النداء للغائبين والموتى وغيرهم
• تمهيد.
• المقام الأول: علم الغيب.
• المقام الثاني: في تصرُّف بعض بني آدم في الكون.
• المقام الثالث: النداء والطلب.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
(^١) [٢٣١] إذا تقرَّر ذلك فلا يخفى أنه قد شاع بين الناس النداءُ للغائبين والموتى، والطلبُ منهم ومن الحاضرين ممن يُعرف بالصلاح للأشياء التي لا يقدر عليها البشر عادةً.
والكلامُ على هذا يستدعي النظر في ثلاثة مقامات:
الأول: في الاطلاع على الغيب.
الثاني: في قدرة بعض البشر على التصرّف في الكائنات بما لا يقدر عليه البشر عادةً.
الثالث: في النداء والطلب.
* * * *
_________________
(١) لم نعثر على ما قبلها من الكلام، ولا ندري ما مقدار النقص في هذا الموضع.
[ ٤ / ٣١١ ]
تقسيم العلم والغيب
[*١] (^١) المقام الأول
علم الغيب
العلم والمراد به القطعي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: العلم الذاتي، وهو علم الله ﷾، ويلحق به علم المخلوق المُدرِك له بذاته بسببٍ عاديّ، أي: لا باستناده إلى إخبار غيره له، ولا باستناده إلى سببٍ غير عاديّ.
القسم الثاني: العلم الخارق، أي المستند إلى سببٍ غير عاديّ، أو إلى سببٍ عاديّ ولكن بكيفية غير عادية.
القسم الثالث: العلم الخبري، أي المستند إلى الإخبار.
والغيب: عبارة عما غاب عن إدراك المخلوق له بعلمه الذاتي عادةً، وهو قسمان:
الأول: ما هو غائب عن الخلق كلهم عادةً.
الثاني: ما يختلف باختلاف الخلق، بأن يكون غيبًا بالنظر إلى مخلوق، غيرَ غيبٍ بالنظر إلى آخر.
فالصور ست:
الأول: العلم الذاتي بما هو غيب عن جميع الخلق عادةً.
_________________
(١) هذا الترقيم المسبوق بـ (*) هو لمجموعة من الأوراق تتعلق بكتابنا هذا وجدناها في مجموع آخر برقم (٤٧٠٧). كما استفدنا من هذا المجموع في مواضع أخرى كما بينّاه في مقدمة التحقيق.
[ ٤ / ٣١٢ ]
الثانية: العلم الذاتي بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.
الثالثة: العلم الخارق بما هو غيب عن جميع الخلق عادةً.
الرابعة: العلم الخارق بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.
الخامسة: العلم الخبري بما هو غيب عن جميع الخلق عادة.
السادسة: العلم الخبري بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.
فأقول مستعينًا بالله ﷿ (^١):
[*٢] الصورة الخامسة: العلم الخبريّ بما هو غيب عن جميع الخلق.
لا يخفى أن العلم الخبري إنما يحصل بأحد خمسة أمور:
الأول: بخطاب الله ﷻ للمخلوق مباشرةً من وراء حجاب.
الثاني: بخَلْقه العلمَ الضروريَّ في القلب.
الثالث: بخطاب المَلَك المعلومُ أنه مَلَك.
وهذه الثلاثة هي الواردة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
الرابع: بخطاب النبيّ.
الخامس: بإخبار عدد التواتر.
_________________
(١) لم نجد الكلام على الصور الأربع الأولى، وما وجدناه يبدأ بالكلام على الصورة الخامسة.
[ ٤ / ٣١٣ ]
أما الأول والثاني، فإنه في الدنيا كالصورة الرابعة يعمّ وقوعه للأنبياء جميعهم، ولبعض الملائكة، ويدّعيه بعضُهم لبعض الأولياء، وفي الآخرة لجميع المؤمنين. والله أعلم.
وأما الثالث، فإنه يقع في الدنيا للأنبياء جميعهم وللملائكة؛ بأن يخبر بعضُهم بعضًا، وليس فيه ما يقع للشياطين التي تسترق السمع كما سيأتي (^١)، ويدّعي بعضُهم وقوعَه للأولياء، وسيأتي الكلامُ فيه إن شاء الله تعالى (^٢). وأما في الآخرة فإنه يقع لجميع الناس.
فإن قيل: فظاهر القرآن وقوعه؛ وقع لحوّاء إذ كانت في الجنة، ولإبليس إذ كان في الجنة.
قلت: الله أعلم هل كان خطاب حوّاء مباشرة أو بواسطة آدم؟ وهل كان خطاب إبليس مباشرة أو بواسطة بعض الملائكة؟ فإن ثبت وقوعُه مباشرةً فهما حينئذٍ في الجنة، وقد تقدّم أنه يقع في الآخرة لجميع أهل الجنة. والله أعلم.
وأما الرابع، فإنه ممكن لكلّ مَن لقي النبي ﵌ في حياته، سواء في الدنيا أو في الآخرة، فأمّا مَن لقيه في الرُّؤيا فإن إخباره حينئذٍ لا يحصِّل العلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى (^٣).
ويدّعي بعضُ الأولياء الاجتماع بالنبيِّ ﵌ بعد
_________________
(١) (ص ٣٤٤ - ٣٤٨).
(٢) (ص ٣٤١ - ٣٤٤).
(٣) (ص ٣٢٨ وما بعدها).
[ ٤ / ٣١٤ ]
موته يقظةً، وهذا إن صحّ فهو في حكم الرؤيا، فلا يحصُل بإخباره العلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى (^١).
وأما الخامس، فهو ممكن لكل أحدٍ.
وأما ما قد يقع بواسطة الخارقة، كإخبار الطفل الذي لم يبلغ حدَّ النُّطق، وإخبار الحيوانات غير الناطقة، وإخبار الجمادات= فإنّ ذلك لا يحصّل للمُخْبَر العلم القطعيّ بصدق الخبر، لتطرّق الاحتمالات إلى جميع ذلك فتأمّل.
وكذا ما يقع من إخبار الجن للكُهّان ومَن في معناهم، وما يقع من إخبار النائم في التنويم المغناطيسي، فإنه لا يحصِّل القطع أيضًا.
* * * *
_________________
(١) (ص ٣٢٨ وما بعدها).
[ ٤ / ٣١٥ ]
فصل: في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا يعلمه نبي ولا ولي
ذكر الآيات الدالة على ذلك
[فصل في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا يعلمه لا نبي ولا ولي]
[*٣] (^١) قال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال له: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٧ - ٥٩].
وقال له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. والعلمُ المنفيُّ في هذه الآية يتناول العلمَ الذاتيّ، ويتناول الإظهار على جميع الغيب؛ بدليل قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. واستكثارُ الخير وعدمُ مسّ السوء لا يتوقّف إلّا على مطلق المعرفة بالغيب، سواء بالعلم أو بالاطلاع، فتأمَّل.
وحكى ﷾ عن نبيه نوح مثل ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١].
_________________
(١) من هنا وجدنا هذا المبحث في اختصاص علم الغيب بالله تعالى في المجموع المشار إليه سالفًا رقم [٤٧٠٧].
[ ٤ / ٣١٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية [الإسراء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٥ - ٢٨].
دلّت هذه الآية أنه ﷾ وحدَه عالمُ الغيب فلا يُظهر على غيبه أحدًا إلا مَن ارتضى من رسله فإنه يطلعه على ما لا بدّ منه لأداء الرسالة، بعد أن يسلك من بين يديه ومن خلفه رَصَدًا من الملائكة يحفظونه من تلبيس الشياطين وتخييلهم، وهي مُبيّنة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. والآيات في هذا كثيرة.
وانظر قصة نبيِّ الله يعقوب ومُكْثه تلك السنين العديدة لا يعلم أين ابنُه
_________________
(١) ﵉ وإن كان قد أُعْلِم أنه حيّ.
[ ٤ / ٣١٧ ]
فصل: في علم النبي - ﷺ - الغيب
[فصل في علم النبي - ﷺ - بالغيب]
[فإن قيل: إن الله قد أظهر نبيَّه محمدًا ﵌ على جميع الموجودات، فقد روى معاذ بن جبل قال: احتبس عنّا رسول الله ﵌ ذات غداةٍ عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا، فثُوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله ﵌ وتجوَّز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته قال لنا: «على مصافّكم كما أنتم»، ثم انفتل إلينا، ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني] (^١) [*٤] عنكم الغداة: أني قمت من الليل فتوضأتُ وصليتُ ما قُدِّر لي، فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ، فإذا أنا بربّي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: لبيك ربّ، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثًا.
قال: فرأيته وضع كفّه بين كتفي حتى وجدت بَرْد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيءٍ وعرفتُ، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربّ، قال: فيمَ يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفَّارات » الحديث.
رواه أحمد والترمذي (^٢) وقال: «حسن صحيح، وسألتُ محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح».
_________________
(١) ما بين المعكوفين إضافة يكتمل بها السياق، وبقية نص الحديث سقته من كتاب «المشكاة» لأنها مصدر المؤلف في نقل الحديث كما مرّ التنبيه عليه مرارًا.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٠٩)، والترمذي (٣٢٣٥)، والذي فيه عن البخاري «حسن صحيح ». وروي من حديث عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، أخرجه أحمد (٢٣٢١٠)، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الترمذي (٣٢٣٣) وأحمد (٣٤٨٤).
[ ٤ / ٣١٨ ]
فيقال: إن ظاهر قوله: «فتجلّى لي كلُّ شيء» العموم في سائر الموجودات، فيكون الله تعالى أظهره حينئذٍ على جميع الكائنات.
والجواب: أن المراد ــ والله أعلم ــ كلّ شيء مما يختصم فيه الملأ الأعلى، كما يدلّ عليه السياق، فإن السؤال إنما وقع على ذلك، والإظهار إنما وقع ليعلم ذلك كما هو ظاهر من السياق.
فإن قيل: فإن في بعض روايات الحديث: «فتجلّى لي ما في السموات والأرض، وتلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]» (^١).
قلت: إن صحّ بهذا اللفظ فيحتمل أن يكون مِن تصرُّف بعض الرواة، فَهِمه من قوله: «فتجلّى لي كلُّ شيء وعرفتُ» أن المراد كلّ شيءٍ في السموات والأرض، فروى بالمعنى الذي فهمَه، ويُبْعِد هذا تلاوة الآية.
وعلى كل حال فلا أظنَّ هذا اللفظ يصح؛ لأن الظاهر من معنى الآية،
_________________
(١) أخرج هذه الرواية أحمد (١٦٦٢١ و٢٣٢١٠) عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، وأخرجها ابن خزيمة في «التوحيد» (٣١٨)، والدارمي في «مسنده» (٢١٩٥) عن عبد الرحمن بن عائش سمعتُ النبي - ﷺ - . قال البخاري فيما نقله عنه الترمذي: «وهذا غير محفوظ، ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله - ﷺ - . وروى بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي - ﷺ - وهذا أصح، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي - ﷺ -». «جامع الترمذي» (٥/ ٣٦٨)، و«العلل الكبير»: (٢/ ٨٩٤). ونحوه ذكر ابن خزيمة. وانظر حاشية «المسند»: (٢٧/ ١٧٢ - ١٧٤).
[ ٤ / ٣١٩ ]
كما يدلّ عليه ما بعدها، أن المراد ــ والله أعلم ــ بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أي: نوجّه نظرَه إلى أشياء من آيات مُلْكنا في السماوات والأرض، ونفتح له بسببها فهمًا واستدلالًا يؤكّد يقينه في نفسه، ويكون له حجةً على قومه. فإنّ عقب هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآيات، وظاهر ترتيبها بالفاء أنها من ثمرة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي﴾ وهذا ظاهر فيما قلناه.
وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ استفهام بِحَذْف أداته لتكون على صورة الإخبار، فيظن قومه أن ذلك منه إخبار، وأنه موافق لهم في دينهم، ليكون ذلك أدعى إلى نظرهم وتأمّلهم وعَقْلِهم الحجة فيه (^١)، والله أعلم.
[*٥] ومما يدلّ على أنه ليس المراد من الآية أن الله تعالى أظهر إبراهيم على جميع الغيب قولُه بعد هذه الآيات: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. ولما جاءه الملائكة لم يعرف أنهم ملائكة، بل ذهب فجاءهم بعجلٍ حنيذٍ، فلما رأى أيديهم لا تَصِل إليه نَكِرَهم وأوجس منهم خيفة.
وفي حديث «الصحيحين» (^٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «لم يكذب إبراهيم » الحديث «بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبارٍ من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا » الحديث،
_________________
(١) غير واضحة ولعلها ما أثبتّ.
(٢) البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١).
[ ٤ / ٣٢٠ ]
من المحال أن يظهر الله عبدا على جميع غيبه
الأحاديث الدالة على ذلك
وفي آخره: «فأتته ــ أي إبراهيم ــ وهو قائم يصلي فقال: مَهْيَم » الحديث.
والحاصل أنه من أَمْحَل المحال أن يُظهر الله عبدًا من عبيده على جميع غيبه، وحسبك أن الله تعالى متعبِّد عبيدَه بالدعاء، فكيف يدعو العبد فيما قد عُلِم أنه واقع أو غير واقع، وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧ - ١٨٨].
ومرّ (^١) أن قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ كما يدلُّ على عدم العلم الذاتيّ يدلّ على عدم الإظهار على جميع الغيب، لأن استكثاره الخير وعدم مسّ السوء له لازمٌ لإظهاره على جميع الغيب، كما هو لازم للذّاتي، فلا يتمّ المنع إلا بامتناعهما معًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ وما بعده يدلّ على أن الساعة لم يُظْهِر اللهُ على وقتها أحدًا من خلقه، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
[*٦] وأما الأحاديث الدالة على ما قدمنا فهي كثيرة لا تُحصى، ففي حديث جبريل الثابت في «الصحيحين» (^٢): «متى الساعة؟ فقال: ما
_________________
(١) (ص ٣١٦).
(٢) البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤ / ٣٢١ ]
المسؤول عنها بأعلمَ مِن السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمةُ ربَّتها، وإذا تطاولت رُعاة الإبل البهم في البنيان، في خمسٍ لا يعلمهنَّ إلا الله، ثم تلا النبي ﵌: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» الحديث.
وفي «الصحيحين» (^١) أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهنَّ إلّا الله، فقال: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غدٍ، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفسٌ ماذا تَكْسِب غدًا، ولا تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت، وما يدري أحدٌ متى يجيء المطر».
وأخرج الإمام أحمد والبزَّار والضياء المقدسي في «المختارة» (^٢) وغيرهم عن بُريدة قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «خمسٌ لا يعلمهنّ إلا الله: إن الله عنده علم الساعة » (^٣) [الحديث.
وأخرج] (^٤) الشيخان والترمذيّ والنسائيّ وأحمد وغيرهم عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: مَن زعم أن محمدًا ﵌ يخبر الناسَ بما يكون في غدٍ ــ وفي رواية: يعلم ما في غدٍ ــ فقد أَعْظَم
_________________
(١) البخاري (٤٦٩٧) ولم أجده في مسلم من حديث ابن عمر.
(٢) ليس في المطبوع منها.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٩٨٦)، والبزار (٤٤٠٩)، والضياء كما في «جمع الجوامع» (١٢٢٨٧).
(٤) ما بين المعكوفين مطموس، ولعله ما قدّرتُه.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
على الله الفِرْيَةَ، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١) [النمل: ٦٥].
والعلم المنفيّ في الآية والأحاديث هو العلم الذاتيّ، فلا يُنافي أنّ الله تعالى قد يُظهر الرسلَ على شيءٍ من الخَمْس وغيرها، فهذا القرآن مَلْآنُ بالإخبار عما سيكون يوم القيامة، وهو داخلٌ فيما سيكون في غدٍ.
وأحاديثُ الشفاعة نصٌّ على أنه ﵌ أُعْلِم ببعض ما سيكون له يوم القيامة، وذلك داخل في قوله تعالى: ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾. والمراد بالعلم فيها العلم القطعيّ، فلا يُنافي هذا ظنّ نزول المطر وغيره، وظنّ صاحب الرؤيا والمحدَّث، وظنّ المنجّم والكاهن ومَن في معناهما.
نعم إن الله تعالى لا يظهر أحدًا كائنًا مَن كان على كل شيءٍ من غيبه، بل الثابت إظهار الرسل على بعض الجزئيات بحسب ما تقتضيه الحكمة.
[*٧] والحاصل أن الأدلة على أنه ﵌ لم يكن مُظْهَرًا على جميع الغيب لا تُحصَى من الكتاب والسنة، وبذلك يتعيّن حمل قوله ﵌: «فتجلّى لي كلُّ شيء وعرفتُ » على الأشياء التي يختصم فيها الملأ الأعلى، كما يدلّ عليه السياق (^٢).
_________________
(١) البخاري (٣٢٣٤) من طريق القاسم عن عائشة وليس فيه هذا اللفظ، ومسلم (١٧٧)، والترمذي (٣٠٦٨)، والنسائي في «الكبرى» (١١٤٦٨)، وأحمد (٢٤٢٢٧) كلهم من طريق مسروق عن عائشة.
(٢) انظر ما سبق (ص ٣١٨).
[ ٤ / ٣٢٣ ]