وألقيت الصخور الحامية على صدور المؤمنين فأثقلت وعذبت، ووضعت الأغلال في الرقاب والقيود في الأرجل فأنهكت وأتعبت. ومع ذلك كله انتفضت القلوب المؤمنة بحب الله هون عليها كل عذاب، وانطلقت ألسنة الموحدين باسم الله مخترقة كل حاجز وحجاب، وتحملت عذاب الجبابرة فتيات ناعمات، ونساء مرفهات، وصبية أعوادهم رطبة كنبت الربيع. ما السر في ذلك كله؟ وما هو الروح الجديد الذي سرى في دماء المؤمنين؟ وما هو السحر الذي استولى على نفوس المسلمين؟.
[ ١٥٩ ]
إنه كتاب الله. الذي جعله الله يفعل ذلك كله وهو القائل فيه: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣]. وهو القائل: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١].
الوجه السادس: كونه آية باقية، ومعجزة خالدة لا يؤثر فيها مر السنين ولا يقلل من شأنها توالي الأحقاب إلى يوم القيامة. وهو مع وجود أسباب بقائه وخلوده تكفل الله بحفظه وصيانته فقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٠٩]. وقال تعالى: ﴿وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. مع العلم بأن سائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، ولم يبق إلا خبرها، أما القرآن الكريم فقد ظل باهرة آياته، ظاهرة معجزاته، سليمة حروفه وكلماته، لم يستطع أحد تغيير حرف منه بأخر، أو نقل كلمة عن مكانها، أو آية إلى سورة غير سورتها، ومن رام شيئًا من ذلك فضحه الله وكشفه وباءت بالفشل محاولاته، ولقد مضى على نزوله أربعة
[ ١٦٠ ]
عشر قرنًا ولا يزال غضًا طريًا معجزًا جميع البشر محفوظًا بحفظ الله من أي تحريف أو تبديل مع مروره خلال تلك القرون على أهل البيان، وحملة علم اللسان، وأئمة البلاغة، وفرسان البراعة، والملحد فيهم كثير. والمعادي للشرع عدد وفير، فما منهم من أحد استطاع معارضته، أو قدر على مطعن صحيح فيه، وسيظل كذلك إلى يوم القيامة.
الوجه السابع: جمعه لعلوم ومعارف لا عهد للعرب بها عامة، ولا لمحمد ﷺ قبل نبوته خاصة بمعرفتها، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم، فقد جمع في هذا الكتاب من بيان علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجج العقلية، والرد على فرق الأمم ببراهين وأدلة بينة سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد. كما حوى من علوم السير وأبناء الأمم والمواعظ والحكم، محاسن الآداب والشيم، وأخبار الدار الآخرة، وأخبار وأحوال كثير من العالم الغيبي، فلم يترك القرآن علمًا إلا ذكره، ولا فنًا إلا نبه إليه، ولا كمالًا إلا حض عليه. وسيظل القرآن بحر علوم وفنون لا ينفد، ومنار هداية لمن استرشد، وبرهان الحقائق ما كبر منها وما صغر وصدق الله القائل: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: ٨٩]. والقائل: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون﴾ [الزمر: ٢٧]. وصدق ﷺ إذ قال في هذا القرآن: "إن الله أنزل هذا القرآن آمرًا وزاجرًا، وسنة خالية، ومثلًا مضروبًا، فيه نبؤكم،
[ ١٦١ ]
وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرد، ولا تنقضي عجائبه. هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، الشفاء النافعن عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه " وهذا الحديث بالموقوف أشبة.
الوجه الثامن: أن القرآن جمع بين الدليل ومدلوله. وبيان ذلك أن الاحتجاج على أن القرآن من عند الله أثبت بنظم القرآن وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته، وأثناء قراءتك للقرآن للوقوف على بلاغته وفصاحته وجمال أسلوبه وبراعة إيجازه. يقابلك أمر القرآن ونهيه، ووعده ووعيده، فالقارئ للقرآن يفهم دليل إعجازه، وأدلة أحكامه وتكليفه معًا، من كلام واحد، وسورة منفردة.
الوجه التاسع: أن الله تعالى يسر حفظه لمن يريد تعلمه. قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر﴾ [القمر: ١٧]. فالقرآن ميسر حفظه للصغير والكبير، وللرجل والمرأة، في أقرب مدة وأقل زمن، لو قيس حفظه بحفظ أي شيء سواه. وسائر الأمم لا يحفظ كتبها منهم أحد، أما القرآن الكريم فيحفظه، في كل عصر مئات الألوف. ولذلك نقل القرآن الكريم من جيل إلى جيل عدد وفير حفظه في الصدور، وأحسن قراءته وترتيله، ولقنه تلامذته وأتباعه، وهذا التواتر السليم الصحيح الدقيق لم يحدث لكتاب غير القرآن. وذلك راجع إلى يسر حفظه وكثرة حفظته في كل عصر.
الوجه العاشر: اشتمال القرآن على تشريع انتظم قانونًا عادلًا مؤلفًا من مواد قليلة تتضمن أحكامًا كلية، ومبادئ عامة في كل الفروع وذلك ما لم يحصل لغيره من الكتب السماوية: قال الله تعالى: ﴿وكل شيء فصلناه تفصيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].
[ ١٦٢ ]
الوجه الحادي عشر: يتضح لقارئ كتاب الله تعالى المتصل بالعلوم الإنسانية والكونية وغيرها أنه ما من حقيقة علمية يصل العقل البشري إليها إلا ويجد لها أصلًا في كتاب الله تعالى عن طريق الإشارة أو العبارة. اقرأ في الدلالة على أن الأرض معلقة في الفضاء قوله تعالى: ﴿خلق السموات بغير عمدٍ ترونها، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [لقمان: ١٠]. والمعنى أن الله أوجد الجبال في الأرض حتى تظل محتفظة بتوازنها فلا تميد (تميل) بمن عليها، ولا يفهم حفظ التوازن بالنسبة للأرض إلا على أنه دليل على تعلقها في الفضاء. واقرأ في علم الأجنة قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظامًا، فكسونا العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣ - ١٤]. وسبقت أمثلة كثيرة في الأدلة على وجود الله تعالى. وإذا قرأت المزيد من ذلك فاقرأ التفاسير والكتب التي اهتمت بهذا النوع من الدراسات لتؤمن إيمانًا قويًا بروعة القرآن الكريم، وبإعجازه الخالد، ولكن حذار أن تظن أن القرآن أنزل ليكون كتاب علوم كونية وإنسانية من هذا النوع. إن القرآن أنزل ليكون هداية للناس من ضلال وتقويمًا من انحراف، وتيسيرًا للوصول إلى الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة
[ ١٦٣ ]
عن طريق علاج الإنسان من أمراضه النفسية والقلبية والخلقية، وصبغه الصبغة التي تتفق مع تكريم الله له.
وهذا هو الهدف من القرآن الكريم كما ذكر في غير آية منه، وما ذكر في القرآن من علوم وفنون وغيرهما فللوصول إلى الهدف المذكور، وهذا موضوع تورط فيه كثيرون حتى إن بعضهم جعل همه كله شغل الناس بتفسير زعم أنه عصري ولم يكن له علم بأصول التفسير، وموازينه الدقيقة فأخطأ كثيرًا وأصاب قليلًا وصرف الناس عن الهدف إلى الوسيلة فغفر الله له ورحمه.
[ ١٦٤ ]
المعجزة
ما اختص الله به محمدًا ﷺ دون المرسلين
لقد اختص الله نبينا محمد ﷺ دون غيره من الرسل بأمور كثيرة وردت الأدلة الصحيحة بها ونوجز أهمها فيما يلي:
أولًا - عموم رسالته:
اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون تكليف الناس والتشريع لهم حسب استعدادهم ونضجهم وتقدمهم أو تأخرهم علميًا وفكريًا واجتماعيًا، وحسب الظروف والأحوال التي يعيشون فيها ويتأثرون بها ليكون الغذاء النفسي كالغذاء الحسي ملائمًا ومفيدًا. لذلك كان الله تعالى يرسل إلى كل أمة رسولًا يصلح من شأنها ويبلغها الشرع الذي يناسبها. ولم تعم رسالة قبل رسالة محمد ﷺ، لأن العالم لم يكن قد ارتقى قبله إلى المستوى الذي يشعر فيه بالحاجة إلى تشريع وقانون عام يجمعه تحت راية واحدة. ولما جاء وقت الرسالة المحمدية كان المجتمع البشري قد بلغ أشده واستوى فكريًا واجتماعيًا وسياسيًا، وصار جمعه على تشريع واحد ممكنًا وميسورًا. لذلك أرسل الله محمدًا ﷺ إلى الناس كافة سواء أكانوا عربًا أم غير عرب، وثنيين أم أهل كتاب، لهم دين أم لا دين لهم على الإطلاق. كما جعل الله تعالى رسولًا إلى الجن بنفس الشرع الذي جاء به إلى الإنس مع مراعاة طبائعهم وأحوالهم، وجعل رسالته ناسخة لجميع الرسالات قبله، فلا يحق لأحد بلغته رسالة محمد ﷺ أن يدين بغير دينه.
[ ١٦٥ ]
قال تعالى: ﴿قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [سبأ: ٢٨]. قال ابن عباس في هذه الآية: إن الله تعالى فضل محمدًا ﷺ على جميع الأنبياء. قالوا: فيم فضله الله على جميع الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ وقال للنبي ﷺ: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا﴾ فأرسله الله إلى الجن والإنس. وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومه منذرين﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وجاء في الحديث المتفق عليه: عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة".
[ ١٦٦ ]
ثانيًا - خاتم النبيين والمرسلين:
جاءت الشريعة الإسلامية وقت اكتمال الإنسان في الإدراك، وتفهم المصالح والمنافع، فاقتضت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الشريعة صالحة لجيمع البشر في كل زمان ومكان، كفيلة بإسعاد المجتمع العالمي كله إذا أخذ بها، لأنها عالجت جميع احتياجاته، ووضعت الحلول لجيمع مشكلاته إما عن طريق التفصيل وإما عن طريق الإجمال وترك التفصيل للعقل البشري يتصرف فيه حسب موازين الشرع وأصوله قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين﴾ [النمل: ٨٩]. لذلك أصبحت البشرية بعد إرسال محمد ﷺ إليها ونزول القرآن الكريم ليكون هاديًا لها وتشريعًا حريصًا على سعادتها غير محتاجة إلى نبي أو رسول غيره، إنها محتاجة فقط إلى أن تجتهد فيما يحدث من أمور لا نص فيها، وقد أعطاها القرآن حق الاجتهاد اعترافًا منه ببلوغها رشدها فقال تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣]. ومن أجل هذا أعلن القرآن أن النبوة قد ختمت بمحمد ﷺ فلا نبي بعده وبالتالي فلا رسول بعده لأن نفي النبوة نفي للرسالة كما مر. قال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠].
[ ١٦٧ ]
عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين" (١).
ثالثًا - نصره الله بالرعب وبينه وبين عدوه مسيرة شهر:
بسير الإبل، لأنها كانت وسيلة للمواصلات البعيدة يومئذ، وسيرة الرسول ﷺ شاهدة على ذلك.
رابعًا - جعل الله له ولأمته الأرض مسجدًا وطهورًا:
فأي رجل من أمته تدركه الصلاة في أي موضع فالموضع مسجده الذي يصلي فيه، وهو طهوره الذي يتيمم عليه إن لم يجد ماء يتوضأ به. فلا حرج ولا عسر ولا تضييق ولا اشتراط لمكان معين.
خامسًا - أحل الله الغنائم له ولأمته ﷺ:
والغنائم، ما يؤخذ من الكفار عقب الجهاد والنصرمن متاع وسلاح ومال وغيرها، وكانت هذه الغنائم محرمة على الأمم السابقة ولم تحل إلا لأمة محمد ﷺ.
سادسًا - أعطاه الله الشفاعة العظمى يوم القيامة:
وهي التي يحمده عليها الأولون والآخرون، وسيأتي ذكرها.
سابعًا - جعله الله تعالى أفضل المرسلين:
ومبدأ تفضيل الله بعض الرسل على بعض مقرر في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥].
_________________
(١) البخاري ومسلم.
[ ١٦٨ ]
وأما دليل تفضيله ﷺ على غيره من المرسلين فهو من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ: قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال ابن كثير في هذه الآية: وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأنا أول شافع وأول مشفع" (١).